######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: عيون التفاسير للفضلاء السماسير للسيواسي #META# المؤلف: أحمد بن محمود السيواسي #META# تاريخ وفاة المؤلف: 860 ه. #META# المحقق: بهاء الدين الدارتما #META# عدد المجلدات: 4 #META# الناشر: دار صادر #META# مكان الطبع: بيروت #META# تاريخ الطبع: 1427 ه. #META# الطبعة: الأولى #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# IslamShort: 0 #META# Bk: عيون التفاسير للفضلاء السماسير للسيواسي #META# BkId: 42488 #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما قيما، لا يحوم حوله عوج، وجعله كتابا ~~محكما بنظم معجز ناطق بالبينات والحجج، والصلوة على رسوله المصطفى لقمع ~~الضلال ورفع الهدى، محمد وآله وصحبه، مصابيح الدجى. # أما بعد: # فإن كتاب الله المجيد هو منبع الأصول الدينية ومجمع الأحكام الشرعية، هو ~~المختص بوصف الفصاحة والبلاغة من بين سائر الكتب السماوية لانتهائه إلى حد ~~الإعجاز وغاية الإيجاز، لا سبيل لأحد إلى درك ما فيه من الأسرار والمعاني ~~إلا بتأييد إلهي أو بامداد نبوي. # وقد صنف كثير من العلماء الأعلام وأنصار ملة الإسلام تفاسير تكشف عن ~~أسراره وتشرق عن أنواره بعبارات رائقة وتركيبات شائقة، ولكن كان الإطلاع ~~لبعض طلاب العجم والعرب من أهل الفضل والأدب على تلك الأسرار والأنوار صعبا ~~منها لدقة مسالكها وغموض مسابكها من الكشف الشافي والبيان الوافي، فالتجأت ~~إلى الله الوهاب، ملهم الصواب مع قلة البضاعة وقصور الباع في هذه الصناعة ~~أن أنتخب من تلك التفاسير تفسيرا مختصرا، قريبا من التناول، بعيدا من ~~التفاضل، شافيا في كشف حقائقه، وافيا لدرك دقائقه تيسيرا لكل طالب فهيم أن ~~يكون ذا حظ من علم القرآن العظيم، إذ به انتظام صلاح العباد واغتنام الفلاح ~~في المعاد، من تحلى به فقد فاز بالقدح المعلى، ومن تخلى عنه يحشر يوم ~~القيامة أعمى، متوكلا على واهب العقل السليم والهادي إلى الصراط المستقيم. # وسميته «عيون التفاسير للفضلاء السماسير»، فان تر فيه شيئا من الخلل ~~والفتور فانسبه «1» إلى العجز والقصور، وإن تعثر على ما تقر به عينك فاعرفه ~~من فيضان نور رب العالمين أو الإمداد من جناب «2» سيد المرسلين. PageV01P019 ### || مقدمة # يذكر فيها أشياء يحتاج المفسر إليها، # منها معرفة الإنزال والتنزيل، وكيفية النزول، قيل: للمحققين في الإنزال قولان: # الأول: أن مجموع القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى ملك السماء الدنيا وهو ~~العقل الفعال دفعة واحد. # والثاني: أنه أنزل من اللوح إلى العقل دفعة واحدة مقدار ما ينزل في سنة ~~واحدة بحسب المصالح، فعلى القول الأول يكون الإنزال من ms0001 العقل الأول إلى ~~قلبه عليه السلام في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين على الاختلاف، وعلى الثاني ~~يكون الإنزال من اللوح إلى قلبه عليه السلام في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين «1». # والتنزيل ظهور القرآن بحسب الاحتياج بواسطة جبرائيل على قلب النبي عليه ~~السلام، وفيه طريقان: # أحدهما: أن النبي عليه السلام كان ينخلع من الصورة البشرية إلى الصورة ~~الملكية، ويأخذه من جبرائيل بحسب المصالح، وهو الأصعب، وثانيهما: أن الملك ~~كان ينخلع من صورته إلى صورة البشر حتى يأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~منه عليه السلام، ففي التنزيل تدريج دون الإنزال. # واختلفوا في كيفية النزول، فبعضهم قال: إنه ظهور القرآن «2» على قلب ~~الرسول من غير انتقال، من قولهم: # أنزل على فلان سرور ونزل بفلان غم إذا ظهر، وقال بعضهم: إن الله أفهم ~~كلامه جبرائيل في السماء وهو متعال عن المكان، فتمثل فيه ثم جاء جبرائيل من ~~السماء إلى الأرض، وعلم النبي عليه السلام قراءته، فلا انتقال في كلامه ~~تعالى أصلا. # ومنها معرفة التفسير والتأويل، والفرق بينهما، قالوا: التفسير في الأصل ~~هو الكشف والإظهار، وحده: # توضيح معنى الآية وشأنها وقصتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل عليه ~~دلالة ظاهرة، والتأويل في الأصل: # الترجيع، وحده: صرف الآية من معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان ~~المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة، مثالهما ما يقال في قوله تعالى ~~«يخرج الحي من الميت» «3»، إن أراد منه إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، ~~وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلا، والأول ~~يحتاج إلى السماع من الثقات لتعلقه بالرواية لئلا يقع في ورطة الهلاك لقول ~~النبي عليه السلام «من فسر القرآن برأيه فقد كفر» «4»، وفي رواية، «من فسر ~~القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» «5»، فيحمل الأول على من فسره ولم يصب، لقول ~~أبي بكر رضي الله عنه حين سئل عن معنى «الأب» في قوله تعالى «وفاكهة وأبا» ~~«6» لا أدري ما الأب، فقيل له: قل من PageV01P021 # ذات نفسك، فقال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني ms0002 إذا قلت في القرآن بما لا ~~أعلم» «1». # فالسماع شرط على من يفسره ولو كان واقفا على أحوال التنزيل ووجوه اللغة ~~والإعراب، والثاني لا يحتاج إلى السماع بعد أن وقف على أحوال التنزيل ~~ووجوهه لغة وإعرابا وطرق استعمال الألفاظ على المعاني المرادة حقيقة ومجازا ~~وصراحة وكناية، ووفقه الله بنور البصيرة لأن يقف على أسرار القرآن وكيفية ~~استنباط المعاني المكنونة تحت كلماته المصونة لتعلقه بالدراية لقول النبي ~~عليه السلام لابن عباس رضي الله عنه: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ~~«2»، ولقول علي رضي الله عنه: «لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة ~~الكتاب» «3»، أشار به إلى كثرة معاني القرآن وأسراره، لا يطلع عليها إلا من ~~وفقه الله بنور البصيرة الخاصة، قال أبو الليث رحمه الله في تفسيره: «إذا ~~لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس ~~بأن يفسره كما سمع ويكون ذلك على سبيل الحكاية» «4»، ففيه إشارة إلى جواز ~~نقل المسموع من التفسير إلى الغير من غير تبديل المعنى. # ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ لما روي عن السلف: أن من تكلم في شيء من علم ~~التنزيل ولم يعلم الناسخ من المنسوخ كان ناقصا، وقد روي المنع عن علي رضي ~~الله عنه حين دخل في المسجد ورأى رجلا يفسر القرآن والناس حوله، فقال له: ~~«أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال: هلكت وأهلكت، لا تفسر بعد» «5»، ~~ولأن النسخ بيان منتهى الحكم، والحكم قد يختلف بتبدل مصالح الخلق على ~~اختلاف الأزمنة، فجاز ذلك. # ومنها معرفة المكي والمدني لجواز اختلاف الحكم باختلاف التاريخ والنسبة ~~إلى مكة أو المدينة، وتحققها باعتبار إقامة النبي عليه السلام باحديهما ~~سواء نزلت الآية فيها أو في الخارج عنها، حيث كان صلى الله عليه وسلم قريبا ~~منها أو بعيدا، وقيل: باعتبار البلد وقربه «6». # ومنها معرفة نظم التركيب والترتيب بالأصول المعتبرة في فن البلاغة ~~والفصاحة، فان من تصدى لتفسير القرآن وقد عري عنها احتجت عنه مستودعات ~~حقائقه ومسترات دقائقه، وبالله أستعين على إتمام ما نويته، وأستعيذ من ms0003 ~~الزلق فيما نحوته، وأسأله أن يلهمني ما أراد من كتابه العزيز، ويهديني إلى ~~تحقيقه من البارز والكنيز، أنه خير مسؤول وأكرم مأمول. PageV01P022 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة الفاتحة ### || [سورة الفاتحة (1): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # سميت بها، لأن القرآن افتتح بها لكونها أول سورة نزلت بكمالها على أكثر ~~الأقوال، وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة من الأمم، وسميت مثاني أيضا، ~~لأنها نزلت مرتين أو لأنها تثنى في الصلوة، والصحيح أنها مكية، نزلت على ~~النبي عليه السلام بحراء لأجل صلوة علمه جبريل عليه السلام إياها بشرائطها ~~ليعبد الله تعالى بها. # واختلفوا في البسملة، منهم من قال: إنها ليست بآية من الفاتحة ولا من ~~غيرها، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، وعليه أبو حنيفة رضي الله ~~عنه ومن تابعه، ولذا لا يجهر بها في الصلوة عندهم، ومنهم من قال: # إنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي رضي الله عنه وأصحابه، ~~ولذا يجهرون بها في الصلوة الجهرية «1»، روي عن ابن عباس رضي الله: «من ~~تركها فقد ترك مائة وأربع آية من كتاب الله» «2». # والباء فيها يتعلق بفعل مقدر بعدها لاهتمام ذكر الله تعالى بالابتداء ردا ~~للكفار عن إرادة الاهتمام بذكر أسماء أصنامهم، حيث كانوا يقولون: باسم ~~اللات، باسم العزى، وأما تقديم الفعل في «اقرأ باسم ربك» «3» فلأن الاهتمام ~~فيه الأمر بالقرآءة. # ومعنى (بسم الله) بسم الإله الذي تحير الناظرون في عظمته وجلالته، من أله ~~إذا تحير من الولاهة أو من أله إذا عبد من الألوهة، والحق أنه ليس بمشتق، ~~بل اسم غير صفة، علم للذات القديم المستجمع لجميع الصفات الحميدة، وإلا ~~لكان كليا تعالى عنه، ولأنه لو كان صفة لم يبق للصفات موصوف تجري هي عليه ~~وهو مما لا بد منه لفظا أو تقديرا لئلا يلزم الخروج عن استعمال العرب، ولا ~~يفخم لامه إذا كان ما قبله مكسورا للثقل. # (الرحمن) أي الذي يرحم كافة الخلق بايصال الرزق والنفع إليهم في الدنيا، ~~من الرحمة، وهي في الأصل التعطف، واستعملت للأنعام ms0004 مجازا هنا، وقال ابن ~~الحاجب: «الرحمن مجاز لا حقيقة له» «4». # (الرحيم) [1] أي الذي يرحم المؤمنين خاصة يوم القيامة بترك عقوبة من ~~يستحقها وإيصال الثواب لهم في الجنة، وإنما ترك رعابة الترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى تعظيما لله تعالى بالوصف الأبلغ وتتميما بالوصف الألطف. PageV01P023 # والفرق بينهما أن الرحمن عام معنى وخاص لفظا، لا يطلق على غيره تعالى، ~~والرحيم خاص معنى وعام لفظا، يطلق على غيره ويسمى به. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 2] # الحمد لله رب العالمين (2) # (الحمد) أي جميع المحامد والأثنية (لله) معبود الخلق بالحق عينية كانت أو ~~عرضية، فاللام فيه للاستغراق عند أهل السنة، والحملة مبتدأ وخبر، محلها ~~نصب، مفعول أمر مقدر من القول لتعليم عباده «1» كيف يحمدونه؟ # تقديره: قولوا «الحمد لله»، ولذا لم يقل «الحمد لي»، وفيه معنى الشكور ~~والمدح، لكن الحمد أعم من الشكر، لأن الحمد يقال في مقابلة النعمة وغيرها، ~~والشكر لا يقال إلا في مقابلة النعمة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، والحمد ~~باللسان وحده، قيل: «الحمد رأس الشكر» «2»، لأن عمل اللسان أوضح دلالة على ~~الثناء بخلاف عمل القلب لخفائه، وبخلاف عمل الجوارح لاحتمال فيه، والمدح ~~أعم من الحمد لاقتضاء الحمد صدق الحامد في المحمود، والمدح لا يقتضي صدق ~~المادح في الممدوح، فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمد. # (رب العالمين) [2] أي مربي جميع الخلق ومالكهم، وال «رب» مصدر بمعنى ~~الفاعل، يستعمل للسيد، إذا دخل فيه لام التعريف اختص بالله، وإضافته تعم، ~~يقال: رب العرش ورب الدار، وكذا تنكيره، والعالم كالخاتم اسم ما سوى الله ~~من الجواهر والأعراض، وإنما سمي به لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم ~~جمع لا واحد له من لفظه، وجمع بجمع العقلاء تغليبا لهم على غير العقلاء، ~~لأن كل شيء دال على وحدانية الله، فكأنه عالم يتعلم منه ذلك ويستدل. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 3] # الرحمن الرحيم (3) # (الرحمن الرحيم) [3] صفة بعد صفة، كررهما لتأكيد رحمته على خلقه وبيان ~~سبقها على غضبه. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 4] # مالك يوم الدين (4) # (مالك يوم الدين) [4] صفة أخرى لبيان جبورته واختصاص الحكم به ms0005 ثمه، أي ~~حاكم يوم الحساب والجزاء، يعني لا ينازعه أحد في ملكه وحكمه كالمتنازعين في ~~الملك والحكم في الدنيا، وقريء «ملك» «3» بمعنى المالك، قيل: الملك من ~~الملك بالضم عام من جهة المعنى، وفيه معنى التسلط، والمالك من الملك بالكسر ~~خاص «4»، وفيه معنى الاستحقاق، فكل مالك ملك وليس كل ملك مالكا - وإضافة ~~اسم الفاعل إلى الظرف اتساع، وهو جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به، ~~كقولهم: يا سارق الليل، والمعنى على الظرفية، أي مالك الأمر كله في يوم ~~الدين، وهي إضافة حقيقية بمعنى الاستمرار، فجاز وقوعه صفة للمعرفة، وخص ذكر ~~«يوم الدين» مع أنه مالك يومه وغيره ليدل على أنه لا مالك لأحد في ذلك ~~اليوم، والمراد منه الوقت المطلق من النهار والليل، وهو يوم اللغوي لا يوم ~~العرفي وهو مدة من طلوع الشمس إلى غروبها ولا الشرعي وهو من طلوع الفجر ~~الثاني إلى غروبها، إذ لا شمس يوم الدين. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 5] # إياك نعبد وإياك نستعين (5) # (إياك نعبد) أي نخصك بالتوحيد والعبادة، وفيه التفات من الغيبة إلى ~~الخطاب ليكون تفرقة بين حالتي PageV01P024 # الحامد، وهما المدح للغائب بسبب استحقاقه كل الحمد، والحكاية عن نفسه ~~ببيان أحواله على وجه التذلل والخضوع بين يدي الغائب بالخطاب إليه مبالغة ~~في استحصال مقصوده منه. # (وإياك نستعين) [5] أي ونخصك بطلب المعونة منك على جميع أمورنا، وتكرير ~~«إياك» لنفي احتمال، ونستعين بغيرك، وقدمت العبادة على الاستعانة، لأن ~~الوسيلة تقدم على الطلب، وإنما قرنت بها جمعا بين ما يتقرب به إلى الله ~~وبين ما يطلب للحاجة. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 6] # اهدنا الصراط المستقيم (6) # قوله (اهدنا الصراط المستقيم) [6] استئناف، كأنه قيل: كيف أعينكم، ~~فقالوا: اهدنا، أي ثبتنا على صراطك الموصل إلى المطلوب، وهو الطريق الواضح ~~الذي لا عوج فيه، وهو الإسلام أو القرآن وما فيه من الأدب والأحكام، وقيل: ~~«أمتنا على الهداية» «1»، لأنهم كانوا مهتدين. ### || [سورة الفاتحة (1): آية 7] # صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) # وتبدل من الصراط (صراط الذين أنعمت عليهم) أي طريق أحبائك الذين اصطفيتهم ~~بالإيمان ومننت ms0006 عليهم بعبادتك على «2» الاستقامة والمشاهدة، وهي العبارة عن ~~الإحسان في الحديث «3» وهم الأنبياء والأولياء. # قرئ في ال «صراط» «4» بالسين وبالصاد الخالصة وباشمام الصاد الزاي. # (غير المغضوب عليهم) مجرور بكونه نعتا ل «الذين أنعمت» أو بدل منه وإنما ~~جاز الوصف به هنا، لأن المضاف إليه ضد المنعم عليهم، فلم يبق في «غير» ~~إبهام يأبى عن ذلك، أي صراط غير الذين غضب عليهم باللعنة والخذلان، فتركوا ~~الإسلام، وغضب «5» الله إرادة الانتقام من العصاة والكفار، وهم اليهود ~~لقوله تعالى «من لعنه الله وغضب عليه» «6»، قيل: «عليهم» بعد «أنعمت» ~~مفعوله، وبعد «المغضوب» فاعله - «7» # (ولا الضالين) [7] أي وصراط غير الذين ضلوا عن طريق الهدى بمتابعة الهوى، ~~وهم النصارى لقوله تعالى «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا «8»» ~~«9»، قيل: «لا» فيه بمعنى الغير أو في «غير» معنى النفي، فلذا جاز العطف مع ~~«لا» مع انتفاء شرطه هنا، وهو أن يكون في المعطوف عليه لا مثلها - «10» # قوله (آمين) بالمد والقصر مع التخفيف «11»، اسم فعل مبني على الفتح، لأنه ~~صوت بمعنى استجب «12» أو افعل يا رب مرويا عن النبي عليه السلام «13»، وروي ~~أيضا أنه قال: «لقنني جبريل آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب» وقال: ~~«إنه كالختم على الكتاب» «14»، أي كالطابع على الصحيفة يمنع من اطلاع أحد ~~على ما فيه، PageV01P025 # وهو ليس من الفاتحة ولا من القرآن، لأنه لم يكتب في مصحف الإمام «1»، ولم ~~ينقل أحد من السلف أنه قرآن، ومن اعتقد بذلك فقد أخطأ وارتد بافتاء الخلف، ~~ولذا يقرأ مفصولا عن الفاتحة، ونقل عن أبي حنيفة رحمه الله ومن تابعه أنه ~~يخفى بعد قراءة الفاتحة، وعن الشافعي رحمه الله وأصحابه أنه يجهر به الإمام ~~والمأموم لما روي عن وائل بن حجر: أن النبي عليه السلام كان إذا قرأ «ولا ~~الضالين» قال آمين ورفع صوته بها «2»، فقراءته بعد الفاتحة سنة بالإجماع ~~للخبر، وروي حذيفة بن اليمان أن النبي عليه السلام قال: «إن القوم ليبعث ~~الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب «الحمد ms0007 لله ~~رب العالمين» فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة» «3». PageV01P026 ### | سورة البقرة # مدنية، قيل يجوز أن يقال: «قرأت البقرة وسورة البقرة» لورود العبارتين في ~~الأحاديث «1»، وقيل: إطلاق البقرة إذا ضم إليها ما لم يشكل به كالإنزال ~~والقراءة دون المس والنظر «2». # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة البقرة (2): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) # (الم) [1] قيل: هو سر بين الله ورسوله لا يعلم إلا بنور النبوة «3»، ~~وقيل: من المكتوم الذي لا يفسر وفائدته الإيمان به «4»، وقيل: إنه قسم، ~~أقسم الله به أن القرآن هو الكتاب الذي أنزل من عنده على محمد رسوله ~~بجبرائيل «5»، يعني ليس من تلقاء نفسه، وقيل: كل حرف من الحروف المقطعة في ~~أوائل السور مفتاح اسم من أسمائه الحسنى، فمعنى «الم» الله اللطيف المجيد ~~أنزل عليك الكتاب الموعود في التورية والإنجيل «6». # وهي آية عند الكوفية بالعلم التوقيفي، وكذا سائر الفواتح خلافا للبصرية، ~~وهي أسماء حقيقة، حروف مجازا، لأنه حكي عن الخليل أنه قال لأصحابه: كيف ~~تلفظون بالكاف في لك «7» والباء في ضرب؟ فقالوا: # كاف، با، فقال: قلتم بالاسم لا بالحرف، وأنا أقول كه، به «8»، فدل ذلك ~~على اسميتها، وإنما لم تعرب لعدم العامل فيها، ولا محل من الإعراب عند من ~~لم يجعلها أسماء للسورة كالجملة المبتدأة، وعند غيره يجوز الرفع إما على ~~الابتداء أو على الخبرية، والنصب على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم فيها، ~~والجر لصحة القسم بها باضمار حرف الجر، وتقديره فيها كما قيل في قولهم الله ~~لأفعلن بالنصب والجر على اللغتين «9»، وسكونها وقف وليس ببناء، وإلا لكان ~~ككيف وأين، كأنه قال: أقسم بهذه السورة «10». ### || [سورة البقرة (2): آية 2] # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) # (ذلك) أي هذا (الكتاب) أي الكامل الذي وعدته بانزاله، وانما أشار بذلك ~~إلى ما ليس ببعيد، لإن الكتاب من حيث كونه موعودا، قيل: يجوز أن يكون «الم» ~~مبتدأ عند من جعله اسما و«ذلك» «11» مبتدأ ثانيا، و«الكتاب» خبره، والجملة ~~خبر المبتدا الأول وأن يكون «الم» خبر «12» مبتدأ محذوف، أي هذه الم، ms0008 ~~و«ذلك» «13» خبرا ثانيا، و«الكتاب» صفته، وأن يكون «الم» جملة بمعنى هذه ~~الم ويكون «14» «ذلك» مبتدأ، PageV01P027 # خبره «الكتاب»، وهو صفته والخبر (لا ريب فيه) أي لا شك في «1» أنه من عند ~~الله، وهو خبر في معنى النهي «2»، أي لا ترتابوا أو لا شك عند أهل العقل ~~والإيمان به، والشك: هو التردد بين النقيضين لا ترجيح لأحدهما على الآخر ~~عند الشاك، لم يقدم الظرف على الريب لئلا يذهب الفهم إلى أن كتابا آخر فيه ~~الريب لا فيه. # قوله (هدى) خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدي، أي رشد وبيان، والمراد ما يهتدى ~~به أو متبدأ خبره محذوف، أي فيه هدى أو حال من «الكتاب»، والعامل فيها ما ~~في اسم الإشارة من معنى الفعل، يعني أشير أو أنبه إليه هاديا (للمتقين) [2] ~~أي للضالين الصائرين إلى التقي بعد الضلال، فاختصر الكلام اعتبارا للتسمية ~~بما يؤول إليه، ولو قال للضالين لدخل فيهم الفريق الباقون على الضلالة وهم ~~المطبوع على قلوبهم، وليس الكتاب هدى لهم، وقيل: خص المتقون بالذكر لأنهم ~~هم المنتفعون بالهدى «3»، والتقوى: صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من ~~فعل أو ترك، قيل: لا يدخل في التقوى اجتناب الصغائر إذا تاب عن الكبائر، ~~لأنها مكفرة عن مجتنب الكبائر «4»، وقيل يدخل فيه لقوله عليه السلام: «لا ~~يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 3] # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) # ثم وصف المتقين على طريق الكشف والبيان بقوله (الذين يؤمنون بالغيب) أي ~~يصدقون في حال الغيبة بخبر البعث والجنة والنار وغير ذلك من أخبار النبي ~~عليه السلام، فيكون «الغيب» مصدرا، والباء متعلقا بمحذوف، محله نصب على ~~الحال، أي يؤمنون ملتبسين بالخفاء والغيبة كالتباسهم بالحضور لا ~~كالمنافقين، وقيل: الغيب فيعل «6»، خفف كالميت، وهو الخفي عن العيون، لا ~~يعلمه ابتداء إلا اللطيف الخبير، وقيل: الغيب بمعنى الغائب «7»، والباء صلة ~~الإيمان، وهو الله أو القرآن، يعني يقرون بأن الله إله واحد لا شريك له أو ~~بأن القرآن حق ms0009 نازل من عند الله، والإيمان التصديق بالقلب لغة، وفي الشرع ~~هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان على ما هو الحق، والتصديق بالعمل وهو ~~المنقول من السلف، والإسلام هو الخضوع والانقياد بما أخبره الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، فكل إيمان إسلام دون العكس، قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو ~~منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر «8». # (ويقيمون الصلاة) أي يؤتونها «9» بحقوقها، من أقام الأمر إذا أتي به مع ~~إعطاء حقوقه، والصلوة بمعنى الدعاء لغة، وفي الشرع: أفعال مخصوصة كالطهارة ~~وستر العورة واستقبال القبلة ورعاية الوقت، وأركان معلومة كتكبيرة الافتتاح ~~والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة «10» وغير ذلك مع «11» ~~النية، والمراد الصلوات الخمس أو أعم منها، قيل: إن العبد إذا صلى صلوة ~~تقبل منه خلق الله منها ملكا يقوم ويصلي لله تعالى إلى يوم القيامة وثوابه ~~لصاحب الصلوة «12»، والمراد من إقامتها تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ ~~في فرائضها وسننها وآدابها. # (ومما رزقناهم) أي مما أعطيناهم من الرزق، وهو اسم ما ينتفع به ذو حيوة ~~من الخلق، وإسناده إلى نفسه تعالى إيذان بأن يكون حلالا صرفا، وأدخل فيه ~~«من» للتبعيض دفعا للإسراف والتبذير المنهي عنهما PageV01P028 # (ينفقون) [3] أي يخرجون عن أيديهم في سبيل الله، والإنفاق: هو الإخراج عن ~~اليد، وهو يتناول صدقة الفريضة والتطوع، قيل: نزلت هذه الآيات فيمن آمن من ~~العرب - «1» ### || [سورة البقرة (2): آية 4] # والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) # ونزل فيمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى «2» (والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك) أي بالقرآن كله، وفيه تغليب للموجود على ما لم يوجد بعد من ~~الآيات (وما أنزل من قبلك) أي ويؤمنون بالذي أنزل قبلك من التورية والإنجيل ~~وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء (وبالآخرة هم يوقنون) [4] أي وبالدار ~~الآخرة من دار الدنيا، هم يعلمون بغير شك، فلا يغفلون عنها ولا يعملون بما ~~يعاتبون أو يعاقبون عليه، وفي تقديم الآخرة وبناء «يوقنون» على «هم» تعريض ~~لليهود والنصارى حيث قالوا: «لن ms0010 يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى»، ~~وقالوا: «لن تمسنا النار إلا أياما معدودات»، فانهم أثبتوا أمر الآخرة على ~~خلاف حقيقته، لأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، فدل التقديم على التخصيص بأن ~~إيقان من آمن بما أنزل إليك وبما أنزل من قبلك مقصور على الآخرة الحقيقية ~~لا يتجاوز إلى ما أثبته الكفار بالإقرار من أهل الكتاب، والإيقان علم بلا ~~شك بعد أن لم يكن، ولذا لا يطلق على علم الله يقين. ### || [سورة البقرة (2): آية 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # (أولئك) أي أهل هذه الصفة (على هدى) أي على بصيرة ورشد (من ربهم) في ~~الدنيا، يعني بين لهم طريق الفلاح قبل الموت (وأولئك هم المفلحون) [5] أي ~~الفائزون بالجنة والناجون من النار يوم القيامة، وتكرير «أولئك» للدلالة ~~على أن كل واحد من الحكمين مستبد في تميزهم به عن غيرهم، فكيف بهما، وتوسط ~~العطف بينهما تنبيه على تغايرهما في الحقيقة، وفائدة الفصل بين المبتدأ ~~والخبر الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، وأن المسند ثابت للمسند إليه ~~دون غيره. ### || [سورة البقرة (2): آية 6] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) # ثم ابتدأ بقصة الكفار بعد قصة المؤمنين بترك العطف للتباين الكلي بينهما ~~فقال (إن الذين كفروا) أي ستروا الحق وجحدوه وهو القرآن ونبوة محمد عليه ~~السلام (سواء عليهم) أي مستو لديهم (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي الإنذار ~~وعدم الإنذار، والهمزة فيه لمجرد الاستواء لا للاستفهام، وهذا المعنى صير ~~الفعل في تقدير الاسم، فوقع مبتدأ و «سواء» خبره مقدما عليه، والجملة خبر ~~«إن»، قرئ «3» بهمزتين محققتين وبتسهيل الثانية فقط، وبتسهيلهما مع إدخال ~~ألف بينهما وبابدالها ألفا، المعنى: خوفتهم أم لم تخوفهم (لا يؤمنون) [6] ~~جملة مؤكدة لخبر «إن»، أي لا يصدقون بك وبما جئت به من القرآن، قيل: «هم ~~المصرون على الكفر مثل كعب بن الأشرف وحي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب من ~~رؤساء اليهود» «4»، وقيل: هم مشركو العرب «5»، فعلى هذا عام مخصوص باسلام ~~من أسلم ms0011 ومن لم يسلم إلى انتهاء الدنيا. PageV01P029 ### || [سورة البقرة (2): آية 7] # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) # (ختم الله) أي طبع الله بضرب الخاتم (على قلوبهم) وقفلها بخذلانه «1» ~~لئلا ينفذ الحق فيها من قبل إعراضهم عنه في الظاهر واستكبارهم عن قبوله ~~مجازاة لكفرهم، والقلب: قطعة لحم مشكل بالشكل الصنوبري معلق بالوتين ~~مقلوبا، وإسناد الختم إلى الله للتنبيه على أن إباءهم عن قبول الحق كالشيء ~~الخلقي غير العرضي (وعلى سمعهم) أي على مواضع سمعهم، فهم لا يسمعون الحق ~~ولا ينتفعون به، وإنما وحد السمع مع أنه مضاف إلى ضمير الجمع لأنه مصدر أو ~~لأمن اللبس كما في قوله كلوا في بعض بطنكم «2»، أي بطونكم، إذ البطن لا ~~يشترك فيه، وكرر «على» للدلالة على شددة الختم في الموضعين (وعلى أبصارهم ~~غشاوة) برفع التاء مبتدأ وخبر، والبصر: نور العين، يبصر به الشيئ «3»، أي ~~استقر على أبصارهم غطاء أي غطاء، يعني غير ما يتعارفه الناس وهو غطاء ~~التعامى عن آيات الله تعالى، فلا يبصرون الهدى بالنظر والاستدلال (ولهم ~~عذاب عظيم) [7] أي لهم من بين الآلام نوع عظيم دائم في الآخرة، لا يعلم ~~كنهه إلا الله، وال «عذاب»: هو العقاب الذي يرتدع به الجاني عن العود إلى ~~الجناية، وال «عظيم»: ضد الحقير كما أن الكبير ضد الصغير، ويستعملان في ~~الجواهر والأعراض. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 8 الى 9] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) # قوله (ومن الناس) إلى ثلاث عشرة آية، عطف على قصة الكافرين، نزل: في شأن ~~المنافقين من اليهود كعبد الله بن سلول وأصحابه «4»، فانهم يبطنون الكفر ~~ويظهرون الإسلام ليسلموا من المؤمنين، ف «من» للتبعيض، أي منهم (من يقول) ~~أي ناس يقرون «5» باللسان (آمنا) أي صدقنا (بالله وباليوم الآخر) أي الوقت ~~الدائم الذي هو آخر الأوقات المنقضية، والمراد به البعث، واختص الإيمان ~~بالله واليوم الآخر بالذكر لأنهم أوهموا فيه أنهم أحاطوا الإيمان بأوله ~~وآخره، أي المبدأ ms0012 والمعاد، فوجب أن يكون مؤمنين جزما بالإيمانين، ولذلك ~~كرروا الباء في دعويهم على وجه الصحة والاستحكام، والواو للحال في (وما هم) ~~أي ليسوا (بمؤمنين) [8] أي بمصدقين بالله لقولهم: عزير بن الله، ولا ~~بمصدقين «6» بالبعث، لأنهم اعتقدوا «7» على خلاف صفته لقولهم: إن الآخرة لا ~~أكل فيها ولا شرب ولا نكاح ونعيمها ينقطع، وفي الحكم عليهم بأنهم ليسوا ~~بمؤمنين نفى ما ادعوه على سبيل البت والقطع، لأنه نفى أصل الإيمان منهم ~~بادخال الباء في خبرها، ولذا لم يقل: وما هم من المؤمنين، فان الأول أبلغ ~~من الثاني، و«من» موصوفة إن كانت اللام في الناس للجنس، وموصولة إن كانت ~~للعهد، لأن الكافر عام شامل للفريقين المصرين في الكفر وغير المصرين، ثم خص ~~بقوله «ختم الله»، وخص هنا بقرينة أخرى بالمنافقين، وهي توحد وتجمع نظرا ~~إلى اللفظ والمعنى، فلذا قال: «يقول وما هم»، والباء زائدة لتأكيد النفي ~~كما في خبر ليس، المعنى: أن بعض الناس يدعون الإيمان وهم كاذبون في دعويهم ~~ذلك، وبين ذلك بقوله (يخادعون الله) أي يخالفون الله أو نبي الله، وذكر ~~الله تحسين (والذين آمنوا) أي يخالفون «8» المخلصين في إيمانهم باظهار ~~الإيمان باللسان وستر الكفر في القلب، وأصل الخدع الستر، ولذا يقال للمخزن ~~مخدع، والمفاعلة هنا من واحد، وإنما عدل إليها «9» لقوة الداعي إلى نفس ~~الفعل كعاقبت اللص (وما يخدعون) بالألف المفاعلة من PageV01P030 # واحد وبغير الألف «1»، أي وما يضرون بالخداع (إلا أنفسهم) لأن وباله راجع ~~إليهم لافتضاحهم في الدنيا بنزول القرآن لإظهار نفاقهم وبمعاقبتهم في ~~الآخرة (وما يشعرون [9]) أي ولا يعلمون أن وبال الخداع يرجع إليهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 10] # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) # (في قلوبهم مرض) أي شك وشر مضمر وهو يمرض ويوهن أفئدتهم وهنا يؤدي إلى ~~هلاكهم، لأن النفاق يهلك صاحبه (فزادهم الله مرضا) بامالة الزاء وبغيرها ~~«2»، أي أمدهم الله بمرض آخر على مرضهم، لأن كل آية نزلت عليهم كفروا بها ~~وازدادوا شكا ونفاقا، وهذا معنى الخبر، ويحمل أن يكون دعاء على ms0013 وجه التعليم ~~منه تعالى لجواز الدعاء على المصرين على الكفر والنفاق، لأنهم أهل الذم ~~والطرد إلى الدرك الأسفل (ولهم عذاب أليم) أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم ~~(بما كانوا يكذبون) [10] بتخفيف الذال وبشديده «3»، أي بكذبهم في قلوبهم ~~آمنا أو بتكذيبهم محمدا ونسبتهم إلى الكذب إياه في دعوى النبوة والإخبار ~~بالقرآن. ### || [سورة البقرة (2): آية 11] # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) # (وإذا قيل لهم) حكاية حال المكذبين، قرئ «4» بضم القاف وبكسرها فيه وفي ~~أمثاله في القرآن كغيض وحيل وسيق، أي قال المؤمنون للمنافقين: (لا تفسدوا ~~في الأرض) أي لا تسعوا فيها بالفساد، وهو خروج الشيء عن الاعتدال ~~والانتفاع، ونقيضه الصلاح، يعني لا تعملوا المعاصي باضمار النفاق وصد الناس ~~عن الإيمان، وإسناد «قيل» إلى «لا تفسدوا» إسناد إلى لفظه على تأويل، وإذا ~~قيل لهم هذا القول (قالوا) كذبا منهم (إنما نحن مصلحون) [11] أي نحن لا ~~نفسد والصلاح خالص لنا. ### || [سورة البقرة (2): آية 12] # ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) # (ألا إنهم هم المفسدون) في الأرض بانكار الحق وصد الناس عن دين محمد عليه ~~السلام، و«ألا» كلمة تنبيه للمؤمنين على نفاقهم، وتكرير «هم» لتأكيد ثبوت ~~الفساد فيهم (ولكن لا يشعرون [12]) أنهم أصحاب الفساد أو أنهم يعذبون غدا ~~بنفاقهم، وذكر الشعور بازاء الفساد أوفق، لأنه كالمحسوس عادة. ### || [سورة البقرة (2): آية 13] # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) # (وإذا قيل لهم) أي لهؤلاء المنافقين، وهم اليهود المؤمنون بلسانهم (آمنوا ~~كما آمن الناس) أي كعبد الله بن سلام وأصحابه أو المراد جميع المؤمنين، لأن ~~الناس هم في الحقيقة والباقي كالبهائم لعدم تمييزهم الإيمان عن الكفر ~~(قالوا) أي المنافقون بالإنكار (أنؤمن كما آمن السفهاء) أي الجهال الخفيف ~~العقول، قال تعالى (ألا إنهم هم السفهاء) أي الجهال الخرقي، لا غير بتركهم ~~التصديق في السر الموجب للسعادة الأبدية (ولكن لا يعلمون) [13] أنهم ~~الجهال، وذكر العلم في مقالة السفه أنسب طباقا، لأنه في معنى ms0014 الجهل. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 14 الى 15] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) PageV01P031 # ونزل في شأن المنافقين والمؤمنين «1» (وإذا لقوا) أي استقبلوا (الذين ~~آمنوا) بالحق (قالوا) كذبا (آمنا) كايمانكم في حدوثه ظاهرا (وإذا خلوا) أي ~~مضوا (إلى شياطينهم) أي أصحابهم من المشركين والمنافقين، من شطن إذا بعد ~~لبعده من رحمة الله (قالوا إنا معكم) أي على دينكم وثباته (إنما نحن ~~مستهزؤن) [14] أي ساخرون بمحمد وأصحابه، والاستهزاء: التجهيل والسخرية، ~~يعني نحن نسخر بهم باظهارنا الإيمان، وهو تأكيد لقولهم «إنا معكم»، فرد ~~الله عليهم مستأنفا بقوله (الله يستهزئ بهم) أي يجازيهم جزاء استهزائهم ~~بتجديده دائما يوم القيامة بأن يعذبهم بالنار، وبأن يفتح لهم بابا من الجنة ~~وهم في جهنم، فيساقون منها إلى ذلك الباب، فاذا وصلوا إليه سد الباب عنهم ~~وردوا إلى جهنم والمؤمنون على الأرائك في الجنة ينظرون إليهم ويضحكون، ~~ويفعل بهم ذلك مرة بعد مرة (ويمدهم) أي ويزيدهم بالإمهال، فهو من المدد لا ~~من المد في العمر لقراءة البعض «ويمدهم» من الإمداد (في طغيانهم) أي في ~~تجاوزهم الحد في الكفر والضلالة (يعمهون) [15] حال، أي يتحيرون ويترددون في ~~ضلالتهم عقوبة لهم في الدنيا. ### || [سورة البقرة (2): آية 16] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) # (أولئك الذين اشتروا) أي اختاروا «2» (الضلالة) أي الكفر والعدول عن الحق ~~(بالهدى) أي بدل الإيمان «3» والسلوك في الطريق المستقيم، جعل الهدى كأنه ~~في أيديهم لتمكنهم منه، وهو الاستعداد به فبميلهم إلى الضلالة، عطلوه ~~وتركوه، والباء تصحب المتروك في باب المعارضة، ومنها الاشتراء «4» (فما ~~ربحت تجارتهم) أي إذا اشتروا به ذلك فما ربحوا في تجارتهم، والربح: الزيادة ~~على رأس المال، وهو صنعة التاجر، وإنما أسند إلى التجارة بالمجاز المرشح ~~لاشتراء الضلالة بالهدى المستعمل في الاختيار «5» على وجه التشبيه بجامع ~~الاستبدال «6» لتتميم الكلام وتزيينه (وما كانوا مهتدين) [16] أي مصيبين في ~~تجارتهم لعدم علمهم بطرقها أو وما كانوا ناجين من الضلالة. ms0015 ### || [سورة البقرة (2): آية 17] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) # ثم عقب صفة المنافقين بضرب المثل من أوجه ثلاثة تتميما للبيان، لأن المثل ~~يصير الغائب كالمحسوس فقال مبتدأ بالوجه الأول (مثلهم) أي شبههم في ~~إيمانهم، وهو قول سائر في عرف القرم، يعرف به معنى شيء «7» فيه غرابة (كمثل ~~الذي) أي الذين من باب وضع واحد الموصول موضع الجمع منه تخفيفا لكونه ~~مستطالا بصلته كقوله «وخضتم كالذي خاضوا» «8»، والقرينة ما قبله وما بعده، ~~أي كشبه من (استوقد) أي أوقد في مفازة في ليلة مظلمة (نارا) عظيمة خوفا من ~~السباع وغيرها، وهي جوهر لطيف محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير (فلما أضاءت) ~~أي أنارت (ما حوله) مفعول «أضاءت»، أي ما حول المستوقد من الأماكن ~~والأشياء، و «حول» نصب على الظرف، وأصله الدوران (ذهب الله بنورهم) أي أزال ~~نورهم بالكلية، وذكر ال «نور» أبلغ من ذكر الضوء، لأن فيه دلالة على ~~الزيادة، ولا يلزم من ذهابها ذهاب النور رأسا، وهو جواب «لما» «9» أو جوابه ~~محذوف، أي طفئت ناره، و «ذهب» كلام مستأنف، كأنه قيل: ما حولكم، فقال أخذ ~~الله نورهم (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) [17] أي طرحهم في ظلمة متزائدة، ~~يتكاثف بعضها فوق بعض، لا يبصرون ما حولهم، والظلمة عدم النور فيما شأنه أن ~~يستنير، ومعنى ذلك: أن المنافقين تكلموا بكلمة الشهادة مراءة PageV01P032 # للمؤمنين، فأمنوا بها على أنفسهم «1» وعيالهم ومالهم، ومشوا في ضوءها حتى ~~إذا بلغوا إلى آخر العمر، كل لسانهم عنها وبقوا في ظلمة كفرهم أبد الأبد، ~~وقيل: نزلت الآية في شأن المشركين الذين تمكنوا في حوالي المدينة «2»، ~~فانهم إذا حاربوا أعداءهم كانوا يستنصورن باسم محمد قبل بعثته مقرين ~~بنبوته، ويقولون بحق نبيك محمد أن تنصرنا، فلما بعث النبي عليه السلام وقدم ~~المدينة حسدوه وكذبوه فخمدت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر. ### || [سورة البقرة (2): آية 18] # صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) # ثم استأنف بالوجه الثاني بقوله (صم) أي هم متصامون عن سماع الحق ms0016 وقبوله ~~(بكم) أي خرس عن قول الحق بالإخلاص (عمي) أي فاقدوا الأبصار عن النظر ~~الموصل إلى العبرة التي تؤديهم إلى الهدى، يعني أن الله خلق هذه المشاعر ~~الثلاثة: السمع واللسان والبصر لينتفعوا بها، فاذا لم ينتفعوا مع سلامتها ~~بها جعلوا كأنما انعدمت مشاعرهم (فهم لا يرجعون) [18] عن ضلالتهم إلى الهدى. ### || [سورة البقرة (2): آية 19] # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) # ثم ذكر الوجه الثالث الذي هو أغلظ من الأولين بادخال «أو» للتخيير فيه ~~بقوله (أو كصيب) أي إن شئت شبههم بالمستوقد أو بأصحاب الصيب وهو ما نزل من ~~علو إلى سفل، والمراد المطر، ويقال للسحاب صيب أيضا، وهو معطوف على خبر ~~المبتدأ، أعني كمثل، تقديره: أو مثلهم كمثل أصحاب صيب ينزل (من السماء) أي ~~من السحاب، وفائدة ذكر «من السماء» إيذان بأن السحاب من السحاب يأخذ ماءه، ~~لا كزعم من قال إنه يأخذه من البحر «3» (فيه) أي في الصيب أو في السحاب ~~(ظلمات) رفعه بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف، جمع ظلمة، أقله ~~ثلاثة، فحملت على ثلاث ظلمات، فان عاد الضمير في «فيه» إلى المطر فظلماته ~~تكاثفه وتتابعه والأخرى ظل الغمام كأنه في المطر باعتبار المجاورة، وإن عاد ~~إلى السحاب فظلماته سواده وظلمة تطبيقه والأخرى ظلمة الليل بانضمامها ~~إليهما، والجملة من «فيه ظلمات» في محل الجر صفة ل «صيب» (ورعد) أي وفيه ~~صوت قاصف يسمع من السحاب (وبرق) أي نار خاطفة تخرج من السحاب، وقيل: # الرعد ملك يسوق السحاب، والبرق لمعان يظهر من سوط الملك من النار يزجر به ~~السحاب ليمطر «4» وهو من الصواعق، ولم يجمع الرعد والبرق كظلمات، لأنه روعي ~~أصلهما «5» وهو المصدر، وإن أريد منهما العينيان، والضمير الفاعل «6» يرجع ~~إلى أصحاب الصيب مع كونه مضافا محذوفا، أقيم مقامه الصيب في قوله (يجعلون ~~أصابعهم) أي الأنامل منها، وفي ذكر ال «أصابع» من المبالغة ما ليس في ذكر ~~الأنامل، وهي أنهم يدخلون من شدة الحيرة أصابعهم كله (في ms0017 آذانهم من ~~الصواعق) أي من أجل خوفهم «7»، جمع صاعقة، وهي قطعة نار مهلكة، ينزلها الله ~~تعالى على ما «8» يشاء لتحرقه، من الصعق، وهو الإهلاك «9»، قيل: كل عذاب ~~مهلك صاعقة «10»، روي كان النبي عليه السلام يقول إذا سمع الرعد وصواعقه: ~~«اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» «11»، المعنى: ~~أنهم يدخلون الأنامل في آذانهم إدخالا شديدا للاحتراز عن سمع الصواعق (حذر ~~الموت) مفعول له، أي لأجل مخافة الهلاك، والموت عبارة عن فساد البنية من ~~الحيوان (والله PageV01P033 # محيط) أي محدق بالعلم والقدرة (بالكافرين [19]) أي بأعمالهم الخبيثة، لا ~~يفوت أحد منهم وقت التعذيب ثمه، والإحاطة: إدراك الشيء من جميع جوانبه. ### || [سورة البقرة (2): آية 20] # يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ~~ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20) # ثم استأنف ببنان تهويل حال البرق، كأنه قيل: كيف ما لهم مع البرق، فقال ~~(يكاد) أي يقرب (البرق يخطف) أي يسلب سرعة (أبصارهم) أي نورها «1» من شدة ~~ضوء البرق، وجملة «يخطف» في محل نصب خبر «يكاد»، وشرط خبر كاد أن يكون فعلا ~~مضارعا بلا أن للاستقبال، لأنه موضوع لمقاربة وقوع الفعل المتأول باسم ~~الفاعل، ولذا لم يقل: أن يخطف (كلما أضاء) أي أنار البرق الطريق في الليلة ~~المظلمة (لهم مشوا) أي ساروا (فيه) أي في ضوءه (وإذا أظلم) أي ذهب ضوءه ~~فصار الطريق مظلما (عليهم قاموا) أي وقفوا متحيرين في مكانهم، قيل: استعمل ~~«كلما» مع الإضاءة و «إذا» مع الإظلام، لأن تكرير الفعل منهم في الإضاءة ~~مطلوب، وفي الإظلام ليس بمطلوب لهم «2»، المعنى: أن المنافقين شبهوا في ~~نفاقهم وضلالتهم عن الهدى بمن كان في ليلة مظلمة في مفازة، فنزل مطر من ~~السماء، وفيه ظلمات ورعد وبرق، لا يمكن المشي فيها، ويجعل أصابعه في أذانه ~~من هول الرعد، ويختلس البرق ببصره من شدة ضوءه، فكلما أضاء الطريق عند ذلك ~~يمشي فيه، وإذا أظلم عليه بقي متحيرا في مكانه، لأن المنافقين إذا تكلموا ~~بكلمة الشهادة ms0018 ليستأنسوا المؤمنين ويمضون معهم آمنين من السيف والسبي مع ~~كتمان الكفر في قلوبهم، وكلما أظهر لهم علامة من علامات نبوة محمد عليه ~~السلام مالوا إليه مدة، وإذا أصاب المسلمين محنة كمحنة يوم أحد ثبتوا على ~~كفرهم وإذا قرئ «3» القرآن عليهم «4» يتصاممون عن استماع آياته المنذرة ~~والمبشرة مخافة أن ينزل عليهم شيء يكشف سرهم ويظهر حالهم أو مخافة ميل ~~القلب إلى الإيمان لكونه عندهم كفرا، فالمطر القرآن، لأنه ينزل من السماء ~~لإصلاح الناس وحيوة قلوبهم كالمطر ينزل من السماء لإصلاح الأرض وحيوة ~~النبات، والظلمات ذكر الشرك والنفاق، وشبهاتهم في القرآن، والرعد هو الوعيد ~~والإنذار للعصاة، والبرق ما ظهر فيه من علامات نبوته والبشارة بالجنة وما ~~فيها من الوعد «5»، والصواعق التكاليف الشاقة والأخبار الداقة فيه، فهذه ~~الأمثال الثلثة للمنافقين الذين كانوا في المدينة لإيضاح الحجة عليهم. # قوله (ولو شاء الله) مفعوله محذوف، أي لو أراد أن يذهب الأسماع التي في ~~الرأس والأبصار التي في العين كما ذهب بسمع قلوبهم وأبصارها (لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم) عقوبة لهم، لأنه لا يعجز عن ذلك (إن الله على كل شيء) أي على كل ~~موجود بالإمكان (قدير [20]) أي فاعل له على قدر ما تقتضيه «6» حكمته، لا ~~ناقصا ولا زائدا، وهو صفة مخصوصة به تعالى، ومثله المقتدر، ومعنى القدرة أن ~~يوقع الفاعل الفعل على مقدار قوته وما يتميز عن العاجز، فخرج المستحيل عند ~~ذكر القادر على الأشياء كلها، والشيء يرادف الموجود واجبا أو غيره، ولا ~~يطلق على المعدوم إلا بالتجوز كقوله تعالى «إن زلزلة الساعة شيء عظيم» «7»، ~~لأنه قدر كالموجود لصدق الوعد به. ### || [سورة البقرة (2): آية 21] # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) # قوله (يا أيها الناس) الآية مسوق لإثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد عليه ~~السلام اللذين أصل الإيمان، قيل: PageV01P034 # هو خطاب لأهل مكة، و«يا أيها الذين آمنوا» * خطاب لأهل المدينة حيث جاءا ~~في القرآن «1»، وهو مقرل قول مقدر، أي قل يا كفار مكة (اعبدوا) أي وحدوا أو ~~أطيعوا (ربكم) أي سيدكم ومربيكم بترزيقكم ms0019 (الذي خلقكم) أي اخترعكم ولم ~~تكونوا شيئا (و) خلق (الذين من قبلكم) من الأمم وفي الوصف به إيماء إلى سبب ~~وجوب عبادته تعالى (لعلكم تتقون) [21] أي لكي يحصل رجاء منكم أن تتقوا ~~عصيانه فتنجوا بسبب التقوى من العقاب، وخص المخاطبون بالذكر تغليبا لهم على ~~الغائبين. ### || [سورة البقرة (2): آية 22] # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) # ثم أشار إلى إحسانه إلى عباده ووجوب شكره عليهم بقوله (الذي) أي هو الذي ~~(جعل لكم الأرض فراشا) أي بساطا يستقر عليه للاستراحة والعبادة عليها بعد ~~خلقهم أحياء «2» قادرين الموجب لأداء حق الشكر له (والسماء بناء) أي وجعلها ~~عليكم سقفا مرتفعا كالقبة والظلة على هذا المستقر، قيل: «السماء الدنيا ~~ملتزقة أطرافها على الأرض» «3» (وأنزل من السماء ماء) أي مطرا ينحدر منها ~~على السحاب، ومنه على الأرض ولا يأخذه من البحر وهو رد لزعم من زعم أنه ~~يأخذه من البحر «4» (فأخرج به) أي أنبت بالمطر، والباء للسببية (من ~~الثمرات) أي من أنواعها وألوان النبات، و«من» للبيان (رزقا) أي طعاما وعلفا ~~(لكم) ولدوابكم، وهو مفعول «أخرج»، المعنى: أن الله تعالى أنعم عليكم بذلك ~~كله لتعرفوه بالخالقية والرازقية فتوحدوه (فلا تجعلوا لله أندادا) أي ~~أمثالا تعبدونهم كعبادة الله تعالى، يعني لا تقولوا له شركاء تعبد معه، ~~والند: المثل المخالف، أي في الأفعال والأحكام، وهو نهي من اعتقادهم أن لهم ~~آلهة مثله قادرة على مخالفته، والفاء عطفت «لا تجعلوا» على «اعبدوا»، أي ~~يأمركم بالعبادة، فلا تشركوا به شيئا (وأنتم تعلمون) [22] العقل والتمييز، ~~أنه واحد، لا شريك له في خلق هذه الأشياء الشاهدة بالوحدانية، وإن آلهتكم ~~لا تقدر على نحو ما هو قادر عليه، فحقه أن تعرفوا أنعامه عليكم بها، ~~وتعتبروا بالنظر الصحيح الموصل إلى التوحيد، فتقابلوها بالشكر لا بالشرك. ### || [سورة البقرة (2): آية 23] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) # ثم ms0020 عطف ما يدل على ثبوت المعجزة الدالة على نبوة محمد عليه السلام على ما ~~دل على ثبوت التوحيد فقال (وإن كنتم في ريب) أي في شك (مما نزلنا) أي من ~~الذي نزلناه من القرآن على سبيل التدريج (على عبدنا) أي محمد على السلام ~~بأنه ليس من الله (فأتوا) أي جيؤوا (بسورة من مثله) أي من مثل القرآن، يعني ~~على صفته في البيان الغريب وحسن النظم وعلوه أو من مثل محمد عليه السلام، ~~يعني من بشر يشبهه عربيا أميا لم يقرأ الكتاب ولم يتعلم من أحد، وليس القصد ~~به إلى مثل ونظير له في الوجود «5»، وإنما هو تمثيل - «6» # والسورة: قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر، أقلها ثلاث آيات، من أسأرت ~~في الإناء إذا زدت فيه شيئا من ماء أو طعام أو السورة: المنزلة الرفيعة ~~لارتفاع قارئها في الدنيا والآخرة، مأخوذ «7» من سور المدينة لارتفاعه على ~~البناء. # قيل: إذا «8» قرأ الرجل عن ظهر القلب طائفة من كتاب الله لها فاتحة ~~وخاتمة كسورة يعظم عنده ما «9» حفظه، PageV01P035 # وبه يغتبط «1» عند الناس، ومنه ما روي عن أنس رضي الله عنه: «كان الرجل ~~إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا» «2» أي عظم في أعيننا، ولذا كانت ~~القراءة في الصلوة أفضل بسورة تامة. # (وادعوا شهداءكم) استعينوا بآلهتكم الحاضرة القائمة أو بناس يشهدون لكم ~~كشعرائكم وعرفائكم (من دون الله) أي من غير أوليائه، ومعنى «دون» أدنى مكان ~~وأخفض من الشىء، ومنه الدون بمعنى الحقير، ويستعمل بمعنى التجاوز، ويستعار ~~لتفاوت الأحوال والتغاير بين الشيئين، ومحل «من دون الله» نصب على الحال، ~~أي متجاوزة من دون الله (إن كنتم صادقين) [23] أن محمدا اختلق القرآن من ~~تلقاء نفسه، وهو شرط، جوابه محذوف، وهو فافعلوا ذلك، يدل عليه قوله (فإن لم ~~تفعلوا) أي فان لم تفعلوا ما أمرتم به فيما مضى لعجزكم عن المعارضة، وجازم ~~الفعل «لم» لقربه وتوغله في الجزم دون إن، وإنما أورد إن التي للشك مع أن ~~عجزكم ظاهر، لأن اتيانهم به قبل التأمل كان كالمشكوك فيه لديهم ms0021 على فصاحتهم ~~وبلاغتهم، وإنما عبر الاتيان مع ما يتعلق به بالفعل طلبا للاختصار. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 24 الى 25] # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24) وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) # ثم نفى الفعل بالتأكيد بقوله (ولن تفعلوا) في المستقبل، يعني لن تطيقوا ~~عليه أبدا لظهور إعجاز القرآن بينكم، فانه معجزة النبي «3» عليه السلام، ~~و«4» «لن» فيه لتأكيد النفي في المستقبل، والواو للابتداء، ولا محل له من ~~الإعراب لعدم وقوعه موقع المفرد لكونه اعتراضا بين الشرط وجوابه، وهو قوله ~~(فاتقوا) أي احذروا بالتوحيد لعجزكم عن الاتيان بمثله وجحدكم بغير حجة ~~(النار التي وقودها) أي حطبها، وهو ما يوقد به النار (الناس) أي العصاة ~~(والحجارة) أي حجارة الكبريت، والمراد أن أكثر وقودها الناس والحجارة، ~~وقيل: الحجارة أصنامهم التي نحتوها واتخذوها أربابا يعبدونهم من دون الله ~~«5»، وقيل: يكون مع كل إنسان من الكفار حجر معلق في عنقه إذا طفئت به النار ~~رسب به الحجر إلى قعر جهنم «6»، قيل: إنما جعل حطبها من حجارة الكبريت ~~لسرعة وقوعها وبطوء خمودها وشدة حرها ولصوقها بالبدن وقبح رائحتها «7»، ~~وإنما عرفت «النار» هنا ونكرت في سورة التحريم «8»، لأن الآية فيها نزلت ~~بمكة، فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة، ثم نزلت هذه بالمدينة، فأشار ~~بها إلى ما عرفوه أولا (أعدت للكافرين) [24] بالقرآن ومحمد عليه السلام، ~~وهذا لا يدل على اختصاصهم بها، قيل: في هذه الآية دليلان على ثبوت النبوة، ~~أحدهما: كون المتحدى به وهو القرآن معجزا، والثاني: # الإخبار بأنهم لن يفعلوا ذلك وهو غيب لا يعلمه إلا الله «9»، وذلك أن ~~النبي عليه السلام عارضهم باتيان سورة من مثل القرآن، فعجزوا حتى بذلوا ~~أموالهم ودماءهم دون ذلك وكونهم من الفصاحة والبلاغة بحيث لا يخفى لأحد من ~~العقلاء، فظهر أن القرآن معجز في نفسه بنظمه ومعناه، ms0022 وهم ما عارضوه بشيء، ~~فعلم أنهم ما أتوا بمثله وإلا لتواتر بين الناس لتوفر الدواعي على نقله، ~~وحيث لم ينقل علم عدم اتيانهم به، وكان الإخبار عنه إخبارا بالغيب فيكون ~~معجزة للنبي عليه السلام، فثبت عندهم صدقه، لكنهم لزموا العناد، ولم ~~ينقادوا، فاستوجبوا العقاب بالنار، ولذا قيل لهم «فاتقوا النار»، أي احذروا ~~سخطي، وهذا من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة، ومن عادة الكتاب ~~العزيز أن يذكر الترغيب مع الترهيب، فلذلك قال (وبشر) عطفا PageV01P036 # على قوله «فاتقوا»، وقيل على «قل» المقدر قبل «يا أيها الناس»، أي فرح يا ~~محمد بخبر البشارة، ويجوز أن يكون المخاطب كل أحد لا واحد بعينه (الذين ~~آمنوا) أي قلوبهم (وعملوا) الأعمال (الصالحات) التي صدرت عنهم لله تعالى ~~على حسب الحال من مواجب التكليف (أن لهم جنات) أي بساتين كثيرة (تجري من ~~تحتها) أي من تحت أشجارها وغرفها (الأنهار) أي المياه التي فيها المعلومة ~~عند المخاطب، ويجوز أن يكون عوضا عن المضاف إليه، أي أنهارها، روي: «أن ~~أنهار الجنة تجري من غير أخدود» «1»، وهو الشق من الأرض بالاستطالة، قيل: ~~أنزه الجنات منظرا ما كانت أشجارها مظللة وأنهارها في خلالها مطردة «2». # (كلما رزقوا) أي متى ما أطعموا (منها) أي من الجنة، «من» فيه لابتداء ~~الغاية (من ثمرة) أي ثمرة بزيادة «من» أو هي للبيان أو للابتداء المقيد بعد ~~المطلق (رزقا) أي طعاما (قالوا هذا الذي رزقنا) أي أطعمناه (من قبل) أي قبل ~~هذه الثمرة، لأن لون الثمار في الجنة مشتبه وطعمه مختلف، فاذا أطعموا ثمرة ~~أول النهار فأكلوا منها، ثم أطعموا ثمرة أخرى في آخر النهار ظنوها الأولى ~~(وأتوا به) أي جيؤا بذلك الرزق (متشابها) في اللون والجودة، فاذا أكلوا ~~وجدوا طعمه غير ذلك أجود وألذ، يعني لا يكون فيها ردي، وهذه الجملة معترضة ~~للتقرير، روي: «أنه ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء» «3» ~~(ولهم فيها) أي في الجنة (أزواج) أي نساء وحور (مطهرة) أي مهذبة من كل قذر ~~وعيب، وقيل: من ms0023 حيض وبول وخلط ونحو ذلك في أبدانهم ومن حسد وحقد ونظر إلى ~~الغير في قلوبه «4»، وفي لفظ «مطهرة» فخامة دون طاهرة، ولم يجمع للاختصار ~~(وهم فيها خالدون) [25] أي دائمون أحياء، لا يموتون ولا يخرجون منها، روي: ~~أن أهل الجنة جرد مرد محكلون لا يفني شبابهم ولا يبلي ثيابهم «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 26] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ما ذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) # ثم بين شبهة من شبههم في حق القرآن وجوابها بقوله (إن الله لا يستحيي) أي ~~لا يمتنع بالحياء كاستحياء البشر من (أن يضرب) أي يذكر للحق (مثلا ما) أي ~~شبها حقا، ف «ما» «6» زائدة للتأكيد «7» و(بعوضة) مفعول ثان ل «يضرب»، لأنه ~~في معنى يجعل، وهو البق الصغير، والأول «مثلا»، قيل: نزل حين قالت اليهود ~~ما أراد الله بذكر الأشياء الخسيسة في القرآن كالذباب والعنكبوت والبعوضة ~~«8»، فان ضرب المثل بنحوها مما يستحيي منه ردا عليهم على سبيل المقابلة في ~~قوله «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات» «9»، يعني أنه لا ~~يستحيي أن يصف للحق وبيانه شبها ما بذكر البعوضة (فما فوقها) أي فبذكر الذي ~~هو أزيد منها كالذباب والعنكبوت أو فما دونها في الصغر، قيل: إنه من ~~الأضداد «10»، وهو دابة يسترها السكون ويظهرها التحرك، يعني لا تلوح «11» ~~للبصر الحاد إلا بتحركها، قيل: سر ذكر المثل بالبعوضة تعريض للإنسان، لأنها ~~إذا جاعت عاشت فاذا شبعت ماتت، وكذلك الإنسان إذا استغنى فانه يطغي «12». # قوله (فأما) الفاء فيه لإظهار التفاوت بين حالتي المؤمنين والكافرين في ~~ضرب المثل، و«أما» حرف، فيه معنى الشرط، وضع لإعطاء فضل توكيد النسبة ~~وتفصيلها بعد ذكر المجمل أو على استئناف الكلام، ويقع PageV01P037 # الاسم بعده مبتدأ، ويلزم خبره الفاء كقولك أما زيد فذاهب، تريد أنه بصدد ~~الذهاب لا محالة بخلاف زيد ذاهب، ومعناه: مهما يكن من شيء فزيد ms0024 ذاهب، نص ~~عليه سيبويه في كتابه «1»، أي أما (الذين آمنوا) بالقرآن ومحمد عليه السلام ~~(فيعلمون أنه) أي المثل بالبعوضة والذباب (الحق) أي الثابت الذي لا يسوغ ~~إنكاره (من ربهم) أي كائنا منه تعالى، فيؤمنون به، وفي ذكر «أما» في هذه ~~الجملة إخماد عظيم لهم واعتداد بعلمهم أنه الحق، وفي ذكرها في (وأما الذين ~~كفروا) بهما، وهم اليهود والمشركون (فيقولون ما ذا) تعريض لعنادهم الحق، ~~ورمي لهم بالكلمة الحمقاء، أي ما الذي، ف «ذا» اسم موصول، و«ما» اسم ~~استفهام مرفوع المحل مبتدأ، خبره «ذا» مع صلته أو «ذا» مع «ما» مركبة جعلتا ~~اسما واحدا منصوب المحل في حكم «ما» وحده، أي أي شيء (أراد الله بهذا) أي ~~بالمثل الخسيس (مثلا) نصب على التمييز أو على الحال، أي ممثلا كقوله تعالى ~~«هذه ناقة الله لكم آية» «2»، والإرادة: القصد والطلب من غير كراهة، وهي ~~معنى يوجب للحي حالا يقع منه الفعل على وجه دون وجه، فأجابهم الله تعالى ~~بقوله (يضل) أي يخذل (به) أي بالمثل (كثيرا) من الكفار بتكذيبهم به، يعني ~~لا يوفقهم الهدي فيزدادون ضلالا (ويهدي) أي يوفق (به) أي بالمثل (كثيرا) من ~~المؤمنين لتصديقهم به، فيزدادون هداية ووصفهم بالكثرة مع وصفهم بالقلة في ~~قوله «وقليل من عبادي الشكور» «3»، لأن المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا ~~في الصورة لكونهم «4» على الحق وكون أولئك على الباطل (وما يضل به) أي لا ~~«5» يخذل بالمثل وتكذيبه (إلا الفاسقين) [26] أي الكافرين بالله الخارجين ~~عن أمره، وقد جاء استعمال اسم الفاسق على الكافر والمسلم بارتكاب الكبيرة. ### || [سورة البقرة (2): آية 27] # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) # (الذين ينقضون) أي ينكثون (عهد الله) أي الذين «6» عهد إليهم يوم الميثاق ~~بقوله «أ لست بربكم» «7» إن يؤمنوا بمحمد وما جاء به، والعهد الأمر ~~والوصية، يعني الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم ثم نقضوه (من بعد ميثاقه) أي ~~تأكيده وتغليظه (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) ms0025 وهو قطعهم الأرحام ~~وموالاة المؤمنين (ويفسدون في الأرض) بعمل المعاصي والصد عن سبيل الله ~~(أولئك هم الخاسرون) [27] أي المغبونون بالعقوبة في الآخرة مكان المثوبة في ~~الجنة، قيل: «ليس من مؤمن ولا من كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في الجنة، ~~فان أطاعه تعالى أتى أهله وخدمه ومنزله في الجنة، وإن عصاه ورثه الله ~~المؤمنين فقد غبن عن أهله وخدمه ومنزله» «8». ### || [سورة البقرة (2): آية 28] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) # ثم استفهم بالخطاب تعجيبا من كفرهم وتوبيخا لهم بعد قيام البرهان على ~~وجوب الإيمان، وهو تنقلهم من العدم إلى الوجود ثم إلى الموت ثم إلى الحيوة ~~يوم القيامة ثم إلى النار، أي إلى الجنة فقال (كيف تكفرون) أي تجحدون ~~(بالله) أي بوحدانيته، ومعكم ما يصرفكم عن الكفر إلى الإيمان، ومحل «كيف» ~~نصب على الحال، أي أمعاندين تكفرون، و«9» قيل: «كيف» ههنا يفيد إنكار حال ~~الكفر، ولا يلزم من ذلك إنكار ذات الكفر، أجيب بأن حال الكفر لازم لذات ~~«10» الكفر في الوجود، فاذا نفي اللازم ينتفي الملزوم، وهذا أبلغ وأقوى، PageV01P038 # لأنه دعوى الشيء ببينة «1»، والواو في (وكنتم أمواتا) للحال، أي والحال ~~أنكم عالمون بأنكم كنتم نطفا بلا روح في أصلاب آبائكم، وقد يطلق لعادم ~~الحيوة ميت كقوله «بلدة ميتا» «2»، ولما كان الاحياء عقيب الموت بغير تراخ ~~أورد الفاء في (فأحياكم) في أرحام أمهاتكم ثم في دنياكم، وهذا إلزام لهم ~~بالبعث (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) للبعث يوم القيامة (ثم ~~إليه) أي إلى الله (ترجعون) [28] في الآخرة، يعني تصيرون إلى إرادته ومشيته ~~تعالى، فتجزون بأعمالكم لا أنه في جهة فترجعون إليها لكونه مستحيلا عليه، ~~وعلم «3» ذلك حاصل لكم بالدلائل الموصلة إليه، فما أعجب كفركم مع علمكم ~~بحالكم هذه، وإنما أورد «ثم» في المواضع «4» الثلثة لتصور التراخي فيها. ### || [سورة البقرة (2): آية 29] # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29) # فلما سمعوا البعث وقالوا «5» من ms0026 يستطيع أن يحيينا بعد الموت؟ نزل قوله ~~«6» (هو الذي خلق لكم) أي قدر لأجلكم وانتفاعكم دينا ودنيا (ما في الأرض) ~~أي الذي فيها من الأشياء (جميعا) نصب على الحال من الموصول الثاني، وهذا ~~حجة لمن استدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة إلى أن يمنع الشارع ما يمنع ~~منها، وقيل: اللام للتعريف لا للتخصيص «7»، فالمعنى: أن الله تعالى خلق لكم ~~الأرض وما فيها لتعملوا لمعاشكم ومعادكم، وتستدلوا بها على صانعكم وتوحيده. # (ثم استوى) أي قصد بمشيته بعد خلق الأرض من غير قصد خلق شيء آخر، وقيل: ~~صعد أمره، وهو قوله «كن» «8» فكان «9» (إلى السماء) أي خلقها، وهي جمع ~~سموات جمع سمأة «10» تكسيرا، ولذا جعل الضمير العائد إليها في (فسواهن) ~~جمعا ليحصل المطابقة بينهما لفظا، أي خلقهن مستويات من غير خلل فيهن أو ~~السماء مفرد، والضمير فيه مبهم فسر بقوله (سبع سماوات) نصب تمييز، نحو ربه ~~رجلا، وقيل: معناه صيرهن «11»، ف «سبع» مفعول ثان ل «سوى»، و «ثم» فيه ~~لتفخيم شأن منزلة السماء، وتفصيله على شأن الأرض لا للتراخي في الوقت، ولا ~~يناقضه قوله تعالى «والأرض بعد ذلك دحاها» «12»، لأن الدحو البسط، وهو ~~متأخر عن خلق جرم الأرض الذي تقدم «13» على خلق السماء، روي: «خلق الله ~~الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد ~~الدخان، وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعها ثم بسط منها الأرض» «14»، ~~وقيل: إن «15» الأرض كانت حشفة تحت الكعبة «16»، أي أكمة، فلما خلق السماء ~~بسط الأرض بعد خلقها (وهو بكل شيء عليم) [29] أي محيط بكل خلق مجملا ~~ومفصلا، وال «عليم» هو الذي كمل علمه، ويجيء بمعنى المعلم. ### || [سورة البقرة (2): آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) PageV01P039 ### || [سورة البقرة (2): آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس ms0027 لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (30) # ثم أمر النبي عليه السلام بأن يذكر لكفار مكة قصة الملائكة وما جرى بينهم ~~لأجل خلق آدم ليتذكروا بها، فان عادة الأنبياء عليهم السلام التذكير لأممهم ~~فقال (وإذ) مفعول اذكر مقدرة، أي اذكر لهم وأخبرهم وقت (قال ربك) على سبيل ~~المشاورة تعليما لعباده أن يشاوروا في أمروهم قبل الإقدام عليها (للملائكة) ~~جمع ملأك، فأسقط الهمزة للتخفيف من الألوكة، وهي الرسالة سموا بها، لأنهم ~~رسل الله، قيل: المراد بعض الملائكة وهم سكان الأرض «1»، روي: أنه تعالى ~~لما خلق الأرض وخلق الجان من لهب نار لا دخان لها بين السماء والأرض، ~~والصواعق تكون تنزل منها وهو أبو الجن كآدم أبو البشر خلقهم منه وأسكنهم ~~فيها فكثروا وعملوا في الأرض بالمعاصي وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم ~~ملائكة من سماء الدنيا «2» مع إبليس وجعله حاكما عليهم فطردوهم وأخرجوهم من ~~الأرض إلى جزائر البحور ورؤوس الجبال فسكن الملائكة فيها بأمره تعالى فصار ~~الأمر عليهم أخف مما كانوا في السماء فاطمأنوا إليها فأراد الله أن يحولهم ~~عنها، لأن عادة الله أن يأمر بالتحول كل من اطمأن إلى الدنيا «3» فأخبرهم ~~بقوله (إني جاعل في الأرض خليفة) أي من يخلفكم بدلا منكم ورافعكم إلي، فشق ~~عليهم ذلك وكرهوه لما كان الأمر عليهم أخف في الأرض أو «4» المراد بالخليفة ~~آدم، لأنه خلف الملائكة الجن «5»، وجاء بعدهم أو لأنه خليفة الله في أرضه ~~لتنفيذ أحكامه بين أولاده، واستغني بذكره عن ذكر بنيه، وإنما أخبرهم بذلك ~~ليسألوا عنه ويعرفوا حكمته قبل اعتراضهم الشبهة لهم في وقت الاستخلاف، لأنه ~~سبب الهلاك (قالوا) استعظاما له وطلبا لحكمته أو قالوا تعجبا من الاستخلاف ~~المخالف للحكمة ظاهرا «6»، إذ الحكيم لا يفعل إلا الخير بعد أن علموا «7» ~~بالهام من الله تعالى أو من جهة اللوح أن الذين يخلفونهم «8» يعصون أمره ~~كعصيان «9» الجن إياه (أتجعل فيها) أي أتخلق في الأرض (من يفسد فيها) أي في ~~الأرض «10» كما أفسدت الجن (ويسفك) أي يصب (الدماء) ظلما كما يسفك بنو آدم ~~(ونحن نسبح ms0028 بحمدك) أي والحال أنا نقول سبحان الله وبحمده، والتسبيح التنزيه ~~عن السوء أو نحن نصلي بأمرك حامدين لك، فالتسبيح الصلوة، و«بحمدك» حال. # (ونقدس لك) أي نثني لك بالطهارة عما لا يليق بك أو نطهر أنفسنا لعبادتك ~~عن المعصية (قال) الله (إني أعلم ما لا تعلمون) [30] من الحكمة والمصلحة ~~باستخلاف آدم، قيل: «علم من إبليس المعصية والبعد عن رحمته، ومن آدم الطاعة ~~والتقرب إليه ومن ذريته الطائع والعاصي» «11»، فيظهر الفضل والعدل من الله، ~~ثم قال الملائكة فيما بينهم ليخلق الله ما يشاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه ~~منا وإن فعل فنحن أعلم منه، لأنا قبله وعلمنا ما لم يعلم، فبالعلم افتخروا، ~~فبين الله عجزهم بأن خلق جميع المسميات. ### || [سورة البقرة (2): آية 31] # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) # (وعلم آدم) من أديم الأرض، وهو وجهها أو من الأدمة وهي السمرة، أي ألهمه ~~(الأسماء) أي أسماء المسميات بحذف المضاف إليه وتعويض اللام منه، لا بحذف ~~المضاف من مسميات الأسماء، لأن التعليم يتعلق بالأسماء لا بالمسميات، وهي ~~الأجناس من الإنس والجن والدواب وغيرها، فعلمه إياها (كلها) بكل اللغات PageV01P040 # حتى القصعة والقصيعة (ثم عرضهم) أي المسميات بتذكير الضمير تغليبا ~~للعقلاء المذكرين، والعرض إظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله (على ~~الملائكة) ليظهر فضل آدم وقصورهم (فقال أنبئوني) أي أخبروني (بأسماء هؤلاء) ~~المخلوقات (إن كنتم صادقين) [31] أني لا أخلق أكرم منكم، وفيه دليل على فضل ~~العلم، إذ لو كان في الوجود شيء أشرف من العلم لكان الواجب إظهار فضله بذلك ~~الشيء لا بالعلم، ودليل أيضا على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. ### || [سورة البقرة (2): آية 32] # قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) # فثم أظهروا عجزهم بأن (قالوا سبحانك) أي ننزهك تنزيها عن كل ما لا يليق ~~بعظمتك، نصب على المصدر اللازم الإضافة (لا علم لنا) بشيء (إلا ما علمتنا) ~~أي علم ما ألهمتنا به، يعني تبنا إليك من مقالتنا (إنك أنت العليم) بكل ms0029 شيء ~~(الحكيم) [32] في أمرك وصنعك بجعل خليفة في الأرض بدلا منا لحكمة تعلمها، ~~و«الحكيم» «1»: هو الذي يفعل ويحكم على وفق علمه، وأصل الحكمة المنع، ومنه ~~حكمة الدابة، ولما لم يجيبوا عما سأله الله لعجزهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 33] # قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) # (قال يا آدم أنبئهم) أي أخبرهم (بأسمائهم) أي بأسماء الموجودات، (فلما ~~أنبأهم) أي أخبرهم (بأسمائهم) وأخبرهم عن منافعها وما يحل الأكل وما يحرم ~~منها (قال) الله تعالى تقريرا لعلمه الأزلي (ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض) أي سرهما وسر أهلهما وكل ما فيهما (وأعلم ما تبدون) أي ~~الذي تظهرون «2» فيما بينكم حين قال إبليس لكم ما ذا ترون إن أمرتم بطاعة ~~آدم، فقلتم نطيع أمر ربنا (وما كنتم تكتمون) [33] أي الذي تسرون، وهو الذي ~~أسر إبليس في نفسه من قوله: لئن فضلت عليه لأهلكنه ولئن فضل علي لأعصينه. ### || [سورة البقرة (2): آية 34] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) # (وإذ قلنا) أي اذكر لهم وقت قولنا (للملائكة) أي لجميع الحاضرين منهم ~~(اسجدوا) أي خروا (لآدم) أي إليه، لأن السجود لله حقيقة للعباد، ولآدم ~~تكرمة ظاهرا كالصلوة إلى الكعبة، والسجود الميل في اللغة، قيل: # لم يكن ثمه وضع الجبهة على الأرض، إنما كان مجرد الانحناء «3»، وقيل «4»: ~~أنه تعالى أمر جبريل أن يجمع التراب ليخلق آدم، فنزل على الأرض ليقبض ~~التراب منها فقالت بحق الله عليك أن لا تفعل، فاني أخاف وأستحيي من ربي أن ~~يعصي علي، فرجع جبريل وأخبر بذلك ربه، فبعث ميكائيل فتضرعت مثل ذلك، ثم بعث ~~إسرافيل فتضرعت كذلك، ثم بعث عزرائيل فتضرعت إليه فقال أمر الله أولى من ~~قولك، فجمع التراب من وجه الأرض من كل لون ومن الطيبة والسبخة، ثم صعد إلى ~~السماء، فقال الله لعزرائيل: أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك؟ فقال: رأيت ~~أمرك أوجب من قولها، فقال: أنت ms0030 أصلح لقبض أرواح ولد آدم، فصار ذلك التراب ~~طينا، ثم صار صلصالا أربعين سنة «5»، فلما سواه ونفخ فيه الروح أمر ~~الملائكة أن يسجدوا له PageV01P041 # سجدة التحية «1» (فسجدوا إلا إبليس) اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والعلمية، ~~وقيل: عربي من الإبلاس بمعنى الإياس «2»، وإنما «3» لم ينصرف للعلمية «4» ~~وعدم النظير له «5»، والاستثناء منقطع إن لم يكن من جنس الكلام وإلا فمتصل ~~(أبى) أي امتنع من السجود (واستكبر) أي تعظم وأظهر كبره (وكان) أي صار (من ~~الكافرين) [34] بعد أن لم يكن كافرا، وقيل: كان في علم الله منهم وهذا ~~القول جبري، والأول سني «6». ### || [سورة البقرة (2): آية 35] # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) # ثم أمر الله الملائكة أن يحملوا آدم على سرير من ذهب إلى السماء، فأدخلوه ~~الجنة، ثم خلق من ضلعه اليسرى وآدم بين النوم واليقظة حواء زوجته، فاستيقظ ~~فرآها عنده فقال من أنت؟ فقالت: أنا زوجتك، خلقني ربي لأسكن إليك وتسكن إلي «7». # فأخبر تعالى عن ذلك بقوله (وقلنا) لآدم (يا آدم اسكن) أي اثبت (أنت ~~وزوجك) حواء (الجنة) أي بستان الخلد، قيل: هي في السماء السابعة «8»، ~~والزوج يطلق على الذكر والأنثى، وقد يلحقه تاء التأنيث للمرأة، وسميت حواء، ~~لأنها خلقت من الحي (وكلا منها) أي من الجنة (رغدا) أي أكلا واسعا طيبا بلا ~~فوت وتقدير وتقتير (حيث شئتما) أي من أي مكان أردتما بلا ضيق عليكما (ولا ~~تقربا هذه الشجرة) بالأكل، وليس النهي عن الدنو بل عن الأكل، أي لا تأكلا ~~منها، وإلا لضم الراء، لأن الضم يختص بالدنو، قيل: إنها شجرة القمح «9» أو ~~شجرة الكرم «10» أو شجرة التين «11»، والسر في النهي أنه خلقه من أرض ~~الدنيا ليسكن فيها فامتحنه بذلك كما يمتحن نسله في الدنيا بالحلال والحرام ~~للآخرة «12»، المعنى: أني أبحتكما السكون في الجنة والأكل من كل شجرة منها ~~إلا هذه الشجرة، فلا تأكلا منها شيئا (فتكونا من الظالمين) [35] أي الضارين ~~بأنفسكما بمخالفة أمري، والظلم: وضع الشيء في غير ms0031 موضعه، والفعل مجزوم عطف ~~على «تقربا» أو منصوب في جواب النهي. ### || [سورة البقرة (2): آية 36] # فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36) # روي: أن إبليس لما رآى آدم وحواء سكنا الجنة وأحباها لنعيمها حسدهما ~~واحتال لإخراجهما منها، فعرض إبليس نفسه على كل دابة من دواب الجنة أن يدخل ~~في صورتها فامتنعت حتى أتى الحية، وكانت هي أحسن دابة خلقا في الجنة، ~~فأطاعته فدخل في فمها وقام في رأسها وأتى باب الجنة وناداهما وقال ما ~~نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن يكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وهذه ~~الشجرة شجرة الخلد، من أكل منها يبقى في الجنة أبدا، فأبى آدم من ذلك ~~فقاسمهما بالله أنه ناصح لهما، فأكلت حواء ثم ناولت آدم، فكان يحبها فكره ~~أن يخالفها، وكان آدم يقول لها لا تفعلي أني أخاف من العقوبة، وكانت حواء ~~تقول: إن رحمة الله PageV01P042 # واسعة، فأخذ من يدها فأكل بعد امتناع «1»، فأخبر تعالى بقوله (فأزلهما) ~~أي أذهبهما (الشيطان عنها) أي عن الجنة، وقريء «فأزالهما» «2» أي نحاهما ~~(فأخرجهما مما كانا فيه) من النعيم، وسقط عنهما ما كان عليهما من الحلل ~~والحلي، وعريا عن الثياب حتى بدت عورتهما، وهربا استحياء، فقال تعالى: أمني ~~تهرب يا آدم: قال لا ولكن حياء من ذنبي، فأخذا من أوراق التين وألزقا على ~~عوراتهما، وقال: ألم أنهكما «3» عن أكل هذه الشجرة؟ # فقال: بلى ولكن ما كنت أعلم أن أحدا يحلف بك كاذبا ثم أمرهما الله بأن ~~ينزلا من الجنة إلى الأرض، فنزلا فوقع آدم بأرض الهند وحواء بأرض الجد «4»، ~~وأخبر عن ذلك بقوله (وقلنا اهبطوا) أي أنزلوا استخفافا بكم، والمراد ~~بالخطاب لهما ولإبليس والحية، وقيل: لهما ولذرياتهما «5»، ويدل عليه قوله ~~تعالى في سورة طه «اهبطا منها جميعا» «6» (بعضكم لبعض عدو) أي أعداء، ~~والجملة حال، أي متعادين، وفسرت العداوة بالعداوة بين المؤمنين وإبليس أو ~~بالتي بين ذرية آدم من ظلم بعضهم بعضا بشؤم عصيان آدم (ولكم في الأرض ms0032 ~~مستقر) أي مكان قرار على وجهها (ومتاع) أي عيش وحيوة (إلى حين) [36] أي إلى ~~الموت، فان قيل «7»: كيف توصل الشيطان إلى إزلالهما عن الجنة وقد قيل له ~~أخرج منها فانك رجيم؟ أجيب بأنه منع دخولها على جهة الإهانة، فلم يلزم منه ~~وجوب الخروج، فجاز أن يدخل فيها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. ### || [سورة البقرة (2): آية 37] # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37) # (فتلقى) أي أخذ وحفظ، وأصل التلقي القبول عن فهم وفطنة (آدم من ربه ~~كلمات) وهي قوله «ربنا ظلمنا أنفسنا» «8» الآية، قرئ «9» برفع «آدم» ونصب ~~«كلمات» مفعولا، وبنصب «آدم» ورفع «كلمات» على معنى استقبلته كلمات من ربه ~~واتصلت به، يعني ألهمه بها فاعتذر وتضرع إليه باكيا طالبا منه التوبة (فتاب ~~عليه) أي تجاوز الله عن ذنوبه، والتوب: الرجوع في الأصل (إنه هو التواب) أي ~~المتجاوز عن الذنوب مرة بعد أخرى وإن كثر (الرحيم) [37] أي كثير الرحمة ~~لعباده المؤمنين. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 38 الى 39] # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (39) # وكرر أمر الهبوط بقوله (قلنا اهبطوا منها جميعا) لشدة عنايته تعالى ~~بانزالهم من الجنة، و «جميعا» نصب على الحال من ضمير الجمع، تأكيد «10» ~~للجماعة من آدم وحواء وإبليس والحية، قيل: نزل إبليس بالابلة والحية ~~باصفهان «11»، ودلت الآية على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها كما قال ~~القائل «إذا كنت في نعمة فارعها فان المعاصي تزيل النعم» «12»، ثم قال ~~(فإما يأتينكم) أي إن يجئكم (مني هدى) أي رشد وبيان شريعة بارسال الرسل، ~~فقوله «فإما» شرط مركب من «إن» و «ما» زائدة للتأكيد، وجوابه (فمن تبع) أي ~~انقاد واقتدي PageV01P043 # (هداي) أي شريعتي ورسلي «1»، وجواب «من» (فلا خوف عليهم) في المستقبل من ~~العذاب، والخوف ضد الأمن، وهو عدم توقع مكروه في الزمان الآتي (ولا هم ~~يحزنون) [38] على ما خلفوا من أمر الدنيا، والحزن ضد الفرح، وهو غلظ ms0033 ~~السرور، فبعد وعده للمؤمنين «2» أوعد الكافرين فقال (والذين كفروا) أي ~~أنكروا برسلي (وكذبوا بآياتنا) أي بشريعتي معهم (أولئك أصحاب النار) في ~~الآخرة (هم فيها خالدون) [39] أي دائمون، لا يموتون فيها ولا منها يخرجون. ### || [سورة البقرة (2): آية 40] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) # ثم خاطب اليهود الذين كانوا في حوالي المدينة من بني قريظة والنضير ~~وغيرهم، وكانوا من أولاد يعقوب وقال (يا بني إسرائيل) وهو يعقوب (اذكروا) ~~أي اشكروا أو احفظوا (نعمتي التي أنعمت عليكم) والإنعام: # الإحسان إلى الحيوان الناطق كبيرا كان أو صغيرا لا غير، فلا يقال: أحسنت ~~إلى فرس فلان، والمراد منه: # الإحسان بارسال الرسول المبشر به في التورية والإنجيل إليهم مع الإحسان ~~الواصل إلى أجدادهم من إغراق أعدائهم فرعون وقومه القبط في البحر، ومن ~~إنزال المن والسلوى في التيه عليهم وغير ذلك، لأن المنة على الآباء منة على ~~الأولاد (وأوفوا) أي أتموا ولا تتركوا (بعهدي) أي الميثاق الذي عاهدتموني ~~عليه بامتثال أمري والإيمان بمحمد عليه السلام، والعهد: حفظ الشيء ومراعاته ~~حالا فحالا، والمراد منه: الموثق بين المعاهد والمعاهد، والعهد الوصية، ~~يقال: عهد فلان إلى فلان بشيء، أي أوصاه بحفظه (أوف بعهدكم) أي أتمم الذي ~~قلت لكم من الجزاء وهو الجنة، فالعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا ~~(وإياي) ارهبوا (فارهبون) [40] أي فاخشوني من نقض العهد، حذف الياء وأقيم ~~الكسر مقامه، والفاء في جواب شرط محذوف، أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبوني، ~~روي: «أن الله تعالى عهد في التورية بني إسرائل أني باعث نبيا أميا من بني ~~إسمعيل، فمن صدقه واتبعه غفرت له ذنوبه وأدخلته الجنة وأعطيه أجرين أجر ~~اتباع موسى وأجر اتباع محمد عليهما السلام» - «3» ### || [سورة البقرة (2): آية 41] # وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) # (وآمنوا) أي صدقوا (بما أنزلت) أي بالقرآن (مصدقا) أي موافقا (لما معكم) ~~أي لما في كتابكم التورية من النبوة والتوحيد وأخبار محمد عليه السلام (ولا ms0034 ~~تكونوا أول كافر به) أي أول فريق يكفر بالقرآن عند هذا الخطاب بالإيمان أو ~~الضمير لمحمد «4»، أي لا يكونوا أول من كفر بمحمد لقوله تعالى «فلما جاءهم ~~ما عرفوا كفروا به» «5» أو تقديره: مثل أول كافر به، يعني من أشرك به من ~~أهل مكة وأنتم تعرفونه في التورية موصوفا (ولا تشتروا) أي لا تستبدلوا ~~(بآياتي) أي بالقرآن والإيمان ومحمد (ثمنا قليلا) أي عرضا يسيرا من الدنيا، ~~وإنما وصفه بالقلة، لأن الدنيا كلها قليل، قيل: كان أحبار اليهود كابن ~~الأشرف وأصحابه من علمائهم ينالون من أتباعهم وسفلة قومهم وظائف ومئاكل ~~وكانت لهم رياسة عندهم، يخافون أن يذهب وظائفهم ورياستهم، لو آمنوا بمحمد ~~وأتبعوه وهم عارفون صفته وصدقه «6»، فخوفهم الله بقوله (وإياي فاتقون) [41] ~~أي اخشوني في آياتي ومحمد عليه السلام، والتقوى: حفظ النفس عما يؤثمها، ~~وهنا بمعنى الخوف والخشية، يعني من كفر به أدخلته النار. ### || [سورة البقرة (2): آية 42] # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) # (ولا تلبسوا) أي لا تخلطوا (الحق) الذي تعرفونه من صفة محمد عليه السلام ~~(بالباطل) الذي تكتبونه في PageV01P044 # التورية وتسترونه فيها بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر لقولهم إنه حق «1»، ~~فالباء للصلة التي يقتضيها «2» الفعل أو لا تجعلوا الحق ذا لبس واشتباه «3» ~~بباطل تكتبونه بأيديهم في التورية فالباء «4» للاستعانة، قيل: إنهم أقروا ~~ببعض صفته وأنكروا بعضها بالتحريف ليلبسوا الحق «5» على الناس بذلك فلا ~~يؤمنوا به «6». # قوله (وتكتموا) جزم عطف على «تلبسوا» أي لا تستروا (الحق) أي صفة محمد ~~عليه السلام (وأنتم تعلمون) [42] أنه رسول الله رب العالمين، ويجوز أن يكون ~~منصوبا باضمار أن بعد الواو بمعنى الجمع، أي ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل ~~وكتمان الحق، والفرق بين النهيين: أن لبس الحق بالباطل كتابتهم الباطل في ~~التورية ليظنوا أنه حق، فهو الخلط، وكتمانهم الحق قولهم: لا نجد نعت محمد ~~في التورية والحال أن ذلك ثابت فيها أو حكم كذا فيها - «7» ### || [سورة البقرة (2): آية 43] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43) # (وأقيموا الصلاة) أي صلوا الصلوات الخمس بشروطها وأديموها ms0035 (وآتوا الزكاة) ~~أي أعطوا المفروضة في أموالكم، وأدوه إلى مستحقيها «8»، و «الزكوة»: زيادة ~~من المال «9» ببركة من الله (واركعوا) أي صلوا صلوة ذات ركوع (مع الراكعين) ~~[43] أي مع المصلين، وإنما أمرهم بذلك، لأن اليهود لم يكن في صلوتهم ركوع، ~~وكانوا يصلون فرادى، فحث المسلمين منهم أن يصلوا مع أصحاب محمد عليه السلام ~~في الجماعات أو أمرهم أن يصلوا مع المصلين إلى الكعبة. ### || [سورة البقرة (2): آية 44] # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44) # (أتأمرون الناس) الهمزة فيه للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم، أي ~~أتأمرونهم (بالبر) أي بالخير، وهو الاتباع لمحمد «10» والإيمان به (وتنسون) ~~أي تتركون (أنفسكم) فلا تتبعونه مخافة أن يذهب منافعكم، والنسيان والسهو ~~أخوان في الترك، لكن النسيان: ما غاب بعد حضوره، والسهو أعم، نزلت الآية في ~~شأن أحبار اليهود الذين يقولون لحليفهم الذي أسلم، وسألهم عن رسول الله في ~~السر أثبت على دين محمد، فان أمره حق ودينه صدق «11»، فوبخهم الله تعالى ~~بقوله «أ تأمرون» الخلق بالمعروف وتتركون أنفسكم (وأنتم تتلون الكتاب) أي ~~تقرؤن التورية وفيها صفته عليه السلام (أفلا تعقلون) [44] أي أفلا تعلمون ~~بقوة العقل أنه حق فتتبعونه وهو جوهر متهيء للعلم، وأصله المنع، سمي به ~~لمنعه من الشر، وفيه توبيخ على ترك الفعل لا على الأمر به لكون الأمر ~~بالفعل الحسن حسنا على كل حال، قيل: اطلع ناس من أهل الجنة على ناس من أهل ~~النار، فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بالخيرات فدخلنا الجنة، قالوا: كنا ~~نأمر بها ونخالف إلى غيرها «12»، وفيه دليل على أن من أمر بخير فليكن أشد ~~الناس تسارعا إليه، ومن نهي عن شر فليكن أشد الناس انتهاء عنه. ### || [سورة البقرة (2): آية 45] # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) # (واستعينوا) أي اطلبوا النصرة على حوائجكم إلى الله (بالصبر) على أداء ~~الفرائض ومشاق العباد (والصلاة) أي بأدائها مع ما يجب فيها من إخلاص القلب ~~وحفظ النية ودفع الوساوس ومراعات الآداب (وإنها) أي PageV01P045 # الصلوة الكاملة (لكبيرة) أي لشاقة عظيمة، من كبر ms0036 الشيء إذا عظم (إلا على ~~الخاشعين) [45] أي الخائفين المتواضعين، والخشوع السكون من الخوف وأكثر ~~استعماله في الجوارح. ### || [سورة البقرة (2): آية 46] # الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) # (الذين يظنون) أي يستيقنون ويعلمون (أنهم ملاقوا ربهم) أي معاينوه بعد ~~الموت يوم القيامة، والظن: # ترجيح أحد النقيضين واستعمل في اليقين والشك (وأنهم إليه) أي إلى ربهم ~~(راجعون) [46] أي صائرون بعد البعث للحساب والجزاء، المعنى: أن الصلوة ~~ثقيلة في نفسها، لكنها لم تثقل على الخاشعين لتوقعهم ما ادخر الله لهم من ~~الثواب يوم القيامة، وثقلت على غيرهم، لأنهم لا يتوقعون ثوابها. ### || [سورة البقرة (2): آية 47] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47) # (يا بني إسرائيل اذكروا) أي اشكروا (نعمتي التي أنعمت عليكم) بانزال المن ~~والسلوى وغيرهما (و) اذكروا (أني فضلتكم) أي ميزتكم بالتكرمة (على ~~العالمين) [47] أي على عالمي زمانكم، يجعل الأنبياء فيكم وجعلكم ملوكا بعد ~~إن كنتم مماليك في يد فرعون، ويحصل تفضيل الأولاد بتفضيل الآباء. ### || [سورة البقرة (2): آية 48] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48) # (واتقوا) أي اخشوا (يوما) أي عذاب يوم (لا تجزي) أي لا تؤدي فيه (نفس عن ~~نفس شيئا) أي شيئا ما من الحقوق التي لزمت عليها وهو نزل حين كانت اليهود ~~يقولون نحن من ولد إبراهيم خليل الرحمن ومن ولد إسحق ذبيح الله ردا عليهم، ~~يعني لا ينفع في ذلك اليوم نفس مؤمنة عن نفس كافرة نفعا ما (ولا يقبل) ~~بالتاء والياء «1» (منها) أي من النفس الأولى (شفاعة) إن شفعت للنفس ~~الثانية عند الله لتخليصها من عذابه (ولا يؤخذ) أي لا يقبل (منها) أي من ~~المشفوع لها (عدل) أي فداء من مال أو رجل مكانها أو توبة، وأصل العدل ~~المعادلة وهي المماثلة (ولا هم ينصرون) [48] أي لا يمنعون من العذاب، ~~والضمير فيه يرجع إلى معنى الجمع المستفاد من تنكير النفس الواقعة في سياق ~~النفي، وهو النفوس الكثيرة. ### || [سورة البقرة (2): آية 49] # وإذ ms0037 نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) # قوله (وإذ نجيناكم) عطف على اذكروا، أي اذكروا وقت أنجيناكم بانجاء ~~آبائكم (من آل فرعون) أي من أهل القبط، وهو مختص بالأشراف، وفرعون علم لمن ~~ملك أولاد عمليق بن عاد (يسومونكم) أي يطلبون لكم (سوء العذاب) أي يعذبونكم ~~أشده في محل النصب على الحال، يعني سائمين السوء، والسوم في الأصل الذهاب ~~في ابتغاء الشيء، والسوء قبح الشيء (يذبحون أبناءكم) بيان لقوله ~~«يسومونكم»، ولذلك ترك العطف، أي يقتلونهم (ويستحيون) أي يتركون (نساءكم) ~~طلبا لحيوتهن للاستخدام والسبب الذي حمل فرعون على ذلك أنه رآى في منامه ~~نارا تخرج من بيت المقدس تحرق جميع القبط ولم تضر باسرائلي، وسأل الكهنة عن ~~ذلك، فقالوا له يولد في بني إسرائيل مولود، هلاكك في يده، فأمر بذبح كل ذكر ~~يولد في بني إسرائيل، فكثر الذبح فأمر بذبحهم سنة وتركهم سنة، فولد هرون في ~~سنة لا ذبح فيها وموسى في سنة فيها ذبح (وفي ذلكم) أي في السوم وما لحق به ~~من الذبح والاستخدام، وفي الإنجاء منه (بلاء) أي امتحان، مصدر، يستعمل ~~بمعنى النعمة وبمعنى البلية (من ربكم عظيم) [49] يعني ذلك اختبار من سيدكم ~~كبير علي النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر. PageV01P046 ### || [سورة البقرة (2): آية 50] # وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) # (و) اذكروا (إذ فرقنا) إذ فصلنا يمينا وشمالا (بكم) أي بسببكم (البحر) ~~وهو إساف، بحر من بحار مصر أو بحر قلزم (فأنجيناكم) من الغرق (وأغرقنا آل ~~فرعون) أي نفسه وجيوشه (وأنتم تنظرون) [50] إليهم غرقى وموتى حين رماهم ~~البحر إلى الساحل بعد خروجكم منه سالمين مع موسى، روي: أن موسى خرج مع بني ~~إسرائيل من مصر ثم خرج فرعون مع قومه من مصر في طلبهم، فلما انتهوا إلى ~~البحر ضرب موسى عصاه عليه، فانفلق اثني عشر مسلكا، فأرسل الله عليه ريحا ~~فصار يابسا، فدخله بنو إسرائيل فلم ير بعضهم بعضا، فخافوا عند ذلك فصار في ~~الماء كوى ms0038 يرى بعضهم بعضا، فلما جاوزوا البحر دخل فيه فرعون وقومه، فغيشهم ~~البحر فغرقوا فيه أجمعون «1»، وفيه تهديد للكافرين ليؤمنوا، وتنبيه ~~للمؤمنين ليتعظوا وينتهوا عن المعاصي. ### || [سورة البقرة (2): آية 51] # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) # (وإذ واعدنا) بألف وبغير ألف «2» بمعنى واحد، ويجوز أن يكون المواعدة بين ~~الله بالوحي وبين موسى بالوفاء «3»، أي اذكروا وقت وعدنا (موسى) أن ننزل ~~عليه التورية بعد هلاك فرعون وقومه ودخول بني إسرائيل مصر ولم يكن لهم ~~شريعة يعملون بها وضرب له ميقاتا (أربعين ليلة) أي تمامها، ونصب «ليلة» ~~بالتمييز، وذكرها لأن الليلة أول الشهر والأربعون ذو القعدة بكماله وعشر من ~~ذي الحجة، وجعل الميعاد بالطور، فذهب موسى إلى المناجاة واستخلف عليهم ~~هرون، وعد بنو إسرائيل بعد مضي العشرين من الوعد اليوم مع الليلة يومين إلى ~~تمام العشرين، وقالوا قد تم أربعون ولم يرجع موسى إلينا، فقد خالفنا، وقال ~~السامري: # هاتوا الحلي التي استعرتم من نساء فرعون بعلة عرس حتى نحرق، فلعل الله ~~يرد علينا موسى، فجمعوها وكان السامري صائغا، فاتخذ منها عجلا وقد كان قبل ~~ذلك رأى جبرائيل على فرس الحيوة كلما وضع حافره احضر فرفع من تحت سنبكه ~~قبضة من التراب وألقى في العجل فصار جسدا له خوار، أي صوت كصوت العجل، قيل: ~~فيه حيوة «4»، وقيل: «دخل الريح في جوفه من خلفه وخرج من فيه كهيئة الخوار» ~~«5»، فقال للقوم: «هذا إلهكم وإله موسى فنسي» «6»، أي أخطأ موسى الطريق هنا ~~وذهب «7» يطلبه فأقبلوا كلهم على عبادة العجل إلا هرون مع اثنى عشر ألفا ~~«8»، فوبخهم الله تعالى بقوله (ثم اتخذتم العجل) إلها (من بعده) أي من بعد ذهاب PageV01P047 # موسى إلى الطور (وأنتم ظالمون [51]) أي كافرون بعبادتكم العجل. ### || [سورة البقرة (2): آية 52] # ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) # (ثم عفونا عنكم) أي محونا ذنوبكم (من بعد ذلك) أي من بعد شرككم لما تبتم ~~(لعلكم تشكرون) [52] أي إرادة أن تشكروا لله في مقابلة العفو، لأنه يوجب ~~الشكر، وهو في الأصل تصور ms0039 النعمة من المنعم وإظهارها بامتثال الأمر والنهي، ~~وحقيقته العجز عن الشكر، قال داود عليه السلام: «سبحان من جعل العجز عن ~~الشكر شكرا كما جعل الاعتراف بالعجز عن معرفته معرفة» «1». ### || [سورة البقرة (2): آية 53] # وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) # (وإذ آتينا) أي واذكروا إذ أعطينا (موسى الكتاب) أي التورية (والفرقان) ~~أي الفارق بين الحق والباطل، يعني الكتاب الجامع بين كونه كتابا منزلا ~~وكونه فرقانا كقولك لقيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة ~~أو الفرقان تسع آيات موسى عليه السلام كالحية واليد وغيرهما، لأنها تفرق ~~بين الحق والباطل أو المعنى: أعطينا موسى التورية ومحمدا الفرقان (لعلكم ~~تهتدون) [53] أي لكي تبلغوا الهداية من الضلالة بعلمهما. ### || [سورة البقرة (2): آية 54] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) # (وإذ قال موسى لقومه) وهم الذين ظلموا أنفسهم بعبادة العجل (يا قوم) بحذف ~~الياء وترك الكسرة بدلا عنها والإضافة إلى نفسه للشفقة (إنكم ظلمتم) أي ~~أضررتم «2» (أنفسكم باتخاذكم العجل) إلها للعبادة، قالوا لموسي ما نصنع، ~~قال (فتوبوا) الفاء للسببية، لأن الظلم سبب التوبة، أي ارجعوا (إلى بارئكم) ~~باسكان الهمزة وكسرها وبقلبها ياء وباختلاس الحركة «3»، أي إلى خالقكم «4» ~~وعبادته، قالوا: كيف نرجع؟ قال (فاقتلوا أنفسكم) أي ليقتل بعضكم البريء من ~~عبادة العجل بعضكم العابد له وهو تمام التوبة (ذلكم) أي الرجوع بالقتل مع ~~رضا الله فيه (خير لكم عند بارئكم) أي خالقكم من ترككم على عذابه، فأطاعوا ~~أمره بالقبول والرضا، قيل: فأرسل الله عليهم سحابة سوداء لئلا يبصر الأب ~~ولده والرجل جاره وقريبه ليمكن لهم إمضاء أمر الله تعالى فيهم، فقتل بعضهم ~~بعضا بالسيف والخنجر إلى السماء ثم تضرع موسى وهرون وبكيا من كثرة الدماء، ~~وقالا يا ربنا البقية، فنزلت التوبة عليهم من الله، وقيل لموسى ارفع السيف ~~عنهم «5»، والفاء في (فتاب عليكم) متعلقة بشرط محذوف، تقديره: إن فعلتم ذلك ~~فقد تاب عليكم، أي قبل توبتكم ms0040 وتجاوز عن ذنوبكم (إنه) أي الله تعالى (هو ~~التواب) أي كثير التجاوز عن الذنوب (الرحيم [54]) أي كثير الرحمة للمطيعين ~~أمره حيث جعل القتل كفارة لذنوبكم، قيل: «قتل منهم سبعون ألفا، وكان من قتل ~~منهم شهيدا ومن بقي منهم مغفورا» «6». ### || [سورة البقرة (2): آية 55] # وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) # (وإذ قلتم) أي اذكروا وقت قولكم (يا موسى لن نؤمن لك) أي لن نصدقك في ~~قولك (حتى نرى الله جهرة) أي عيانا بلا حجاب بيننا وبينه، يجوز فيها سكون ~~الهاء وفتحها مصدر «7»، لأنها من الرؤية أو جمع PageV01P048 # جاهر، نصبها حال بمعنى معاينين (فأخذتكم الصاعقة) أي النار المحرقة ~~النازلة من السماء فأحرقتهم لسؤالكم ما هو محال على الله من جهلكم في ~~الدنيا (وأنتم تنظرون) [55] إلى الصاعقة النازلة، قيل: ماتوا يوما وليلة، ~~ولم يمت موسى بل غشي عليه بدليل قوله وذلك حين أمر الله موسى أن يختار من ~~قومه سبعين رجلا «1» ويأتي معهم إلى الطور للمناجاة معتذرين من عبادة ~~العجل، فلما انتهى إلى الجبل قال لهم موسى: امكثوا هنا، فصعد موسى الجبل ~~فناجى ربه، فلما رجع إليهم قالوا إنك رأيت الله فأرناه، فقال لم أره فلم ~~يصدقوه فنزلت الصاعقة عليهم، فماتوا كلهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 56] # ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) # ثم دعا موسى ربه فأحياهم، فأخبر عنه فقال (ثم بعثناكم) أي أحييناكم (من ~~بعد موتكم) ليستوفوا بقية آجالكم وكان ذلك الموت بلا أجل وإلا لم يحيوا إلى ~~نفخ الصور (لعلكم تشكرون) [56] الله للحيوة بعد الموت وقبول توبتكم، قيل: ~~إنما لم يمت موسى عند سؤال الرؤية، لأن سؤاله كان اشتياقا وافتقارا، وسؤال ~~قومه كان تكذيبا واجتراء «2». ### || [سورة البقرة (2): آية 57] # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) # (وظللنا) أي جعلنا ظلا (عليكم الغمام) جمع غمامة، وهي السحابة لتقيكم من ~~حر الشمس في التيه، وذلك حين أمروا بأن يدخلوا المدينة الجبارين، فأبوا ذلك ~~فعاقبهم الله ms0041 بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، فأصابهم حر شديد وجوع مفرط، ~~وفي الليل ظلمة شديدة، فرحمهم الله تعالى فأنزل عليهم عمودا من نور يسير ~~معهم يضيء لهم مكان القمر، وغماما يظلهم من الحر وسئلوا موسى الطعام فدعا ~~ربه فاستجاب له فقال (وأنزلنا عليكم المن) أي الترنجبين في الصورة، قيل: ~~إنه كان أبيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن «3» (والسلوى) السمانى، وهو ~~طير يضرب إلى الحمرة يأتيهم مشويا، قيل: يأتيهم المن والسلوى من طلوع الفجر ~~إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل إنسان كفايته إلى الغد، وإن زاد دود وفسد إلا يوم ~~الجمعة، فانه يأخذ ما يكفيه ليومين، لأنه لا يأتيهم يوم السبت «4»، وقلنا ~~لهم (كلوا من طيبات) أي حلالات (ما رزقناكم) من المن والسلوى، لا ترفعوا ~~منه شيئا ادخارا ولا تعصوا أمري، فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد، ~~فرفعنا عنهم ذلك لعدم توكلهم علينا (وما ظلمونا) أي ما أضرونا بكفرهم هذه ~~النعم وادخارهم الرزق بعد ما نهوا عن ذلك (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [57] ~~أي يضرون برفعهم، فقطع عنهم الرزق، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~عليه السلام قال: «لو لا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم، ولو ~~لا حواء لم تخن امرأة زوجها» «5»، والخنز: النتن والفساد، وبعد مضي أربعين ~~سنة وموت موسى وهرون أمر الله تعالى يوشع بن نون خليفة موسى بأن يدخل مع ~~قومه باب بيت المقدس بالانحناء والتواضع ليعبدوا فيها تائبين مستغفرين، ~~فانطلقوا ودخلوا مستهزئين. ### || [سورة البقرة (2): آية 58] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) # فقال تعالى (وإذ قلنا) أي اذكروا وقت قولنا لكم تنزيلا لهم مكان آبائهم ~~في الخطاب (ادخلوا هذه القرية) أي مدينة بيت المقدس، والقرية: الحوض الذي ~~يجتمع فيه الماء، سميت بها لجمعها أهلها (فكلوا منها حيث PageV01P049 # شئتم رغدا) أي رزقا طيبا واسعا عليكم (وادخلوا الباب) أي باب القرية ~~(سجدا) أي منحنين، نصب على الحال، يعني ناكسي رؤوسكم بالتواضع (وقولوا ms0042 حطة) ~~رفع بخبرية المبتدأ المحذوف، أي مسألتنا من الله أي يحط عنا ذنوبنا (نغفر ~~لكم) بالياء والنون مع الجزم معلوما جواب الأمر وقرئ بالياء والتاء للتأنيث ~~وبادغام الراء في اللام «1»، أي نستر عليكم (خطاياكم) أي ذنوبكم، جمع خطيئة ~~وهي ضد الصواب، وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا (وسنزيد المحسنين) [58] أي ~~سنطلب الزيادة لمن أحسن في فعله وإلى نفسه وغيره، وهم الذين لم يعبدوا العجل. ### || [سورة البقرة (2): آية 59] # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء بما كانوا يفسقون (59) # (فبدل) أي غير (الذين ظلموا) بالمعصية أنفسهم (قولا غير الذي قيل) أي ~~خالفوا ما أمر (لهم) من القول، وهو أن يقولوا: حطة، وأن يدخلوها بالاستغفار ~~منحنين، وهم دخلوها زاحقيه على أستاههم قائلين: حنطة سمقاثا، أي حمراء ~~بلغتهم (فأنزلنا على الذين ظلموا) أي غيروا ما أمروا به (رجزا) أي عذابا ~~(من السماء) وهو الطاعون أو نار محرقة (بما كانوا يفسقون) [59] أي بسبب ~~خروجهم عن الطاعة، روي: أنه مات منهم سبعون الفا من الطاعون «2». ### || [سورة البقرة (2): آية 60] # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) # ثم رجع إلى قصتهم في التيه، قيل: لما عطشوا فيه استغاثوا بموسى، فدعا ربه ~~أن يسقي لهم «3»، فأخبر عنه فقال «4» (وإذ استسقى) أي اذكروا وقت أن طلب ~~منا (موسى لقومه) ماء عذبا (فقلنا) له بالوحي (اضرب بعصاك) وهي التي حملها ~~آدم من الجنة (الحجر) وهو الحجر الذي حمله في المخلاة وقول جبرائيل له: ~~ارفعه فان لله فيه قدرة ولك معجزة حين فر بثوبه وقت الغسل في نهر وتبعه ~~فوصله فضربه موسى بعصاه ورفعه فأدخله في مخلاته «5»، وذلك لما رماه بنو ~~إسرائيل بالأدرة، وأراد الله إظهار براءته عنها لهم، فابتلاه بما يوجب غسله ~~فضرب به (فانفجرت) أي سالت بعد انشقاقه، وكان مربعا مثل رأس الرجل له أربعة ~~أوجه في كل وجه ثلث أعين ms0043 (منه اثنتا عشرة عينا) لكل سبط عين (قد علم كل ~~أناس) أي سبط (مشربهم) أي عين شربهم، قيل: # إنهم كانوا إذا نزلوا منزلا وضعوه وضربه موسى بعصاه فانفجرت «6»، فاذا ~~ساروا حملوه ويمسك، روي في حكمة ذلك: أن الأسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة، ~~وكل سبط لا يتزوج من سبط آخر، وغرضه تكثير سبط نفسه، فجعل الله لكل سبط ~~نهرا على حدة كيلا يقع بينهم جدال وتخاصم «7»، فقال تعالى قلنا لهم (كلوا) ~~من المن والسلوى (واشربوا) من ماء العيون «8» (من رزق الله ولا تعثوا) أي ~~لا تتمادوا بالفساد (في الأرض) والعثي أشد الفساد (مفسدين) [60] أي في حال ~~إفسادكم، وهو حال مؤكدة، وهي التي تقرر مضمون الجملة المتقدمة اسمية كانت ~~أو فعلية. ### || [سورة البقرة (2): آية 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) PageV01P050 ### || [سورة البقرة (2): آية 61] # وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير ~~الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) # (وإذ قلتم يا موسى) أي اذكروا وقت قولكم له (لن نصبر على طعام واحد) أي ~~طعام لا يتبدل، يعني يداوم عليه كل يوم، قيل: يمل الرجل من أكل طعام يداوم ~~عليه ولو كان فيه ألوان مختلفة من المآكل، فلذلك يوصف بالواحد «1»، وقيل: ~~كانوا يخلطون المن بالسلوى فيصيران طعاما واحدا ويأكلونه «2»، فكرهوا ذلك، ~~لأنهم أصحاب حراثة اشتهوا ما يجانسهم بقولهم (فادع) أي سل (لنا) أي لأجلنا ms0044 ~~(ربك يخرج) أي يظهر (لنا) شيئا (مما تنبت الأرض) أي تخرجه (من بقلها) أي ~~البقول كلها كالنعناع والكراث وغيرههما مما يأكل الناس (وقثائها) وهو ~~المعروف (وفومها) وهو الثوم المعروف، وقيل: الحنطة «3» (وعدسها وبصلها) ~~فغضب عليهم موسى (قال أتستبدلون) أي أتطلبون (الذي هو أدنى) أي أردأ وأخس ~~من بقول الأرض (بالذي) أي بدل ما (هو خير) أي أشرف وأعلى لكم بلا تعب، وهو ~~المن والسلوى، فقال موسى بأمر الله تعالى (اهبطوا) أي انزلوا من التيه ~~(مصرا) بالتنوين لأنه مصر من الأمصار أو مصر فرعون فصرفه لسكون وسطه كلوط ~~(فإن لكم ما سألتم) طلبتم من بقول الأرض تزرعون وتحصدون (وضربت) أي جعلت ~~(عليهم الذلة) أي الهوان (والمسكنة) أي الفقر، قيل: «ترى «4» الرجل من ~~اليهود عليه زي الفقر وإن كان موسرا» «5» (وباؤ) أي رجعوا (بغضب) أي بأثر ~~لعنة (من الله) قيل: غضبه ذمهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة «6» (ذلك) أي ~~ما حل بهم من الذل والفقر والغضب، محله رفع بالابتداء والخبر (بأنهم) أي ~~بسبب أن اليهود (كانوا يكفرون بآيات الله) أي كذبوا بالقرآن ومحمد عليه ~~السلام، وأنكروا صفته في التورية وكفروا بعيسى والإنجيل (ويقتلون النبيين) ~~بالهمزة وبغيره «7» كذكريا ويحيى وشعيا (بغير الحق) أي بلا جرم، محله نصب ~~على الحال من ضمير «يقتلون» بمعنى مبطلين، إذ هم ناصحون وداعون إلى ما ~~ينفعهم من الإيمان، وهو تأكيد لظلمهم في قتل الأنبياء ومن غير حجة لهم عليه ~~لو سئلوا عنه (ذلك) أي ما تقدم من الغضب وغيره وكرر الإشارة إليه لزيادة ~~التوبيخ (بما عصوا) أي بسبب عصيانهم أمر الله تعالى (وكانوا يعتدون) [61] ~~أي يتجاوزون عن حدود الله بقتل الأنبياء وارتكابهم المحارم. ### || [سورة البقرة (2): آية 62] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # (إن الذين آمنوا) بألسنتهم دون قلوبهم من أهل «8» النفاق (والذين هادوا) ~~أي رجعوا عن دين موسى وتسموا باليهودية (والنصارى) أي الذين تركوا دين عيسى ~~وتسموا بالنصرانية، جمع نصراني، ms0045 وياؤه للمبالغة لا للنسبة، إذ يقال رجل ~~نصران وامرأة نصرانة أي سموا بذلك لنزولهم قرية اسمها نصرانة (والصابئين) ~~أي الذين صبؤا، يعني عدلوا عن اليهودية والنصرانية، عبدوا الملائكة، ويقال ~~صبأ بالهمزة إذا رفع رأسه إلى السماء وصبأ بغير الهمزة إذا مال عن شيء إلى ~~آخر، وقرىء بهما «9»، قوله (من آمن) في محل النصب، بدل من اسم «إن» ~~والمعطوف عليه، أي من صدق منهم مخلصا (بالله) وبما أنزل على جميع النبيين ~~«10» (واليوم الآخر) أي بيوم البعث (وعمل صالحا) وحده نظرا إلى لفظ «من»، ~~أي عملا مرضيا عند الله أو في محل الرفع مبتدأ فيه معنى الشرط، خبره PageV01P051 # (فلهم) الجملة وجمعه نظرا إلى معنى «من»، والفاء للسببية، أي لهم (أجرهم) ~~وهو ثواب أعمالهم الصالحة الذي يستحقونه (عند ربهم) وجملة «من آمن» في محل ~~الرفع خبر «إن»، والعائد محذوف، أي من آمن منهم وأخلص فله الجنة (ولا خوف ~~عليهم) من العذاب المستقبل (ولا هم يحزنون) [62] مما خلفوا من أمر الدنيا. ### || [سورة البقرة (2): آية 63] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) # (وإذ أخذنا) أي اذكروا وقت أخذنا (ميثاقكم) أي عهدكم الموثق بالعمل بما ~~في التورية، فلم تعملوا بما فيها من الفرائض والتكاليف الشاقة (ورفعنا ~~فوقكم الطور) أي الجبل بالسريانية وقلنا لكم «1» (خذوا ما آتيناكم) أي الذي ~~أعطيناكم للعمل به (بقوة) أي بجد ومواظبة (واذكروا) أي ادرسوا واعملوا (ما ~~فيه) من الثواب والعقاب (لعلكم تتقون) [63] أي تخافون من الله فيسهل عليكم ~~القبول والعمل وتنجون من هلاك الدارين، قيل: لما نزلت التورية على بني ~~إسرائيل شق عليهم ما فيها من الفرائض، لأنه نزل دفعة واحدة، فلم يقبلوه، ~~فأمر الله الملائكة فقلعوا جبلا على قدر عسكرهم وقالوا لهم: إن قبلتم وإلا ~~أهلكناكم بالجبل فقبلوا وسجدوا على أنصاف وجوههم وهم ينظرون إلى الجبل في ~~سجودهم، فمن ذلك سجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم، وقالوا بهذا السجود رفع ~~عنا العذاب «2». ### || [سورة البقرة (2): آية 64] # ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل ms0046 الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين (64) # (ثم توليتم) أي أعرضتم عن الإيمان والطاعة (من بعد ذلك) أي بعد أخذ ~~الميثاق وقبول التوبة أو من بعد رفع الطور عنكم (فلو لا فضل الله) أي منه ~~(عليكم) بتأخير العذاب (ورحمته) بالإحسان وقبول التوبة أو «3» بارسال الرسل ~~إليكم (لكنتم من الخاسرين) [64] أي المغبونين في الدارين بالعقوبة. ### || [سورة البقرة (2): آية 65] # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) # ثم هدد اليهود بتذكيرهم ما جرى لمن تقدمهم من أصولهم وهم أصحاب أيلة، ~~مدينة على ساحل البحر، قيل: كان يجتمع السمك يوم السبت حتى يأخذ وجه الماء، ~~وفي سائر الأيام لا يأتيهم إلا قليل «4»، فحرم عليهم الصيد يوم السبت، ~~فاتخذوا مصائد ليقع فيها السمك ليلة السبت ويومه ويأخذوه يوم الأحد بقوله ~~(ولقد علمتم) أي عرفتم (الذين اعتدوا) أي تجاوزوا الحد ظلما (منكم) أي من ~~أسلافكم (في السبت) أي يومه، فاحتالوا وحبسوا السمك فيه أخذوه يوم الأحد، ~~وأصل السبت القطع، لأن اليهود أمروا أن يقطعوا الأعمال فيه ويشتغلوا بعبادة ~~الله، فمسخهم الله قردة، احتج مالك به في إبطال الحيلة، وجوزها غيره من ~~الفقهاء إذا لم يكن إبطال حق أو عكسه، وقال: هذه ليست بحيلة وإنما هي عين ~~المنهي عنه، لأنهم نهوا عن أخذها بأي وجه كان (فقلنا لهم كونوا) أي صيروا ~~(قردة) جمع قرد، وهذا أمر تحويل، إذ لم يكن لهم على التحول من صورة إلى ~~صورة، قيل: «مسخ الشبان منهم قردة والشيوخ خناذير لهم أذناب يتعاوون» «5»، ~~وقيل: «مسخت قلوبهم» «6»، وهو خلاف الظاهر (خاسئين) [65] أي مبعدين من رحمة ~~الله، من خسأ الكلب إذا بعده من عنده، يستعمل لازما ومتعديا، وهو خبر ثان ل ~~«كان» أو صفة للردة أو حال من اسم «كان»، قيل: بقوا ثلثة أيام بالمسخ ثم ~~هلكوا ولم يتوالد منهم قط «7». ### || [سورة البقرة (2): آية 66] # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66) # (فجعلناها) أي صيرنا تلك العقوبة لهم (نكالا) أي عقوبة وعبرة ليمتنع من ~~اعتبر بها أن يقدم على مثل ms0047 PageV01P052 # صنيعهم، يعني عظة وتذكرا (لما بين يديها) أي لما تقدمها من القرى، لأن ~~قصة هؤلاء مذكورة في كتب الأولين (وما خلفها) من القرى، فاذا علموا بها ~~اتعظوا ويمتنعوا عن المعصية أو جعلنا تلك العقوبة عقوبة لما عملت من الذنوب ~~قبل المسخ ولما عملت حين المسخ (وموعظة) أي نصيحة وعبرة (للمتقين) [66] أي ~~الخائفين من أمة محمد عليه السلام. ### || [سورة البقرة (2): آية 67] # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) # (وإذ قال موسى) أي اذكروا وقت قوله (لقومه) أي لبني أسرائيل حين قتل رجل ~~فقير ابن عم له غنيا ليرثه ثم حمله وألقاه إلى جانب قرية قريبة من قريته، ~~فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم، فأخذوا بالقتيل وجاؤا به إلى موسى ~~وجاء الفقير مع أهل قريته إلى موسى يدعي عليهم القتل فهم أهل القريتين أن ~~يقتتلوا بالسلاح، فقال رجل أتقتتلون وفيكم نبي الله موسى، فدعا الله في ذلك ~~لتبيين أمر المقتول وذلك قبل نزول القسامة «1»، فأوحى الله إلى موسى وقال ~~(إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فتضربوا ببعضها بعض أعضاء الميت فيحيي ~~فيخبركم من قتله (قالوا) لموسى (أتتخذنا هزوا) بسكون الزاء مع الهمزة «2» ~~وضمها بلا همزة «3» وبضمها مع الهمز «4»، أي أهل هزو، وهو السخرية، يعنون ~~أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح البقرة، ولا تطابق ~~بين السؤال والجواب (قال) موسى (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) [67] أي ~~المستهزئين، لأن الهزء من فعل الجاهلين. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 68 الى 69] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا ~~بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون (68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين (69) # (قالوا) يا موسى (ادع) أي سل (لنا ربك يبين) أي يوضح (لنا ما هي) أي ما ~~سنها وما صفتها من الصغر والكبر (قال) موسى (إنه) أي الله (يقول ms0048 إنها بقرة ~~لا فارض) أي مسنة من الفرض وهو القطع، لأنها قطعت السن، أي بلغت آخرها (ولا ~~بكر) أي صغيرة لم تلد قط، مأخوذ من باكورة الفاكهة ولم يؤنث لأنه كالحائض ~~في الاختصاص بالأنثى، وارتفاعهما بخبرية مبتدأ محذوف، أي لا هي كبيرة ولا ~~صغيرة (عوان بين ذلك) أي وسط بين الكبيرة والصغيرة، وإنما أفرد ذلك و«بين» ~~يقتضي الإضافة إلى المتعدد، لأنه في معنى شيئين حيث أشير به إلى ما ذكر من ~~الفارض والكبر وإنما جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وهو موضوع لأن يشار به إلى ~~واحد مذكر، لأنه مؤول بالمذكر للاختصار في الكلام أو لأنه اسم الإشارة، ~~يكثر استعماله في كلاهم، فاستحسن الإفراد، إذ تثنيته وجمعه وتأنيثه ليس ~~بحقيقة (فافعلوا ما تؤمرون) [68] أي الذي أمركم الله به من ذبح القرة ~~ليتبين لكم القاتل ولا تسألوا ثم سألوا عن لونها (قالوا ادع لنا ربك يبين) ~~أي يعلم (لنا ما لونها) من الألوان (قال) لهم موسى (إنه) أي الله (يقول ~~إنها بقرة صفراء) والصفرة لون بين البياض والسواد (فاقع لونها) أي خالص ~~شديد الصفرة، وهي جملة من المبتدأ والخبر صفة البقرة أو فاقع صفة صفراء ~~و«لونها» مرفوع على أنه PageV01P053 # فاعله وذكره تأكيد لها، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل شديدة ~~الصفرة «1» صفرتها وهو من قولك: # جد جده، وزاد في وصفه لزيادة البيان بقوله «2» (تسر الناظرين) [69] أي هي ~~تعجبهم لحسن لونها فتلتذ قلوبهم والسرور التذاذ القلب عند وجود سببه. ### || [سورة البقرة (2): آية 70] # قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون (70) # ثم سألوه أهي عاملة أو سائمة (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) أي ما ~~صفتها من السائمة والعاملة (إن البقر) أي هذا الجنس كثير (تشابه) أي تشاكل ~~(علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون) [70] أي لمدركون إلى البقرة بمشية الله، ~~قال ابن عباس رضي الله عنه: «لو لا أنهم استثنوا لم يدركوها أبدا»، وعنه ~~أيضا: «لو أنهم أخذوا أدنى بقرة ms0049 لأجزءت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد ~~الله عليهم» «3». ### || [سورة البقرة (2): آية 71] # قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية ~~فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون (71) # (قال) موسى (إنه) أي الله (يقول إنها بقرة لا ذلول) أي لا مذللة بالعمل ~~(تثير الأرض) أي تقلبها للزراعة (ولا تسقي الحرث) أي الزرع، والفعلان صفتان ~~ل «ذلول»، يعني ليست بمثيرة الأرض للكراب ولا بسانية عليها الماء ليسقي ~~الحرث (مسلمة) أي سليمة من كل عيب (لا شية فيها) أي لا لون آخر فيها سوى ~~لونها من الوشي للنوع، وهو الخلط بالألوان ومنه ثوب موشى وأصلها وشية كوعدة ~~(قالوا الآن) أي هذا الوقت بني لتضمنه معني الإشارة (جئت بالحق) أي أتيت ~~بالبيان التام الذي أردنا منك تحققه في البقرة فطلبوها فوجدوها عند شاب من ~~بني إسرائيل مات أبوه وورث منه عجلة في غيضة كانت ترعي فيها ولم يعلم بذلك ~~وكان بارا بأمه يحتطب ويبيعه ويعطي أمه ثلث ثمنه ويتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ~~ويقسم ليلة أثلاثا، ثلثا ينام فيه وثلثا يصليه وثلثا يقعد عند رأس أمه، ~~فقالت له يوما: إن أباك استودع الله لك عجلة في غيضة كذا، فاذهب فأت بها ~~فبعها، فذهب ووجدها فلزم بعنقها وأتى بها أمه فقالت: بعها ستة «4» دنانير ~~بمشورتي فذهب ليبيعها فجاءه ملك في صورة آدمي فأعطاه ستة دنانير على أن لا ~~يشاور أمه، فلم يفعل وأخبر أمه بذلك، فقالت: إنه ملك قل له: # هل نبيع البقرة أم لا؟ فسأله، فقال: لا إلا بملء مسكها ذهبا، فلما أتى ~~بها إلى السوق وجدها بنو إسرائيل على تلك الصفة فاشتروها بملء مسكها دنانير ~~«5» (فذبحوها وما كادوا) أي ما قربوا (يفعلون) [71] الذبح لغلاء ثمنها، ~~وقيل: لخوف فضيحة القاتل من قبيلتهم «6»، وقيل: ذبحوها بعد مكث وتوقف لعدم ~~انقطاع خيط الاستكشاف عنهم «7». ### || [سورة البقرة (2): آية 72] # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) # ثم خاطب بني إسرائيل بالقتل بقوله (وإذ قتلتم) وإن وجد من ms0050 بعضهم لملابسة ~~القتل لهم، وهذا أول القصة، وإنما لم يقدمه لفظا للاهتمام بشأن ذبح البقرة ~~للكشف عن القاتل، وبعد ذكره ذكر القتل بنسبته إلى الجماعة ليكون أبلغ في ~~توبيخهم عليه لوجود القتل فيهم، أي اذكروا وقت قتلكم (نفسا) وهي نفس عاميل PageV01P054 # قتلا محرما (فادارأتم) أي تدافعتم واختصمتم (فيها) أي في شأنها من الدرء، ~~وهو الدفع، لأن كل واحد كان يطرح قتلها على آخر منهم وتدفع عن نفسه (والله ~~مخرج) أي مظهر (ما كنتم تكتمون) [72] أي الذي تسترونه من قتل عاميل وأعمل ~~«مخرج» وإن كان بمعنى الماضي، لأنه محكي عن المستقبل في وقت التدارء، وهذه ~~الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. ### || [سورة البقرة (2): آية 73] # فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) # و # الفاء في قوله (فقلنا) للبيان، أي قلنا لهم ليظهر ذلك (اضربوه) أي ~~المقتول (ببعضها) أي ببعض تلك البقرة، قيل: بلسانها «1»، وقيل: بفخذها ~~الايمن «2»، وقيل: بعجب ذنبها «3» وهو آخر الأعضاء فسادا بعد الموت «4»، ~~قيل: هو عظم يخلق أولا عند البعث ثم يركب عليه سائر البدن «5»، فضربوه فحيي ~~فقام وأوداجه تشخب دما، وقال: قتلني فلان ابن عمي، ثم مات فحرم الميراث، ~~وقتل: فان قيل هلا أحياه ابتداء ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ~~ببعضها؟ أجيب بأن في ذلك حكما وفوائد جمة، منها التقرب بذبح البقرة وأداء ~~التكليف واكتساب الثواب والتشديد عليهم بتشديدهم في السؤال ونفع اليتيم ~~بالتجارة الرابحة والدلالة على بركة البر للوالدين والشفقة على الأولاد ~~وغير ذلك «6». # ثم أشار تعالى إلى كيفية إحياء الموتى عند البعث مخاطبا لمنكريه في زمان ~~النبي عليه السلام بقوله (كذلك) أي مثل إحياء الله المقتول (يحي الله ~~الموتى) عند النفخة الثانية يوم القيامة (ويريكم آياته) أي علامته مثل ~~إحياء الميت وغيره من العجائب (لعلكم تعقلون) [73] المراد منكم، يعني إرادة ~~أن تعلموا أن القادر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء نفوس كثيرة وتمنعوا ~~نفوسكم عن هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 74] # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ms0051 فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74) # (ثم قست) أي غلظت ويبست (قلوبكم) بخروج الرحمة وذهاب اللين منها (من بعد ~~ذلك) أي من بعد ما تقدم من الآيات كاحياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ~~ورفع الجبل وفجر الأنهار من الحجر وغير ذلك (فهي كالحجارة) في شدتها ~~وقسوتها (أو أشد قسوة) برفع «أشد» ونصب «قسوة» «7» على التمييز، أي أو أشد ~~غلظة ويبسا من الحجارة لا يؤثر المواعظ فيها وإنما لم يقل: أو أقسى، فان ~~أفعل التفضيل يخرج من فعل القسوة، لأن ذلك أبين وأدل على فرط القسوة وشدتها ~~فيها، قيل: وإنما لم يشبهها بالحديد وإن كان أصلب لأنه قابل للتليين «8»، ~~و«أو» للتخيير «9» في التشبيه، وقيل: بمعنى الواو أو هو بمعنى بل «10» (وإن ~~من الحجارة لما يتفجر) أي PageV01P055 # لحجر ينتفح ويجري (منه الأنهار) بالماء (وإن منها) أي من الحجارة (لما ~~يشقق) أي لحجر يتصدع (فيخرج منه الماء) أي العيون دون الأنهار (وإن منها ~~لما يهبط) أي لحجر ينزل من رأس الجبل إلى أسفله (من خشية الله) أي من خوفه ~~وقلوبكم لا تخشى ولا تلين يا طائفة اليهود، قيل: هذا على وجه المثل، يعني ~~لو كان له عقل لفعل ذلك «1»، وقيل: يجوز أن يراد به الجبل الذي صار دكا حين ~~كلم الله موسى «2» (وما الله بغافل عن ما تعملون) [74] بالياء والتاء خطابا ~~«3» من القبائح فيجازيكم عليها، ففيه تهديد عظيم لهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 75] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) # قوله (أفتطمعون) خطاب للنبي عليه السلام وأصحابه، والاستفهام فيه للتعجيب ~~من طلبهم الإيمان من اليهود المعاندين بتحريف كلام الله أو بتغيير تأويله ~~من بعد فهمهم واستيقانهم كيلا يحزنوا على تكذيبهم القرآن والنبي، أي ~~أتبالغون في دعوتهم إلى الإسلام فتطمعون (أن يؤمنوا لكم) أي يصدقكم اليهود ~~في قولكم ويحدثوا ms0052 الإيمان (وقد كان فريق منهم) أي طائفة من اليهود في زمان ~~موسى عليه السلام، والواو للحال (يسمعون كلام الله) أي التورية (ثم ~~يحرفونه) أي يغيرون ما فيه من الأحكام كنعت النبي عليه السلام وآية الرجم ~~(من بعد ما عقلوه) أي فهموه واستيقنوه، و«ما» فيه مصدرية (وهم يعلمون) [75] ~~أنهم مفترون بالتحريف، والواو فيه للحال، يعني أنهم من أهل «4» السوء الذين ~~مضوا بالعناد، فلا تطمعوا الإيمان منهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 76] # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) # ثم أخبر عن حال المنافقين منهم عند ملاقاتهم المؤمنين بقوله (وإذا لقوا) ~~أي اليهود المؤمنون باللسان (الذين آمنوا) بقلوبهم (قالوا آمنا) كايمانكم ~~(وإذا خلا) أي مضى ورجع (بعضهم) وهم الذين لم ينافقوا (إلى بعض) وهم الذين ~~نافقوا، وهم رؤساؤهم (قالوا) منكرين عليهم باللوم والعتاب «5» (أتحدثونهم) ~~أي أتخبرونهم (بما فتح الله) أي بما «6» منه (عليكم) وأعطاكم من العلم ~~بنبوة محمد عليه السلام وصدقه الذي في كتابكم (ليحاجوكم) أي ليخاصمكم أصحاب ~~محمد (به) أي بما فتح الله عليكم في أنه نبي ثابت في كتابكم فيثبت الحجة ~~عليكم (عند ربكم) أي فيحكمه في الدنيا والآخرة (أفلا تعقلون) [76] أن ذلك ~~حجة لهم عليكم، وقيل: لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريظة: «يا ~~إخوة القردة والخنازير انزلوا من حصنكم»، قالوا بينهم: من أخبر محمدا بهذا ~~ما خرج إلا منكم «7». ### || [سورة البقرة (2): آية 77] # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) # ثم استفهم الله تعالى بقوله (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون) أي ~~يخفون من الكفر في قلوبهم (وما يعلنون) [77] أي يظنون من الإيمان بألسنتهم ~~«8» أو ما يسرون فيما بينهم من القول وما يعلنون مع أصحاب محمد عليه ~~السلام. ### || [سورة البقرة (2): آية 78] # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) # قوله (ومنهم أميون) مبتدأ وخبر، إخبار عن عوام اليهود الذين قلدوهم ~~وتابعوهم بالجهل فشاركوهم في PageV01P056 # الوزر العظيم، قيل: ms0053 يجب على العالم أن يعمل بما علم وعلى الجاهل أن يطلب ~~العلم ليعمل «1»، أي ومن اليهود الذين هم أهل الكتاب أميون، أي لا يحسنون ~~قراءة الكتاب، جمع أمي، منسوب إلى الأم، كأنه باق على أصل خلقته لا يكتب ~~ولا يقرأ، قوله (لا يعلمون الكتاب) بيان للأميين أي لا يقرون الكتب ولا ~~يعرفون معناها، قوله (إلا أماني) بتشديد الياء ونصبها «2» استثناء منقطع، ~~لأنها ليست من جنس الكتب، جمع أمنية من التمني، أي لكن الشهوات الباطلة ~~ثابتة عندهم وهي المفتريات والمختلقات تخرصا من تغيير صفة محمد عليه السلام ~~وإنهم لا يعذبون في النار إلا أياما معدودات، وإن آباءهم الأنبياء يشفعون ~~لهم، وإن الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة في صحة ذلك (وإن هم) أي ~~ما هم (إلا يظنون) [78] ظنا من غير تيقن بها. ### || [سورة البقرة (2): آية 79] # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # (فويل) أي عقوبة عظيمة رفع بالابتداء خبره ما بعده، قيل: هو كلمة الدعاء ~~على النفس بالعذاب «3»، وقيل: # اسم واد في جهنم لو سيرت الجبال فيه لذابت من حره «4» وهو (للذين يكتبون ~~الكتاب) المحرف وهم رؤساء اليهود الذين محوا نعت النبي عليه السلام وكتبوا ~~غيره (بأيديهم) تأكيد (ثم يقولون) لعوامهم (هذا من عند الله) في التورية ~~(ليشتروا به) أي بالمحرف (ثمنا قليلا) أي عرضا يسيرا من حطام الدنيا (فويل ~~لهم مما كتبت أيديهم) أي العقوبة العظيمة ثابتة لهم من أجل كتابتهم إياه ~~(وويل لهم مما يكسبون) [79] أي من أخذهم الرشوة وعملهم المعاصي. ### || [سورة البقرة (2): آية 80] # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80) # (وقالوا) زعما منهم (لن تمسنا) أي لا تصل «5» إلينا (النار إلا أياما ~~معدودة) أي أربعين يوما وهي مدة ما عبد آباؤهم العجل ثم يزول عنا العذاب ~~فأكذبهم الله تعالى فقال (قل) يا محمد (أتخذتم ms0054 عند الله عهدا) موثقا بأنكم ~~لا تعذبون أو أقلتم لا إله إلا الله فنجوتم من العذاب، قوله (فلن) جواب شرط ~~محذوف، أي إذا اتخذتم عند الله عهدا فلن (يخلف الله عهده) الذي عهده إليكم، ~~يعني ينجز وعده البتة، و«أم» في قوله (أم تقولون) معادلة بالهمزة بمعنى أي ~~الأمرين المتساويين واقع لتحقق العلم بأحدهما، يعني اتخذتم ذلك العهد أم ~~تزعمون (على الله ما لا تعلمون) [80] حقيقته، روي عن النبي عليه السلام: ~~«أنهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار يقول لهم خزنة جهنم: يا أعداء الله ~~ذهب الأجل وبقي الأبد فأيقنوا بالخلود» «6». ### || [سورة البقرة (2): آية 81] # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) # قوله (بلى) إثبات لما بعد النفي، ورد لقولهم «لن تمسنا النار»، أي بلى ~~تمسكم النار وتخلدون فيها وبين ذلك بعده بالشرط والجزاء، وهما (من كسب ~~سيئة) هي الشرك (وأحاطت به) أي أحدقته من كل جانب (خطيئته) وقرئ «خطاياه» ~~«7»، أي كبائره ويموت مصرا عليها من غير توبة (فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون) [81] أي لا يخرجون منها أبدا ولا يموتون لئلا يعذبوا. PageV01P057 ### || [سورة البقرة (2): آية 82] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # ثم بشر المطيعين بالجنة فقال (والذين آمنوا) أي صدقوا بالله وبمحمد ~~بقلوبهم (وعملوا الصالحات) أي أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي (أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون) [82] أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا. ### || [سورة البقرة (2): آية 83] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) # ثم أخبر عن أخذ الميثاق منهم في التورية أن يؤمنوا بمحمد عند بعثه لدعوة ~~الناس إلى الإسلام وهم نقضوا الميثاق بقوله (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل) ~~أي عهدهم في التورية، وقيل: وقت إخراجهم من صلب آدم «1» (لا تعبدون) بالياء ~~غيبة وبالتاء خطابا «2»، أي بأن لا تعبدوا (إلا الله) أو قلنا لهم لا ~~تعبدوا ms0055 فيكون خبرا في معنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي لقصد المسارعة إلى ~~الامتثال، أي لا توحدوا إلا الله (وبالوالدين) أي وأحسنوا بهما (إحسانا) أي ~~برا كثيرا (وذي القربى) مصدر بمعنى القرابة، أي وأحسنوا بصاحب القرابة بحسن ~~الخلق وإيصال النفع إليهم (واليتامى) جمع يتيم، وهو من لا أب له بحسن ~~التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع (والمساكين) بحسن القول وإيصال الصدقة إليهم ~~(وقولوا للناس حسنا) بضم الحاء وسكون السين وبفتحهما «3»، أي قولا صدقا في ~~شأن محمد وصفته أو ألينوا بهم «4» القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وامروهم ~~«5» بالمعروف وأنهاهم من المنكر (وأقيموا الصلاة) أي أدوها بمواقيتها ~~(وآتوا الزكاة) المفروضة عليكم في أموالكم فقبلتم تلك بجميعها يا بني ~~إسرائيل (ثم توليتم) أي أعرضتم عن ذلك العهد وعن الإيمان بمحمد عليه السلام ~~(إلا قليلا منكم) وهو عبد الله بن سلام وأصحابه (وأنتم معرضون) [83] أي ~~وعادتكم الإعراض عن الإيمان كاعراض آبائكم والواو هنا «6» ليست للحال ~~لاتحاد التولي والإعراض، والجملة إعتراض للتأكيد في التوبيخ. ### || [سورة البقرة (2): آية 84] # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) # ثم أخبر عن أخذ ميثاق آخر على بني إسرائيل ونقضهم ذلك بعده فقال (وإذ ~~أخذنا ميثاقكم) أي عهدكم وإقراركم (لا تسفكون) أي بأن لا تريقوا (دماءكم) ~~يعني لا يريق بعضكم دم بعض، وقيل: إذا قتل رجل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه ~~يقتص منه «7» (ولا تخرجون أنفسكم) أي لا يخرج بعضكم بعضا (من دياركم) وفي ~~اقتران الإخراة من الديار «8» بالقتل إيذان على أنه بمنزلة القتل (ثم ~~أقررتم) أي اعترفتم بهذا العهد على أنفسكم (وأنتم تشهدون) [84] أي أنتم ~~اليوم يا معشر اليهود شاهدون على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق أو تشهدون أن ~~هذا في التورية. ### || [سورة البقرة (2): آية 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم ms0056 القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) PageV01P058 ### || [سورة البقرة (2): آية 85] # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) # ثم وبخهم الله تعالى على نقضهم ذلك بقوله (ثم أنتم هؤلاء) أي يا هؤلاء أو ~~الذين (تقتلون أنفسكم) أي يقتل بعضكم بعضا أو «أنتم هؤلاء» مبتدأ وخبر، ~~و«تقتلون» بيان لهذه الجملة (وتخرجون فريقا منكم من ديارهم) لأنه كان بين ~~الأوس والخزرج من قبائل العرب عداوة وكان بنو قريظة والنضير من قبائل ~~اليهود، إحديهما وهي بنو قريظة معينة للأوس، والأخرى وهي النضير معينة ~~للخزرة فاذا غلبت إحديهما كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم، وإذا أسر رجل من ~~الفريقين من طائفة اليهود جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالت: كيف ~~تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فيقولون: أمرنا كذا في التورية، وإنما نفعل القتل ~~المحرم علينا، لأنا نستحيي أن نذل خلفاءنا، فقال تعالى توبيخا لهم ~~(تظاهرون) بتخفيف الظاء مع الألف والتشديد «1»، أي تتعاونون «2» (عليهم ~~بالإثم) أي بالعصيان (والعدوان) أي الظلم وتجاوز الحد (وإن يأتوكم أسارى) ~~وقرئ «أسرى» «3»، جمع أسير بمعنى واحد، قيل: وإذا قيدوا يقال أسارى، وإذا ~~حصلوا في اليد من غير قيد يقال أسرى «4» (تفادوهم) وقرئ تفدوهم «5»، أي ~~تبادلوهم الأسير بالأسير أو تأخذوهم بالفداء كما أمرتم به (وهو) أي الشأن ~~(محرم عليكم إخراجهم) من ديارهم، وقيل: الضمير يرجع إلى الإخراج في قوله ~~«تخرجون «6»، فهو مبتدأ، خبره «محرم عليكم»، و«إخراجهم» مرفوع على أنه بدل ~~من الضمير في «محرم» بيانا للذي حرم وذلك لتراخي الكلام، يعني أعرضتم عن ~~الكل بعد أخذ العهد عليها منكم إلا الفداء (أفتؤمنون) أي أتنقضون الميثاق ~~فتؤمنون (ببعض الكتاب) أي ببعض ما فرض عليكم في التورية من الفداء (وتكفرون ~~ببعض) وهو القتل والإخراج وما في قوله (فما جزاء) نفي أي ليس ms0057 جزاء (من يفعل ~~ذلك) أي نقض الميثاق (منكم إلا خزي) أي فضاحة وعذاب (في الحياة الدنيا) ~~فخزي قريظة القتل والسبي، وخزي النضير الإخراج من ديارهم والنفي إلى الشام ~~(ويوم القيامة يردون) بالياء غيبة، أي يرجعون (إلى أشد العذاب) وهو عذاب ~~النار، لأن عذابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم (وما الله بغافل عن ما ~~تعملون) [85] بالياء والتاء «7»، أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فيجازيهم ~~بها يوم البعث. ### || [سورة البقرة (2): آية 86] # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86) # (أولئك الذين اشتروا) أي اختاروا (الحياة الدنيا بالآخرة) أي بدلها (فلا ~~يخفف عنهم العذاب) في الآخرة بسبب اتباع الهوى وترك الهدى (ولا هم ينصرون) ~~[86] أي لا يمنعون من العذاب بمانع لهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 87] # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) # (ولقد آتينا) أي أعطينا يا بني إسرائيل (موسى الكتاب) أي التورية جملة ~~واحدة (وقفينا) أي أتبعنا (من بعده) أي بعد موسى (بالرسل) أي بالأنبياء مثل ~~يوشع وإشمويل وداود وسليمان وعزير وإلياس وغيرهم، يعني PageV01P059 # أرسلنا بعد موسى رسولا على أثر رسول إليكم (وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات) أي العلامات الواضحات كاحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ~~والإنجيل (وأيدناه) أي قويناه (بروح القدس) أي بجبرائيل والقدس، والقدوس هو ~~الله، قرئ بضم الدال وسكونه «1»، ومعناه الطاهر من كل عيب أو روح القدس اسم ~~الله الأعظم الذي يحيي به الموتى، قيل: ما بين موسى وعيسى أربعة آلاف نبي ~~«2»، وقيل: سبعون ألف نبي «3»، قوله (أفكلما جاءكم) وسط فيه همزة الاستفهام ~~للتوبيخ لهم بين الفاء وما تعلقت به من المعطوف عليه وهو «آتينا» قبله، أي ~~آتينا أنبياءكم ما آتيناهم فكلما آتاكم (رسول) من الرسل (بما لا تهوى) أي ~~لا تريد (أنفسكم) ولا يوافق هواكم (استكبرتم) أي تعظمتم عن الإيمان به ~~(ففريقا كذبتم) منهم كعيسى ومحمد عليهما السلام (وفريقا تقتلون) [87] ~~كذكريا ويحيى ms0058 وشعيا، وأراد بالاستقبال تعظيما لهذه الحالة حيث لم يقل قتلتم ~~بالمضي. ### || [سورة البقرة (2): آية 88] # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88) # (وقالوا قلوبنا غلف) بسكون اللام جمع غلاف، وهو الوعاء، أي قلوبنا أوعية ~~للعلم، فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره أو جمع أغلف كأحمر وهو ما فيه ~~غشاوة، أي لا نفهم حديثكم، لأن قلوبنا في غطاء فأضرب الله تعالى عن دعويهم ~~وأثبت أن قلوبهم قابلة للإيمان لكونها سليمة بأصل الخلقة وهم يعاندون ~~بالكفر فقال (بل لعنهم الله) أي طردهم عن رحمته (بكفرهم) أي بجحدهم الحق ~~(فقليلا ما يؤمنون) [88] «ما» زاءدة فيه، و«قليلا» نصب لكونه صفة مصدر ~~محذوف، أي إيمانا قليلا يؤمنون، لأن مؤمني اليهود قليلون بالنسبة إلى مؤمني ~~المشركين. ### || [سورة البقرة (2): آية 89] # ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89) # (ولما جاءهم كتاب من عند الله) أي القرآن (مصدق لما معهم) أي موافق ~~للتورية في التوحيد وبعض الشرائع (وكانوا من قبل) أي قبل محمد عليه السلام ~~(يستفتحون) أي يستنصرون به (على الذين كفروا) أي على كفار مكة، لأنهم قد ~~وجدوا في التورية نعت محمد، وكانوا إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب ~~يقولون: اللهم انصرنا عليهم باسم نبيك محمد وبكتابك تنزل عليه، فنصروا على ~~عدوهم (فلما جاءهم ما عرفوا) من الحق وهو محمد عليه السلام (كفروا به) حسدا ~~وحرصا على الرياسة، وغيروا صفته، فقال تعالى (فلعنة الله) أي طرده وسخطه ~~(على الكافرين) [89] بمحمد وكتابه. ### || [سورة البقرة (2): آية 90] # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) # (بئسما اشتروا) أي بئس شيئا باعوا (به) أي بسببه (أنفسهم) بئس للذم نقيض ~~نعم للمدح، وفيه ضمير مبهم فسره «ما»، ومحله نصب بمعنى شيئا والمخصوص بالذم ~~قوله (أن يكفروا بما أنزل الله) من القرآن (بغيا) ms0059 مفعول له، أي لأجل الظلم ~~والحسد على (أن ينزل الله) بالتخفيف والتشديد «4» (من فضله) من الرسالة ~~والكتاب (على من يشاء من عباده) وهو محمد عليه السلام، لأنه تعالى لا ~~إعتراض لأحد عليه في وضعه الرسالة والنبوة حيث شاء «5» (فباؤ) أي رجعوا ~~(بغضب) أي مغضوبا عليهم (على غضب) صفة للأول «6»، يعني استوجبوا اللعنة PageV01P060 # على أثر اللعنة متصلة لكفرهم بمحمد بتضييعهم التورية والإنجيل وعبادتهم ~~العجل ونسبتهم عيسى إلى كونه ولد الزنا (وللكافرين عذاب مهين) [90] أي ولهم ~~«1» عذاب مخزبهم «2» يهانون فيه. ### || [سورة البقرة (2): آية 91] # وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما ~~وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين (91) # (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) أي بالقرآن المنزل على محمد وهم يهود ~~أهل المدينة (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي بالتورية (و) هم (يكفرون بما ~~وراءه) أي بما سواه، والواو للحال، وعاملها «قالوا نؤمن»، يعني قالوا في ~~الجواب: نصدق ما معنا من الكتاب جاحدين القرآن (وهو الحق) حال والعامل ~~«يكفرون» (مصدقا لما معهم) حال مؤكدة، وعاملها معنى الفعل في «الحق» ~~وصاحبها ما فيه من الضمير الراجع إلى القرآن، وفيه رد لمقالتهم نؤمن ~~بالتورية لأن معناه أحقه حقا حال كونه موافقا لكتابهم، فاذا كفروا بما ~~يوافق التورية فقد كفروا بها، وقالوا: إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به ~~أنبياؤنا من قبلك، فأمر الله تعالى أن يقول نبيه عليه السلام معترضا عليهم ~~بالاستفهام عن قتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتورية التي لا تسوغ ~~قتل الأنبياء (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) أي قبل مجيئ «3» نبي «4» ~~بالرسالة إليكم، يعني قتلهم آباؤكم ورضيتم بفعلهم وقد جاؤا بالبينات والحجج ~~(إن كنتم مؤمنين) [91] أي مصدقين بالأنبياء، قيل: فيه دليل على أن من رضي ~~بالمعصية فكأنه فاعل لها، وإن من ادعى أنه مؤمن بالله وكتابه ينبغي أن يكون ~~أفعاله مصدقة لقوله فيه «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 92] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من ms0060 بعده وأنتم ظالمون (92) # (ولقد جاءكم موسى بالبينات) أي الحجج الواضحات (ثم اتخذتم العجل) إلها ~~للعباد (من بعده) أي بعد ذهابه إلى الجبل للمناجاة (وأنتم ظالمون) [92] بما ~~حدث منكم من عبادة العجل. ### || [سورة البقرة (2): آية 93] # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93) # (وإذ أخذنا ميثاقكم) أي العهد منكم (ورفعنا فوقكم الطور) أي الجبل، وكرر ~~رفع الطور للتأكيد، وقلنا لكم (خذوا ما آتيناكم) أي أعطيناكم من الكتاب ~~(بقوة) أي بجد واجتهاد (و) قلنا (اسمعوا) ما أمرتم به في الكتاب وأطيعوه ~~(قالوا) يا محمد (سمعنا) قولك (وعصينا) أمرك ولو لا مخافة الجبل ما قبلنا ~~في الظاهر (وأشربوا) أي خولطوا، ثم بين مكان الأشراب فقال (في قلوبهم ~~العجل) أي حبه، يعني أدخل في صدورهم حب العجل للعبادة دخول الصبغ في الثوب ~~(بكفرهم) أي بسببه (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) بالتورية، يعني عبادة ~~العجل، وفيه استهزاء بهم، لأنه ليس في التورية عبادة العجل ليأمر بها ~~إيمانهم بها (إن كنتم مؤمنين) [93] بالتورية، وفيه تشكيك في إيمانهم، لأنهم ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا فادعوا أن الجنة ~~لهم خاصة دون سائر الناس. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 94 الى 95] # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95) # فقال الله تعالى لنبيه (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) أي الجنة (عند ~~الله) نصب خبر «كان»، قوله (خالصة) نصب على الحال من الدار، يعني إن صحت ~~دعويكم أن الجنة خاصة سالمة لكم (من دون الناس) أي دون PageV01P061 # المؤمنين، فاللام للعهد أو «1» ليس لأحد فيها سواكم حق فاللام للجنس ~~(فتمنوا الموت) أي أحبوه واسألوه من الله بالقلب واللسان (إن كنتم صادقين) ~~[94] في قولكم أن الجنة لكم خاصة، روي: أن النبي عليه السلام قال لهم عند ~~ذلك: «قولوا اللهم ms0061 أمتنا فو الذي نفسي بيده لا يقول رجل منكم إلا غص بريقه» ~~«2»، أي يموت في مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي فأبوا عن قول ذلك فنزل ~~«3» (ولن يتمنوه) أي الموت (أبدا) أي في جميع الزمان المستقبل، وهو من ~~المعجزات، لأنه إخبار بالغيب، وكان «4» كما أخبر به، إذ لو تمنوا لنقل ذلك ~~إلينا، إذ ليس التمني من أعمال القلب، بل هو قول باللسان ليت لي كذا، وليت: ~~كلمة التمني، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمير والقلب، وفيه دليل على أن ~~«لن» ليس للتأبيد، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة ولا يتمنونه في الدنيا ~~(بما قدمت أيديهم) أي بسبب عملهم المعاصي وكذبهم في دعويهم وأسند الفعل إلى ~~الأيدي، لأن الأعمال يكون بها غالبا (والله عليم بالظالمين) [95] فيجازيهم، ~~وفيه تهديد شديد لهم، لأن علمه بهم كعلمه بغيرهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 96] # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96) # ثم أخبر تعالى «5» نبيه عن حال اليهود بقوله توبيخا لهم (ولتجدنهم أحرص ~~الناس على حياة) أي على حياة متطاولة، فالتنوين للنوع، من وجد بمعنى علم ~~المتعدي إلى مفعولين، وهما «هم» و«أحرص»، وهو أفعل التفضيل الذي إذا أضيف ~~إلى متعدد هو منه لم يحتج إلى ذكر من للتفضيل كقولك: زيد أفضل الناس، لأن ~~المراد تفضيل الشيء على نفسه، ولا يضاف إلى ما هو غير داخل فيه فلا يقال: ~~زيد أفضل إخوته، لأنه خارج عنهم وإلا لزم تفضيل الشيء على نفسه، بل يقال ~~زيد أفضل الإخوة، وعليه قوله تعالى «أحرص الناس»، لأن اليهود من الناس، ثم ~~زاد في توبيخهم بقوله (ومن الذين أشركوا) أي ولتجدن اليهود أحرص من ~~المشركين، وإنما أظهر فيه «من»، لأن اليهود ليس بعض المشركين، لأن المراد ~~منهم المجوس، لأن حرصهم شديد لعدم إيمانهم بالبعث لإشراكهم أو عطف على ~~المعنى، لأن معنى «أحرص الناس» أحرص من الناس، قيل: ويجوز أن يكون التقدير: # وأحرص من الذين أشركوا، ms0062 حذف الثاني لدلالة الأول عليه «6»، وإنما كان ~~هؤلاء أحرص من الذين أشركوا على الحيوة، لأنهم عالمون بأنهم يعذبون بالنار ~~لا محالة، والمشركون لا يعلمون، بل لا يعرفون إلا الحيوة الدنيا، لأنها ~~جنتهم ولذلك أفرد بالذكر مع كونهم داخلين في الناس لشدة حرصهم عليها، ~~فكأنهم ليسوا بعضهم، وقيل: # «ومن الذين أشركوا» كلام مستأنف، أي ومنهم ناس «7» (يود) أي يتمني (أحدهم ~~لو يعمر) أي أن يطول عمره (ألف سنة) قيل: المجوس يقولون فيما بينهم عند ~~العطاس وغيره: عش ألف سنة «8»، واليهود أحرص منهم على الحيوة والتعمير (وما ~~هو) أي ليس أحدهم (بمزحزحه) أي بمبعده ومنجيه (من العذاب أن يعمر) أي ~~تعميره، رفع فاعل «بمزحزحه» أو بدل من «هو»، وهو عائد للتعمير، يعني ما ~~أحدهم ينجيه طول عمره من النار ولو عاش ألف سنة كما تمنى (والله بصير) أي ~~عالم حقيقة (بما يعملون) [96] بالياء غيبة «9» فيجازيهم بأعمالهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 97] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) # (قل من كان عدوا لجبريل) قرئ بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز وبفتحهما ~~وكسر الهمزة مع الياء PageV01P062 # وبكسرهما بلا همز مع الياء «1»، لا ينصرف للعجمة والتعريف، نزل حين قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابن صوريا من اليهود: ما لكم لا تؤمنون بمحمد ~~والقرآن؟ قال: من يأتيه به؟ قال عمر: جبريل، قال: هو عدونا ولو كان غيره ~~كميكائيل لآمنا به، لأن جبريل ملك العذاب وميكائيل ملك الرحمة «2»، فأمر ~~الله تعالى نبيه وقوله قل لليهود من كان عدوا لجبريل فليمت غيظا أو فلا وجه ~~لمعاداته، وعلل بقوله (فإنه نزله) أي نزل جبريل القرآن (على قلبك) لتحفظه ~~وتفهمه ويثبت به فؤادك (بإذن الله) أي بتيسره وتسهيله (مصدقا لما بين يديه) ~~من التوبة، أي حال كونه موافقا له (وهدى وبشرى) أي هاديا إلى دين الحق ~~ومبشرا بالجنة (للمؤمنين) [97] فكيف أخذوه عدوا «3»، فلو أنصفوا لأحبوه، ~~لأن ما أنزله عليك موافق لما معهم من الكتاب، قيل: حق الكلام أن ms0063 يقال على ~~قلبي ولكنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به، يعني قل كما تكلمت به من ~~قولي إنه نزله على قلبك «4». ### || [سورة البقرة (2): آية 98] # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين (98) # ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله (من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال) قيل: # معناهما عبد الله وعبد الرحمن وأفرد بالذكر لفضلهما «5»، كأنهما من جنس ~~آخر، قرئ «ميكال» وبهمز «6» بعد الألف بلاياء ومع الياء «7»، وجواب الشرط ~~(فإن الله عدو للكافرين) [98] أي لهم فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن ~~الله إنما عاداهم لكفرهم ومن عاداه الله عاقبه أشد العقاب. ### || [سورة البقرة (2): آية 99] # ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) # ولما سمع الآية ابن صوريا قال: ما جئنا بشيء يا محمد فنزل قوله «8» (ولقد ~~أنزلنا إليك) يا محمد (آيات بينات) أي واضحات تبين الحلال والحرام (وما ~~يكفر بها) أي وما يجحد بالآيات (إلا الفاسقون) [99] أي الخارجون عن طاعة ~~الله من اليهود ومشركي العرب. ### || [سورة البقرة (2): آية 100] # أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100) # (أوكلما) أي أكفروا بالبينات وكلما (عاهدوا) أي أحدثوا العهد فيما بينهم ~~(عهدا) مصدر من غير لفظ الفعل لئن خرج محمد لنؤمنن له، فلما خرج كفروا به ~~أو المراد من اليهود ما بينهم ومحمد عليه السلام أن لا يعاونوا المشركين ~~عليه فنقضوا العهد كقريظة والنضير، وجواب «كلما» (نبذه) أي ألقاه وتركه ~~(فريق) أي طائفة (منهم) لأن بعضهم لم ينقضوا العهد (بل أكثرهم لا يؤمنون) ~~[100] أي بالتورية ولا يبالون بنقض العهد ذنبا. ### || [سورة البقرة (2): آية 101] # ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # (ولما جاءهم رسول) أي محمد (من عند الله) أي بأمره لدعوتهم إلى الإيمان ~~به (مصدق لما معهم) أي داع PageV01P063 # لهم إلى ما يوافق كتابهم (نبذ) أي رمى «1» (فريق من الذين أوتوا) أي ~~أعطوا (الكتاب) ومفعول «نبذ» (كتاب ms0064 الله) أي التورية، لأنهم لما كفروا ~~بالرسول المصدق لما معهم فقد نبذوا التورية التي فيها أن محمدا رسول الله، ~~وقد علموا أنها من الله فرموا بالعناد كتاب الله (وراء ظهورهم) لم يعملوا ~~به بعد علمهم بما فيه كما يرمي الشيئ وراء الظهر استغناء عنه ولقلة ~~الالتفات إليه (كأنهم لا يعلمون) [101] بما فيه من المعاني والمقاصد. ### || [سورة البقرة (2): آية 102] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) # (واتبعوا) أي اليهود (ما تتلوا) أي الذي تلته، يعني قرأته وعملت به ~~(الشياطين على ملك سليمان) أي في زمان ملكه أو في زمان ذهاب ملكه، ف «على» ~~بمعنى في، قيل: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويضمون إليه كذبا كثيرا ~~ويلقونه إلى الكهنة، وهم يعلمون الناس ودونوه في كتب يقرؤنه فانتشر ذلك في ~~زمان سليمان حتى قال الناس: إن الشياطين تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم ~~سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه سخر الإنس والجن والريح ~~التي تجري بأمره «2»، ودفنها تحت كرسيه فاستخرجت بعد موته وذلك أن الشيطان ~~جاء على صورة آدمي، وقال إن أردتم علم سليمان فاحفروا هذا الموضع، فحفروا ~~وأخرجوا منه كتبا كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر، وقال العلماء بالله: لا ~~يجوز أن يكون هذا من علم سليمان، وقال السفهاء من اليهود: هذا علم سليمان ~~فاتبعوه، فبرأ الله سليمان على لسان رسوله محمد عليه السلام باعادة اسمه ~~تعظيما له بقوله (وما كفر سليمان) بالسحر وعمله «3»، يعني لم يكن ساحرا، ~~لأن الساحر كافر (ولكن الشياطين كفروا) باستعمال السحر وتعليمه وكتبه، قرئ ~~بتخفيف لكن ورفع الشياطين ms0065 بالابتداء وبتشديده ونصب «الشياطين» «4»، قوله ~~(يعلمون الناس السحر) نصب على الحال من ضمير «كفروا» قيل: للسحر وجود حقيقة ~~عند أهل السنة، ومن عمل به كفر ومن تعلمه لاجتنابه لا يكفر، وللعمل به ~~يكفر، وأوجب الشافعي القصاص على من قتل به، قوله «5» (وما أنزل) عطف على ~~السحر أي ويعلمون الناس الذي أنزل (على الملكين) وهما الملكان (ببابل) اسم ~~موضع فيه بئر وهما معلقان بالسلسلة فيها أو بشعورهما، قوله (هاروت وماروت) ~~عطف بيان أو بدل من «الملكين» لم ينصرفا للعجمة والتعريف، والذي أنزل ~~عليهما علم السحر ابتلاء من الله للناس، ومنه النيرنجات وكتبوه في كتاب ~~فيذهب اليهود ويتعلم السحر من ذلك الكتاب (وما يعلمان) أي لا يعلم الملكان ~~السحر (من أحد) أي رجلا (حتى يقولا) لا نصحا (إنما نحن فتنة) أي ابتلاء ~~واختبار من الله تعالى (فلا تكفر) أي لا تتعلم «6» معتقدا أنه حق فتكفر ~~يقولان ذلك له سبع مرات فان لم يمتنع من التعلم علماه (فيتعلمون) أي الناس ~~(منهما) أي من الملكين (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) أي علم السحر الذي ~~يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة كالنفث في العقد وغيره مما يحدث ~~الله به البغض والنشوز بينهما ابتلاء منه، لأن السحر له أثر كالعين والطيرة ~~باذن الله، وقيل «7»: لا أثر له في نفسه، لكن «8» لما كان ظهور القضا بعد ~~السحر «9» PageV01P064 # ونحوه أضيف ذلك إليه، وهو قول المعتزلة، وهذا مخالف «1» لقوله اليه ~~السلام: «السحر حق والعين حق» «2»، وقيل «3»: يؤخذ الرجل عن المرأة بالسحر ~~حتى لا يقدر على الجماع «4» (وما هم) أي ليس الساحرون (بضارين به) أي ~~بالسحر (من أحد) أي أحدا (إلا بإذن الله) أي بارادته، فالساحر يسحر والله ~~يكون، قيل: من شاء الله منعه فلم يضره السحر، ومن شاء الله خلى بينه وبينه ~~فضره باذنه «5»، قوله (ويتعلمون ما يضرهم) أي الذي يضرهم في الدنيا (ولا ~~ينفعهم) في الآخرة وهو السحر، فيه تنبيه علي اجتناب كل علم يجر صاحبه إلى ~~الغواية كعلم الفلسفة. # روي في قصة الملكين: أن ms0066 الملائكة عيرت بني آدم لما رأت من ذنوبهم تصعد ~~إلى السماء كالشرك وعبادة غير الله وسفك الدماء وغير ذلك من المعاصي ~~الكبيرة، وقالوا: ربنا خلقت هؤلاء من التراب وأحسنت خلقهم ورزقتهم، فعبدوا ~~غيرك وعصوك، فقال لهم الله: أنهم في عذر وعنت، لو ركبت فيهم لعصيتموني، قالوا: # سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك، قال: فاختاروا منكم اثنين لأركب ذلك فيهما ~~فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا «6» من ~~خيارهم واهبطا إلى الأرض ليحكما بما أمرهما نهارا ثم يصعدا إلى السماء ليلا ~~ليعبدا «7» ربهما فيها إلى الصبح ثم ينزلا إلى الأرض فكانا يحكمان فيها ~~بالحق وقد نهيا عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر، فجاءت امرأة ~~اسمها زهرة من أجمل النساء تجادل زوجها إليهما فخضعا لها بالقول وراوداها ~~على أنفسهما، فقالت لا حتى تقضيا لي «8» على زوجي ففعلا، ثم سألا لها ~~نفسها، فقالت: لا حتى تشربا الخمر معي فشربا معها، ثم سألاها «9» نفسها، ~~فقالت: لا حتى تقتلا «10» زوجي فقتلاه، ثم سألاها نفسها، فقالت: لا إلا أن ~~تصليا معي لصنمي هذا ففعلا، فكشف الحجاب بينهما وبين الملائكة، فنظروا ~~إليهما وإلى عملهما فجعلوا يستغفرون لمن في الأرض ويعذرون أهلها، فلما علما ~~ما حل بهما من المحنة قصدا إدريس فاستشفع لهما فخيرهما الله بين عذابي ~~الدنيا والآخرة فقالا عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له، ~~فاختاروا عذاب الدنيا فيعذبان فيها «11»، قيل: «إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد PageV01P065 # إلى يوم القيمة» «1»، والزهرة قد صارت إلى النار كسائر الأشياء الممسوخة ~~التي لم يبق لها أثر «2»، وقيل: صعدت إلى السماء باسم الله الأعظم الذي ~~تعلمت منهما فمسخت كوكبا «3»، روي: أن عمر رضي الله عنه كان إذا نظر إلى ~~الزهرة في السماء لعنها، وقال: «إنها فتنت الملكين في الأرض» «4»، قوله ~~(ولقد علموا) تأكيد لعدم النفع لهم في الآخرة واللام فيه لتوكيد القسم وفي ~~(لمن اشتراه) لتوطية القسم، و«من» مبتدأ، أي والله لقد علم اليهود في ~~التورية لمن اشترى السحر واختاره (ما له) أي ليس له (في ms0067 الآخرة) أي في ~~الجنة (من خلاق) أي من نصيب وهو جواب القسم وخبر المبتدأ (ولبئس ما شروا) ~~أي لبئس ما باعوا (به) أي هو السحر (أنفسهم) لأنه أوجب لهم النار، وهذا ~~جواب قسم محذوف، تقديره: والله لبئس ما شروا به أنفسهم واختاروه على كتاب ~~الله وسنن أنبيائه (لو كانوا يعلمون) [102] أي يعلمون ذلك بعلمهم «5» وجواب ~~«لو» محذوف، يعني لو انتفعوا بعلمهم لامتنعوا من اختيار السحر، فجعلوا لعدم ~~العمل بالعلم كأنهم لا يعلمون. ### || [سورة البقرة (2): آية 103] # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103) # (ولو) ثبت (أنهم) أي اليهود (آمنوا) بالقرآن وبمحمد عليه السلام (واتقوا) ~~السحر واليهودية، وجواب «لو» قوله (لمثوبة) وهو مبتدأ، أي لثواب كائن لهم ~~على الدوام (من عند الله) صفة والخبر (خير لو كانوا يعلمون) [103] أن ثواب ~~الله خير لهم مما هم فيه، ولقد علموا لكن جهلهم الله لعدم انتفاعهم بعلمهم ~~ولم يقل لمثوبة الله بالإضافة، لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم، ~~فالتنوين يدل على التقليل. ### || [سورة البقرة (2): آية 104] # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا) لرسول الله (راعنا) نزل نهيا ~~للمؤمنين عن القول به «6»، إذ كانت هذه الكلمة عند اليهود كلمة سب بلغتهم ~~بمعنى الحمق والرعونة، فلما سمعوا ذلك سروا بها، وقالوا كنا نسب محمدا سرا ~~فأظهروا الآن، وكانوا يقولونها للنبي عليه السلام ويضحكون، فأمر الله ~~المؤمنين بأن يقولوا بلفظ أحسن، أي لا تقولوا راعنا، أي احفظنا، يعني فرغ ~~سمعك لاستماع كلامنا (وقولوا انظرنا) أي انظر إلينا برعايتك (واسمعوا) ما ~~تؤمرون به سماع قبول وطاعة، ثم ذكر الوعيد لمن خالف أمره كجحده بقوله ~~(وللكافرين) بما أمر الله (عذاب أليم) [104] أي وجيع دائم. ### || [سورة البقرة (2): آية 105] # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105) # قوله (ما يود) نزل حين كان المؤمنون يقولون لليهود ms0068 آمنوا بالقرآن ومحمد ~~فيقول اليهود ليس ما تدعوننا إليه خيرا «7» مما نحن فيه من التورية ولوددنا ~~كونه خيرا منه فقال الله تكذيبا لهم ما يحب (الذين كفروا من أهل الكتاب) ~~كاليهود والنصاري (ولا المشركين) كأبي سفيان وأمثاله من أهل الشرك (أن ينزل ~~عليكم) أي على رسولكم من الوحي (من خير) أي خير بزيادة من في سياق النفي ~~(من ربكم) «من» فيه لابتداء غاية الإنزال ومحل «أن ينزل» الجملة نصب، مفعول ~~«ما يود» (والله يختص) أي يخص ويختار (برحمته) أي بوحيه ونبوته (من يشاء) ~~أي من كان أهلا ذلك، لأن مشيته باقتضاء الحكمة (والله ذو الفضل) أي صاحب ~~العطاء (العظيم) [105] لمن اختصه بالوحي والرسالة ودين الإسلام. PageV01P066 ### || [سورة البقرة (2): آية 106] # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل ~~شيء قدير (106) # (ما ننسخ من آية) نزل حين طعن اليهود في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد ~~يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فلا يقول إلا من تلقاء نفسه، فلو كان حقا لم ~~يرجع «1»، فأخبر «2» تعالى عن حكمة النسخ، وقال: ما ننسخ مجزوم بما ~~الشرطية، أي أي شيء نزله من آية بيان لما قرئ «3» بفتح نون التكلم والسين ~~من نسخ «4»، والنسخ: إزالة شيء بشيء «5» بعقبه كنسخ الشمس الظل، وبضم النون ~~وكسر السين من أنسخ، والإنساخ: هو الأمر بنسخ شيء للغير كأمره تعالى ~~بجبرائيل أن يجعل الآية منسوخة بالإعلام بنسخها مع إتيان بدلها، قوله (أو ~~ننسها) بالجزم عطف على «ننسخ»، قرئ بضم نون التكلم وكسر السين بلا همز مزيد ~~من النسيان ضد الذكر بمعنى أو ننسكها وبفتح النون والسين بالهمز «6» من ~~النسأ بمعنى التأخير، وهو أن يذهب بحفظها عن القلوب، أي أو نؤخرها فلا ~~نبدلها ببدل بأن نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كآية الرجم، يعني نبقي حكمها ~~ونذهب تلاوتها أو نؤخرها بأن نتركها في اللوح المحفوظ فلا ننزل لحكمة ~~نعلمها، والمعنى: أن كل آية نذهب بها ونبقي حكمها أو نذهب بمعناها ونبقي ~~لفظها أو نذهب بهما معا ms0069 فلا نعمل «7» بها (نأت بخير منها) أي نجيء بآية هي ~~أنفع للعباد يسرا والعمل بها أكثر ثوابا (أو مثلها) أي تأت بآية مثلها في ~~المنفعة ابتلاء لهم من جهة الاعتقاد كابتلاء بني إسرائيل بالنهر، قوله (ألم ~~تعلم) استفهام تقرير أنه قادر على جميع ما يشاء أي قد علمت (أن الله على كل ~~شيء) من النسخ وغيره (قدير) [106] يعني يقدر على الإتيان بالخير ومثله، لا ~~يعجزه شيء إذا شاء ذلك. ### || [سورة البقرة (2): آية 107] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (107) # وكرر الاستفهام التقريري تأكيدا بقوله (ألم تعلم) يا محمد (أن الله له ~~ملك السماوات والأرض) أي هو يملكهما وما فيهما فهو أعلم بما يصلح لعباده ~~وما يفسد لهم من نسخ الآية وإتيان غيرها أو مثلها على حسب مصالحهم، فيجوز ~~أن يأمر بأمر ثم يأمر بغيره كما أن شريعة موسى لم تكن قبلهم، فأمره بذلك ~~لاختلاف الأزمنة صالحا وفسادا في حكم الشرع كاختلاف الصيف والشتاء في حكم ~~الطب، ثم هدد من لم يؤمن بالناسخ والمنسوخ بقوله (وما لكم من دون الله) أي ~~من قرب عذابه يا يهود (من ولي) أي قريب و «من» زائدة (ولا نصير) [107] أي ~~مانع يمنعكم من عذابه. ### || [سورة البقرة (2): آية 108] # أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) # قوله (أم تريدون) نزل حين قالت اليهود: يا محمد إن كنت نبيا فاكشف عنا ~~الغطاء حتى نرى الله جهرة «8» أو قالوا: إئتنا بكتاب من السماء كما أتى ~~موسى التورية «9» أو قالوا: وسع لنا أرض مكة واجعل الصفا ذهبا حتى نؤمن بك ~~«10»، فقال تعالى أتريدون، والميم صلة أتطلبون (أن تسئلوا رسولكم) أي محمدا ~~(كما سئل موسى) PageV01P067 # أي مثل ما سأله بنو إسرائيل (من قبل) أي من قبل محمد حيث قالوا أرنا الله ~~جهرة وغير ذلك من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالا عليهم فلا تسألوه بل ~~ثقوا بالله فيما هو أصلح لكم ms0070 وينزله عليكم مما يتعبدكم به، ثم قال (ومن ~~يتبدل الكفر) أي يستبدله (بالإيمان) بسبب السؤال وترك الثقة بالله فيما ~~ينزل على محمد بعد قيام البرهان (فقد ضل) أي أخطأ وغوى (سواء السبيل) [108] ~~أي وسط طريق الهدى. ### || [سورة البقرة (2): آية 109] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) # قوله (ود كثير) نزل حين قالوا لأصحاب الرسول عليه السلام بعد وقعة أحد: ~~لو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، فقالوا: رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما ~~وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتوا إلى رسول الله وأخبروا بذلك، ~~فقال عليه السلام: «أصبتم خيرا وأفلحتم» «1»، فأخبر تعالى أنه يحب ويتمنى ~~(من أهل الكتاب لو يردونكم) أي أن يصرفونكم عن التوحيد (من بعد إيمانكم ~~كفارا) نصب على الحال من مفعول «يردون»، ولم يكن ما قالوا لكم على وجه ~~النصح بل قالوه (حسدا) أي للحسد أو نصب مصدر فعله محذوف، أي يحسدونكم حسدا ~~منبثعا (من عند أنفسهم) أي من أصل أنفسهم أو ودوا ذلك قبل شهوتهم وتمنيهم، ~~لا من قبل الحق وأمره (من بعد ما تبين لهم) في التورية (الحق) وهو أن دين ~~محمد عليه السلام صدق (فاعفوا) أي اتركوهم من الانتقام «2» (واصفحوا) أي ~~وتجاوزوا «3» عنهم بالإعراض عن مساوي أخلاقهم (حتى يأتي الله بأمره) ~~بالقتال وكان ذلك أن يؤمروا بالقتال بقوله «قاتلوا الذين لا يؤمنون» «4» ~~الآية (إن الله على كل شيء قدير) [109] من النصرة للمؤمنين على الكفار ~~والانتقام منهم وهو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. ### || [سورة البقرة (2): آية 110] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير (110) # (وأقيموا الصلاة) أي أدوها في مواقيتها باتمام أركانها مع الخشوع (وآتوا ~~الزكاة) أي أعطوا الزكوة المفروضة عليكم (وما تقدموا) مجزوم بما للشرط، أي ms0071 ~~أي شيئ تعملوه (لأنفسكم من خير) أي حسنة كصلوة أو صدقة أو غيرهما من أعمال ~~البر، جوابه (تجدوه) مجزوم بحذف النون، أي تجدوا ثوابه (عند الله) أي ~~محفوظا عنده في الآخرة كاللقمة مثل أحد، قيل: مكتوب في بعض الكتب المنزلة ~~يا ابن آدم! ضع كنزك عندي لا سرق ولا حرق ولا فساد، تجده حين تكون أحوج ~~إليه «5» (إن الله بما تعملون بصير) [110] أي عالم به فيجازيكم بالخير خيرا ~~وبالشر شرا، يعني لا يضيع عنده عمل عامل، وفيه تهديد وتبشير. ### || [سورة البقرة (2): آية 111] # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) # قوله (وقالوا) أي قال أهل الكتاب من اليهود والنصارى، نزل حين قالت ~~اليهود: لا دين إلا اليهودية، والنصارى: لا دين إلا النصرانية «6»، فلف بين ~~القولين للعلم بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، أي قالت اليهود (لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا) جمع هائد ولم يقل كانوا نظرا إلى لفظ «من»، قوله ~~(أو نصارى) «أو» فيه لتفصيل ما أجمل من الضمير في «قالوا» لليهود والنصارى ~~لا لأحد الشيئين، أي قالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ثم ~~أشار بقوله (تلك) إلى الأماني التي ذكرت لهم، وهي أن لا ينزل على المؤمنين PageV01P068 # خير من ربهم وأن يردوهم كفارا وأن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني ~~الباطل (أمانيهم) جمع أمنية، أفعولة من التمني، أي شهواتهم الفاسدة لا ~~حقيقة لها (قل) يا محمد (هاتوا) أي هلموا وآتوا (برهانكم) أي حجتكم على ~~دخولكم الجنة (إن كنتم صادقين) [111] في الذي تدعونه فقوله «تلك أمانيهم» ~~اعتراض بين قولهم «1» وجوابه. ### || [سورة البقرة (2): آية 112] # بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون (112) # ثم قال (بلى) لا ثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة، أي بلى يدخل الجنة ~~غيركم بشرط الإسلام، وبينه بقوله (من أسلم) مبتدأ متضمن بمعنى الشرط، أي من ~~أخلص (وجهه) أي نفسه (لله) ms0072 يعني لا يشرك به غيره (وهو محسن) أي في عمله أو ~~مؤمن بمحمد عليه السلام وغيره من الأنبياء (فله أجره) خبر المبتدأ، أي له ~~ثوابه (عند ربه) أي في الجنة (ولا خوف عليهم) من العذاب حين يخاف أهل النار ~~(ولا هم يحزنون) [112] في الآخرة أو على ما خلفوا من أمر الدنيا. ### || [سورة البقرة (2): آية 113] # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) # قوله (وقالت اليهود) نزل حين تنازع يهود المدينة ونصارى نجران عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال كل فريق منهما للآخر: ما أنتم على شيء من ~~الدين «2»، يعني قالت طائفة اليهود (ليست النصارى على شيء) من أمر الدين ~~وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل، أي شيء يعتد به بالكلية لا نعدامه ~~(وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) من أمر الدين، وكفروا بموسى عليه ~~السلام والتورية (وهم) أي والحال أنهم (يتلون الكتاب) أي يقرؤنه، يعني أنهم ~~من أهل العلم وتلاوة الكتب المنزلة فحق من آمن بواحد منها أن يؤمن بكلها ~~ولا يكفر، لأن كل واحد منها مصدق للآخر، فلو نظروا فيه حق النظر لارتفع ~~الخلاف من بينهم، فدل ذلك على جهلهم وضلالتهم (كذلك) أي مثل ما سمعت يا ~~محمد من هؤلاء العلماء الضالة (قال الذين لا يعلمون) أي قال الجهلة الذين ~~لا علم لهم ولا كتاب كعبدة الأصنام وغيرهم في شأنك (مثل قولهم) لأن عوام ~~اليهود ومشركي العرب قالوا: إن محمدا وأصحابه ليسوا على شيء من أمر «3» ~~الدين (فالله يحكم) أي يقضي (بينهم) أي بين اليهود والنصارى (يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون) [113] من أمر الدين وحكم الله بينهم أن «4» يكذبهم ~~ويدخلهم النار ويريهم من يدخل الجنة عيانا. ### || [سورة البقرة (2): آية 114] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ms0073 ولهم في الآخرة عذاب عظيم (114) # قوله (ومن أظلم) نزل حين منع المشركون رسول الله أن يدخلوا المسجد الحرام ~~عام الحديبية «5»، وقيل: نزل لأجل إسفسيانوس الررمي حيث خرب بيت المقدس ~~وألقى فيه الجيفة وبقي خرابا إلى زمان عمر رضي الله عنه «6»، أي ومن هو ~~مفرط في الظلم (ممن منع مساجد الله) وإنما جمع مع أن المنع وقع على مسجد ~~واحد وهو المسجد الحرام أو بيت المقدس ليكرن الحكم عاما وإن كان السبب ~~خاصا، قوله (أن يذكر) في محل النصب مفعول ثان ل «منع»، أي منعها أن يذكر ~~(فيها) أي في المساجد (اسمه) أي اسم الله بأن يسبح ويصلي له فيها PageV01P069 # ويجوز تقدير من قبل أن، أي من أن يذكر (وسعى) أي عمل (في خرابها) بمنع ~~المسبحين والمصلين أو بهدمها وإن أريد المسجد الحرام فتخريبه بمنع الحجاج ~~«1» والمعتمرين والمصلين فيه (أولئك) أي المانعون عن الدخول فيها وهم ~~النصارى أو المشركون (ما كان لهم) أي ما ينبغي لهؤلاء (أن يدخلوها إلا ~~خائفين) من القتل، نصب حال من ضمير «يدخلوها»، والغرض عدم دخولهم إلا حال ~~خوفهم، ومعناه: إذا دخلوها كانوا خائفين، أي على حال الخوف والشديد من ~~المؤمنين ولم يدخل بيت المقدس بعد عمارته رومي إلا خائفا لو علم به قتل أو ~~المراد من المسجد الحرام مكة «2»، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~فتحها نادى مناديه: «ألا لا يطوفن بالبيت عريان ولا يحجن بعد العام مشرك» ~~«3»، فالشافعي لا يجوز دخول الكافر في المسجد الحرام، ويجيزه في غيره، ~~ومنعه مالك مطلقا، وجوزه أبو حنيفة رضي الله عنه بالإذن «4» (لهم في الدنيا ~~خزي) أي قتل للحربي وجزية للذمي (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) [114] أي عذاب ~~دائم لمن مات على الكفر. ### || [سورة البقرة (2): آية 115] # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) # قوله (ولله المشرق والمغرب) أي بلادهما، يعني الأرض كلها لله تعالى، هو ~~مالكها حقيقة (فأينما تولوا) أي تستقبلوا وتصرفوا وجوهكم (فثم وجه الله) أي ~~جهته التي أمر بها أن ms0074 تصلوا ورضيها قبلة، نزل حين منع المسلمون من الصلوة ~~في المسجد الحرام أو في بيت المقدس «5»، يعني جعلت لكم الأرض مسجدا «6»، ~~فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها إذا وليتم وجوهكم شطر القبلة المرضية ~~لامكان التولية في كل مكان لا يختص مكانها في المسجد ولا في مكان دون مكان ~~أو نزل حين خرج قوم من أصحاب الرسول في سفر فأصابهم الضباب فبعضهم صلى إلى ~~المشرق وبعضهم صلى إلى المغرب، فلما ذهب الضباب تبين لهم ذلك فجاؤا إلى ~~رسول الله، فسألوه فبين لهم أينما توجهتم بنية القبلة فثم وجه الله «7» (إن ~~الله واسع) أي واسع المغفرة (عليم) [115] بنياتكم الخالصة في صلوتكم حيثما صليتم. ### || [سورة البقرة (2): آية 116] # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) # قوله (وقالوا اتخذ الله ولدا) نزل حين قالت اليهود: عزير ابن الله، ~~والنصارى: المسيح ابن الله، ومشركو العرب: الملائكة بنات الله «8»، وهو ~~معطوف بالواو «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا» «9»، وقرئ بغير واو ~~«10» على الاستئناف، أي قال الكفار ذلك القول (سبحانه) أي تنزيها له ~~وتبعيدا عما يقول الظالمون، وكيف يوجد له ولد ولا مجانسة بينه وبين أحد (بل ~~له ما في السماوات والأرض) أي هو خالقه ومالكه ومن جملته الملائكة وعزير ~~والمسيح (كل) أي كل شيء فيهما (له) أي لله (قانتون) [116] أي منقادون ~~مطيعون مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليه وأورد بجمع أولي العقل بعد ~~ذكر ما تغليبا للعقلاء على غيرهم. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 117 الى 118] # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117) وقال ~~الذين لا يعلمون لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم ~~مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) # (بديع السماوات والأرض) أي هو مبدعهما ومنشئهما على غير مثال سبق (وإذا ~~قضى) أي حكم (أمرا) PageV01P070 # من الأمور وأراد كونه (فإنما يقول له كن) أي أحدث (فيكون) [117] رفعا على ~~الاستئناف ونصبا في جواب الأمر باضمار أن، أي ms0075 أن يحدث ويتكون من غير امتناع ~~بسرعة كالمأمور المطاع بلا توقف، فليس المراد من القول له ب «كن» الخطاب ~~بالأمر حقيقة بل هو خبر عن الحكم بوجوده بمعنى «1» فانما يقول له ب «كن»، ~~فهو يكون «2»، لأن الخطاب لا يرد على الموجود ولا على المعدوم، وقيل: يجوز ~~أن الخطاب للموجود في علم الله، لأن الأشياء كلها كموجودة في علم الله بوجه ~~لا نعلمه «3»، روي: أن الآية نزلت حين قال وفد نجران من النصارى للنبي عليه ~~السلام، هل رأيت خلقا من غير أب جوابا لهم قوله «4» (وقال الذين لا يعلمون) ~~إخبار عما قالوا استهزاء، أي قال الجهال من الناس يعني المشركين أو أهل ~~الكتاب الذين لم يعملوا بعلمهم (لو لا يكلمنا الله) أي خلا يكلمنا كما يكلم ~~الملائكة وموسى فيخبر لنا أنك رسول الله (أو تأتينا) أي أو هلا تجيئنا منه ~~(آية) أي علامة دالة على نبوتك فقال الله تعالى (كذلك) أي مثل ذلك القول ~~(قال الذين من قبلهم) من اليهود لموسى أرنا الله جهرة (مثل قولهم) أي قول ~~هؤلاء الجهلة (تشابهت قلوبهم) أي قلوب هؤلاء وقلوب من تقدمهم في القسوة ~~والعمى (قد بينا الآيات) أي أوضحنا وأظهرنا العلامات، وهي المعجزات لنبوتك ~~(لقوم يوقنون) [118] أي يتيقنون وينصفون أنها آيات يجب الاعتراف والإيمان بها. ### || [سورة البقرة (2): آية 119] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) # ثم شرع في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (إنا أرسلناك بالحق) ~~أي بالقرآن وشرائع الإسلام (بشيرا) أي مبشرا بالجنة لأوليائي بالإيمان بك ~~(ونذيرا) أي ومخوفا لأعدائي بترك الإيمان بك، يعني لم نرسلك عبثا وما عليك ~~إلا البلاغ فلا تغتم لإصرارهم على الكفر (ولا تسئل) معلوما بالجزم نهيا من ~~الله للنبي عليه السلام عن السؤال (عن أصحاب الجحيم) [119] تهويلا لعذابهم ~~كما يقال لا تسأل عن فلان إذا كان في هلكة، وقرئ مجهولا بضم التاء واللام ~~«5»، أي أنك بلغت الرسالة فلا تسأل عما فعلوا من الإصرار على الكفر ~~والمعاصي. ### || [سورة البقرة (2): آية 120] # ولن ترضى عنك ms0076 اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ~~ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (120) # قوله (ولن ترضى) نزل حين طلبت يهود المدينة ونصارى نجران الصلح، وكانوا ~~يرونه أنهم يدخلون في دين الإسلام «6»، فأقنطه من طمعه في إسلامهم بقوله ~~«ولن ترضى» أبدا (عنك اليهود ولا النصارى) ولو جهدت في طلب رضاهم (حتى تتبع ~~ملتهم) أي حتى تدخل في دينهم وتصلي قبلتهم، ثم بالغ في الإقناط بأن أمره أن ~~يقول في جوابهم بقوله (قل إن هدى الله) أي الذي هو دين الحق وطريق الإسلام ~~(هو الهدى) الذي ليس وراءه هدى (ولئن اتبعت أهواءهم) أي دينهم الباطل (بعد ~~الذي جاءك من العلم) أي بعد ما ظهر لك حقية الإسلام وما فيه من الأحكام (ما ~~لك من الله) أي ليس لك من عذابه تعالى (من ولي) أي قريب ينفعك (ولا نصير) ~~[120] أي مانع قوي يمنعك منه. ### || [سورة البقرة (2): آية 121] # الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (121) # قوله (الذين آتيناهم الكتاب) مبتدأ، نزل في مؤمني أهل الكتاب وهم اثنان ~~وثلاثون رجلا قدموا مع PageV01P071 # جعفر بن أبي طالب من أرض الخبشة وكانوا يقرؤون كتابهم ولا يحرفونه أي ~~يقرؤون القرآن ويتبعونه حق اتباعه «1»، وقيل: نزل في ابن سلام وأصحابه «2»، ~~وقيل: عام في أهل الإسلام «3»، أي الذين أعطيناهم الكتاب (يتلونه حق ~~تلاوته) أي يقرؤونه حق قراءته كما أنزله الله على نبيه ولا يغيرون ما فيه، ~~والجملة نصب على الحال من «هم» المفعول، وخبر المبتدأ (أولئك يؤمنون) أي ~~يصدقون (به) أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام (ومن يكفر به) أي بالقرآن ~~ويغيره أو بمحمد ولم يتبعه (فأولئك هم الخاسرون) [120] لاشترائهم الضلالة ~~بالهدى. ### || [سورة البقرة (2): آية 122] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (122) # ثم خاطب اليهود لتأكيد النصح لهم وقطع الحجة عليهم بقوله (يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) أي احفظوا ms0077 منتي عليكم في التيه من المن ~~والسلوى واشكروا لي ولا تكفرون (وأني فضلتكم على العالمين) [122] أي ميزتكم ~~عليهم بتفضيل آبائكم بتلك النعمة ولم يكن لغيرهم من العالمين. ### || [سورة البقرة (2): آية 123] # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون (123) # (واتقوا يوما) أي اخشوا عذاب يوم (لا تجزي نفس عن نفس شيئا) من الحقوق ~~الذي لزمتها (ولا يقبل منها عدل) أي من النفس الأولى فداء (ولا تنفعها ~~شفاعة) أن شفعت للنفس الثانية (ولا هم ينصرون) [123] أي يمنعون من عذاب الله. ### || [سورة البقرة (2): آية 124] # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) # (وإذ ابتلى) أي اذكر وقت اختبر (إبراهيم) بالنصب مفعول (ربه) بالرفع فاعل ~~والاختبار من الله أن يظهر حالة المحنة «4» ليستوجب الثواب والعقاب كما علم ~~الكفر من إبليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به، أي أمر ~~الله إبراهيم (بكلمات) أي بأوامر ونواهي، وقيل: هي مناسك الحج كالطواف ~~والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة والحلق والذبح وغير ذلك «5»، وقيل: ~~«عشر خصال من السنن، خمس في الرأس كقص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك ~~وفرق الرأس وإعفاء اللحية، وخمس في الجسد كتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق ~~العانة والختان والاستنجاء بالماء» «6» (فأتمهن) أي عمل بهن لله تعالى وفي ~~أمره فثم (قال) له ربه (إني جاعلك للناس إماما) يقتدى بك في الدين فأعجبه ~~قوله به وتمنى أن يكون مثل ذلك لذريته ولذا «7» (قال ومن ذريتي) على تقدير ~~واجعل فريقا من أولادي إماما يقتدى به بعدي (قال) الله تعالى مجيبا بأبلغ ~~الجواب بجعله أولاده أئمة (لا ينال عهدي الظالمين) [124] بفتح الياء ~~وسكونها «8»، أي لا يصل الإمامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ~~ظالما من أولادك وغيرهم وإنما ينال عهدي من كان عادلا بريئا من الظلم، لأن ~~الإمام إنما هو لمنع «9» الظلم، فكيف يجوز أن يكون ظالما وإن جاز فقد جاء ~~المثل السائر من استرعى ms0078 الذئب ظلم، قيل: فيه إشارة إلى أن من أراد أن يبلغ ~~درجة الأخيار ليقتدي به فليلازم التعب وجهد PageV01P072 # النفس في طاعة الله تعالى «1»، وفيه دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة ~~ولا يقدم «2» للصلوة «3». ### || [سورة البقرة (2): آية 125] # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) # قوله (وإذ جعلنا البيت) عطف على «وإذ ابتلى إبراهيم»، أي واذكر وقت جعلنا ~~الكعبة (مثابة) أي مرجعا (للناس) يعني معادا يعودون إليه من كل جهة كل سنة ~~(وأمنا) أي وجعلناه مأمنا لهم يأمنون فيه، لأن المشركين كانوا يتعرضون إلى ~~من لم يكن من أهل مكة، ولم يتعرضوا من كان في مكة كقوله جعلنا حرما آمنا ~~«4» ويتخطف الناس من حولهم، وقيل: جعله ملجأ لمن التجأ إليه كالرجل الذي ~~وجب عليه القصاص فدخل في الحرم لا يقتص منه في الحرم «5»، روي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ~~بالبيت يوم الفتح، فلما فرغ منه أتى المقام وقال: «هذا مقام إبراهيم يصلي ~~فيه»، فقال عمر: «أفلا نتخذه مصلى يا رسول الله؟» فأنزل الله تعالى قوله ~~«6» (واتخذوا) بكسر الخاء أمرا وبفتح الخاء «7» ماضيا عطفا على «جعلنا»، أي ~~واتخذ الناس (من مقام إبراهيم مصلى) أي موضع صلوة، وهو الحجر الذي يصلى ~~عنده ركعتا الطواف، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الركن ~~والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، لو لا ما مسته أيدي المشركين لأضاءتا ما ~~بين المشرق والمغرب» «8»، والمراد منهما الحجر الأسود، أو الحجر الذي قام ~~عليه إبراهيم عند بناء البيت، وهو الذي اعتمد عليه برجله حين أتى لزيارة ~~إسمعيل فلم يجده ووجد امرأته فغسلت رأسه وهو على دابته وضيفته فقال: لها ~~إقرئي زوجك السلام وقولي مد استقامت عتبة بابك فلا تغيرها، يعني صلحت زوجتك ~~فلا تطلقها وهذا «9» بعد أن طلق زوجة قبلها، ثم جاء إبراهيم مرة ثانية «10» ~~فوجد إسمعيل وقال: إن الله ms0079 أمرني ببناء بيت هنا أتعينني عليه؟ قال: نعم ~~«11»، فأخبر تعالى عن ذلك بقوله (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) أي أمرناهما ~~(أن طهرا بيتي) بفتح الياء وسكونها «12»، أي بأن أبنياه على الطهارة من ~~الشرك واجعلاه خاليا من الأصنام أو من جميع النجاسات (للطائفين) أي ~~الدائرين حوله من الغرباء وغيرهم (والعاكفين) أي المقيمين والمجاورين من ~~أهل الحرم (والركع السجود) [125] أي المصلين من كل وجه، قيل: # «الطواف أفضل للغرباء والصلوة أفضل لأهل مكة» «13». ### || [سورة البقرة (2): آية 126] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126) # (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا) أي المكان (بلدا آمنا) أي ذا أمن يأمن فيه ~~أهله وهو الحرم (وارزق أهله من PageV01P073 # الثمرات) لأنه لم يكن ثمرة ثمه، فاستجاب الله دعاءه فيحمل الثمار إليه من ~~كل جهة فيوجد فيها في كل وقت من أنواع الثمار، وقيل: نقلت الطائف من الشام ~~وجعلت مكانها الآن بدعاء إبراهيم عليه السلام «1»، وقوله (من آمن) بدل من ~~أهله، يعني وارزق المؤمنين (منهم بالله واليوم الآخر) خاصة وإنما اشترط ذلك ~~في دعائه خوفا من أن لا يستجاب له فيمن ظلم وكفر كما لم يستجب له في ~~الظالمين حين سأل الإمامة لذريته أو لأنه بهم يقع العبادة وهداية الخلق فرد ~~الله عليه و(قال ومن كفر) أي وارزق من كفر، لأن أمر الرزق ليس كأمر ~~الإمامة، لأنه وعد بالرزق كافة الخلق، ولأن الإمامة فضل يعطيه من يشاء ~~والرزق عدل وهو لجميع الخلق وإن كان البعض مشركا، ويجوز أن يكون «من» شرطية ~~والجواب (فأمتعه) أي ومن يكفر بالله واليوم الآخر فأمد له ليلتذ بلذات ~~الدنيا إثباتا للحجة عليه (قليلا) أي زمانا يسيرا، يعني إلى منتهى أجله ~~ووصف بالقلة، لأن متاع الدنيا قليل لفنائه (ثم أضطره) أي ألجئه (إلى عذاب ~~النار) بحيث لا يمكنه الامتناع منه «2» (وبئس المصير) [126] أي المرجع الذي ~~يرجع إليه للإقامة في النار. ### || [سورة البقرة (2): آية ms0080 127] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) # (وإذ يرفع) أي اذكر إذ يبني (إبراهيم القواعد) أي الأساس (من البيت) أي ~~الكعبة وانما لم يقل قواعد البيت بالإضافة لما في التبيين بعد الإبهام ~~تفخيم لشأن المبين (وإسماعيل) ولده، عطف على «إبراهيم»، يعني كان يبني ~~إبراهيم وإسمعيل يناوله الحجارة وهو حكاية حال ماضية، فلما فرغا من البناء ~~قالا (ربنا تقبل منا) أي بناءنا (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) [127] ~~ببنائنا «3»، روي: أن أول من بني الكعبة آدم ثم إبراهيم «4»، وقيل: أن موضع ~~البيت خلق قبل الأرض بألفي عام، ثم بسطت الأرض من تحته، ولما اهبط آدم إلى ~~الأرض اهبط إليه البيت المعمور ليأنس به ويطوف حوله وأرسل إليه ملكا فأراه ~~المناسك وبقي إلى أيام الطوفان، فرفع إلى السماء الرابعة والكعبة بحياله ~~على قدره ومثاله فبقي موضع البيت المعمور خاليا بعد رفعه «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 128] # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~إنك أنت التواب الرحيم (128) # فبنى إبراهيم وإسمعيل الكعبة في موضعه قائلين (ربنا واجعلنا مسلمين) أي ~~مخلصين (لك ومن) لابتداء غاية الجعل، أي واجعل من (ذريتنا أمة) أي جماعة ~~(مسلمة لك) أي مخلصة في إسلامهم وأعمالهم لك، وإنما خص إبراهيم وإسمعيل ~~ذريتهما بالدعاء، لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة لقوله «قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا» «6» (وأرنا مناسكنا) أي علمنا شرائع ديننا وأعلام الحج لنتعبدك بها، ~~قرىء «7» بكسر الراء وسكونها «8» (وتب علينا) أي تجاوز عن ذنوبنا من ~~الصغائر وعن ذنوب ذريتنا من الكبائر (إنك أنت التواب) أي المتجاوز البليغ ~~(الرحيم) [128] بعبادك المؤمنين. ### || [سورة البقرة (2): آية 129] # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم (129) # (ربنا وابعث فيهم) أي في جماعة الأمة المسلمة من أولادنا أو في أهل مكة ~~(رسولا منهم) أي محمدا، قيل: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة مع محمد ~~عليه السلام «9» (يتلوا) أي يقرأ (عليهم آياتك) أي القرآن PageV01P074 # المنزل منك، جمع آية وهي كل ms0081 كلام متصل إلى انقطاعه (ويعلمهم الكتاب) أي ~~القرآن (والحكمة) أي مواعظه وأحكامه من الحلال والحرام ليعملوا به ~~(ويزكيهم) أي يطهرهم من الكفر والمعاصي (إنك أنت العزيز) أي الذي يقهر من ~~«1» عصاه ولا يغلبه شيء لعزته أو لا يعجزه شيء عما أراد (الحكيم) [129] أي ~~الذي يوافق فعله علمه، روي أن النبي عليه السلام قال: «أنا دعوة إبراهيم»، ~~أي إثر دعائه وبشري عيسي، لأنه بشر برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد «2». ### || [سورة البقرة (2): آية 130] # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130) # ثم استفهم استفهام إنكار واستبعاد أن يكون من العقلاء من يرغب عن الحق ~~الواضح بقوله (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) أي بترك شريعته ودينه وهو الإسلام ~~(إلا من سفه) أي جهل (نفسه) نصب مفعول فلا يتفكر في أمر نفسه ليعرف ربه ~~الذي خلقه فسواه ويعده، روي عن النبي عليه السلام إنه قال: «من عرف نفسه ~~فقد عرف ربه» «3»، فكل من عبد غير الله فقد جهل نفسه، ومحل «من» بعد «إلا» ~~رفع على البدل من ضمير «يرغب»، وجاز البدل، لأن «من يرغب» كلام غير موجب في ~~قوة ليس أحد يرغب إلا الذي سفه، قوله (ولقد اصطفيناه) بيان لكرامة إبراهيم ~~وخطأ من رغب عن ملته، أي لقد اخترنا (في الدنيا) للنبوة ودين الحق بالوحي ~~(وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [130] أي لمعهم في الجنة، يعني اخترناه في ~~الدارين فلا يعرض عن دينه من كان له عقل. ### || [سورة البقرة (2): آية 131] # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (131) # (إذ قال له) ظرف ل «اصطفينا» أو منصوب باذكر مقدرة، أي أمره (ربه) بقوله ~~(أسلم) أي أخلص واستقم على الإسلام، وذلك حين خرج من الغار ونظر إلى الكوكب ~~والقمر والشمس فألهمه الله الإخلاص (قال أسلمت لرب العالمين) [131] أي ~~أخلصت ديني له كقوله «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض» «4» الآية «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 132] # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ms0082 فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) # (ووصى) وقرئ «وأوصى» (بها) أي بالملة وهي السنة الحنيفية أو بكلمة ~~الإخلاص وهي «لا إله إلا الله» (إبراهيم بنيه) الثمانية، وأصل الوصية ~~الإيصال إلى الغير بالوعظ، قوله (ويعقوب) مرفوع عطف على «إبراهيم»، أي ~~وأوصى يعقوب بنيه الاثنى عشر فقال (يا بني إن الله اصطفى) أي اختار (لكم ~~الدين) أي الإسلام (فلا تموتن) أي لا يصادفكم الموت (إلا وأنتم مسلمون) ~~[132] أي مخلصون بالتوحيد، وهذا نهي عن الموت في الظاهر وفي الحقيقة عن ترك ~~الإسلام، إذ الموت ليس في أيديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى أهلها يعبدون ~~الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإسلام. ### || [سورة البقرة (2): آية 133] # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133) # قوله (أم كنتم شهداء) نزل حين قالت اليهود للنبي عليه السلام: ألست تعلم ~~أن يعقوب أوصى بنيه يوم PageV01P075 # مات باليهودية، فقال تعالى أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم حضورا ~~«1» (إذ حضر يعقوب الموت) أي أمارته وقرب منه، ف «أم» منقطعة بمعنى ~~الإنكار، فالخطاب للكافرين من اليهود، أي ما كنتم حاضرين عند موته وإلا لما ~~ادعيتم عليه اليهودية ولكان حرصكم «2» على ملة الإسلام (إذ قال لبنيه) ظرف ~~بدل من «إذ» قبله والعامل فيه «شهداء»، أي قال مستفهما عن دينهمم (ما ~~تعبدون من بعدي) أي بعد موتي و«ما» للاستفهام تعم العقلاء وغيرهم (قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك) فعنى الله به أنكم لم تكونوا حاضرين في ذلك فأنتم ~~تقولون بما لا علم لكم به، فبين بذلك أن وصية يعقوب لبنيه كانت بخلاف ما ~~قالت اليهود، قوله (إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) عطف بيان لقوله «آبائك»، قيل: ~~وعد إسمعيل أبا وإن كان عما، لأن العرب تسمي «3» العم أبا والخالة أما «4»، ~~وقوله (إلها واحدا) بدل من إله آبائك، وقوله (ونحن له مسلمون) [133] أي ~~مخلصون بالتوحيد في محل النصب على الحال من ضمير المتكلم في «نعبد»، أو من ~~مفعوله وهو ms0083 إلهك. ### || [سورة البقرة (2): آية 134] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون (134) # قوله (تلك) إشارة إلى إبراهيم وأولاده الموحدين إسمعيل «5» وإسحق ويعقوب، ~~أي الجماعة المذكورة (أمة قد خلت) أي مضت (لها ما كسبت) من الأعمال (ولكم ~~ما كسبتم) من الأعمال، يعني لا ينفع كل أحد منهم إلا ما كسب ولا ينفعكم إلا ~~ما كسبتم (ولا تسئلون عن ما كانوا يعملون) [134] أي لا يسأل أحد من عمل ~~غيره، يعني لا تؤاخذون بسيئاتكم كما لا تنتفعون بحسناتهم، وهذا رد ~~لافتخارهم بأوائلهم وبقولهم نحن على دينهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 135] # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) # (وقالوا كونوا هودا أو نصارى) الآية نزل حين اختصم يهود أهل المدينة ~~ونصارى أهل نجران، فقال اليهود للمسلمين: لا دين إلا ديننا فكونوا معنا، ~~وقال النصارى لهم: بل ديننا أفضل فكونوا معنا، ثم سألوا رسول الله عن ذلك ~~فقال لهم كلكم على الباطل «6» فأخبر عن الفريقين بقوله «وقالوا»، أي اليهود ~~كونوا على دين اليهودية، وقال النصارى كونوا على دين النصرانية (تهتدوا) أي ~~تجدوا الهداية من الضلالة فقال تعالى لنبيه (قل) يا محمد (بل ملة إبراهيم ~~حنيفا) أي بل نكون على «7» ملة، أي من أهل ملة إبراهيم أو بل نتبع ملته ~~مخلصا، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق وإنه كان مستقيم الدين ~~(وما كان من المشركين) [135] وفيه توبيخ لكفار أهل الكتاب، فانهم يدعون ~~أنهم على ملة إبراهيم وهم ثابتون على الشرك. ### || [سورة البقرة (2): آية 136] # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون (136) # قوله (قولوا آمنا) نزل خطابا للكافرين، أي قولوا آمنا لتكونوا على الحق، ~~ويجوز أن يكون خطابا للمؤمنين حين قرأ أهل الكتاب التورية وفسروها ~~بالعربية، فقال عليه السلام: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم» «8»، لأن فيه تكذيب ~~الأنبياء، ms0084 فقال المؤمنون كيف نقول حتى لا نكذب أحدا من الأنبياء فعلمهم ~~الله بأن يقولوا آمنا (بالله وما أنزل إلينا) أي بالقرآن الذي أنزل على ~~نبينا (وما أنزل إلى إبراهيم) من صحفه العشر (و) بما أنزل إلى (إسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب و) إلى (الأسباط) جمع سبط، وهو بمنزلة القبيلة للعرب، قيل: السبط PageV01P076 # الحافد والأسباط حفدة يعقوب، وهم ذراري أبناء يعقوب فانه كان له اثنا عشر ~~ابنا، فولد كل واحد منهم جماعة فصار أولاد كل واحد منهم سبطا، وكان فيهم ~~أنبياء أنزل إليهم كتب وهم يعملون بها «1»، فنسب الإنزال إليهم لذلك كما ~~نسب إلى أمة محمد في قوله «وما أنزل إلينا» (وما أوتي) أي وبما أعطي (موسى ~~وعيسى) يعني بالتورية والإنجيل (وما أوتي النبيون من ربهم) أي من الآيات ~~والكتب، يعني آمنا بجميع الأنبياء وبجميع كتبهم (لا نفرق بين أحد منهم) ~~فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، لأن تصديق الكل واجب على ~~المؤمن بنبي (ونحن له) أي لله (مسلمون) [136] أي مخلصون بالتوحيد، والأحد ~~بمعنى الجماعة هنا، لأنه في سياق النفي يعم القليل والكثير، ولذلك صح دخول ~~«بين» عليه، أي لا نفرق بين آحاد الجماعة، ولو قال لا نفرق بينهم لاستقام ~~المعنى، لكنه أراد أن يحقق المعنى بوجه أبلغ. ### || [سورة البقرة (2): آية 137] # فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) # ثم قال تعالى للمؤمنين بمحمد والقرآن مخبرا عن حال الخصم لتبكيتهم بقوله ~~(فإن آمنوا) أي اليهود والنصارى (بمثل ما آمنتم به) أي بالذي صدقتم وشهدتم ~~به بزيادة «مثل» أو الباء زائدة و«مثل» صفة موصوف محذوف، أي إيمانا مثل ~~إيمانكم وشهادة مثل شهادتكم (فقد اهتدوا) وخلصوا من الضلالة (وإن تولوا) أي ~~أعرضوا عن الإيمان بمحمد والقرآن وجميع الأنبياء (فإنما هم في شقاق) أي في ~~خلاف في الدين ومعاندة لأهل الحق وليسوا في شيء من طلب الحق (فسيكفيكهم) أي ~~يكفيك ويدفع عنك يا محمد (الله) شر اليهود والنصارى وقد أنجز وعده بقتل ~~قريظة ms0085 وسبيهم وبإجلاء النضير وضرب الجزية على الفريقين، والسين فيه لتحقيق ~~كون ذلك البتة وإن تأخر إلى حين، لأنها تفيد الوعد من الله ووعده واقع لا ~~محالة، وبينه بقوله (وهو السميع) لكلامهم ودعائك (العليم) [137] بأحوالهم ~~ومرادك، فيجازي كلا ما يشاء. ### || [سورة البقرة (2): آية 138] # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) # قوله (صبغة الله) فيه تفصيل دين محمد عليه السلام على سائر الأديان وهي ~~مصدر مؤكد لقوله «آمنا بالله»، فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة ~~التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس فيكون ~~تأكيدا لنفسه، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر ~~اسمه عندهم المعمودية في اليوم السابع كالختان لأولاد المسلمين ويقولون ~~الآن وقد «2» طهر هذا وصار نصرانيا حقا، فأمر الله المسلمين بأن يقولوا لهم ~~«قولوا آمنا»، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا التي كانت قبل، أي ~~طهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا، وهذا على تقدير أن يكون الخطاب بقوله ~~«قولوا» للكافرين، وأما إذا كان الخطاب به للمؤمنين كان صبغة الله من ~~مقولاتهم يعني صبغنا الله بالإيمان ولم يصبغ «3» صبغتكم (ومن أحسن من الله ~~صبغة) أي دينا، نصب على التمييز، يعني أي شخص يكون صبغته أحسن من صبغة ~~الله، فانه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم من أنجاس الكفر والشرك، فلا صبغة ~~أحسن من صبغته، وهذا من باب المشاكلة، قوله (ونحن له عابدون) [138] أي ~~موحدون بالإخلاص عطف على قوله «آمنا بالله» فيكون من متعلقات «قولوا». ### || [سورة البقرة (2): آية 139] # قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) # قوله (قل أتحاجوننا) نزل في اليهود الذين يظاهرون المشركين «4»، أي قل يا ~~محمد يا أهل الكتاب أتخاصموننا (في الله) أي في شأن الله واصطفائه النبي من ~~العرب وتقولون لم خص بالنبوة محمدا من العرب ونحن أحق بها منه (وهو ربنا ~~وربكم) أي الله إلهنا وإلهكم نشترك جميعا في كوننا عباده واصطفائه أحدا ~~للنبوة لا حكم لنا PageV01P077 # عليه في شيء ms0086 يختص برحمته من يشاء كما يشاء فلم يظاهرون من لا يوحد الله ~~علينا (ولنا أعمالنا) أي جزاؤنها (ولكم أعمالكم) أي جزاء أعمالكم، لأنه ~~عادل (ونحن له) أي لله بالتوحيد (مخلصون) [139] والإخلاص: # تصفية الإيمان من الشرك والريا فأنتم به مشركون، لأن توحيدكم ليس بخالص. ### || [سورة البقرة (2): آية 140] # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون (140) # قوله (أم تقولون) بالتاء والياء «1»، «أم» فيه معادلة للهمزة في «أ ~~تحاجوننا»، الاستفهام «2» لإنكار الأمرين معا، المعنى: أي الأمرين تأتون ~~المحاجة في الله «3» أم ادعاء عدم الإسلام على الأنبياء، ويجوز أن يكون ~~منقطعة، أي بل أتقولون (إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) من ~~الأنبياء (كانوا هودا أو نصارى) ولم يكونوا أنبياء فأنتم في قولكم هذا ~~كاذبون، ثم أمر نبيه عليه السلام أن يقول لهم باستفهام الإنكار والرد عليهم ~~بقوله (قل أأنتم أعلم) بذلك (أم الله) أعلم فانه أخبر أن إبراهيم كان حنيفا ~~مسلما وما كان من المشركين، وأخبر عن الأنبياء المذكورين أنهم على دين ~~الإسلام بقوله عنهم ونحن له مسلمون ثم زادهم إنكارا وتبكيتا بقوله (ومن ~~أظلم ممن كتم) أي ستر وأخفى الناس (شهادة) حاصلة (عنده) واصلة (من الله) ~~إليه وهي شهادتهم لأبراهيم بالحنيفية ولمحمد بالنبي، والله أشهدهم على ذلك ~~كله في كتبهم وهم كتموها من الناس، ثم يهددهم «4» بقوله (وما الله بغافل ~~عما تعملون) [140] أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأقوالهم فيجازيهم ~~عليها، قيل: هذا وعيد للظالم وتعزية للمظلوم «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 141] # تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون (141) # (تلك أمة) أي جماعة (قد خلت) أي مضت (لها ما كسبت) من الأعمال (ولكم ما ~~كسبتم) منها (ولا تسئلون عن ما كانوا يعملون) [141] أي لا يسأل أحد عن عمل ~~غيره، بل يسأل عن عمله ويجزي به. ### || [سورة البقرة (2): آية 142] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم ms0087 عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) # (سيقول السفهاء) أي الجهال (من الناس) إخبار بقولهم «6» قبل «7» وقوعه، ~~وفائدته تسكين نفوس المؤمنين عند سماع المكروه من الكفار، لأن مفاجأة ~~المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع لما يتقدمه من ~~توطين النفس، فالسين للتأخير حينئذ، وقيل بمعنى قد للتحقيق «8»، لأنه نزل ~~حين طعن كفار مكة واليهود في تحويل القبلة بقولهم (ما ولاهم) أي ما الذي ~~صرف محمدا وأصحابه (عن قبلتهم التي كانوا عليها) أي على اعتقادها والتوجه ~~إليها في الصلوة وهي بيت المقدس وكان الأنصار يصلون قبل قدوم النبي إلى ~~المدينة نحو بيت المقدس، فلما قدم إليها صلى ثمانية عشر شهرا وقيل سبعة عشر ~~شهرا «9» إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة إلى الكعبة فقالوا رجع محمد إلى ~~قبلتنا فعن قريب يرجع إلى ديننا «10» فقال تعالى (قل) لهم يا محمد (لله ~~المشرق والمغرب) أي بلادهما كلها له (يهدي) أي يرشد بحكمه (من يشاء) من ~~عباده هدايته (إلى صراط مستقيم) [142] أي إلى دين يرتضيه لا اعتراض عليه ~~فيوجهه تارة إلى مكة وتارة إلى بيت المقدس، لأنه مالك PageV01P078 # الملك وحده لا شريك له فيه. ### || [سورة البقرة (2): آية 143] # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم (143) # قوله (وكذلك) نزل حين قالت اليهود المعاذ قبلتنا قبلة الأنبياء وما تركها ~~محمد إلا حسدا وإنه يعلم أنا على عدل بين الناس فقال معاذ: «نحن على حق ~~وعدل» «1»، فقال تعالى تصديقا لقوله «وكذلك»، أي مثل ذلك الجعل الصالح لأمر ~~القبلة (جعلناكم أمة وسطا) أي خيارا عدلا، يقال لخيار الشيء وسط، لأن ~~الأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد، و«جعل» صفة ل «أمة»، لأنه اسم يستوي ~~فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، قيل: «ما يصلح ms0088 في موضعه بين فهو مسكن، ~~وما لم يصلح فهو محرك» «2»، ثم علل ذلك بقوله (لتكونوا شهداء) أي جعلناكم ~~عدلا للخلائق لتكون شاهدين (على الناس) يوم القيامة للنبيين بأنهم قد ~~بلغوهم (ويكون الرسول) أي محمد عليه السلام (عليكم شهيدا) مزكيا كالرقيب ~~على وجه الاختصاص يشهد لكم بالتصديق إذا جرحتم في شهادتكم، روي: أنه يقال ~~للكفار يوم القيامة ألم يأتكم نذير فينكرون ويقولون ما جاءنا من نذير، ~~فيقول الأنبياء كذبوا قد بلغناهم فيسألهم الله البينة وهو أعلم إقامة للحجة ~~عليهم، فيؤتي بأمة محمد عليه السلام فيشهدون للأنبياء بالتبليغ، فيقول ~~الأمم من أين علموا وهم قد جاؤا بعدنا فتسأل أمة محمد عليه السلام به ذلك ~~فيقولون إنك أرسلت إليها رسولا وأنزلت إلينا كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ «3» ~~الرسل وأنت صادق، ثم يؤتي بمحمد على السلام فيزكي أمته ويشهد بصدقهم «4»، ~~قوله (وما جعلنا) نزل حين كانت قبلة النبي عليه السلام بمكة بيت المقدس إلا ~~أنه كان يجعل الكعبة في الصلوة بين نفسه وبين بيت المقدس، ثم أمر بالصلوة ~~إلى الكعبة فضل قوم بذلك وارتدوا «5»، فقال تعالى وما جعلنا (القبلة) ~~القبلة (التي كنت عليها) الآن، ف «التي» صفة موصوف محذوف هو المفعول الثاني ~~لل «جعل»، يعني ما رددناك منها إلى هذه الجهة وهي «6» الكعبة (إلا لنعلم) ~~أي لنظهر علمنا في الوجود أو لنميز (من يتبع الرسول) أي يوافقه «7» ويصدقه ~~في تحويل القبلة (ممن ينقلب) أي يرجع (على عقبيه) ناكصا فيرجع عن دين ~~الإسلام ويرتد بعد التحويل، يعني انما جعل «8» ذلك ابتلاء لهم في إطاعتهم ~~للرسول وعصيانهم له في تحويل القبلة وإيجابا للحجة عليهم لما سبق في علمه ~~أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم، ولقد ارتد كثير من الناس عن ~~الإسلام عند ذلك، والواو في قولة (وإن كانت لكبيرة) للحال و«إن» مخففة من ~~الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين المشددة، أي والحال أن القبلة ~~المحولة لشاقة عظيمة (إلا على الذين هدى الله) أي أرشدهم إلى دين الحق وحفظ ~~قلوبهم عليه وأعزهم باتباع نبيه محمد عليه ms0089 السلام في تحويل القبلة وهم ~~التائبون المخلصون من أصحابه، ثم قال المسلمون يا رسول الله ما صنع الله ~~بصلوة إخواننا الذي صلوا إلى بيت المقدس وماتوا عليها فأنزل الله تعالى «9» ~~(وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي صلوتكم إلى بيت المقدس قبل التحويل، لأن ~~الصلوة لا تكون إلا بالإيمان، وبهذا استدل البعض على أن العمل من الإيمان، ~~وقيل: معناه إيمانكم بالصلوة إلى بيت المقدس «10»، وإنما قال «إيمانكم» ~~بالخطاب تغليبا للأحياء الحضور على الأموات، فالمراد إيمان الأحياء ~~والأموات، وعلل ذلك بقوله (إن الله بالناس PageV01P079 # لرؤف) بضم الهمزة مع الواو الساكنة ومع غيرها «1»، أي ذو مرحمة عظيمة لهم ~~حيث لا يضيع أجروهم ولا يترك ما يصلحكم (رحيم) [143] بمغفرة «2» ذنوبكم ~~بالإيمان وإيصال الرزق إليهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 144] # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) # قوله (قد نرى) رأس قصة تحويل القبلة، فيكون متأخرا لفظا ومتقدما معنى على ~~قوله «سيقول السفهاء»، وكان النبي عليه السلام حين هاجر إلى المدينة من مكة ~~يتوقع من ربه أن يصرفه عن قبلة اليهود إلى غيرها ينظر إلى السماء رجاء أن ~~ينزل عليه الوحي بالتوجه إلى الكعبة لكونها قبلة إبراهيم عليه السلام وسائر ~~الأنبياء لكونها أدعى للعرب إلى الإسلام، لأنها مفخرهم ومأمنهم، فنزل «قد ~~نرى» «3»، أي نقلم ونشاهد (تقلب وجهك) أي تردده وتصرف نظرك (في السماء) أي ~~في جهتها (فلنولينك) أي فلنعطينك أو ولنحولنك في الصلوة (قبلة) أي إلى قبلة ~~«4» (ترضاها) أي تحبها وتهواها وهي الكعبة فأمره الله «5» بالتوجه إليها ~~فقال (فول) أي اصرف (وجهك) أي واستقبل به (شطر) أي تلقاء (المسجد الحرام) ~~أي المحرم وأراد منه الكعبة، وفيه دليل على أن الواجب في الصلوة استقبال ~~الجهة ومراعاتها، لأن الكعبة في داخله، فلا يكون المراد منه العين، لأنه ~~حرج عظيم على البعيد منها، قال الشافعي رحمه الله: الواجب استقبال الجهة ~~لمن هو خارج ms0090 المسجد الحرام «6» سواء كان بمكة أو لم يكن، وعند أبي حنيفة ~~رحمه الله الواجب إصابة العين إذا كان بمكة (وحيث ما كنتم) أي أينما تكونوا ~~من بر أو بحر (فولوا) أو اصرفوا (وجوهكم) مصلين (شطره) أي نحوه، قيل: تحويل ~~القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل بدر بشهرين ورسول الله في مسجد بني سلمة ~~في المدينة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلوة الظهر فتحول في الصلوة واستقبل ~~الميزاب وجعل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد ~~مسجد القبلتين، فثم قالت اليهود هذا شيء يبتدعه محمد من تلقاء نفسه فنزل ~~«7» (وإن الذين أوتوا) أي أعطوا (الكتاب) من اليهود والنصارى (ليعلمون أنه) ~~أي أن تحويل القبلة إلى الكعبة هو (الحق) أي الثابت (من ربهم) لا من تلقاء ~~نفس محمد، لأنه عليه السلام كان من بشارة أنبيائهم أنه يصلى إلى القبلتين ~~(وما الله بغافل عن ما يعملون) [144] بالتاء والياء «8» من إنكارهم التحويل ~~إلى الكعبة فيجازيهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 145] # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145) # ثم قال اليهود والنصارى: إئتنا بعلامة على صدق قولك يا محمد فنزل «9» ~~(ولئن أتيت) باللام لتوطئة القسم في حرف الشرط، أي والله لئن جئت يا محمد ~~(الذين أوتوا الكتاب بكل آية) أي بكل معجزة دالة على صدقك في أمر التحويل ~~وغيره (ما تبعوا قبلتك) أي ما يتبعون كلهم قبلتك أو هو عام مخصوص بمن أسلم ~~منهم وهو ساد مسد حواب القسم، قوله (وما أنت بتابع قبلتهم) حسم لطمعهم عود ~~النبي عليه السلام إلى توجه قبلتهم، أي ما أنت بمصل إلى قبلتهم، لأنك على ~~الحق وهم على الباطل فلا نسخ لقبلتك أبدا، وأفردت القبلة في قوله PageV01P080 # «قبلتهم» وإن كانت لكل طائفة قبلة لاتحادها في البطلان، ثم أشار إلى أنهم ~~مفترون فيما بينهم وإن كانوا متفقين في مخالفة النبي عليه السلام بقوله ~~(وما ms0091 بعضهم بتابع قبلة بعض) لأن كلا منهم يعتقد أن الحق دينه، فكيف ترجو أن ~~يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك (ولئن اتبعت) على سبيل الفرض أو المراد غيره ~~بالخطاب (أهواءهم) أي مرادهم ومذهبهم بالصلوة إلى قبلتهم (من بعد ما جاءك) ~~أي وصل إليك (من العلم) أي من البيان باليقين أن دينك هو الحق والكعبة هو ~~القبلة (إنك إذا) أي حينئذ (لمن الظالمين) [145] أي الضارين بنفسك. ### || [سورة البقرة (2): آية 146] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون ~~الحق وهم يعلمون (146) # قوله (الذين آتيناهم الكتاب) نزل حين قالت اليهود لأصحاب النبي: لم ~~تطوفون بالبيت المبنى على الحجارة؟ فقال النبي عليه السلام: «الطواف بالبيت ~~حق» «1»، وإنكم تعلمون ذلك بالتورية فجحدوا. # فقال تعالى: الذين أعطيناهم التورية (يعرفونه) أي أن الطواف حق والبيت ~~قبلة (كما يعرفون أبناءهم) يعني لا تشتبه عليهم، وقيل: الضمير يرجع إلى ~~محمد «2»، أي يعرفون أنه نبي حق بما علموا في كتابهم كما يعرفون أبناءهم ~~بين الغلمان، واختص ذكر الأبناء، لأن الذكور أشهر وأعرف عندهم، قال عبد ~~الله بن سلام: «والله لقد عرفت محمدا أشد معرفة مني با بني، لأن نعته في ~~كتابنا، وما أدري ما أحدثت النساء بعدي»، فقال عمر: # «أقر الله عينيك يا عبد الله» «3» (وإن فريقا منهم) أي من معانديهم ~~وجهلتهم (ليكتمون الحق) ليسترون أمر القبلة (وهم يعلمون) [146] ذلك. ### || [سورة البقرة (2): آية 147] # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) # ثم قال تعالى يا محمد (الحق من ربك) أي أمر القبلة الذي «4» يكتمونه هو ~~من الله، فهو مبتدأ وخبر أو التقدير: # ما جاءك من العلم هو الحق و«من ربك» خبر بعد خبر أو حال، أي كائنا من ~~الله (فلا تكونن من الممترين) [147] أي الشاكين فيما أخبرت لك به. ### || [سورة البقرة (2): آية 148] # ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير (148) # (ولكل) أي من أهل الأديان المختلفة (وجهة) أي جهة يتوجه إليها وهي «5» ~~القبلة (هو) أي كل منهم (موليها) بكسر ms0092 اللام، أي مستقبلها أو هو مصرفها ~~وجهه أو الله موليها إياه فهو راجع إلى الله، من وليته ووليت إليه بمعنى ~~أقبلت عليه أو صرفته إليه ولو عدي ب «عن» نحو وليت عنه كان بمعنى أدبرت ~~عنه، بفتح اللام المشددة مع الألف «6»، أي كل واحد منهم مولاها، أي مولى ~~تلك الجهة، يعني الله يوليه إليها لا غيره، قوله (فاستبقوا الخيرات) خطاب ~~لأمة محمد عليه السلام، أي لكل منكم جهة يصلي إليها شرقية أو غربية أو ~~جنوبية أو شمالية بحسب اختلاف الآفاق فبادروا بالأعمال الصالحة (أين ما ~~تكونوا) أنتم وأعداؤكم (يأت بكم الله جميعا) أي يجمعكم يوم القيامة ~~فيجازيكم بأعمالكم (إن الله على كل شيء قدير) [148] يقدر على جمعكم ثمه. ### || [سورة البقرة (2): آية 149] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) # قوله (ومن حيث خرجت) تأكيد لأمر النسخ ليعلم أن ذلك عزيمة لا يجوز تركها، ~~أي أي مكان ذهبت PageV01P081 # لسفر صليت (فول وجهك شطر المسجد الحرام) أي تلقاءه (وإنه) أي التوجه إلى ~~القبلة للصلوة (للحق من ربك وما الله بغافل عن ما تعملون) [149] قرئ بالياء ~~والتاء «1»، يعني يجازيكم بأعمالكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 150] # ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) # (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) خطاب للنبي عليه السلام (وحيث ~~ما كنتم) وصليتم «2» (فولوا وجوهكم) بالصلوة «3» (شطره) أي نحوه، خطاب ~~لأمته، وهذا التكرير لزيادة التأكيد والثبات في أمر القبلة والتحويل، لأن ~~النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، وعلل ذلك بقوله (لئلا) أي ~~أعطيناكم الكعبة قبلة بعد قبلة كيلا (يكون للناس) أي لليهود (عليكم حجة) ~~إذا توجهتم إلى غيرها فيقولوا أليست لهم قبلة، لأنهم يعلمون أن القبلة هي ~~الكعبة (إلا الذين ظلموا منهم) استثناء من الناس، ومعناه: لئلا يكون حجة ~~لليهود ومشركي العرب بقولهم ما بال لا ms0093 يحول إلى قبلة إبراهيم أبيه كما هو ~~مذكور في نعته في التورية، فلما حولت القبلة لم يبق لهم حجة عليكم إلا ~~للمعاندين منهم القائلين ما ترك محمد قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين ~~قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، وحجة هؤلاء الظلمة ~~حجة داحضة لا اعتبار لها، وإنما أطلق عليها اسم الحجة لسوقهم ذلك في سياق ~~الحجة (فلا تخشوهم) أي لا تخافوهم بانصرافهم إلى الكعبة لو تظاهروا عليكم ~~بسببه (واخشوني) فلا تخالفوا أمري فاني ناصركم، قوله (ولأتم نعمتي عليكم) ~~عطف على قوله «لئلا»، أي حولنا القبلة إلى الكعبة لإتمام إحساني بالثواب في ~~الآخرة إليكم ومن تمام النعمة الموت على الإسلام، وقيل: دخول الجنة «4» ~~(ولعلكم تهتدون) [150] أي ولكي تصلوا إلى الهداية من الضلالة. ### || [سورة البقرة (2): آية 151] # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) # قوله (كما أرسلنا) يتعلق بقوله «لأتم نعمتي»، أي لأتم نعمتي عليكم في ~~الآخرة كما أتممها عليكم بارسالي (فيكم رسولا منكم) أي من العرب أو من ~~جنسكم لا من الملائكة لتمكن «5» الإنس به والنظر إليه في الدنيا وهو محمد ~~(يتلوا عليكم آياتنا) أي القرآن (ويزكيكم) أي يطهركم من الكفر والجهل ~~(ويعلمكم الكتاب والحكمة) أي القرآن والعمل بما فيه من الحلال والحرام ~~(ويعلمكم) بصالح العمل (ما لم تكونوا تعلمون) [151] قبل ذلك فاعرفوا هذه ~~النعمة العظيمة، ويجوز أن يتعلق بما بعده، أي ذكرتكم «6» بارسال الرسول. ### || [سورة البقرة (2): آية 152] # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) # (فاذكروني) بالطاعة (أذكركم) بالثواب (واشكروا لي) ما أنعمت به عليكم ~~(ولا تكفرون) [152] أي نعمتي بالمعصية. ### || [سورة البقرة (2): آية 153] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) # (يا أيها الذين آمنوا) أي صدقوا بتوحيد الله (استعينوا بالصبر) على أداء ~~الفرائض وبما أنتم عليه وإن أصابكم مكروه (والصلاة) خاصة، لأنها وجه دينكم ~~ورئيسه «7» لكونها أشق على البدن، فاستعينوا بها في حوائجكم PageV01P082 # إلى الله، روي: أنه عليه السلام إذا حزبه أمر فزع ms0094 إلى الصلوة «1» وإنما ~~خص الصبر والصلوة بالذكر، لأن الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن، ~~والصلوة أشد الأعمال الظاهرة عليه، لأنها مجمع أنواع الطاعات من الأركان ~~والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما يتيسر حفظها ~~إلا بتوفيق الله تعالى (إن الله مع الصابرين) [153] على الطاعة بالعون ~~والنصرة. ### || [سورة البقرة (2): آية 154] # ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون (154) # قوله (ولا تقولوا) نزل في الشهاداء الذين قتلوا ببدر «2» أو عند بئر ~~معاوية «3»، وكان الناس يقولون مات فلان وانقطع عنهم نعيم الدنيا فقال ~~تعالى نهيا عن ذلك القول لا تقولوا (لمن يقتل في سبيل الله أموات) فاللام ~~زائدة، و«من» مبتدأ، خبره «أمواب» أو اللام ثابتة و«أموات» خبر مبتدأ ~~محذوف، أي لا تقولوا لأجلكم هم أموات (بل) هم (أحياء) أي كالأحياء في ~~الحكم، لأن ثوابهم يجري إلى يوم القيامة أو لأنهم يسرحون في الجنة حيث ~~شاؤا، قيل: «تعرض «4» أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما ~~تعرض «5» النار على أرواح الكفار فيصل إليهم الوجع» «6» (ولكن لا تشعرون) ~~[154] كيف حالهم في حيوتهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 155] # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) # (ولنبلونكم) أي لنختبرنكم أيها المؤمنون ليتميز بينكم المطيع والعاصي، لا ~~لنعلم ما لم نعلم به قبله (بشيء من الخوف) أي من خلف العدو أو خوف الله ~~تعالى (والجوع) أي من القحط أو صوم رمضان (ونقص من الأموال) أي وبنقص حادث ~~من الأموال كالهلاك والخسران أو بالزكوة والصدقة (والأنفس) أي وبنقص حاصل ~~للأنفس من القتل والموت والمرض والضعف والهرم (والثمرات) أي وبنقص الثمار ~~بالآفة والاستئصال أو المراد موت الأولاد التي هي ثمرة القلب، قيل في ~~الخبر: «إذا مات ولد لعبد قال الله للملائكة أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: ~~نعم، فيقول تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول تعالى: ~~ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد» «7» (وبشر) يا محمد (الصابرين) ~~[155] المسترجعين عند البلاء لتسليمهم لأمر الله. ### || [سورة البقرة (2): آية 156] # الذين إذا أصابتهم ms0095 مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) # ثم وصفهم بقوله (الذين إذا أصابتهم مصيبة) أي نائبة ما من الله (قالوا ~~إنا لله) أي نحن عبيده ومماليكه في الحيوة (وإنا إليه راجعون) [156] بعد ~~الموت راضون بحكمه، يعني صبروا عليها ولم يجزعوا، قيل في الخبر: # «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته» «8». ### || [سورة البقرة (2): آية 157] # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) # (أولئك) أي أهل هذه الصفة (عليهم صلوات) والصلوة منه تعالى الرحمة، ~~والمراد منها التعطفات المتوالية (من ربهم ورحمة) أي مغفرة لذنوبهم، قيل: ~~إنما جمع بين الصلوات والرحمة للإيذان بأن رحمته غير منقطعة عنهم، أي رحمة ~~بعد رحمة «9»، وقيل: المراد من الصلوات توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية ومغفرة PageV01P083 # الذنوب «1»، والمراد من الرحمة الثواب (وأولئك هم المهتدون) [157] إلى ~~سعادة الدارين حيث استرجعوا للمصيبة وسلموا لأمر الله تعالى. ### || [سورة البقرة (2): آية 158] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) # قوله (إن الصفا والمروة) وهما علمان للملكين بطرفي المسعى (من شعائر ~~الله) جمع شعيرة «2»، وهي العلامة، أي من أعلام دين الله، نزل حين تحرج ~~المسلمون من الطواف بينهما عند مجيء الإسلام، لأنهما كانا رجلا اسمه إساف ~~وامرأة اسمها نائلة زنيا فمسخا حجرين فوضعا في ذلك المكان فطال الزمان ~~فعبدوهما في الجاهلية وإذا سعوا مسحوهما فكره أهل الإسلام أن يسعوا بينهما، ~~لأنه فعل الجاهلية، فاذن الله تعالى في الطواف بينهما، فقال: إنهما من ~~مناسك الحج وأعلام دينه «3» (فمن حج البيت) أي قصده (أو اعتمر) أي زاره ~~(فلا جناح) أي فلا إثم (عليه أن يطوف) أي يحول ويدور (بهما) وأصل الطواف ~~المشي حول الشيء، والمراد هنا السعي بينهما وهو ركن عند الشافعي ومالك يجب ~~عليه القضاء بتركه ولا يجزي عنه الدم عند أبي حنيفة رضي الله عنه واجب وليس ~~بركن يجزيء عنه الدم «4» (ومن تطوع) بلفظ الماضي في معنى الاستقبال وقرئ ~~ومن يطوع بلفظ المستقبل الغائب وتشديد الطاء ms0096 «5»، أصله يتطوع ومعناه يتبرع، ~~أي من تبرع «6» بأن زاد في الطواف بعد الواجب (خيرا) أي بخير من الحج أو ~~العمرة أو الصلوة أو الصدقة (فإن الله شاكر) أي مجاز له (عليم) [158] ~~بنيته، وفيه حث على الطواف حول البيت أو هو مؤكد لقوله «فلا جناح عليه أن ~~يطوع بهما»، وحجة لمن يزعم أن السعي بينهما ليس بواجب ولا ركن إذا لم يؤله ~~بالزيادة على الواجب بل يريد نفس الطواف. ### || [سورة البقرة (2): آية 159] # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) # قوله (إن الذين يكتمون) نزل في رؤساء اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه ~~السلام وآية الرجم وغيرهما كمالك ابن الضيف وابن صوريا وكعب ابن الأشرف ~~«7»، أي الذين يسترون (ما أنزلنا من البينات) أي القرآن وما فيه من الأحكام ~~(والهدى) أي الهداية إلى الإسلام بنعب محمد واتباعه بالإيمان به (من بعد ما ~~بيناه) أي أوضحناه (للناس في الكتاب) أي في التورية على كفرهم، فالواو ~~للحال (أولئك) أي أهل هذه الصفة (يلعنهم الله) أي يبعدهم عن رحمته (ويلعنهم ~~اللاعنون) [159] من الثقلين والملائكة، يعني يقولون: اللهم العنهم، قيل: # «ما تلاعن رجلان إلا ارتفعت اللعنة بينهما فان استحقها أحدهما وإلا رجعت ~~على الذين كتموا صفة محمد عليه السلام» «8». ### || [سورة البقرة (2): آية 160] # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160) # قوله (إلا الذين تابوا) استثناء متصل من ضمير المفعول في «يلعنهم»، أي ~~إلا الذين رجعوا عن كتم البينات أو منقطع، أي لكن الذين رجعوا عن الكفر ~~(وأصلحوا) الأعمال بينهم وبين الله (وبينوا) أي أظهروا ما كتموا باعترافه ~~وقراءته ليقبل توبتهم (فأولئك أتوب عليهم) أي أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ~~(وأنا التواب) أي المتجاوز البليغ عمن تاب من ذنبه (الرحيم) [160] بقبول ~~توبته ومغفرته. PageV01P084 ### || [سورة البقرة (2): آية 161] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) # (إن الذين كفروا) من الكاتمين (وماتوا) من غير توبة (وهم كفار) أي مصرين ~~على ms0097 كفرهم، فالواو للحال (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ~~[161] في حال مماتهم بعد أن لعنهم الله واللاعنون في حال حيوتهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 162] # خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162) # (خالدين) أي دائمين (فيها) أي في اللعنة، قيل: «المراد من الناس المؤمنون ~~خاصة» «1»، وقيل: جميع الناس «2»، لأن المخالفين يلعن بعضهم بعضا يوم ~~القيامة ولعنتهم عذاب النار (لا يخفف عنهم العذاب) أي لا يهون عليهم ولا ~~يرفع عنهم (ولا هم ينظرون) [162] أي يمهلون فيعتذرون أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. ### || [سورة البقرة (2): آية 163] # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) # قوله (وإلهكم إله واحد) نزل حين قال مشركو مكة للنبي عليه السلام جوابا ~~لقوله لهم وحدوا الله وأخلصوا عبادته، وكان لهم أصنام يعبدونها من دون الله ~~صف لنا ربك، فقال: خالقكم خالق واحد «3»، أي فرد لا نظير له في ذاته ولا ~~شريك له في صفاته (لا إله) أي لا خالق للأشياء كلها (إلا هو) أي دين غيره، ~~وهو بدل من محل «لا إله» (الرحمن) بدل من «هو» لا وصف له، إذ المضمر لا ~~يوصف، أي المولي لجميع النعم عما سواه إما نعمة وإما منعم عليه «4» ~~(الرحيم) [163] بالتجاوز عن السيئات لمن تاب وبالثواب في الآخرة ولا شيء ~~سواه بهذه الصفة. ### || [سورة البقرة (2): آية 164] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164) # قيل: لما سمع المشركون هذه الآية تعجبوا وقالوا له صلى الله عليه وسلم ~~إئت بآية نعرف بها صدقك إن كنت صادقا فنزل «5» قوله (إن في خلق السماوات) ~~بغير عمد وزينتها بالنجوم والشمس والقمر (والأرض) ببسطها للقرار عليها ~~بأوتادها وهي الجبال وبتفجير الأنهار وإحداث الأشجار والأثمار والبحار وغير ~~ذلك فيها (واختلاف الليل والنهار) أي في تعاقبهما في الذهاب والمجيئ ~~والزيادة والنقصان والظلمة ms0098 والنور (والفلك) يستوي فيه الواحد والجمع، أي ~~السفن (التي تجري في البحر) بقدرة الله وإرادته لا تنغمس فيه (بما) أي ~~بالذي (ينفع الناس) من الحمل فيها والركوب عليها (وما) أي فيما (أنزل الله ~~من السماء) «من» فيه لابتداء الغاية (من ماء) بيان للجنس، لأن النازل من ~~السماء مطر وغيره (فأحيا به) أي بالماء النازل (الأرض بعد موتها) أي بعد ~~يبسها (وبث) أي فرق ونشر (فيها من كل دابة) أي ما يدب على وجه الأرض من ~~الحيوان، وهو معطوف على «فأحنا»، لأن بث الدواب يكون بعد حياة الأرض ~~بالمطر، لأن عيشهم إنما يكون بالنبات الحاصل بالمطر (وتصريف الرياح) وقرئ ~~مفردا «6»، أي تقلبها «7» في مهابها جنوبا وشمالا وصباء ودبورا، وفي ~~أحوالها حارة وباردة ولينة وعاصفة وعقما ولواقح، قيل: «الريح أعظم جنود ~~الله تعالى» «8»، يذكر ويؤنث (والسحاب المسخر) أي الغيم المذلل للرياح (بين ~~السماء والأرض) يعني تقلبه في الجو بمشية الله ويمطر حيث يشاء (لآيات) أي ~~لعلامات وعبرات PageV01P085 # (لقوم يعقلون) [164] أي ينظرون بعيون قلوبهم ويعتبرون، لأنها دلائل على ~~عظم قدرة الله فيها وباهر حكمته فيستدلون بهذه الأشياء على موجدها ~~فيوحدونه، روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمج ~~بها» «1»، أي أسقطها عن نظره لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 165 الى 166] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب (166) # قوله (ومن الناس) تعنيف للكفار على عبادة غير الله لجهلهم المفرط وقساوة ~~قلوبهم، أي ومن المشركين (من يتخذ) للعبادة (من دون الله) وهو المستحق لها ~~(أندادا) أي أصناما (يحبونهم كحب الله) أي كحب المؤمنين الله تعالى، يعني ~~يعظمون أصنامهم كما يعظم المؤمنين ربهم، ثم فضل محبة المؤمنين لعدم زوالها ~~عنهم بكل حال من الرخاء والشدة بقوله (والذين آمنوا أشد حبا لله) ms0099 من حب ~~الكفار وأصنامهم لزواله عنهم، لأنهم إذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها أو إذا ~~رأوا صنما يعجبهم أخذوه وتركوا الأول، قيل: إن باهلة اتخذوا إلها من تمر ~~وأقط وعبدوه ثم أكلوه في قحط أصابهم «2»، قوله (ولو يرى) بالتاء خطاب لكل ~~مخاطب أو لنبي عليه السلام، أي ولو ترى يا محمد بالعين (الذين ظلموا) أي ~~ارتكبوا الظلم العظيم من الشرك فهو مفعول «ترى» وبالياء غيبة «3» وفاعله ~~«الذين ظلموا»، أي ولو يرى بالقلب، أي لو يعلم متخذ والأنداد (إذ) أي إذا ~~(يرون العذاب) بعيونهم يوم القيامة بفتح الياء معلوما وبضمها مجهولا «4» ~~(أن القوة) أي الغلبة والقدرة الإلهية (لله جميعا) نصب على الحال، يعني لو ~~يعلم الكفار أن القدرة كلها لله على كل شيء من الثواب والعقاب لا لأندادهم ~~ليشفعوا لهم إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لتركوا عبادتها وندموا عليها ~~أشد ندامة، ف «أن» مع الاسم والخبر ساد مسد مفعولي «يرى» بالياء، وجواب ~~«لو» محذوف كما عرفت، وعلى تقدير أن يكون القراءة في «تري» بتاء الخطاب كان ~~الجواب لرأيت أن القوة لله جميعا، فالجملة في محل النصب مفعول رأيت بمعنى ~~علمت، قوله (وأن الله شديد العذاب) [165] عطف عليه قوله (إذ تبرأ) بدل من ~~«إذ يرون» أو ظرف لشديد، أي الله شديد العذاب حين تبرأ (الذين اتبعوا) أي ~~القادة (من الذين اتبعوا) أي الأتباع وأصل التبرأ التخلص، ويستعمل للتعبد ~~مما يستكره والتفرق عنه (ورأوا العذاب) أي تبرؤا منهم في حال رؤيتهم ~~العذاب، فالواو فيه للحال بتقدير قد، قوله (وتقطعت بهم الأسباب) [166] عطف ~~على «تبرأ»، و«بهم» بمعنى عنهم، أي انقرضت عنهم أسباب الوصلة والخلة من ~~القرابة والعهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا. ### || [سورة البقرة (2): آية 167] # وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم ~~الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167) # (وقال الذين اتبعوا) أي الأتباع يوم القيمة على وجه التمني (لو أن لنا ~~كرة) أي رجعة إلى الدنيا وذلك حين تبرأ منهم الرؤساء ولم ينفعوا لهم ms0100 شيئا ~~(فنتبرأ منهم) أي من رؤسائنا (كما تبرؤا منا) الآن (كذلك) أي مثل ذلك ~~الإراء الفظيع وهو نزول العذاب عليهم وتبرأ بعضهم من بعض (يريهم الله ~~أعمالهم حسرات) أي ندمات، يعني انقلبت أعمالهم التي حسبوها نافعة لهم حسرات ~~(عليهم) فلا يرون مكان أعمالهم إلا الحسرات حيث لم تقبل «5» لكونها لغير ~~وجه الله فأوردتهم النار (وما هم) أي الأتباع والمتبوعون (بخارجين من ~~النار) [167] لأنهم خلقوا لأجلها. PageV01P086 ### || [سورة البقرة (2): آية 168] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) # قوله (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض) أي من بعضه، إذ لا يؤكل كل ما ~~فيها (حلالا طيبا) أي مستلذا أو طاهرا من الشبهة، نصب بأنه مفعول «كلوا» أو ~~نصب على الحال مما في الأرض، والحلال كل شيء لا يعاقب عليه باستعماله، نزل ~~حين حرم خزاعة وثقيف وبنو عامر من العرب على أنفسهم أشياء مما أحل الله ~~عليهم كالبحيرة والوصيلة والسائبية وغير ذلك من الحرث والأنعام، فنهاهم ~~الله تعالى عن ذلك «1» وقال: كلوا ما أحل الله لكم (ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان) بسكون الطاء وضمها «2»، أي آثاره وطرقه فتدخلوا في حرام وشبهة، ثم ~~أعلمهم بحال الشيطان للاحتراض عنه بقوله (إنه لكم عدو مبين) [168] أي مظهر ~~العداوة أو ظاهرها لا خفاء به. ### || [سورة البقرة (2): آية 169] # إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (169) # وعلل ترك اتباع الشيطان بقوله (إنما يأمركم) أي يوسوس لكم الشيطان، شبه ~~بعثه على الشر بأمر الآمر الذي يستدعي إطاعتهم (بالسوء) أي الإثم الذي لا ~~يجب فيه حد (والفحشاء) أي أقبح المعاصي الذي يجب فيه الحد (وأن تقولوا) أي ~~ويأمركم بأن تتكلموا (على الله ما لا تعلمون) [169] من تحريم الحرث ~~والأنعام، يعني بأن تكذبوا على الله وتقولوا بغير علم من قبل أنفسكم حرم ~~الله علينا هذا وأحل ذلك. ### || [سورة البقرة (2): آية 170] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون ms0101 شيئا ولا يهتدون (170) # (وإذا قيل لهم) أي للمشركين من الناس (اتبعوا ما أنزل الله) أي اعملوا ~~باتباع القرآن، يعني بتحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله في القرآن ~~(قالوا) لا نتبع ما أنزل الله (بل نتبع ما ألفينا) أي وجدنا (عليه آباءنا) ~~فهم كانوا أعلم منا فقلدوا آباءهم مع جهلهم فقال تعالى ردا عليهم بهمزة ~~الإنكار والتعجب مع واو الحال بعدها (أولو كان آباؤهم) أي أيتبعونهم في حال ~~كون آبائهم (لا يعقلون شيئا) من الدين القيم (ولا يهتدون) [170] للصواب والحق. ### || [سورة البقرة (2): آية 171] # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171) # (ومثل الذين كفروا) بدعائهم الأصنام وعبادتهم إياها (كمثل الذي ينعق) أي ~~يصوت (بما لا يسمع) أي بالذي لا يدرك من البهائم بالاستماع (إلا دعاء) أي ~~صوتا من الناعق (ونداء) أي زجرا مجردا من غير فهم شيء آخر وحفظه كما يفهم ~~العاقل ويجيب (صم بكم عمي) رفع على الذم بتقدير هم، يعني كأنهم صم يتصاممون ~~عن سماع الحق، خرس لا يتكلمون بالحق، عمي لا يبصرون الهدى (فهم لا يعقلون) ~~[171] أي لا يفهمون شيئا من مواعظ القرآن كالبهائم. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 172 الى 173] # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) # (يا أيها الذين آمنوا كلوا) رزقكم (من طيبات ما رزقناكم) أي من حلالته ~~بتحليلنا، فان رضاء الله بأن PageV01P087 # تحلوا حلاله وتحرموا حرامه (واشكروا لله) الذي رزقتموها (إن كنتم إياه ~~تعبدون) [172] أي إن تخصوه بالعبادة وتعترفوا أنه مولى النعم كلها، فقالوا ~~للنبي عليه السلام إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرم ما هو فنزل «1» ~~(إنما حرم عليكم الميتة) بالنصب مفعول «حرم»، أي ما حرم الله عليكم إلا ~~الميتة، وهي التي تموت من غير ذكاة من الدواب سوى السمك ms0102 والجراد لقوله عليه ~~السلام «أحلت لي ميتتان ودمان» «2»، وسيق الكلام هنا على العرف والعادة ~~(والدم) يعني الدم الجاري، والمراد بعضه ليخرج منه «3» الكبد والطحال لما ~~مر من الخبر (ولحم الخنزير) أي جميع أجزائه وإنما عبر عنه باللحم، لأن ~~الأصل من الحيوان اللحم والباقي تبع له (وما أهل به) أي وحرم ما ذكر عليه ~~اسم (لغير الله) والإهلال: رفع الصوت في اللغة، وكان المشركون إذا ذبحوا ~~رفعوا الصوت بذكر آلهتهم ثم رخص لعباده في أكل الميتة عند الضرورة بقوله ~~(فمن اضطر) شرط مجزوم بكسر النون لالتقاء الساكنين وبضمها «4» اتباعا، أي ~~أحوج وألجئ إلى أكل شيء مما حرمه الله فليأكل (غير باغ) نصب على الحال أي ~~حال كونه غير ظالم على مضطر آخر، يعني لا يستأثر نفسه بأكله ويمنع غيره منه ~~بل يتناول شيئا ويعطي الباقي لمضطر آخر (ولا عاد) أي غير متجاوز حد الشبع ~~عند الأكل بالضرورة، وقيل: غير خارج على السلطان «5» ولا عاد على المسلمين ~~بالسيف، قال الشافعي رحمه الله: لا يجوز للعاصي بسفره أكل الميتة للضرورة ~~ولا الترخص برخص المسافرين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز «6»، قيل: ~~«من اضطر إلى الميتة أو الدم أو لحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار» ~~«7»، فدل ذلك على أن أكله حلال، وقيل: أكله حرام رفع عنه الإثم «8» بقوله ~~(فلا إثم عليه) جواب الشرط أي لا حرج عليه في أكلها، واستدل عليه بقوله ~~بعده (إن الله غفور) لأكله المحرم (رحيم) [173] بترخيص ذلك. ### || [سورة البقرة (2): آية 174] # إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) # قوله (إن الذين يكتمون) نزل في علماء اليهود الذين غيروا نعت محمد عليه ~~السلام بالتأويل في كتابهم خوفا على زوال رياستهم وفوت مآكلهم ووظائفهم من ~~أتباعهم «9»، أي أن الذين يسترون (ما أنزل الله من الكتاب) أي التورية ~~(ويشترون) أي يختارون (به) أي بالمنزل (ثمنا قليلا) أي عرضا يسيرا ms0103 (أولئك ~~ما يأكلون في بطونهم) أي ملئها (إلا النار) لأن ذلك الأكل يؤديهم إلى النار ~~فكأنهم أكلوا النار (ولا يكلمهم الله) لغضبه عليهم أو بما ينفعهم (يوم ~~القيامة) بل يكلمهم بسخطه عليهم (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب ~~يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة (ولهم عذاب أليم) [174] أي وجيع دائم ~~بسبب كتمانهم الحق. ### || [سورة البقرة (2): آية 175] # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) # ثم قال في شأن هؤلاء العلماء من اليهود (أولئك الذين اشتروا) أي اختاروا ~~(الضلالة) أي الكفر (بالهدى) أي على الإيمان (والعذاب بالمغفرة) أي ~~واختاروا النار على الجنة ونعيمها، قوله (فما أصبرهم على النار) [175] ~~تعجيب من حالهم ومواظبتهم على ما يوجب لهم النار من غير مبالاة بها، أي أي ~~شيء صبرهم عليها، يعني PageV01P088 # أجرأهم على فعل أهل النار وألقاهم فيها عما استفهامية يورث معنى التعجب ~~لا الاستفهام، قيل: من كتم علما أعطاه الله ألجم يوم القيامة بلجام من ~~النار «1». ### || [سورة البقرة (2): آية 176] # ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد (176) # (ذلك) أي العذاب بالنار (بأن الله) أي بسبب أنه (نزل الكتاب) أي القرآن ~~(بالحق) أي بالصدق وبما لا شك فيه، فاختلفوا فيه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ~~أو قال بعض شعر وبعض سحر وبعض كهانة (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) أي في ~~المنزل من الله (لفي شقاق بعيد) [176] أي لفي خلاف طويل منقطع عن الحق لا ~~يرجع إلى الهدى. ### || [سورة البقرة (2): آية 177] # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) # قوله (ليس البر) برفع الراء اسم «ليس» والخبر (أن تولوا) وهو الأصل ~~والأقوى، وبنصب الراء «2» خير «ليس» وإن تولوا اسمها وهو قوي من حيث ms0104 أنه ~~أعرف من البر لأن «أن تولوا» كالمضمر في أنه لا يوصف نزل خطابا لأهل الكتاب ~~حين صلى النصارى قبل المشرق وادعوا أنه البر وصلى اليهود إلى بيت المقدس ~~وادعوا أنه البر، فرد الله عليهم ذلك «3»، وقال: ليس البر ما أنتم عليه، ~~وإنه منسوخ خارج عن البر، وهو أن تصرفوا (وجوهكم) في الصلوة (قبل المشرق ~~والمغرب) فلا تعملوا غير ذلك (ولكن البر) بتشديد النون ونصب الراء وبتخفيف ~~النون ورفع الراء «4» مبتدأ، خبره (من آمن) بتقدير المضاف، أي بر من آمن ~~(بالله) أي صدق به بأنه واحد لا شريك له (واليوم الآخر) أي بالبعث الذي فيه ~~جزاء الأعمال على أنه كائن لا محالة (والملائكة) بأنهم عباد الله مكرمون ~~عنده (والكتاب) أي القرآن أو الكتب المنزلة أنها من عند الله لتحليل ما ~~أحله وتحريم ما حرمه (والنبيين) بأنهم بعثوا لدعوة الخلق إلى الحق، قوله ~~(وآتى المال) عطف على «من آمن»، أي ومن أعطى الصدقة من ماله بعد الإيمان ~~(على حبه) أي مع حبه وشهوته لجوعه أو على حب الله أو على حب الإعطاء بطيبة ~~نفس وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل العيش والغنى، والجار والمجرور نصب على ~~الحال، قوله (ذوي القربى) مفعول «أتى»، أي أصحاب القرابة الفقراء، وقدمهم ~~لأنهم أحق بالصدقة لقوله عليه السلام: «صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي ~~رحمك اثنتان، لأنها صدقة وصلة» «5» (واليتامى) أي الفقراء منهم (والمساكين) ~~أي الذين يسكنون إلى الناس لاحتياجهم الشديد (وابن السبيل) أي المسافرين ~~المنقطع عن السفر لعدم الزاد والقوة أو الضيف ينزل بالرجل «6»، لأنه جاء من ~~السبيل قال عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» «7» ~~(والسائلين) أي المستطعمين قال عليه السلام: «للسائل حق ولو جاء على ظهر ~~فرس» «8» (وفي الرقاب) أي يعطي المال في معاونة المكاتبين ليفكوا رقابهم أو ~~في ابتياع الرقاب وإعتاقها أو في فك الأسارى، قيل: # في صرف المال في الوجوه المارة قبل «9» ذكر الزكوة حث على نوافل الصدقات ~~«10»، لأن النبي عليه السلام قال: PageV01P089 # «نسخت الزكوة كل صدقة» «1»، يعني ms0105 وجوبها «2»، وقيل: إن في المال حقا سوى ~~الزكوة نقلا عن الشعبي «3» وتلا هذه الآية، قوله (وأقام الصلاة) أي ~~المكتوبة (وآتى الزكاة) أي المفروضة في المال، عطف على «آمن»، قوله ~~(والموفون) عطف على «من آمن»، لأن «من» في محل الرفع، أي الذين يوفون ~~(بعهدهم) من الأوامر والنواهي أو النذور (إذا عاهدوا) الله أو عاهدوا فيما ~~بينهم وبين الناس من العقود والودائع والأسرار، روي عن النبي عليه السلام: ~~«من أعطى عهد الله ثم نقضه فالله منتف منه» «4»، أي انقطع نظره عنه ومن ~~أعطي ذمته رسول الله ثم غدر فالنبي خصمه يوم القيامة (والصابرين) بالنصب ~~على الاختصاص في المدح لإظهار فضل الصبر في الشدائد على سائر الأعمال، أي ~~الذين صبروا (في البأساء) أي الشدة والفقر والمصيبة (والضراء) أي في المرض ~~والزمانة (وحين البأس) أي في وقت القتال والحرب «5» مع الكفار (أولئك) أي ~~أهل هذه الصفة (الذين صدقوا) في إيمانهم وفيما عاهدوا (وأولئك هم المتقون) ~~[177] عن محارم الله وعن نقض العهد أو المطيعون لله لشدة خوفهم من عذابه. ### || [سورة البقرة (2): آية 178] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) # (يا أيها الذين آمنوا كتب) نزل حين جاء الإسلام وكان القبيلتين من العرب ~~دماء في الجاهلية وجراحات وديات لم تستوف، فاقسم إحديهما لنقتلن الحر منكم ~~بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «6»، فقال تعالى: يا أهل الإيمان بالله ورسوله والقرآن فرض ~~(عليكم) أي على القاتل والجارح منكم إذا طلب الولي ولم يعف (القصاص) أي ~~المماثلة (في القتلى) جمع قتيل، وهي أن يفعل بالجاني مثل ما فعل إن أمكن ~~إذا كان فعله عمدا (الحر بالحر) مبتدأ وخبر، أي الحر مأخوذ بالحر (و) كذلك ~~(العبد بالعبد والأنثى بالأنثى) قال أبو حنيفة رحمه الله: يقتل الحر بالعبد ~~كما يقتل المؤمن بالكافر، ويجعل ms0106 هذه الآية منسوخة بقوله «أن النفس بالنفس» ~~«7» وبقوله عليه السلام: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «8»، أي تتساوى، ولأن ~~التفاضل لو اعتبر في النفوس لما قتل جماعة بواحد، لكنها يقتل «9» بالإجماع، ~~وقال الشافعي ومالك رحمهما الله: لا يقتل الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر، ~~وهذه مفسرة للمبهم في قوله «أن النفس بالنفس» «10» ولا يصح القول بأن قوله ~~«الحر بالحر» منسخ بقوله «أن النفس بالنفس» «11»، لأنه ورد في حكاية ما وجب ~~على اليهود في التورية من غير فرق بين الحر والعبد والذكر والأنثى، فهذه ~~شريعة من قبلنا «12»، وهي لا تلزمنا لما جاء في شريعتنا ما يخالف ذلك وإنما ~~يلزمنا لو لم يجئ المخالف (فمن عفي) أي ترك وأسقط (له) وهو القاتل، والأصل ~~أن يتعدى «عفي» ب «عن» إلى الجاني أو إلى الذنب فاذا تعدى إليهما معا قيل ~~عفوت لفلان عما جنى وعلى هذه الآية لكنه اختصر عن الثاني، يعني لو عفي عن ~~جنايته (من أخيه) أي من قتيله الذي هو أخوه في الدين أو من الولي الذي هو ~~أخوه في الدين (شيء) أي بعض الدم كما إذا عفا بعض الورثة منه سقط القصاص ~~ووجب الدية فيكون العفو هنا PageV01P090 # بمعنى الإسقاط والترك ويجوز أن يكون المراد من كلمة «من» ولي المقتول و ~~«من أخيه» القاتل، لأنه أخوه في الدين ومن «شيء» الواجب الذي يعطيه القاتل ~~بطلب الولي من الذهب والفضة والإبل فيكون المعنى من جعل له من دم أخيه وهو ~~القصاص على القاتل بدل وهو الدية فليأخذه فيكون العفو بمعنى البدل حينئذ ف ~~«من» مبتدأ متضمن بمعنى الشرط والخبر (فاتباع بالمعروف) أي فالأمر فيه أن ~~يتبع الطالب المطلوب بما يعرف شرعا، يعني لا يطالبه بعنف، وإذا أخذ الدية ~~لا يطالب «1» الأكثر مما وجب عليه (وأداء إليه) أي الأمر أن يؤدي القاتل ~~إلى ولي الدم ما وجب عليه (بإحسان) أي بلا مماطلة ولا نقص وفيه تأديب لولي ~~الدم وللقاتل (ذلك) أي ما ذكر من العفو وأخذ الدية (تخفيف) أي تيسير وتوسعة ~~(من ربكم) لكم (ورحمة) منه حيث ms0107 لم يحرم العفو وأخذ الدية، بل خيركم بين ~~القصاص والعفو وأخذ الدية، وإنما قال ذلك لأن القصاص كان واجبا على اليهود ~~في التورية لا غير وأخذ الدية كان واجبا على النصارى في الإنجيل لا غير، ~~قال الشافعي رحمه الله: الولي مخير إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن لم ~~يرض به القاتل، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه له أن يأخذ الدية برضا القاتل ~~«2» (فمن اعتدى) أي تجاوز ما شرع له فقتل الجاني أو قتل غير القاتل (بعد ~~ذلك) أي بعد أخذ الدية وقبولها (فله عذاب أليم) [178] أي وجيع في الآخرة أو ~~بأن يقتل قصاصا ولا يقتل منه دية لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحدا قتل ~~بعد أخذ الدية» «3». ### || [سورة البقرة (2): آية 179] # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) # (ولكم في القصاص) أي في هذا الحكم الذي هو القصاص (حياة) أي بقاء عظيم، ~~لأنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، فاذا علم القاتل أنه يقتل إذا قتل لا ~~يقدم على القتل وإذا قتل فقتل ارتد غيره فكان القصاص سبب حيوة نفسين أو ~~أكثر (يا أولي الألباب) أي ذوي العقول (لعلكم تتقون) [179] القتل مخافة ~~القصاص. ### || [سورة البقرة (2): آية 180] # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) # قوله (كتب عليكم) نزل حين كانوا يوصون للأجنبي ولم يوصوا الذي القرابة ~~شيئا لرفع ذلك «4»، أي فرض ووجب عليكم (إذا حضر) أي دنا (أحدكم الموت) أي ~~أسبابه من الأمراض فظهرت أماراته (إن ترك خيرا) أي مالا كثيرا طيبا يغني ~~الورثة ويفضل والخير في الأصل كل ما يرغب فيه لنفعه، قوله (الوصية) مرفوع ~~فاعل «كتب» أو وجب أن يوصي (للوالدين والأقربين) ممن يرث ومن لا يرث ~~(بالمعروف) أي بالعدل، يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي لغني دون الفقير ~~(حقا على المتقين) [180] أي حق ذلك حقا على من يتقي «5» الله تعالى ويمتثل ~~أمره، قيل: كان وجوب الوصية لهم قبل نزول آية المواريث، ثم نسخ بها وبقوله ~~عليه ms0108 السلام «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» «6»، والحق هذا ~~بالمتواتر وإن كان خبر الواحد، لأن الأمة تلقته بالقبول ثم اختلفوا ~~بالوصية، قال بعض هي مباحة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص وقال بعض إن كان ~~عليه حج أو كفارة أو شيء من الواجبات فالوصية واجبة وإلا فهو بالخيار إن ~~شاء أوصى وإن لم يشأ لم يوص وعليه الفتوى. ### || [سورة البقرة (2): آية 181] # فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) # (فمن بدله) أي غير الإيصاء عن وجهه الشرعي (بعد ما سمعه) أي الإيصاء ~~وحققه (فإنما إثمه) أي إثم الإيصاء المغير (على الذين يبدلونه) أي الإيصاء ~~من الأوصياء والشهود لا على الموصي وهو الميت، فانه بريئ منه PageV01P091 # (إن الله سميع) بالإيصاء وتغييره (عليم) [181] بثوابه وجزاء من غيره. ### || [سورة البقرة (2): آية 182] # فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) # (فمن خاف) أي علم وأحس وتوقع (من موص) بالتخفيف والتشديد «1» (جنفا) أي ~~من الذي أوصى حيفا وهو الميل عن الحق بالخطأ في الوصية (أو إثما) أي ظلما ~~منه عمدا في وصيته «2» فزاد في الثلث (فأصلح بينهم) أي بين الموصي لهم، وهم ~~الوالدان والأقربون فغير وصيته باجرائها على طريق الشرع (فلا إثم عليه) أي ~~لا وزر على المغير حينئذ، لأن تغييره تغيير باطل إلى الحق فلا يكون ظلما ~~(إن الله غفور) لمن تاب عن الظلم (رحيم) [182] لمن أطاعه في أمره. ### || [سورة البقرة (2): آية 183] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) # (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) أي فرض عليكم صيام شهر رمضان، ~~والصوم في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك يوم عن أشياء مخصوصة مع النية، ~~ثم أكد فرضيته وبين أنه عبادة قديمة ليست مخصوصة بنا، بل كانت مفروضة على ~~من تقدمنا أيضا بقوله (كما كتب على الذين من قبلكم) أي على الأنبياء والأمم ~~من عهد آدم إلى ms0109 عهدكم، يعني أن صومكم هذا كصومهم في عدد الأيام وهو شهر ~~رمضان، قيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم في معائشهم ~~وأسفارهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله وقته ~~«3» (لعلكم تتقون) [183] المعاصي، لأن الصائم يمنع نفسه من مباشرة السوء، ~~قال عليه السلام: «فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء» «4»، أي مجن من السوء. ### || [سورة البقرة (2): آية 184] # أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (184) # قوله (أياما معدودات) ظرف ل «كتب» أو ل «الصيام»، أي موقتات بعدد معلوم ~~وهو مشعر بقلتها، قيل: # كان الصوم واجبا في ابتداء الإسلام ثلثة أيام من كل شهر وصوم عاشوراء ~~فنسخ بصيام شهر رمضان «5» (فمن كان منكم مريضا) لم يقدر على الصوم (أو على ~~سفر) أي عازما عليه فلم يصم رمضان (فعدة) أي فعليه صيام أيام عدد أيام فطره ~~قضاء (من أيام أخر) وهو صفة ل «عدة» وهي بمعنى المعدودة، وإنما قالها ~~بالتنكير ولم يقل فعدتها بالإضافة لما علم من الحكم أنه لا يؤثر عدد على ~~عددها، فاكتفي بالتنكير عن التعريف بالإضافة، أي صيام أيام من أيام غير ~~أيام مرضه وسفره كيف شاء بالتواتر وبالتفريق «6»، و«أخر» لا ينصرف للوصف ~~والعدل التقديري (وعلى الذين يطيقونه) من أطاق فلان إذا زال طاقته، والهمزة ~~للسلب، أي لا يقدرون على الصوم وهم الذين قدروا عليه في حال الشباب، ثم ~~عجزوا عنه في حال الكبر (فدية طعام مسكين) أي أن يفتدوا بدفعهم لكل مسكين ~~مقدار نصف صاع من حنطة عن كل يوم عجزوا عنه أو صاع من غيره عند أبي حنيفة ~~رضي الله عنه PageV01P092 # ورطلا من طعام وثلث رطل عند الشافعي رضي الله عنه «1» وهو المد ويفطروا ~~ذلك اليوم، قرئ برفع «فدية» مع التنوين وأبدل «طعام» بالرفع منها أو هو خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هي طعام بمعنى الإطعام وبرفعها بدون التنوين لإضافتها ms0110 إلى ~~«طعام» كخاتم فضة، لأن الفدية يكون طعاما وغير طعام، وقرئ «مساكين» جمعا ~~بفتح النون ومفردا بجرها «2» (فمن تطوع خيرا) أي زاد على الواجب عليه أو ~~على مسكين واحد مكان كل يوم يفطره «3» (فهو) أي فالتطوع (خير له)، قوله ~~(وأن تصوموا) أي صيامكم وجهدكم طاقتكم في محل الرفع مبتدأ، خبره (خير لكم) ~~أيها المطيعون من الفدية وتطوع الخير والإفطار (إن كنتم تعلمون) [184] أن ~~ذلك خير لكم فصوموا، لأن فيه امتثال الفرض وكثرة الثواب. ### || [سورة البقرة (2): آية 185] # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185) # قوله (شهر رمضان) خبر مبتدأ محذوف وهو هي، أي الأيام المعدودات شهر رمضان ~~(الذي أنزل فيه القرآن) من اللوح المحفوظ جملة واحدة ليلة القدر إلى بيت ~~العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبرائيل نجوما في عشرين سنة، قيل: نزلت ~~التورية في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، والإنجيل في ثمان عشر منه والقرآن ~~في أربع وعشرين منه «4»، و«رمضان» مصدر من رمض إذا احترق وسمي به الشهر ~~لاحتراق الصائمين فيه من شدة الجوع والعطش، ولا ينصرف للتعريف والألف ~~والنون المزيدتين، قوله (هدى) نصب على الحال، أي هديا (للناس) إلى الحق ~~(وبينات) أي دلالات واضحات (من الهدى) أي مما يهدى به إلى الحق من الوحي ~~وكتبه السماوية (والفرقان) أي الفارق بين الهداية والضلالة والحق والباطل ~~من الحدود والأحكام بحيث لا يبقى للناس عذر لأن يقولوا لو لا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع إياك من قبل أن نذل ونخزي، وذكره يفيد المبالغة والتوكيد في ~~الهداية بعد ذكره أولا هدى للناس (فمن شهد منكم الشهر) أي من حضر منكم في ~~الشهر وهو مقيم صحيح (فليصمه) أي ليصم الشهر، فالضمير ظرف لا مفعول به (ومن ~~كان مريضا أو على سفر) فأفطر (فعدة) أي فعليه عدة ms0111 الأيام المعدودة التي ~~أفطرها (من أيام أخر) يقضيه بعد ذلك، وإنما أعاد هذا الشرط ليعلم أن هذا ~~الحكم ثابت في الناسخ كما كان ثابتا في المنسوخ الذي هو التورية والإنجيل، ~~واختلف في المرض المبيح للإفطار، بعضهم يرى الفطر المطلق المرض حتى يراه ~~لوجع السن أو الإصبع، وبعضهم أباحه بالمرض الذي يجوز معه الصلوة قاعدا أو ~~يخاف أن يزيد الصوم في مرضه، وبعضهم قال: إذا أجهده المرض «5» أفطر وإلا ~~فهو كالصحيح وهو مروي عن الشافعي «6»، واختلف في السفر، منهم من يجوز الفطر ~~في السفر ومنهم من لم يجوزه، بل فرضه فيه حتى يوجب القضاء على من صام في ~~السفر وهو القول القديم للشافعي، ومنهم من يفضل الفطر في السفر، وبعضهم ~~يفضل الصوم فيه وهو قوله الجديد «7»، والسفر المبيح للفطر ستة عشر فرسخا ~~يقصر فيه الصلوة عند الشافعي، ومسيرة ثلثة أيام وليالها عند أبي حنيفة رضي ~~الله عنه «8» (يريد الله بكم اليسر) أي السهولة في الإفطار بالسفر والمرض ~~(ولا يريد بكم العسر) أي المشقة بالصوم في المرض وفي السفر، PageV01P093 # قوله (ولتكملوا العدة) بالتشديد والتخفيف «1» عطف على تعليل لمحذوف «2»، ~~أي شرع لكم ما ذكر من الأحكام لتعلموه ولتتمموا «3» عدد أيام الشهر لقوله ~~عليه السلام: «الشهر بضع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى ~~تروه، فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلثين» «4» أو المراد لتكملوا عدد أيام ~~الشهر بقضاء إفطاركم بالمرض أو بالسفر (ولتكبروا الله) أي تعظموه حامدين ~~(على ما هداكم) إليه من الصوم وهو علة تعليمه إياكم كيفية القضاء والخروج ~~عن عهدة الفطر، وقيل: التكبير ليلة الفطر «5» أو «6» هو التكبير عند ~~الإهلال «7»، وقيل: هو التكبير يوم الفطر «8» (ولعلكم تشكرون) [185] الله ~~على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر فهو تعليل لأجل الترخيص ~~والتيسير. ### || [سورة البقرة (2): آية 186] # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186) # قوله (وإذا سألك عبادي) نزل حين سأل بعض أصحاب النبي عليه السلام عنه ~~أقريب ربنا فنناجيه أم ms0112 بعيد فنناديه «9»، فقال تعالى إيماء إلى سرعة إجابة ~~الدعاء منهم إذا سألك عبادي (عني فإني قريب) أي فقل لهم إني قريب علما ~~وإجابة كمن قرب مكانه فاذا دعى أسرعت تلبيته (أجيب) أي أسمع للإجابة (دعوة ~~الداع إذا دعان) أي في أي وقت يدعوني، قرئ بالياء فيهما وبحذفهما «10» ~~(فليستجيبوا لي) أي ليجيبوني إذا دعوتم «11» إلى الإيمان والطاعة كما أني ~~أجيبهم إذا دعوني بحوائجهم (وليؤمنوا بي) أي ليصدقوا بتوحيدي (لعلهم ~~يرشدون) [186] إلى الهدى من الضلالة. ### || [سورة البقرة (2): آية 187] # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187) # قوله (أحل لكم) نزل حين واقع عمر رضي الله عنه أهله في رمضان بعد صلوة ~~العشاء الأخيرة «12» بعد النوم وكان الأكل والشرب والجماع حراما في رمضان ~~بعد النوم في ابتداء الإسلام، فلما اغتسل لام نفسه وبكى، فجاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه مما فعل، فقال عليه السلام: «ما كنت ~~جديرا بذلك يا عمر»، فرجع مغتما، فقام رجال فاعترفوا بما صنعوا بعد العشاء ~~فجاء بشارة الإباحة بقوله «أحل» «13»، أي أبيح لكم (ليلة الصيام الرفث) أي ~~الجماع أو هو كل ما يراد من النساء كالغمز والتقبيل (إلى نسائكم) وعدي ~~الرفث هنا ب «إلى»، PageV01P094 # وإن كان الاستعمال بال «باء» يقال «1» رفثت «2» بالمرأة لتضمنه معنى ~~الإفضاء، قوله (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) استئناف كالبيان لسبب الإحلال، ~~واللباس اسم كل ما يستر الشيء، فكأن كل واحد منهما ستر لصاحبه عما لا يحل ~~أو كل واحد منهما كالثوب يشمل على صاحبه بالمخالطة والمعانقة عند النوم، ~~فيقل منهما الصبر والاجتناب فلذلك رخص في المباشرة (علم الله أنكم كنتم ~~تختانون) أي تخونون ms0113 (أنفسكم) وتظلمون بمباشرتهن في غير وقت المباشرة (فتاب ~~عليكم) أي تجاوز عنكم إذ تبتم من عملكم الحرام (وعفا عنكم) أي محا ذنوبكم ~~فلم يعاقبكم بفعلكم (فالآن باشروهن) أي جامعوهن (وابتغوا ما كتب الله لكم) ~~أي اطلبوا ما قضى الله وحكم لكم في اللوح المحفوظ من الولد لا مجرد قضاء ~~الشهوة أو اطلبوا منهن ما أبيح لكم وأمرتم به، قوله (وكلوا واشربوا) أي ~~ليالي الصيام (حتى يتبين) أي يستبين ويظهر (لكم الخيط الأبيض) وهو أول ما ~~يظهر من بياض النهار كالخيط الممدود (من الخيط الأسود) وهو ما يمتد من سواد ~~الليل مع بياض النهار، وشبه بياض النهار وسواد الليل بخيطين، هما أبيض ~~وأسود لامتدادهما، نزل رخصة للمسلمين في ذلك، لأن الحكم كان في ابتداء ~~الإسلام حرمة الأكل والشرب في صيام رمضان بعد النوم إلى الليلة القابلة، ~~روي عن عدي ابن حاتم أنه قال: أخذت خيطين فجعلت أنظر إليهما فلم يتبين ~~الأسود من الأبيض ما لم يسفر الصبح، فأتيت رسول الله، فأخبرته بذلك فتبسم ~~فقال: «إنك لعريض القفا إنما هو سواد الليل وبياض النهار» فنزل قوله «3» ~~(من الفجر) فارتفع الاشتباه وهو بيان للخيط الأبيض من قبيل الاكتفاء به عن ~~بيان «4» الخيط الأسود، ويجوز أن يكون «من» للتبعيض، لأنه بعض الفجر، قيل: ~~أكثر العلماء على جواز تأخير البيان بعد ورود المجهول ليستفيد منه المخاطب ~~وجوب الخطاب «5»، ويعزم على فعله إذا استبان له وبعضهم لم يجوز تأخير ~~البيان لما فيه تحير العباد في العمل به وهو لا يليق بالحكيم، وطعن في هذه ~~الرواية وأبطلها قوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أي إلى أوله وهو الغروب، ~~قيل: فيه دليل على جواز النية بالنهار لرمضان إذ الإتمام بالنية في الصوم ~~وهو في النهار وعلى جواز ترك الغسل إلى طلوع الفجر وعلى نفي الوصال ~~للمخاطبين بالإتمام «6»، قوله (ولا تباشروهن) أي لا تجامعوهن (وأنتم ~~عاكفون) أي مقيمون بنية الاعتكاف (في المساجد) قيل: يجوز الاعتكاف في جميع ~~المساجد لظاهر الآية «7»، وقيل: لا يجوز إلا في مسجد جامع، والعامة على ms0114 أنه ~~في مسجد جماعة «8»، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يجوز في غير المسجد، ~~وشرطه الصوم عند أبي حنيفة رضي الله عنه دون الشافعي، والمعنى: # أن الجماع مفسدة للاعتكاف في مدته ليلا ونهارا، نزل فيمن كان يعتكف في ~~المسجد بعد ترخيص الجماع للمسلمين في ليلة الصيام فاذا عرضت له حاجة إلى ~~امرأته خرج بالليل إليها «9» فجامعها ثم اغتسل فرجع إلى المسجد فنهى الله ~~عن ذلك فحرم في مدة الاعتكاف ثم قال (تلك حدود الله) أي الأحكام المذكورة ~~أو المحرمات موانع الله والحد المنع، ومنه الحديد، لأنه يمنع ويمتنع به، ~~ومنه حد الدار، لأنه يمنع من دخول الغير فيها، والفاء في جواب الشرط ~~المحذوف في (فلا تقربوها) أي أن تنتهوا فلا تقربوا الحدود، وفيه مبالغة حيث ~~نهى عن قرب الحدود ولم يقل فلا تعتدوها كما قال «10» في آية أخرى «11»، ~~لأنه نهي عن قرب الحد الذي هو الحاجز بين طرفي الحق والباطل لئلا يداني ~~الباطل فضلا عن «12» أن يتخطاه كما قال عليه السلام: «إن لكل ملك حمى وحمى ~~الله محامرمه فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» «13» (كذلك) أي مثل ذلك ~~البيان (يبين الله آياته للناس) من PageV01P095 # أمر الصيام في الصحة والمرض والمباشرة بالنساء والاعتكاف (لعلهم يتقون) ~~[187] أي يخافون الله فيتبعون ما أمرهم وينتهون عما نهاهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 188] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) # قوله (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) نزل في رجلين تخاصما في أرض ~~بينهما، فأراد أحدهما أن يحلف على أرض أخيه بالكذب فقال النبي: «إنكم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه وأرى أنه ~~من حقه فانما أقضي له بقطعة من النار» «1»، فصارت الآية عامة لجميع الناس، ~~قوله «بينكم» حال، أي لا يأكل بعضكم أموال بعض كائنة بينكم بوجه حرمه الشرع ~~كالرشوة والغصب والحيلة (وتدلوا بها) جزم ب «لا» مقدر عطف على «تأكلوا»، أي ~~ولا تلقوا بأموال «2» الرشوة ونحوها (إلى ms0115 الحكام) أي أمراء الظلم وقضاة ~~السوء وأنتم تعلمون أنهم ظلمة، ثم علل فعلهم بقوله (لتأكلوا فريقا) أي ~~طائفة (من أموال الناس بالإثم) أي بالجور واليمين الكاذبة وشهادة الزور ~~(وأنتم تعلمون) [188] أنكم تأخذونها بالباطل، لأن قضاء الحاكم بالباطل لا ~~يحل حراما كما فهم من الخبر. ### || [سورة البقرة (2): آية 189] # يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189) # قوله (يسئلونك عن الأهلة) نزل حين قال ثعلبة بن غنم ومعاذ بن جبل ~~الأنصاريان «3» يا رسول الله ما بال الهلال يبدو «4» دقيقا مثل الخيط ثم ~~يزيد «5» حتى يمتلئ «6» نورا ثم ينقص ويعود «7» دقيقا كما بدأ، والأهلة جمع ~~هلال وهو الصوت، سمي به لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته (قل) يا محمد ~~في بيان سره «8» (هي) أي الأهلة (مواقيت) أي معالم يعرف بها (للناس) أوقات ~~معاملتهم من الزراعة والتجارة وحل ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم، قوله ~~(والحج) عطف على «الناس»، أي أوقات الحج والعمرة، والحج بفتح الحاء مصدر ~~وبالكسر اسم له، قوله (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) نزل لرفع أمر ~~الجاهلية في أول الإسلام، لأن الناس من الأنصار كانوا إذا أحرم رجل منهم لا ~~يدخل البيت في أشهر الحج من بابه وكان يدخله من خلفه، فان كان من أهل المدر ~~نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، وإن كان أهل الوبر يدخل من خلف ~~الخيمة ويعدون ذلك برا «9»، فقال تعالى «ليس البر»، أي لا الإحسان والتقوى ~~بأن تجيؤا البيوت من خلفها إذا أحرمتم (ولكن البر) بر (من اتقى) أي خاف ~~الله واتبع أمره ولا يدخل من ظهور البيت (وأتوا البيوت) أي دخلوها محرمين ~~ومحلين (من أبوابها واتقوا الله) أي اخشوه ولا تعصوه (لعلكم تفلحون) [189] ~~أي لكي تنجوا من عقوبته. ### || [سورة البقرة (2): آية 190] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) # قوله (وقاتلوا) أول ما نزل في أمر القتال لرفع ms0116 الجناح عن المسلمين «10»، ~~وذلك عند نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالحديبية، موضع في ~~قرب مكة، فيه بئر اسمها حديبية، ثم سمي ذلك الموضع بها للعمرة، فصده ~~المشركون عن البيت، فأقام فيها شهرا وصالحه المشركون على أن يرجع من عامه ~~ذلك «11»، ويأتي مكة في العام المقبل ويعتمر ثلثة أيام وعلى أن لا يكون ~~بينهم قتال إلى عشر سنين فرجع إلى المدينة فخرج من العام الثاني PageV01P096 # لقضاء العمرة في أشهر الحج فكره أصحاب رسول الله القتال مع المشركين في ~~الشهر الحرام لإمكان نقض العهد منهم «1»، فأطلق عليهم القتال فيه بقوله ~~تعالى «قاتلوا»، أي جاهدوا لإعزاز الدين (في سبيل الله) أي في طاعته (الذين ~~يقاتلونكم) في الشهر الحرام (ولا تعتدوا) أي لا تنقضوا العهد ببدء القتال ~~في الشهر الحرام أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان ~~والمعاهدين (إن الله لا يحب المعتدين) [190] أي لا يرضي فعل المتجاوزين من ~~الحلال إلى الحرام وهو الإبتداء بالظلم. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 191 الى 192] # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) # (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم والشهر الحرام ~~ان نقضوا عهدكم (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) أي من مكة، لأنهم أخرجوا ~~المسلمين أولا منها، وأخرج النبي عليه السلام ثانيا منها من لم يؤمن به ~~منهم يوم الفتح، وكان المشركون يستعظمون القتال في الحرم ويعيرون به ~~المسلمين فنزل قوله «2» (والفتنة) أي الشرك بالله (أشد) أي أعظم عند الله ~~(من القتل) الذي يحل بهم منكم في الحرم، وقيل: الفتنة عذاب الآخرة «3» (ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام) أي في الحرم (حتى يقاتلوكم فيه) أي حتى يبدؤكم ~~بالقتال (فإن قاتلوكم) أي فان بدؤوكم بالقتال (فاقتلوهم) أي فلا تبالوا ~~بقتالهم، قرئ في الثلاثة بألف وبغير ألف «4» (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء ~~(جزاء الكافرين) [191] أي قتلهم في الحرم وغيره (فإن ms0117 انتهوا) أي عن الشرك ~~والقتال (فإن الله غفور) لمن تاب عن الذنوب (رحيم) [192] لمن أطاعه من عباده. ### || [سورة البقرة (2): آية 193] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) # (وقاتلوهم) أي المشركين (حتى لا تكون فتنة) أي شرك و«كان» تامة، و«حتى» ~~بمعنى إلى أن أو كي (ويكون الدين) أي الإسلام والعبادة (لله) وحده ولا يعبد ~~غيره فلا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل (فإن انتهوا) عن الشرك ~~وقتالكم (فلا عدوان) أي لا ظلم، يعني لا تظلموا (إلا على الظالمين) [193] ~~أي إلا الذين لا ينتهون عن الظلم، وسمي جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة. ### || [سورة البقرة (2): آية 194] # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (194) # قوله (الشهر الحرام بالشهر الحرام) أي الشهر المحرم يقابل بالشهر المحرم ~~في هتك الحرمة، نزل حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام ~~الحديبية إلى مكة للعمرة فصدهم المشركون عن البيت في ذي القعدة سنة ست، ثم ~~رجع في العام الثاني مع أصحابه، فدخلوا مكة، فطافوا البيت ونحروا الهدى ~~وأقاموا فيها ثلثة أيام في ذي القعدة أيضا سنة سبع «5»، فقال تعالى إذا ~~قاتلوكم في الشهر الحرام بهتك حرمته فافعلوا بهم بهتك حرمة شهركم كما فعلوا ~~بكم بهتك حرمته عليكم، ولا تبالوا من كراهة القتال فيه، لأن جزاء فعلهم ~~فيكون هذا الشهر مقابلا بذلك الشهر (والحرمات قصاص) مصدر بمعنى المساواة، ~~أي كل حرمة يجري فيها PageV01P097 # القصاص من الحرمات «1» إذا هتكت اقتص منها بمثلها، يعني قتالكم في الشهر ~~الحرام الذي حرم القتال «2» على المؤمنين يكون بقتالهم قصاصا، وأكد ذلك ~~بقوله (فمن اعتدى عليكم) أي تجاوز بقتالكم في الشهر الحرام (فاعتدوا) أي ~~تجاوزوا (عليه بمثل ما اعتدى عليكم) أي بأن تقاتلوه فيه بمثل ما قاتلكم، ~~وسمي الثاني اعتداء لازدواج الكلام (واتقوا الله) أي اخشوه إذا نصرتم من ~~أخذ أكثر من حقكم ممن ظلمكم (واعلموا أن الله مع ms0118 المتقين) [194] عن ~~الاعتداء بالمعاونة على المعتدين. ### || [سورة البقرة (2): آية 195] # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) # ونزل حين أمر الناس بالخروج إلى الجهاد فقام بعض من حاضري المدينة وقالوا ~~بماذا نتجهز في سبيل الله فو الله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد قوله «3» ~~(وأنفقوا) أي تصدقوا يا أهل الميسرة (في سبيل الله) أي في طاعته ومنها ~~الجهاد، وقيل: الآية في حق أهل البخل حيث قالوا لو أنفقنا أموالنا صرنا ~~فقراء إلى الناس «4» (ولا تلقوا بأيديكم) أي لا تطرحوا أنفسكم وعبر بالأيدي ~~عن الأنفس، والباء مزيدة (إلى التهلكة) أي الهلاك بالبخل وترك الجهاد، لأنه ~~سببه، قال عليه السلام: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة ~~من النفاق» «5»، وقيل: # «التهلكة هي القنوط من الرحمة عند إصابة الذنب» «6» (وأحسنوا) بالله الظن ~~فيما أنفقتم أنه يخلف عليكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة أو أحسنوا الإنفاق ~~في الغزو ومن غير إسراف ولا تقتير (إن الله يحب المحسنين) [195] فيما ~~يفعلون من الخير. ### || [سورة البقرة (2): آية 196] # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) # قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) نزل نهيا عما لا يستحل فيهما، لأن ~~المشركين كانوا يقولون في التلبية لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~يملك «7»، فقال تعالى وأتموهما، أي لا تخلطوا بهما شيئا آخر، وقيل: # إتمامهما بأن يكون النفقة من الحلال وبالانتهاء عما نهيتم عنه وبعدم ~~شوبهما بشيء من التجارة «8»، وقيل: # إتمامهما باحرامك بهما من دويرة أهلك أو باتمام مناسكهما وسننهما ~~بالإحرام من المواقيت «9»، ووجوب ms0119 الحج إجماعي على المستطيع، والعمرة واجبة ~~عند الشافعي رضي الله عنه، وسنة عند أبي حنيفة رحمه الله. # والحج ثلثة: إفراد، وهو أن يحج الرجل ثم يعتمر بعد فراغه، وهو الأفضل عند ~~الشافعي، وتمتع وهو أن يعتمر في أشهر الحج وبعد الفراغ منها يحرم بالحج من ~~مكة فيحج في هذا العام، وقران، وهو أن يحرم بحج وعمرة معا أو يحرم بعمرة ثم ~~يدخل عليها الحج قبل أن يطول وهو الأفضل عند أبي حنيفة (فإن أحصرتم) أي إن ~~«10» حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم وهو تمرض أو عدو أو غيرهما مما يحول بين ~~الرجل والحج (فما استيسر) PageV01P098 # أي فعليكم ما تيسر (من الهدي) وهو مصدر في الأصل، والمراد كل ما يهدى إلى ~~البيت تقربا إلى الله من النعم، أيسره شاة وأوسطه بقرة وأعلاه بدنة، فيتحلل ~~المحرم بذبح الهدي وحلق الرأس في مكان أحصر عند أكثر الفقهاء كما فعل النبي ~~عليه السلام يوم الحديبية، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يبعث هديه إلى ~~الحرم بمكة لينحر فيه ويقيم في مكان أحصر على إحرامه ويواعد يوما من يذبحه ~~عنه فيه ثم يحل من إحرامه في يوم الذبح إذا علم أنه قد ذبح ويرجع إلى أهله، ~~ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك، وما «1» نحر النبي عليه السلام فيه من المحصر ~~كان طرف الحديبية إلى أسفل مكة وهو من الحرم، فالمعنى: أنكم إذا منعتم عن ~~حج البيت فعليكم من الهدي ما تسهل لكم (ولا تحلقوا رؤسكم) في حال الإحرام ~~(حتى يبلغ الهدي محله) أي منحره الذي يذبح فيه، من الحلول وهو النزول، يعني ~~يثبت على إحرامه من غير حلق حتى يذبح هديه إذا لم يضطر إلى الحلق قبله، ثم ~~صار هذا الحكم عاما لجميع الحاج من المفرد والقارن والمتمتع والمعتمر، يعني ~~لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يحصر، يعني في منا، ~~ونزل في شأن كعب بن عجرة حين اشتكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هوام رأسه ms0120 في حال الإحرام قوله «2» (فمن كان منكم مريضا) أي من كان في جسده ~~مرض (أو به أذى من رأسه) كالصداع والجراحة «3» والقمل (ففدية) أي فعليه إذا ~~حلق رأسه قبل وقته وهو يوم النحر للضرورة فدية (من صيام) أي من صيام ثلثة ~~أيام (أو صدقة) يطعمها لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع (أو نسك) مصدر بمعنى ~~الذبيحة، أدناها شاة وأوسطها بقرة وأعلاها بدنة، و«أو» هنا للتخيير، أي هو ~~مخير بين الذبح والصيام والتصدق (فإذا أمنتم) من خوف العدو ومن المرض وكنتم ~~في حال سعة لا في حال إحصار (فمن تمتع) أي استمتع وانتفع بالتقرب (بالعمرة) ~~إلى الله (إلى الحج) أي إلى وقت الحج، يعني قبل انتفاعه بتقربه إليه بالحج، ~~وقيل: من انتفع إذا حل من عمرته باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم ~~بالحج «4» (فما استيسر) أي فعليه ما تيسر (من الهدي) أي من الشاة وغيرها من ~~النعم يذبحها يوم النحر فلو ذبحه قبله بعد ما أحرم بالحج منعه بعضهم كدم ~~الأضحية، وجوزه بعضهم كدم الجنايات (فمن لم يجد) أي الهدي (فصيام) أي فعليه ~~صيام (ثلاثة أيام في الحج) أي في وقته وأشهره ويكون آخر الأيام يوم عرفة ~~فيصوم يوما قبل التروية ويوم التروية، ولا يجوز صوم الثلثة في يوم النحر ~~وفي أيام التشريق، وقيل: يجوز في أيام التشريق «5» (وسبعة) أي وصيام سبعة ~~أيام (إذا رجعتم) إلى أهليكم وبلدكم فلو صامها قبل الرجوع لم يجز عند ~~الأكثر ومنهم الشافعي، وقيل: يجوز صيامها بعد الفراغ من أعمال الحج وبه قال ~~أبو حنيفة رضي الله، وقال: هو المراد من الرجوع في الآية، قوله (تلك) أي ~~صيام ثلثة وسبعة (عشرة كاملة) في البدل من الهدي أو في الثواب، وقيل: هذا ~~الكلام لنفي توهم أن الواو في «وسبعة» بمعنى أو، فلا يجب صيام جميع العشرة ~~إذ الواو قد يكون بمعنى أو، وأو يكون للتخيير «6»، وقيل: # هو خبر صورة بمعنى الأمر «7»، أي فأكملوها ولا تنقصوها (ذلك) أي الهدي ~~الميسر أو الصيام عند الشافعي (لمن لم ms0121 يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي ~~المقيمين «8» في الحرم، وقيل «9»: لفظ «ذلك» إشارة إلى التمتع «10»، أي ليس ~~لحاضري المسجد الحرام متعة ولا قران، وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، فمن ~~تمتع أو قرن منهم فعليه دم جناية «11» لا يأكل منه وحاضر والمسجد الحرام ~~عند أبي حنيفة أهل المواقيت فما دونها، وعند الشافعي من كان وطنه على أقل ~~من مسافة القصر من مكة (واتقوا الله) في أداء ما أمركم به ونهاكم عنه ~~(واعلموا أن الله PageV01P099 # شديد العقاب) [196] إن خالفتم أمره تعالى ونهيه. ### || [سورة البقرة (2): آية 197] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) # قوله (الحج) أي وقت الحج، مبتدأ، خبره (أشهر معلومات) وهي شوال وذو ~~القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر عند الشافعي وهما وعشر من ذي الحجة ~~عند أبي حنيفة، وقال مالك: جميع ذي الحجة مع الشهرين «1»، فمن قال تسع أراد ~~الأيام، ومن قال عشر أراد الليالي، وفائدة تعيين الحج بهذه الأشهر أن يعلم ~~أن شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، والإحرم بالحج لا ينعقد أيضا عند ~~الشافعي في غيرها وعند أبي حنيفة يجوز ويكره، وإنما جمع الأشهر على القولين ~~لإرادة الأوقات أو لأن أقل الجمع اثنان أو أخذ بعض الشهر بمنزلة كله (فمن ~~فرض) أي أوجب على نفسه (فيهن الحج) بالإحرام والتلبية (فلا رفث) أي الجماع، ~~لأنه يفسد الحج أو الفحش من القول (ولا فسوق) أي الخروج من حدود الشرع ~~بالمعصية (ولا جدال) أي المخاصمة مع الرفقاء، أي الخلاف بينهم (في الحج) ~~بأن يقول البعض الحج اليوم والآخر يقول الحج غدا أو بأن يقول حجي أبر من ~~حجك أو الخلاف مخالفة قريش بالوقوف المشعر الحرام سائر العرب، فانهم كانوا ~~يقفون بعرفة فرفع «2» الله تلك المخالفة، وإنما أمر باجتناب ذلك كله في ~~الحج مع أنه واجب الاجتناب في الحج وغيره، لأنه في الحج ms0122 أشد استقباحا، قرئ ~~الأولان بالرفع والتنوين إخبارا بمعنى النهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا، ~~وبنصبهما بلا تنوين ونصب «جدال» نفيا «3»، واستدل على أن المنهي عنه في ~~الآية هو الرفث والفسوق لا الجدال بقوله عليه السلام: # «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» «4»، قوله (وما تفعلوا ~~من خير) أي من إحسان وطاعة، حث على الخير عقيب النهي عن الشر، يعني بأن ~~يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن ومكان الفسوق التقوى ومكان الجدال الوفاق ~~(يعلمه الله) أي يقبله فياجزيكم به، قوله (وتزودوا) نزل فيمن كان يحج بلا ~~زاد ويقول أنا متوكل وأنا أحج بيت الله أفلا تطمعونني فيكون كلا على الناس ~~«5»، أي تزودوا في سفركم للحج والعمرة ما يفيكم «6» من السؤال واتقوا ~~الاستطعام من الناس (فإن خير الزاد التقوى) من سؤال الزاد أو ما يفيكم من ~~السؤال وغيره من الطعام أو اجعلوا التقوى زاد الآخرة، والطعام زاد الحج ~~(واتقون) أي خافوا عقابي (يا أولي الألباب) [197] الذين قضيتهم تقوى الله ~~ومن لم يتقه منهم فكأنه لا لب له. ### || [سورة البقرة (2): آية 198] # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله ~~عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين (198) # و # نزل رخصة حين كان المسلمون يتأثمون من التجارة أيام الحج بعد نزول قوله ~~تعالى «وأتموا الحج والعمرة لله» «7» على تفسير أن لا يشوبهما شيء من ~~التجارة «8» (ليس عليكم جناح) أي إثم في موسم الحج (أن تبتغوا) أي لأن ~~تطلبوا أو في أن تقصدوا (فضلا) أي رزقا وهو الربح في التجارة (من ربكم) في ~~أيام الحج (فإذا أفضتم) أي رجعتم أنفسكم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه ~~بكثرة، يعني رجعتم (من عرفات) أي من الموقوف بها «9» PageV01P100 # بعد غروب الشمس، وهي علم للموقف، سمي بالجمع، منصرف، ولا اعتبار للتاء في ~~اللفظ، لأنها علامة الجمع مع الألف قبلها، ولا يجوز تقدير التاء للتأنيث ~~كما في زينب، لأن هذه التاء مانعة من التقدير لاختصاص الصيغة بجمع ms0123 المؤنث، ~~وقيل: التنوين فيها ليس للصرف لكونه نظير النون في مسلمين «1»، وسمي الموقف ~~بها لاعتراف الناس فيه بالذنوب أو لأن آدم عليه السلام لما رأى حواء فيه ~~عرفها، قيل: فيه دليل على أن الوقوف بعرفة واجب، لأن الإفاضة لا يكون إلا ~~بعد الوقوف بها «2» ولأن النبي عليه السلام قال: «الحج عرفة» «3»، فمن أدرك ~~عرفة فقد أدرك الحج، والمعنى: أنكم إذا وقفتم بعرفات ثم رجعتم من الوقوف ~~زائرين البيت بمكة (فاذكروا الله) بالتلبية والتهليل والتكبير والدعاء (عند ~~المشعر الحرام) أي بالقرب منه والمشعر المعلم، أي معلم لعباد الله ووصف ~~بالحرام لحرمته «4»، والمراد به المزدلفة وجميعها موقف إلا المحسر، وسمي ~~بالمزدلفة لأن آدم اجتمع فيها حواء ودنا منها وقد تسمى جمعا لذلك أو لأن ~~فيها يجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء في وقت واحد (واذكروه كما هداكم) أي ~~كما أرشدكم لدينه وعلمكم كيف تذكرونه فلا تعدلوا عنه في إتيان مناسك حجه ~~(وإن كنتم من قبله) أي من قبل الهدي (لمن الضالين) [198] أي الجاهلين ~~بعادته وذكره لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، و «إن» هي المخففة من ~~الثقيلة، واللام هي الفارقة. ### || [سورة البقرة (2): آية 199] # ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) # ونزل حين كان قريش وأتباعها يقفون بالمزدلفة ولا يخرجون من الحرم إلى ~~عرفات ترفعا على الناس قائلين: نحن أهل الله وسكان حرمه لئلا يساويهم في ~~الموقف والناس من أهل اليمن وغيرهم يقفون خارج الحرم بعرفات ويفيضون منها ~~فأمر الله لهم أن يقفوا حيث يقف الناس ويفيضوا من حيث يفيضون قوله «5» (ثم ~~أفيضوا) أي ارجعوا (من حيث أفاض الناس) أي من عرفات ولا تكن إفاضتكم من ~~المزدلفة، و «ثم» لإظهار بعد ما بين الإفاضتين الصواب والخطأ، وأراد ب ~~«الناس» جميعهم إلا الحمس وهم قريش سميت به لشجاعتهم (واستغفروا الله) من ~~مخالفتكم في الوقوف ونحوه (إن الله غفور) لمن تاب عن ذنبه (رحيم) [199] ~~بإثابته «6» في الجنة فأمر النبي عليه السلام أبا بكر رضي الله عنه أن يخرج ~~بالناس جميعا إلى عرفات ms0124 فيقف بها، روي: «ان الله يباهي ملائكته بأهل عرفات ~~ويقول انظروا إلى عبادي جاؤا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا أني غفرت لهم» «7». ### || [سورة البقرة (2): آية 200] # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) # قال تعالى (فإذا قضيتم مناسككم) أي إذا فرغتم من أداء أمور الحج (فاذكروا ~~الله) باللسان، يعني اذكروه بالتكبير والثناء عليه (كذكركم آباءكم) في ذلك ~~الموقف بمنى، أي بالغوا في ذكره بالكثرة كما تفعلون في ذكر آبائكم وكانت ~~العرب إذا فرغت من حجتها وقفت فيه فذكرت مفاخر آبائهم ثم يتفرقون، قوله (أو ~~أشد ذكرا) أي أكثر ذكرا في موضع الجر، عطف على «كم» في «ذكركم»، تقديره: أو ~~كذكر قوم أشد منكم ذكرا لآبائكم أو «أشد» نصب بمضمر، تقديره: أو اذكروه ~~ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم ثم أشار تعالى إلى اختلاف أغراض الناس بالدعاء ~~في الحج بقوله (فمن الناس من يقول) وهم المشركون (ربنا آتنا في الدنيا) أي ~~ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء ومالا ولم يسألوا التوبة والمغفرة ~~فقال تعالى (وما له في الآخرة من خلاق) [200] أي نصيب، PageV01P101 # لأن همه «1» مقصور على الدنيا. ### || [سورة البقرة (2): آية 201] # ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) # (ومنهم) أي من المؤمنين (من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة) أي التوبة ~~والمغفرة والعلم النافع والعمل الصالح (وفي الآخرة حسنة) أي الجنة، قيل: ~~«الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء» «2»، تأنيث الأحور، ~~وجمعه حور (وقنا) أي ادفع عنا (عذاب النار) [201] وقيل: المرأة السوء «3»، ~~وقيل: كل ما يبعد العبد عن الله «4»، لأنه سبب عذاب النار. ### || [سورة البقرة (2): آية 202] # أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) # (أولئك) أي الداعون بالحسنتين (لهم نصيب مما كسبوا) أي دعوا «5»، والدعاء ~~كسب، لأنه عمل من الأعمال المكتسبة لقوله «بما كسبت أيديكم» «6»، ثم حثهم ~~على أعمال الخير وحذرهم بالموت، لأن الجزاء والحساب انما يكون ms0125 بعد الموت ~~بقوله (والله سريع الحساب) [202] أي بادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، فانه ~~عن قريب يقيم القيامة ويحاسب العباد أو هو سريع الحفظ من غير غلط ونسيان ~~لعدم احتياجه إلى عقد يد أو وعي صدر أو فكر، بل حسابه «7» أسرع من لمح ~~البصر، وهذا يدل على كمال قدرته ووجوب الحذر منه، روي: # أنه تعالى يحاسب في قدر حلب شاة أو في لمحة «8». ### || [سورة البقرة (2): آية 203] # واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) # (واذكروا الله) أي بالتكبير عقيب الصلوات وعند رمي الجمرات (في أيام ~~معدودات) أي معروفات بالحصر، وهي أيام التشريق، يعني أيام منى، وأجري ~~التأنيث بالجمع على لفظ «أيام» «9»، والقياس أيام معدودة، وقابل الجمع ~~بالجمع مجازا إذ لا يقال يوم معدودة، وقيل: يجوز أن يراد باليوم الساعة ~~لاشتمال الزمان عليهما فيصح النعت بالمؤنث «10» والأيام المعلومات العشر من ~~ذي الحجة «11»، وقيل: هي أيام النحر «12»، فالتكبير مشروع للحاج وغيره عقيب ~~الصلوات في أيام التشريق وهو: الله أكبر ثلثا متوالية عند الشافعي، واثنين ~~عند غيره وتممامه: لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لقوله ~~عليه السلام: «كبروا دبر كل صلوة من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق» «13». # (فمن تعجل) أي طلب الخروج من منى (في يومين) أي في اليوم الثاني بعد يوم ~~النحر من أيام التشريق (فلا إثم عليه) بتعجيله وترك الرمي في اليوم الثالث ~~منها، لأنه رخص له ذلك، فعند أبي حنيفة رضي الله عنه يجوز الخروج فيه قبل ~~طلوع الفجر منه (ومن تأخر) عن الخروج حتى رمى في اليوم الثالث ثم يخرج إذا ~~فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعي والإمامين (فلا ~~إثم عليه) بترك الترخص، فالمعنى: أنهم مخيرون بين النفرين وإن كان التأخر ~~«14» أفضل لجواز التخيير بين الفاضل والأفضل، قيل: يجوز تقديم الرمي في PageV01P102 # اليوم الثالث على الزوال عند أبي حنيفة ولا يجوز عندهم «1»، قوله ms0126 (لمن ~~اتقى) خبر مبتدأ محذوف، أي جواز التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر ~~لمن يتقي المناهي بعد انصرافه من الحج وإنما «2» خصه به، لأنه هو المنتفع ~~به دون من سواه، ثم زاد في التحذير بقوله (واتقوا الله واعلموا أنكم إليه ~~تحشرون) [203] أي تجمعون فيجازيكم بأعمالكم، لأنهم كانوا إذا رجعوا من حجهم ~~تجترؤن على الله بالمعاصي فشدد في تحذيرهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 204] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) # قوله (ومن الناس من يعجبك قوله) نزل حين جاء أخنس بن شريق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة وكان حلو الكلام، حسن المنظر، فاجر السريرة، ~~وقال: إنما جئت أريد الإسلام وقال الله يعلم أني صادق وأحبك فأعجب النبي ~~عليه السلام كلامه، ثم خرج من عنده فمر بزرع ثقيف من المسلمين، فأحرقه ليلا ~~وأهلك مواشيهم، لأنه كان بينه وبينهم عداوة فأخبر الله تعالى عنه بقوله ومن ~~الناس من يسرك كلامه ويعظم في قلبك «3» (في الحياة الدنيا) أي ما يقول لك ~~في غرض المعيشة في الدنيا، لأن ما ادعى من محبتك إنما هو لطلب حظ من ~~الدنيا، فيتعلق «4» الجار والمجرور بقوله المذكور «5» (ويشهد الله على ما ~~في قلبه) أي يقول الله شاهد على محبتك والإسلام في قلبي، والواو للحال في ~~(وهو ألد الخصام) [204] أي أشد الخصومة والعداوة للمسلمين، ويجوز أن يكون ~~الخصام جمع خصم، أي ألد الخصوم خصومة. ### || [سورة البقرة (2): آية 205] # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد (205) # (وإذا تولى) أي أدبر عنك ورجع (سعى في الأرض) أي مضى فيها بعمل المعاصي ~~(ليفسد فيها) أي ليظهر الظلم بسفك دماء المسلمين (ويهلك الحرث والنسل) بحرق ~~الزروع «6» وعقر الدواب (والله لا يحب الفساد) [205] أي لا يرضى بعمل ~~المعاصي. ### || [سورة البقرة (2): آية 206] # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206) # (وإذا قيل له اتق الله) أي خف من الله في صنعك السوء (أخذته العزة) ms0127 أي ~~حملته حمية الجاهلية ملتبسة (بالإثم) الذي ينهى عنه، يعني ألزمته نخوته ~~وكبره وقوته ارتكاب الإثم لجاجا على رد قول الناصح والواعظ له، قيل: من ~~الذنوب التي لا يغفر أن يقال للرجل اتق الله، فيقول عليك حسبك أو «7» عليك ~~نفسك «8»، يقول الله (فحسبه جهنم) أي هي كافية له (ولبئس المهاد) [206] أي ~~الفراش والمقر، فصارت الآية عامة لجميع الناس من المنافقين. ### || [سورة البقرة (2): آية 207] # ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد (207) # (ومن الناس من يشري) أي يبيع (نفسه) نزل فيمن يبذلها في الجهاد أو في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يقتل «9»، وقيل: نزل في صهيب بن سنان ~~أكرهه المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا معه، فقال لهم أنا شيخ ~~كبير أن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فخلوني وما أنا عليه، ~~أي من الإسلام وخذوا مالي فقبلوا منه ماله إلا مقدار راحلته، وتوجه إلى ~~المدينة فلما دخلها لقيه أبو بكر رضي الله عنه PageV01P103 # فقال له ربح البيع يا صهيب فقال وما ذاك يا أبا بكر فأخبره بما نزل فيه ~~ففرح بذلك صهيب «1»، والشرى من الأضداد يستعمل في البيع والابتياع، ونصب ~~(ابتغاء مرضات الله) مفعول له، أي يشري نفسه لطلب رضوانه تعالى (والله رؤف) ~~أي كثير الرحمة (بالعباد) [207] لأنه كلفهم الجهاد لحصول الثواب لهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 208] # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين (208) # ونزل حين استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرؤا التورية ويعملوا ~~ببعض ما فيها «2» (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم) بكسر السين وفتحها ~~«3»، أي في الانقياد، والمراد الإسلام (كافة) حال من الضمير في «ادخلوا»، ~~أي اثبتوا جميعا على شرائع الإسلام ودين محمد ولا تخرجوا منها (ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان) أي آثاره وسننه بعد مجيء سنن الإسلام برسالة محمد عليه ~~السلام (إنه لكم عدو مبين) [208] أي ظاهر العداوة فلا تتبعوا طرقه التي ~~يدعوكم إليها لترجعوا «4» عن الصراط المستقيم. ### || [سورة ms0128 البقرة (2): آية 209] # فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) # (فإن زللتم) أي ملتم عن الإسلام وشرائعه (من بعد ما جاءتكم البينات) أي ~~الحجج الواضحات على أن ما دعاكم إليه محمد حق (فاعلموا أن الله عزيز حكيم) ~~[209] أي غالب بالنقمة لا ينتقم إلا بالحق. ### || [سورة البقرة (2): آية 210] # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الأمور (210) # ثم قال تعالى يا محمد (هل ينظرون) أي ما ينتظرون بترك الدخول في الإسلام ~~(إلا أن يأتيهم الله) أي بأسه وقضاؤه بالعذاب في الدنيا أو يوم القيامة (في ~~ظلل) جمع ظلة وهي ما أظل، وقوله (من الغمام) أي الغيم، صفة «ظلل»، قيل: فيه ~~إيذان بشدة العذاب، لأن الغمام مظنة الرحمة فاذا نزل منه العذاب كان أصعب ~~«5»، كأنه قال من حيث لم يحتسبوا، قوله (والملائكة) رفع، عطف على «الله»، ~~أي يأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم (وقضي الأمر) أي وفرغ من حسابهم أو أتم ~~أمر هلاكهم (وإلى الله ترجع الأمور) [210] معلوما ومجهولا وبالتاء والياء «6». ### || [سورة البقرة (2): آية 211] # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) # وثم أمر الله تعالى نبيه محمدا عليه السلام بأن يسأل اليهود تبكيتا بقوله ~~(سل بني إسرائيل كم آتيناهم) أي أعطيناهم، ف «كم» يحتمل كونها استفهامية ~~وخبرية، ومعنى الاستفهام فيها للتقرير، وتبينت بقوله (من آية بينة) أي ~~واضحة على نبوة موسى أو محمد عليهما السلام كانفلاق البحر لهم وإهلاك عدوهم ~~ونزول المن والسلوى عليهم أو شق القمر نصفين وإنطاق الحجر وغيرهما من ~~المعجزات (ومن يبدل) أي ومن يغير (نعمة الله) التي هي آيات الله الدالة على ~~صدق محمد ودينه (من بعد ما جاءته) أي من «7» بعد ما عرفها وصحت عنده (فإن ~~الله شديد العقاب) [211] لمن لم يشكر نعمته لاستحقاقه العقوبة بكفر النعمة. ### || [سورة البقرة (2): آية 212] # زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة ms0129 والله يرزق من يشاء بغير حساب (212) PageV01P104 # ونزل في شأن المنافقين أو المشركين «1» (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) ~~أي ما بسط لهم من الأموال التي هي متاع الحيوة الدنيا، والمزين هو الله بأن ~~خذلهم وأحبوها أو الشيطان بأن حسنها في أعينهم بوساوسه (ويسخرون من الذين ~~آمنوا) أي من فقراء المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار وصهيب وخبيب وبلال ~~(والذين اتقوا) من الشرك والنفاق وأطاعوا الله (فوقهم) في الجنة والحجة في ~~الدنيا وهؤلاء الكفار في النار (يوم القيامة) وفي هذه الآية إيذان بأن ~~الكافر لا يسعد بكثرة الدنيا عند الله، وإن المؤمن «2» لا يسعد عنده إلا ~~بالتقوى لذكره بعد ذكر الإيمان (والله يرزق من يشاء بغير حساب) [212] أي ~~يعطي رزقا كثيرا في الآخرة أو في الدنيا بحيث لا يعرف حسابه أو يرزق الكثير ~~في الدنيا، ولا يحاسب عليه في الآخرة أو يرزق من يشاء وليس أحد يحاسب منه ~~بما يرزقه، لأنه المالك المطلق وقيل: يرزقه بغير حسبانه «3»، أي من حيث لا يحتسب. ### || [سورة البقرة (2): آية 213] # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من ~~بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ~~من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) # (كان الناس أمة واحدة) فيه إيماء للمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين ~~اختلفوا في الحق من المشركين، وأهل الكتاب باخباره تعالى أن بني آدم كانوا ~~عند أخذ الميثاق عليهم مسلمين أو من آدم إلى نوح، أي كان الناس وهم عشرة ~~قرون على دين واحد وعلى ملة واحدة من الحق، ثم تفرقوا واختلفوا (فبعث الله ~~النبيين مبشرين) بالثواب لمن يؤمن ويطيع (ومنذرين) بالعقاب لمن يكفر ويعصي، ~~وهما حالان من النبيين (وأنزل معهم الكتاب) أي الكتب، يعني أنزل مع كل نبي ~~كتاب (بالحق) أي ملتبسا بالصدق، حال من الكتاب (ليحكم) أي الله أو النبي ~~الذي معه الكتاب أو الكتاب (بين ms0130 الناس فيما اختلفوا فيه) أي في دين الإسلام ~~(وما اختلف فيه) أي في الحق أو في الكتاب (إلا الذين أوتوه) أي أعطوا ~~الكتاب المنزل (من بعد ما جاءتهم البينات) أي الحجج الواضحات على صدق ~~الكتاب، و«من» متعلق ب «ما اختلف» (بغيا) أو حسدا وظلما (بينهم) أو بين ~~المختلفين بتكذيب بعض بعضا وكتمان صفة محمد وحكم الحق للحسد على حطام ~~الدنيا ورياستها وقلة الإنصاف منهم (فهدى) أي وفق (الله الذين آمنوا لما) ~~أي إلى الذي «4» (اختلفوا فيه من الحق) وهو بيان لما اختلفوا فيه، قوله ~~(بإذنه) متعلق ب «هدى»، أي بارادته ورحمته حتى أبصروا الحق بنور التوفيق من ~~الباطل (والله يهدي) أي يرشد (من يشاء) هدايته (إلى صراط مستقيم) [213] أي ~~إلى دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق. ### || [سورة البقرة (2): آية 214] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) # قوله (أم حسبتم) نزل لما أصاب المسلمين جهد في غزوة أحد «5» أو في حفر ~~الخندق «6»، «أم» فيه منقطعة والهمزة فيه لإنكار الحسبان، واستبعاده، أي ~~أظننتم (أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم) أي والحال لم يجئكم (مثل الذين خلوا) ~~أي صفة الذين مضوا (من قبلكم) من النبيين والأمم، وأصل «لما» لم، ضم إليها ~~ما ليفيد معنى التوقع، أي إتيان ذلك المثل متوقع منتظر لكم، والجملة الآتية ~~مبنية لحالهم ومثلهم، كأن قائلا يقول كيف كان مثلهم؟ فقيل: استئنافا «7» ~~(مستهم البأساء والضراء) أي أصابتهم الشدة والفقر أو البلاد والأمراض ~~(وزلزلوا) زلزالا شديدا، أي حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا إزعاجا شديدا لم ~~يبق لهم به صبر (حتى يقول الرسول) برفع PageV01P105 # «يقول» وأريد به الحال، وبنصب «يقول» «1» باضمار أن بعد «حتى» بمعنى إلى ~~أن يقول، والمعنى على المضي لا على الاستقبال، أي إلى غاية، قال الرسول ~~فيها (والذين آمنوا معه) استبطاء للنصر الموعود لهم لا شكا (متى نصر الله) ~~الموعود فأجيبوا، وقيل لهم (ألا إن نصر الله ms0131 قريب) [214] أي غير متأخر ~~عنكم، قيل: «هذا في كل نبي بعث إلى أمته، وأجهد فيه حتى قال: متى نصر ~~الله؟» «2» ووقع ذلك للرسول حين بلغ له ضجر شديد قبل فتح مكة فقال له في ~~يوم الأحزاب حيث أصاب أصحابه شدة ولم يبق لهم صبر حتى ضجوا وطلبوا النصرة، ~~فأرسل الله ريحا وجنودا وهزم الكفار بهما. ### || [سورة البقرة (2): آية 215] # يسئلونك ما ذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) # قوله (يسئلونك) نزل حين حث النبي عليه السلام على التصدق في سبيل الله ~~وسأل عمرو بن الجموح وكان ذا مال فقال: يا رسول الله! كم ننفق «3»؟ وما ذا ~~ننفق «4»؟ «5» فقال تعالى: يسألونك (ما ذا ينفقون) أي أي شيء يتصدقونه من ~~أموالهم (قل ما أنفقتم) أي ما تصدقتم (من خير) أي من مال (فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) وهذا الكلام جواب بما هو أهم ~~وهو بيان المصرف بكل مال حلال، لأن الصدقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، ~~قيل: نسخت الآية بآية الزكوة «6»، وقيل: يجوز حملها على النفل، فلا نسخ «7» ~~حينئذ، لأن المراد بها البر على هؤلاء المذكورين «8» (وما تفعلوا من خير) ~~إذا كان من المال الحلال، ف «من» للبيان (فإن الله به عليم) [215] فيجازيكم ~~به لا محالة. ### || [سورة البقرة (2): آية 216] # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) # قوله (كتب) أي فرض (عليكم القتال) أي الجهاد للكفار، نزل حين أمرهم الله ~~بالجهاد وكرهوا الخروج لمشقته «9»، والواو في قوله (وهو كره لكم) واو ~~الحال، أي القتال مكروه، يعني شاق عليكم (وعسى أن تكرهوا شيئا) أي الغزو ~~(وهو خير لكم) لأن فيه فتحا وغنيمة أو شهادة وجنة (وعسى أن تحبوا شيئا) وهو ~~الجلوس عن الغزو (وهو شر لكم) لأن فيه تسلط عدوكم عليكم وهلاككم (والله ~~يعلم) مصالحكم دينا ودنيا (وأنتم لا تعلمون) ms0132 [216] ما فيه صلاحكم لحبكم ~~القعود عن الغزو. ### || [سورة البقرة (2): آية 217] # يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (217) # قوله (يسئلونك عن الشهر الحرام) نزل حين بعث النبي عليه السلام عبد الله ~~بن جحش مع تسعة رهط في آخر جمادي الأخرى قبل بدر بشهرين «10» ليترصد إلى ~~عير قريش، فيها عبد الله بن الحضرمي وثلثة معه، فقتلوه ليلا وأسروا اثنين ~~وفلت واحد، فعيرهم المشركون، وقالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، وجاء عبد ~~الله بن PageV01P106 # جحش وأصحابه بالعير والأسيرين إلى النبي، وقالوا: يا رسول الله! فعلنا ~~هذا وما ندري أن تلك الليلة من جماذي الأخرى «1» أم كانت من رجب فوقف النبي ~~عليه السلام العير والأسيرين وامتنع عن أخذها، فقال تعالى «يسئلونك عن ~~القتال في الشهر الحرام» «2»، قوله (قتال فيه) أبدل من الشهر بدل اشتمال ~~لاشتمال الشهر على القتال (قل قتال فيه) أي في الشهر الحرام (كبير) أي إثم ~~عظيم عند الله فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم البعير والأسيرين إلى ~~قريش، قوله (وصد عن سبيل الله) مبتدأ وهو مع خبره الجملة عطف على جملة ~~«قتال فيه كبير»، أي قل يا محمد للكفار تعييرا لهم منع الناس عن الإيمان ~~بالله (وكفر به) عطف على «صد»، أي والشرك بالله، وتعطف (والمسجد الحرام) ~~بالجر على سبيل الله، أي ومنع المسلمين عن دخول مكة وزيارة بيت الله ~~(وإخراج أهله) مبتدأ، أي أهل المسجد، يعني النبي ومن آمن به (منه) أي من ~~المسجد عطف على «صد»، وخبر المبتدأ (أكبر) أي أعظم إثما (عند الله والفتنة) ~~أي الشرك بالله (أكبر من القتل) أي من قتل بن الحضرمي ومن القتال في الشهر ~~الحرام، المعنى: قل للمشركين توبيخا لهم: أفعالكم من ms0133 الصد والكفر وإخراج ~~المسلمين من مكة أكبر إثما مما فعل بعض المسلمين من القتل، والقتال في ~~الشهر الحرام، قوله (ولا يزالون) أي الكفار (يقاتلونكم) إخبار عن دوام ~~عداوة الكفار للمسلمين، أي هم لا ينفكون عن قتالكم أيها المؤمنون (حتى ~~يردوكم عن دينكم) أي يصرفوكم عن دين الإسلام إلى دينهم الكفر (إن استطاعوا) ~~دينهم الإسلام بقوله (ومن يرتدد) شرط مبتدأ، أي يرجع (منكم عن دينه) ~~الإسلام إلى دينهم الكفر سرا و«3» جهرا (فيمت) بالجزم عطفا على «يرتد» (وهو ~~كافر) أي وهو مرتد عن دينه بالكفر، وخبر المبتدأ وجواب الشرط (فأولئك حبطت) ~~أي بطلت (أعمالهم) أي حسناتهم، يعني لا ثواب لها، لأن عبادتهم لم تصح (في ~~الدنيا و) لم يثابوا بها في (الآخرة) وبه استدل الشافعي أن الردة لا تحبط ~~«4» العمل حتى يموت مرتدا، وأبطلها أبو حنيفة رحمه الله بالردة وإن لم يمت ~~ورجع مسلما (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [217] أي مقيمون لا يخرجون عنها. ### || [سورة البقرة (2): آية 218] # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله والله غفور رحيم (218) # قوله (إن الذين آمنوا) بالله (والذين هاجروا) أي فارقوا أهلهم ومنازلهم ~~(وجاهدوا) أي وحاربوا (في سبيل الله) أي في طاعة الله، نزل ترغيبا للجمع ~~بين هذه الخصال وإن كان الثواب حاصلا بكل واحدة منها، نزل حين قال الكفار ~~للمقاتلين من المسلمين في الشهر الحرام: لو لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر ~~«5»، وخبر «إن» (أولئك يرجون رحمت الله) أي ينالون الجنة برحمته، لأن من ~~طلب وجد وجد (والله غفور) لذنوبهم بقتالهم في الشهر الحرام (رحيم) [218] ~~بفضله الجنة لهم، قيل نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام بقوله «فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم وقاتلوا» «6» الآية «7». ### || [سورة البقرة (2): آية 219] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ما ذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) # قوله (يسئلونك عن الخمر والميسر) نزل حين كان المسلمون يشربون الخمر ~~ويستعملون القمار مولعين فيهما ms0134 «8»، أي يسألونك عن جواز تناولهما فقال ~~تعالى (قل فيهما) أي في استعمالهما (إثم كبير) أي ذنب عظيم، PageV01P107 # قرئ بالباء والثاء «1» من الكثرة، أي وافر من الفحش والمخاصمة والعداوة ~~بسببهما (ومنافع للناس) من اللذة واستمرار الطعام وكسب المال بالتجارة في ~~الخمر ونيل المال بلا تعب في الميسر وانتفاع الفقراء بلحم الجزور، روي في ~~صفة الميسر: أنهم كانوا يشترون جزورا في الجاهلية وينحرونها ويجزؤنها عشرة ~~أجزاء ثم يضربون سهامهم بالقدح، يعني يعين كل واحد سهمه بقدح موسوم به، ~~ويتركون قدحا بلا نصيب موسوما باسم رجل، ويجعلون جميع الأقداح في خريطة، ~~ويضعونها على يد عدل، ثم يدخل يده فيخرج باسم رجل قدحا منها، فمن خرج سهمه ~~أولا يأخذ نصيبه من اللحم، ولا يكون من الثمن عليه شيء ومن خرج قدحه بلا ~~نصيب كان عليه ثمن الجزور، ولا شيء له من اللحم، ويطعمونها الفقراء وهم لا ~~يطعمون منها، ويفتخرون بذلك «2»، والمراد من الميسر هنا جميع القمار، ~~فتركهما بعض الناس، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركهما ~~كثير منهم، وقالوا: نأخذ منفعتهما ونترك إثمهما، ثم نزلت آية «لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى» «3» حين قرأ بعضهم «أعبد ما تعبدون» «4» في الصلوة ~~بترك «لا» في «لا أعبد»، فترك الخمر بعض الناس، وشربها بعضهم في غير أوقات ~~الصلوة حتى نزلت آية «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر» «5» إلى ~~آخرها حين شرب قوم في دعوة عتاب بن مالك، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ~~وتهاجوا فضرب بعضهم رأس بعض بلحيي بعير فشجه موضحة فشكا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا ~~شافيا»، فلما نزلت الآية إلى قوله «فهل أنتم منتهون» «6» قال عمر: انتهينا ~~يا رب، فصار شربها حراما عليهم حتى قال البعض: ما حرم علينا شيء أشد من ~~الخمر، وهي ما غلا واشتد وقذف الزبد بلا طبخ النار من عصير العنب يحد ~~شاربها ويفسق ويكفر مستحلها بالإجماع، وأصل الخمر الستر، لأنها تستر ~~العقول، قيل: كل ما ms0135 أسكر من كل شراب حرام قليله وكثيره عند أكثر الفقهاء، ~~منهم الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يحرم إلا المتخذ ~~من عصير العنب والرطب ونقيع الزبيب والتمر والقدر المسكر من كل شراب حالة ~~الشرب «7»، قال النبي عليه السلام: «من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو ~~يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة» «8»، والميسر مفعل من اليسر ضد العسر، ~~وهو قمار العرب، سمي به لأن الإنسان يأخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ~~تعب، قال علي رضي الله عنه: «النرد والشطرنج ميسر» «9»، ويشير به إلى أنهما ~~حرام، وعن النبي عليه السلام: «إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فانهما من ~~ميسر العجم» «10» (وإثمهما) أي عقاب الإثم في تناولهما بعد التحريم (أكبر) ~~أي أعظم (من نفعهما) قبل التحريم، وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار والطرب ~~فيهما وغيرهما مما ذكر (ويسئلونك ما ذا ينفقون) أي أي شيء يتصدقون من ~~الأموال (قل العفو) بالنصب أي ينفقون العفو، أي الفضل عن قدر الحاجة لنفسه ~~وعياله، فكانوا يكتسبون وينفقون الفاضل عن الحاجة في عهد النبي عليه ~~السلام، ثم نسخ بآية الزكوة «11»، وقرئ بالرفع «12» على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف، أي المنفق العفو (كذلك) أي مثل هذا التبيين (يبين الله لكم الآيات) ~~من الأمر والنهي (لعلكم تتفكرون [219]) فتسعون فيما هو صلاحكم. PageV01P108 ### || [سورة البقرة (2): آية 220] # في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز ~~حكيم (220) # (في الدنيا والآخرة) أي لتتفكروا أن الدنيا زائلة والآخرة باقية فتطلبوا ~~الآخرة بترك الدنيا في سبيل الله (ويسئلونك عن اليتامى) أي عن مخالطتهم، ~~وذلك بعد نزول قوله «ولا تقربوا مال اليتيم» «1» وقوله «إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما» «2» الآية، فتركوا مخالطتهم ومواكلتهم، وشق ذلك عليهم ~~حتى لو كان عند رجل يتيم يجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة، فقال عبد ~~الله بن رواحة: يا رسول الله، قد عزلنا عن اليتامى بما أنزل الله من الشدة ~~أفيصلح لنا ms0136 أن نخالطهم «3» فنزل «4» (قل إصلاح لهم خير) أي إصلاح مالهم ~~بنظركم فيه خير لكم من ترك الخلطة والنظر عليهم لتثابوا، وخير لهم ليتيازد ~~مالهم، وذلك إصلاح لهم (وإن تخالطوهم) أي وإن تخلطوا أموالكم إلى أموالهم ~~وتشاركوهم فيها (فإخوانكم) أي فهم إخوانكم في الدين، ومن حق الأخ أن يخالط ~~أخاه ويعينه ولا يضره (والله يعلم المفسد) لمال اليتيم (من المصلح) لماله، ~~يعني إذا قصدتم به الإصلاح فلا بأس عليكم بالخلطة (ولو شاء الله) إعناتكم ~~(لأعنتكم) أي ليضيق عليكم بالشدة، يعني لما أباح لكم مخالطتهم وشق ذلك ~~عليكم (إن الله عزيز) أي غالب على أن يعنت عباده (حكيم) [220] في صنيعه، ~~يعني لا يكلفهم فوق طاقتهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 221] # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون ~~إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون (221) # قوله (ولا تنكحوا المشركات) أي تتزوجوهن وهن الوثنيات (حتى يؤمن) أي حتى ~~يصدقن بالله وبمحمد عليه السلام، نزل حين سأل أبو مرثد النبي عن تزوجه ~~بامرأة يقال لها عناق وكانت مشركة لا من أهل الكتاب، فنهاه عنه «5» ثم قال ~~(ولأمة مؤمنة خير من مشركة) أي نكاح امرأة مؤمنة حرة كانت أو أمة، فالمراد ~~من الأمة أمة الله خير من نكاح حرة مشركة (ولو أعجبتكم) أي ولو أعجبكم ~~نكاحها وتحبونها (ولا تنكحوا المشركين) أي لا تزوجوهم نساءكم المؤمنات (حتى ~~يؤمنوا) بالله ورسوله فلا يجوز تزويج مسلمة لكافر إجماعا (ولعبد مؤمن) أي ~~نكاح عبد من عباد الله حرا كان أو رقيقا (خير من) تزويج (مشرك ولو أعجبكم) ~~تزويجه وتحبونه (أولئك) أي المشركات والمشركون (يدعون إلى النار) أي إلى ~~عمل أهلها (والله يدعوا) أي على لسان أنبيائه (إلى الجنة والمغفرة) أي إلى ~~أعمال الجنة وأسباب المغفرة من التوبة والإنابة والتقوى (بإذنه) أي بارادته ~~وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة (ويبين آياته) من الأمر والنهي ~~في أمر التزويج ms0137 وغيره (للناس لعلهم يتذكرون) [221] أي يتعظون وينتهون عن ~~المعاصي. ### || [سورة البقرة (2): آية 222] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) # قوله (ويسئلونك عن المحيض) عطف على السؤال قبله، وإنما ترك حرف العطف ~~الذي هو «6» واو الجمع في الأسولة التي ذكرت ليدل على أن تلك الحوادث وقعت ~~في أحوال متفرقة، وذكره في الأسولة الأخيرة، لأنهم سألوا عن الحوادث الأخر ~~في وقت واحد، كأنه قيل: يجمعون لك بين هذه السؤالات منها السؤال عن المحيض ~~«7»، نزل في شأن رجل من الأنصار، اسمه أبو الدحداح، سأل رسول الله، كيف ~~نصنع بالنساء إذا حضن PageV01P109 # أنقربهن أم لا «1»؟ أي يسألونك عن الوطء في زمان الحيض، فيكون المحيض اسم ~~الزمان هنا (قل هو) أي الدم (أذى) أي شيء نجس يؤذي من يقربه مجامعا ~~(فاعتزلوا النساء في المحيض) أي اتركوا مجامعتهن أيام حيضهن (ولا تقربوهن) ~~بالجماع (حتى يطهرن) بفتح الطاء والهاء مع التشديد، أي يغتسلن، وبسكون ~~الطاء وضم الهاء مع التخفيف «2»، أي يطهرن من المحيض وينقطع دمهن، قيل: إذا ~~انقطع الدم في أقل من عشرة لا يجوز قربانها ما لم يغتسل أو يمضي عليها وقت ~~الصلوة، فاذا تمت العشرة وانقطع الدم جاز أن يقربها، وعند الشافعي رضي الله ~~عنه لا يجوز ما لم تغتسل «3» (فإذا تطهرن) أي اغتسلن (فأتوهن) أي جامعوهن ~~(من حيث أمركم الله) أي من الفرج ولا تعدوه (إن الله يحب التوابين) من ~~الشرك والذنوب (ويحب المتطهرين) [222] أي المغتسلين بالماء من الجناية ~~والأحداث أي المتنزهين من اتيانهن في الحيض أو في أدبارهن. ### || [سورة البقرة (2): آية 223] # نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) # قوله (نساؤكم حرث لكم) أي مزرع ومنبت للولد كالأرض للنبات في موقع البيان ~~لقوله «من حيث أمركم الله» «4» (فأتوا حرثكم) أي نساءكم في محل الزرع وهو ~~القبل (أنى شئتم) أي كيف أردتم مستقبلين أو مستدبرين بعد ms0138 أن كان المأتي ~~واحدا، وهو موضع الحرث فيه تحريم الأدبار وتحليل الإقبال لطلب النسل لا ~~لقضاء الشهوة، قال عليه السلام: «ملعون من أتى امرأة في دبرها» «5» ~~(وقدموا) أي الأعمال الصالحة (لأنفسكم) أي لا تعملوا المناهي أو قدموا ~~التسمية على الوطئ أو طلب الولد، قال عليه السلام: «إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله إلا من ثلثة: صدقة جارية بعده أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» ~~«6» (واتقوا الله) أي اخشوه على كل حال من عمل السيئة (واعلموا أنكم ~~ملاقوه) أي صائرون إليه فاستعدوا له بما لا تفتضحون به (وبشر المؤمنين) ~~[223] يا محمد، أي الذين يصدقون بوعده تعالى ويحافظون حدوده. ### || [سورة البقرة (2): آية 224] # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله ~~سميع عليم (224) # قوله (ولا تجعلوا الله عرضة) أي علة معترضة (لأيمانكم) جمع يمين، والمراد ~~هنا المحلوف عليه، وسمي به لملابسة اليمين، فاللام يتعلق ب «عرضة» لما فيها ~~من معنى الاعتراض، ويجوز أن يتعلق بالفعل، والمعنى: ولا تجعلوا الله حاجزا ~~لما حلفتم عليه باليمين بالله على ترك فعل الخير من الإحسان لأحد أو صلة ~~الرحم وإصلاح ذات البين و «7» العبادة كالصوم والصلوة «8» أو غير ذلك من ~~الخيرات، فيقولون: نحن حلفنا بالله فنخاف من اليمين به ان نفعله فنحنث في ~~يميننا، ومحل قوله (أن تبروا) أي لأن لا تحسنوا، نصب على أنه مفعول له، ~~وكذا (وتتقوا وتصلحوا بين الناس) أي لأن لا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس أو ~~بتقدير كراهة أن تبرؤا، نزل في عبد الله بن رواحة الأنصاري حين حلف أن لا ~~يدخل على ختنه بشر بن نعمان ولا يكلمه، فجعل يقول حلفت بالله أن لا أفعل ~~ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني «9» فصارت الآية عامة في كل من كان يحلف ~~بالله أن لا يحسن أحدا ولا يتقي من العصيان، فيعمل ما اشتهت نفسه وأن لا ~~يصلح بين الناس إذا وقعت فيهم العداوة والبغضاء، فقال تعالى PageV01P110 # كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فان ms0139 حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ~~ولتفعلوا «1» تلك الخيرات من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، قال عليه ~~السلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فاليكفر عن يمينه وليفعل ~~الذي هو خير» «2» (والله سميع) لأقوالكم (عليم) [224] بنياتكم فيجازيكم عليها. ### || [سورة البقرة (2): آية 225] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله ~~غفور حليم (225) # (لا يؤاخذكم الله باللغو) أي لا يعاقبكم بلغو يمينكم، واللغو هو المطروح ~~من الكلام لكونه باطلا، يقال: # لغي لغوا إذا قال باطلا، ولغو اليمين أن يحلف الرجل بالله على شيء يظن ~~أنه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذي يحلف ماضيا أو غيره فليس له إثم ولا ~~كفارة، هذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وأما عند الشافعي رضي الله عنه ~~فلغو اليمين ما سبق إليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا والله وبلى والله، ~~وفي الآية معنيان: أحدهما لا يعاقبكم الله باللغو (في أيمانكم) بالظن (ولكن ~~يؤاخذكم) أي يعاقبكم (بما كسبت قلوبكم) من قصد الإثم بالكذب في اليمين، وهو ~~أن يحلف الرجل على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس، وسميت ~~بالغموس لا نغماس صاحبها في الإثم بها، وثانيهما لا يؤاخذكم، يعني لا ~~يلزمكم الله الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه ولكن يلزمكم الكفارة بما ~~نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده (والله غفور) لمن حنث وفر ~~عن يمينه (حليم) [225] حيث لم يعاقبكم باللغو في اليمين، ورخص لكم الحنث ~~والتكفير في غيره، قيل: إذا حلف أحدكم بشيء فحنث، إن كان مستقبلا فعليه ~~كفارة وهو اليمين المنعقدة وإن كان ماضيا فان كان الحالف عالما بالواقع ~~وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند أبي حنيفة رضي الله عنه في ~~الكبائر، وعند الشافعي رحمه الله يجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وإن ~~كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى أنه صادق فيه وليس كذلك فلا كفارة فيه وهو ~~يمين اللغو عند أبي حنيفة، واليمين «3» الغموس عند الشافعي رضي الله عنه ~~ويحكم فيه ms0140 بالكفارة «4». ### || [سورة البقرة (2): آية 226] # للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم (226) # قوله (للذين يؤلون) أي يحلفون على القربان، من الإيلاء وهو يتعدى ب ~~«على»، لكنه ضمن معنى البعد # فتعدى ب «من»، فكأنه قال: يبعدون بالقسم (من نسائهم) نزل فيمن كان يكره ~~امرأته ويخاف أن يطلقها فيتزوجها غيره فيحلف على أن لا يقربها فيتركها لا ~~ذات بعل ولا أيما «5»، فبين الله تعالى الحكم في المؤلين، فقال للذين ~~يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم (تربص أربعة أشهر) أي انتظار أجل أربعة أشهر ~~بعد الحلف (فإن فاؤ) تفصيل للذين يؤلون، أي فهم بعد الإيلاء ان رجعوا عن ~~اليمين في تلك الأشهر وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي المدة (فإن الله غفور) ~~يغفر للمؤمنين لرجوعهم من ضرار نسائهم بالإيلاء (رحيم) [226] يرحم لهم ~~بترخيص الكفارة في ذلك، قيل: إن فاء الحالف إليها في المدة بالوطئ إن أمكنه ~~أو بالقول إن عجز عن الوطئ صح الفيء وحنث بالوطئ ولزمته كفارة اليمين ولا ~~تلزمه «6» بالفيء بالقول وإن مضت المدة ولم يفئ إليها بانت بتطليقة «7» عند ~~أبي حنيفة رحمه الله، وعند الشافعي رضي الله عنه لا يصح الإيلاء إلا في ~~أكثر من أربعة أشهر، أي يحلف الرجل على أنه لا يقربها أكثر من أربعة أشهر، ~~فاذا مضت المدة وقف فأما أن يجامع أو يطلق فان أبى طلق عليه القاضي وإن عجز ~~عن الجماع فاء بلسانه، والحر والعبد سواء في مدة الإيلاء عند الشافعي رضي الله PageV01P111 # عنه ويتنصف بالرق عند أبي حنيفة رضي الله عنه ويعتبر رق المرأة، ومالك ~~يعتبر رق الزوج «1». ### || [سورة البقرة (2): آية 227] # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) # (وإن عزموا) أي أقعوا (الطلاق) بترك الجماع في المدة (فإن الله سميع) ~~لمقالتهم بكلمة الإيلاء منهم (عليم) [227] بنياتهم منه. ### || [سورة البقرة (2): آية 228] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن ms0141 مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) # (والمطلقات) لفظه «2» مطلق «3» في تناول الجنس يصلح «4» لكله «5» وبعضه ~~فأريد به البعض هنا، أي النساء اللاتي طلقن وهن مدخول بهن (يتربصن) أي ~~ينتظرن، خبر بمعنى الأمر، أي ليتربصن (بأنفسهن) فلا يتزوجن، وفي ذكر الأنفس ~~زيادة بعث لهن على التربص، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال غالبا فأمرن ~~أن يقهرن أنفسهن ويخبرنها على أن ينتظرن لوجوب العدة عليهن (ثلاثة قروء) أي ~~مضى ثلثة أقراء، ونصبها مفعول به، وضع الجمع الكثرة موضع جمع القلة، والقرء ~~بضم القاف والفتح «6» هو الطهر عند الشافعي، والحيض عند أبي حنيفة، أي ثلثة ~~أطهار أو ثلث حيض، ويظهر فائدة الخلاف في المعتدة إذا شرعت في الحيضة ~~الثالثة، فعند الشافعي رحمه الله انقضت عدتها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ~~لا تنقضي عدتها حتى تنقضي الحيضة الثالثة، قوله (ولا يحل لهن) نزل في شأن ~~المطلقة التي تحت زوجها بالطلاق الرجعي «7» وتريد فراق زوجها فتكتم «8» ~~حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها أو ~~تكتم حيضها وهي حائض وتقول قد ظهرت استعجالا للطلاق، لأن الطلاق السني إنما ~~يكون في الطهر لا في الحيض، أي لا يباح للمطلقات (أن يكتمن) أي يخفين (ما ~~خلق الله في أرحامهن) من الحبل والحيض بأن تقول المرأة لست بحامل وهي حامل ~~أو تقول لست بحائض وهي حائض لتبطيل «9» حق الزواج من الولد والرجعة، ثم عظم ~~ذلك بقوله (إن كن يؤمن) أي يصدقن (بالله واليوم الآخر) لأن المؤمن هو ~~الخائف من ذلك الفعل (وبعولتهن) جمع بعل، وهو الزوج، والتاء لتأنيث الجمع، ~~أي أزواجهن (أحق) أي أحرى وأولى (بردهن) أي برجعتهن (في ذلك) أي في العدة ~~وهي مدة ذلك التربص (إن أرادوا) أي إن أراد الزوج والزوجة والولي بالرجع ~~(إصلاحا) بينهما وحسن المعاشرة ولم يريدوا مضارتهن (ولهن) أي وللنساء على ~~رجالهن (مثل الذي عليهن) للرجال من الحقوق (بالمعروف) أي بما عرف شرعا، ~~يعني لا يكلفن الرجال ما ليس لهن ولا يكلفهن الرجال ms0142 ما ليس لهم في الشرع أو ~~في عادة النساء من المهر والنفقة والحلي والتزين، قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: «أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي» «10» (وللرجال ~~عليهن درجة) أي بعد اشتراكهما في اللذة لهم الفضيلة عليهن في المهر والنفقة ~~والرجعة أو بالعقل والشهادة والقيام لمصلحتها (والله عزيز) بالانتقام عمن ~~يعصي أمره (حكيم) [228] بالحكم بالرجعة في الطلاق الرجعي. PageV01P112 ### || [سورة البقرة (2): آية 229] # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) # قوله (الطلاق مرتان) نزل فيمن كان يطلق زوجته ثم يراجعها مرارا كثيرة ~~مضارة للزوجة «1»، أي الطلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة مرتان، أي مرة بعد ~~مرة وليس المراد الجمع بينهما فان راجعها بعد الرجعة الثانية (فإمساك) أي ~~فالحكم أن يمسكها (بمعروف) أي بما عرف شرعا من الحقوق التي هي الإنفاق ~~عليها وكسوتها وحسن معاشرتها وترك إيذائها، ولا يراجعها لقصد تطويل العدة ~~عليها مضارة لها (أو تسريح بإحسان) أي أن يرسلها من غير قصد سوء بها، قوله ~~(ولا يحل لكم) نزل في جميلة بنت عبد الله بن أبي وزوجها ثابت بن قيس كان ~~يحبها وهي كانت تبغضه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت لا أنا ولا ~~ثابت، وكان قد أعطاها حديقة فخلعت من زوجها على أن ترد إليه الحديقة فافتدت ~~بها منه «2»، وهو أول خلع وقع في الإسلام، أي لا يباح لكم أيها الأزواج (أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن) أي أعطيتموهن من المهر (شيئا إلا أن يخافا) أي يظن ~~الزوجان منكم أو يعلما «3» (ألا يقيما حدود الله) أي أن لا يحفظا أوامره ~~ونواهيه المعروفة شرعا في حسن الصحة، قيل: محل «أن يخافا» نصب على الحال ~~«4»، أي خائفين، والأصوب فيه أن يقدر المضاف أي إلا زمان خوفهما، ومحل أن ~~لا ms0143 يقيما) نصب على أنه مفعول «يخافا» (فإن خفتم ألا يقيما) أي إن علمتم ~~أيها الأئمة والحكام أن لا يحفظ الزوجان (حدود الله) المعروفة في إصلاح ~~الزوجية بينهما (فلا جناح) أي لا حرج (عليهما) أي على الزوج فيما أخذ ولا ~~على الزوجية (فيما افتدت به) من المال إذا كان النشوز من قبل المرأة، لأنها ~~ممنوعة عن إتلاف المال بغير حق، أما إذا كان النشوز من قبل الزوج لا يحل له ~~أن يأخذ شيئا مما آتيها لقوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا «5»، ففيه إشعار ~~لجواز الخلع (تلك) أي هذه المذكورات (حدود الله) أي أوامره ونواهية (فلا ~~تعتدوها) أي لا تتجاوزوها «6» (ومن يتعد حدود الله) أي ومن يتجاوز «7» ~~أحكام الله بترك امره ونهيه ولم يعمل بهما (فأولئك هم الظالمون) [229] أي ~~الضارون بأنفسهم، يعني من تجاوز عن الطلاقين والإمساك بالمعروف والتسريح ~~بالإحسان فقد ظلم نفسه واستحق العقوبة. ### || [سورة البقرة (2): آية 230] # فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون (230) # قوله (فإن طلقها) أي الطلقة الثالثة (فلا تحل) تلك المرأة (له) أي لزوجها ~~(من بعد) أي بعد الطلقة الثالثة (حتى تنكح) أي حتى تتزوج تلك المرأة (زوجا ~~غيره) أي بزوج آخر ويدخل بها وعرف الدخول بالسنة لحديث امرأة رفاعة، فانه ~~طلقها ثلثا فتزوجها عبد الرحمن بن زبير، فأتت النبي عليه السلام، وقالت: ~~طلقني عبد الرحمن فبت طلاقي، وإن ما معه هدبة الثوب، فقال عليه السلام لها: ~~أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ # قالت: نعم قال: ليس لك ذلك ما لم تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك «8» ~~(فإن طلقها) أي الزوج الثاني (فلا جناح عليهما) أي على الزوج الأول والزوجة ~~بعد انقضاء عدتها (أن يتراجعا) أي يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بتجديد ~~النكاح (إن ظنا) أي علما أو غلب ظنهما (أن يقيما حدود الله) المعروفة في حق ~~الصحبة بين PageV01P113 # الزوجين، قيل: النكاح المعقود بشرط التحليل ms0144 باطل عند الأكثر وجائز عند ~~أبي حنيفة رحمه الله مع الكراهة إن صرحا التحليل وإن أضمراه فلا كراهة «1» ~~(وتلك حدود الله) أي أحكامه المعلومة (يبينها لقوم يعلمون) [230] لأنهم ~~يحفظونها، والجاهل إذا بين له لا يحفظ ولا يتعاهد. ### || [سورة البقرة (2): آية 231] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله ~~هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم (231) # ونزل فيمن طلق امرأته فلما دنت عدتها من الخروج راجعها ثم طلقها مضارة ~~لها قوله «2» (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي قربن من انقضاء المدة، ~~وذلك بأن مضى عليها ثلث حيض قبل أن تغتسل أو قبل أن تخرج من العدة ~~(فأمسكوهن) أي راجعوهن (بمعروف) أي من غير طلب إضرار لهن بالرجعة (أو ~~سرحوهن) أي اتركوهن (بمعروف) أي خلوهن حتى تبين «3» بانقضاء عدتهن (ولا ~~تمسكوهن ضرارا) أي لا ضرارهن أو ضارين بهن بتطويل العدة عليهن بالرجعة في ~~آخر العدة والطلاق بعدها (لتعتدوا) أي لتظلموهن بتطويل الحبس فتلجؤهن إلى ~~الإفتداء بالمال (ومن يفعل ذلك) أي الإضرار (فقد ظلم نفسه) أي أضرها ~~بمعصيته «4» في الإضرار أو عرض نفسه بعذاب النار (ولا تتخذوا آيات الله) أي ~~القرآن (هزوا) أي لعبا بأن يطلق الزوج ويقول: كنت لاعبا أو ينكح أو يعتق ~~ويقول: كنت لاعبا، قال عليه السلام: «ثلثة، جدهن جد وهزلهن جد: النكاح ~~والطلاق والعتاق» «5»، وفي رواية «الرجعة» مكان «العتاق» (واذكروا) أي ~~احفظوا (نعمت الله عليكم) أي الإسلام (وما أنزل عليكم من الكتاب) أي القرآن ~~(والحكمة) أي الفقه في الدين والموعظة للعمل (يعظكم) الله (به) أي بالنازل ~~عليكم (واتقوا الله) من المخالفة (واعلموا أن الله بكل شيء عليم) [231] أي ~~بسركم وجهركم من أعمالكم فيجازيكم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 232] # وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ms0145 واليوم الآخر ذلكم أزكى ~~لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) # قوله (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن) نزل ~~في معقل بن يسار حين طلق أبو الدحداح أخته، ثم ندم فخطبها بعد عدتها فرضيت ~~ومنعها أخوها أن تتزوجه «6»، أي لا تحبسوهن وتمنعوهن من (أن ينكحن أزواجهن) ~~الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن (إذا تراضوا) أي النساء والمريدون نكاحهن ~~(بينهم بالمعروف) أي بما يحسن في الدين من نكاح جديد ومهر صالح، وقيل: بمهر ~~المثل عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها ~~فلأوليائها أن يعترضوا إلى أن يكمل وإلا فلهم أن يفرقوها عنه لذلك «7» ~~(ذلك) أي النهي والخطاب لكل إنسان أو للنبي عليه السلام (يوعظ به) أي ينهى ~~ويؤمر به (من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) أي بالحساب والعقاب ~~والثواب (ذلكم) أيها الجمع (أزكى) أي أصلح (لكم وأطهر) لقلوبكم من الريبة ~~وأنفسكم من دنس الإثم (والله يعلم) ما في قلب أحدكم من الحب لصاحبه أو ما ~~فيه صلاحكم من الأحكام والشرائع (وأنتم لا تعلمون) [232] أي وأنتم تجهلون ~~ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P114 # معقلا، فقال: إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي الدحداح، فقال: آمنت ~~وزوجها منه، ففيه دليل على أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح كان للحاكم ~~أن يزوجها «1». ### || [سورة البقرة (2): آية 233] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) # قوله (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) أي أربعة وعشرين شهرا، من ~~الرضع، نزل لبيان مدة الرضاع المثبت للحرمة، وقوله «يرضعن» خبر في معنى ~~الأمر، أي ليرضعن للاستحباب، لأنه لا يجب ms0146 على المطلقة إرضاع ولدها من زوجها ~~الذي طلقها إن وجد ظئرا ترضعه، ويجب إن لم توجد «2» أو لم يقبل الولد إلا ~~ثدي أمه أو عجز الأب عن الاستئجار، وقوله «كاملين» وصف لل «حولين» بالكمال ~~لتأكيد إرادة الحقيقة، لأن بعض الحولين يسمى حولين تجوزا، فعلم به أن ~~المراد حولان بغير نقصان، ثم نزل لليسر والتخفيف قوله «3» (لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة) بيان لمن توجه إليه الحكم، أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع أو ~~اللام يتعلق ب «يرضعن»، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يكمل الإرضاع من ~~الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم إلا إذا تطوعت الأم ~~بارضاعه، وهو مستحب منها، ولا تجبر عليه، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه مادامت زوجة أو معتدة من نكاح، ويجوز عند الشافعي رضي ~~الله عنه، فاذا انقضت العدة جاز بالاتفاق (وعلى المولود له) أي وعلى الأب، ~~ولم يقل على الوالد ليعلم أن الأولاد للآباء، لأن الزوجة انما تلد الولد ~~للزوج، ولأن نسبة الولد إليه لا إليها، يعني على الوالدين (رزقهن وكسوتهن) ~~أي رزق الأمهات إذا أرضعن أولادهم ولباسهن، وكذا أجر الرضاع للأظائر «4» ~~(بالمعروف) أي على قدر طاقته (لا تكلف) أي لا تحمل (نفس إلا وسعها) من كل ~~واحد منهما، وهو تفسير لقوله «بالمعروف»، يعني لا يجب على الأب من النفقة ~~والكسوة إلا مقدار طاقته (لا تضار) برفع الراء نفي، أي لا تضارر معلوما أو ~~لا تضارر مجهولا على الخبر، وبرفع الراء نهي مجزوم حركت لالتقاء الساكنين ~~«5»، أي لا تتضرر (والدة بولدها) بأن ينزع ولدها منها بعد رضاها بارضاعه ~~(ولا مولود له بولده) بأن يلقي الولد إلى أبيه بعد ما ألف الولد أمها، ~~وتقول الأم للأب: # خذ له ظئرا ترضعه، فلا يجوز أن يفعل كل واحد منهما مثل ذلك الإضرار إلى ~~صاحبه، وإضافة «الولد» إليها وإليه للاستعطاف، لأنه ليس بأجنبي من كل واحد ~~منهما، فالحق أن يشفع عليه منه (وعلى الوارث) أي على وارث الصبي (مثل ذلك) ~~أي ms0147 مثل ما كان على الأب فيكون النفقة والإرضاع عليه إذا لم يكن له أب، ~~ويجوز أن يراد به الصبي نفسه فيكون أجر الرضاع عليه إن كان له مال كما كان ~~على أبيه وإلا فعلى الأم إرضاعه، قيل: يجب عند أبي حنيفة رحمه الله نفقة ~~الصبي على الورثة إلا على من ليس بذي رحم محرم كابن العم، وعند الشافعي ~~رحمه الله لا نفقة للصبي إلا على الوالدين حسب «6» (فإن أرادا) أي الوالدان ~~(فصالا) أي فطاما للصغيرة قبل الحولين (عن تراض) أي باتفاق (منهما وتشاور) ~~أي بمشاورتهما مع العلماء أن الفطام لا يضر الولد، وإنما اعتبر اتفاق ~~الوالدين لما في الأب من الولاية، وفي الأم من الشفقة (فلا جناح) أي لا حرج ~~(عليهما) في ذلك، يعني سواء زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد ~~التحديد، قوله (وإن أردتم أن تسترضعوا) أي المراضع، PageV01P115 # وهو المفعول الأول حذف للاستغناء، والثاني (أولادكم) بعث بالخطاب ~~للوالدين وغيرهما من الأولياء على ايتاء الأجر للأظائر منجزا يدا بيد ~~تطييبا لنفوسهن وإصلاحا لشأن الصبي، أي إذا طلبتم أن تأخذوا ظئرا لإرضاع ~~أولادكم (فلا جناح عليكم) أي لا إثم لكم فيه (إذا سلمتم) إلى المراضع (ما ~~آتيتم) بالمد أي أعطيتم وبالقصر «1»، أي جئتم به، يعني الذي سميتم وشرطتم ~~لهن (بالمعروف) متعلق ب «سلمتم»، أي إذا أعطيتموه لهن بطيبة نفس وحسن خلق ~~بقبول جميل، وقيل: المراد ب «المعروف» أن يكون الأجر من الحلال «2»، لأن ~~المرضع إذا أكلت الحلال كان اللبن أنفع للصبي وأقرب إلى صلاحه، ثم هددهم في ~~مخالفة الأمر والإضرار وقال (واتقوا الله) أي ليخف كل منكم أن يضر بصاحبه ~~(واعلموا أن الله بما تعملون بصير) [233] من الإضرار وغيره فيجازيكم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 234] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون ~~خبير (234) # قوله (والذين) أي زوجات الذين بتقدير المضاف (يتوفون) أي يموتون (منكم ~~ويذرون) أي يتركون (أزواجا) أي نساء من بعدهم (يتربصن) ms0148 أي ينتظرن بالاعتداد ~~(بأنفسهن) أي لا يخرجن ولا يتزين (أربعة أشهر وعشرا) وإنما قال «عشرا» ~~بالتأنيث، ولم يقل عشرة مع أن العدة أربعة أشهر وعشرة أيام ذهابا إلى ~~الليالي، لأن التاريخ بالليلة لكونها أول الشهر والأيام تابعة لها (فإذا ~~بلغن أجلهن) أي انقضت عدتهن (فلا جناح عليكم) أيها الأولياء أو الأئمة ~~وجماعة المسلمين (فيما فعلن في أنفسهن) من الزينة والكحل والخضاب ودهن ~~الرأس بكل دهن مطيب وغيره (بالمعروف) أي بالوجه الذي عرف شرعا في التزين ~~والتزوج بزوج آخر إذا كان كفوا لها فلا يمنعن من ذلك، قيل: المرأة إذا ~~اعتدت بعدة الوفاة يجب عليها ترك الزينة والطيب، وجوز أبو حنيفة رحمه الله ~~الاكتحال بالأسود للضرورة، والشافعي رحمه الله ليلا وتمسحه نهارا للضرورة ~~«3»، وكانت عدة الوفاة في أول الإسلام سنة فنسخت بهذه المدة «4» إلا ~~الحوامل «5»، فان عدتها بوضع الحمل لحديث سبيعة «6»، فانها وضعت بعد موت ~~زوجها بليال، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها أن تنكح ~~(والله بما تعملون خبير) [234] أي عالم بالطاعة والتخلف بالمعصية، قيل: ~~تستوي «7» المدخولة وغير المدخولة والصغيرة والكبيرة في وجوب العدة من ~~الزينة والمنع من النكاح والخروج وغير ذلك «8». ### || [سورة البقرة (2): آية 235] # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم ~~الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا ~~تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) # (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به) أي لا حرج ولا بأس عليكم في الكلام الذي ~~تعرضونه للمرأة المتوفي عنها زوجها، أي تلوحونه وتشيرونه إليها (من خطبة ~~النساء) أي من طلب نكاحها بالتخاطب «9» في العدة بأن يقولوا من غير تصريح ~~إرادة النكاح إنك لجميلة أو إنك لتعجبيني أو إنك لموافقة لي ونحو ذلك من ~~الكلام الموهم لإرادة نكاحها حتى تحبس نفسها على القائل به، فهذا هو ~~التعريض، والجار والمجرور في محل النصب على الحال، والعامل «عرضتم» (أو ms0149 ~~أكننتم) أي أو فيما أضمرتموه (في أنفسكم) أي في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم ~~لا بالتصريح ولا بالتعريض، قوله (علم الله أنكم ستذكرونهن) فيه نوع توبيخ، ~~أي علم الله أنكم PageV01P116 # ستذكرونهن لميلكم إليهن وعدم صبركم عنهن فتنطقونه برغبتكم فيهن فاذكروهن ~~(ولكن لا تواعدوهن سرا) مفعول به، أي جماعا، يعني لا يصف الراغب فيها نفسه ~~بأنه كثير الجماع أو ظرف على معنى: لا تواعدوهن النكاح في السر، لأنه ~~مستقبح عند أهل المروة، قوله (إلا أن تقولوا قولا معروفا) استثناء من ~~المفعول المطلق، أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة، ~~يعني عدة حسنة مثل أنك الجميلة وإني راغب فيك، فالمراد منها التعريض، وقيل: ~~القول المعروف أن يتواثقا «1» على أن لا تتزوج غيره «2» (ولا تعزموا) أي لا ~~تنووا ولا تقصدوا «3» (عقدة النكاح) في العدة (حتى يبلغ الكتاب) أي ما كتب ~~وفرض من العدة (أجله) يعني حتى تنقضي «4» عدتها (واعلموا أن الله يعلم ما ~~في أنفسكم) أي ما في قلوبكم من الوفاء وغيره (فاحذروه) أي خافوا عقابه ~~(واعلموا أن الله غفور حليم) [235] يغفر ولا يعجل بالعقوبة عليكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 236] # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن ~~على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) # ونزل في رجل طلق امرأته وكان لم يسم لها مهرا ولم يجامعها «5» (لا جناح) ~~أي لا بأس (عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) وقرئ «تماسوهن» بالألف ~~«6»، أي ما لم تجامعوهن (أو تفرضوا) أي ما لم تسموا (لهن فريضة) أي مهرا ~~بمعنى مفروضة، وإنما نفي الجناح، لأن الطلاق مكروه في الشرع لقول النبي ~~عليه السلام: # «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «7»، يعني لا حرج عليكم أن تطلقوا النساء ~~قبل المسيس والدخول، ولا أن تتزوجوهن «8» ولم تمسوا لهن مهرا فطلقوهن ~~(ومتعوهن) أي أعطوهن المتعة بما ينتفعون به وهي درع وملحفة وخمار على حسب ~~الحال (على الموسع) أي على ذي السعة واليسر منكم (قدره) بفتح الدال وسكونها ~~«9»، أي بقدر وسعه ms0150 (وعلى المقتر) أي على الضيق الحال، يعني العسر (قدره) أي ~~بقدر عسره وضيقه (متاعا) مصدر مؤكد لفعله، أي متعوهن متاعا (بالمعروف حقا) ~~أي واجبا (على المحسنين) [236] أو حق ذلك حقا على الذين يحسنون إلى ~~المطلقات بالتمتيع، وصفهم بالإحسان باعتبار ما يؤول إليه. ### || [سورة البقرة (2): آية 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) # (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) أي تجامعوهن وقبل الخلوة بهن (وقد فرضتم ~~لهن فريضة) أي سميتم لهن مهرا (فنصف ما فرضتم) أي فعلى الزوج واجب نصف ما ~~فرض لزوجته من المهر وإن مات أحدهما قبل الدخول فيجب عليه كله (إلا أن ~~يعفون) أي إلا أن تترك الزوجات المطلقات عن أزواجهن فلا يأخذن منهم شيئا، ~~فالواو فيه لام الفعل لا للجمع، والنون ضمير النساء لا للإعراب وإلا لكانت ~~محذوفة ب «أن»، فظهر الفرق بينه وبين قولك: الرجال يعفون، فان الواو فيه ~~ضميرهم والنون علم للرفع، وعطف عليه قوله (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) ~~أي أو يترك الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو قول الشافعي في القديم، وقيل المراد PageV01P117 # منه الزوج وعفوه أن يصرف كل الصداق إليها، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ~~آخرا «1»، وسمي الزيادة على النصف عفوا بطريق المشاكلة، والأول أظهر، لأن ~~العفو يطابقه (وأن تعفوا) فهو «2» (أقرب للتقوى) مبتدأ وخبر وتعليل، أي ترك ~~بعضهم بعضا حقه أقرب لأجل التقوى، إذ الأخذ كأنه عوض من غير معوض عنه أو ~~ترك المروة عند ذلك ترك للتقوى، وفي الآية ندب إلى الإنسانية بينهم، لأنه ~~تعالى أمر كل واحد منهما بالعفو، ثم قال تأكيدا لها (ولا تنسوا الفضل) أي ~~التفضل والإحسان (بينكم) باعطاء الرجل «3» كل المهر لها وترك المرأة نصيبها ~~منه (إن الله بما تعملون بصير) [237] أي عالم بأعمالهم فيجازيكم بها، قيل: ~~تزوج جبير بن مطعم امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها ms0151 الصداق، وقال: أنا ~~أحق بالعفو «4». ### || [سورة البقرة (2): آية 238] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) # قوله (حافظوا على الصلوات) حث للمؤمنين على محافظة الصلوة واستدامتها ~~بقطع التعلق بحظوظ أنفسهم، لأنه يفوت القربة بالله أي داوموا على المكتوبات ~~بمواقيتها وحدودها، إذ لا فريضة بعد التوحيد أعظم من الصلوة وإقامتها بما ~~هو مشروع فيها من الأفعال والأقوال (والصلاة الوسطى) أي المتوسطة بين ~~الصلوات أو الفضلى، يقال للأوسط أفضل، وإنما أفردت بالذكر لانفرادها ~~بالفضل، قيل: هي صلوة الفجر «5»، لأنها بين صلوتي الليل وصلوتي النهار، ~~وقيل: صلوة الظهر «6»، لأنها في وسط النهار، وقيل: صلوة العصر لحديث ورد ~~فيها وهو قوله عليه السلام يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلوة الوسطى صلوة ~~العصر ملأ الله بيوتهم نارا» «7»، ولأنها بعد صلوتي النهار وقبل صلوتي ~~الليل (وقوموا لله قانتين) [238] أي طائعين خاضعين في صلوتكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 239] # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون (239) # نزل حين كانوا يتكلمون في الصلوة فنهوا عنه «8» (فإن خفتم) أي إن كان بكم ~~خوف من عدو وغيره (فرجالا) أي فصلوا راجلين، نصب على الحال (أو ركبانا) أي ~~راكبين على دوابكم، قال الشافعي رحمه الله يصلي: ماشيا وراكبا ومقاتلا حيث ~~كان وجهه سواء مستقبل القبلة أو غير مستقبلها يومئ بالركوع والسجود، ~~والسجود يكون أخفض من الركوع في الإيماء، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ~~يصلى ماشيا ولا مقاتلا إذا لم يمكن الوقوف، وعند الكل لا ينتقص «9» عدد ~~الركعات «10»، وعن ابن عباس رضي الله عنه: «صلوة الخوف ركعة» «11» (فإذا ~~أمنتم) أي إذا زال خوفكم من العدو وغيره (فاذكروا الله) بالصلوة، أي صلوا ~~لله صلوات الخمس أو اشكروه «12» على الأمن (كما علمكم) أي اذكروه ذكرا مثل ~~تعليمه «13» إياكم وإحسانه إليكم كيف تصلون الصلوة في حال الأمن وفي حال ~~الخوف (ما لم تكونوا تعلمون) [239] أي الذي لم تكونوا عالمين به من ~~الشرائع. ### || [سورة البقرة (2): آية 240] # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن ms0152 خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) # ثم قال (والذين يتوفون) مبتدأ، أي يموتون (منكم ويذرون) أي يتركون «14» ~~(أزواجا) أي نساء من بعدهم PageV01P118 # (وصية) بالنصب مصدر، فعله محذوف، أي يوصون وصية، والجملة في محل الرفع ~~خبر المبتدأ، وقرئ بالرفع «1»، أي فعليهم وصية، والجملة خبر «الذين» أو حكم ~~الذين يتوفون وصية (لأزواجهم متاعا) نصب بالوصية أو بفعلها المقدر، أي ~~الحكم أن يوصوا لهم ما يتمتعن به (إلى الحول) أي من النفقة أو السكنى، ~~و«إلى الحول» إما صفة «متاعا» أو متعلق بفعله المقدر إذا كان مصدرا، أي ~~متعوهن متاعا بما يحتجن إليه، قوله (غير إخراج) صفة «متاعا» أو حال من ~~أزواجهم، أي غير مخرجات من البيت الذي مات فيه الزوج، قيل معناه: # حق على من يموت أن يوصي ورثته بأن ينفقوا على زوجته من تركته ويسكنونها ~~منزله سنة «2»، فكان «3» ذلك واجبا في أول الإسلام، ثم نسخت النفقة ~~بالميراث الربع والثمن والحول بأربعة أشهر وعشرا «4» التي تقدم ذكرها تلاوة ~~وهي متأخرة تنزيلا، واختلف في السكنى فعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا سكنى ~~لهن «5» (فإن خرجن) من مساكنهن بعد الحول (فلا جناح عليكم) أيها الأولياء ~~(فيما فعلن في أنفسهن) من التزين والتعرض للخطاب (من معروف) أي بما عرف ~~شرعا من التزين لا بما ينكره الشرع، قيل: الخروج يحتمل أن يكون بعد مضي ~~الحول وأن يكون في الحول إذا خرجت بالعذر في أمر لا بد لها منه «6» (والله ~~عزيز) لمن ظلم (حكيم) [240] في أمره. ### || [سورة البقرة (2): آية 241] # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) # قوله (وللمطلقات متاع) نزل فيمن سمع قوله تعالى «حقا على المحسنين» «7»، ~~وقال: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد لم أفعل «8»، فبين تعالى أن يكون لكل مطلقة ~~متاع على الزوج، أي متعة كما ذكرت في الآية المتقدمة (بالمعروف) أي بما عرف ~~حقه على حسب حال الزوج وأكد الوجوب بقوله تعالى (حقا) أي واجبا (على ~~المتقين) [241] من عقابه تعالى، قيل: كانت المتعة فيما مر واجبة في ms0153 مطلقة ~~واحدة وهي المطلقة قبل الدخول ولم يسم «9» لها مهر وفي الباقيات «10»، أي ~~التي لم يسم لها مهرا «11» ودخل بها الزوج، والتي سمي لها مهرا «12» ولم ~~يدخل بها، والتي سمي لها مهرا «13»، ودخل بها الزوج «14» كانت مستحقة لزوال ~~ضغن القلوب، ثم أوجبها الله في هذه الآية لجميع المطلقات، وقيل: المراد من ~~ال «متاع» ههنا نفقة العدة، وهي واجبة عند أبي حنيفة رضي الله عنه «15». ### || [سورة البقرة (2): آية 242] # كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون (242) # (كذلك) أي مثل ذلك البيان (يبين الله لكم آياته) من الأحكام والشرائع ~~(لعلكم تعقلون) [242] أي تفهمونها وتعملون بها. ### || [سورة البقرة (2): آية 243] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (243) PageV01P119 ### || [سورة البقرة (2): آية 244] # وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) # قوله (ألم تر إلى الذين خرجوا) بعث على امتثال أمر الله تعالى من الجهاد ~~في سبيل الله وغيره لمن سمع هذه القصة، وتعجيب «1» من شأن أهلها ليعتبروا ~~ويعلموا، أي لا مفر من حكم الله وقضائه، وهو استفهام على سبيل التقرير، أي ~~ألم تعلم، يعني قد انتهى علمك إلى خبر الذين خرجوا (من ديارهم) أي من ~~بلادهم داوردان قبل واسط (وهم ألوف) أي جماعات «2» كثيرة، قيل: كانوا ~~ثمانية آلاف «3»، وقيل: سبعين ألفا «4» (حذر الموت) أي خوف الطاعون والوباء ~~هاربين، فنزلوا واديا واستقروا فيه (فقال لهم الله) على لسان ملك (موتوا) ~~أو معنى هذا القول فأماتهم الله، وإنما جيء بهذه العبارة ليدل على أنهم ~~ماتوا ميتة رجل واحد بأمره ومشيته، وتلك ميتة خارجة عن العادة فماتوا جميعا ~~وبقوا فيه موتى ثمانية أيام، وقيل: مر بهم نبي اسمه حزقيل عليه السلام بعد ~~زمان طويل وقد تفرقت أوصالهم وعريت عظامهم، فقال الحمد لله القادر على أن ~~يحيي هذه النفوس البالية ليعبدوه، فدعا لهم «5» (ثم أحياهم) الله تعالى ~~ليعلموا أن الحذر لا يغني من القدر، وهذا تبكيت لمن يفر «6» من ms0154 القضاء ~~المحتوم (إن الله لذو فضل على الناس) حيث يبصرهم «7» ما يعتبرون أو لذو من ~~على أولئك القوم حين أحياهم ليعتبروا ويفوزوا، ولو شاء الله لتركهم موتى ~~إلى يوم البعث (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) [243] رب هذا الفضل والنعمة. # ثم خاطب تشجيعا للذين أحيوا، وقيل: لهذه الأمة بالعطف على مقدر «8»، أي ~~لا تحذوا الموت (وقاتلوا في سبيل الله) أي في طاعته أعداءه الكفار (واعلموا ~~أن الله سميع) لمقالتكم بالتخلف عن الامتثال (عليم) [244] بما تضمرونه من ~~الأغراض في الجهاد، يعني من غرض الدنيا وغرض الآخرة. ### || [سورة البقرة (2): آية 245] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ~~ويبصط وإليه ترجعون (245) # قوله (من ذا الذي يقرض الله) استفهام للتحريض على التصدق، نزل في شأن أبي ~~الدحداح حيث قال: # يا رسول الله! إن لي حديقتين، لو تصدقت إحديهما أكان «9» لي مثلها في ~~الجنة؟ قال: نعم «10»، أي من يعطي عباده بالتصدق (قرضا حسنا) أي اعطاء ~~جميلا بطيبة نفس يطلب منه الجزاء (فيضاعفه) بالألف مخففا وبغيرها مشددا وضم ~~الفاء للعطف على «يقرض» وبالألف وبغيرها ونصب الفاء «11» لكونه في جواب ~~الشرط، أي فيزيده (له أضعافا كثيرة) لا يعلم عددها لكثرتها إلا الله، وأصل ~~التضعيف أن يزاد على الشيء مثله أو أمثاله، ثم أخبر أن التصدق لا يمكنهم ~~إلا بتوفيق الله تعالى بقوله (والله يقبض) أي يمسك الرزق عن خلقه (ويبسط) ~~بالسين والصاد «12»، أي يوسع الرزق على خلقه، ثم حثهم على ترك الدنيا وسهله ~~عليهم فقال (وإليه) أي إلى PageV01P120 # الله (ترجعون) [245] فيجازيكم على ما قدمتم فلا تبخلوا بما وسع عليكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 246] # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) # ثم أخبر عن حال بني إسرائيل ms0155 المؤمنين حيث كثرت فيهم المعاصي والخطايا، ~~فمرج أمرهم، وأخرج بعضهم من ديارهم بظهور عدو عظيم عليهم، وهم قوم جالوت، ~~وكانوا كفار بني إسرائل، قهروا على مؤمنيهم بالقتل والسبي والإخراج من ~~ديارهم بحكم جالوت قوله (ألم تر إلى الملإ) أي الأشراف والرؤساء (من بني ~~إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي) وكان ملوكهم مطيعين لأنبيائهم فقالوا ~~لنبي (لهم) وهو يوشع بن نون أو إشمويل (ابعث) أي أرسل يعني اختر (لنا ملكا) ~~أي سلطانا يتقدمنا «1» ويحكم علينا في تدبير الحرب، ونطيع لأمره (نقاتل في ~~سبيل الله) بالنون والجزم في جواب الأمر وبالياء والجزم كذلك وبالرفع «2» ~~صفة ل «ملكا» (قال) أي النبي (هل عسيتم) بفتح السين وكسرها «3»، أي هل ~~قاربتم (إن كتب) أي فرض (عليكم القتال) وهو شرط معترضة، لأن خبر «عسى» (ألا ~~تقاتلوا) يعني أتوقع جبنكم «4» عن القتال، فالاستفهام لتقرير أن التوقع ~~كائن (قالوا وما لنا ألا نقاتل) أي أي داع لنا إلى ترك القتال من الأعراض ~~(في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) قيل: أن قوم جالوت كانوا ~~سكنين في ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوك بني إسرائيل ~~أربع مائة وأربعين «5» (فلما كتب عليهم القتال) في سبيل الله (تولوا) أي ~~أعرضوا (إلا قليلا منهم) وهم ثلثمائة وثلثلة عشر على عدد أهل بدر (والله ~~عليم بالظالمين) [246] أنفسهم بالقعود عن القتال وترك الجهاد، قاله وعيدا ~~لهم عليه. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 247 الى 248] # وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) ~~وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ~~ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) # (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) حال من «طالوت»، ms0156 وهو لا ~~ينصرف للعجمة والتعريف، فلما عرفهم نبيهم أن طالوت ملكهم (قالوا) منكرين ~~(أنى يكون له الملك) أي من أين يستحق التملك (علينا ونحن أحق بالملك منه) ~~أي وفينا من هو أحق بالملك، وإنه فقير، والواو في «ونحن» للحال، وعطف عليه ~~قوله (ولم يؤت) أي لم يعط (سعة من المال) أي كثرته ولا بد للملك من مال ~~يعتضد به (قال) نبيهم ردا عليهم (إن الله اصطفاه) أي اختاره (عليكم وزاده ~~بسطة) بالسين والصاد «6»، أي سعة (في العلم والجسم) قيل: إنه كان أعلم بني ~~إسرائيل بالديانات وأمور الحرب في وقته، وكان أطول من كل إنسان برأسه ~~ومنكبه «7»، وإنما ذكر هذين الأمرين فيه لأن الإنسان يكون أعظم في النفوس ~~بالعلم وأهيب في القلوب بالجسم (والله يؤتي ملكه من يشاء) لأنه مختص به لا ~~منازع له فيه فيعطيه لمن يستصلحه للملك (والله واسع) أي كثير الفضل والعطاء ~~(عليم) [247] بما يصنع من الاصطفاء والإيتاء، ثم طلبوا علامة من نبيهم على ~~كونه ملكا عليهم (وقال لهم نبيهم PageV01P121 # إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) وهو فعلوت من التوب بمعنى «1» الرجوع وهو ~~الوعاء الذي يوضع فيه الشيء ويرجع إليه للإخراج دائما وليس فاعولا، لأنه ~~وزن غير معروف بينهم، قيل: كان التابوت صندوق التورية، وكان موسى عليه ~~السلام إذا قاتل قدمه فكان «2» تسكن «3» نفوس بني إسرائيل ولا يفرون ~~فيستنصرون به «4»، وهو معنى قوله (فيه سكينة من ربكم) أي طمأنينة لقلوبهم ~~من الله «5» (وبقية) هي لوحان من التورية وقطع الألواح التي تكسرت وعصا ~~موسى ونعلاه وعمامته وعمامة هرون وقفيز من المن (مما ترك آل موسى وآل ~~هارون) أي الأنبياء أو نفس موسى وهرون، وهو في محل الرفع صفة ل «بقية»، ~~قيل: قد خبأه يوشع في التيه بعد موسى عليه السلام «6»، وقيل: لما مرج أمر ~~بني إسرائيل وغيروا دينهم غصبهم الكفار وأخذوه منهم قسرا وكان في أرض جالوت ~~ولما أراد الله أن يملك طالوت أصاب جالوت وقومه ببلاء الباسور والهلاك حتى ~~هلكت خمس مدائن، فقالوا: هذا بسبب التابوت فينا فوضعوه ms0157 على العجلة وربطوا ~~العجلة على الثورين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما ~~فساقوهما إلى أرض بني إسرائيل فأصبحوا فاذا التابوت بين ظهرانيهم «7» فذلك ~~قوله (تحمله الملائكة) وقيل: حملته الملائكة نازلين من السماء ووضعته عند ~~طالوت فأقروا بملكه «8» (إن في ذلك) أي في رد التابوت (لآية لكم) أي لعلامة ~~لملك طالوت (إن كنتم مؤمنين) [248] أي مصدقين بأن ملكه من الله فعرفوا ذلك ~~وأطاعوه فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفا. ### || [سورة البقرة (2): آية 249] # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) # (فلما فصل) أي خرج من بيت المقدس (طالوت بالجنود) وكان حرا شديدا فطلبوا ~~الماء (قال) طالوت بوحي الله إليه، لأنه جعله نبيا، وقيل: أخبره نبيهم وهو ~~أخبر قومه «9» (إن الله مبتليكم) أي مختبركم (بنهر) وذلك ليظهر عند طالوت ~~من كان مخلصا في نيته من غيره ليميزهم من العسكر، لأن من لا يريد القتال ~~إذا خالط عسكرا يدخل الضعف في العسكر فينهزمون لشؤمه «10» فقال (فمن شرب ~~منه) أي كرع فيه (فليس مني) أي من أهل ديني وأتباعي على عدوي (ومن لم ~~يطعمه) أي من «11» لم يذقه (فإنه مني) أي من أهل ديني (إلا من اغترف غرفة ~~بيده) بالضم اسم بملء الكف وبالفتح مصدر «12» للمرة، ومحل «إلا من» نصب على ~~الاستثناء من قوله «فمن شرب»، المعنى: أن الغرفة مباحة لكم فكانت الغرفة ~~تكفي للرجل ودوابه (فشربوا منه) أي من ماء النهر (إلا قليلا منهم) أي لم ~~يكرعوا فيه فأمر طالوت من شرب منه أن يرجعوا وأمسك المخلصين، قيل: قد ظهر ~~من الشرب في شفة من شرب علامة عرف بها فرده «13» (فلما جاوزه) أي النهر ~~«14» (هو) أي طالوت «15» (والذين ms0158 آمنوا معه) أي المؤمنون ودنوا إلى عسكر ~~جالوت ورأوه «16» (قالوا لا طاقة) أي لا قوة (لنا اليوم بجالوت وجنوده) لما PageV01P122 # رأوا من كثرتهم، قيل: كان معه مائة ألف، كلهم شاكون في السلاح «1» (قال ~~الذين يظنون) أي يوقنون (أنهم ملاقوا الله) بالبعث بعد الموت (كم من فئة ~~قليلة) أي جند قليل (غلبت فئة كثيرة بإذن الله) أي بارادته ونصره إذا خلصت ~~نيتهم في طاعة الله (والله مع الصابرين) [249] بالنصرة على عدوهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 250] # ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين (250) # (ولما برزوا) أي خرجوا واصطفوا في فضاء من الأرض (لجالوت وجنوده) دعوا ~~الله بالإخلاص (قالوا ربنا أفرغ) أي اصبب «2» (علينا صبرا) على القتال ~~(وثبت أقدامنا) عنده (وانصرنا على القوم الكافرين) [250] وكان داود عليه ~~السلام راعيا لغنم أبيه وكان له سبعة إخوة مع طالوت للقتال فأرسله أبوه ~~لينتظر إليهم ويأتي به خبرهم لبطؤهم، فمر في الطريق بحجر، فقال له خذني، ~~فاني حجر إبراهيم الذي قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته، ثم مر بآخر، ~~فقال: خذني فاني حجر موسى قتل بي عدوه، ثم بثالث، فقال: خذني، فاني أقتل ~~جالوت فأخذه فأتاهم وهم قد برزوا لجالوت، وقال جالوت: من يبارزني اليوم؟ ~~فلم يخرج إليه أحد، فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟ ~~فقالوا له: اسكت، فذهب داود إلى ناحية فيها طالوت، فقال داود له: ما تصنع ~~بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال طالوت: أنكحه ابنتي وأجعل له نصف ملكي، قال: أنا ~~أخرج إليه، فأعطاه طالوت درعه وسيفه فردهما إليه، وقال: إني لم أتعود ~~القتال في الدرع، قال له طالوت: هل جربت نفسك، قال: نعم، فأمره بأن يخرج ~~إليه، فأخذ قذافته وخرج، فلما رآه جالوت قال: # خرجت لتقتلني بالقلاعة كما تقتل الكلاب «3»، قال له داود: هل أنت إلا مثل ~~الكلب، وكان على رأسه بيضة ثلثمائة رطل، فأخذ حجرا من الأحجار الثلثة فوضعه ~~في قذافته فرماه فوقع في صدره فنفذ من صدره، وقتل من ms0159 خلفه خلقا كثيرا «4»، ~~وقيل: رمى واحدا بعد واحد «5». ### || [سورة البقرة (2): آية 251] # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت) فزوجه طالوت ابنته، وأراد أن يعطي ~~له نصف ملكه ومنعه وزراؤه، وقالوا: هو يصير منازعا لك فيفسد ملكه فامتنع من ~~ذلك وحسده فأراد قتله، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل «6» فيه طالوت ~~تائبا عن حسده، ثم خلفه داود في الملك كله فقال تعالى (وآتاه الله الملك) ~~أي أعطاه ملك اثني عشر سبطا (والحكمة) أي النبوة، وأنزل عليه الزبور ~~أربعمائة وعشرين سورة (وعلمه مما يشاء) من صنعه «7» الدرع ولنطق الطير ~~وتسبيح الجبال وكلام النمل (ولو لا دفع الله) بغير الألف وبالألف «8»، وأصل ~~الدفع الصرف، أي ولو لا أن يصرف الله (الناس بعضهم) أي المشركين والمفسدين ~~(ببعض) أي بالمؤمنين PageV01P123 # (لفسدت الأرض) أي لهلك أهلها بقتل المسلمين وظهور الشرك والمعاصي، وقيل: ~~لو لا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار لهلكت الأرض بما فيها بسخط ~~الله «1»، روي عن الحسن رضي الله عنه: «لو لا الصالحون لهلك الطالحون» «2»، ~~وقال النبي عليه السلام: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من ~~جيرانه البلاء» «3» (ولكن الله ذو فضل) أي ذو من (على العالمين) [251] أي ~~على أهل الأرض بالدفع عنهم. ### || [سورة البقرة (2): آية 252] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) # (تلك) أي الأخبار التي ذكرت من خبر الألوف إماتة وإحياء ومن تمليك الله ~~طالوت وإظهاره بآية التابوت الذي أتي به من الغيب «4» ومغلوبية الجبابرة عن ~~يد «5» صبي وهو داود (آيات الله نتلوها) بجبرائيل (عليك بالحق) أي ملابسا ~~بالصدق ولا يشك فيه أهل الكتاب، لأنه مكتوب في كتبهم (وإنك لمن المرسلين) ~~[252] حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب أو سماع خبر، وهو من ~~المعجزات الدالة على توحيد الله ورسالتك. ### || [سورة البقرة (2): آية 253] # تلك الرسل فضلنا بعضهم على ms0160 بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) # (تلك الرسل) أي جماعة الأنبياء الذين ذكروا في هذه السورة أو الذين ثبت ~~علمهم عند الرسول (فضلنا) بلطفنا لا بعملهم الخير (بعضهم على بعض) في ~~الدنيا (منهم من كلم الله) كموسى عليه السلام من غير سفير فهو كليمه بمعنى ~~مكالمه (ورفع بعضهم) أي محمدا عليه السلام، ولم يذكره باسمه تعظيما له ~~(درجات) لأنه ليس بشيئ «6» من الآيات التي أعطاها الله تعالى الأنبياء إلا ~~وقد أعطي محمدا عليه السلام أكثرها وأكبرها القرآن الذي ثبت إعجازه على ~~مرور الأزمان وهو محرز قصبات الفضل على سائر الأنبياء اللهم ارزقنا شفاعته ~~يوم القيامة (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) أي العجائب والدلائل الواضحات ~~كاحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وإنما خص «موسى» و «عيسى» من بين ~~الأنبياء بالذكر في باب التفضيل، لأنهما قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات ~~والمعجزات (وأيدناه بروح القدس) أي قوينا عيسى بجبرائيل حين أرادوا قتله، ~~والقدس هو الله، أضيف إليه تشريفا له، وقيل: معناه أحييناه بحياة الله لا ~~من ماء المني «7» (ولو شاء الله) مشية قسر (ما اقتتل الذين من بعدهم) أي ~~بعد الرسل وأبدل منه قوله (من بعد ما جاءتهم البينات) أي بعد مجيئهم ~~بالبينات التي يهتدي بها (ولكن اختلفوا) في دينهم بعد ذهاب الرسل (فمنهم من ~~آمن) أي ثبت على الإيمان (ومنهم من كفر) أي ارتد ولم يثبت عليه، ثم قال ~~(ولو شاء الله ما اقتتلوا) بالتكرير تأكيدا أي لجمعهم «8» على الهدى (ولكن ~~الله يفعل ما يريد) [253] من عصمة البعض وخذلان البعض، لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون. ### || [سورة البقرة (2): آية 254] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم ms0161 الظالمون (254) # ثم أشار إليهم بأن الدنيا لا تبقى ولا ينفعهم منها إلا ما قدموه إلى ~~الآخرة إن آمنوا بها (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا) أي تصدقوا (مما رزقناكم) ~~شيئا، قيل: هو الزكوة «9»، وقيل: هو التطوع «10» (من قبل أن يأتي يوم) أي ~~يوم الحساب والجزاء (لا بيع فيه) أي لا فداء ثمه (ولا خلة) أي لا «11» ~~صداقة (ولا شفاعة) بغير إذن الله تعالى، PageV01P124 # قرئ بفتح اسم «لا» في الكل بلا تنوين على البناء وبالرفع «1» على جعل ~~«لا» بمعنى ليس (والكافرون هم الظالمون) [254] أي من ينكر بيوم البعث يظلم ~~نفسه بعذاب النار. ### || [سورة البقرة (2): آية 255] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) # قوله (الله لا إله) أي لا معبود للخلق (إلا هو) أي إلا الله (الحي) ~~الموصوف بالحيوة الأزلية الأبدية (القيوم) أي الدائم القيام بتدبير الخلق ~~في إنشائهم ورزقهم، نزل حين قال المشركون: أصنامنا شركاء الله وهم شفعاؤنا ~~عنده «2»، فوحد الله نفسه بالنفي والإثبات ليكون أبلغ في ثبوت التوحيد ونفي ~~الشرك، قوله (لا تأخذه سنة ولا نوم) تأكيد ل «القيوم»، أي ليس بغافل عن ~~أمور الخلق لأن من جاز عليه التغير «3» بالسنة والنوم استحال أن يكون ~~قيوما، قيل: «السنة» ما يتقدم النوم من النعاس «4»، والنوم غشية ثقيلة تقع ~~في القلب «5»، وقيل: النعاس في العين والنوم في القلب «6»، ونفي الأدنى ~~أولا، لأنه مبدأ التغير ليلزم منه نفي الأعلى وإنما ذكره تتميما للكلام أو ~~نفيا للتغيرات كلها، لأنه ربما يتوهم أن الأدنى لا يأخذه «7» لضعفه وأن ~~الأعلى يأخذه «8» لقوته فجمع بينهما لنفي ذلك التوهم (له ما في السماوات ~~وما في الأرض) أي لا شركة لأحد في ملكهما، لأنه خلقهما بما فيهما، قوله (من ~~ذا الذي يشفع عنده) بيان إنكار بالاستفهام لعظمته ms0162 وكبريائه في الدنيا ~~والآخرة، وإن أحدا لا يقدر أن يتكلم بالشفاعة وغيرها عنده يوم القيامة (إلا ~~بإذنه) أي إلا بأن يأذن في الكلام والشفاعة لمن شاء فيمن شاء، ثم بين أنه ~~لا يخفى عليه «9» شيء ما بقوله (يعلم ما بين أيديهم) أي ما كان قبلهم من ~~أمر الدنيا وتشريك الأصنام له (وما خلفهم) أي ويعلم ما يكون بعدهم من أمر ~~الآخرة وأن لا شفاعة لهم فيها (ولا يحيطون) أي ولا يدركون، يعني الملائكة ~~والأنبياء وغيرهم (بشيء من علمه) أي من جميع معلوماته (إلا بما شاء) أي إلا ~~بما أخبر الله لهم كاخبار الأنبياء والرسل، وهذا رد لعابد الملائكة حيث ~~يرجون شفاعتهم لعبادتهم إياهم، يعني أنهم لا يعبدون شيئا مما تقدمهم ~~وتأخرهم، ولا يملكون الشفاعة ولا غيرها إلا بما أخبرهم ربهم، ثم بين وسعة ~~ملكه بقوله (وسع كرسيه السماوات والأرض) أي وسع ملكه الذي لا شريك له فيه ~~تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك، وقيل: # وسع علمه تسمية بالمكان الذي هو كرسي العالم الحاكم «10»، وقيل: هو ~~الكرسي الذي بين يدي العرش ودونه السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش ~~كأصغر شيء «11»، وقيل: الكرسي والعرش واحد «12» (ولا يؤده) أي لا يثقله ~~(حفظهما) أي حفظ السموات والأرض (وهو العلي) الشأن في الألوهية (العظيم) ~~[255] بالملك والقدرة، يعني لا ند له ولا ضد له «13»، روي عن النبي عليه ~~السلام: «سيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» ~~«14»، وروي أيضا: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلوة مكتوبة لم يمنعه من دخول PageV01P125 # الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ ~~مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» «1». ### || [سورة البقرة (2): آية 256] # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم (256) # قوله (لا إكراه في الدين) إشارة إلى أن أمر الإيمان بعد وضوح الحجة مبني ~~على الاختيار دون القسر والإجبار كقوله «أ ms0163 فأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين» «2»، أي لم يجر الله الإيمان «3» على الإكراه ولكنه أجراه على ~~الاختيار، وقيل: هو إخبار في معنى النهي «4»، أي لا تكرهوا في الدين فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ثم نسخ بقوله «جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم» «5»، وقيل: نزل في أنصاري مؤمن بالنبي عليه السلام من أهل الكتاب ~~تنصر ابناه قبل أن يبعث النبي عليه السلام، ثم قدما المدينة فلزمهما ~~أبوهما، وقال: لا أدعكما حتى تسلما فأبيا فاختصما إلى النبي عليه السلام، ~~فقال الأنصاري: يا رسول الله، أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فقال تعالى: لا ~~تكرهوا أحدا في الدين بعد فتح مكة وإسلام العرب، فخلاهما «6»، فالآية ~~مخصوصة بأهل الكتاب، لأنهم خصوا أنفسهم بأداء الجزية فلا تكون منسوخة، ثم ~~علل عدم الإكراه في الدين بقوله (قد تبين الرشد من الغي) أي تميز الإسلام ~~من الكفر بالدلائل الواضحة فمن أسلم وإلا وضعت الجزية عليه ولا يكره على ~~الإسلام إن كان من أهل الكتاب (فمن يكفر بالطاغوت) أي بالصنم «7» أو ~~الشيطان أو كعب بن الأشرف (ويؤمن بالله فقد استمسك) أي اعتصم (بالعروة ~~الوثقى) أي بالحلقة المحكمة أو بالحبل الوثيق الموصل إلى الله (لا انفصام ~~لها) أي لا انقطاع لتلك العروة، وهي كلمة «لا إله إلا الله» (والله سميع ~~عليم) [256] لمقالتهم وأعمالهم فيجازيكم بها. ### || [سورة البقرة (2): آية 257] # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (257) # (الله ولي الذين آمنوا) أي حافظ المؤمنين وناصرهم (يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور) أي من الشبهات في الدين بتوفيق، ويوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها ~~«8» إلى نور اليقين والثبات على الاستقامة أو أخرجهم من الكفر إلى الإيمان ~~على إرادة الماضي من المستقبل (والذين كفروا) أي صمموا على الكفر (أولياؤهم ~~الطاغوت) كالشيطان وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة «9» ~~(يخرجونهم من النور) أي من نور البينات التي تظهر لهم للإيمان بمحمد، لأنهم ~~كانوا يعرفونه في كتبهم ms0164 ويستفتحون به (إلى الظلمات) أي إلى الشك والشبهة ~~«10» والإنكار، لأنهم منعوهم عن إتباعه، فيكون المراد من الإخراج عن «11» ~~الإيمان المنع من الدخول فيه (أولئك أصحاب النار) أي أهلها وملازموها (هم ~~فيها خالدون) [257] أي لا يخرجون عنها. ### || [سورة البقرة (2): آية 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) PageV01P126 ### || [سورة البقرة (2): آية 258] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين (258) # قوله (ألم تر إلى الذي حاج) ألم ينته علمك إلى قصة الملك الذي جادل وخاصم ~~(إبراهيم في ربه) أي في توحيده، تعجيب للنبي عليه السلام وتسلية له بمجادلة ~~إبراهيم نمروذ الجبار الذي ادعى الربوبية في زمانه (أن آتاه الله الملك) أي ~~لأن أعطاه الله ملك الأرض كلها ولم يشكر له على ما أعطاه، بل كفر في مقابلة ~~«1» الشكر، قيل: هو أول من ملكه الدنيا كلها فتنة له ولعباده «2» (إذ قال ~~إبراهيم) ظرف ل «حاج»، وذلك حين دخل عليه أتباعه وجنوده في عيد لهم، فسجدوا ~~له، ثم دخل عليه إبراهيم عليه السلام فلم يسجد، فقال له نمروذ: ما لك لا ~~تسجد لي؟ قال: لا أسجد إلا ربي، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال إبراهيم (ربي ~~الذي يحيي ويميت) فثمه نمروذ (قال أنا أحيي وأميت) بمد الألف من «أنا» ~~وبحذفها «3» إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة في جميع القرآن لا مكسورة ~~كما في قوله «إن أنا إلا نذير» «4» فقال له: كيف تحيي وتميت إنكارا عليه، ~~فجاء برجلين فقتل أحدهما وخلى سبيل الآخر، فقال: إنك لم تحي الميت، قيل: ~~كان لإبراهيم أن يقول أحي ms0165 «5» من أمت، ولنمروذ أن يقول فليحي ربك من أمت، ~~ولكن لم يقله معجزة لإبراهيم، وأما إبراهيم عليه السلام فهو لما سمع جواب ~~الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر عليه ليبهته أول شيء، وفيه ~~دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة واضحة «6» (قال إبراهيم فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت) أي تحير وسكت (الذي ~~كفر) يعني انقطعت حجته (والله لا يهدي القوم الظالمين) [258] أي لا يرشد ~~المعاندين إلى الحجة والبيان. ### || [سورة البقرة (2): آية 259] # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ~~قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) # قوله (أو كالذي) «أو» فيه للتخيير والكاف بمعنى المثل، منصوب المحل ~~بمحذوف، دل عليه «أ لم تر»، أي أرأيت مثل الذي أو الكاف زائدة، تقديره: ألم ~~تر إلى الذي حاج أو إلى الذي (مر على قرية) وهو كافر بالبعث وهو الظاهر ~~لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد، وقيل: «المار هو عزير النبي عليه السلام ~~«7»، مر على قرية هي بيت المقدس» «8»، وقد خربها بخت نصر، قيل: لما كثرت ~~المعاصي في بني إسرائيل وعظهم «9» نبيهم أرميا، فلم يتعظوا فخرج من بينهم ~~فجاء بختنصر وغزا بني إسرائيل، فقتل منهم سبعين ألفا وأسر سبعين ألفا، فمر ~~عزير بعد مدة على هذه القرية وكان هو من بني إسرائيل فربط حماره تحت ظل ~~شجرة، ثم طاف بالقرية «10» (وهي خاوية) أي ساقطة (على عروشها) أي سقوفها، ~~والعرش يستعمل لكل بناء مرتفع، ثم استعمل في كل مسقف كالسرير، يعني سقطت ~~سقوفها ثم سقطت عليها حيطانها، فرأى فيها فواكه كثيرة فجلس يأكل من تلك ~~الفاكة، ثم عصر من العنب ms0166 فشرب به وجعل فضله في الزق، وجمع من التين وجعله ~~في سلة له «11»، ثم نظر إلى PageV01P127 # القرية وموتاها فتعجب من كثرة حملها وفناء أهلها (قال أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها) ولم يشك في البعث لكنه أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتي ليزيد ~~علمه بقدرته، فلما تكلم عزير بذلك نام في ذلك الموضع (فأماته الله) أي ~~ألبثه ميتا (مائة عام) فليس ظرفا ل «أماته» «1»، بل هو ظرف ل «ألبثه»، لأن ~~الإماتة تقع في أيسر زمان وأمات حماره أيضا (ثم بعثه) أي أحياه الله في آخر ~~النهار وقد أماته أوله فقام حيا، ثم «2» سمع صوتا (قال كم لبثت) يا عزير في ~~نومك (قال لبثت يوما) لما رأى بقية من الشمس وظن أنها من اليوم الذي نام ~~فيه من أول النهار (أو بعض يوم) لأنها لم تغرب بعد (قال) لعزير (بل لبثت ~~مائة عام) يعني كنت ميتا هذه المدة ثم أمره «3» بالنظر ليعتبر فقال (فانظر ~~إلى طعامك) أي التين أو العنب (وشرابك) أي العصير الذي في الزق (لم يتسنه) ~~أي لم يتغير من مر السنين، يقال: سانهت رجلا «4» إذا عاملته سنة، فالهاء ~~أصلية أو الهاء بدل من الواو المحذوفة، أصله سنو، قرئ باثبات الهاء وبحذفها ~~معا وصلا، وبحذف الهاء في الوصل والقطع وباثبات الهاء في القطع، وبحذفها في ~~الوصل «5»، فنطر فرأى كل واحد منهما ما تركه بحسنه، ثم ناداه ثانيا وقد مات ~~حماره وبقي عظاما فقال (وانظر إلى حمارك) فنظر وقد بلى فأحيا حماره بعد ~~رؤيته باليا، فاذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجدا، فقال المنادي: فعلنا ذلك ~~لتعلم قدرتنا (ولنجعلك آية) أي عبرة (للناس) وللدلالة على البعث، لأن ~~أولاده صارت شيوخا وهم كانوا شبانا، ثم قال (وانظر إلى العظام) أي عظام ~~الموتى أو الحمار (كيف ننشزها) بالزاء المعجمة، أي كيف نضم بعضها ببعض ~~للتركيب، نفخ الروح فيها، والنشز التحرك والارتفاع وبالراء «6» من النشور ~~وهو الإحياء (ثم نكسوها) أي نلبسها، أي العظام (لحما) كاللباس على العريان، ~~فنفخ الروح فعادت العظام حية ms0167 كهيئتها الأولى (فلما تبين) أي ظهر (له) أي ~~لعزير احياء الموتى (قال) عزير (أعلم) بقطع الهمزة ورفع الفعل مخبرا عن ~~نفسه وبوصل الهمزة بجزم الفعل «7» آمرا لنفسه أو أمرا مقولا من الله له «8» ~~بالعلم اليقين (أن الله على كل شيء قدير) [259] من الإحياء والإمانة ~~وغيرهما. ### || [سورة البقرة (2): آية 260] # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم (260) # (وإذ قال إبراهيم) أي اذكر وقت قوله (رب أرني) بكسر الراء وسكونها «9» ~~(كيف تحي الموتى) لأزداد بصيرة في إيماني، وقيل: سأله قوم نمروذ كيف يحيي ~~ربك الموتى، فأراد أن يري ذلك من الله حتى يخبرهم «10» بما رأى من المعاينة ~~«11»، وقيل: «رأى على ساحل البحر جيفة، يأكل منها دواب البحر ودواب البر، ~~ويتفرق «12» أجزاؤها في بطونهما فوقع في قلبه أن يعلم كيف يجمعها الله ~~تعالى» «13» (قال) ربه (أولم تؤمن) يا إبراهيم بأنى أحيي الموتى (قال) ~~إبراهيم (بلى) قد صدقت أنك تحيي الموتى (ولكن) سألت (ليطمئن) أي ليسكن ~~(قلبي) فيصير «14» PageV01P128 # علمي بالاستدلال علما بالمعاينة، وهو عين اليقين، وإنما استفهمه الله ~~تعالى مع أنه كان عالما بايمانه، لأنه أراد بسؤاله عنه أن يظهر إيمانه لكل ~~سامع بقوله «بلى» (قال) الله إن ترد رؤية ذلك (فخذ أربعة من الطير) ديكا ~~وطاووسا وغرابا وحمامة (فصرهن) بضم الصاد أي قطعهن وبكسر الصاد «1»، أي ~~أمهلن بمعنى اضممهن (إليك) لتعرف أشكالها لئلا يلتبس «2» عليك بعد عودها ~~إليك، ثم اقطع رؤوسهن «3»، وقطعهن بحيث يختلط لحمهن بعضه ببعض، ثم جزئهن ~~سبعة أجزاء (ثم اجعل على كل جبل) من جبال أرضك وكانت سبعة، وقيل: # «كانت أربعة، فجزأها أربعة أجزاء» «4»، فقال تعالى: ضع على كل جبل (منهن) ~~أي من كل تلك الطيور «5» (جزءا) بضم الزاء وسكونها «6» (ثم ادعهن) أي قل ~~لهن تعالين باذن الله (يأتينك سعيا) أي مشيا سريعا على أرجلهم، وهو مصدر ~~مؤكد أو ms0168 حال بمعنى ساعيات، ففعل كما أمره فعاد كل جزء إلى جسده، ثم آتين ~~إلى رؤوسهن لئلا يتوهم أنها غير تلك الطيور، فوصلت برؤوسهن فعادت كما كانت، ~~وجعل إبراهيم ينظر ويتعجب حيث ينضم بعضها إلى بعض ويتشكل كل طير على شكله ~~الأول، ثم قال تعالى عند ذلك (واعلم أن الله عزيز) أي غالب بالانتقام عمن ~~لم يؤمن (حكيم) [260] يفعل كل شيء بالحكمة والاتقان. ### || [سورة البقرة (2): آية 261] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) # ثم حث المؤمنين بأنه عزيز حكيم على الإنفاق والتصدق في سبيله تحقيقا ~~للإيمان في قلوبهم بالثواب وتخليصا لنفوسهم عن العذاب بقوله (مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله) أي مثل نفقات المنفقين في طاعته (كمثل حبة) ~~لزراع «7» زرعها في أرض عامرة (أنبتت سبع سنابل) فرضا وتقديرا، والمنبت هو ~~الله ولكنها سبب الإنبات، أي خرجت سبع شعب من أصلها لجودة الحب وحذاقة ~~الزارع وعمارة الموضع، وضع جمع الكثرة موضع جمع القلة، وهو سنبلات (في كل ~~سنبلة مائة حبة) فيكون «8» جملتها سبع مائة حبة، فكذلك المتصدق الصالح ~~بالمال الصالح إذا أعطاه من يستحقه باذن الشرع يعطيه الله بكل صدقة سبع ~~مائة حسنة أو أكثر (والله يضاعف) بالألف من المضاعفة وبالتشديد «9» من ~~التضعيف أي يزيد الثواب (لمن يشاء) من المنفقين لا لكل منفق لتفاوت الأحوال ~~بينهم (والله واسع) أي واسع الفضل لتلك الأضعاف (عليم) [261] بإنفاقهم ~~ونياتهم. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 262 الى 263] # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة ~~خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) # ثم بين لهم طريق الإنفاق في سبيله لنيل ثوابه فقال (الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله) أي يتصدقونها في مواضعها (ثم لا يتبعون ما أنفقوا) فيها ~~(منا) أي لا يمنون عليهم بما تصدقوا بأن يقول المتصدق المان: اصطنعتك ms0169 كذا ~~خيرا و «10» أحسنت إليك كثيرا (ولا أذى) أي ولا يؤذونهم بأن يقول المتصدق ~~المؤذي: إني قد أعطيتك، PageV01P129 # فما شكرت أو إلى كم تأتيني وكم تؤذيني «1» أو كم تسأل ألا تستحيي (لهم ~~أجرهم) أي ثوابهم مهيأ (عند ربهم ولا خوف عليهم) في الآخرة (ولا هم يحزنون) ~~[262] على ما خلفوا من أمر الدنيا، قيل: نزلت الآية في شأن عثمان، اشترى ~~بئر رومة، اسم موضع في الحجاز، وجعلها سبيلا على المسلمين «2»، ثم قال ~~تعالى تأكيدا لنفي المنة ولا أذى (قول معروف) أي عدة حسنة أو رد جميل أو ~~دعاء بالخير، مبتدأ نكرة موصوفة، وعطف عليه قول (ومغفرة) أي تجاوز عن ~~الفقير إذا استطال أو عفو عن ذنبه وستر سره، وخبر المبتدأ «3» قوله (خير من ~~صدقة يتبعها أذى) أي من وتعيير على من يتصدق عليه (والله غني) عن صدقة منفق ~~مان ومؤذ (حليم) [263] حيث لا يعجل بالعقوبة، وفيه سخط منه ووعيد له. ### || [سورة البقرة (2): آية 264] # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) # ثم بالغ في الوعيد بقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم) أي ~~أجورها (بالمن والأذى) فانه من فعل ذلك أجر له في صدقته وعليه وزر منه على ~~الفقير ووزر إيذائه، وقيل: ذهب الأجر فيهما وبقي «4» الوزر في الإيذاء دون ~~المن «5»، قوله (كالذي) صفة موصوف محذوف أي إبطالا مثل إبطال المنفق، وقيل: ~~هو في محل النصب على الحال «6»، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي (ينفق ~~ماله رئاء) أي لأجل رياء (الناس) يعني ليقال أنه كريم ولا يريد بانفاقه رضا ~~الله وثواب الآخرة، وهو المنافق «7» (ولا يؤمن) أي ولا مماثلين بالذي لا ~~يتصدق (بالله واليوم الآخر) وهو المشرك، فانه إذا تصدق أبطل صدقته شركه كما ~~يبطل صدقة المؤمن المن والأذى، ثم بين مثل كل واحد من المنافق والمشرك ~~المتصدقين بصدقة ms0170 الرياء والشرك فقال (فمثله كمثل صفوان) أي حجر أملس (عليه ~~تراب فأصابه وابل) أي مطر شديد (فتركه صلدا) أي نقيا لا تراب عليه، يعني ~~مثل المرائي والمشرك وصدقتهما يوم القيامة كمثل حجر عليه تراب فأزاله ~~المطر، كذلك فوت رياؤه وشركه ثوابه (لا يقدرون على شيء مما كسبوا) من العمل ~~الخير، يعني لا يجد المراؤون والمشركون بصدقاتهم ثوابا في الآخرة كقوله ~~تعالى «فجعلناه هباء منثورا» «8»، أي «9» لا ينتفعون بما فعلوا رياء، وضمير ~~الجمع عائد إلى «الذي»، لأنه أريد به الجنس أو هو ك «من» الموصولة (والله ~~لا يهدي) أي لا يرشد (القوم الكافرين) [264] بالآخرة إلى الإخلاص وإلى ~~الإسلام، وفيه إيماء إلى أن الرياء من المؤمن كالكفر من الكافر لما روي ~~أنهم قالوا: «يا رسول الله ما الشرك الأصغر قال عليه السلام: الرياء» «10». ### || [سورة البقرة (2): آية 265] # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير (265) # ثم بين حال المنفقين بالإخلاص تبكيتا للمنفقين رياء بقوله (ومثل الذين ~~ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) أي لطلب رضوانه (وتثبيتا) أي تحقيقا (من ~~أنفسهم) أي للتصديق الحاصل من أصل نفوسهم بثواب الآخرة وقصدهم بالإنفاق وجه ~~الله من قلوبهم، وفيه إيماء إلى الإيقان والإخلاص، و «من» في «من أنفسهم» ~~للابتداء، PageV01P130 # أي تثبيتا صادرا من أنفسهم كقوله «حسدا من عند أنفسهم» «1»، وقوله (كمثل ~~جنة) خبر المبتدأ «2» وهو «مثل الذين»، أي مثلهم كمثل ثمرة بستان (بربوة) ~~بفتح الراء وضمها «3»، أي في مكان مرتفع مستو من الأرض لا يعلوه الماء ولا ~~يخلو عن شرب الماء فيكون نبته حسنا (أصابها وابل) أي مطر عظيم القطر (فآتت) ~~أي أعطت (أكلها) بسكون الكاف وضمها ونصب اللام «4»، أي ثمراتها (ضعفين) أي ~~مثلين، يعني حملت تلك الجنة في سنة ما يحمل غيرها في سنتين (فإن لم يصبها ~~وابل) أي مطر شديد (فطل) أي فالذي يصيبها طل، وهو المطر الضعيف القطر، ~~والطل إذا دام عمل عمل الوابل، المعنى: أن ms0171 صدقة المؤمن المخلص تنفعه في ~~الآخرة جلت أو قلت كما أن هذه الجنة تعطي ريعها كثر المطر أو قل (والله بما ~~تعملون بصير) [265] من عمل الإخلاص والرياء فيجازيكم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 266] # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) # قوله (أيود أحدكم) تأكيد لمنع الرياء وتحقيق للندامة «5» على فاعله، أي ~~أيحب رجل منكم (أن تكون له جنة) أي بستان (من نخيل) جمع نخل (وأعناب تجري ~~من تحتها الأنهار) خصهما بالذكر وإن كان فيها غيرهما لقوله (له فيها من كل ~~الثمرات) تفضيلا لهما وتغليبا على غيرهما، لأنهما «6» أكثر منافع العرب ~~وأكرم «7» الشجر عندهم (وأصابه الكبر) أي والحال أنه بلغ نهاية السن (وله ~~ذرية ضعفاء) أي أولاد صغار، والجملة حال من ضمير المفعول في «أصابه»، يعني ~~عجزة لا حيلة لهم في معيشتهم ولا له في معيشته ومعيشة ذريته إلا من بستانه ~~(فأصابها إعصار) أي ريح شديدة ترتفع إلى السماء كالعمود، قوله (فيه نار) ~~صفة «إعصار»، أي في تلك الريح نار محرقة (فاحترقت) تلك الجنة، فبقي الرجل ~~متحيرا لا يجد ما يعود به عليها ولا قوة له أن يغرس مثلها ولا خير في ذريته ~~من الإعانة لكونهم ضعفاء عاجزين عن أن يعينوه، فذلك مثل المرائي بعمله، ~~لأنه بعث له الشيطان فأعمله الطاعات بالرياء فأحبطها الله كلها، ثم ندم ولم ~~ينفعه الندم، وإن أحدكم إذا فارق الدنيا يكون أحوج من كل شيء إلى عمله ~~(كذلك) أي كهذا «8» البيان الذي بين فيما مر من الجهاد والإنفاق في سبيل ~~الله وقصة إبراهيم وعزير وغير ذلك (يبين الله لكم الآيات) أي الدلالات ~~الواضحة «9» في تحقيق التوحيد وتصديق الدين (لعلكم تتفكرون) [266] أي ~~تتدبرون فيها وتعتبرون بها. ### || [سورة البقرة (2): آية 267] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه ms0172 إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) # ثم حث المؤمنين بالإنفاق من الحلال الذي يحصل من الكسب بالتجارة ~~والصناعة، قال عليه السلام: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل ~~يده، وإن داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده» «10»، فقال (يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا) أي تصدقوا (من طيبات) أي من حلالات (ما كسبتم) أي ما ~~جمعتم بعمل اليد من الذهب والفضة (ومما) أي ومن طيبات ما (أخرجنا لكم من ~~الأرض) من الحبوب والأثمار أو من المعادن PageV01P131 # والكنوز، وهذا أمر باخراج الزكوة من الحلال (ولا تيمموا الخبيث) أي لا ~~تعمدوا بالتصدق والإخراج إلى ردي المال (منه تنفقون) في محل النصب على ~~الحال من ضمير «تيمموا»، أي حال كونكم منفقين بالاختصاص من خبيث المال، نزل ~~حين حث النبي عليه السلام الناس على التصدق، فجعل الناس يأتون بالصدقة ~~ويجمعون في المسجد، فجاء رجل بعذق من تمر عامته حشف «1» (ولستم بآخذيه) أي ~~آخذي الخبيث بدل الطيب (إلا أن تغمضوا فيه) أي إلا في حال إغماض البصر عنه، ~~فتأخذون دون حقكم مخافة أن يذهب جميعه، يعني لو كان لكم على رجل حق فجاء ~~بردي ماله بدل حقكم الطيب لا تأخذونه إلا في حال الإغماض والتساهل مخافة ~~فوت حقكم ولاحتياجهم إليه (واعلموا أن الله غني) عن ذلك فلا يقبل إلا الطيب ~~(حميد) [267] في فعاله عن خلقه حيث يعطي الجزيل ويقبل القليل. ### || [سورة البقرة (2): آية 268] # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله ~~واسع عليم (268) # (الشيطان يعدكم الفقر) أي يخوفكم الفقر بقوله لا تنفقوا من مالكم ~~لاحتياجهم إليه، فان تصدقتم افتقرتم (ويأمركم بالفحشاء) أي بالبخل ومنع ~~الزكوة أو بالزنا وقول الزور وغيرهما (والله يعدكم) بالتصدق وإخراج الزكوة ~~(مغفرة) لذنوبكم (منه) أي من الله (وفضلا) أي خلفا مما تصدقتم في الدنيا ~~وثوابا عليه في الآخرة (والله واسع) فضله (عليم) [268] بما تنفقون «2» ~~فيجازيكم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 269] # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ms0173 وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب (269) # (يؤتي الحكمة) أي يعطي العلم النافع والعمل به للوصول إلى رضاء الله ~~تعالى، قيل: المعرفة بمكائد الشيطان ووسواسه والإصابة في القول والعمل «3» ~~(من يشاء) من عباده (ومن يؤت) أي ومن يعط (الحكمة) أي العلم والعمل (فقد ~~أوتي) أي أعطي (خيرا كثيرا) أي خيرا يتزايد ولا ينتقص «4» وهو خير الآخرة ~~بخلاف خير الدنيا، فانه ينتقص «5» ويقل ولا يتزايد لقوله تعالى «قل متاع ~~الدنيا قليل» «6» الآية (وما يذكر) أي ما يتعظ بمعاني «7» القرآن (إلا ~~أولوا الألباب) [269] أي أصحاب العقول الكاملة، واللب جوهر العقل، والمراد ~~منهم العلماء بالله العمال بأحسن الأعمال، قيل: من أعطي علم القرآن ينبغي ~~أن لا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، لأن ما أعطيه خير كثير والدنيا متاع ~~قليل «8»، ولقوله عليه السلام: «القرآن غنى لا غنى بعده» «9». ### || [سورة البقرة (2): آية 270] # وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من ~~أنصار (270) # (وما أنفقتم) أي ما تصدقتم في سبيل الله أو في سبيل الشيطان (من نفقة) أي ~~صدقة (أو نذرتم من نذر) كذلك (فإن الله يعلمه) أي يحصيه ويحفظه فيجازيكم ~~به، والضمير في «يعلمه» عائد إلى «ما» (وما للظالمين) أي ليس للذين يظلمون ~~بمنع الصدقة والزكوة أو بالإنفاق في المعاصي (من أنصار) [270] يمنعونهم من ~~عذاب الله تعالى. ### || [سورة البقرة (2): آية 271] # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # (إن تبدوا) أي تعلنوا (الصدقات) المفروضة (فنعما هي) قرئ بفتح النون وكسر ~~العين على الأصل وبكسر PageV01P132 # النون وإخفاء حركة العين وبكسر النون والعين للاتباع والتشديد فيه اتفاق ~~«1»، أي فنعم الشيء شيئا الصدقة المعلنة، ف «نعم» فعل مدح، فاعله مضمر فيه، ~~و «ما» نكرة بمعنى شيء، مفسرة للضمير المبهم، ويقصد به فعل الفاعل وهو ~~الإبداء المعلوم بالذكر وهي خبر مبتدأ محذوف بتقدير المضاف عائد إلى ~~الصدقة، كأنه قيل: ما الممدوح؟ فقيل: هي الصدقة، يعني إبداء الصدقة ~~المفروضة (وإن تخفوها) أي الصدقة (وتؤتوها) أي ms0174 تعطوها (الفقراء) سرا (فهو) ~~أي فالإخفاء (خير لكم) من الإبداء وأفضل من الجهر وكل متقبل إذا صلحت ~~النية، قيل: # «إعلان الفريضة أفضل من إخفائها بخمسة وعشرين ضعفا وصدقة السر في التطوع ~~تفضل على علانيتها سبعين ضعفا» «2»، قال عليه السلام: «صدقة السر تطفئ غضب ~~الرب» «3»، وهذا محمول على التطوع، قوله (ويكفر عنكم) بالنون والياء والجزم ~~عطف على محل الجزاء، لأنه جواب الشرط وبالرفع على الاستئناف «4»، أي ونحن ~~نكفر أي نمحو عنكم (من سيئاتكم) أي جميع ذنوبكم على زيادة «من» أو هي ~~تبعيض، لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية (والله بما تعملون ~~خبير) [271] من التصدق في حالين فيجازيكم به. ### || [سورة البقرة (2): آية 272] # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (272) # قوله (ليس عليك هداهم) أي التوفيق إلى الهداية للكفار، نزل حين كان ~~المسلمون يمتنعون عن التصدق على كافر حتى يسلم «5»، فقال تعالى للنبي: عليك ~~يا محمد هداية البيان للدعوة كما في قوله «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم» ~~«6»، وليس عليك هداية التوفيق للكافرين حتى يسلموا (ولكن الله يهدي) أي ~~يرشد هداية التوفيق (من يشاء) فيسلم، يعني لو أنفقت لأقربائك المشركين لكان ~~ثواب نفقتك لك، فيه إيماء إلى أن الكفر لا يمنع صدقة التطوع، واختلف ~~العلماء في الواجب، قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز إنفاق صدقة الفطر ~~لأهل الذمة، ومنعه غيره «7» (وما تنفقوا) أي أي شيء تتصدقوا (من خير) أي من ~~مال (فلأنفسكم) أي فثوابه لكم لا لغيركم (وما تنفقون) أي لا تتصدقون «8» في ~~طاعة الله (إلا ابتغاء وجه الله) أي لطلب ثوابه (وما تنفقوا) أي أي شيء ~~تتصدقوا (من خير) في أهل الذمة وغيرهم (يوف إليكم) أي يعط ثوابه لكم وافرا ~~مضاعفة، و «ما» هذه شرط و «يوف» مجزوم، جزاؤه (وأنتم لا تظلمون) [272] شيئا ~~من ثوابكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 273] # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ms0175 يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) # قوله (للفقراء الذين أحصروا) صلة فعل محذوف أي أنفقوا لهم أو «9» خبر ~~مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء الذين حبسوا نفوسهم (في سبيل الله) أي في ~~طاعته من الغزو وتلاوة القرآن والعبادة في المسجد، وهم أهل الصفة، كانوا ~~مقدار أربعمائة يسكنون المسجد ويقرؤون القرآن ويعبدون ربهم «10» فيه ليلا ~~ونهارا، PageV01P133 # وتركوا الكسب والتجارة (لا يستطيعون ضربا في الأرض) أي سيرا وسفرا للكسب ~~والتجارة (يحسبهم الجاهل) بكسر السين وفتحها «1»، أي يظن «2» الجاهل بحالهم ~~وشأنهم (أغنياء من التعفف) أي لأجل تعففهم من السؤال، وهو ترك الطلب ومنع ~~النفس عن المراد بالتكلف استحياء «3» (تعرفهم بسيماهم) أي بعلامتهم التواضع ~~وصفر الوجوه ورثاثة الحال من قيام الليل وصيام النهار والفقر (لا يسئلون ~~الناس إلحافا) أي إلزاما وإلحاحا وهو مصدر منصوب بأنه مفعول له، ففيه نفي ~~للسؤال والإلحاف جميعا، أي لا يسألون أصلا أو تقديره: # سؤال إلحاف فيكون مفعولا مطلقا من غير لفظه، ويكون معناه: أنهم سئلوا ~~يسئلوا «4» بتلطف ولم يلحوا، قال عليه السلام: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب ~~فيأتي بحزمة على ظهره فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم، ~~أعطوه أو منعوه» «5» (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) [273] فيجازيكم ~~به، وفيه تحريض على التصدق للفقراء. ### || [سورة البقرة (2): آية 274] # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # ثم زاد التحريض عليه بقوله (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية) أي خفية وظاهرا (فلهم أجرهم) أي ثوابهم حاضر (عند ربهم ولا خوف ~~عليهم) مما يستقبل (ولا هم يحزنون) [274] مما مضى، فيه حث على التصدق في كل ~~الأوقات على كل الأحوال، قيل: نزل في شأن أبي بكر رضي الله عنه حيث تصدق ~~عشرة آلاف دينار بالليل وعشرة آلاف بالنهار «6»، وقيل: في شأن علي رضي الله ~~عنه حين نزل التحريض بالصدقة «7» وكان له أربعة دراهم فتصدق درهما بالليل ms0176 ~~ودرهما بالنهار ودرهما في سر «8» ودرهما بعلانية «9». ### || [سورة البقرة (2): آية 275] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) # (الذين يأكلون الربا) أي يعاملون به وخص ذكره بالأكل، لأنه أعظم المقاصد ~~منه، والربوا الزيادة المطلقة في اللغة، وفي الشرع هو الفضل على المعيار ~~الشرعي (لا يقومون) من قبورهم للبعث (إلا كما يقوم) أي إلا قياما «10» مثل ~~قيام (الذي يتخبطه) أي يصرعه ويتخبله «11» (الشيطان من المس) أي الجنون ~~متعلق بقوله «لا يقومون»، يعني لا يقومون للبعث من الجنون إلا كقيام ~~المصروع المتخبل «12»، ويكون ذلك سيماهم يعرفون به عند أهل الموقف (ذلك) أي ~~العذاب النازل بهم (بأنهم قالوا) أي بسبب قولهم (إنما البيع مثل الربا) ~~فاستحلوا الربوا بذلك، وكان الرجل إذا حل أجله ماله طلبه فيقولون له ~~المطلوب زدني في الأجل وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك، فاذا قيل لهما هذا ربوا ~~لا يجوز فعلكما ذلك، قالا: الزيادة في أول البيع كالزيادة في آخر البيع، ~~وقيل: قالا الربوا والبيع سواء في الحل فأبطل الله قولهم بقوله «13» (وأحل ~~الله البيع وحرم الربا) وهذا تصريح بأن النص يبطل القياس، لأنه جعل تحليل ~~الله وتحريمه دليلا على بطلان قياسهم (فمن جاءه موعظة) أي من بلغه PageV01P134 # وعظ (من ربه) وزجر بالنهي عن الربوا (فانتهى) أي فسمع النهي وامتنع عنه ~~(فله ما سلف) أي له ما مضى من ذنبه فلا يؤاخذ به «1»، وجعل ملكا له، لأن ~~الحجة لم تقم عليه قبل النهي، ولم يعلم بحرمة الربوا (وأمره إلى الله) أي ~~بعد ذلك شأنه مفوض إلى الله فيما يأمره وينهاه، لأنه عبده ليس له شيء من ~~أمر نفسك (ومن عاد) إلى الربوا «2» مستحلا بعد النهي كما استحل قبله ~~(فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [275] كالكفار، فمن تاب منهم فلا بد ~~له من أن ms0177 يرد الفضل ولا يكون له ما سلف، لأن حرمة الربوا ظهرت بين المسلمين ~~فلم يبق له عذر أصلا، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربوا ~~وموكله وكاتبه وشاهديه «3»، وعنه عليه السلام: «الربوا بضع وسبعون بابا، ~~أدناها كاتيان الرجل أمه» «4»، يعني كالزنا بأمه. ### || [سورة البقرة (2): آية 276] # يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم (276) # (يمحق الله الربا) أي يذهب بركته وينقصه ويهلك المال الذي يدخل فيه، ولا ~~يقبل منه «5» فعل خير، وأصل المحق النقص (ويربي الصدقات) أي يزيدها ويبارك ~~فيها في الدنيا، ويضاعف الثواب بها في الآخرة، قال عليه السلام: «ما نقصت ~~زكوة من مال قط» «6» (والله لا يحب كل كفار) أي جاحد بتحريم الربوا (أثيم) ~~[276] أي فاجر بأكله وفعله، وفيه تغليظ لحال الربوا وتهديد لأهله. ### || [سورة البقرة (2): آية 277] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي الطاعات (وأقاموا الصلاة) أي ~~الصلوات الخمس بمواقيتها «7» وأركانها وآدابها (وآتوا الزكاة) أي الصدقة ~~المفروضة (لهم أجرهم عند ربهم) أي ثواب أعمالهم من غير نقص (ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون) [277] وفيه ترغيب لأهل الإيمان في الأعمال الحسنة وتزهيد عن ~~الأعمال السيئة. ### || [سورة البقرة (2): آية 278] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) # (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي اخشوه ولا تعصوه فيما نهاكم عن أمر ~~الربوا وغيره (وذروا) أي اتركوا (ما بقي من الربا) أي من الزيادة الباقية ~~بعد أخذكم ما شرطتم على الناس من الربوا، فلا تطلبوا بها (إن كنتم مؤمنين) ~~[278] أي إن صح إيمانكم وتصديقكم بتحريم الربوا، لأن امتثال الأمر دليل على ~~صحة الإيمان أو إن كنتم كاملي «8» الإيمان أو «إن» بمعنى إذ. ### || [سورة البقرة (2): الآيات 279 الى 280] # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا ~~تظلمون ولا تظلمون (279) وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ms0178 ميسرة وأن تصدقوا خير ~~لكم إن كنتم تعلمون (280) # ثم هددهم بقوله (فإن لم تفعلوا) أي إن لم تتركوا الزيادة ولم تقروا ~~بتحريم الربوا (فأذنوا) بسكون الهمزة «9» وفتح الذال من أذن بمعنى علم، أي ~~فاعلموا بفتح الهمزة الممدودة «10» وكسر الذال «11» من الإيذان بمعنى ~~الإعلام، PageV01P135 # أي فأعلموا غيركم، أي ليعلم بعضكم بعضا (بحرب من الله ورسوله) ولم يقل ~~بحرب الله ورسوله ليكون أبلغ في التحذير، لأن المعنى بنوع حرب عظيم من عند ~~الله ورسوله، وحرب الله النار وحرب رسوله السيف، قيل: # يقال يوم القيامة لآكل الربوا خذ سلاحك للحرب من الله، ولما سمع المربون ~~هذه الآية، قالوا: لا طاقة لنا بحرب من الله ورسوله ورضوا برؤوس أموالهم ~~«1»، ثم بين الله تعالى الحكم بعد التوبة بقوله (وإن تبتم) عن الربوا (فلكم ~~رؤس أموالكم) التي أربيتم بها (لا تظلمون) غيركم بطلب الزيادة على رأس ~~المال (ولا تظلمون) [279] بأن ينقص المطلوب عن رأس المال، قيل: الآية نزلت ~~في بني ثقيف وبني المغيرة، فان بني ثقيف أربوا بني المغيرة في الجاهلية ~~فلما ظهر النبي عليه السلام على أهل مكة وضع الربوا كله والدم كله، فطلبوا ~~رؤوس أموالهم من بني المغيرة فشكوا العسرة وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ~~ثمارهم «2»، فقال تعالى (وإن كان) أي إن وقع (ذو عسرة) أي صاحب إعسار وهو ~~الشدة والصعوبة، ف «كان» تامة، قوله (فنظرة) خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم ~~إنظار وإمهال (إلى ميسرة) بضم السين وفتحها «3»، أي إلى وقت يسر بادراك ~~ثمارهم وغيره، قوله (وأن تصدقوا) بتشديد الصاد وتخفيفها قبل تشديد الدال ~~«4» في محل الرفع مبتدأ، أي وتصدقكم «5» باسقاط الدين كله عمن أعسر من ~~الغرماء أو بالتأخير والإنظار (خير لكم إن كنتم تعلمون) [280] أنه خير ~~فتعلموا به جعل من لا يعمل بعلمه كمن لا يعلم، قال عليه السلام: «من أنظر ~~معسرا أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة» «6». ### || [سورة البقرة (2): آية 281] # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) # (واتقوا يوما ترجعون) بضم ms0179 التاء وفتحها «7» مجهولا ومعلوما من رجع (فيه ~~إلى الله) أي اخشوا يوما تصيرون فيه إلى حكم الله، وهو يوم القيامة (ثم ~~توفى) أي تكمل «8» (كل نفس ما كسبت) من عمل خير أو شر (وهم لا يظلمون) ~~[281] أي لا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون على عقابهم، عن ابن عباس رضي الله ~~عنه: أنها آخر آية نزلت بها جبرائيل عليه السلام، وقال ضعها في رأس المأتين ~~والثمانين من البقرة، وعاش بعدها أحدا وعشرين يوما «9»، وإنما أمر بوضعها ~~هنا تأكيدا للزجر عن الربوا. ### || [سورة البقرة (2): آية 282] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم) نزل حين حرم الله الربوا لإباحة ~~السلم المضمون إلى أجل معلوم «10»، PageV01P136 # أي يا أيها المؤمنون «1» إذا عامل بعضكم بعضا (بدين) معطيا أو آخذا (إلى ~~أجل مسمى) أي معلوم الأول والآخر، احتراز عن الحصاد والدياس لعدم «2» ~~التسمية (فاكتبوه) أي دين المديون بالأجل والإشهاد، وإنما أمر بكتبة «3» ~~الدين كذلك، لأنه أبعد من الإنكار وآمن من النسيان، قيل: «هذا كان فرضا ثم ~~نسخ بقوله «فإن أمن بعضكم بعضا» «4» الآية» «5» وقيل: هو أمر ندب ثابت «6»، ~~ثم بين كيفية الكتابة فقال (وليكتب) أي كتاب الدين (بينكم) ms0180 أي بين الخصمين ~~«7» من البائع والمشتري (كاتب بالعدل) أي بالحق متعلق بقوله «فليكتب»، يعني ~~بالاحتياط والسوية لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص وعنه، قيل: فيه ~~إشارة إلى أن يكون الكاتب عالما بالشرط ليجيء مكتوبه معدلا بالشرع «8» (ولا ~~يأب) أي لا يمتنع (كاتب) من الكتابة «9» (أن يكتب كما علمه الله) أي مثل ما ~~علمه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير، وهو نهي عن الامتناع من الكتابة ~~المقيدة بالوصف الذي يجيء ذكره، ثم قال للكاتب (فليكتب) تلك الكتابة ~~المقيدة تأكيدا، وبينها بقوله (وليملل الذي عليه الحق) أي الدين وعني بالذي ~~المطلوب بالدين، وهذا أمر بالكتابة المقيدة، والإملال والإملاء لغتان في ~~معنى واحد، وهو أن يقول رجل ويكتب آخر، أي ليملئ على الكاتب ليكتب من عليه ~~حق الدين، لأنه قوله حجة على نفسه فيكون بالإملاء على الكاتب إقرارا منه ~~لوجوب «10» الحق عليه، ثم خوف المديون المملئ بقوله (وليتق) أي المطلوب ~~بالدين (الله ربه) في الإملاء (ولا يبخس) أي لا ينقص (منه) أي من الحق، أي ~~الذي وجب عليه (شيئا) ولو كان قليلا (فإن كان الذي عليه الحق) أي المطلوب ~~بالدين (سفيها) أي جاهلا بالإملاء (أو ضعيفا) عن الإملاء بكونه صبيا أو ~~هرما أو أخرس أو مجنونا فيعجز عنه (أو لا يستطيع) أي لا يقدر (أن يمل) أي ~~يملئ (هو) بنفسه لعي فيه أو لعذر لا يمكنه «11» حضور الكاتب (فليملل وليه) ~~أي ولي من عليه الحق، وهو القيم على أمره من وكيل أو وصي أو غيرهما ممن ~~يترجم عنه وهو يصدقه، وقيل: وليه صاحب الدين، لأنه أعرف بحقه «12» (بالعدل) ~~أي بالصدق والسوية (واستشهدوا) أي اطلبوا على حقكم (شهيدين من رجالكم) أي ~~من أهل دينكم، يعني من الأحرار البالغين العاقلين المسلمين يشهدان «13» على ~~الدين، ولا تجوز شهادة العبد في شيء عند عامة العلماء ولا شهادة الكافر إلا ~~عند أبي حنيفة رضي الله عنه، فانه جوز شهادة الكافر بعضهم على بعض (فإن لم ~~يكونا) أي الشاهدان (رجلين فرجل) أي فليكن للشهادة رجل (وامرأتان ms0181 ممن ترضون ~~من الشهداء) في ديانته وأمانته وشهادة النساء مع الرجال في الأموال جائزة ~~بالإجماع، قوله «ممن ترخصون» في محل الرفع صفة «رجل وامرأتين» (أن تضل) ~~بفتح «أن» المصدرية، أي لأن تنسي وبكسر «14» «إن» الشرطية، أي إن نسيت ~~(إحداهما) أي إحدى المرأتين الشاهدتين (فتذكر) بالرفع والتشديد والتخفيف ~~«15» من التذكير والإذكار جواب الشرط فهي تذكرها «16» (إحداهما الأخرى) ~~والجملة الشرطية في محل الرفع صفة ثانية ل «رجل وامرأتين»، ومعنى الشرطية ~~إن نسيت إحديهما الشهادة فهي، أي فالشهادة تذكرها (إحداهما الأخرى) ف ~~«إحديهما» فاعل و«الأخري» مفعول ثان «17» ل «تذكر»، فيكون المبتدأ مع ~~العائد محذوفا، وقرئ بنصب «تذكر» عطفا «18» على PageV01P137 # «تضل» المنصوب ب «أن»، المعنى: فلتكن «1» المرأتان شاهدتين لإرادة أن ~~تنسى «2» إحديهما، فتذكر إحديهما الأخرى إن نسيت، وليس ضلال إحديهما بمراد، ~~لكن الضلال لما كان سببا للتذكير والتذكير مسببا عنه وهما من حيث الاتصال ~~كشيء واحد كانت إرادة الضلال إرادة للتذكير والتذكير مراد لا محالة فكأنه ~~قال إرادة أن تذكر إحديهما الأخرى إن ضلت ومثل هذا الكلام كثير في عرف ~~الناس من ذلك قولهم أعددت هذا السلاح إن يظهر عدو لي فأدفعه به، ثم حث ~~الشهداء على إقامة الشهادة بقوله (ولا يأب) أي لا يمتنع (الشهداء) عن أداء ~~الشهادة (إذا ما دعوا) إلى الحاكم ليشهدوا «3»، ففيه حرمة الإباء عن ~~الشهادة والتقصير في أدائه إباء والفسق أيضا إباء، قوله (ولا تسئموا أن ~~تكتبوه) فيه تحذير على الكتابة، أي لا تملوا من أن تكتبوا الحق (صغيرا أو ~~كبيرا) حالان من ضمير المفعول، أي لا تتركوا كتابة الحق حال كون الحق قليلا ~~أو كثيرا (إلى أجله) أي إلى وقته المعلوم بين الغريمين بالتسمية (ذلكم) أي ~~كتب الحق إلى أجله (أقسط) من القسط بالكسر بمعنى العدل، أي اعدل «4» (عند ~~الله وأقوم للشهادة) أي أعون على إقامة الشهادة، لأن كتبه يذكر الشهود، من ~~القويم بمعنى الثابت المحكم ثبوته (وأدنى) أي أقرب (ألا ترتابوا) أي إلى ~~«5» أن لا تشكوا في الشهادة، المعنى: أن الكتابة والإشهاد بالشهود العدول ~~أحفظ لأموالكم (إلا ms0182 أن تكون) التجارة (تجارة حاضرة) بالنصب خبر «كان»، ~~وبالرفع على أن «كان» تامة «6»، يعني إلا أن يكون البيع بيعا حاضرا يدا بيد ~~(تديرونها بينكم) أي تداولها أيديكم ولم يكن المال مؤجلا، والجملة خبر بعد ~~خبر ل «كان» (فليس عليكم جناح) أي بأس (ألا تكتبوها) أي التجارة إذا كانت ~~حاضرة، لأن فيها أمنا ليس في التداين (وأشهدوا) على التبايع (إذا تبايعتم) ~~على كل حال نقدا كان أو مؤجلا، لأنه أحوط وأدفع مما عسى يقع من الاختلاف، ~~وهذا أمر ندب، لأنه لو «7» ترك الإشهاد جاز البيع (ولا يضار) يحتمل البناء ~~على الفاعل وعلى المفعول، فعلى الأول نهي الكاتب «8» عن ترك الإجابة إلى ما ~~يطلب منه وعن التحريف والزيادة والنقصان، أي لا يمتنع (كاتب) عن الكتابة ~~المقصودة (ولا شهيد) أي ولا يمتنع الشاهد عن إقامة الشهادة المعلومة، وعلى ~~الثاني النهي عن الضرار بالكاتب والشاهد، أي لا يوصل أحد مضرة للكاتب ~~والشاهد إذا كانا مشغولين بما يهمهما ويوجد غيرهما فلا يضاران بابطال ~~شغلهما، وقد يكون إضرار الكاتب والشهيد بأن لا يعطي حقهما من الجعل فيكون ~~النهي عن ذلك (وإن تفعلوا) أي الضرار (فإنه) أي فعلكم إياه (فسوق) أي معصية ~~(بكم واتقوا الله) في الضرار أو فيما أمركم من الكتابة و«9» الإشهاد وفيما ~~نهاكم من الإضرار، قوله (ويعلمكم الله) في محل النصب على الحال من فاعل ~~«اتقوا»، أي والحال أنه يعلمكم مصالحكم وطرق فلاحكم، والواو صلة أو التقدير ~~وهو يعلمكم «10» (والله بكل شيء عليم) [282] أي من أعمالكم ونياتكم. ### || [سورة البقرة (2): آية 283] # وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم (283) # (وإن كنتم على سفر) أي مسافرين (ولم تجدوا كاتبا) «11» بأن لا يحسن ~~الكتابة أو لا يوجد الصحيفة أو PageV01P138 # الدواة «1» والقلم (فرهان) جمع رهن، وقرئ «رهن» «2» جمعه «3» أيضا، أي ~~فالتوثق رهن (مقبوضة) أي مسلمة إلى المرتهن ولا بد من القبض خلافا لمالك، ~~وإنما ms0183 شرط السفر في الارتهان مع أن الارتهان لا يختص به سفر دون حضر، لأن ~~السفر لما كان مظنة عدم الكتب والإشهاد أمر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا ~~وتوثيقا لحفظ المال «4» (فإن أمن بعضكم بعضا) أي وثق طالب الحق على ~~المطلوب، لأنه علمه أمينا فلم يطلب منه الرهن (فليؤد الذي اؤتمن أمانته) ~~قرئ بسكون الهمز وضمه بمعنى واحد «5»، أي فليقض المطلوب الأمين ما في ذمته ~~من الدين من غير رهن منه (وليتق الله ربه) في أداء الدين من غير مطل. # ثم خاطب الشهود بالتهديد من كتمان الشهادة بقوله (ولا تكتموا الشهادة) ~~إذا دعيتم إلى الحاكم لأدائها على وجهها (ومن يكتمها فإنه آثم) أي فاجر ~~(قلبه) وهو رفع ب «آثم» على الفاعلية، ويجوز كونه مبتدأ و«آثم» خبره، ~~والجملة خبر «إن»، أسند ال «آثم» إلى القلب لما عرف أن إسناد الفعل إلى ~~القلب أبلغ من إسناده إلى الجارحة التي تعمله به، وفيه إشارة إلى أن ذلك من ~~معاظم الذنوب، لأن القلب أصل في أفعال الجوارح، ولأنه محل النيات، فيكون ~~أقوى في الإثم، قيل: المراد به مسخ القلب «6»، عن ابن عباس رحمه الله: ~~«أكبر الكبائر الشرك بالله وشهادة الزور وكتم الشهادة» «7» (والله بما ~~تعملون عليم) [283] من إقامة الشهادة وكتمانها. ### || [سورة البقرة (2): آية 284] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) # قوله (لله ما في السماوات وما في الأرض) أي له الملك كله فيهما وحكمه ~~نافذ في أهلهما، فلا تعبدوا أحدا سواه ولا تعصوه فيما يأمركم وينهاكم، نزل ~~لتأكيد تهديد عباده من العصيان «8» (وإن تبدوا) أي إن تظهروا (ما في ~~أنفسكم) أي في قلوبكم (أو تخفوه) من المعصية ككتمان الشهادة وموالاة ~~المشركين وغيرهما من المناهي (يحاسبكم به الله) أي يجازيكم به، قيل: لما ~~نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: # يا رسول الله! إنا لنحدث أنفسنا بالمعصية ولا نعمل بها فنزل قوله «9» «لا ms0184 ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت» «10» فنسخت به «11»، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا PageV01P139 # به» «1»، والمعنى: أنه تعالى يحاسب عبيده بكل ما أضمروا من السوء أو ~~أظهروا، وقيل: أنه خبر فلا ينسخ، إذ النسخ انما يرد على الأمر والنهي «2»، ~~فالمراد من المضمر في القلب ما عزم الرجل عليه واعتقده فلا يدخل فيه حديث ~~النفس والوسوسة، لأن دفع ذلك ليس مما في وسعه (فيغفر لمن يشاء) الذنب «3» ~~الكبير (ويعذب من يشاء) على الذنب الحقير، وكل ما يفعله تعالى عدل منه، قرئ ~~برفع الراء والباء، أي فهو يغفر ويعذب وبجزمهما «4» عطفا على جواب الشرط ~~وهو «يحاسبكم» (والله على كل شيء قدير) [284] من المغفرة والعقوبة. ### || [سورة البقرة (2): آية 285] # آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) # قوله (آمن الرسول) الآية لم ينزل به جبرائيل عليه السلام على محمد صلى ~~الله عليه وسلم عند البعض وإنما سمعها من الله ليلة المعراج بعد ما جاوز ~~سدرة المنتهى ومنعه الأكثر، لأن هذه السورة كلها مدنية، أي صدق النبي عليه ~~السلام (بما أنزل إليه من ربه) من آيات القرآن (والمؤمنون) عطف على ~~«الرسول» ليكون المؤمنون داخلين فيما آمن به الرسول (كل آمن) أي كل واحد من ~~الرسول والمؤمنين صدق (بالله) إيمان إثبات وتوحيد (وملائكته) إيمان توقير ~~وتعظيم (وكتبه) قرئ مفردا وجمعا «5» إيمان تصديق أنها من عند الله وتحليل ~~ما أحله وتحريم ما حرمه (ورسله) إيمان اتباع وإطاعة «6» (لا نفرق) أي ~~يقولون، يعني الرسول والمؤمنين لا نميز (بين أحد من رسله) بأن نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض كما قال اليهود والنصارى، و«أحد» هنا بمعنى الجمع فلذلك أضيف ~~«بين» إليه (وقالوا سمعنا) أي أجبنا (وأطعنا) أي دخلنا في الطاعة، قيل: لما ~~نزلت هذه الآية قال جبرائيل للرسول عليهما السلام: إن الله قد أثنى عليك ~~وعلى أمتك ms0185 فسل تعط، فقال الرسول «7» (غفرانك) أي أعطينا مغفرتك أو نسأل ~~غفرانك لذنوبنا يا (ربنا وإليك المصير) [285] أي المرجع. ### || [سورة البقرة (2): آية 286] # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ~~أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) # فقال تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي طاقتها، وهذا إخبار عن عدله ~~ورحمته (لها ما كسبت) أي للنفس ما عملت من الخير، يعني لها ثوابه (وعليها ~~ما اكتسبت) من الشر، يعني عليها وزره، وخص الكسب بالخير والاكتساب بالشر، ~~لأن تحصيل الخير ليس باشتهاء النفس بخلاف الشر فانه لا يكون إلا بانجذاب ~~النفس في تحصيله واجتهادها، فجعل مكتسبا للنفس وزره، ولما كان بنو إسرائيل ~~إذا نسوا شيئا من الأوامر أو أخطؤوا بعمل شيء من المناهي عجلت عقوبتهم في ~~الدنيا، فأمر الله المؤمنين أن يدفعوا ذلك عنهم بالمسألة منه تعالى، فقالوا ~~(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا) أي إن غفلنا «8» (أو أخطأنا) أي تجاوزنا الحد، ~~قيل: يجوز الدعاء بذلك وإن كان الخطأ والنسيان مرفوعين عن هذه الأمة لقوله ~~عليه السلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» «9» إعترافا بنعمة PageV01P140 # الله تعالى عليهم «1»، وقيل: معنى قوله «إن نسينا» أن تركنا الأمر ومعنى ~~«أو أخطأنا» إن تعمدنا الخطأ «2»، وقيل المراد: بالخطأ والنسيان ما هما ~~مسببان عنه من التفريط والإغفال «3» (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) أي ثقلا ~~(كما حملته على الذين من قبلنا) وهو أنهم كانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ~~مكتوبا على بابهم بالنهار وكانت الصلوة عليهم خمسين صلوة «4» في يوم وليلة، ~~وكان إخراج ربع أموالهم زكوة، وكانت الطيبات محرمة عليهم بظلمهم، فخفف عن ~~هذه الأمة (ربنا ولا تحملنا) من العقوبات «5» النازلة بمن قبلنا (ما لا ~~طاقة لنا به) يعني أنها نزلت بهم بسبب التفريط في محافظة التكليفات الشاقة ~~التي «6» كلفوها، فنحن نسألك أن لا تكلفنا ms0186 بها فتعذبنا بتركها (واعف عنا) ~~بمحو ذنوبنا (واغفر لنا) أي استر عيوبنا (وارحمنا) أي أدخلنا الجنة برحمتك، ~~وقيل: اعف عنا من المسخ واغفر لنا من الخسف وارحمنا من القذف، لأن «7» كلها ~~أصاب الأمم الماضية «8» (أنت مولانا) أي سيدنا ومتولي أمورنا وحافظنا ~~(فانصرنا على القوم الكافرين) [286] لأن المولي حقه أن ينصر عبيده، قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات ~~قيل له عند كل كلمة قد فعلت «9»، وقال عليه السلام: # «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» «10»، أي من قيام ~~الليل أو من حساب يوم القيامة، وقال عليه السلام: «السورة التي يذكر فيها ~~البقرة فسطاط القرآن» «11»، أي مصره الجامع، «فتعلموها فان تعلمها بركة ~~وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة، قيل: وما البطلة يا رسول الله؟ قال: ~~السحرة» «12»، أي لا تستطيع البطلة أن تسحر قارئها. PageV01P141 ### | سورة آل عمران # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) # (الم) [1] بفتح المميم وصلا لالتقاء «1» الساكنين تخفيفا وهما الميم ولام ~~التعريف وبسكون الميم وقفا والابتداء بما بعدها «2»، وذلك مروي عن عاصم، ~~الله اللطيف المجيد هو (الله) الذي (لا إله إلا هو الحي القيوم) [2] أي ~~الذي يبقى أبدا ويقوم على تدبير خلقه بالرزق والأجل. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 3 الى 4] # نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من ~~قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ~~والله عزيز ذو انتقام (4) # (نزل عليك الكتاب) أي القرآن بجبرائيل بالتشديد للتكثير لنزوله نجوما ~~(بالحق) أي لبيان «3» الحق أو بالصدق (مصدقا لما بين يديه) أي في حال كونه ~~مصدقا للكتب قبله (وأنزل التوراة) على موسى عليه السلام (والإنجيل) [3] على ~~عيسى عليه السلام (من قبل) أي قبل هذا الكتاب والتورية، بفتح الراء ~~وإمالتها «4»، فوعلة من ورى الزند إذا ظهرت ناره، وسمي بذلك لظهور الحق به، ~~والإنجيل إفعيلة ms0187 من نجلت الشيء إذا رميت به، وسمي به لرميه الباطل وإبعاده ~~عن عباد الله قوله (هدى للناس) نصب على الحال من الكتابين ولم يثن، لأنه ~~مصدر في معنى الصفة، أي هاديين لجميع الناس من موسى وعيسى ومن تابعهما ~~(وأنزل الفرقان) أي جنس الكتاب الفارق بين الحق والباطل، ذكره بالتفصيل ~~والإجمال بعده للتفخيم والتفضيل أو المراد به القرآن، كرره لتفضله على جميع ~~الكتب لكونه معجزا فارقا باقيا إلى آخر الدهر (إن الذين كفروا بآيات الله) ~~أي بالقرآن ومعجزات النبي عليه السلام (لهم عذاب شديد) في الدنيا وفي ~~الآخرة، نزل في شأن المشركين من العرب «5» (والله عزيز ذو انتقام) [4] أي ~~ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها أحد لمن عصاه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 5] # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) # (إن الله لا يخفى عليه شيء) من الأشياء (في الأرض ولا في السماء) [5] أي ~~مدرك للأشياء «6» كلها، يعني هو مطلع على كفر من كفر به وإيمان من آمن به ~~وعلى جميع أعمالهم، فيجازيهم يوم القيامة. PageV01P142 ### || [سورة آل عمران (3): آية 6] # هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (6) # ثم قال مخبرا عن قدرته في ألوهيته «1» (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء) لتعتبروا به فتؤمنوا «2»، أي يخلقكم بصور مختلفة من ذكر وأنثى وقصير ~~وطويل وذميم وحسن، قيل: هذا رد على الذين قالوا عيسى الله أو ابن الله، لأن ~~من صور في الرحم يمتنع أن يكون إلها وولدا لله لكونه مركبا وحالا في المركب ~~وفي معرض الفناء والزوال «3» (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [6] أي الغالب ~~بالنقمة على الكافر «4» والفاعل بالحكمة، يصور الخلق كما يشاء بعلمه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 7] # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا ms0188 أولوا الألباب (7) # (هو الذي أنزل عليك الكتاب) أي القرآن (منه) أي من الكتاب (آيات محكمات) ~~أي متقنات واضحات لا يدخل فيها شيء من الاشتباه (هن أم الكتاب) أي تلك ~~المحكمات أصل الكتاب الذي يحمل «5» عليه الأحكام وترد عليه المشتبهات ~~بالتأويل (وأخر متشابهات) عطف على «آيات» و«متشابهات» صفة «أخر»، أي ومنه ~~آيات أخر، يدخل فيها اشتباه واحتمال، يحتاج إلى التأويل، مثال المحكمات ~~والمتشابهات، قوله تعالى «لا يأمر بالفحشاء» «6» محكم، وقوله «أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها» «7» متشابه، وتأويله أن «أمرنا» بمعنى كثرنا كما يجيء ~~في موضعه، وقيل: المراد بالمحكم ما لا يدخله تغيير كالناسخ، والمتشابه ما ~~يدخله التغيير كالمنسوخ «8»، والأول أظهر لقوله تعالى «وما يعلم تأويله إلا ~~الله»، وإنما لم يجعل الله القرآن كله محكما لما في المتشابه من الإبتلاء ~~والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه كابتلاء بني إسرائيل بالنهر في ~~اعتقاد نبيهم، ولأن النظر في المتشابه والاستدلال به لكشف الحق يوجب عظم ~~الأجر ونيل الدرجات عند الله. # (فأما الذين في قلوبهم زيغ) نزل في شأن المبتدعين «9» والمنافقين «10» أو ~~في اليهود «11» والنصارى «12»، أي الذين في قلوبهم ميل عن الحق (فيتبعون ما ~~تشابه منه) أي يتعلقون بما يوافق هواهم ظاهرا دون ما يوافق المحكم من قول ~~أهل الحق (ابتغاء الفتنة) أي لطلب أن يفتنوا الناس ويضلوهم «13» عن دينهم ~~(وابتغاء تأويله) أي وطلب «14» تأويل المتشابه بما يحبونه برأيهم، ثم بين ~~أن لا سبيل لأحد إلى معرفة تأويله مستثنيا بقوله (وما يعلم تأويله) أي ~~تأويل المتشابه (إلا الله والراسخون في العلم) أي الذين رسخوا في العلم، أي ~~ثبتوا فيه وتمكنوا من عباده فانهم يهتدون إلى تأويله الحق، قالوا: كان ابن ~~عباس رضي الله عنه يقول: «أنا من الراسخين في العلم» «15»، وبعضهم يقف على ~~«إلا الله» ويبتدئ «والراسخون في العلم يقولون»، جملة اسمية ويفسر المتشابه ~~بما استأثر الله تعالى به واستبد بعلمه وحكمته كعدد الزبانية في قوله ~~«عليها تسعة عشر» «16»، والصوم وعدد الركعات في الصلوات الخمس وقيام ~~الساعة، والأول أوجه لما ذكرنا، وقوله «17» (يقولون آمنا به) ms0189 نصب على الحال ~~من «الراسخين»، PageV01P143 # أي القائلين «1» صدقنا بالقرآن المحكم والمتشابه (كل) أي كل واحد من ~~المحكم والمتشابه (من عند ربنا وما يذكر) أي ما يتعظ بما أنزل الله «2» من ~~القرآن (إلا أولوا الألباب) [7] أي ذوو العقول من الناس. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 8 الى 9] # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ~~(8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد (9) # ثم قال عبد الله بن سلام وأصحابه حين سمعوا قول اليهود وتكذيبهم به (ربنا ~~لا تزغ) أي لا تمل (قلوبنا) عن الهدى (بعد إذ هديتنا) أي ارشدتنا إلى دينك ~~(وهب لنا من لدنك) أي من عندك (رحمة) أي نعمة بالتوفيق والمعرفة (إنك أنت ~~الوهاب) [8] أي المعطي الثواب للمؤمنين (ربنا إنك جامع الناس) أي تجمعهم ~~«3» بعد الموت (ليوم) أي لقضاء يوم (لا ريب فيه) أي لا شك أنه كائن لا ~~محالة عند من آمن به، ثم ذكر الله بالتصريح «4» تعظيما وإيماء إلى صدق وعده ~~بقوله (إن الله لا يخلف الميعاد) [9] أي الوعد، يعني الألوهية تنافي خلف ~~الوعد في البعث واستجابة الدعاء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 10] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) # (إن الذين كفروا) بالقرآن وتركوا العمل به (لن تغني) أي لن تنفع «5» ~~(عنهم أموالهم ولا أولادهم) أي كثرتهما والتفاخر بهما (من الله) أي من ~~عذابه (شيئا) أي غني في الدنيا إذا نزل بهم مصيبة من المصائب ولا في الآخرة ~~إذا حكم بهم إلى عذاب النار (وأولئك هم وقود النار) [10] أي حطبها، والوقود ~~بفتح الواو اسم ما يوقد به والوقود بالضم مصدر. ### || [سورة آل عمران (3): آية 11] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله ~~شديد العقاب (11) # (كدأب آل فرعون) أي عادة هؤلاء الكفار كقريضة والنظير في الكفر وتكذيب ~~القرآن والرسل كعادة قوم فرعون في تكذيب موسى، وأصل الدأب الدوام واللزوم، ~~والمراد هنا العادة الدائمة ms0190 (والذين من قبلهم) أي كفار الأمم المتقدمة «6» ~~كقوم نوح وثمود وقوم لوط (كذبوا بآياتنا) أي بكتبنا ودلائلنا مع رسلنا كما ~~كذب بها قومك (فأخذهم الله) أي عاقبهم (بذنوبهم والله شديد العقاب) [11] ~~لمن كفر بالآيات والرسل. ### || [سورة آل عمران (3): آية 12] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) # قوله (قل للذين كفروا) نزل حين جمع النبي عليه السلام المشركين أو اليهود ~~بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع، وقال: «أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما ~~أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك إنك لقيت قوما أغمارا لا علم ~~لهم بالقتال والحرب فانك، لو قاتلتنا لعرفت من الناس بالبأس» «7»، فأمره ~~تعالى بقوله قل لهؤلاء الكفار (ستغلبون) أي ستهزمون وتقتلون في الدنيا ~~(وتحشرون) قرئ بالياء والتاء فيهما «8»، أي وتجمعون بعد القتل في الآخرة ~~إلى جهنم «9»، والفرق بين القراءتين معنى: أنها بالياء أمر بأن يحكي لهم ما ~~أخبره به من سيغلبون ويحشرون، وإنها بالتاء أمر بأن يخبرهم «10» بما سيجري ~~عليهم من الغلبة والحشر البتة (إلى جهنم وبئس المهاد) [12] أي يئس الفراش ~~والمقر جهنم. PageV01P144 ### || [سورة آل عمران (3): آية 13] # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصار (13) # ثم خاطب قريشا مشيرا إلى وقعة بدر ليعتبروا فيؤمنوا «1» فقال (قد كان لكم ~~آية) أي علامة دالة على صدق قولي إنكم ستغلبون، ومحل قوله (في فئتين) رفع ~~صفة «آية»، ومحل قوله (التقتا) جر صفة «فئتين»، أي قد حصل لكم عبرة كائنة ~~في جمعين، جمع المؤمنين من أصحاب محمد عليه السلام، وجمع الكافرين من أهل ~~مكة اجتماعا للقتال، إحديهما (فئة تقاتل في سبيل الله) أي في طاعته وهم ~~النبي وأصحابه كانوا ثلثمائة وثلثة «2» عشر رجلا وأكثرهم رجالة (وأخرى ~~كافرة) وهم كفار قريش، كانوا تسعمائة وخمسين رجلا (يرونهم) بالياء على ~~الغيبة، أي يرى المسلمون المشركين (مثليهم) أي مثلي المسلمين، وهو نصب على ~~الحال، لأنه من رؤية العين ms0191 أو يرى المشركون المسلمين مثليهم ليعظموا في ~~أنفسهم، والأول حقيقة والثاني ظن منهم، وبالتاء «3» على الخطاب لليهود، ~~لأنهم من حضر تلك الوقعة ينظر لمن الكرة والرؤية على القراءتين من رؤية ~~العين لقوله «4» (رأي العين) وهو نصب على مصدر، أي رؤية ظاهرة لا لبس فيها، ~~يعني معاينة كسائر المعاينات (والله يؤيد) أي يقوي (بنصره من يشاء) أي ~~بتكثيره في عين العدو، وقيل: أرسل الله إلى المسلمين الملائكة وهزموا ~~المشركين «5» (إن في ذلك) أي صنعه تعالى من نصر القليل على الكثير (لعبرة ~~لأولي الأبصار) [13] أي لذوي النظر بالعقل لدرك الحق من الباطل. ### || [سورة آل عمران (3): آية 14] # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب (14) # (زين للناس حب) برفعه فاعل المجهول، أي حسن لهم محبة (الشهوات) أي مرادات ~~«6» النفوس، والشهوة نزوع النفس إلى مرادها ومحبوبها، وقد سمي «7» المشتهي ~~شهوة، والمزين هو الله لقوله تعالى «زينا لهم أعمالهم» «8»، وذلك على جهة ~~الامتحان، وقيل هو الشيطان لقوله تعالى «وزين لهم الشيطان أعمالهم» «9»، ~~وذلك على جهة الوسوسة «10»، قوله (من النساء) حال من «الشهوات»، أي حال ~~كونها من طائفة النساء وإنما بدأ بهن لأن فتنة النساء أشد من فتنة كل ~~الأشياء «11» (و) من طائفة (البنين) والفتنة بهم أن الرجل يبتلى بسببهم على ~~جمع المال من الحلال والحرام، ولأنهم يمنعونه عن محافظة حدود الله، وهو من ~~قبيل الاكتفاء، إذ المراد من «12» «الأولاد» الذكور والإناث، قيل: أولادنا ~~فتنة، إن عاشوا أفتنونا وإن ماتوا أحزنونا «13» (والقناطير المقنطرة) جمع ~~القنطار وهو المال الكثير والمقنطرة مأخوة من القنطار للتأكيد كما يقال ~~ألوف مؤلفة، أي الأموال الكثيرة المجتمعة (من الذهب والفضة) حال من ~~«المقنطرة»، قيل: حده ألف ومائتا دينار «14» أو مائة ألف مثقال «15» أو ~~سبعون ألف دينار «16» أو ملء مسك ثور ذهبا «17» (والخيل المسومة) عطف على ~~«النساء»، جمع PageV01P145 # خائل كطير جمع طائر، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه «1»، أي الأفراس ~~المعلمة من السمة أو المرعية من ms0192 السوم (والأنعام) أي الإبل والبقر والغنم، ~~جمع نعم «2» (والحرث) أي الزرع، قيل: كل منها فتنة للناس، أما النساء ~~والبنين فتنة للجميع، والذهب والفضة فتنة للتجار، والخيل فتنة للملوك، ~~والأنعام فتنة لأهل البوادي، والحرث فتنة لأهل الرساتيق «3»، ثم رغب في ~~الآخرة وزهد في الدنيا بقوله (ذلك) أي الذي ذكر من الأشياء السبعة (متاع ~~الحياة الدنيا) أي منفعة قليلة للناس في الحيوة الدنيا، ثم يزول ولا يبقى ~~(والله عنده حسن المآب) [14] أي حسن المرجع في الآخرة، لا يزول ولا يفني ~~وهو الجنة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 15] # قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (15) # ثم أمر تعالى النبي عليه السلام أن يبين للمؤمنين أن ما وعد لهم في ~~الآخرة أفضل مما زين للكافرين في الدنيا فتنة لهم بقوله (قل أأنبئكم) أي ~~أخبركم (بخير من ذلكم) أي من الذي زين للناس (للذين اتقوا) أي خافوا من ~~الشرك والمعاصي والتزين بزينة الدنيا الشاغلة عن طاعة الله (عند ربهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين) أي مقيمين (فيها) أبدا (وأزواج مطهرة) أي ~~زوجات طاهرة من العيوب الظاهرة «4» كالحيض والامتخاط واتيان الخلاء، ومن ~~الباطنة كالحسد والغضب والنظر إلى غير أزواجهن، روي عن النبي عليه السلام: ~~«لشبر من الجنة خير من الدنيا وما فيها» «5» (ورضوان من الله) أي رضاء منه ~~تعالى وهو من «6» أكبر النعم، قرئ بكسر الراء وضمها «7» (والله بصير ~~بالعباد) [15] أي بأعمالهم فيثيب ويعاقب على الاستحقاق. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 16 الى 17] # الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) # قوله (الذين يقولون) نصب أو رفع على المدح، ويجوز الجر صفة ل «العباد»، ~~أي هم الذين يقولون (ربنا إننا آمنا) أي صدقنا بك وبنبيك «8» (فاغفر لنا ~~ذنوبنا) التي كانت في الشرك وفي الإسلام (وقنا) أي ادفع عنا (عذاب النار) ~~[16] ونصب «9» (الصابرين) مدحا ويجوز أن يكون مجرورا صفة ل «العباد»، أي ms0193 ~~الذين صبروا على الطاعات والمصيبات، والممتنعين عن المعاصي (والصادقين) في ~~إيمانهم وأعمالهم الصالحة، ووعدهم بينهم وبين الله أو بين الناس ~~(والقانتين) أي المطيعين لله (والمنفقين) أي المتصدقين في سبيل الله ~~(والمستغفرين بالأسحار) [17] أي الذين يصلون بالليل ويمدون في الصلوة، فاذا ~~كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، قال لقمان لابنه: «يا بني لا تكونن ~~أعجز من هذا الديك يصوت بالأسحار وأنت نائم على فراشك» «10». ### || [سورة آل عمران (3): آية 18] # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم (18) # قوله (شهد الله أنه لا إله إلا هو) نزل حين جاء رجلان من أحبار الشام، ~~فقالا: للنبي على السلام أنت محمد؟ قال: نعم، فقالا: أنت أحمد؟ قال: أنا ~~محمد وأحمد، قالا: أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله تعالى «11»، فأخبر ~~به، أي أثبت الله بالحجة القطعية وأعلم بمصنوعاته الدالة على توحيده أنه ~~واحد لا شريك له في خلقه الأشياء، إذ لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا منها ~~(والملائكة) أي وشهدت الملائكة وأقرت بما عاينت من PageV01P146 # عظم قدرته أيضا (وأولوا العلم) أي وشهد ذوو «1» العلم بالاحتجاج على ~~وحدانيته أيضا، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به ~~اعتقادا صحيحا، فشبه دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر ~~عليها غيره وإقرار الملائكة وأولي العلم بذلك شهادة الشاهد في البيان ~~والكشف قوله «2» (قائما بالقسط) نصب على الحال المؤكدة من «الله» أو من ~~«هو» كقوله تعالى «هو الحق مصدقا» «3» لا من «الملائكة» و«أولي العلم»، ~~وإنما جاز ذلك مع امتناع جاء زيد وعمرو راكبا «4» لأمن اللبس، إذ القائم ~~بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى، أي مقيما بالعدل في قسمة الأرزاق ~~والآجال والإثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاه عنهم من «5» العدل ~~والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم، وهذه الحال دخلت في حكم شهادة الله ~~والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية، وقيل: إنها سيقت للمدح لا ~~للتأكيد «6»، وحق «ما» ينتصب على المدح أن يكون معرفة، وقد يجيء نكرة إذا ~~اختصت ms0194 (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [18] كرر المشهود به لتأكيد التوحيد ~~ليوحدوه ولا يشركوا به شيئا، لأنه ينتقم عمن لا يوحد بما لا يقدر على مثله ~~منتقم، ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 19] # إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب (19) # (إن الدين عند الله الإسلام) بكسر «إن» على الاستئناف، أي إن الدين ~~المرضي عند الله الإسلام، وهو التوحيد والعدل وبفتح «أن» «7» بدلا من «أنه ~~لا إله إلا هو»، أي وشهد الكل أن دين الحق هو دين الإسلام من بين الأديان ~~(وما اختلف الذين أوتوا) أي أعطوا (الكتاب) وهم اليهود والنصارى في هذا ~~الدين ونبوة محمد عليه السلام (إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي في التورية ~~أنه نبي حق، ودينه حق، فكذبوا وأشركوا بأن قالت النصارى: الله ثالث ثلثة، ~~وقالت اليهود: عزير ابن الله، قوله (بغيا بينهم) نصب مفعول له، أي للبغي ~~والحسد وطلب الرياسة (ومن يكفر بآيات الله) أي بالقرآن ومحمد عليه السلام ~~(فإن الله سريع الحساب) [19] أي سريع المجازاة، لأنه عالم بجميع الأعمال لم ~~يحتج إلى التذكر والتفكر أو سريع في محاسبة جميع الخلق، لأنه يحاسبهم في ~~أقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم أنه يحاسب نفسه فقط. ### || [سورة آل عمران (3): آية 20] # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد (20) # (فإن حاجوك) أي خاصمك أهل الكتاب في الدين (فقل أسلمت) أي أخلصت (وجهي) ~~أي ديني وعلمي (لله) وخص الوجه بالذكر، لأنه أكرم أعضاء الرجل، ولأنه إذا ~~تواضع وخضع بالوجه خضع بجميع أعضائه، قوله (ومن اتبعن) باثبات الياء وحذفها ~~وصلا، وبحذفها «* 7» وقفا في محل الرفع، عطف «8» على فاعل «أسلم»، وجاز ~~العطف من غير تأكيد للفصل، أي أسلمت وأسلم من اتبعني «9» وجوههم أيضا، ms0195 قوله ~~(وقل) أمر للنبي عليه السلام بأن يقول بعد قيام المعجزة «10» على نبوته ~~وصدق دين الرسلام (للذين أوتوا الكتاب) وهم اليهود PageV01P147 # والنصارى (والأميين) أي لمشركي العرب (أأسلمتم) بالاستفهام للتوبيخ على ~~المعاندة في معنى الأمر، أي أسلموا، فهل أنتم منتهون عن الكفر والشرك (فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا) أي إن أخلصوا في التوحيد والتصديق بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد وجدوا الهداية وخرجوا من الضلالة (وإن تولوا) أي إن أعرضوا عن ~~التوحيد والتصديق بمحمد عليه السلام (فإنما عليك البلاغ) أي التبليغ ~~بالرسالة دون الهداية (والله بصير بالعباد) [20] أي بأعمالهم من الإيمان ~~وعدمه، قيل: هذه الآية نسخت بآية القتال «1». ### || [سورة آل عمران (3): آية 21] # إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) # قوله (إن الذين يكفرون بآيات الله) أي بالقرآن والمعجزات على نبوة «2» ~~محمد عليه السلام (ويقتلون) وقرئ «يقاتلون» بالألف «3» (النبيين) أي ويرضون ~~بالقتل الذي فعله آباؤهم (بغير حق) أي بظلم منهم، نزل إخبارا عن كفار بني ~~إسرائيل الذين قتلوا الأنبياء، وأتباعهم عنادا توبيخا لأهل الكتاب ~~والمشركين الذين كفروا بمحمد ويقاتلونه «4»، ثم قال (ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط) أي بالعدل (من الناس) وهم مؤمنو بني إسرائيل يأمرونهم بالمعروف ~~وكانوا يقتلونهم، فأوعد الله لهم النار بقوله (فبشرهم بعذاب أليم) [21] أي ~~وجيع دائم، والفاء في «فبشرهم» الذي هو الخبر يدل على أنهم مستحقون بهذه ~~البشارة لتضمن اسم «إن» معنى الجزاء، قيل: قتلوا ثلثة وأربعين نبيا أول ~~النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنى عشر رجلا من مؤمني بني إسرائيل، ~~فأمروهم بالمعرف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعهم آخر النهار من ذلك اليوم «5». ### || [سورة آل عمران (3): آية 22] # أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) # (أولئك الذين حبطت أعمالهم) أي بطلت حسنات أعمالهم (في الدنيا والآخرة ~~وما لهم من ناصرين) [22] يمنعونهم من عذاب النار. ### || [سورة آل عمران (3): آية 23] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ~~ثم يتولى فريق منهم ms0196 وهم معرضون (23) # قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا) أي أعطوا حظا (من الكتاب) أي من علم ~~التورية، نزل حين دعا النبي عليه السلام اليهود إلى الإيمان فامتنعوا منه ~~«6» أو حين جاء أهل خيبر إلى النبي عليه السلام برجل وامرأة زنيا، فحكم ~~عليهما بالرجم، فقال علماء اليهود: ليس عليهما الرجم، فقال عليه السلام: ~~بيني وبينكم التورية، فقالوا: قد أنصفتنا «7» فجاؤا بالتورية فوجدوا فيها ~~«8» الرجم، فرجما، فانصرف اليهود مغضبين «9»، قوله (يدعون إلى كتاب الله) ~~في محل النصب على الحال من «الذين أوتوا»، أي حال كونهم مدعوين إلى حكم ~~القرآن (ليحكم بينهم ثم يتولى) أي ينصرف عن سماع ذلك الحكم (فريق منهم وهم ~~معرضون) [23] عن قبول الحق، والواو فيه للحال. PageV01P148 ### || [سورة آل عمران (3): آية 24] # ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما ~~كانوا يفترون (24) # (ذلك) أي الإعراض عن الحق (بأنهم قالوا) أي بسبب قولهم (لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودات) أي أربعين يوما على عدد أيام عبادة العجل (وغرهم في ~~دينهم ما كانوا يفترون) [24] أي يكذبون بالعمد على الله وهو قولهم: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه فيعفو عنا بتأخير العذاب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 25] # فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) # ثم أوعدهم بقوله (فكيف) أي كيف يصنعون ويحتالون (إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه) أي لا شك فيه لمن يعقل الحق (ووفيت) أي وفرت وأعطيت (كل نفس) من أهل ~~الكتاب وغيرهم (ما كسبت) أي الذي عملته من السيئات والحسنات (وهم لا ~~يظلمون) [25] أي لا ينقصون من حسناتهم ولا يزادون على سيئاتهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 26] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) # قوله (قل اللهم مالك الملك) نزل حين فتح النبي عليه السلام مكة ووعد أمته ~~ملك فارس والروم «1»، فعلمه الله أن يدعو بهذا الدعاء أو حين حفر أصحابه ~~الخندق، فوصل ms0197 الحفر إلى الصخرة وعجزوا عن حفرها، فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المعول وضرب ضربة، فظهر من تلك الصخرة نور، فقال له سلمان: رأيت ~~شيئا عجبا يا رسول الله! فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت قصور الحيرة من الشام، ~~ثم ضرب ضربة أخرى فظهر كذلك، فقال: رأيت قصور أهل فارس، فقال عليه السلام: ~~سيظهر لأمتي ملك الشام وملك فارس، فقال المنافقون: إن محمدا لا يأمن على ~~نفسه واضطر إلى حفر الخندق، فكيف يتمنى ملك الشام وفارس؟ «2» فقال تعالى: ~~قل يا محمد اللهم، أي يا الله أمنا بخير، أي اقصدنا يا مالك الملك كله ~~(تؤتي الملك) من النبوة وغيرها (من تشاء) أي محمدا ومن آمن به (وتنزع الملك ~~ممن تشاء) أي من فارس والروم (وتعز من تشاء) أي بالإسلام أو بالملك (وتذل ~~من تشاء) بنزع الملك من أهله أو بالشرك (بيدك الخير) أي الخير والشر فيكون ~~من قبيل الاكتفاء أو المراد الخير دون الشر، لأن الكلام في ذكر الخير ~~المسوق إلى المؤمنين إنك وهو الهداية والسعادة (على كل شيء قدير) [26] من ~~الإعزاز والإذلال. ### || [سورة آل عمران (3): آية 27] # تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27) # ثم أشار إلى قدرته الباهرة الدالة على توحيده وكبريائه بقوله (تولج ~~الليل) أي تدخله (في النهار) أي في مكانه، لأن ما نقص من الليل يدخل في ~~مكان «3» النهار حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة (وتولج النهار) أي تدخله (في ~~الليل) أي في مكانه حتى يصير النهار «4» خمس عشرة ساعة (وتخرج الحي من ~~الميت) بالتخفيف والتشديد «5»، أي تظهر الحيوان من النطفة أو الطير من ~~البيضة أو العالم من الجاهل أو المؤمن من الكافر أو النبات من الأرض ~~اليابسة (وتخرج الميت من الحي) وهذا عكس الأول (وترزق من تشاء بغير حساب) ~~[27] أي من غير أن يحاسب في الإعطاء، لأنه المالك حقيقة ليس فوقه من يحاسبه ~~فيه أو ترزقه بلا تقتير أو بلا حسبان وظن له. ms0198 PageV01P149 ### || [سورة آل عمران (3): آية 28] # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (28) # قوله (لا يتخذ) بكسر الذال ورفعه «1» نهيا أو خبرا في معناه (المؤمنون ~~الكافرين أولياء) أي أحباء (من دون المؤمنين) أي مكان المؤمنين وبدلهم «2»، ~~نزل في شأن المنافقين كعبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود في ~~العون والنصرة ويأتونهم بالأخبار من المؤمنين «3» أو في شأن حاطب بن أبي ~~بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة لكون أولادهم وأقربائهم فيها ~~«4»، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، أي اجتنبوا أيها المؤمنون عن موالاة الكفار ~~فلكم غنية عنها بموالاة المؤمنين، لأنهم أعداء الله (ومن يفعل ذلك) أي ~~موالاة «5» الكفار (فليس من الله) أي من دينه وتوفيقه (في شيء) أي في حظ، ~~لأن من والى عدو الله فقد دخل في عداوة الله، وانسلخ من ولاية الله رأسا ~~لأنهما متنافيان لا يجتمعان، ثم استثنى الخائفين منهم فقال (إلا أن تتقوا) ~~في محل النصب مفعول له، أي لا توالوهم إلا لأجل أن تخافوا «6» (منهم تقاة) ~~بالألف والإمالة «7»، أي مخافة بوجه يجب الآحتراز منه، وذلك بأن يغلب ~~الكفار أو يقع المسلم بينهم فيرضيهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم ~~عليه، وهذا رخصة منه تعالى فلو صبر حتى قتل كان أجره عظيما (ويحذركم الله ~~نفسه) أي يقول الله إياكم ونفسي، يعني احذروا من سخطي بموالاة «8» أعدائي، ~~قيل: إنما يحذر نفسه من يعرفه بالمكاشفة «9» فأما «10» من لا يعرفه فخطابه ~~«واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله» «11» (وإلى الله المصير) [28] أي المرجع ~~تحذير آخر بالبعث والجزاء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 29] # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض والله على كل شيء قدير (29) # (قل إن تخفوا) أي إن تضمروا «12» (ما في صدوركم) أي ما في قلوبكم من ~~موالاة الأعداء ونقض العهود والعمل بما لا يرضى الله به «13» (أو تبدوه) أي ~~تظهروه للمؤمنين ms0199 (يعلمه الله) جزم بجواب الشرط، قوله (ويعلم) استئناف في ~~معنى التعليل، أي لا يخفى عليه ذلك، لأنه يعلم (ما في السماوات وما في ~~الأرض) فيعلم سركم وجهركم (والله على كل شيء) أي من السر والعلن والعذاب ~~والمغفرة (قدير) [29] أي مقتدر بقدرة ذاتية لا يختص بمقدور دون مقدور. ### || [سورة آل عمران (3): آية 30] # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) # (يوم) أي اذكر يوم (تجد كل نفس ما عملت) في الدنيا (من خير) أي ثوابه من ~~غير نقص، بيان ل «ما» بمعنى الذي، أي تجده (محضرا) أي مكتوبا في صحفهم ~~يقرؤنه، قوله «14» (وما عملت) مبتدأ بمعنى الذي عملته النفس (من سوء) أي من ~~شر في الدنيا ولا يصح أن يكون شرطية، لأن قوله (تود) لم يسمع فيه الجزم ~~الذي هو المختار من القراء، فهو «15» في محل الرفع على أنه خبر المبتدإ، أي ~~تحب النفس وتتمنى (لو أن بينها وبينه) أي أن يكون PageV01P150 # أن «1» بين النفيس وبين السوء (أمدا بعيدا) أي مسافة واسعة كما بين ~~المشرق والمغرب، ولم تعمل ذلك السوء قط (ويحذركم الله نفسه) كرر التحذير من ~~نفسه لئلا يغفلوها عنه (والله رؤف بالعباد) [30] أي بليغ «2» الرحمة بهم ~~حيث لم يعجل بعقوبتهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 31] # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) # قوله (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) نزل حين دعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كعب بن الأشرف ومن تابعه إلى الإيمان، فقالوا: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى لنبيه: قل لهم إني رسول الله أدعوكم إليه، ~~فان كنتم تحبونه فاتبعوني على دينه «3»، وامتثلوا أمري يحببكم الله ويرض ~~«4» عنكم «5» (ويغفر لكم ذنوبكم) فان من ادعي محبة الله وخالف سنة نبيه فهو ~~كذاب بنص كتاب الله تعالى، والمراد من محبة الله عصمته «6» بالتوفيق والعفو ~~وإنعامه بالرحمة، ومن محبة العباد رغبتهم في ms0200 طاعة الله (والله غفور رحيم) ~~[31] للتائب المطيع. ### || [سورة آل عمران (3): آية 32] # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) # ثم قالوا بعد نزول هذه الآية: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله فيريد أن ~~نحبه كما أحبت «7» النصارى عيسى ابن مريم فنزل «8» (قل أطيعوا الله ~~والرسول) أمرا لهم بالجمع بين طاعته وطاعة رسوله رغما لهم (فإن تولوا) أي ~~إن أعرضوا عن طاعتهما (فإن الله لا يحب الكافرين) [32] أي لا يرضى فعلهم ~~ولا يغفر «9» لهم لكفرهم، قيل: # يحتمل أن يكون «تولوا» مضارعا بأن يكون أصله تتولوا «10» فخذفت التاء ~~الأولى «11» ويدخل في جملة ما يقوله الرسول وأن يكون ماضيا بلا حذف ولم ~~يدخل فيها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 33] # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) # (إن الله اصطفى) أي اختار «12» (آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران) أي نفس ~~إبراهيم وعمران أو هما وأولادهما كإسماعيل وإسحق وذريتهما وكموسى وهرون ~~وباقي الأنبياء من بني يعقوب، يعني اختص آدم ومن ذكر معه من الأنبياء ومن ~~أولادهم بالنبوة وارتضى بدينهم وفعلهم (على العالمين) [33] أي عالمي ~~زمانهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 34] # ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم (34) # قوله (ذرية) نصب على الحال من المصطفين بعد آدم أو بدل من نوح وما عطف ~~عليه أو بدل من الآلين بمعنى أن الآلين ذرية واحدة (بعضها من بعض) جملة ~~اسمية، محلها نصب وصف ل «ذرية»، أي ذرية متسلسلة انشعب بعضها من بعض ~~بالتوالد، وقيل: بعضها من بعض في الدين والتناصر «13» (والله سميع) ~~لمقالتهم (عليم) [34] بدينهم وأعمالهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 35] # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) # قوله «14» (إذ قالت) نصب بمحذوف «15»، أي أذكر وقت قالت (امرأت عمران) هي ~~حنة، أم مريم وعمران بن ماثان في زمن زكريا لا عمران أبو موسى وهرون، وكان ~~بينهما ألف وثمانمائة سنة فأحبت حنة الولد بعد ما PageV01P151 # أسنت فدعت ربها «1» أن يرزقها ولدا ونذرته أن تجعله ms0201 من خدم بيت المقدس، ~~فلما أحست في نفسها بالولد قالت (رب إني نذرت لك ما في بطني) من الولد ~~(محررا) حال من «ما» بمعنى الذي، ولم يقل محررة، لأن نذرهما «2» كان في ~~الغلمان «3»، أي عبدا خالصا لله لا يعمل عمل الدنيا ولا يتزوج فيتفرغ لعمل ~~الآخرة، والمحرر المعتق الذي لم يملك من الحر، قيل: من كان أسيرا لشهوته ~~فليس بحر «4» (فتقبل مني إنك أنت السميع) لدعائي (العليم) [35] بنيتي، ثم ~~مات عمران فبقيت حنة حاملا بمريم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 36] # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) # (فلما وضعتها) أي ولدت النسمة وهي أنثى (قالت) تحسرا أو اعتذارا أو «5» ~~توهما أن لا يقبل نذرها لكونها أنثى (رب إني وضعتها أنثى) وهو حال من ~~المفعول في «وضعتها»، والأصل وضعته أنثى، وإنما أنثت لتأنيث الحال (والله ~~أعلم بما وضعت) بفتح العين وسكون التاء، فيكون الجملة من مقول الله وبسكون ~~العين وضم التاء «6» فيكون من مقول حنة، وكذا قوله (وليس الذكر كالأنثى) ~~يحتمل أن يكون مقول الله وأن يكون مقول حنة، فلو كانت الجملتان مقول الله ~~كانتا اعتراضا بين قول حنة «7» «إني وضعتها أنثى» وقولها «وإني سميتها ~~مريم»، وفائدته التسلية «8» لنفس حنة والتعظيم لوضعها ويكون المعنى: الله ~~أعلم بسر وضعها أنثى وحكمته، فانها خير من الذكر في علمه، لأنه يجعلها آية ~~بولادة عيسى عليه السلام للعالمين، وهي جاهلة بذلك ومن جهلها «9» تحسرت، ~~فقالت «10»: إني وضعتها أنثى وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، ~~واللام فيهما للعهد، يعني هي أفضل من مطلوبها وهي لا تعلم، ولو كانتا مقول ~~حنة كان المعنى: أن الله أعلم بسر ما وضعت أنا، لعل هذه الأنثى خير من ~~الذكر الذي طلبت بالنذر، وليس الذكر كالأنثى في الخدمة لضعفها «11» ولما ~~يعترضها من أحوال النساء، ففيه تحزن لها لوقوع خلاف نذرها لله تعالى، قوله ~~(وإني سميتها مريم) من مقول حنة، عطف على قوله «إني ms0202 وضعتها»، أي إني جعلت ~~اسمها مريم، وهو العابدة في لغتهم، وأرادت بذلك التقرب إلى الله والطلب أن ~~يعصمها من الشيطان ليكون فعلها مطابقا لاسمها، ولذلك أتبعه بقوله (وإني ~~أعيذها بك وذريتها) أي أولادها (من الشيطان الرجيم) [36] أي المطرود من ~~الرحمة، قال عليه السلام: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يخنسه- أي يطعنه ~~بإصبعه- حين يولد فيستهل صارخا من الشيطان إلا مريم وابنها» «12»، فانه طعن ~~في الحجاب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 37] # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها ~~زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) # (فتقبلها) أي قبل مريم من حنة (ربها بقبول حسن) أي بأمر ذي قبول مرضي، ~~فسلك بها سبيل السعداء (وأنبتها نباتا حسنا) أي سوي خلقها، ورباها تربية ~~حسنة، قيل: كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في PageV01P152 # السنة «1»، قيل: لما وضعتها حنة لفتها في خرقة، ثم أتت بها إلى بيت ~~المقدس، ووضعتها عند المحراب فاجتمعت الأحبار في المسجد، فقالت حنة لهم: ~~خذوا مني هذه النذيرة للخدمة في المسجد، فرغبوا فيها، لأنها كانت بنت ~~إمامهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي، فقالوا: أمها أحق بها ~~من خالتها ولكنا نتقارع بالقاء الأقلام في النهر، وكانت أقلامهم من النحاس، ~~فخرجوا إلى عين سلوان، فألقوا أقلامهم فيها، فغابت أقلامهم في الماء فبقي ~~قلم زكريا على وجه الماء، فعلموا أن الحق له «2» (وكفلها) بتشديد الفاء ~~«3»، أي ضمها الله (زكريا) بالمد والقصر «4»، وبتخفيف الفاء، أي ضمها زكريا ~~إلى نفسه وهو معنى قوله «فتقبلها ربها» الآية (كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب) أي غرفتها من المسجد، والمحراب أشرف المجالس في اللغة، قيل: إنه ~~بنى لها غرفة في المسجد، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا ~~بالسلم، واستأجر لها ظئرا تربيها، وكان إذا خرج يغلق عليها الباب، ولا يدخل ~~عليها إلا زكريا حتى كبرت «5»، وإذا دخل عليها في أيام الشتاء (وجد عندها ms0203 ~~رزقا) أي فاكهة الصيف وفي أيام الصيف فاكهة الشتاء (قال) زكريا (يا مريم ~~أنى لك هذا) أي من أين لك هذا الرزق؟ ولا يدخل عليك أحد غيري (قالت هو) أي ~~هذا الرزق (من عند الله) أي من جنته تكلمت صغيرة كما تكلم عيسى في المهد ~~(إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) [37] أي بغير تقدير لكثرته وفي غير آوانه ~~أو بلا محاسبة أو من حيث لا يحتسب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 38] # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) # قوله (هنالك) أي حيث كان قاعدا عند مريم في المحراب ورأى حصول الفاكهة في ~~غير أوانها فتنبه على إمكان ولادة العاقر وكان آيسا من ذلك (دعا زكريا ربه ~~قال رب هب لي) أي ارزقني (من لدنك) أي من عندك (ذرية طيبة) أي ولدا صالحا، ~~والذرية تقع على الواحد والجمع (إنك سميع الدعاء) [38] أي مجيب الدعوات. ### || [سورة آل عمران (3): آية 39] # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا ~~بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # (فنادته الملائكة) بالياء لإرادة معنى الجنس، وبالتاء «6» لتأنيث «7» لفظ ~~الجماعة، والمراد بالقراءتين جبرائيل عليه السلام، أي ناداه جبرائيل عليه ~~السلام (وهو قائم يصلي في المحراب) الواو في الجملة واو الحال، أي ناداه ~~حال كونه في الصلوة (أن الله) بكسر الهمز «8» على إضمار القول وبفتحها «9» ~~على أنه مفعول ثان «10» ل «نادته»، يعني قالوا: إن الله (يبشرك) بالتشديد ~~من التبشير وبالتخفيف «11»، من أبشر أو من بشر معلوما (بيحيى) أي بولد، ~~اسمه يحيى، لأنه حيي به «12» رحم أمه أو لأنه يحيي المجالس من وعظه، وهو لا ~~ينصرف لوزن الفعل والتعريف كزيد ويشكر أو للعجمة والتعريف إن كان أعجميا ~~«13» (مصدقا) حال من «يحيى»، أي مؤمنا (بكلمة من الله) PageV01P153 # أي بكتاب منه تعالى، وقيل: المراد من «كلمة» «1» عيسى عليه السلام «2»، ~~أي بكلمة كائنة من الله بأن قال له «كن» من غير أب، فكان كما قال، فوقع ~~عليه اسم الكلمة (وسيدا) ms0204 على قومه، يعني يفوقهم في الشرف بأنه «3» لم يرتكب ~~سيئة قط (وحصورا) أي بليغ المنع من شهوة النساء، وقد تزوج «4» مع ذلك ليكون ~~أغض لبصره «5»، قيل: # إنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب، فقال: ما خلقت للعب «6» ~~(ونبيا من الصالحين) [39] أي ناشئا من الأنبياء، لأنه كان من أصلاب ~~الأنبياء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 40] # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) # (قال) زكريا عند نداء الملائكة إياه وبشارتهم له بالولد بالاستفهام تعجبا ~~وسرورا من حيث العادة (رب أنى يكون) أي كيف يحصل (لي غلام وقد بلغني) أي ~~نالني (الكبر) أي كبر السن العالية فأضعفني (وامرأتي عاقر) أي عقيم لا تلد، ~~وكان زكريا ابن تسع وتسعين، وامرأته بنت ثماني وتسعين (قال) أي الله (كذلك) ~~أي كما قلت إنه قد بلغك الكبر وامرأتك عاقر لا تلد (الله يفعل ما يشاء) ~~[40] من خلق الولد بين الهرمين وغيره لا اعتراض عليه أو معنى «كذلك» مثل ~~ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعاقر، الله يفعل ما يشاء أو ~~معناه «كذلك الله» مبتدأ وخبر، أي هذه الصفة الله، وقوله «يفعل ما يشاء» ~~بيان له. ### || [سورة آل عمران (3): آية 41] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) # (قال رب اجعل لي آية) أي علامة يعلم بها لي وقت حمل زوجتي لأزيد في الشكر ~~والعبادة (قال آيتك) أي علامة حمل امرأتك (ألا تكلم الناس) أي تمتنع عن ~~كلامهم وأنت صحيح وتذكر الله وتسبح وتعبد «7» قضاء لشكر تلك النعمة العظيمة ~~التي طلبت الآية من أجله «8» (ثلاثة أيام إلا رمزا) أي إشارة بيد أو رأس أو ~~عين، وسمي الرمز كلاما لأنه يؤدي ما يؤديه الكلام، ويفهم ما يفهم من ~~الكلام، فلذا جاز الاستثناء المتصل منه، قيل: كانت إشارته بالإصبع المسبحة ~~«9»، ولم يكن الامتناع من الكلام عقوبة له، بل كان كرامة له ومعجزة دالة ~~على إجابة ms0205 دعائه في ظهور الحبل، ودفعا لوسوسة الشيطان حيث صور له، وقال: إن ~~النداء البشارة لك ليس من الله، وإنما هو من الشيطان، ونصب «رمزا» على ~~الحال من الفاعل والمفعول معا، أي إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس ~~بالإشارة، ثم أمره تعالى بذكر ربه لعدم منعه عن ذكر الله، فقال (واذكر ربك ~~كثيرا وسبح بالعشي) وهو من زوال الشمس إلى غروبها (والإبكار) [41] مصدر، ~~والمراد طلوع الفجر الثاني إلى الضحى، أي سبحه في وقتيهما، وقيل: في الليل ~~والنهار «10». ### || [سورة آل عمران (3): آية 42] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) # (وإذ قالت الملائكة) عطف على قوله «إذ قالت امرأة عمران»، أي اذكر وقت ~~قولهم، يعني جبرائيل، جمع تعظيما «11» (يا مريم إن الله اصطفاك) أي اختارك ~~أولا حين تقبلك من أمك (وطهرك) من الذنوب والحيض والنفاس ومسيس الرجال ~~(واصطفاك) أي اختارك آخرا بأن وهب لك عيسى بلا أب دون أحد من النساء، يعني ~~فضلك (على نساء العالمين) [42] أي على عالمي زمانها أو على جميع النساء ~~لولادة عيسى من غير مسيس PageV01P154 # رجل، قيل: كلمها جبرائيل شفاها إظهارا لنبوة عيسى عليه السلام «1». ### || [سورة آل عمران (3): آية 43] # يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) # ثم أمرها بالصلوة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلوة فقال (يا ~~مريم اقنتي) أي أطيعي (لربك) وأطيلي القيام في الصلوة له تعالى (واسجدي ~~واركعي مع الراكعين) [43] أي صلي مع المصلين، يعني مع الجماعة، ويحتمل أن ~~يكون معناه: كوني مع الراكعين لا مع من لا يركع، لأن في زمانها كان من يقوم ~~ويسجد ولا يركع، ولم يقل الراكعات «2» لعموم الراكعين الرجال والنساء على ~~سبيل التغليب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 44] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون (44) # (ذلك) أي خبر يحيى وزكريا ومريم وعيسى (من أنباء الغيب) أي من أخبار ~~الغيب الذي لم تعرفها إلا بالوحي (نوحيه) أي الخبر (إليك) يا محمد، وفيه ~~تعريض ms0206 لمنكري الوحي ودلالة على نبوته حيث أخبر عما غاب عنه (وما كنت لديهم) ~~أي ولم تكن حاضرا عند الاخبار وقومك عالمون به، ونفي الحضور عن النبي عليه ~~السلام تهكم لمنكري «3» الوحي، لأنه معلوم لهم «4» ولعلمهم يقينا «5» أنه ~~ليس من أهل السماع والقراءة (إذ يلقون) أي يطرح الأحبار في بيت المقدس ~~(أقلامهم) في الماء بالقرعة، وهي الأقلام التي يكتبون التورية بها (أيهم ~~يكفل مريم) أي ليعلموا أيهم يضمها إلى نفسه للتربية، يعني ما كنت عالما ~~بذلك الخبر قبل هذا الوقت، وإنما تخبرهم بالوحي، وأكد ذلك «6» بقوله (وما ~~كنت لديهم إذ يختصمون) [44] في أمر مريم من التكفل بها بالرغبة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 45] # إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) # قوله (إذ قالت الملائكة) بدل من «إذ قالت» قبلها، أي اذكر وقت قولهم ~~لمريم (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة) أي يفرحك بولد مخلوق (منه) أي من الله ~~بأمره، وهو قوله «كن» فكان (اسمه المسيح) وهو المبارك، والضمير في «اسمه» ~~راجع إلى المسمى بالكلمة لا إلى الكلمة، وهو مبتدأ، خبره «المسيح»، وقيل: ~~بمعنى الماسح «7»، لأنه كان يمسح وجه الأعمى فيبصر، وسمي الدجال مسيحا ~~بمعنى الممسوح، لأنه ذهبت إحدى عينيه، قوله (عيسى) عطف بيان للمسيح، وهو ~~لقبه، قوله «8» (ابن مريم) نعت لعيسى أو هو خبر مبتدأ محذوف «9»، أي هو ابن ~~مريم وإنما أضاف إليها إعلاما أنها تلد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه، ~~وإنما جمع هذه الثلثة في الاسم، لأن الاسم علامة يعرف بها، فكأنه قيل يعرف ~~به هذا الولد ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلثة، قوله (وجيها) حال من ~~«الكلمة»، أي صاحب قدر وجاه بالنبوة (في الدنيا) أي بين الناس فيها ~~(والآخرة) أي ذا قدر في الآخرة بالشفاعة وارتفاع درجة «10» في الجنة (ومن ~~المقربين) [45] عند ربه بارتفاعه إلى السماء وصحبته الملائكة فيها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 46] # ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) # (ويكلم الناس في ms0207 المهد) أي صغيرا قبل وقت الكلام، روي: أنه كان «11» يحدث ~~أمه وهو في بطنها إذا PageV01P155 # دخلت به وحدثته وإذا اشتغلت عنه سبح في بطنها وهي تسمع تسبيحه «1»، ومحل ~~«في المهد» نصب على الحال، قوله (وكهلا) عطف عليه، أي يكلمهم في كبره بعد ~~نزوله من السماء، والمعنى: أنه يكلمهم في هاتين الحالتين بكلام الأنبياء من ~~الحكمة والعبرة من غير تفاوت بين حال الطفولة والكهولة التي يكمل فيها ~~العقل ويستنبأ الأنبياء ليكون على طرفي كلامه معجزة، لأنه لا يشبه كلام ~~سائر الناس، وتكلمه معهم دليل على حدوثه لحدوث الأصوات والحروف (ومن ~~الصالحين) [46] أي حال كونه مع النبيين في الجنة، قيل: هذه أحوال أربعة ~~مقدرة، يبشر الله مريم بها أنه موصوف بهذه الصفات ولم يجمع هذه المجموعة ~~فيمن سواه من الناس «2». ### || [سورة آل عمران (3): آية 47] # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) # (قالت رب) أي قالت مريم يا سيدي (أنى يكون لي ولد ولم يمسسني) أي لم ~~يصبني (بشر) وهو كناية عن الجماع (قال) أي الله بواسطة جبرائيل (كذلك) أي ~~كما قلت أنه لم يمسسك بشر (الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا) أي إذا حكم ~~بخلق أمر وحدوثه (فإنما يقول له كن فيكون) [47] أي يحدث في أسرع وقت، فنفخ ~~جبرائيل في نفسها فعلقت بذلك. ### || [سورة آل عمران (3): آية 48] # ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (48) # قوله (ويعلمه) بالياء والنون «3» عطف على «يبشرك» أو كلام مستأنف، أي ~~ويعلمه الله (الكتاب) أي الكتابة، يعني الخط بالإلهام والوحي (والحكمة) أي ~~الفقه والمعرفة (والتوراة والإنجيل) [48] فيحفظهما عن «4» ظهر القلب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 49] # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين (49) # (ورسولا) أي ويجعله «5» مرسلا ms0208 (إلى بني إسرائيل) أو يكلم الناس حال كونه ~~رسولا إليهم «6» ومحل قوله (أني قد جئتكم) نصب بنزع الخافض، أي بأني قد ~~جئتكم (بآية من ربكم) أي بعلامة منه تعالى تدل على صدقي، والمراد من الآية ~~الجنس، لأنه أتى بآيات كثيرة، ومحل (أني أخلق) بفتح الهمزة نصب بدل من «إني ~~قد جئتكم» أو جر بدل من «آية» أو رفع على هي أني أخلق (لكم من الطين) وقرئ ~~بكسر «إن» «7» على الاستئناف، أي قال عيسى بعد أن أوحي إليه في حال الكبر: ~~قد جئتكم بآية من ربكم لبيان الآية الدالة على صدقه أني أخلق لكم، أي أشكل ~~شكلا وأقدره من الطين (كهيئة الطير) أي كصورته (فأنفخ فيه) أي في ذلك الشكل ~~(فيكون طيرا) جمعا وطائرا مفردا «8» (بإذن الله) أي بأمره ومشيته، قيل: لم ~~يخلق سوى الخفاش، لأنهم طلبوه منه لكونه أعجب الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ~~ودم، يطير بلا ريش، ويضحك كالإنسان، ويحيض كالمرأة ويلد كما يلد الحيوان، ~~ولا يبيض «9» كسائر الطيور ولا يبصر «10» في ضوء النهار، ولا في ظلمة ~~الليل، وإنما يرى في ساعتين PageV01P156 # بعد غروب الشمس وبعد طلوع الفجر في ساعة قبل الإسفرار «1»، فلما رأوا ذلك ~~منه ضحكوا وقالوا: هذا سحر (وأبرئ) أي أشفى (الأكمه) وهو مطموس العين أو ~~الذي ولد أعمى (والأبرص) أي الذي به وضح وإنما خصهما «2» بالذكر للشفاء، ~~لأنهما مما أعيا الأطباء في تداويهما، لأنه بعث زمان الطب، وسألوا الأطباء ~~منهما، فقال جالينوس وأصحابه: إذا ولد أعمى لا يبرأ بالعلاج، وكذا الأبرص ~~إذا كان بحال لو غرزت الإبرة فيه لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج، فرجعوا ~~إلى عيسى، وجاؤا بالأكمه والأبرص، فمسح يده بعد الدعاء عليهما فأبصر الأعمى ~~وبرئ الأبرص، فآمن به البعض وجحد البعض، وقالوا: هذا سحر، روي: أنه أبرأ في ~~يوم واحد خمسين ألفا من المرضى «3»، ثم قال (وأحي الموتى بإذن الله) فسألوا ~~جالينوس عنه، فقال: الميت لا يحيى بالعلاج، فان كان هو يحيي الميت فهو نبي ~~وليس بطبيب، وطلبوا منه، أي يحيي الموتى ms0209 فأحيى أربعة: عازر وكان صديقا له ~~وابن العجوز الذي حمل على سرير وابنة العاشر ماتت وأتى عليها ليلة وسام ابن ~~نوح، وكان قوم عيسى يقولون: إنه يحيي من كان موته قريبا، فلعلهم أصابتهم ~~سكتة فحييوا «4»، فقالوا له: أحي سام ابن نوح، فقال: دلوني على قبره، فجاؤا ~~به على قبره فدعا الله فأحياه فقال له عيسى: كيف شاب رأسك؟ ولم يكن له شيب ~~في حيوتك، فقال: شاب رأسي حين سمعت صوتا يقول أجب روح الله، فحسبت أن ~~القيامة قد قامت، فشاب من هول ذلك رأسي، قيل: كان موته أكثر من أربعة آلاف ~~سنة «5»، فقال للقوم: صدقوه فانه نبي فآمن به بعض وكفر به «6» البعض قائلين ~~بأنه سحر، وكرر قوله «باذن الله» نفيا لتوهم «7» الألوهية فيه، ثم قالوا ~~لعيسى: أرنا آية نعلم بها أنك صادق، فقال (وأنبئكم بما تأكلون) من أنواع ~~المآكل (وما تدخرون) أي وما تخبئون للغد (في بيوتكم) فكان يخبر الرجل لما ~~أكل قبل وبما يأكل «8» ويخبر الصبيان، وهو في المكتب بما يصنع أهلهم وبما ~~يأكلون ويشربون (إن في ذلك) أي فيما صنع عيسى عليه السلام (لآية لكم) أي ~~علامة لنبوته (إن كنتم مؤمنين) [49] أي مصدقين أنه نبي. ### || [سورة آل عمران (3): آية 50] # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية ~~من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) # قوله (ومصدقا) حال معطوف على قوله «بآية»، أي وجئتكم مصدقا بالكتاب الذي ~~أنزل علي، وهو الإنجيل (لما بين يدي) أي لما تقدمني «9» (من التوراة) يعني ~~أنه موافق له في الدين «10» (ولأحل لكم) أي وجئتكم لأن أرخص لكم (بعض الذي ~~حرم عليكم) في شريعة موسى عليه السلام من لحوم السمك ولحوم الإبل والشحوم ~~والثروب، جمع ثرب وهو شحم دقيق يتصل بالأمعاء ولحم كل ذي ظفر، فأحل لهم ~~عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له، وهي شوكة الحائك التي بها يسوي السدي ~~واللحمة أو أحل لهم جميع المحرم عليهم، فيكون «بعض» بمعنى كل، قوله (وجئتكم ~~بآية من ربكم) كرره تأكيدا، ms0210 أي ما جئت لكم إلا ببرهان بين يجب اتباعي به ~~عليكم (فاتقوا الله) فيما يأمركم به وينهاكم (وأطيعون) [50] فيما أدعوكم ~~إليه ولا تخالفوني فيما أنصح لكم. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 51 الى 52] # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) فلما أحس عيسى منهم ~~الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله ~~واشهد بأنا مسلمون (52) # (إن الله ربي وربكم) أي إلهي وإلهكم ورازقي ورازقكم (فاعبدوه) ولا تعصوه ~~بالشرك (هذا) أي التوحيد الذي أدعوكم إليه (صراط مستقيم) [51] لا عوج فيه ~~يوصلكم إلى معرفة الله ودخول الجنة (فلما أحس) أي PageV01P157 # أدرك وعلم يقينا (عيسى منهم الكفر) بالله وأرادوا قتله (قال من أنصاري) ~~أي من أعواني (إلى الله) أي مع الله، وهو جمع نصير (قال الحواريون) أي ~~أصفياء عيسى، سموا بذلك لتقاء قلوبهم أو الراجعون إلى الله، من حار يحور ~~إذا رجع أو القصارون من التحوير، وهو التبييض (نحن أنصار الله) أي أعوان ~~دينه، قيل: مر بهم عيسى وهم يغسلون الثياب وكانوا قصارين، فقال لهم «1»: ~~ألا أدلكم بقصارة أنفع من هذا، قالوا: نعم، قال: طهروا أنفسكم من الذنوب ~~فبايعوه «2»، وقال (آمنا بالله) أي صدقنا بتوحيده (واشهد) يا عيسى (بأنا ~~مسلمون) [52] أي داخلون في الإسلام بالإخلاص، وإنما قالوا ذلك تأكيدا ~~لإيمانهم، لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 53 الى 54] # ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين (54) # ثم زادوا في التأكيد بقولهم (ربنا آمنا بما أنزلت) من الإنجيل على عيسى ~~(واتبعنا الرسول) أي عيسى على دينه (فاكتبنا مع الشاهدين) [53] لله ~~بالوحدانية أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، ثم أخبر الله عن كفار قومه ~~الذين أحس منهم الكفر، فقال (ومكروا) أي أرادوا قتله (ومكر الله) أي جازاهم ~~على مكرهم (والله خير الماكرين) [54] أو أقويهم مكرا «3» وأنفذهم كيدا ~~وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعرون. # روي: «أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى فهرب منهم فدخل البيت فرفعه ~~جبرائيل من ms0211 الكوة إلى السماء، فقال ملكهم لرجل خبيث اسمه يهوذا: ادخل عليه ~~فاقتله، فدخل ولم يجده، فألقى الله عليه شبه عيسى «4»، فلما خرج ليخبرهم ~~رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه، ثم اختلفوا فيه «5»، فقال بعضهم: ~~وجهه وجه عيسى وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فليس هو بعيسى فقتل بعضهم بعضا لذلك» ~~«6»، وعيسى يطير مع الملائكة في السماء لابسا النور يبيت عند ربه يطعمه ~~ويسقيه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 55] # إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) # قوله «7» (إذ قال الله) أي اذكر وقت قول الله (يا عيسى إني متوفيك) أي ~~منيمك «8» أو قابضك من الأرض أو إني مستوفي أجلك ولا أدع أن يقتلوك، يعني ~~أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته في الدنيا (ورافعك إلي) ~~أي إلى السماء (ومطهرك) أي مبعدك ومنجوك «9» (من الذين كفروا) أي من سوء ~~جوارهم وخبث صحبتهم، قيل: سينزل عيسى من السماء على عهد الدجال ليقتله ~~ويتزوج بعد قتله امرأة من العرب وتلد له «10» ابنة فتموت ابنته ثم يموت هو ~~بعد ما يعيش سنين كثيرة، لأنه سأل ربه أن يجعله من هذه الأمة فاستجاب الله ~~دعاءه «11» (وجاعل الذين اتبعوك) في دينك الإسلام (فوق الذين كفروا) بك ~~وبدينك، أي يعلونهم بالحجة وبالسيف (إلى يوم القيامة) قال ابن عباس رضي ~~الله عنه: «الذين اتبعوه هم أمة محمد عليه السلام، لأنهم متبعوه في أصل ~~الإسلام وإن اختلفت الشرائع» «12» (ثم إلي مرجعكم) أي إلى رجوع الذين ~~اتبعوك والذين كفروا بك (فأحكم بينكم) أي بين المؤمنين والكافرين في الآخرة ~~(فيما كنتم فيه تختلفون) [55] من الذين في الدنيا. PageV01P158 ### || [سورة آل عمران (3): آية 56] # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~ناصرين (56) # ثم أخبر عن حكم كل من الفريقين بقوله (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا ~~شديدا في الدنيا) بالسيف والسبي وأخذ الجزية (والآخرة) بعذاب النار ms0212 (وما ~~لهم من ناصرين) [56] أي مانع يمنعهم من العذاب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 57] # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) # (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) بالياء والنون «1»، أي ~~يعطيهم «2» بلا نقص (أجورهم) أي ثواب أعمالهم الخير (والله لا يحب ~~الظالمين) [57] أي لا يرضي دين الكافرين. ### || [سورة آل عمران (3): آية 58] # ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) # قوله (ذلك) مبتدأ، خبره (نتلوه) أي خبر عيسى وغيره من الأخبار التي ~~بيناها في القرآن نقرؤه (عليك) يا محمد (من الآيات) حال من ضمير المفعول أو ~~خبر بعد خبر، أي من البيان المعجز (والذكر الحكيم) [58] أي من الكلام ~~المحكم الممنوع من كل خلل لا يقدر عليه أحد أو الناطق بالحكمة وهو القرآن، ~~وصف بصفة من هو من سببه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 59] # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) # قوله (إن مثل عيسى عند الله) نزل حين جاء وفد نجران مع علمائهم إلى النبي ~~عليه السلام فناظروه في أمر عيسى عليه السلام، فقالوا: إنك تقول هو عبد ~~الله ورسوله، قال عليه السلام: أجل أنه عبد الله ورسوله، فقالوا: هل رأيت ~~ولدا من غير أب؟ فقال تعالى: إن صفة عيسى عند الله «3» (كمثل آدم) أي ~~كصفته، يعني شبه خلق عيسى كشبه خلق آدم في الغرابة، قوله (خلقه من تراب) ~~تفسير للمثل لا محل له من الإعراب، أي خلق الله آدم من تراب، يعني صوره ~~جسدا من طين (ثم قال له كن فيكون) [59] أي فكان وهو حكاية حال ماضية، أي ~~فصار بشرا بغير أب فكذلك خلق عيسى بشرا من غير أب، فاشتركا في الوجود ~~الخارج عن العادة المستمرة، بل الوجود في آدم أغرب من وجود عيسى، لأن ~~الوجود من غير أب وأم أخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب ~~بالأغرب ليكون أقطع لشبهة الخصم إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 60] # الحق من ربك فلا تكن من ms0213 الممترين (60) # قوله (الحق) خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق، يعني خبر عيسى ومثله ثابت (من ~~ربك فلا تكن من الممترين) [60] أي من الشاكين، وهذا نهي له، والمراد غيره ~~أو هو من باب التهييج على الثبات والطمأنينة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 61] # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (61) # (فمن حاجك فيه) أي فمن خاصمك من النصارى في حق عيسى (من بعد ما جاءك من ~~العلم) أي من البينات الموجبة للعلم في أمر عيسى (فقل تعالوا) أي هلموا ~~(ندع أبناءنا) أي حسنا وحسينا (وأبناءكم ونساءنا) أي فاطمة (ونساءكم ~~وأنفسنا) أي النبي عليه السلام وعليا زوج فاطمة رضي الله عنهما (وأنفسكم) ~~يعني لنجتمع نحن وأنتم في موضع (ثم نبتهل) بالجزم عطف على «ندع» المجزوم في ~~جواب الأمر، أي نلتعن، من البهل وهو اللعن ثم استعمل الابتهال لكل دعاء خير ~~أو شر وإن لم يكن التعانا (فنجعل) بالجزم عطف عليه، أي فنفعل (لعنت الله) ~~بالدعاء على وجه التضرع (على الكاذبين) [61] منا ومنكم في حق عيسى عليه ~~السلام، PageV01P159 # وهذا غاية الإنصاف وإنما ضم الأبناء والنساء إلى نفسه في دعاء المباهلة ~~ليتبين الكاذب والصادق وهو يختص به وبمن يكاذبه، لأن ضمهم إلى نفسه آكد في ~~الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ ~~كبده لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، فلما سمعوا الآية من «1» النبي ~~عليه السلام، قالوا حتى ننظر في أمرنا ونأتيك غدا وتفرقوا على الموعدة «2»، ~~ثم ندموا فأتوا النبي عليه السلام من الغد، وقد خرج عليه السلام آخذا بيد ~~الحسن والحسين وخرج معه علي وفاطمة رضي الله عنهم «3» إلى الموضع الذي ~~واعدهم، فطلب منهم المباهلة، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى ~~وجوها لو سألوا الله أن جبلا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا فأبوا ~~المباهلة، فقال عليه السلام لهم: إما أن تبتهلوا وإما أن تسلموا وإما أن ~~تقبلوا الجزية ms0214 فقبلوا الجزية وصالحوه على مال يؤدونه إليه كل عام وانصرفوا ~~إلى بلادهم، فقال عليه السلام: «لو أنهم ابتهلوا لهلكوا كلهم حتى العصافير ~~في سقوف الحيطان» «4». ### || [سورة آل عمران (3): آية 62] # إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) # ثم قال تعالى (إن هذا) أي إن خبر عيسى لهو القصص الحق) أي الخبر الصادق ~~من أنه عبد الله ورسوله لا شك فيه، والأصل أن يدخل اللام على المبتدأ إلا ~~أن يمنع مانع فيدخل على الخبر، وههنا قد دخل الفصل، لأنه إذا جاز دخوله على ~~الخبر كان دخوله على الفصل أجوز، لأنه أقرب إلى المبتدأ (وما من إله إلا ~~الله) أي لا شريك له في الألوهية (وإن الله لهو العزيز) في ملكه ينتقم عمن ~~عصاه (الحكيم) [62] في أمره، أي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من خلق عيسى ~~بلا أب، ومن خلق آدم من تراب، ومن خلق بنيه من أب وأم وغير ذلك. ### || [سورة آل عمران (3): آية 63] # فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) # (فإن تولوا) أي إن أبوا عن الحق ولم يؤمنوا به (فإن الله عليم بالمفسدين) ~~[63] وهو وعيد شديد لهم بقوله «زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون» «5». ### || [سورة آل عمران (3): آية 64] # قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ~~ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا ~~اشهدوا بأنا مسلمون (64) # قوله (قل يا أهل الكتاب) نزل حين قال اليهود: نحن على دين إبراهيم، فانه ~~كان يهوديا، وقال النصارى: # نحن على دين إبراهيم وكان نصرانيا، فقال النبي عليه السلام: كلاهما بريء ~~منه، لأنه كان حنيفا مسلما، ونحن على دينه «6»، فأمر الله نبيه بقوله قل ~~لأهل الكتاب «7» من اليهود والنصارى (تعالوا إلى كلمة) أي إلى كلمة واحد ~~مفيد عدل (سواء) أي يستوي (بيننا وبينكم) لا يختلف فيه الكتب السماوية ~~ويرتفع الأهواء المختلفة باعتقاده على وجه الإنصاف، ثم بين الكلمة بقوله ~~(ألا نعبد) أي ms0215 لا نوحد (إلا الله ولا نشرك به شيئا) من خلقه (ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله) أي لا نقول: عزير ابن الله ولا المسيح بن ~~الله، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوه من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ~~ما شرع الله (فإن تولوا) أو أعرضوا عن هذا التوحيد (فقولوا) أنتم لهم ~~(اشهدوا) أي اعلموا (بأنا مسلمون) [64] أي مخلصون لله بالتوحيد والعبادة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 65] # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده أفلا تعقلون (65) # ثم قال الله تعالى (يا أهل الكتاب) من اليهود والنصارى (لم تحاجون) أي لم ~~تخاصمون (في إبراهيم) أي في دينه زاعمين أنه في دينكم (وما أنزلت التوراة ~~والإنجيل إلا من بعده) وأنتم سميتم باليهودية والنصرانية بعد PageV01P160 # نزول الكتابين (أفلا تعقلون) [65] أي أفلا تدركون «1» بطلان قولكم ~~فتجادلون بالجدال المحال، لأن بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ~~ألفي سنة، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 66] # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) # (ها أنتم) مبتدأ و«ها» للتنبيه (هؤلاء) خبره، أي أنتم هؤلاء الأشخاص ~~(حاججتم) أي جادلتم (فيما لكم به علم) من أمر موسى وعيسى عليهما السلام، ~~لأنه ثابت في كتابكم من التورية والإنجيل (فلم تحاجون) أي تجادلون (فيما ~~ليس لكم به علم) من أمر إبراهيم عليه السلام وليس ذكره في كتابكم، لأنه ~~قبلكم (والله يعلم) أن إبراهيم كان على دين الإسلام (وأنتم لا تعلمون) [66] ذلك. ### || [سورة آل عمران (3): آية 67] # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين (67) # ثم نزه إبراهيم عن اليهودية والنصرانية بقوله (ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان) أي إبراهيم (حنيفا) أي مقبلا إلى الله (مسلما) أي مخلصا ~~في دينه، والحنف «2» الميل إلى الشيء والإقامة عليه، وأكد ذلك بقوله (وما ~~كان من المشركين) [67] كما ms0216 لم يكن منكم في الدين. ### || [سورة آل عمران (3): آية 68] # إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين (68) # ثم قال (إن أولى الناس بإبراهيم) أي أحقهم بدينه «3» وأقربهم منه (للذين ~~اتبعوه) أي اقتدوا به في زمانه وبعده، وهذا إبعادهم عنه، والباء في ~~«بإبراهيم» يتعلق ب «أولى»، وخبر «إن» «للذين»، قوله (وهذا النبي) أي «4» ~~محمد عليه السلام، عطف على «الذين» (والذين آمنوا) بمحمد من هذه الأمة، عطف ~~على «النبي»، يعني محمدا «5» أيضا، وأتباعه المؤمنون «6» أولى بابراهيم، ~~لأنهم على دينه (والله ولي المؤمنين) [68] أي ناصرهم ومحبهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 69] # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) # قوله (ودت طائفة من أهل الكتاب) نزل حين دعا اليهود معاذا وعمارا وحذيفة ~~إلى دينهم «7»، أي أرادت وتمنت جماعة من أهل الكتاب (لو يضلونكم) أي أن ~~يصرفوكم عن دين الإسلام إلى دين الكفر (وما يضلون إلا أنفسهم) أي وما يعود ~~وبال الضلال إلا عليهم فوق عذاب كفرهم أو وما يصرفون «8» عن الإسلام إلا ~~أمثالهم (وما يشعرون) [69] بذلك. ### || [سورة آل عمران (3): آية 70] # يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) # ثم قال (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله) أي القرآن وبيان نعت محمد ~~عليه السلام (وأنتم تشهدون) [70] أي تعلمون أن نعته في كتابكم من التورية ~~والإنجيل، لأنهم كانوا يخبرون بنعته قبل البعثة «9». ### || [سورة آل عمران (3): آية 71] # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) # ثم قال (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) أي الإيمان بالكفر «10» ~~وتخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية (وتكتمون الحق) وهو نعت محمد عليه ~~السلام، أي تسترونه (وأنتم تعلمون) [71] أنه حق ثابت في كتابكم. PageV01P161 ### || [سورة آل عمران (3): آية 72] # وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) # قوله (وقالت طائفة من أهل الكتاب) نزل حين صرفت القبلة إلى الكعبة، وقال ~~كعب بن الأشرف لأصحابه من اليهود «1» (آمنوا) أي أظهروا الإيمان (بالذي ms0217 ~~أنزل) من القرآن (على الذين آمنوا) يعني بالصلوة إلى الكعبة وصلوا إليها ~~(وجه النهار) أي في أول النهار (واكفروا آخره) أي ثم اكفروا به وصلوا إلى ~~الصخرة في آخر النهار (لعلهم) أي لعل المسلمين يقولون هم أعلم منا، وقد ~~رجعوا فيشكون فيه ثم (يرجعون) [72] عن دينهم بفعلكم، وقيل: «تواطأت جماعة ~~من اليهود وهم اثنا «2» عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا ~~في دين محمد أول النهار من غير اعتقاد به واكفروا به آخر النهار، وقولوا: ~~إنا نظرنا في كتابنا فما وجدنا نعته، فظهر لنا بطلان دينه فحينئذ شك أصحابه ~~في دينهم فيرجعون عنه بعد ما دخلوا فيه» «3». ### || [سورة آل عمران (3): آية 73] # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم (73) # قوله (ولا تؤمنوا) يجوز أن يكون عطفا على الأمر وهو «آمنوا»، ويكون مقولا ~~لقوله «وقالت طائفة»، وأن يكون الواو فيه للاستئناف فهو مقول قول مقدر، أي ~~وقالت طائفة منهم للسفلة «4»: لا تصدقوا «5» (إلا لمن تبع دينكم) أي إلا ~~لمن «6» وافق دينكم لا لمن «7» تبع لمحمد «8» وأسلم، وقيل معناه: لا تظهروا ~~هذا الإيمان وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم وأسلم بمحمد، ~~فان رجوعه من دين محمد إلى دينكم أرجأ من رجوع «9» من سواه من المسلمين، ~~وهذا كيد منهم في صرف المسلمين من الدين «10»، ثم قال تعالى (قل إن الهدى ~~هدى الله) أي قل للرؤساء من اليهود: أن الهداية والتوفيق من الله تلطف «11» ~~بمن يشاء فيسلم أو يثبته على الإسلام فلا يضره كيدكم وحيلكم، وقوله (أن ~~يؤتى أحد) «12» علة بتقدير اللام لفعل محذوف، أي قلتم ذلك القول الخبيث من ~~الحسد، ودبرتم الكيد لأن يعطى أحد (مثل ما أوتيتم) من فضل الكتاب والعلم لا ~~لشيء آخر، يعني ما بكم من الحسد صار داعيا لكم إلى أن قلتم ما قلتم، قوله ~~(أو يحاجوكم) أي المسلمون، عطف ms0218 على «أن يؤتى»، وضمير الجمع عائد إلى «أحد»، ~~لأنه في معنى الجمع، أي دبرتم ما دبرتم لذلك أو لأن يحاجوكم عند كفركم بما ~~يؤتى أحد من الكتاب مثل كتابكم (عند ربكم) يوم القيامة فيغلبوكم بالحجة، ~~وقيل: يجوز أن يكون قوله «ولا تؤمنوا» متعلقا بقوله «أن يؤتى أحد»، وما ~~بينهما اعتراضا لدفع اعتقادهم الباطل، أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، يعني لا تفشوه إلى المسلمين لئلا ~~يزيدهم ثباتا في دينهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم قولكم هذا إلى الإسلام ~~أو يحاجوكم، أي ولا تؤمنوا إلا لأهل دينكم لا لغيرهم مخافة أن المسلمين ~~يخاصمونكم بالحق ويغالبون عند الله يوم القيامة «13»، وقيل معناه: لا ~~تعترفوا بأن يؤتى أحد مثل ما PageV01P162 # أوتيتم من الكتاب والعلم «1»، فيشرف عليكم في الدنيا أو يحاجكم عند ربكم ~~في الآخرة، فيغلب إلا من تبع «2» دينكم بزيادة اللام في «لمن» والاستثناء ~~من «أحد»، وكره البعض ذلك لما فيه من تقديم المستثنى على المستثنى منه، ~~قلت: فيه مانع آخر، وهو أن ما في حيز «إن» لا يتقدم عليها، ثم أكد كون «3» ~~الهدى من الله بقوله «4» (قل إن الفضل) أي الهدى والتوفيق وايتاء العلم ~~والكتاب (بيد الله) أي بقدرته ومشيته (يؤتيه من يشاء) من عباده (والله ~~واسع) أي كثير الفضل (عليم) [73] بما هو أهله. ### || [سورة آل عمران (3): آية 74] # يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (74) # (يختص برحمته) أي بنبوته أو «5» دينه (من يشاء) فيعطيهم (والله ذو الفضل ~~العظيم) [74] أي ذو المن الجزيل لمن اختصه بدين الإسلام. ### || [سورة آل عمران (3): آية 75] # ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) # قوله «6» (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده) بسكون الهاء إجراء ~~للوصل مجرى الوقف، وبسكون الهاء اكتفاء بالكسرة عن الياء، وبالياء «7» على ~~الأصل، و«من» مبتدأ، ms0219 وخبره «من أهل الكتاب»، أي منهم من إن تعطه «8» أمانة ~~في حفظ قنطار من ذهب أو فضة يؤده (إليك) من غير جحد ونقص وهو عبد الله بن ~~سلام، استودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداه إليه فمدحه الله تعالى ~~لذلك، فالباء «9» في «بقيطار» بمعنى في أو على (ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك) وهو كعب ابن الأشرف، استودعه رجل من قريش دينارا فلم يؤده ~~وجحده، فذمه تعالى، وقيل: هو فنحاص بن عازورا «10»، قوله «11» (إلا ما دمت) ~~«ما» فيه مصدرية، نصب على الحال أو ظرف، أي إلا في حال ملازمتك أو مدة ~~دوامك يا صاحب الحق (عليه قائما) تطالبه بالحاح (ذلك) أي ترك الأداء ~~(بأنهم) أي بسبب أن أهل الكتاب الخائنين (قالوا ليس علينا في الأميين) أي ~~في مال العرب (سبيل) أي إثم فانهم كانوا يستحلون مال من كان على خلاف ديهم ~~(ويقولون على الله الكذب) من أن ذلك حلال في التورية (وهم يعلمون) [75] ~~بكذبهم، لأن الله أمرهم فيها بأداء الأمانة إلى أهلها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 76] # بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # (بلى) إيجاب لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم فيهم، ثم ~~استأنف وقال تعالى بالشرط (من أوفى بعهده) أي من أتم بعهد الوافي أو بعهد ~~الله الذي عهده «12» إليهم في التورية وأخذ ميثاقهم عليه من الإيمان بمحمد ~~وأداء الأمانة (واتقى) أي الشرك والخيانة، وجواب الشرط (فإن الله يحب ~~المتقين) [76] عن الغدر والخيانة ونقض العهد، أي فان الله يحبه، فقام عموم ~~المتقين مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى «من». PageV01P163 ### || [سورة آل عمران (3): آية 77] # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) # قوله (إن الذين يشترون بعهد الله) نزل حين ادعى رجل على صحابي حقا، فأراد ~~المدعى عليه أن يحلف بالله كذبا ليأخذ مال ذلك الرجل «1» أو نزل حين حرف ~~اليهود نعت محمد ms0220 عليه السلام وعهد الله الذي عهده إليهم في التورية وكتبوا ~~فيها غيرهما «2» لأجل منافع الدنيا «3»، أي أن الذين يستبدلون بعهد الله ~~إليهم في أداء الأمانة وإيفاء العهد (وأيمانهم) الكاذبة (ثمنا قليلا) أي ~~عرضا يسيرا من حطام الدنيا (أولئك لا خلاق) أي لا نصيب (لهم في الآخرة) ~~ونعيمها (ولا يكلمهم الله) غضبا عليهم (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) بنظر ~~الرحمة والإحسان، يريد نفي اعتداده بهم وهو مجاز عن الاستهانة بهم «4» ~~والسخط عليهم (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من الذنوب (ولهم عذاب أليم) [77] ~~أي وجيع دائم «5». ### || [سورة آل عمران (3): آية 78] # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من ~~الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ~~وهم يعلمون (78) # (وإن منهم) أي من اليهود (لفريقا) أي لطائفة «6» كمالك ابن الضيف وكعب ~~ابن الأشرف وحيي بن أخطب (يلوون) أي يميلون ويحرفون (ألسنتهم بالكتاب) أي ~~فيه، والمراد تحريفهم الكتاب بألسنتهم في التلاوة أو في التأويل على خلاف ~~ما في الكتاب أو بالكتابة كآية الرجم ونعت محمد عليه السلام وغيرهما ~~(لتحسبوه) أي لتظنوا «7» المحرف (من الكتاب) أي من التورية (وما هو من ~~الكتاب) أي وليس المحرف من الكتاب الذي نزل من الله (ويقولون هو من عند ~~الله) أي مما أنزله الله (وما هو من عند الله) أي والحال أنه ليس مما أنزله ~~الله، ثم أكد كذبهم بقوله (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [78] أنهم ~~كاذبون في ذلك. ### || [سورة آل عمران (3): آية 79] # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون (79) # قوله (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب) نزل حين جاء رجل من النصارى، ~~وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا كعيسى «8» ~~أو قال المسلمون: أنسلم عليك كما نسلم بعضنا على بعض أو نسجد لك، فقال: ~~معاذ الله أن نعبد غير ms0221 الله أو أن نأمر بعبادة غير الله «9»، أي ما جاز ~~لبشر أن يعطيه الله الكتاب كالتورية والإنجيل والقرآن (والحكم والنبوة) أي ~~الفهم عن الله بما أمر ونهى «10» والعمل بالشريعة (ثم يقول) بالرفع على ~~الاستئناف والنصب «11» للعطف على «يؤتيه»، أي يأمر (للناس) بقوله (كونوا ~~عبادا لي من دون الله ولكن) يقول لهم (كونوا ربانيين) أي علماء بالله أو ~~«12» معتقدين له أو «13» معلمين الخير. # جمع رباني، والرباني «14» منسوب إلى الرب تعالى، والألف والنون زائدتان ~~فيه، ومعناه: البليغ في طاعة ربه PageV01P164 # أو مربي العلماء بصغار العلم قبل كباره أو عاملين لله (بما كنتم تعلمون) ~~بالتشديد، أي بسبب كونكم دارسين (الكتاب) غيركم، وبالتخفيف «1»، أي تعلمون ~~أنتم (وبما كنتم تدرسون) [79] أي تقرؤونه وتعملون به، قيل: # إذا لم يعمل العالم بعلمه فهو والجاهل سواء «2»، وقيل: من علم العلم ~~ودرسه ولم يعمل به فليس من الله في شيئ «3»، وإنما ينسب العالم إلى الله ~~بطاعته لا بعلمه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 80] # ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ ~~أنتم مسلمون (80) # (ولا يأمركم) بالرفع على الاستئناف، أي لا يأمركم الله، وبالنصب «4» على ~~العطف على «يؤتيه» أو على «يقول» بتقدير أن، و«لا» زائدة لتأكيد النفي، أي ~~ولا أن يأمركم الرسول (أن تتخذوا) أي قريش وغيرهم (الملائكة) بقولهم إنها ~~بنات الله (والنبيين) كعيسى وعزير (أربابا) أي معبودين كاتخاذ اليهود ~~والنصارى إياهما معبودين، قوله (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) [80] ~~إنكار عليهم بالهمزة من عبادة غير الله والسجدة له، أي أيأمركم بعبادة ~~الملائكة والسجدة للأنبياء بعد كونكم مخلصين بالتوحيد لله، فانه لو أمركم ~~بذلك لكفر ونزع منه النبوة والإيمان. ### || [سورة آل عمران (3): آية 81] # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) # قوله (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) فيه حث للرسول أن يأمرهم «5» بما في ~~كتاب الله من معرفته ومعرفة أحكامه، ولأمته أن يؤمنوا ms0222 بما يقول لهم من ~~الأمر والنهي ويتبعوا دينه وينصروه ولا يخالفوا عن أمره، أي واذكر يا محمد ~~وقت أخذ الله ميثاق الأنبياء وأممهم وعهدهم في يوم الميثاق حين أخرجهم من ~~صلب آدم أن يبلغ الأول الآخر وأن يصدق الآخر الأول، قوله (لما) بكسر اللام ~~حرف جر يتعلق ب «أخذ»، و«ما» بمعنى الذي، أي للذي (آتيتكم) وبفتح اللام «6» ~~للابتداء والتأكيد بمعنى القسم، لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وسيأتي ~~جواب القسم، و«ما» بمعنى الذي أيضا، والعائد إليه محذوف، أي للذي آتيتكموه، ~~قرئ مفردا وجمعا «7»، آتيناكم تعظيما لله تعالى، والمعنى على كون اللام ~~للجر: أخذ الله ميثاقهم وميثاقكم من قبيل الاكتفاء لأجل الذي أعطيتكموه (من ~~كتاب وحكمة) وهي بيان أحكام الحلال والحرام والحدود (ثم جاءكم رسول) عطف ~~على «آتيتكم» بتأويل المصدرين ليكون عطف المفرد على المفرد على أن «ما» ~~مصدرية، والعائد من هذا المعطوف محذوف، وهو به بقرينة قوله «لتؤمنن به» ~~بعده أو عطف عليه على أن «ما» موصولة، ولا حاجة إلى العائد، لأن قوله «لما ~~معكم» بمعنى له، فكأنه قيل: آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له، والأوجه كون ~~«ما» مصدرية واللام للتعليل، فيكون المعنى: أخذت ميثاق الأنبياء لأجل ~~إيتائي كتابا «8» لكم وحكمة «9» ومجيئ الرسول به إياكم يا أهل الكتاب، وهو ~~محمد عليه السلام فانه رسول مني لكم (مصدق لما معكم) وهو التورية أو «10» ~~الإنجيل، PageV01P165 # قوله (لتؤمنن به) جواب القسم، أي لتصدقنه إذا بعث إليكم نبيا (ولتنصرنه) ~~على أعدائه لإظهار دين الحق إذا دعاكم إليه، ثم (قال) الله تعالى لهم في ~~ذلك الوقت بالاستفهام لتثبيت الإقرار منهم (أأقررتم) بذلك الميثاق بتصديقه ~~ونصره إذا خرج (وأخذتم) أي أقبلتم (على ذلكم) الميثاق (إصري) أي عقدي الذي ~~عقدته عليكم في شأن محمد عليه السلام، وأصل الإصر الثقل، سمي به العهد، ~~لأنه ثقل على صاحبه من حيث إنه يمنع عن «1» مخالفته إياه (قالوا) أي أهل ~~الكتاب (أقررنا) على ذلك (قال) الله تعالى للملائكة أو لأهل الكتاب ~~(فاشهدوا) أي فليشهد بعضكم على بعض بأني قد أخذت عليكم العهد ms0223 (وأنا معكم من ~~الشاهدين) [81] على إقراركم بذلك وشهادتكم به، وهذا توكيد عليهم وتهديد من ~~الرجوع. ### || [سورة آل عمران (3): آية 82] # فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (82) # (فمن تولى) أي أعرض (بعد ذلك) أي بعد الإقرار والتوكيد (فأولئك هم ~~الفاسقون) [82] أي الخارجون عن الإيمان بالله وطاعته بنقض العهد. ### || [سورة آل عمران (3): آية 83] # أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون (83) # ثم قال بهمزة الإنكار لهم (أفغير دين الله) أي أيتولون فغير «2» دين الله ~~(يبغون) بالياء والتاء «3»، أي تطلبون «4» (وله أسلم) أي لله أخلص وانقاد ~~(من في السماوات والأرض) أي أهلهما (طوعا) أي بلا إباء (وكرها) أي باباء، ~~يعني يسجد له أهل السماء طوعا، ويسجد أهل الأرض بعضهم طوعا كالمخلصين ~~وبعضهم كرها كالمنافقين، وقيل: خضع له من ولد في الإسلام طوعا بالنظر في ~~الأدلة والإنصاف من النفس ومن أبي أجبر «5» حتى أدخل في الإسلام كرها أو ~~قتل «6» (وإليه يرجعون) [83] بالياء والتاء «7»، أي يصيرون «8» في الآخرة ~~فلا يقدرون على الإباء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 84] # قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد ~~منهم ونحن له مسلمون (84) # ثم قال تعالى للنبي عليه السلام (قل آمنا) أي قل لأهل الكتاب: إن لم ~~تؤمنوا آمنت أنا والمؤمنون (بالله) وأنبيائه (وما أنزل علينا) من القرآن ~~«9»، وعدي «أنزل» هنا بحرف «على»، وفي البقرة «10» بحرف «إلى» لوجود معنى ~~الاستعلاء والانتهاء جميعا في الإنزال، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى ~~الأنبياء، فجاء بأحد المعنيين تارة وبالآخر أخرى (وما أنزل على إبراهيم) من ~~صحفه العشر «11» (و) على «12» (إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) وهم أولاد ~~يعقوب من الأنبياء (وما أوتي) أي وبما «13» أعطي (موسى) من التورية (وعيسى) ~~من الإنجيل (والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم) في النبوة كما يفرق ~~أهل الكتاب فيكفرون ببعض ويؤمنون ببعض (ونحن له مسلمون) [84] أي مخلصون ~~بالتوحيد والطاعة. PageV01P166 ### || [سورة آل عمران (3): آية 85] # ومن ms0224 يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) # قوله (ومن يبتغ غير الإسلام دينا) نزل في شأن حارث بن سويد وأصحابه من ~~المرتدين وكانوا عشرة أو اثنى عشر رجلا، رجعوا عن الإسلام في المدينة ~~ولحقوا بمكة «1»، أي ومن يطلب سوى دين الإسلام دينا (فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين) [85] أي من المغبونين «2»، لأنه اختار منزلة النار بدل ~~منزلة الجنة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 86] # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) # ثم قال (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) أي كيف يلطف «3» بهم ~~وليسوا من أهل اللطف لعلمه تصميمهم «4» على الكفر لرجوعهم عن الإيمان، قوله ~~(وشهدوا) نصب على الحال من «كفروا» باضمار قد، أي والحال أنهم قد شهدوا (أن ~~الرسول حق) أي صادق فيما يقول (وجاءهم البينات) أي الشواهد «5» من القرآن ~~على صدقه (والله لا يهدي) أي لا يلطف (القوم الظالمين) [86] أي المعاندين ~~الذين علم أن اللطف لا ينفعهم، وهذا القول فيمن أقام على كفره وداوم على ~~ظلمه مصرا ليس له قصد الرجوع إلى الإسلام في قلبه وسره. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 87 الى 88] # أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (88) # (أولئك جزاؤهم) مبتدآن، والخبر (أن عليهم لعنة الله) أي سخطه وطرده من ~~رحمته (والملائكة والناس أجمعين [87] خالدين فيها) أي في اللعنة وهي ~~العقوبة بالنار (لا يخفف عنهم العذاب) أي لا يهون عليهم ساعة (ولا هم ~~ينظرون) [88] أي يمهلون. ### || [سورة آل عمران (3): آية 89] # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) # ثم استثنى التائبين من الكفر والمعصية بقوله (إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك) أي بعد الكفر والمعصية (وأصلحوا) أي دخلوا في الصلاح بالتوبة والعمل ~~الصالح (فإن الله غفور رحيم) [89] بعد التوبة والإصلاح. ### || [سورة آل عمران (3): آية 90] # إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك ms0225 هم ~~الضالون (90) # ونزل في طائفة اليهود الذين آمنوا بمحمد عليه السلام قبل البعثة لما رأوا ~~صفته في كتابهم ثم ارتدوا «6» (إن الذين كفروا) بمحمد عليه السلام (بعد ~~إيمانهم) بصفته (ثم ازدادوا كفرا) باصرارهم على ذلك بعد دعوتهم إلى الإيمان ~~به أو الذين كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا ~~بمحمد عليه السلام «7» (لن تقبل توبتهم) عن الكفر في مرض موتهم (وأولئك هم ~~الضالون) [90] عن طريق الهدى، فماتوا على كفرهم كأنهم لم يتوبوا عنه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 91] # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) # ثم نزل فيمن أقاموا على كفرهم وماتوا عليه «8» (إن الذين كفروا وماتوا ~~وهم كفار) وأدخل الفاء في (فلن يقبل) ليدل على معنى الجزاء للشرط الذي ~~تضمنه الموصول، ويؤذن بأن سبب امتناع التوبة هو الموت على PageV01P167 # الكفر، أي لن يقبل (من أحدهم) فدية (ملء الأرض ذهبا) أي قدر «1» ما ~~يملأها من شرقها إلى غربها، وقيل: وزن الأرض ذهبا «2»، نصبه على التمييز ~~(ولو افتدى به) أي بملء الأرض ذهبا، تعلقه بما قبله بالحمل على المعنى، ~~كأنه قيل: لن تقبل «3» من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، ويجوز أن ~~يراد ولو افتدى بمثله بتقدير المثل، وهو كثير في كلامهم نحو ضربته ضرب زيد، ~~أي مثل ضربه، قيل: «إذا رأى الكافر النار يوم القيامة تمنى لو كان له ملء ~~الأرض ذهبا وقدرة على أن يفتدي به من العذاب لافتدى به، ولو افتدى به ما ~~يقبل منه» «4» (أولئك) أي أهل هذه الصفة (لهم عذاب أليم) أي مؤلم (وما لهم ~~من ناصرين) [91] أي مانعين «5» من عذابه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 92] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (92) # قوله (لن تنالوا البر) أي لن تبلغوا حقيقة البر، يعني ثوابه وهو الجنة، ~~وكل أعمال الخير بر (حتى تنفقوا مما تحبون) أي حتى تتصدقوا «6» من أموالكم ms0226 ~~التي تحبونها، و«من» فيه للتبعيض، نزل حين جاء أبو طلحة، فقال: # يا رسول الله! إن أحب أموالي بيرحا، اسم ضيعة له، فضعها في سبيل الله، ~~فقال عليه: إني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: افعلها «7» يا ~~رسول الله حيث أراك الله، فقسمها في أقاربه «8»، قيل: «هذا منسوخ بآية ~~الزكوة» «9»، وقيل: «المراد به إخراج الزكوة عن طيبة النفس» «10» (وما ~~تنفقوا من شيء) أي أي شيء كان من طيب تحبونه أو من خبيث تكرهونه (فإن الله ~~به عليم) [92] لا يخفى عليه فيجازيكم به، قيل: معناه لا وصول إلى المطلوب ~~إلا باخراج المحبوب «11»، ولذلك كانت الصحابة رضي الله عنهم إذا أحبوا مالا ~~من أموالهم أنفقوه في سبيل الله. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 93 الى 94] # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على ~~الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) # قوله (كل الطعام) أي كل أنواع الطعام (كان حلا لبني إسرائيل) نزل حين ~~قالت اليهود: حرمنا على أنفسنا لحوم الإبل وألبانها، لأن يعقوب حرمها على ~~نفسه و«12» نزل تحريمها في التورية «13»، فقال تعالى كل الطعام هو حلال ~~لأمتك كما كان حلالا «14» لبني إسرائيل سوى الميتة والدم ولحم الخنزير، ~~قوله (إلا ما حرم إسرائيل) أي يعقوب عليه السلام (على نفسه) نصب على ~~الاستثناء من أنواع الطعام، فانه لم يكن حلالا لهم وصار حلالا لأمتك، ~~والمراد منه لحوم الإبل وألبانها وإنما حرمهما على نفسه لما أصابه عرق ~~النسا، وقال الأطباء له: اجتنب لحوم الإبل وألبانها فحرمها «15» على نفسه، ~~وذلك أيضا باذن من الله فكأنه تحريم الله ابتداء، وقيل: نذر أن يحرم أحب ~~الطعام إليه إن شفي منه، فشفي فلم يأكله أولاده اتباعا له أو قال إن شفاني ~~الله لا يأكله ولد لي فحرم عليهم «16» (من قبل أن تنزل التوراة) أي الذي ~~حرم عليهم بعد إبراهيم عليه السلام هو المحرم قبل نزول PageV01P168 # التورية بسبب بغيهم ms0227 وظلمهم لقوله تعالى «فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم» «1» الآية، وليس بتحريم قديم كما يدعونه فان جحدوا ذلك (قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها) ليظهر صدقهم (إن كنتم صادقين) [93] فيما تزعمون فأبوا عن ~~اتيانها لما بهتوا وعرفوا أنه حق بالوحي وما قالوه افتراء على الله فقال ~~تعالى (فمن افترى على الله) أي اختلق عليه (الكذب من بعد ذلك) أي بعد لزوم ~~الحجة القاطعة (فأولئك هم الظالمون) [94] أي الذين لا ينصفون أنفسهم بسبب ~~المكابرة والعناد. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 95 الى 96] # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # ثم أمر نبيه تعريضا بكذبهم فقال (قل صدق الله) إن تحريمه ليس في التورية ~~(فاتبعوا ملة إبراهيم) أي ملة الإسلام (حنيفا) أي مخلصا في إسلامه مستقيما ~~في سبيله (وما كان من المشركين) [95] أي على دينهم، فكلوا لحوم الإبل ~~وألبانها كما أكل إبراهيم، ولا تحرموا على أنفسكم شيئا بأهوائكم التي أفسدت ~~دينكم ودنياكم بتحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم لأن يكون التحريم قديما، ~~والتورية ناطق بأنه تحريم حادث بسبب ظلمكم وتحريم الطيبات التي أحلها الله ~~لإبراهيم ولمن «2» تبعه، وصلوا إلى بيت الله الذي بناه إبراهيم بالوحي، ~~وفيه آيات كثيرة تدل على نبوة إبراهيم وصحة دينه لقوله تعالى (إن أول بيت ~~وضع للناس) مجهولا، والواضع الله، قيل: # نزل حين قالت اليهود قبلتنا بيت المقدس «3»، قيل: قبلتكم فهو أحق بالصلوة ~~إليه فرد الله قولهم بذلك «4»، روي: # أن الملائكة بنته ولما حجه آدم قالت له بر حجك يا آدم قد حججناه قبلك ~~بألفي عام «5»، وقال النبي عليه السلام: # «إن المسجد الحرام وضع قبل الأقصى بأربعين سنة» «6»، وقيل: «هو أول متعبد ~~في الأرض» «7»، وقيل: أول من بناه آدم «8»، وقيل: أول من بناه إبراهيم ثم ~~بناه قوم من العرب في اليمن من أصهار إسمعيل عليه السلام، ثم بناه قوم من ~~أولاد عمليق بن لاوذ، ثم بناه قريش «9»، وخبر «إن» قوله (للذي ببكة) أي ~~بمكة، والباء تبدل من الميم، ms0228 يقال سبدته وسمدته إذا استأصلته، من البك، وهو ~~الازدحام وسمي بها، لأن الناس يزدحم بعضهم بعضا، وقيل: «بكة موضع البيت ~~ومكة البلد حوله» «10» (مباركا) حال من ضمير «وضع»، أي كثير الخير للناس ~~لحصول «11» الثواب لهم بالطواف والصلوة والعكوف عنده ومغفرة لذنوبهم (وهدى ~~للعالمين) [96] عطف على الحال، أي حال كونه سببا لهدايتهم، لأنه قبلتهم ~~يصلون إليها لأجل عبادة الله. ### || [سورة آل عمران (3): آية 97] # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) # (فيه آيات بينات) أي علامات واضحات، قوله (مقام إبراهيم) عطف بيان لقوله ~~«آيات بينات»، وهو مفرد في معنى الجمع لما فيه من ظهور شأن إبراهيم من ~~تأثير قدمه «12» في حجر صلد، وظهور نبوته وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ~~ولأن ألانه بعض الحجر دون البعض آية وإبقاؤها دون سائر آيات الأنبياء عليهم ~~السلام آية لإبراهيم خاصة وحفظه مع كثرة أعدائه من الكفار ألوف سنين آية، ~~فيكون مقام إبراهيم مشتملا على الآيات (ومن دخله) أي حرم البيت (كان آمنا) ~~كقوله تعالى «أ ولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا» «13»، ويتخطف الناس من PageV01P169 # حولهم، والأمن أيضا عطف بيان ل «الآيات» ك «مقام إبراهيم» من حيث المعنى، ~~تقديره: مقام إبراهيم وآمن داخله، يعني من دخل فيه لا يهاج منه إذا وجب ~~عليه القتل خارج الحرم، فلذلك لا يقتص من الجاني في الحرم عند أبي حنيفة ~~رضي الله عنه إذا التجأ إليه، وقيل: آمنا من النار «1»، قال عليه السلام: ~~«من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا» «2»، وقال عليه السلام: ~~«الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة» «3»، وقال عليه السلام: ~~«من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام» «4»، ثم ~~بين فرضية الحج بقوله (ولله على الناس حج البيت) بكسر الحاء وبالفتح «5» ~~بمعنى القصد، أي استقر لله عليهم فرض حج بيته، قوله (من استطاع إليه سبيلا) ~~بدل البعض من الناس، أي فرض ms0229 الحج من استطاع إلى البيت سبيل الذهاب والرجوع، ~~والاستطاعة الزاد والراحلة ونفقة العيال بقدرهما مع التمكن، وأوجبه مالك ~~على الفقير القادر على المشي (ومن كفر) أي من ترك الحج بعد الوجوب عمدا أو ~~لم ير الحج واجبا (فإن الله غني عن العالمين) [97] أي عمن حج وعمن لم يحج، ~~وفيه تغليظ على تارك الحج، قال عليه السلام: «من أمكنه الحج فلم يحج فليمت ~~إن شاء يهوديا أو نصرانيا» «6»، قيل: إنما خصهما بالذكر لأن الحج لم يكن ~~مفروضا عليهما «7». ### || [سورة آل عمران (3): آية 98] # قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) # ثم أمر نبيه عليه السلام بأن يقول لجاحدي الحج بقوله (قل يا أهل الكتاب) ~~من اليهود والنصارى (لم تكفرون) أي لم تجحدون (بآيات الله) أي بالقرآن ~~والحج ونعت محمد عليه السلام (والله شهيد على ما تعملون) [98] من الجحود ~~بها، والواو فيه للحال، أي والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 99] # قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ~~وما الله بغافل عما تعملون (99) # (قل يا أهل الكتاب لم تصدون) أي لم تصرفون «8» بتغييركم صفة محمد (عن ~~سبيل الله) أي عن دين الإسلام «9» (من آمن) أي من صدق «10» بالإسلام والحج ~~ليرتابوا في نبوته، ف «من» مفعول «تصدون»، ومحل (تبغونها) حال، أي تطلبون ~~السبيل (عوجا) أي ميلا عن الاستقامة بتلبيسكم إياها على الناس حتى توهموهم ~~أن فيها عوجا بقولكم أن شريعة موسى عليه السلام لا تنسخ وبتغييركم «11» صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها (وأنتم شهداء) بأنها مستقيمة لعلمكم ~~في التورية أن محمدا صادقا في دعواه «12» النبوة (وما الله بغافل عن ما ~~تعملون) [99] من كتمان صفته وتغييرها «13» بصفة أخرى، قيل: «العوج بكسر ~~العين يطلق على ما لا ينتصب قائما كالدين والقول والأرض وبفتح العين فيما ~~ينتصب قائما كالرمح والحائط» «14». ### || [سورة آل عمران (3): آية 100] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ms0230 يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين (100) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا) نزل حين كان الكفار من ~~اليهود تدعون بعض المسلمين إلى PageV01P170 # دينهم «1»، أي إن تطيعوا طائفة (من الذين أوتوا الكتاب) وهم رؤساء اليهود ~~(يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [100] نصب على الحال من «كم»، لأنهم يريدون كفركم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 101] # وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد ~~هدي إلى صراط مستقيم (101) # ثم قال مستفهما توبيخا وتعجيبا (وكيف تكفرون) أي تجحدون بوحدانية الله ~~تعالى وبمحمد والقرآن (وأنتم تتلى عليكم آيات الله) على لسان رسوله بالوحي ~~غضة طرية مع ما فيها من الحكم والبينات (وفيكم رسوله) أي بين ظهرانيكم نبيه ~~ينبهكم ويعظكم، قيل: يجوز أن يكون هذا خطابا للصحابة خاصة، لأنهم يشاهدونه ~~وأن يكون لجميع الأمة لأن آثاره والقرآن الذي أتى به فيهم فكان الرسول حاضر ~~لديهم وإن لم يشاهدوه «2» (ومن يعتصم بالله) أي ومن «3» يلتجئ إليه أو ~~يتسمك بدينه (فقد هدي) أي وفق وأرشد (إلى صراط مستقيم) [101] يوصل سالكه ~~إلى الجنة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 102] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) # قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) أي حق خوفه بأن يطاع فلا ~~يعصى طرفة عين وأن يشكر على نعمه ولا يكفر وأن يذكر ولا ينسى، نزل حين ~~تفاخر الأنصار من الأوس والخزرج وكان الغلبة للأوس فأخذوا السلاح ليقاتلوا ~~مع الخزرج، ثم قالوا: يا رسول الله! من يقوي على هذا الحكم فنزل قوله ~~«فاتقوا الله ما استطعتم» «4»، فنسخ ذلك «5»، ثم نهاهم عن مفارقة الإسلام ~~بقوله (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [102] أي كونوا ثابتين على دين الإسلام ~~بحال يلحقكم الموت وأنتم على الإسلام. ### || [سورة آل عمران (3): آية 103] # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) # ثم أكده «6» بقوله (واعتصموا بحبل ms0231 الله) أي تمسكوا بدينه أو بالقرآن ~~(جميعا ولا تفرقوا) أي لا تختلفوا في الدين بعد الإسلام كاختلاف اليهود ~~والنصارى، ثم ذكر نعمته التي أنعمها عليهم بتبديل العداوة السابقة الطويلة ~~بالألفة والمحبة بسبب الإسلام واتباع الرسول وانتقاله من مكة إليهم منة ~~عليهم بقوله (واذكروا نعمت الله) أي أنعامه (عليكم) أيها الأنصار (إذ كنتم ~~أعداء) قبل الإسلام (فألف) أي جمع (بين قلوبكم) بالإسلام توددا (فأصبحتم) ~~أي فصرتم (بنعمته إخوانا) في الدين (وكنتم على شفا حفرة) أي على طرف «7» ~~حفرة في الجاهلية (من النار) لو متم على ما كنتم عليه لوقعتم في النار ~~(فأنقذكم) أي أنجاكم بالإسلام واتباع النبي عليه السلام (منها) أي من النار ~~في الحفرة، وشفة الشيء وشفاه جانبه (كذلك) أي مثل ذلك البيان (يبين الله ~~لكم آياته) من الأمر والنهي (لعلكم تهتدون) [103] أي لكي تنجوا من الضلالة ~~وتعرفوا الحق بهذه النعمة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 104] # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون (104) # ثم أمر الله للناس بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، فقال تأكيدا بلام ~~الأمر (ولتكن منكم أمة) أي لتقم منكم جماعة (يدعون إلى الخير) أي إلى جميع ~~الخيرات من الإسلام وغيره، والدعاء إلى الخير عام في PageV01P171 # الأفعال والتروك، ثم عطف عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه ~~خاصا بقوله (ويأمرون بالمعروف) وهو الاقتداء بالنبي عليه السلام، وقيل «1»: ~~كل ما يحسن في الشرع «2» (وينهون عن المنكر) وهو العمل المخالف للشرع، ~~وإنما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد ذكر الدعاء إلى الخير فانه ~~عام في الأفعال والتروك «3» إيذانا بفضلهما «4» عن سائر أفراده، وإنما أورد ~~ب «من» «5» التبعيضية، لأنه لا يصلح كل أحد للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وإنما يصلح لذلك من علم المعروف والمنكر وعلم كيفية ترتيب الأمر ~~والمباشرة فان الجاهل ربما عكس أو يغلظ «6» في مقام اللين أو يلين «7» في ~~مقام التغليظ، وربما ينكر على من يزيده إنكاره تماديا في الشر، وربما عرف ~~مذهبه وجهل مذهب غيره فأنكره فيكون عبثا، وقيل: «من» ms0232 فيه للبيان «8»، أي ~~كونوا أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فيجب ذلك على كل واحد على ~~سبيل فرض الكفاية حتى على الفاسق عند البعض لقوله عليه السلام: «من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه- أي ~~فليكرهه بقلبه «9» - وذلك أضعف الإيمان» «10»، أي أضعف أفعال أهل الإيمان ~~«11»، وقيل: هذا محمول على أنه يجب «12» على الأمراء باليد وعلى العلماء ~~باللسان وعلى العوام بالقلب «13»، وقد أجمعوا على أن «14» من رأى غيره ~~تاركا للصلوة وجب عليه الإنكار، لأن قبحه معلوم لكل أحد من أهل الإسلام، ~~روي عن بعض الصحابة: أن الرجل إذا لم يستطع الإنكار على منكر رآه فليقل ثلث ~~مرات: اللهم إن هذا منكر، فاذا قال ذلك فقد فعل ما عليه «15»، قيل: شرط ~~الوجوب أن يغلب على ظنه وقوع المعصية لظهور «16» أماراتها كاعداد آلات شرب ~~الخمر، وأن لا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة وأن يبتدئ ~~بالأسهل فان لم ينفع فبالأصعب وينهى الصبي والمجنون إذا هما بضرر غيره ~~وينهى الصبي عن المحرمات حتى لا يتعودها «17» (وأولئك هم المفلحون) [104] ~~أي أهل هذه الصفة هم المختصون بالفلاح يوم القيامة، روي أنه عليه السلام ~~سئل وهو على المنبر من خير الناس؟ # قال: «آمرهم وأنهاهم عن المنكر وأتقاكم لله وأوصلهم للرحم» «18». ### || [سورة آل عمران (3): آية 105] # ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم ~~عذاب عظيم (105) # (ولا تكونوا كالذين تفرقوا) في الدين كاليهود والنصارى أو كالمبتدعين من ~~هذه الأمة (واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) الموجبة على كلمة الحق ~~(وأولئك لهم عذاب عظيم) [105] أي «19» لا يرفع عنهم أبدا. ### || [سورة آل عمران (3): آية 106] # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) # (يوم تبيض وجوه) نصب بالظرف، وهو لهم أو باضمار الفعل، أي اذكر يوم تكون ~~وجوه المؤمنين مبيضة بالإيمان والثبات عليه كوجوه المهاجرين والأنصار ~~(وتسود وجوه) أي تكون وجوه الكافرين مسودة بالكفر PageV01P172 # والارتداد عن الإيمان كوجوه بني قريظة ms0233 والنضير، والبياض من النور للمحق، ~~والسواد من الظلمة للمبطل، قيل: من كان من أهل الحق وسم وجهه ببياض اللون ~~في المحشر ببياض صحيفته سرورا إذا قرأها، ومن كان من أهل الباطل وسم وجهه ~~بسواد اللون وكسوفه فيه بسواد صحيفته خزاية إذا رآها «1»، وقدم «تبيض» على ~~«تسود»، ثم قدم حكم «تسود» على حكم «تبيض» لرعاية لطف الكلام بكون أوله ~~وآخره مما يوجب انشراح الصدر للمستمع، فقال مستأنفا بجواب سؤال مقدر، وهو ~~كيف يكون حالهم فيه (فأما الذين اسودت وجوههم) فيقال لهم (أكفرتم) ~~بالاستفهام توبيخا (بعد إيمانكم) يوم الميثاق بقولكم بلى أو هم المنافقون ~~باظهار الإيمان وإبطال الكفر (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) [106] ~~بالقرآن ومحمد عليه السلام. ### || [سورة آل عمران (3): آية 107] # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) # (وأما الذين ابيضت وجوههم) بالإيمان (ففي رحمت الله) أي في جنته «2» التي ~~تنال «3» برحمته (هم فيها خالدون) [107] أي دائمون في نعيمها «4». ### || [سورة آل عمران (3): آية 108] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) # (تلك آيات الله) أي آيات القرآن الواردة في الوعد والوعيد (نتلوها) أي ~~نقرؤها (عليك بالحق) أي بالصدق والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما ~~يستحقانه، يعني نعرفك إياها بجبرائيل (وما الله يريد ظلما للعالمين) [108] ~~أي لا يأخذ أحدا بغير جرم ولا يزيد ولا ينقص من العقاب والثواب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 109] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) # (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي جميعه ملكه، فاسألوه من نعم ~~الدنيا والآخرة، واعبدوه ولا تعبدوا غيره (وإلى الله ترجع الأمور) [109] أي ~~إليه تصير أمور العباد في الآخرة خيرا كانت أو شرا. ### || [سورة آل عمران (3): آية 110] # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) # ثم أخبر عن حال المسلمين بأنهم خير أهل دين عند الله بالإسلام والوفاء ~~تعريضا للكفار، وقال (كنتم خير أمة) أي أنتم خير الأمم ms0234 عند الله أو في ~~اللوح المحفوظ بزيادة «كان» أو بمعنى وجدتم أو صرتم خير أمة بالإيمان بخير ~~الرسل «5» أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة (أخرجت) أي أظهرت ~~(للناس) قوله (تأمرون بالمعروف) بيان لكونهم خير أمة، أي تأمرون بشهادة، أي ~~«لا إله إلا الله» وهو أعظم معروف (وتنهون عن المنكر) أي تنهون عن الشرك ~~وتكذيب الحق كالبعث وهو أنكر منكر، وقيل: المعروف إقامة السنة والجماعة ~~والمنكر إقامة البدعة والضلالة «6»، قال عليه السلام: «من أمر بمعروف ونهى ~~عن منكر فهو خليفة الله في الأرض، وخليفة كتابه وخليفة رسوله» «7»، قيل: لا ~~تأمر بالمعروف حتى يكون فيك ثلاث خصال، أن تصحح نيتك وتعرف حجتك وتصبر على ~~ما أصابك «8» (وتؤمنون بالله) أي وتثبتون على توحيده وعلى كل ما يجب ~~الإيمان به من رسول وكتاب «9» وبعث وعقاب وثواب وغير ذلك، فمن أنكر شيئا ~~منها فهو غير مؤمن بالله، ويدل عليه قوله (ولو آمن أهل الكتاب) من اليهود ~~والنصارى بالرسول مع إيمانهم بالله (لكان) ذلك PageV01P173 # الإيمان (خيرا لهم) مما هم عليه من الكفر وحب الرياسة وحظوظ الدنيا، ثم ~~قال على سبيل الاستطراد مدحا وذما (منهم المؤمنون) كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه ومن آمن منهم بالرسول (وأكثرهم الفاسقون) [110] أي الخارجون «1» عن ~~طاعة الله ككعب بن الأشرف وأصحابه ومن لم يؤمن منهم به. ### || [سورة آل عمران (3): آية 111] # لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) # ثم أنزل تعالى عن إيذاء اليهود من أهل الكتاب المسلمين بمحمد عليه السلام ~~تثبيتا لمن أسلم منهم وتشجيعا عليهم (لن يضروكم إلا أذى) أي ضررا بقول ~~تتأذون به كسب ووعيد، وليس لهم قوة القتال معكم (وإن يقاتلوكم) أي إن خرجوا ~~إلى قتالكم (يولوكم الأدبار) أي يرجعوا ويهربوا إلى أدبارهم منهزمين ولا ~~يضروكم بقتل أو أسر (ثم) هم (لا ينصرون) [111] أي ثم لا يكون عون من أحد ~~لهم ولا يمنعون منكم وهو وعد بالاستئناف و«ثم» للتراخي في المرتبة، لأن ~~الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بهربهم إلى الأدبار، ms0235 يعني ~~أنهم بعد توليهم «2» الأدبار لا ينصرون قاتلوا أو لم يقاتلوا «3»، وهو ~~معطوف على جملة الشرط والجزاء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 112] # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب ~~من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) # (ضربت عليهم الذلة) أي ألزم عليهم القتل والجزية (أين ما ثقفوا) أي حيث ~~«4» وجدوا (إلا بحبل من الله) أي بعهد منه (وحبل من الناس) أي بعهد من ~~المسلمين فيؤدون إليهم الجزية، فان لم يكن لهم عهد قتلوا (وباؤ) أي رجعوا ~~(بغضب من الله وضربت عليهم) أي جعلت «5» عليهم (المسكنة) أي زي الافتقار، ~~قيل: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر لكي لا تضاعف «6» عليهم الجزية «7» (ذلك) ~~أي ما ذكر كائن (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانوا يكفرون بآيات الله) أي بالقرآن ~~وبمحمد عليه السلام (ويقتلون الأنبياء بغير حق) أي يرضون بفعل آبائهم من ~~القتل، فكأنهم قتلوهم (ذلك) أي الكفر والقتل والغضب من الله (بما عصوا) ~~الله (وكانوا يعتدون) [112] عن حدود الله، والباء للسببية. ### || [سورة آل عمران (3): آية 113] # ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ~~يسجدون (113) # ثم قالت اليهود عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه: ما أسلم منا إلا ~~شرارنا فنزل «8» (ليسوا سواء) نافيا للسوية بينهم وتفضيلا لمن آمن من أهل ~~الكتاب على من لم يؤمن، أي ليس أهل الكتاب مستوين في الدرجة عند الله، ~~لأنهم مصدقين بمحمد عليه السلام ومنهم مكذبين به، قوله (من أهل الكتاب أمة ~~قائمة) جملة مستأنفة مبينة لجملة «ليسوا سواء»، أي منهم جماعة مستقيمة ~~بالإيمان في دين الله مهدية عاملة «9» بكتاب الله أو قائمة في الصلوة وطاعة ~~الله «10» (يتلون آيات الله) أي القرآن، صفة ثانية لهم (آناء الليل) أي ~~ساعاته «11» (وهم يسجدون) [113] حال من الضمير في «يتلون»، أي حال كونهم ~~يصلون لله فيها. PageV01P174 ### || [سورة آل عمران (3): آية 114] # يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ms0236 ويسارعون ~~في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) # ثم وصفهم بخصائص أخرى ما كانت في اليهود فقال (يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر) أي وهم يقرون بالبعث (ويأمرون بالمعروف) أي بالإيمان بمحمد واتباعه ~~(وينهون عن المنكر) أي عن الكفر والمعصية (ويسارعون في الخيرات) أي يبادرون ~~بالأعمال الصالحة لرغبتهم في امتثال أمر الله (وأولئك) أي الموصوفون بتلك ~~الصفات (من الصالحين) [114] أي من جملة الذين صلحت أحوالهم عند الله ~~واستحقوا ثناء الله عليهم، وهم أصحاب محمد عليه السلام في الجنة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 115] # وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115) # ثم خاطب المؤمنين تحريضا على العمل الخير بقوله (وما يفعلوا «1») أي الذي ~~تعملوه (من خير) «2» بالتاء خطابا وبالياء غيبة «3» (فلن يكفروه) أي لن ~~يحرموا «4» ثوابه في الآخرة، ولمعنى «5» الحرمان عدي الكفر إلى مفعولين ~~«6»، قال عليه السلام: «البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يفنى» «7»، ~~يعني هو شكور يوفي جزاء أعمالهم الخير (والله عليم بالمتقين) [115] فيه ~~بشارة لأهل التقوى بجزيل الثواب، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان مثلهم في ~~عمل الخير بالتقوى. ### || [سورة آل عمران (3): آية 116] # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (116) # ثم بين حال من لم يؤمن من أهل الكتاب بقوله (إن الذين كفروا لن تغني) أي ~~لن تنفع «8» (عنهم أموالهم ولا أولادهم) أي الكثرة منهما (من الله) أي من ~~عذابه في الآخرة (شيئا) أي نفعا ما، قاله ردا لقولهم: نحن أكثر أموالا ~~وأولادا وما نحن بمعذبين، ثم قال (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ~~[116] أي معذبون دائما. ### || [سورة آل عمران (3): آية 117] # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) # ونزل حين أنفقوا في عداوة الله ولم يبلغوا مرادهم «9» (مثل ما ينفقون) أي ~~صفة إهلاك الكفار (في هذه الحياة الدنيا) من أموالهم في غير طاعة الله ~~كالمفاخر والمكارم وحسن الذكر بين الناس وعداوة أهل الإسلام ms0237 (كمثل ريح) أي ~~كصفة إهلاك ريح (فيها صر) أي برد مهلك أو حر (أصابت حرث) أي حرث (قوم ظلموا ~~أنفسهم) بالكفر أو بمنع حق الله فيه (فأهلكته) أي أحرقته وأفنته فلم ~~ينتفعوا به، وقيل: هو من باب التشبيه المركب «10» (وما ظلمهم) أي أولئك ~~المنفقين (الله) بعدم قبول نفاقتهم (ولكن أنفسهم يظلمون) [117] بارتكاب عمل ~~لم يستحقوا به القبول ويجوز عود الضمير إلى أصحاب الحرث، أي وما ظلمهم ~~بإهلاك حرثهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) PageV01P175 ### || [سورة آل عمران (3): آية 118] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~إن كنتم تعقلون (118) # ونزل نهيا للمسلمين عن مصادقة الكفار والمنافقين «1» (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة) أي صداقة وصفوة (من دونكم) أي من غير جنسكم ~~المؤمنين، مأخوذ من بطانة الثواب لقربها من البدن، أي لا تقربوهم «2» ~~أنفسكم بالصداقة والخلة فتطلعوهم «3» على أسراركم، ومحل «من دونكم» نصب ~~بأنه صفة «بطانة»، أي بطانة كائنة من دون أبناء جنسكم مجاورة لكم، ثم أخبر ~~عن سبب نهيه عن المواصلة بهم بقوله (لا يألونكم) أي لا يقصرون في آذاكم ~~(خبالا) أي فسادا بالمكر والخديعة، وهو نصب على التمييز (ودوا ما عنتم) أي ~~أثمتم بربكم، والعنت المشقة، يعني أرادوا أن يضروكم «4» في دينكم ودنياكم ~~أشد الضرر (قد بدت) أي ظهرت (البغضاء) أي العداوة للمؤمنين والتكذيب لهم ~~(من أفواههم) لوقوع هؤلاء الكفار في المسلمين بحيث لا يتمالكون ضبط أنفسهم ~~فيخرج ما يعلمون به من أسرار المسلمين من أفواههم ويطلعونه إلى إخوانهم ~~الكفار (وما تخفي صدورهم) من عداوتكم والبغض لكم (أكبر) مما أظهروا ~~بأفواههم (قد بينا لكم الآيات) أي آيات القرآن الدالة على وجوب ms0238 الإخلاص في ~~الدين ومصادقة أولياء الله ومعاداة أعدائه (إن كنتم تعقلون) [118] ما بينا ~~لكم فتعلمون به «5»، والظاهر أن الجمل «6» من قوله «لا يألونكم خبالا» «7» ~~إلى ههنا تكون «8» مستأنفات على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 119 الى 122] # ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ~~آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) وإذ غدوت ~~من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ همت طائفتان ~~منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122) # أتبع النهي بالتوبيخ على مصادقة المنافقين من أهل الكتاب فقال (ها أنتم ~~أولاء) «ها» للتنبيه، و «أنتم» مبتدأ، و «أولاء» خبره، أي أنتم أولاء ~~الخاطئون في موالاة الأعداء من أهل الكتاب، قوله (تحبونهم ولا يحبونكم) ~~بيان لخطئهم في موالاتهم، أي تحبونهم بمظاهرتكم «9» إياهم ولا يحبونكم، ~~لأنكم على خلاف دينهم «10» (وتؤمنون) أي تصدقون (بالكتاب كله) أي بجميع ~~الكتب المنزلة من السماء، وهم لا يؤمنون بكتابكم المنزل من السماء (وإذا ~~لقوكم) أي المنافقون منهم (قالوا آمنا) بمحمد أنه رسول الله (وإذا خلوا) ~~فيما بينهم (عضوا عليكم الأنامل) أي أطراف الأصابع (من الغيظ) أي لأجل ~~الحنق عليكم، وهو غاية الغضب وشدته لما يرون من ائتلافكم ومحبتكم بعضكم ~~بعضا بقوة الإسلام وعزة أهله، فيقول بعضهم بعضا: ألا ترون «11» إلى هؤلاء ~~قد ظهروا وكثروا في دينهم، فقال تعالى (قل موتوا بغيظكم) على وجه الدعاء ~~عليهم، والمراد اللعن والطرد لا على وجه الإيجاب وإلا لماتوا من ساعتهم، أي ~~اثبتوا على غيظكم إلى الممات فتخرجون من الدنيا بهذه الحسرة، وقل لهم (إن ~~الله عليم بذات الصدور) [119] أي بما في القلوب من العداوة للمؤمنين ~~فيجازيهم عليه «12»، ثم قال لتأكيد حالهم (إن تمسسكم حسنة) أي إن يصبكم ~~الظفر والغنيمة كيوم بدر (تسؤهم) أي PageV01P176 # يحزنهم «1» ذلك ويسوء ms0239 لهم «2» (وإن تصبكم سيئة) أي جدب وهزيمة كيوم أحد ~~(يفرحوا بها) المعنى: أنكم اجتنبوا عن موالاة من هو بهذه الصفات لعدم النفع ~~لكم منهم (وإن تصبروا) على عداوتهم ومشاق الدين (وتتقوا) الله في محارمه ~~(لا يضركم) بضم الضاد والراء بالتشديد من الضرر، و«لا يضركم» بكسر الضاد ~~وجزم الراء «3» من الضير، أي لا يخسركم (كيدهم شيئا) أي مكرهم شيئا من ~~المكاره، وهو إرشاد من الله إلى الاستعانة بالصبر والتقوى على كيد الأعداء ~~(إن الله بما يعملون محيط) [120] أي علمه بأعمالكم من الصبر والتقوى ~~وغيرهما مدرك من كل جانب، والإحاطة إدراك الشيء بكماله، ولما جاء المشركون ~~بأحد ونزلوا فيه لقتال المؤمنين شاوروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخروج لقتالهم، فأشار بعض الصحابة بالخروج وأشار بعضهم بترك الخروج فخرج ~~عليه السلام إليهم ونزل بالشعب «4» من أحد وجعل يقوم «5» أصحابه كالقدح كي ~~لا يتقدم أحدهم ولا يتأخر، وجعل ظهر عسكره إلى أحد، ثم أمر على الرماة عبد ~~الله بن جبير «6»، وقال: ادفعوهم عنا من ورائنا فنزل بهم ما نزل، فأخبر ~~تعالى عنه لنبيه ليعرف منة الله عليه ويشكره ويصبر على ما يصيبه ويصيب ~~المؤمنين من الأذى عن المشركين والمنافقين بقوله (وإذ غدوت) أي واذكر وقت ~~خرجت «7» بالصباح (من أهلك) أي من عند أهلك من المدينة (تبوئ المؤمنين) أي ~~تنزلهم وتهيئ لهم (مقاعد للقتال) أي مواطن يقفون فيها للمحاربة (والله ~~سميع) لقولك وقولهم (عليم) [121] بنياتكم وأمر الكفار وأبدل من «إذ غدوت» ~~(إذ همت طائفتان) أي قصدت جماعتان (منكم) أي من المؤمنين، وهما بنو سلمة من ~~الخزرج وبنو حارثة من الأوس، كلاهما من الأنصار (أن تفشلا) أي أن تجبنا عن ~~القتال خوفا وترجعا، وذلك لأنه عليه السلام كان قد خرج إلى أحد بألف، وقيل: ~~بتسعمائة وخمسين رجلا «8»، وكان المشركون ثلثة آلاف، فلما بلغوا الشرط رجع ~~عبد الله بن أبي سلول مع ثلثمائة من المنافقين ومن تابعهم فهمت الطائفتان ~~من الأنصار أن يرجعوا معه، فحفظ الله قلوبهم وثبتهم فمضوا مع رسول الله، ~~فأخبر عنه بقوله ms0240 (والله وليهما) أي حافظ قلوبهما وناصرهما (وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون) [122] وهو أمر بأن يتوكل المؤمن «9» عليه ويفوض أمره ~~إليه، والفاء فيه لجواب الشرط المحذوف، أي إن صعب الأمر فتوكلوا أيها ~~المؤمنون، ولما رجعوا إلى المدينة منهزمين من المشركين بمشية الله تعالى، ~~وتقديره: نزل تذكيرا لهم بمنة الله السابقة عليهم في يوم بدر من الفتح ~~والظفر مع كونهم في حال «10» قلة وذلة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 123] # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) # (ولقد نصركم الله ببدر) موضع، فيه ماء لرجل اسمه بدر (وأنتم أذلة) أي ~~جماعة قليلة، من الذلة لا من الذل، وهو الهوان لأن المسلمين كانوا ثالثمائة ~~وثلثة عشر رجلا ببدر، والمشركون تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة (فاتقوا ~~الله) أي اخشوه واعرفوا حق نعمه «11» (لعلكم تشكرون) [123] أي لكي تشكروه ~~ولا تكفروه. ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 124 الى 126] # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ~~آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم ~~به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) # قوله (إذ تقول) بدل ثان من «إذ غدوت»، أي اذكر يا محمد إذ تقول يوم بدر ~~(للمؤمنين ألن يكفيكم أن PageV01P177 # يمدكم) أي يعينكم (ربكم) من الإمداد وهو الإعانة وما كان للزيادة من ~~المد، يقال مده مدا (بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) [124] بصيغة المفعول ~~مخففا ومشددا «1» للمبالغة، أي حال كونهم نازلين من السماء باذنه تعالى، ~~قاله لهم قبل نزولهم تسكينا لقلوبهم، فأنزلهم الله عليهم يوم بدر للنصر «2» ~~ووعد لهم ليوم أحد «3» بخمسة آلاف إن يمتثلوا أمر نبيهم عليه السلام، فلما ~~عصوا وتركوا أمر رسول الله رجعوا عنهم، فلذلك قال (بلى) أي يكفيكم الإمداد ~~بهم (إن تصبروا) مع نبيكم للمشركين (وتتقوا) مخالفة أمر نبيكم (ويأتوكم) أي ~~إن يجئكم المشركون (من فورهم هذا) أي من غضبهم الذي غضبوه لبدر، وأصل الفور ~~الغليان والاضطراب (يمددكم ربكم) أي يعينكم ms0241 (بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين) [125] بكسر الواو، أي معلمين خيولهم بالصوف الأبيض، وبفتح الواو ~~«4»، أي سومهم غيرهم أو سوموا «5» نفوسهم بعمامة صفراء وثياب بيض، قال صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر: «تسوموا فان الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في ~~قلانسهم ومغافرهم» «6»، وقال أيضا: «نزلت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم ~~صفر «7» أو بيض قد أرسلوها بين أحتافهم» «8»، ثم قال (وما جعله الله إلا ~~بشرى لكم) أي ما جعل الوعد أو «9» الإمداد إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون ~~وتغلبون (ولتطمئن قلوبكم به) أي ولتسكن بالإمداد قلوبكم (وما النصر) لكم ~~على عدوكم (إلا من عند الله العزيز) أي المنيع بالانتقام لمن جحده (الحكيم) ~~[126] أي يفعل ما يشاء بالحكمة فلا تجزعوا عن كثرة «10» عدوكم وقلة عددكم، ~~قيل: لم يقاتل «11» الملائكة بل أنزلوا للبشارة، إذ ليس للمؤمنين من ذلك ~~فضيلة وإنما هي بقتالهم المشركين وهزمهم إياهم، ولو كانوا نازلين للإعانة ~~ليكفي ملك واحد كما فعل بقوم لوط عليه السلام. ### || [سورة آل عمران (3): آية 127] # ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) # قوله (ليقطع طرفا) متعلق بقوله «لقد نصركم الله ببدر»، أي ليهلك الله ~~جماعة بالاستئصال (من الذين كفروا) بمحمد والقرآن (أو يكبتهم) أي يهزمهم ~~ويقنطهم، فقتل منهم يوم بدر سبعون وأسر سبعون، ف «أو» للتفصيل، ويجوز أن ~~يكون بمعنى الواو، أي يقتلهم ويخزيهم (فينقلبوا خائبين) [127] أي غير ~~ظافرين بمرادهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 128] # ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) # قوله (ليس لك من الأمر شيء) هو رفع بأنه «12» اسم «ليس»، و«لك» خبره، ~~و«من الأمر» في محل النصب على الحال من اسم «ليس»، أي ليس أمر العباد مفوضا ~~إليك من التغلب والانهزام، بل الأمر كله لله، إن عليك إلا البلاغ، نزل حين ~~شج وجهه عليه السلام يوم أحد وكسرت رباعيته وأراد أن يدعو عليهم بفعلهم ~~القبيح وباللعنة وعلى أصحابه بانهزامهم من المشركين، فكف عن ذلك لعلمه ~~تعالى فيهم أنهم سيتوبون «13» وأن المشركين سيؤمن كثير منهم كعمرو بن العاص ~~وعكرمة ms0242 بن أبي جهل وخالد بن الوليد وغيرهم من الصحابة والتابعين «14»، ~~وقيل: نزل حين دعا على الذين قتلوا سبعين رجلا من أصحابه ببئر معونة أربعين ~~صباحا في PageV01P178 # صلوة الغداة في قنوته وقد خرجوا إلى الغزو ومحتسبين «1»، قوله (أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم) معطوفان على «ليقطع»، أي نصركم «2» ليقطع طرفا من ~~الكافرين أو يهزمهم أو يتوب عليهم فيؤمنوا أو يعذبهم إن لم يؤمنوا (فإنهم ~~ظالمون) [128] أنفسهم بكفرهم فيكون «ليس لك من الأمر شيء» اعتراضا بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، وقيل: يجوز أن يكون «أو يتوب» نصبا بتقدير «أن» ~~«3»، أي ليس لك من أمرهم شيء من التوبة والعقوبة إلا أن يتوب الله عليهم ~~«4» فتسر أو يعذبوا فتشتفي «5» منهم، ويجوز أن يكون «أو» بمعنى حتى، فلا ~~يكون اعتراضا على التقديرين. ### || [سورة آل عمران (3): آية 129] # ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم (129) # ثم عظم نفسه بأنه المالك المطلق على جميع خلقه بقوله (ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض) أي أهلهما عبيده وملكه (يغفر لمن يشاء) أي الذنب ~~الكبير (ويعذب من يشاء) أي على الذنب الصغير إذا أصر عليه (والله غفور ~~رحيم) [129] لمن تاب عن الذنوب وأطاع أمره أو غفور رحيم بتأخير العذاب عن ~~المسيئين المستوجبين العذاب وقبول «6» التوبة عن التائبين عن محارمه. ### || [سورة آل عمران (3): آية 130] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) # ثم غلظ في تحريم الربوا الذي هو من المحارم التي لا تغفر «7» كعقوق ~~الوالدين وقطيعة الرحم والخيانة في الأمانة وظلم العباد، روي: أن رجلا كان ~~عاقا بوالديه، يقال له علقمة، فقيل له عند الموت: قل «لا إله إلا الله»، ~~فلم يقدر عليه حتى جاءت «8» أمه فرضيت عنه فقال بكلمة التوحيد ثم مات «9» ~~بقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة) أي أمثالا ~~كثيرة متزايدة، ف «أضعافا» نصب على الحال من «الربا»، و«مضاعفة» صفتها، ففي ~~هذه الآية إيماء إلى أن الربوا يضر بايمان المؤمنين، ونهى لهم ms0243 عن أكله مع ~~توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه، أي لا تضعفوا أموالكم بالربوا إن كان لكم ~~«10» إيمان بالله وآياته، وكان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل ~~والمال بعد بيع الشيء بأكثر من قيمته فيزيد ماله بذلك، ثم أكد النهي عن ~~أكله بقوله (واتقوا الله) من أكل الربوا وعمله (لعلكم تفلحون) [130] من ~~العقوبة في الآخرة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 131] # واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) # ثم زاد على التخويف فقال (واتقوا النار التي أعدت) أي خلقت وهيئت ~~(للكافرين) [131] بالله وآياته، قيل: معنى هذه الآية اتقوا العمل الذي ينزع ~~به الإيمان عند الموت فتستحقون به الخلود في النار كالكفار «11»، وقد جاء ~~في ذلك آثار كثيرة، منها قضية ثعلبة، وروى أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة رضي ~~الله عنهما أكثر ما ينزع الإيمان لأجل الذنوب من العبد عند الموت وأسرعها ~~نزعا للإيمان ظلم العباد «12». ### || [سورة آل عمران (3): آية 132] # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) # ثم قال (وأطيعوا الله) في فرائضه وتحريم الربوا (والرسول) في سننه وفيما ~~بلغكم من تحريم الربوا وغيره (لعلكم ترحمون) [132] أي رجاء أن يرحمكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم فلا تعذبوا بالنار المعدة للكفار. PageV01P179 ### || [سورة آل عمران (3): آية 133] # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) # (وسارعوا) بواو العطف وتركها «1» للاستئناف، أي بادروا (إلى مغفرة من ~~ربكم) أي إلى أسباب المغفرة من الله، وهي التوبة من الذنوب كالزنا والربوا ~~وغيرهما، والأعمال الصالحة التي توجب لكم تكفير السيئات كالصلوات الخمس ~~بمواقيتها والجهاد والإنفاق في سبيل الله (وجنة) أي وسارعوا إلى عمل يوجب ~~دخول الجنة (عرضها السماوات والأرض) مبتدأ وخبر في محل الجر صفة «جنة»، أي ~~عرضها مثل عرضهما، وخص ال «عرض» بالذكر، لأنه أقل من الطول غالبا، والمراد ~~وصفها بالسعة، قيل: «كل جنة من الجنات عرضها كعرض السموات والأرض لو وصل ~~بعضها ببعض» «2»، وهذا حث على اجتناب المحرمات والعمل بالحسنات سريعا قبل ~~الفوت، لأن في التأخير آفات (أعدت للمتقين) [133] وصف آخر ل «الجنة»، وفيه ~~إيماء «3» إلى أن ms0244 قبول العمل بالتقوى لا غير. ### || [سورة آل عمران (3): آية 134] # الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين (134) # قوله (الذين ينفقون) يجوز أن يكون صفة ل «المتقين» ويجوز أن يكون خير ~~مبتدأ محذوف، أي هم الذين ينفقون أموالهم (في السراء والضراء) أي في حال ~~اليسر والعسر، وقيل: في الصحة والمرض «4»، وفيه حث على التصدق بما أمكن على ~~كل حال قل أو كثر، قال عليه السلام: «السخي قريب من الله، قريب من الجنة، ~~قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد ~~من الناس، قريب من النار» «5» (والكاظمين الغيظ) أي الجارعين الغضب في ~~أجوافهم عند امتلاء نفوسهم به، ومنه كظم السقاء، أي شده بعد ملئه، والمراد: ~~أنهم لا يظهرون ما في نفوسهم من الغيظ، قال عليه السلام: «من كظم غيظا وهو ~~يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي ~~الحور شاء» «6» (والعافين عن الناس) أي الذين يعفون عمن ظلمهم وأساء إليهم ~~«7» بعد قدرتهم عليه أو عن مماليكهم لسوء أدبهم (والله يحب المحسنين) [134] ~~واللام فيه للجنس، أي يحب كل محسن من الأحرار والمماليك، قال عليه السلام: ~~«ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من ~~عفا» «8». ### || [سورة آل عمران (3): آية 135] # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) # قوله (والذين إذا فعلوا فاحشة) استئناف، نزل في رجل تمار، جاءت امرأة ~~تشتري منه تمرا فأدخلها في الحانوت وقبلها، ثم ندم على ذلك «9»، فعم في كل ~~من أذنب ذنبا وطلب التوبة، أي الذين فعلوا الكبائر من الزنا وغيره (أو ~~ظلموا أنفسهم) بفعل الصغائر كالقبلة واللمسة (ذكروا الله) أي وعيده وعقابه ~~(فاستغفروا لذنوبهم) أي باللسان وندامة القلب، لأن الاستغفار باللسان بغير ~~ندامة القلب توبة الكذابين (ومن يغفر الذنوب إلا الله) جملة معترضة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه لوصف سعة رحمته ms0245 وقرب مغفرته للتائبين، وفيه بعث «10» PageV01P180 # على التوبة وردع عن اليأس (ولم يصروا) أي لم يقيموا (على ما فعلوا) أي ~~على الذنب الذي فعلوه (وهم يعلمون) [135] أنه ذنب وإن الله يغفر الذنوب. ### || [سورة آل عمران (3): آية 136] # أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين (136) # (أولئك) أي أهل هذه الصفات (جزاؤهم) أي ثوابهم (مغفرة من ربهم وجنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها) أي لا يخرجون عنها ولا يموتون (ونعم أجر ~~العاملين) [136] أي نعم ثواب المطيعين ما أعد لهم من الجنة بالتوبة ~~والطاعة، قال عليه السلام: «ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا فيحسن الطهور، ثم ~~يقوم فيصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر له» «1». ### || [سورة آل عمران (3): آية 137] # قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) # قوله (قد خلت من قبلكم سنن) تحريض على التوبة وتحصيل المغفرة والجنة ~~بالإخبار عن أحوال من تقدمهم «2» والأمر بالاعتبار بعواقبهم، أي قد مضت في ~~الأمم قبلكم طرائق باهلاك المكذبين، جمع سنة وهي الطريقة التي سنها الله ~~لإهلاك من كذب أنبياء الله وآياته (فسيروا في الأرض) أي إن شككتم في ذلك ~~فسافروا في الأرض بسير الأقدام أو تفكروا في أرض القلب بسير الفكر ~~(فانظروا) بنظر العين والمشاهدة (كيف كان عاقبة المكذبين) [137] من آثار ~~هلاكهم بوقائعه تعالى. ### || [سورة آل عمران (3): آية 138] # هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) # (هذا) أي القرآن (بيان للناس) أي تطهير لنفوسهم من الضلالة والجهل (وهدى) ~~أي تنوير لأرواحهم وبصائرهم بنور العلم واليقين ليهتدوا به إلى معرفة الله ~~تعالى (وموعظة) أي اتعاظ بآياته (للمتقين) [138] يدعوهم إلى النسك والخشوع ~~والثبات على الطاعة والصبر على ما أصابهم في سبيل الله ويصرفهم عن افتراء ~~الإثم والفسوق من القول والفعل. ### || [سورة آل عمران (3): آية 139] # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # قوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا) نزل تسلية لرسول الله والمؤمنين على ما ~~أصابهم يوم أحد، ورجعوا إلى المدينة منهزمين محزونين وتقوية لقلوبهم على ~~الجهاد وردعا ms0246 عن التقاعد عنه جبنا ووهنا «3»، وهو عطف على مقدر، أي جاهدوا ~~في طاعة ربكم ولا تضعفوا عن قتال عدوكم بما أصابكم في دين الله، ولا تجبنوا ~~ولا تحزنوا من استبطاء العون والنصرة منه تعالى أو من ما أصابكم من قتل ~~وجرح بأحد والهزيمة (وأنتم الأعلون) شأنا على الأعداء، أي الغالبون عليهم ~~بعد أحد في الدنيا، روي: أن المسلمين لم يخرجوا بعد ذلك مع رسول الله إلا ~~ظفروا، وفي كل عسكر بعد رسول الله إذا كان «4» فيه واحد «5» من الصحابة كان ~~الظفر لهم «6»، وأنتم الغالبون أيضا في الآخرة، لأن قتلاكم في الجنة ~~وقتلاهم في النار، وهي بشارة لهم بالعلو «7» والغلبة في الدارين، قوله (إن ~~كنتم مؤمنين) [139] شرط، جوابه محذوف بدلالة ما قبله من النهي، أي إن كنتم ~~مصدقين بنصر الله ووعده فلا تهنوا ولا تحزنوا، لأن صحة الإيمان في القلب ~~توجب «8» قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة بأعدائه. PageV01P181 ### || [سورة آل عمران (3): آية 140] # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) # ثم قال تعزية لهم (إن يمسسكم) أي إن يصبكم (قرح) بفتح القاف وضمها «1»، ~~أي جراحة (فقد مس القوم) أي الكفار ببدر (قرح مثله) قيل: قتل المسلمون من ~~الكافرين ببدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل الكافرون بأحد من المسلمين سبعين ~~وأسروا سبعين «2»، وفيه ضعف لما سيأتي ويدل على المماثلة قوله تعالى (وتلك ~~الأيام) أي أيام الظفر والغلبة (نداولها) أي نصرفها (بين الناس) أي بين ~~المسلمين والكافرين تارة لهم وتارة عليهم، ومنه قول العرب: «الحرب سجال» ~~«3»، أي مساجلة، وهي المناوبة بأن يصنع أحد مثل صنع قرينه في جري أو «4» ~~سقي أو غير ذلك بالتوبة، وأصله من الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، قوله ~~(وليعلم) عطف على العلة المقدرة، أي فعلنا ذلك ليتعظوا وليعلم بالتمييز ~~والإظهار (الله الذين آمنوا) بالإخلاص شكوا «5» في دينهم فيجازون على ما ~~فعلوا، لأن المخلص يتبين حاله في الشدة والبلاء فيعطي ثوابه ms0247 بما يظهر منه ~~لا بما يعلم منه (ويتخذ منكم شهداء) أي لكي يكرمكم بالشهادة لا لأجل نصر ~~الكفار وحبهم (والله لا يحب الظالمين) [140] نفوسهم بالكفر والنفاق. ### || [سورة آل عمران (3): آية 141] # وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # قوله (وليمحص الله) عطف على «ليعلم»، أي ليطهر ويصفي (الذين آمنوا) من ~~الذنوب قتلوا أو قتلوا بالجهاد، من محصت الذهب إذا أزلت «6» منه الوسخ ~~(ويمحق) أي ويهلك بالاستئصال (الكافرين) [141] لأنهم بذلك يتشجعون فيخرجون ~~تارة أخرى فيهلكون. ### || [سورة آل عمران (3): آية 142] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) # (أم حسبتم) أي أظننتم، فالهمزة للإنكار والميم صلة (أن تدخلوا الجنة) قبل ~~أن تصيبكم شدة في دين الله وهو المراد من (ولما يعلم الله) بكسر الميم ~~للساكنين، والواو واو الحال و«لما» بمعنى لم إلا أن في «لما» معنى التوقع، ~~وأراد «7» به أن لما يدل «8» على نفي الفعل فيما مضى وعلى توقع ثبوته فيما ~~يستقبل، أي ولم يعلم الله (الذين جاهدوا منكم) يعني ولم يظهر جهاد ~~المجاهدين في سبيله بعد بقتل أو جرح أو غيرهما (ويعلم الصابرين) [142] ~~بالنصب باضمار «أن»، والواو بمعنى الجمع، وبالجزم «9» على العطف على «ولما ~~يعلم» لكن فتحت الميم لالتقاء الساكنين اتباعا للام، والمعنى: أتحسبون دخول ~~الجنة والحال أنه ما اجتمع علم الله بالمجاهدين منكم وعلمه بالصابرين منكم ~~في الشدائد. ### || [سورة آل عمران (3): آية 143] # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (143) # قوله (ولقد كنتم تمنون الموت) أي القتل والشهادة، قيل: كان غرضهم قصدهم ~~إلى نيل كرامة الشهادة لا غلبة الكافر على السملم «10» (من قبل أن تلقوه) ~~أي تلاقوه وتصلوا إليه (فقد رأيتموه) بأعينكم يوم أحد (وأنتم تنظرون) [143] ~~عيانا أسباب الموت، وهي السيوف السهام، نزل عتابا لهم حين وصف الله لهم ~~الكرامة النازلة PageV01P182 # بشهداء بدر، فقالوا: ليتنا نجد مثل ذلك، فلما لقوا القتال يوم أحد هربوا ~~ولم يقيموا على ما قالوا «1». ### || [سورة آل عمران (3): آية 144] # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ms0248 مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (144) # قوله (وما محمد إلا رسول) نزل توبيخا لهم على هزيمتهم بخبر قتل الكفار ~~النبي عليه السلام، وذلك حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب ~~من أحد بسبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جبير على الرجالة، وقال: أقيموا ~~بأصل الجبل وادفعوا عنا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا ولا تنقلوا «2» من «3» ~~مكانكم حتى أرسل إليكم، فلا نزال «4» غالبين «5» ما دمتم في مكانكم، فجاء ~~المشركون ودخلوا في الحرب مع النبي عليه السلام وأصحابه حتى حميت الحرب، ~~فأخذ رسول الله سيفا، وقال: «من يأخذه بحقه»، فأخذه أبو دجانة، فقاتل في ~~نفر من المسلمين قتالا شديدا، وقاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى ~~التوى سيفه، وقاتل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان النبي عليه السلام ~~يقول لسعد: ارم فداك أبي وأمي، فحمل هو وأصحابه على المشركين، فأنزل الله ~~نصرة عليهم فهزموا المشركين «6» فلما نظر الرماة إلى القوم «7» هاربين ~~أقبلوا على النهب بترك مركزهم، فقال لهم عبد الله بن جبير: لا تبرحوا عن ~~مكانكم فقد عهد إليكم نبيكم فلم يلتفتوا إلى قوله، فجاؤا لأجل الغنيمة فبقي ~~عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس ~~من المشركين من قبل الشعب، وقتلوا من بقي من الرماة ودخلوا خلف قفية ~~المسلمين، فهزموهم ورمى ابن قمية النبي بحجر فكسر رباعيته وشجه وتفرق عنه ~~أصحابه، وحمل ابن قمية ليقتل النبي عليه السلام فذب عنه مصعب بن عمير صاحب ~~الراية يومئذ، فقتله ابن قمية ورجع فظن أنه كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: إني «8» قتلت محمدا، وصرخ «9» صارخ: ألا! إن محمدا قد قتل، ~~قالوا: كان ذلك إبليس عليه اللعنة فرجع أصحابه منهزمين متحيرين، فأقبل أنس ~~بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبد الله في رجال من ~~المهاجرين والأنصار، فقال لهم: ما يحبسكم، قالوا: ms0249 قتل محمد عليه السلام، ~~فقال: ما تصنعون في الحيوة بعده، موتوا كراما على ما مات عليه نبيكم، ثم ~~أقبل نحو العدو فقاتل حتى قتل، قال كعب بن مالك: أنا أول من عرف رسول الله ~~من المسلمين، رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران، ينادي بأعلى صوته إلى عباد ~~الله إلى عباد الله، فاجتمعوا إليه فلامهم رسول الله على هزيمتهم، فقالوا: ~~يا رسول الله! فديناك بآبائنا وبأمهاتنا، أتانا خبر سوء فرعبت قلوبنا له ~~فولينا مدبرين «10»، فوبخهم الله تعالى بقوله «وما محمد إلا رسول» كسائر ~~الرسل (قد خلت) أي مضت (من قبله الرسل) فسيخلو كما خلوا، والهمزة في قوله ~~(أفإن مات) لإنكار الانقلاب بعد الشرط قدمت، لأن الاستفهام له صدر الكلام، ~~والفاء لعطف الجملة الشرطية على ما قبلها، أصله: فان مات (أو قتل انقلبتم) ~~أي رجعتم «11» (على أعقابكم) كافرين وذكر القتل مع العلم بأنه لا يقتل ~~لكونه ممكنا عندهم، يعني أترجعون إلى دينكم الكفر بسبب هلاك الرسول بقتل أو ~~موت مع علمكم أنه لم يقتل بقوله تعالى «والله يعصمك من الناس» «12»، وعلمكم ~~بأن هلاك الرسل قبله لم يكن سببا لارتفاع دينهم، فيجب أن يكون دين نبيكم ~~باقيا بعد PageV01P183 # موته أيضا، ثم أشار إلى غناه عنهم بقوله (ومن ينقلب) أي يرجع (على عقبيه) ~~أي وراءه «1» كافرا بعد الإسلام (فلن يضر الله شيئا) من ملكه وسلطانه وإنما ~~يضر نفسه، والله منزه عن الضرر والنفع (وسيجزي) أي سيثيب (الله الشاكرين) ~~[144] أي الذين لم ينقلبوا على أعقابكم، بل شكروا نعمة الإسلام بالصبر كأنس ~~بن النضر وأمثاله. ### || [سورة آل عمران (3): آية 145] # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (145) # ثم شجعهم بقوله (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) أي بقضائه ومشيته ~~ولا ينجي حذر من قدر، لأنه كتب الموت (كتابا مؤجلا) أي ذا أجل وهو الوقت ~~المعلوم لا يتقدم ولا يتأخر (ومن يرد) بطاعته (ثواب الدنيا) أي جزاء عمله ~~من ms0250 الدنيا (نؤته منها) أي نعطه ثوابها ما قسم له منها وماله في الآخرة من ~~نصيب (ومن يرد ثواب الآخرة) بطاعته (نؤته منها) جزاء عمله (وسنجزي ~~الشاكرين) [145] نعمة الله بالجهاد في الآخرة، وهذه الآية تعريض بالذين ~~شغلتهم الغنائم عن الجهاد يوم أحد. ### || [سورة آل عمران (3): آية 146] # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ~~ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # ثم قال تعالى (وكأين من نبي) بمد الألف وبكسر الهمزة بلا ياء بمعنى كم ~~التي للتكثير وقرئ بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبتشديد الياء المكسورة «2»، ~~وأصله أي بمعنى بعض من كل دخل عليها كاف التشبيه فصارا كلمة واحدة، وهي ~~مبتدأ، خبره (قاتل) وقرئ قتل مجهولا «3»، أي كم نبي قاتل أو قتل (معه ربيون ~~كثير) أي جماعة كثيرة، بكسر الراء نسبة إلى الربة «4» بمعنى الجماعة، ف ~~«ربيون» مرفوع بالفاعلية، فيكون القتل لهم دون النبي لما روي من الحسن ~~وغيره: «ما قتل نبي قط في قتال» «5» (فما وهنوا) أي ما عجزوا عن القتال ~~(لما أصابهم في سبيل الله) من قتل أنفسهم (وما ضعفوا) لعدوهم بالجبن (وما ~~استكانوا) أي ما خضعوا لأعدائهم بطلب الأمان منهم، ولكنهم صبروا (والله يحب ~~الصابرين) [146] في الشدة والبلاء لأجل دين الله تعالى، وهذا أيضا تعريض ~~لما «6» أصابهم من الوهن والانكسار بخبر قتل رسول الله واستكانتهم للمشركين ~~حتى أرادوا، أي تعتضدوا بالمنافق عبد الله ابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان. ### || [سورة آل عمران (3): آية 147] # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) # (وما كان قولهم) بنصب اللام خبر «كان» واسمه (إلا أن قالوا) أي ما كان ~~قول الذين قاتلوا مع أنبيائهم PageV01P184 # إلا قولهم هذا (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) باضافة الذنوب ~~والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها «1»، والمراد الصغائر ~~والكبائر (وثبت أقدامنا) عند القتال مع الأعداء (وانصرنا على) أعدائنا ~~(القوم الكافرين) [147] بك وبنبيك «2» وإنما قدموا الاستغفار، لأن ms0251 تقديم ~~الدعاء بالاستغفار والخضوع أقرب إلى الاستجابة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 148] # فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) # (فآتاهم الله ثواب الدنيا) من النصرة والغنيمة وطيب الذكر (و) آتاهم (حسن ~~ثواب الآخرة) من الأجر والجنة، وقيد ثواب الآخرة بالحسن ليدل على فضله ~~والاعتداد به عنده (والله يحب المحسنين) [148] في الجهاد والطاعة بالصبر ~~والاستقامة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 149] # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين (149) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) نزل في المنافقين ~~الذين قالوا عند الهزيمة للمؤمنين: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم ~~«3»، فقال تعالى: أيها المؤمنو «4»! إن تطيعوا المنافقين (يردوكم على ~~أعقابكم) بعد الإيمان كفارا (فتنقلبوا خاسرين) [149] باطاعتهم في مقالتهم ~~فلا تطيعوهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 150] # بل الله مولاكم وهو خير الناصرين (150) # (بل الله مولاكم) أي ناصركم ووليكم، فأطيعوه فيما يأمركم (وهو خير ~~الناصرين) [150] على عدوكم فلا احتياج لكم إلى نصرة غيره وولايته. ### || [سورة آل عمران (3): آية 151] # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) # قوله (سنلقي) نزل حين عزم المشركون بعد عودهم إلى مكة من أحد ليرجعوا من ~~الطريق، ويستأصلوا المسلمين «5»، فقال تعالى: سنقذف (في قلوب الذين كفروا ~~الرعب) بضم العين وسكونها «6»، أي الخوف والهيبة، فلما رجعوا على ذلك ألقى ~~الخوف في قلوبهم فأمسكوا (بما أشركوا بالله) أي بسبب إشراكهم به (ما لم ~~ينزل به) أي آلهة لم ينزل الله باشراكها (سلطانا) أي حجة لهم (ومأواهم ~~النار) أي مصيرهم إليها في الآخرة (وبئس مثوى الظالمين) [151] أي مقام ~~المشركين النار. ### || [سورة آل عمران (3): آية 152] # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) # قوله (ولقد صدقكم الله وعده) نزل حين رجع المسلمون إلى المدينة، ms0252 فقال ناس ~~من المسلمين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ «7» فقال تعالى: لقد ~~وعدكم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله «إن تصبروا وتتقوا» «8» ~~الآية، فكان النصر لكم (إذ تحسونهم) أي في وقت تقتلونهم «9» قتلا ذريعا ~~(بإذنه) أي بأمره PageV01P185 # (حتى إذا فشلتم وتنازعتم) أي إلى وقت فشلكم ونزاعكم فهو متعلق بقوله ~~«صدقكم الله وعده»، ومعنى «فشلتم» جبنتم، من الفشل وهو الجبن مع ضعف، ~~وتركتم مركز الرماة لطلب الغنيمة واختلفتم (في الأمر) أي في أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقلتم: انهزم المشركون فما موقفنا ههنا، وقال بعضكم: ~~لا نخالف أمر رسول ولا نبرح مكاننا كعبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر ~~دون العشرة (وعصيتم) أمر النبي عليه السلام بترك المركز (من بعد ما أراكم) ~~الله (ما تحبون) من النصرة على عدوكم، وجواب «إذا» محذوف، وهو منعكم النصر ~~فانهزمتم (منكم من يريد الدنيا) أي بترك المركز وطلب الغنيمة (ومنكم من ~~يريد الآخرة) بالثبات على المركز وامتثال أمر الرسول عليه السلام (ثم صرفكم ~~عنهم) أي ردكم عن الكفار بالهزيمة من بعد أن أظفركم عليهم (ليبتليكم) أي ~~ليمتحن صبركم على المصائب من القتل والهزيمة والجراح وثباتهم على الإيمان ~~عندها (ولقد عفا) الله (عنكم) لما علم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (والله ذو فضل) أي ذو التفضل بالعفو (على ~~المؤمنين) [152] أي «1» يتفضل عليهم في جميع أحوالهم، لأن الابتلاء رحمة ~~كما أن النصر رحمة. ### || [سورة آل عمران (3): آية 153] # إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) # قوله (إذ تصعدون) بضم التاء وكسر العين من أصعد إذا أبعد في الأرض، يتعلق ~~ب «صرفكم» أو ب «يبتليكم» أو باذكروا «2» مضمرا، أي اذكروا «3» حين تعلون ~~في الهزيمة على الجبل هاربين من العدو (ولا تلوون) أي ولا تقيمون (على أحد ~~والرسول يدعوكم) يا معشر المسلمين أنا رسول الله ms0253 (في أخراكم) أي خلفكم فلم ~~يلتفت أحد منكم إليه حتى صعدتم الجبل، قوله (فأثابكم) عطف على «صرفكم»، أي ~~فجازاكم الله (غما) حين صرفكم عنهم وانهزمتم (بغم) أي بسبب غم أذقتموه ~~الرسول عليه السلام حين عصيتموه أو غما متصلا بغم، أي مضاعفا على غم من ~~سماع قتل النبي عليه السلام والجراح والهزيمة وفوت الغنيمة والنصرة وظفر ~~المشركين (لكيلا تحزنوا) متعلق بقوله «فأثابكم عما»، أي غمكم لئلا تحزنوا ~~لتعودكم «4» احتمال الشدائد (على ما فاتكم) من الفتح والغنيمة (ولا ما ~~أصابكم) من مصائب «5» القتل والهزيمة والجراح (والله خبير بما تعملون) ~~[153] أي عالم بأعمالكم فيجازيكم بها. ### || [سورة آل عمران (3): آية 154] # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور (154) # (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة) أي أزال عنكم الخوف وأنزل عليكم الأمن ~~وأبدل من «أمنة» (نعاسا) أو مفعول له، لأن النعاس سبب حصول الأمن (يغشى ~~طائفة منكم) بالياء، لأن الضمير فيه ل «النعاس»، وبالتاء «6» للتأنيث ردا ~~إلى ال «أمنة»، أي يعلو النعاس في المصاف من كان أهل الصدق واليقين ~~(وطائفة) مبتدأ، خبره (قد أهمتهم) أي أقلقتم (أنفسهم) يعني ما بهم إلا هم ~~أنفسهم دون الرسول وأصحابه فلم ينزل عليهم السكينة، لأنها وارد روحاني لا ~~يتلوث بهم (يظنون بالله غير الحق) أي ظنا غير ظن الحق (ظن الجاهلية) أي مثل ظن PageV01P186 # الجاهلية، وهو أن محمدا قد قتل أو «1» أن الله لا ينصره، والجملة في محل ~~النصب على الحال «2» من الضمير في «أهمتهم» (يقولون) للنبي عليه السلام (هل ~~لنا من الأمر) أي أمر النصرة (من شيء) و«من» زائدة فيه، ms0254 وهو مبتدأ، خبره ~~«من الأمر»، و«لنا» تبيين، والجملة بدل من «يظنون» بدل اشتمال، لأن سؤالهم ~~كان صادرا عن الظن، ويجوز أن يكون «يقولون» استئنافا (قل إن الأمر كله) ~~بالرفع «3» مبتدأ، خبره (لله) والجملة خبر «إن»، وبالنصب «4» تأكيدا للاسم، ~~أي جميع الأمر لله من النصرة والغلبة ولأوليائه المؤمنين، قال تعالى: وإن ~~جندنا لهم الغالبون، فأنكروا ذلك فأخبر الله بقوله (يخفون في أنفسهم ما لا ~~يبدون لك) أي ما لا يظهرون من قولهم (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء) كما ~~قال محمد: إن الأمر لله ولأوليائه (ما قتلنا هاهنا) أي لما قتل أحد من ~~المسلمين في هذه المعركة (قل لو كنتم في بيوتكم) أي لو قعدتم فيها وما ~~خرجتم إلى الغزو (لبرز) أي لخرج (الذين كتب عليهم القتل) في اللوح المحفوظ ~~أو في علمه تعالى (إلى مضاجعهم) أي إلى مصارعهم، وقتلوا فيها، لأن معلوم ~~الله لا بد من وجوده كيف ما كان مقدورا (وليبتلي الله) أي ليختبر (ما في ~~صدوركم) من الإخلاص، عطف على علة محذوفة لفعل محذوف، أي فعل ذلك لمصالح ~~كثيرة وليبتلي ما في صدوركم (وليمحص) أي يطهر «5» (ما في قلوبكم) من وساوس ~~الشيطان (والله عليم بذات الصدور) [154] أي بما في القلوب من الخير والشر. ### || [سورة آل عمران (3): آية 155] # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) # قوله (إن الذين تولوا) أي أعرضوا وانهزموا (منكم) نزل توبيخا لمن خالفوا ~~أمر النبي عليه السلام، وتركوا المركز فانهزم المسلمون بأحد «6» (يوم التقى ~~الجمعان) من المسلمين والكافرين (إنما استزلهم الشيطان) أي طلب زلتهم ~~بتسويله المخالفة وترك المركز (ببعض ما كسبوا) أي بسبب بعض ذنوب «7» صدرت ~~منهم قبل، لأن الذنوب تجر «8» إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، ولم ~~يؤاخذهم الله بجميعها، لأنه عفو يعفو عن كثير، ثم طيب قلوبهم بعد التوبيخ ~~بقوله (ولقد عفا الله عنهم) لتوبتهم واعتذارهم (إن الله غفور) للذنوب ~~(حليم) [155] لا يعجل على العصاة بالعقوبة، ms0255 لأنه لا يخاف الفوت. ### || [سورة آل عمران (3): آية 156] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) # ثم قال تحذيرا لهم (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) أي ~~كالمنافقين (وقالوا لإخوانهم) أي لأجل إخوانهم بزعمهم (إذا ضربوا) أي حين ~~سافروا (في الأرض) لتجارة أو غيرها فماتوا في سفرهم (أو كانوا غزى) جمع غاز ~~كصائم وصوم، أي خرجوا إلى الغزو فقتلوا (لو كانوا عندنا) بالمدينة (ما ~~ماتوا) في سفرهم (وما قتلوا) في الغزو (ليجعل) أي ليصير (الله ذلك) أي ~~قالوا ما قالوا لهم واعتقدوه ليجعل الله ذلك القول والاعتقاد (حسرة في ~~قلوبهم) أي في قلوب المنافقين وندامة في العاقبة أما في الدنيا أو في ~~الآخرة، فاللام لام العاقبة كما في قوله «ليكون لهم عدوا وحزنا» «9» (والله ~~يحيي ويميت) في السفر والحضر بقضائه ومشيته، فهو PageV01P187 # رد لقولهم، لأن الأمر بيده (والله بما تعملون بصير) [156] بالتاء والياء ~~«1»، فلا تكونوا مثل هؤلاء المنافقين. ### || [سورة آل عمران (3): آية 157] # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) # (ولئن قتلتم في سبيل الله) أي والله إن قتلتم في الغزو لله (أو متم) في ~~بكسر الميم، من مات يمات، وبضمها «2» من مات يموت، وأنتم مؤمنون (لمغفرة من ~~الله) لذنوبكم بسببه (ورحمة) أي ونعيم الجنة، مبتدأ، خبره (خير مما يجمعون) ~~[157] بالتاء والياء «3»، من حطام الدنيا في إقامتكم، والجملة الاسمية ساد ~~مسد جواب القسم المحذوف والشرط، والمعنى: أن موتكم وقتلكم في سبيل الله ~~وجهاده مع نيلكم المغفرة والرحمة من الله أفضل مما تجمعون من الأموال في ~~الدنيا الفانية بالتقاعد والجبانة لأجله عن الجهاد في سبيل الله يا معشر ~~المنافقين. ### || [سورة آل عمران (3): آية 158] # ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) # ثم أكد ذلك بقوله (ولئن متم أو قتلتم) في سبيل الله (لإلى الله تحشرون) ms0256 ~~[158] أي لإلى الرحيم الواسع المغفرة والرحمة تبعثون بعد الموت، فيجازيكم ~~بالثواب العظيم لا إلى غيره فتظلمون. ### || [سورة آل عمران (3): آية 159] # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب ~~المتوكلين (159) # قوله (فبما رحمة من الله لنت لهم) إظهار لكثرة شفقة النبي عليه السلام ~~على أمته مع ذكر منته تعالى عليه بتوفيقه إياه للرفق والتلطف بهم، و«ما» ~~زائدة للتوكيد والدلالة على اختصاص لينه «4» لهم برحمة الله تعالى، أي ~~فبرحمة منه تعالى لطفت بهم يا محمد وسهلت أخلاقك لهم حين عصوك وخالفوك (ولو ~~كنت فظا) أي كريه الخلق (غليظ القلب) أي جافيه «5»، خشن القول (لانفضوا من ~~حولك) أي لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك بارا، رحيم القلب، لينا لطيفا ~~بهم (فاعف عنهم) أي تجاوز عن فعلهم بأحد (واستغفر لهم) أي اطلب المغفرة مني ~~لذنوبهم، يعني اشفع لهم حتى أشفعك (وشاورهم في الأمر) أي في أمر الحرب ~~وغيره تطييبا «6» لقلوبهم أو استظهارا برأيهم فيما لم ينزل عليك وحي فيه، ~~قال عليه السلام: «ما شقى عبد قط بمشورة وما سعد باستغناء رأي» «7» (فإذا ~~عزمت) على فعل بعد المشاورة ووضوح الرأي (فتوكل على الله) لا على المشاورة ~~ولا على أصحابها في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح (إن الله يحب المتوكلين) ~~[159] عليه لا على غيره. ### || [سورة آل عمران (3): آية 160] # إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون (160) # ثم أخبر أن النصرة كلها منه تعالى بقوله (إن ينصركم الله) كما في يوم بدر ~~(فلا غالب لكم) من العدو (وإن يخذلكم) كما خذلكم في يوم أحد (فمن ذا الذي ~~ينصركم) أي يمنعكم من عدوكم (من بعده) أي بعد خذلانه (وعلى الله) وحده ~~(فليتوكل المؤمنون) [160] في النصرة «8»، وقيد المؤمنين، لأنهم عرفوا أنه ~~لا ناصر لهم غيره وهذا تنبيه على أن الأمر كله له وعلى وجوب التوكل عليه. ### || [سورة آل ms0257 عمران (3): آية 161] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) PageV01P188 # قوله (وما كان لنبي أن يغل) بفتح الياء وضم الغين، أي يخون وبضم الياء ~~وفتح الغين «1»، أي ينسب إلى الخيانة، نزل حين فقدت قطيفة حمراء يوم بدر، ~~فقال المنافقين: لعل رسول الله أخذها «2»، وروي: «أنه عليه السلام بعث ~~طلائع لحقيقة أمر العدو فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع وسمي حرمان ~~بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر» «3»، وفيه نهي للنبي «4» على ~~السلام عن الغلول على سبيل المبالغة، أي ما صح لنبي أن يخون فيعطي قوما ~~ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم على السوية أو ما جاز أن يخون في الغنيمة ~~فيأخذها لأجله ولا يقسم لهم (ومن يغلل) أي يخن في الغنيمة (يأت بما غل) أي ~~بالشيء الذي غله بعينه يحمله على ظهره (يوم القيامة) قال عليه السلام: «ألا ~~لأعرفن أحدكم يوم القيامة يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ~~ثغاء، فيقول: يا محمد، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئا فقد بلغتك» «5»، ~~ويجوز أن يكون المعنى: يأت بوباله على عنقه كقوله «يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم» «6» (ثم توفى كل نفس) أي تجازى (ما كسبت) أي ما «7» عملت من خير ~~وشر (وهم لا يظلمون) [161] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم ولا يزاد جزاؤهم ~~فوق آثامهم، لأنه عادل بينهم في الجزاء، وإنما لم يقل «ثم يوفى» بالتذكير ~~ليرجع الضمير فيه إلى «من»، لأنه جاء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال ~~وغيره، فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت في الزجر عن الغلول. ### || [سورة آل عمران (3): آية 162] # أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) # ثم قال بهمزة الاستفهام لإنكار التسوية بين الأمين الصالح والخائن الفاسق ~~(أفمن اتبع رضوان الله) وأخذ الحلال من الغنيمة (كمن باء) أي رجع واستوجب ~~(بسخط من الله) بسبب الغلول من الغنائم، ثم بين مستقر كل منها ms0258 فقال ~~(ومأواه) أي مقام من غل من الغنيمة (جهنم وبئس المصير) [162] أي الموضع ~~الذي صار إليه النار. ### || [سورة آل عمران (3): آية 163] # هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (163) # (هم درجات) أي الذين اتبعوا رضا الله ولم يغلوا من الغنائم ذوو طبقات «8» ~~(عند الله) في الفضل، فبعضهم يكون أرفع من بعض أو لهم درجات في الجنة ~~(والله بصير) أي عالم (بما يعملون) [163] من الغلول وعدم الغلول، فيجازيهم ~~على حسب أعمالهم بالدركات والدرجات. ### || [سورة آل عمران (3): آية 164] # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (164) # (لقد من الله على المؤمنين) أي أنعم على من آمن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من قومه، وخصهم بالذكر، لأنهم هم المنتفعون بمبعثه (إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم) أي من جنسهم عربيا ليفهموا عنه كلامه، ففيه منة عليهم ~~لأخذ ما يجب عليهم أخذه عنه بعد علمهم أحواله في الصدق والأمانة (يتلوا) أي ~~يقرأ (عليهم آياته) بالبيان ليعلموا به الحلال والحرام (ويزكيهم) أي ~~ويطهرهم من الشرك والذنوب بالأمر بشهادة «9» أن «لا إله إلا الله» (ويعلمهم ~~الكتاب) أي القرآن (والحكمة) أي المواعظ للعلم والعمل (وإن كانوا من قبل) ~~أي وإن الشأن PageV01P189 # والحديث كانوا من «1» قبل بعثة الرسول (لفي ضلال مبين) [164] أي ظاهر لا ~~شبهة فيه، ف «إن» فيه هي المخففة، واللام هي الفارقة بينها وبين «إن» ~~النافية. ### || [سورة آل عمران (3): آية 165] # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~إن الله على كل شيء قدير (165) # قوله (أولما أصابتكم) الهمزة فيه للتقرير والتقريع، دخلت على الواو ~~العاطفة على محذوف، تقديره: # أفعلتم كذا من الفشل والتنازع، ولما أصابتكم بأحد (مصيبة) بقتل سبعين ~~منكم والهزيمة، وصفة «مصيبة» (قد أصبتم) ببدر (مثليها) بقتل سبعين وأسر ~~سبعين منهم (قلتم) تعجبا، وهو عامل في «لما» بمعنى حين (أنى هذا) أي من أين ~~هذا الخذلان لنا، ونحن موعودون بالنصرة ms0259 بسبب إيماننا (قل هو) أي الخذلان ~~(من عند أنفسكم) أي بسبب اختياركم الخروج من المدينة وإلحاحكم في ذلك نبيكم ~~عليه السلام أو لتخليتهم «2» وترك المركز أو لأخذكم الفداء من أسارى بدر ~~قبل أن يؤذن لكم، لا من عند الله واختياره بلا جزم منكم (إن الله على كل ~~شيء قدير) [165] من النصر ومنعه وعلى أن يصيبكم تارة ويصيب منكم مرة أخرى. ### || [سورة آل عمران (3): آية 166] # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) # قوله (وما أصابكم) مبتدأ متضمن معنى الشرط، أي الذي أصابكم من مصيبة ~~كالقتل والهزيمة (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع الكافرين، وخبر ~~المبتدأ قوله (فبإذن الله) أي فهو كائن بتخليته «3» وإرادته (وليعلم ~~المؤمنين) [166] أي وهو كائن ليميزهم من غيرهم باخلاصهم وثباتهم. ### || [سورة آل عمران (3): آية 167] # وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون ~~بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) # (وليعلم الذين نافقوا) أي وهو كائن ليظهرهم «4» بنفاقهم وقلة صبرهم، قوله ~~(وقيل لهم) عطف على «نافقوا» تحقيقا لنفاقهم للمؤمنين، أي قيل لابن أبي ~~وأصحابه حين قعدوا عن الحرب «5» وانقطعوا عن أحد (تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله) أعداءه (أو ادفعوا) عن أنفسكم وحرمكم إن لم تقاتلوا لوجه الله أو ~~ادفعوا القوم بتكثيركم سواد المسلمين، لأن كثرة السواد مما يخوف العدو ~~وتكسر حدته (قالوا) في الجواب (لو نعلم قتالا) أي قتالا حقا (لاتبعناكم) ~~فيه، ولكنه إلقاء النفس إلى التهلكة، فليس بقتال حق لخطأ رأيكم، فأظهر «6» ~~الله تعالى كذبهم بقوله (هم للكفر يومئذ أقرب) أي هم لأهل الكفر أقرب نصرة ~~(منهم للإيمان) أي لأهل «7» الإيمان، فاللام في «للكفر» و«للإيمان» متعلق ب ~~«أقرب»، وهي على بابها، وقيل بمعنى إلى «8»، يعني ميلهم إلى الكفر يومئذ ~~أقرب من ميلهم إلى الإيمان لظهور «9» علامة الكفر فيهم لا نخزالهم من «10» ~~عسكر المسلمين المجاهدين في سبيل الله (يقولون) أي القائلين «11» ~~(بأفواههم) أي بألسنتهم (ما ليس في قلوبهم) فهو ms0260 حال من الضمير في «أقرب» ~~(والله أعلم بما يكتمون) [167] من الكفر والنفاق. ### || [سورة آل عمران (3): آية 168] # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين (168) # قوله (الذين قالوا) خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين قالوا (لإخوانهم) أي ~~لأجل إخوانهم في سكنى الدار PageV01P190 # لا في الدين، وهم شهاداء أحد (وقعدوا) أي وقد قعدوا عن القتال في ~~المدينة، والواو للحال (لو أطاعونا) في القعود عن الجهاد والانصراف عن محمد ~~عليه السلام (ما قتلوا) بالتخفيف والتشديد «1»، ثم قال تعالى لنبيه توبيخا ~~وتعجيزا لهم (قل فادرؤا) أي ادفعوا (عن أنفسكم الموت) إذا حضر برأيكم ~~وحيلكم (إن كنتم صادقين) [168] في مقالتكم من أن القعود عن القتال سبب ~~النجاة من الموت لا غيره، لأنه يجوز أن يكون القتال سببا للنجاة، ولو لم ~~يقاتل رجل «2» لقتل وله أسباب أخر، فما يدرككم أن سببها القعود، وإن الحذر ~~لا ينجي من القدر، وقيل: # لما نزلت هذه الآية مات يومئذ سبعون نفسا «3» من المنافقين «4» في ~~المدينة «5». ### || [سورة آل عمران (3): آية 169] # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) # ثم نزل في شهداء بدر وأحد وغيرهم قوله «6» (ولا تحسبن) بالتاء والياء «7» ~~والفاعل النبي عليه السلام أو غيره، أي لا يظنن النبي (الذين قتلوا) ~~بالتخفيف والتشديد «8» (في سبيل الله) أي في طاعته (أمواتا بل) هم (أحياء) ~~مقربون (عند ربهم) وهو عطف جملة على جملة، والغرض الإعلام بحياتهم ترغيبا ~~في الجهاد ولو عطف «أحياء» على «أموات» لاختل المعنى، لأنه يصير التقدير: ~~لا تحسبنهم أحياء، المعنى: أنهم يتنعمون «9» كالأحياء عند ربهم (يرزقون) ~~[169] مثل ما يرزق سائر الأحياء من المآكل والمشارب، وهو تأكيد لكونهم أحياء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 170] # فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # (فرحين) أي معجبين (بما آتاهم الله من فضله) من التوفيق في الشهادة ~~والكرامة والفضيلة على غيرهم (ويستبشرون) أي وهم يطلبون البشارة (بالذين لم ~~يلحقوا بهم ms0261 من خلفهم) أي باخوانهم الذين لم يقتلوا وبقوا بعدهم، ومحل قوله ~~(ألا خوف عليهم) جر بدل من «الذين»، أي يستبشرون بما تبين لهم من حال من ~~تركوا خلفهم من المؤمنين من عدم خوف لهم فيما يستقبلهم من البعث يوم ~~القيامة (ولا هم يحزنون) [170] أي ومن عدم حزنهم على ما خلفوا في الدنيا، ~~يعني يفرحون يومئذ بسلامة إخوانهم الباقين بعدهم حيث وصلوا إليهم آمنين، ~~وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن بعدهم بعث «10» للمؤمنين الباقين على ~~ازدياد الطاعة والجد في الجهاد والرغبة في منازل الشهداء. ### || [سورة آل عمران (3): آية 171] # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) # ثم كرر الاستبشار للتأكيد بقوله (يستبشرون بنعمة) أي بجنة (من الله وفضل) ~~أي بكرامة فيها (وأن) بالفتح، أي وبأن (الله لا يضيع أجر المؤمنين) [171] ~~وبالكسر «11» على الاستئناف، أي ثواب أعمالهم الحسنة، روي عن عليه السلام: ~~«السيوف مفاتيح الجنة» «12»، وعنه أيضا: «الشهيد يشفع في سبعين من أهله» ~~«13»، وعنه أيضا: «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تدور في الجنة وتأكل من ~~ثمارها، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب PageV01P191 # معلقة بالعرش» «1». ### || [سورة آل عمران (3): الآيات 172 الى 173] # الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) # قوله (الذين استجابوا لله) مبتدأ، نزل حين رجع أبو سفيان إلى مكة بعد ~~قتال أحد بأصحابه وندم حيث لم يستأصل النبي وأصحابه، فأرادوا العود مع ~~أصحابه لذلك فسمع النبي عليه السلام الخبر فأراد أن يخرج له فكره أصحابه ~~الخروج إليهم، فقال النبي عليه السلام: «والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم وإن ~~لم يخرج معي أحد منكم»، فمضى رسول الله في طلب أبي سفيان ومعه نحو سبعين ~~رجلا من المسلمين وكان بهم جراحات حتى بلغ حمراء الأسد على ثمانية أميال من ~~المدينة، فجبن أبو سفيان عن العود إليه «2»، فقال تعالى مدحا لمن أطاع ~~النبي عليه السلام في ذلك ms0262 الذين أجابوا لأمر الله (والرسول من بعد ما ~~أصابهم القرح) أي الجراحات يوم أحد، وجملة قوله (للذين أحسنوا) بطاعتهم ~~الله ورسوله (منهم) للبيان (واتقوا) أي المعاصي في محل الرفع خبر، مبتدأه ~~(أجر عظيم) [172] أي ثواب كثير، والجملة في محل الرفع خبر «الذين ~~استجابوا»، ثم قال أبو سفيان لرجل اسمه نعيم ابن مسعود كان يخرج إلى ~~المدينة للتجارة إذا أتيت محمدا وأصحابه فخوفهم لكيلا يخرجوا بأنا قد جمعنا ~~على العود عليهم، فلما قدم إلى المدينة أخبرهم بما قال له، فقالوا: حسبنا ~~الله ونعم الوكيل، فنزل مدحا لهم «3» (الذين قال لهم الناس) أي نعيم ابن ~~مسعود من إطلاق الكل وإرادة البعض، وقيل: كان ركب من عبد القيس «4» معه «5» ~~(إن الناس) أي أبا سفيان وأصحابه (قد جمعوا لكم) أي اجتمعوا ليستأصلوا ~~(فاخشوهم) أي لا تخرجوا إليهم خوفا (فزادهم) أي ذلك القول أو الضمير للمقول ~~الذي هو «إن الناس قد جمعوا لكم» (إيمانا) أي تصديقا ويقينا وقوة بأن ~~أخلصوا النية على الجهاد (وقالوا حسبنا الله) أي كافينا (ونعم الوكيل) ~~[173] أي الموكول إليه هو فأيقنوا أن الله لا يخذل محمدا، وذهبوا معه إلى ~~الموعد، روي: أن أبا سفيان كان واعد النبي عليه السلام أن يلقاه ببدر ~~الصغري وكانت موسما، فلما كان العام القابل جبن أبو سفيان عن الذهاب إلى ~~بدر، ذهب النبي عليه السلام وأصحابه إليها ومعهم تجارات فكسبوا في تجاراتهم ~~ولم يلقوا عدوا «6». ### || [سورة آل عمران (3): آية 174] # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم (174) # (فانقلبوا) أي انصرفوا من بدر (بنعمة من الله) أي بأجر منه (وفضل) أي ~~وربح من السوق بسلامة (لم يمسسهم سوء) أي قتال يسؤهم من عدوهم (واتبعوا ~~رضوان الله) بجرأتهم وخروجهم في سبيله (والله ذو فضل عظيم) [174] أي تفضل ~~عليهم بالتوفيق فيما فعلوا، وفيه تحسير لمن تخلف «7» عنهم وإظهار «8» لخطأ ~~رأيهم، روي: # «أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم» «9». ### || [سورة آل عمران (3): آية 175] # إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ms0263 فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # ثم قال (إنما ذلكم) أي القائل لكم إن الناس قد جمعوا لكم تخويفا، مبتدأ، ~~خبره (الشيطان) وهو نعيم PageV01P192 # ابن مسعود (يخوف أولياءه) وهم القاعدون عن الخروج مع رسول الله أو يخوف ~~بأوليائه وهم المشركون (فلا تخافوهم) أي الشيطان وأولياءه، ويجوز أن يعود ~~الضمير إلى الناس في قوله «قد جمعوا لكم»، يعني لا تخافوهم فتقعدوا «1» عن ~~القتال وتجبنوا (وخافون) في القعود عن الطاعة (إن كنتم مؤمنين) [175] أي ~~مصدقين بالله، فان الإيمان يقتضي تقديم خوف الله على خوف غيره. ### || [سورة آل عمران (3): آية 176] # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) # قوله (ولا يحزنك) بضم الياء وكسر الزاء من أحزن، وبفتح الياء وضم الزاء ~~«2» من حزن، أي لا يغمك (الذين يسارعون في الكفر) نزل في المنافقين ~~المتخلفين «3» أو المرتدين عن الإسلام «4»، يعني لا تحزن لخوف أن يضروك ~~ويعينوا عليك (إنهم لن يضروا الله) أي دينه (شيئا) بكفرهم، بل وبال كفرهم ~~راجع عليهم (يريد الله ألا يجعل لهم حظا) أي نصيبا (في الآخرة) أي في ~~الجنة، وفي ذكر الإرادة تنبيه على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية فيه ~~«5» حتى إن واسع «6» الرحمة والمغفرة يريد أن لا يرحمهم ولا يغفر لهم ~~ليثيبهم بالجنة «7» (ولهم) بدل الثواب (عذاب عظيم) [176] في النار يوم ~~القيامة. PageV01P193 ### | سورة النساء # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النساء (4): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا (1) # (يا أيها الناس اتقوا) أي اعبدوا بالتقوى عن الشرك والمعصية أو خافوا ~~(ربكم الذي خلقكم) أي فرعكم (من نفس واحدة) أي من أصل واحد وهو نفس آدم ~~أبيكم، والخطاب عام لجميع بني آدم (وخلق) عطف على محذوف، هو صفة «نفس ~~واحدة»، كأنه قال: من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق ms0264 (منها) أي من تلك ~~النفس (زوجها) حواء لأنه خلقها من ضلعه الأيسر، وقيل: عطف على «خلقكم» «1»، ~~والخطاب للناس المبعوث إليهم رسول الله، والمعنى: أنه خلقكم من نفس آدم ~~أبيكم وخلق منها أمكم حواء، قيل: لما خلق آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم ~~فخلقها منه بين النوم واليقظة وسميت حواء لأنها خلقت من حي «2» (وبث) أي ~~نشر (منهما) أي من آدم وحواء (رجالا كثيرا) ولم يؤنث الوصف لأن الرجال ~~بمعنى العدد (ونساء) ولم يقل كثيرة اكتفاء بذكر كثرة الرجال، لأنهم في ~~مقابلتهن، قيل: «خلق الله «3» منهما ألف ذرية من الناس» «4»، وإنما وصف لهم ~~بذلك الوصف بعد الأمر بالتقوى لكونه مما يدل على القدرة العظيمة، ومن كان ~~قادرا عليه كان قادرا على تعذيبه، فحقه أن تتقوه وتعبدوه ولا تشركوا به ~~«5»، ثم أمر بتقواه ثانيا تصريحا باسمه عاطفا على الأول لتحافظوا عليه ولا ~~تغفلوا عنه «6» فقال (واتقوا الله الذي تسائلون به) بالتشديد والتخفيف «7»، ~~أي تقسمون بالله في حاجاتكم (والأرحام) بالجر، أي وبالأرحام كقول بعضكم ~~بعضا أسألك بالله وبالأرحام على سبيل الاستعطاف وأجاز الكوفي العطف على ~~الضمير المجرور بلا إعادة الجار ومنعه البصري، لأنه كالعطف على بعض الكلمة ~~لشدة الاتصال بينه وبين الجار، وأوله بتقدير حرف الجر المحذوف من المجرور ~~أو الواو للقسم من الله وهو الأولى من العطف للخروج من الخلاف، وجوابه «8» ~~ما بعده، وقرئ بالنصب «9» على أنه مفعول معطوف على «الله»، أي اتقوا الله ~~واتقوا الأرحام أن تقطعوها، روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «إن الله ~~تعالى لما خلق الرحم قال لها: أصل من وصلك وأقطع من قطعك» «10» أو محل ~~الجار والمجرور كمررت بزيد وعمرا، PageV01P194 # قوله «1» (إن الله كان عليكم رقيبا) [1] جواب القسم على القراءة بالجر في ~~الأرحام ولم يعطف على ما قبله، والمعنى: أنه تعالى أقسم بالأرحام بعد ما ~~أمر بالتقوى، إن الله كان عليما «2» بأسراركم، أي حفيظا لأعمالكم ناظرا ~~إليها «3» يسألكم عنها ويجازيكم بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما من عمل حسنة أسرع ثوابا من صلة ms0265 الرحم، وما من عمل سيئة أسرع عقوبة من ~~البغي» «4». ### || [سورة النساء (4): آية 2] # وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) # وبعد الأمر بالتقوى أمر بالعدل وتسليم «5» الحقوق إلى مستحقيها «6» كما ~~يجب في الشرع بقوله (وآتوا) أي أعطوا (اليتامى) وهم الذين مات آباؤهم ~~فانفردوا عنهم، واليتم الانفراد، واليتيم فعيل قياسه أن يجمع على يتمى ~~كمريض على مرضى، ثم يجمع على يتامى، وحقه أن يقع على الصغير والكبير بمعنى ~~الانفراد عن الأب فيهما إلا أنه غلب استعماله في الصغير لاستغناء الكبير ~~بنفسه عن الكافل، فكأنه خرج عن معنى اليتم لقوله عليه السلام: «لا يتم بعد ~~الحلم» «7»، وهو تعليم شريعة لا لغة، يعني سلموا إلى اليتامى (أموالهم) وقت ~~استحقاقهم تسليمها إليهم، فالمراد منهم الكبائر تسمية لهم يتامى على القياس ~~وإشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عن حد البلوغ، ثم قال (ولا ~~تتبدلوا الخبيث) أي لا تقبلوا المال الحرام (بالطيب) أي بالمال الحلال «8»، ~~والمراد منه أن يعطوا من أموالهم رديا وهو حلال لهم «9» ويأخذوا جيدا من ~~أموال اليتامى وهو خبيث في حقهم، ثم قال تأكيدا لذلك (ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم) وهو في موضع الحال، أي مضمومة إلى أموالكم في الإنفاق لقلة ~~المبالاة بما لا يحل لكم، والنهي وارد على فعلهم العادي أو كان الأكل بعد ~~ضمها إلى الحلال أقبح، فنهوا عن ذلك (إنه) أي إن ذلك الأكل (كان حوبا ~~كبيرا) [2] أي إثما عظيما عند الله فاجتنبوه، روي: أن الآية نزلت في رجل من ~~غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه، ~~فترافعا إلى رسول الله فقرأها عليه، فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه، فلما قبض اليتيم ماله ~~أنفقه في سبيل الله، فقال عليه السلام ثبت الأجر وبقي الوزر، فقالوا: يا ~~رسول الله! كيف بقي الوزر وقد أنفق في سبيل الله؟ فقال عليه السلام: ثبت ~~الأجر للغلام وبقي ms0266 الوزر على والده «10». ### || [سورة النساء (4): آية 3] # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) # قوله (وإن خفتم ألا تقسطوا) نزل حين تحرجوا «11» من ولاية اليتامى مخافة ~~أن لا يعدلوا بسبب نزول الآية السابقة، وكان منهم من تحته العشر من الأزواج ~~أو الثماني «12» أو الست فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن «13»، فقال تعالى ~~وإن خفتم «14»، أي علمتم «15» أن لا تعدلوا (في) أموال (اليتامى) من أقسط ~~إذا عدل، وهو من قسط PageV01P195 # إذا جار «1»، والهمزة للسلب (فانكحوا) أي تزوجوا (ما طاب) أي من حل «2» ~~(لكم من النساء) ف «ما» بمعنى من، و«من» للتبعيض، يعني فكما خفتم ترك العدل ~~في حقوق اليتامى فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء فقللوا عددهن، ثم بين ~~المباح من النساء (مثنى وثلاث ورباع) لا ينصرف هذه الصيغ إلى عشار للعدل ~~والوصف، وهي نكرات يدخلها لام التعريف كالمثنى والثلاث والرباع في محل ~~النصب على الحال من النساء أو بدل من «ما»، والواو للتخيير، وليس للعطف ~~الجامع في زمان واحد وإلا لجاز الجمع «3» بين تسع نسوة وليس بجائز وإن ~~أجازه بعض الروافض بظاهر الآية، لأن التسع من خصائص النبي عليه السلام، ~~ولأنه عليه السلام نهى عن تزويج أكثر من أربع وإلا لجاز «4» له أن يتزوج ~~بما شاء، لأنه لا يقتضي حصرهن في هذا العدد كما قيل في نحو قولهم: جاء ~~القوم مثنى وثلاث ورباع، فانهم جوزوا أن يكون القوم الجائين في غاية ~~الكثرة، فالمعنى في الآية: تزوجوا إن شئتم مثنى وإن شئتم ثلاث وإن شئتم ~~رباع إذا عدلتم بينهن في القسم، والخطاب للجميع فوجب التكرير لنصيب كل واحد ~~من الناكحين ما أرادوا من العدد وإنما جاء العطف بالواو دون أو ليدل على ~~تجويز «5» الجمع بين أنواع القسمة «6» الذي دلت عليه الواو، ثم قال (فإن ~~خفتم ألا تعدلوا) فيهن في النفقة والقسم (فواحدة) أي فاختاروا واحدة منهن ~~(أو ما ملكت أيمانكم) أي ms0267 أو اختاروا مما ملكتم بالشراء وغيره «7» من ~~السراري، لأنها أخف مؤنة من الحرائر فلا عليكم أكثرتم منهن أو أقللتم «8» ~~عدلتم بينهن في القسم أو لم تعدلوا عزلتم عنهن أم لم تعزلوا «9» (ذلك) أي ~~اختيار الواحدة «10» أو السراري (أدنى) أي أقرب من (ألا تعولوا) [3] أي لا ~~تجوروا أو لا تميلوا في النفقة والقسم بينهن، من عال الحاكم إذا جار أو من ~~عال الميزان إذا مال. ### || [سورة النساء (4): آية 4] # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا (4) # (وآتوا النساء) أي أعطوهن (صدقاتهن) أي مهورهن، جمع صدقة (نحلة) أي إعطاء ~~وهبة عن طيب نفس، وهي مصدر أو حال من المخاطبين بمعنى ناحلين أو من الصدقات ~~«11» بمعنى منحولة، وهذا أمر للأزواج أن يعطوا مهور نسائهم لهن، قال عليه ~~السلام: «أحق الشروط أن توفوا بما استحللتم به الفروج» «12» أو أمر ~~للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور «13» بناتهم ولا يعطونهن «14» شيئا، ثم ~~كان بعض الناس يتأثمون أن يأخذوا مما أعطوا من نسائهم شيئا فنزل «15» (فإن ~~طبن) أي إن وهبن (لكم عن شيء منه) أي من المال «16» الذي هو الصدقة (نفسا) ~~بأن لا يطلبن ما وهبن لكم بعد الهبة (فكلوه هنيئا) أي طيبا (مريئا) [4] أي ~~سائغا لا ينغصه، ونصبهما صفة مصدر محذوف، أي أكلا هنيئا مريئا أو حال «17» ~~من مفعول «كلوه» «18»، والمراد منه المبالغة في الإباحة «19» من غير تبعة، ~~وفي الآية دليل على وجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس، ولذا قيل: ~~يجوز الرجوع بما وهبن إن خدعن من الأزواج «20». PageV01P196 ### || [سورة النساء (4): آية 5] # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) # قوله (ولا تؤتوا السفهاء) خطاب للأولياء في أموالي اليتامى، أي لا تعطوا ~~المبذرين من الرجال والنساء والصبيان (أموالكم التي جعل) أي قدرها (الله ~~لكم قياما) وقيما كلاهما مصدر قام، يعني جعلها الله لكم سبب قيامكم تقومون ~~بها في منافعكم وتتعيشون ولو ضيعتموها لضعتم من حيث الاحتياج لانعدام سبب ~~معائشكم «1»، فكانت الأموال في ms0268 أنفسها قيامكم ومعاشكم، ولذلك قال السلف: ~~المال سلاح المؤمن «2»، أي من الفقر الذي يهلك دينه، وقيل: اكتسبوا المال، ~~فانكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه «3»، فاحفظوا أموالكم ~~من السفهاء (وارزقوهم) أي اجعلوا لهم (فيها) رزقا، ويجوز أن يكون «في» ~~بمعنى من (واكسوهم) لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته «4» (وقولوا لهم قولا ~~معروفا) [5] أي وعدا جميلا إذا طلبوا منكم النفقة بأن يقول الولي أو الوصي: ~~سأفعل ذلك أو إن ربحت أو غنمت أعطيتك، وقيل: معناه لا يجعل الرجل ماله في ~~يدي امرأته وأولاده، ثم يجعل نفسه محتاجا إليهم «5»، وهو خلاف الظاهر. ### || [سورة النساء (4): آية 6] # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا (6) # (وابتلوا اليتامى) أي جربوا عقولهم بأن يعطي اليتيم من المال ما يتصرف ~~فيه قبل البلوغ حتى يستبين حاله فيما يجيء منه، وهو معنى الابتلاء عند أبي ~~حنيفة رحمه الله (حتى إذا بلغوا النكاح) أي صاروا أهلا أن ينكحوا، وجواب ~~«إذا» (فإن آنستم) أي أبصرتم (منهم رشدا) أي هداية إلى مصالحهم وإلى وجوه ~~التصرف، وعند الشافعي رحمه الله الابتلاء أن يتبع أحواله وتصرفه في الأخذ ~~والإعطاء ويتبصر ميله إلى الصلاح في الدين، لأن الفسق مفسدة للمال ~~(فادفعوا) أي سلموا (إليهم أموالهم) التي معكم عند البلوغ، وهو جواب «إن» ~~الشرطية، قيل: إن لم يونس منه رشد «6» بعد البلوغ فعند أبي حنيفة رضي الله ~~عنه ينظر إلى خمس وعشرين سنة، وعند غيره لا يدفع إليه أبدا، وتنكير الرشد ~~يدل على نوع من الرشد أو مخيلة من مخايله حتى لا ينتظر منه تمام الرشد «7»، ~~ثم نهى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بقوله «8» (ولا تأكلوها) أي أموالهم ~~(إسرافا) أي بغير حق (وبدارا) أي إسراعا، كلاهما مفعول لهما، أي لإسرافكم ~~ومبادرتكم في أكله، ويجوز أن يكونا حالين، أي مسرفين ومبادرين (أن يكبروا) ~~أي ms0269 مخافة أن يبلغوا ويتجاوزوا عن حد الصغر فيأخذوا أموالهم منكم، ثم بين ~~حال الأوصياء بقوله «9» (ومن كان غنيا) من الأوصياء (فليستعفف) أي ليطلب ~~العفة من نفسه، يعني ليمتنع عن أكلها اغتناء بماله ويقنع به ولا يطمع في ~~مال اليتيم إشفاقا عليه إبقاء على ماله (ومن كان فقيرا) منهم (فليأكل ~~بالمعروف) أي بما عرف في الشرع «10»، وهو يدل على أن للوصي حقها فيها «11» ~~لقيامه عليها فليأكل منها على قدر قيامه عليه بمنزلة الأجر منه، وقيل: يأكل ~~على وجه القرض فيرد عليه إذا كبر «12» (فإذا دفعتم إليهم أموالهم) عند ~~بلوغهم (فأشهدوا) عند دفعها إليهم (عليهم) بأنهم تسلموها بالقبض منكم وبرئت ~~عنها ذممكم ليزول PageV01P197 # التهمة منكم (وكفى بالله) أي اكتفى الله (حسيبا) [6] أي كافيا في الشهادة ~~عليكم في الدفع والقبض ومحاسبا فعليكم بالتصادق وإياكم والتكاذب، قيل: إذا ~~لم يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة، ولا يصدق إلا بالبينة عند ~~الشافعي ومالك، فالإشهاد عندهما لدفع الضمان لا لدفع اليمين لزوال التهمة «1». ### || [سورة النساء (4): الآيات 7 الى 8] # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) # قوله (للرجال) أي لذكور أولاد الميت (نصيب) أي حظ (مما ترك الوالدان ~~والأقربون) من ذوي القرابة للميت (وللنساء) أي ولجماعة «2» الإناث التي ~~ورثن منهن (نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل) أي من المال الذي ~~تركوه قل ذلك المال (منه أو كثر نصيبا مفروضا) [7] أي حظا مقطوعا يوجب ~~تسليمه إليهم، ونصبه حال من ضمير «قل أو كثر»، نزل حين مات أوس بن ثابت ~~الأنصاري وترك ثلث بنات وامرأة اسمها كحة، فقام ابن عمه وأخذ ماله كله ~~بالتوارث، لأنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء وإنما يورثون الرجال، ~~فجاءت المرأة إلى رسول الله فذكرت «3» له القصة، فحكم بها أن للرجال نصيبا ~~وللنساء نصيبا من التركة مجملا «4». # ثم بين مقدار نصيب كل واحد من الرجال ms0270 والنساء بآية الوصية. # قوله (وإذا حضر القسمة) أي قسمة الميراث (أولوا القربى) للميت ممن لا ~~يورث منه (واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) أي أعطوهن من المال الذي تركه ~~الميت قبل القسمة، نزل حثا على إعطاء ذلك على سبيل الندب كما كان المؤمنون ~~يفعلونه قبل نزول الآية، يعني إذا اجتمعت الورثة وهؤلاء فليرضخ الولي لهم ~~بشيء من المال قبل أن يقسمه «5» الورثة وليس بفرض وإلا لكان له حد ومقدار ~~كما لغيره من الحقوق «6» (وقولوا لهم قولا معروفا) [8] أي وعدا حسنا لو كان ~~الورثة صغارا معتذرين إليهم بأن يقول الولي لهم: لو كان لي لأعطيتكم منه، ~~وإذا أدرك الصغار أمرتهم حتى يعطوكم شيئا ويعرفوا حقكم، وإذا كانوا كبارا ~~أعطوهم بأنفسهم منه ما شاؤا. ### || [سورة النساء (4): آية 9] # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا (9) # ثم خص الأولياء على الإشفاق بالأيتام بقوله (وليخش) أي وليخف على ذرية ~~الميت الضياع بالفقر والاحتياج إلى الناس الأولياء (الذين) حالهم أنهم (لو ~~تركوا من خلفهم) أي بعد موتهم (ذرية ضعافا) أي أولادا صغارا (خافوا عليهم) ~~الفقر والتكفف فليقدروا ذلك ويصوروه حتى لا يجسروا «7» على خلاف الشفقة على ~~اليتامى الذين في حجورهم، ويخافوا عليهم خوفهم على ذريتهم (فليتقوا الله) ~~في أمرهم من حضر الموت بتفريق ماله وتضييع «8» صغاره بأن يقال: أوص بكذا ~~وكذا وتصدق مالك، فان الله رازق أولادك حتى يوصي بعامة ماله (وليقولوا) له ~~(قولا سديدا) [9] أي صوابا، وهو أن يأمروه بالتصدق بدون الثلث وبترك الباقي ~~لولده فيفعل الولي بالميت كما يحب أن يفعل به لو كان هو الميت، وقيل: ~~المراد منهم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون له قدم مالك وأوص بكذا وكذا، ~~وإن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على ~~أولاد المريض كما يخشون على أولادهم، ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم لو ~~كانوا «9». PageV01P198 ### || [سورة النساء (4): آية 10] # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) # ونزل في شأن آكلي «1» مال ms0271 اليتيم بغير حق قوله «2» (إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما) أي ظالمين أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته ~~(إنما يأكلون في بطونهم) من قولهم أكل في بطنه أو في بعض بطنه إذا ملأه، أي ~~يأكلون ملء بطونهم (نارا) لأنهم يأكلون ما يجرهم إلى النار فكأنه نار في ~~الحقيقة أو يصير ذلك نارا يوم القيامة، روي: أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم ~~القيامة والدخان يخرج من قبره وأنفه وفيه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه ~~يأكل مال اليتيم في الدنيا «3» (وسيصلون) مجهولا ومعلوما «4»، أي سيدخلون ~~يوم البعث (سعيرا) [10] أي نارا مسعرة، وقيل: مبهمة الوصف من النيران «5». ### || [سورة النساء (4): آية 11] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) # (يوصيكم الله) أي يأمركم (في أولادكم) أي في شأنهم من الذكور والإناث بما ~~هو الأصلح عنده، وهذا إجمال في قسمة المواريث، وتفصيله، قوله (للذكر مثل حظ ~~الأنثيين) إذا اجتمع مع «6» الإناث كما إذا مات الرجل أو المرأة وترك ~~أولادا ذكورا وإناثا، فلكل ابن سهمان ولكل بنت سهم، وإن لم يجتمع معهن ~~فالذكر عصبة مفردا يحرز جميع المال وللواحدة منهن النصف منفردة، وإنما جعل ~~له مثلي حظ الأنثى، لأن من تزوج البنت قام بها، وإنما قدم الذكر «7»، ولم ~~يقل للأنثيين مثل حظ الذكر تفضيلا له على الأنثى، لأن «8» في القول الأول ~~قصدا إلى بيان فضل الذكر، وفي القول الثاني قصدا إلى بيان نقص الأنثى وما ~~فيه قصد إلى بيان فضله كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه، ~~قيل: لما دل هذا الحكم على أن حكم الأنثيين حكم ms0272 الذكر وهو الثلثان قال «9» ~~(فإن كن نساء فوق اثنتين) أي إن كانت المتروكات من الميت جماعة (فلهن ثلثا ~~ما ترك) الميت وإن لم يجر له ذكر، لأنه تقدم معنى كما إذا ترك الميت بنات ~~ولم يترك ابنا فللبنات ثلثا الميراث إذا كن أكثر من انثيين لا يتجاوزن ذلك ~~لكثرتهن، فحكم الجماعة حكم الواجب للبنتين بغير تفاوت (وإن كانت واحدة) ~~بالنصب، أي إن كانت متروكة الميت بنتا واحدة لا قرينة لها من أبيها الميت ~~(فلها النصف) من الميراث والباقي للعصبة، وقرئ بالرفع «10» على أن «كان» ~~تامة والواو في قوله (ولأبويه) للاستئناف، وقوله (لكل واحد منهما) بدل ~~بتكرير العامل من «لأبويه»، و(السدس) مبتدأ، خبره «لأبويه»، وفيه إجمال ~~وتفصيل للتأكيد، وتوسط البدل بينهما لأجل البيان، لأنه لو لم يكن البدل ~~لتوهم اشتراكهما في السدس، لكن لكل واحد من أبويه السدس (مما ترك إن كان له ~~ولد) ذكرا أو أنثى أو ولد الابن كذلك فيكون الأب صاحب فرض إن كان الولد ~~ذكرا، وصاحب «11» فرض وتعصيب إن كان أنثى (فإن لم يكن له) أي للميت (ولد ~~وورثه أبواه) دون غيرهما (فلأمه الثلث) بضم الهمزة على الأصل وكسرها «12» ~~اتباعا، أي الثلث لها من جميع الميراث، فتعين الثلثان للأب والثلث للأم مما ~~ترك إلا أن يكون مع الأبوين زوج أو زوجة فللأم ثلث ما يبقى من التركة بعد ~~فرض أحد الزوجين دون ثلث الكل، PageV01P199 # لأن الزوج إنما استحق فرضه بحق العقد لا بالقرابة فأشبه الوصية في قسمة ~~ما وراء فرضه، ولأنها لو ضرب لها ثلث الكل لأدى إلى حط نصيب الأب عن ~~نصيبها، وهو أقوى في الإرث من الأم (فإن كان له إخوة) أي إن كان «1» للميت ~~إخوة اثنان فصاعدا لاتفاق الصحابة على إطلاق اسم الإخوة على اثنين فصاعدا ~~(فلأمه السدس) إلا أن ابن عباس قال: «لا تحجب «2» الأم من الثلث إلى السدس ~~إلا بثلثة إخوة» «3»، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء فتأخذ الأم السدس ~~ويكون الباقي للأب، قوله (من بعد وصية) يتعلق بما سبق من قسمة ms0273 المواريث ~~كلها لا بما يليه وحده، كأنه قال: قسمة هذه الأنصباء من بعد وصية (يوصي ~~بها) الميت، قرئ مجهولا ومعلوما مخففا «4» (أو دين) أي أو بعد قضاء الدين ~~وإنفاذ الوصية «5»، و«أو» فيه للإباحة لا للترتيب، لأنها وضعت لأحد ~~الأمرين، ولا ترتيب في الواحد «6» نحو ادع زيدا أو عمروا، والدين مقدم على ~~الوصية والميراث بالإجماع، وإنما قدمت «7» الوصية على الدين هنا لفظا ليدل ~~على وجوب المسارعة إلى إخراجها، لأن الوصية كالميراث في الأخذ بغير عوض ~~فيثقل إخراجها على الورثة بخلاف الدين، فانه ليس كالميراث، لأنه أخذ بعوض ~~مقدم فيسهل إخراجه عليهم، قوله (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون) فيه حث على قضاء ~~الدين وتنفيذ الوصية، أي آباؤكم وأبناؤكم الذين يموتون فترثون «8» أموالهم ~~لا تعلمون (أيهم أقرب لكم نفعا) تمييز، والجملة في محل النصب ب «تدرون»، أي ~~أنتم لا تعلمون أيهم من الأب والابن أنفع لكم أمن أوصى ببعض ماله فعرضكم ~~لثواب الآخرة بامضاء وصيته أم من لم يوص وترك الوصية ليكثر عليكم عرض ~~الدنيا، والله عالم أيهم أنفع لكم فجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر لكم بامضاء ~~وصية الموصي من عرض الدنيا الذي لم يوصه لأجل نفعكم ذهابا إلى حقيقة الأمر، ~~لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلا قريبا في الصورة إلا أنه فان لا بقاء له، ~~فيكون أبعد في الحقيقة وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باق لا زوال له ~~فيكون أقرب في الحقيقة، فلذلك شرع الوصية وأوجب إخراجها بالسرعة قبل قسمة ~~التركة، والجملة من «آباؤكم» إلى قوله «نفعا» جملة اعتراضية مؤكدة للوصية ~~و«إخراجها» لا محل له من الإعراب، قوله (فريضة من الله) نصب على المصدر ~~للتأكيد، أي فرض الله الميراث فريضة لا يجوز تغييرها (إن الله كان) في ~~الأزل (عليما) بمصالح خلقه (حكيما) [11] في كل ما فرض وقسم من المواريث ~~لأهلها، وهو الآن على ما كان عليه. ### || [سورة النساء (4): آية 12] # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين ms0274 بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ~~وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) # (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) إذا متن وبقيتم بعدهن (إن لم يكن لهن ولد) ~~منكم أو من غيركم ذكر أو أنثى أو ولد ابن «9» (فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن) أي تركت أزواجكم (من بعد وصية يوصين بها أو دين) أي من بعد قضاء ~~الدين وتنفيذ الوصية (ولهن الربع مما تركتم) أي إذا متم «10» وبقيت أزواجكم ~~بعدكم (إن PageV01P200 # لم يكن لكم ولد) ذكر أو أنثى منهن أو من غيرهن أو ولد ابن «1» (فإن كان ~~لكم ولد) أو ولد ابن «2» (فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو ~~دين) أي بعد إخراج الوصية وقضاء الدين، يعني الحكم في طائفة الزوجات أن ~~الزوج إن كانت له زوجة واحدة أو أكثر فلها الربع بغير الولد من الزوج ~~والثمن مع الولد منه، وإن كانت أكثر إلى الأربع شاركن في الربع والثمن هذا ~~كله إذا لم يمنع مانع من الموانع الأربعة كقتل واختلاف دين ورق واختلاف دار ~~(وإن كان رجل) أي ذكر ميت (يورث) أي يورث منه، صفة رجل (كلالة) أي من لا ~~ولد له ولا والد، خبر «كان»، وهي في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو الإعياء ~~في التكلم ونقصان القوة فيه، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد ~~لضعفها بالنسبة إلى القرابة من جهتهما (أو امرأة) أي إن كان «3» الميت ~~الأنثى التي تورث «4» منها كلالة (وله) أي للميت الموروث منه سواء كان رجلا ~~أو امرأة (أخ أو أخت) كلاهما من الأم بالإجماع، لأن حكم غيرهما سنبين «5» ~~في آخر السورة (فلكل واحد منهما) أي من ms0275 الأخ والأخت من الأم (السدس) من غير ~~مفاضلة الذكر على الأنثى عند وجود أحدهما (فإن كانوا) أي أولاد الأم (أكثر) ~~في الوجود (من ذلك) أي من واحد (فهم شركاء في الثلث) بالسوية، أي لا يزيد ~~نصيب ذكرهم على أنثاهم (من بعد وصية يوصى بها أو دين)، قوله (غير مضار) نصب ~~على الحال من ضمير «يوصى»، أي يوصي الميت حال كونه غير مدخل الضرار على ~~الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث أو بقطع الميراث عنهم، قوله (وصية من الله) ~~مصدر مؤكد لقوله تعالى «يوصيكم»، أي يوصيكم «6» الله بها وصية «7» لا يجوز ~~تغييرها، قال عليه السلام: «من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من ~~الجنة» «8»، وقيل: «الضرار أن يوصى بدين ليس عليه» «9»، ومعناه الإقرار، ثم ~~قال تهديدا (والله عليم) بمن جار أو عدل في أمر الميراث والوصية (حليم) ~~[12] أي ذو حلم عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة. ### || [سورة النساء (4): آية 13] # تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) # (تلك) أي الفروض المذكورة (حدود الله) قد بينها لكم لتعلموا بها وسماها ~~حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز أن يتجاوزوا عنها ~~إلى ما ليس لهم فيه حق (ومن يطع الله ورسوله) في الإقرار بها ويعمل كما ~~أمره الله بها (يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك) أي هذا ~~الثواب (الفوز العظيم) [13] أي النجاة الوافرة يوم القيامة. ### || [سورة النساء (4): آية 14] # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) # (ومن يعص الله ورسوله) بجحده ما أمره الله (ويتعد حدوده) أي يتخط فرائضه ~~ويهتك حرماته (يدخله نارا خالدا فيها) قرئ بالنون والياء في «يدخل جنات» و ~~«يدخله نارا» «10»، وجمع «خالدين» وإفراد «خالد» نظرا إلى معنى «من» ولفظه ~~(وله عذاب مهين) [14] يهان فيه. ### || [سورة النساء (4): آية 15] # واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) PageV01P201 # قوله ms0276 (واللاتي يأتين الفاحشة) أي الزنا وهي المرأة الثيب (من نسائكم) ~~مبتدأ، خبره (فاستشهدوا) أي اطلبوا للشهادة «1» (عليهن أربعة منكم) أي من ~~المسلمين الأحرار العدول (فإن شهدوا) عليهن بالزنا (فأمسكوهن) أي احبسوهن ~~(في البيوت حتى يتوفاهن الموت) أي يقبضهن «2» ملائكة الموت فيمتن في السجن ~~(أو يجعل الله لهن سبيلا) [15] أي طريقا يخرجن «3» من الحبس وهو بأن تنكح ~~فانه غنية عن السفاح أو بأن يظهر الحد بالوحي، ثم صار حدهن الرجم بقوله ~~عليه السلام: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد ~~مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» «4»، والأكثر على «5» أنه ~~لا جلد على المحصن مع الرجم، وقالوا: الجلد منسوخ، فنسخ الحبس بالرجم «6»، ~~لأنه كان في ابيداء الاسلام إذا زنت المرأة حبست حتى تموت ولم يكن الحد ~~مشروعا «7». ### || [سورة النساء (4): آية 16] # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) # ثم ذكر حد البكرين فقال (والذان) أي الرجل والمرأة اللذان لم يحصنا، ~~بتخفيف النون وتشديدها «8» (يأتيانها) أي الفاحشة (منكم) أي من المسلمين ~~الأحرار (فآذوهما) باللسان، يعني سبوهما بتفسير ابن عباس رضي الله عنه «9» ~~ليندما على ما فعلا (فإن تابا) من الفاحشة (وأصلحا) العمل «10» (فأعرضوا ~~عنهما) أي لا تؤذوهما بعد التوبة (إن الله كان توابا) أي قابلا للتوبة ~~متجاوزا عن الذنوب (رحيما) [16] لمن أطاع أمره، ثم نسخ الإيذاء بالجلد ~~لقوله تعالى «الزانية والزاني» «11» الآية «12». ### || [سورة النساء (4): آية 17] # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) # (إنما التوبة) أي المتقبلة مبتدأ، خبره (على الله) أي واجب قبولها عليه ~~(للذين يعملون السوء) أي المعصية (بجهالة) أي جاهلين، حال من الضمير في ~~الظرف، قيل: «اجتمعت الصحابة إن كل ما عصى الله به فهو جهالة عمدا كان أو ~~سهوا وكل من عصى الله تعالى فهو جاهل» «13»، وقيل: الجهالة اختيار اللذة ~~الفانية على اللذة الباقية «14» (ثم يتوبون من قريب) أي من زمان قريب، يعني ~~قبل ms0277 مرض موته أو قبل معاينة ملك الموت، و«من» للتبعيض، قال عليه السلام: ~~«إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» «15»، أي ما لم يبلغ الروح ~~الحلقوم (فأولئك يتوب الله عليهم) تأكيد «16» لقوله «إنما التوبة»، أي يقبل ~~توبتهم البتة وهو عدة من الله بأن يفي بما وجب عليه كرما ولطفا (وكان الله ~~عليما حكيما) [17] أي عالما بأهل التوبة يحكم بقبولها بشرط الاستغفار ~~بالقلب واللسان، قال عليه السلام: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح ~~أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في PageV01P202 # أجسادهم، فقال تعالى وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» «1». ### || [سورة النساء (4): آية 18] # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) # ثم أوضح معنى القريب بقوله (وليست التوبة للذين يعملون السيئات) أي ~~الذنوب دون الشرك مصرين على فعلهم (حتى إذا حضر أحدهم الموت) أي وقع في ~~سكرات الموت سوى علامات الموت، فان التوبة تقبل «2» فيها (قال إني تبت ~~الآن) من ذنوبي، يعني لا يقبل التوبة منه ثمه، لأنها حالة اليأس «3» دون ~~الاختيار، قوله (ولا الذين يموتون) عطف على «الذين يعملون السيئات»، أي ~~ليست التوبة للذين ماتوا (وهم كفار) أي مصرون على كفرهم يعم المنافقين ~~والمشركين، فسوى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الذين ماتوا ~~على الكفر تغليظا، ولأن حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكأنهم ماتوا بلا ~~توبة على اليقين (أولئك أعتدنا) أي هيأنا (لهم عذابا أليما) [18] أي وجيعا دائما. ### || [سورة النساء (4): آية 19] # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) نزل نهيا عن ~~إرث نساء آبائهم بعد موتهم، أي أول الإسلام كما كانوا يرثونهن وإن شاؤا ~~زوجوهن وأخذوا صداقهن «4»، أي لا ms0278 يباح لكم إرث نساء آبائكم كما يورث ~~المواريث والحال أنهم كارهات لذلك، ف «كرها» مصدر في موضع الحال من النساء، ~~ونزل حين كان الزوج يضار زوجته في نكاحه بأنواع البلايا «5» والظلم إذا لم ~~يكن «6» من حاجته لتفتدي منه «7» (ولا تعضلوهن) عطف على «أن ترثوا»، أي ولا ~~يحل لكم أن تمنعوهن عما يحل لهن من النكاح، من العضل وهو الحبس والتضييق، ~~ويجوز أن يكون الجزم فيه للنهي بالاستئناف، أي لا تمنعوهن من النكاح ~~(لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) من الصداق وغيره (إلا أن يأتين بفاحشة) استثناء ~~متصل من المفعول له، أي لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن «8» يفعلن الزنا ~~أو النشوز، فحينئذ يحل لكم ما أخذتم منها، قوله (مبينة) صفة «فاحشة»، قرئ ~~بفتح الياء، أي بينها «9» غيرها، وبكسر الياء «10»، أي تبين هي نفسها، قيل: ~~«كان الرجل إذا أتت المرأة بفاحشة أخذ منها ما ساق إليها ويطلقها» «11»، ~~فنسخ ذلك بالحدود «12»، والمعنى: أنها إذا نشزت أو زنت حل للرجل أن يسألها ~~«13» الخلع وتعطيه ما سألها بطيبة نفسها، قوله (وعاشروهن) أي صاحبوهن ~~(بالمعروف) أي بالقول الجميل والمبيت والنفقة، نزل حين كانوا يسيؤون عشرة ~~النساء «14»، ثم قال (فإن كرهتموهن) أي إن كرهتم «15» صحبتهن (فعسى أن ~~تكرهوا شيئا) أي فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فقوله «فعسى» PageV01P203 # إلى آخره جزاء الشرط من حيث المعنى الذي هو معللة وذلك الصبر معهن، يعني ~~فاصبروا معهن «1»، فلعل كراهيتهم لهن مع الصبر عليهن «2» أولى لكم وأصلح ~~(ويجعل الله فيه) أي في الصبر معهن (خيرا كثيرا) [19] أي ولدا صالحا وألفة ~~ومحبة وصلاحا في الدين. ### || [سورة النساء (4): آية 20] # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) # قوله «3» (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) من الزوجات، نزل فيمن كان إذا ~~رأى امرأة فأعجبته وأراد أن يتزوجها طلق امرأته التي تحته ليستبدلها بها ~~«4»، فقال تعالى إذا أردتم ذلك (وآتيتم إحداهن قنطارا) أي مالا عظيما من ~~المهر، قيل «5»: القنطار سبعون ألف دينار «6» أو ثمانون ألف ms0279 من ورق «7» ~~(فلا تأخذوا منه) أي من القنطار (شيئا) إذا لم يكن النشوز من قبلها، ثم قال ~~تشنيعا للأخذ (أتأخذونه) أي شيئا منه (بهتانا) مفعول له، أي للظلم العظيم ~~أو حال، أي باهتين فيه، والبهتان أن يقذف الشخص بقبيح فبهت لذلك، أي يتحير ~~من قبحه (وإثما مبينا) [20] أي للذنب الظاهر أو آثمين عيانا «8». ### || [سورة النساء (4): آية 21] # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) # ثم استفهم على سبيل الإنكار والتعجيب بقوله (وكيف تأخذونه) أي كيف ~~تستحلون أخذه (وقد أفضى) أي خلا (بعضكم إلى بعض) أي مع بعض في لحاف واحد، ~~والواو للحال، وهو كناية من الجماع، قيل: # «الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة إن جامعها أو لم يجامعها فقد وجب كمال ~~المهر والعدة» «9» (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) [21] أي عهدا شديدا بالإفضاء ~~أو الميثاق قول الولي زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال عهدا ~~وثيقا بقوله «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» «10»، فصار ذلك ميثاقا غليظا ~~من النساء. ### || [سورة النساء (4): آية 22] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا ~~وساء سبيلا (22) # قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) نزل نهيا عن «11» نكاح نساء ~~الآباء «12»، و«ما» بمعنى من الموصولة، و«من النساء» بيان لها، أي لا ~~تتزوجوا من تزوج آباؤكم من النساء ثم طلقها أو مات عنها (إلا ما قد سلف) ~~استثناء متصل، أي إلا بالنكاح الذي عقده آباؤكم بعينه من قبلكم فانكحوا به ~~إن أمكنكم أن تنكحوه، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، لأنه من ~~باب تعليق المحال في التأييد أو استثناء منقطع و«إلا» بمعنى لكن وتكون «13» ~~الجملة مستأنفة، أي لا تفعلوا ذلك لكن ما مضى من فعلكم كذلك معفو عنه، ~~واتقوا على أن زوجة الأب تحرم على الابن بمجرد العقد لظاهر «14» الآية، ~~واختلفوا في المرأة التي وطأها الأب على وجه الزنا، منهم من حرمه «15» ~~ومنهم من جوزه (إنه) أي نكاح من نكح آباؤكم (كان فاحشة) أي معصية شديدة ~~(ومقتا) أي ms0280 بغضا من الله (وساء سبيلا) [22] أي بئس الطريق في الدين. ### || [سورة النساء (4): آية 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) PageV01P204 ### || [سورة النساء (4): آية 23] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) # ثم بين ما لا يحل للرجال من النساء بقوله (حرمت عليكم أمهاتكم) أي حرم ~~نكاحهن، والمراد الأمهات والجدات من قبل الأب والأم أو من قبل أحدهما وإن ~~علون، والأمهات جمع الأم، وأصلها أمهة، ولذلك يثبت الهاء في الجمع ~~(وبناتكم) أي حرم نكاح بناتكم، جمع بنت، والتاء عوض من المحذوف الللام، ~~ليست بتاء التأنيث لسكون ما قبلها، وتكسر تاء «بنات» «1» حالة «2» النصب ~~تشبيها بمسلمات، والمراد البنات الصلبية وبنات الأولاد وإن سفلن (وأخواتكم) ~~أي حرم نكاحها، جمع أخت وتاؤها كتاء بنت «3» وردت اللام في الجمع حملا لها ~~على جمع المذكر وهو الإخوة، فيحرم على الرجل إخوته من قبل الأب والأم ومن ~~قبل أحدهما، ويدخل فيهن بنات الإخوة والأخوات (وعماتكم) أي حرم نكاحها، جمع ~~عمة وهي أخت الأب، ويدخل فيهن أخوات الآباء والأجداد (وخالاتكم) أي وحرم ~~نكاحهن، جمع خالة، وهي أخت الأم، ويدخل فيهن أخوات الأمهات والجدات (وبنات ~~الأخ وبنات الأخت) أي وحرم بناتهما من كل جهة هؤلاء كلها، هي المحرمات من ~~جهة النسب، ثم المحرمات من جهة السبب فقال (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة) أي حرم نكاح الأمهات والأخوات كلتاهما من الرضاعة كما ~~حرمتا من النسب لقوله ms0281 عليه السلام: # «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» «4»، والرضاعة لا يحرم إلا قبل ~~استكمال الحولين لقوله تعالى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة «5»، ~~وعند أبي حنيفة رحمه الله مدة الرضاع ثلثون شهرا، يعني حولين ونصف حول، ~~وعنده كثير «6» الرضاع وقليله «7» محرم، وعند الشافعي رحمه الله عدد الرضاع ~~المحرم خمس رضعات متفرقات، يعني يكتفي الصغير بكل واحدة منها (وأمهات ~~نسائكم) أي حرم نكاحها بمجرد عقد نكاح بناتها، يعني يحرم على الرجل نكاح أم ~~زوجته سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل بها (وربائبكم اللاتي في حجوركم) أي حرم ~~نكاح الربائب، جمع ربيبة وهي بنت المرأة، لأن زوج الأم يربيها «8» غالبا، ~~وهي التي يربيها في حجره، والمراد من الحجور البيوت، لأنها منزلة الولد في ~~التربية غالبا في بيته، فالوصف يفيد التعليل للتحريم، يعني لكونهن في ~~تربيتكم بمنزلة أولادكم، فالعقد على بنات نسائكم كالعقد على بناتكم في ~~التحريم، وقيل: # ذكر الحجر مبني على العرف «9»، قوله (من نسائكم) في محل النصب على الحال ~~من «ربائبكم»، أي كائنة من أزواجكم (اللاتي دخلتم بهن) أي جامعتموهن، ~~والباء للتعدية (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) في نكاح بناتهن ~~إذا فارقتموهن أو متن (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) أي حرم عليكم ~~أزواج أبنائكم الذين وجدوا من ظهوركم، جمع حليلة والمذكر حليل، لأن كل واحد ~~حلال لصاحبه، وفائدة قوله «من أصلابكم» جواز نكاح امرأة المتبنى إذا فارقها ~~للمتبني، لأنه عليه السلام قد تزوج امرأة زيد، وكان قد تبناه الرسول «10»، ~~فعيره المشركون بذلك فنزل ما كان محمد أبا أحد من رجالكم «11» الآية «12»، ~~قوله (وأن تجمعوا) في محل الرفع عطف على «أمهاتكم»، أي حرم عليكم الجمع ~~(بين الأختين) بالنكاح في حالة واحدة (إلا ما قد سلف) متصل أو منقطع بمعنى ~~لكن ما مضى من فعلكم في الجاهلية مغفور بدليل قوله (إن الله كان غفورا) لمن ~~فعل ذلك في الجاهلية (رحيما) [23] لمن تاب من ذنوبه وأطاع لأمر ربه في ~~الإسلام. PageV01P205 ### || [سورة النساء (4): آية 24] # والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ms0282 أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن ~~الله كان عليما حكيما (24) # قوله (والمحصنات) عطف على «أمهاتكم»، نزل في مسلمات هاجرن من مكة ولهن ~~أزواج فيها فتزوجهن بعض المسلمين نهيا عن ذلك «1»، أي وحرم الحرائر ~~المزوجات التي قد أحصنهن أزواجهن (من النساء) لأن البينونة لم يقع لهن بتا ~~بين الدارين، وهذا حجة للشافعي، لأن سبب البينونة عنده السبي فقط، وعند أبي ~~حنيفة رحمه الله لو هاجرن «2» مسلمات أو ذميات وقعت البينونة لهن بلا عدة ~~لتباين الدارين (إلا ما ملكت أيمانكم) من سبايا فانها حلال لكم فالإستثناء ~~متصل، أي حرم عليكم ذوات الأزواج الذين هم في دار الحرب إلا المسبيات منهن ~~فهي حلت لكم بمجرد السبي عند الشافعي وعند غيره بالإحراز عن دار الحرب إلى ~~الإسلام بدون الزوج، روي: أن المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج من ~~المشركين في دار الحرب فتأثم المسلمون منهن، وقالوا لهن أزواج فأنزل الله ~~الآية فيهن «3»، فحل للرجل مسبية إذا استبرأ رحمها بحيضة، وقيل: «معنى ~~الآية حرم المحصنات من النساء وهي كل امرأة ليست تحتكم إلا ما تزوجتم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع» «4»، ثم قال (كتاب الله عليكم) وهو مصدر مؤكد، أي ~~كتب الله ما حرم عليكم كتابا فلا تغيروه، ثم قال (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ~~معلوما ومجهولا «5» على المضمر العامل في «كتاب الله»، أي كتب ذلك وأحل لكم ~~من سوى المحرمات المذكورة، ومجهولا معطوفا «6» على «حرمت»، فالله تعالى بين ~~المحرمات من قوله «ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم» إلى قوله «والمحصنات»، وهن ~~أربعة عشرة سبع بالنسب وسبع بالسبب، ثم بين المحللات بقوله «وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم»، فظاهر الآية يدل «7» على جواز ما سوى المحرمات بالنكاح، لكن ~~رسول الله عليه وسلم قال: # «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «8»، أي يحرم النكاح بين الرجل ~~والمرأة بالرضاع كما يحرم بينهما بالنسب، ms0283 وهو نص مطلق يتناول الأم والأخت ~~والبنت وغيرها من الرضاع، وقال لا تنكح «9» المرأة على عمتها ولا على ~~خالتها ولا ينكح «10» الأمة على الحرة فوجب اتباعه لقوله تعالى «وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» «11»، قوله (أن تبتغوا) في محل النصب ~~مفعول له، ومفعوله «12» محذوف، أي أحل لكم ما وراء ذلكم لأن تطلبوا النساء ~~(بأموالكم) حال كونكم (محصنين) أي متزوجين، وأصل الإحصان الحفظ، والمراد ~~هنا العفة عن الوقوع في الحرام بدليل قوله (غير مسافحين) أي غير زانين، من ~~قولك سفحت الماء إذا صببته وهو المني، والمعنى «13»: لا تضيعوا أموالكم في ~~الزنا لئلا يذهب دينكم ودنياكم ولكن تزوجوا بالنساء فهو خير لكم (فما ~~استمتعتم به منهن) أي فالذي انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح من الجماع ~~أو خلوة صحيحة أو غير ذلك (فآتوهن) أي أعطوهن (أجورهن) أي ما شرطتم لهن من ~~المال عليه، أي على الاستمتاع، فحذف عليه للعلم به (فريضة) نصب على الحال ~~من الأجور، أي حال كونها مفروضة لهن عليكم، والمراد مهورهن، لأن المهر جزاء ~~البضع، فلا بد من إيتائه بالاستمتاع بهن، وقيل: نزل هذا في ترخيص نكاح ~~المتعة في بعض المغازي «14»، PageV01P206 # ثم نسخ بقوله عليه السلام: «يا أيها الناس كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~النساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة» «1» (ولا جناح) أي لا إثم (عليكم ~~فيما تراضيتم به) أي في أن يتراضيا «2» بعد النكاح على زيادة المهر من جانب ~~الزوج أو على الحط «3» من المهر من جانب «4» الزوجة أو أن تهب لزوجها جميع ~~مهرها (من بعد الفريضة) أي بعد المفروضة للزوجة، وقيل: المراد به «5» ~~المتعة قبل النسخ «6»، يعني لا جناح على الزوجين أن يتراضيا على زيادة ~~الأجل والمال (إن الله كان عليما) فيما رخص لكم من جانب الأجانب (حكيما) ~~[24] فيما حرم عليكم «7» من المحرمات. ### || [سورة النساء (4): آية 25] # ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم ~~من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن ~~وآتوهن ms0284 أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم ~~وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم (25) # و«من» شرط في (ومن لم يستطع منكم طولا) أي غنا وفضلا، وقوله «8» (أن ~~ينكح) بدل من «طولا»، أي «9» من لم يجد منكم سعة من «10» المال لأن ينكح ~~«11» (المحصنات المؤمنات) بفتح الصاد، أي التي أحصنهن غيرهن من زوج أو ولي ~~وبالكسر «12» هنا وفي جميع القرآن إلا في قوله «13» «والمحصنات من النساء» ~~«14» قبل، أي أحصن أنفسهن بالحرية، وجزاؤه (فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات) أي فليتزوج أمة مؤمنة إذا لم تكن «15» تحته امرأة حرة ولا له ~~قدرة من المال أن يتزوج حرة، وإنما كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة لما ~~فيه من اتباع الولد الأم في الرق ولأنها ممتهنة «16» بالخدمة دخولا وخروجا ~~وثبوت حق المولى عليها والعزة من صفات المؤمنين، وذلك كله مهانة لهم (والله ~~أعلم بإيمانكم) في تطييب لقلوبهم بنكاح الإماء، لا تستنكفوا عن نكاح ~~الإماء، فان الله أعلم بايمانكم فربما كانت الأمة أفضل بايمانها من الزوج ~~الحر فلا تفاخر «17» بالحرية والحسب (بعضكم من بعض) في الإيمان، أي بينكم ~~تواصل وتناسب في الدين وإنكم جميعا من آدم، فلا يفضل حر عبدا إلا برجحان في ~~الدين، فلا اعتبار بالمال والحسب، المعنى: أنهم مثلكم (فانكحوهن بإذن ~~أهلهن) أي مواليهن (وآتوهن) أي أعطوهن (أجورهن بالمعروف) أي مهورهن من غير ~~مطل، فان تسليمها إليهن تسليم إلى مواليهن «18»، لأنهم وما في أيديهم مال ~~الموالي أو التقدير: فآتوا مواليهن، فحذف المضاف (محصنات) أي حال كونهن ~~عفائف (غير مسافحات) أي غير زانيات جهرا (ولا متخذات أخدان) أي أخلاء في ~~السر للزنا، والخدن الصديق سرا، فنهى الله تعالى عن نكاح الفريقين جميعا ~~(فإذا أحصن) مجهولا، أي زوجن، ومعلوما «19»، أي أسلمن أو حفظن فروجهن ~~لأزواجهن (فإن أتين بفاحشة) أي بزنا (فعليهن) أي فالواجب عليهن (نصف ما PageV01P207 # على المحصنات) أي الحرائر الأبكار (من العذاب) أي الحد لقوله ويدرؤا ms0285 عنها ~~العذاب «1»، ولا رجم عليهن، لأنه لا يتنصف، فحد الأمة إذا زنت خمسون جلدة، ~~وفي التغريب قولان عند القائل به فان غربت «2» فنصف سنة، ولما ذكر في الآية ~~حد الأمة دون حد العبد جعلوا العبد مقيسا على الأمة، والجامع بينهما الرق، ~~واختلفوا في الرقيق الذي لم يتزوج إذا زنى، أكثرهم أوجب الحد عليه ولم يجعل ~~التزويج شرطا لوجوب الحد، لأن الله تعالى لم يذكره في الآية لذلك «3»، بل ~~للتنبيه على أن الرقيق وإن كان محصنا انتفى عنه الرجم إذا زنا، وأقلهم لم ~~يوجب الحد على الرقيق الغير المتزوج، لأنه جعل التزويج شرطا للحد بالآية ~~(ذلك) أي نكاح الأمة (لمن خشي العنت) أي الزنا (منكم) والعنت في اللغة ~~الضيق والشدة، فعند الشافعي رحمه الله لا يجوز نكاح الأمة للحر إلا أن يكون ~~عاجزا عن طول الحرة وأن يخاف الوقوع في الزنا ولا نكاح الأمة الكتابية ~~احتجاجا بظاهر الآية حيث قيد المؤمنات فيها «4»، وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~الغنا والفقر سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية على تقدير أن النكاح ~~معنى الوطئ بأن من لم يملك فراش الحرة فله أن يتزوج أمة، ويحمل «من فتياتكم ~~المؤمنات» على الفضيلة لا على كون الإيمان في الأمة شرطا، فيجوز عنده نكاح ~~الأمة اليهودية والنصرانية، ولكن الأفضل أن لا تنكح (وأن تصبروا) في محل ~~الرفع مبتدأ، أي صبركم عن نكاح الإماء، والخبر (خير لكم) من تزوجهن لئلا ~~يخلق الولد رقيقا، روي عن النبي عليه السلام: «الحرائر صلاح البيت، والإماء ~~هلاك البيت» «5»، وقيل: # «معنى الآية صبركم على نكاح الأمة خير لكم من أن تقعوا في الفجور» «6» ~~(والله غفور) لما فعلتم قبل تحليله (رحيم) [25] حيث رخص في نكاح الأمة. ### || [سورة النساء (4): آية 26] # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم (26) # قوله (يريد الله ليبين لكم) إيماء إلى وجه التحليل والتحريم، أي يريد ~~الله بما شرع من التحليل والتحريم ليفهم لكم شرائع الإسلام (ويهديكم) أي ~~ويعلمكم (سنن الذين من قبلكم) أي شرائعهم ms0286 من الأنبياء والصالحين في التحليل ~~والتحريم لتقتدوا بهم (ويتوب عليكم) أي يتجاوز عنكم بالتوبة وقبولها إن ~~تبتم (والله عليم) بمن تاب (حكيم) [26] بقبول التوبة. ### || [سورة النساء (4): آية 27] # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما (27) # ثم قال (والله يريد أن يتوب عليكم) بالتكرير إظهارا لرحمته وكمال شفقته ~~على عباده المؤمنين، أي الله يريد أن يتجاوز عن ذنوبكم وخطاياكم بتوفيق ~~التوبة لكم، لأنه لو لا إرادته لكم التوبة لكنتم بمعزل عن التوبة، فلذلك ~~«7» شرع لكم ما شرع من الحلال والحرام (ويريد الذين يتبعون الشهوات) وهم ~~أهل الباطل والزنا من اليهود والنصارى والمجوس (أن تميلوا ميلا عظيما) [27] ~~أي تعدلوا عن الحق إلى الباطل فتكونوا «8» مثلهم في كفرهم وزناهم، قيل: نزل ~~حين قال المجوس إنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام، ~~فانكحوا بنات الأخ وبنات الأخت وكانوا يستحلون نكاحهم بالباطل «9». ### || [سورة النساء (4): آية 28] # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) # (يريد الله أن يخفف عنكم) أي يهون عليكم أمركم ويرفع عنكم «10» أثقال ~~العبودية باحلال نكاح الأمة PageV01P208 # وغيره من الرخص واتباع الشريعة السمحة السهلة لعلمه بجهلكم وضعفكم «1» ~~(وخلق الإنسان ضعيفا) [28] هو نصب على الحال، أي وخلق ضعيف العقل والرأي لا ~~يصبر عن «2» النكاح واتباع الشهوات ولا على مشاق الطاعات إلا من أيده «3» ~~الله بنور اليقين، فانه يبصر به لا بنفسه. ### || [سورة النساء (4): آية 29] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) # ثم قال تأكيدا لاتباع الشريعة ونهيا عن اتباع الهوى (يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي بما لم تبحه «4» الشريعة كالظلم ~~واليمين الكاذبة والسرقة والخيانة والقمار والربوا وغير ذلك (إلا أن تكون ~~تجارة) بالرفع ف «كان» تامة، أي إلا أن تقع تجارة بينكم كالمضاربة أو ~~الشركة أو البيع والشراء بالسفر والحضر، وبالنصب «5» ف «كان» ناقصة والاسم ~~ضمير الأموال، أي إلا أن تكون «6» الأموال أموال تجارة بتقدير ms0287 المضاف (عن ~~تراض منكم) صفة «تجارة»، أي تجارة صادرة عن تراض المتبايعين، والتراضي ~~الافتراق عن مجلس البيع بتمامه متراضيين عند الشافعي ورضا «7» العاقدين بما ~~تعاقدا عليه وقت الإيجاب والقبول عند أبي حنيفة رحمه الله، وخص التجارة ~~بالذكر لكونها أغلب أسباب المكاسب (ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا يقتل بعضكم ~~بعضا من جنسكم من المؤمنين أو لا تهلكوها «8» بأكل الأموال بالباطل واتباع ~~هوي النفس والحرص على الدنيا أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض من ~~الجهلة «9» (إن الله كان بكم رحيما) [29] لنهيه عما يضركم من القتل الحرام ~~«10» وأخذ المال بغير حق. ### || [سورة النساء (4): آية 30] # ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) # (ومن يفعل ذلك) أي ما حرم عليكم قبل (عدوانا) أي تجاوزا للحد وهو مصدر في ~~موضع الحال، أي مستحلا ما ليس بحلال في الشرع (وظلما) أي وجورا، يعني لا ~~خطأ ولا اقتصاصا (فسوف نصليه) أي ندخله «11» في الآخرة (نارا) أي في نار ~~جهنم ليحترق «12» كرة بعد كرة (وكان ذلك) أي عذابه (على الله يسيرا) [30] ~~أي هينا «13» لا يعجز عنه. ### || [سورة النساء (4): آية 31] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) # (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) أي إن تمتنعوا عن عمل الكبائر التي ~~نهيتم عنها، وهي سبع «14»، الشرك بالله وقتل المؤمن عمدا والزنا وأكل مال ~~اليتيم والفرار من الزحف وأكل الربوا وقذف المحصنة وعقوق الوالدين، وزاد ~~بعضهم شهادة الزور والسحر، وقيل: «الكبيرة ما نزل فيه الحد» «15»، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: # «هي إلى سبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع ~~الإصرار» «16»، ف «إن» شرط، وجوابه (نكفر) أي نمح (عنكم سيئاتكم) أي ما دون ~~الكبائر (وندخلكم) بنون التكلم في «نكفر»، و«ندخل» (مدخلا PageV01P209 # كريما) [31] أي في الجنة، بفتح الميم اسم مكان أو مصدر، وبضمها «1» كذلك، ~~قال عليه السلام: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ~~مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» «2». ### || [سورة النساء (4): آية 32] # ولا تتمنوا ms0288 ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما (32) # قوله «3» (ولا تتمنوا) نزل نهيا عن الحسد «4»، أي لا يتمن «5» أحد منكم ~~(ما فضل الله) أي رجح (به بعضكم على بعض) بالأنعام عليه من المال وغيره من ~~زهرة الدنيا، يعني لا يتمن «6» رجل مال أخيه ولا امرأته أو دابته أو جاهه، ~~فان تفضيل الله صادر عن حكمة ومصلحة، فمن تمنى «7» ما قدر له فقد أساء الظن ~~بالله، ثم قال في ترك الحسد وطلب الفضل من الله (للرجال نصيب مما اكتسبوا) ~~أي حظهن مما عملوا في الدنيا من الخير والشر (وللنساء نصيب مما اكتسبن) أي ~~ولهن حظ مما عملن أيضا فلا يجازى أحد إلا بعمله، ولا يعاقب إلا به، وقيل: ~~نزلت الآية في أم سلمة رضي الله عنها حيث قالت ليت الجهاد كتب على النساء ~~«8»، وقيل: إن الرجال قالوا إن الله فضلنا على النساء في الدنيا، فجعل لنا ~~سهمين ولهن سهما، ونرجوا أن يكون لنا أجران في الأعمال فنزلت «9»، ثم قال ~~(وسئلوا الله) أي شيئا بتحقيق الهمزة (من فضله) أي من رزقه، يعني لا ~~تحاسدوا، بل اطلبوا أن يتفضل «10» الله عليكم بشيء من خيري «11» الدنيا ~~والآخرة، وقرئ وسلوا بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على السين تخفيفا «12» (إن ~~الله كان بكل شيء عليما) [32] فيما يصلح لكل واحد من الرجال والنساء. ### || [سورة النساء (4): آية 33] # ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) # (ولكل) بتنوين العوض من المحذوف، أي ولكل مال بعد موت صاحبه (جعلنا ~~موالي) جمع مولى، أي وراثا ليرثوا (مما ترك الوالدان والأقربون) و«من» ~~لبيان كل مال، والموالي هم أصحاب الفروض والعصبات وغيرهما من الوراث، ويجوز ~~أن يكون المعنى ولكل أحد جعلنا موالي، أي وراثا مما ترك، ف «من» يتعلق ب ~~«موالي»، وضمير «ترك» يرجع إلى «كل»، ثم فسر «الموالي» بقوله «الوالدان ~~والأقربون» على تقدير من هم ms0289 قبله، قوله (والذين عقدت أيمانكم) وقرئ «عقدت» ~~بالتخفيف «13»، نزل تأكيدا لعقد الموالاة الثابت في الجاهلية، فانهم كانوا ~~يتحالفون فيها فيكون للحليف السدس «14»، أي الذين عاهدت أيديكم، نسب العقد ~~إلى اليمين، لأن الرجل كان يمسح يد معاهده عند المعاهدة، والموصول مبتدأ، ~~خيره (فآتوهم نصيبهم) أي حضهم من الميراث، ثم نسخ الميراث بقوله «وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض» «15»، وبقيت النصرة والهبة والنصيحة PageV01P210 # (إن الله كان على كل شيء شهيدا) [33] أي شاهدا على إعطائكم إياهم نصيبهم ~~وعلى عدم الإعطاء، فيه ترغيب على الإعطاء وتهديد عن المنع. ### || [سورة النساء (4): آية 34] # الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن ~~الله كان عليا كبيرا (34) # قوله (الرجال قوامون على النساء) نزل حين لطم سعد بن الربيع امرأته فجاءت ~~إلى رسول الله فأمرها بالقصاص فرفع الله القصاص من ساعته «1»، وقال النبي ~~عليه السلام: «ما أراد الله خير مما أردنا» «2»، أي الرجال مسلطون بالقيام ~~على تأديب النساء «3» (بما فضل الله) أي بتفضيل الله (بعضهم) أي الرجال ~~(على بعض) أي على النساء بالعقل والعلم والدين والتدبير والقوة والشدة في ~~النفس والطبع (وبما أنفقوا من أموالهم) أي وبانفاقهم عليهن من مالهم من ~~المهر والنفقة فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك (فالصالحات) أي المحصنات ~~بالدين (قانتات) أي مطيعات لأزواجهن بما عليهن لهم من الحقوق (حافظات ~~للغيب) أي لغيب أزواجهن من الفروج وأموالهم (بما حفظ الله) أي بحفظهن الله ~~حيث أوصى عليهن «4» في كتابه الأزواج بقوله «وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج» «5» الآية وغيرها، وقيل: بوعد الله لهن الثواب العظيم على حفظ الغيب ~~وإيعادهن بالعذاب الشديد على خيانتهن لأزواجهن «6»، ف «ما» مصدرية (واللاتي ~~تخافون) أي تعلمون (نشوزهن) أي عصيانهن لأزواجهن (فعظوهن) أي أنصحوهن ~~وخوفوهن الله (واهجروهن) أي باعدوهن إن «7» لم يرجعن عن النشوز (في ~~المضاجع) أي المراقد بمعنى لا تدخلوهن تحت اللحاف أو هو كناية ms0290 عن عدم ~~الجماع بهن أو المراد الاعتزال عن فراشها إلى فراش آخر (واضربوهن) إن لم ~~ينفع الوعظ فيهن مع الهجران ضربا غير شديد ويجتنب الضارب الوجه وكسر العظم ~~(فإن أطعنكم فلا تبغوا) أي لا تطلبوا (عليهن سبيلا) أي طريقا وعلة إلى ~~ضربهن ظلما، وتوبوا عليهن ولا تنظروا إلى ما وقع منهن من الإباء والنشوز، ~~فانه أعطف لهن «8» (إن الله كان عليا) أي أعلى عليكم قدرة منكم عليهن ~~(كبيرا) [34] أي أعظم حكما عليكم منكم عليهن، فاحذروه واعفوا عنهن إذا ~~رجعن، لأنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون «9» فيتوب ~~عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجعتم، روي عن النبي عليه ~~السلام: أنه رأى أبا مسعود وقد رفع سوطا على غلام له ليضربه فصاح به أبا ~~مسعود لله أقدر عليك منك عليه فرمى السوط وأعتق الغلام «10». ### || [سورة النساء (4): آية 35] # وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # قوله (وإن خفتم شقاق بينهما) أمر للحكام والإضافة كاضافة مكر الليل ~~اتساعا، أصله شقاقا بينهما، أي إن علمتم خلافا بين الزوجين ولا تدرون من ~~قبل أيهما يقع النشوز (فابعثوا حكما من أهله) أي أهل الزوج (وحكما من ~~أهلها) أي أهل الزوجة، والحكم رجل عدل له عقل وتمييز يصلح للإنصاف، وخص ~~الحكم بالأهل، لأن الأقارب أعرف ببواطن «11» أحوالهم وأطلب للصلاح بينهم ~~وأنصح لهم وأسكن لنفوسهم، لأن PageV01P211 # نفوس الزوجين تسكن «1» إليهما وتبرز إليهم ما في ضمائرهما عن حب أحدهما ~~الآخر وبغضه (إن يريدا) أي الزوج والزوجة (إصلاحا) لحالهما، وقيل: إن يرد ~~الحكمان إصلاحا لحال الزوجين «2» (يوفق الله بينهما) أي بين الزوجين ~~بالصلاح ويبدل الوفاق بالشقاق، والحب بالبغض أو بين الحكمين فيظهر لهما ~~مصلحة الزوجين فان رأيا الجمع بالتفتيش عن حال الزوجين جمعا بينهما، وإن ~~رأيا التفريق فرقا (إن الله كان عليما) بالتأليف بين المختلفين (خبيرا) ~~[35] بنصيحة الحكمين، قيل: في هذه الآية دلالة على إثبات التحكيم خلافا ~~للخوارج «3»، قيل: يجوز بعث ms0291 الحكمين بغير رضا الزوجين وأن يطلق حكم الزوج ~~بغير إذنه وأن يختلع حكم الزوجة بغير إذنها مرويا عن مالك «4»، وقيل لا ~~يجوز البعث بغير رضاهما ولا الطلاق بغير إذن الزوج ولا الاختلاع بغير إذن ~~الزوجة مرويا عن أبي حنيفة وأصحابه «5». ### || [سورة النساء (4): الآيات 36 الى 37] # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا (37) # ثم خاطب الناس جميعا من المؤمنين والمنافقين والكفار بقوله (واعبدوا ~~الله) أي أطيعوه فيما أمركم به واثبتوا في عبادته بالإخلاص (ولا تشركوا به ~~شيئا) أي وحدوه ظاهرا وباطنا (وبالوالدين إحسانا) أي وأحسنوا بهما برا ~~بالأنفس والأموال من غير منة عليهما، وفيه بيان حرمة الوالدين حيث قرن «6» ~~الإحسان بهما بعبادة نفسه، قال عليه السلام: «ما من ولد نظر إلى والديه نظر ~~رحمة إلا كانت بها حجة وعمرة» «7» (وبذي القربى) أي وأحسنوا بالذي بينكم ~~وبينه قرابة سوى الولادة «8» كالأخ والعم وغيرهما (واليتامى) أي وأحسنوا ~~بالأيتام بالقيام على أموالهم، وهو خطاب للأوصياء (والمساكين) أي وأحسنوا ~~إليهم بالصدقة وإطعام الطعام (والجار ذي القربى) أي وأحسنوا إلى الجار الذي ~~بينكم وبينه قرابة، وهو من باب «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى» «9» أو ~~الجار الذي قرب جواره في المنزل (والجار الجنب) أي وأحسنوا إلى الجار ~~البعيد من المنزل (والصاحب بالجنب) أي وأحسنوا بالرفيق في السفر أو بمن ~~يصحبكم طالبا للنفع منكم، وقيل: «هي المرأة التي تصاحب جنبها جنب زوجها» ~~«10» (وابن السبيل) أي بالمسارف المنقطع عن السفر لفقره «11» أو الضيف، ~~فحقه ثلثة أيام وما زاد على ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يقيم عنده حتى ~~يخرجه (وما ملكت أيمانكم) من المماليك والخدم، يعني أحسنوا إلى جميع هؤلاء ~~تثابوا وتغفروا (إن الله لا يحب من كان مختالا) أي تياها يتكبر في مشيته من ~~إكرام أقاربه ومماليكه ms0292 ولا يلتفت إليهم (فخورا) [36] بنعم «12» الله لا ~~يشكره ويتكبر على الناس. # قوله (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) بفتح الباء والخاء وبضم الباء ~~وسكون الخاء «13»، مبتدأ، خبره محذوف، أي يعذبون بالعذاب المهين أو هم ~~الذين أو بدل من «من كان»، جمع نظرا إلى المعنى، نزل فيمن كان عادتهم الأخذ ~~والمنع والأمر للغير بعملهم «14»، لأن من يعصي ربه يأمر بفعله غيره كي لا ~~يظهر عيبه كحيي بن PageV01P212 # أخطب وأصحابه، قوله (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) نزل فيمن يكتم نعمة ~~الله وما آتاهم من فضل الغنا ويتفاقروا «1» إلى الناس كيلا يخرجوا حق الله ~~الذي أمرهم به «2»، وقيل: فيمن كتم العلم أو صفة النبي عليه السلام كرؤساء ~~اليهود «3» (وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) [37] أي شديدا يهانون به. ### || [سورة النساء (4): آية 38] # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن ~~يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) # قوله (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس) عطف على «الذين يبخلون»، نزل في ~~المنافقين «4» أو المنفقين على عداوة الرسول عليه السلام يوم بدر من ~~المشركين واليهود «5»، أي الذين يتصدقون جهرا مرائين الناس، مصدر «6» في ~~موضع الحال أو مفعول له (ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) في السر ~~فقرينهم الشيطان الذي حملهم على ذلك العمل يقرن بهم في النار (ومن يكن ~~الشيطان له قرينا) في النار بالسلسلة (فساء قرينا) [38] أي بئس صاحب ~~الشيطان «7». ### || [سورة النساء (4): آية 39] # وما ذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان ~~الله بهم عليما (39) # ثم استفهم للتوبيخ والتجهيل بقوله (وما ذا عليهم) أي أي وبال يكون عليهم ~~في الإيمان والإنفاق (لو آمنوا بالله واليوم الآخر) مكان الشرك والنفاق ~~(وأنفقوا مما رزقهم الله) من الأموال مكان البخل في غير رياء، يعني لا ~~يضرهم ذلك بل ينفعهم في الدنيا والآخرة، ثم يهددهم بقوله (وكان الله بهم ~~عليما) [39] بأنهم لم يؤمنوا فلا يثيبهم الله بما ينفقونه من الأموال رياء الناس. ### || [سورة النساء (4): آية 40] # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ms0293 ويؤت من لدنه أجرا عظيما (40) # (إن الله لا يظلم) أحدا (مثقال ذرة) أي وزن نملة صغيرة أو قدر ما يظهر من ~~أجزاء الهباء في شعاع الشمس في الكوة، وهو أنفى للظلم، إذ لا وزن له، يعني ~~لا ينقص من ثواب أعمالهم شيئا لو عملوها بالإخلاص لاستحالته عليه في الحكمة ~~لا لاستحالته في القدرة (وإن تك حسنة) بحذف النون تخفيفا لكثرة الاستعمال ~~وبرفع «حسنة» على أن «كان» تامة، وبنصبها «8» على أنها ناقصة، وأنث «مثقال» ~~بالإضافة إلى ذرة، أي إن تكن مثقال ذرة حسنة (يضاعفها) أي يزدها الله ~~أضعافا كثيرة (ويؤت) أي يعط (من لدنه) أي من عنده من غير استحقاق (أجرا ~~عظيما) [40] أي عطاء كثيرا، لا يقدر قدره غير الله لكثرته، وسماه أجرا، ~~لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته، وقيل: هو الجنة «9»، قال عليه السلام: ~~«إن الله يعطي لعبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة» «10». ### || [سورة النساء (4): الآيات 41 الى 42] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) PageV01P213 # قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) نزل توبيخا للكفار على ترك الإيمان ~~والعمل بالسيئات «1»، أي كيف يصنع الكفار وقت مجيئنا من كل أمة من أمم ~~الأنبياء بشهيد يشهد عليهم بعملهم، وهو نبيهم (وجئنا بك) يا محمد (على ~~هؤلاء) أي على أمتك الذين كذبوك «2» (شهيدا) [41] تشهد بعلمهم القبيح، ~~وقيل: معنى الآية أن الرسل يشهدون يوم القيامة على أممهم بتبليغ الرسالة ~~إليهم من ربهم حين سألهم الله، هل بلغكم الرسل؟ فيقول الأمم: ما بلغونا ~~رسالة ربنا، فيقول الرسل: قد بلغنا ولنا شهود، فيقول الله: ومن شهودكم؟ ~~فقالوا: أمة محمد، فأتى بأمة محمد فيشهدون أنهم قد بلغوا الرسالة إليهم، ~~فيقول الأمم: إن فيهم سراقا وفساقا لا تقبل شهادتهم، فيجاء النبي عليه ~~السلام على هؤلاء، يعني على أمته شهيدا يشهد بالتصديق لهم فيزكيهم «3» ~~فيقول الكافرون: # والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما ms0294 ~~كانوا يكسبون «4»، فقال تعالى مخبرا عن حالهم (يومئذ) أي يوم يقوم الناس من ~~قبورهم ويرون شدة الأمر عليهم (يود) أي يتمنى (الذين كفروا) بالله (وعصوا ~~الرسول) أي لم يقروا برسالته (لو تسوى) أي أن يدفنوا فتسوى (بهم الأرض) كما ~~تسوى بالموتى أو أنهم يؤدون أن يكونوا كالأرض سواء أو أن يصيروا ترابا إذا ~~رأوا البهائم قد صارت ترابا بقوله كوني ترابا، المعنى: أنهم «5» يتمنون يوم ~~القيامة أن يكونوا معدومين لهوله «6» (ولا يكتمون الله حديثا) [42] أي ~~والحال أنهم لا يسترون من الله حديثا بالكذب في قولهم والله ربنا ما كنا ~~مشركين أو نعت محمد عليه السلام لأنهم كتموه في الدنيا وندموا في الآخرة ~~ولا ينفعهم الندم فيها. ### || [سورة النساء (4): آية 43] # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) بضم السين جمع ~~سكران، والواو للحال، نزل حين منع عبد الرحمن بن عوف طعاما وجمع عليه جماعة ~~من الصحابة، فأكلوا وشربوا الخمر قبل التحريم، فأخذه «7» منهم العقل فقدموا ~~واحدا منهم إماما، قيل هو علي رضي الله عنه فصلى بهم المغرب فقرأ قل يا ~~أيها الكافرون أعبد ما تعبدون «8» بحذف «لا» إلى آخره السورة «9»، فنهى ~~الله تعالى عن الصلوة بحال السكر، وقيل: # معناه لا تقربوا مواضع الصلوة، وهي «10» المساجد بتلك الحالة «11»، ~~والسكر اسم حالة تعرض بين الشخص وعقله (حتى تعلموا ما تقولون) أي حتى ~~تصيروا بحال تعلمون ما تقولون فتعرفون الحرمة، قوله (ولا جنبا) عطف على ~~قوله «وأنتم سكارى»، أي ولا تقربوا الصلوة في حال الجنابة قبل الاغتسال ~~(إلا عابري سبيل) أي إلا متجاوزين في المسجد بحال السفر فتعتذرون بها ~~فتصلون فيها بالتيمم، ومن فسر الصلوة بالمسجد قال: # معناه إلا متجاوزين فيه إذا ms0295 كان الطريق فيه إلى الماء، وجوز بعضهم أن ~~يكون «إلا» بمعنى الغير ويكون صفة ل «جنبا»، أي غير عابري سبيل، لأن رجالا ~~من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد ولا يجدون ممرا إلا في المسجد فرخص لهم، ~~فالمعنى: أنكم لا تقربوها غير مغتسلين (حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى) أي مرضا ~~يضره مس الماء كالجراحة والجدري يخاف من مس الماء التلف أو يزيد ألمه من ~~مسه «12» (أو على سفر) طويلا كان أو PageV01P214 # قصيرا (أو جاء أحد منكم من الغائط) وهو المكان المطمئن من الأرض في ~~الأصل، فكني به عن قضاء الحاجة (أو لامستم النساء) وقرئ لمستم «1»، أي ~~جامعتموهن، وقيل: هو اللمس باليد «2»، فعند الشافعي رحمه الله ينتقض الوضوء ~~بمس النساء، وفي مس المحارم قولان، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض، ~~يعني إذا أصابكم المرض أو السفر أو الحدث أو الجنابة (فلم تجدوا ماء) لبعد ~~الأسباب أو العجز عن الوصول إليه، وجواب الشرط متعلق بالمرضى والمسافرين ~~والمحدثين وأهل الجنابة وهو قوله (فتيمموا) أي فاقصدوا (صعيدا طيبا) أي ~~ترابا طاهرا، قيل: الشافعي رحمه الله لا يتيمم إلا بتراب له غبار يتعلق ~~بالوجه واليدين، وأبو حنيفة رضي الله يتيمم بكل ما صعد على وجه الأرض ~~كالزرنيخ فلو ضرب على صخرة لا تراب عليها فمسح وجهه ويديه أجزأه، لأن ~~الصعيد عنده وجه الأرض ترابا كان أو غيره «3» (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) ~~والباء فيه زائدة، وفي الكلام حذف، أي وأيديكم منه، أي من الصعيد الطيب ~~«4»، و«من» فيه للتبعيض لا لابتداء الغاية نحو قولهم فلان مسح برأسه من ~~الدهن، فانه لا يفهم منه إلا البعض، و«من» لابتداء الغاية عند من جوز ~~التيمم بالصخر الذي لا تراب عليه (إن الله كان عفوا) بالترخيص (غفورا) [43] ~~للتقصير. ### || [سورة النساء (4): آية 44] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل (44) # قوله (ألم تر) أي ألم ينته علمك ونظرك (إلى الذين أوتوا) أي أعطوا (نصيبا ~~من الكتاب) أي حظا من علم التورية، وهم أحبار «5» اليهود (يشترون الضلالة) ms0296 ~~أي يستبدلون الكفر والبقاء على اليهودية بالهدى، ففي الكلام حذف (ويريدون ~~أن تضلوا السبيل) [44] أي سبيل الحق كما ضلوا عنه بعد وضوح الآيات لهم على ~~صحة نبوتك. ### || [سورة النساء (4): آية 45] # والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) # نزل نهيا عن الموالاة بهم واستيشارهم في الأمور «6» (والله أعلم ~~بأعدائكم) أيها المؤمنون منكم فاحذروهم ولا تستشيروهم في أموركم ولا تقبلوا ~~نصيحتهم (وكفى بالله وليا) أي محبا، فثقوا بولايته (وكفى بالله نصيرا) [45] ~~أي معينا لكم ويكفيكم مكرهم، والمنصوب فيهما تمييز. ### || [سورة النساء (4): آية 46] # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) # قوله (من الذين هادوا) خبر مبتدأ محذوف، أي هم من الذين مالوا عن سبيل ~~الحق أو بيان ل «الذين أوتوا» لاحتماله اليهود والنصارى، ومحل (يحرفون ~~الكلم عن مواضعه) حال من الضمير في «هادوا» أو صفة لموصوف محذوف، تقديره: ~~من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم، أي يغيرونه «7» عن مواضعه التي وضعه الله ~~تعالى في التورية كتغييرهم «8» صفة محمد عليه السلام، وتغييرهم «9» الرجم ~~وجعلهم الحد بدله، وذكر الضمير في «مواضعه»، لأن الكلم اسم جمع وليس بجمع ~~على الأصح (ويقولون سمعنا) قولك (وعصينا) أمرك (واسمع غير مسمع) أي غير ~~مقبول منك، وهو نصب على الحال (وراعنا) أي يقولون هذه الكلمة لإظهار ~~التوقير PageV01P215 # والإحرام، ومعناها ارقبنا نكلمك وهي يحتمل الشتيمة «1» والإهانة باللسان ~~العبري أو السرياني، لأنهم كانوا يتسابون «2» بها أو كان غرضهم نسبة النبي ~~عليه السلام إلى الرعونة وهي الحماقة، قوله (ليا بألسنتهم) أي قلبا للكلام ~~بها، مفعول له أو مصدر في موضع الحال، أي يقولون «3» ذلك لاوين ألسنتهم ~~استهزاء (وطعنا في الدين) أي قدحا فيه (ولو أنهم قالوا) أي ولو ثبت قولهم ~~بدل «سمعنا وعصينا» «4» (سمعنا وأطعنا) وبدل «اسمع غير مسمع» «5» (واسمع) ~~كلامنا، وبدل «وراعنا» «6» (وانظرنا) أي انظر «7» إلينا رحمة لنا (لكان) ~~ذلك ms0297 القول (خيرا لهم) لتحقيق الإيمان (وأقوم) أي أسد وأصوب من الطعن ~~والتحريف (ولكن لعنهم الله بكفرهم) أي ولكن الله خذلهم وأبعدهم عن الإيمان ~~بكفر قلوبهم (فلا يؤمنون إلا قليلا) [46] أي إلا إيمانا ضعيفا وهو إيمانهم ~~بموسى وكفرهم بمحمد عليهما السلام، ويجوز أن يكون ضعف إيمانهم لكونه بمجرد ~~ألسنتهم لا فائدة فيه مع عدم التوبة، ويجوز أن يراد ب «قليلا» عبد الله بن ~~سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب. ### || [سورة النساء (4): آية 47] # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر ~~الله مفعولا (47) # ثم أوعدهم بالعقوبة الشديدة لعدم إيمانهم بالإخلاص بقوله (يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب) أي أعطوه من التورية (آمنوا بما نزلنا) أي بالقرآن (مصدقا ~~لما معكم) من الكتاب (من قبل أن نطمس) أي نمحو ونحول (وجوها) أي وجوه قوم، ~~فنجعلها كخف البعير بلا أنف ولا عين ولا حاجب كالأقفية قبل يوم القيامة، ~~وهذا معنى قوله (فنردها على أدبارها) أو المراد من الطمس تسويد القلوب «8» ~~ورينها، ومن الرد ردها عن بصر الهداية على أدبارها في الضلالة، والفاء ~~للتعقيب، يعني من قبل أن يعاقبوا بعقابين، أحدهما عقيب الآخر (أو نلعنهم) ~~أي نطردهم من الرحمة بالمسخ (كما لعنا أصحاب السبت) أي كما مسخناهم القردة ~~(وكان أمر الله) أي عذابه (مفعولا) [47] أي كائنا لا محالة، وهذا وعيد شديد ~~لهم ليعتبروا ويرجعوا عن كفرهم إلى الإيمان بالتوبة والاستغفار. ### || [سورة النساء (4): آية 48] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما (48) # قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) مع عدم التوبة لعظم الشرك، نزل حين ~~أراد وحشي التوبة بعد قتله حمزة «9» رضي الله عنه يوم أحد وندامته عند ~~الرجوع إلى مكة «10» (ويغفر ما دون ذلك) أي دون الشرك مع عدم التوبة (لمن ~~يشاء) أي لبعض عباده رحمة منه لهم، ثم قال وحشي: لعلي أن أكون ms0298 ممن لم يشاء ~~الله، فنزل «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله» ~~«11» الآية، فلما سمعها ووجدها أوسع مما كان قبلها دخل هو وأصحابه في ~~الإسلام «12»، وفيها رد على من يقول من مات على كبيرة يخلد في النار (ومن ~~يشرك بالله فقد افترى) أي اختلق على الله (إثما عظيما) [48] أي كذبا كبيرا ~~وهو الكفر، قال عليه السلام: «من مات ولم يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن ~~مات يشرك بالله شيئا دخل النار» «13»، وقال: «ما من عبد قال لا إله إلا ~~الله ثم PageV01P216 # مات على ذلك إلا دخل الجنة» «1». ### || [سورة النساء (4): آية 49] # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) # قوله (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم) نزل خطابا للنبي عليه السلام على ~~وجه التعجيب «2»، أي ألم تنظر إلى الذين يطهرون نفوسهم عن الذنوب «3» ~~بألسنتهم ولم يزكوها حقيقة بقولهم «نحن أبناء الله وأحباؤه» «4»، وبقولهم ~~«لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» «5»، وبقولهم: نحن كالأولاد «6» ~~الصغار فهل عليهم ذنب، فأنكر الله ذلك عليهم بصيغة الإضراب فقال (بل الله ~~يزكي من يشاء) أي يطهره ويبرئه باكرام الهداية ونور الإسلام يهدي الله «7» ~~لنوره من يشاء، لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية «8» (ولا يظلمون فتيلا) ~~[49] أي لا ينقص الذين يثابون على زكوتهم من الثواب قدر فتيل النواة «9»، ~~وهي القشرة الرقيقة حولها، والضمير في «لا يظلمون» يرجع إلى معنى «من يشاء». ### || [سورة النساء (4): آية 50] # انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # ثم أمر نبيه يالنظر في حالهم تعجيبا فقال (انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب) بزعمهم أنهم عند الله أزكياء (وكفى به) أي بالافتراء (إثما مبينا) ~~[50] أي ظاهرا من بين آثامهم. ### || [سورة النساء (4): آية 51] # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) # قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) أي أعطوا حظا من التورية، ~~نزل حين خرج ms0299 حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف من رؤساء اليهود إلى مكة بعد قتال ~~أحد مع جماعة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله، فقال قريش: أنتم أهل ~~كتاب وأنتم إلى «10» محمد أقرب منا إليه، فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا ~~حتى تطمئن قلوبنا، فسجدوا لأصنامهم، ثم سألوا عنهم نحن أهدى أم محمد ~~وأصحابه، قالوا: بل أنتم أهدى سبيلا منهم «11»، فقال تعالى تعييرا لهم ~~(يؤمنون بالجبت والطاغوت) وهما اسمان للصنمين لهم، أي يصدقون بغير الله ~~ورسوله (ويقولون) أي أهل الكتاب (للذين كفروا) بالكتاب (هؤلاء) يعنون أبا ~~سفيان وأصحابه من المشركين (أهدى من الذين آمنوا) يعنون محمدا عليه السلام ~~وأصحابه (سبيلا) [51] أي أرشد دينا منهم. ### || [سورة النساء (4): آية 52] # أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) # (أولئك الذين لعنهم الله) أي طردهم من رحمته (ومن يلعن الله فلن تجد له ~~نصيرا) [52] أي مانعا من عذابه تعالى. ### || [سورة النساء (4): آية 53] # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) # (أم لهم نصيب) أي حظ (من الملك) أي من ملك الله، و«أم» بمعنى بل، والهمزة ~~لإنكار أن يكون لليهود حكم في ملك الله مع الإشارة إلى بخلهم وحسدهم للنبي ~~عليه السلام، أي ليس لهم نصيب من الملك، إذ لو كان ذلك (فإذا لا يؤتون ~~الناس) أي لا يعطون أحدا منهم (نقيرا) [53] لبخلهم، والنقير النقطة في ظهر ~~النواة، PageV01P217 # وهو مثل في القلة، ولم يعمل إذن في «لا يؤمنون» لأجل فاء العطف، والنون ~~فيها أصل وليس بتنوين ولذا يكتب بصورة النون. ### || [سورة النساء (4): آية 54] # أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) # قوله (أم يحسدون الناس) «أم» فيه كأم في «أم لهم»، يعني بمعنى بل والهمزة ~~لإنكار الحسد واستقباحه، أي أيحسد «1» اليهود العرب والنبي عليه السلام ~~(على ما آتاهم الله من فضله) أي على النبوة والإسلام والتقدم عليهم وازدياد ~~النصرة والعزة كل يوم وكثرة التزوج (فقد آتينا آل إبراهيم) أي داود وسليمان ~~عليهما السلام ms0300 (الكتاب) المنزل عليهما من السماء (والحكمة) أي النبوة ~~والعلم (وآتيناهم ملكا عظيما) [54] فكان ليوسف ملك مصر، ولداود ملكا عظيما، ~~وتحته مائة امرأة، ولسليمان بن داود ملكا أعظم، وتحته ثلثمائة مهيرة «2» ~~بالنكاح الشرعي وسبعمائة سرية «3»، ولم يكن لمحمد عليه السلام إلا تسع ~~نسوة، فكما لم يمنع آل إبراهيم النبوة عن كثرة التزوج بالنساء لم يمنع ~~محمدا عليه السلام عن كثرة التزوج أيضا مع أن فيه قوة أربعين نبيا، وهذا ~~إلزام لهم بما عرفوه، قيل: إن من كان أتقى كان شهوته أشد «4»، وقيل أيضا: ~~«كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع الحلال، فانه يصفي القلب ولذا فعل الأنبياء ~~كثرة التزوج والجماع» «5». PageV01P218 ### || [سورة النساء (4): آية 55] # فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # (فمنهم من آمن به) أي بابراهيم (ومنهم من صد عنه) أي أعرض عن إبراهيم أو ~~من اليهود من صدق بحديث إبراهيم، ومنهم من جحد بحديثه أو من اليهود من آمن ~~بمحمد عليه السلام كابن سلام وأصحابه ومنهم من كفر به ككعب بن الأشرف ومن ~~تابعه، ثم هدد المعرضين بقوله (وكفى بجهنم سعيرا) [55] أي وقودا مسعرة لمن ~~كفر به. ### || [سورة النساء (4): آية 56] # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) # ثم بين مستقر الكفار يوم القيامة فقال (إن الذين كفروا بآياتنا) أي بمحمد ~~والقرآن (سوف نصليهم) أي ندخلهم (نارا) في الآخرة (كلما نضجت) أي احترقت ~~(جلودهم بدلناهم) أي جددناهم (جلودا غيرها) بأن غيرناهم من شكل إلى شكل، ~~والعذاب للجملة الحساسة العاصية لا للجلد، قيل: إنهم إذا احترقوا خبت عنهم ~~النار ساعة فبدلوا خلقا جديدا، ثم عادت النار تحرقهم هكذا دأبهم فيها «1»، ~~ففيه إيذان بدوام العذاب عليهم يدل عليه «2» قوله (ليذوقوا العذاب) بلا ~~انقطاع (إن الله كان عزيزا) أي شديد النقمة (حكيما) [56] في تعذيبه ورحمته، ~~يعني لا يعذب أحدا ولا يرحمه «3» إلا بحكمة. ### || [سورة النساء (4): آية 57] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ms0301 أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # ثم بين مستقر المؤمنين بقوله (والذين آمنوا) بمحمد والقرآن وعملوا ~~الصالحات) أي الأعمال الصالحة التي أمرهم الله بها (سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا) أي مقيمين فيها لا يخرجون عنها ولا ~~يموتون، حال من مفعول «ندخلهم» (لهم فيها أزواج مطهرة) من العيوب الظاهرة ~~والباطنة (وندخلهم ظلا ظليلا) [57] أي دائما في نهاية اللذة والستر، وفي ~~وصف الظل بالظليل الذي هو مشتق منه تأكيد لمعناه ومبالغة كقولهم ليل أليل ~~إذا كان شديد الظلمة، وقيل: معناه في مكان له ظل فوق ظل لكثرة الأفنان بحيث ~~لا فرج فيه لالتقاء الأشجار وازدحام الأوراق «4»، وقيل: «يكون ذلك من ظلال ~~الأشجار وظلال القصور في الجنة» «5». ### || [سورة النساء (4): آية 58] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) # قوله (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) نزل بعد فتح رسول ~~الله مكة حين أخذ علي رضي الله عنه مفتاح الكعبة من سادنها عثمان بن طلحة ~~الحجبي، فطلب النبي عليه السلام عمه العباس بأن يدفع إليه المفتاح، فنزل ~~جبرائيل فأخبر النبي عليه السلام يا محمد أن السدانة في أولاد عثمان أبدا، ~~يأمرك الله أن ترد أمانته إلى أهلها، فرده إلى عثمان فأسلم «6»، ثم صار هذا ~~عاما في جميع الناس وفي كل ما يؤتمن عليه من حقوق الله تعالى والآدميين، ثم ~~قال لجميع الحكام من الولاة والقضاة (وإذا حكمتم) أي ويأمركم إذا قضيتم ~~(بين الناس أن تحكموا بالعدل) أي بالحق أو «7» بالبينة على المدعي واليمين ~~على من أنكر، ف «إذا» معمول فعل «8» محذوف، أي «9» PageV01P219 # و«أن تحكموا» مفعوله (إن الله نعما يعظكم به) أي نعم شيئا ينصحكم به ~~تأدية الأمانة والحكم بالعدل، ف «ما» نكرة بمعنى شيء، و«يعظكم به» صفته ~~والمخصوص بالمدح محذوف (إن الله كان سميعا) بمقالة دفع المفتاح إلى عمك ~~العباس (بصيرا) [58] أي عالما برد المفتاح إلى أهله. ### || [سورة النساء ms0302 (4): آية 59] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~ذلك خير وأحسن تأويلا (59) # ولما أمر الحكام بالعدل أمر المؤمنين «1» بطاعتهم بقوله (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله) في فرائضه (وأطيعوا الرسول) في سننه (وأولي الأمر منكم) ~~أي وأطيعوا الولاة إذا أمروا بطاعة الله، قال عليه السلام: «من أطاعني فقد ~~أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص ~~الأمير فقد عصاني» «2»، قيل: # كان الخلفاء يقولون أطيعوني ما عدلت فيكم فان خالفت فلا طاعة لي عليكم ~~«3» لقوله عليه السلام: «وإذا أمر المسلم بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «4»، ~~وقيل: المراد من «أولي الأمر» العلماء المتقون الذين يعلمون الناس معالم ~~دينهم «5»، أي شرائعه من الحل والحرمة، ثم قال (فإن تنازعتم) أي إن اختلفتم ~~أنتم وأمراء العدل (في شيء) من الشرائع (فردوه إلى الله) أي إلى كتابه ~~(والرسول) أي إلى نفسه مدة حيوته، فان مات فالى سننه «6»، وقيل: معناه إذا ~~أشكل عليكم شيء فقولوا الله ورسوله أعلم «7» (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر) أي بالبعث بعد الموت (ذلك) أي الرد إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول ~~(خير) من التنازع (وأحسن تأويلا) [59] أي أجمل من تأويلكم أو أجمل عاقبة ~~ومرجعا. ### || [سورة النساء (4): آية 60] # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا (60) # قوله (ألم تر إلى الذين يزعمون) أي يدعون (أنهم آمنوا بما أنزل إليك) أي ~~بالقرآن (وما أنزل من قبلك) أي بالتورية وغيرها من الكتب المنزلة، نزل حين ~~وقع بين بشر المنافق ويهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد حتى ~~يحكم بيننا، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف حتى يحكم بيننا، إذ سمع ~~عمر بن الخطاب قولهما فقال: ما شأنكما فأخبراه بالقصة، فقال عمر: أنا أحكم ~~بينكما، فأجلسهما، ثم ms0303 دخل البيت وخرج بالسيف وقتل المنافق «8»، فأخبر الله ~~عن حال المنافق وقال (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) وهو كعب بن الأشرف، ~~وسمي به لتجاوزه في الطغيان (وقد أمروا أن يكفروا به) أي بالطاغوت، وهو ~~يذكر ويؤنث (ويريد الشيطان) أي كعب بن الأشرف أو حقيقة الشيطان (أن يضلهم) ~~عن الهداية (ضلالا بعيدا) [60] أي لا غاية له فلا يهتدون. ### || [سورة النساء (4): آية 61] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون ~~عنك صدودا (61) # (وإذا قيل لهم تعالوا) بفتح اللام، أصله تعاليوا أمر لهم، أي جيؤا (إلى ~~ما أنزل الله) أي إلى ما أمره الله «9» في كتابه (وإلى الرسول) أي وإلى ما ~~أمره رسوله (رأيت المنافقين يصدون) أي يعرضون (عنك صدودا) [61] أي إعراضا ~~عن الحق. PageV01P220 ### || [سورة النساء (4): آية 62] # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا ~~إلا إحسانا وتوفيقا (62) # ثم أخبر عن عاقبتهم وحالهم بقوله (فكيف) أي وكيف يكون حالهم (إذا أصابتهم ~~مصيبة) وهي قتل عمر المنافق (بما قدمت أيديهم) أي بسبب عملهم القبيح، وهو ~~التحاكم إلى غيرك (ثم جاؤك) أي يجيئونك، يعني أولياء المنافق لطلب دية ~~المقتول ويعتذرون إليك (يحلفون بالله إن أردنا) أي ما قصدنا بالتحاكم إلى ~~غيرك (إلا إحسانا) أي طلبا للحق (وتوفيقا) [62] بين الخصمين لا إساءة ولا ~~مخالفة لك. ### || [سورة النساء (4): آية 63] # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) # ثم أشار إلى كذبهم بقوله (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) من النفاق ~~(فأعرض عنهم) يعني لا تعاقبهم على ما فعلوا (وعظهم) بلسانك بين الناس ~~ليتوبوا (وقل لهم في أنفسهم) أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم، لأن الوعظ في ~~السر أنفع وأدخل في الإمحاض، فقوله «في أنفسهم» متعلق ب «قل لهم»، لا بقوله ~~(قولا بليغا) [63] أي كلاما يؤثر فيهم ويغتمون به، لأن الصفة التي موصوفها ~~معها لا تعمل فيما قبلها، فيه نظر، لأن ذلك إذا لم يكن معمولها ظرفا، وههنا ~~ظرف ms0304 فجاز إعمالها فيما قبلها، نص عليه صاحب الكشاف «1»، يعني خوفهم وتوعدهم ~~بالقول بأنكم إن فعلتم مرة أخرى كذلك ولم تطيعوا أمري عاقبتكم بالقتل ~~وغيره، ونسخ بآية القتال «2». ### || [سورة النساء (4): آية 64] # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) # ثم قال (وما أرسلنا من رسول) في أمة من الأمم (إلا ليطاع) يتعلق ب ~~«أرسلنا»، أي لكي يطاع (بإذن الله) أي بأمره، أي بسبب أن أمر الله المبعوث ~~إليهم أن يطيعوه، لأن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وقيل: # معناه بتيسير الله أو بتوفيقه في طاعته «3» وبطاعته يطاع الله (ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم) بالتحاكم إلى الطاغوت (جاؤك) معتذرين إليك تائبين إلى ~~الله (فاستغفروا الله) بالإخلاص من فعلهم ونفاقهم (واستغفر لهم الرسول) من ~~الله (لوجدوا الله) أي لعلموه (توابا) أي يقبل توبة التائبين (رحيما) [64] ~~يرحم المطيعين بالتجاوز عن عقوبتهن، وفي إيراد الرسول إلتفات من الخطاب إلى ~~الغيبة تعظيما للنبي عليه السلام وتنبيها على أنه مستجاب الدعوة. ### || [سورة النساء (4): الآيات 65 الى 66] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) # قوله (فلا وربك لا يؤمنون) إظهار لكذبهم في إيمانهم، و«لا» في «فلا» ~~زائدة لتوكيد القسم أو لتوكيد النفي في «فلا يؤمنون»، والواو في «وربك» واو ~~القسم، وجوابه لا يؤمنون، وهذا كقولهم لا والله لا يؤمنون (حتى يحكموك) أي ~~حتى يجعلوك حكما ويرضوا بحكمك يا محمد (فيما شجر) أي فيما «4» اختلف ~~(بينهم) وأصل التشاجر الاختلاط «5» والتنازع (ثم لا يجدوا في أنفسهم) أي في ~~قلوبهم (حرجا) أي شكا وضيقا (مما قضيت) في أنه الحق (ويسلموا تسليما) [65] ~~أي ينقادوا لأمر الله وأمرك انقيادا بالخلوص والرضا، وقيل: PageV01P221 # نزلت الآية في الزبير وحاطب بن أبي ms0305 بلتعة حين اختصما إلى النبي عليه ~~السلام في مسيل الماء من الحرة، فقال عليه السلام: «يا زبير اسق به نخلك ثم ~~أرسل الماء إلى جارك»، فغضب حاطب «1»، ثم قال الله تعالى توبيخا على نفورهم ~~من حكمه عليه السلام (ولو أنا كتبنا) أي أوجبنا وفرضنا (عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم) كما أوجبناه على بني إسرائيل حين طلبوا التوبة ~~من ذنوبهم (ما فعلوه) أي المكتوب عليهم (إلا قليل منهم) برفع «قليل» بدل من ~~ضمير «فعلوا» «2»، وبنصبه «3» استثناء، والظرف صفة ل «قليل»، والقليل جماعة ~~الصحابة كعمر ويسار وعمار بن ياسر وثابت بن قيس، وعبد الله بن مسعود، فانهم ~~قالوا: والله «4» لو أمرنا محمد بذلك لفعلنا، فقال عليه السلام: «إن من ~~أمتي رجالا، الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي» «5»، ثم زاد ~~توبيخهم بقوله (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) من الطاعة والرضا بحكم الرسول ~~(لكان خيرا لهم) في عاجلهم وآجلهم (وأشد تثبيتا) [66] أي ولكان أقوى تحقيقا ~~لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه. ### || [سورة النساء (4): آية 67] # وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) # (وإذا) جواب لسؤال «6» مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون لهم بعد التثبيت، فقيل: ~~ولو ثبتوا إذن «7» (لآتيناهم) أي أعطيناهم (من لدنا أجرا عظيما) [67] وهو ~~الجنة في الآخرة. ### || [سورة النساء (4): آية 68] # ولهديناهم صراطا مستقيما (68) # (ولهديناهم) أي وفقناهم لازدياد الخيرات في الدنيا (صراطا مستقيما) [68] ~~وهو الإسلام. ### || [سورة النساء (4): آية 69] # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) # قوله (ومن يطع الله والرسول) نزل في جماعة من الصحابة، قالوا: يا رسول ~~الله! إن صرنا إلى الجنة تفضلنا بدرجات النبوة فلا نراك «8»، وقيل: نزل في ~~شأن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحب له عليه ~~السلام، قليل الصبر عنه حتى أتاه يوما «9» قد تغير لونه ونحل جسمه، فقال له ~~رسول الله: ما غير لونك؟ فقال: ما بي مرضي ولكني أخشى أن لا أراك يوم ~~القيامة لعلو منزلتك «10»، فقال تعالى ومن يطع ms0306 أمر الله وأمر رسوله (فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) أي المبالغين في الصدق ~~(والشهداء) كشهداء أحد وبدر وغيرهم ممن قتلوا في سبيل الله (والصالحين) من ~~المؤمنين «11» بالإخلاص، أي لا يفوت المحبون مجالستهم في الجنة (وحسن ~~أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات (رفيقا) [69] أي رفقاء في الجنة، نصبه ~~تمييز أو حال، وفيه معنى التعجب، أي ما أحسن أولئك رفيقا، وهو مفرد بمعنى ~~الجمع كالطفل بمعنى الأطفال. ### || [سورة النساء (4): آية 70] # ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) # ثم أشار إلى أنهم نالوا ذلك بفضل الله لا بغيره بقوله تعالى (ذلك) أي ~~المن والعطية، مبتدأ، خبره (الفضل من الله وكفى بالله عليما) [70] أي كفى ~~الله عالما بثواب من أطاعه في الآخرة، فانه يعطيهم ما علمه لهم من الثواب. PageV01P222 ### || [سورة النساء (4): آية 71] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) # قوله (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) أي احترازكم بالسلاح لعدوكم أينما ~~كنتم، أمر لهم بالتيقظ لأعدائهم فاذا نفرتم إلى جهاد العدو (فانفروا) أي ~~اخرجوا (ثبات) نصب على الحال، أي متفرقين، جمع ثبة، وهي الجماعة المتفرقة، ~~أي سرية بعد سرية (أو انفروا) أي اخرجوا (جميعا) [71] أي مع النبي عليه ~~السلام بأجمعهم، وهو أيضا حال بمعنى مجتمعين. ### || [سورة النساء (4): آية 72] # وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن ~~معهم شهيدا (72) # قوله (وإن منكم لمن ليبطئن) خطاب لعسكر الرسول عليه السلام، واللام في ~~«لمن» للابتداء، وفي الفعل جواب قسم، و«من» بمعنى الذي، والقسم وجوابه صلة ~~الذي، والضمير الراجع إليه ما استكن في «ليبطئن»، من بطأ لازم بمعنى تأخر، ~~والمعنى: وإن منكم يا أصحاب محمد للذي أقسم بالله ليتأخرن عن الغزو ~~وتثاقلا، ويجوز أن يكون متعديا، أي ليثقلن غيره عن الغزو، من بطؤ عن الشيء، ~~أي ثقل، وهو ابن أبي وأصحابه (فإن أصابتكم) يا معشر المسلمين (مصيبة) أي ~~بلية وهزيمة من العدو (قال) أي ذلك المنافق المتخلف عن الغزو بالفرح والشكر ~~لله (قد أنعم ms0307 الله علي) بالقعود والتخلف من القتال (إذ لم أكن معهم شهيدا) ~~[72] أي حاضرا في ذلك الغزو. ### || [سورة النساء (4): آية 73] # ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني ~~كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) # (ولئن أصابكم فضل) أي فتح وغنيمة (من الله ليقولن) متمنيا، وقوله (كأن لم ~~تكن) بالتاء والياء «1» (بينكم وبينه مودة) أي معرفة، اعتراض وقع حالا بين ~~قوله «ليقولن» ومفعوله للتهكم باثبات المودة لهم، وهم أعدى عدو للمؤمنين ~~وأشدهم حسدا لهم، والمقول (يا ليتني كنت معهم) في تلك الغزوة (فأفوز) ~~بالنصب جواب التمني (فوزا عظيما) [73] أي آخذا «2» حظا وافرا من الغنيمة، ~~والمنادى فيه محذوف، أي يا قوم ليتني «3»، وقيل: # ليس بمحذوف، لأنه دخل على «ليت» لزيادة التمني لا للنداء «4». ### || [سورة النساء (4): آية 74] # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) # قوله (فليقاتل في سبيل الله) أمر للمنافقين بالقتال لوجه الله، أي ليقاتل ~~في طاعة الله (الذين يشرون الحياة الدنيا) أي يشترونها (بالآخرة) أي بدل ~~الآخرة، وفيه توبيخ لهم، ويجوز أن يكون أمرا للمؤمنين، ويكون المعنى: الذين ~~يبيعون الحيوة الدنيا ويأخذون الآخرة بدلها (ومن يقاتل في سبيل الله) أي في ~~طاعته (فيقتل) أي يستشهد (أو يغلب) أي يظفر بعدوه (فسوف نؤتيه) أي نعطيه ~~(أجرا عظيما) [74] في الجنة، يعني إذا غلب أو غلب يستوجب الثواب لا محالة. ### || [سورة النساء (4): آية 75] # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) # ثم قال موبخا على ترك الغزو بالاستفهام وحاثا على فعله (وما لكم) أي أي ~~شيء حصل لكم من العلل (لا تقاتلون في سبيل الله) محل الجملة نصب على الحال، ~~والعامل فيها الحصول في «لكم»، ثم عطف على اسم PageV01P223 # الله (والمستضعفين) أي وفي سبيل الذين «1» استضعفهم الكفار بالتعذيب ~~والأسر (من الرجال والنساء والولدان) ms0308 الذين بمكة، فان المشركين منعوهم عن ~~الهجرة وآذوهم وإنما خصهم بالذكر، لأن سبيل الله عام في كل خير، ولكن ~~خلاصهم من أيدي الكفار «2» من أعظم الخير وأخصه، ووصفهم مدحا بقوله (الذين ~~يقولون) داعين (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم) أي التي ظلم (أهلها) ~~بكفرهم وصدهم المسلمين عن الهجرة، وهي مكة، و«الظالم» وصف للقرية، إلا أنه ~~مسند إلى أهلها، وذكر لإسناده إلى المذكر ولو قيل الظالمة أهلها جاز أيضا ~~لا لتأنيث الموصوف ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث (واجعل لنا من لدنك) أي من ~~عندك (وليا) أي مصلحا لأمورنا (واجعل لنا من لدنك نصيرا) [75] ينصرنا على ~~أعدائنا، ففتحت مكة وولى النبي عليه السلام عليهم عتاب بن أسيد وكان ينصف ~~المظلومين من الظالمين لدعائهم، فصاروا أعز من بها من الظلمة قبل ذلك. ### || [سورة النساء (4): آية 76] # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) # ثم مدح المقاتلين في سبيل الله وذم المقاتلين في سبيل الطاغوت فقال ~~(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله) أي في طاعته وإعزاز الدين (والذين ~~كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) أي في طاعة «3» الشيطان، ثم حث المؤمنين ~~على القتال بقوله (فقاتلوا) أيها المؤمنون (أولياء الشيطان) أي جنده وهم ~~المشركون (إن كيد الشيطان) أي مكره «4» (كان ضعيفا) [76] أي واهنا لا يثبت ~~للحق، وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل حولة. ### || [سورة النساء (4): آية 77] # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لو لا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل ~~والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) # قوله (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) أي امنعوا «5» أيديكم عن ~~القتال، نزل حين فرض عليهم القتال في المدينة، ثم امتنعوا عنه للجبانة وخوف ~~الموت لا للشك في الدين «6»، قيل: إن أصحاب الرسول «7» عليه السلام حين ~~كانوا ms0309 بمكة استأذنوا في قتل كفار مكة سرا لتأذيهم منهم، وقال الرسول صلى ~~الله عليه وسلم: كفوا عن قتالهم فاني لم أومر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرض عليهم القتال، فكرهه بعضهم «8»، فقال ~~تعالى ألم تنظر إلى الذين قيل لهم بمكة امتنعوا عن القتال (وأقيموا الصلاة) ~~أي أتموها (وآتوا الزكاة) أي أعطوها إذا أوجب عليكم (فلما كتب) أي فرض ~~(عليهم القتال) بالمدينة (إذا فريق منهم) «إذا» ظرف مكان للمفاجاءة، أي ~~فبتلك الحضرة فريق من الذين، قيل لهم كفوا أيديكم (يخشون الناس) أي يخافون ~~عذابهم (كخشية الله) أي كخوفهم من عذاب الله، ومحله النصب على الحال من ~~الضمير في «يخشون»، قوله (أو أشد خشية) نصب، عطف على محل الكاف في «خشية ~~الله» «9»، مشبهين بأهل خشية الله بل أشد خشية من أهل خشية الله، ف «أو» ~~بمعنى بل، وقيل: بمعنى الواو «10»، ويجوز أن يكون فتحه جرا عطفا على مجرور ~~الكاف، تقديره كخشية الله أو كأشد خشية، أي كخشية أشد خشية منها (وقالوا) ~~عطف على «قيل لهم»، أي والذين قالوا (ربنا لم كتبت) أي فرضت (علينا القتال) ~~مع الكفار (لو لا) أي هلا (أخرتنا إلى أجل قريب) حتى نموت بآجالنا، قيل: هم PageV01P224 # المنافقون «1»، وقيل: هم قوم لم يكن الإيمان راسبا محكما في قلوبهم «2» ~~(قل) يا محمد لهم بيانا لفناء الدنيا (متاع الدنيا قليل) أي منفعتها قليلة ~~لا تدوم (والآخرة خير) أي ثوابها أفضل (لمن اتقى) الشرك والمعصية (ولا ~~تظلمون فتيلا) [77] بالتاء والياء «3»، أي لا ينقصون من ثواب أعمالكم مقدار ~~ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ أو مقدار ما يكون في شق النواة، فلا ترغبوا ~~في الدنيا وارغبوا في الآخرة بالجهاد في سبيل الله وغيره من الخيرات ولا ~~تخافوا من الموت، فانه غاية كل ساع. ### || [سورة النساء (4): آية 78] # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما ~~لهؤلاء ms0310 القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) # ثم أخبر تعالى أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله (أينما تكونوا يدرككم ~~الموت) المقدر بالأجل أو العذاب (ولو كنتم في بروج مشيدة) أي وإن كنتم في ~~قصور عالية إلى السماء محكمة بالشيد، وهو الجص لا يصعد عليها بنو آدم، نزل ~~حين تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد مخافة القتل «4»، ثم أخبر عن حال ~~المنافقين بقوله (وإن تصبهم) أي المنافقين ومن جرى مجراهم (حسنة) أي خصب ~~وغنيمة وظفر كيوم بدر (يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة) أي جدب ~~وهزيمة كيوم أحد (يقولوا هذه من عندك) أي من شؤمك يا محمد كما حكي عن قوم ~~موسى وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه (قل كل) أي كل شيء من الرخاء ~~والشدة (من عند الله) لا قدرة لأحد غيره في قضائه وإيجاده، ثم قال تعجيبا ~~من جهل هؤلاء القائلين بغير علم (فما لهؤلاء القوم) أي للمنافقين وأمثالهم ~~(لا يكادون) أي لا يقربون (يفقهون حديثا) [78] أي ما يحدثهم ربهم من القرآن ~~ليعلموا أن القابض والباسط هو الله لا غير، وكل يصدر عنه عن حكمة وصواب، ~~وفيه دليل على وجوب الإجتهاد والعمل بالقياس. ### || [سورة النساء (4): آية 79] # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) # ثم خاطب النبي عليه السلام وأراد غيره فقال (ما أصابك) أي الذي يصيبك (من ~~حسنة) أي فتح وغنيمة (فمن الله) أي فمن فضله وإحسانه (وما أصابك من سيئة) ~~أي من ضيق وهزيمة من العدو (فمن نفسك) أي بذنبك وكسب يدك وقضاء الله إياه ~~عليك به، عن عائشة رضي الله عنها: «ما من مسلم يصيبه نصب ولا وصب حتى ~~الشوكة يشاكها العبد وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» ~~«5»، ثم أشار إلى الإعراض عنهم بقوله (وأرسلناك للناس رسولا) مصدر بمعنى ~~إرسالا أو حال مؤكدة، أي ذا رسالة، يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم ~~ليتبعوك فلا تنظر «6» إلى مقالتهم وفعلهم (وكفى بالله ms0311 شهيدا) [79] أي شاهدا ~~يشهد على أعمالهم. ### || [سورة النساء (4): آية 80] # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (80) # قوله (من يطع الرسول) فيما أمره (فقد أطاع الله) لأنه يدعوهم بأمره، نزل ~~حين قال النبي عليه السلام: # من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحب الله» «7»، فقال بعض اليهود: ~~إن محمدا لا يريد إلا أن نتخذه PageV01P225 # ربا «1»، ثم قال (ومن تولى) أي أعرض عن طاعته فقد خرج عن طاعة الله (فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا) [80] أي حافظا تحفظ أحوالهم «2» وتحاسبهم عليها ~~وتعاتبهم «3»، فكل أمورهم إلى الله تعالى، قيل: هذا منسوخ بآية القتال «4». ### || [سورة النساء (4): آية 81] # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) # قوله (ويقولون طاعة) بيان لأمر المنافقين مع النبي عليه السلام، أي ~~المنافقين يقولون بحضرتك عند تبليغ الرسالة: أمرنا وشأننا أن نطيعك ونتبعك ~~(فإذا برزوا) أي إذا خرجوا (من عندك بيت) أي دبر ليلا وزور (طائفة منهم) ~~قولا (غير الذي تقول) أي خلاف ما تأمر به في مجلسك، من التبييت، وهو تسوية ~~الشيء في النفس وتدبيره ليلا للمكر، وقرئ بادغام التاء في الطاء «5» (والله ~~يكتب) أي يحفظ عليهم بكتابة «6» الحفظة (ما يبيتون) أي ما يزورون ليلا ~~(فأعرض عنهم) ولا تعاتبهم أو ولا تجبرهم (وتوكل على الله) أي ثق به في ~~شأنهم، فهو كافيك شرهم (وكفى بالله وكيلا) [81] أي حافظا وثقة لك، ثم نسخ ~~بآية السيف «7». ### || [سورة النساء (4): آية 82] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) # (أفلا يتدبرون) أي أفلا يتأملون بالنظر الصحيح (القرآن) أي معانيه ~~ومواعظه ليعتبروا بها ويعلموا أنه من عند الله لعدم تناقضه بوجه ما (ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [82] أي تناقضا وتفاوتا في ~~مواضع كثيرة نظما ومعنى وبلاغة ولكان بعضه معجزا وبعضه قاصرا عن حد الإعجاز ~~يمكن معارضته، وأما نحو قوله فيومئذ لا يسئل عن ذنبه ms0312 إنس ولا جان «8»، ~~وقوله لنسئلنهم أجمعين «9» فليس باختلاف، إذ السؤال يكون في مكان دون مكان. ### || [سورة النساء (4): آية 83] # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) # قوله «10» (وإذا جاءهم) أي المنافقين (أمر) أي خبر (من الأمن) أي من أمن ~~«11» السرية الغازية من العدو بالفتح والغنيمة سكتوا عن إفشائه (أو) خبر من ~~(الخوف) أي «12» ببلاء وهزيمة نزلت بهم (أذاعوا به) أي أفشوه في الناس ~~ليضعفوا قلوب المؤمنين «13» (ولو ردوه) أي ذلك «14» الخبر (إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم) أي أصحاب الرأي كأبي بكر وغيره من الخلفاء الراشدين أو ~~كالذين أمروا عليهم من المؤمنين قبل إفشائه للناس (لعلمه الذين يستنبطونه) ~~أي لعلم الخبر الذين يستخرجون تدبيره (منهم) أي من الرسول وأولي الأمر ~~بفكرتهم الصحيحة ومعرفتهم بأمور الحرب بالفطنة والتجارب فيفشون ما يفشى ~~ويكتمون ما يكتم (ولو لا فضل الله عليكم) بالإسلام (ورحمته) بالقرآن ~~(لاتبعتم الشيطان) أي لضللتم وكفرتم باتباعه (إلا قليلا) [83] منكم وهم ~~الذين اهتدوا قبل بعثة النبي عليه السلام كزيد بن عمرو وابن نفيل وورقة بن ~~نوفل وقس بن ساعدة، فانهم ما تبعوا PageV01P226 # الشيطان وما كفروا، فالاستثناء على هذا من فاعل «لا تبعتم»، وقيل: يجوز ~~أن يكون الاستثناء من فاعل «أذاعوا به»، أي أذاعوه «1» إلا قليلا لم يذعه، ~~وهم المؤمنون «2». ### || [سورة النساء (4): آية 84] # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) # قوله (فقاتل في سبيل الله) عطف على قوله «وما لكم لا تقاتلون في سبيل ~~الله» «3»، نزل حين أراد الرسول عليه السلام أن يخرج إلى بدر الصغرى لحرب ~~أبي سفيان فكره ذلك بعض المسلمين «4» فأمر الله نبيه بأن يخرج وإن كان وحده ~~«5»، وقال (لا تكلف إلا نفسك) أي لا تكلف شيئا إلا أن تقدم «6» نفسك إلى ~~الجهاد، فان الله ناصرك لا الجنود كما ينصرك ms0313 وحولك الألوف (وحرض المؤمنين) ~~على الجهاد (عسى الله أن يكف) أي يمنع (بأس الذين كفروا) أي شدتهم وحربهم ~~(والله أشد بأسا) أي قوة من قريش (وأشد تنكيلا) [84] أي عقوبة في الآخرة من ~~عقوبة الكفار في الدنيا، فخرج رسول الله بسبعين «7» راكبا ولو لم يخرجوا ~~معه لخرج وحده امتثالا لأمر الله، فكف الله بأسهم بتخلف أبي سفيان عن ~~الخروج إلى بدر الصغرى تلك السنة، لأنه تعالى قذف في قلبه الخوف من حرب ~~النبي عليه السلام. ### || [سورة النساء (4): آية 85] # من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها وكان الله على كل شيء مقيتا (85) # ثم قال (من يشفع شفاعة حسنة) لدفع شر في الإسلام أو لطلب منفعة مع جوازها ~~شرعا ويبتغي بها «8» وجه الله، وقيل: هي الإصلاح بين الناس «9» والسعي ~~للتجاوز عن ذنب التائب فيما ليس بحد من حدود الله (يكن له نصيب) أي حظ ~~(منها) أي من أجل الشفاعة الحسنة في الآخرة، قال عليه السلام: «إشفعوا إلي ~~تؤجروا» «10»، قيل: «الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها» «11» (ومن ~~يشفع شفاعة سيئة) أي قبيحة في الإسلام كظلم للغير بأخذ حق ومنع حق من حقوق ~~الله أو من حقوق الناس بلا رضى منهم وأخذ رشوة في ذلك وغيره مما لا يجوز ~~شرعا (يكن له كفل) أي شدة (منها) أي لأجل الشفاعة السيئة في الآخرة، ~~واشتقاق الكفل من الكفل لمشقة الركوب عليه، ثم استعير للحمل على كل شدة، ~~وقيل: معناه النصيب كقوله «يؤتكم كفلين من رحمته» «12»، وقيل: الشفاعة ~~الحسنة هي الدعوة للمسلم بالخير، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله «13»، ~~والشفاعة السيئة هي الدعاء بالشر عليه، قال عليه السلام: «من دعا لأخيه ~~المسلم بظهر الغيب استجيب له» «14»، وقال له الملك ولك مثل ذلك (وكان الله ~~على كل شيء مقيتا) [85] أي حافظا له بقوته واقتداره، لا يغفل عنه ولا يغيب. ### || [سورة النساء (4): آية 86] # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا (86) # (وإذا حييتم ms0314 بتحية) أي إذا أهدى إليكم بهدية فحيوا بأحسن منها) أي فأهدوا ~~إلى صاحبها بأفضل منها (أو ردوها) أي كافؤها بمثلها، وهذا المعنى مروي عن ~~أبي حنيفة رضي الله عنه «15»، وأكثر المفسرين قالوا: معناه إذا PageV01P227 # سلمتم بتحية، أي بقول السلام عليكم، فسلموا بأحسن منها، أي بقول عليكم ~~السلام ورحمة الله، وإذا قال المسلم السلام عليكم ورحمة الله، فقولوا عليكم ~~السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~فردوا مثلها، أي فقولوا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فانه مثلها، قال ~~ابن عباس رضي الله عنه: انتهى السلام إلى البركة «1»، ففي قوله «ردوها» حذف ~~مضاف، أي ردوا مثلها، و«أو» فيه تخيير بين الزيادة والرد، والسلام سنة على ~~الكفاية، والرد فرض على الكفاية، وإذا قاله بعض سقط عن كل، قيل: إذا قال ~~رجل السلام عليك بالإفراد فقل عليكم السلام بالجمع، لأن المؤمن لا يكون ~~وحده، ولكن معه الملائكة «2»، وإذا سلم رجل على الخطيب أو على قارئ القرآن ~~جهرا أو على معلم العلم الشرعي أو على الشارع في الأذان والإقامة لا يرد ~~سلامه، وقال عليه السلام: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» ~~«3»، ولا سلام على إمرأة أجنبية ولا على أهل بدعة وكفر ولعبة، ويبدأ الأعلى ~~بالسلام على الأدنى كالراكب والماشي على خلافهما، ويسلم «4» الصغير على ~~الكبير والأقل على الكثير، وإذا سلم الذمي فقل: عليك، بلا واو أو عليك ~~مثله، ولا تبادره بالسلام إلا لضرورة أو لحاجة لك عنده (إن الله كان على كل ~~شيء حسيبا) [86] أي محاسبا يحاسبكم على السلام وغيره، وفيه تهديد عظيم. ### || [سورة النساء (4): آية 87] # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) # قوله (الله لا إله إلا هو) مبتدأ، خبره القسم وجوابه، تقديره: الله والله ~~«5» (ليجمعنكم) أي ليحشرنكم، واللام في جواب القسم (إلى يوم القيامة) أي في ~~قبوركم إلى قيام الساعة للحساب والعذاب لمن كفر والثواب ms0315 لمن آمن، نزل للذين ~~شكوا في البعث لرفع «6» الشك عنهم «7» بقوله (لا ريب فيه) أي لا شك في ذلك ~~اليوم عند المؤمن أو لا ينبغي أن يشك فيه عند كل عاقل (ومن أصدق من الله ~~حديثا) [87] قرئ بالصاد الخالصة وبالزاء المشممة «8»، أي لا أحد أصدق من ~~الله كلاما، لأنه منزه عن الكذب لقبحه وهو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ~~وهو لا يليق بذاته تعالى فآمنوا بما قال ووعد. ### || [سورة النساء (4): آية 88] # فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) # قوله (فما لكم في المنافقين) نزل في قوم هاجروا من مكة إلى المدينة ~~مسلمين، ثم رجعوا إلى مكة وكتبوا إلى رسول الله أنا على دينك ولكنا اشتقنا ~~إلى بلدنا، ولم نحتمل هواء المدينة، فاختلف المسلمون في أمرهم من الإسلام ~~والكفر «9»، فبين الله لهم نفاقهم، فقال: ما لكم صرتم في شأن المنافقين ~~(فئتين) أي فرقتين ولم تقطعوا بكفرهم (والله أركسهم) أي ردهم إلى حالهم ~~الأول وهو الكفر (بما كسبوا) أي بسبب عملهم وهو ارتدادهم ولحوقهم ~~بالمشركين، ثم قال بالاستفهام للتوبيخ على الذين طلبوا هدايتهم عن الضلالة ~~(أتريدون أن تهدوا) أي ترشدوا (من أضل الله) عن الهدى (ومن يضلل الله) عن ~~الهدى (فلن تجد له سبيلا) [88] أي طريقا إلى الحق وهو دين الإسلام. ### || [سورة النساء (4): آية 89] # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى ~~يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا (89) PageV01P228 # (ودوا) أي هم أحبوا (لو تكفرون) أي إن ترجعوا «1» إلى الكفر (كما كفروا) ~~أي كما رجعوا إليه (فتكونون سواء) أي مستوين أنتم وهم في الكفر (فلا تتخذوا ~~منهم) أي من المرتدين (أولياء) في الدين والنصرة وان يظهروا الإيمان لكم ~~(حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة لا يريدون بها إلا الله تعالى (فإن ~~تولوا) أي إن أعرضوا عن الهجرة والإيمان (فخذوهم) أي أسروهم ms0316 «2»، ومنه ~~قولهم للأسير أخيذ (واقتلوهم) إن لم يتوبوا عن الكفر (حيث وجدتموهم) أي أين ~~لقيتموهم «3» من الحل والحرم «4» (ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) [89] أي ~~اجتنبوهم مجانبة كلية في الدين والعون. ### || [سورة النساء (4): آية 90] # إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا (90) # ثم استثني من ضمير المفعول في «واقتلوهم» لا من الضمير في «ولا تتخيوا ~~منهم» لفساد المعنى وإن كان أقرب، لأن اتخاذ الولي منهم حرام مطلقا بقوله ~~(إلا الذين يصلون) أي يتصلون وينتسبون بالحلف (إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) ~~أي عهد موثق، وهم قوم هلال بن عويمر الأسلمي، كان قد صالحهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل خروجه إلى مكة على أن كل من أتاهم من المسلمين فهو آمن، ~~ومن جاء منهم إلى النبي عليه السلام فهو آمن، وفي هذه الآية دليل على ثبوت ~~المصالحة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كانت مصلحة في المصالحة للمسلمين، ~~قوله (أو جاؤكم) عطف على صفة «قوم» أو على صلة «الذين»، وهو الأظهر، أي إلا ~~الذين يصلون إلى المعاهدين لكم أو جاؤكم (حصرت صدورهم) أي ضاقت قلوبهم ~~وانقبضت (أن يقاتلوكم) أي عن قتالكم من جهة العهد، فاتركوهم، والجملة حال ~~بتقدير قد، أي والحال قد حصرت صدورهم عن المحاربة (أو يقاتلوا قومهم) أي أو ~~حصرت صدورهم عن قتال قومهم الذين معكم من جهة القرابة، وهم بنو مدلج، جاؤا ~~رسول الله غير مقاتلين (ولو شاء الله لسلطهم عليكم) لحكمة يعلمها من ~~الابتلاء وغيره (فلقاتلوكم) لكنه منعهم عن قتالكم، وهذا إظهار لمنته ~~العظيمة على المؤمنين، ثم قال (فإن اعتزلوكم) أي تباعدوا عن قتالكم (فلم ~~يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم) أي الصلح والانقياد (فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا) [90] أي طريقا بالأخذ والقتل، يعني أنهم لو ثبتوا على صلحهم فما أذن ~~الله لكم في قتلهم وأسرهم. ### || [سورة النساء (4): آية ms0317 91] # ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # قوله «5» (ستجدون آخرين) نزل في شأن أسد وغطفان ومن جرى مجراهم، كانوا ~~إذا جاؤا إلى النبي عليه السلام يقولون آمنا بك، وإذا رجعوا إلى قومهم ~~قالوا آمنا بالعقرب والخنفساء استهزاء للنبي عليه السلام فكفروا بذلك «6»، ~~فقال تعالى: ستجدون قوما آخرين (يريدون أن يأمنوكم) بقولهم لكم آمنا ~~(ويأمنوا قومهم) بكفرهم عند عودهم إليهم (كلما ردوا إلى الفتنة) أي كلما ~~دعوا إلى الشرك وإلى قتالكم (أركسوا) أي ردوا ووقعوا (فيها) أشد وقوع، ~~والركس قلب الشيء على رأسه (فإن لم يعتزلوكم) أي إن تعرضوا لقتالكم (ويلقوا ~~إليكم السلم) أي ولم يصالحوكم (ويكفوا أيديهم) أي ولم يكفوا أيديهم عن ~~الحرب معكم (فخذوهم) أي أسروهم (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي أين وجدتموهم ~~وادركتموهم (وأولئكم) أي أهل هذه الصفة (جعلنا لكم PageV01P229 # عليهم سلطانا مبينا) [91] أي حجة واضحة لقتالهم، وهو انكشاف حالهم في ~~الكفر وعداوة أهل الإسلام، فاذناكم بذلك في قتلهم. ### || [سورة النساء (4): آية 92] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) # قوله (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا) نزل في شأن عياش ابن أبي ربيعة حين ~~قتل الحارث ابن زيد معتقدا أنه كافر، فاذا هو مسلم «1»، أي ليس لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا لعلة من العلل الباطلة (إلا خطأ) أي إلا للخطأ، فنصبه مفعول له، ~~ويجوز أن ينصب «2» حالا، أي لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ~~وهو ما ليس للإنسان فيه قصد، وذلك إما أن يظن كافرا فاذا هو مسلم أو ms0318 يرمي ~~شيئا فيصيب آخر فأتلفه، ثم بين حكم القتل «3» الخطأ بقوله (ومن قتل مؤمنا ~~خطأ) أي قتلا غير قصد (فتحرير) فلواجب على القاتل عتق (رقبة مؤمنة) وقيد ~~بالإيمان «4»، لأنه لم يجز إعتاق رقبة كافرة بالإجماع، وسره أنه لما أخرج ~~نفسا مؤمنة عن الحيوة وجب عليه أن يحيي نفسا مثلها بالتحرير، لأنه ~~كالأحياء، والرقيق كالميت لامتناع تصرفه وعدم حكمه في نفسه كالأحرار (ودية ~~مسلمة) أي وعليه دية مؤداة (إلى أهله) أي إلى ورثة القتيل يقتسمونها ~~كالميراث للتركة سوى القاتل الوارث، والدية مائة من الإبل على عاقلته وهم ~~عصبته وإن لم يكن له عاقلة «5» فمن بيت المال والرقبة في مال القاتل، وإن ~~لم يكن له ورثة فالدية لبيت المال، قوله (إلا أن يصدقوا) محله نصب على ~~الظرف بتقدير الزمان، ويتعلق ب «مسلمة»، أي تسلم «6» إليهم الدية إلا حين ~~التصدق عليه بها، يعني إلا أن يعفو عنه ورثة القتيل، ولا يأخذوا «7» منه ~~شيئا، وأصله أي يتصدقوا، فأدغمت التاء في الصاد، والاستثناء متصل كما ~~ذكرنا، ويجوز أن يكون منقطعا بمعنى لكن التصدق يمنع من تسليمها، ثم قال ~~(فإن كان) أي المقتول (من قوم عدو لكم) أي من أهل «8» حرب للمسلمين لا عهد ~~بينكم وبينهم (وهو مؤمن) أي المقتول مسلم بينهم لم يفارقهم (فتحرير) أي ~~فعلى قاتله عتق (رقبة مؤمنة) ولا دية عليه لتسلم إلى أهله، لأنهم كفار ~~محاربون (وإن كان) أي المقتول (من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي حلف وعهد، ~~يعني إن كان ذميا (فدية) أي فعلى قاتله دية (مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة ~~مؤمنة) لأن حكمه حكم المسلم، واختلف العلماء في دية الذمي، قال أصحاب أبي ~~حنيفة رضي الله عنه: # هي كدية المسلم سواء «9»، وقال الشافعي رحمه الله: ثلث دية المسلم «10»، ~~ونزلت الآية في مستأمنين دخلا على رسول الله فكساهما وحملهما فلما خرجا من ~~عنده لقيهما عمرو بن أمية فقتلهما ولم يعلم أنهما مستأمنين فقضاهما «11» ~~رسول الله بدية حرين مسلمين «12»، ثم قال (فمن لم يجد) أي رقبة مؤمنة إما ~~لعدمها في ملكه أو ms0319 لعدم قدرته في تحصيلها (فصيام) أي فعليه صيام (شهرين ~~متتابعين) قوله (توبة من الله) أي شرع ذلك لتوبة حاصلة من الله، مفعول له ~~أو مصدر فعل محذوف، يعني تاب الله عليه توبة (وكان الله عليما) بمن قتل ومن ~~قتل (حكيما) [92] فيما حكم من الكفارة على القاتل خطأ. PageV01P230 ### || [سورة النساء (4): آية 93] # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد ~~له عذابا عظيما (93) # قوله (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) نزل في شأن رجل قتل مؤمنا متعمدا، ثم ارتد ~~عن الاسلام، وهو مقيس بن ضبابة، قتل رجلا من بني فهر، وكان رسول رسول الله ~~عليه السلام بعثه مع مقيس إلى بني النجار الذين قتل فيهم أخو مقيس، وأمره ~~بأن يقول لهم اطلبوا قاتل أخي مقيس، فان وجدوا قتلوه وإن لم يجدوه حلفوا ~~خمسين يمينا وغرموا الدية، فلما أتاهم ذلك الرسول ومقيس إليهم، قالوا: ما ~~نعرف قاتله فحلفوا وغرموا الدية لمقيس، فلما رجع مقيس مع مائة من الإبل قال ~~في نفسه لحمية الجاهلية: اقتل هذا الفهري مكان أخي، ويكون الدية فضلة لي، ~~فقتله وتوجه إلى مكة «1»، فقال تعالى من يقتل مؤمنا قاصدا قتله مع علمه ~~بايمانه (فجزاؤه جهنم خالدا فيها) أي لابثا زمانا طويلا يعذب فيها إن شاء ~~الله تعذيبه، وقيل: أبدا إن استحل قتله، لأنه يكفر باستحلاله «2»، ثم ~~اختلفوا في توبة القاتل عمدا، الأكثر على أنها تقبل «3» لقوله تعالى بعد ~~ذكر الشرك والقتل والزنا «إلا من تاب وآمن» إلى قوله فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات «4» (وغضب الله عليه) بأن يقتل به قصاصا في الدنيا (ولعنه) ~~أي طرده من رحمته في الآخرة (وأعد له عذابا عظيما) [93] سوى خلوده في ~~النار، وحكي عن سفيان الثوري أنه قال كان أهل العلم، إذا سئلوا عن قاتل ~~العمد قالوا: # لا توبة له، وذلك محمول على التغليظ والتشديد اقتداء برسول الله عليه ~~السلام فيه، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة «5»، قال صلى الله عليه وسلم: ~~«لزوال الدنيا أهون على الله من قتل أمرئ مسلم» «6»، وقال أيضا: ms0320 «إن هذا ~~الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» «7»، وقال أيضا: «من أعان على ~~قتل مؤمن- ولو «8» - بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من ~~رحمة الله» «9». ### || [سورة النساء (4): آية 94] # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (94) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم) أي سافرتم (في سبيل الله) أي في ~~الجهاد (فتبينوا) من البيان، أي اطلبوا بيان من تقتلونه «10» في الحرب قبل ~~القتل، يعني قفوا حتى تعرفوا حاله أمسلم أو كافر، وقرئ «فتثبتوا» «11» من ~~الثبات، أي لا تعجلوا في أمره حتى يظهر لكم الكافر من المسلم، نزل في أسامة ~~بن زيد حين بعث في سرية للغزو، فسمع رجلا، يقال له مرداس، يقول: لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله، السلام عليكم أني مؤمن، فقتله أسامة، وساق غنمه ورجع ~~إلى النبي عليه السلام فأخبره «12» حاله، فوجد عليه السلام وجدا شديدا، فقال: # أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله؟ فقال أسامة: قاله بلسانه دون قلبه، ~~فقال عليه السلام: أشققت قلبه؟ فقال: PageV01P231 # استغفر لي يا رسول الله، فقال: فكيف بلا إله إلا الله مرارا، فقال أسامة ~~«1»: فوددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ «2»، فقال تعالى (ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام) بالألف بمعنى التحية وبغير الألف «3»، أي الانقياد بقول ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله (لست مؤمنا) إنما تقول ذلك لحفظ مالك ~~ونفسك، المعنى: إذا رأيتم أمارة ظاهرة على إسلام شخص فلا تقتلوه ولا تقولوا ~~له لست بمسلم (تبتغون) أي تطلبون (عرض الحياة الدنيا) من الغنيمة، والجملة ~~في محل النصب على الحال من فاعل «لا تقولوا» (فعند الله مغانم كثيرة) لا ~~تحصى من الأجر والفضل، ثم ذكرهم أنعامه عليهم قبل الهجرة بقوله (كذلك) أي ~~كهذا الرجل (كنتم من قبل) أي قبل هجرتكم، يعني أول ما دخلتم في ms0321 الإسلام ~~سمعت منكم كلمة الشهادة فحصنت نفسكم وأموالكم بسببها من غير انتظار الاطلاع ~~على ما في قلوبكم (فمن الله عليكم) بالاستقامة وإظهار الإسلام والتقدم به ~~فصرتم أعلاما في الدين، فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، ثم كرر ~~قوله (فتبينوا) أي تعرفوا حال خصمكم مخافة أن تقتلوا مؤمنا خطأ للتأكيد ~~والزجر عن الإقدام على القتل من غير تحقيق (إن الله كان بما تعملون خبيرا) ~~[94] أي عالما فلا تقدموا على القتل في الجهاد إلا بعد التحقيق. ### || [سورة النساء (4): آية 95] # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) # قال زيد بن ثابت نزل قوله (لا يستوي القاعدون) عن الجهاد في بدر أو في ~~تبوك حين كنت إلى جنب رسول الله عليه السلام فغشيته السكينة من الوحي فوقعت ~~فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها، أي تكسرها، ثم سري عنه، فقال: اكتب، ~~فكتبت في كتف «لا يستوي القاعدون» «4» (من المؤمنين) حال من «القاعدين»، ~~فسمع ذلك ابن أم مكتوم وكان أعمى، فقال: يا رسول الله لو استطعت الجهاد ~~لجاهدت فنزل «5» (غير أولي الضرر) أي أصحاب المرض وكل عاهة من عمى وزمن ~~وغيرهما، بنصب «غير» استثناء من «القاعدين» أو حالا منهم وبرفعه «6» صفة ل ~~«القاعدين» وهو من قبيل الاكتفاء، لأن تقدير الآية: لا يستوي القاعدون أولو ~~الضرر وغير أولي الضرر (والمجاهدون في سبيل الله) في الأجر والثواب، وهو ~~عطف على «القاعدين»، قوله (بأموالهم وأنفسهم) يتعلق ب «المجاهدين» ونفى ~~التساوى بين المجاهدين والقاعدين بغير عذر وإن كان معلوما ليس إلا للتوبيخ ~~للقاعد عن الجهاد ولتحريكه عليه ولذا قيده بقوله «غير أولي الضرر» صريجا، ~~قوله (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم) جملة مستأنفة توضح نفي التساوى ~~بين القاعدين مطلقا، أي بعذر وبغير عذر، والمجاهدين كأنه جواب سؤال مقدر، ~~وهو ما لهم لا يستوون، فقيل بالتفصيل بعد الإجمال: فضل الله المجاهدين ~~بالأموال والأنفس (على ms0322 القاعدين) بعذر (درجة) مصدر، أي تفضيلا واحدا أو ~~حال، أي ذوي درجة في الآخرة، ثم أشار إلى منته على الفريقين بقوله (وكلا) ~~أي وكل فريق من القاعدين والمجاهدين (وعد الله الحسنى) أي المثوبة الفضلى ~~وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة، فقوله «كلا» أول ~~المفعولين ل «وعد»، وثانيهما «الحسنى» (وفضل الله المجاهدين على PageV01P232 # القاعدين) بغير عذر (أجرا عظيما) [95] مصدر، لأنه «فضل» بمعنى آجر، أي ~~آجرهم أجرا كبيرا في الجنة، والقاعدون بغير عذرهم الذين أذن لهم النبي عليه ~~السلام بالقعود اكتفاء بغيرهم، لأن الجهاد فرض كفاية. ### || [سورة النساء (4): آية 96] # درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (96) # قوله (درجات منه) بدل من «أجرا عظيما»، ويجوز أن ينتصب «درجات» مصدرا ~~كنصب «درجة»، أي فضلهم تفضيلات وينتصب «أجرا عظيما» على أنه حال عن النكرة ~~التي هي درجات مقدمة عليها، قوله (ومغفرة ورحمة) عطف على «درجات» أو نصب ~~بفعل محذوف، تقديره: غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة، وهذا الكلام من قوله «لا ~~يستوي القاعدون» إلى قوله «ورحمة» من باب الجمع والتقسيم (وكان الله غفورا) ~~لمن جاهد في سبيله من ذنوبه (رحيما) [96] يدخله الجنة برحمته أو رحيما لمن ~~له العذر بتسويته في الفضل مع غيره. ### || [سورة النساء (4): آية 97] # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) # قوله (إن الذين توفاهم) أي قبضتم (الملائكة) قيل: يجوز أن يكون ماضيا ~~ويجوز أن يكون مستقبلا «1»، أي تتوفيهم إن يمكنهم الله من استغناء أنفسهم ~~فيستوفونها (ظالمي أنفسهم) نصب على الحال، أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر ~~وترك الهجرة بعد الإسلام والمقام في دار الشرك بعد وجوب الهجرة، نزل في شأن ~~الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما ~~رأوا قلة المؤمنين وكثرة الكافرين شكوا وكفروا فقتل بعضهم «2»، فأخبر تعالى ~~عن حالهم بقوله حكاية عن الملائكة عند قبض أرواحهم (قالوا) أي يقول لهم ~~الملائكة توبيخا بأنهم ms0323 لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم ~~يهاجروا (فيم كنتم) أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم فتركتم الهجرة (قالوا) ~~أي قال المتوفون معتذرين (كنا مستضعفين) أي عاجزين عن الهجرة (في الأرض) أي ~~في أرض مكة فثم (قالوا) أي الملائكة لهم توبيخا بالاستفهام (ألم تكن أرض ~~الله واسعة فتهاجروا فيها) وقد كنتم قادرين على الخروج عنها فلم تخرجوا إلى ~~بعض البلاد وهو المدينة (فأولئك مأواهم جهنم) أي منزلهم النار (وساءت ~~مصيرا) [97] أي بئست مرجعا رجعوا إلى جهنم «3»، وفيه دليل على أن من لم ~~يستقم إقامة دينه في موضع يجب الهجرة عليه «4» إلى ما يتمكن فيه ذلك، قال ~~عليه السلام: «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت ~~له الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام» «5». ### || [سورة النساء (4): آية 98] # إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا (98) # قوله (إلا المستضعفين) استثناء من قوله «مأواهم جهنم»، أي إلا المقهورين ~~(من الرجال والنساء والولدان) وإنما قرن بهم الولدان مع أنهم عاجزون لا ~~يتوجه عليهم الوعيد لبيان أن الرجال والنساء صاروا في انتفاء الذنب عنهم ~~بترك الهجرة للعجز بمنزلة الولدان، قوله (لا يستطيعون حيلة) يجوز أن يكون ~~استئنافا، ويجوز أن يكون صفة ل «المستضعفين» بحكم زيادة حرف التعريف، أي لا ~~يجدون سعة الخروج إلى المدينة لفقرهم وعدم قوتهم (ولا يهتدون سبيلا) [98] ~~أي لا يعرفون طريقا إلى المدينة وغيرها. ### || [سورة النساء (4): آية 99] # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (99) # (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) أي يتجاوز عن ذنوبهم و«عسى» من الله ~~للوجوب (وكان الله عفوا) PageV01P233 # عنهم (غفورا) [99] لذنوبهم فلا يعاقبهم، روي عن ابن عباس أن النبي عليه ~~السلام قال يوم الفتح: «أنه لا هجرة بعد اليوم ولكن جهاد ونية» «1»، وإذا ~~استنفرتم فانفروا، أي استخرجكم الإمام فاخرجوا. ### || [سورة النساء (4): آية 100] # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ms0324 ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما (100) # ثم قال تحريكا للهجرة لله تعالى (ومن يهاجر في سبيل الله) أي في دينه ~~(يجد في الأرض مراغما) أي مهاجرا وملجأ على رغم أنف قومه، وقيل: متحولا من ~~الكفر إلى الإيمان لغيظ «2» قومه الكفرة «3»، والرغم الذل والهوان وأصله ~~لصوق الأنف بالتراب وهو الرغام، أي مغايظا لهم (كثيرا وسعة) أي في الرزق، ~~قوله (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) نزل لما خرج جندب بن ضمرة ~~من مكة حين قال والله لا أبيت الليلة بمكة، فاني لست من المستضعفين، وإني ~~لأهتدي الطريق، وكان مريضا، فحمله «4» بنوه على سريره متوجها إلى المدينة، ~~فمات بالنعيم، فقال «5» المشركون استهزاء ما أدرك هذا مطلوبه، فقال بعض ~~المسلمين: لو وصل إلى المدينة لكان أتم أجرا «6»، فقال تعالى ومن يخرج من ~~بيته وكان خروجه لله والرسول (ثم يدركه الموت) في الطريق، يعني قبل الوصول ~~إلى ما هاجر إليه (فقد وقع) أي وجب (أجره على الله) بايجابه تعالى على نفسه ~~وهو الجنة (وكان الله غفورا) لما كان فيه من الشرك قبل الخروج (رحيما) ~~[100] له، أي بقبول توبته بنيته الخالصة في الخروج. ### || [سورة النساء (4): آية 101] # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (101) # ثم قال بيانا لأحكام السفر في سبيل الله (وإذا ضربتم) أي سافرتم (في ~~الأرض) سفرا يبلغ مسيرة ليلتين متوسطتين بمشي الأقدام وسير الإبل عند ~~الشافعي أو مسيرة ثلثة أيام بلياليهن عند أبي حنيفة رضي الله عنه (فليس ~~عليكم جناح) أي إثم (أن تقصروا من الصلاة) أي بأن تردوها من أربع إلى ~~اثنين، ولا يعتبر الإسراع ولا البطؤ في جواز القصر، فلو سافر مسيرة ثلثة ~~أيام في يوم قصر وإن سافر مسيرة يوم في ثلثة أيام لم يقصر، وجعل بعض ~~العلماء الخوف شرطا لجواز القصر بقوله (إن خفتم أن يفتنكم) أي يقتلهم أو ~~يضركم بما تكرهون (الذين كفروا) ms0325 والصحيح أنه ليس بشرط لما ثبت أن النبي ~~عليه السلام سافر بين المدينة ومكة لا يخاف إلا الله وكان يصلي ركعتين، ~~فالشافعي يقصر ويتم، لأن ظاهر الآية تخيير ورخصة لقوله «ليس عليكم جناح»، ~~لكن القصر أفضل، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: «أول ما فرضت الصلوة ركعتين ~~فأقرت في السفر وزيدت في الحضر» «7»، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه عزيمة لا ~~يجوز غير القصر في السفر لقول الرسول عليه السلام لعمر حين سأله عن ذلك: ~~«صدقة تصدق الله لكم فاقبلوا صدقته» «8» إلا أنه تعالى نفى الجناح في ~~الآية، ونفي الجناح إنما يكون في الرخصة لا في العزيمة لما أنهم ألفوا ~~بالإتمام، فكأنهم خطر ببالهم أن عليهم نقصا وإثما بسبب القصر، فنفى الجناح ~~تطييبا لقلوبهم واطمئنانا إليه والقصر ثبت بنص الكتاب في حالة الخوف وإما ~~في حالة الأمن «9» فبالسنة كما مر، ثم حذرهم عن الاعتداء بقوله (إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) [101] أي ظاهر العداوة لا تغفلوا عنهم ~~أينما كنتم. PageV01P234 ### || [سورة النساء (4): آية 102] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) # ثم بين لهم صلوة الخوف بالخطاب للنبي عليه السلام فقال (وإذا كنت فيهم) ~~أي إذا كنت حاضرا في الخائفين من أصحابك بحضرة العدو وحضرت الصلوة عليكم ~~(فأقمت لهم الصلاة) أي للمؤمنين (فلتقم طائفة منهم معك) في الصلوة وطائفة ~~وجاه العدو (وليأخذوا) أي غير المصلين معك (أسلحتهم) بازاء العدو، أي ما ~~شاؤا من السلاح أو المراد المصلون مع النبي عليه السلام فيأخذون من السلاح ~~ما لا يشغل عن الصلوة كالخنجر والسيف، والسلاح كل ما يقاتل به ويمتنع (فإذا ~~سجدوا) أي صلوا معك ركعة واحدة، وأتموا الثانية بنفسهم ms0326 (فليكونوا) أي ~~المصلون (من ورائكم) أي خراسا لكم بعد الصلوة بازاء العدو (ولتأت) أي ولتجئ ~~(طائفة أخرى) أي الذين (لم يصلوا) معك بسبب العدو (فليصلوا معك) ركعة أخرى ~~وتتوقف حتى يتموا الثانية ثم تسلم بهم (وليأخذوا) أي الآتون أو المصلون ~~(حذرهم) أي تحرزهم عن العدو (وأسلحتهم) حاضرة بازاء العدو، وإنما جمع الحذر ~~مع الأسلحة مبالغة في التحرز عن العدو، فان التيقظ للعدو يشبه بآلة ~~يستعملها الغازي في كل موطن فيه خوف للتحفظ عن «1» شرهم، ولم يذكر في الآية ~~لكل طائفة إلا ركعة واحدة، لكن في الخبر أن النبي عليه السلام صلى في صلوة ~~الخوف بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكرنا، وهو اختيار ~~الشافعي «2»، وقيل: صلى النبي عليه السلام بطائفة أولا ركعة ثم ذهبت بازاء ~~العدو وجاءت الطائفة التي كانت بازاء العدو فصلى معهم ركعة أخرى وسلم هو لا ~~غير، ثم جاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه الطائفة الأخرى إلى إزاء العدو حتى ~~أدت الطائفة الأولى الركعة الأخرى بغير قراءة وسلموا، لأنهم كانوا في صلوة ~~الإمام حكما ولو كانوا في وجه العدو، ثم ذهبت تحرس وجاءت الطائفة الأخرى ~~وأدت الركعة الأولى بالقراءة، لأنه الإمام أتم صلوته فلا بد لهم من القراءة ~~في الركعة الثانية لانتفاء الاقتداء فيها بالإمام وسلموا حتى صار لكل طائفة ~~ركعتان، وهذا اختيار أبي حنيفة رضي الله عنه في صلوة الخوف «3»، ثم أومى ~~الله تعالى إلى زيادة التحذير بقوله (ود الذين كفروا لو تغفلون) أي أن ~~تغفلوا (عن أسلحتكم وأمتعتكم) التي للحرب (فيميلون عليكم) أي فيقصدونكم ~~بالسوء ويحملون عليكم (ميلة واحدة) أي حملة واحدة في الحرب فكونوا بالحذر ~~عنهم، ثم رخص لهم في ترك السلاح لعذر كالمرض والمطر فيثقل حمل السلاح عليهم ~~بسبب ذلك بقوله «4» (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى) ~~من السقم في المزاج أو من الجراحة في البدن في (أن تضعوا) أي تزيلوا عنكم ~~(أسلحتكم وخذوا حذركم) وإن لم تحملوا «5» السلاح لئلا يهجم العدو عليكم، ~~ولما كان الأمر بالحذر ms0327 من العدو يوهم توقع غلبته نفي عنهم ذلك بقوله (إن ~~الله أعد للكافرين) بدين الحق (عذابا مهينا) [102] يهانون فيه بنصرته لكم ~~عليهم أو بعقوبتهم بالنار في الآخرة، فالأمر بالحذر تعبد من الله لا بغلبة ~~العدو «6». ### || [سورة النساء (4): آية 103] # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) # ثم قال (فإذا قضيتم الصلاة) أي فرغتم من صلوة الخوف (فاذكروا الله) ~~بالتسبيح والتهليل (قياما وقعودا PageV01P235 # وعلى جنوبكم) ونصب الكل على الحال، أي قائمين وقاعدين ومضطجعين، وقيل: ~~معناه صلوا لله في الأمن صلوة الصحيح قياما وصلوة المريض قعودا وصلوة شديد ~~المريض المعجز على جنوبكم «1»، وقيل: معناه إذا شرعتم في الصلوة في حالة ~~الخوف فصلوا لله محاربين بالسيف في الصلوة بالقيام وجاثمين على الركب للرمي ~~بالقعود ومثخنين بالجراح على جنوبكم «2»، فالشافعي أوجب الصلوة على الخائف ~~بكل حال، وأبو حنيفة يبطلها «3» بحالة القتال فاذا أمن قضاها، ثم قال (فإذا ~~اطمأننتم) أي أمنتم من الخوف وأقمتم (فأقيموا الصلاة) أي أتموها أربعا (إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) [103] أي فرضا مقدرا في وقتها فلا ~~تؤخر عنه، وفيه دليل للشافعي على أنها واجبة في كل حال، فللمسافر ركعتان ~~وللمقيم أربع، وإذا تأخرت عن وقتها بعذر الخوف أو غيره ثم زال عنه فعليه ~~القضاء. ### || [سورة النساء (4): آية 104] # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) # قوله (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) أي لا تضعفوا في طلب الكفار، نزل حين ~~أصابت «4» المسلمين جراحات يوم أحد وكانوا يضعفون عن الخروج إلى الجهاد ~~فأمرهم الله بأن يظهروا القوة والجد من أنفسهم، وهذا الخطاب يعم لهم ولجميع ~~الغزاة إلى يوم القيامة «5»، ثم شجعهم على ذلك بقوله (إن تكونوا تألمون) أي ~~تجدون ألم الجراحة (فإنهم) أي الكفار (يألمون) أي يجدون الألم (كما تألمون) ~~ذلك، يعني إن الألم مشترك «6» بينكم وبينهم، ولكم زيادة ليست للكافرين ~~لقوله تعالى (وترجون من ms0328 الله ما لا يرجون) أي الكفار من الثواب في الآخرة، ~~لأنهم لا يؤمنون بالبعث فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر ~~منهم (وكان الله عليما) بما صدر منكم ومنهم (حكيما) [104] يحكم لكم بالثواب ~~ولهم بالعقاب. ### || [سورة النساء (4): الآيات 105 الى 106] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن ~~للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) # قوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي القرآن بالعدل في الأحكام ~~والحدود (لتحكم بين الناس بما أراك الله) أي بما علمك بالإلهام أو بالوحي ~~إليك (ولا تكن للخائنين) في الأمانة، أي لأجلهم «7» (خصيما) [105] أي ~~مخاصما معينا لهم، نزل حين سرق طعمة بن أبيرق، وكان منافقا شاعرا يهجو ~~أصحاب النبي عليه السلام درعا من قتادة وكان جارا له من بني ظفر، وتركها ~~عند زيد اليهودي، ثم حلف أنه ما سرق شيئا، فجاء قومه، وكانوا أهل لسان ~~وبيان، فقالوا: إن قتادة وابن أخيه عمدوا إلى أهل بيت منا يتهمونهم ~~بالسرقة، فوقع قولهم عند النبي عليه السلام موقعا، ثم ظهرت الدرع عند ~~اليهودي، فأراد النبي عليه السلام أن يقطع يد اليهودي «8»، فبين الله تعالى ~~خيانتهم بقوله «ولا تكن للخائنين خصيما» وهو طعمة وكل خائن. # (واستغفر الله) عند جدالك عن طعمة أو مما هممت من عقاب اليهودي (إن الله ~~كان غفورا رحيما) [106] لمن تاب إليه واستغفره. ### || [سورة النساء (4): آية 107] # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) PageV01P236 # (ولا تجادل) أي لا تخاصم (عن الذين يختانون أنفسهم) أي يضرون نفوسهم ~~بالسرقة وهم طعمة وقومه الذين شهدوا له بالبراءة ونصروه، وكانوا شركاء في ~~الإثم، قيل: هذا خطاب للنبي عليه السلام والمراد غيره «1» (إن الله لا يحب ~~من كان خوانا أثيما) [107] أي خائنا بالسرقة، فاجرا برميه على غيره، وإنما ~~ذكره بصيغة المبالغة، لأنه بالغ في الخيانة باليمين الكاذبة والسرقة ~~والتهمة للغير، قيل: إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة «2». ### || [سورة النساء (4): آية 108] # يستخفون من الناس ms0329 ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) # (يستخفون) أي يستترون حياء (من الناس) لأنهم جعلوا الدرع تحت التراب في ~~حفرة أولا خوفا من ضررهم (ولا يستخفون) أي لا يستحيون (من الله وهو معهم) ~~بالعلم والقدرة (إذ يبيتون) أي حين يدبرون في أنفسهم ويقولون ليلا (ما لا ~~يرضى) الله (من القول) ولا يحبه وهو تدبير طعمة في نفسه أن يرمي بالدرع في ~~دار زيد اليهودي ليسرقه «3» ويحلف ببراءته، وإنما سمي التدبير قولا وهو ~~معنى النفس على المجاز، لأنه حدث بذلك نفسه «4»، فكأنه قال به أو المراد ~~بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به (وكان الله بما يعملون محيطا) [108] أي ~~عالما بخيانتهم وتزويرهم. ### || [سورة النساء (4): آية 109] # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109) # ثم خاطب قوم طعمة الذين خاصموا عن طعمة السارق بقوله (ها أنتم هؤلاء) ~~بحذف حرف النداء من «هؤلاء»، ويجوز أن يكون «أنتم» مبتدأ، وخبره «هؤلاء»، ~~وما بعده بيان له، أو «هؤلاء» باسم موصول بمعنى الذين، صلته (جادلتم) أي ~~خاصمتم (عنهم في الحياة الدنيا) أي عن الخائنين في الدنيا (فمن يجادل الله) ~~استفهام على سبيل الإنكار، أي من يخاصم (عنهم) أي عن الخائنين إذا عذبوا ~~(يوم القيامة أم) أي بل (من يكون عليهم وكيلا) [109] أي حفيظا ومحاميا «5» ~~من بأس الله، والوكيل من يفوض إليه الأمر، ثم استعير إلى الحفيظ لكون الحفظ ~~لازما للوكيل. ### || [سورة النساء (4): آية 110] # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) # قوله (ومن يعمل سوءا) أي سرقة أو معصية أو شركا (أو يظلم نفسه) باليمين ~~الكاذبة وبرميه البريىء «6» من السرقة أو بذنب آخر (ثم يستغفر الله) أي يتب ~~عن الذنب (يجد الله غفورا رحيما) [110] نزل في شأن طعمة وقومه «7»، روي عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ~~ويستغفر الله إلا غفر ms0330 الله» «8»، وتلا هذه الآية. ### || [سورة النساء (4): آية 111] # ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) # (ومن يكسب إثما) أي ذنبا أو شركا بالله (فإنما يكسبه على نفسه) أي يضر ~~بنفسه لا يتعداها «9» ضرره إلى غيره، فليصن نفسه من كسب السوء (وكان الله ~~عليما حكيما) [111] أي بمن كسب الإثم وبما حكم عليه من الجزاء. PageV01P237 ### || [سورة النساء (4): آية 112] # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) # (ومن يكسب خطيئة) أي صغيرة (أو إثما) أي كبيرة، وقيل: الخطيئة سرق الدرع، ~~والإثم اليمين الكاذبة للسارق «1» (ثم يرم به) أي بالإثم (بريئا) أي اتهم ~~به من هو بريء من الإثم كما رمى طعمة زيد اليهودي بالسرقة (فقد احتمل) أي ~~تحمل (بهتانا) أي ما يتهم به الإنسان من الكذب (وإثما مبينا) [112] أي ذنبا ~~ظاهرا لا يعفى عنه. ### || [سورة النساء (4): آية 113] # ولو لا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) # (ولو لا فضل الله عليك) يا محمد بعصمة النبوة (ورحمته) أي وحيه إليك ~~لاطلاعك على أسرارهم (لهمت) أي لقصدت (طائفة منهم) أي من المنافقين (أن ~~يضلوك) عن الحق ويخطئوك في الحكم، وهم قوم طعمة (وما يضلون) عن الحق (إلا ~~أنفسهم) لأن وبال ذلك الإضلال راجع عليهم (وما يضرونك من شيء) لأن الله ~~يعصمك من الناس، وإنما يضروك بأنفسهم (وأنزل الله عليك الكتاب) أي القرآن ~~«2» (والحكمة) أي الموعظة والقضاء بالوحي (وعلمك ما لم تكن تعلم) من الغيب ~~والأحكام قبل الوحي (وكان فضل الله عليك عظيما) [113] بالنبوة والتعليم ~~والعصمة من الناس. ### || [سورة النساء (4): آية 114] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) # قوله «3» (لا خير في كثير من نجواهم) أي من تناجيهم وتدبيرهم بينهم، وهو ~~صفة ل ms0331 «كثير»، والمراد تناجى قوم طعمة أو تناجى جميع الناس فيما بينهم من ~~الأحاديث الردية (إلا من) محله جر بدل من نجويهم بتقدير المضاف، أي إلا ~~نجوى من (أمر بصدقة) إن كان له مال أو أمر غيره بأن يتصدق إن لم يكن له مال ~~(أو معروف) أي بكل فعل جميل في الشرع كالقرض للفقير وإعانة الملهوف أو ~~الصدقة الفرض، والمعروف التطوع أو القول بالمعروف والنهي عن المنكر (أو ~~إصلاح بين الناس) لدفع العداوة والبغضاء من بينهم، قال عليه السلام: «ألا ~~أخبركم بأفضل من درجة الصائم والقائم، قيل: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ~~ذات البين وإفساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين لا الشعر» «4»، ~~وقال أيضا: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا من أمر بمعروف أو نهى عن منكر ~~أو ذكر الله» «5»، وفي الآية ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله، ثم ذكر ~~الفاعل والوعد بالأجر ليدل به على أنهما من زمرة الخيرين المستحقين به، ~~فقال تعالى (ومن يفعل ذلك) أي الذي ذكر من الأشياء الثلاثة (ابتغاء مرضات ~~الله) أي لطلب رضاه لا لسبب آخر، لأن العمل لغيره لا يقبل عنده (فسوف ~~نؤتيه) بالنون وياء الغيبة «6»، أي نعطيه في الآخرة (أجرا عظيما) [114] أي ~~ثوابا كبيرا في الجنة. ### || [سورة النساء (4): آية 115] # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) # قوله (ومن يشاقق الرسول) نزل حين قدم نفر من قريش المدينة، وأسلموا، ثم ~~رجعوا إلى مكة مرتدين «7»، PageV01P238 # أي من يخالف النبي (من بعد ما تبين له الهدى) أي التوحيد بعد وضوح الدليل ~~(ويتبع غير سبيل المؤمنين) وهو الكفر، لأن سبيل المؤمنين هو التوحيد ~~والإسلام (نوله ما تولى) أي نجعله واليا متصرفا لما تولاه، أي لما مال إليه ~~وأحبه من الكفر والضلالة في الدنيا بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره ~~إلى يوم القيامة (ونصله جهنم) أي ندخله في الآخرة نار جهنم (وساءت مصيرا) ~~[115] أي مرجعا هي، فيه دليل ms0332 على أن الإجماع حجة، لا يجوز مخالفته كما لا ~~يجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل ~~المؤمنين في الشرط والجزاء، قرئ نوله ونصله بجزم الهاء وكسرها «1». ### || [سورة النساء (4): آية 116] # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا (116) # قوله (إن الله لا يغفر أن يشرك به) أي الإشراك بالله (ويغفر ما دون ذلك) ~~من المعاصي (لمن يشاء) نزل في شأن الوحشي كما ذكرنا من قبل «2»، وقيل: نزل ~~في شيخ أعرابي جاء إلى الرسول، فقال: يا رسول الله! إني شيخ منهمك في ~~الذنوب والخطايا إلى أني لم أشرك بالله شيئا مذ عرفته وآمنت به، وإني لنادم ~~مستغفر، فما حالي عند الله؟ فقرأ الآية «3»، ثم قال (ومن يشرك بالله) شيئا ~~(فقد ضل) عن الهدى والحق (ضلالا بعيدا) [116] أي بعدت غايته عن كل خير، فلا ~~يرجى له الفلاح. ### || [سورة النساء (4): آية 117] # إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) # قوله (إن يدعون من دونه إلا إناثا) جمع أنثى، نزل في ذم كفار مكة وإظهار ~~جهلهم «4»، أي هم ما يعبدون من دون الله إلا أصناما مسماة بأسماء الإناث ~~كاللات والعزى ومناة (وإن يدعون) أي وما يعبدون بعبادة الأصنام (إلا شيطانا ~~مريدا) [117] أي خارجا عن طاعة الله أو المراد إبليس. ### || [سورة النساء (4): آية 118] # لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) # (لعنه الله) أي طرده من رحمته حيث لم يسجد لآدم، قيل: كان في كل صنم لهم ~~شيطان يكلم خدامهم فكأنهم عبدوا الشيطان بعبادة الأصنام «5»، وقيل: إبليس ~~زين لهم عبادة الأصنام فكأنهم عبدوه «6» (وقال) أي الشيطان حين لعنه الله ~~(لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا) [118] أي طائفة مقطوعا تعينهم يطيعوني لا ~~لك، قيل: كل ما أطيع فيه إبليس فهو من مفروضه «7»، وقال الحسن: «من كل ألف ~~واحد في الجنة وسائرهم في النار وهو النصيب المفروض للشيطان» «8». ### || [سورة النساء (4): آية 119] # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن ms0333 خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) # وقال أيضا (ولأضلنهم) عن الهدى بالتزيين «9» والوسوسة (ولأمنينهم) أي ~~ألقى في قلوبهم ما يتمنون من الأهواء الباطلة كطول العمر وبلوغ الأمل ووصول ~~رحمة للمذنبين بغير توبة والخروج من النار بالشفاعة وغيرها أو بلا جنة ولا ~~نار «10» (ولآمرنهم فليبتكن) أي ليقطعن (آذان الأنعام) لأنهم كانوا يشقون ~~أذن الناقة PageV01P239 # إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ويحرمون الانتفاع بها، وهي البحيرة، ~~وقال أيضا (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) أي ليبدلن ما خلقه الله لحكمة ~~كالخصاء في البهائم والآدميين لرغبة الخلق فيهم، قيل: جوز بعض العلماء في ~~البهائم «1»، لأن فيه غرضا صحيحا، وحرمه في الآدميين حتى كره شرى الخصيان ~~واستخدامهم لمنع «2» الرغبة في خصائهم، وقيل: هو الوشم «3» وغيره، قال عليه ~~السلام: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات المغيرات خلق ~~الله» «4»، والواشمات هن اللاتي ينقشن «5» على أعضائهن، والنامصات هن ~~اللاتي ينتفن الشعور من وجوههن، فقال تعالى (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون ~~الله) أي من يعبد «6» الشيطان ويطيعه ويترك أمر الله وطاعته (فقد خسر ~~خسرانا مبينا) [119] أي غبنا بينا بترك الحق النافع واختيار الباطل الضار. ### || [سورة النساء (4): آية 120] # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) # (يعدهم) أي يخوفهم الشيطان بالفقر حتى لا ينفقوا في خير ولا يصلوا رحما ~~(ويمنيهم) أي يخبرهم بالباطل بأن لا ثواب لهم في عمل الخير (وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا) [120] أي باطلا وهو ما يوسوسهم به من طول العمر ونيل ~~الدنيا وغير ذلك. ### || [سورة النساء (4): آية 121] # أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا (121) # (أولئك مأواهم جهنم) أي تلك الطائفة مستقرهم في الآخرة نار جهنم (ولا ~~يجدون عنها محيصا) [121] أي مخلصا ومهربا. ### || [سورة النساء (4): آية 122] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) # ثم أخبر عن حال المؤمنين في الآخرة فقال (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) ~~بأداء الفرائض والانتهاء عن المحارم (سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) ms0334 ~~نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل مصفى (خالدين ~~فيها أبدا) أي لا ينتهي عمرهم فيها ولا يتغير حالهم الحسنة من التنعم ~~بالمستلذات باطمئنان القلوب (وعد الله حقا) مصدر مؤكد لنفسه، ومصدر مؤكد ~~لغيره، وقيل: يجوز أن يكون «حقا» حالا من «وعد الله» «7»، أي وعدهم الله ~~هذا كله وعدا صدقا أو كائنا منجزا لا خلف فيه، وفائدة هذه التأكيدات معارضة ~~مواعيد الشيطان الكاذبة لإقرانه بوعد الله الصادق لأوليائه ترغيبا للعبادة ~~في إيثار ما يستحقون به تنجز «8» وعد الله على ما يتجرعون في عاقبته غصص ~~إخلاف الشيطان مواعيده لكذبها، ثم قال بالاستفهام لنفي الأصدق «9» من سوى ~~الله تعالى (ومن أصدق من الله قيلا) [122] أي قولا ووعدا في مبالغة في ~~التوكيد ليتركوا مواعيد الشيطان ويرغبوا في مواعيد الرحمن. ### || [سورة النساء (4): آية 123] # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا (123) # قوله (ليس بأمانيكم) أي ليس ما قدرتم في أنفسكم من استحقاق الثواب الذي ~~وعده الله لعباده بشهواتكم PageV01P240 # الباطلة (ولا أماني أهل الكتاب) أي ولا ما قدروا في أنفسهم من سبقهم على ~~المؤمنين بسبق كتابهم ونبيهم بشهواتهم الباطلة، نزل حين قال أهل الكتاب ~~للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن أولى بالله منكم، وقال ~~المؤمنون: نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب بالصدق، وقد آمنا ~~بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا، فنحن أولى بالله منكم «1»، فقال تعالى ردا على ~~الفريقين ليس ما ادعيتم من قولكم نحن أولى بالله منكم أو ليس ما وعد الله ~~من الثواب بتمنيكم ولا بتمني أهل الكتاب، بل ذلك بالعمل الصالح وترك ~~المعصية، يوضحه «2» قوله (من يعمل سوءا يجز) أي يعاقب (به) ولا ينفعه ~~تمنيه، وهو عام في حق غير التائب، وقيل: عام في الكل «3» لما روي أنه لما ~~نزل شق ذلك على المسلمين، فقال أبو بكر كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول ~~الله؟ فقال عليه السلام: «ألست تمرض ألست تحزن ms0335 ألست يصيبك البلوى، أي ~~الشدة، فذلك كله جزاؤه» «4»، وقيل: «المراد من السوء الكفر» «5» (ولا يجد ~~له من دون الله) أي لا يجد الكافر لنفسه من غير الله (وليا) أي قريبا أو ~~محبا ينفعه في الآخرة بالشفاعة (ولا نصيرا) [123] أي مانعا يمنعه من عذاب الله. ### || [سورة النساء (4): آية 124] # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) # ثم قال (ومن يعمل من الصالحات) أي بعض الصالحات (من ذكر أو أنثى) بيان ~~لما فيه إبهام (وهو مؤمن) حال من الضمير في «يعمل»، أي والحال أنه مصدق ~~بالثواب والعقاب يوم البعث (فأولئك يدخلون الجنة) قرئ معلوما ومجهولا «6» ~~(ولا يظلمون نقيرا) [124] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم قدر النقير، وهو ~~النقرة في ظهر النواة وذكر انتفاء الظلم في حق الصالحين فقط تفضيلا «7» لهم ~~أو هو من قبيل الاكتفاء. ### || [سورة النساء (4): آية 125] # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا (125) # ثم قال تفضيلا لدين الإسلام على غيره من الأديان (ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم) أي أخلص (وجهه) أي دينه أو انقاد بجملته ظاهرا وباطنا (لله وهو محسن) ~~أي موحد، عامل للحسنات وتارك للسيئات «8» (واتبع ملة إبراهيم حنيفا) حال من ~~ضمير «اتبع» أو من «إبراهيم»، أي حال كونه مائلا عن الأديان كلها إلى دين ~~الإسلام «9» (واتخذ الله إبراهيم خليلا) [125] أي صفيا، وهو من ليس في ~~مودته خلل، والجملة اعتراض يفيد «10» تأكيد وجوب اتباع ملته، والواو للحال ~~لا للعطف، المعنى: أن الأحسن في الدين من يمتثل أمر الله ويوافق رضاه ~~كموافقة الخليل خليله، روى جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السلام وصلوته بالليل ~~والناس نيام» «11». ### || [سورة النساء (4): آية 126] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) # ثم قال تأكيدا لامتثال أمر الله (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي ~~الله مالك أهلهما، فطاعته واجبة عليهم ms0336 لكونهم عبيده، وحكمه نافذ فيهم (وكان ~~الله بكل شيء محيطا) [126] أي أحاط علمه بكل شيء من PageV01P241 # الصلاح والفساد وغيرهما، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما يصلح لهم. ### || [سورة النساء (4): آية 127] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) # قوله (ويستفتونك في النساء) نزل في شأن الذين يمنعون ميراث النساء، وهي ~~بنات كحة، ويمتنعون عن نكاح اليتامى من النساء لدمامتهن «1» ويكرهون ~~تزويجهن الغير من أجل مالهن «2»، أي يسألونك عن ميراث النساء (قل الله ~~يفتيكم فيهن) أي يبين لكم ما لهن من الميراث، وعطف (وما يتلى عليكم) على ~~ضمير الفاعل في «يفتيكم» أو على «الله»، أي الله يفتيكم، والمتلو عليكم ~~يفتيكم (في الكتاب) أي في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ أو القرآن، ذكره ~~تعظيما للمتلو عليهم، لأن العدل في حقوق اليتامى من عظام الأمور المرفوعة ~~الدرجات عند الله، والإخلال به ظلم يتهاون به ما عظمه الله، ويتعلق قوله ~~(في يتامى النساء) ب «يتلى» والإضافة فيه بمعنى من كقولك خاتم حديد، أي ~~يتلى في ميراث اليتامى منهن (اللاتي لا تؤتونهن) أي لا تعطونهن (ما كتب) أي ~~ما فرض (لهن) من الميراث والصداق (وترغبون) أي تزهدون وتعرضون (أن تنكحوهن) ~~أي عن نكاحهن لدمامتهن «3»، عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لولي ~~اليتيمة: «إذا كانت جميلة غنية زوجها غيرك، وإن كان قبيحة فقيرة تزوجها ~~أنت» «4»، قوله (والمستضعفين من الولدان) جر عطف على «يتامى النساء»، أي ~~ويفتيكم الله والمتلو عليكم في المستضعفين من الصبيان. # قيل: «كان أهل الجاهلية يورثون الرجال ولا يورثون النساء والأطفال ~~ويقولون: لا يغزون، ففرض الله لهم الميراث بذلك، وأمر لليتيم بالعدل» «5» ~~بقوله (وأن تقوموا) وهو جر عطف على «يتامى النساء»، أي ويفتيكم في القيام ~~(لليتامى بالقسط) أي بالعدل والإنصاف، قيل: يجوز أن يكون الخطاب للأوصياء ~~وأن يكون للحكام بأن يستوفوا ms0337 لهم حقوقهم، وأن يظفروا عليهم بنظر المرحمة ~~«6» (وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما) [127] يجازيكم به، قيل: في ~~الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز وإنه إذا زوجها ~~من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم منه «7». ### || [سورة النساء (4): آية 128] # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا ~~بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان ~~بما تعملون خبيرا (128) # قوله (وإن امرأة خافت) أي توقعت وعلمت (من بعلها نشوزا) أي أذاء وجفاء أو ~~ترك مضاجعة بغضا لها (أو إعراضا) عنها بوجهه ونفقته وقلة الإلتفات إليها ~~مجالسة ومحادثة (فلا جناح عليهما أن يصلحا) معلوما من أصلح و«أن يصالحا» ~~بالألف، وتشديد الصاد «8»، وأصله يتصالحا، أي يصطلحا (بينهما صلحا) نزل في ~~شأن بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها أسعد بن الزبير تزوجها وهي شابة، فلما ~~كبرت تزوج عليها شابة أخرى وآثرها عليها، وجفا بنت محمد بن مسلمة، فأتت ~~رسول الله فشكت إليه، فأمر بالإصلاح بينهما وهو بأن يتوافقا على ما تطيب به ~~أنفسهما بأن يترك أحدهما شيئا مما يستحقه على صاحبه طلبا لصحبته «9»، ثم قال PageV01P242 # (والصلح خير) أي أفضل من الفرقة والنشوز والإعراض (وأحضرت الأنفس الشح) ~~أي ألزمت البخل النفوس في الجبلة لا تفارقه «1» أبدا فهي حاضرته، والغرض من ~~ذلك بيان أن العدل بين الأنفس أمر صعب على حد يوهم أنه غير مستطاع، إذ ~~رعاية التسوية في القسمة والنفقة والنظر والإقبال والممالحة والمناكحة ~~والموانسة وغيرها كالخارج عن حد الاقتدار، هذا إذا كن محبوبات كلهن، فكيف ~~إذا مال القلب مع بعضهن، فالأمر بينهن الصلح والصبر والترك والاستراحة، ثم ~~قال (وإن تحسنوا) العشرة مع نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ~~ذلك مراعاة لحق الصحبة (وتتقوا) أي الفرقة والجور والأذى (فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا) [128] من الإحسان والنشوز، فيجازيكم به. ### || [سورة النساء (4): آية 129] # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها ms0338 كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) # ثم قال (ولن تستطيعوا) أي لن تقدروا (أن تعدلوا بين النساء) أي أن تسووا ~~بينهن في ميل القلب وحبه والقسم والنفقة (ولو حرصتم) أي جهدتم بصرف كل ~~الوسع على العدل بينهن بعد أن وجب عليكم التسوية في القسمة والنفقة وغير ~~ذلك مما يستحققنه (فلا تميلوا كل الميل) إلى التي تحبونها في النفقة ~~والقسمة، ولا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها من ~~غير رضا منها (فتذروها كالمعلقة) نصب جواب النهي أو جزم بالعطف على ~~«تميلوا»، المعنى: فتتركوها بغير قسمة لا أيما ولا ذات بعل كالمسجونة، قال ~~عليه السلام: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحديهما جاء يوم القيامة وشقه ~~مائل» «2»، وروي «ساقط» «3»، قيل: كان عليه السلام يعدل بين نسائه في ~~القسمة، ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» ~~«4»، يعني الحب والجماع، ثم قال تعالى (وإن تصلحوا) بينهن بالتسوية «5» ~~والعدل وبالتوبة عما مضى من ميلكم عن التي كرهتموها والرجوع إليها (وتتقوا) ~~الجور فيما يستقبل (فإن الله كان غفورا رحيما) [129] حيث تجاوز عن ذنوبكم ~~ورخص لكم في الإصلاح. ### || [سورة النساء (4): آية 130] # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما (130) # (وإن يتفرقا) أي الزوج والزوجة (يغن الله كلا) أي كل واحد منهما (من ~~سعته) أي من رزقه بأن تتزوج «6» المرأة غيره، ويتزوج الزوج «7» غيرها (وكان ~~الله واسعا) أي واسع الرزق: الفضل (حكيما) [130] يحكم بالتسوية والتفرقة ~~لحكمة يعلمها. ### || [سورة النساء (4): آية 131] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) # (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي حكمه نافذ على أهلهما يجب عليهم ~~طاعته، فيجب على الزوج التسوية بين نسائه في القسم والنفقة، وعليه قضاء ~~القسمة للمظلومة، والشرط في القسمة البيتوتة لا الجماع، لأنه مبني على ~~النشاط وليس ذلك إليه، ms0339 ثم قال تأكيدا لذلك (ولقد وصينا) أي أمرنا (الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم) أي أهل التورية والإنجيل (وإياكم) يا أمة محمد في ~~القرآن (أن اتقوا الله) فيما وصاكم به من التوحيد والعمل بالشرائع (وإن ~~تكفروا) عطف على «اتقوا»، أي وقلنا لكم ولهم إن تجحدوا بما وصيناكم به (فإن لله ما PageV01P243 # في السماوات وما في الأرض) من الملائكة وغيرهم، فهم أطوع منكم، وهو غني ~~عنكم وعن طاعتكم (وكان الله غنيا) عن جميع خلقه (حميدا) [131] أي محمودا في ~~فعله وقوله. ### || [سورة النساء (4): آية 132] # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) # (ولله ما في السماوات وما في الأرض) أي كله ملكه ومخلوقه مفترقون إليه، ~~لأنه رازقهم ومدبر أمورهم دينا ودنيا، كرره تقريرا لما يوجب التقوى منه، ~~فيجب أن يتقي (وكفى بالله وكيلا) [132] أي ربا حفيظا فيجب أن تتكلوا عليه، ~~لا على غيره. ### || [سورة النساء (4): آية 133] # إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) # ثم هدد المشركين والعاصين بقوله (إن يشأ يذهبكم أيها الناس) أي يعدمكم في ~~الدنيا إذا عصيتم أمره (ويأت بآخرين) أي يوجد قوما أطوع منكم فيما يأمرهم ~~(وكان الله على ذلك) أي على الإعدام والإيجاد كما يريد (قديرا) [133] أي ~~بليغ القدرة عليه، قيل: في هذه الآية تخويف وتنبيه لكل من كانت له ولاية ~~وحكم على الغير من الأمراء والقضاة والنواب الذين لم يعدلوا بين الناس، ~~ومنهم العالمون الذين لم يعملوا بعلمهم ولم ينصحوا الناس ليهتدوا في الدين «1». ### || [سورة النساء (4): آية 134] # من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا (134) # ثم قال (من كان يريد ثواب الدنيا) أي من يقصد بعمله الذي يعمل من أعمال ~~الآخرة حطام الدنيا ولذاتها كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والقارئ يريد ~~بقراءته الأجر دون ثواب الآخرة (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) أي فعنده ~~ثوابان، الأعلى والأدنى، فلا يطلب شيئا إلا منه أو المعنى: فما له يطلب ~~أحدهما دون الآخر، والذي يطلبه أخسهما وهو كلا شيء في ms0340 جنب الأعلى، وهو ثواب ~~الآخرة فليعمل لآخرته، روي عن النبي عليه السلام: «إن في جهنم واديا يتعوذ ~~منه جهنم أعد للقراء المرائين» «2»، والمراد منهم «3» العلماء والحفاظ ~~الذين يفتخرون بما فيهم ويأكلون به، وقال عليه السلام: «إن شر الناس من قرأ ~~كتاب الله وتفقه في دين الله، ثم يذل نفسه لفاجر إذا تفكه بقراءته ومحادثته ~~فيطيع الله على قلب القارئ والمستمع» «4» (وكان الله سميعا) بأقوالهم ~~(بصيرا) [134] أي بليغا في العلم بأعمالهم ونياتهم، فيجازيهم بها. ### || [سورة النساء (4): آية 135] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ~~أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) # ثم أمر الناس بالعدل ونهاهم عن الجور بقوله (يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط) أي مجتهدين في العدل حتى لا تجوروا (شهداء لله) نصب على ~~الحال، أي حال كونكم مقيمين شهادتكم لوجه الله تعالى كما أمرتم باقامتها ~~(ولو على أنفسكم) أي أدوها إذا كانت عندكم شهادة ولو شهدتم على أنفسكم، ~~وذلك بأن تقروا عليها فيكون إقراركم شهادة على أنفسكم أو المعنى: ولو كان ~~ضررها على أنفسكم، وذلك بأن يشهد الرجل على من يتوقع ضرره من سلطان أو ظالم ~~(أو الوالدين والأقربين) أي ولو كانت الشهادة على هؤلاء أيضا، ولا تكتموها ~~(إن يكن) المشهود عليه أو له (غنيا أو فقيرا) يعني لا تميلوا إلى الغني ~~لغناه، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره ترحما عليه (فالله أولى ~~بهما) أي أحرى «5» بالأغنياء والفقراء بالنظر إلى حالهما وإرادة مصالحهما ~~منكم فكلوا أمرهما إلى الله، والمراد من «الغني» و «الفقير» جنساهما، ولذا ~~رد الضمير PageV01P244 # بالتثنية إليهما بقوله «بهما» وحقه أن يوحد، لأن قوله «إن يكن غنيا أو ~~فقيرا» في معنى أن يكون أحد هذين (فلا تتبعوا الهوى) أي لا تشهدوا بهواكم، ~~ولكن اشهدوا على ما علمتم وأشهدتم عليه (أن تعدلوا) أي كراهة أن تميلوا عن ~~الحق للقرابة والمودة وغيرهما ms0341 من العدول أو إرادة أن تعدلوا بين الناس ~~بالحق من العدل (وإن تلووا) أي إن تحرفوا الشهادة عما هو الحق لتبطلوه، قرئ ~~بواوين، أولاهما مضمومة، من لوى إذا حرف، وبواو قبلها لام مضمومة «1»، من ~~ولى إذا قرب أو تسلط بالحكم، أي إن قربتم من إقامة الشهادة (أو تعرضوا) عن ~~الشهادة فتكتموها، ويجوز أن يكون خطابا للحكام، أي إن تحرفوا الحكم الحق أو ~~تعرضوا عن أحد الخصمين وتميلوا إلى الآخر في الحكم (فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا) [135] أي عالما بالتحريف في الشهادة والحكم، فيجازيكم به، ~~قال عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم شهادته على من ~~كانت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجحد لحق هو عليه وليؤده ولا ~~يلجئه إلى السلطان والخصومة» «2». ### || [سورة النساء (4): آية 136] # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا (136) # ثم خاطب أهل الكتاب بالإيمان بمحمد واتباع شرائعه بقوله (يا أيها الذين ~~آمنوا) بموسى وعيسى (آمنوا بالله ورسوله) أي بمحمد «3» عليه السلام ~~(والكتاب) أي وبالقرآن «4» (الذي نزل على رسوله) بالتشديد «5» معلوما ~~ومجهولا، لأنه نزله نجوما في عشرين سنة (والكتاب الذي أنزل من قبل) أي وبكل ~~كتاب أنزل قبل القرآن، قرئ معلوما ومجهولا «6»، من الإنزال، لأن الكتب لم ~~ينزل كالقرآن نجوما، فالمراد من الكتاب الجنس ليتناول التورية والإنجيل ~~وغيرهما من الكتب السماوية، لأنهم «7» كانوا مؤمنين بالكتابين فحسب، فأمروا ~~أن يؤمنوا بالجنس كله، ويجوز «8» أن يكون الخطاب للمسلمين فيكون معنى ~~«آمنوا» اثبتوا على الإيمان، والمراد ب «رسوله» جنس الرسل «9»، ويجوز أن ~~يكون الخطاب للمنافقين فمعنى «الذين آمنوا» صدقوا باللسان نفاقا، آمنوا ~~بالقلب إخلاصا، ثم هدد الجميع بقوله (ومن يكفر بالله) أي بتوحيده ~~(وملائكته) أي بأنهم عبيده (وكتبه) المنزلة من السماء (ورسله) المبعوثين ~~إليهم (واليوم الآخر) أي بالبعث بعد الموت (فقد ضل ضلالا بعيدا) [136] عن ~~الهدى، لا يرجى فلاحه. ### || [سورة النساء (4): الآيات 137 الى 138] # إن ms0342 الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) # ثم هدد الذين ترددوا في الإيمان وارتدوا عن الإسلام بعد وضوح الدليل ~~بقوله (إن الذين آمنوا) بموسى والتورية (ثم كفروا) بعد موسى (ثم آمنوا) ~~بعيسى والإنجيل (ثم كفروا) من «10» بعد عيسى (ثم ازدادوا كفرا) بمحمد عليه ~~السلام والقرآن، قيل: يجوز أن يكون المراد منه المرتدين عن دين محمد عليه ~~السلام كأبي عامر الراهب ومحارب وغيرهما، فانهم آمنوا بالنبي عليه السلام، ~~ثم كفروا به ثم آمنوا ثم كفروا ثم ماتوا على PageV01P245 # كفرهم «1»، فقال تعالى (لم يكن الله ليغفر لهم) إذا ماتوا على كفرهم (ولا ~~ليهديهم سبيلا) [137] أي طريقا إلى الحق، يعني لا يقبل توبتهم إن تابوا قبل ~~الموت اضطرارا وخوفا على أنفسهم أو أموالهم «2»، قالوا: إذا أسلم الكافر ~~أول مرة وداوم على إسلامه يغفر كفره السابق، فان أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم ~~كفر لا يغفر كفره السابق الذي غفر له لو دام «3» على الإسلام ويطالب بجميع ~~ما فعل في كفره الأول، قوله (بشر المنافقين) أي أخبرهم يا محمد، وضع فيه ~~«بشر» مكان أخبر تهكما بهم (بأن لهم عذابا أليما) -[138] ### || [سورة النساء (4): آية 139] # الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا (139) # ثم وصفهم بقوله (الذين يتخذون الكافرين) أي اليهود والنصارى (أولياء) أي ~~أصدقاء في العزة والنصرة (من دون المؤمنين) ثم قال باستفهام الإنكار توبيخا ~~(أيبتغون عندهم العزة) أي أيطلبون عنهم المعونة والظهور على محمد عليه ~~السلام (فإن العزة لله جميعا) [139] أي القوة والغلبة لأولياء الله كلهم لا ~~للكافرين، فنصب «جميعا» على الحال من الجار والمجرور بتقدير المضاف. ### || [سورة النساء (4): آية 140] # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) # (وقد نزل) مجهولا «4»، من التنزيل، والواو للحال ms0343 «5» (عليكم) أيها ~~المنافقون (في الكتاب) يعني في سورة الأنعام، ومفعول المجهول (أن) المخففة ~~من الثقيلة مع ما بعده، واسمه ضمير الشأن، أي أنه (إذا سمعتم آيات الله) أي ~~القرآن (يكفر بها ويستهزأ بها) فكان «6» اليهود يستهزؤن بالقرآن وهم ~~يستمعون ذلك (فلا تقعدوا) جواب «إذا»، أي لا تجالسوا (معهم) أي مع الكافرين ~~بالقرآن والمستهزئين به (حتى يخوضوا في حديث غيره) أي حتى يشرعوا «7» في ~~كلام آخر (إنكم إذا) أي إذا قعدتم معهم وسمعتم استهزاءهم ورضيتم به (مثلهم) ~~في الكفر، لأن ترك إنكار الكفر مع القدرة عليه رضي به، والرضا بالكفر كفر، ~~قال ابن عباس: «دخل في هذه الآية كل محدث في الدين ومبتدع إلى يوم القيامة» ~~«8»، وفيه دليل أن من جلس في مجلس المعصية ولم يقدر الإنكار على أهله يجب ~~أن يقوم عنهم حتى لا يكون معهم في الوزر «9» سواء، ثم هدد الخائضين ~~والمستمعين بالنفاق بقوله (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا) [140] إن ماتوا على كفرهم ونفاقهم، وقدم المنافقين هنا لأنهم شر من ~~الكفار. ### || [سورة النساء (4): آية 141] # الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان ~~للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) # ثم أخبر عن المنافقين بقوله (الذين يتربصون بكم) الدوائر، وهي عبارة عن ~~تغير الحال بالسوء عليكم، قيل: # محل الموصول جر صفة ل «المنافقين» أو نصب بدل من «الذين يتخذون» أو على ~~الذم أو رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف «10»، أي هم الذين ينتظرون بكم المصائب ~~أو العاقبة لكم أم لعدوكم (فإن كان لكم فتح) أي ظفر (من الله قالوا ألم نكن ~~معكم) في الجهاد على عدوكم، فأعطوهن نصيبا من الغنيمة (وإن كان للكافرين ~~نصيب) أي PageV01P246 # ظفر وغلبة على المؤمنين، وسمي ظفر المؤمنين فتحا، لأنهم يثابون به ونفتح ~~له أبواب السماء للقبول، وظفر الكافرين نصيبا، لأنه حقير، يزول ويعاقبون ~~عليه، وجزاء الشرط (قالوا) أي المنافقون للكفار (ألم نستحوذ) ms0344 أي ألم نغلب ~~(عليكم) بالموالاة لكم، من الاستحواذ وهو الاستيلاء على الشيء أو ألم ~~نطلعكم «1» على سركم ونخبركم عن حالهم بالإرسال إليكم أخبارهم واستعددتم ~~لهم بمرحمة منا لكم (ونمنعكم من المؤمنين) أي ألم ننحكم «2» عنكم بأن ~~خذلناهم عنكم فغلبتم عليهم، فقال تعالى (فالله يحكم بينكم) أيها المؤمنون ~~والمنافقون (يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) [141] ~~أي حجة أو طريقا بالغلبة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما الغلبة للكفار ~~في بعض الأوقات فهي لمظنة في الدنيا، يصيبونها لا الاستئصال أو ليس لهم ~~عليهم سبيل بالشرع، وبهذا يحتج بعض العلماء على أن الكافر لا يملك العبد ~~المسلم. ### || [سورة النساء (4): آية 142] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) # ثم بين حال المنافقين في الدنيا فقال (إن المنافقين يخادعون الله) أي ~~يعاملونه «3» معاملة الخادقين باظهارهم الإيمان بألسنتهم وكتمانهم الكفر في ~~صدورهم (وهو خادعهم) أي والحال أن الله يجازيهم جزاء خداعهم أو يعطون نورا ~~يوم القيامة كالمؤمنين، فيمشون على الصراط مع المؤمنين، فيمضي المؤمنون ~~بنورهم ويطفأ نور المنافقين، فيبقون في ظلمة لا غاية لها، ثم قال (وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) أي متثاقلين لا عن طيبة نفس ورغبة فيها ~~(يراؤن الناس) بفعلهم الخير لا يريدون به «4» وجه الله، ومعنى المراءة أن ~~يرى الناس عمله وهم يرونه استحسانه (ولا يذكرون الله إلا قليلا) [142] أي ~~إلا ذكرا نادرا وهو ما يجاهرون له سمعة للناس أو لا يصلون إلا قليلا، وهو ~~ما يصلون عند الناس لا في الغيبة عن عيونهم أو المراد بالقلة العدم، أي لا ~~يذكرونه أصلا، لأنهم يشتغلون بذكر الدنيا وحطامها ويستغرقون أوقاتهم ~~بحديثها وبحديث الناس واللغو. ### || [سورة النساء (4): آية 143] # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا (143) # قوله (مذبذبين) نصب على الحال من ضمير «يذكرون»، أي مرددين يرددهم ~~الشيطان (بين ذلك) أي بين الكفر والإيمان أو بين المؤمنين والكافرين (لا ~~إلى ms0345 هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي ليسوا مع المؤمنين في التصديق ولا مع الكافرين ~~في ظاهر الكفر، وهو أيضا حال بمعنى متلونين (ومن يضلل الله) عن الهدى (فلن ~~تجد له سبيلا) [143] أي طريقا إلى الهدى، لأنه خذله الله عنه. ### || [سورة النساء (4): آية 144] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا (144) # ثم نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا فقال (يا أيها الذين ~~آمنوا) بالإخلاص (لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ثم أكد النهي ~~بقوله (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) [144] أي حجة ظاهرة على ~~النفاق لتعذيبكم في الآخرة، لأن موالاة الكفار تشهد على النفاق، فيكون حجة ~~بينة على التعذيب. ### || [سورة النساء (4): آية 145] # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) # ثم بين مستقر المنافقين في الآخرة بقوله (إن المنافقين في الدرك الأسفل) ~~بفتح الراء والسكون «5»، أي في أخفض مكان (من النار) وهو قعر جهنم وسمي ~~هاوية (ولن تجد لهم نصيرا) [145] أي مانعا يمنعهم من العذاب، PageV01P247 # قيل: «هم في توابيت من حديد مقفلة في النار» «1»، وعذاب المنافق «2» أشد ~~من عذاب غيره من الكفرة لكفره ونفاقه واستهزائه بالدين. ### || [سورة النساء (4): آية 146] # إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع ~~المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) # ثم استثنى التائبين من النفاق بقوله (إلا الذين تابوا) أي رجعوا من ~~النفاق (وأصلحوا) الفاسد من أعمالهم (واعتصموا) أي تمسكوا (بالله) أي ~~بتوحيده (وأخلصوا دينهم) بقلوبهم (لله) لأن النفاق كفر القلب وإظهار ~~الإيمان باللسان في الشريعة، وأما تسمية الفساق باسم النفاق فمجاز وتغليظ ~~ليمتنع عن فسقه كما قال عليه السلام: «ثلث من كن فيه كان منافقا وإن صام ~~وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» «3»، ثم ~~قال تعالى في جزاء التائبين من النفاق (فأولئك مع المؤمنين) في الجنة أو ~~معهم فيما لهم وما عليهم في الدنيا (وسوف يؤت) بحذف ياء «يؤتى» خطا ms0346 اتباعا ~~للفظ، لأنه حذف لالتقاء الساكنين، أي يعطي (الله المؤمنين أجرا عظيما) ~~[146] في الآخرة فيشاركونهم ويساهمونهم. ### || [سورة النساء (4): آية 147] # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) # ثم قال باستفهام التقرير، أي تقرير أنه لا يعذب المؤمن الشاكر «4» تطييبا ~~لنفوس المؤمنين (ما يفعل الله بعذابكم) أي أي شيء يفعل بعذابكم (إن شكرتم) ~~الله (وآمنتم) به، أي وحدتموه، يعني ما حاجته إلى تعذيبكم لو آمنتم بربكم ~~خالقكم ورازقكم، وشكرتم له على نعمه التي أنعمها عليكم أيتشفى به من الغيظ ~~أم يستجلب به نفعا أو يستدفع «5» به ضررا كما يفعل السلاطين على رعاياهم ~~بعذابهم، وهو الغني الذي يستحيل عليه شيء من ذلك فان أقمتم بشكر نعمته ~~وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب، ويجوز أن يكون «ما» نافية، ~~أي لا يعذبكم إن شكرتموه (وكان الله شاكرا عليما) [147] أي مثيبا موفيا ~~أجوركم، عالما بحق شكركم وإيمانكم، وتقديم الشكر على الإيمان هنا مع أن ~~الأمر بالعكس إيذان بأن أصل التكليف الشكر المبهم، لأن العاقل إذا نظر إلى ~~ما أنعم عليه تصور منعما فشكر شكرا مبهما، فأدى ذلك إلى تجديد النظر لدرك ~~معرفة المنعم القديم فآمن به فشكر شكرا مفصلا فقدم الشكر على الإيمان من ~~هذا الوجه. ### || [سورة النساء (4): آية 148] # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) # قوله (لا يحب الله الجهر) أي أن تجهروا بين الناس بذكر رجل منهم (بالسوء ~~من القول) كالشتم والخبث وغير ذلك من الألفاظ القبيحة (إلا من ظلم) نصب على ~~الاستثناء بتقدير المضاف، أي إلا جهر من ظلمه شخص فيدعو عليه بقول اللهم ~~أعني عليه أو خذ لي حقي منه أو «6» بدئ بالشتم فرد مثله، نزل في شأن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه، شتمه رجل فسكت أبو بكر مرارا، ثم رد عليه «7»، ~~وقيل: نزل في الضيف الذي ينزل بالقوم فلم يحسنوا إليه، فله أن يذكر ما ~~فعلوا به، ويسب مثل ما يسبوه ما لم يكن كلاما فيه حد ms0347 والسكوت أفضل «8» ~~(وكان الله سميعا) لأقوالكم ودعائكم (عليما) [148] بأحوالكم وعقابكم إن ظلمتم. ### || [سورة النساء (4): آية 149] # إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) PageV01P248 # ثم حث على التجاوز وترك الانتصار بقوله (إن تبدوا) أي إن تظهروا «1» ~~(خيرا) أي حسنة (أو تخفوه) أي الخير (أو تعفوا عن سوء) أي عن مظلمة ولا ~~تجهروا بالسوء عن الظالم «2» (فإن الله كان عفوا قديرا) [149] يعفو عن ~~الجانين مع القدرة على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله وسنة رسوله. ### || [سورة النساء (4): آية 150] # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) # قوله (إن الذين يكفرون بالله ورسله) نزل إخبارا عن أهل الكتاب أنهم ~~يؤمنون بموسى وعيسى، ويكفرون بغيرهما من الأنبياء «3» (ويريدون أن يفرقوا ~~بين الله ورسله) ولا يعلمون أن الكافر برسول من رسله كافر بالله (ويقولون ~~نؤمن ببعض) كموسى وعزير (ونكفر ببعض) كعيسى ومحمد (ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك) أي بين الكفر والإيمان (سبيلا) [150] أي دينا وسطا بين الكفر ~~والإسلام، ولفظ «ذلك» يستعمل بمعنى المفرد، وهو الأغلب وقد يقع بمعنى ~~المثنى والجمع، وههنا بمعنى المثنى. ### || [سورة النساء (4): آية 151] # أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # ثم بين الله أن ما فعلوه كفر يقينا بقوله (أولئك هم الكافرون حقا) مصدر ~~مؤكد، أي كفرا كاملا لا شك فيه (وأعتدنا للكافرين) بجميع الرسل أو بعضهم ~~وبما أنزل إليهم (عذابا مهينا) [151] يهانون فيه أبدا. ### || [سورة النساء (4): آية 152] # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) # ثم بين ثواب المقرين بجميعهم بقوله (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا ~~بين أحد منهم) بالإيمان ببعض والكفر ببعض، وأدخل «بين» في «أحد» وهو يقتضي ~~المتعدد، لأن أحدا بمعنى الجمع هنا، لأنه لفظ يعبر به عن المفرد والمثنى ~~والجمع والمذكر والمؤنث، أي آمنوا بجميع رسل الله بلا تفرقة بينهم (أولئك ~~سوف يؤتيهم) بالياء والنون «4»، أي نعطيهم ms0348 (أجورهم) أي ثوابهم في الجنة «5» ~~(وكان الله غفورا) لمن تاب منهم (رحيما) [152] بهم لطاعتهم ربهم. ### || [سورة النساء (4): آية 153] # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) # قوله (يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء) نزل حين قال ~~علماء اليهود ككعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وأصحابهما: إن كنت نبيا يا ~~محمد فأت بكتاب من السماء جملة واحدة لا بالدفعات كما جاء به موسى تجهيلا ~~لهم وتسلية للنبي عليه السلام «6»، فقال تعالى إن استكبرت ما سألوه منك ~~(فقد سألوا) أي سأل آباؤعم وهم بمنزلتهم وعلى مذهبهم في الرضا بسؤالهم ~~(موسى أكبر من ذلك) أي مما سألوه منك (فقالوا أرنا الله جهرة) أي عيانا وهم ~~الذين ساروا مع موسى إلى طور سينا للاعتذار من ذنوبهم (فأخذتهم الصاعقة) أي ~~أحرقتهم النار النازلة من السماء (بظلمهم) أي بكفرهم وسؤالهم للرؤية عيانا ~~(ثم اتخذوا العجل) إلها مع ذلك السؤال وعبدوه في حال غيبة موسى (من بعد ما ~~جاءتهم البينات) أي العلامات بموسى على نبوته (فعفونا عن PageV01P249 # ذلك) كله بتوبتهم ولم نستأصلهم فليتوبوا هؤلاء فعفوا عنهم كما عفونا عن ~~آبائهم (وآتينا موسى سلطانا مبينا) [153] أي حجة ظاهرة عليهم، وهي اليد ~~والعصا ليطيعوه حين أمرهم بالتوبة بقتلهم أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه ~~وانقادوا لأمر القتل، والسيوف تتساقط عليهم فتابوا إلينا فتبنا عليهم برفع ~~السيوف والخناجر عنهم. ### || [سورة النساء (4): الآيات 154 الى 155] # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ~~بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) # ثم أخبر عن حالهم الأخرى بقوله (ورفعنا فوقهم الطور) أي قلعنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة (بميثاقهم) أي بسبب ميثاقهم ليخافوا ولا ينقضوه حين أقروا ms0349 ~~بما في التورية، ثم أبوا أن يقبلوا شرائعها (وقلنا لهم ادخلوا الباب) أي ~~باب أريحا (سجدا) حال، أي منحنين أصلابهم (وقلنا لهم لا تعدوا) أي لا ~~تتجاوزوا ما حرم عليكم إلى الاستحلال (في السبت) أي من أخذ السمك في يوم ~~السبت، يعني لا تستحلوا ذلك بعد ما حرم فيه، قرئ «لا تعدوا» بالتشديد مع ~~فتح العين وباختلاس حركتها مع التشديد، أصله لا تعتدوا، وبالتخفيف «1» من ~~عدا يعدو، ثم قال تعالى (وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [154] أي عهدا شديدا في ~~التورية ليفوا عليه، ثم تركوا عهدنا في هذه الأشياء ونقضوا الميثاق (فبما ~~نقضهم) الباء متعلقة بمحذوف و«ما» زائدة للتأكيد، ومعناه تحقيق أن العقاب ~~لم يكن إلا بنقض العهد، أي فبنقضهم «2» (ميثاقهم وكفرهم بآيات الله) أي ~~وبجحدهم ما في التورية أيضا (وقتلهم الأنبياء) أي وباهلاكهم أنبياءهم (بغير ~~حق) أي بلا جرم (وقولهم قلوبنا غلف) أي وبقولهم لك قلوبنا ذات غلاف فلا ~~نفقه حديثك وقرآنك «3»، فعلنا بهم ما فعلنا، وهو اللعنة والخذلان، فحذف ~~المسبب بدلالة ذكر السبب عليه تفخيما لشأنه، قوله (بل طبع الله عليها ~~بكفرهم) رد وإنكار لقولهم «قلوبنا غلف»، فيتعلق به على وجه الاعتراض، أي ~~خذل الله قلوبهم بسبب كفرهم، ومنعها الألطاف فصارت كالمطبوع عليها لا أنها ~~مغلوفة «4» بالخلقة «5» لا تقبل الذكر والإيمان (فلا يؤمنون إلا قليلا) ~~[155] أي إيمانا قليلا كالعدم، وهو الإيمان ببعض دون بعض أو القليل منهم ~~«6» عبد الله بن سلام وأصحابه. ### || [سورة النساء (4): الآيات 156 الى 157] # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) # ثم عطف قوله (وبكفرهم وقولهم) على قوله «فبما نقضهم»، أي ولعناهم أيضا ~~بكفرهم وقولهم (على مريم) أم عيسى (بهتانا عظيما) [156] وهو التزنية، فانهم ~~قذفوها بيوسف بن ماثان، خادم مسجد بيت المقدس أو بابن عمها، فبين الله ~~بهتانهم، وكذا قوله (وقولهم) عطف على قوله ms0350 «فبما نقضهم»، وفائدة المعطوفات ~~«7» المتعاقبة قبل الجواب تبيين أنهم استحقوا العذاب بمجموع هذه الأشياء ~~الشنيعة، أي لعناهم أيضا وخذلناهم بسبب كفرهم بعيسى وبسبب قولهم في حقه ~~بالافتخار (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) بالنصب في «عيسى» ~~و«رسول الله» عطف بيان للمسيح، وسموه رسول الله استهزاء به، وقيل: هو قول ~~الله لا قول PageV01P250 # اليهود «1»، وذلك: أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى فهرب منهم، ودخل في ~~بيت فأمر ملكهم رجلا بأن يدخل عليه اسمه يهوذا، فجاء جبرائيل ورفع عيسى إلى ~~السماء، فلما دخل الرجل البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى وشكله عليه، ~~فلما خرج من البيت ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه «2»، فقال تعالى في شأن ~~عيسى عليه السلام (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) المقبول بعيسى ~~فاختلفوا فيه، فقالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان صاحبنا فأين ~~عيسى؟ ويجوز أن يسند «شبه» إلى «لهم» بمعنى وقع التشبيه لهم بعيسى، ثم قال ~~تعالى (وإن الذين اختلفوا فيه) أي في عيسى (لفي شك منه) لأن بعض اليهود ~~قالوا نحن قتلناه، وكذا قال «3» بعض النصارى نحن قتلناه، وقال البعض من ~~الفريقين: ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء، بل رفعه الله إلى السماء (ما لهم به) ~~أي بقتله (من علم) أي يقين، يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل ~~(إلا اتباع الظن) استثناء منقطع، أي لكنهم اتبعوا ظنهم في قتل عيسى لما ~~لاحت لهم «4» أمارة ذلك، ثم أكد «5» كذبهم بقوله (وما قتلوه) أي عيسى ~~(يقينا) [157] نصب على الحال، أي متيقنين أو مصدر، أي قتلا يقينا. ### || [سورة النساء (4): آية 158] # بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) # (بل رفعه الله إليه) أي إلى حفظه في السماء في شهر رمضان ليلة القدر، ~~وقيل: «في يوم عاشوراء بين الصلوتين» «6» (وكان الله عزيزا) أي منيعا حيث ~~منع عيسى من القتل (حكيما) [158] أي صانعا بحكمة حيث رفعه إلى السماء، وشبه ~~صاحبهم بعيسى. ### || [سورة النساء (4): آية 159] # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ms0351 قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) # قوله (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) إخبار من الله لنبيه ~~عليه السلام قبل موتهم للوعيد، وتعجيل الإيمان به في وقت الانتفاع به بأنه ~~«7» ما أحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلا والله ليؤمنن بعيسى بعد ~~نزوله من السماء على صخرة بيت المقدس، ويقتل الدجال ويكسر الصليب ويهدم ~~البيع والكنائس حتى يكون الملة واحدة، وهي دين الإسلام قبل موت عيسى، قيل: ~~يبقى عيسى بعد نزوله من السماء في الأرض أربعين سنة نبيا إماما مهديا على ~~دين محمد عليه السلام ويقع الأمنة في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل ~~والنمور مع البقر والذياب مع الغنم والصبيان مع الحيات والعقارب، ثم يموت ~~ويصلي عليه هذه الأمة «8»، وقيل: الهاء في «موته» للكتابي «9»، والمعنى: أن ~~كل كتابي قبل موته بيسير يؤمن بعيسى حين لا ينفع الإيمان سواء احترقوا أو ~~غرقوا أو قتلوا بالسيف لا بد أن يؤمنوا أو الضمير في «به» لله أو لمحمد ~~(ويوم القيامة يكون) إيمانهم أو عيسى (عليهم شهيدا) [159] بأنه قد بلغهم ~~الرسالة فيشهد على اليهود أنهم كذبوه وقذفوه وأمه، وعلى النصارى أنهم ادعوا ~~فيه الألوهية. ### || [سورة النساء (4): آية 160] # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله ~~كثيرا (160) # قوله (فبظلم) يتعلق بقوله «حرمنا» بعده، أي فبشرك (من الذين هادوا) أي من ~~اليهود (حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) من المطاعم وغيرها أو فبكل ظلم صدر ~~منهم من الصغير والكبير حرم عليهم بعض الطيبات، وهي التي حرمت عليهم في ~~سورة الأنعام (وبصدهم) أي وبصرفهم (عن سبيل الله) أي عن دينه (كثيرا) [160] ~~من الناس. PageV01P251 ### || [سورة النساء (4): آية 161] # وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما (161) # (وأخذهم الربوا) عطف على «بصدهم» (وقد نهوا عنه) أي والحال أنهم نهوا عن ~~أخذهم الربوا في التورية (وأكلهم) أي وبأخذهم وأكلهم (أموال الناس بالباطل) ~~أي بالرشوة في الحكم وتحريف الكتاب (وأعتدنا للكافرين) بالقرآن ومحمد عليه ~~السلام (منهم) ms0352 أي من اليهود (عذابا أليما) [161] أي وجيعا دائما. ### || [سورة النساء (4): آية 162] # لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك ~~سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # قوله (لكن الراسخون) استدراك من كفر اليهود وقولهم هذه الأشياء كانت ~~حراما في الأصل ولم تكن «1» حرمت بظلمنا، فقال تعالى: لكن المبالغون (في ~~العلم) أي في علم الدين حقيقة، وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه (منهم) أي من اليهود (والمؤمنون) أي المصدقون بك وبالقرآن من ~~الأنصار والمهاجرين (يؤمنون بما أنزل إليك) أي بالقرآن (وما أنزل من قبلك) ~~أي بجميع الكتب (والمقيمين الصلاة) نصب على المدح لبيان فضل الصلوة على ~~سائر الطاعات لقوله عليه السلام: «الصلوة وجه دينكم فلا تكدروه» «2»، ~~وقوله: «الصلوة خير موضع» «3»، ومثل هذا كثير جدا في كلام العرب، ومنه ~~النصب على الاختصاص، فمن زعم أنه لحق في خط المصحف لا يلتفت إليه، لأنه ~~ثابت بالتواتر، وقيل: «والمقيمين» جر عطف على «بما أنزل إليك»، أي ويؤمنون ~~«4» بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلوة، وهم الأنبياء عليهم السلام «5»، ~~والأول أوجه «6»، قوله «7» (والمؤتون الزكاة) عطف على «الراسخون» «8» أو ~~على ضمير الفاعل في «يؤمنون»، أي الذين يعطون الصدقة المفروضة (والمؤمنون ~~بالله واليوم الآخر) أي المصدقون بتوحيد الله وبالبعث بعد الموت (أولئك ~~سنؤتيهم) بالياء والنون «9»، أي سنعطيهم في الآخرة (أجرا عظيما) [162] أي ~~ثوابا كبيرا وهو الجنة. ### || [سورة النساء (4): آية 163] # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) # قوله (إنا أوحينا إليك كما أوحينا) نزل جوابا لليهود حيث قالوا للنبي ~~عليه السلام: إن كنت نبيا حقا فأتنا بكتاب من السماء كموسى «10»، فأخبر ~~تعالى إعلاما لهم بأنه في شأن الوحي كمن تقدمه من الأنبياء، فقال: # إنا أوحينا القرآن إليك مثل الذي أوحيناه (إلى نوح والنبيين من بعده) أي ~~من بعد نوح «11»، وإنما بدأ بنوح، لأنه أول المنذرين، لأنه لم يكن ms0353 شرك قبله ~~وإنما ظهر في زمانه، أي الموحى إليك منا كالموحى إلى جميع الأنبياء عليهم ~~السلام من التوحيد والإيمان، يعني أوحي إليك لأن تثبت على التوحيد وتأمر ~~الناس بالإيمان بالتوحيد كما أوحي إليهم لأن يثبتوا «12» على التوحيد ~~ويدعوا الناس إلى الإيمان بالتوحيد ورفع الشرك (وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق) وهما ابنا إبراهيم (ويعقوب) وهو ابن إسحاق (والأسباط) وهم ~~أولاد يعقوب، PageV01P252 # وكانوا اثني عشر سبطا، فأمرنا أنبياءهم بالوحي لأن يثبتوا على التوحيد ~~ويدعوا الناس إليه (وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان) أي أوحينا إليهم «1» ~~كذلك (وآتينا داود زبورا) [163] بضم الزاء جمع زبر مصدر بمعنى مزبور، أي ~~أعطيناه صحفا مزبورة، أي مكتوبة، وبفتح الزاء «2» اسم لكتاب داود عليه ~~السلام، كان فيه التوحيد والتمجيد والتحميد والثناء على الله تعالى، وكان ~~لداود حسن الصوت، فيخرج إلى البرية فيقوم العلماء خلفه ويجتمع الإنس والجن ~~والدواب والطيور لحسن صوته، فلما أذنب الذنب المعروف لم ير ذلك فحزن، فقال ~~الله له ذلك حلاوة الطاعة وهذا وحشة المعصية. ### || [سورة النساء (4): آية 164] # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما (164) # (ورسلا) نصب بفعل يفسره ما بعده أو تقديره: وأوحينا أو أرسلنا أنبياء (قد ~~قصصناهم عليك من قبل) أي سميناهم لك بمكة (ورسلا لم نقصصهم عليك) بأسمائهم ~~فكما أرسلناهم إلى الناس لدعوتهم إلى التوحيد أرسلناك لدعوة المشركين إلى ~~الإيمان به ورفع الشرك، روي عن كعب الأحبار أنه قال: «كان الأنبياء ألفي ~~ألف ومائتي ألف» «3»، وروي عن أبي ذر أنه قال: قلت يا رسول الله! كم كانت ~~الأنبياء وكم كان المرسلون؟ # قال: كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، وكان المرسلون ~~ثلثمائة وثلثة عشر مرسلا، ولما لم يذكر موسى فيهم قالت اليهود للنبي عليه ~~السلام أكلم الله موسى أم لا فنزل «4» (وكلم الله موسى تكليما) [164] نصب ~~مصدر مؤكد، وإنما خص موسى بالتكليم مع أن الله تعالى كلم غيره لأنه كلمه ~~وأوحي إليه من غير واسطة، وقيل: كلمه بكلام لم يبلغه إلى قومه ولا أمره ms0354 ~~بتبليغه «5». ### || [سورة النساء (4): آية 165] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما (165) # قوله (رسلا) نصب على التكرير أو نصب على المدح (مبشرين ومنذرين) حالان، ~~أي أرسلنا رسلا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، ثم علل الإرسال بقوله (لئلا ~~يكون للناس على الله حجة) يوم القيامة (بعد) إرسال (الرسل) إليهم فيقولوا ~~«6» ما أرسلت إلينا رسولا فكيف تعذبنا، قيل: لو لم يرسل الله إليهم رسولا ~~كان ذلك عدلا منه لموهبته العقل الذي به يعرف التوحيد لهم، ولكنه أرسل ~~الرسول فضلا منه ليكون تنبيها على النظر مع تبليغ ما حملوه من التكليف ~~الديني وتعليم الشرائع وإزاحة للعلة وزيادة في الحجة عليهم «7» (وكان الله ~~عزيزا) بالنقمة لمن كفر به (حكيما) [165] يرسل الرسل لحكمة منه. ### || [سورة النساء (4): آية 166] # لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله ~~شهيدا (166) # قوله (لكن الله يشهد بما أنزل إليك) نزل حين قال مشركو مكة: إنا سألنا ~~عنك اليهود فلم يعرفوك، فقال عليه السلام لليهود: والله إنكم عالمون أني ~~على الحق، فقالوا: ما نعلم ذلك «8»، فقال تعالى: لا يشهد اليهود لكن الله ~~يشهد بأنك نبي وبما أنزل إليك من القرآن بأن جعله معجزا على مرور الأزمان، ~~يشهد أنك على الحق فانه أعظم شهادة من خلقه، وفيه اختصار لاقتضاء «لكن» ~~الاستدراك عن نفي شيء قبلها لإيجاب ذلك الشيء بعدها، وقوله (أنزله بعلمه) ~~تفسير للمنزل، ومحل «بعلمه» حال، أي أنزله ملابسا بعلمه الخاص الذي لا ~~يعلمه غيره، وهو ما فيه من نظم «9» وأسلوب من البلاغة، يعجز عنه كل بليغ، ~~وهو المراد بكونه شاهدا عليه PageV01P253 # أو أنزله بما يعلم «1» من مصالح العباد (والملائكة يشهدون) أي إنهم ~~يشهدون أيضا على صدقك كالذي شهدت عليه، لأن شهادتهم تبع بشهادتي (وكفى ~~بالله شهيدا) [166] وإن لم يشهد أحد من خلقه، إذ لا أحد أفضل شهادة من الله ~~لك ولغيرك باظهار المعجزات الدالة على صحة شهادتي على يدي من أشاء من عبادي. ### || [سورة النساء (4): آية 167] # إن الذين كفروا وصدوا عن ms0355 سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) # ثم قال (إن الذين كفروا) بالقرآن وبمحمد عليه السلام (وصدوا) أي صرفوا ~~الناس «2» (عن سبيل الله) أي عن طريق الهدى بكتم نعت محمد عليه السلام (قد ~~ضلوا) عن الحق (ضلالا بعيدا) [167] لا يدرك غوره. ### || [سورة النساء (4): آية 168] # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) # (إن الذين كفروا) بالله (وظلموا) بكتم نعت محمد عليه السلام أنفسهم ~~وجحدهم نبوته (لم يكن الله ليغفر لهم) ما داموا على كفرهم وظلمهم بذلك (ولا ~~ليهديهم) أي ولا يرشدهم (طريقا) [168] من الطرق. ### || [سورة النساء (4): آية 169] # إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) # (إلا طريق جهنم) وهو دين الكفر أو العمل الذي يجرهم إلى جهنم أو طريقا ~~يوم القيامة ينتهي بهم إليها، قيل: «يرفع لأهل الإيمان في الموقف طريق يأخذ ~~بهم إلى الجنة، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار» «3» (خالدين ~~فيها أبدا) أي لا يخرجون عنها معذبين بها (وكان ذلك) أي خلودهم فيها ~~وعذابهم في النار (على الله يسيرا) [169] أي هينا عليه لا يعجز عنه، قيل: ~~هذا لمن سبق علمه فيهم أنهم لا يؤمنون «4». ### || [سورة النساء (4): آية 170] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) # قوله (يا أيها الناس) خطاب لأهل مكة تحريضا على الإيمان وترك الشرك (قد ~~جاءكم) أي ظهر فيكم (الرسول) وهو محمد عليه السلام (بالحق) أي ملابسا ~~بالصدق أو بالشرع أو بكلمة «لا إله إلا الله» وهو التدحيد (من ربكم) الذي ~~خلقكم وصوركم (فآمنوا) أي صدقوا به بما جاء من التوحيد ونفي الشرك (خيرا ~~لكم) نصبه «5» مفعول به، أي اقصدوا خيرا لكم مما أنتم فيه أو صفة مصدر ~~محذوف، أي إيمانا خيرا أو خبر «كان» المحذوفة، أي يكن الإيمان خيرا لكم، ثم ~~قال تهديدا لهم باظهار غناه عنهم وعن إيمانهم (وإن تكفروا) بمحمد وما جاء ~~به من الحق (فإن لله ما ms0356 في السماوات والأرض) أي كله له عبيد وإماء وهو «6» ~~غني عنكم (وكان الله عليما) بخلقه من يؤمن ومن يكفر (حكيما) [170] بأمره في ~~الثواب والعقاب. ### || [سورة النساء (4): آية 171] # يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا ~~بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) # ثم خاطب النصارى بقوله (يا أهل الكتاب) أي أهل الإنجيل «7» (لا تغلوا) أي ~~لا تتجاوزوا الحد (في دينكم) بأن تشركوا الله عيسى الذي هو عبده في ~~الألوهية (ولا تقولوا على الله إلا الحق) نصب على أنه مقول «تقولوا» بمعنى ~~تذكروا أو تعتقدوا، أي لا تذكروا «8» على الله إلا القول الحق، وهو التنزيه ~~عن الشريك والولد وغلوهم في عيسى هو أن بعضهم قال: ثالث ثلثة آلهة عيسى ~~ومريم والله، وبعضهم قال: هو الله، وبعضهم قال: إنه ولده، وقالت اليهود: هو ~~ولد زنا، والله تعالى كذبهم كلهم بقوله (إنما المسيح عيسى ابن مريم) مبتدأ PageV01P254 # وعطف بيان، خبره (رسول الله وكلمته) لأنه وجد بقوله لعيسى «كن» فكان من ~~غير أب، ومحل (ألقاها إلى مريم) حال، وقد معه مقدرة، أي والحال أن الله ~~أخبرها بالكلمة من غير أب ولا نطفة، قيل: «أتى جبرائيل فينفخ في جيب درع ~~مريم، فدخلت تلك النفخة بطنها فتحرك عيسى في بطنها» «1»، قوله (وروح منه) ~~عطف على «رسول الله» وسمي روحا، لأنه وجد بمجرد النفخ من غير جزء من ذي جسد ~~حي كالنطفة المنفصلة من الأب، وأضيف إلى «الله» بقوله منه تشريفا له، ثم ~~قال (فآمنوا بالله ورسله) أي وبما جاءكم رسله منه أنه واحد في الألوهية لا ~~شريك له ولا ولد له ولا نسبة بينه وبين عيسى، فانه جزء من مريم لا من الله، ~~خلق من غير أب، ومركب مثلها (ولا تقولوا ثلاثة) أي الآلهة ثلثة، والله ثالث ms0357 ~~ثلثة (انتهوا) يكن الانتهاء عنه (خيرا لكم) من القول به، يعني توبوا إلى ~~الله بالتوحيد ولا تصروا على الكفر (إنما الله إله واحد) وتأكيده قوله ~~(سبحانه أن يكون له ولد) أي نزه نفسه عن ذلك تنزيها، ثم بين تنزيهه بقوله ~~(له ما في السماوات وما في الأرض) من الخلق، يعني كل ما فيهما ملكه، فكيف ~~يصح أن يكون بعض ملكه جزء له على أن الجزء انما يكون بالتركيب والجسم وهو ~~منزه عن صفات الأعراض والأجسام (وكفى بالله وكيلا) [171] أي شاهدا يشهد على ~~أنه واحد وإن لم يشهد غيره أو كفى وكيلا يكل الخلق إليه أمورهم لافتقارهم ~~إليه وهو الغني عنهم. ### || [سورة النساء (4): آية 172] # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن ~~عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) # قوله «2» (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله) نزل حين قال وفد نجران ~~للنبي عليه السلام عند المناظرة به في أمر عيسى: إنك تسب عيسى بقولك إنه ~~عبد الله «3»، فقال تعالى لا يأنف المسيح عيسى «4» أن يكون عبد الله، يعني ~~أنه مقر بعبوديته له تعالى، يقال نكف واستنكف إذا أنف، وأصله تنحية الدمع ~~«5» من الخد (ولا الملائكة المقربون) عطف على «المسيح» وهو الظاهر في أداء ~~الغرض من الكلام بخلاف عطفه على اسم «يكون» «6»، أي ولا حملة العرش يأنفون ~~أن يكونوا عيدا لله، فانهم أقرب إليه من عيسى، فكيف يأنف عيسى وهو عبد من ~~عباده، ويدل على أن عبيدا هو المحذوف «7» قوله «عبدا لله»، ولو لم يقدر ~~الحذف فيه لم يصح العطف، لأن الملائكة جمع و«عبدا لله» مفرد، وقيل: يجوز أن ~~يكون المراد من «الملائكة» كل واحد منهم، فحينئذ يصح العطف «8»، قيل: في ~~الكلام ارتقاء من الأدنى إلى الأعلى، وهو يدل على أن الملائكة مفضلون على ~~البشر، وأجيب عنه بأن سوق الكلام رد على الذين يقولون الملائكة آلهة كما رد ~~على النصارى أن عيسى إله أو ولد لله لا لتفضيل الملائكة على البشر «9» (ومن ~~يستنكف) أي يأنف (عن عبادته) أي ms0358 عن العبودية لله (ويستكبر) أي ويتعظم عن ~~طاعته (فسيحشرهم إليه) أي «10» إلى الله (جميعا) [172] فيأمر بهم إلى النار. ### || [سورة النساء (4): آية 173] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما ~~الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (173) # ثم قال في شأن الموحدين (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي الطاعات ~~التي بينهم وبين ربهم (فيوفيهم أجورهم) أي يتم ثواب أعمالهم (ويزيدهم من ~~فضله) أي من رزقه في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر، ثم قال تأكيدا في شأن المستنكفين عن عبادته (وأما الذين استنكفوا) أي PageV01P255 # أنفوا (واستكبروا) عن عباتده تعالى (فيعذبهم عذابا أليما) أي وجيعا دائما ~~(ولا يجدون لهم من دون الله وليا) أي قريبا يعينهم (ولا نصيرا) [173] أي ~~مانعا يمنعهم من عذابه، قيل: التفصيل هنا غير مطابق للمفصل، لأنه غير مشتمل ~~على الفريقين، بل على فريق واحد، والمفصل ينبغي أن يشتملهما معا، أجيب بأنه ~~قد انطوى ذكر أحدهما لدلالة التفصيل عليه أو هو من قبيل الاكتفاء «1» ~~لدلالة قوله «لن يستنكف المسيح» الآية عليه. ### || [سورة النساء (4): آية 174] # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) # ثم قال تعالى خطابا لأهل مكة ترغيبا في الإيمان (يا أيها الناس قد جاءكم ~~برهان من ربكم) أي حجة واضحة عليكم وهو محمد عليه السلام بالمعجزات التي ~~يعجز عنها البشر (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) [174] وهو القرآن الذي يصدقه ~~بالبيان الشافي في الحلال والحرام وفي الهدى والضلال. ### || [سورة النساء (4): آية 175] # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) # (فأما الذين آمنوا بالله) أي بدينه الحق (واعتصموا به) أي تمسكوا بتوحيده ~~(فسيدخلهم في رحمة منه) أي في ثواب مستحق منه (وفضل) أي وفي تفضل «2» عليه ~~في الآخرة (ويهديهم) أي ويرشدهم (إليه) أي «3» إلى دينه الموصل إلى معرفته ~~في الدنيا حال كونه (صراطا مستقيما) [175] وهو دين الإسلام الذي «4» لا عوج ~~فيه ms0359 علما وعملا. ### || [سورة النساء (4): آية 176] # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها ~~نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم ~~أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # قوله (يستفتونك قل الله يفتيكم) نزل حين جاء النبي عليه السلام إلى عيادة ~~جابر بن عبد الله في مرض موته فسأله، فقال: إن لي كلالة من الورثة لمن ~~الميراث منها؟ «5» فقال تعالى: «قل الله يفتيكم» (في الكلالة) وهي من لا ~~ولد له ولا والد له (إن امرؤ) «إن» شرط، و«امرؤ» مرفوع بفعل يفسره (هلك) ~~ومحل (ليس له ولد) رفع صفة «امرؤ»، والمراد بال «ولد» الابن، يدل عليه قوله ~~(وله أخت) من أبيه أو من الأب والأم، لأن الابن يسقط الأخت والبنت لا ~~تسقطها، أي إن مات رجل ليس له ابن وله أخت (فلها نصف ما ترك) من المال، ثم ~~بين ميراث الأخ من أختها بقوله (وهو يرثها) يجعله «6» عصبة لها، أي إن ماتت ~~الأخت ولها أخ فالأخ وارثها (إن لم يكن لها ولد) أي ابن، لأن البنت لا تسقط ~~الأخ ويسقطه الابن، ولم يذكر الوالد، لأن ذكر الولد يدل عليه، إذ الأب نظير ~~الابن في الإسقاط، فاذا ورث الأخ عند انتفاء الولد وهو أقرب فأولى أن يرثها ~~عند انتفاء الوالد وهو أبعد أو وكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة وهو ~~قوله عليه السلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر» «7»، ~~والأب أولى من الأخ، ثم لو كان لأحدهما من الأخ والأخت ولد، فمات أحدهما ~~فالحكم فيه بين على لسان رسوله لا في الآية، لأنه قال: «إذا مات الأخ وترك ~~ابنة وأختا فللابنة النصف وما بقي للأخت ولو ماتت الأخت وتركت ابنة وأخا ~~فللابنة النصف وما بقي للأخ» «8»، PageV01P256 # وهذا إجماعي، وفي الأول اختلاف، لأن ابن عباس قال: «لا ترث الأخت مع ~~البنت شيئا» «1»، وخالفه ms0360 جميع الصحابة وجعلوا الأخوات مع البنات عصبة ~~بالحديث، قوله (فإن كانتا) أي الأختان، أصله فان كان الوارث، فثني «2» ~~لتثنية الخبر وأنث لتأنيثه وهو (اثنتين) فصاعدا (فلهما الثلثان مما ترك) ~~الميت، والمراد من ذكر «اثنتين» بيان مجرد العدد بالتأكيد، لأن كونهما ~~اثنتين معلوم من «كانتا»، وقيل: إنما جيء ب «اثنتين» تأكيدا ليعلم أن ~~الصغيرة ترث كما ترث الكبيرة «3» (وإن كانوا) أي الورثة (إخوة رجالا ونساء) ~~أي ذكورا وإناثا، أصله: وإن كان الوارث فجمع لجمع الخبر المشتمل على الذكور ~~والإناث، وأطلق عليه الإخوة تغليبا للذكورة على الأنوثة (فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين) منهم، أي يكون لكل أخ سهمان ولكل أخت سهم، هذا إذا كان الكل من ~~الأب أو من الأب والأم، فأما إذا كانوا من الأم خاصة فهم شركاء في الثلث ~~على السوية بالإجماع، وقد ذكر في أول هذه السورة (يبين الله لكم) أي الحق ~~أو قسمة المواريث (أن تضلوا) أي مخافة أن تخطئوا في قسمتها، فمحل «أن ~~تضلوا» نصب «4» مفعول له (والله بكل شيء عليم) [176] من قسمة المواريث ~~وغيرها، فاتبعوا ما أنزله الله عليكم بعلمه من الكتاب، روي: أن قوله ~~«يستفتونك» إلى آخره نزل في طريق الوداع في الصيف ولذا سمي به آية الصيف «5». PageV01P257 ### | سورة المائدة # مدنية إلا قوله «اليوم أكملت لكم» «1» الآية، نزل بعرفة «2» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المائدة (5): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) # (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) قال المفسرون لما ابتدأ الله في ~~سورة النساء بالأمر بتقواه للناس ليوحدوه ويطيعوه مع بيان أنه خلقهم وكثرهم ~~من نفس واحدة رجالا ونساء، ووصاهم بقسمة المواريث بينهم على المقادير التي ~~فرضها في الوصية وبيان الحدود والأحكام والعدل والظلم، ثم ختم السورة بقسمة ~~المواريث التي لم يذكرها في الوصية على المقادير المفروضة فيها بين الإخوة ~~«3» والأخوات، أكدهم حفظ ذلك كله في هذه السورة بالأمر بالوفاء بعهده ~~المؤكد ms0361 في دين الله من تحليل حلاله وتحريم حرامه، وبالعدل بين عباده في ~~القسم وغيره بقوله «أوفوا بالعقود»، جمع العقد وهو العهد الموثق، وهو يشتمل ~~كل واجب ذكر في القرآن من الأمر والنهي والنذور والأيمان التي بين الله ~~وبين عباده أو فيما بينهم وحفظ الأمانة من المال والسر وتمييز الحلال ~~والحرام، وهو أمر مجمل، ثم عقب بالتفصيل بقوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي ~~أحل الله لكم ذبحها وأكلها، والبهيمة كل حي لا يميز «4»، وإنما سمي بها ~~لأنه أبهم عن التمييز أو لعدم النطق، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، ~~واختلف في أجنتها في البطن، أباحها الشافعي إذا ذبحت أمهاتها، وحرمها أبو ~~حنيفة، وإضافة البهيمة إلى الأنعام أضافة تبيين كاضافة ثوب خز، أي بهيمة من ~~الأنعام، قوله (إلا ما يتلى عليكم) نصب استثناء من «بهيمة الأنعام»، أي ~~أحلت لكم هذه الأشياء إلا ما يذكر لكم تحريمه منها بعد (غير محلي الصيد) ~~نصب على الحال من الضمير في «لكم» من «أحلت لكم» أو من الضمير في «عليكم» ~~لكونه من تتمة الكلام الأول، والعامل «أحلت» على الوجهين، أي أحلت لكم غير ~~مبيحين الصيد (وأنتم حرم) أي والحال أنكم في الإحرام، وال «حرم» جمع حرام ~~وهو المحرم، والجملة حال من «محلي الصيد»، أي أحللنا لكم بعض الأنعام في ~~حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم (إن الله يحكم) بين ~~عباده (ما يريد) [1] من التحليل والتحريم لا اعتراض عليه. ### || [سورة المائدة (5): آية 2] # يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم ~~فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد العقاب (2) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله) نزل نهيا عن تحليل ما ~~حرم «5»، وال «شعائر» جمع شعيرة، وهي PageV01P258 # العلامة، أي علامات «1» طاعة الله، والمراد مناسك الحج كالوقوف والرمي ms0362 ~~والطواف والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك، ومعنى إحلال الشعائر أن يتهاون ~~بحرمتها وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها (ولا الشهر الحرام) أي لا تحلوا ~~القتال في أشهر «2» الحج (ولا الهدي) أي ولا تحلوا كل «3» ما يهدى إلى ~~البيت، جمع هدية، وقيل: # مصدر صار اسما له «4» (ولا القلائد) أي ولا تحلوا الهدايا ذوات القلائد، ~~جمع قلادة، وهي يعلق في عنق راحلة الحاج من شعر أو وبر أو لحاء شجر أو غير ~~ذلك ليأمن في الطريق، وكانوا في الجاهلية إذا خرجوا إلى مكة قلدوا هداياهم ~~فامنوا به، لأنه يعرف به أنهم كانوا حجاجا، فأمرهم الله تعالى بحفظ ذلك وأن ~~لا يستحلوها فنهوا عن التعرض لهم، وعطفت على «الهدي» وإن كانت منها تفضيلا ~~لها كعطف جبرائيل على الملائكة (ولا آمين البيت الحرام) أي ولا تحلوا قتال ~~قاصدين المسجد الحرام سواء كانوا «5» من المؤمنين، يعني الحجاج والعمار أو ~~كانوا «6» من المشركين الذين يأتونه لقصد الثواب بزعمهم ويأتون بالنعم ~~الكثيرة توسعة لمعاش الحجاج، ثم نسخ «7» بقوله «اقتلوا المشركين» «8»، قوله ~~(يبتغون) نصب على الحال من «آمين»، أي يطلبون (فضلا) أي رزقا بالتجارة ~~وثوابا بالحج (من ربهم ورضوانا) أي رضي الله بأن يغفر للمؤمنين ويصلح معائش ~~المشركين ولا يعجل لهم بالعقوبة، ثم أباح لكم الصيد فقال (وإذا حللتم ~~فاصطادوا) أي إذا خرجتم من إحرامكم ومن حرم الله وأمنه إلى حله حل لكم ~~الاصطياد (ولا يجرمنكم) بفتح الياء، من جرم بمعنى كسب، وفاعله (شنآن قوم) ~~بفتح النون وسكونها «9»، أي بغضكم، يعني لا يحملنكم عداوة قوم وهم كفار مكة ~~(أن صدوكم) بفتح الهمزة، أي لأجل صدهم إياهم (عن المسجد الحرام) عام ~~الحديبية وبكسرها «10» شرطا مستقبلا، أي إن يصدوكم في المستقبل مثل ما مضى ~~منهم في عام الحديبية (أن تعتدوا) أي على أن تتجاوزوا «11» الحد عليهم في ~~المكافاة «12» بالقتل وأخذ الأموال وهو مفعول «لا يجرمنكم» (وتعاونوا) أي ~~تناصروا «13» (على البر) أي على اتباع أمر الله والعمل به (والتقوى) أي ~~وعلى اجتناب ما نهى الله عنه (ولا تعاونوا على الإثم) ms0363 أي الكفر والانتقام ~~والتشفى (والعدوان) أي الظلم وجاء في الحديث: «البر حسن الخلق، والعدوان ما ~~حاك في صدرك من الشر وكرهت أن يطلع عليه الناس» «14» (واتقوا الله) أي ~~اخشوه فيما يأمركم به وأطيعوه (إن الله شديد العقاب) [2] حين عاقب. ### || [سورة المائدة (5): آية 3] # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) # قوله (حرمت عليكم الميتة) نزل في تحريم ما كانوا يحلونه «15»، والميتة كل ~~ما مات حتف أنفه بغير ذكوة شرعية، أي حرم عليكم أكلها (والدم) أي شربه، وهو ~~الدم المسفوح، لأن الدم الذي بقي بعد الإنهار فهو PageV01P259 # مباح كالكبد والطحال (ولحم الخنزير) والمراد كله من الشحم والعظم وغيرهما ~~مما يلتحم به، فانه حرام بالإجماع (وما أهل لغير الله به) أي وحرم عليكم ~~أكل ما ذبح لغير «1» الله بذكره، يعني «2» بذكر اسم الصنم كقول الجاهلية ~~عند الذبح باسم اللات والعزى، وأصل الإهلال رفع الصوت، فسمي الذبح باسم ~~الإهلال لرفعهم الصوت عند الذبح بذكر آلهتهم (والمنخنقة) أي وحرم أكل ~~المنخنقة وهي الشاة التي تنخنق «3» أو تخنق فتموت «4»، فان بعض الكفار ~~يستحلونها ويأكلونها (والموقوذة) أي وحرم عليكم المضروبة بالخشب وغيره حتى ~~تموت «5» (والمتردية) وهي الشاة التي تسقط من الجبل إلى منخفض أو في بئر ~~فتموت «6» (والنطيحة) وهي الشاة المنحوطة التي تنحط بقرن صاحبها فتموت (وما ~~أكل السبع) أي وحرم أكل ما بقي مما أكله السبع (إلا ما ذكيتم) أي إلا ما ~~أدركتم ذكاته فذكيتموه «7» قبل أن يموت «8» فلا بأس بأكله، وهو استثناء مما ~~يمكن ذكاته من المنخنقة إلى ما أكله «9» السبع، يعني كل واحدة من هذه إذا ~~أدركت وبها حيوة فذبحت حلت، نص عليه أبو حنيفة رحمه الله أو قبل أن ms0364 تصير ~~إلى حالة «10» المذبوح فذبحت حلت، نص عليه الشافعي رحمه الله (وما ذبح على ~~النصب) عطف على قوله «الميتة»، أي وحرم عليكم أكل ما ذبح على النصب، جمع ~~نصاب وهو حجارة «11» منصوبة حول البيت يعبدونها ويذبحون عندها، ويشرحون ~~اللحم عليها تعظيما لها وتقربا إلى الله بذلك (وأن تستقسموا بالأزلام) عطف ~~على «الميتة»، والاستقسام طلب معرفة ما قسم له مما لم يقسم، أي وحرم عليكم ~~طلبكم القسمة والحكم بالأزلام، جمع زلم بفتح الزاء وضمها، وهو قدح صغيرة لا ~~ريش له ولا نصل، قيل: # كان أهل الجاهلية يجتمعون «12» عشرة أنفس ويشترون جزورا ويجعلون لحمه على ~~تسعة أجزاء، وأعطي كل واحد منهم سهما من سهامه، أي قدحا من قداحه رجلا ~~فيحفظ السهام كلها عنده، ثم يخرج هذا الرجل واحدا واحدا من السهام، وكل من ~~خرج سهمه يأخذ جزء من أجزاء ذلك اللحم، فاذا خرج تسعة من السهام لا يبقى ~~شيء من اللحم فبقي الرجل الذي خرج سهمه آخرا بلا جزء من اللحم، وكان ثمن ~~الجزور كله عليه بحكمهم، هذا نوع من لعابهم «13»، فنهى الله تعالى بقوله ~~«14» (ذلكم) أي هذا العمل، يعني الاستقسام (فسق) أي معصية، لأنه دخول في ~~علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ويكفر مستحله قاله تأكيدا لتحريمه، قال ~~عليه السلام: «من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى ~~الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة» «15»، قوله (اليوم) أي في هذا الزمان ~~الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية (يئس الذين كفروا من دينكم) أي قطعوا ~~رجاءهم من أن يبطلوا دينكم الحق ويرجعوكم إلى دينهم الباطل، نزل بعد تكميل ~~شرائع الإسلام بالسنن والأحكام، ووافق يوم عرفة في يوم الجمعة «16»، وكان ~~عيدا لليهود والنصارى والمجوس ولم يجتمع أعياد «17» أهل الملك في يوم قبله ~~ولا بعده «18»، وقيل: نزل حين فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ودخلها ~~ونادى منادي رسول الله: ألا من قال «لا إله إلا الله» فهو آمن، ومن وضع ~~السلاح فهو آمن، PageV01P260 # ومن أغلق بابه ms0365 فهو آمن، فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا ~~«1»، فقال تعالى (فلا تخشوهم) أي لا تخافوا صولة الكفار بعد إظهار الدين ~~فأنا معكم وناصركم (واخشون) في ترك أمري ولا تخشوا غيري (اليوم أكملت لكم ~~دينكم) أي أمر دينكم من الحلال والحرام وشرائع الإسلام أو ظهور دينكم ~~ونصرته (وأتممت عليكم نعمتي) باكمال دينكم الإسلام وبدخول مكة آمنين ظاهرين ~~ومنع المشركين من دخول الحرم بعد العام، فلا نعمة أتم من نعمة الإسلام، ~~وهدم مناسك الجاهلية ومنازلها (ورضيت لكم الإسلام دينا) أي أخترت لكم دين ~~الإسلام من بين الأديان وهو المرضي وحده عندي، ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل ~~منه، ونصب «دينا» على الحال من «الإسلام»، قال عليه السلام حاكيا عن الله ~~تعالى: «هذا دين إرتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه ~~بهما ما صحبتموه» «2»، قيل: «عاش النبي عليه السلام بعد نزول هذه الآية ~~إحدى وثمانين ليلة، وتوفي يوم الإثنين بعد ما زاغت الشمس لليلتين خلتا من ~~ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة» «3»، قوله (فمن اضطر) شرط يتعلق بما ~~تقدم من المحرمات، أي فمن احتاج بالضرورة إلى أكل ما حرم من المحرمات (في ~~مخمصة) أي في مجاعة (غير متجانف لإثم) نصبه حال، أي حال كونه غير مائل إلى ~~المعصية، وهي أكله فوق الشبع أو حال كونه غير متعمد للمعصية في مقصده فيأكل ~~منه «4» مقدار ما يأمن الموت، وهذا قول الأئمة من الشافعي وأبي حنيفة ~~وغيرهما، والأول قول أهل المدينة، وجواب الشرط (فإن الله غفور رحيم) [3] ~~فيما أكل، ورخص له في الأكل عند الاضطرار. ### || [سورة المائدة (5): آية 4] # يسئلونك ما ذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه ~~واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) # قوله (يسئلونك ما ذا أحل لهم) نزل حين سأل عدي بن حاتم الطائي وأصحابه، ~~وقالوا: يا رسول الله! إنا قوم نصيد «5» بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا من ~~المطاعم والصيود؟ «6»، وذلك السؤال عند ms0366 نزول آية تحريم المحرمات، فقال ~~تعالى (قل أحل لكم الطيبات) أي الذبائح على اسم الله تعالى أو كل ما لم يرد ~~فيه نص من كتاب أو سنة للتحريم (وما علمتم من الجوارح) أي وأحل «7» لكم صيد ~~الذي علمتم من الجوارح بحذف المضاف، أي الكواسب من الكلاب والطيور (مكلبين) ~~نصب على الحال، وفائدة الحال بعد ما قال «علمتم» أن يكون معلم الجوارح ~~نحريرا في علمه مؤدبا به، أي حال كونكم مرسلين الكلاب على الصيود، من ~~التكليب وهو تأديب الكلاب للاصطياد، وخصت الكلاب لكثرتها بالذكر أو المراد ~~من الكلب جميع السباع «8»، لأن العرب تسمي كل السبع كلبا (تعلمونهن) وهو ~~أيضا حال من ال «مكلبين»، أي تؤدبون الكلاب في طلب الصيد (مما علمكم الله) ~~على لسان رسوله فلا بأس بأكل صيد الكلب «9» إذا كان معلما (فكلوا مما أمسكن ~~عليكم) أي كلوا ما حبسنه «10» لكم ولم يأكلن، قيل: المعلمة هي التي إذا ~~أشليت استشلت وإذا زجرت انزجرت وإذا أخذت الصيد لم تأكله «11» فاذا وجد ذلك ~~ثلث مرات فهي معلمة «12»، قال عليه السلام: «إذا أرسلت كلبك PageV01P261 # المعلم وذكرت اسم الله فأمسك فكل، وإن أكل فلا تأكل فانما أمسك على نفسه» ~~«1»، وقال عليه السلام أيضا: # «ما صدت بقوسك وذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ~~ذكوته فكل» «2» (واذكروا اسم الله عليه) أي سموا على المذبوح عند الذبح ~~باسم الله وعلى الذي أرسل على الصيد من الكلب والبازي عند الإرسال، والضمير ~~في «عليه» يجوز أن يرجع إلى ما «أمسكن»، ويجوز أن يرجع إلى ما «علمتم من ~~الجوارح»، وهو المرسل على الصيد (واتقوا الله) من أكل الميتة أو من ترك ~~التسمية على المذبوح أو المرسل (إن الله سريع الحساب) [4] أي المجازاة. ### || [سورة المائدة (5): آية 5] # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة ms0367 من الخاسرين (5) # (اليوم أحل لكم الطيبات) أي المذبوحات، يعني في هذا الزمان بين حلها لكم ~~بالقرآن، ثم قال في ترخيص ذبائح أهل الكتاب وإن كانوا كافرين (وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب) وهم اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم كبني تغلب (حل) أي أكله ~~حلال (لكم وطعامكم حل لهم) أي يحل لكم إن تطعموهم من طعامكم فرخص أكله لهم ~~وإن كانوا على غير ملتهم وإنما أولناه بذلك لأن الحلال والحرام إنما يقعدان ~~على أهل الإيمان، قوله (والمحصنات من المؤمنات) مبتدأ، خبره محذوف، أي ~~الحرائر والعفائف من المؤمنات حل لكم تزويجهن، وفيه تحريض للمؤمنين على ~~التخيير لنطفهم، وكذلك قوله (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) أي ~~العفائف منهم حل لكم نكاحهن (إذا آتيتموهن أجورهن) أي مهورهن (محصنين) نصب ~~على الحال من فاعل «آتيتموهن»، أي أعفاء (غير مسافحين) صفة «محصنين»، أي ~~غير معلنين بالزنا، يعني كونوا بنكاحهن متعففين عن الإعلان بالزنا (ولا ~~متخذي أخدان) عطف على «غير مسافحين»، جمع خدن وهو الصديق يشتمل الذكر ~~والأنثى، أي ولا تكونوا زانين سرا، نزل هذه الآية لرد فعل الجاهلية، فانهم ~~«3» كانوا يعيرون من زنى في العلانية دون من زنى في السر، فحرم الله بها ~~العلانية والسر «4»، ثم قال «5» (ومن يكفر بالإيمان) ومن يجحد بشرائع ~~الإيمان من الحلال والحرام (فقد حبط عمله) أي ثوابه (وهو في الآخرة من ~~الخاسرين) [5] أي من المغبونين في العقوبة، قيل: إن الرجل إذا صلى أو صام ~~أو حج ثم ارتد ثم أسلم وجب عليه إعادة ذلك العمل، لأنه قد بطل ما فعل قبل ~~ارتداده «6»، وقيل: لا يجب إعادته «7» سوى الحج إذا وجد غنيا وقت إسلامه ~~«8» وعليه الفتوى، لأنه بالارتداد صار كأنه لم يزل كافرا. ### || [سورة المائدة (5): آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ms0368 منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) خطاب خاص للمحدثين ~~بالوجوب، أي إذا أردتم القيام إلى الصلوة وأنتم محدثون، وإنما عبر عن إرادة ~~الفعل بالفعل لكونها توجد مع القدرة على إيجاده، وهي قصده PageV01P262 # إليه وميله، ويجوز أن يكون للندب لغير المحدثين لقوله عليه السلام: «من ~~توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» «1»، ولا يجوز أن يشتمل الأمر الإيجاب ~~والندب معا للفريقين لئلا يلزم الألغاز والتعمية بتناول الكلمة على معنيين ~~مختلفين «2»، وقيل: كان الوضوء لكل صلوة واجبا أول ما فرض، ثم نسخ لما روي ~~أنه عليه السلام كان يتوضأ لكل صلوة، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه، ~~فصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر: صنعت شيئا لم تكن تصنعه يا ~~رسول الله، فقال عمدا صنعته يا عمر «3»، يعني بيانا للجواز، وقيل: # «معناه «4» إذا قمتم من نومكم إلى الصلوة» «5» (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق) أي مع المرافق فيدخل المرافق في الغسل لورود السنة بذلك ~~(وامسحوا برؤسكم) والباء فيه زائدة، وقيل: تبعيض «6»، فمالك يوجب مسح جميع ~~«7» الرأس كالوجه في التيمم، وأبو حنيفة رحمه الله ربعه كأحمد رحمه الله، ~~والشافعي يوجب ما يطلق عليه اسم المسح كشعرة واحدة بخلاف حلق الرأس في ~~الحج، فانه لا يجزي عنده أقل من ثلث شعرات، لأن الأمر هنا مطلق المسح، ~~والأمر هناك حلق شعور الرأس، وأقل الجمع ثلثة عندهم، قوله (وأرجلكم) بالنصب ~~عطف على «أيديكم» وبالجر «8» عطف على «رؤسكم» على حسب التبعية والجوار كما ~~في قوله «وحور عين» «9» بالجر، وأوجب بعض الناس المسح عليها لظاهر العطف ~~ومنع بأن المسح لم تضرب له غاية في الشرع، وهنا جاء ب «إلى» وهي غاية فيحمل ~~المسح على الغسل الخفيف، وقيل: وفائدة هذا العطف وإن كانت غير ممسوحة هي ~~الحث على الاقتصاد في صب الماء على الرجلين، لأنها مظنة الإسراف في صب ~~الماء «10» (إلى الكعبين) أي يجب غسل الرجلين مع الكعبين ms0369 كاليدين مع ~~المرفقين، والشعبي ومحمد بن جرير لا يوجبان غسل المرفقين والكعبين مع ~~اليدين والرجلين نظرا إلى كلمة «إلى»، قيل: إنما جمع المرافق وثني الكعبين، ~~لأن جمع المرافق يقابل جمع المخاطبين فيلزم منه انقسام الآحاد بالآحاد، ~~وتثنية الكعبين لنفي توهم أن في كل رجل من الرجلين كعبين، لو قال إلى ~~الكعاب وإنما في كل رجل «11» كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل، فيكون ~~التفسير على هذا أن كل مكلف يجب عليه غسل رجليه إلى الكعبين منهما بخلاف ~~المرافق، فانه لا توهم فيه «12» (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي إن كنتم ~~ملابسين بالجنابة فاغتسلوا، والجنب لفظ مفرد يستعمل للواحد وغيره كقوله ~~والملائكة بعد ذلك ظهير «13»، وأصل «اطهروا» تطهروا، أدغمت التاء في الطاء ~~وزيد ألف الوصل للابتداء بالسكون (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط) أي من قضاء الحاجة (أو لامستم النساء) أي جامعتموهن (فلم ~~تجدوا ماء) للتوضؤ «14» والاغتسال (فتيمموا صعيدا طيبا) أي ترابا نظيفا ~~(فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) أي من الصعيد (ما يريد) أي لا يقصد (الله) ~~لكم الرخصة والتكليف بالتيمم (ليجعل عليكم من حرج) أي ضيقا في دينكم (ولكن ~~يريد ليطهركم) به من الأحداث والجنابة PageV01P263 # والذنوب (وليتم نعمته عليكم) أي نعمة الإسلام بالترخيص لكم (لعلكم ~~تشكرون) [6] الله ونعمته فيثيبكم. ### || [سورة المائدة (5): آية 7] # واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) # (واذكروا نعمة الله) وهي نعمة الإسلام التي أنعمها (عليكم) وأزال عنكم ~~الكفر بارسال محمد إليكم (و) اذكروا «1» (ميثاقه الذي واثقكم به) أي عهده ~~الذي عهده إليكم، وهو بيعة الرضوان على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر ~~(إذ قلتم) للنبي عليه السلام مبايعين (سمعنا وأطعنا) فاحفظوا منة الله ~~عليكم بذلك (واتقوا الله) في نقض الميثاق المعهود (إن الله عليم بذات ~~الصدور) [7] أي بسرائر قلوبكم. ### || [سورة المائدة (5): آية 8] # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب ms0370 للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) # ثم قال إيماء لنفي الظلم عنهم (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط) أي مجتهدين في إقامة العدل شهداء لله على من كانت (ولا ~~يجرمنكم) أي لا يحملنكم (شنآن قوم) أي بغض المشركين (على ألا تعدلوا) أي ~~على ترك العدل فتعتدوا عليهم (اعدلوا) أي قولوا: الحق في أوليائكم وأعدائكم ~~(هو) أي قول الحق والعدل (أقرب للتقوى) أي لطاعة الله، وأبعد من عصيانه ~~(واتقوا الله) أي اخشوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه (إن الله خبير بما ~~تعملون) [8] من الطاعة والمعصية. ### || [سورة المائدة (5): آية 9] # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) # ثم بين ثواب المطيع وعقاب العاصي «2» فقال (وعد الله الذين آمنوا) بالله ~~وبمحمد نبيه (وعملوا الصالحات) أي الخيرات بعد الإيمان (لهم مغفرة) من ~~ذنوبهم في شركهم (وأجر عظيم) [9] لأعمالهم في إيمانهم في الآخرة، وهذه ~~الجملة في محل النصب على أنها المفعول الثاني ل «وعد»، والأول «الذين ~~آمنوا». ### || [سورة المائدة (5): آية 10] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) # (والذين كفروا) بالله (وكذبوا بآياتنا) أي بمحمد والقرآن «3» وماتوا بلا ~~توبة (أولئك أصحاب الجحيم) [10] أي ملازمون بها لا ينفكون عنها. ### || [سورة المائدة (5): آية 11] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # قوله (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم) نزل حين رأى المشركون ~~في غزوة ذي أنمار اسم موضع النبي وأصحابه قاموا إلى الصلوة يصلون معا، وهي ~~صلوة الظهر، وأرادوا الفتك بهم فلم يمكن الله تعالى منه للرعب الذي قذف في ~~قلوبهم، وهم بنو النضير، فبلغ الخبر إلى رسول الله عليه السلام فحاصرهم ~~وفتح حصونهم وأجلاهم إلى الشام «4»، فقال تعالى اذكروا نعمة الله عليكم ~~ورحمته بكم واشكروه عليها (إذ هم قوم) أي قصدوا (أن يبسطوا) أي يمدوا ~~(إليكم أيديهم) بالقتل (فكف) أي فمنع (أيديهم عنكم) أي عن قتالكم (واتقوا ~~الله) أي اخشوه في كل ms0371 حال بالوفاء على ما أمركم به وتوكلوا عليه (وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون) [11] لينصرهم على أعدائهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) PageV01P264 ### || [سورة المائدة (5): آية 12] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) # قوله (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل) نزل إخبارا للنبي عليه السلام ~~وأمته عن بني إسرائيل وميثاقهم بموسى على أن يطيعوه فيما أمرهم ونقضهم إياه ~~بعد ذلك، فلعنهم الله تعالى عقوبة به «1»، روي: أنه تعالى أمر موسى وقومه ~~بالخروج من مصر حين استقروا فيها بعد هلاك فرعون إلى أريحا من أرض الشام ~~للجهاد، وكان يسكنها الجبارون عوج وأصحابه، وقال هي دار قرار لكم وأمر موسى ~~أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة ~~عليهم، فاتخذ موسى من قومه اثني عشر رجلا، فعاهدهم أن يكفلوا بقومهم ولا ~~يحدثوهم «2» بما يرون من الجبارين «3»، فأخبر تعالى عنه بقوله (وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا) أي كفيلا ينقب عن الأمور ويتعرفها (وقال الله) في التورية ~~(إني معكم) أي معينكم وناصركم على عدوكم، فلما دنى موسى من أرض الجبارين ~~بعث النقباء يتجسسون منهم، فرأوا أجراما عظاما وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا، ~~وحدثوا قومهم ما رأوا من الجبارين، فنقضوا العهد إلا كالوب ابن يوفنا ويوشع ~~بن نون، فانهما أمرا قومهما بالقتال، فقال تعالى (لئن أقمتم الصلاة) أي ~~والله لئن أتممتم الصلوة (وآتيتم الزكاة) لأهلها (وآمنتم برسلي وعزرتموهم) ~~أي نصرتموهم أو وقرتموهم (وأقرضتم الله قرضا حسنا) أي أحسنتم إلى الناس ~~بطيبة ms0372 نفس «4» وأنفقتم في سبيل الله (لأكفرن) جواب القسم المحذوف وجواب ~~الشرط المذكور معا، أي لأمحون (عنكم سيئاتكم) أي ذنوبكم (ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار) يعني لأنصرنكم في الدنيا ولأثيبنكم في الآخرة (فمن ~~كفر بعد ذلك) بنقض العهد والميثاق (منكم فقد ضل سواء السبيل) [12] أي أخطأ ~~طريق الحق وتمادي عنه، وزاد قبحه من الضلال الأول «5»، لأن الضلال بعد نعمة ~~الله العظيم بكفرانها أطهر وأعظم. ### || [سورة المائدة (5): آية 13] # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف ~~عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) # ثم أخبر الله تعالى بقوله (فبما نقضهم ميثاقهم) أي بسبب نقضهم عهدهم «6» ~~بعد ذلك العهد (لعناهم) أي طردناهم عن رحمتنا أو عذبناهم بالمسخ أو ضربنا ~~عليهم الجزية (وجعلنا قلوبهم قاسية) بالألف والتخفيف، أي شديدة يابسة أو ~~خالية عن حلاوة الإيمان، وقرئ قسية بطرح الألف وتشديد الياء «7»، أي ردية ~~مغشوشة (يحرفون الكلم) بيان لقسوة قلوبهم، لأن قسي قلبه يعصي ربه، أي ~~يبدلون كلمات الله في كتابه وهو تغيير نعت محمد عليه السلام وبعض الأحكام ~~(عن مواضعه) التي وضع عليها من الصحة «8» بعد ما وافق القرآن (ونسوا حظا ~~مما ذكروا به) أي تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم (ولا تزال تطلع) أي ~~تقف يا محمد (على خائنة) أي على خيانة (منهم) وهي نقض العهد وموالاة الكفار ~~لحربك، يعني ذلك عادتهم، لأن آباءهم كانوا يخونون الرسل، وهؤلاء يخونونك ~~وينقضون عهدك ويظاهرون المشركين على حربك (إلا قليلا منهم) وهم الذين آمنوا ~~منهم ولم ينقضوا العهد (فاعف عنهم) أي تجاوز عن عقوبتهم (واصفح) أي أعرض ~~عنهم (إن الله يحب المحسنين) [13] أي الذين يعفون عن الناس، ونسخ بآية ~~السيف «9». PageV01P265 ### || [سورة المائدة (5): آية 14] # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) # وبعد ذكر اليهود نزل في النصارى لبيان قبح عملهم ms0373 كاليهود «1» (ومن الذين ~~قالوا إنا نصارى) جمع نصران من النصرة، أي قالوا ادعاء لنصرة «2» الله نحن ~~أنصار الله (أخذنا ميثاقهم) أي عهدهم الموثق على التوحيد والإيمان ~~بالأنبياء وفعل الخيرات كما أخذناه على اليهود (فنسوا حظا) أي تركوا نصيبا ~~(مما ذكروا به) أي مما أمروا به في الإنجيل، يعني نقضوا العهد كما نقضوا ~~اليهود (فأغرينا بينهم) أي ألزمنا بين فرق النصارى المختلفة (العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة) فكل فرقة تكفر الفرقة الأخرى، فيقع القتال بينهم ~~بالأهواء المختلفة كالنسطورية القائلين بأن عيسى ابن الله واليعقوبية ~~القائلين بأن عيسى هو الله والملكائية القائلين بأن عيسى عبد الله ورسوله، ~~وكلهم من النصارى (وسوف ينبئهم الله) في الآخرة (بما كانوا يصنعون) [14] من ~~العمل الباطل والحق، وقيل: # إنما نشأ هذا الاختلاف بينهم بسبب رجل اسمه بولس ولم يكن منهم وكان يقاتل ~~معهم، فقتل منهم خلقا كثيرا فغاب عنهم زمانا طويلا، ثم جاءهم وجعل نفسه ~~أعور ليحتال بحيلة يلقي بينهم العداوة والقتال ليقتل بعضهم بعضا، فقال لهم: ~~أتعرفوني «3»؟ قالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: نعم قد فعلت ~~ذلك ولكني الآن تائب عنه لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام، نزل من السماء ~~فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني، فقالوا: # أي شيء تريد منا؟ قال: أريد أن أكون معكم وأعلمكم شرائع دينكم كما علمني ~~عيسى في المنام، فاتخذوا له غرفة فدخل فيها وفتح كوة إلى الناس، وكان يتعبد ~~في الغرفة وربما كانوا يجتمعون ويسألونه من تلك الكوة فيجيبهم بما يعجبهم، ~~فانقادوا كلهم له، وكانوا يقبلون بما يأمرهم به، فقال يوما: أليس الله خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا؟ قالوا: نعم، فقال: لم تحرمون الخمر والخنزير ~~والميسر فانها منفعة لبني آدم، فأخذوا بقوله، ثم قال بعد مدة: من أي ناحية ~~تطلع الشمس والقمر والنجوم؟ قالوا: من قبل المشرق، فقال: إن الله من قبل ~~المشرق فصلوا إليه، فأخذوا بقوله، ثم دعا بطائفة منهم إلى داخل الكوة، ~~فقال: جاءني عيسى الليلة، وقال: # رضيت عنك لأجل عملك فمسح يده على ms0374 عيني فبرأت، فاعلموا أني أريد أن أجعل ~~نفسي قربانا الليلة لأجل عيسى، فأخبركم بشيء تحفظون عني وتدعون «4» الناس ~~إليه، ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا ~~الله؟ فقالوا: لا، فقال: إن عيسى فعل هذه كلها، فاعلموا أنه هو الله، ~~فخرجوا من عنده، ثم دعا بثانية وأخبرهم بمثل ذلك، وقال: إنه ابن الله، ثم ~~بثالثة، وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، فقال للكل: # إني أريد أن أجعل نفسي قربانا لعيسى الليلة، ثم خرج في بعض الليل وغاب ~~عنهم، فأصبحوا فجعل كل فريق منهم يقول إنه علمني كذا، والآخر يقول: أنت ~~تكذب بل علمني كذا، فوقع بينهم قتال عظيم وبقيت العداوة إلى يوم القيامة «5». ### || [سورة المائدة (5): آية 15] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) # قوله (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا) نزل في كتم اليهود والنصارى آية ~~الرجم وتحريم الخمر وأكل الربوا ونعت النبي عليه السلام «6»، أي يا أهل ~~التورية والإنجيل قد جاءكم الرسول منا محمد عليه السلام (يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون) أي تخفونه كنعت محمد عليه السلام وغيره (من الكتاب) في محل ~~النصب على الحال من ضمير المفعول المحذوف في «تخفون»، أي كائنا من التورية ~~والإنجيل (ويعفوا عن كثير) منه فلا يؤاخذكم على PageV01P266 # إخفائكم إياه، قيل: جاء رجل من أحبار اليهود فقال: يا محمد! ما الذي عفوت ~~عنا؟ فأعرض عنه رسول الله ولم يبين له وغرضه أن يناقض كلامه بسؤاله، فلما ~~لم يبين ما سأله قام من عنده وذهب، وقال لأهله من اليهود: # أرى أن محمدا صادق فيما يقول، لأنه قد كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ~~ما سأله «1»، ثم قال تعالى (قد جاءكم من الله نور) أي الإسلام أو محمد عليه ~~السلام (وكتاب مبين) [15] أي القرآن الذي يظهر ما كان خافيا أو أنه ظاهر في ~~الإعجاز. ### || [سورة المائدة (5): آية 16] # يهدي به الله من اتبع رضوانه ms0375 سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) # (يهدي به الله) أي يرشد بالقرآن أو بمحمد على السلام (من اتبع رضوانه) أي ~~طلب الحق الذي فيه رضاه بالإخلاص، ف «من» مفعول أول لقوله «يهدي»، وقوله ~~(سبل السلام) مفعوله الثاني، أي طريق السلامة والخير وهو التوحيد (ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور) أي من ظلمات الكفر التي في قلوبهم من الشرك والشك ~~والجهل إلى نور الإيمان الذي هو قسط من نور الله الذي هو حق اليقين، فيصير ~~المؤمن به قائما بالحق مع الحق للحق (بإذنه) أي بارادته تعالى ومشيته ~~(ويهديهم إلى صراط مستقيم) [16] أي يوفقهم إلى دين الإسلام الذي هو طريق الجنة. ### || [سورة المائدة (5): آية 17] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) # ثم قال (لقد كفر الذين قالوا) وهم اليعقوبية من النصارى (إن الله هو ~~المسيح ابن مريم) يعني عيسى، فقال تعالى لمحمد عليه السلام (قل فمن يملك من ~~الله شيئا) أي من يقدر أن يمنع شيئا من عذاب الله (إن أراد) الله (أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا) أي لا يقدر عيسى على دفع الهلاك ~~عن نفسه ولا على رد الهلاك عن غيره، فكيف يكون إلها؟ فيكون عبدا مخلوقا ~~كسائر عباده، ثم قال (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) من الملائكة ~~والجن والإنس من الذكور والإناث، أي جميع الخلق عبيده وإماؤه، وحكمه نافذ ~~فيهم، وعيسى منهم بشر من جنس آدم، فقال نصارى أهل نجران: لو كان عيسى بشرا ~~من جنس آدم لكان له أب، فأخبر تعالى أنه (يخلق ما يشاء) من ذكر وأنثى من ~~غير أب وأم كآدم وحواء ومن أم بلا أب كعيسي ومن أب وأم كسائر الخلق، لا ~~اعتراض عليه (والله على كل شيء قدير) [17] يقدر ms0376 على ما يشاء كما يشاء ~~ويختار، لأنه القادر الفاعل المختار. ### || [سورة المائدة (5): آية 18] # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير (18) # ثم قال تعالى (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله) أي أبناء رسله ~~(وأحباؤه) أي محبوبوه، فأمر الله نبيه بقوله (قل) منكرا عليهم (فلم يعذبكم ~~بذنوبكم) أي بسببها وأنتم مقرون بذلك لقولكم إلا أياما معدودات وهي أربعون ~~يوما، فان الحبيب لا يعذب حبيبه، والوالد لا يعذب ولده، فكيف تكونون أبناءه ~~وأحباءه، فلما عجزوا عن الجواب «2» قال إضرابا عن مجادلتهم وردا عليهم (بل ~~أنتم بشر ممن خلق) أي أنتم كسائر الخلق لستم بأبناء الله ولا بأحبائه «3» ~~(يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) أي يعفو عن البعض فيرشده إلى دينه ويعاقب ~~البعض بذنبه فيخذله ويدخله النار (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما) من ~~الخلق كلهم في حكمه وتصرفه في PageV01P267 # الدنيا (وإليه المصير) [18] أي إلى الله رجوعهم فيجازيهم بأعمالهم من ~~الخير والشر في الآخرة. ### || [سورة المائدة (5): آية 19] # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (19) # قوله (يا أهل الكتاب) خطاب لليهود والنصارى على وجه التعيير باضافتهم إلى ~~الكتاب، أي يا أهل التورية والإنجيل لم لا تعملون بكتابكم الذي تنسبون ~~نفوسكم إليه (قد جاءكم رسولنا) أي محمد (يبين لكم) الدين الحق (على فترة من ~~الرسل) أي على انقطاع الوحي وفتور الدين من رسل الله وكانت الفترة بين محمد ~~وعيسى عليهما السلام ستمائة سنة «1»، وقيل: خمسمائة وأربعون «2»، وقيل: ~~ستون سنة «3»، وكان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي تترى من موسى ~~إلى عيسى عليهما السلام «4»، المعنى: أن محمدا رسولنا جاءكم بعد عيسى مثبتا ~~للحجة عليكم (أن تقولوا) أي مخافة قولكم معتذرين (ما جاءنا من بشير ولا ~~نذير) بعد ما درس الدين ms0377 ليبشرنا بالجنة وينذرنا بالنار «5»، قوله (فقد ~~جاءكم بشير) بالجنة (ونذير) بالنار، متعلق بمحذوف، أي لا تعتذروا فقد جاءكم ~~الرسول (والله على كل شيء قدير) [19] من إرسال الرسل على عباده ومن المغفرة ~~والعذاب. ### || [سورة المائدة (5): آية 20] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) # ثم قال مخبرا عما قال موسى لقومه من الموعظة والتذكير ليشكروا نعمة الله ~~عليهم ولا يكفروا بها (وإذ قال) أي اذكر يا محمد حين قال (موسى لقومه يا ~~قوم اذكروا نعمت الله) أي منته (عليكم إذ جعل فيكم) أي في بني إسرائيل ~~(أنبياء) فكان فيهم أربعة آلاف نبي (وجعلكم ملوكا) بعد إن كنتم مملوكين في ~~أيدي القبط وفرعون، قيل: جعلهم الله أصحاب خدم وحشم، ولم يكن لبني إسرائيل ~~قبل موسى لأحد خدم «6»، قال ابن عباس: «الرجل إذا لم يدخل في بيته أحد إلا ~~باذنه فهو ملك» «7» (وآتاكم) من المن والسلوى وتظليل الغمام في التيه وفلق ~~البحر وغير ذلك من النعم (ما لم يؤت أحدا من العالمين) [20] أي عالمي ~~زمانكم. ### || [سورة المائدة (5): آية 21] # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين (21) # فأمر موسى بأن يجاهدوا في سبيل الله بعد تذكيرهم نعمة الله عليهم (يا قوم ~~ادخلوا الأرض المقدسة) أي المطهرة وهي المكان الذي يتطهر الإنسان فيه من ~~الذنوب، يعني اسكنوا الأرض الطاهرة (التي كتب الله لكم) في اللوح المحفوظ ~~قبل خلقكم أنكم تقتسمونها وتسكنونها بعد هلاك أعدائكم بالجهاد (ولا ترتدوا) ~~أي لا ترجعوا (على أدباركم) منهزمين من خوف العدو (فتنقلبوا) بالجزم عطف ~~على «ترتدوا» أو بالنصب جواب النهي، أي فتصيروا بالعقوبة أو بالخيبة عن ~~ثواب الدنيا والآخرة (خاسرين) [21] أي مغبونين في سعيكم، فبعث موسى اثنى ~~عشر رجلا، من كل سبط رجلا يأتونهم بخبر الجبارين فلما أتوهم لقيهم بعض من ~~أهل المدينة وهو عوج بن عنق، فأخذهم واحتملهم في ثوبه وجاء بهم إلى ملك ~~المدينة وطرحهم بين ms0378 يديه فنظر إليهم الملك، وقال: أهؤلاء قصدوا أن يأخذوا ~~مدينتنا؟ فأمر بقتلهم، فقالت امرأته: ما تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء، أنعم ~~عليهم بعنقود من العنب حتى يذهبوا ويخبروا خبركم بموسى وقومه، فأعطاهم ~~الملك عنقودا من العنب PageV01P268 # فحملوه على عمودين فرجعوا إلى موسى وقومه فأخبر النقباء سوى الاثنين منهم ~~بني إسرائيل أحوال الجبابرة وما هم عليه من القوة وعظم الأجساد فلما سمعوا ~~ذلك جبنوا عن قتلهم ودخول أرضهم «1». ### || [سورة المائدة (5): الآيات 22 الى 23] # قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ~~ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين (23) # (قالوا يا موسى إن فيها) أي في المدينة (قوما جبارين) أي عاتين، والعاتي ~~هو الذي يجبر الناس على ما يريد، قيل: «طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا» «2»، ~~يعني لا طاقة لنا بهم في القتال (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) أي من ~~تلك المدينة، واسمها إيليا من أرض الشام، وقيل: أريحا «3» (فإن يخرجوا منها ~~فإنا داخلون [22] قال رجلان) أي يوشع وكالوب (من الذين يخافون) الله تعالى ~~صفة ل «رجلان»، وكذا (أنعم الله عليهما) بالإسلام والتقوى أو كانا من ~~الجبارين فآمنا بموسى واتبعاه وشجعا بني إسرائيل بقولهما (ادخلوا عليهم ~~الباب) أي باب المدينة عليهم (فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) بكثرتكم لأن ~~العمالقة أجسام لا قلوب لهم فلا تخافوهم وارجعوا إليهم، قالا: ذلك من جهة ~~غلبة الظن أو من جهة إخبار موسى بذلك (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) ~~[23] أي مصدقين بوعد الله لموسى بأن يفتح عليه هذه البلدة، وقال لهم موسى: ~~ادخلوها ولا تخافوهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 24] # قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا هاهنا قاعدون (24) # (قالوا يا موسى) تأكيدا لنفي الدخول في المستقبل (إنا لن ندخلها أبدا) ~~وأبدل منه قوله (ما داموا فيها) كالبيان له، يعني لا ندخلها وهم فيها ~~متمكنون، أنصدق الاثنين ms0379 ونكذب «4» العشرة (فاذهب أنت وربك فقاتلا) أي قاتل ~~أنت وليقاتل معك ربك لينصرك عليهم (إنا هاهنا قاعدون) [24] فانا لا نستطيع ~~قتال الجبابرة، فغضب موسى من قولهم الصادر عن جهل وقساوة قلب وتمرد ~~واستخفاف به وبربه. ### || [سورة المائدة (5): آية 25] # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) # (قال) متبرئا من فعلهم وداعيا عليهم (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) لأن ~~أخاه كان مطيعا له فهو يملك طاعته (فافرق) فافصل (بيننا وبين القوم ~~الفاسقين) [25] أي العاصين، يعني افصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق ~~وعليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم ولم يذكر الرجلين المؤمنين، ~~لأنه لم يكن معتمدا عليهما كالاعتماد على أخيه هارون، وتكرير «بين» هنا ~~تأكيدا «5» لأن الأصل عدم تكرره «6». ### || [سورة المائدة (5): آية 26] # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين (26) # (قال) الله تعالى إذا لم يطيعوا أمرنا في الجهاد بالدخول «7» في الأرض ~~المقدسة (فإنها محرمة عليهم) أي حرم PageV01P269 # دخلوها تحريم منع لا تحريم تعبد، وكانت مكتوبة لهم بشرط الجهاد والإطاعة، ~~ويجوز أن يكون التحريم موقتا فاذا مضى الوقت كان ما كتب، وتنصب (أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض) أي يترددون فيها متحيرين ظرفا للتحريم ليكون التيه مجهولا ~~والتحريم معلوما، ولو نصبته ب «يتيهون» كان التيه معلوما والتحريم مجهولا، ~~والتيه المفازة التي يتاه فيها، فغم عليهم السبيل نهارا وسيرهم ليلا، ~~يسهرون في التيه ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه «1» بين أيلة ~~وفلسطين ستة فراسخ في اثني عشر فرسخا، فمكثوا فيها أربعين سنة لا يجدون ~~سبيلا، وكان الغمام يظللهم من حر الشمس ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيئ ~~لهم، وينزل عليهم المن والسلوى رحمة وشفقة عليهم، ومثل ذلك كمثل الوالد ~~المشفق يضرب ولده العاصي ليتأدب «2» وهو لا يقطع عنه إحسانه «3»، قيل: أوحى ~~الله تعالى إلى موسى بي حلفت لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي ~~يوشع وكالب، ولأتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة مكان كل يوم تجسسوا ms0380 من ~~أحوال الجبابرة سنة ولألقين جيفهم في هذه القفار «4»، وأما بنوهم فيدخلونها ~~فلما بقوا في التيه حزن وندم موسى على دعائه فأوحى الله إليه أنهم أحقاء ~~بذلك لفسقهم (فلا تأس) أي لا تحزن يا موسى (على القوم الفاسقين) [26] أي ~~العاصين بأمرنا، روي: أن موسى وهرون ماتا في التيه وهلكت تلك العصابة وبقي ~~منهم يوشع وكالب وذرياتهم فخرجوا إلى تلك المدينة وفتحوها عند غروب الشمس ~~«5»، وقيل: دعا الله يوشع بأن يرد الشمس بعد غروبها فردت قدر ثلث ساعات حتى ~~فتحوا البلدة فاختلطت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم فخفي على المنجمين ~~أمرها «6»، وروي: # أن هرون مات قبل موسى بسنة، وأن يوشع فتح المدينة بعد موت موسى بثلثة ~~أشهر ومات النقباء في التيه بغتة إلا كالب ويوشع ولم يكن التيه لهما عقوبة ~~بل كان راحة ورحمة كابراهيم حين ألقي في النار «7»، وقيل: إن موسى لم يمت ~~وسار بالعسكر مقدمهم يوشع نحو القرية، فلما وصلوا إليها نفخوا في القرون ~~وضجوا ضجة واحدة فسقط سورها فدخلوها وقتلوا الجبابرة وقتل موسى عوج بن عنق ~~ولم يدخل القرية أحد من الذين قالوا إنا لن ندخلها أبدا، ومكث موسى بعد ذلك ~~سنة، ثم قبض الله تعالى «8». ### || [سورة المائدة (5): آية 27] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) # قوله (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) نزل تقبيحا للحسد لأهل الكتاب ~~والمشركين حيث جحدوا رسالة النبي عليه السلام، وكتموا نعته وأصروا على ~~كفرهم، ولم يؤمنوا به حسدا من عند أنفسهم فأمر تعالى محمدا عليه السلام أن ~~يقص عليهم ما جرى بسبب الحسد ليتركوه ويؤمنوا به بقوله «واتل»، أي اقرأ ~~عليهم خبر ابن آدم ملتبسا بالصدق والصحة والتوافق «9» لما في كتب الأولين ~~«10» (إذ قربا) أي ووضعا للتقرب عند الجبل (قربانا) أي قربانين، والقربان ~~ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، ولم يثنه، لأنه في الأصل مصدر ~~(فتقبل) القربان (من أحدهما) أي من ms0381 هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت ~~قربانه (ولم يتقبل) القربان (من الآخر) وهو قابيل، فازداد قابيل حقدا وغيظا ~~على هابيل ويهدده «11» بأن (قال لأقتلنك) فقال هابيل: لم تقتلني؟ قال ~~قابيل: لأن الله تعالى قبل قربانك ولم يقبل قرباني (قال) له هابيل: إذن لا ~~ذنب لي (إنما يتقبل الله) العمل الحسن (من المتقين) [27] PageV01P270 # أي الخائفين منه وأنت غير متق لسوء نيتك وخيانتك. ### || [سورة المائدة (5): الآيات 28 الى 29] # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزاء الظالمين (29) # روي: أن حواء كانت تحمل في بطن واحد غلاما وجارية، وولدت كذلك في عشرين ~~بطنا، فأمر تعالى آدم أن يزوج «1» أنثى هذا البطن بغير ذكره، فقال آدم ~~لقابيل: أمرني الله أن أزوج أختك إقليما لهابيل، وكانت جميلة، وأزوجك أخته ~~لبوذا، فقبل هابيل أمر الله وأباه قابيل، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا ~~ولكنك تميل إلى هابيل لكونها جميلة، فأمرهما بأن يقربا قربانا، فأيهما يقبل ~~قربانه بأنه كان أحق، فقربا قربانين، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، ~~فأضمر في قلبه أن يقتله، وكان هابيل أقوى من قابيل وأبطش، ولكن كان في ~~شريعتهم أن الرجل إذا أراد أن يقتل رجلا لا يمتنع عليه «3»، وقيل: انقاد ~~حذرا عن قتال المسلم كفعل عثمان «2»، فلذلك قال هابيل لقابيل (لئن بسطت إلي ~~يدك) أي مددت يدك إلى (لتقتلني ما أنا بباسط) أي بماد (يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين) [28] أي عقابه، وإنما جاء الجزاء بلفظ اسم الفاعل، ~~فالشرط بلفظ الفعل ليفيد أنه لا يتصف بالوصف الشنيع، فيقال هو باسط اليد ~~إلى أخيه بالقتل، ولما عزم قابيل على قتل أخيه ومخالفة أمر الله وأبيه قال ~~له هابيل (إني أريد أن تبوء) أي ترجع (بإثمي) أي باثم قتلي إذا قتلتني على ~~حذف المضاف إليه (وإثمك) أي وباثمك الذي هو عصيان أمر الله وأبيك، والمراد ~~بالإثم وبال القتل وعقابه (فتكون ms0382 من أصحاب النار) بالإثمين (وذلك جزاء ~~الظالمين) [29] أي الكافرين بأمر الله وأمر نبيه عليه السلام، وإنما جاز أن ~~يريد شقاوة أخيه وتعذيبه بالنار، لأنه كان ظالما، وجاز أن يريد العبد جزاء ~~الظالم «4» كما أراد الله ألا يرى إلى قوله «وذلك جزاء الظالمين». ### || [سورة المائدة (5): آية 30] # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) # (فطوعت له نفسه) أي انقادت وتابعت له هوى نفسه (قتل أخيه) أي على أن يقتل ~~أخاه، فجاءه اغتيالا (فقتله) بحجر بأرض الهند، وقيل: عند عقبة حراء ~~والمقتول ابن عشرين سنة (فأصبح) أي فصار «5» قابيل بقتل أخيه (من الخاسرين) ~~[30] أي من المغبونين «6» بالعقوبة في الآخرة مع كونه ابن نبي هو صفي الله ~~أنه لما قتله حمله على عاتقه سبعة أيام لا يدري ما يصنع به. ### || [سورة المائدة (5): آية 31] # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # (فبعث الله غرابا) أي غرابين، فقتل أحدهما الآخر، فجعل الغراب القاتل ~~(يبحث في الأرض) حفيرة وقابيل ينظر إليه فوارى فيها الغراب المقتول، قوله ~~(ليريه) متعلق ب «بعث»، أي ليعلمه الله بفعل الغراب (كيف يواري) أي يستر ~~(سوأة أخيه) أي جيفته أو عورته، لأنه قد كان سلبه ثيابه، و«كيف» حال من ~~فاعل «يواري»، والجملة في محل النصب ب «يري» على المفعولية، فثم (قال) ~~قابيل (يا ويلتى أعجزت) أي أضعفت «7» في الحيلة PageV01P271 # (أن أكون مثل هذا الغراب فأواري) بالنصب عطفا «1» على «أن أكون» لا جوابا ~~للاستفهام، إذ ليس المعنى: # لو عجزت لواريت، لأن ذلك يفيد معنى الشرط والجزاء كما قيل «2» في معنى ~~أين بيتك فأزورك بالنصب لو عرفت لزرت وليس بمراد أي فأغطي (سوأة أخي) أي ~~عورته (فأصبح) أي فصار (من النادمين) [31] على حمله حيث لم يدفنه حين قتله، ~~قيل: «لو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه» «3»، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: «لما قتل ولد آدم عليه السلام وهو بمكة اشتاك الشجر ms0383 وحمضت ~~الفواكه، وقال: قد حدث في الأرض حدث فجاء قتل ابنه» «4»، روي: أن آدم لما ~~سمع أن قابيل قتل أخاه دعا عليه فانخسفت به الأرض وتزوج شيث إقليما «5». ### || [سورة المائدة (5): آية 32] # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) # قوله (من أجل ذلك) «من» لابتداء الغاية يتعلق بقوله (كتبنا) أي بسبب ذلك ~~القتل فرضنا (على بني إسرائيل) في التورية (أنه) أي الشأن (من قتل نفسا ~~بغير نفس) أي بغير أن قتل نفسا، يعني ظلما (أو فساد) أي بغير فساد (في ~~الأرض) والفساد فيها الشرك بالله، وقيل: هو قطع الطريق «6» (فكأنما قتل ~~الناس جميعا) وشبه «7» قتل نفس واحدة بقتل الجميع تعظيما للنفس وترهيبا ~~للقلوب عن الجسارة على قتلها وترغيبا في المحاماة على حرمتها، وكذلك «8» في ~~قوله (ومن أحياها) أي من تورع عن قتلها وامتنع أو عفى عنه فخلاه (فكأنما ~~أحيا الناس جميعا) في الأجر «9» شبه إحياء الواحد باحياء الجميع، لأن في ~~حيوة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس بدعاء الخير لهم، فاذا علم أن حكمه ~~باحياء الواحد حكمه باحياء جميع الناس رغب في إحيائها كما إذا علم أن حكمه ~~في قتل الواحد حكمه بقتل الجميع رهب عن الإقدام عليه، ثم قال (ولقد جاءتهم ~~رسلنا بالبينات) أي بالحجج الواضحة في بيان الحلال والحرام والظلم والعدل ~~(ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك) البيان أو المكتوب عليهم (في الأرض لمسرفون) ~~[32] أي لتاركون الأمر والنهي بالقتل وهتك المحارم. ### || [سورة المائدة (5): آية 33] # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) # قوله (إنما جزاء) مبتدأ، أي عقاب (الذين يحاربون الله) أي بترك «10» أمره ~~(ورسوله) أي بمخالفة حكمه وسنته أو ms0384 يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله من ~~المؤمنين، لأن محاربة المؤمنين كمحاربة الله ورسوله حكما (ويسعون في الأرض ~~فسادا) علة للسعي أو للفساد أو حال بمعنى مفسدين فيها بالقتل وأخذ المال ~~(أن يقتلوا) مع ما بعده من المعطوفات خبر المبتدأ، يعني جزاؤهم أن يقتلهم ~~الإمام (أو يصلبوا) بحكمه، والصلب عند الشافعي رحمه الله أن يقتل ثم يصلب، ~~وعند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت (أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف) أي يقطع يد قاطع الطريق اليمنى ورجله اليسرى (أو ينفوا من ~~الأرض) أي يطرد قاطع الطريق من بلد إلى بلد هاربا فزعا حتى يجد قرارا في ~~موضع من الأرض فحيث أدرك أقيم عليه الحد عند الشافعي رحمه الله، والنفي عند ~~أبي حنيفة رضي الله عنه الحبس، لأن المجوس ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها ~~فصار كأنه نفي عن الأرض، نزلت الآية في شأن قوم هلال بن عويمر، وكان بينه ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P272 # عهد، فنقضوا بقطع الطريق «1» أو في العرنيين الذين أسلموا ثم ارتدوا بعد ~~أن خرجوا من المدينة وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل «2»، وأكثر العلماء أن ~~هذه الآية في حق قطاع الطريق من المسلمين لقوله تعالى «إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم» «3»، وقيل: هذا حكم كل قاطع طريق كافرا كان أو مسلما ~~«4»، ثم الإمام مخير في المحاربين بين القتل والصلب والقطع والنفي، ف «أو» ~~فيه للتخيير «5»، وقيل: الآية مرتبة على ترتيب الجرائم «6»، فمن جمع بين ~~القتل وأخذ المال في قطع الطريق قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل ومن أفرد أخذ ~~المال قطعت يده لأخذ المال ورجله لإخافة السبيل ومن أفرد الإخافة نفي من ~~الأرض (ذلك) أي القتل والقطع وغيرهما (لهم خزي) أي ذل وفضيحة (في الدنيا) ~~ولا يكون ذلك كفارة لذنوبهم (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) [33] أي أشد مما ~~كان في الدنيا، وهو عذاب النار. ### || [سورة المائدة (5): آية 34] # إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ms0385 رحيم (34) # ثم استثني ممن عوقبوا بقطع الطريق بقوله (إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم) أي رجعوا عما فعلوا قبل أن يؤخذوا في صنيعهم قبلت توبتهم، ~~فهم لا يعاقبون في الدنيا ولا في الآخرة بقطع الطريق، لكن القتل والجراح ~~وأخذ المال يتعلق حكمها إلى الأولياء، إن شاؤا عفوا وإن شاؤا استوفوا، ثم ~~قال تأكيدا (فاعلموا أن الله غفور) لذنوبهم بالتوبة (رحيم) [34] بهم بقول ~~توبتهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 35] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله ~~لعلكم تفلحون (35) # ثم حذرهم عن ارتكاب المعاصي وحثهم في العمل الصالح فقال (يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا) أي اطلبوا (إليه الوسيلة) وهي مراعاة سبيل الله ~~بالعلم والطاعة وكسب الحلال لتصلوا الفضيلة والقربة إلى الله (وجاهدوا) ~~العدو بالغزو (في سبيله) أي في دينه «7» الإسلام (لعلكم تفلحون) [35] أي ~~لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب. ### || [سورة المائدة (5): آية 36] # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) # ثم قال تهديدا للكفار ليؤمنوا (إن الذين كفروا) بالله وآياته (لو أن) ~~«لو» شرط، فعله محذوف، و«إن» ما بعدها في محل الرفع فاعله، أي لو ثبت أن ~~يكون (لهم ما في الأرض جميعا ومثله) عطف على اسم «إن» وهو «ما في الأرض»، ~~أي وثبت أن لهم مثل ما في الأرض جميعا (معه ليفتدوا به) أي بكل واحد منهما، ~~يعني ليجعلوه فدية لأنفسهم «8» أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، لأنه ~~قيل ليفتدوا بذلك (من عذاب يوم القيامة) ف «لو» مع ما بعده في محل الرفع ~~خبر «إن» بالكسر، وجواب «لو» (ما تقبل منهم) أي لم يقبل «9» منهم ذلك ~~الفداء (ولهم عذاب أليم) [36] أي وجيع دائم. ### || [سورة المائدة (5): آية 37] # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) # (يريدون أن يخرجوا من النار) أي من أبوابها لشدة العذاب بهم (وما هم ~~بخارجين منها) لأن الملائكة يردونهم إليها بمقامع ms0386 من حديد (ولهم عذاب مقيم) ~~[37] أي لازم بهم لا يزول عنهم أبدا. PageV01P273 ### || [سورة المائدة (5): آية 38] # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم (38) # ثم بين حكم السرقة بقوله (والسارق والسارقة) وإنما بدأ بالمذكر، لأن ~~السرقة في الرجال أكثر، وهو مبتدأ، أي الذي سرق والتي سرقت من المال، خبره ~~(فاقطعوا) والفاء فيه لتضمن الكلام معنى الشرط الذي يدل على أن الأول سبب ~~للثاني، أي اقطعوا بسبب السرقة (أيديهما) أي يديهما، والمراد بها اليمين ~~بالاتفاق ولم يثن لئلا يجمع «1» في كلمة واحدة بين تثنيتين، لأنه قليل في ~~كلامهم، والحكم في الشرع أنه إذا سرق من حرز نصابا لا شبهة له فيه قطع ~~اليمين من الكوع لا من المنكب خلافا للخوارج، ولا قطع دون النصاب عن ~~الجمهور، وهو عشرة دراهم عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وربع دينار أو قيمته ~~عند الشافعي، فان سرق مرة قطعت يده اليمنى وحسمت بالنار فان عاد قطعت رجله ~~اليسرى من مفصل «2» الكعب، ولا يقطع في الثالثة والرابعة، بل يحبس حتى يظهر ~~توبته عند أبي حنيفة رضي الله عنه، ويقطع عند الشافعي يده اليسرى في ~~الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة، فان عاد عزر وحبس كذلك (جزاء) مفعول له، ~~أي للجزاء (بما كسبا) من السرقة في الدنيا (نكالا من الله) مثله في النصب، ~~أي لعقوبة منه (والله عزيز) أي غالب بالنقمة على من عصى أمره (حكيم) [38] ~~أي حاكم يحكمه على السارق بقطع يده. ### || [سورة المائدة (5): آية 39] # فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) # (فمن تاب) أي رجع عن سرقته (من بعد ظلمه) أي بعد ارتكاب السرقة (وأصلح) ~~أمره «3» بعمل الخير (فإن الله يتوب عليه) أي يقبل توبته، ويسقط عنه عقاب ~~السرقة (إن الله غفور) لما سلف من ذنبه بالتوبة (رحيم) [39] به إذا أطاع ~~أمره وأصلح عمله، روي عن الشافعي: أنه إذا تاب ورد المال لا يقطع يده في ~~أحد قوليه، وعند أبي حنيفة القطع لا يسقطه التوبة، ms0387 وقيل: يسقط الحد عن ~~الحربي إذا سرق وتاب ليكون أدعى له إلى الإسلام ولا يسقط عن المسلم، لأن ~~فيه صلاحا للمسلمين «4». ### || [سورة المائدة (5): آية 40] # ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) # ثم قال (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض) يحكم في أهلهما ما ~~يشاء، لا اعتراض لأحد عليه (يعذب من يشاء) إذا أصر «5» على الذنوب (ويغفر ~~لمن يشاء) إذا تاب عن الكبائر ولم يصر على الصغائر، قيل: # قدم التعذيب هنا على المغفرة لتقدم السرقة على التوبة «6»، وقيل: لتهويل ~~شأن السرقة وتغليظها «7» (والله على كل شيء قدير) [40] من المغفرة والتعذيب ~~ولما كان كيد المنافقين في الإسلام بموالاة الكفار كالسرقة. ### || [سورة المائدة (5): آية 41] # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) # قال تعالى تسلية للنبي عليه السلام وإظهارا لكذبهم في الإيمان (يا أيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) نزل في شأن أبي لبانة حين حاصر ~~النبي عليه السلام بني قريظة، فأشار إليهم أبو لبانة، وكان حليفا لهم أنكم ~~إن نزلتم عن حصونكم قتلكم محمد فلا تنزلوا «8»، فقال تعالى لا تهتم ولا ~~تبال يا محمد بمسارعة PageV01P274 # المنافقين الذين يبادرون سريعا في الكفر بموالاة المشركين، فاني ناصركم ~~عليهم، ومحل (من الذين قالوا آمنا بأفواههم) أي بألسنتهم (ولم تؤمن قلوبهم) ~~في السرقة، نصب على الحال من ضمير «يسارعون» لبيان أنهم منافقون، قوله (ومن ~~الذين هادوا) في محل الرفع خبر مبتدأ هو (سماعون للكذب) أي ومن اليهود ~~قائلين لما يفتريه أحبارهم من الكذب على الله ورسوله بتحريف الكتاب وتبديل ~~نعت ms0388 محمد عليه السلام من قولهم سمع لك، أي قبل قولك، ومنه سمع الله لمن ~~حمده إذا قبل «1» حمده أو المعنى: من اليهود سماعون منك ليكذبوا عليك ~~بالزيادة فيما يسمعون منك، لأنهم إذا جالسوك صدقوا في ذلك، وهم أهل خيبر، ~~قوله (سماعون) خبر مبتدأ محذوف، أي هم سماعون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (لقوم آخرين) أي لأجل قوم آخرين من اليهود وجوههم إليه جواسيس ~~ليبلغوهم ما سمعوا منه، وقيل: «سماعون» الثاني قريظة والقوم الآخرون يهود ~~خيبر «2»، وقوله (لم يأتوك) في محل الجر صفة «قوم»، أي سماعون «3» لطائفة ~~أخرى منهم لم يجيؤك لإفراطهم في شدة البغضاء والعداوة بك، روي: أنه قد زنى ~~يهودي بيهودية، وكانا محصنين شريفين عند أهل خيبر، وكان حدهما الرجم فكرهوا ~~رجمهما لشرهما، فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله عن حدهما ~~عنده، وقالوا: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا، ~~وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم النبي عليه السلام بالرجم فلم يقبلوا، فقال ~~له جبرائيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا حكما، فدعاه النبي عليه السلام ~~وجاءه فجعله حكما، فقال له: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو، هل تجد في ~~كتابك «4» الرجم على من أحصن؟ قال: # نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ~~ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علامات نبوته، فقال أشهد أن لا ~~إله إلا الله وانك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون ~~عليهم السلام، فحكم النبي عليه السلام بالرجم فرجما عند باب مسجده، وقال: ~~اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه «5»، قوله (يحرفون الكلم) خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هم يميلونه ويزيلونه (من بعد مواضعه) أي عن مواضعه التي وضع ~~عليها من الصحة في بيان الحلال والحرام، فيحلون حرامه ويحرمون حلاله، ويجوز ~~أن يكون حالا من ضمير «سماعون»، وكذلك قوله (يقولون) أي هم يقولون (إن ~~أوتيتم هذا) أي أمرتم بالجدل في التورية (فخذوه) أي فاقبلوه (وإن لم تؤتوه) ms0389 ~~ويأمركم محمد بالرجم (فاحذروا) أي من حكمه ولا تقبلوه (ومن يرد الله فتنته) ~~أي إضلاله «6» وعذابه (فلن تملك له من الله شيئا) أي لن تقدر على دفعه عنه ~~(أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر) أي لم يرد أن يعطيهم من اللطف والتوفيق ~~ما يزكي به (قلوبهم لهم) لأنهم ليسوا من أهله في علمه (في الدنيا خزي) ~~بالقتل والسبي والجزية مجازاة لكفرهم (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) [41] أي ~~أشد مما كان في الدنيا. ### || [سورة المائدة (5): آية 42] # سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) # قوله (سماعون للكذب) نزل في شأن كعب بن الأشرف وفيمن كان مثله من علماء ~~الإسلام الذين يقبلون شهادة الزور ويحكمون بغير الحق ويرتشون في حكمهم «7» ~~(أكالون للسحت) بضم الحاء وسكونها «8»، أي الحرام الذي يلزم صاحبه العار أو ~~الاستئصال في العاقبة، قيل: يا رسول الله ما السحت؟ قال: «الرشوة في PageV01P275 # الحكم» «1»، ثم قال: «لعن الله الراشي والمترشي» «2»، قيل: «إن ترش لتدفع ~~عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام عليك» «3»، قال ابن مسعود: «إنما الإثم على ~~القابض دون الدافع» «4» (فإن جاؤك) أي إن جاءك أهل الكتاب واحتكموا إليك ~~إذا خاصموا بينهم فأنت بالخيار إن شئت (فاحكم بينهم) وإن شئت لا تحكم ~~بينهم، وهو معنى قوله (أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم) أي عن الحكم بينهم (فلن ~~يضروك شيئا) مصدر، أي ضررا بالإعراض عنهم وإن شق ذلك عليهم، لأنهم لا ~~يتحاكمون إليك إلا لطلب الأيسر والأسهل كالجلد مكان الرجم، فاذا أعرضت عنهم ~~وأبيت الحكم «5» لهم شق ذلك ويكرهوا إعراضك عنهم فعادوك «6»، ولكن الله ~~يعصمك منهم «7» (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) أي بالعدل والاحتياط في ~~الحكم (إن الله يحب المقسطين) [42] أي العادلين في الحكم، قيل: اختلف ~~العلماء في الحكم في أهل الكتاب إذا تحاكموا إلينا، قال أكثرهم: الحكم ~~بالخيار استدلالا بهذه الآية «8»، وقيل: «يرد إلى أهل دينهم إلا أن يأتوا ~~راغبين في حكم ms0390 الله» «9»، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه «10»، وقيل: يجب ~~الحكم بينهم ويجعل الآية منسوخة بقوله «وأن احكم بينهم بما أنزل الله» «11» ~~كما يجيئ أما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب الحكم إجماعا، لأنه لا يجوز ~~انقياد المسلم لحكم الكافر «12». ### || [سورة المائدة (5): آية 43] # وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) # قوله (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة) تعجيب من تحكيمهم للنبي الذي لا ~~يؤمنون بكتابه، وهذا الحكم الذي هو مطلوبهم منصوص في كتابهم التورية الذي ~~يدعون الإيمان به، و«كيف» في محل النصب حال من ضمير «يحكمونك»، والواو في ~~«وعندهم» للحال، أي كيف يرضون بأن يجعلوك حكما لهم لتحكم بينهم ومعهم ~~التورية (فيها حكم الله) الجملة حال من التورية، والعامل فيها ما في ~~«عندهم» من معنى الفعل، قوله (ثم يتولون) عطف على قوله «يحكمونك»، أي ثم ~~يعرضون (من بعد ذلك) الحكم الذي وافق حكم كتابهم (وما أولئك بالمؤمنين) ~~[43] أي بالمصدقين لك في الحكم أو بما عندهم من الكتاب وهم يدعون الإيمان ~~به، فهم كاذبون فيه. ### || [سورة المائدة (5): آية 44] # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ~~فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون (44) # (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى) من الضلالة (ونور) أي بيان للشرائع ~~والأحكام كنعت النبي والرجم وغيرهما، والجملة الاسمية حال من «التوراة» ~~(يحكم) أي يقضي (بها النبيون الذين أسلموا) أي دخلوا في ملة الإسلام ~~وأخلصوا العمل والحكم بالتورية من لدن موسى إلى عيسى، وهم أربعة آلاف نبي ~~أو أكثر، وهذا الوصف للمدح والتعريض باليهود الذين يعدلون عن ملة الإسلام ~~التي هي دين الأنبياء كلهم في القديم PageV01P276 # والحديث، وإنهم معزل عنها، قوله (للذين هادوا) يتعلق ب «يحكم»، وفيه ~~إضمار، أي يحكمون بما في التورية لهم وعليهم، ولذلك حكم رسول الله عليهم ~~بالرجم بحكم التورية، قوله (والربانيون) عطف على ms0391 «النبيون»، أي ويحكم ~~الزهاد والعالمون بربهم (والأحبار) أي العلماء بالشرائع والأحكام من ولد ~~هرون الذين التزموا طريقة الأنبياء في الإسلام، وجانبوا دين اليهودية وغيره ~~(بما استحفظوا) أي بسبب طلبهم الأنبياء حفظه من التبديل والتغيير (من كتاب ~~الله) واستودعوه لهم بعد أن تعلموا منهم أحكامه وكلفوهم العمل بها (وكانوا) ~~أي العلماء به (عليه) أي على ما فيه من الأحكام كالرجم وغيره (شهداء) أي ~~رقباء لئلا يبدل، ثم قال للحكام بكتاب الله (فلا تخشوا الناس) أي اليهود من ~~المدينة وخيبر في إظهار نعت محمد عليه السلام وإخبار آية الرجم والحكم ~~بالحق خوف الظلمة (واخشون) في كتمان نعت محمد عليه السلام وترك الحكم بالحق ~~(ولا تشتروا بآياتي) أي لا تستبدلوا بأحكامي (ثمنا قليلا) أي عرضا يسيرا من ~~حطام الدنيا بالرشوة ومداراة الظلمة، عن ابن مسعود: «من شفع شفاعة ليرد بها ~~حقا أو يدفع بها ظلما فأهدى له فقبل فهو سحت، ثم قيل له: ما ترى في الأخذ ~~على الحكم؟ قال: «الأخذ على الحكم كفر» «1» لقوله تعالى (ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [44] قال ابن مسعود: «هو عام في اليهود ~~وغيرهم» «2» ردا للرواية عن ابن عباس أنه قال: «في حق أهل الكتاب» «3». ### || [سورة المائدة (5): آية 45] # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن ~~بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45) # قوله (وكتبنا عليهم) أي فرضنا على بني إسرائيل (فيها) أي في التورية ~~حكاية ما خوطب به اليهود من الأحكام التي فرضت «4» عليهم ليكون ذلك فرضا ~~على المسلمين ويعملوا به «5»، يعني أوجبنا عليهم (أن النفس) مأخوذة ~~(بالنفس) إذا قتلها بغير حق (والعين) مفقوءة (بالعين) كذلك (والأنف) مجدوع ~~(بالأنف والأذن) مصلوبة (بالأذن والسن) مقلوعة (بالسن والجروح قصاص) أي ~~الجراحات ذات قصاص وهو المقاصة «6» في الحكم إذا أمكن فيه المساواة، وإن لم ~~يكن فلا قصاص، بل فيه حكومة عدل، قيل: من قرأ بنصب الأسماء الخمسة، أي ~~المعطوفات «7» جعل ms0392 خبر «أن» «قصاص»، ومن قرأ بنصب الأسماء الأبعة ورفع ~~«الجروح» بالابتداء جعل «قصاص» خبر المبتدأ «8»، وخبر «أن» قرين كل اسم ~~منها من الجار والمجرور بتأويله، وقرئ المعطوفات بالرفع «9» عطفا على محل ~~اسم «أن» بتأويل «كتبنا» بمعنى قلنا لأنه انما يعطف على محل اسم «إن» ~~المكسورة دون المفتوحة، فلذلك احتيج إلى هذا التأويل، قيل: قوله «والجروح ~~قصاص» رد لقول اليهود وهم بنو النضير حيث قالوا: الجراحات على النصف إذا ~~كانت لأنفسهم لشرفهم على بني قريظية منهم فجعل الله الدم والجراحة بين بني ~~النضير وغيرهم سواء، فقال كعب بن الأشرف وأصحابه للنبي عليه السلام: لا ~~نرضى بحكمك، فقال تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~«10»، فصارت الآية عامة في جميع الناس لأجل القصاص في الدم والجراحة (فمن ~~تصدق به) أي بالقصاص وعفي عن مظلمته في الدنيا (فهو) أي التصدق به (كفارة ~~له) أي للمتصدق بأن يكفر الله عنه من سيئاته، قال عليه السلام: «من أصيب ~~بشيء في جسده فتركه PageV01P277 # لله تعالى كان كفارة له» «1» (ومن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون) [45] أنفسهم لتعريضها للعقوبة، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ### || [سورة المائدة (5): آية 46] # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) # ثم قال (وقفينا على آثارهم) أي أتبعناهم على آثار النبيين المذكورين، ~~فالمفعول «2» الأول من «قفينا» محذوف، قام مقامه على آثارهم «3»، والمفعول ~~الثاني بزيادة الباء «4» (بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة) ~~مقررا للتورية بالصدق فهو حال من «عيسى» (وآتيناه الإنجيل فيه هدى) من ~~الضلالة (ونور) أي بيان لأحكام الله (ومصدقا لما بين يديه من التوراة) أي ~~موافقا للتورية في التوحيد وبعض الشرائع، قوله (وهدى وموعظة) منصوبان على ~~أنهما مفعول لهما لفعل مقدر «5»، أي وآتيناه الإنجيل للهدى والموعظة وللحكم ~~بما أنزل الله فيه من الأحكام (للمتقين) [46] أي للذين يخشون الله تعالى من ~~المعاصي. ### || [سورة المائدة (5): آية 47] # وليحكم ms0393 أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الفاسقون (47) # قوله (وليحكم) بسكون اللام والميم أمر مستأنف لإلزام الحكم، أي وقلنا ~~ليحكم (أهل الإنجيل) أي عيسى وعلماؤه (بما أنزل الله فيه) وبكسر اللام ونصب ~~الميم لام كي «6»، أي وآتيناه الإنجيل لكي يحكم عيسى، قيل: إن عيسى كان ~~متعبدا بأحكام التورية، لأن الإنجيل مواعظ والأحكام فيه قليلة «7» (ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله) في الإنجيل وكان حكمهم العفو عن الجاني (فأولئك هم ~~الفاسقون) [47] أي العاصون أمر الله «8». ### || [سورة المائدة (5): آية 48] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) # ثم قال خطابا لمحمد عليه السلام (وأنزلنا إليك الكتاب) واللام فيه للعهد، ~~أي القرآن (بالحق) أي ملابسا ببيان الحق (مصدقا لما بين يديه) أي لما قبله ~~(من الكتاب) واللام فيه «9» للجنس، أي من الكتب المنزلة من الله (ومهيمنا ~~عليه) أي ورقيبا وشاهدا على الكتاب المنزل، يعني يشهد له بالصحة ويحفظه من ~~التبديل والتغير (فاحكم) يا محمد (بينهم) أي بين أهل الكتاب إذا تحاكموا ~~إليك (بما أنزل الله) أي بالقرآن (ولا تتبع أهواءهم) أي لا تعمل بهواهم ~~عادلا (عن ما جاءك من الحق) أو المعنى: ولا تعرض عما جاءك من الحق متبعا ~~أهواءهم ومرادهم وإن كان ذلك مشروعا بشريعتهم (لكل) أي لكل نبي من الأنبياء ~~(جعلنا منكم) أيها الناس (شرعة) أي شريعة ودينا (ومنهاجا) أي طريقا واضحا، ~~وفيه دليل أنه لا يجب على أحد التعبد بشريعة «10» غيره، قوله (ولو شاء الله ~~لجعلكم) بالقسر (أمة واحدة) أي على أمة واحدة بشريعة واحدة إشارة إلى قدرته ~~وحكمته (ولكن) جعلكم أمما مختلفة (ليبلوكم في ما آتاكم) من الكتب والشرائع ~~المختلفة، يعني ليظهر لكم الطائع PageV01P278 # والعاصي منكم فيما أمره ونهاه ms0394 (فاستبقوا الخيرات) أي تقدموا وعجلوا ~~الأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم في الجهاد وإلى التكبيرة الأولى مع ذلك ~~في الصلوة (إلى الله مرجعكم) أي إليه ترجعون (جميعا) فاعملوا بالفرائض ~~والسنن ولا تتبعوا الأهواء والبدع (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم فيه ~~تختلفون) [48] من الدين والسنن يوم القيامة، فهذا وعيد لهم ليستبقوا ~~الخيرات ويتركوا السيئات. ### || [سورة المائدة (5): آية 49] # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) # قوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) في محل النصب عطف على «الكتاب»، أي ~~وأنزلنا إليك الكتاب والحكم بينهم، ويجوز أن يكون تقديره: وبأن احكم عطفا ~~على «بالحق»، أي أنزلناه بأن احكم بينهم (ولا تتبع أهواءهم) في الحكم ~~(واحذرهم) مخافة (أن يفتنوك) أي يصرفوك (عن بعض ما أنزل الله إليك) نزل حين ~~قال الأحبار من يهود بني النضير فيما بينهم: اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن ~~دينه فانه بشر فأتوه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، إن ~~اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك، ~~فتقتضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله فأعرضوا عنه «1» فقال ~~تعالى (فإن تولوا) أي إن تعرضوا عنك «2» وعن الحكم بما أنزل الله إليك ~~وأرادوا غيره (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم) أي بأن يجعل ~~لهم العقوبة في الدنيا ببعض عملهم (وإن كثيرا من الناس لفاسقون) [49] أي ~~لخارجون عن حكم الله وطاعته. ### || [سورة المائدة (5): آية 50] # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) # قوله (أفحكم الجاهلية يبغون) بالتاء والياء «3»، نزل إنكارا على من يطلب ~~حكما غير «4» حكم الإسلام «5»، أي يطلبون منك شيئا لم ينزله الله إليك «6» ~~(ومن أحسن) استفهام بمعنى النفي، ومبتدأ وخبر، أي لا أحد أحسن (من الله ~~حكما) نصبه تمييز، أي قضاء (لقوم يوقنون) [50] أي يعلمون باليقين أن الله ~~هو الحاكم بالقرآن أو الحاكم ms0395 بالعدل، واللام للبيان أو بمعنى عند. ### || [سورة المائدة (5): آية 51] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) نزل نهيا ~~عن موالاة أعداء الدين «7»، وذلك حين كانت وقعة أحد فان بعض الناس من ~~المسلمين فيها خاف أن يظهر عليهم الكفارة فأراد أن يعاشرهم ويواليهم ليأمن ~~منهم، فقال تعالى لا تتخذوهم «8» أولياء في العون والنصرة كالمؤمنين (بعضهم ~~أولياء بعض) في النصرة لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر (ومن يتولهم) أي من ~~يتخذهم أولياء (منكم فإنه منهم) أي هو على دينهم ومعهم في النار لنفاقهم ~~(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [51] أي لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم ~~بموالاة أعداء الله. ### || [سورة المائدة (5): آية 52] # فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) # ثم شرع في بيان المنافقين بقوله (فترى الذين في قلوبهم مرض) أي شك ونفاق ~~من رؤية العين (يسارعون) PageV01P279 # أي يبادرون (فيهم) أي في معاونة الكفار في محل النصب على الحال وإن كانت ~~الرؤية بالقلب فالجملة مفعول ثان «1» ل «ترى»، يعني تراهم يوالون بهم ~~ويعتذرون بأنهم لا يأمنون «2» منهم (يقولون) حال من ضمير الجمع (نخشى) أي ~~نخاف (أن تصيبنا دائرة) أي حادثة تدور من دوائر الزمان كغلبة المشركين وجدب ~~وشدة، ولا يتم أمر محمد فاحتجنا إليهم، فنزل توبيخا لهم بالإشارة إلى تتميم ~~أمر محمد عليه السلام «3» (فعسى الله أن يأتي بالفتح) أي بنصر محمد عليه ~~السلام وإظهار دينه، و «أن يأتي» في محل النصب خبر «عسى» أو في محل الرفع ~~بدل من «الله» (أو أمر من عنده) أي بأن يؤمر النبي عليه السلام من عند الله ~~ليظهر أسرار المنافقين وقتلهم أو ليقطع «4» قوة اليهود وإجلائهم من بلادهم ~~(فيصبحوا) عطف على «أن يأتي»، أي فان يصيروا (على ما أسروا في ms0396 أنفسهم) من ~~النفاق وموالاة الأعداء (نادمين) [52] فانهم لما رأوا أمر بني قريظة ~~والنضير ندموا على ما قالوا. ### || [سورة المائدة (5): آية 53] # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) # قوله (ويقول) بالرفع مع الواو للاستئناف أو لعطف جملة على جملة وعدمها، ~~وبالنصب «5» عطف على «أن يأتي» وهو بيان حال المؤمنين وقولهم فيما بينهم، ~~أي يقول (الذين آمنوا) بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين بعد أن وفقهم ~~الله في الإخلاص (أهؤلاء الذين أقسموا) لكم (بالله جهد أيمانهم) أي أغلظ ~~أحلافهم (إنهم لمعكم) أي أولياؤكم في المعاضدة على الكفار بالإيمان، ثم قال ~~المؤمنون تعجبا من صنع «6» المنافقين وسوء حالهم ودعاء عليهم (حبطت ~~أعمالهم) أي بطلت خيراتهم بالحلف الكذب، يعني ما أحبط أعمالهم (فأصبحوا ~~خاسرين) [53] أي صاروا مغبونين في الدارين بفضاحتهم بين الناس بالنفاق في ~~الدنيا وعدم ثوابهم في الآخرة، وقيل: يجوز أن يكون هذا «7» من قول الله ~~شهادة لهم بحبوط أعمالهم «8». ### || [سورة المائدة (5): آية 54] # يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (54) # ثم قال تهديدا للمؤمنين (يا أيها الذين آمنوا من يرتد) بالفك وبالإدغام ~~«9»، أي من يرجع (منكم عن دينه) كافرا بعد موت النبي عليه السلام، نزل في ~~الذين ارتدوا على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين قالوا نشهد أن «لا ~~إله إلا الله» وأن محمدا رسول الله ولا نعطي الزكوة من أموالنا بعد رسول ~~الله شيئا، ثم خرج مسيلمة الكذاب فغلب على اليمامة وامتنعوا فشاور أبو بكر ~~رضي الله عنه أصحاب النبي عليه السلام في قتالهم، فاتفقوا على قوله، وجمعوا ~~العساكر فذهبوا على مسيلمة الكذاب مع أهل اليمامة، واجتمع الأعراب معه، ~~وكان بينهم قتال شديد، فنصر الله المؤمنين على أعدائهم، وقتل مسيلمة الكذاب ~~وأصحابه، وتاب أهل الردة «10»، فذلك قوله (فسوف يأتي الله بقوم) ms0397 مكانهم ~~(يحبهم) أي الله (ويحبونه) أي الله، يعني يرضى بفعلهم ويثيبهم أحسن الثواب ~~ويرضون بربوبيته ويطيعونه ولا يعصونه، فالمراد ب «قوم» الذين قاتلوا أهل ~~الردة ومانعي الزكوة، و «هم» أبو بكر وأصحابه، روي أنه قيل بعد نزوله يا ~~رسول الله: من هؤلاء؟ قال قوم هذا PageV01P280 # وأشار إلى أبي موسى الأشعري «1» (أذلة على المؤمنين) صفة «قوم»، وهي جمع ~~ذليل بمعنى عطوف ولين، ولذا عدي ب «على» والأصل اللام (أعزة) أي أشداء ~~وغلاظ (على الكافرين) المعنى: أنهم مع المؤمنين كالولد مع والده، وعلى ~~الكافرين كالسبع على صيده (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) أي ~~ملامة الناس فيما يعملون «2» من الطاعات كالمنافقين الذين يخافون الكفار ~~(ذلك) أي ما وصف به القوم للمدح من الهدى «3» (فضل الله يؤتيه من يشاء) ~~بتوفيقه ولطفه به (والله واسع) أي كثير الفضل واللطف (عليم) [54] بمن يصلح به. ### || [سورة المائدة (5): آية 55] # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون (55) # ثم قال بعد نهيه عن موالاة الكفار حثا على موالاة المؤمنين (إنما وليكم) ~~أي ناصركم بالمحبة والأصالة (الله ورسوله والذين آمنوا) بالمحبة والتبعية ~~لله، روي: أن عبد الله بن سلام قال للنبي عليه السلام: «إن إخواننا بني ~~قريظة والنضير من اليهود قد أظهروا لنا العداوة وأقسموا أن لا يخالطونا في ~~شيء» فنزلت الآية، فقال ابن سلام: «رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء» ~~«4»، قوله (الذين يقيمون الصلاة) رفع على أنه صفة «الذين آمنوا» أو بدل ~~منهم، أي هم الذين يقيمونها، أي يتمونها (ويؤتون الزكاة) أي المفروضة أو ~~الصدقة (وهم راكعون) [55] أي يفعلون الخيرات في حال ركوعهم، لأن عليا تصدق ~~بخاتمه وهو في الصلوة فنزلت الآية في شأنه «5»، وإنما جمع ترغيبا لغيره في ~~مثل حاله. ### || [سورة المائدة (5): آية 56] # ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) # (ومن يتول الله) أي أحبه فاستنصره «6» (ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله) أي أنصاره وأتباع دينه (هم الغالبون) [56] أي القاهرون على أعدائه، ~~والعاقبة لهم، والأصل فانهم هم ms0398 الغالبون، فوضع «حزب الله» موضع الضمير ~~تنبيها على فضل مرتبتهم عند الله. ### || [سورة المائدة (5): آية 57] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) # قوله (يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمؤمنين باللسان دون القلب (لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم) أي الكفار (هزوا ولعبا) أي سخرية وباطلا (من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم) أي اليهود والنصارى (والكفار) بالجر بتقدير «من» ~~وبالنصب «7» عطفا على «الذين اتخذوا»، أي مشركي العرب (أولياء) في العون ~~والنصرة، ويجوز أن يكون خطابا للمخلصين نهيا عن موالاة الأعداء في الدين ~~(واتقوا الله) عن ولاية الكفار (إن كنتم مؤمنين) [57] حقا لأن الإيمان الحق ~~قطعكم عنهم فلم يبق بينكم وبينهم إلا البغضاء والشنآن. ### || [سورة المائدة (5): آية 58] # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) # قوله (وإذا ناديتم) أي إذا ندى المؤذن منكم (إلى الصلاة) بيان لاتخاذ ~~الكفار دين الإسلام باطلا إظهارا لعداوتهم للمسلمين، لأنهم إذا أذن المؤذن ~~وسمعوه (اتخذوها) أي المناداة إلى الصلوة (هزوا ولعبا) لأنهم كانوا إذا ~~سمعوا الأذان أو رأوا المسلمين في الركوع والسجود ضحكوا واستهزؤا، قيل: فيه ~~دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وغيره «8»، روي: أن النبي عليه ~~السلام سأل جبرائيل عليه السلام من اتخذه مؤذنا؟ فقال: PageV01P281 # عليك بالعبد الأسود، يعني بلالا، فانه جهير الصوت ومشهور في الملائكة ~~وأحب المؤذنين إلى الله تعالى، فدعاه رسول الله وعلمه الأذان، وأمره أن ~~يصعد سطح المسجد ويؤذن، فلما أذن سخر منه أهل النفاق وأهل الشرك فنزلت ~~الآية «1»، قيل: «كان رجل من النصارى بالمدينة، لما سمع المؤذن يقول: أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، قال حرق الله الكاذب فدخلت ~~خادمته ليلة بنار وهم نيام فسقطت شرارة في البيت فاحرقته وأهله فاستجيب ~~دعاؤه على نفسه» «2» (ذلك) أي الاستهزاء منهم (بأنهم) أي بسبب أنهم (قوم لا ~~يعقلون) [58] أي لا يفهمون من الله شيئا لجهلهم وسفاهتهم، فكأنه لا ms0399 عقول ~~لهم أصلا. ### || [سورة المائدة (5): آية 59] # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) # (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب هل تنقمون) أي ما تنكرون وتعيبون (منا إلا ~~أن آمنا بالله) أي سوى إيماننا به (وما أنزل إلينا) أي وبالقرآن المنزل ~~إلينا (وما أنزل من قبل) أي قبل القرآن «3» من التورية والإنجيل (وأن) أي ~~وبأن (أكثركم فاسقون) [59] أي خارجون عن الإيمان بعصيانكم، المعنى: أنكم لا ~~تنكرون منا إلا مخالفتنا إياكم بأنا داخلون في الإسلام وأنتم خارجون منه، ~~ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع، يعني لا تنقمون منا إلا إيماننا مع كونكم ~~فاسقين مقيمين على الباطل بعد العلم به. ### || [سورة المائدة (5): آية 60] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) # قوله (قل هل أنبئكم بشر من ذلك) أي من المنقوم من أهل الإيمان، نزل حين ~~قال اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أهل الأديان أقل حظا في الدنيا ~~والآخرة منكم «4»، فقال تعالى: قل يا محمد هل أخبركم بشر من أهل الإيمان ~~على زعمكم (مثوبة) أي جزاء وعقوبة (عند الله) ونصبه تمييز ووضع «المثوبة» ~~موضع «العقوبة» «5»، وهو من الإحسان في الأصل توسع أو استهزاء لهم، قوله ~~(من لعنه الله) رفع بالخبرية «6»، ومبتدأه محذوف، أي هو من طرده الله من ~~رحمته (وغضب عليه) بقطع لطفه عنه (وجعل منهم القردة والخنازير) في الدنيا ~~(وعبد الطاغوت) عطف على صلة «من»، أي ومن عبد الشيطان، فعل ماض من العبادة، ~~وقرئ «عبد الطاغوت» بضم الباء وجر التاء «7» إضافة، ونصبه ب «جعل»، لأنه ~~معطوف على «القردة» وهو اسم جمع وليس بجمع كعضد، والمراد من عبادة الشيطان ~~تسويله المعصية وإطاعته له فيها، المعنى: من لعنه الله شر عقوبة من غيره في ~~الآخرة (أولئك شر مكانا) أي منزلة عند الله (وأضل عن سواء السبيل) [60] أي ~~عن وسط طريق ms0400 الحق في الدنيا. ### || [سورة المائدة (5): آية 61] # وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون (61) # ثم أخبر عن حال منافقي أهل الكتاب بقوله «8» (وإذا جاؤكم قالوا آمنا) أي ~~صدقنا بك لأنا وجدنا نعتك في كتابنا، وأرادوا به أن يمدحهم المسلمون ~~ويحبونهم، فقال تعالى (وقد دخلوا بالكفر) أي ملتبسين به (وهم قد خرجوا به) ~~أي ملتبسين بالكفر «9»، الجملتان «10» في محل النصب على الحال، أي هم دخلوا كافرين PageV01P282 # وخرجوا كافرين حقيقة بنفاقهم ولا ينفعهم قولهم «أمنا» (والله أعلم بما ~~كانوا يكتمون) [61] أي يسترون في قلوبهم من النفاق فيجازيهم، وهذا تهديد لهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 62] # وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يعملون (62) # (وترى كثيرا منهم) أي من المنافقين (يسارعون في الإثم) أي في الكفر ~~والمعاصي (والعدوان) أي التعدى للغير وهو الظلم (وأكلهم السحت) أي الرشوة ~~في الأحكام (لبئس ما كانوا يعملون) [62] بتزودهم السحت من الدنيا للآخرة. ### || [سورة المائدة (5): آية 63] # لو لا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون (63) # ثم نزل تخويفا للعلماء بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «1» (لو لا) ~~أي هلا «2» (ينهاهم) أي أهل الظلم والإثم (الربانيون) أي علماؤهم الزاهدون ~~(والأحبار) أي العلماء بالشرائع والأحكام (عن قولهم الإثم) أي المنكر ~~(وأكلهم السحت) يعني لو لم ينهوا «3» سفهاءهم عن حكمهم الباطل وأكلهم ~~الحرام ورضوا بفعلهم السوء ولم ينكروا عليهم (لبئس ما كانوا يصنعون) [63] ~~أي يتمكنون من ترك الإنكار على سفهائهم تمكن الصانع من صنعته. ### || [سورة المائدة (5): آية 64] # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) # قوله (وقالت اليهود يد الله مغلولة) نزل حين بسط الله عليهم الرزق حتى ~~كانوا من أكثر الناس مالا، فلما عصوه في ms0401 محمد عليه السلام وكذبوه قتر عليهم ~~الرزق، فقال فنحاص بن عازورا وغيره من اليهود عند ذلك: # يد الله محبوسة عن بسط الرزق علينا وكنوا به عن البخل «4»، فقال تعالى ~~(غلت أيديهم) أي أمسكت عن فعل الخير، فهم البخلاء لا يعطون الناس شيئا مما ~~أعطاهم الله تعالى وانا الجواد أو غلت أيديهم في نار جهنم بالأغلال (ولعنوا ~~بما قالوا) أي أبعدوا عن الرحمة، وعذبوا بسبب قولهم ذلك، ثم أضرب الله عنهم ~~برد قولهم مبينا أنه في غاية الكرام وليس ببخيل بقوله (بل يداه مبسوطتان) ~~أي رزقه واسع على خلقه بانزال المطر من السماء وإخراج النبات من الأرض، ~~وقيل: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة واسعتان عليهم «5» (ينفق كيف يشاء) على ~~مقتضى الحكمة من التوسيع والتضييق، لا اعتراض عليه، والجملة تأكيد للوصف ~~بالسخاء ونفي البخل عنه في المعنى، ولهذا ثني اليد بعد الإفراد فيما قبله، ~~وهو رد لقولهم على وجه أبلغ، لأن غاية سخاوة السخي أن يعطي ماله بيديه ~~جميعا، ثم بين حسدهم بقوله (وليزيدن كثيرا منهم) أي من اليهود، وفاعل ~~«يزيدن» (ما أنزل إليك من ربك) أي يزيدهم القرآن (طغيانا) وهو التمادي ~~بالمعصية (وكفرا) أي جحودا بالقرآن، لأنه كلما نزل شيء منه كفروا به فيزيد ~~جحودهم لحسدهم بنبوة محمد عليه السلام (وألقينا بينهم) أي بين اليهود ~~(العداوة والبغضاء) أي جعلناهم مختلفين في دينهم متباغضين، فلا يقع اتفاق ~~بينهم ولا تعاضد، لأن قلوبهم شتى وإن كانوا متحدين في الكلمة أو المراد هو ~~العداوة بين اليهود والنصارى (إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب) أي ~~لحرب النبي عليه السلام بافساد أمره أو المكر به وبأصحابه (أطفأها الله) أي ~~أمات الله نار مكرهم وسكنها بقهرهم ونصر نبيه فغلبوا (ويسعون في الأرض ~~فسادا) بكفرهم والعمل بالمعاصي ودعوة الناس إلى عبادة غير الله تعالى ~~(والله لا يحب المفسدين) [64] أي لا يرضى بعملهم الفساد فيجازيهم به. PageV01P283 ### || [سورة المائدة (5): آية 65] # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات ~~النعيم (65) # (ولو أن أهل الكتاب آمنوا) أي صدقوا بمحمد ms0402 والقرآن (واتقوا) أي وقرنوا ~~إيمانهم بعمل التقوى الذي هو طريق السعداء (لكفرنا عنهم سيئاتهم) أي لمحونا ~~عنهم ذنوبهم (ولأدخلناهم جنات النعيم) [65] في الآخرة. ### || [سورة المائدة (5): آية 66] # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) # (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) أي عملوا بما فيهما من الأحكام (وما ~~أنزل إليهم من ربهم) أي وبالقرآن وجميع الكتب (لأكلوا) رزقا (من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم) يعني لو عملوا بما أمرناهم في كتابنا لوسعنا عليهم الرزق ~~باضافة بركات السماء وبركات الأرض من الزروع المغلة والأشجار المثمرة، ثم ~~فضل بعضهم على بعض بقوله «1» (منهم أمة مقتصدة) أي جماعة عادلة بالإيمان ~~والعمل الصالح غير المقصرة في الدين كعبد الله بن سلام وأصحابه، والاقتصاد ~~هو الاعتدال في الشيء (وكثير منهم) ككعب بن الأشرف وأصحابه (ساء ما يعملون) ~~[66] أي بئس شيئا عملهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 67] # يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) # قوله (يا أيها الرسول بلغ) نزل في حث المسلمين على الجهاد والدعوة إلى ~~الإيمان «2»، أي بلغ يا محمد (ما أنزل إليك من ربك) أي جميع المنزل إليك من ~~القرآن ولا تخف من أحد منهم إلا الله (وإن لم تفعل) أي إن لم تبلغ جميع ~~المنزل إليك «3» كما أمرتك (فما بلغت رسالته) قرئ مفردا وجمعا «4»، يعني ~~إذا تركت البعض من المنزل إليك صرت كالتارك للكل، ثم شجع النبي عليه السلام ~~على الجهاد بهم بقوله (والله يعصمك من الناس) أي يحفظك من كيد جميع ~~الكافرين فلا يصلون إليك بقتل ولا بغيره، قيل: نزلت بعد ما شج وجهه وكسرت ~~رباعيته في وقعة أحد «5»، وقيل: يعصمك عن القتل «6»، ثم قال تأكيدا لذلك ~~(إن الله لا يهدي القوم الكافرين) [67] أي لا يرشدهم إلى دينه، بل يقهرهم ~~ويخذلهم، روي أنه عليه السلام كان يحرس بالناس ليلا ويلبس الدرع، ثم ms0403 ترك ~~بعد نزول هذه الآية، فقال: «لا تحرسوني فان الله قد عصمني من الناس» «7». ### || [سورة المائدة (5): آية 68] # قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا ~~تأس على القوم الكافرين (68) # ثم قال تعالى تعليما لنبيه كيف يبلغ رسالته إلى اليهود والنصارى وإن ~~زعموا أنهم على ملة إبراهيم ودينه (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء) من ~~الدين لضلالتكم «8» عن دين الحق فلا ثواب لأعمالهم (حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) أي حتى تعملوا بما فيهما وبما في القرآن ~~مع الإيمان به، ثم أكد ضلالتهم بقوله (وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ~~ربك) وهو القرآن لحسدهم «9» بنبوتك (طغيانا وكفرا) أي تماديا في المعصية ~~وجحودا «10» بالقرآن، فعليك التبليغ وإن لم ينفعهم ذلك (فلا تأس) أي لا ~~تحزن (على القوم الكافرين) [68] أي المذكورين بك وبالقرآن، ففي المؤمنين ~~كفاية عنهم ففيه تسلية للنبي عليه السلام. ### || [سورة المائدة (5): آية 69] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) PageV01P284 ### || [سورة المائدة (5): آية 69] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # (إن الذين آمنوا) باللسان (والذين هادوا) أي دخلوا في اليهودية ~~(والصابئون) رفع «1» على الابتداء، وخبره محذوف بنية التأخير عما في حيز ~~«أن» من اسمها وخبرها، وهو كذلك كأنه قال إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~(والنصارى من آمن) منهم، أي من الكفار، شرط مبتدأ وخبر، أي من صدق مخلصا ~~(بالله واليوم الآخر وعمل) عملا (صالحا) وجواب الشرط (فلا خوف عليهم) في ~~الدين (ولا هم يحزنون) [69] في الآخرة، والشرط مع جوابه في محل الرفع خبر ~~«إن»، و«الصابئون» كذلك، وهم العادلون من دين إلى دين، وإنما قدرنا خبر ~~المبتدأ بعده كذلك فرارا من لزوم العطف على محل اسم «إن» قبل مضي الخبر ~~لئلا يلزم ms0404 توجه العاملين على معمول واحد، وهو ممتنع عندهم، والجملة أعني ~~«والصابئون» كذلك عطف على الجملة قبلها، وهي «إن الذين آمنوا» إلى قوله ~~«يحزنون»، ولا محل لها من الإعراب كما لا محل للجملة المعطوف عليها من ~~الإعراب، ووجه تقديم «الصابئون» «2» على خبر «إن» قبل ذكر تمام المعطوف ~~عليه هو التنبيه على أن الصابئين يتاب «3» عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل ~~الصالح مع كثرة ذنوبهم فما الظن بغيرهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 70] # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) # ثم بين حال اليهود بقوله «4» (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) أي عهدهم في ~~التورية (وأرسلنا إليهم رسلا) صفتهم (كلما جاءهم رسول) منهم (بما لا تهوى ~~أنفسهم) أي لا يوافق هواهم، وجواب «كلما» محذوف، أي كذبوه بقرينة قوله ~~(فريقا كذبوا) كمحمد «5» وعيسى (وفريقا يقتلون) [70] كيحيى وزكريا، ولم يقل ~~قتلوا كما قال «كذبوا» ليكون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل ~~واستحضارا لتلك الحالة الشنيعة للتعجيب منها. ### || [سورة المائدة (5): آية 71] # وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون (71) # (وحسبوا ألا تكون فتنة) أي ظنوا أنهم لا يبتلون ابتلاء بتكذيبهم الرسل ~~وقتلهم الأنبياء، قرئ بنصب «تكون» ب «أن» على أن حسب بمعنى شك، وبرفعه «6» ~~على أن «أن» «7» مخففة من الثقيلة، فحسب يكون بمعنى علم، أي أنه لا تكون ~~«8» فتنة وهو ساد مسد مفعولي «حسب»، والمعنى: حسب بنو إسرائيل أنه «9» لا ~~يصيبهم بلاء في الدنيا وعذاب في الآخرة (فعموا) عن الحق بعبادة العجل فلم ~~يبصروه (وصموا) عنه فلم يسمعوه بعد موسى (ثم تاب الله عليهم) أي تجاوز عن ~~ذنوبهم بعد توبتهم عن عبادة العجل، ورفع عنهم البلاء ببعث عيسى والإيمان به ~~واتباعه فيما أمرهم ونهاهم (ثم عموا وصموا) بكفرهم بمحمد المبعوث إليهم ~~رسولا (كثير منهم) رفع، بدل من الضمير في الفعلين أو خبر مبتدأ محذوف، أي ~~العمي والصمم كثير منهم (والله بصير بما يعملون) [71] بتكذيبهم الرسل ms0405 ~~وبقتلهم الأنبياء فيجازيهم بما عملوا. ### || [سورة المائدة (5): آية 72] # لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) # ثم بين حال النصارى بقوله (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن ~~مريم) مع زعمهم أنهم مؤمنون PageV01P285 # بعيسى لكذبهم في مقالتهم بالإيمان به، لأنه دعاهم إلى التوحيد بالرسالة ~~وهم أشركوا بالله نفسه (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله) أي وحدوه ~~وأطيعوه (ربي وربكم) أي خالقي وخالقكم فلا تشركوا به شيئا (إنه من يشرك ~~بالله) ويمت «1» عليه (فقد حرم الله عليه الجنة) أي دخولها، لأنها دار ~~الموحدين (ومأواه النار) أي مقره ومصيره نار جهنم (وما للظالمين من أنصار) ~~[72] أي ليس للمشركين مانع يمنعهم من العذاب، وهو تعيير لهم فيما يعتقدون ~~أن لهم أنصارا بالإيمان بعيسى وقولهم إنه هو الله، قيل: إن هذه الجملة تجوز ~~أن تكون «2» من كلام الله على معنى أنهم كذبوا وعدلوا عن سبيل الحق فيما ~~يقولون «3» على عيسى وخالف قولهم قوله لهم فيعذبون في الآخرة، وأن يكون من ~~كلام عيسى على معنى أن ما قالوه بعيد عن العقول، فلا ينصرهم أحد على ما ~~يقولون يوم القيامة «4». ### || [سورة المائدة (5): آية 73] # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) # ثم بين حال الفريق الآخر من النصارى بقوله (لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة) أي ثلثة آلهة، يعنون الله وعيسى ومريم، فرد عليهم بقوله (وما ~~من إله إلا إله واحد) وهو الله، و«من» فيه لاستغراق الجنس لتأكيد النفي، ثم ~~هددهم بقوله (وإن لم ينتهوا عن ما يقولون) أي إن لم يتوبوا عن مقالتهم ~~الباطلة (ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم) [73] أي وجيع دائم إن أقاموا ~~على كفرهم، واللام فيه لام القسم المحذوف قبله، ولم يقل ليمسنهم ليكون ms0406 ~~التسجيل عليهم بالكفر بتكرير الشهادة به، وإنما قال «منهم»، لأن بعضهم لم يكفر. ### || [سورة المائدة (5): آية 74] # أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) # ثم دعاهم إلى التوبة من ذلك القول بقوله توبيخا بالاستفهام (أفلا يتوبون ~~إلى الله) من النصرانية (ويستغفرونه) عن كفرهم وقولهم الإثم (والله غفور ~~رحيم) [74] بهم إن تابوا إليه واستغفروه عما قالوه. ### || [سورة المائدة (5): آية 75] # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) # (ما المسيح ابن مريم إلا رسول) كسائر الرسل من البشر (قد خلت) أي مضت (من ~~قبله الرسل) بالموت فهو يموت ويمضي كما مضوا، ولو كان إلها لكان باقيا ولم ~~يفن، ثم أكد ذلك بقوله (وأمه صديقة) أي امرأة، مبالغة في الصدق تشبه ~~النبيين حين صدقت جبرائيل وما قال لها من أنا رسول ربك، ثم زاد في ثبوت ~~البشرية لهما بقوله (كانا يأكلان الطعام) أي يعيشان بالغداء كالآدميين، ~~فكيف يجوز أن يكون من يحتاج إلى الغداء إلها لكونه من أمارات الحدث المنافي ~~للقديم، ثم قال تعجيبا من كفرهم مع قيام الحجة الواضحة على بشريتهما (انظر ~~كيف نبين لهم الآيات) أي الدلالات على ذلك في عيسى ومريم، فلو كانا إلهين ~~لما أكلا الطعام، ثم زاد في التعجيب من تركهم الإيمان مع وضوح البرهان ~~بقوله (ثم انظر أنى يؤفكون) [75] أي كيف «5» يصرفون عن الحق ويكذبون ~~بانكارهم وحدانيتي. ### || [سورة المائدة (5): آية 76] # قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع ~~العليم (76) # ثم قال تعييرا لهم بقلة عقلهم وشدة جهلهم (قل) يا محمد (أتعبدون من دون ~~الله) أي من غيره (ما لا يملك لكم) أي الذي لا يقدر لأجلكم (ضرا ولا نفعا) ~~في الدنيا والآخرة، يعني عيسى وكل معبود سوى الله وتركتم عبادة الله وحده ~~(والله هو السميع) لقولكم (العليم) [76] بحالكم وعقوبتكم. PageV01P286 ### || [سورة المائدة (5): آية 77] # قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ms0407 تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) # ثم نهاهم عن الغلو الباطل، لأن الغلو في الدين نوعان، غلو حق وهو التفتيش ~~عن أباعد معاني الحق والتفحص عن حقائقه بالاجتهاد في تحصيل البراهين ليظهر ~~الحق كما يفعله أهل الحق، وغلو باطل «1» وهو أن يتجاوز عن الحق بالإعراض عن ~~الحجة الواضحة على الحق لاتباع الشبهة والأغراض كما يفعله أهل الأهواء ~~بقوله (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) غلوا (غير الحق) وهو الغلو ~~الباطل، أي لا تتجاوزوا «2» الحد ولا تتركوا الحق «3» (ولا تتبعوا أهواء ~~قوم) وهم «4» رؤساؤهم من اليهود والنصارى (قد ضلوا) عن الهدى (من قبل) أي ~~قبل نزول القرآن باتباعهم الشيطان في اليهودية والنصرانية (وأضلوا كثيرا) ~~من أصحابهم «5» (وضلوا) مرة ثانية حين بعث النبي عليه السلام (عن سواء ~~السبيل) [77] أي عن طريق الهدى «6» بتكذيبه حسدا. ### || [سورة المائدة (5): آية 78] # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون (78) # (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) أي اليهود وهم أهل أيلة (على لسان ~~داود) النبي عليه السلام لما اعتدوا في السبت واصطادوا السمك فيه بعد النهي ~~عنه، فقال داود: «اللهم العنهم واجعلهم آية» «7»، فمسخوا قردة (وعيسى ابن ~~مريم) أي ولعنوا على لسانه حيث دعا عليهم بسبب كفرهم بعد أكل المائدة ~~فمسخوا خنازير (ذلك) أي اللعن (بما عصوا) أي بعصيانهم أمر الله (وكانوا ~~يعتدون) [78] أي وبكونهم معتدين، يعني متجاوزين الحد ظلما في دينهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 79] # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) # ثم فسر العصيان والاعتداء بقوله (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) أي لم ~~يمتنعوا من فعله، بل تعودوه ورضوا به فكان الإخلال بالتناهي عن المنكر ~~معصية واعتداء، ثم قال تعجيبا من سوء فعلهم وتوبيخا لهم (لبئس ما كانوا ~~يفعلون) [79] من عدم انتهائهم عنه، واللام في جواب القسم. ### || [سورة المائدة (5): آية 80] # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ms0408 ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون (80) # ثم قال في منافقي أهل الكتاب بعد الإيمان (ترى كثيرا منهم) أي من اليهود ~~(يتولون الذين كفروا) من مشركي العرب أو من اليهود، يعني يتوادونهم ~~ويستمدونهم على حرب النبي عليه السلام (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) من العمل ~~لمعادهم (أن سخط الله عليهم) هو المخصوص بالذم لبئس زادهم إلى الآخرة سخط ~~الله عليهم (وفي العذاب هم خالدون) [80] أي لازمون فيه. ### || [سورة المائدة (5): آية 81] # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن ~~كثيرا منهم فاسقون (81) # ثم قال توبيخا لهم على اتخاذ غير المؤمنين أولياء (ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي) أي بمحمد وموسى عليهما السلام حقيقة (وما أنزل إليه) من ~~القرآن (ما اتخذوهم) أي أعداء الدين، يعني المشركين أو اليهود (أولياء) في ~~العون والنصرة (ولكن كثيرا منهم) أي من مؤمني أهل الكتاب (فاسقون) [81] أي ~~ناقضون العهد وخارجون عن الإسلام. PageV01P287 ### || [سورة المائدة (5): آية 82] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) # ثم أخبر عن صعوبة إجابة اليهود إلى الحق وعن سهولة ميل النصارى إلى ~~الإسلام بقوله (لتجدن أشد الناس عداوة) تمييز، والعامل فيه «أشد»، أي بغضا ~~(للذين آمنوا اليهود) نصبه مفعول ثان «1» لتجدن» «2»، والأول «أشد»، وهم ~~«3» بنو قريظة والنضير وأصحابهم، قوله (والذين أشركوا) نصب، عطف على ~~«اليهود»، يعني مشركي العرب «4» كاليهود في شدة العداوة للنبي والمؤمنين ~~(ولتجدن أقربهم) أي أقرب الناس (مودة) تمييز، يتعلق به قوله (للذين آمنوا) ~~«5» والمفعول الثاني لقوله «لتجدن» (الذين قالوا إنا نصارى) وهم الذين ~~كانوا في عهد النبي عليه السلام، ثم علل سهولة ميلهم وقرب مودتهم للمؤمنين ~~بقوله (ذلك) مبتدأ، خبره (بأن منهم) أي قرب مودتهم لأهل الإيمان بسبب أن ~~منهم (قسيسين) أي علماء خائفين (ورهبانا) أي عبادا زاهدين، وفيه دليل على ~~أن العلم والزهد أنفع شيء وأهداه لصاحبهما «6» ولو كان كافرا، قوله «7» ~~(وأنهم لا يستكبرون) [82] محله جر عطف على «أن»، أي ms0409 بأنهم لا يتعظمون عن ~~الإيمان بالحق «8». ### || [سورة المائدة (5): آية 83] # وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) # (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) من القرآن (ترى أعينهم تفيض) أي تسيل ~~بالامتلاء (من الدمع مما عرفوا من الحق) أي لأجل الذي عرفوه من الصدق فيه، ~~ف «من» الأولى لابتداء الغاية والثاني للعلة والثالثة للبيان، لأنهم عرفوا ~~أن محمدا كما هو نعته في كتابهم، والمراد منهم وفد النجاشي الذين جاؤا إلى ~~النبي عليه السلام، وكانوا سبعين رجلا، فلما سمعوا القرآن الذي قرأه النبي ~~عليه السلام عليهم، وهو سورة يسن رقت قلوبهم وفاضت أعينهم بالدمع (يقولون ~~ربنا آمنا) والجملة حال من ضمير «عرفوا»، أي قائلين صدقنا بمحمد والقرآن ~~(فاكتبنا مع الشاهدين) [83] أي المقرين بنبوة محمد عليه السلام وكتابه، وهم ~~المهاجرون والأنصار. ### || [سورة المائدة (5): آية 84] # وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين (84) # ثم عيرهم اليهود بالإيمان، فقالوا منكرين عليهم «9» (وما لنا لا نؤمن ~~بالله) وحده، وكانوا مثلثين قبله (وما جاءنا من الحق) أي وبالذي «10» نزل ~~بنا من القرآن (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) [84] أي الموحدين ~~المطيعين في الجنة. ### || [سورة المائدة (5): آية 85] # فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء المحسنين (85) # (فأثابهم الله) أي فجزاهم (بما قالوا) من التوحيد بالإخلاص (جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) [85] أي ثواب الموحدين ~~المطيعين. ### || [سورة المائدة (5): آية 86] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) # ثم بين عقوبة من لم يؤمن منهم وأصر على كفره بقوله (والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا) وماتوا على ذلك (أولئك أصحاب الجحيم) [86] أي النار الشديدة ~~الوقود. PageV01P288 ### || [سورة المائدة (5): آية 87] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) نزل نهيا ~~لجماعة من ms0410 الصحابة، اجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون فتواثقوا وعاهدوا أن ~~يترهبوا برفض الدنيا ويلبسوا المسوح ويقوموا الليل ويصوموا النهار ويخصوا ~~أنفسهم لئلا يقربوا النساء والفرش «1»، وحلفوا أن لا يأكلوا لحما ودسما، ~~وذلك حين وصف لهم رسول الله عليه السلام القيامة وأحوالها وأشبع الكلام في ~~الإنذار، فبلغ ذلك رسول الله، فقال إني لم أومر بذلك «2»، فنهاهم الله ~~تعالى وقال يا أيها المؤمنون بالله ورسوله لا تحرموا على أنفسكم ما طاب ولذ ~~مما أحل الله تناوله لكم (ولا تعتدوا) أي لا تتجاوزوا «3» الحلال إلى ~~الحرام (إن الله لا يحب المعتدين) [87] من الحلال إلى الحرام وعكسه. ### || [سورة المائدة (5): آية 88] # وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (88) # (وكلوا مما رزقكم الله) حال كونه (حلالا طيبا) من الطعام والشراب وإتيان ~~النساء مستنين «4» بسنن نبيكم، فانه أكل الدجاج والفالوذ والعسل والدهن ~~واللحم، وكان يأتي بالنساء، وأكد ذكل بقوله (واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون) [88] أي مصدقون بأوامره ونواهيه، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه. ### || [سورة المائدة (5): آية 89] # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) # ثم أمرهم بتكفير أيمانهم، لأنهم لما حرموا الحلال على أنفسهم صار ذلك ~~يمينا، ففيه دليل على أن الرجل إذا حلف على شيء والحنث خير له ينبغي أن ~~يحنث وكفر عن يمينه، وفيه دليل على أن الكفارة بعد الحنث، لأنه تعالى أمرهم ~~بالحنث، أي بأن يأكلوا، ثم أمرهم بالكفارة بقوله (لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم) محله نصب على الحال، أي كائنا فيها، واللغو: أن يحلف الرجل على ~~شيء وهو يرى أنه كذلك وليس كما يرى في الواقع، هذا عند أبي حنيفة رحمه ~~الله، وقال الشافعي اللغو: ما لا يعقد الرجل قلبه عليه كقول الرجل لا والله ~~وبلى والله في كل شيء ms0411 ولم يعقد قلبه على اليمين باللفظ والعزم عليها، فلا ~~يؤاخذكم الله بتركه (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) مخففا ومشددا وبالأف ~~قبل القاف «5»، أي حلفتم على شيء من فعل أو ترك إذا حنثتم فيها، يعني أن ~~الرجل إذا حلف على شيء يفعله «6» ولم يفعله أو لا يفعله ففعله يؤاخذ به ~~ويسمى «7» عقد اليمين وهو توثيقها باللفظ مع العزم عليها (فكفارته) أي ستر ~~الحنث، الفاء في جواب «إذا حنثتم» المحذوف بدلالة الكفارة عليه (إطعام عشرة ~~مساكين) لكل مسكين عند أبي حنيفة رضي الله عنه نصف صاع من بر أو صاع من ~~غيره «8» أو يغديهم ويعشيهم، وعند الشافعي رحمه الله لكل مسكين مد من غالب ~~قوت بلده، وهو رطل وثلث رطل بالعراقي، وجاز صرف الكل إلى مسكين واحد مسلما ~~كان أو ذميا، حرا كان أو عبدا في عشرة أيام عند أبي حنيفة، ولم يجزه ~~الشافعي إلا إلى حر مسلم في عشرة أيام، ومنعا صرف الزكوة إلى أهل الذمة، ~~ولما كان في الناس من يسرف في النفقة على أهله قال (من أوسط) أي أعدل (ما ~~تطعمون) منه (أهليكم أو كسوتهم) عطف PageV01P289 # على «إطعام»، فيعطي لكل مسكين ثواب واحد وهو سراويل أو قميص «1» أو وقاية ~~(أو تحرير رقبة) عطف على «إطعام»، أي عتق رقبة عبد أو أمة مؤمنة أو كافرة ~~خلافا للشافعي، فانه شرط الإيمان في عتق الرقبة قياسا على كفارة القتل، ~~فالحانث مخير بين الإطعام والكسوة والتحرير إن وجد ما يفضل «2» عن قوته ~~وقوت عياله، ف «أو» للتخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلث على الإطلاق (فمن ~~لم يجد) ذلك (فصيام) أي فعليه صوم (ثلاثة أيام) متتابعات عند أبي حنيفة، ~~والتتابع أفضل عند الشافعي لا الواجب، ولا يجب التكفير إلا بعد الحنث عند ~~أبي حنيفة، وجوزه الشافعي قبل الحنث إلا كفارة الصوم لأنه بدني (ذلك) أي ~~المذكور (كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وحنثتم، والعامل في «إذا» «كفارة»، إذ ~~التكفير إنما يكون وقت الحلف والحنث (واحفظوا أيمانكم) عن النكث فيما يكون ~~الحنث فيه معصية للحانث (كذلك) أي مثل ms0412 ذلك البيان (يبين الله لكم آياته) أي ~~أحكام شرعه وعلائمه من الأمر والنهي (لعلكم تشكرون) [89] رب هذه النعمة ~~العظيمة حيث جعل لكم مخرجا من أيمانكم بالكفارة، ولما كان الإقدام على ~~الإيمان ونكثها ومخالفة الشريعة بتسويل الشيطان ووسوسته بين طرقه ليحترز ~~المؤمنون عن الشروع فيها. ### || [سورة المائدة (5): آية 90] # يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) # قال (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر) أي تناولها (والميسر والأنصاب) جمع ~~نصب بفتح النون والصاد، وهي حجارة تصب «3» عليها الدماء أو جمع نصب بضم ~~النون وفتحها وسكون الصاد، وهي الأوثان التي نصبوها للعبادة (والأزلام) هي ~~السهام المستقسم بها (رجس) أي خبيث قذر (من عمل الشيطان) أي من تزيينه ~~(فاجتنبوه) أي امتنعوا المذكور أو الرجس (لعلكم تفلحون) [90] في الآخرة. ### || [سورة المائدة (5): آية 91] # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ~~ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) # (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في) تناول (الخمر ~~والميسر ويصدكم) أي ويصرفكم (عن ذكر الله) أي عن طاعته (وعن الصلاة) خصوصا، ~~فانها وجه دينكم وأنتم نهيتم عن إقامتها إذا كنتم سكارى لزوال عقلكم عن ~~أدائها، المعنى: أن الشيطان يريد أن يهلككم ويخرجكم عن دينكم بالخمر ~~والميسر (فهل أنتم منتهون) [91] عن تناولهما، والاستفهام بمعنى الأمر هنا، ~~يعني انتهوا عن شرب الخمر ولعب الميسر، وإنما جمعها مع الأنصاب والأزلام ~~أولا ثم أفردهما آخرا، لأن الخطاب للمؤمنين بالنهي عما يستعملونهما من شرب ~~الخمر ولعب الميسر، وذكر الأنصاب «4» والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر ~~عليهم لقوله عليه السلام: # «شارب الخمر كعابد الوثن» «5»، فيؤذن بذلك أن الكل من أعمال الجاهلية ~~فوجب الاجتناب عن الكل، ثم خصصهما بالذكر ليؤذن به أن المقصود هنا تحريمهما ~~لأهل الإيمان والزجر عن استعمالهما بأبلغ النهي، قال عليه السلام في شأن ~~الخمر: «أقسم الله بعزة جلاله أن من انتهكها في الدنيا لأعطشنه يوم القيامة ~~ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينها أياه في خظيرة القدس، ms0413 قيل: وما حظيرة ~~القدس؟ قال: الله هو القدس وحظيرته الجنة» «6». ### || [سورة المائدة (5): آية 92] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (92) # ثم أكد تحريمها وتحريم غيرها من المحرمات بقوله (وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول) فيما أمركم ونهاكم من إقامة الصلوة وشرب الخمر ولعب القمار ~~(واحذروا) عن عقابه بترك الأمر والنهي (فإن توليتم) أي أعرضتم PageV01P290 # عن طاعة الله وطاعة رسوله (فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) [92] ~~ليس عليه غيره، فهذا تهديد لمن شرب الخمر ولعب الميسر بعد التحريم، قال ~~عليه السلام: «كل مسكر خمر، ان حتما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا ~~إلا سقاه طينة الخبال يوم القيامة، هل تدرون ما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل ~~النار» «1». ### || [سورة المائدة (5): آية 93] # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين (93) # ثم قالت الصحابة: يا رسول الله! فكيف باخواننا الذين ماتوا وهم يشربون ~~الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزل قوله «2» (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح) أي إثم (فيما طعموا) أي أكلوا من مال الميسر وشربوا الخمر قبل ~~التحريم (إذا ما اتقوا) الكفر (وآمنوا) أي صدقوا وثبتوا على الإيمان ~~(وعملوا الصالحات ثم اتقوا) تناول الخمر والميسر بعد التحريم (وآمنوا) أي ~~ازدادوا إيمانا (ثم اتقوا) محارم الله كلها (وأحسنوا) العمل بطاعة الله مع ~~الامتناع عن المحارم أو أحسنوا إلى الناس (والله يحب المحسنين) [93] في ~~أفعالهم. ### || [سورة المائدة (5): آية 94] # يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (94) # قوله (يا أيها الذين آمنوا) بالله ورسوله (ليبلونكم) نزل في تحريم الصيد ~~ما داموا في الإحرام عام الحديبية «3»، وكان يكثر الصيد عندهم بحيث يتمكنون ~~الأخذ بأيديهم والطعن برماحهم أي ليختبرنكم (الله) بتحريم الصيد، وهو إظهار ~~ما علم من العباد (بشيء) قليل (من الصيد) حالة الإحرام، والوصف بالقلة ~~إيذان بأن من لم يثبت ms0414 عند القليل لم يثبت فيما هو أشد منه، و«من» في «من ~~الصيد» للتبعيض، إذ لا يجرم كل صيد للمحرم بل صيد البر، والصيد بمعنى ~~المصيد وإن كان مصدرا في الأصل، يعني لتبلون «4» بصيد (تناله) أي تأخذه ~~وتصله «5» (أيديكم) من صغاره وبيضه بغير سلاح (و) تناله (رماحكم) من كباره ~~بالسلاح، وعلل الابتلاء بقوله (ليعلم الله) علم الظهور والتمييز (من يخافه ~~بالغيب) أي من يخاف عقابه وهو غائب منتظر في الآخرة فيجتنب الصيد ويتبين ~~فضيلة الخائف من الله على غير الخائف منه، ف «من» استفهامية في «من يخافه» ~~وشرطية في (فمن اعتدى) أي ظلم وأخذ الصيد (بعد ذلك) أي بعد التحريم (فله ~~عذاب أليم) [94] في الدنيا بالتعزير والكفارة، وفي الآخرة بالتعذيب في نار ~~جهنم إن مات بغير توبة، قال ابن عباس: «يسلب ثيابه ويوسع بطنه وظهره جلدا» «6». ### || [سورة المائدة (5): آية 95] # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) أي والحال أنكم ~~محرمون والحرم جمع حرام، أي المحرم، نزل في شأن أبي اليسر حين قتل حمارا ~~وحشيا وهو في الإحرام «7» (ومن قتله منكم) شرط (متعمدا) نصبه حال من فاعل ~~«قتله»، والمراد من التعمد عند البعض أن يكون الصائد ذاكرا القتل ناسيا ~~الإحرام «8»، فلو قتل ذاكرا لهما فلا كفارة له لعظم ذنبه من الكفارة، ~~والأكثر على أن التعمد أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه أو يعلم أن ما يقتله مما ~~يحرم الله عليه «9»، وفيه الكفارة وحكم الخطأ كذلك، وهو أن يقتل الصيد ~~ناسيا لإحرامه أو ظانا بأنه ليس بصيد أو PageV01P291 # يرمي شيئا فأصاب «1» صيدا، وتخصيص التعمد بالذكر مع أن حكم الخطأ كذلك، ~~لأنه الأصل والخطأ تابع له «2»، ولأن الآية نزلت في المتعمد ms0415 مع العلم ~~بتحريم الصيد للمحرم، وسعيد بن جبير لا يوجب الكفارة بقتل الخطأ نظرا لظاهر ~~الآية، قوله (فجزاء) جواب الشرط وهو بالرفع والتنوين مبتدأ (مثل) رفع غير ~~منون «3»، صفة «جزاء» (ما قتل) في محل الجر مضاف إليه لل «مثل»، وفي المعنى ~~مفعوله، إذ أصله فجزاء يماثل ما قتل، وخبر المبتدأ محذوف، أي فعليه جزاء ~~يماثل المقتول من الصيد، وقرئ «جزاء» بالرفع بلا تنوين وجر «مثل» إضافة، ف ~~«مثل» مقحم بينه وبين «ما قتل» لأنه لا يجب جزاء مثل المقتول، قوله (من ~~النعم) في محل النصب حال من مفعول «قتل»، أي جزاء كائنا من الإبل والبقر ~~والغنم يماثل الصيد المقتول من حيث الخلقة لا من حيث القيمة، وهو قول ~~الشافعي ومحمد فان لم يوجد مثله، أي نظيره من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة ~~رضي الله عنه وهو أن يقوم الصيد حيث صيد ثم هو مخير بين أن يشتري بقيمته ~~طعاما فيعطي لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا «4» من غيره وبين أن يهدي من ~~النعم ما قيمته قيمة الصيد إن بلغت ثمن الهدي وإن شاء صام عن طعام كل مسكين ~~يوما فان فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوما أو تصدق به، فاعتبر أبو ~~حنيفة رضي الله عنه قيمة الصيد حيث صيد لا قيمة المثل (يحكم به) أي بالجزاء ~~الذي هو مثل ما قتل من النعم (ذوا عدل منكم) أي عدلان من المسلمين فينظران ~~إلى أشبه الأشياء إلى المقتول من النعم فيحكمان عند الشافعي ومحمد، أي ~~ينظران إلى قيمة المقتول إن بلغت ثمن الهدي يحكمان عليه بأن «5» يشتري به ~~الهدي، قوله «6» (هديا بالغ الكعبة) نصبه حال، ما بعده صفته في تقدير ~~الانفصال، أي هديا بالغا الكعبة، قيل: يبلغ بالهدي الحرم فينحر فيه «7»، ~~فالشافعي قال: يتصدق به في الحرم على مساكينه، وأبو حنيفة قال: يتصدق حيث ~~شاء «8»، قوله (أو كفارة طعام مساكين) عطف على «جزاء»، أي أو عليه كفارة، ~~قرئ برفع «كفارة» بالتنوين ورفع «طعام» عطف بيان «9» لل ms0416 «كفارة» وبغير ~~تنوين «10» لإضافتها إلى «طعام» بالجر، أي قاتل الصيد في الإحرام إن شاء ~~يشتري بقيمة الصيد طعاما ويتصدق به في المساكين (أو) عليه (عدل ذلك) الطعام ~~(صياما) نصب على التمييز من ال «عدل»، وهو بمعنى المثل، وإن شاء قاتل الصيد ~~في الإحرام يصوم مثل طعام كل مسكين يوما، يعني في مقابلته، قيل: الخيار في ~~ذلك إلى الجاني عند الشافعي وأبي حنيفة، وإلى الحكمين عند محمد «11» (ليذوق ~~وبال أمره) أي استقر على الجاني الجزاء ليذوق جزاء معصيته كي يمتنع «12» عن ~~قتل الصيد في الإحرام (عفا) أي تجاوز (الله عن ما سلف) أي عما مضى قبل ~~التحريم أو في الجاهلية (ومن عاد) بعد التحريم إلى ما نهي عنه (فينتقم الله ~~منه) أي فهو ينتقم من العائد إلى المنهي عنه في الآخرة، وإنما قدرنا ~~المبتدأ بعد الفاء، لأن الفاء الجزائية لا تدخل على المضارع، قيل: لا يحكم ~~على العائد المحرم إلى ما نهي عنه بل يملأ صدره وظهره ضربا وجيعا، ويقال له ~~اذهب فينتقم الله منك عملا بظاهر الآية وهو المروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه، والفقهاء يحكمون عليه بالكفارة «13»، لأنه قاتل في المرة الثانية كما ~~هو قاتل في المرة الأولى (والله عزيز ذو انتقام) [95] من المعاصي بأمره ~~والمستخف لدينه. PageV01P292 ### || [سورة المائدة (5): آية 96] # أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) # ثم أخبر عما أبيح للمحرم بقوله (أحل لكم صيد البحر) في الإحرام وغير ~~الإحرام، والمراد من «البحر» جميع المياه ومن صيده جميع ما صيد منه ~~(وطعامه) أي طعام البحر، والمراد المأكول منه، وقيل: «صيد البحر طريه ~~وطعامه مالحه» «1»، وقيل: «صيده ما صيد منه وطعامه ما رمي منه» «2» (متاعا ~~لكم) مفعول له، أي تمتيعا لكم بأن تأكلوه طريا (وللسيارة) أي للمسافرين بأن ~~يتزودوه لأسفارهم، والمراد السمكة المالحة، المعنى من هذه الآية أنه أبيح ~~لكم أخذ حيوان البحر كله فبعض للانتفاع وبعض للإطعام (وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما) ms0417 أي محرمين فلا تأخذوا الصيد منه (واتقوا الله) فيما نهيتم ~~عنه (الذي إليه تحشرون) [96] فيجازيكم بأعمالكم، قال الشافعي: صيد البر ~~المحرم «3» على المحرم كل حيوان يجوز أكله، سواء صاده أو صيد لأجله بأمره ~~وغير أمره «4»، لأنه لا يجب الجزاء فيما لا يؤكل إلا واحدا وهو المتولد من ~~الوحشي والأهلي، وأبو حنيفة يوجب الجزاء فيما لا يؤكل أيضا إلا الحية ~~والعقرب والحداءة والفأرة والكلب العقور والذئب، ويجوز عنده أكل ما صاده ~~الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل عليه ولم يشر، وكذا ما ذبحه قبل إحرامه «5». ### || [سورة المائدة (5): آية 97] # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) # ثم قال (جعل الله الكعبة) أي صير بيته المرتفع والمنفرد عن البيوت (البيت ~~الحرام) بدل من الكعبة لا صفة، لأن البيت الحرام علم للمتعبد المخصوص، وهو ~~لا يوصف به، ويجوز أن يكون عطف بيان ولا يشترط فيه أن يكون الثاني من ~~الاسمين أوضح (قياما للناس) بالألف وبغيرها «6» مصدر بمعنى النهوض لمصالح ~~الناس دينا ودنيا، ونصبه مفعول ثان «7» ل «جعل» «8»، أي جعل الله قصد ~~الكعبة سببا لقيام الأمن بين الناس، لأن العرب لا يتعرضون إلى من يقصد ~~البيت تعظيما له، ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفا و«قياما» حالا، ~~والتقدير: جعل قصدها فرضا حال كونه نهوضا إلى أغراضهم من المعاش والمعاد، ~~ولا يجوز أن يكون مفعولا له لعدم شرط نصبه، قوله (والشهر الحرام) عطف على ~~«الكعبة»، أي وجعل الله الشهر الحرام الذي هو شهر ذي الحجة لقيام الحج فيه ~~قياما للناس (و) جعل أيضا (الهدي والقلائد) قياما وأمنا لهم لصلاح دينهم ~~ومعاشهم، لأنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي وتقليده (ذلك) مبتدأ، خبره «9» ~~محذوف، أي جعل الكعبة قياما للناس أو ما ذكر من تحريم الصيد في الإحرام ~~شرعناه (لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) أي يعلم صلاح ~~أهلهما معاشا ومعدا (و) لتعلموا أيضا (أن الله ms0418 بكل شيء عليم) [97] أي عالم ~~بأحوال الخلق وأعمالهم سرا وعلانية فيجازيهم بها فينبغي أن يتقوه ولا يعصوه. ### || [سورة المائدة (5): آية 98] # اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) # (اعلموا أن الله شديد العقاب) أي شديد عقوبته لمن عصاه (وأن الله غفور ~~رحيم) [98] لمن اتقاه وأطاعه. ### || [سورة المائدة (5): آية 99] # ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) # (ما على الرسول إلا البلاغ) أي تبليغ الرسالة للعباد وليس عليه غيره، ~~ففيه إيذان أن الرسول قد فرغ مما PageV01P293 # وجب عليه من تبليغ الرسالة وتهديد بقيام الحجة عليهم ولزوم الطاعة بهم، ~~فلم يبق لهم عذر في التفريط (والله يعلم ما تبدون) أي تظهرون من الأعمال ~~والأقوال (وما تكتمون) [99] أي تسرون من السرائر والأحوال، فليس على الرسول ~~طلب سرائركم ودرك نياتكم ولم يؤمر به، لأن الله يعلم ذلك كله. ### || [سورة المائدة (5): آية 100] # قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب لعلكم تفلحون (100) # قوله (قل لا يستوي الخبيث والطيب) نزل في حجاج اليمامة من المشركين حين ~~أراد المسلمون أن يأخذوا أموالهم ويوقعوا بهم «1»، فنهى الله عن ذلك وإن ~~كانوا أهل الشرك، منهم شريح بن ضبيعة وكان كثير المال «2»، فقال تعالى لا ~~يستوي المال الحرام والمال الحلال، فان ماله حرام لا توثروه (ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث) وهو مال شريح، فان الفضل المتوهم في الخبيث الكثير لا يوازي ~~فضل الطيب القليل، فلا تستحلوا ما حرم عليكم (فاتقوا الله يا أولي الألباب) ~~أي يا أهل العقول المميزين بين الحلال والحرام (لعلكم تفلحون) [100] أي لكي ~~تأمنوا من عذابه، قيل: «صدقة من الحرام لا تصعد إلى الله ولا توضع في ~~خزانته، وصدقة من الحلال تقع في يد الرحمن» «3»، يعني يقبلها بالرضاء، ~~وقيل: «مثقال حبة من صدقة الحلال أرجح عند الله من جبال الدنيا من الحرام» ~~«4»، والحكم في الآية عام في حلال المال وحرامه وفي صالح العمل وطالحه وفي ~~نافع العلم وضاره، وفي صحيح المذهب وفاسده وفي جيد الناس ورديهم. ### || [سورة المائدة ms0419 (5): آية 101] # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء) لا ينصرف كحمراء، جمع ~~شيء، ووزنه فعلاء وأصله شيئاء بهمزتين بينهما ألف عند سيبويه ثم نقلت ~~الأولى قبل الفاء، فصارت أشياء على وزن أفعاء، وعند الأخفش أصله أشئياء على ~~وزن أفعلاء، جمع شيء، ثم خفف وجمع، فوزنه أفعاء بحذف لام الكلمة عنده، نزل ~~حين أكثر المسلمون السؤال على النبي عليه السلام فغضب وقال: لا تسألوني عن ~~شيء إلا أخبركم، فقال رجل: يا رسول الله من أبي؟ فقال: حذافة، يعني رجلا ~~غير أبيه، فقال عمر بن الخطاب: «يا رسول الله رضينا بالله دينا وبك نبيا» ~~«5»، فقال تعالى تأديبا لهم لا تسألوا نبيكم عن أشياء (إن تبد) أي تظهر ~~بالجواب (لكم) هذه الأشياء التي تسألونها (تسؤكم) أي تضركم وتحزنكم وتندموا ~~على السؤال عنها، قيل: سأل عكاشة يا رسول الله الحج علينا كل عام؟ فأعرض ~~عنه حتى أعاد سؤاله ثلاث مرات، فقال عليه السلام: «ويحك لو قلت نعم لوجبت، ~~ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم، فانما هلك من ~~كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فاذا أمرتكم بأمر فخذوه ~~وإذا نهيتكم عن شيئ فاجتنبوه» «6» (وإن تسئلوا عنها) أي عن التكاليف الصعبة ~~(حين ينزل القرآن) أي في زمان الوحي ونبيكم بين أظهركم (تبد) أي تظهر (لكم) ~~تلك التكاليف التي تسؤكم فتؤمروا بتحملها فتعجزوا عن القيام بها، فتعرضون ~~«7» أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، ومحل «إن تبد لكم» إلى قوله «تبد لكم» ~~أعني الجملتين الشرطيتين جر صفة «أشياء»، والمعنى: أنكم اسكتوا عن السؤال ~~حتى تؤمروا (عفا الله عنها) أي عن مسألتكم السالفة فلا تعودوا إلى مثلها ~~(والله غفور حليم) [101] أي متجاوز عن ذنوبكم لم يعجل عليكم بالعقوبة لسوء فعلكم. PageV01P294 ### || [سورة المائدة (5): آية 102] # قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) # ثم هددهم وحذرهم بما مضى ms0420 على من قبلهم فقال (قد سألها) ولم يقل سأل عنها، ~~لأن الضمير لم يرجع إلى ال «أشياء» حتى يجب تعديته ب «عن»، بل يرجع إلى ~~المسألة، أي قد سأل هذه المسألة أنبياءهم (قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها) أي ~~صاروا بسببها أو بأحكامها (كافرين) [102] فان بني إسرائيل سألوا «1» ~~أنبياءهم كموسى وعيسى عن أشياء، فأمروا بها فتركوها ولم يعملوا بها فهلكوا ~~بسخط الله تعالى. ### || [سورة المائدة (5): آية 103] # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا ~~يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) # قوله (ما جعل الله من بحيرة) «من» زائدة لتأكيد النفي، نزل في بيان أن ~~المحل والمحرم بالشريعة هو الله وليس لغيره أن يسن شريعة بها يحل ويحرم ~~كعمر بن لحي أخو بني كعب غير شريعة إسمعيل عليه السلام، فقال: إن الله ~~أمرني بها افتراء على الله الكذب، أي لم يجعل الله حراما من بحيرة، وهي ~~ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر فبحرت، أي شق أذنها واسعا مشبها بالبحر وحرم ~~ركوبها وتركت لترعى في المرعى، فاذا ماتت اشترك فيها الرجال والنساء «2» ~~(ولا سائبة) أي ولم يجعل في الحيوانات حراما من سائبة، وهي من الأنعام التي ~~خامس ولدها أنثى، فبحروا أذنها وتركت مع أمها وحرمت منافعها على الرجال ~~والنساء، فاذا ماتت اشتركوا فيها أو السائبة منها ما نذروا تسييبها لآلهتهم ~~إذا برؤا من مرضهم أو جاؤا من سفرهم وتسلموها إلى خدامهم ببيت آلهتهم، وكان ~~صوفها وأولادها للرجال دون النساء (ولا وصيلة ولا حام) أي ولم يجعل من ~~الحيوانات حراما وصيلة بأن يقال إنه وصل «3» أخاه إذا ولد ذكر مع أنثى ~~فحرما جميعا فيكون ذلك للأصنام في زعمهم، فاذا ماتا «4» تشارك الرجال ~~والنساء فيهما، ولم يجعل أيضا من الحيوانات حاميا وهو الفحل الذي إذا ركب ~~ولد ولده أو نتج منه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره فيهمل ولا يحمل ولا يركب ~~ولا يمنع من الماء والمرعى، وإذا مات أحله الرجال والنساء، وكانوا يقولون ~~كل ذلك من ms0421 أحكام الله، فقال الله تعالى ردا عليهم ما حرم الله هذه الأشياء ~~(ولكن الذين كفروا) بالله وأنبيائه (يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا ~~يعقلون) [103] أن الله هو المحل والمحرم، فلا ينسبون «5» التحليل والتحريم ~~إليه لفرط جهلهم كالبهائم. ### || [سورة المائدة (5): آية 104] # وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) # ثم أخبر عن عدم عقلهم واتباعهم بهواهم بقوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما ~~أنزل الله) أي إلى كتابه (وإلى الرسول) أي إلى سنة رسوله (قالوا حسبنا) أي ~~كافينا (ما وجدنا عليه آباءنا) أي دينهم وسنتهم، فقال تعالى (أولو كان) أي ~~أحسبهم ذلك ولو كان (آباؤهم لا يعلمون شيئا) من الهدى بالحجة (ولا يهتدون) ~~[104] طريق الحق، ففيه نهي عن التقليد بالجاهل وأمر بالاقتداء بالعالم ~~المهتدي الذي يعرف اهتداءه بالحجة. ### || [سورة المائدة (5): آية 105] # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # قوله (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) بالنصب مفعول «عليكم»، وهو اسم ~~فعل بمعنى الزموا صلاح أنفسكم، نزل في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~إذا رد على الآمر والناهي ولم يقبل عند الفسقة والفجرة «6»، قال ابن مسعود: ~~«مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم PageV01P295 # أنفسكم» «1» (لا يضركم من ضل) أي ضلالة الضال (إذا اهتديتم) أي إذا ثبتم ~~على الحق الذي هو الهدى (إلى الله مرجعكم) أي إليه مصيركم (جميعا) يوم ~~القيامة (فينبئكم بما كنتم تعملون) [105] أي يخبركم بما عملتم في الدنيا ~~فيجازيكم عليه، وقيل: نزلت الآية في رجال ذاقوا حلاوة الإسلام وكانت لهم ~~قرابة من المشركين «2» أو من النصارى واليهود «3» فأرادوا أن يذيقهم حلاوة ~~من الإسلام فلم يقبلوا منهم وتأسفوا على ذلك فمنعهم الله تعالى عن التأسف ~~بهم ألزمهم بإصلاح أنفسهم بالمشي بها في طريق الاهتداء فليس المراد ترك ~~الأمر والنهي على الإطلاق، لأن من تركهما مع القدرة ms0422 عليهما فليس بمهتد. ### || [سورة المائدة (5): آية 106] # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) # قوله (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم) روي في سبب نزوله: أن رجلا من ~~المهاجرين اسمه بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص، سافر مع نصرانيين إلى ~~الشام ومعه إناء من فضة في خرج يساوي ثلثمائة مثقال، فلما ثقل في مرضه دفع ~~إليهما الخرج ليوصلاه إلى مواليه، وكتب كتابا بتسمية أمتعته وألقاه في ~~الخرج ففتشاه وأخذا منه الإناء، فلما أوصلا الوديعة إلى أصاحبها فتش ~~أصحابها الخرج وقرؤا الكتاب ففقدوا الإناء، فطالبوهما به، فقالا: ما رأينا ~~شيئا واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسم النصرانيين تميم ~~ابن أوس الداري وعدي بن يزيد فنزلت الآية «4»، قال الفراء: «شهادة» مبتدأ ~~مضاف إلى «بينكم» اتساعا «5»، لأنه ظرف جعل اسما وأضيف إليه المصدر، وقيل: ~~أصله ما بينكم ثم حذف ما منه، أي شهادتكم فيما بينكم «6» (إذا حضر أحدكم ~~الموت) ظرف لل «شهادة» (حين الوصية) بدل من «إذا»، وخبر المبتدأ (اثنان) أي ~~شهادة اثنين بتقدير المضاف، وصفة «اثنان» (ذوا عدل) أي صاحبا أمانة ودين ~~(منكم) صفة أخري ل «اثنان»، أي من المسلمين أو من أقارب الميت، لأنهم أعرف ~~بأحوال الميت وأنصح له في السفر والحضر (أو آخران) عطف على «اثنان»، أي أو ~~شهادة رجلين آخرين (من غيركم) أي من غير ملتكم، قيل شهادة أهل الذمة نسخت ~~بقوله تعالى «وأشهدوا ذوي عدل منكم» «7»، وجازت في أول الإسلام لقلة ~~المسلمين «8»، وقال شريح: يجوز شهادة أهل الذمة في الوصية إذا كان الرجل في ~~السفر «9» وتعذر الشهود من المسلمين عند مشارفة الموت، ثم اعترض بين ~~«آخران» وصفته قوله «10» (إن أنتم ضربتم) أي سافرتم (في الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت) ms0423 أي أسبابه وشدائده، والفاء فيه لعطف الجملة على ما قبلها، ~~وجواب الشرط محذوف، تقديره: فشهدوا اثنين آخرين وصفة «آخران» (تحبسونهما) ~~أي آخران محبوسان أو استئناف بمعنى كيف نعمل «11» إن ارتبنا بهما، فقيل: ~~تحبسونهما (من بعد الصلاة) وهو صلوة العصر وخصت بالذكر، لأن عادتهم أن ~~يحلفوا بعدها لشرف ذلك الوقت، لأنه وقت الغروب، وأهل الأديان يعظمونه ~~ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب وقول الزور، فندبنا الله تعالى ~~إلى استحلافهم في هذا الوقت الذي هم يعظمونه ويجتنبون فيه الأكاذب، وتعطف ~~«12» على «تحبسونهما» (فيقسمان بالله إن ارتبتم) PageV01P296 # أي إن شككتم في قول الآخرين اللذين من غير أهل دينكم بأن غلب في ظنكم ~~خيانتهما فحلفوهما جواب الشرط، والشرط مع جوابه اعتراض بين «يقسمان» ~~وجوابه، وهو (لا نشتري به) أي بالله أو بالقسم أو تحريف الشهادة (ثمنا) ~~شيئا ذا ثمن من حطام الدنيا (ولو كان) المشهود له (ذا قربى) أي صاحب قرابة، ~~يعني لا نستبدل بعهد الله ثمنا بأن نبيعه بعرض الدنيا ولو كان ذا قربى، وخص ~~بالذكر لميل الناس إلى قراباتهم، وعطف على «لا نشتري» (ولا نكتم شهادة ~~الله) إن سئلنا عنها بالإضافة إليه تعالى «1» لأمره باقامتها والنهي عن ~~كتمانها (إنا إذا لمن الآثمين) [106] أي إنا إذا كتمنا الشهادة لله لكنا من ~~الفاجرين لو حلفنا كاذبين، فاستحلفهما النبي عليه السلام على المنبر بعد ~~صلوة العصر بالذي لا إله إلا هو، أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما ~~فحلفا فخلي سبيلهما. ### || [سورة المائدة (5): آية 107] # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) # ثم ظهر أنهما باعا الإناء في السوق، وقالا: إنا كنا اشترينا منه فاختصموا ~~إلى رسول اله فنزل «2» (فإن عثر) أي أطلع (على أنهما) أي أن الوصيين ~~النصرانيين (استحقا إثما) أي خيانة بسرقة الإناء وكذبهما في الحلف (فآخران) ~~أي فالشاهدان الآخران «3» من أولياء الميت (يقومان مقامهما) أي مقام ~~الوصيين الخائنين (من الذين استحق) بصيغة المجهول، ms0424 والفاعل فيه الضمير ~~الراجع إلى الإثم وهو صفة «آخران»، أي آخران كائنان من القوم الذين استحق ~~بمعنى جني (عليهم) الإثم وهو الخيانة من النصرانيين وهم ورثة الميت وإنما ~~أضيف إليهم الإثم، لأن أهل الميت صاروا سببا لاستحقاق الوصيين الإثم، فأسند ~~إليهم مجازا ليكون بيانا لكونهم مجنيا «4» عليهم باثم الوصيين، قوله ~~(الأوليان) بدل من الضمير في «يقومان» أو خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأحقان ~~«5» بالشهادة عليه لقرابتهما ومعرفتهما بحال «6» الميت أو القائم مقام ~~الفاعل «الأوليان» بتقدير إثم الأوليين «7»، وقرئ بصيغة المعلوم «8» ~~والفاعل «الأوليان»، والمفعول محذوف، أي من الذين استحق عليهم الأوليان من ~~بينهم بالميت ووصيته «9» التي أوصى بها إلى غير أهل دينه أو استحق الأوليان ~~«10» بالشهادة من بين الورثة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهر بها كذب ~~الكذابين، وهو تثنية أولى بمعنى أحق، وقرئ «الأولين» «11»، جمع أول، ومعنى ~~الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، وهو مجرور بالياء ~~على أنه صفة «الذين» في «من الذين استحق (فيقسمان) أي يحلفان (بالله ~~لشهادتنا) أي ليميننا (أحق) أي أولى (من شهادتهما) أي من يمين الكافرين، ~~يعني إذا ظهر خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من قرابة الميت فيحلفان ~~بالله أن المتاع متاع صاحبنا ويميننا أحق من يمينهما، لأنا مسلمون وهما ~~كافران خائنان (وما اعتدينا) أي ما جاوزنا الحد في الشهادة والقول بأن ~~شهادتنا أحق من شهادتهما، والمراد بالشهادة هنا اليمين، ووجهه أن اليمين ~~كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك، وقد يقول القائل أشهد بالله بمعنى ~~أقسم بالله ويقولان (إنا إذا لمن الظالمين) [107] أي إن حلفنا كاذبين لكنا ~~من الظالمين. PageV01P297 ### || [سورة المائدة (5): آية 108] # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) # ثم قال تعالى (ذلك) أي الذي حكمنا به من رد اليمين على الخائنين لكذبهما ~~فيه «1»، يعني عدم سماع الشهادة منهما ورد اليمين إلى المدعي بعد إيمان ~~الآخرين (أدنى) أي أقرب إلى (أن يأتوا) أي الأوصياء أو الشهاداء على نحو ms0425 ~~تلك الحادثة (بالشهادة على وجهها) أي على وجه «2» الشهادة، يعني ذلك الحكم ~~أقرب إلى أن يقيم الشهود الشهادة كما كانت الواقعة في الواقع بلا خيانة إذا ~~علموا «3» ذلك، والمراد من ضمير الجمع تميم الداري وصاحبه عدي بن يزيد وكل ~~من قام مقامها من الخصوم، ولذا جمع «أن يأتوا» وقوله (أو يخافوا) أي أقرب ~~إلى أن يحذروا من (أن ترد أيمان) أي أيمان الأوصياء (بعد أيمانهم) إلى ~~المدعي فيحلف على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون، فلا يحلفون كاذبين بعد ~~علمهم بذلك، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة من أقرباء الميت وحلفا ~~بعد صلاة العصر فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت فانتقلت اليمين إلى ~~أوليائه بعد ظهور الخيانة فيهما بحكم هذه الآية، وهو قول الشافعي، وغرم ~~تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه للمشتري، وكان تميم الداري بعد ما أسلم يقول: ~~صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأستغفر الله وأتوب إليه، وأبو حنيفة ~~لا يرى رد اليمين إلى المدعي، فيحمل الآية على النسخ «4»، ثم قال (واتقوا ~~الله) من الأيمان الكاذبة والخيانة في الأمانة (واسمعوا) المواعظ سماع ~~إجابة وقبول (والله لا يهدي القوم الفاسقين) [108] أي لا يرشدهم إلى الحق ~~باختيارهم الفسق والخيانة. ### || [سورة المائدة (5): آية 109] # يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) # قوله (يوم يجمع الله الرسل) نصب بمضمر، أي اذكر يوم القيامة الذي يجمع ~~فيه الأنبياء (فيقول) الله لهم توبيخا لمكذبيهم «5» (ما ذا أجبتم) أي أي ~~إجابة أحبتم من قومكم في التوحيد (قالوا) أي الرسل يقولون ثمه بعد علمهم أن ~~السؤال لتوبيخ الكفار «6» (لا علم لنا) فنفوا العلم عنهم وهم قد علموا بما ~~أجيبوا إثباتا للحجة على المكذبين أو من شدة السؤال وهول القيامة (إنك أنت ~~علام الغيوب) [109] أي ما كان وما لم يكن، قيل: هذا عند زفرة جهنم فلا يبقى ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل عند ذلك إلا قال نفسي نفسي، فعند ذلك قالوا: لا علم ~~لنا «7»، وقيل: ذلك عند أول البعث، ms0426 ثم يشهدون بتبليغ الرسالة بعد ذلك «8». ### || [سورة المائدة (5): آية 110] # إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح ~~القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني ~~وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (110) # قوله (إذ قال الله) بدل من «يوم يجمع» أو نصب بمضمر، أي يوبخ الكفار ~~بسؤال الرسل وقت قول الله (يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي) بالنبوة (عليك ~~وعلى والدتك) باصطفائها على نساء العالمين بأن وهبتك لها بلا أب دونهن (إذ ~~أيدتك) أي قويتك وأعنتك (بروح القدس) أي بجبرائيل (تكلم الناس) حال من ~~المفعول في «أيدك» (في المهد وكهلا) أي بعد ثلاثين سنة وذلك حين أوحي إليه ~~بالرسالة، يعني تكلمهم بالكلام المعجز في هاتين الحالتين من غير تفاوت ~~كلامك في حين الطفولة وحين الكحولة الذي هو وقت كمال العقل، قيل: مكث PageV01P298 # في الرسالة ثلاث سنين، ثم رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة «1» ~~(وإذ علمتك الكتاب) أي الحط بالقلم (والحكمة) أي الفقه والمعرفة (والتوراة ~~والإنجيل) للحكم بهما بين الناس (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) مفعول ~~«تخلق»، أي هيئة مثل هيئته (بإذني) أي بارادتي وتيسيري (فتنفخ فيها) والهاء ~~ترجع إلى الكاف في «كهيئة»، أي هيئة مثل هيئة الطير، ولا ترجع إلى ال ~~«هيئة» المضاف إليها، لأنها ليست من خلق عيسى ولا من نفخة بشيئ «2» (فتكون) ~~أي تلك الهيئة (طيرا) بلا ألف وطائرا بالألف (بإذني وتبرئ الأكمه) أي تشفيه ~~«3»، عطف على «إذ تخلق» (والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) أي تحييهم ~~بالدعاء مع استجابتي إياه (وإذ كففت) أي منعت (بني إسرائيل) أي اليهود ~~(عنك) حين هموا بقتلك (إذ جئتهم بالبينات) أي بعلائم المعجزة والدلالات ~~الواضحة (فقال الذين كفروا منهم) أي من اليهود «4» (إن هذا) أي ما عيسى ~~(إلا ms0427 سحر مبين) [110] بالألف وبغيرها «5»، أي ما هذا الفعل منه إلا سحر ~~ظاهر لا يخفى على من يراه أو وصف عيسى بالسحر مبالغة. ### || [سورة المائدة (5): آية 111] # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) # (وإذ أوحيت إلى الحواريين) أي ألهمت إليهم أو أمرتهم على لسان رسولي (أن ~~آمنوا بي) أي صدقوا بتوحيدي (وبرسولي) فلما بلغهم عيسى الرسالة (قالوا ~~آمنا) بالله وبرسوله «6» (واشهد) يا عيسى (بأننا مسلمون) [111] أي مخلصون، ~~من أسلم وجهه لله إذا أخلص دينه له. ### || [سورة المائدة (5): آية 112] # إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) # (إذ قال) ظرف ل «مسلمون» أو لمضمر، أي اذكر وقت قال (الحواريون) طلبا ~~لنفس الفعل بالاستفهام لا شكا فيه (يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك) بالياء ~~ورفع «ربك» كقولك لرجل هل تستطيع أن تقوم معي وأنت تعلم أنه قادر على ~~القيام معك أو «يستطيع» بمعنى يطيع، أي هل يجيبك ربك، وبالتاء ونصب «ربك» ~~«7»، أي هل تقدر دعاء ربك بتقدير المضاف وهو يقتضي مفعولين، الأول «ربك» ~~والثاني (أن ينزل علينا مائدة من السماء) أي خوانا فيه طعام (قال اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين) [112] أي مصدقين بالإخلاص فلا تسألوا لأنفسكم البلاء، ~~وقال بعضهم: في هذا القول دليل أنهم كانوا شاكين في الإيمان، وأجيب عنه بأن ~~الخطاب ليس متوجها على الحواريين لما روي: أن عيسى خرج إلى مفازة واتبعه ~~خمسة آلاف أو أكثر من الناس يطلب بعضهم الدعاء لمرض أو علة من العمى والزمن ~~أو غير ذلك، ولم يكن معهم نفقة في ذلك، فجاعوا فقالوا للحواريين: قولوا ~~لعيسى حتى يدعو بأن ينزل علينا مائدة من السماء، فقال عيسى: «قولوا لهم ~~اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» «8». ### || [سورة المائدة (5): الآيات 113 الى 114] # قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها ~~من الشاهدين (113) قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من ~~السماء تكون ms0428 لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) # (قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا) بأنك رسول الله (ونعلم أن قد ~~صدقتنا) بأنك أرسلت إلينا نبيا (ونكون عليها من الشاهدين) [113] لله ~~بالوحدانية والقدرة ولك بالرسالة للدعوة إليه، فثم قام عيسى عليه السلام ~~ولبس الصوف وصلى ركعتين وتضرع وبكى، ثم (قال عيسى ابن مريم) داعيا ربه ~~(اللهم ربنا أنزل علينا PageV01P299 # مائدة من السماء) صفة «مائدة»، أي كائنة منها (تكون لنا عيدا) كائنا ~~(لأولنا) أي لمن في زماننا (وآخرنا) أي لمن يأتي بعدنا، وإنما سمي العيد ~~عيدا، لأنه يعود مرة بعد مرة، من عاد إذا رجع أو المعنى: نتخذ ذلك اليوم ~~«1» عيدا، وكان ذلك اليوم يوم الأحد «2»، فصار عيدا لهم (وآية منك) أي ~~ويكون نزول المائدة علينا علامة منك لرسالتي إليهم، ثم قال تأكيدا «3» ~~(وارزقنا) أي وأعطنا تلك المائدة (وأنت خير الرازقين) [114] من غيرك وإنما ~~سأل ذلك عيسى ربه، وأجيب ليلزمهم الحجة بكمالها ويرسل العذاب عليهم إذا ~~خالفوا طعاته. ### || [سورة المائدة (5): آية 115] # قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين (115) # (قال الله) موحيا «4» إلى عيسى (إني منزلها) بالتشديد والتخفيف «5» ~~(عليكم) بسؤالكم إياها مني (فمن يكفر بعد) أي بعد نزول المائدة (منكم) ~~بعيسى (فإني أعذبه عذابا) أي تعذيبا (لا أعذبه أحدا من العالمين) [115] ~~والضمير فيه راجع إلى العذاب بمعنى التعذيب، يعني لا أعذب تعذيبا مثل تعذيب ~~الكافر بالله وبعيسى بعد نزول المائدة وأكلها أحدا من عالمي زمانهم، ويجوز ~~أن يكون المراد جميع العالم مبالغة في الزجر لهم من الكفر. # روي: أن المائدة لم تنزل، لأنهم ردوها بعد التهديد، والأصح أنها نزلت ~~بدعاء عيسى عليه السلام في سفرة حمراء بين غمامتين من فوقها وتحتها وهم ~~ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى، فقال: # اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، فقال ~~عيسى: ليقم أحسنكم عملا، فقال شمعون: أنت أولى بذلك، فقال عيسى عليه السلام ~~بسم الله، فكشف المنديل عنها، ms0429 فاذا فيه سمكة مشوية فيها طعم كل شيء تسيل ~~دسما لا شوك فيها، وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من جميع البقول ما ~~خلا الكراث، وخمسة أرغفة، في واحد عسل وواحد زيتون وعلى واحد سمن وعلى واحد ~~جبن وعلى واحد قديد، فقال شمعون: أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال ~~عيسى ليس منهما ولكنه شيء اختلقه الله بالقدرة العالية، كلوا من رزق الله ~~ربكم واشكروا له يمددكم، فقالوا له: كن أول آكل منها، فقال: معاذ الله أن ~~آكل منها فليأكل منها «6» من سألها، قيل: فخافوا فلم يأكلوا فأطعمها عيسى ~~القافلة، روي: أنه أكل منها ألف رجل، وقيل: خمسة آلاف رجل وشبعوا، فاذا هي ~~كهيئتها يوم نزلت، وكانت تنزل ضحى وتطير بعد الزوال، فقال الحواريون: يا ~~روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال يا سمكة، إحي بإذن الله، ~~فاضطربت، ثم قال لها عودي كما كنت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة، ثم عصوا ~~بعدها وكفروا، فمسخوا قردة وخنازير ثم هلكوا اجمعون «7». ### || [سورة المائدة (5): آية 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) PageV01P300 ### || [سورة المائدة (5): آية 116] # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) # قوله (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم) نزل تذكيرا لأمة محمد عليه السلام، ~~أي اذكر إذ قال الله حين رفع عيسى إلى السماء يا عيسى ابن مريم (أأنت قلت ~~للناس) بالاستفهام عنه مع علمه تعالى أنه لم يقل به إظهارا لكذب بني ~~إسرائيل حيث زعموا أن عيسى أمرهم بقوله ms0430 (اتخذوني) أي صيروني (وأمي إلهين من ~~دون الله) للعبادة، والصحيح أن هذا السؤال عنه انما يكون يوم القيامة، لأن ~~هذا استفهام توبيخ وإثبات للحجة على قوم عيسى، روي: «أن عيسى يدعى يوم ~~القيامة ويدعى النصارى فيقفهم الله ويسأله ليفضحهم على رؤوس الأشهاد» «1»، ~~قيل: «إذا سمع عيسى هذا الخطاب أخذته الرعدة من هيبة ذلك السؤال حتى سمع ~~صوت عظامه في نفسه وانفجرت عين دم من أصل كل شعرة» «2»، ثم (قال) عيسى ~~تبرئة لنفسه عن أمره إياهم بذلك (سبحانك) أي أنزهك تنزيها عن الشريك «3» ~~(ما يكون) أي ما يصح وما ينبغي (لي أن أقول ما ليس لي بحق) أي قول «4» ما ~~لم يثبت لي بصدق وعدل (إن كنت قلته) لهم (فقد علمته) إذ لا يخفى عليك شيء ~~ما (تعلم ما في نفسي) أي معلومي (ولا أعلم ما في نفسك) أي معلومك، وهذا من ~~باب المشاكلة وهو من فصيح الكلام (إنك أنت علام الغيوب) [116] بضم الغين ~~وكسرها «5»، أي جميع غيب «6» السموات والأرض لأنك خالقها ومالكها. ### || [سورة المائدة (5): آية 117] # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ~~ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد (117) # (ما قلت) أي ما ذكرت (لهم إلا ما) أي الذي (أمرتني به) أي بذكره لهم في ~~الدنيا من التوحيد، ثم فسر مذكوره لهم بقوله (أن اعبدوا الله) أي وحدوه ~~(ربي وربكم) صفة «الله» أو القول على معناه، والمفسر هو المأمور به المقول ~~بتقدير «قل» بعد «أن» المفسرة لا الأمر لعدم استقامة المعنى، لأن الله لا ~~يأمر بأن اعبدوا الله ربي وربكم، ولا القول، لأن الكلام يحكي بعده بلا توسط ~~حرف التفسير، ولا يجوز أن يكون «أن» مصدرية فيكون بدلا من «ما أمرتني به» ~~أو من الهاء في «به»، أما الأول فلأنه يلزم أن يكون العامل فيه «قلت»، لأن ~~البدل في حكم تكرير العامل فيكون المعنى ما قلت لهم إلا عبادته، والعبادة ~~لا تقال، وأما الثاني فلبقاء ms0431 الموصول بلا عائد إليه من صلته، لأن البدل في ~~حكم الساقط، وقيل: يجوز كونها مصدرية بأن يكون عطف بيان للهاء لا بدلا «7»، ~~وفيه نظر لعدم استقامة المعنى بعين ما مر، فالمعنى على ما قدرناه: ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به أن قل لهم اعبدوا الله وحده (وكنت عليهم شهيدا) أي ~~على بني إسرائيل رقيبا أمنعهم من الكفر والمعصية بتبليغ الرسالة منك (ما ~~دمت فيهم) أي ما دمت مقيما «8» بين أظهرهم في الدنيا (فلما توفيتني) أي ~~قبضتني ورفعتني إلى السماء (كنت أنت الرقيب) أي الشاهد والحفيظ (عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد) [117] أي عليم بمقالتي ومقالتهم وبما أحدثوا بعدي. ### || [سورة المائدة (5): آية 118] # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) # ثم بنى «9» الكلام على أن «إن» «10» التي تدل «11» على عدم الجزاء بقوله ~~(إن تعذبهم فإنهم عبادك) أي مالكهم ومتصرفهم لا اعتراض عليك في تعذيبهم بعد ~~استحقاقهم به (وإن تغفر لهم) أي إن تتجاوز عن ذنوبهم PageV01P301 # وكفرهم (فإنك أنت العزيز) أي القادر على الانتقام من العاصي (الحكيم) ~~[118] في فعلك من الإثابة والعقوبة، فانك لا تفعل شيئا إلا عن حكمة وصواب، ~~لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في العقل «1» وإن لم يكن في الشرع. ### || [سورة المائدة (5): آية 119] # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) # (قال الله) مخبرا عن كلامه لعيسى بالسؤال الذي تقدم ذكره (هذا) أي هذا ~~الكلام الذي بيني وبين عيسى واقع (يوم ينفع الصادقين صدقهم) بالنصب ظرف ~~للخبر المحذوف ل «هذا»، وبالرفع «2» خبر «هذا»، ولم يبن لإضافته إلى معرب، ~~أي هذا اليوم يوم ينفع الصادقين صدقهم المستمر بهم «3» في الدنيا والآخرة ~~كصدق عيسى وغيره من الأنبياء والمؤمنين (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم) بصدقهم وطاعتهم (ورضوا عنه) بالمغفرة ~~وإدخالهم الجنة برحمته (ذلك) أي الثواب المذكور (الفوز العظيم) [119] أي ~~الظفر الكبير للمؤمنين الصادقين. ### || [سورة المائدة (5): آية ms0432 120] # لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن) من الخلق، ف «ما» عام، يتناول ~~العقلاء وغيرهم من الأجناس كلها، فهو الأحق بالألوهية والعبادة له وحده لا ~~كما زعم المشركون أن عيسى إله أو ابن الإله (وهو على كل شيء قدير) [120] من ~~الإيجاد والإعدام كما يشاء، وخلق عيسى بنفخ الروح من غير أب كخلق آدم بلا ~~أب وأم. PageV01P302 ### | سورة الأنعام # كلها مكية # قيل «1»: نزلت ومعها سبعون ألف ملك يسبحون ويحمدون «2» بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأنعام (6): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) # (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) حمد الله تعالى ذاته القديم على ~~توحيده الذي دل عليه خلق هذه الأجرام العظام الذي يعجز عنه سواه، أي جميع ~~المحامد لله الذي خلق السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وخلق ~~الأرض مع ما فيها من الجبال والبراري والأشجار والثمار والبحار والأنهار ~~(وجعل الظلمات والنور) أي أحدثهما بعد خلق السموات والأرض، لأن الظلمة الظل ~~المنشأ من الأجسام الكثيفة، والنور الضوء المنشأ من النار، وهما من الأعراض ~~التي لا تقوم إلا بالجواهر، قيل: المراد بهما الليالي والأنهر «3»، وإنما ~~جمع الظلمة دون النور لقلة النور وكثرة الظلمات، لأن لكل كثيف ظل «4» وليس ~~لكل شيء نور «5»، والفرق بين الخلق والجعل أن في الخلق معنى التقدير من ~~العدم، وفي الجعل معنى التصيير من الوجود، قوله «6» (ثم الذين كفروا) عطف ~~على قوله «الحمد لله» بمعنى أن الله ما خلق ذلك كله إلا نعمة للناس وغيرهم، ~~فهو حقيق بكل الحمد على ما خلق، ثم الذين كفروا أي جحدوا (بربهم) أي ~~بتوحيده (يعدلون) [1] أي يشركون به غيره فيكفرون نعمته، و«ثم» لاستبعاد أن ~~يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته. ### || [سورة الأنعام (6): آية 2] # هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2) # (هو الذي خلقكم) أي خلق أصلكم آدم (من طين) أي كائنا ms0433 منه، لأنه أخذ تراب ~~من وجه الأرض أحمرها وأبيضها وأسودها وغير ذلك «7»، ثم عجن بالماء العذب ~~والملح وغيرهما، فتلونت أبدانكم واختلفت أخلاقكم، ثم جعل طينا ثم صور آدم ~~منه ثم نفخ الروح فيه (ثم قضى أجلا) أي مدة تعيشون بها إلى الموت (وأجل ~~مسمى) مبتدأ نكرة موصوفة، خبره (عنده) أي والمدة التي هي من يوم الموت إلى ~~يوم البعث معلومة له مكتوب «8» في اللوح المحفوظ أن البعث لواقع بعد ~~انقضائها يوم القيامة، وقدم الأجل تعظيما له وإن كان حق المبتدأ النكرة ~~التأخير (ثم أنتم تمترون) [2] أي تشكون في البعث بعد الموت وتستبعدونه بعد ~~نصب الدلائل عليه، وهي خلقكم من تراب وحيوتكم مدة وموتكم بعدها «9»، وربكم ~~أقدر على بعثكم من أول خلقكم. PageV02P005 ### || [سورة الأنعام (6): آية 3] # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) # (وهو الله) مبتدأ وخبر، وخبر آخر (في السماوات وفي الأرض) أو متعلق بمعنى ~~اسم الله، أي هو الإله المعبود فيهما لا شريك له أو المتفرد بالتدبير فيهما ~~أو هو الذي يقال له الله فيهما لا يشرك به في هذا الاسم كقوله «هل تعلم له ~~سميا» «1»، قوله «2» (يعلم سركم) كلام مستأنف بمعنى هو يعلم أو خبر ثالث، ~~أي يعلم سر أعمالكم (وجهركم) أي علانية أعمالكم، يعني السر والجهر عنده ~~سواء، فاحذروا من عقابه (ويعلم ما تكسبون) [3] من الخير والشر فيجازيكم ~~بذلك فآمنوا برسوله «3» وما أنزل إليه قبل أن تجازوا «4». ### || [سورة الأنعام (6): آية 4] # وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) # ثم أخبر عن حال من أعرض عن الإيمان بالرسول من المشركين بقوله (وما ~~تأتيهم) أي أهل مكة (من آية) أي علامة الوحدانية كانشقاق القمر وآي القرآن، ~~و«من» زائدة في الفاعل بعد النفي، و«من» في (من آيات ربهم) تبعيض، أي آية ~~هي بعض آيات خالقهم (إلا كانوا عنها معرضين) [4] أي تاركين الإيمان بها ~~بالتكذيب، نزل حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم علامة على ~~صدقه في دعوى الرسالة، وقالوا نريد ms0434 أن تدعو ربك لينشق القمر بنصفين لنؤمن ~~بك وبربك، فدعا رسول الله عليه السلام، فانشق القمر بنصفين وهم ينظرون ~~إليه، فقالوا هذا سحر مبين «5». ### || [سورة الأنعام (6): آية 5] # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) # فقال تعالى (فقد كذبوا بالحق) الفاء في جواب شرط محذوف «6»، تقديره: إن ~~كان معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق «7»، أي القرآن ~~(لما جاءهم) يعني استهزؤا به، وقالوا: إنه ليس بقرآن نازل من الله (فسوف ~~يأتيهم أنباء) أي أخبار (ما كانوا به يستهزؤن) [5] أي سيظهر لهم وبال ~~استهزائهم عند نزول العذاب بهم أما في الدنيا أو في الآخرة «8». ### || [سورة الأنعام (6): آية 6] # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) # (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم) أي قبل أهل مكة (من قرن) أي جماعة مقترنين ~~في زمان واحد (مكناهم) أي أعطيناهم مكانا (في الأرض) يعني منزلا تمكنوا فيه ~~بالمال والولد وأسباب المعيشة (ما لم نمكن لكم) يا أهل مكة، فيه نقل من ~~الغيبة إلى الخطاب لتأكيد الإرهاب (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) أي مطرا ~~متتابعا عند الحاجة، وهو حال من «السماء» (وجعلنا الأنهار تجري) أي جارية ~~(من تحتهم) في بساتينهم الواسعة بأنواع النعم، فكفروا بربهم كعاد وثمود ~~وغيرهم (فأهلكناهم بذنوبهم) أي بتكذيبهم رسلهم (وأنشأنا من بعدهم) أي بعد ~~هلاكهم (قرنا آخرين) [6] أي جماعة أخرى لا يماثلونهم، وذكر هذه الجملة ~~لإظهار قدرته الباهرة لأهل مكة ليحذروا فيؤمنوا، يعني لا يتعاظمه أن يهلك ~~قرنا ويحدث بعدهم قرنا آخر أطوع، ونصب «9» «قرنا» على أنه مفعول ثان «10» ل ~~«أنشأنا». ### || [سورة الأنعام (6): آية 7] # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين (7) # قوله (ولو نزلنا عليك كتابا) أي مكتوبا (في قرطاس فلمسوه) أي أخذوه ~~(بأيديهم) معاينة لئلا يشكوا فيه PageV02P006 # (لقال الذين كفروا إن هذا) ms0435 أي ما هذا الكتاب (إلا سحر مبين) [7] أي ظاهر ~~لكل إنسان، فلا يؤمنون به. ### || [سورة الأنعام (6): آية 8] # وقالوا لو لا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) # (وقالوا لو لا) أي هلا (أنزل عليه ملك) من السماء، نزل حين قالوا للنبي ~~عليه السلام: أنزل علينا كتابا مع ملائكة يشهدون بصدقك حتى نؤمن بك «1»، ~~فقال تعالى ردا عليهم (ولو أنزلنا ملكا) عليهم من السماء وعاينوه ولم ~~يؤمنوا (لقضي الأمر) أي لوجب الحكم بهلاكهم عند حصول مرادهم (ثم لا ينظرون) ~~[8] أي لا ينتظر بهم طرفة عين حتى يعذبوا أو يهلكوا لعدم طاقتهم برؤيته ~~ونوره المحرق أرواحهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 9] # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # (ولو جعلناه) أي رسولهم (ملكا لجعلناه) أي الملك المرسل (رجلا) أي على ~~صورة البشر ليتمكنوا من رؤيته لضعف البشر عن مشاهدة الملك (وللبسنا) أي ~~ولخلطنا (عليهم) بادعائهم «2» الملكية، لأنه ملك في صورة رجل (ما يلبسون) ~~[9] أي ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فيقولون هذا إنسان وليس بملك فكذبوه، ~~فوقع الأمر ملتبسا بالشك عليهم فخذلهم الله كما كانوا مخذولين. ### || [سورة الأنعام (6): آية 10] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) # ثم سلى نبيه عليه السلام ليصبر على أذاهم بقوله (ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك) أي استهزأهم قومهم المرسل إليهم كما استهزأ بك قومك في أمر العذاب ~~(فحاق) أي نزل وأحاط (بالذين سخروا منهم) أي استهزؤا بالرسل (ما كانوا به ~~يستهزؤن) [10] أي الشيء الذي استهزؤا به الرسل من الحق وهو العذاب. ### || [سورة الأنعام (6): آية 11] # قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) # قوله (قل سيروا في الأرض) خطاب للنبي عليه السلام أن يقول للمشركين ~~سافروا في البلاد للتجارة وغيرها من المنافع أو للاعتبار بمن مضوا من قبلهم ~~(ثم انظروا) بنظر العقل لا بنظر الغفلة (كيف كان عاقبة المكذبين) [11] ~~بالرسل والكتب من المسخ والنسخ والخسف وغير ذلك من العذاب، و«ثم» للتراخي ~~والتباعد بين السير والنظر. ### || [سورة الأنعام ms0436 (6): آية 12] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) # ثم قالوا للنبي عليه السلام إن فعلت هذا الفعل بنا لطلب المال فاترك هذا ~~الفعل ونجمع لك مالا تصير به أغنى أهل مكة فنزل «3» (قل) لهم سائلا عنهم ~~سؤال تبكيت (لمن ما في السماوات والأرض) أي الذي فيهما، فان أجابوا بالحق ~~فبها ونعمت وإلا فأنت تقريرا لهم (قل) ما في السموات والأرض كله (لله) فلا ~~تقدرون على أن تعطوا منه شيئا إلى غيره هو القادر على الإعطاء والمنع، ثم ~~قال استعطافا لهم ليؤمنوا به (كتب على نفسه الرحمة) أي أوجبها على ذاته ~~الكريم، فلا يعاجلكم بالعقوبة في الدنيا، قال عليه السلام: «إن لله مائة ~~رحمة أنزل منها واحدة فقسمها بين الخلق فبها يتراحمون وبها تعطف الوحوش على ~~أولادها، وادخر لنفسه تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» «4»، ~~ثم قال مقسما والله (ليجمعنكم) في قبوركم (إلى يوم القيامة) واللام فيه ~~جواب قسم محذوف «5» دل عليه «كتب» أو «إلى» بمعنى في، أي في يوم القيامة ~~(لا ريب فيه) أي في الجمع وهو البعث، ثم قال تخويفا لهم (الذين خسروا ~~أنفسهم) أي باعوها في علم الله تعالى باختيار شهواتها بدل ما أعد لهم من ~~النعيم في PageV02P007 # الجنة، وهو مبتدأ، خبره (فهم لا يؤمنون) [12] بالبعث، لأنه محكوم عليهم ~~بالعذاب. ### || [سورة الأنعام (6): آية 13] # وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) # قوله (وله ما سكن) مبتدأ وخبر، أي لله كل ما استقر (في الليل والنهار) من ~~الدواب والطيور في البر والبحر، فمنه ما يحل في الليل وينتشر «1» في ~~النهار، ومنه ما يحل بالنهار وينتشر «2» بالليل (وهو السميع العليم) [13] ~~فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الليل والنهار من الأقوال والأفعال. ### || [سورة الأنعام (6): آية 14] # قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ms0437 (14) # ثم قالوا للنبي عليه السلام إن آباءك كانوا على ديننا فارجع إلى دين ~~آبائك حتى نعينك بالمال، فقال تعالى (قل أغير الله أتخذ وليا) أي أأعبد ربا ~~غير ربي الله (فاطر السماوات) بالجر صفة «الله» «3»، أي خالقها (و) خالق ~~(الأرض) والفطر إنشاء الخلقة من غير مثال، وهو من الصفات الخاصة بالله ~~تعالى (وهو يطعم ولا يطعم) أي يرزق ولا يرزق (قل إني أمرت أن أكون أول من ~~أسلم) من أهل مكة أو من هذه الأمة، وقيل لي (ولا تكونن من المشركين) [14] ~~بقولهم لك ارجع إلى دين آبائك، يعني أمرت بالإسلام ونهيت من الشرك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 15] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # (قل إني أخاف إن عصيت ربي) بالرجوع إلى ما دعوتموني إليه من عبادة غيره ~~(عذاب يوم عظيم) [15] وهو يوم القيامة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 16] # من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # (من يصرف عنه) مجهولا، والضمير فيه لل «عذاب»، وفي «عنه» ل «من» فيكون ~~(يومئذ) ظرفا ل «يصرف»، ومعلوما «4»، والضمير له ل «الله» وفي «عنه» لل ~~«عذاب»، والمفعول محذوف، أي من يصرفه الله عن العذاب (فقد رحمه) أي فقد ~~عصمه برحمته ومغفرته (وذلك) أي صرف العذاب عن الإنسان «5» (الفوز المبين) ~~[16] أي النجاة الظاهرة، قال عليه السلام: «لا ينجو أحد بعمله، قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» «6». ### || [سورة الأنعام (6): آية 17] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) # ثم قال تعالى تخويفا لنبيه من الرجوع عن دينه (وإن يمسسك الله) أي إن ~~يصبك (بضر) أي بشدة وبلاء من الفقر والمرض «7» وغيره (فلا كاشف له إلا هو) ~~أي لا يقدر أحد أن يدفعه عنك إلا الله لا الصنم وغيره من آلهتهم التي ~~يدعونك إلى عبادتها (وإن يمسسك بخير) أي إن يصبك بسعة «8» وصحة (فهو) يقدر ~~على ذلك دون غيره، لأنه (على كل شيء قدير) [17] من إعطاء الخير ومنع الضر. ms0438 ### || [سورة الأنعام (6): آية 18] # وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) # (وهو القاهر) أي الله هو الغالب فوق عباده) حال من الضمير في «القاهر»، ~~أي مستعليا عليهم بتدبير أمورهم من النفع والضر بحسب اقتضاء الحكمة، ~~والمراد من العباد المملوكون لا من يصدر منهم العبادة (وهو PageV02P008 # الحكيم) في أمره وتدبيره (الخبير) [18] بأفعال عباده ومصالحهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 19] # قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما ~~هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) # ثم قالوا للنبي عليه السلام أما وجد ربك رسولا غيرك أرنا من يشهد أنك ~~رسول الله، وما نرى من أهل الكتاب أحدا يشهد برسالتك فنزل «1» (قل أي شيء ~~أكبر شهادة) نصبه «2» تميير، أي أعظم حجة وبرهانا على صدق رسالتي فان ~~أجابوك وإلا فأنت (قل الله) أكبر شهادة بحذف الخبر ليطابق الجواب السؤال، ~~وقدر بعده هو مبتدأ، خبره (شهيد) أي الله شهيد (بيني وبينكم) جملة اسمية ~~وقعت موقع الجواب، لأن الله إذا كان شهيدا بينه وبينهم فهو أكبر شيء شهادة ~~له، أي هو يشهد بأني رسول الله إليكم، والشهيد بمعنى الشاهد، وهو المبين ~~للحق المبهم (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به) أي لأخوفكم بالقرآن يا أهل ~~مكة وأبشركم، قوله (ومن بلغ) عطف على «كم» في «أنذركم»، أي وأنذر من بلغه ~~القرآن وأبشره إلى يوم القيامة، قال عليه السلام: «بلغوا عني ولو آية، ومن ~~بلغه القرآن فهو نذير له» «3»، قيل: «من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا عليه ~~السلام» «4»، ثم استفهم عنهم موبخا بقوله مع الإنكار (أإنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى) من الأصنام، فان قالوا نعم فأنت (قل لا أشهد) مثل شهادتكم ~~(قل إنما هو إله واحد) أي بل أشهد أنه إله واحد لا شريك له (وإنني بريء مما ~~تشركون) [19] به من الأوثان. ### || [سورة الأنعام (6): آية 20] # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون ms0439 (20) # ثم قال تقريرا لنبوة محمد عليه السلام (الذين آتيناهم الكتاب) أي التورية ~~والإنجيل (يعرفونه) أي محمدا ونعته معرفة حقيقية بالكتاب (كما يعرفون ~~أبناءهم) بنعوتهم وحلاهم «5»، قال عبد الله بن سلام: «أنا أعرف بالنبي عليه ~~السلام مني لابني، لأني أشهد أنه رسول الله، ولا أشهد لابني أنه ابني، لأني ~~لا أدري ما أحدث النساء بعدي» «6»، ثم ميز عنهم بعضهم بقوله (الذين خسروا ~~أنفسهم) في علم الله باختيار الشرك مكان التوحيد (فهم لا يؤمنون) [20] ~~بمحمد أو بالبعث ككعب بن الأشرف وأصحابه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 21] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) # (ومن أظلم ممن افترى) أي اختلق (على الله كذبا) حيث قالوا والله أمرنا ~~باتخاذ الآلهة «7»، وقالوا الملائكة بنات الله وغير ذلك مما نسبوا إليه من ~~الحلال والحرام كذبا (أو كذب بآياته) أي بالقرآن أنه ليس من الله (إنه لا ~~يفلح الظالمون) [21] أي الكافرون من عذابه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 22] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) # قوله (ويوم نحشرهم) نصب بعامل محذوف ليكون أبلغ في التخويف بسبب الإبهام، ~~أي يكون كيت وكيت يوم نجمعهم، أي العابد والمعبود من الصنم (جميعا) يوم ~~القيامة (ثم نقول) بالنون «8» في الفعلين للتعظيم (للذين أشركوا) بالله ~~آلهة (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) [22] أنهم آلهة تعبدون «9» من دون ~~الله بإشراكهم معه تعالى ليشفعوا لكم. PageV02P009 ### || [سورة الأنعام (6): آية 23] # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) # (ثم لم تكن) بالياء والتاء ورفع «1» (فتنتهم) أي قولهم أو معذرتهم، اسم ~~«كان» (إلا أن قالوا) في محل النصب خبر «كان»، وبنصب «2» «فتنتهم» «3» خبر ~~«كان» واسمها «أن قالوا» عكس الأول، أي ثم لا تكون «4» ضلالتهم ونفاقهم إلا ~~قولهم (والله ربنا) بجر الباء صفة ل «الله»، وبنصبها «5» نداء، وجواب القسم ~~(ما كنا مشركين) [23] بك شيئا، قالوا بهذا الكذب حيرة ودهشة من غير تمييز ~~بين النافع وغير النافع. ### || [سورة الأنعام (6): آية 24] # انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما ms0440 كانوا يفترون (24) # قال الله تعالى لمحمد عليه السلام تعجيبا «6» من حالهم (انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم) أي كيف صار وبال كذبهم على نفوسهم (وضل) أي غاب (عنهم ما كانوا ~~يفترون) [24] في الدنيا من ألوهية أصنامهم وشفاعتها لهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 25] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) # قوله (ومنهم من يستمع إليك) نزل في شأن النضر الذي كان يخبر أهل مكة بقصص ~~المتقدمين وسيرهم، فقالوا له: ما ترى فيما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول ~~وما أفهم شيئا منه، ولا أرى إلا أنه من أساطير الأولين كحديث رستم ~~واسفنديار «7»، وهذا غاية في التكذيب، فقال تعالى تجهيلا لهم ومنهم من ~~يستمع إلى حديثك وقراءتك (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي أغطية (أن يفقهوه) ~~محله نصب على أنه مفعول له، أي لئلا يفهموا القرآن (وفي آذانهم وقرا) أي ~~ثقلا وصمما لئلا يسمعوه، يعني جعالناهم كأنهم مجبولون على ذلك، فلا ينفعهم ~~استماعهم لحسدهم وسوء نيتهم (وإن يروا كل آية) أي علامة دالة على صدقك (لا ~~يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك) أي يخاصمونك بالباطل ويدحضون به الحق ~~وهو القرآن، ويقولون إنه ليس من الله (يقول الذين كفروا إن هذا) أي ما ~~القرآن (إلا أساطير الأولين) [25] أي أكاذيب المتقدمين، جمع أسطورة، وهي ~~التي سطرت في القرطاس مما لا نظام له من البسابس. ### || [سورة الأنعام (6): آية 26] # وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) # قوله (وهم ينهون عنه) نزل في شأن أبي طالب وأصحابه من أهل مكة، كان يقول ~~للنبي عليه السلام حين عرض عليه الإسلام: لو لا أن تعيرني قريش بالإسلام ~~لأقررت بدينك، ولكني أذب عنك ما دمت حيا «8»، فقال تعالى هم، أي بعض أهل ~~مكة ينهون الناس، يعني قريشا عن إيذاء محمد عليه السلام (وينأون عنه) أي ~~ويتباعدون عن اتباع دينه، وقيل: نزل في حق ms0441 المشركين «9»، أي أنهم ينهون ~~الناس عن أن يتبعوا النبي والقرآن ويبعدون عن ذلك، فهم يضلون ويضلون (وإن ~~يهلكون) أي ما ينلكون (إلا أنفسهم وما يشعرون) [26] بهلاكهم. PageV02P010 ### || [سورة الأنعام (6): آية 27] # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين (27) # (ولو ترى) يا محمد (إذ وقفوا) أي حبسوا أو عرضوا (على النار) لرأيت أمرا ~~عظيما، قيل: وقف «1» جميع الناس على متن جهنم «2»، ثم ينادي مناد خذي ~~أصحابك ودعي أصحابي (فقالوا) أي أصحاب النار (يا ليتنا نرد) أي نرجع إلى ~~الدنيا (ولا نكذب بآيات ربنا) أي بالقرآن (ونكون من المؤمنين) [27] بمحمد ~~عليه السلام بنصب الفعلين في جواب التمني باضمار «أن» بعد الواو والفاء، ~~وبرفعهما «3» على معنى الخبر عن المبتدأ، أي ونحن «4» لا نكذب ونكون، وبرفع ~~الأول إخبارا ونصب الثاني تمنيا، المعنى: لو رددنا لم نكذب ونكن من ~~المؤمنين. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 28 الى 29] # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # ثم أضرب تعالى عن تمنيهم ردا عليهم فقال (بل بدا) أي ظهر (لهم ما كانوا ~~يخفون) من الناس من أعمالهم القبيحة ونفاقهم (من قبل) أي في الدنيا ~~بألسنتهم يوم القيامة بشهادة جوارحهم بالشرك والمعاصي، فحينئذ يتمنون ~~الرجعة إلى الدنيا (ولو ردوا) إلى الدنيا فرضا (لعادوا) أي لرجعوا (لما ~~نهوا عنه) من الكفر والمعاصي (وإنهم لكاذبون) [28] في قولهم لم نكذب ولم ~~نكن من المشركين «5»، قيل: المتمني لا يكون كاذبا فكيف قال «وإنهم ~~لكاذبون»، أجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد للإيمان، فجاز أن يتعلق ~~به الكذب «6» وهذا كما ترى إنسانا في الدنيا أصابه مرض أو حبس فأخلص ~~بالتوبة لله ووعد الإحسان إلى الفقراء، ثم إذا برئ من المرض أو أطلق من ~~الحبس رجع إلى حاله الأول «7»، وعطف عليه قوله (وقالوا) على «لكاذبون»، أي ~~وإنهم الذين قالوا (إن هي) أي ما الحيوة (إلا حياتنا الدنيا) فتنقضي آجالنا ~~فنموت ms0442 (وما نحن بمبعوثين) [29] بعد الموت. ### || [سورة الأنعام (6): آية 30] # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) # فبين الله تعالى حالهم يومئذ بقوله (ولو ترى) يا محمد «8» (إذ وقفوا) أي ~~عرضوا (على ربهم) للحساب والجزاء فيومئذ (قال) لهم الله (أليس هذا) أي ~~البعث والجزاء (بالحق) أي بالصدق (قالوا) أي الكفار مقرين ومقسمين (بلى) ~~البعث حق «9» (وربنا) في وقت لا ينفعهم الإقرار والقسم (قال) تعالى (فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون) [30] أي يجحدون البعث. ### || [سورة الأنعام (6): آية 31] # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا ~~حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) # فقال تعالى (قد خسر) أي غبن (الذين كذبوا بلقاء الله) أي بالبعث حين ~~اختاروا العذاب على الثواب بالجحد في الدنيا (حتى إذا جاءتهم الساعة) أي ~~القيامة (بغتة) أي فجأة، و«حتى» غاية ل «كذبوا» لا ل «خسروا»، إذ لا غاية ~~لخسرانهم (قالوا يا حسرتنا) أي ينادون حسرتهم لتفريطهم في الدنيا، وهي شدة ~~الندامة قائلين يا شدة ندامتنا (على ما فرطنا فيها) أي قصرنا في العمل بما ~~أمرنا الله به في الدنيا، وقيل: المراد من «الساعة» الموت فتحسرهم يكون عند ~~موتهم، وسمي بها، لأنه من مقدماتها «10» (وهم يحملون أوزارهم) أي PageV02P011 # آثامهم (على ظهورهم) وقيد الحمل بالظهر، لأن الحمل يكون عليه غالبا (ألا ~~ساء ما يزرون) [31] أي بئس ما يحملونه «1» من الوزر وهو الثقل. ### || [سورة الأنعام (6): آية 32] # وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون (32) # (وما الحياة الدنيا) أي أعمالها (إلا لعب ولهو) أي باطل وغرور واشتغال ~~بما لا يعني لعدم النفع في عقبها كلعب الصبيان «2» يبنون بنيانا ويلهون به ~~ساعة ثم يهدمونه ويروجونه «3» كذلك أهل الدنيا، يجمعون ما لا يأكلونه ~~ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون ثم يموتون (وللدار الآخرة) ~~بلامين صفة وموصوف، وبلام واحدة وجر «الآخرة» «4» مضاف، ومضاف إليه، أي دار ~~الساعة ms0443 الآخرة وهي الجنة (خير للذين يتقون) الشرك والمعاصي من الدنيا ~~ولذاتها (أفلا تعقلون) [32] بالياء والتاء «5»، أن الآخرة أفضل من الدنيا. ### || [سورة الأنعام (6): آية 33] # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) # قوله (قد نعلم إنه ليحزنك) بفتح الياء وضم الزاء وبضم الياء وكسر الزاء ~~«6»، أي ليغمك (الذي يقولون) نزل حين قال أبو جهل: إنا لا نكذبك يا محمد، ~~بل نكذب ما جئت به «7» تسلية له ووعدا ووعيدا لهم، وقد في «قد نعلم» «8» ~~للتحقيق أو التكثير، أي كثيرا علمنا أن الشأن ليحزنك الذي يقولونه من ~~التكذيب فيك وفيما جئت به، لأنهم إذا كذبوا ما جاء به فقد كذبوه، قيل: جاءه ~~جبرائيل وهو حزين، فقال: ما يحزنك؟ قال عليه السلام: «كذبني هؤلاء» «9»، ~~يعني قريشا، قال (فإنهم لا يكذبونك) بالحقيقة، لأنهم يعلمون أنك صادق، وقرئ ~~بالتخفيف والتشديد «10» بمعنى واحد أو معنى التخفيف لا يجدونك كاذبا، ومعنى ~~التشديد لا ينسبونك إلى الكذب (ولكن الظالمين بآيات الله) الدالة على صدقك ~~(يجحدون) [33] مع علمهم لأنها حق منه تعالى، لأن الجحد انما يكون ممن علم ~~الشيء ثم أنكره، والباء يتعلق ب «الجحد» المتعدي بنفسه لا ب «الظلم» لتضمن ~~«11» الجحد معنى التكذيب، وفيه تهديد لهم، يعني لا يكذبونك ولكنهم يكذبوني، ~~وهذه الطريقة أدل على إثبات التكذيب له عليه السلام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 34] # ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا ~~مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) # ثم قال تسلية له عليه السلام (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا) أي على ما كذبهم قومهم (وأوذوا) أي وصبروا على ما أذاهم قومهم كما ~~كذبك قريش وأذوك (حتى أتاهم نصرنا) الذي وعدناهم من الإهلاك بالعذاب (ولا ~~مبدل لكلمات الله) أي لا مغير لوعد الله بالنصرة للأنبياء ووعيده بالعقوبة ~~للكفار (ولقد جاءك من نبإ المرسلين) [34] أي خبر من أخبارهم، فالفاعل مضمر ~~أو «نبإ المرسلين»، و«من» زائدة كما ذهب إليه الأخفش، أي لقد جاءك خبرهم ~~كيف ms0444 أنجيتهم وكيف أهلكت قومهم، ونزل حين كان يكره النبي عليه PageV02P012 # السلام كفر قومه وهلاكهم ويحب أن يجيء الآيات على صدقه ليؤمنوا به «1». ### || [سورة الأنعام (6): آية 35] # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (35) # قوله (وإن كان) أي الشأن «2» (كبر) أي عظم (عليك إعراضهم) عن الإيمان ولا ~~تصبر على تكذيبهم إياك (فإن استطعت) أي قدرت (أن تبتغي) أي تطلب (نفقا في ~~الأرض) أي منفذا ينفذ إلى ما تحت الأرض حتى تخرج لهم آية يؤمنون بها (أو ~~سلما في السماء) أي مصعدا إليها (فتأتيهم بآية) كذلك فافعل، وهو جزاء الشرط ~~بالإضمار، يعني أنت عاجز لا تقدر عليه بغير إذن الله، فكيف يكبر عليك ~~إعراضهم عن الإيمان (ولو شاء الله) مشية قدرة (لجمعهم على الهدى) أي على ~~الإيمان بآية ملجئة إليه، ولكنه لا يفصل لخروجه عن الحكمة، إذ هي في ~~تكليفهم وتركهم باختيارهم (فلا تكونن من الجاهلين) [35] بقدرتي على ذلك أو ~~بالحكمة والطالبين لما هو على خلافها، وقيل: خاطب النبي عليه السلام وأراد ~~به قومه الذين آمنوا، فانهم لما وعد الله النصرة للنبي عليه السلام تعجلوا ~~بذلك وبهلاك الكفار «3». ### || [سورة الأنعام (6): آية 36] # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) # قوله (إنما يستجيب الذين يسمعون) جواب للنبي عليه السلام حين حرص على ~~هدايتهم واجتهد أن يؤمنوا به وبالقرآن ولم يؤمنوا لعدم سمعهم كالموتى، أي ~~إنما يطيعك الذين يستمعون كلامك سماع قبول ليتعظوا ويهتدوا دون الذين لا ~~يستمعون ولا يعقلون المواعظ، لأنهم بمنزلة الموتى لا منفعة لهم في حيوتهم ~~(والموتى) مبتدأ، وهم كفار مكة الذين لم ينتفعوا بكلامه (يبعثهم الله) ~~خبره، أي يحييهم بعد الموت (ثم إليه يرجعون) [36] فيسمعون فيجازيهم ~~بأعمالهم، وهذا مما يؤكد أن الله قادر على الهداية بمشية القهر والجبر، لأن ~~القادر على إحياء الموتى قادر على هداية الضال. ### || [سورة الأنعام (6): آية 37] # وقالوا لو لا نزل عليه آية من ربه ms0445 قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) # قوله (وقالوا) أي أهل مكة (لو لا) هلا (نزل عليه آية) ملجئة (من ربه) نزل ~~حين لم يعتد كفارة مكة الآيات النازلة من اللوح على النبي عليه السلام، بل ~~سألوا أن ينزل عليه آية ظاهرة من السماء، فيبصروها «4» بعيونهم ليؤمنوا ~~«5»، فقال تعالى (قل إن الله قادر على أن ينزل آية) كما سألوك بحيث تلجئهم ~~إلى الإيمان كنتق الجبل لبني إسرائيل (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [37] ما يكون ~~عليهم بعد ذلك فانها لو نزلت ولم يؤمنوا لأهلكوا بالعذاب في الدنيا ~~والآخرة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 38] # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) # (وما من دابة) أي ما حيوان يتحرك، ف «من» زائدة بعد النفي للتأكيد الدال ~~«6» على معنى الاستغراق المغني عن الجمع الدال على العموم (في الأرض) أي في ~~جميع الأرضين، فذكره أفاد زيادة التعميم والإحاطة (ولا طائر) بالجر عطف على ~~«دابة»، ولا من طائر قط «7» (يطير بجناحيه) في جو السماء، وهو «8» تأكيد ~~لنفي المجاز، إذ يقال لغير الطائر طار في الأمر إذا أسرع فيه (إلا أمم) أي ~~أصناف (أمثالكم) في الخلق والموت والحيوة PageV02P013 # والغذاء وطلب الرزق، يعني هي تشبهكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها، ~~والغرض من ذكر ذلك الدلالة على عظم قدرته تعالى ولطف علمه وسعة سلطانه ~~وتدبيره، وقيل: «في المعرفة والتحيد» «1»، وقيل: في التمييز بينهم، لأنها ~~تعرف بأسمائها كبني آدم «2» (ما فرطنا) أي ما تركنا وما أغفلنا «3» (في ~~الكتاب) أي في اللوح المحفوظ (من شيء) أي شيئا من الأشياء، ف «من» زائدة ~~للتأكيد، يعني كل شيء ثابت فيه من غير نقصان، فلا يخفى علينا علمه وتدبيره ~~(ثم إلى ربهم يحشرون) [38] أي الطيور والدواب كلها تحشر يوم القيامة إلى ~~الله وينصف بعضها من بعض بعدله. # ثم يقول كوني ترابا فيتمنى الكافر أن لو كان ترابا، قيل: هذا على سبيل ~~الحقيقة لا على وجه المثل، لأنه ms0446 وإن لم يجر عليهم القلم في الأحكام لكن ~~فيما بينهم مؤاخذون به كالعقلاء عند الله تعالى «4». ### || [سورة الأنعام (6): آية 39] # والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم (39) # قوله (والذين كذبوا بآياتنا) الدالة على آثار قدرتنا وعظمة ربوبيتنا، أي ~~بالقرآن ومحمد عليه السلام (صم) أي ذو ثقل في آذانهم لا يسمعون خيرا (وبكم) ~~أي خرس «5» لا يقولون خيرا، نزل حين أعرضوا عن الإيمان بعد نزول ما يدل على ~~ربوبية الله ووجوب الإيمان به إظهارا لانقطاع لطفه عنهم وثبوت القساوة في ~~قلوبهم لأخبر بأنهم «6» (في الظلمات) أي في الضلالات البعيدة التي هي خواص ~~أهل الطبع (من يشأ الله) ضلالته (يضلله) أي يخذله، لأنه ليس من أهل اللطف ~~فيموت على كفر (ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) [39] أي يلطف به فيستنقذه ~~من الكفر فيموت على الإيمان. ### || [سورة الأنعام (6): آية 40] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين (40) # ثم قال تبكيتا لهم (قل أرأيتكم) بتحقيق الهمزتين وبابدال الثانية ألفا ~~وبجعلها بين الهمزة والألف، وبحذف الثانية والتاء مفتوحة مع الكاف الزائدة ~~لبيان الخطاب في الواحد والاثنين والجمع مذكرا كان المخاطب أو مؤنثا «7»، ~~ولا محل لها من الإعراب لكونها حرفا، والاستفهام فيه لطلب الرأي منهم، أي ~~أخبروني عن عبادتكم الأصنام هل تنفعكم (إن أتاكم) شرط، أي إن نزل بكم (عذاب ~~الله) في الدنيا (أو أتتكم الساعة) أي القيامة، وجواب الشرط محذوف، وهو من ~~تدعون لدفع العذاب عنكم، ثم قال توبيخا لهم بالاستفهام (أغير الله تدعون) ~~عند نزول عذاب الدنيا بكم (إن كنتم صادقين) [40] أي إن أصنامكم تنفعكم ~~فادعوه ليدفع عنكم العذاب، وهو تعجيز لهم، يعني أنكم لا تدعون غير الله حينئذ. ### || [سورة الأنعام (6): آية 41] # بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) # (بل إياه تدعون) أي بل تخصونه بالدعاء دون الأصنام (فيكشف) أي الله (ما ~~تدعون) أي العذاب الذي تدعون الله (إليه) أي إلى كشفه عنكم ms0447 (إن شاء) كشفه ~~لحكمة، لأنه فضل منه وفضل الله يؤتيه من يشاء، والمراد كشف العذاب في ~~الدنيا «8»، لأن عذاب القيامة لا ينكشف عنهم أبدا (وتنسون) أي وتتركون (ما ~~تشركون) [41] PageV02P014 # به من الأصنام لعلمكم أنها لا تنفعكم إذا نزل بكم نازلة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 42] # ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) # ثم بين أخبار الأمم الماضية لكي يعتبروا فيؤمنوا بقوله (ولقد أرسلنا إلى ~~أمم من قبلك) أنبياء فكذبوهم (فأخذناهم بالبأساء) أي بالشدة وهي الجوع ~~(والضراء) أي النقص في الأنفس والأموال (لعلهم يتضرعون) [42] أي يتوبون ~~ويتخشعون لربهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 43] # فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) # قوله (فلو لا) كلمة تنديم للأمم على ترك التوبة، أي هلا (إذ جاءهم بأسنا) ~~أي عذابنا (تضرعوا) أي تخشعوا وتابوا «1»، وهو عامل في الظرف قبله، يعني لم ~~يتضرعوا إذا جاءهم عذابنا ليرفع عنهم العذاب (ولكن قست) أي يبست بالكفر «2» ~~(قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [43] من الشرك والمعاصي. ### || [سورة الأنعام (6): آية 44] # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) # (فلما نسوا) أي تركوا (ما ذكروا به) أي الأمم الماضية من المواعظ ~~والأنذار، يعني لما لم ينتفعوا بها ولم ينزجروا عن أفعالهم السوء (فتحنا) ~~بالتخفيف والتشديد «3» (عليهم أبواب كل شيء) من نعم الدنيا كالصحة والسعة ~~بأصناف النعمة فتح ابتلاء (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) من النعم والرخاء فلم ~~يعتبروا ولم يتوبوا (أخذناهم بغتة) أي أصبناهم بالعذاب فجاءة (فإذا هم ~~مبلسون) [44] أي آيسون من كل خير. ### || [سورة الأنعام (6): آية 45] # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) # (فقطع دابر) أي آخر (القوم الذين ظلموا) أنفسهم بالشرك والمعاصي، يعني ~~استؤصلوا ولم يترك منهم أحد (والحمد لله رب العالمين) [45] على هلاك ~~الظالمين واستئصالهم وهذا كلام منه تعالى على وجه التعليم، لأن ذلك «4» من ~~أجل النعم فيجب الحمد عليه على من آمن به. ### || [سورة ms0448 الأنعام (6): آية 46] # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله ~~يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) # ثم دل على توحيده وقدرته على كل شيء يريد أن يفعله من الخير «5» والشر ~~مخاطبا لأهل مكة ليعتبروا فيؤمنوا بقوله (قل) يا محمد لأهل مكة (أرأيتم) أي ~~أخبروني (إن أخذ الله سمعكم) شرط «6» إن أصمكم (وأبصاركم) أي إن أعماكم «7» ~~(وختم على قلوبكم) أي طبعها بالختم بأن ينزل عليها ما يذهب بفهمكم وعقلكم، ~~وجواب الشرط (من إله غير الله يأتيكم به) أي هل أحد غيره يرد عليكم ما أخذ ~~منكم وختم عليه، والاستفهام فيه تجهيل لهم «8» (انظر كيف نصرف الآيات) أي ~~نبين العلامات الدالة على صدقك (ثم هم يصدفون) [46] أي يعرضون عن الإيمان ~~بك بعد مجيء هذه الآيات. ### || [سورة الأنعام (6): آية 47] # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) # (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة) أي حال كونه واقعا من غير أن يشعر ~~به (أو جهرة) أي معاينة (هل يهلك) أي ما يهلك هلاك تعذيب (إلا القوم ~~الظالمون) [47] أنفسهم بالكفر، والاستفهام فيه للتقرير. PageV02P015 ### || [سورة الأنعام (6): آية 48] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (48) # قوله (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) حث على الإيمان بهم، أي لم ~~نرسلهم عبثا أو ليتخذوا سخريا، بل أرسلناهم مبشرين بالجنة لمن أطاع الله ~~ومنذرين بالنار لمن عصاه (فمن آمن) بالرسل (وأصلح) أي أخلص العمل بعد ~~الإيمان (فلا خوف عليهم) من أهوال القيامة ولا هم يحزنون) [48] من حرمان ~~المغفرة ودخول الجنة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 49] # والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) # (والذين كذبوا بآياتنا) أي بالقرآن «1» (يمسهم العذاب) أي يصيبهم (بما ~~كانوا يفسقون) [49] أي بفسقهم وهو خروجهم عن طاعة الله، فلا يعذب أحد بغير ~~ذنب «2». ### || [سورة الأنعام (6): آية 50] # قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ms0449 ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) جواب لقولهم لو لا أنزل عليه آية من ~~ربه لنؤمنن به، أي ليس عندي مفاتيح الرزق حتى أعطيكم ما تسألونه «3» مني، ~~لأن ذلك خاصية الألوهية (ولا أعلم الغيب) من جملة المقول، أي ولا أقول لكم ~~أعلم الغيب حتى أخبر لكم بما كان «4» وما يكون كنزول العذاب بكم أو المطر ~~عليكم (ولا أقول لكم إني ملك) نزلت من السماء فتستنكروا قولي، بل أدعي أني ~~بشر مثلكم أرسلت إليكم كما أرسل النبيون إلى قومهم (إن أتبع) أي ما أتلو ~~(إلا ما يوحى إلي) من القرآن، المعنى: اني لا أدعي الإلهية «5» ولا أدعي ~~الملكية، فأقدر ما لا يقدر عليه البشر، بل أدعي ما مثله كان لكثير من ~~النبيين وهو الوحي بالنبوة فلا تستبعدوه مني (قل هل يستوي الأعمى) أي ~~الجاهل أو الكافر (والبصير) أي العالم أو المؤمن (أفلا تتفكرون) [50] في ~~عدم استوائهما فتؤمنون أو في مواعظ القرآن وأمثاله، فلا تكونوا ضالين ~~كالعميان. ### || [سورة الأنعام (6): آية 51] # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) # قوله (وأنذر به) أي خوف بالقرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) أمر ~~للنبي عليه السلام بالإنذار لأهل الكتاب بعد إنذار المشركين، لأن الحجة ~~عليهم أوجب لإقرارهم بالبعث بتلاوة الكتاب، ويجوز أن يكون المراد المسلمين ~~ليمتنعوا عن المعاصي بعد الإيمان بالإنذار (ليس لهم من دونه) أي من عذاب ~~الله (ولي) أي قريب في الدنيا ينصرهم (ولا شفيع) لهم في الآخرة، ومحل هذه ~~الجملة نصب على الحال من ضمير «يخافون»، يعني خوفهم بالقرآن (لعلهم يتقون) ~~[51] الله فينزجرون عن الكفر والمعاصي. ### || [سورة الأنعام (6): آية 52] # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين (52) # قوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) أي يعبدونه ويتضرعون إليه بالدعاء ~~(بالغداة) وقرئ «بالغدوة» «6» (والعشي) أي دائما، ms0450 وقيل: المراد الصلوات ~~الخمس «7»، نزل حين قالت قريش كأقرع بن حابس وأصحابه تدني إليك هذه السفلة، ~~يعنون عبد الله بن مسعود وصهيبا وبلالا وأمثالهم، ونحن ساداة قومك، فلو ~~أدنيتنا PageV02P016 # لأسلمنا «1»، فهم النبي عليه السلام أن يفعل ذلك رجاء حسن إسلامهم، فنهى ~~الله عن طردهم تكريما لهم «2»، ثم وصفهم بالإخلاص في العمل بقوله (يريدون) ~~بعملهم (وجهه) أي ذاته تعالى لا شيئا آخر منه، وهو نصب على الحال من ضمير ~~«يدعون»، ثم تكلموا في دينهم وطعنوا في إخلاصهم عند النبي عليه السلام فنزل ~~«3» (ما عليك من حسابهم من شيء) مبتدأ، و«من» زائدة و«عليك» خبره، و«من ~~حسابهم» بيان له، أي حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك إن كان في ~~باطنهم أمر غير مرضي (وما من حسابك عليهم من شيء) أي وحسابك عليك لا يتعداك ~~إليهم، والجملتان بمنزلة جملة واحدة في قصد معنى واحد، وهو لا يؤاخذ كل ~~منكما بحساب صاحبه كقوله «ولا تزر وازرة وزر أخرى» «4»، يعني لا يلزمك الا ~~اعتبار الظاهر وسيرة الاتقياء «5» وإن كان لهم باطن غير مرضي، قوله ~~(فتطردهم) نصب في جواب النفي، أي لا تكلف أمرهم فتطردهم من مجلسك (فتكون من ~~الظالمين) [52] إن طردتهم من مجلسك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 53] # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين (53) # ثم قال تعالى (وكذلك) أي ومثل «6» ذلك الاختبار «7» (فتنا) أي اختبرنا ~~(بعضهم) أي بعض الناس (ببعض) يعني ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع، ~~فاذا رأى الأغنياء الفقراء أو الشرفاء «8» الوضعاء سبقوهم بالإيمان امتنعوا ~~أن يؤمنوا تكبرا، أي خذلناهم بالافتنان (ليقولوا) أي المشركون احتقارا بهم ~~(أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) أي أنعمهم الله بالإسلام دوننا، وفضلهم ~~علينا ولو كان الإيمان خيرا ما سبقونا إليه، ثم قال مستفهما تقريرا (أليس ~~الله بأعلم بالشاكرين) [53] أي بمن يعرف الله ويشكر نعمته منكم من غيرهم، ~~وأعمل «أعلم» في «بالشاكرين»، لأنه ظرف ولا يعمل أفعل التفضيل في المفعول ~~الصريح. ### || [سورة الأنعام (6): آية 54] # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ms0451 كتب ربكم على نفسه الرحمة ~~أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) # قوله (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) وهم الضعفة من المسلمين، نزل ~~إكراما لهم «9»، أي إذا أتاك المقرون بالقرآن العاملون به (فقل سلام عليكم) ~~أي ابتدئهم «10» بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم وبشرهم بقولك لهم (كتب ~~ربكم) أي أوجب (على نفسه الرحمة) لكم بقبول توبتكم وعذركم (أنه) بفتح «أن» ~~بدلا من «الرحمة»، وبكسرها «11» استئناف، فكأن سائلا قال ما الرحمة؟ فقيل ~~إنه، أي إن الشأن (من عمل منكم سوءا) أي ذنبا (بجهالة) أي جاهلا بتحريمه أو ~~جاهلا بجلالة ربه لإيثاره المعصية على طاعته (ثم تاب) أي رجع إليه (من ~~بعده) أي بعد عمله «12» المعصية (وأصلح) أي أخلص العمل تائبا (فأنه) بالفتح ~~على أنه مع ما بعده «13» مبتدأ وخبره محذوف، تقديره «14»: فله أنه، وبالكسر ~~«15» استئنافا، أي إن الله (غفور) بالتجاوز عن ذنبه (رحيم) [54] PageV02P017 # بقبول توبته، والفاء جواب شرط متقدم، وهو من عمل، وقيل: نزلت الآية في ~~قوم جاؤا إلى النبي عليه السلام قد أصابوا ذنوبا عظاما فأعرض عنهم «1». ### || [سورة الأنعام (6): آية 55] # وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (55) # (وكذلك) أي مثل ذلك البيان (نفصل) أي نبين شيئا بعد شيء (الآيات) أي آيات ~~القرآن لتعرف سبيل المؤمنين لماذا يؤمنون (ولتستبين) أي ولتعرف (سبيل ~~المجرمين) [55] أي طريق الكافرين لماذا لا يؤمنون، فانهم إذا رأوا الضعفاء ~~يؤمنون بك قبلهم أبوا عن الإيمان تكبرا وحسدا، قرئ بنصب ال «سبيل» مفعولا ~~وتاء «تستبين» على خطاب الرسول، وبرفع ال «سبيل» مع التاء والياء في ~~«تستبين» «2» فاعلا، والطريق يذكر ويؤنث، ومعناه ليظهر طريقهم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 56 الى 57] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما ~~تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) # ثم قال (قل) يا محمد استجهالا لهم (إني نهيت) أي زجرت من ms0452 الظاهر والباطن، ~~يعني سمعا وعقلا (أن أعبد الذين تدعون) أي تعبدون «3» (من دون الله) أي ~~غيره من الأصنام، وأمرت أن أعبد الله وحده، فأنتم في عبادة غيره على غير ~~بصيرة باتباع الهوى (قل لا أتبع أهواءكم) في طرد الضعفاء المسلمين عن مجلسي ~~وعبادة الأوثان وترك دين الإسلام (قد ضللت إذا) أي إن أتبعت أهواءكم في ذلك ~~(وما أنا من المهتدين) [56] أي على طريق الحق، أي إن فعلت ذلك (قل إني على ~~بينة) أي على حجة واضحة وهي القرآن المنزل (من ربي وكذبتم به) أي بالقرآن ~~وهو حال بتقدير «قد»، فقال النضر بن الحارث: إن كان ما تقول حقا فاتنا ~~بعذاب من عند ربك فقال تعالى قل (ما عندي ما) أي ليس عندي الذي (تستعجلون ~~به) أي العذاب (إن الحكم) أي ما القضاء في نزول العذاب (إلا لله يقص الحق) ~~بالضاد المعجمة من القضاء «4»، أي يحكم الحكم الحق، وبالصاد المهملة ~~والتشديد «5» من القصص، أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به «6» ويقدره، من ~~قص أثره إذا اتبعه (وهو خير الفاصلين) [57] أي الحاكمين. ### || [سورة الأنعام (6): آية 58] # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) # (قل لو أن عندي) أي في قدرتي واختياري (ما تستعجلون به) من العذاب (لقضي ~~الأمر بيني وبينكم) أي لأتم أمر جدالكم معي بأن أهلكتكم بالعذاب عاجلا ~~وتخلصت منكم سريعا (والله أعلم بالظالمين) [58] أي بعقوبتهم، يعني هو أعلم ~~متى ينزل بهم العذاب ويجب بالحكمة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 59] # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) # (وعنده مفاتح الغيب) أي الله مخصوص بثبوت الطرق الموصلة عنده إلى علم ~~الغيب، فلا يتوصل إليه غيره، PageV02P018 # جمع مفتح، وهو المفتاح، وقيل: جمع مفتح وهو المخزن «1»، والمراد علم جميع ~~المغيبات كمجيء المطر ونزول العذاب وغيض الأرحام من ذكر وأنثى وما في غد ~~والموت في أي مكان ms0453 يقع وقيام الساعة، قوله (لا يعلمها إلا هو) نصب على ~~الحال، وعاملها الظرف الذي ارتفع به «مفاتح»، أي حال كونه لا يعلم الطرق ~~الموصلة إلى علم الغيب إلا هو، فهو يعلم فتح المغيبات لكون المفاتح في يده ~~كمن عنده مفاتح أقفال المخازن، ويعلم فتحها وما في المخازن، ثم قال توضيحا ~~لذلك (ويعلم ما في البر) من النبات والحب والنوى (والبحر) أي ويعلم ما في ~~البحر من الدواب وغيرها (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) أي لا تسقط ورقة من ~~الشجر إلا يعلم متى وقت سقوطها وأين مسقطها وعددها وأحوالها قبل السقوط ~~وبعده (ولا حبة) عطف على «ورقة»، أي ولا تسقط حبة من الحبوب (في ظلمات ~~الأرض) أي في خبايا الأرض التي يخرج منها النبات (ولا رطب ولا يابس) أي لا ~~حي ولا ميت أو لا قليل ولا كثير، عطف على «ورقة» على طريق الإدخال في ~~حكمها، كأنه قيل وما يسقط شيء من جميعها (إلا في كتاب مبين) [59] أي في علم ~~الله أو في اللوح، وهو كالتكرير لقوله «إلا يعلمها». ### || [سورة الأنعام (6): آية 60] # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل ~~مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # (وهو الذي يتوفاكم) أي يقبض أرواحكم (بالليل) أي فيه إذا نمتم (ويعلم ما ~~جرحتم) أي كسبتم من خير وشر (بالنهار) أي فيه من الآثام وغيرها (ثم يبعثكم) ~~أي يوقظكم من النوم (فيه) أي في النهار (ليقضى أجل مسمى) أي ليتم أجلكم ~~المعلوم عنده وهو مدة الحيوة (ثم إليه مرجعكم) أي مصيركم بعد الممات إلى ~~موقف حسابه (ثم ينبئكم) أي يعلمكم (بما كنتم تعملون) [60] من خير وشر ~~فيجازيكم به، قيل: إذا نام الإنسان يخرج منه الذهن، وهو بلسان الفارسية ~~«روان» ولا يخرج روحه وإلا لمات «2»، وقيل: تخرج وتبقي الحيوة «3»، وقيل: # النوم أمر لا يعرف حقيقته إلا الله «4». ### || [سورة الأنعام (6): آية 61] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون ms0454 (61) # ثم قال (وهو القاهر فوق عباده) أي هو الغالب عليهم بالقدرة يتصرف فيهم ~~كيف يشاء (ويرسل عليكم) أيها الكفار (حفظة) أي ملائكة تحفظ أعمالكم ~~بالكتابة، وهم الكرام الكاتبون، جمع الحافظ، قيل: يرسل لكل إنسان ملكين ~~بالليل وملكين بالنهار، يكتب أحدهما الخير والآخر الشر، ويكون أحدهما عند ~~مشيه بين يديه والآخر خلفه، ويكون أحدهما عن يمينه عند جلوسه والآخر عن ~~شماله «5»، وفي إرسال الحفظة عليهم مع غناه بعلمه عن الكتابة لطف من الله ~~تعالى لعباده، لأنهم إذا علموا أن الملائكة يحفظون عليهم أعمالهم بكتابتها ~~في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد يوم القيامة كان ذلك أزجر لهم عن القبيح ~~وأبعد من السوء، يعني يحفظ «6» الملائكة عليهم أعمالهم (حتى إذا جاء) أي ~~حضر (أحدكم الموت) عند انقضاء أجله (توفته) أي قبضته، وقرئ توفاه «7» بلفظ ~~التذكير بالإمالة ماضيا ومضارعا بمعنى تتوفاه، أي تقبضه «8» (رسلنا) وهم ~~ملك الموت وأعوانه، قيل: إن الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة ~~يقبض من هنا وهنا، فاذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتجيب «9»، وقيل: جعلت له ~~الأرض مثل الطست يتناول من يتناوله وما من أهل بيت إلا يطوف عليهم PageV02P019 # في كل يوم مرتين «1» (وهم لا يفرطون) [61] أي الملائكة لا يقصرون ~~بالزيادة والنقصان فيما يؤمرون. ### || [سورة الأنعام (6): آية 62] # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) # (ثم ردوا) أي الملائكة أو العباد (إلى الله) أي إلى حسابه وجزائه (مولاهم ~~الحق) بالجر صفتان ل «الله»، أي مالكهم ومتولي أمورهم العدل الذي لا يحكم ~~بينهم إلا بالحق (ألا له الحكم) أي اعلموا أن الحكم لله يوم القيامة لا ~~لغيره (وهو أسرع الحاسبين) [62] إذا حاسب، لأنه لا يحتاج إلى فكرة وعدة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 63] # قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه ~~لنكونن من الشاكرين (63) # ثم قال توبيخا لهم بشركهم (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) أي من ~~شدائدهما ومخاوفهما كالخسف والغرق، يقال لليوم الشديد يوم مظلم وإن كان ~~نهارا (تدعونه) أي الله ms0455 (تضرعا) أي علانية (وخفية) بكسر الخاء وضمها «2»، ~~أي سرا إذا وقعتم في الشدائد تقولون له (لئن أنجانا) بتاء الخطاب، وقرئ ~~أنجانا بالألف «3»، أي لئن خلصنا (من هذه) الشدائد (لنكونن من الشاكرين) ~~[63] لله تعالى، أي الموحدين له. ### || [سورة الأنعام (6): آية 64] # قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) # (قل الله ينجيكم) بالتشديد والتخفيف «4»، أي يخلصكم (منها) أي من تلك ~~الشدائد (ومن كل كرب) أي غم وشدة، يعني يكشف الله ظلماتهم عنكم إذا دعوتموه ~~(ثم أنتم تشركون) [64] الأصنام به. ### || [سورة الأنعام (6): آية 65] # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) # ثم قال وعيدا لهم بأصناف العذاب ليؤمنوا (قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم) كالرمي بالحجارة والريح العقيم وصيحة جبرائيل كما بعثها ~~على من قبلكم (أو من تحت أرجلكم) كالخسف لقارون، وقيل: هما حبس المطر ~~والنبات «5»، وقيل: «من فوقكم» من قبل الأكابر والسلاطين الظلمة، و«من تحت ~~أرجلكم» من قبل سفلتكم وعبيد السوء «6» (أو يلبسكم شيعا) أي يخلطكم «7» ~~فرقا مختلفة على أهواء شتى مع أئمة متجبرة (ويذيق بعضكم بأس بعض) أي يقتل ~~بعضكم بعضا فتختلطوا وتشبكوا في ملاحم القتال (انظر) يا محمد (كيف نصرف ~~الآيات) أي نبينها (لعلهم يفقهون) [65] أي يعقلون ما هم عليه من الشرك ~~المحال «8» فيتوبون عن ذلك ويوحدون. ### || [سورة الأنعام (6): آية 66] # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) # (وكذب به) أي بالقرآن أو بالعذاب (قومك) أي قريش (وهو الحق) أي الصدق، ~~لأنه وحي من الله أو لا بد أن ينزل بهم (قل لست عليكم بوكيل) [66] أي بحفيظ ~~مسلط لأمنعكم من التكذيب إجبارا وألجئكم إلى الإيمان، إنما أنا منذر «9»، ~~وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. ### || [سورة الأنعام (6): آية 67] # لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون (67) PageV02P020 # (لكل نبإ) أي لكل خبر أخبرتكم به (مستقر) أي منتهى يستقر فيه فيبين «1» ~~الصدق من الكذب، يعني لا تغفلوا عنه لا بد من ms0456 حصوله قريبا أو بعيدا (وسوف ~~تعلمون) [67] أن صادق فيه لا كاذب حين أومر بقتالكم، وفيه تهديد لهم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 68 الى 69] # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على ~~الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) # ونزل نهيا للنبي عليه السلام عن مجالسة المشركين حين استهزؤا بالقرآن «2» ~~(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) أي يستهزؤون بالقرآن (فأعرض عنهم) أي ~~اترك مجالستهم (حتى يخوضوا) أي يشرعوا بالاستهزاء (في حديث غيره) أي غير ~~القرآن فحينئذ لا بأس بأن تجالسهم (وإما ينسينك الشيطان) بتشديد السين وفتح ~~النون من التسنية، وبسكون النون وتخفيف السين «3» من الإنساء، والمفعول ~~الثاني محذوف، أي إن ينسينك الشيطان النهي عن مجالستهم فتجلس معهم بوسوسة ~~منه (فلا تقعد بعد الذكرى) أي بعد تذكر النهي تنبيها «4» إياك عليه (مع ~~القوم الظالمين) [68] بالاستهزاء، ونزل حين تحرج المؤمنون عن مجالسة ~~المشركين بعد النهي، وقالوا لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف، ~~لأنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن فيترك «5» العمل منا ترخيصا لهم «6» (وما ~~على الذين يتقون) الشرك والاستهزاء إذا جالسوهم (من حسابهم من شيء) أي ليس ~~عليهم شيء يحاسبون عليه «7» من الإثم، ف «من» الثانية زائدة، و«من» الأولى ~~بيان (ولكن ذكرى) في تقدير النصب على المصدر، أي ولكنهم يذكرونهم ذكرى إذا ~~خاضوا في الاستهزاء بالقيام عن مجالستهم وإظهار الكراهة لهم أو في تقدير ~~الرفع، أي ولكن عليهم أن يذكروهم بالقرآن (لعلهم يتقون) [69] الخوض ~~بالاستهزاء. ### || [سورة الأنعام (6): آية 70] # وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # قوله (وذر الذين اتخذوا دينهم) نزل حين كانوا إذا سمعوا القرآن تلاعبوا ~~لهوا واستهزاء به نهيا للنبي عليه السلام ms0457 عن الالتفات إليهم، أي دع ~~المشركين الذين اتخذوا دينهم الذي كان يجب عليهم أن يتخذوه دينا ويعظموه، ~~وهو دين الإسلام والقرآن (لعبا ولهوا) مكانهما (وغرتهم الحياة الدنيا) ~~بالانتفاع بها وتركوا عمل الآخرة لعدم إيمانهم بها فأعرض عنهم ولا تشتغل ~~قلبك بهم (وذكر به) أي عظهم بالقرآن مخافة (أن تبسل) أي تهلك (نفس بما ~~كسبت) أي بسبب كسبها «8» من الذنوب فتدخل «9» النار يوم القيامة، قوله (ليس ~~لها) أي للنفس (من دون الله ولي) أي قريب ناصر يمنعها من العذاب (ولا شفيع) ~~يشفع لها ليخلصها «10» منه بالشفاعة، محله رفع صفة «نفس» أو نصب على الحال ~~من ضمير «كسبت» (وإن تعدل) أي إن تفد نفس (كل عدل) أي كل فداء، يعني لو أتى ~~رجل بما في الأرض جميعا ليعادل به نفسه لإنجائها من عذاب الله (لا يؤخذ ~~منها) أي لا يقبل مكانها (أولئك) أي هؤلاء المتخذون دينهم لعبا ولهوا، هم ~~(الذين أبسلوا) أي أهلكوا في الآخرة (بما كسبوا) من الذنوب في الدنيا (لهم ~~شراب من حميم) أي من ماء شديد الحرارة (وعذاب أليم) أي وجيع دائم (بما كانوا PageV02P021 # يكفرون) [70] بالقرآن ومحمد عليه السلام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 71] # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) # قوله (قل أندعوا من دون الله) نزل حين دعا عبد الرحمن بن أبي بكر أباه ~~إلى عبادة الأصنام، وكان أبوه وأمه يدعوانه إلى دين الإسلام «1»، وقيل: في ~~قريش عذبوا نفرا من المسلمين يدعونهم إلى الشرك «2»، فقال تعالى خطابا «3» ~~للنبي عليه السلام وإن كانت الآية واردة في شأن أبي بكر للاتحاد الذي كان ~~بينه عليه السلام وبين الصديق رضي الله عنه قل لكفار «4» مكة أنعبد غير ~~الله النافع الضار (ما لا ينفعنا) من الأوثان في الآخرة (ولا يضرنا) في ~~الدنيا (ونرد) عطف على «أ ندعوا»، أي وأنرجع «5» (على أعقابنا) ms0458 أي إلى ~~الشرك الذي تركناه خلفنا (بعد إذ هدانا الله) أي أرشدنا إلى الإسلام، قوله ~~(كالذي) كافه في محل النصب على الحال من ضمير «نرد» «6»، أي أنرجع خلفنا ~~مشبهين بالذي «7» (استهوته) أي أسقطته (الشياطين) أي مردة الجن والغليان، ~~وقرئ استهواه بالتذكير «8» لتقدم فعل الجماعة، يعني طلبوا هويه بالإضلال عن ~~الجادة والرفقاء (في الأرض) أي في مفازتها (حيران) نصب على الحال من الضمير ~~المنصوب في «استهوته»، أي متحيرا مترددا، لا يدري أين يذهب وكيف يصنع (له ~~أصحاب) أي لهذا الضال عن الجادة المتحير رفقة (يدعونه إلى الهدى) أي إلى ~~طريق هدايته قائلين له (ائتنا) أي ارجع إلينا فانا على الطريق المستقيم، ~~فلم يلتفت إليهم وبقي هائما في ضلالته، فذلك مثلنا إن تركنا دين الإسلام ~~ورجعنا إلى الشرك، ثم قال تحريضا لهم على الإسلام (قل إن هدى الله) وهو ~~الإسلام (هو الهدى) أي هو الرشاد وحده وما وراءه ضلالة وغواية (و) قل ~~(أمرنا) بالإسلام «9»، أي قيل «10» لنا أسلموا «11» (لنسلم) أي لأجل أن ~~نسلم، يعني نخلص الدين (لرب العالمين) [71]. ### || [سورة الأنعام (6): آية 72] # وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) # قوله (وأن أقيموا الصلاة) عطف على محل «لنسلم»، أي وأمرنا أن أقيموا، ~~يعني باقامة الصلوة أو على «نسلم» بتقدير ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة ~~الصلوة «12»، يعني لنسلم «13» ولنقيم الصلوة «14» (واتقوه) أي ولأن اتقوا ~~الله (وهو الذي إليه تحشرون) [72] يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، وهو ~~تهديد لهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 73] # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله ~~الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # ثم دل بصنعه على جلالته ليؤمنوا به بقوله (وهو الذي خلق السماوات والأرض ~~بالحق) أي قائما بالصدق والصواب لا بالعبث والباطل ليعتبروا به «15» (ويوم ~~يقول) عطف على ضمير المفعول في «اتقوه» «16»، أي واتقوا يوم يقول الله له، ~~يعني يوم البعث (كن فيكون) بلا مهلة فينتشر الخلائق كلهم في وجه الأرض ~~كالجراد المنتشر، PageV02P022 # ويجوز أن ينصب «يوم» على الظرف ويرفع محله خبرا، ms0459 مبتدؤه (قوله الحق) نعته ~~أو «قوله» مبتدأ، خبره «الحق» «1»، والمراد من اليوم الوقت ومن القول الحكم ~~الثابت النافذ بالحكمة «2»، المعنى، أنه يقول في ذلك الوقت للخلائق موتوا ~~فيموتون، وقوموا فيقومون للحساب والجزاء لا للعبث «3» (وله الملك) أي لله ~~وحده ملك كل شيء لا مالك سواه (يوم ينفخ) أي في يوم ينفخ إسرافيل الأرواح ~~(في الصور) وهو قرن ينفخ فيه كهيئة البوق، قال عليه السلام: «كيف أنعم ~~وصاحب الصور قد التقمه» «4»، «ينتظر متى يؤمر فينفخ فيه» «5»، قوله (عالم ~~الغيب) رفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو عالم ما غاب عن العباد (والشهادة) أي ~~وعالم به العباد، وقيل: عالم بأمر الآخرة وأمر الدنيا «6» (وهو الحكيم) في ~~أمره وصنعه (الخبير) [73] أي العليم بأعمال الخلائق وأقوالهم ونياتهم وأمر ~~البعث للحساب والجزاء. ### || [سورة الأنعام (6): آية 74] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) # قوله (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) تحريض للنبي عليه السلام على تذكير ~~قومه اتباعا لإبراهيم عليه السلام حيث ذكر إياه الكافر ليؤمن بالله تعالى، ~~أي واذكر وقت قول إبراهيم لأبيه اسمه آزر، وهو عطف بيان ل «أبيه» ولم ينصرف ~~للعجمة والتعريف (أتتخذ) بالاستفهام الإنكاري، أي أتعبد (أصناما) حال كونها ~~(آلهة) ويجوز أن يكون «أصناما» مفعولا أولا و«آلهة» مفعولا ثانيا ل «تتخذ» ~~بمعنى أتجعل الأصنام آلهة لك للعباد (إني أراك وقومك) الذين اتبعوك (في ~~ضلال مبين) [74] أي في خطأ ظاهر بعبادتكم الأصنام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 75] # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) # ثم قال تعالى (وكذلك) أي ومثل ما بصرناه ضلالة أبيه وقومه (نري إبراهيم) ~~أي نبصره (ملكوت السماوات والأرض) أي خلقهما الدال على ربوبيتنا ووحدانيتنا ~~وقدرتنا، يعني نهديه طرائق «7» الإستدلال ليستدل على معرفتها «8» (وليكون ~~من الموقنين) [75] أي الثابتين على اليقين في التوحيد، روي: «أن إبراهيم ~~رفع إلى السماء فرأى جميع السموات والأرض وما فيهما من العجائب حتى العرش ~~وما تحت الصخرة، فرأى عبدا يزني في الأرض فدعا عليه فهلك ثم آخر فدعا عليه ~~فهلك ثم ms0460 آخر فدعا عليه فهلك فقال تعالى: أنزلوا عبدي فانه مستجاب الدعوة ~~كيلا يهلك عبادي بدعائه» «9». ### || [سورة الأنعام (6): آية 76] # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) # قوله (فلما جن عليه الليل) عطف على قوله «وإذ قال إبراهيم» الآية وما ~~بينهما اعتراض، أي فلما ستره الليل بظلمته وكان ذلك بعد خروجه من الغار ~~ونظره إلى السماء والأرض، فقال: إن لهذه الأشياء خالقا خلقها وخلقني وكان ~~قومه يعبدون الكواكب والشمس والقمر (رأى كوكبا) وهو الزهرة المضيئة، قرئ ~~«رأى» ونحوه بفتح الراء والهمزة وبامالتهما، وبفتح الراء وإمالة الهمزة، ~~وبكسر الراء وفتح الهمزة «10» (قال هذا ربي) مسمعا لقومه قول من ينصف خصمه ~~مع علمه أنه مبطل، لأن ذلك أدعى إلى الحق منبها لهم على الخطأ في دينهم ~~ومرشدا إلى طريق النظر والاستدلال على عدم ربوبية الكواكب «11»، لأنهم إذا ~~نظروا النظر الصحيح أدركوا أن شيئا من الكواكب لا يصلح أن يكون ربا لقيام ~~دليل الحدوث عليه وهو التغير والانتقال فيرجعوا عن PageV02P023 # عبادته ويؤمنوا بالله الذي لا يجوز عليه الحدوث والتغير، ويدل على أنه ~~أراد به ذلك، قوله (فلما أفل) أي غاب (قال لا أحب الآفلين) [76] أي ~~الغائبين، يعني لا أحب ربا يتغير عن حاله ويزول. ### || [سورة الأنعام (6): آية 77] # فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين (77) # (فلما رأى) بفتح الراء والهمزة وبامالتهما وبفتح الراء وإمالة الهمزة ~~وبكسر الراء وفتح الهمزة وجعلهما بين بين «1»، أي لما أبصر (القمر بازغا) ~~أي طالعا أول طلوعه، نصبه على الحال (قال هذا ربي) لكون ضوئه أكثر من ضوء ~~الكوكب «2» (فلما أفل) أي غاب (قال) تنبيها لقومه (لئن لم يهدني ربي لأكونن ~~من القوم الضالين) [77] على أن من اتخذ القمر إلها وهو مثل الكوكب في ~~التغير والانتقال فهو ضال، فان الهداية إلى الحق ليست إلا بتوفيق الله ~~وأسند الضلال إلى نفسه ليكون ذلك أدعى إلى هدايتهم. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 78 الى 79] # فلما رأى الشمس ms0461 بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني ~~بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين (79) # (فلما رأى الشمس بازغة) أي طالعة (قال هذا) أي الطالع (ربي) وهو من ~~استعمال النصفة مع الخصم (هذا أكبر) أي أعظم من الكوكب والقمر وأنور منهما، ~~لأنها ملأت كل شيء ضوءا (فلما أفلت) أي غربت وانتقلت (قال) لهم (يا قوم إني ~~بريء مما تشركون) [78] أي من الأحرام التي تجعلونها شركاء لخالقها، فقالوا ~~له من تعبد أنت يا إبراهيم؟ قال لهم (إني وجهت وجهي) أي أخلصت ديني (للذي ~~فطر) أي خلق (السماوات والأرض) أي للذي دلت هذه المحدثات على وحدانيته ~~(حنيفا) أي مسلما عادلا عن كل دين باطل (وما أنا من المشركين) [79] مثلكم، ~~يعني لست على دينكم وسيرتكم، وإنما احتج عليهم بالأفول في تلك الأجرام دون ~~البزوغ، لأن الاحتجاج بالأفول أظهر وأبين، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاج. ### || [سورة الأنعام (6): آية 80] # وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) # (وحاجه) أي خاصمه (قومه) في دين الله حين عاب أصناهم (قال) إبراهيم ~~تجهيلا لهم (أتحاجوني) مشددا ومخففا بحذف نون الوقاية «3»، أي أتجادلونني ~~«4» (في الله) أي في دينه (وقد هدان) أي أرشدني إلى توحيده، ثم خوفوه أن ~~تمسه أصنامهم بسوء، فقالوا ما تخاف أن تخبلك آلهتنا فتهلك فقال (ولا أخاف ~~ما تشركون به) أي الذي تجعلونه شريكا لله في العبادة (إلا أن يشاء ربي ~~شيئا) استئنافا من «ما»، أي لا أخاف مما تعبدونه قط إلا في حال مشية الله ~~بي شيئا من الإضلال أو من المكروه من جهته فأخاف من ذلك (وسع ربي كل شيء ~~علما) أي ملأ علم ربي كل شيء سرا وعلانية، يعني ليس بمستبعد من ربي أن يكون ~~في علمه إنزال المخوف بي من جهة معبوديكم (أفلا تتذكرون) [80] أي أتعاندون ~~الحق، فلا تتعظون فتميزوا بين المعبود القادر ms0462 والمعبود العاجز وترجعوا عن الشرك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 81] # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) # (وكيف أخاف ما أشركتم) من الأصنام التي لا تضر ولا تنفع لأحد بوجه (ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به) أي باشراكه «5» (عليكم سلطانا) أي ~~برهانا وحجة لكم فيه، فإن إشراككم بالله مما يتعلق به كل PageV02P024 # خوف، يعني ما لكم تنكرون الأمن على في مقام الأمن ولا تنكرون على أنفسكم ~~الأمن في مقام الخوف، ثم استفهمهم تبكيتا بقوله (فأي الفريقين) من فريق ~~المشركين وفريق الموحدين (أحق) أي أجدر (بالأمن) من العذاب، قيل: ولم يقل ~~إبراهيم أنا وأنتم بدل قوله «فأي الفريقين» خوفا من تزكية النفس المنهية ~~بقوله «1» «فلا تزكوا أنفسكم» «2» (إن كنتم تعلمون) [81] صدق القول. ### || [سورة الأنعام (6): آية 82] # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (82) # قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا) أي لم يخلطوا (إيمانهم بظلم) أي بشرك، ~~مبتدأ، خبره (أولئك لهم الأمن) من العذاب (وهم مهتدون) [82] من الضلالة ~~وهذا قول الله لبيان أهل الأمن في الآخرة، وقيل: قول إبراهيم لقوله ترغيبا ~~لهم إلى التوحيد «3»، وفي معناه قوله عليه السلام: «من جاء بكلمة لا إله ~~إلا الله يوم القيامة ولم يخلط معها غيرها- أي الشرك- وجبت له الجنة» «4». ### || [سورة الأنعام (6): آية 83] # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم (83) # ثم قال (وتلك) أي محاجة إبراهيم قومه من قوله «فلما جن عليه الليل» إلى ~~قوله «مهتدون» (حجتنا آتيناها) أي أعطيناها (إبراهيم) حجة (على قومه) يعني ~~وقفناه لأجلها (نرفع درجات من نشاء) بالتنوين، ف «من» محله نصب مفعول ~~«نرفع»، ف «درجات» نصب على الظرف أو على المصدر من غير لفظه، أي رفعات أو ~~على التمييز، لأنه ما رفع أنفسهم وإنما رفع درجاتهم، وقرئ بالإضافة «5» إلى ~~«من»، ف «درجات» مفعول «نرفع»، أي في العلم والحكمة أو بالحجة في الدنيا ~~وبالثواب في الآخرة (إن ربك ms0463 حكيم) في أمره (عليم) [83] بمن هو أهل للنبوة ~~من خلقه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 84] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) # (ووهبنا له) أي لإبراهيم (إسحاق) من سارة ولها مائة سنة إلا واحدة ~~ولإبراهيم مائة وعشرون سنة (ويعقوب) من إسحق (كلا هدينا) أي هدينا كل واحد ~~من إسحق ويعقوب بالنبوة والإسلام (ونوحا هدينا من قبل) أي هدينا نوحا ~~بالنبوة والإسلام من قبل إبراهيم (ومن ذريته) أي ذرية نوح هدينا (داود) عطف ~~على «نوحا» (وسليمان) بن داود (وأيوب) وهو من ولد عيصو بن إسحق (ويوسف) بن ~~يعقوب (وموسى وهارون وكذلك) أي مثل جزائنا لهؤلاء المذكورين بالفضائل (نجزي ~~المحسنين) [84] أي نوفي أجر الموحدين. ### || [سورة الأنعام (6): آية 85] # وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) # (وزكريا) أي وهدينا من ذرية إبراهيم زكريا (ويحيى وعيسى وإلياس) بالنبوة ~~والإسلام، قيل: «كان إلياس من سبط يوشع بن نون تلميذ موسى» «6»، قيل: «من ~~ولد إسمعيل» «7» (كل) أي كل واحد من هؤلاء (من الصالحين) [85] بالنبوة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 86] # وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) # (وإسماعيل) أي هديناه وهو من صلب إبراهيم (واليسع) وهو تلميذ إلياس النبي ~~وكان خليفته بعده، قرئ بلامين مشددا إحديهما لام التعريف، وبلام واحدة ~~مخففا «8» (ويونس) بن متى (ولوطا) بن هازم بن آزر أبي PageV02P025 # إبراهيم وسارة كانت أخت لوط (وكلا) أي كل واحد من هؤلاء (فضلنا على ~~العالمين) [86] أي عالمي زمانهم بالنبوة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 87] # ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) # ثم قال (ومن آبائهم) عطفا على «كلا»، أي وفضلنا بعض آبائهم (وذرياتهم ~~وإخوانهم) كآدم ونوح وإدريس وهود وصالح، ثم قال توضيحا (واجتبيناهم) أي ~~اصطفيناهم بالنبوة والرسالة (وهديناهم إلى صراط مستقيم) [87] أي دين ~~الإسلام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 88] # ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) # (ذلك) دين الإسلام (هدى الله) أي دينه الذي ارتضاه لنفسه (يهدي) أي يرشد ~~(به) أي ms0464 بدينه (من يشاء من عباده) إلى كرامته باتباعه (ولو أشركوا) أي ~~الأنبياء المذكورون مع جلالة قدرهم عنده (لحبط) أي لبطل (عنهم ما كانوا ~~يعملون) [88] من الطاعة، يعني لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، وهذا تعريض ~~للمشركين. ### || [سورة الأنعام (6): آية 89] # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) # ثم قال حثا على اتباعهم (أولئك الذين آتيناهم الكتاب) أي الكتب السماوية ~~(والحكم) أي العلم والفقه (والنبوة) لدعوة الخلق إلى الحق (فإن يكفر بها) ~~أي بهذه الأشياء التي آتيناهم إياها (هؤلاء) أي أهل مكة (فقد وكلنا) أي ~~أكرمنا (بها قوما) وهم الأنبياء المذكورون أو الصحابة «1» أو جميع أهل ~~الإيمان أو الملائكة (ليسوا بها بكافرين) [89] أي بجاحدين، بل يحفظونها ~~كحفظ الرجل ما يوكل عليه، والباء في «بها» يتعلق بما بعدها وفي «بكافرين» ~~زائدة لتأكيد النفي. ### || [سورة الأنعام (6): آية 90] # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين (90) # ثم أشار إلى الأنبياء المذكورين قبل بقوله (أولئك الذين هدى الله) أي ~~أرشدهم الله تعالى بالتوحيد والنبوة والصبر على أذى أممهم، ثم أمر تعالى ~~النبي عليه السلام باتباعهم في التوحيد وأصول الدين والتبليغ والصبر على ~~المشاق دون الشرائع لكونها مختلفة بحسب اختلاف الزمان بقوله (فبهداهم) أي ~~بسنتهم وملتهم (اقتده) أي اتبع، قدم المفعول لإفادة الحصر، والهاء في فعله ~~للسكت، قرئ باثباتها لثبوتها في مصحف الإمام بالسكون وقفا ووصلا، وبالكسر ~~وبصلتها بياء «2» تشبيها لها بما هو أصل، وقيل: الهاء كناية عن المصدر «3» ~~كما في قوله (أعذبه أحدا) «4»، ثم قال تحريضا لهم للاقتداء بالنبي عليه ~~السلام (قل لا أسئلكم) أي قل للمشركين لا أطلب منكم (عليه) أي على الإنذار ~~بالقرآن (أجرا) أي جعلا (إن هو) أي ما القرآن (إلا ذكرى) أي موعظة ~~(للعالمين) [90] أي للجن والإنس، وأنتم منهم فاتعظوا به. ### || [سورة الأنعام (6): آية 91] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به ms0465 موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) # قوله (وما قدروا الله حق قدره) نزل حين قال عمر رضي الله عنه لمالك بن ~~الضيف من اليهود في شأن النبي PageV02P026 # عليه السلام، وكان رئيسهم أنه مكتوب في التورية، فغضب وأنكر الوحي إلى ~~البشر عنادا «1»، فقال تعالى ما عظموا الله حق عظمته أو ما عرفوه حق معرفته ~~بمجادلة محمد وإنكار القرآن (إذ قالوا) أي اليهود (ما أنزل الله على بشر من ~~شيء) فعزلته اليهود بهذه الكلمة عن الرياسة، ثم قال تعالى (قل) يا محمد ~~تقريرا لهم بالاستفهام (من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا) حال من ~~«الكتاب»، أي ضياء من ظلمة الجهل (وهدى للناس) أي إرشادا لهم إلى الحق من ~~الضلالة (تجعلونه قراطيس) أي تكتبونه في الصحف المتفرقة (تبدونها) أي ~~تظهرون بعض ما فيها (وتخفون كثيرا) مما فيها من نعت محمد وغيره من الأحكام، ~~قرئ بالتاء في هذه الأفعال الثلاثة خطابا وبالياء غيبة «2» (وعلمتم) يا ~~طائفة اليهود على لسان محمد عليه السلام في القرآن (ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم) في التورية، فان لم يجيبوا عن قولك الذي استفهمتهم فأنت (قل) أنزله ~~(الله) على موسى لا غير (ثم ذرهم) أي اتركهم إن لم يصدقوك (في خوضهم) أي في ~~باطلهم (يلعبون) [91] أي يهزؤون، محله نصب على الحال من مفعول «ذرهم». ### || [سورة الأنعام (6): آية 92] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ~~والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) # ثم وصف القرآن بما يكون داعيا لهم على الإيمان به بقوله (وهذا) أي القرآن ~~(كتاب أنزلناه) عليك يا محمد «3» (مبارك) أي كثير الخير لمن عمل به، لأنه ~~فيه مغفرة لذنوبه، قيل: «ومن بركاته أنه إذا قرئ على ذي عاهة برئ وإذا يتلى ~~في بيت خرج منه الشيطان» «4» (مصدق الذي بين يديه) من الكتب المنزلة ~~(ولتنذر) عطف على مقدر، أي لتبشر به ولتخوف ms0466 أو لتعمل به ولتنذر بالتاء ~~خطابا للنبي عليه السلام وبالياء غيبة «5»، أي لينذر الكتاب (أم القرى) أي ~~مكة، يعني أهلها، وسميت بها «6» لعظم منزلتها أو لأن أهل القرى يأمونها ~~للزيارة مثابة لهم «7» أو لأن الأرض دحيت من تحت كعبتها، فهي أصل جميع ~~القرى، وعطف عليها (ومن حولها) أي لتنذر أهل شرق الأرض وغربها (والذين ~~يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) أي بالقرآن وينكره من ينكرها، أي البعث (وهم على ~~صلاتهم) المفروضة (يحافظون) [92] أي يداومون بوضوءها وأركانها ومواقيتها. ### || [سورة الأنعام (6): آية 93] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) # قوله (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) أي اختلق كذبا، مفعول به، نزل ~~في مسيلمة الكذاب صاحب صنعاء اليمن حين زعم أن الله أوحي إليه بالنبوة «8» ~~(أو) ممن (قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء) نزل في عبد الله بن سعد بن أبي ~~السرج كاتب الوحي حين قال إن كان محمد صادقا في قوله فلقد أوحي إلي كما ~~أوحي إليه، وذلك عند مجيء جبرائيل بقوله تعالى «لقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين» «9» إلى آخر الآية، فتعجب من تفضيل خلق الإنسان، فقال تبارك الله ~~أحسن الخالقين، فقال عليه السلام: «اكتبها»، فكذلك نزلت فشك عبد الله فلحق ~~بالمشركين بالارتداد، ثم أسلم قبل الفتح «10» (ومن) أي أو ممن (قال سأنزل ~~مثل ما أنزل الله) نزل في PageV02P027 # نضر بن الحارث حين قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا وكان يحدث لكفار مكة عن ~~الأمم الماضية من حديث رستم واسفنديار «1» (ولو ترى) أي لو تعلم يا محمد ~~الكفار (إذ الظالمون) أي وقت كون الظالمين من المستهزئين والمفترين وغيرهم ~~من الكفار (في غمرات الموت) أي في شدائده وسكراته، والغمرة في الأصل ما ~~يغمر الشيء من الماء ونحوه، فاستعيرت ms0467 للشدة وحذف الجواب تعظيما، أي لرأيتهم ~~في عذاب وجيع (والملائكة باسطوا أيديهم) أي والحال أنهم يبسطونها لقبض ~~الأرواح يقولون للكافرين تهويلا لعذابهم (أخرجوا أنفسكم) لنقبضها أو خلصوها ~~من العذاب إن استطعتم (اليوم) ظرف ل «أخرجوا»، فيكون القول عند الموت أو ~~ظرف (تجزون) فيكون يوم القيامة، أي تعذبون اليوم (عذاب الهون) أي الهوان ~~الشديد (بما كنتم تقولون على الله) في الدنيا كلاما (غير الحق) مفعول القول ~~بأن له شريكا وغير ذلك (وكنتم عن آياته) أي عن القرآن ومحمد (تستكبرون) ~~[93] أي تتعظمون «2» فلا تؤمنون. ### || [سورة الأنعام (6): آية 94] # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ~~وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ~~ما كنتم تزعمون (94) # قوله (ولقد جئتمونا فرادى) نزل حين قالوا افتخارا واستخفافا للفقراء: نحن ~~أكثر أموالا وأولادا في الدنيا وما نحن بمعذبين في الآخرة «3»، فقال تعالى ~~يوم القيامة ولقد جئتمونا منفردين عن أموالكم وأولادكم، جمع فردان كسكران ~~وسكارى (كما خلقناكم) صفة مصدر محذوف، أي مجيئا مثل خلقنا إياكم أو نصب على ~~الحال من «فرادى»، أي مشبهين بما كان (أول مرة) أي في ابتداء خلقكم حفاة ~~عراة غرلا وهو ظرف ل «خلقناكم» (وتركتم ما خولناكم) أي الذي أعطيناكم من ~~المال والولد (وراء ظهوركم) في الدنيا بغير اختياركم (وما نرى معكم ~~شفعاءكم) أي لا نرى آلهتكم (الذين زعمتم) في الدنيا (أنهم فيكم) أي في ~~استعبادكم (شركاء) لله، يعني قلتم إنهم شركاء لي في العبادة ولكم شفعاء عند ~~الله (لقد تقطع) أي وقع القطع، يعني تقطع وصلكم (بينكم) بالنصب ظرفا، ~~وبالرفع «4» فاعل «تقطع»، لأن البين كما يكون بمعنى التباين يكون بمعنى ~~الوصل أيضا لكونه من الأضداد (وضل) أي غاب (عنكم ما كنتم تزعمون) [94] من ~~أنهم شفعاؤكم يوم البعث. ### || [سورة الأنعام (6): آية 95] # إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم ~~الله فأنى تؤفكون (95) # ثم أخبر تعالى عن أوصاف ربوبيته التي بها يستحق الوحدانية ليوحدوه بقوله ~~(إن الله ms0468 فالق الحب والنوى) أي شاقهما وخالقهما بعد يبسهما عن ورق أخضر، ~~والمراد من «الحب» كل الحبوب كالبر والشعير والذرة، ومن «النوى» كل ثمرة ~~فيها هواة كالإجاص والتفاح والخوخ والمشمش (يخرج الحي من الميت) كالجملة ~~المبينة ل «فالق الحب والنوى»، أي يخرج بالخلقة الحيوان والنامي من النطف ~~والبيض، ومن الحب والنوى اليابسين (ومخرج الميت من الحي) أي مخرج غير ~~الحيوان والنامي كالنطفة والبيضة من الحيوان، وكالحب والنوى اليابسين من ~~النامي، لأنه في حكم الحي، و«مخرج الميت» اسم معطوف على «فالق» دون الفعل، ~~لأنه ليس بيانا ل «فالق الحب» كبيان الفعل الذي هو يخرج الحي لكونه ضده. # (ذلكم الله) أي هذا المحيي والمميت هو الله الذي يحق له الربوبية لا ~~أصنامكم (فأنى تؤفكون) [95] أي كيف تصرفون عن ربكم الحق إلى غيره الباطل. PageV02P028 ### || [سورة الأنعام (6): آية 96] # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (96) # (فالق الإصباح) بكسر الهمزة مصدر سمي به الصبح، أي شاق الصبح وهو الفجر ~~عن ظلمة الليل التي هي بقيته أو خالقه (وجعل الليل سكنا) أي مسكونا فيه، ~~والسكن ما يسكن فيه ويستأنس به، وهو منصوب بمحذوف، أي وجعله «1» سكنا، لأن ~~«جاعل» مضاف إلى «الليل» إضافة حقيقة لا تعمل لكونه بمعنى الماضي، وقرئ ~~«وجعل الليل» بنصبه «2» مفعولا (والشمس والقمر) بالنصب معطوف على «جعل» ~~المقدر، أي وجعلهما (حسبانا) أي ذوي حساب معلوم في السير على منازل، لأنهما ~~إذا انتهيا إلى أقصى منازلهما رجعا، فيعرف بذلك الأوقات، وهو بضم الحاء ~~مصدر حسب، بفتح السين وبكسر الحاء مصدر حسب بكسر السين (ذلك) أي سيرهما ~~بالحساب المعلوم (تقدير العزيز العليم) [96] أي سخرهما الغالب القاهر في ~~ملكه العليم بتدبيرهما وتدويرهما. ### || [سورة الأنعام (6): آية 97] # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون (97) # (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا) أي لتعرفوا (بها) الطريق الصواب (في ~~ظلمات البر والبحر) أي في ظلمات الليالي بالبر والبحر، فاضافتها إليهما ~~لملابستها لهما «3» (قد فصلنا الآيات) أي علامات العبرة لتوحيد ms0469 الله (لقوم ~~يعلمون) [97] أي يفهمون من الله شيئا بالعلم الظاهر، لأنهم ينتفعون به. ### || [سورة الأنعام (6): آية 98] # وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم ~~يفقهون (98) # (وهو الذي أنشأكم) أي أحدثكم (من نفس واحدة) هي آدم (فمستقر) بفتح القاف ~~وكسرها «4»، أي فمنكم مستقر في الدنيا فوق الأرض إلى الموت (ومستودع) أي ~~ومنكم مستودع في القبور إلى البعث (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) [98] أي ~~يفهمون بتدقيق النظر، وخص ذكر الفقه مع ذكر الإنشاء، لأن إنشاء الإنسان من ~~نفس واحدة وتصريفه بين أحوال مختلفة أدق وألطف صنعة وتدبيرا، فكان أنسب له. ### || [سورة الأنعام (6): آية 99] # وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا ~~نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) # (وهو الذي أنزل من السماء ماء) أي مطرا (فأخرجنا به نبات كل شيء) أي ~~فجعلنا الماء سببا لنبات كل صنف من أصناف النامي، يعني أن السبب واحد ~~والمسببات كثيرة مختلفة يدل على كمال قدرته وربوبيته (فأخرجنا منه) أي من ~~النبات (خضرا) شيئا أخضر كالسنبل (نخرج منه) أي من الخضر (حبا متراكبا) أي ~~يركب «5» بعضه بعضا في السنبل كالحنطة والشعير، ومحل الجملة نصب صفة «خضرا» ~~(ومن النخل) محله رفع خبر (من طلعها) بدل منه، أي من غصنها، مبتدؤه (قنوان ~~دانية) جمع قنو بكسر القاف كصنو، أي عذوق قريبة سهلة الاجتناء للقائم ~~والقاعد والنائم، ومنها ما هو قاصية، يعني بعيدة التناول، حذفه اكتفاء بذكر ~~القريب عن البعيد، لأن الامتنان بالقريب أتم (وجنات من أعناب) بالنصب عطف ~~على «نبات كل شيء»، أي أخرجنا بساتين من الكروم بالماء (والزيتون والرمان) ~~عطف على «نبات»، أي وأخرجنا شجرهما (مشتبها وغير متشابه) حال من الجميع، أي ~~مشتبها ورقهما، مختلفا ثمرهما «6»، فان ورق الزيتون كورق الرمان صورة أو ~~مشتبه المطعم، مختلف المنظر كالتفاح PageV02P029 # وبعض السفرجل أو بالعكس كالتفاح وبعض ms0470 الإجاص أو مشتبها بعضه ببعض في ~~القدر واللون والطعم وغير مشتبه في الكل، وذلك دليل على التعمد من الفاعل ~~القادر المختار دون الإهمال (انظروا إلى ثمره) بفتح الثاء والميم جمع ثمرة ~~كبقرة وبقر، وبضم الثاء والميم «1» جمع ثمرة أيضا كبدنة وبدن أو هو اسم ~~جنس، وهو الأظهر، أي انظروا نظر اعتبار إلى ابتداء ثمره (إذا أثمر) حيث ~~يكون ضعيفا لا ينتفع به (وينعه) أي وإلى إدراكه ونضجه ينتفع به لتستدلوا ~~على قدرة صانعه ومدبره بالنقل من حال إلى حال معاشا لعباده فتؤمنوا به ~~فتسعدوا «2» (إن في ذلكم) أي في هذا الصنع من إخراج نبات كل شيء بالماء ~~الواحد واختلاف الثمرات لونا وطعما وقدرا فتشابهها «3» كذلك (لآيات) أي ~~لعبرات (لقوم يؤمنون) [99] أي يرغبون في الحق بالصدق. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 100 الى 101] # وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه ~~وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) # قوله (وجعلوا لله شركاء الجن) نزل في المشركين الذين جعلوا صنفا من ~~الملائكة مسمى بالجن بنات الرحمن «4» أو في الزنادقة الذين قالوا إن الله ~~خالق الخير وكل نافع، وإبليس خالق الشر وكل ضار «5»، أي صيروا الجن شركاء ~~لله، ف «الجن» مفعول أول، و«شركاء» مفعول ثان، و«لله» صلته، قدم مع موصوله ~~على الأول استعظاما لاتخاذ شريك لله (وخلقهم) حال، أي وقد خلق الجن فكيف ~~يكونون لله شركاء (وخرقوا) بالتشديد والتخفيف «6»، أي أفكوا وافتعلوا (له) ~~أي لله (بنين وبنات بغير علم) أي بجهل وتخرص لا بحجة وبيان ككفار اليهود ~~الذين قالوا عزير بن الله، والنصارى الذين «7» قالوا المسيح ابن الله، ~~وكمشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله (سبحانه وتعالى عن ما يصفون) ~~[100] أي تنزه وتجلل عما يصف الكفار بأن له ولدا لامتناعه في حقه، يوضحه ~~(بديع السماوات والأرض) أي هو يبدعهما، من أبدع إذا أبدأ شيئا لم يكن شيئا ~~(أنى يكون) أي كيف يوجد (له ولد ولم تكن له ms0471 صاحبة) أي مجانسة «8» توافقه، ~~إذ الولد إنما يكون من جنس الوالد والبرهان قائم على امتناعه منه، ولأن طلب ~~الولد من جهة الاحتياج إليه وهو مستحيل «9» في حقه تعالى (وخلق كل شيء) من ~~عزير وعيسى والملائكة وغيرهم، فهم خلقه وعبيده لحكمة مع عدم احتياجه إلى ~~الكل (وهو بكل شيء عليم) [101] أي يعلم كله لأي حكمة خلقها. ### || [سورة الأنعام (6): آية 102] # ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) # (ذلكم) أي الذي فعل هذا وعلم حكمته (الله) مبتدأ وخبر، والخبر الثاني ~~(ربكم) والثالث (لا إله إلا هو) أي لا معبود غيره (خالق كل شيء) خبر رابع ~~أو مبتدؤه «10» محذوف، أي هو الخالق لكل شيء لا غيره (فاعبدوه) أي هو ~~المستحق للعبادة بهذه الصفات، لا يجوز أن يعبد غيره، ثم أكد وجوب عبادته ~~فقال (وهو على كل شيء وكيل) [102] أي كفيل بأرزاقهم قيم بمصالحهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 103] # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) # (لا تدركه الأبصار) أي لا يراه الخلق في الدنيا للطفه وضعف القوة الباصرة ~~فيهم، وهذا إجماع من PageV02P030 # العقلاء، قالت عائشة رضي الله عنها: «من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم ~~على الله الفرية، فمن قال بذلك فليس من العقلاء، فلا يلتفت إلى قوله» «1»، ~~والخلاف في رؤيته بالجارحة في الآخرة ولقد صح عن النبي عليه السلام أنه: ~~«سترون ربكم يوم القيامة كالقمر ليلة البدر لا تضامون فيه» «2»، أي لا ~~تشكون (وهو يدرك الأبصار) أي الله يحيط بها لا يفوت منها شيء بخلاف الخلق، ~~لأنهم لا يبصرون ما يبصره، لأنه يبصر أبصارهم وهم لا يبصرون أبصارهم (وهو ~~اللطيف) أي الخفي الذات عن أن يدركه بصر من اللطف، وهو في الأصل الخفاء عن ~~العيون أو دقة النظر في الأشياء (الخبير) [103] أي العليم بكل لطيف، ~~فالأبصار لا تخفى «3» عن إدراكه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 104] # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم ~~بحفيظ (104) # (قد جاءكم بصائر) هذا وارد ms0472 منه على لسان النبي عليه السلام، جمع بصيرة، ~~وهي نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي به تبصر «4»، أي ~~قل لقومك قد جاءكم «5» من الوحي آيات تدل على ما يجوز على الله وما لا يجوز ~~وهي للقلوب كالبصائر، يعني قد جاءكم حجج بينة (من ربكم) على صدقي في وصفه ~~(فمن أبصر) أي من عرفها وآمن بها (فلنفسه) أي فاياها نفع (ومن عمي) عنها ~~فلم يعرفها ولم يؤمن بها (فعليها) أي فعلى نفسه ضر (وما أنا عليكم بحفيظ) ~~[104] أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم، ~~وهذا نسخ بآية السيف «6». ### || [سورة الأنعام (6): آية 105] # وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) # (وكذلك نصرف) أي مثل ذلك بالبيان نبين (الآيات) ليعتبروا بهذا البيان ~~(وليقولوا) حسدا (درست) أي قرأت وتعلمت القرآن من جبر ويسار وقرئ «دارست»، ~~أي قارأت أهل الكتاب بأن أعنتهم وأعانوك و«درست» بفتح السين وسكون التاء ~~«7»، أي قدمت هذه الآيات وعفت كأساطير الأولين لا اعتداء بها، فاللام فيه ~~مجاز لأجل التعليل، لأن الآيات لم تصرف ليقولوا درست حقيقة، فاللام فيه ~~للعاقبة «8»، وفي قوله (ولنبينه) حقيقة للتعليل، لأن الآيات صرفت للتبيين ~~بسببه فسيق مساقه، والضمير فيه عائد «9» إلى الآيات لكونها في معنى القرآن، ~~أي نظهره (لقوم يعلمون) [105] أي يفقهون الحق من الباطل فيسعد قوم ويشقي آخرون. ### || [سورة الأنعام (6): آية 106] # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) # ثم أمر نبيه عليه السلام بأن يتبع القرآن ولا يجادلهم بقوله (اتبع ما ~~أوحي إليك من ربك) أي القرآن واعمل بأمره ونهيه، نزل حين دعوه إلى دين ~~آبائه «10»، ومحل (لا إله إلا هو) نصب على الحال، أي منفردا أو هو اعتراض ~~لا محل له، ورد تأكيدا لاتباع الوحي (وأعرض عن المشركين) [106] أي لا ~~تجادلهم فدعهم على ضلالتهم وشركهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 107] # ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) # (ولو شاء الله ما أشركوا) أي لجعلهم مؤمنين أو ms0473 استأصلهم (وما جعلناك ~~عليهم حفيظا) عن الشرك فيوحدوا الله بالقسر (وما أنت عليهم بوكيل) [107] أي ~~بمسلط لأن يوحدوا إن عليك إلا البلاغ. PageV02P031 ### || [سورة الأنعام (6): آية 108] # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) # (ولا تسبوا الذين يدعون) أي يعبدون آلهة «1» (من دون الله) والمراد ~~الأوثان (فيسبوا) أي فيسب المشركون (الله) نصب الفعل بجواب النهي عن السبب ~~(عدوا) مفعول له أو نصب على الحال، أي ظلما (بغير علم) أي بجهل، وهو حال ~~مؤكدة، نزل حين كان أصحاب النبي عليه السلام يذكرون آلهتهم بسوء، فقال ~~المشركون لينتهين أصحابك عن سب آلهتنا أو لنسبن ربك «2»، وفيه دليل على أن ~~الرجل إذا أمر بمعروف فيقع المأمور به فيما هو شر منه ينبغي أن يترك الآمر ~~به، وكذلك نهى عن شيء يكون النهي عنه سببا لركوب معصية هي أعظم من المنهي ~~عنه ينبغي أن يترك عنه كالنهي عن المثلث حيث يكون سببا لركوب شرب الخمر ~~(كذلك) أي مثل ذلك التزيين الذي زيناه للمشركين عبادة الأصنام (زينا لكل ~~أمة) من الكفار (عملهم) من الشر (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا ~~يعملون) [108] أي يخبرهم إخبار توبيخ وعتاب بأعمالهم «3» ويجازيهم عليها. ### || [سورة الأنعام (6): الآيات 109 الى 110] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) # قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) نزل حين طلب المشركون من النبي عليه ~~السلام أن ينزل الملائكة من السماء أو يحيي الموتى آية لهم ليؤمنوا، فحلفوا ~~على ذلك، وطلب المؤمنون وقوع ذلك كله «4»، فقال تعالى إنهم حلفوا بالله ~~أغلظ أيمانهم، وكانوا يسمون اليمين بالله جهد اليمين، فأكد ما يقسم به ~~باللامين والنون في قوله (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل) يا محمد (إنما ~~الآيات عند الله) لا عندي، وهو يقدر على ms0474 المجيء بها لحكمة لا أنا، ثم قال ~~جوابا للمؤمنين (وما يشعركم) مبتدأ وخبر، و «ما» كلمة الاستفهام، أي ما ~~يدرككم أيها المؤمنون إيمانهم بتقدير المفعول الثاني، ثم ابتدأ بكسر «إن» ~~في قوله (أنها) أي إن الآية المقترحة (إذا جاءت) الكفار (لا يؤمنون) [109] ~~بالياء، والضمير فيه ل «الكفار»، أي لا يصدقون بها لسبق علمي بعدم إيمانهم، ~~وقرئ بفتح «أن» «5» بمعنى لعل نقلا عن الخليل «6»، فالمفعول الثاني أيضا ~~محذوف، ويجوز أن يجعل «أن» ومعمولها في محل النصب مفعولا ثانيا ل «يشعركم»، ~~و «لا» زائدة، أي وما يدرككم أنها إذا جاءتهم يؤمنون، وقرئ «تؤمنون» بالتاء ~~«7» أيضا خطابا «8» للكفار في الموضعين، أي ما يشعركم يا أهل مكة أنها إذا ~~جاءتكم تؤمنون «9» بزيادة «لا»، المعنى: أنهم إذا جاءتهم الآية المقترحة لا ~~يؤمنون بها، يدل عليه قوله (ونقلب أفئدتهم) أي ونخبل «10» قلوبهم بالخذلان ~~عن الإيمان (وأبصارهم) عن رؤية طريق الهداية، فلا يؤمنون عند نزول الآيات ~~المقترحة (كما لم يؤمنوا به) الكاف صفة مصدر محذوف، أي تقليبا مثل عدم ~~إيمانهم بمجيء آية من الله من الآيات السابقة كانشقاق القمر (أول مرة) ظرف ~~زمان، فختم الله على قلوبهم فيه، فثبتوا على كفرهم (ونذرهم) أي ونتركهم (في ~~طغيانهم) أي في ضلالتهم (يعمهون) [110] أي يترددون متحيرين فيه، لا يبصرون ~~طريق الهدى، وقيل: «كما PageV02P032 # لم يؤمن به آباؤهم الأقدمون لما سألوا الآية من أنبيائهم» «1». ### || [سورة الأنعام (6): آية 111] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) # قوله (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) متصل بقوله «2» «وأقسموا بالله» في ~~النزول، أي ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما قالوا لو لا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (وكلمهم الموتى) بالإحياء كما طلبوا (وحشرنا) أي وجمعنا ~~(عليهم كل شيء) طلبوه (قبلا) بضمتين جمع قبيل، أي قبيلا قبيلا بمعنى فوجا ~~فوجا، وبكسر القاف وفتح الباء «3»، أي معاينة، مصدر في معنى الحال من «كل ~~شيء»، المعنى: أنا لو جئناهم بما طلبوه كله ورأوا ذلك ms0475 عيانا ليؤمنوا بأنك ~~رسول الله (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) أي إلا في حال مشية الله ~~(ولكن أكثرهم) أي أكثر الكفار (يجهلون) [111] فيقسمون بالله جهد أيمانهم ~~على ما لا يعلمون من حال أفئدتهم عند نزول الآيات. ### || [سورة الأنعام (6): آية 112] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) # قوله (وكذلك) تسلية للنبي عليه السلام ليصبر على عداوتهم، أي كما جعلنا ~~لك أعداء (جعلنا لكل نبي) قبلك (عدوا) نصب بأنه المفعول الأول «4»، وما ~~قبله الثاني، وأبدل من «عدوا» (شياطين الإنس والجن) قيل: كل عات شيطان، ~~فللآنس شياطين كما أن للجن شياطين، وشيطان الإنس أشد من شيطان الجن في ~~الإضلال «5»، قال عليه السلام لأبي ذر: «هل تعوذت من شيطان الإنس؟ قال: أو ~~للإنس شيطان؟ قال: هم شر من شيطان الجن» «6» (يوحي بعضهم إلى بعض) في محل ~~النصب على الحال من «شياطين» أو صفة ل «عدوا»، أي يوسوس، فيلقي شياطين الجن ~~إلى شياطين الإنس وبالعكس (زخرف القول) أي مزينة (غرورا) أي خدعا مفعول له ~~أو نصب على المصدر، يعني يزين القول باطلا يغرهم بذلك غرورا، ويغريهم على ~~المعاصي وأصل الزخرف الذهب المزين (ولو شاء ربك ما فعلوه) أي ما فعلوا ~~الإيحاء من الزخرف والغرور ولمنعهم «7» من الوسوسة، ولكن الله يمتحن قلوبهم ~~بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب وأشد في العقاب (فذرهم) أي ~~فدعهم (وما يفترون) [112] أي وما يكذبون من القول والغرور. ### || [سورة الأنعام (6): آية 113] # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون (113) # قوله (ولتصغى) عطف على «غرورا»، أي ليغروا ولتصغى أو تقديره: وفعلنا ~~لتصغى، أي تميل (إليه) أي إلى الإيحاء السوء أو إلى زخرف القول، واللام ~~للصيرورة (أفئدة الذين لا يؤمنون) أي قلوب الكافرين (بالآخرة وليرضوه) أي ~~وليقبلوه لأنفسهم من الشياطين (وليقترفوا) أي ليكتسبوا «8» من الآثام (ما ~~هم مقترفون) [113] أي مكتسبون، يعني ليعملوا ما شاؤا من المعاصي فيجازيهم ~~بأعمالهم في ms0476 الآخرة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 114] # أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) # (أفغير الله أبتغي) أي قل يا محمد أأتبع أهواءكم، أفغير الله أطلب (حكما) ~~حال من «غير الله» المفعول به، PageV02P033 # أي حاكما يحكم بيني وبينكم للفصل بين المحق منا وبين المبطل، وذلك حين ~~طلبوا منه قاضيا يقضي بينه وبينهم (وهو) أي الله «1» (الذي أنزل إليكم ~~الكتاب) أي القرآن (مفصلا) أي مبينا فيه الحق من الباطل بلغة تعرفونها ~~(والذين آتيناهم الكتاب) أي مؤمنو أهل الكتاب (يعلمون أنه) أي القرآن (منزل ~~من ربك بالحق) أي ملابسا بالصدق (فلا تكونن من الممترين) [114] أي الشاكين ~~في نزوله من عند الله أو في علم أهل الكتاب أنه من عند الله، يعني لا يريبك ~~جحود أكثرهم به، خطاب للنبي عليه السلام والمراد أمته، ويجوز أن يكون ~~الخطاب عاما لكل أحد، وهذا من باب التهييج على الشيء، يعني إذا تعاضدت ~~الأدلة على صحته فما ينبغي أن يمتري فيه أحد. ### || [سورة الأنعام (6): آية 115] # وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) # (وتمت كلمة ربك) بالإفراد والجمع «2»، أي تم ووجب كل أخبار الله بالوعد ~~والوعيد والتحليل والتحريم، ومن ذلك نصرة المؤمنين وخذلان الكافرين (صدقا ~~وعدلا) حالان من «ربك»، أي صادقا فيما أخبر عنه وعادلا فيما حكم به (لا ~~مبدل لكلماته) أي لا مغير لشيء «3» منها بما هو أصدق وأعدل (وهو السميع) ~~بما سألوا (العليم) [115] بما نووا. ### || [سورة الأنعام (6): آية 116] # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) # قوله (وإن تطع أكثر من في الأرض) نزل حين خاصم المشركون النبي عليه ~~السلام في أكل الميتة وقالوا: # إنك تزعم أنك تعبد الله فما قتل الله أحق بأن تأكل مما قتلت أنت بيدك ~~«4»، فقال تعالى إن تطع يا محمد أكثر من في أرض مكة أو الكفار لأن أكثر من ~~في الأرض كانوا كفارا ms0477 (يضلوك عن سبيل الله) أي يصرفوك عن دين الله، لأنهم ~~يتبعون أهواءهم، يؤكده قوله (إن يتبعون) أي ما يتبع الكافرون (إلا الظن) أي ~~آباءهم بالظن، لأنهم ظنوا أن آباءهم كانوا على الحق، فهم يقلدونهم، ~~فاقتصروا على الظن بالجهل ولم يسعوا في طلب الحق، واتبعوا أهواءهم، فلذلك ~~استحقوا التعذيب (وإن هم إلا يخرصون) [116] أي يقدرون أنهم على شيء أو ~~يكذبون في قولهم إن الله أحل كذا وحرم كذا. ### || [سورة الأنعام (6): آية 117] # إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) # (إن ربك هو أعلم من يضل) أي أي إنسان ينصرف (عن سبيله) أي عن دينه ~~وشرائعه، و«من» مبتدأ، و«يضل» خبره، والجملة في محل النصب ب «يعلم» مقدرة، ~~دل عليه «أعلم»، لأن أفعل التفضيل لا يعمل النصب في اسم ظاهر، ولا يجوز ~~إضافة «أعلم» إلى «من»، لأنه لو جر بالإضافة لزم كونه تعالى ضالا، لأن أفعل ~~التفضيل «5» يضاف إلى ما هو بعضه وهو منزه عن ذلك، ويجوز أن يكون «من» ~~بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، المعنى: أن الله أعلم بالضالين عن دينه (وهو ~~أعلم بالمهتدين) [117] لدينه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 118] # فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) # قوله (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) نزل حين كان الكفار يحلون بعض ~~الذبائح ويأكلون بعض الميتات «6»، فأمر الله المؤمنين بأن يأكلوا مما ذكي ~~على اسم الله خاصة، أي كلوا مما ذبح ببسم الله ولا تعدوه إلى الميتة (إن ~~كنتم بآياته مؤمنين) [118] أي مصدقين بآياته. ### || [سورة الأنعام (6): آية 119] # وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين (119) PageV02P034 # ثم خاطبهم بالاستفهام توبيخا على ترك الأكل من المذبوح بالبسملة بقوله ~~(وما لكم) أي أي مانع لكم من (ألا تأكلوا) شيئا (مما ذكر اسم الله عليه) من ~~الذبائح (وقد فصل لكم) أي والحال أنه بين لكم (ما حرم عليكم) في سورة ~~المائدة وغيرها، ms0478 قرئ الفعلان مجهولين ومعلومين «1»، أي بين الله ما حرمه ~~(إلا ما اضطررتم إليه) أي ما أجهدتم إلى أكله من الميتة عند الجوع، فانه ~~حلال لكم للضرورة (وإن كثيرا) من الكفار (ليضلون) معلوما من «أضل»، أي ~~يدعون غيرهم إلى أكل المحرم، ومن ضل، أي يحلون ويحرمون (بأهوائهم) أي ~~بشهواتهم (بغير علم) أي من غير شريعة من شعائر الله (إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين) [119] أي المتجاوزين من الحلال إلى الحرام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 120] # وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) # قوله (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) نزل حين كانوا يحرمون الإثم كالزنا في ~~العلانية ولا يرون به بأسا في السر «2»، فقال اتركوا علانية المعصية وسرها، ~~وقيل: ظاهر الإثم العمل، وباطنه النية «3»، وقيل: «ظاهره مخالة النساء ~~وباطنه الزنا» «4»، ثم هددهم بقوله (إن الذين يكسبون الإثم) أي يعملوا ~~المعاصى (سيجزون) أي سيعاقبون (بما كانوا يقترفون) [120] أي يرتكبون منها. ### || [سورة الأنعام (6): آية 121] # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) # ثم نهوا عن ضد ما أمروا به من الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله (ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) من المذبوح على اسم غير الله والميتة ~~(وإنه) أي إن الأكل منه (لفسق) أي لمعصية، فلو ذبح المسلم ولم يسم الله على ~~الذبيحة عامدا أو ناسيا يحل عند الشافعي وأحمد، لأنهما حملا الآية على ما ~~ذبح على اسم غير الله، لأن الفسق لا يطلق على المختلف فيه بين العلماء، ~~وأبو حنيفة يحملها على الترك عمدا، لأنه يأكل إن ترك ناسيا لا عامدا لقوله ~~عليه السلام: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا» «5»، قوله (وإن الشياطين ~~ليوحون) نزل حين سألوا عن النبي عليه السلام من قتل الشاة إذا ماتت؟ فقال: ~~الله قتلها، قالوا: تزعم أن ما قتله الإنسان والصقر والكلب حلال وما قتله ~~الله حرام «6»، فقال تعالى إن الشياطين ليوسوسون (إلى أوليائهم) من ~~المشركين (ليجادلوكم) أي ليخاصموكم بقولهم ولا ms0479 تأكلون مما قتله الله، وهذا ~~يرجح تأويل من أول الآية بالميتة (وإن أطعتموهم) في أكل الميتة واستحلالها ~~(إنكم لمشركون) [121] أي أنتم مثلهم في الشرك، وفيه دليل على أن من استحل ~~شيئا مما حرمه الله أو حرم شيئا مما أحله الله فهو مشرك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 122] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) # قوله (أومن كان ميتا) أي كافرا (فأحييناه) أي فهديناه، نزل في حمزة وأبي ~~جهل ومثليهما «7» بادخال همزة الاستفهام على سبيل الإنكار على من بمعنى ~~الذي، محله مرفوع بالابتداء، أي أمن كان ضالا فأرشدناه PageV02P035 # إلى الإسلام (وجعلنا له نورا) أي نور المعرفة بسبب الإسلام (يمشي) أي ~~يعمل (به في الناس) أي بينهم متبصرا بنوره فيعرف الحق من الباطل والحلال من ~~الحرام (كمن) أي كالذي (مثله) أي صفته وحاله (في الظلمات) يركب بعضها بعضا ~~من الشرك والعصيان والخذلان (ليس بخارج منها) أي لا يجد من الله مخرجا من ~~الظلمات إلى النور، يعني ليسا سواء، والجملة في محل النصب على الحال من ~~الضمير المرفوع في الظلمات (كذلك) أي مثل ذلك التزيين (زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون) [122] يعين زين لهم الشيطان عبادة الأصنام فرضوا بها. ### || [سورة الأنعام (6): آية 123] # وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون (123) # (وكذلك) أي كما جعلنا فساقا أهل مكة أكابرها (جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها) وإنما ذكر الأكابر دون الصغائر، لأن الأكابر هم الصادون عن دين ~~الله (ليمكروا فيها) بالتكذيب والصد عن الإيمان ونسبة النبي عليه السلام ~~إلى السحر والجنون (وما يمكرون) أي وما يصنعون المكر (إلا بأنفسهم) لأن ~~وبال مكرهم راجع عليهم (وما يشعرون) [123] أن وباله عليهم، وهذا تسلية ~~للنبي «1» عليه السلام، وتقديم موعد بنصرته عليهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 124] # وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند ms0480 الله وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون (124) # قوله «2» (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن) نزل حين قال الوليد بن المغيرة ~~وأصحابه: لو أراد الله أن ينزل الوحي لأنزل علينا «3»، وقيل قال أبو جهل: ~~«زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحي ~~إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه بالإيمان به حتى يأتينا وحي كما يأتيه» ~~«4»، فقال تعالى: فاذا جاءتهم، أي كفار مكة دلالة على صدق محمد عليه السلام ~~كانشقاق القمر، قالوا حسدا: لن نؤمن بك ولا بالآية (حتى نؤتى مثل ما أوتي) ~~أي حتى نعطي مثل ما أعطي محمد مما أعطي (رسل الله) من الوحي، فقال تعالى ~~إنكارا لصلاحيتهم الرسالة (الله أعلم) من غيره يعلم (حيث يجعل رسالته) ~~مفردا وجمعا «5»، أي الله يعلم مكان وضع رسالاته من الناس «6»، يعني يعلم ~~من يصلح للنبوة ومن لا يصلح، فخص بها محمدا «7» من بينهم، ف «حيث» مفعول به ~~وعامله محذوف وهو يعلم لا «أعلم»، وليس ظرفا لفساد المعنى، ثم هددهم ~~لتكذيبهم الرسل وإستهذائهم بقوله (سيصيب الذين أجرموا) من أكابر الكفار ~~(صغار) أي هوان وذل لكبرهم (عند الله) أي من الله في الآخرة (وعذاب شديد) ~~في الدنيا بالأسر والقتل ثم بالنار بعد البعث (بما كانوا يمكرون) [124] من ~~تكذيب الرسل واستهذائهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 125] # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) # (فمن يرد الله أن يهديه) أي يرشده ويوفقه لدينه (يشرح صدره) أي يوسع قلبه ~~ويلينه (للإسلام) أي لقبول الإسلام فيدخله فيه نوره وحلاوته وتطمئن إليه ~~نفسه، فبعد نزول هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وكيف ذلك؟ # إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح قالوا هل لذلك علامة يعرف بها قال ~~نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت (ومن يرد أن يضله) عن الإسلام (يجعل صدره PageV02P036 # ضيقا) مخففا ومشددا «1»، وهو الأصل أي ms0481 غير واسع (حرجا) بفتح الراء وكسرها ~~«2»، أي شديد الضيق مشوبا بالشك بوجه لا ينفذ في نور لقبول الإسلام، وهو ~~إما مصدر وصف به أو جمع حرجة بدل منه، وهي الشجرة الملتفة بعضها ببعض لا ~~تصل إليها الراعية، يعني يمتنع الوصول إلى الهداية (كأنما يصعد في السماء) ~~أي كامتناع الصعود لمن يطلب إلى السماء، قرئ «يصعد» مخففا و«يصاعد» مضارع ~~تصاعد بادغام التاء في الصاد و«يصعد» بتشديد الصاد والعين «3»، أصله يتصعد ~~(كذلك) أي مثل هذا الجعل (يجعل الله الرجس) أي العذاب واللعنة (على الذين ~~لا يؤمنون) [125] أي لا يرغبون في الإيمان. ### || [سورة الأنعام (6): آية 126] # وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) # (وهذا) أي الذي أنت فيه من التوحيد والإسلام (صراط ربك مستقيما) أي قائما ~~برضاء الله، حال من «صراط ربك» (قد فصلنا) أي بينا (الآيات) في أمر الهداية ~~والضلالة (لقوم يذكرون) [126] أي يتعظون بها فلم يبق لهم عذر في التخلف عن ~~الإسلام. ### || [سورة الأنعام (6): آية 127] # لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) # (لهم) أي للذين يذكرون فيؤمنون (دار السلام) أي دار الله، لأنه يسلم على ~~داخلها «4» أو دار السلامة وهي الجنة، لأنه يسلم من الآفات من دخلها (عند ~~ربهم) في محل النصب على الحال، أي حال كونها في ضمانه كما يقال لفلان عندي ~~حق (وهو) أي الله (وليهم) أي ناصرهم على أعدائهم في الدنيا أو متوليهم ~~بجزاء أعمالهم في الآخرة (بما كانوا يعملون) [127] أي بسبب أعمالهم التي ~~عملوها في الدنيا من الخير «5». ### || [سورة الأنعام (6): آية 128] # ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم ~~خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) # (ويوم يحشرهم) بالياء والفاعل الله والنون للتعظيم «6»، أي اذكر يوم ~~نجمعهم (جميعا) يعني الجن والإنس وغيرهم ونقول للجن (يا معشر الجن) أي ~~الشياطين (قد استكثرتم من الإنس) أي جعلتموهم أتباعكم باضلالكم إياهم، فحشر ~~معكم كثير منهم ms0482 (وقال أولياؤهم) أي أحباء الشاطين (من الإنس) الذين أطاعوهم ~~واستمعوا إلى وسوستهم (ربنا استمتع بعضنا ببعض) أي انتفع بعضنا باطاعة بعض ~~في الدنيا حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها واستمتاع الإنس ~~بهم قول الرجل «7» إذا نزل بالليل مكانا مخوفا أعوذ بسيد هذا الوادي من ~~سفهاء قومه فيبيت «8» في جوارهم أمينا حتى يصبح واستمتاع الجن بالإنس أنهم ~~قالوا لقد لقينا «9» سيدنا فيزيدون شرفا «10» في قومهم، يعني فيما بين الجن ~~والإنس، وقالوا (وبلغنا) أي ويقولون أيضا يوم القيامة بلغنا (أجلنا الذي ~~أجلت لنا) أي جعلته أجلا لنا وهو البعث والحشر، فاعترفنا بالبعث الذي وعدته ~~للخلق «11» (قال) الله (النار مثواكم) أي منزلكم، والمخاطبون هم الجن ~~والإنس (خالدين) أي مقيمين (فيها إلا PageV02P037 # ما شاء الله) استثناء من الزمان، أي خالدين في كل زمان إلا قدر ما بين ~~النفختين أو من المكان، أي خالدين في كل مكان إلا ما شاء الله نقلهم منه ~~إلى غيره في النار أو هم مخصوصون من أهل الإيمان فيخرجون «1» من النار، ف ~~«ما» في «ما شاء الله» بمعنى من (إن ربك حكيم) في أمره (عليم) [128] بخلقه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 129] # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) # (وكذلك نولي) أي مثل ذلك التولية نسلط (بعض الظالمين بعضا) بأعمالهم ~~الخبيثة فنهلكهم أو نذلهم، وهذا كلام لتهديد الظالم كي يمتنع عن ظلمه، لأنه ~~لو لم يمتنع عنه لسلط الله «2» عليه ظالما آخر فيعذبه به «3»، قال ابن ~~عباس: «إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط الله على قوم ولى ~~أمرهم شرارهم» «4» (بما كانوا يكسبون) [129] من المعاصي. ### || [سورة الأنعام (6): آية 130] # يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) # ثم قال تعالى توبيخا لهم بالاستفهام (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون) أي يقرؤن (عليكم آياتي) أي آيات القرآن النازل مني (وينذرونكم) ~~أي ويخوفونكم (لقاء يومكم هذا) بالبعث، ms0483 قيل: # «بعث الله رسولا من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس» «5» لظاهر الآية، ~~وقيل:» لم يجئ الرسول إلا من الإنس وجاء من الجن نذر يبلغونهم ما يسمعون من ~~الأنبياء» «6»، فالخطاب في الآية للإنس خاصة وإن تناولهما اللفظ كما في ~~قوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) «7» وإن أخرج من الملح وحده، قال ابن ~~عباس: «كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا عليه السلام بعث إلى الجن ~~والإنس» «8» (قالوا) جوابا للاستفهام واعترافا (شهدنا على أنفسنا) أي ~~أقررنا أن الرسل قد بلغونا وكفرنا بهم، قيل: قوله «والله ربنا ما كنا ~~مشركين» «9» يناقض هذا الإقرار، أجيب بأنه تعترف ألسنتهم في موطن، وتنكر ~~وتخرس في موطن آخر أو تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون «10»، ~~فقال تعالى مخبرا عن حالهم في الدنيا والآخرة (وغرتهم الحياة الدنيا) من ~~زينتها فلم يؤمنوا (وشهدوا على أنفسهم) يوم القيامة «11» (أنهم كانوا ~~كافرين) [130] في الدنيا، وإنما كررت الشهادة، لأن الأولى حكاية لقولهم ~~والثانية تخطئة ومذمة لهم أو الأولى إخبار عن التبليغ والثانية إخبار عن الكفر. ### || [سورة الأنعام (6): آية 131] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) # قوله (ذلك) مبتدأ، وخبره (أن لم يكن) بتقدير اللام الجارة المحذوفة من ~~«أن» المصدرية أو «أن» مخففة بتقدير ضمير الشأن، أي إرسال الرسل إلى الجن ~~والإنس ثابت لأن لم يكن (ربك) أو لأن الشأن والحديث لم يكن ربك (مهلك القرى ~~بظلم) وهو حال من «ربك»، أي حال كونه ظالما، والباء للملابسة، يعني لا يهلك ~~قرية من القرى بغير ذنب (وأهلها غافلون) [131] عن الإنذار بالرسل، لأن ~~الذنب لا يوجد إلا بعد الأمر والنهي، وهما لا يوجدان إلا بارسال الرسل ~~إثباتا للحجة عليهم، ومحل الجملة نصب على الحال. ### || [سورة الأنعام (6): آية 132] # ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) # (ولكل) أي لكل واحد من العاملين حسنة أو سيئة (درجات) جزاء (مما عملوا) ~~من الثواب والعقاب بعضهم PageV02P038 # أرفع درجة من بعض وبعضهم أسفل درجة من بعض، يعني أشد عذابا ممن فوقه (وما ~~ربك بغافل ms0484 عن ما يعملون) [132] بالياء والتاء «1»، أي ليس بناس للطاعة «2» ~~من أهلها ولا للمعصية من أهلها فيجازي كل نفس بما عملت. ### || [سورة الأنعام (6): آية 133] # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم ~~من ذرية قوم آخرين (133) # (وربك الغني ذو الرحمة) أي ربك هو الغني عن طاعة خلقه وأهل الرحمة لمن ~~تاب عن المعصية أو ذو الرحمة بتأخير العذاب عن أهل الكفر والمعصية (إن يشأ ~~يذهبكم) أي يهلككم (ويستخلف) خلقا غيركم (من بعدكم ما يشاء) إن شاء مثلكم ~~أو أطوع منكم (كما أنشأكم) أي كما خلقكم (من ذرية قوم آخرين) [133] قرنا ~~بعد قرن. ### || [سورة الأنعام (6): آية 134] # إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين (134) # (إن ما توعدون) من البعث والجزاء (لآت) أي لكائن لا خلف فيه (وما أنتم ~~بمعجزين) [134] أي بفائتين من عذابي بأعمالكم الخبيثة، عجز وأعجز بمعنى فات. ### || [سورة الأنعام (6): آية 135] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) مفردا وجمعا «3»، أي قل لكفار مكة ~~اجتهدوا في إهلاكي على وسع قوتكم وحالكم أو اثبتوا في كفركم (إني عامل) على ~~مكانتي بما أوحي إلي (فسوف تعلمون من) أي الذي (تكون) بالتاء والياء «4» ~~(له عاقبة الدار) أي آخر الأمر في دار الدنيا من النصرة وفي الآخرة من ~~الثواب، فمحل «من» نصب ب «تعلمون»، ويجوز أن يكون بمعنى أي، وعلق عنه فعل ~~العلم (إنه لا يفلح الظالمون) [135] بالكفر والتكذيب في الآخرة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 136] # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) # قوله (وجعلوا لله مما ذرأ) أي خلق (من الحرث والأنعام نصيبا) وللأصنام ~~نصيبا، وهذا من قبيل الاكتفاء، نزل تجهيلا لهم وتجهينا لحالهم حيث كانوا ~~يجعلون نصيبا من زروعهم وأنعامهم لله ونصيبا منها للأصنام، فنصيب الله ~~للمساكين والأضياف ms0485 ونصيب أصنامهم لخدامها فما سقط من نصيب الله في نصيب ~~أصنامهم تركوه فيه، وما سقط من نصيب أصنامهم في نصيب الله ردوه إلى نصيب ~~أصنامهم، وكانوا يقولون إنها محتاجة والله غني عن هذا فيوفرون نصيب أصنامهم ~~به «5» (فقالوا) أي فكانوا يقولون (هذا) أي هذا النصيب (لله بزعمهم) بفتح ~~الزاء وضمها «6»، أي بقولهم الكاذب لا بأمر الله لهم بذلك (وهذا) أي وهذا ~~النصيب (لشركائنا) أي للأصنام (فما كان لشركائهم) أي الذي وضع لأصنامهم ~~(فلا يصل إلى الله) أي لا يصرفونه إلى الجهات التي كانوا يصرفون نصيب الله ~~إليها (وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) أي يصرفونه إلى الجهات التي كانوا ~~يصرفون نصيب أصنامهم إليها، فقال تعالى (ساء ما يحكمون) [136] حيث وصفوا له ~~شريكا ووضعوا له نصيبا وما عدلوا في القسمة. PageV02P039 ### || [سورة الأنعام (6): آية 137] # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم ~~دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) # قوله (وكذلك زين لكثير من المشركين) الآية نزلت «1» تعييرا لأهل الجاهلية ~~وتهجينا لأعمالهم حيث كانوا يقتلون أولادهم مخافة الفقر ولحمية الجاهلية ~~يدفنون بناتهم أحياء «2»، أي مثل ذلك التزيين الذي ثبت لهم من الشيطان في ~~قسمة القربات من الزروع والأنعام بين الله وبين أصنامهم «زين» لهم معلوما ~~مع نصب «قتل» في (قتل أولادهم شركاؤهم) مفعولا صريحا له ورفع «الشركاء» ~~فاعلا له، والمراد شياطينهم، أي زين الشياطين لأكثر المشركين وأد البنات، ~~وأضيفوا إليهم لطاعتهم إياهم، وقرئ مجهولا مع رفع «قتل» مقام الفاعل ونصب ~~«أولادهم» مفعول «قتل» وجر «شركائهم» لإضافة «القتل» إليهم «3»، وقد فصل ~~بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وهو «الأولاد»، والتقدير: زين لهم قتل ~~شركائهم أولادهم، فعلى هذا معنى قتل الشركاء أولادهم الذين أشركوهم في ~~أموالهم فيكون نصب «أولادهم» نصب التفسير والاختصاص، أي أعني أولادهم «4»، ~~وقيل: «الشركاء سدنة أصنامهم» «5»، لأنهم كانوا يحسنون لهم ذلك العمل. # وبعضهم رد هذه القراءة للفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير ظرف، وأجيب ~~عنه بأن القرآن محكوم بصحته، بل بتواتره، وهو قراءة ابن عامر، والطعن ms0486 فيه ~~يكون طعنا في علماء الأمصار الذين جعلوه أحد القراء «6» السبعة المرضية ~~وطعنا في الفقهاء الذين يعاصرونهم حيث لم ينكروا عليهم والكل أجمعوا على ~~صحته يقرؤنها في محاربتهم، والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ، فلو كان كما ~~زعم لكان قرآنا غير عربي ذا عوج، ومثله موجود في القرآن على قراءة من قرأ ~~«ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله» «7» بنصب «وعده»، وأيضا احتج أبو علي في ~~كتابه على هذه القراءة بقول الشاعر «زج القلوص أبي مزادة» «8»، يعني قد جاء ~~في الشعر الفصل على حد ما قرأه ابن عامر، فطعن الجاهل بعلة الحكم لا يكون ~~طعنا في صحة ذلك الحكم. # قوله (ليردوهم) علة للتزيين، أي زينوا ذلك للمشركين ليهلكوهم من الردي ~~وهو الهلاك (وليلبسوا) أي ليخلطوا (عليهم دينهم) الذي وجب أن يكونوا عليه ~~وهو دين إبراهيم بادخال الشك فيه (ولو شاء الله ما فعلوه) أي لمنع المشركين ~~عن القتل أو الشياطين «9» والسدنة عن التزيين منع جبر وقهر (فذرهم وما ~~يفترون) [137] أي دعهم وما يختلقون «10» من الكذب بأن الله أمرهم بذلك إلى ~~الوقت الذي تؤمر بقتالهم أو إلى موعد الحساب والمجازاة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 138] # وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ~~ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون (138) # (وقالوا هذه أنعام وحرث) هذا بيان كيفية التزيين للتحريم والتحليل بهواهم ~~في الظاهر، أي قال المشركون هذه أنعام للبحيرة والسائبة والوصيلة، وحرث ~~«11» لنوع من الزرع (حجر) أي حرام يوصف به الواحد والجمع والذكر والأنثى، ~~وأرادوا به أنها عينت للأصنام فلا يتناولها أحد من الإنسان إلا بحكمهم، ~~ويقولون (لا PageV02P040 # يطعمها إلا من نشاء) من الرجال والنساء، وغرضهم منع الأكل من النساء ~~(بزعمهم) يتعلق بقوله «وقالوا»، وكان مفتيهم بالحل والحرمة «1» بالزعم مالك ~~بن عوف (وأنعام حرمت ظهورها) وهي الحوامي فلا تركب (وأنعام) تذبح على اسم ~~آلهتهم (لا يذكرون اسم الله عليها) ونسبوا حكم هذه الأقسام الثلثة من ~~الأنعام إلى الله، وقالوا هذا حكم الله ms0487 (افتراء) أي اختلاقا (عليه) نصبه ~~مفعول له (سيجزيهم) تهديد لهم، أي سيعاقبهم الله (بما كانوا يفترون) [138] ~~أي يختلقون بأنه حكمه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 139] # وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) # (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة) أي الذي في بطون البحائر والسوائب ~~غير الحوامي، جملته مخصوصة (لذكورنا) أي يأكل الرجال من أجنتها إذا ولدت ~~حية ويشربون من ألبانها، فتأنيث «خالصة» باعتبار المعنى، لأن ما في بطون ~~الأنعام أنعام (ومحرم على أزواجنا) أي لا يأكل منه النساء ولا يشربن من ~~لبنه، وتذكير «محرم» باعتبار «ما» (وإن يكن ميتة) بتأنيث الفعل ورفع ال ~~«ميتة»، أي إن تحدث من بطون الأنعام ميتة، ف «كان» تامة، وقرئ بتأنيثه، ~~ونصب «ميتة»، ف «كان» ناقصة، أي إن تكن أجنتها ميتة، وبتذكير الفعل حملا ~~على لفظ «ما»، ونصب «ميتة»، أي وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة، وبرفع ~~«ميتة» «2» ف «كان» تامة، يعني إن وضعت الناقة من الأجنة حيا فمختص بالرجال ~~وإن ولدت ميتا (فهم) أي الرجال والنساء (فيه) أي في المولود أو الضمير يرجع ~~إلى «ما» (شركاء) أي اشترط الرجال والنساء في أكل لحم الفصيل ولبن الناقة ~~(سيجزيهم) أي سيعاقبهم الله (وصفهم) أي جزاء وصفهم الكذب على الله في ~~التحليل والتحريم (إنه حكيم) في أمره (عليم) [139] بخلقه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 140] # قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء ~~على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) # قوله (قد خسر الذين قتلوا) بالتشديد والتخفيف «3»، نزل في الذين دفنوا ~~بناتهم أحياء مخافة السبي والفقر، وهم ربيعة ومضر «4»، أي أهلكوا (أولادهم ~~سفها) أي لخفة عقل، نصبه مفعول له (بغير علم) أي بغير حجة أو بجهل منهم أن ~~الله هو رازق «5» أولادهم دونهم، وعطف (وحرموا) أي جعلوا (ما رزقهم الله) ~~حراما عليهم من البحائر والسوائب وغيرهما على «قتلوا»، أي وخسر الذين حرموا ~~ما لم يأمرهم الله بتحريمه (افتراء على الله) ms0488 أي لكذبهم عليه بأنه أمرنا ~~بذلك (قد ضلوا) عن الهداية ودين الإسلام (وما كانوا مهتدين) [140] من قبل، ~~فخذلهم الله بكفرهم وافترائهم عليه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 141] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) # ثم قال لبيان المحلل والمحرم هو الخالق لا غير (وهو الذي أنشأ) أي خلق ~~(جنات) أي بساتين في الأرض (معروشات) أي منبسطات على وجه الأرض كالقرع ~~والبطيخ (وغير معروشات) أي قائمات على ساق كالأشجار أو المعروش ما دعم ~~كالكروم، وغير المعروش ما لم يدعم كالنخل وغيره (والنخل والزرع) أي وخلق PageV02P041 # كلا منهما (مختلفا أكله) بضم الكاف وسكونها «1»، حال مقدرة، لأن وقت ~~الإنشاء لا أكل فيه وهو الثمر «2» الذي يؤكل، أي حال كون النخل مختلفا طعمه ~~من الخامض والحلو والمر أو الإختلاف في الطعم واللون والحجم والرائحة ~~(والزيتون والرمان متشابها) في المنظر (وغير متشابه) في الطعم، ثم أحل ~~الأكل من الثمرات أول ما يبدو بقوله (كلوا من ثمره إذا أثمر) قيل: إن قوله ~~«إذا أثمر» كالزائد لما علم «3» أنه إذا لم يثمر لا يؤكل، قلنا: # إنما «4» قيده للتأكيد، يعني أبيح لكم الأكل من ثمره وقت إطلاع الشجر ~~الثمر لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع «5» (وآتوا) أي أعطوا ~~(حقه) أي زكوته المفروضة من العشر ونصف العشر إن جعلت الآية مدنية أو أعطوا ~~«6» صدقة منه على المساكين إن جعلت مكية (يوم حصاده) بفتح الحاء وكسره «7»، ~~أي يوم كيله أو يوم صرامه، وكان ذلك واجبا قبل الزكوة، فنسخته الزكوة «8»، ~~المعنى: أنكم تصدقوا على الفقراء مما أعطيتم (ولا تسرفوا) باخراج جميع ~~المال في التصدق كما روي عن ثابت بن قيس أنه صرم خمسمائة نخلة، ففرق ثمرها ~~كله ولم يدخل شيئا منه في منزله لأهله «9» (إنه لا يحب المسرفين) [141] ~~باخراج الكل وإيجاع الأهل. ### || [سورة الأنعام (6): آية 142] # ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات ms0489 الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (142) # (ومن الأنعام) أي وأنشأ من الإبل والبقر والغنم (حمولة) أي ما يحمل عليه ~~كالإبل والبقر (وفرشا) وهو ما يفرش للذبح كصغار الإبل والغنم والبقر، فقال ~~(كلوا مما رزقكم الله) أي من الحرث والأنعام حلالا طيبا (ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان) بدعوته إياكم إليها في التحريم والتحليل والمعاصي (إنه لكم عدو ~~مبين) [142] أي ظاهر العداوة، لأنه يضلكم ولا ينصح لكم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 143] # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) # قوله (ثمانية أزواج) بدل من «حمولة»، أي خلق لكم من الأنعام ثمانية ~~أصناف، والأزواج جمع زوج، والمراد الذكر والأنثى إلا أنه يقال للواحد زوج ~~إذا لم ينفك عن صاحبه، ثم فصل ما أجمل بالثمانية فقال (من الضأن اثنين) وهو ~~بدل من «ثمانية» والبواقي معطوفة عليه، والمراد من «الضأن» الذكر والأنثى ~~(ومن المعز اثنين) أي الذكر والأنثى بفتح العين وسكونها لغتان «10»، نزلت ~~الآية في مفتيهم مالك بن عوف وأصحابه حيث حرموا تارة بعض الأنعام بسبب ~~الذكورة وبعضها تارة بسبب الأنوثة «11» كما سبق في السوائب والبحيرة، فأمر ~~الله نبيه عليه السلام أن ينكر عليهم ويناظرهم بقوله «12» (قل آلذكرين) من ~~الضأن والمعز (حرم أم الأنثيين) منهما (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) ~~منهما، يعني قل لهم أن «13» يبينوا «14» علة الحرمة من الذكورة والأنوثة، ~~واشتمال الرحم عليهما فان كان الذكورة لزم أن يكون كل ذكر حراما لوجود ~~العلة وإن كان الأنوثة، فكذلك PageV02P042 # ينبغي أن يكون كل أنثى حراما لوجود العلة وإن كان احتمال الرحم، وجبت ~~حرمتهما جميعا «1» لوجود العلة فيهما فمن أين جاء التحريم (نبئوني) أي ~~أخبروني عن سبب ما حرمتم من الأنعام (بعلم) أي بتحقيق حجة (إن كنتم صادقين) ~~[143] أن الله حرمها، وهذه الجملة اعترضت بين المعدودات، والأصل أن يكون ~~متوالية ليفيد تأكيد الاحتجاج على من حرمها وتشديد التحليل. ### || [سورة الأنعام (6): آية 144] # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ms0490 ~~عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) # ثم قال (ومن الإبل اثنين) أي وخلق من الإبل ذكرا وأنثى (ومن البقر اثنين) ~~ذكرا وأنثى (قل) إنكارا عليهم (آلذكرين حرم أم) حرم (الأنثيين أم) حرم (ما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين) من الإبل والبقر، يعني بينوا لي من أين جاء ~~التحريم فيها (أم كنتم شهداء) أي حضورا إن لم تستطيعوا على إثبات الحرمة ~~بالبرهان العقلي (إذ وصاكم الله بهذا) أي بالتحريم في زعمكم، وهذا الكلام ~~تجهيل لهم، فتحير مالك بن عوف من كلام النبي عليه السلام، فقال ما لك: لا ~~تتكلم؟ فقال: بل تكلم أنت فأسمع أنا فنزل «2» (فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا) بنسبة تحريم ما لم يحرم إليه (ليضل الناس) عن دين الحق (بغير علم) أي ~~بلا حجة واضحة، وقيل: المراد منه عمرو بن لحي، وهو الذي سيب السوائب وبحر ~~البحيرة «3» (إن الله لا يهدي) أي لا يرشد إلى الحجة (القوم الظالمين) ~~[144] بكفرهم وكذبهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 145] # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) # ثم بين لهم ما حرم عليهم من المطعومات بقوله (قل لا أجد في ما أوحي إلي) ~~من القرآن (محرما) أي شيئا حرمه الله بوجه (على طاعم يطعمه) أي آكل يأكله ~~(إلا أن يكون) بالتاء والياء ورفع (ميتة) فاعله، ف «كان» تامة، وبنصبها «4» ~~ف «كان» ناقصة إلا أن يكون المحرم أو المأكول ميتة (أو دما مسفوحا) أي ~~سائلا جاريا في العروق أو منفصلا عن اللحم لا كالكبد والطحال ولا كالدم ~~المختلط باللحم والمخ، فانهم كانوا يأكلون دماء الذبيحة، قيل: «لو لا هذه ~~الآية ليتبع المسلمون من العروق ما يتبعه اليهود» «5» أو يكون المأكول (لحم ~~خنزير ms0491 فإنه رجس) أي حرام (أو فسقا) عطف على «لحم خنزير»، أي أو يكون ~~المذبوح خارجا عن أمر الله وصفة «فسقا» (أهل لغير الله به) أي رفع الصوت ~~بالاسم «6» لغير الله، أي لمعبودهم، يعني يذكر اسمه على المذبوح عند ذبحه ~~وسمي «فسقا» لتوغله في المعصية بذكر اسم غير الله عليه، احتج بعض بهذه ~~الآية على أن ما سوى هذه الأشياء مباح، ولكن الأكثر قالوا: قد حرم الله ~~أشياء غير هذه على لسان رسوله عليه السلام، ومن ذلك كل ذي ناب من السباع، ~~وكل ذي مخلب من الطير «7»، قال الله «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا» «8» (فمن اضطر) أي من احتاج إلى أكل شيء من المحرمات فاكل (غير ~~باغ) أي غير ظالم لغير المضطر (ولا عاد) أي ولا متجاوز عن مقدار ما يسد له ~~الرمق إلى ما فوقه (فإن ربك غفور رحيم) [145] أي لا يؤاخذه بذلك أو لكل من PageV02P043 # تاب عن الذنوب وأطاع «1» أمر ربه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 146] # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) # (وعلى الذين هادوا) أي وعلى اليهود (حرمنا) سوى المحرمات الأصلية ~~المذكورة في الآية قبلهم أشياء كانت حلالا في الأصل بسبب معصيتهم، يعني (كل ~~ذي ظفر) أي الإبل والبط والنعامة، قيل: «كان بعض ذوات الظفر حلالا لهم، ~~فلما ظلموا حرم عليهم ذلك فعم التحريم كل ذي ظفر» «2»، والظفر ما يكون في ~~طرف الأيدي والأرجل للإنسان وغيره من الحيوانات، ثم سمي بعض خفا وبعض مخلبا ~~وبعض حافرا وبعض ظفرا، والمراد هنا ما ليس بمنشق كالبط وغيره، وقيل: «كل ذي ~~مخلب من الطيور وكل ذي حافر من الدواب» «3» (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما) أي شحوم البقر والغنم، وهي شحوم الكلى وشحوم البطون وهي الرقيقة ~~التي على الكرش «4» (إلا ما حملت ظهورهما) وهو الشحم المعلق بالظهر ~~والجنبين من داخل، فانه أحله لهم «5» (أو الحوايا) عطف على «ظهورهما» ms0492 أو ما ~~حملت المباعر، جمع حاوية من الشحوم وهي ما اشتمل على الأمعاء (أو ما اختلط ~~بعظم) وهو شحم الألية لما فيها من العظم، وقيل: «هو المخ الذي التزق ~~بالعظم» «6» (ذلك) أي الجزاء، يعني تحريم الطيبات عليهم (جزيناهم) أي ~~عاقبناهم (ببغيهم) أي بسبب ظلمهم وشركهم، لأنها كانت حلالا لهم في الأصل ~~(وإنا لصادقون) [146] فيما أخبرنا به من كونها حلالا، ثم حرمناها «7» عليهم ~~بمعصيتهم وإنما قال ذلك لأن اليهود قالوا: إن هذه الأشياء كانت حراما من ~~الأصل ردا عليهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 147] # فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) # (فإن كذبوك) فيما جئت به من التحريم والتحليل (فقل) استعطافا بهم (ربكم ~~ذو رحمة واسعة) لا يعجل «8» عليكم بالعقوبة (ولا يرد بأسه) أي عذابه (عن ~~القوم المجرمين) [147] يعني إذا جاء لا يؤخر عنهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 148] # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) # قوله (سيقول الذين أشركوا) بالله غيره، نزل إخبارا عما يقولونه استهزاء ~~بعد لزوم الحجة عليهم «9» (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) وزيد «لا» ~~للفصل بين ضمير الفاعل في «أشركنا» والعطف عليه بما بعده (ولا حرمنا من ~~شيء) من البحائر والسوائب وغير ذلك، يعنون أن كل ما فعلناه بمشية الله، ~~قالوا ذلك لتكذيبك لا لتعظيم الله (كذلك) أي مثل هذا التكذيب الذي كذبوك ~~(كذب الذين من قبلهم) أي من الأمم «10» أنبياءهم (حتى ذاقوا بأسنا) أي ~~عذابنا فهلكوا (قل هل عندكم من علم) أي حجة واضحة على صحة دعواكم أن الله ~~حرم هذه الأشياء التي تحرمونها «11» (فتخرجوه) أي فتظهروه (لنا) ليثبت ما ~~تدعون من التحريم والشرك، ثم بين تعالى أنهم قالوا ذلك بلا علم وبيان قوله ~~(إن تتبعون إلا الظن) أي ما يقولون ذلك إلا بالظن من غير يقين (وإن أنتم ~~إلا تخرصون) [148] أي ms0493 تكذبون في قولكم أن ذلك من الله فلما لم يظهر منهم حجة. PageV02P044 ### || [سورة الأنعام (6): آية 149] # قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) # قال تعالى (قل) يا محمد (فلله الحجة البالغة) أي التامة الوثيقة وهي آيات ~~القرآن ونبوة محمد عليه السلام في تبيين ما أحل لهم وما حرم عليهم (فلو ~~شاء) الله مشية إلجاء (لهداكم أجمعين) [149] أي لأرشدكم إلى دينه الحق ~~بلطفه وتوفيقه لو كنتم أهلا له بأدنى توجه إليه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 150] # قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ~~ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم ~~يعدلون (150) # (قل) يا محمد (هلم) أي أحضروا، وهو اسم فعل بني لوقوعه موقع الأمر، يستوي ~~فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى عند أهل الحجاز (شهداءكم الذين يشهدون) ~~لكم مع علمكم أنهم شهداء وإن كانوا شهود باطل (أن الله حرم هذا) أي الذي ~~حرمتموه أمره باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر لهدم «1» ما يثقون به ~~من شهادتهم بقوله (فإن شهدوا) كاذبين (فلا تشهد) يا محمد (معهم) أي لا ~~تصدقهم ولا تسلم لهم حتى لا تكون واحدا منهم لأن شهادتهم بأهوائهم، أمره ~~وأراد غيره، ثم حذره من اتباع المبطلين بقوله (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ~~بآياتنا) أي بالقرآن وبمحمد من أهل الكتاب (والذين) أي لا تتبع أهواء الذين ~~(لا يؤمنون) أي لا يقرون (بالآخرة) أي بالبعث (وهم بربهم يعدلون) [150] أي ~~يشركون من مشركي العرب. ### || [سورة الأنعام (6): آية 151] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) # (قل تعالوا) أي جيؤا من العلو، والأصل أن يقول هذا اللفظ من هو بمكان عال ~~لمن هو في مكان أخفض منه، ثم استعمل للأمر بالمجيء بكل مكان (أتل) أي اقرأ ~~(ما حرم) أي الذي حرمه (ربكم ms0494 عليكم أن) مفسرة، أي أن (لا تشركوا) ف «لا» ~~أصلية للنهي أو مصدرية، ومحل المصدر نصب ب «حرم»، ف «لا» مزيدة للتأكيد، أي ~~حرم أن تشركوا (به شيئا) وكونه نهيا أنسب لعطف قوله (وبالوالدين) فانه «2» ~~متعلق بالأمر المقدر، أي واتل ما أمركم الله أن أحسنوا بهما (إحسانا) يعني ~~«3» أمركم ببر الوالدين ونهاكم عن عقوقهما (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) ~~أي من أجل فقر (نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ~~بدلان من «الفواحش»، والمراد زنا السر والعلانية (ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله) قتلها (إلا بالحق) كقصاص وقتل ردة ورجم، فان ذلك كله حق، يوضحه ~~قوله (ذلكم وصاكم به) أي أمركم الله به في القرآن (لعلكم تعقلون) [151] ما ~~حرمه وما أحله في هذه الآيات التي هن أم الكتاب، يعني محكمات يقتدى بها في ~~التورية والإنجيل والزبور والفرقان لا يرد عليه النسخ. ### || [سورة الأنعام (6): آية 152] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ~~وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) # (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي) أي إلا بالخصلة «4» التي (هي أحسن) ~~عملا، وهي حفظه وإصلاحه وتثميره بوجه معروف (حتى يبلغ أشده) وهو ما بين ~~ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة أو البلوغ والعقل، وهو جمع شد كقد وأقد (وأوفوا ~~الكيل والميزان) أي أتموهما عند البيع والشرى (بالقسط) أي بالعدل (لا نكلف) ~~الله (نفسا إلا PageV02P045 # وسعها) أي طاقتها في العدل، يعني لو وقع بعد الاجتهاد زيادة قليلة أو ~~نقصان قليل في الكيل والوزن لا يؤاخذ به الإنسان، ثم قال (وإذا قلتم) أي ~~إذا تكلمتم في الحكم والشهادة (فاعدلوا) أي قولوا الحق (ولو كان) المحكوم ~~عليه (ذا قربى) أي صاحب قرابة لكم (وبعهد الله أوفوا) أي أتموا كل عهد بينه ~~وبينكم أو بين الناس وبينكم، يعني كل واجب من امتثال أمر ونهي ونذر وحفظ ~~أمانة كسر ومال وعقد موثق ms0495 (ذلكم) أي الذي تلوته عليكم (وصاكم به) أي أمركم ~~الله «1» بأخذه والعمل به في كتابه (لعلكم تذكرون) [152] بالتخفيف والتشديد ~~«2»، أي يتعظون فتمثلون بأمره ونهيه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 153] # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون (153) # قوله (وأن) بالكسر استئناف، أي قال تعالى إن (هذا) أي الذي وصاكم به ~~(صراطي مستقيما) في الدين لا عوج فيه إلى دخول الجنة التي هي دار السلامة ~~«3»، وبفتح «أن» «4»، أي ولأن هذا صراطي مستقيما (فاتبعوه) لاستقامته (ولا ~~تتبعوا السبل) أي الطرق المختلة في الدين، وهي طرق الشيطان، وجواب النهي ~~(فتفرق) أصله فتتفرق، أي فتميل (بكم) ضالين باتباع الأهواء (عن سبيله) أي ~~دين الله المستقيم وهو الإسلام (ذلكم وصاكم به) أي بالمذكور «5» (لعلكم ~~تتقون) [153] أي تحذرون الأهواء المختلفة فتستقيمون في دينه. ### || [سورة الأنعام (6): آية 154] # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) # قوله (ثم آتينا موسى) عطف على «وصاكم به» بكلمة «ثم» للتراخي وإن كانت ~~التوصية في القرآن وإيتاء التورية قبل نزوله، لأن هذه التوصية قديمة يوصي ~~بها كل أمة على لسان نبيهم لما ذكرنا أن آيات التوصية محكمات لم يرد عليها ~~نسخ من جميع الكتب، فكأنه قال تعالى: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما ~~وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى (الكتاب) أي التورية (تماما) مفعول ~~له «6»، أي لتمام النعمة (على الذي أحسن) أي على المحسنين من الأنبياء ~~والمؤمنين للعمل بشرائعه في الإسلام أو على الذين أحسنه الله لموسى، ~~فالضمير في «أحسن» ل «الله»، والمفعول محذوف (وتفصيلا) أي وبيانا (لكل شيء) ~~من الحلال والحرام (وهدى) من الضلالة (ورحمة) أي وأمنا من العذاب (لعلهم ~~بلقاء ربهم يؤمنون) [154] أي يقرون بالبعث. ### || [سورة الأنعام (6): آية 155] # وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) # (وهذا) أي ومن تمام النعمة هذا القرآن (كتاب أنزلناه مبارك) أي فيه بركة ~~لمن آمن به ومغفرة للذنوب تلاوة وعملا بما فيه (فاتبعوه) أي اقتدوا ms0496 به ~~للعمل بأوامره ونواهيه (واتقوا) أي اجتنبوا عن اتباع غيره (لعلكم ترحمون) ~~[155] أي لكي ترحموا ولا تعذبوا. ### || [سورة الأنعام (6): آية 156] # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) # قوله (أن تقولوا) مفعول له لقوله «أنزلنا» قبله، أي أنزلناه مخافة أن ~~تقولوا يا أهل مكة (إنما أنزل الكتاب على طائفتين) أي اليهود والنصارى (من ~~قبلنا) ويقولوا «7» أيضا (وإن كنا) أي إن الشأن، أصله إنه كنا (عن دراستهم) ~~أي عن قراءتهم الكتاب (لغافلين) [156] يعني لا نفهمها، لأنها ليست بلغاتنا. PageV02P046 ### || [سورة الأنعام (6): آية 157] # أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) # قوله (أو تقولوا) عطف على «أن تقولوا»، أي لئلا تقولوا (لو أنا أنزل ~~علينا الكتاب لكنا أهدى منهم) أي أرشد من اليهود والنصارى، فأنزلناه عليكم ~~لقطع حججكم، ثم قال على سبيل التحدي بهم حاذفا للشرط إن كنتم صادقين فيما ~~تدعونه (فقد جاءكم بينة) أي حجة واضحة (من ربكم) وهي القرآن مع محمد عليه ~~السلام (وهدى) من الضلالة (ورحمة) أي وأمن من العذاب فاتبعوه، ثم قال ~~توبيخا لهم بالاستفهام (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله) بعد ما عرفها، أي لا ~~أحد أشد ظلما ممن عرف حقيتها «1» (وصدف عنها) أي أعرض عن الإيمان بها، ثم ~~قال تهديدا (سنجزي الذين يصدفون) أي سنعاقب المعرضين (عن آياتنا سوء ~~العذاب) أي شدته (بما كانوا يصدفون) [157] أي يعرضون عن الآيات. ### || [سورة الأنعام (6): آية 58] # قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم ~~بالظالمين (58) # قوله (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) بالياء والتاء «2»، تبكيت لهم ~~واستبطاء الإيمان منهم بعد إنزال الكتاب عليهم وإقامة الحجة على صدق محمد ~~عليه السلام بالاستفهام بمعنى النفي، أي ما ينتظرون بترك الدخول في الإسلام ~~إلا أن تجيئهم «3» الملائكة لقبض أرواحكم (أو يأتي ربك) أي أمر الله وقضاؤه ms0497 ~~بالعذاب «4» من حيث لم يحتسبوا في الدنيا أو في الآخرة (أو يأتي بعض آيات ~~ربك) وهو الموت أو طلوع الشمس من مغربها (يوم يأتي بعض آيات ربك) كطلوع ~~الشمس من مغربها، ظرف، عامله (لا ينفع نفسا إيمانها) إذا آمنت «5» فيه، ~~وصفة «نفسا» (لم تكن آمنت من قبل) أي قبل ظهور الآيات أو الجملة حال من ~~«ها» في «إيمانها»، وعطف على «آمنت» (أو كسبت) أي لم تكن كسبت (في إيمانها) ~~السابق على ظهور الآيات (خيرا) أي توبة أو عملا صالحا، وفي ظاهر هذا الكلام ~~دلالة على أن الإيمان السابق الخالي عن فعل الخير لا ينفع مطلقا، ولكنه ~~ينفع في عدم التخليد في العذاب لورود النصوص «6» في ذلك، والعقل لا ينافيه ~~ولا ينفع في دفع العذاب جزاء على الإثم والإيمان عند ظهور الآيات لا ينفع ~~مطلقا، وكذا توبة الفاسق لا تنفع عنده ولا فعل خير «7»، قال عليه السلام: ~~«ثلث إذا خرجن لم ينفع نفسا، إيمانها لم تكن آمنت الدخان والدابة وطلوع ~~الشمس من مغربها» «8»، قال ابن عباس رضي الله عها: «لا يقبل الله من كافر ~~عملا ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرا يومئذ، فانه لو أسلم ~~بعد ذلك قبله منه، ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبلت منه لمعرفته «9» ~~السابقة مع الله» «10»، ثم أمر تعالى نبيه بقوله (قل) يا محمد لهم تهديدا ~~(انتظروا) بالعذاب (إنا منتظرون) [158] بكم حتى ننظر أينا أسعد حالا وأحمد عاقبة. ### || [سورة الأنعام (6): آية 159] # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ~~ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) # قوله (إن الذين فرقوا دينهم) بالتشديد، أي آمنوا ببعض الرسل ولم يؤمنوا ~~ببعض، وقرئ «فارقوا» PageV02P047 # بالألف «1»، أي تركوا دين الإسلام ودخلوا في اليهودية والنصرانية، نزل في ~~اليهود والنصارى «2»، أي إن الذين تركوا دينهم (وكانوا) أي صاروا (شيعا) أي ~~فرقا بأديان مختلفة (لست منهم في شيء) أي من قتالهم، يعني لم تؤمر بقتالهم، ~~ونسخ بآية السيف «3»، وقيل: نزلت الآية في أهل الهواء ms0498 والبدع «4»، فمعنى ~~الكلام: أنت بريء منهم وهم برآء منك أو ليس بيدك توبتهم ولا عذابهم، قال ~~رسول الله عليه السلام: «تفرقت بنو إسرائيل اثنين وسبعين ملة، وتفرقت أمتي ~~على ثلث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة، وهي ما أنا عليه وأصحابي» ~~«5»، وفيه حث للمؤمنين أن لا يتفرقوا في الدين ويجتنبوا عن البدع ما ~~استطاعوا، ثم قال (إنما أمرهم) أي مفوض حكمهم (إلى الله ثم ينبئهم) أي ~~يخبرهم (بما كانوا يفعلون) [159] في الدنيا، فيجازيهم بما فعلوا فيها. ### || [سورة الأنعام (6): آية 160] # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم ~~لا يظلمون (160) # (من جاء بالحسنة) أي من عمل بعد الإيمان عملا حسنا (فله عشر أمثالها) ~~باضافة «عشر» إلى «أمثالها»، ولم يقل عشرة وإن كان الأمثال مذكرا، لأن ~~التقدير عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه، أي يعطي في ~~الآخرة ثواب عشرة للواحدة (ومن جاء بالسيئة) أي ومن عمل عملا رديا من ~~المعاصي (فلا يجزى إلا مثلها) أي لا يعاقب إلا عقابا يماثلها (وهم لا ~~يظلمون) [160] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا ولا يزادون على سيئاتهم ~~كقوله تعالى «إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها» «6»، قال ~~عليه السلام: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها يكتب له بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها يكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى» «7». ### || [سورة الأنعام (6): آية 161] # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) # ثم قال أهل مكة: أنت بشر مثلنا فمن أين لك هذه الفضيلة فنزل «8» (قل إنني ~~هداني) أي أرشدني بلطفه (ربي) أي سيدي ومولاي (إلى صراط مستقيم) أي إلى دين ~~ذي استقامة، وهو الإسلام، قوله (دينا قيما) نصب بمضمر هو جواب سؤال مقدر، ~~كأنه قيل كيف هداك ربك إلى صراط مستقيم؟ فقال عرفني دينا محكما ثابتا في ~~غاية الثبوت، قرئ بفتح القاف وكسر الياء مع التشديد «9» فيعل، من قام كسيد ~~من ساد، ms0499 صفة «دينا» وبالعكس مع التخفيف مصدر بمعنى القيام وصف به الدين ~~مبالغة كرجل عدل (ملة إبراهيم) بدل من «دينا» (حنيفا) نصب على الحال من ~~«إبراهيم»، أي دين إبراهيم حال كونه مخلصا في الإسلام (وما كان من ~~المشركين) [161] أي لم يكن على دينهم. ### || [سورة الأنعام (6): آية 162] # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) # (قل إن صلاتي) المفروضة على وعلى من تابعني (ونسكي) أي وعبادتي أو حجي أو ~~قرباني المذبوح بمنى (ومحياي) أي وحياتي في الدنيا بالعمل الصالح (ومماتي) ~~أي وموتي بعد الحيوة على الإيمان وخلوص العمل (لله رب العالمين) [162] أي ~~خالص لله الخالق لكل شيء. PageV02P048 ### || [سورة الأنعام (6): آية 163] # لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) # (لا شريك له) من الأصنام وغيرها (وبذلك) أي بهذا الإخلاص (أمرت) في ~~الكتاب المنزل علي (وأنا أول المسلمين) [163] من أمتي، لأن إسلام كل نبي ~~سابق على إسلام أمته أو أنا أول المخلصين بالثبات على الإسلام فأنا مقدمهم ~~وإمامهم وإنهم يأتمون بي في ذلك. ### || [سورة الأنعام (6): آية 164] # قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) # ثم قال أهل مكة للنبي عليه السلام ارجع إلى ديننا ونحن كفلاء لك بما ~~يصيبك من الرجوع إلى ديننا وأن نحمل أوزارك فنزل «1» (قل) يا محمد إنكارا ~~عليهم (أغير الله أبغي) أي أأطلب سوى الله (ربا وهو رب كل شيء) من خلقه وما ~~هو سواه مربوب له، فكيف يصلح أن يكون ربا (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) جواب ~~لقولهم ولنحمل خطاياكم، أي وبال كسبها عليها لا على غيرها، وأكد ذلك بقوله ~~(ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس حاملة حمل غيرها، والتاء في ~~«وازرة» لتأنيث النفس، وأصل الوزر الثقل (ثم إلى ربكم مرجعكم) أي مصيركم في ~~الآخرة (فينبئكم) أي فيخبركم (بما كنتم فيه تختلفون) [164] من الدين فيتبين ~~لكم الحق من الباطل. ### || [سورة الأنعام (6): آية 165] # وهو ms0500 الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ~~آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) # (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) أي خلقكم وجعلكم سكان الأرض نيابة على ~~الأمم قبلكم، لأن النبي عليه السلام وأمته خلفوا جميع من مضوا قبلهم بأن ~~سكنوها بعد إهلاكهم الله تعالى (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) أي فضل بعضكم ~~على بعض بالخلق والخلق والدين والعلم والرزق والمال (ليبلوكم) أي ليخبركم ~~(في ما آتاكم) من الغنا وطلب الشكر ومن الفقر وطلب الصبر، يعني يبتليكم ~~ليظهر لكم من يطيع ومن يعصي، ثم هدد عباده العاصي «2» بالخطاب إلى النبي ~~عليه السلام (إن ربك سريع العقاب) أي قريبة للعاصي «3»، لأن كل ما هو آت ~~فهو قريب (وإنه لغفور رحيم) [165] لمن آمن وتاب عن الذنوب وعمل عملا صالحا، ~~وقيل: «سريع العقاب» لمن لم يحفظ عهد الله فيما أعطاه من فضله وترك حقه فيه ~~«4»، «غفور رحيم» لمن أطاعه في كل حال من الفارقة والغنا بعد التوبة «5»، ~~قال عليه السلام: «من قرأ سورة الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ~~ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوما وليلة» «6». PageV02P049 ### | سورة الأعراف # كلها مكية بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأعراف (7): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) # (المص) [1] أي أنا الله اللطيف المجيد الصادق في قوله، نزل نهيا للنبي ~~عليه السلام عن اتباع المشركين في أهوائهم وتحذيرا من مثل حالهم «1»، وفيه ~~تسلية له عليه السلام «2» ليصبر على أذاهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 2] # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) # (كتاب) أي هذا الكتاب أو المراد هذه السورة (أنزل إليك) محله رفع، صفة ~~«كتاب» (فلا يكن في صدرك حرج منه) أي ضيق من تكذيبهم به أو شك في أنه من ~~الله أو من تبليغ الكتاب توجه النهي إلى الحرج ظاهرا، وفي الحقيقة إلى ~~المخاطب بمعنى لا تتحرج (لتنذر به) أي لتخوف بالكتاب، متعلق ب «أنزل» أو ~~بالنهي، لأن المؤمن «3» الموقن جسور بالتوكل على الله للإنذار، ms0501 المعنى: أنه ~~أنزل إليك الكتاب «4» لتنذر به أهل مكة فلا يكن في صدرك حرج «إن عليك إلا ~~البلاغ» «5» (وذكرى للمؤمنين) [2] رفع، عطف على «كتاب» أو نصب فعله محذوف، ~~عطف على «لتنذر»، أي لتنذر وتذكر تذكيرا أو جر عطف على محل «تنذر»، أي أنزل ~~للإنذار والذكرى لمن آمن به، والتذكير والذكرى واحد. ### || [سورة الأعراف (7): آية 3] # اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (3) # (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) من القرآن، أي على نبيكم الذي يقرأه ~~عليكم واعملوا به (ولا تتبعوا من دونه) أي من دون الله (أولياء) أي أصدقاء ~~وأربابا من الشياطين والأصنام، يعني لا تعبدوا غير الله (قليلا ما تذكرون) ~~[3] بتخفيف الذال وتشديدها، وبالياء والتاء معا «6»، يعني يتذكرون، و«ما» ~~زائدة لتأكيد القلة، أي لا تتعظون شيئا، ونصب «قليلا» بما بعده من الفعل. ### || [سورة الأعراف (7): آية 4] # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (4) # ثم قال تهديدا لكفار مكة (وكم من قرية أهلكناها) أي وكثير من القرى أردنا ~~إهلاكهم، ف «كم» مبتدأ، و«من قرية» صفته، وصفته «أهلكناها» (فجاءها بأسنا) ~~أي عذابنا بعد تكذيب الرسل (بياتا) أي ليلا كقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وهو ~~مصدر سمي به الليل، لأنه يبات فيه كما يسمى البيت بيتا «7»، لأنه يبات فيه PageV02P050 # (أو هم قائلون) [4] أي هم في حال القيلولة، وهي النوم نصف النهار كقوم ~~شعيب، والجملة الاسمية في محل النصب على الحال، معطوفة «1» ب «أ» على ~~«بياتا»، وحذفت الواو الرابطة استثقالا للجمع بين حرفي عطف، لأن أصل واو ~~الحال العطف ثم استعيرت للوصل، تقديره: جاءها بأسنا بائتين وقائلين، يعني ~~ليلا ونهارا، و«أو» فيه لتفصيل العذاب، فبعض نزل ليلا وبعض نزل نهارا، ~~وإنما خص البيات والقيلولة بالذكر لأنهما وقت غفلة، وحلول العذاب فيهما أصعب. ### || [سورة الأعراف (7): آية 5] # فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) # ثم أخبر عن حال من جاءهم العذاب بقوله (فما كان دعواهم) أي لم يكن قولهم ~~وتضرعهم (إذ جاءهم ms0502 بأسنا) أي عذابنا (إلا أن قالوا) خبر «كان»، أي قالوا ~~نادمين (إنا كنا ظالمين) [5] أنفسنا بترك التوحيد وبفعلنا المعاصي، ~~فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، إذ لم تبق لهم حيلة سواه، قال عليه ~~السلام: «ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم فاعترفوا يا أهل مكة بهم فانكم ~~إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع» «2». ### || [سورة الأعراف (7): آية 6] # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) # قوله (فلنسئلن الذين أرسل إليهم) إخبار عن كيفية حال الأمم والأنبياء يوم ~~القيامة، أي لنسألن توبيخا الأمم عما بلغهم الأنبياء، يعني هل بلغتم به ~~(ولنسئلن المرسلين) [6] أي الأنبياء عما بلغوا وما أجيبوا تقريرا لذلك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 7] # فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) # (فلنقصن عليهم) أي لنخبرنهم يومئذ بما عملوا في الدنيا (بعلم) أي عالمين ~~بجميع ما صدر منهم حقيقة من التبليغ والرد (وما كنا غائبين) [7] أي غافلين ~~عن ذلك لنخبر عما لم يكن المعنى أنا ما كنا نسألهم لنعلم ما لم نعلم بل ~~سألناهم ليكون حجة عليهم باعترافهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 8] # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) # (والوزن يومئذ الحق) أي وزن الأعمال الذي هو الحق كائن يوم القيامة لا ~~محالة بالعدل، ف «الوزن» مبتدأ و«الحق» صفته و«يومئذ» خبره، والعامل في ~~الظرف محذوف، وهو الخبر حقيقة، وهو ضعيف لاستلزامه الفصل بين الموصوف ~~والصفة بالخبر، والأولى أن يكون الظرف خبرا و«الحق» بدلا من الضمير في ~~الظرف، قال عليه السلام: «توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان كفتان» ~~«3»، قيل: تجعل الأعمال مصورة فتوضع في الميزان «4»، وقيل: تعوضع فيه صحف ~~الأعمال «5»، وقيل: يوضع الأشخاص فيه إظهارا للعدل «6»، وقيل: لا ميزان في ~~الحقيقة ولكن ذكره هنا على وجه المثل والكناية عن العدل وهو قول أهل ~~الاعتزال، فالمراد منه السؤال والقضاء بالقسط «7»، والحق أن الميزان حق ~~يوضحه (فمن ثقلت) أي رجحت (موازينه) جمع ميزان، لأن لكل عبد ميزانا أو هو ~~جمع موزون، أي حسناته (فأولئك هم المفلحون) [8] أي الناجون من النار ~~الفائزون بالجنة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 9] # ومن خفت موازينه فأولئك ms0503 الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # (ومن خفت موازينه) أي رجحت سيئاته على حسناته (فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم) أي غبنوا حظ نفوسهم (بما كانوا بآياتنا) أي بالقرآن ومحمد عليه ~~السلام (يظلمون) [9] أي يجحدون بأنها ليست من الله، PageV02P051 # قيل: «حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا، وحق لميزان يوضع فيه ~~الباطل أن يكون خفيفا» «1». ### || [سورة الأعراف (7): آية 10] # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) # قوله (ولقد مكناكم في الأرض) تذكير لهم النعم ليشكروا ربها ولا يكفروا ~~به، أي أقدرناكم فيها بالتصرف وملكناكم «2» (وجعلنا لكم فيها معايش) أي ما ~~تعيشون به من الرزق أو ما يتوصل به كالزروع والضروع، والياء بعد الألف لا ~~تهمز فيها، لأنها أصلية من المعيشة، أصلها معيشة، مفعلة من العيش، فأعلت ~~تبعا لإعلال فعلها، وهو يعيش، ثم وبخهم بقوله (قليلا ما تشكرون) [10] أي لا ~~تشركون رب هذه النعم «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 11] # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) # (ولقد خلقناكم ثم صورناكم) أي خلقنا آدم من تراب وإياكم من نطفته نسلا ~~بعد نسل، ثم صورنا آدم في الأرض وصورناكم في أرحام الأمهات أو يوم الميثاق ~~من ظهره أو خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور، صورناه بعد ذلك، وجمع تعظيما له ~~«4»، ويوضح هذا التأويل قوله (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) سجدة التحية ~~ولله سجدة العبادة، ف «ثم» على هذا للتراخي في الزمان وعلى المعنى الأول ~~بمعنى «5» الواو (فسجدوا) لآدم (إلا إبليس لم يكن من الساجدين) [11] أي لم ~~يسجد مع الملائكة لآدم كبرا وحسدا. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 12 الى 13] # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) # (قال) الله توبيخا بالاستفهام لإبليس وإظهارا لما أضمره في نفسه من الكبر ~~والحسد (ما منعك ألا تسجد) أي أي شيء منعك من السجود يا إبليس، ف ms0504 «لا» ~~زائدة لتوكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه، والغرض هنا إظهار وجوب السجود ~~بصورة النفي (إذ أمرتك) أي وقت أمري لك بالسجود لآدم، وفيه دليل على أن ~~الأمر للوجوب وللفور (قال) إبليس منبها على فضله من أول الأمر، وقد كان ~~جوابه أن يقول منعني كذا (أنا خير منه) أي أفضل منه مرتبة، ثم بين وجه ~~الفضل على زعمه فقال (خلقتني من نار وخلقته من طين) [12] فأخطأ اللعين ~~لمخالفة الأمر والاعتقاد بأن السجود لآدم حسب والاشتغال بالقياس في موضع ~~النص، ولم يعلم بأن القياس في موضع النص باطل، ولأنه فضل النار على الطين ~~ولم يعلم بأن الفضل لما فضله الله، قيل: إن الخطأ إذا احتج له صار عمد «6» ~~والذي يدل على فساد قياسه أنه لم يجب بل طرد بالإهانة بأن (قال) تعالى له ~~(فاهبط) أي انزل (منها) أي من الجنة لكونها للمطيعين (فما يكون) أي ما ~~ينبغي أو ما يصح (لك أن تتكبر فيها) أي تتعظم في الجنة على بني آدم (فاخرج) ~~أي أبعد منها (إنك من الصاغرين) [13] أي الذليلين لتكبرك وإبائك من السجود، ~~يقال صغر فلان صغرا إذا ذل. ### || [سورة الأعراف (7): آية 14] # قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) # (قال) إبليس طالبا لاستيفاء حظه من الدنيا آيسا من نعيم الآخرة (أنظرني) ~~أي أمهلني لا تمتني (إلى يوم يبعثون) [14] أي إلى أن يخرج الناس من قبورهم ~~وهو النفخة الأخيرة، قال ابن عباس رضي الله: «أراد اللعين أن لا يذوق ~~الموت» «7»، إذ لا موت بعدها فأبى الله تعالى ذلك عليه. PageV02P052 ### || [سورة الأعراف (7): آية 15] # قال إنك من المنظرين (15) # (قال إنك من المنظرين) [15] أي إلى النفخة الأولى فتموت مع من يموت وإنما ~~أنظره مجيبا إلى استنظاره مع علمه أنه يغوي عباده ابتلاء وفتنة للعباد ~~وليظهر به المطيع والعاصي وليعظم الأجر والوزر، وقيل: الخطاب قد يكون شرفا ~~للمخاطب إذا كان في محل التضرع والابتهال، وقد يكون مقتا إذا كان على سبيل ~~الخصام والجدال ومنه مخاطبة اللعين «1». ### || [سورة الأعراف (7): آية 16] # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) # (قال) ms0505 اللعين لإرادة الانتقام من ذرية آدم الذي صار سببا لهلاكه (فبما ~~أغويتني) أي أضللتني وخيبتني منك، والباء لسببية تتعلق بفعل القسم لا ~~بجوابه لمنع اللام عن ذلك، يعني بسبب إغوائك أقسم بالله «2» (لأقعدن لهم) ~~أي والله لأجلسن لإغواء الناس (صراطك المستقيم) [16] أي على دين الإسلام ~~فأصدهم عنه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 17] # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين (17) # (ثم لآتينهم) بوسوستي (من بين أيديهم) أي من جهة الآخرة فأشككهم فيها ~~(ومن خلفهم) أي من جهة الدنيا فأدعوهم إليها بالتزيين في أعينهم وقلوبهم ~~(وعن أيمانهم) أي عن طرق الإسلام والخيرات فأوقع الشبهات فيها (وعن ~~شمائلهم) أي عن طرق السيئات والشهوات فأرغبهم فيها، واستعمال «من» في ~~الأولين و«عن» في الثانيين سماعي لا قياسي، روي: أن الشيطان لا يأتي العبد ~~من فوقه لئلا يحول بينه وبين رحمة الله النازلة من جهته «3»، المعنى: أني ~~لأغوينهم من جميع الجهات (ولا تجد أكثرهم شاكرين) [17] أي أكثر ذرية آدم ~~مؤمنين أو شاكرين لنعمك كقوله «وقليل من عبادي الشكور» «4». ### || [سورة الأعراف (7): آية 18] # قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) # (قال) الله تعالى (اخرج منها) أي من الجنة (مذؤما) بالهمزة من ذأمته إذا ~~ذممته (مدحورا) أي مطرودا من الجنة أو من الرحمة أو عن كل خير، من الدحر ~~وهو الإبعاد (لمن تبعك) اللام في موطئة للقسم، و«من» شرط، أي والله لمن ~~أطاعك فيما دعوته إليه (منهم) أي من بني آدم (لأملأن جهنم منكم) يعني من ~~الجن والإنس، واللام فيه زائدة في جواب القسم للتأكيد، أي لأملأن به وبك ~~النار (أجمعين) [18] ممن أطاعوك من الفريقين، وجواب القسم ساد مسد جواب الشرط. ### || [سورة الأعراف (7): آية 19] # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين (19) # ثم أخبر تعالى عن قوله لآدم في الجنة (ويا آدم) أي وقلنا يا آدم (اسكن ~~أنت وزوجك الجنة) أي اثبت أنت ولتثبت حواء جنة الخلد (فكلا من ms0506 حيث شئتما) ~~أي أحببتما بالتوسعة عليكما (ولا تقربا هذه الشجرة) أي لا تأكلا منها ~~(فتكونا من الظالمين) [19] أي الضارين أنفسكما. ### || [سورة الأعراف (7): آية 20] # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) # (فوسوس) أي ألقى الوسوسة (لهما) أي إليهما (الشيطان) وهي تكرير الكلام في ~~خفية لعمل الشر، يعني PageV02P053 # زين لآدم وحواء أكلها (ليبدي) أي ليظهر (لهما ما ووري عنهما من سوآتهما) ~~أي ما ستر من عوراتهما، فان عورتهما لم تكن لترى لهما من قبل هذا، فلما ~~أذنبا رئيت لهما ليخزيهما «1» ولذلك سميت سؤءة، وفيه دلالة على أن كشف ~~العورة قبيح في كل زمان، ولما رأى اللعين نفسه طريدا من الرحمة ورأى آدم ~~الذي حسده ساكنا في الجنة لم يصبر، فاحتال لإخراجه مع زوجه حواء فأتاهما ~~(وقال) لهما (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة) أي عن أكل ثمرها (إلا أن ~~تكونا) أي إلا مخافة كونكما (ملكين) أي كالملكين العالمين بالخير والشر في ~~الجنة (أو تكونا من الخالدين) [20] أي أو مخافة كونكما من الباقين في الجنة ~~لا تموتان أبدا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 21] # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) # (وقاسمهما) أي حلف لهما يمينا موثقة كذبا، وهي مفاعلة من واحد أو كان منه ~~القسم ومنهما التصديق فكأنها من اثنين (إني لكما لمن الناصحين) [21] بقسمي ~~إن من أكل منها لم يمت، فأول من حلف كاذبا هو إبليس عليه اللعنة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 22] # فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان ~~لكما عدو مبين (22) # (فدلاهما) أي أسقطهما عن منزلتهما (بغرور) أي بخداع منه، والغرور في ~~الأصل إظهار النصح مع إبطان الغش (فلما ذاقا الشجرة) أي وجد طعمها آدم ~~وحواء بعد الأخذ منها ليتعرفاها (بدت) أي ظهرت (لهما سوآتهما) أي ظهرت لكل ~~واحد منهما عوراتهما وكانا لا يريان ذلك من أنفسهما ولا أحدهما من ms0507 صاحبه، ~~قالت عائشة: «ما رأيت منه ولا رأى مني» «2»، أي العورة من النبي عليه ~~السلام، قيل: أخذهما العقوبة قبل ابتلاع اللقمة من الحلق وكان لباسهما نورا ~~أو كلباس بني إسرائيل في التيه «3»، وهو مثل الظفر فاستحييا فانطلق آدم ~~هاربا فتعلقت به شجرة من شجر الجنة، فناداه ربه أتفر مني يا آدم؟ قال: رب ~~إني أستحيي (وطفقا) أي أخذا (يخصفان) أي يلصقان (عليهما من ورق الجنة) أي ~~من ورق تينها، قيل: «وصلا ورقة بورقة حتى صار كالثوب فاستترا به» «4» ~~(وناداهما ربهما) أي قال لهما عتابا وتوبيخا (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) ~~أي عن أكل ثمرتها (وأقل) أي ألم أقل (لكما) نصحا (إن الشيطان لكما عدو ~~مبين) [22] أي بين العداوة، فيه دلالة على أن الله قد عرفهما قبل ذلك عداوة ~~إبليس لهما وحذرهما من شره. ### || [سورة الأعراف (7): آية 23] # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) # (قالا) أي أدم وحواء معتذرين عن خطيئتهما (ربنا ظلمنا أنفسنا) بترك ~~امتثال أمرك فاغفر لنا ذنوبنا (وإن لم تغفر لنا) ذنوبنا (وترحمنا) بقبول ~~عذرنا وتوبتنا (لنكونن من الخاسرين) [23] أي المغبونين بالعقوبة مكان ~~المرحمة وقد تقدم أن الله قبل توبتهما حيث قال فتاب عليه فهدى «5»، قيل: ~~فيه دليل على أن المذنب إذا أصر على ذنبه يعذبه الله، وإذا تاب يتجاوز عنه ~~ولما لم يتب إبليس بل سأل النظرة جعل الله مثواه قعر جهنم «6». ### || [سورة الأعراف (7): آية 24] # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) # ثم (قال) تعالى (اهبطوا) أي أنزلوا من الجنة يا آدم وحواء وأبليس (بعضكم ~~لبعض عدو) الجملة حال من فاعل «اهبطوا»، أي متعادين، لأن إبليس يعاديهما ~~وهما يعاديانه (ولكم في الأرض مستقر) أي منزل قرار (ومتاع إلى حين) [24] أي ~~ومعاش إلى وقت الموت. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 25 الى 26] # قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون (25) يا بني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله ~~لعلهم يذكرون (26) PageV02P054 # (قال) ms0508 الله تعالى (فيها) أي الأرض (تحيون) أي تعيشون (وفيها تموتون ومنها ~~تخرجون) [25] للبعث يوم القيامة، قرئ معلوما ومجهولا «1»، ولما كان ستر ~~العورة نعمة عظيمة لآدم وبنيه حيث يفتضحون بعدمها وهي لا تحصل إلا باللباس ~~الحاصل من النبات الحاصل بالماء المنزل من السماء، قال مخاطبا لهم بالإشارة ~~إلى الامتناع به عليهم (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم) أي خلقنا لكم (لباسا) ~~بانزال الماء الذي ينبت به النبات الذي تأخذون منه ذلك بحيث (يواري) أي ~~يستر (سوآتكم) أي عوراتكم (وريشا) مفردا، وجمعه رياش، أي وأنزلنا عليكم ~~لباس الزينة كالريش للطائر، فانه لباسه وزينته، يعني أنزلنا عليكم لباسين، ~~لباسا لستر عوراتكم ولباسا لزينتكم، لأن الزينة غرض صحيح كقوله «لتركبوها ~~وزينة» «2» (ولباس التقوى) أي لباس الورع والخشية بالرفع مبتدأ، خبره (ذلك ~~خير) أي هو أفضل من هذا اللباس، لأنه يستر منكم عيوب الدنيا والآخرة، وضع ~~اسم الإشارة موضع الضمير، وبالنصب «3» عطف على «لباسا»، وقيل: «لباس التقوى ~~ما يتقى به في الحروب كالدرع والجوشن والمغفر وغيرها» «4» (ذلك) أي إنزال ~~اللباس (من آيات الله) الدالة على فضله ورحمته على عباده (لعلهم يذكرون) ~~[26] أي يتعظون فيعرفون عظيم نعمته فيه، قيل: هذه الآية وردت على سبيل ~~الاستطراد عقيب ذكر كشف سوآت آدم وحواء وخصف الورق عليهما إظهارا للمنة ~~فيما خلق من اللباس لستر عورات الناس الموجبة للفضاحة والمهانة وإشعارا بأن ~~التستر باب عظيم من أبواب التقوى «5». ### || [سورة الأعراف (7): آية 27] # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما ~~لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) # ثم قال تحذيرا لهم من طاعة الشيطان الذي أضل أباهم آدم فأخرجه من الجنة ~~(يا بني آدم لا يفتننكم) أي لا يضلنكم عن طعاتي باتباعه فيمنعكم من دخول ~~الجنة (الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) حين تركا طاعتي بفتنته، وفيه نهي ~~للشيطان لفظا وللناس معنى قوله (ينزع عنهما لباسهما) في محل النصب على ~~الحال من ضمير «أخرج» الفاعل ms0509 «6»، أي أخرجهما من الجنة نازعا ثيابهما أسنده ~~إلى السبب وهذه الحال محكية لكون نزع اللباس سابقا على الإخراج (ليريهما ~~سوآتهما) فان أطعتم الشيطان بفتنته ينزع عنكم ثياب دينكم وتقويكم، فيبدئ ~~عوراتكم، أي عيوبكم في الدين كما فعل بأبويكم فأظهر عوراتهما في البدن «7»، ~~ثم بالغ في التحذير فقال (إنه يراكم) أي إن الشيطان يبصركم (هو وقبيله) عطف ~~على الضمير في «يراكم» وهو تأكيده، أي وجنوده (من حيث لا ترونهم) أي لا ~~تبصرونهم، لأن أجسامهم لطيفة تخرقها «8» الأبصار فلا ترونهم «9»، يعني ~~كونوا «10» بالحذر منه ومنهم، قال عليه السلام: «إن الشيطان ليجري من ابن ~~آدم مجرى الدم» «11»، أي كمجرى الدم في العروق (إنا جعلنا الشياطين أولياء) ~~أي أصدقاء قرناء باتباعهم (للذين لا يؤمنون) [27] أي لا يصدقون برسلي وما ~~أنزل إليهم من الأمر والنهي كأهل مكة. PageV02P055 ### || [سورة الأعراف (7): آية 28] # وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله ~~لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) # قوله (وإذا فعلوا فاحشة) إخبار عن حال المشركين التابعين لآبائهم الجهلة ~~دون محمد وكتابه، أي إذا فعل أهل مكة ومن حواليها فعلة فاحشة هي «1» طوافهم ~~عراة بالبيت وطواف رجالهم بالنهار ونسائهم بالليل، وقيل: # هي الشرك، وكل معصية «2»، ثم قيل لهم ملامة لم فعلتم تلك الفاحشة (قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا) تقليدا لهم ثم قالوا افتراء على الله (والله أمرنا ~~بها) أي بالفاحشة، وكذبوا في قولهم، فقال تعالى لنبيه عليه السلام (قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء) أي بالمعاصي لاستحالة الأمر بها في حقه لكونه حكيما ~~بالذات (أتقولون على الله ما لا تعلمون) [28] أي أتكذبون «3» عليه بما لا ~~تعلمون حقيقته. ### || [سورة الأعراف (7): آية 29] # قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~كما بدأكم تعودون (29) # ثم أمر نبيه أن يبين لهم ما أمره بهم بقوله (قل أمر ربي بالقسط) أي ~~بالعدل وهو التوحيد (و) قل لهم (أقيموا وجوهكم عند كل مسجد) أي حولوا ~~وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلوة (وادعوه) أي ms0510 اعبدوه (مخلصين له الدين) أي ~~العبادة، لأنكم تموتون وتبعثون وتحاسبون (كما بدأكم) أي مثل ما أنشأكم حفاة ~~عراة غرلا (تعودون) [29] إلى الحيوة بعد الموت، وهو احتجاج عليهم حيث ~~أنكروا العود إلى الحيوة يوم القيامة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 30] # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # ثم بين أن الهادي والمضل هو الله تعالى بقوله (فريقا هدى) الله بلطفه وهم ~~المؤمنون، لأنه علم منهم الطاعة فأكرمهم بالمغفرة والتوحيد (وفريقا حق) أي ~~وجب بخذلانه (عليهم الضلالة) وهم الكافرون، لأنه علم منهم العصيان فأهانهم ~~بالشرك والجهالة، المعنى: أنه هدى فريقا من عباده وخذل فريقا منهم، لأن من ~~حق عليه الضلالة مخذول (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) أي من ~~غير الله وأوليائه تعليل لوجوب الضلالة عليهم (ويحسبون أنهم مهتدون) [30] ~~أي يظنون أنهم على الاهتداء، قيل: «فيه دليل على أن من لا يعلم أنه كافر في ~~حال كفره فهو كافر، لا يعذره جهله» «4». ### || [سورة الأعراف (7): آية 31] # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) # قوله (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) نزل حين كانوا يطوفون بالبيت ~~غرلا ليلا، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا فيها ويحرمون اللحم والودك ~~واللبن في حجهم «5»، فقال تعالى البسوا زينتكم، أي ما يستر «6» عوراتكم عند ~~صلوة كل مسجد من البيت، وإنما أدخل فيه «كل» «7»، لأن كل موضع من البيت ~~مسجد (وكلوا واشربوا) أي وكلوا اللحم والدسم واشربوا اللبن (ولا تسرفوا) في ~~شيء ما أو في التحريم، وقيل: # «الإسراف أن يأكل الرجل ما لا يحل أكله أو يأكل مما يحل له فوق الاعتدال ~~ومقدار الحاجة» «8» (إنه لا يحب المسرفين) [31] بتحريم ما أحل الله وتحليل ~~ما حرمه، قيل: الطب كله في قوله «كلوا واشربوا ولا تسرفوا» «9». ### || [سورة الأعراف (7): آية 32] # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ms0511 الآيات لقوم يعلمون (32) PageV02P056 # قوله (قل من حرم زينة الله) نزل حين عيرهم المشركون طوافهم بالبيت بلبس ~~الثياب بعد نزول قوله «خذوا زينتكم عند كل مسجد» «1»، فأمر الله نبيه عليه ~~السلام بأن يقول للمشركين بالاستفهام الإنكاري على محرم الحلال من حرم زينة ~~الله «2»، أي ليس الثياب الذي يستر به العورة ويتجمل به حلالا (التي أخرج ~~لعباده) أي خلقها لهم (والطيبات) أي الحلالات (من الرزق) أي من المآكل ~~والمشارب كاللحم والدسم واللبن وغيرها (قل هي) أي الزينة والطيبات ثابتة ~~(للذين آمنوا في الحياة الدنيا) بالاستحقاق، لأنها خلقت لهم وإن كان الكفار ~~مشتركين فيها معهم في الدنيا، وهو من قبيل الاكتفاء، قوله (خالصة) بالرفع ~~خبر بعد خبر، أي هي مخصوصة للمؤمنين (يوم القيامة) ظرف ل «خالصة»، وهذا يدل ~~على الاشتراك في الدنيا، وبالنصب «3» على الحال من الضمير في «للذين آمنوا» ~~الراجع إلى الزينة، المعنى: أن المؤمن والكافر يشتركان في الزينة والطيبات ~~في الدنيا، ويختص بهما المؤمن يوم القيامة (كذلك) أي مثل هذا التبيين ~~(نفصل) أي نبين (الآيات) من الأمر والنهي وما يكون في الدنيا والآخرة (لقوم ~~يعلمون) [32] أي يعرفون الله ويفهمون ما أمرهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 33] # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (33) # ثم قال آمرا لنبيه عليه السلام مخبرا بما حرم عليهم (قل إنما حرم ربي ~~الفواحش) أي الأشياء التي قبح فحشها، وأبدل منها (ما ظهر منها وما بطن) وهو ~~الزنا سرا وعلانية، وقيل: الطواف عريانا ليلا ونهارا «4»، وعطف على «ما ~~ظهر» (والإثم) أي الذنب كله، والمراد منه كل ما لا حد فيه، وقيل: «الإثم ~~الخمر» «5» كقول الشاعر «شربت الإثم حتى ضل عقلي «6» (والبغي) أي الظلم أو ~~الكبر (بغير الحق) أي بغير بيان من الله (و) حرم (أن تشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا) أي كتابا فيه حجة لكم (و) حرم (أن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون) [33] أي ms0512 الافتراء عليه أو التحليل والتحريم اللذين لا يعلمون أنهما منه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 34] # ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) # ثم قال تخويفا لهم (ولكل أمة أجل) أي لكل أهل دين وقت معلوم للعذاب (فإذا ~~جاء أجلهم) أي قرب مجيء وقت عذابهم (لا يستأخرون) أي لا يمهلون (ساعة) بعد ~~الأجل (ولا يستقدمون) [34] أي لا يتقدمون ساعة قبل الأجل، وقيل: فيه مبالغة ~~لنفي التأخير بتسوية طرفي الزمان اللذين أحدهما ممكن والآخر محال «7»، ~~وإنما قيد بالساعة، لأن الساعة أقل الأزمنة المستعملة في الإمهال. ### || [سورة الأعراف (7): آية 35] # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) # ثم قال مبشرا ومنذرا لهم (يا بني آدم إما يأتينكم) «إما» مركبة من «إن» ~~الشرطية و«ما» الزائدة للتأكيد، ولذلك يلزم فعلها النون المشددة أو المخففة ~~لزيادة التأكيد، أي إن يجئكم (رسل منكم) أي من جنسكم (يقصون) أي يقرؤن ~~عارضين (عليكم آياتي) أي القرآن لبيان أحكامي، وجواب الشرط جملة (فمن اتقى) ~~الشرك وتاب عن المعصية (وأصلح) أي زكى «8» العمل أو أطاع الرسول مني (فلا ~~خوف عليهم) فيما يستقبلهم PageV02P057 # من العذاب (ولا هم يحزنون) [35] على ما خلفوا في الدنيا «1» من المعاصي. ### || [سورة الأعراف (7): آية 36] # والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (36) # ثم ذكر المكذبين فقال «2» (والذين كذبوا بآياتنا) أي بأحكامنا ~~(واستكبروا) أي تعظموا (عنها) أي عن الإيمان بها (أولئك) أي المذكورون ~~(أصحاب النار هم فيها خالدون) [36] أي دائمون في العذاب بالنار. ### || [سورة الأعراف (7): آية 37] # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (37) # ثم قال تهديدا بالاستفهام الإنكاري للمفترين عليه (فمن أظلم) أي أي شخص ~~أشد ظلما، يعني لا أحد أظلم (ممن افترى على الله كذبا) بشركه (أو كذب ~~بآياته) أي القرآن (أولئك) ms0513 أي المفترون (ينالهم) أي يصل إليهم (نصيبهم) أي ~~حظهم (من الكتاب) أي مما كتب لهم من الرزق أو من العذاب في الدنيا (حتى) هي ~~غاية لما يصل إلى الكفار، أي يصل إليهم رزقهم أو عذابهم هنا حتى (إذا ~~جاءتهم رسلنا) أي ملك الموت وأعوانه (يتوفونهم) أي حال كونهم يميتونهم بقبض ~~أرواحهم (قالوا) أي يقول رسلنا الملائكة (أين ما كنتم تدعون) أي أين الذي ~~كنتم تعبدونه، يعني آلهتهم التي عبدوها في الدنيا (من دون الله) فيدفعوا ~~عنكم الموت (قالوا) أي الكفار (ضلوا عنا) أي آلهتنا غابوا الآن، فلم نرهم ~~(وشهدوا على أنفسهم) أي أقروا عليهم عند الموت (أنهم كانوا كافرين) [37] في ~~الدنيا اعترفوا حين لا ينفع بهم الاعتراف. ### || [سورة الأعراف (7): آية 38] # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء ~~أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) # ثم أخبر تعالى عما يقول يوم القيامة «3» لهؤلاء الكفار بقوله (قال ادخلوا ~~في أمم قد خلت) أي مضت (من قبلكم) أي يقول لهم الخزنة بأمره تعالى ادخلوا ~~النار في زمرة أمم سبقوكم بالكفر والزمان (من الجن والإنس في النار كلما ~~دخلت) في النار (أمة لعنت أختها) أي أمة دخلت قبلها في النار لضلالها بها، ~~لأنها وضعت مذهب الضلالة في الدنيا قبلها كقابيل وولده أو كفرعون وهامان ~~(حتى إذا اداركوا) أي تلاحقوا (فيها) أي في الدنيا (جميعا) أي مجتمعة ~~القادة «4» والأتباع (قالت أخراهم) أي أواخر الأمم وهم الأتباع (لأولاهم) ~~أي لأجل أوائلهم وهم المتبوعون شكاية عنهم لله تعالى (ربنا هؤلاء أضلونا) ~~من الهدى (فآتهم) أي أعطهم (عذابا ضعفا) أي مضعفا بالازدياد (من النار قال) ~~الله تعالى (لكل ضعف) أي لكل واحد من القادة والأتباع زيادة من العذاب، ~~لأنهم كانوا ضالين ومضلين (ولكن لا تعلمون) [38] بالتاء والياء «5»، أي لا ~~يعلم كل فريق منهم ما للفريق الآخر من العذاب. ### || [سورة الأعراف (7): آية 39] # وقالت ms0514 أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون (39) # (وقالت أولاهم لأخراهم) دخولا أو القادة للأتباع ضللتم كما ضللت (فما ~~كان) أي ليس «6» (لكم علينا من فضل) في شيء من الكفر والمعصية، يعني نحن ~~وأنتم متساوون في الضلالة، فثم «7» يقول تعالى لهم (فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون) [39] من الكفر وترك الإيمان في الدنيا. PageV02P058 ### || [سورة الأعراف (7): آية 40] # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) # (إن الذين كذبوا بآياتنا) أي بالقرآن ومحمد عليه السلام (واستكبروا عنها) ~~أي تعظموا عن الميل إليها بالإيمان (لا تفتح لهم أبواب السماء) بالتاء ~~المضمومة مخففا ومثقلا، وبالياء المضمومة مخففا «1»، أي لا يصعد بأرواحهم ~~عند الموت إلى السماء، بل يهبط بها إلى سجين إهانة لهم أو لإيجاب أدعيتهم ~~إذا دعوه أو ليس لهم عمل صالح يفتح «2» أبواب السماء لأجله كما يفتح ~~للمؤمنين (ولا يدخلون) أي لا يدخل المكذبون (الجنة حتى يلج الجمل) أي يدخل ~~البعير (في سم الخياط) أي في ثقب الإبرة، يعني لا يدخل الكافر الجنة أبدا ~~كما لا يدخل زوج الناقة في ثقب الإبرة أبدا (وكذلك) أي مثل ذلك الجزاء وهو ~~حرمان الجنة (نجزي المجرمين) [40] أي المشركين بالله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 41] # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) # (لهم من جهنم مهاد) أي فراش من النار (ومن فوقهم غواش) أي لحف تغشاهم ~~منها (وكذلك) أي مثل ذلك الجزاء من النار (نجزي الظالمين) [41] أنفسهم بترك ~~الإيمان واختيار الشرك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 42] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون (42) # ثم أخبر عن حال المؤمنين بعد الكافرين بقوله (والذين آمنوا) أي صدقوا ~~بآياتنا، مبتدأ (وعملوا الصالحات) مع الإيمان (لا نكلف نفسا إلا وسعها) أي ~~إلا بقدر طاقتها من العمل الصالح، وهي جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ~~للترغيب في اكتساب النعيم الأبدي بامكان الوسع من الطاقة لا الضيق، وهو ms0515 ~~(أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) [42] أي لا يخرجون عنها أبدا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 43] # ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) # (ونزعنا ما في صدورهم) أي في قلوبهم (من غل) أي حقدا «3» كان بينهم في ~~الدنيا فسلمت قلوبهم وطهرت، فلم يكن بينهم إلا التواد والتعاطف في الجنة ~~(تجري من تحتهم الأنهار) أي من تحت غرفهم والأشجار بارادتهم (وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا) أي أكرمنا (لهذا) أي لهذا «4» النعيم بتوفيقه لدين الإسلام ~~إيانا (وما كنا لنهتدي) أي لهذا «5» بواو وبغير واو «6» (لو لا أن هدانا ~~الله) أي لو لا هداية الله ما كنا لنهتدي له، فجواب «لو» محذوف، والجملة ~~موضحة للجملة قبلها، قيل: لما انتهوا إلى باب الجنة فاذاهم بشجرة تخرج من ~~ساقها عينان، فيشربون من إحديهما ويغتسلون من الأخرى، فيطيب الله أجسادهم ~~من كل درن، وجرت عليهم النضرة وعاينوا الجنة وزينتها، فقالوا سرورا وتلذذا ~~بذكر ما فيها لا تعبدا وتقربا «7» (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) فآمنا بهم ~~وعملنا بما قالوا لنا، فثم أكرموا من رب العزة فتلقاهم خزنة الجنة ~~فينادونهم قبل أن يدخلوها، وهو معنى قوله (ونودوا) أي قال لهم خزنة الجنة ~~بأعلى صوت (أن) أي بأنه، ف «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف وهو ضمير ~~الشأن، وخبرها (تلكم الجنة) التي وعدتم بها (أورثتموها) حال من «الجنة»، ~~والعامل ما PageV02P059 # في «تلكم» «1» من الإشارة، أي أعطيتموها (بما كنتم تعملون) [43] أي بسبب ~~عملكم في الدنيا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 44] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) # قوله (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) إخبار بما قال أهل الجنة عند ~~دخولهم الجنة لأهل النار اعترافا بنعم الله وتغيظا عليهم (أن) أي أنه (قد ~~وجدنا ms0516 ما وعدنا ربنا) من الثواب (حقا) أي صدقا (فهل وجدتم ما وعد ربكم) من ~~العذاب (حقا) أي صدقا، فحذف المفعول من «وعد» الثاني لدلالة مفعول الأول ~~عليه وهو «نا»، ووعد يستعمل في الخير والشر (قالوا نعم) فاعترفوا على ~~أنفسهم حين لا ينفعهم الاعتراف، قرئ بكسر العين وفتحها «2» من نعم حيث وقع ~~في القرآن، وهو لتصديق ما سبق من الموجب، وهو وجدتم ولم يقل بلى، لأنه جواب ~~استفهام دخل على النفي (فأذن) أي نادى لإعلام الفريقين (مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين) [44] بتشديد «أن» ونصب «لعنة» بها وبتخفيفها من الثقيلة ~~ورفع «لعنة» «3»، أي إنه عذاب الله على الكافرين. ### || [سورة الأعراف (7): آية 45] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) # (الذين يصدون) أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي عن ملة الإسلام ~~(ويبغونها) أي يطلبون سبيل الله وهو ملة الإسلام (عوجا) أي زيغا عن الهدى ~~(وهم بالآخرة) أي بالبعث (كافرون) [45] أي جاحدون. ### || [سورة الأعراف (7): آية 46] # وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة ~~أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) # (وبينهما) أي بين الفريقين من أهل الجنة والنار (حجاب) للامتياز بينهما ~~بعد الاجتماع، وهو السور المضروب بينهم فوق الصراط، وهو نوع من العذاب ~~للكفار، وقيل: «هو السور المسمى بالأعراف بمعنى العوالي لارتفاعه المضروب ~~بين الجنة والنار» «4»، وقيل: «من المعرفة، لأن من كان عليه يعرف أهل الجنة ~~والنار» «5» (وعلى الأعراف) أي وعلى أعراف الحجاب وهي أعاليه، جمع عرف، ~~استعير من عرف الديك والفرس (رجال) من المسلمين، وهم الذين يحبسون فيه ~~لقصور أعمالهم إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة، قيل: «هم الذين استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم لا فضلة ترجح إحديهما إما إلى الجنة أو إلى النار» «6» أو ~~«قوم قتلوا في سبيل الله مع عصيان آبائهم» «7» أو «خرجوا إلى الغزو بلا إذن ~~آبائهم فقتلوا» «8» أو «هم أولاد الزنا من الصالحين» «9» أو «الشهداء ~~العدول في الآخرة الذين ينظرون ما يقضي بين الناس» «10» أو «هم أهل الفضل ~~من المؤمنين» «11»، أعني ms0517 الذين لا عمل لهم ووقفوا حتى يدخلوا الجنة بفضله ~~تعالى (يعرفون كلا) من السعداء والأشقياء (بسيماهم) أي بعلاماتهم من بياض ~~الوجوه لأهل الإيمان وسوادها لأهل الكفر (و) إذا نظروا إلى أهل الجنة ~~(نادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) حين مروا بهم ببياض الوجوه ليدخلوا ~~الجنة (لم يدخلوها) أي لم يدخل أهل الجنة الجنة حتى يسلم عليهم أهل الأعراف ~~(وهم يطمعون) [46] أي يطعم أهل الجنة PageV02P060 # دخولها، وقيل: لم يدخل أهل الأعراف الجنة فيسلم أهل الأعراف على أهل ~~الجنة الذين دخلوها «1»، والجملة «لم يدخلوها» مع ما بعدها «2» استئناف، ~~كأن سائلا يسأل كيف حال أهل الأعراف؟ فقيل: لم يدخلوها وهم يطعمون دخلوها ~~أيضا، قال الحسن: «والله ما جعل الله ذلك الطعم في قلوبهم إلا لكرامة ~~يزيدهم بها» «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 47] # وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين (47) # (وإذا صرفت) أي قلبت (أبصارهم تلقاء أصحاب النار) أي إلى جهتهم، يعني إذا ~~نظر أهل الأعراف إلى ناحية أهل النار ورأوا ما هم فيه من العذاب (قالوا) ~~مستعيذين بالله داعين إليه وموبخين لهم (ربنا لا تجعلنا القوم الظالمين) ~~[47] أنفسهم بالكفر والضلالة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 48] # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون (48) # (ونادى أصحاب الأعراف رجالا) من الكفار في النار (يعرفونهم بسيماهم) أي ~~بعلامتهم معرفة سابقة (قالوا) توبيخا لهم (ما أغنى عنكم) أي أي شيء نفع بكم ~~(جمعكم) من المال والولد (وما كنتم تستكبرون) [48] أي وتكبركم عن الإيمان ~~في الدنيا من نزول العذاب بكم هنا، ويقول أهل الأعراف أيضا إذا رأوا رجالا ~~من رؤوس الكفرة كأبي جهل وأصحابه تنبيها للأبرار من المسلمين كبلال وصهيب ~~والضعفة منهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 49] # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) # (أهؤلاء الذين أقسمتم) أي حلفتم لأجلهم (لا ينالهم الله برحمة) أي لا ~~يدخلهم الله جنته، ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف أيضا (ادخلوا الجنة ~~لا خوف عليكم) فيما يستقبل (ولا ms0518 أنتم تحزنون) [49] فيما مضى، وفائدة حبس ~~أهل الأعراف في الأعراف «4» ثم إدخالهم الجنة الإعلام بأن الجزاء على قدر ~~الأعمال، وإن التقدم والتأخر على حسبها، يعني لا يسبق أحد عند الله إلا ~~بسبقه في العمل ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه «5» فيه، وترغيب السامعين في حال ~~السابقين فيزيد المحسن في إحسانه ويرتدع المسيء عن إساءته ليأمن من التوبيخ ~~والفضاحة يوم القيامة. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 50 الى 51] # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون (51) # (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا) أي ينادي الكفار في النار ~~الأبرار «6» في الجنة أن صبوا لسقينا (علينا من الماء أو) لأطعامنا (مما ~~رزقكم الله) من ثمار الجنة وإنما طلبوا ذلك مع يأسهم عن الإجابة إليه حيرة ~~في أمرهم. # وفيه إيذان على أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في ~~العذاب، وإن الجنة فوق النار (قالوا) أي أهل الجنة مجيبين إياهم (إن الله ~~حرمهما) أي الماء والثمار (على الكافرين الذين اتخذوا دينهم) [50] أي ~~الإسلام الذي جعله الله دينا لهم (لهوا ولعبا) أي باطلا وفرحا (وغرتهم ~~الحياة الدنيا) أي زينتها (فاليوم ننساهم) أي نتركهم في النار كفعل الناسين ~~(كما نسوا لقاء يومهم هذا) فتركوا الإيمان والعمل لأجله لإنكارهم البعث ~~(وما كانوا بآياتنا) أي وكما كانوا بالقرآن (يجحدون) [51] في الدنيا بأنها ~~ليست من الله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 52] # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) PageV02P061 # (ولقد جئناهم بكتاب) أي أكرمناهم بقرآن (فصلناه) أي بينا آياته وأحكامه ~~ومواعظه وقصصه وأمثاله حتى جاء قيما غير ذي عوج (على علم) أي عالمين كيف ~~نفصله (هدى) أي هاديا من الضلالة (ورحمة) أي نعمة منجية من العذاب (لقوم ~~يؤمنون) [52] أي فصلناه لمن آمن به ويعمل بما فيه، وهم لم يؤمنوا به بل ~~أعرضوا عنه بالتكذيب. ### || [سورة الأعراف (7): آية ms0519 53] # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) # (هل ينظرون إلا تأويله) أي ما ينتظرون «1» إلا عاقبة أمره، وهي ظهور صحة ~~ما نطق به من الوعد والوعيد يوم القيامة (يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه) ~~أي تركوه ولم يلتفتوا إليه بالإيمان والعمل (من قبل) أي في الدنيا اعترافا ~~لا ينفعهم (قد جاءت رسل ربنا) حقيقة (بالحق) أي بالصدق بأن البعث كائن ~~فكذبناهم فيه (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) وذلك حين رأوا أن شفعاء من ~~الله يشفعون «2» للمسلمين، فيقال لهم ليس لكم شفيع لقالوا (أو نرد) برفعه ~~إلى الدنيا فنؤمن بالرسل (فنعمل) بنصبه جواب الاستئناف عملا (غير الذي كنا ~~نعمل) فيقول الله (قد خسروا أنفسهم) أي غبنوا حظ أنفسهم (وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون) [53] بأن لهم آلهة يشفعون لهم عند الله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 54] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) # ونزل لما عير النبي عليه السلام المشركين بعبادتهم آلهة «3» من دون الله ~~فقالوا من ربك الذي تدعونا إليه يا محمد «4» (إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام) أي في مقدارها إذ لم يكن ثمه شمس، وقيل: # «في ست ساعات من ستة أيام الدنيا» «5»، وقيل: «في ستة أيام من أيام ~~الآخرة» «6»، طول كل يوم ألف سنة، ولو شاء لخلقها في ساعة واحدة، وإنما ~~خلقهن في الستة تعليما لخلقه التثبت في الأمور، قيل: لا امتداد لخلق الباري ~~تعالى أصلا لا تحقيقا ولا تقديرا، فالتفسير بذلك خطأ بين، والصحيح أن يقال ~~إن الله خلقها في هذه الأيام الستة لا بالامتداد، وقد كانت موجودة قبل خلق ~~السموات والأرض، لأن الأيام قبله لفلك النجوم الثوابت وفلكها ms0520 كان دائرا قبل ~~خلق السموات والأرض «7»، واليوم عبارة عن دورته، وإما النهار والليل فقد ~~حدثا بحدوث السموات والأرض والشمس والقمر وغيرهما من الكواكب ولذلك لم يقل ~~في ستة نهر ولا في ستة ليالي، والله أعلم بحقيقتة (ثم استوى على العرش) بعد ~~خلقه لا لحاجة نفسه استواء يليق بعظمته وهو الحكم، وقيل: استعلى عليه ~~واستولى «8»، والعرش ما علا فأظل، وقياس من قاس الصفات الأزلية على الصفات ~~الزوالية غير منتظم لعدم الجامع، إذ الباري تعالى مقدس عن الانتقال ~~والحلول، وإنما خلقه ليعلم المتعبدون إلى أين يتوجهون بقلوبهم بالعبادة ~~والدعاء في السماء كما خلق الكعبة ليعلموا إلى أين يتوجهون بأبدانهم في ~~العبادة في الأرض (يغشي الليل النهار) بالتخفيف والتشديد «9» في محل النصب ~~على الحال من ضمير «خلق»، أي يغطي الله الليل بالنهار وبالعكس أو يلحق ~~أحدهما بالآخر (يطلبه) في محل الحال من «أحدهما» (حثيثا) PageV02P062 # نصب على الحال أيضا، أي سريعا في طلبه دوام الدنيا (والشمس والقمر ~~والنجوم) برفع الكل للابتداء، والخبر (مسخرات) أي مذللات بالجري لبني آدم، ~~وبالنصب للعطف على منصوب «خلق» ونصب «مسخرات» على الحال «1» (بأمره) أي ~~بتصرفه ومشيته (ألا) كلمة التنبيه بمعنى تنبهوا (له الخلق) كله، لا اشتراك ~~لأحد في خلق شيء من الأشياء (والأمر) أي له الأمر كله بأن يأمرهم ويحكم ~~فيهم بما شاء وينفذ أمره فيهم لا راد لذلك (تبارك الله) أي تعاظم وتزايد ~~خيره في خلقه من البركة، وهي تزايد الخير (رب العالمين) [54] أي مربيهم ~~ومالكهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 55] # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) # ثم أمرهم بأن يدعوه لا غيره بقوله (ادعوا ربكم تضرعا) أي تذللا (وخفية) ~~أي سرا، كلاهما نصب على الحال، أي ذوي تضرع وخفية، يعني ادعوه سرا وعلانية، ~~قيل: «بين دعوة السر والعلانية سبعون ضعفا» «2» (إنه لا يحب المعتدين) [55] ~~أي المتجاوزين الحد في بالدعاء برفع الصوت أو بسؤال منازل الأنبياء، فانه ~~ظلم وحرام، وقيل: هو الدعاء بما لا يحل والدعاء باللعن والخزي أو بالشر «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 56] # ولا تفسدوا في الأرض بعد ms0521 إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين (56) # (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) بارسال الرسول وإنزال كتاب، إذ ~~المعصية فساد الأرض وأهلها أو لا تظلموا فيها فتخربوها، إذ الأرض قامت ~~بالعدل (وادعوه خوفا وطمعا) أي ادعوه في حال الخوف والطمع إلى لقائه «4» أو ~~اعبدوه خوفا من عذابه وطمعا في رحمته (إن رحمت الله قريب من المحسنين) [56] ~~ولم يقل قريبة لإرادة المطر أو الخير أو لكونه صفة شيء، أي شيء قريب أو ~~بمعنى الترحم، والمعنى: أن المحسنين قريب من الجنة وهم الموحدون بالإخلاص. ### || [سورة الأعراف (7): آية 57] # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون (57) # (وهو الذي يرسل الرياح بشرا) بضم الباء وسكون الشين، من البشراة، جمع ~~بشير، وبضم النون والشين جمع نشور، أي ناشرة للمطر، وبضم النون وسكون الشين ~~تخفيف نشر، وبفتح النون وسكون الشين مصدر نشر «5» (بين يدي رحمته) أي قدام ~~نعمته، وهي المطر (حتى إذا أقلت) أي حملت الرياح (سحابا) جمع سحابة (ثقالا) ~~بالمطر (سقناه) أي نسوق السحاب (لبلد ميت) أي لإحياء مكان يابس لا نبات فيه ~~(فأنزلنا به) أي بالبلد أو بالسوق (الماء فأخرجنا به) أي بالماء أو بالسحاب ~~أو بالبلد (من كل الثمرات) أي من ألوانها (كذلك) أي مثل إخراج النبات من ~~الأرض بالماء (نخرج الموتى) من القبور يوم نفخة الصورة الثانية، قيل: «إذا ~~كان وقت النفخة الأخيرة أمطرت السماء أربعين ليلة مثل مني الرجال، فتنبت ~~الأجساد تحت الأرض بذلك الماء، ثم نفخ في الصور فاذا هم قيام ينظرون» «6» ~~(لعلكم تذكرون) [57] يا أهل مكة، فتؤمنون بالبعث. ### || [سورة الأعراف (7): آية 58] # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون (58) # ثم ضرب مثلا لمن ينتفع بالوعظ ولمن لا ينتفع به بعد البيان تشبيها به ~~فقال (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن PageV02P063 # ربه) أي المكان العذب المنبت اللين من ms0522 الأرض يخرج نباته حسنا، فينتفع به ~~كذلك المؤمن اللين القلب إذا سمع الموعظة يدخل في قلبه فينتفع بها (والذي ~~خبث) أي البلد الذي لا ينبت لكونه سبخا إذا أمطر السحاب عليه بالماء العذب ~~(لا يخرج) نباته (إلا نكدا) أي عسرا بمشقة، وأصل النكد الضيق والشدة كذلك ~~الكافر القسي القلب إذا سمع الموعظة من القرآن وغيره، لا يدخل في قلبه ~~لقساوته فلا ينتفع بها بالتوبة والإيمان (كذلك) أي مثل التصريف، أي بيان ~~الكلام (نصرف الآيات) أي نرددها ونبينها (لقوم يشكرون) [58] أي يعرفون الله ~~ويشكرون نعمته التي هي هذا البيان. ### || [سورة الأعراف (7): آية 59] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) # ثم هددهم بذكر قصة من كان قبلهم بقوله (لقد أرسلنا) وهو جواب قسم محذوف، ~~أي والله لقد بعثنا (نوحا إلى قومه) بالرسالة، وكان ابن خمسين سنة أو ~~مائتين، ولا يستعمل لام القسم إلا مع «قد» للتوقع تأكيدا للجملة المقسم ~~عليها التي هي جوابه فتكون «1» مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند ~~استماع المخاطب كلمة القسم، فأتاهم نوح «2» (فقال يا قوم اعبدوا الله) أي ~~وحدوه وأطيعوه (ما لكم من إله غيره) قاله بيانا لوجه اختصاصه بالعبادة، أي ~~لا رب سواه لكم بجر «الغير» صفة ل «إله» وبرفعه «3» بدلا من موضع «إله»، ~~لأن «من» زائدة وهو مرفوع بالابتداء، ثم قال لبيان الداعي إلى عبادته (إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [59] وهو الغرق بالطوفان. ### || [سورة الأعراف (7): آية 60] # قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين (60) # (قال الملأ) أي الأشراف (من قومه) الكفرة (إنا لنراك في ضلال مبين) [60] ~~أي في خطأ ظاهر عند العقلاء. ### || [سورة الأعراف (7): آية 61] # قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) # (قال) نوح (يا قوم ليس بي ضلالة) فردهم في الجواب بنفي ما قالوه، وهو من ~~حسن الأدب في الجواب، وإنما لم يقل «ضلال» بلا تاء كما قالوا، لأنه أبلغ في ~~نفي الضلال ms0523 عن نفسه لكونه مفردا في سياق النفي يفيد العموم، أي ليس بي شيء ~~من الضلال، ثم قال (ولكني رسول) يهدي إلى صراط مستقيم (من رب العالمين) ~~[61] أي مالكهم ورازقهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 62] # أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) # قوله (أبلغكم) بالتخفيف من الإبلاغ وبالتشديد «4» من التبليغ لمعنى ~~المبالغة، أي أنهيكم (رسالات ربي) جملة مبنية لما قبلها، يعني أوصل إليكم ~~أحكام سيدي من أوامره ونواهيه (وأنصح) أي وأريد (لكم) بهذه الرسالة الخير، ~~يقال نصحته ونصحت له، واللام للمبالغة في النصح، وهو إرادة الخير لغيرك كما ~~تريد لنفسك، ثم قال تأكيدا لنصحه (وأعلم من الله ما لا تعلمون) [62] وهو ~~نزول العذاب بكم إن لم تؤمنوا، لأن علمه أوجب عليه نصحه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 63] # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون (63) PageV02P064 # ثم قال بالاستفهام الإنكاري حين قال الأشراف للأتباع لا تتبعوه «1»، لأنه ~~بشر مثلكم (أوعجبتم) أي أكذبتم وعجبتم (أن جاءكم ذكر) أي موعظة (من ربكم ~~على) لسان (رجل منكم) تعرفون نسبه (لينذركم) بالنار إن لم تؤمنوا (ولتتقوا) ~~أي وليوجد منكم التقوى من الشرك والمعصية (ولعلكم ترحمون) [63] أي لتغفروا ~~وتنجوا من العذاب بسببها إن تؤمنوا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 64] # فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين (64) # (فكذبوه) أي نوحا (فأنجيناه والذين معه) أي الذين «2» اتبعوه بالإيمان به ~~(في الفلك) أي في السفينة من الغرق، وهو متعلق ب «معه»، أي الذين «3» صحبوه ~~في الفلك (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [64] عن الحق ~~وعن نزول العذاب، جمع عم، أي جاهل أو فاقد البصيرة أو فاقد البصر، والأصل عمي. ### || [سورة الأعراف (7): آية 65] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون (65) # قوله (وإلى عاد أخاهم هودا) عطف على «نوحا»، وكان عاد قبيلة من اليمن، ~~وقيل: كان في الأصل اسم ملك ينسب القوم إليه «4»، أي وأرسلنا إلى عاد ~~الأولى هود بن شالخ ms0524 بن أرفحشد بن سام بن نوح، وهو عطف بيان ل «أخاهم» في ~~النسب لا في الدين، وكانوا بالأحقاف رمال طويلة بين عمان وحضرموت يعبدون ~~الأصنام فيها، ويقهرون الناس بالظلم، فأتاهم هود بالرسالة من الله لأجل ~~التوحيد وترك الظلم، فذكرهم ووعظهم (قال) ولم يقل فقال، لأنه في تقدير سؤال ~~فما قال لهم هود، فقيل قال (يا قوم اعبدوا الله) أي وحدوه (ما لكم من إله ~~غيره) أي لا رب سواه لكم (أفلا تتقون) [65] أي أتشركون فلا تخافون من عذابه ~~بترك الشرك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 66] # قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين (66) # (قال الملأ الذين كفروا من قومه) أي من قوم هود (إنا لنراك في سفاهة) أي ~~في جهالة وخفة عقل (وإنا لنظنك من الكاذبين) [66] بأنك رسول من الله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 67] # قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين (67) # (قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول) إليكم (من رب العالمين) [67] أي ~~خالقكم ورازقكم وخالق الخلق ورازقهم أجمعين. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 68 الى 69] # أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون (69) # (أبلغكم رسالات ربي) أي أحكامه (وأنا لكم ناصح أمين) [68] أي مأمون من ~~الخيانة اليوم كما كنت أمينا لكم قبل هذا اليوم، فكذبوا هودا فقال (أوعجبتم ~~أن جاءكم ذكر) أي بيان ورسالة (من ربكم على) لسان (رجل منكم) تعرفون نسبه ~~وحسبه (لينذركم) عذاب الله (واذكروا إذ جعلكم) مفعول به، أي وقت جعلكم ~~(خلفاء) جمع خليفة، أي خلائف في الأرض (من بعد) هلاك (قوم نوح وزادكم في ~~الخلق بسطة) أي طولا وقوة، قيل: «كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعا» ~~«5»، وكان أقواهم من يضرب برجله الأرض فيغور إلى ركبته، وقيل: كان قوتهم في ~~المال والعدد والعدد «6»، وقال لهم (فاذكروا آلاء الله) أي اشكروا نعم الله فيكم، ms0525 PageV02P065 # جمع إلى بالحركات الثلث للهمزة، قيل: الآلاء النعم الظاهرة والنعماء ~~النعم الباطنة «1»، ومنها دفع البلية، وقيل: # كلاهما بمعنى واحد «2» (لعلكم تفلحون) [69] من عذابه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 70] # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (70) # (قالوا أجئتنا) من معبدك الذي اعتزلت به عنا (لنعبد الله وحده) مصدر في ~~موضع الحال من «الله»، أي أتيتنا لتأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نعبد ربا ~~سواه (ونذر ما كان يعبد آباؤنا) أي ونترك عبادة آلهتنا التي كان آباؤنا ~~عابديها من قبل، فقال لهم هود: إن لم تعبدوا الله وحده يأتيكم العذاب وهو ~~الريح العقيم فاستهزؤه، وقالوا (فأتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت من ~~الصادقين) [70] في رسالتك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 71] # قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) # (قال) هود (قد وقع عليكم) أي وجب (من ربكم رجس) أي عذاب (وغضب) أي ومذمة ~~في الدنيا (أتجادلونني في أسماء) هي آلهة لأصنامهم (سميتموها) لها (أنتم ~~وآباؤكم) آلهة، يعني أتجعلون قولكم وقول آبائكم حجة بأنها آلهة (ما نزل ~~الله بها من سلطان) أي حجة وبيانا فقصدوا بأن يهلكوه، فقال (فانتظروا) ~~الهلاك بي (إني معكم من المنتظرين) [71] بهلاككم بالعذاب من ربي. ### || [سورة الأعراف (7): آية 72] # فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما ~~كانوا مؤمنين (72) # فقال تعالى (فأنجيناه) أي هودا (والذين) آمنوا (معه برحمة منا) أي بنعمة ~~عليهم منا (وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) أي قطعنا آخر المكذبين ~~باستئصالهم (وما كانوا مؤمنين) [72] أي وهم كانوا كافرين حال الهلاك ~~والمؤمنون قد نجوا منه، وفيه تعريض لمن لم يؤمن منهم، قيل: «أرسل عليهم ~~الريح العقيم التي تحت الأرضين السبع مقدار ما يخرج من حلقة الخاتم فجاءتهم ~~وهربوا منها فدخلوا بيوتهم فأخرجتهم الريح منها وحملت الرجال والدواب ~~كالأوراق في الهواء فأهلكتهم كلهم وأهالت «3» عليهم الرمال سبع ليالي ~~وثمانية أيام ثم رمت بهم ms0526 في البحر» «4». ### || [سورة الأعراف (7): آية 73] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) # ثم قال تعالى (وإلى ثمود) أي أرسلنا إلى ثمود (أخاهم) في النسب (صالحا) ~~نبيا، وثمود اسم القبيلة لا ينصرف للتعريف والعجمة، وقيل: هو ثمود بن عابر ~~بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم الحجر بين الشام والحجاز إلى وادي ~~القرى، فخوفهم صالح بعذاب الله سنين كثيرة «5» (قال يا قوم اعبدوا الله) أي ~~وحدوه (ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم) أي علامة لنبوتي، وهي ~~ما سألتم به من خروج الناقة من هذه الصخرة، فقال (هذه ناقة الله لكم آية) ~~لكي تعتبروا بها فتؤمنوا بربكم، قيل: دعاهم إلى الله، وكانوا تسعمائة أو ~~الفا وخمسمائة أهل بيت، وأنذرهم ليلا ونهارا، فكذبوه وأرادوا قتله، فقالوا ~~له إن كنت نبيا فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء حتى نؤمن بك، فقام صالح ~~فصلى ركعتين ودعا ربه، فتحركت الصخرة فانشقت عن ناقة عشراء تصوت، فلم ~~يؤمنوا به فولدت الناقة ولدا، وكان في القرية تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون فاجتمعوا لقتل الناقة «6»، فقال صالح عليه السلام لا تفعلوا (فذروها ~~تأكل في أرض الله) أي دعوها ترعى في أرض PageV02P066 # الحجر، فانها أرض الله والناقة ناقته (ولا تمسوها بسوء) أي بعقر ولا ضرب ~~(فيأخذكم) بالنصب جواب النهي، يعني إن تمسوها بسوء يأخذكم (عذاب أليم) [73] ~~وهو صيحة جبرائيل أو صاعقة تحرقهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 74] # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) # (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد) أي بعد هلاكهم، وذلك أنه لما هلكت ~~عاد جعل الله ثمود خلفاء بعدهم وعمروا القصور ونحتوا البيوت في الجبال، ~~فأخبرهم بأن الله فعل ذلك بكم (وبوأكم) أي ms0527 أنزلكم (في الأرض) أي في أرض ~~الحجر (تتخذون من سهولها) أي من سهولة الأرض (قصورا) بالجص والطين والآجر ~~تسكنون فيها في أيام الصيف (وتنحتون الجبال بيوتا) حال مقدرة، يعني تتخذون ~~بيوتا في الجبال أيام الشتاء، فاعرفوا هذه النعم (فاذكروا آلاء الله) أي ~~واشكروا نعمة التي عليكم (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [74] أي لا تفسدوا ~~فيها بالمعاصي في مقابلة تلك الآلاء، فاحفظوا ناقة الله بترك القتل، وكانت ~~الناقة تضيق على مواشيهم في المأكل والمشرب والمقيل والمسرح لكبر خلقها، ~~قيل: «كان مبركها ستين ذراعا» «1». ### || [سورة الأعراف (7): آية 75] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) # (قال الملأ) بغير واو وبواو «2»، أي وقال الأشراف (الذين استكبروا) أي ~~تعظموا عن الإيمان بصالح (من قومه للذين استضعفوا) أي لسفلتهم (لمن آمن ~~منهم) بصالح، بدل من «للذين» بتكرير العامل، والضمير في «منهم» للمستضعفين ~~أو لقومه (أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه) إليكم فآمنتم به (قالوا) نعم (إنا ~~بما أرسل به مؤمنون) [75] يعني لا شك عندنا في رسالته إلينا وإليكم لكونها ~~أمرا معلوما مسلما لا كلام فيه لوضوحه، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به ~~فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذا لم يقولوا في جوابهم أنه مرسل من ربه. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 76 الى 77] # قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) فعقروا الناقة وعتوا ~~عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) # (قال الذين استكبروا) أي المتكبرون (إنا بالذي آمنتم به كافرون) [76] ~~فلما أضرت بهم الناقة، لأنها تأتي مراعيهم فتنفر منها دوابهم وتأتي العين ~~فتشرب جميع الماء الذي فيها، جعل صالح الماء قسمة بينهم يوما للناقة ويوما ~~لأهل القرية ومواشيهم بشرط أن لا يحضر أحد منهم العين في يوم الناقة، فتأتي ~~الناقة وتشرب الماء كله ويحلبونها في ذلك اليوم مقدار ما يكفيهم من لبنها، ~~فلم يتحملوا تلك القسمة (فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم) أي عصوا أمر ~~الله ms0528 بترك الإيمان بصالح بعد ثبوت الحجة عليهم، ثم قتلوا ناقة الله التي ~~أمروا بحفظها واقتسموا لحمها، قيل: قتلها في طريقها متوجهة إلى العين ~~أشقاهم قدار بن سالف، وإنما جمعوا معه لرضاهم بفعله، فجاء صالح فرآه الفصيل ~~فبكى، ثم رغا ثلثا وذهب إلى الجبل قائلا أين أمي أين أمي أين أمي، فانفجرت ~~الصخرة التي خرجت منها أمه فدخلها وكان يوم الأربعاء، فقال صالح: يا قوم ~~تعيشون بعد ثلثة أيام بثلث علامات تصفر وجوهكم أول يوم وتحمر في اليوم ~~الثاني وتسود في الثالث، ويأتيكم العذاب في الرابع وكان كذلك فكذبوه «3» ~~(وقالوا) استهزاء (يا صالح ائتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت من ~~المرسلين) [77] أي رسولا منهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 78] # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) # (فأخذتهم الرجفة) أي زلزلة الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء وهي صيحة ~~جبرائيل فيها صوت كل PageV02P067 # ذي صوت فتمزقت، قلوبهم فماتوا كلهم بها (فأصبحوا) أي صاروا (في دارهم ~~جاثمين) [78] أي في منازلهم ميتين قعودا لا يتحركون، يقال جثم الطائر إذا ~~قعد، وقيل: أصابهم العذاب بكرة يوم الأحد «1». ### || [سورة الأعراف (7): آية 79] # فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين (79) # (فتولى) أي أعرض (عنهم) صالح بعد هلاكهم وناداهم ميتين متحزنا على ما ~~فاته من إسلامهم وموبخا لهم معجزة له (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم) أي دعوتكم إلى التوبة من الكفر وحذرتكم عذاب الله وغضبه (ولكن ~~لا تحبون الناصحين) [79] أي حكاية حال ماضية، أي لا تطيعون الداعي إلى ~~الخير، قيل: ثم خرج صالح بمن آمن به إلى حضرموت، فمات بها «2»، وقيل: «مات ~~بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة» «3» لما روي إن نبيا من الأنبياء كان إذا ~~هلك قومه جمع المؤمنين به بمكة يعبدون الله حتى يموتوا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 80] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) # (ولوطا) أي وأرسلنا «4» لوطا وهو ابن تارخ بن أخي إبراهيم عليهما السلام، ~~وأبدل منه «5» (إذ قال) أي اذكر ms0529 «6» وقت قوله (لقومه) بسدوم في خمس مدائن ~~(أتأتون الفاحشة) أي السيئة القبيحة، وهي إتيان الذكران (ما سبقكم بها) أي ~~بعمل الفاحشة (من أحد) «من» زائدة لاستغراق النفي وهو فاعل «سبق» (من ~~العالمين) [80] «من» فيه للتبعيض، ومحل الجملة حال أو استئناف للتوبيخ بعد ~~إنكار الفاحشة عليهم، أي أنتم أول من عملها، فلا تعملوا ما لم تسبقوا به. ### || [سورة الأعراف (7): آية 81] # إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) # (إنكم لتأتون الرجال) بلا استفهام مع كسر «إن» بيان الفاحشة وبهمزتين ~~محققتين الأولى لاستفهام التوبيخ والتهديد، وبتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، ~~وبهما مع إدخال ألف بينهما، وبتحقيقهما «7» كذلك، و«تأتون» من أتى فلان ~~المرأة إذا جامعها «8»، أي إنكم لتجامعون الذكور من جنسكم «9» (شهوة) نصبها ~~حال، أي مشتهين أو مفعول له، أي للاشتهاء (من دون النساء) محله نصب صفة ~~«الرجال» بحكم زيادة الألف واللام فيه، أي رجالا هم دون النساء، أي ~~مغايروها في الشهوة، لأن محلها النساء بأمر الله تعالى، وفيه زجر وتجهيل ~~لهم، فلما لم يزجروا أضرب عنهم بقوله (بل أنتم قوم مسرفون) [81] بالمبالغة ~~في تحصيل اللذات البهيمية بالجهل أو مجاوزون الحلال إلى حرام. ### || [سورة الأعراف (7): آية 82] # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) # (وما كان جواب قومه) بالنصب خبر «كان»، أي لم يكن جوابهم بعد موعظة لوط ~~إياهم (إلا أن قالوا) فيما بينهم، محله رفع اسم «كان» (أخرجوهم) أي لوطا ~~ومن آمن به (من قريتكم) ثم قالوا مستهزئين (إنهم أناس يتطهرون) [82] أي ~~يتنزهون من عملنا وهو إتيان الفاحشة، وهو ليس بجواب عن إنكاره وإنما هو كلام PageV02P068 # وقع منهم عقيب إنكاره تضجرا منه فكأنه هو الجواب. ### || [سورة الأعراف (7): آية 83] # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) # ثم قال تعالى (فأنجيناه) أي لوطا (وأهله) أي المؤمنين به (إلا امرأته) ~~وهي واعلة (كانت من الغابرين) [83] أي الباقين في العذاب، لأنها والت بهم ~~فهلكت معهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 84] # وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) # (وأمطرنا عليهم مطرا) ms0530 أي مطر الحجارة، يقال مطر في الرحمة وأمطر في ~~العذاب، وقيل: هما واحد «1»، يعني أنذرهم لوط إنذارا بليغا، فكفروا به ~~فأهلكوا بغضب الله (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) [84] أي الكافرين ~~بالأنبياء، روي: «أن تاجرا منهم كان في حرم مكة فوقف له الحجر في السماء ~~أربعين يوما حتى قضى تجارته فيها وخرج من الحرم فوقع ذلك الحجر عليه» «2»، ~~قال أبو حنيفة رحمه الله: «إن من عمل عمل قوم لوط يعزر ويحبس حتى يتوب ولا ~~يحد» «3»، وقيل: «يلقى من أشرف البناء منكوسا ثم يتبع الحجارة» «4»، وقيل: ~~يرجم إن كان محصنا ويجلد إن كان غيره كالزاني «5»، وقيل: «يرجم في كل ~~الأحوال» «6»، ومن تاب تاب الله عليه. ### || [سورة الأعراف (7): آية 85] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) # (وإلى مدين) أي وأرسلنا إلى أهل مدين وهو كان اسم ابن إبراهيم خليل ~~الرحمن، فسميت المدينة باسمه، روي: أن إبراهيم بعد خروجه من النار تزوج ~~ابنة نمروذ اللعين فتولد منها، ثم ابنه تزوج ابنة لوط فولدت آل مدين، ~~فتوالدوا وكثروا وعصوا بالكفر والمعاصي فبعث الله إليهم «7» (أخاهم شعيبا) ~~في النسب لا في الدين، وقيل: في المجانسة «8»، لأنهم لم يكونوا قبيلته، ~~وكانوا يظلمون الناس، فدعا قومه إلى الله بالتوبة من الكفر والظلم (قال يا ~~قوم اعبدوا الله) أي وحدوه وأطيعوه (ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ~~ربكم) أي معجزة ظاهرة منه تعالى على صدقي، وبذلك يرد قول من قال لم يكن ~~لشعيب معجزة سوى مجيئه وإخباره بأن الله واحد، لأنه لا بد لمدعي النبوة من ~~معجزة تشهد على صدقه، وإلا لم تصح دعواه فلم بقبل بغير آية غير أن معجزته ~~لم تذكر في القرآن، وذكرها فيه غير لازم كما لم يذكر أكثر معجزات نبينا ~~محمد عليه السلام فيه، ومن معجزات شعيب عليه السلام محاربة ms0531 العصا التي ~~دفعها إلى موسى لرعي غنمه التنين وقتله حين نام موسى في المرعى وترك الغنم ~~يرعى فيه ولم يكن موسى بعد نبيا، فقد اشتهر ذلك بين أهل مدين، فآمن به من ~~آمن منهم، ومنها ولادة الغنم الدرع خاصة في تلك السنة التي وعده أن يكون له ~~الدرع من أولادها وغير ذلك من الآيات التي ذكرت في التفاسير. # والدرع جمع أدرع، وهو الشاة التي فيها سواد وبياض، فقيل: كان أهل مدين ~~باخسين الناس في مبايعاتهم ومكاسين في الثمن والكيل والوزن «9»، فقال ~~(فأوفوا الكيل) أي آلة الكيل، وهي المكيال، مصدر سمي به بقرينة قوله ~~(والميزان) أو المراد فأوفوا الكيل ووزن الميزان أو الميزان بمعنى المصدر ~~كالميعاد بمعنى الوعد، أي أتموهما كما أمرتم بالعدل (ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم) أي لا تنقصوا حقوقهم في البيع والشرى (ولا تفسدوا في الأرض) ~~بالمعاصي (بعد إصلاحها) أي بعد إصلاح أهلها ببيان الحق لهم، يعني بعد أن ~~بين الله PageV02P069 # الحق فيها ببعث الرسل وإقامة الشرع لنشر العدل ورفع الظلم (ذلكم) أي ~~إيفاء الكيل والوزن وترك الفساد في الأرض (خير لكم) في الدنيا والآخرة (إن ~~كنتم مؤمنين) [85] أي مصدقين بنبوتي وقولي الحق لكم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 86] # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) # (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون) من الإيعاد وهو التخويف، حال من فاعل «ولا ~~تقعدوا»، أي في كل طريق من طرق الناس تخوفونهم بالقتل (وتصدون) أي تصرفون ~~(عن سبيل الله) أي دينه الإسلام (من آمن به) مفعول «تصدون»، أي من صدق ~~بالله ودينه (وتبغونها عوجا) أي وتطلبون طريق الحق أن يكون زيغا غير مستقيم ~~بنهيكم الناس عن الإسلام وقطع الطريق وأخذ الأموال منهم ظلما (واذكروا إذ ~~كنتم قليلا) في العدد (فكثركم) أي كثر عددكم، لأن مدين تزوج بابنة لوط، ~~فكثر نسلهما أو كنتم قليل المال فأغناكم بكثرته (وانظروا) نظر عبرة (كيف ~~كان عاقبة المفسدين) [86] أي كيف كان «1» آخر أمر ms0532 من أفسد في الأرض قبلكم، ~~كذب بالرسل كقوم نوح وعاد وثمود، فيه إشارة إلى أن الله لا يعذب الكافر ~~بكفره فحسب «2» حتى يضم إليه ذنبا آخر غيره. ### || [سورة الأعراف (7): آية 87] # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (87) # (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به) أي إن كان جماعة آمنوا بي ~~وأنتم تحقرونهم (وطائفة لم يؤمنوا) بي وأنتم تفضلونهم على المؤمنين ~~(فاصبروا) أي انتظروا (حتى يحكم الله بيننا) أي يقضي بين المؤمنين بانجائهم ~~والكافرين باهلاكهم فثمه تعلمون من أفضل عاقبة منهما (وهو خير الحاكمين) ~~[87] لأنه يحكم بالعدل ودفع الظلم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 88] # قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) # (قال الملأ الذين استكبروا) أي أشرافهم الذين تعظموا عن الإيمان بالله ~~(من قومه) أي من قوم شعيب (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو ~~لتعودن) أي لتدخل أنت وأتباعك بالإيمان (في ملتنا) أي في ديننا الذي نحن ~~عليه، والعود الرجوع إلى الحال الأول، ولم يكن شعيب قط على دينهم، وإنما ~~تناوله الخطاب تغليبا للجمع الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد الكفر على ~~الواحد، لأن من تبعه كان منهم (قال) شعيب (أولو كنا) أي أتعيدوننا (كارهين) ~~[88] هذه الحالة؟ قالوا: نعم، فقال شعيب لهم بكلام في معنى التعجب. ### || [سورة الأعراف (7): آية 89] # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) # (قد افترينا على الله كذبا) بتصديق دينكم، أي ما أكذبنا عليه تعالى بقيد ~~الشرط وهو (إن عدنا) أي إن رجعنا داخلين (في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) ~~أي بعد إذ أكرمنا الله بالإسلام، فأنقذنا من ملتكم، ثم قال مشيرا إلى ms0533 أن لا ~~حكم له في ذلك (وما يكون) أي ما ينبغي (لنا أن نعود فيها) أي في ملتكم (إلا ~~أن يشاء الله ربنا) أن نعود في ملتكم بخذلانه إيانا ونزع المعرفة عن قلوبنا ~~لا بمشيتكم وإكراهكم أو إلا أن يشاء الله ولا يشاء، إذ لا يشاء الكفر منا ~~(وسع ربنا كل شيء علما) أي وسع علمه بما يكون منا ومن الخلق كلهم (على الله ~~توكلنا) في كل أمر من الخير والشر، جواب لقولهم (لنخرجنك يا شعيب)، ثم قال ~~(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) أي PageV02P070 # اقض بيننا وبينهم بالعدل ليرتفع «1» إشكال أمرنا من البين (وأنت خير ~~الفاتحين) [89] أي الكاشفين الإشكال بعد الخلق، لأنك تفعل بالحكمة، والفتح ~~كشف مغلق الأمور وفصله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 90] # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) # (وقال الملأ الذين كفروا من قومه) لسفلتهم «2» (لئن اتبعتم شعيبا) أي ~~والله لئن أطعتم في دينه (إنكم إذا) أي حينئذ (لخاسرون) [90] أي لمغبونون ~~بترك دينكم، وهذه الجملة سادة مسد جواب القسم وجواب الشرط، ولما لم يتعظوا ~~بموعظة شعيب عليه السلام أخبرهم بأن العذاب نازل بهم، فلم يصدقوه فخرج شعيب ~~مع المؤمنين من بين أظهرهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 91] # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) # (فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة عند صيحة جبرائيل وأصابهم حر شديد، فخرجوا ~~من القرية ودخلوا في غيضة لهم، وهي الأيكة فأتتهم صاعقة فأحرقت الأشجار ومن ~~فيها من الناس (فأصبحوا) أي فصاروا (في دارهم) أي في منازلهم (جاثمين) [91] ~~أي ميتين. ### || [سورة الأعراف (7): آية 92] # الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين (92) # ثم أخبر تعالى عنهم فقال تحذيرا لمكذبي الرسل «3» (الذين كذبوا شعيبا) ~~مبتدأ، خبره (كأن لم يغنوا) أي لم يقيموا (فيها) أي في دارهم، يعني ماتوا ~~كان لم يكونوا فيها قط بعد إهلاكنا إياهم في ظن من رآهم، وكرر ذكرهم بقوله ~~(الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) [92] مبالغة في تحذيرهم من الناس. ### || [سورة الأعراف (7): آية 93] # فتولى عنهم وقال يا ms0534 قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على ~~قوم كافرين (93) # (فتولى) أي أعرض شعيب (عنهم وقال) موبخا لهم معجزة له (يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالات ربي) أي أوامره ونواهيه (ونصحت لكم) بنزول العذاب إن لم ~~تطيعوه فكفرتم بالتكذيب وعذبتم (فكيف آسى) أي كيف «4» أحزن بعد إنذاري ~~ونصيحتي (على قوم كافرين) [93] بربي إن عذبوا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 94] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) # (وما أرسلنا في قرية من نبي) أي نبيا من الأبياء فكذبوه (إلا أخذنا ~~أهلها) أي عاقبناهم (بالبأساء) أي بمصيبة شديدة في أموالهم (والضراء) أي ~~بمصيبة مؤثرة في أنفسهم (لعلهم يضرعون) [94] أي لكي يتذللوا ويدعوا ربهم ~~بالخشوع ويؤمنوا برسلنا ويعرفوا ضعف معبوديهم حيث لم ينصروهم من عذاب الله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 95] # ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) # (ثم بدلنا) أي أعطيناهم بالتحويل بعد التضرع (مكان السيئة) أي مكان ما ~~يسوؤهم كالفقر والقحط والمرض والتعب (الحسنة) أي الغنا والخصب والصحة ~~والراحة (حتى عفوا) أي كثروا عددا وأموالا فسروا به وطغوا (وقالوا قد مس ~~آباءنا الضراء والسراء) أي الشدة مرة والرخاء مرة مثل ما مسنا، يعني ليس ما ~~أصابنا بابتلاء من الله، بل هو عادة الدهر (فأخذناهم) بالعذاب (بغتة) أي ~~فجأة (وهم لا يشعرون) [95] بنزول العذاب قبله، قيل: «أوحى الله لموسى إذا ~~رأيت الفقر مقبلا إليك، فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنا مقبلا ~~إليك فقل ذنب عجلت عقوبته» «5». PageV02P071 ### || [سورة الأعراف (7): آية 96] # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن ~~كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) # ثم قال (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا) أي لو ثبت إيمانهم و«1» خافوا ~~ربهم ووحدوه وأطاعوه (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) أي لكشفنا لهم ~~باب الخير ويسرناه عليهم كتيسر أمر الأبواب المغلقة بفتحها، وأنزلنا عليهم ~~بركات كالمطر والنبات والرزق من كل جهة من السماء والأرض (ولكن كذبوا) ~~الرسل ms0535 (فأخذناهم) أي عاقبناهم (بما كانوا يكسبون) [96] من الشرك والمعاصي، ~~قيل: إذا كان المرء شاكرا كان السعة له في رزقه من السعادة وإذا كان غير ~~شاكر كان الغناء له من الشقاوة «2». ### || [سورة الأعراف (7): آية 97] # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) # (أفأمن) الهمزة للإنكار دخلت على فاء العطف والمعطوف عليه، فأخذناهم ~~بغتة، وقوله «ولو أن أهل القرى» إلى قوله «يكسبون» اعتراض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه للتنبيه عن غفلتهم، والمعنى: أنهم فعلوا وصنعوا ما صنعوا ~~فأخذناهم أبعد ذلك أمن (أهل القرى أن يأتيهم بأسنا) أي عذابنا (بياتا) حال، ~~أي بائتين ليلا (وهم نائمون) [97] حال أيضا، قيل: ابنة الربيع بن خثيم ~~قالت: يا أبتاه أرى الناس ينامون وأنت لا تنام، فقال إن أباك لا ينام يخاف ~~البيات، أراد هذا المعنى الذي في الآية «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 98] # أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) # ثم قال تعالى (أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا) أي عذابنا (ضحى) أي ~~نهارا وهو اسم الضوء إذا ارتفعت الشمس، قرئ بفتح الواو للعطف وهمزة ~~الاستفهام و«أو» بسكون الواو على العطف به «4»، أي أو أمنوا أن يأتيهم هذه ~~العقوبات ليلا أو نهارا (وهم يلعبون) [98] أي يشتغلون بما لا ينفع لهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 99] # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) # قوله (أفأمنوا مكر الله) تكرير لقوله «أ فأمن أهل القرى» باعادة الفاء، ~~أي أيأمنون عذابه وهو استدراجه إياهم بتوارد النعم عليهم (فلا يأمن مكر ~~الله) أي عذابه (إلا القوم الخاسرون) [99] أي المغبونون بالعقوبة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 100] # أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) # (أولم يهد) بالياء، أي لا يأمن «5» مكره ولم يرشد إرشاد بيان (للذين ~~يرثون الأرض) أي يسكنونها (من بعد أهلها) أي بعد هلاك أهل الأرض، يعني لأهل ~~مكة بعد هلاك الآمم الماضية قبلهم، وفاعل «لم يهد» (أن لو نشاء) و«أن» ~~مخففة من الثقيلة، يعني ألم يتبين لهم أنا لو ms0536 شئنا «6» (أصبناهم) أي ~~أهلكناهم (بذنوبهم) كما أهلكنا من كان قبلهم بتكذيب رسلهم، قوله (ونطبع) ~~عطف على معنى أو لم يهد لهم، أي يغفلون عن الهداية ونختم (على قلوبهم فهم ~~لا يسمعون) [100] أي لا يقبلون الحق بسماع الموعظة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 101] # تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) # (تلك القرى) مبتدأ، أي تلك البلاد التي أهلكنا أهلها قبل أهل مكة، خبره ~~(نقص عليك) أي نخبرك PageV02P072 # بالقرآن يا محمد (من أنبائها) أي من أخبارها وأسباب هلاكها (ولقد جاءتهم ~~رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحة كالمعجزات وغيرها بحيث لو نظروا فيها ~~نظر عبرة لاهتدوا (فما كانوا ليؤمنوا) عند مجيء الرسل بالمعجزات (بما كذبوا ~~من قبل) أي مع تكذيبهم الرسل قبل قيام المعجزة، فاستوت الحالتان عندهم ولم ~~يؤثر فيهم النصح والوعظ بمجيء الرسل واستمروا على الكفر والتكذيب (كذلك ~~يطبع الله) أي مثل ختمنا على الكافرين المهلكين قبل، نختم (على قلوب ~~الكافرين) [101] من قومك، فلا يؤمنون لذلك مجازاة لكفرهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 102] # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (102) # (وما وجدنا لأكثرهم من عهد) أي عهدا، ف «من» زائدة، أي لم نجد من أكثر من ~~أهلكوا وفاء فيما أمروا به بالرسل أو بما أقروا يوم الميثاق، لأنهم نقضوا ~~العهد بتكذيب الرسل (وإن وجدنا) أي وإنا وجدنا (أكثرهم لفاسقين) [102] أي ~~لخارجون عن الطاعة أو تاركين العهد، ف «إن» مخففة من الثقيلة، واسمها ~~محذوف، والفارق بينها وبين «إن» النافية هو اللام في «لفاسقين». ### || [سورة الأعراف (7): آية 103] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) # (ثم بعثنا من بعدهم) أي بعد هلاكهم (موسى) بن عمران (بآياتنا) أي ~~بالمعجزات التسع (إلى فرعون) ملك مصر (وملائه) أي وجنوده وأتباعه، وكان ~~جبارا ظهر بمصر واستولى عليها بالظلم والكفر، وهو غير فرعون يوسف في الأصح ~~(فظلموا بها) أي جحدوا بالآيات التسع من موسى ظلما وعلوا (فانظر كيف ms0537 كان ~~عاقبة المفسدين) [103] أي الكافرين المكذبين بالرسل، وجملة «كيف» في محل ~~النصب مفعول «انظر». ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 104 الى 105] # وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين (104) حقيق على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) # ثم عطف على «بعثنا» قوله (وقال موسى) حين دخل مع هرون على فرعون (يا ~~فرعون إني رسول من رب العالمين) [104] إليك، قال له فرعون كذبت فقال له ~~موسى (حقيق على) مشددا إضافة إلى الياء، أي واجب على نفسي برسالتي، ف «حقيق ~~على» مبتدأ، خبره (أن لا أقول) وقرئ «على» مخففا «1» بمعنى الباء، أي بأن ~~لا أقول (على الله إلا الحق) أي القول الصادق، فكيف أكذب وأفترى عليه (قد ~~جئتكم ببينة من ربكم) أي بعلامة ظاهرة دالة على رسالتي إليكم (فأرسل معي ~~بني إسرائيل) [105] إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم «2» ولا ~~تستعبدهم ظلما، لأن فرعون استعبدهم وأخذهم سخرة، أي من غير أجر. ### || [سورة الأعراف (7): آية 106] # قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين (106) # (قال) له فرعون (إن كنت جئت بآية) أي بعلامة لنبوتك (فأت بها) أي فأظهرها ~~لنا ليصح دعوتك ويثبت صدقك (إن كنت من الصادقين) [106] بأنك رسول من الله. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 107 الى 108] # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) # (فألقى عصاه) من يده على الأرض (فإذا هي ثعبان مبين) [107] أي حية عظيمة ~~ذكر صفراء لا لبس فيها ففتحت فاها نحو فرعون على سريره، فهرب منها وهرب ~~الناس، فصاحوا إلى موسى ونادى فرعون يا موسى خذها عني وأنا أؤمن بك وأرسل ~~معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما صنع ~~موسى، ثم قال له فرعون هل معك غير هذا قال نعم (ونزع يده) أي أخرجها من ~~جيبه (فإذا هي بيضاء PageV02P073 # للناظرين) [108] وهو يتعلق ب «بيضاء»، لأنه قهر بياضها شعاء الشمس فتعجبت ~~من النظارة وتحيرت. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 109 الى ms0538 110] # قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم ~~فما ذا تأمرون (110) # (قال الملأ) أي الأشراف (من قوم فرعون إن هذا) أي موسى (لساحر عليم) ~~[109] بالسحر علما تاما، نسب هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء بقوله ~~«قال الملأ حوله» «1» ونسب هنا إلى الملإ، ووجهه أنه قد قاله هو وقالوه هم ~~فحكي القولان في موضعهما، فقال لهم فرعون تنفيرا لهم منه (يريد) أي موسى ~~(أن يخرجكم من أرضكم) بسحره، يعني من أرض مصر (فما ذا تأمرون) [110] أي أي ~~شيء تشيرون في أمره. ### || [سورة الأعراف (7): آية 111] # قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) # (قالوا) أي قال الملأ (أرجه) بهمزة ساكنة مع الواو بعد الهاء أرجئهوا، ~~وبلا واو أجئه، وبكسر الهاء بلا ياء أرجئه، وبوصل الياء أرجئهي، وباسكان ~~الهاء من غير همز أرجه، وبكسر الهاء من غير همز أرجه «2»، أي أخره (وأخاه) ~~أي أمرهما عنك وأحبسهما ولا تقتلهما قبل أن يظهر حالهما لئلا يظن الناس ~~أنهما صادقان في دعواهما (وأرسل في المدائن) أي مدائنك (حاشرين) [111] أي ~~رجالا لا يجمعون الناس إليك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 112] # يأتوك بكل ساحر عليم (112) # (يأتوك) بالجزم، جواب الأمر (بكل ساحر عليم) [112] مخففا على وزن فاعل، ~~وهو من يعلم السحر ولا يعلم الغير، ومثقلا «3» على وزن فعال للمبالغة، وهو ~~من يعلم ويعلم الغير. ### || [سورة الأعراف (7): آية 113] # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) # (وجاء السحرة) كلهم (فرعون) قيل: «بلغوا ثمانين ألفا» «4»، «متقدمهم ~~شمعون الساحر» «5» (قالوا) أي السحرة لفرعون «6» ولم يقل «فقالوا»، لأنه ~~جواب سؤال سائل ما قالوا إذ جاؤه (إن) بتحقيق الهمزتين وبه مع إدخال ألف ~~بينهما، وبتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع ألف بينهما، وبهمزة واحدة «7» ~~إخبارا بأنهم يستحقون الأجر على غلبتهم موسى والباقي على الاستفهام، وقدم ~~في (لنا لأجرا) الخبر على الاسم لئلا يجتمع لام التأكيد فيه «8»، أي أتجعل ~~لنا جعلا على غلبتنا إياه «9» (إن كنا نحن الغالبين) [113] على موسى «10». ### || [سورة الأعراف (7): آية 114] # قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) # (قال) ms0539 فرعون (نعم) لكم على أجر «11» استحقاقا (وإنكم لمن المقربين) [114] ~~عندي في المجلس، وأول من PageV02P074 # يدخل على، وآخر من يخرج سوى الأجر والعطية، وهو معطوف على «نعم» لكونه ~~سادا مسد الجملة، فلما اجتمعوا في يوم وعدوه للخروج، وهو يوم الزينة في ~~الإسكندرية. ### || [سورة الأعراف (7): آية 115] # قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين (115) # (قالوا) تأدبا لموسي (يا موسى إما أن تلقي) عصاك على الأرض (وإما أن نكون ~~نحن الملقين) [115] آلاتنا التي معنا قبلك فقابلهم موسى بمثل تأدبهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 116] # قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر عظيم (116) # (قال) موسى «1» (ألقوا) ما معكم قبلي (فلما ألقوا) ما معهم من الآلات ~~(سحروا أعين الناس) أي صرفوها عن إدراك حقيقة صنعهم بالسحر (واسترهبوهم) أي ~~ارهبوهم وخوفوهم (وجاؤ بسحر عظيم) [116] أي بسحر تام «2» عندهم، وقيل: ~~«كانت السحرة سبعين وعصيهم سبعين وحبالهم سبعين» «3» في صورة الحيات أمثال ~~الجبال يركب بعضها بعضا، وكان مكان الإلقاء ميلا في ميل، فوقعت الهيبة في ~~قلوب الناس منها وفي قلب موسى شيء من الخوف البشرية «4». ### || [سورة الأعراف (7): آية 117] # وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) # فقال تعلى (وأوحينا إلى موسى) عند ذلك (أن ألق عصاك) على الأرض، فألقى ~~عصاه، فصارت حية عظيمة سدت جميع حياتهم وما فوقها، وفتحت فاها ثمانين ذراعا ~~(فإذا هي تلقف) بسكون اللام وتخفيف القاف، وبفتح اللام وبشديد القاف «5»، ~~أي تبتلع (ما يأفكون) [117] أي الذي يفتعلونه «6» من الكذب، ثم قصدت أكل ~~القوم فهلك من الزحام منهم خمسة وعشرون ألفا وقصدت إلى فرعون فنادى يا موسى ~~خذها، فأخذها موسى فعادت عصا، فنظرت السحرة قد ذهبت عصيهم وحبالهم جميعا، ~~فتحيرت في أمر موسى. ### || [سورة الأعراف (7): آية 118] # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) # (فوقع الحق) أي فثبت أن الحق مع موسى دون السحرة (وبطل ما كانوا يعملون) ~~[118] أي السحرة من السحر، وقالوا: لو كان موسى ساحرا لبقيت عصينا وحبالنا، ~~فهذا أمر إلهي لا سحر من آدمي. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 119 ms0540 الى 122] # فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا ~~آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) # (فغلبوا هنالك) أي عند هلاك آلاتهم (وانقلبوا صاغرين) [119] أي صاروا ~~ذليلين بين الناس، فلما عجزوا في أمرهم وعلموا أن الأمر لله العلي الكبير ~~آمنوا بموسى (وألقي السحرة ساجدين) [120] لله تعالى من سرعة. # (قالوا آمنا برب العالمين [121] رب موسى وهارون) [122] وإنما أوردوا ~~البدل لئلا يظن الناس أنهم أرادوا برب العالمين فرعون بناء على زعمهم، فظهر ~~عند جميع الناس أنهم أرادوا به رب موسى وهرون، وهو رب العالمين لا فرعون. ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 123 الى 124] # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين (124) # (قال) للسحرة الساجدين (فرعون آمنتم به) بتحقيق الهمزتين بعدهما ألف، ~~وبتسهيل الثانية بعدها ألف، PageV02P075 # وبهمزتين بينهما ألف، الأولى في الكل للاستفهام، وبهمزة واحدة بعدها ألف ~~خبر بمعنى الاستفهام، وقرئ «فرعون وآمنتم» بواو منقلبة عن همزة بعدها ألف ~~مسهلة «1» فيه استفهام أيضا، والكل للإنكار، أي أصدقتم بموسى (قبل أن آذن ~~لكم إن هذا) أي الذي صنعتموه أنتم وموسى (لمكر مكرتموه) أي لحيلة صنعتموه ~~(في المدينة لتخرجوا منها أهلها) أي من مصر بسحركم (فسوف تعلمون) [123] ~~ماذا أصنع بكم أيضا، وهو وعيد، أجمله ثم فصله بقوله (لأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف) أي من كل شق طرفا، يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى (ثم لأصلبنكم) ~~أي لأعلقنكم بعد القطع (أجمعين) [124] على شاطئ نهر مصر عبرة للناس. ### || [سورة الأعراف (7): آية 125] # قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) # (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) [125] في الآخرة بالموت والقتل، فيرحمنا ~~ويثيبنا، فلا نبالي من فعلك وعذابك، إذ لا بد من الموت. ### || [سورة الأعراف (7): آية 126] # وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين (126) # ثم قال له توبيخا (وما تنقم منا) أي وما عذابك لنا بالانتقام (إلا أن ~~آمنا) أي لأن صدقنا (بآيات ربنا لما جاءتنا) أي حين ظهرت أنها ms0541 حق وبه الفخر ~~والحب والفضل عند الله، ولا ذنب لنا به، ثم سألوا الله تعالى على يصيبهم ~~منه الصبر لكيلا يرجعوا عن دينهم الحق فقالوا (ربنا أفرغ) أي أنزل من لدنك ~~«2» (علينا صبرا) واسعا يفيض «3» علينا عند القطع والصلب (وتوفنا مسلمين) ~~[126] أي ثابتين على الإسلام الذي هو دين موسى، قيل: # «قد وقع القطع والصلب عليهم وهم كانوا أول النهار سحرة وصاروا آخر النهار ~~شهداء» «4»، وقيل: لم يقع ذلك من فرعون «5» لقوله تعالى «لا يصلون إليكما ~~بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون» «6». ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 127 الى 128] # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين (128) # (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر) أي أتترك (موسى وقومه) الذين آمنوا به ~~وهم السحرة (ليفسدوا في الأرض) بتغيير دينك في أرض مصر (ويذرك وآلهتك) أي ~~ويدعك ويدع أصنامك التي أمرت الناس بعبادتها، قيل: إن فرعون جعل لقومه ~~أصناما يعبدونها بأمره وكان يقول لهم: هؤلاء أربابكم الصغار وأنا ربكم ~~الأعلى «7»، قال ابن عباس: «يعبد فرعون ولا يعبد» «8» (قال) لهم فرعون بغير ~~واو استئناف (سنقتل أبناءهم) بالتخفيف والتشديد «9» (ونستحيي نساءهم) كما ~~كنا فعلنا بهم قبل، لأنهم قد كانوا تاركين قبل الأبناء فأمرهم أن يرجعوا ~~إليه (وإنا فوقهم قاهرون) [127] أي غالبون، يعني هم عبيدنا نفعل ما نشاء من ~~القتل وغيره، فأعيد PageV02P076 # القتل عليهم فشكت بنوا إسرائيل إلى موسى فثم (قال موسى لقومه) «1» بني ~~إسرائيل (استعينوا بالله) أي اطلبوا النصرة من الله على أعدائكم (واصبروا) ~~على أذاهم حتى يأتيكم مخرج منه (إن الأرض) أي أرض مصر (لله يورثها) أي ~~يعطيها وينزلها (من يشاء من عباده) بعد إهلاك أعدائه الكافرين (والعاقبة) ~~أي عاقبة الأمر للخير (للمتقين) [128] أي للمطيعين مخافة عقاب الله ورجاء ~~ثوابه «2» أو العاقبة الجنة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 129] # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم ms0542 أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) # (قالوا) أي قال بنو إسرائيل (أوذينا) أي عذبنا (من قبل أن تأتينا) ~~بالرسالة (ومن بعد ما جئتنا) باعادة القتل وشدة الاستعباد، قيل: «إن قوم ~~فرعون كانوا لا يعرفون شيئا من الأعمال وكان بنو إسرائيل حذاقا في الأعمال ~~وكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم الأجر» «3»، فبشرهم موسى بأن العاقبة ~~لهم (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم) أي فرعون وقومه (ويستخلفكم في الأرض) أي ~~يجعلكم سكانها من بعد هلاكهم (فينظر) ربكم (كيف تعملون) [129] أي فيبتليكم ~~بهذه النعمة واليسر فيها، فيظهر عملكم من خير وشر يجازيكم عليه كما ابتلاكم ~~بالشدة والعسر بين أعدائكم قبل الاستخلاف. ### || [سورة الأعراف (7): آية 130] # ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) # ثم قال تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون) مشيرا إلى أنه ابتلى قوم فرعون ~~بأشياء كثيرة قبل الإهلاك ليتعظوا ويؤمنوا، فلم يتعظوا بها فأهلكوا، أي ~~ابتليناهم (بالسنين) أي بقحط سنة بعد سنة، جمع سنة بالفتح كسرت السين في ~~الجمع ليدل على أنها جمعت على غير قياس، وأصلها سنوة، فخففت بالحذف، من ~~أسنت القوم إذا قحطوا (ونقص من الثمرات) أي بخسرانها وهلاكها، قال ابن عباس ~~رضي الله عنه: «كانت السنون لباديتهم ونقص الثمرات لأمصارهم» «4» (لعلهم ~~يذكرون) [130] أي يتعظون فيؤمنون، قيل: البلاء يرقق القلوب ويرغب في الآخرة ~~«5»، والعجب أن موسى بقي بعد أن غلب السحرة عشرين سنة يريهم المعجزات، فلم ~~بتعظوا، وروي: «أن فرعون ملك في ثلثمائة وعشرين سنة من مدة عمره، وهي أكثر ~~من ستمائة سنة ولم ير مكروها كالصداع وغيره، فلو رأى فيها شيئا منه لما ~~ادعى الألوهية» «6». ### || [سورة الأعراف (7): آية 131] # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) # (فإذا جاءتهم الحسنة) أي الخصب والرخاء والخير (قالوا لنا هذه) أي هذه ~~مختصة بنا بالاستحقاق ولم يشكروا الله تعالى عليها (وإن تصبهم سيئة) أي قحط ~~وشدة وشر (يطيروا بموسى ومن معه) أي يقولوا «7» هذا بشؤم ms0543 موسى وبشؤم من آمن ~~معه، وإنما قال «إذا» في جانب الحسنة مع التعريف، و«إن» في جانب السيئة مع ~~تنكيرها، لأن «إذا» يدخل في متيقن الوجود و«إن» في جائز الوجود وقلته، ~~والحسنة لكثرة جنسها صارت واجبة الوقوع والسيئة نادرة «8»، ولا يقع إلا شيء ~~منها، ثم قال (ألا إنما طائرهم) أي اعلموا أن الذي أصابهم من الخير والشر ~~لم يكن إلا (عند الله) أي من عنده وإرادته بسبب فعلهم الحسن أو فعلهم ~~القبيح (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [131] أنه من عند الله. PageV02P077 ### || [سورة الأعراف (7): الآيات 132 الى 133] # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) # (وقالوا مهما تأتنا) «مهما» كلمة شرط، أصلها ما ما، ما الأولى الشرطية ~~والثانية زائدة للتأكيد، فقلبت الألف هاء تخفيفا، فصارت اسما واحدا، محله ~~نصب بما بعده أو رفع بالابتداء خبره ما بعده، أي قالوا لموسى أيما شيء ~~تحضرنا (به من آية) والضمير في «به» يرجع إلى لفظ «مهما»، و«من آية» بيان ~~له، وسموها آية اعتبارا لتسمية موسى آية «1» (لتسحرنا) أي لتأخذ أعيننا عن ~~إدراك حقيقة أمرك (بها) يرجع إلى معنى «مهما»، لأنها بمعنى الآية، وعود ~~الضمير إليها يدل على أنها اسم، وجواب الشرط (فما نحن لك بمؤمنين) [132] أي ~~بمصدقين بأنك رسول من الله ولا ننخدع بسحرك، قيل: قولهم هذا أغضب موسى فدعا ~~عليهم «2»، فقال تعالى (فأرسلنا عليهم الطوفان) وهو المطر الدائم من السبت ~~إلى السبت حتى كاد أن يصير مصر بحرا واحدا، فدخل بيوتهم فخافوا الغرق ولم ~~يدخل بيت إسرائيلي مع اشتباكها ببيوتهم، فاستغاثوا بموسى وقالوا: اكشف عنا ~~نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى، فرفع المطر، فأرسل الله الريح ~~فجفت الأرض، فخرج منها النبات والنعم بحيث لم يروا مثلها قط، فقالوا: ما ~~كان هذا المطر إلا نعمة لنا ولدوابنا ولكنا لم نشعر به، فلا والله لا نؤمن ~~بك، ومكثوا شهرا لم يؤمنوا، فدعا عليهم موسى (و) أرسل الله عليهم ms0544 (الجراد) ~~فأكل نباتهم وثيابهم وسقوف بيوتهم، ولم يضر باسرائيلي، فقالوا: اكشف عنا ~~نؤمن بك، فأشار بعصاه شرقا وغربا فهبت الريح بأمره تعالى واحتملت الجراد ~~وألقته في البحر، فقال لهم فرعون انظروا، هل بقي «3» شيء فنظروا، فاذا هو ~~«4» بقية من زرعهم وكلئهم ما يكفيهم عامهم ذلك، فقالوا: يا موسى لا نؤمن ~~بك، ومكثوا على ذلك شهرا فدعا عليهم موسى (و) أرسل الله (القمل) عليهم وهو ~~السوس الذي يخرج من الحنطة، قرئ مخففا بفتح القاف وسكون الميم ومشددا بضم ~~القاف وتشديد الميم «5»، جمع القمل، فأكل ما ترك الجراد وآذاهم قرصا وأكلا، ~~وخبث عليهم أطعمتهم لوقوعه فيها وفي أفواههم ولم يضر باسرائيلي، فاستغاثوا ~~بموسى فدعا موسى ربه فأرسل إليهم «6» ريحا حارة فأحرقته فحملته الريح ~~وألقته في البحر، فقال لهم موسى: آمنوا بربكم وأرسلوا معي بني إسرائيل، ~~فقالوا: يا موسى قد ذهبت الأنزال، أي المنافع كلها منا، فأي شيء تفعل بنا ~~لا نؤمن بك، فمكثوا شهرا، فدعا موسى ربه (و) أرسل الله (الضفادع) من البحر ~~فملأت بيوتهم وفرشهم وخبثت أطعمتهم، وإن جلس الرجل على الأرض يجلس فيها إلى ~~رقبته، وإن فتح فاه دخله وكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق فيجعل فمه في ~~أذنه ليسمع كلامه من كثرة نقيق الضفادع، فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى، ~~فدعا الله فرفعها عنهم، ومكثوا شهرا فلم يؤمنوا (و) أرسل الله (الدم) عليهم ~~فجرت أنهارهم دما، فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل في الماء ~~العذب، وإذا أخذ رجل قبطي من ماء بني إسرائيل ماء صار دما، وجعل فرعون يمضغ ~~الأشجار الرطبة، فيصير ماؤها دما في فيه، وقيل: المراد من «الدم» الرعاف ~~«7»، سلطه الله عليهم عذابا، فمات كثير منهم، فاستغاثوا بموسى فدعا ربه، ~~فذهب الدم وعذب ماؤهم فعادوا إلى كفرهم، فقال تعالى: # أرسلنا عليهم المذكورات (آيات مفصلات) نصب على الحال من المذكورات، أي ~~علامات متتابعات ليعتبروا فيؤمنوا، وكان تفصيلها أن الآية إذا جاءتهم قامت ~~عليهم سبعا من السبت إلى السبت ويعافون بين كل آيتين شهرا (فاستكبروا) أي ~~تعظموا عن ms0545 الإيمان بموسى (وكانوا قوما مجرمين) [133] باقامتهم على كفرهم ~~بعد ما رأوا تلك الآيات العظام. PageV02P078 ### || [سورة الأعراف (7): آية 134] # ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) # (ولما وقع عليهم الرجز) أي حين «1» حل بهم العذاب (قالوا يا موسى ادع لنا ~~ربك) أي سل لنا من ربك (بما عهد) أي بحق الذي هو ثابت (عندك) من عهده ~~وكراماته بالنبوة، فالباء للقسم (لئن كشفت عنا الرجز) أي رفعت عنا العذاب ~~النازل بنا (لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) [134]. ### || [سورة الأعراف (7): آية 135] # فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون (135) # قال تعالى (فلما كشفنا عنهم الرجز) أي العذاب النازل بنا (إلى أجل هم ~~بالغوه) أي إلى زمان فيه يعذبون لا محالة، إذ لا ينفعهم ما تقدمهم من ~~الإمهال بكشف العذاب (إذا هم ينكثون) [135] أي ينقضون العهد الذي عاهدوا ~~عليه موسى، وهو جواب «لما»، يعني نكثوا ذلك. ### || [سورة الأعراف (7): آية 136] # فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (136) # (فانتقمنا) أي أردنا الانتقام (منهم فأغرقناهم في اليم) أي في البحر «2» ~~الذي لا يدرك قعره (بأنهم كذبوا) أي بسبب تكذيبهم (بآياتنا) أي علاماتنا ~~التسع اليد البيضاء والعصا والقحط ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم (وكانوا عنها) أي عن الآيات (غافلين) [136] أي معرضين لم ~~يلتفتوا إليها ولم يتفكروا فيها فيؤمنوا أو كانوا عن نقمتنا قبل حلولها بهم ~~غافلين جاهلين بها، قيل: لما تمت الآيات عليهم أمر الله موسى أن يخرج بني ~~إسرائيل من أرض مصر ليلا، فاستعارت نساؤهم من نساء القبط ثيابهم وحليهم ~~بعلة العرس، فخرجوا وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي، فأخبر بذلك فرعون ~~فركب وقت الصبح ومعه ألف ألف ومائتا ألف، فأدركهم وقت طلوع الشمس وانتهى ~~موسى إلى البحر، فضرب البحر بعصاه، فانفلق له اثني عشر طريقا، فعبر كل سبط ~~في طريق، فلما دخل آخر آل فرعون وهم أولهم أن يخرج من البحر ms0546 أمر الله البحر ~~فغرقهم، فرجع موسى ببني إسرائيل فسكنوا أرض مصر «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 137] # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) # فقال تعالى (وأورثنا القوم) أي أعطينا بني إسرائيل بعد هلاك القبط بالغرق ~~(الذين كانوا يستضعفون) صفة ل «القوم»، أي يستعبدهم آل فرعون (مشارق الأرض ~~ومغاربها) والمراد من «الأرض» أرض مصر، والمراد «مشارقها» الأرض المقدسة، ~~ومن «مغابرها» أردن وفلسطين أو المراد من «الأرض» الشام ومن «المشارق» ~~و«المغارب» حواليها (التي باركنا فيها) أي أنزلنا فيها البركة بالماء ~~والشجر والخصب، هي صفة «مشارق ومغارب» (وتمت) أي مضت وكملت (كلمت ربك ~~الحسنى) تأنيث الأحسن، وهي عداته الجميلة (على بني إسرائيل) بنصره إياهم ~~وتمكينه لهم في أرض عدوهم وجعل إياهم أئمة فيها (بما صبروا) أي بسبب صبرهم ~~على دينهم وتحمل عقوبة فرعون وعدم دخولهم في دينه (ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه) أي أبطلنا مكرهم وعملهم (وما كانوا يعرشون) [137] بضم الراء ~~وكسرها «4»، أي وأهلكنا ما كانوا يبنون من القصور والكروم وغيرها من ~~الأبنية المشيدة في السماء والجنات المتلففة بأشجار الثمار. ### || [سورة الأعراف (7): آية 138] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) PageV02P079 # ثم أخبر تعالى عن جهالة بني إسرائيل بعد إنجائهم من عذاب فرعون وقومه ~~بقوله (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) أي عبرنا بهم «1» من البحر، وكان ذلك ~~يوم عاشوراء (فأتوا) أي فمروا (على قوم) وهم قبيلة لخم (يعكفون على أصنام ~~لهم) أي يقيمون على عبادتها، بكسر الكاف وضمها «2»، من العكوف وهو الإقامة ~~والمواظبة على شيء، ومنه المعتكف لملازم المسجد مع النية (قالوا) أي الجهال ~~من بني إسرائيل (يا موسى اجعل لنا إلها) أي صنما نعبده ونعظمه (كما لهم ~~آلهة) أي أصنام يعبدونها (قال) لهم موسى (إنكم قوم تجهلون) [138] خالقكم ~~ومعبودكم وتكلمون بغير علم وعقل. ### || [سورة الأعراف (7): آية ms0547 139] # إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (139) # (إن هؤلاء) أي عبدة الأصنام (متبر) أي متفرق مهدوم (ما هم فيه) أي الذي ~~هم ثابتون عليه من عبادة الأصنام، يعني ليكسر الله أصنامهم ويهدم دينهم ~~الذي هم عليه على يدي من التبر، وهو كسار الذهب (وباطل ما كانوا يعملون) ~~[139] أي مضمحل عملهم لا ينتفعون به. ### || [سورة الأعراف (7): آية 140] # قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) # (قال) موسى لهم توبيخا (أغير الله أبغيكم إلها) أي أأطلب لكم غير الله ~~معبودا (وهو فضلكم على العالمين) [140] أي عالمي زمانكم بأنعمه عليكم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 141] # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # ثم بين الله تعالى «3» أنعمه إياهم بقوله (وإذ أنجيناكم) جمعا لتعظيم ~~المتكلم، وقرئ مفردا «أنجاكم» «4» غيبة، والفاعل الله، أي اذكروا وقت ~~إنجائنا إياكم (من آل فرعون) أي من عذابنا (يسومونكم) أي يعذبونكم (سوء ~~العذاب) أي أشده (يقتلون) بالتخفيف والتشديد «5» (أبناءكم ويستحيون نساءكم) ~~للخدمة (وفي ذلكم) أي في قتل الأبناء واستخدام النساء (بلاء) أي ابتلاء (من ~~ربكم عظيم) [141] أي في الإنجاء «6» من عذابهم نعمة عظيمة من الله، والبلاء ~~يطلق على النعمة والبلية. ### || [سورة الأعراف (7): آية 142] # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) # قوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) في إخبار عما سأل موسى ربه كتابا لبني ~~إسرائيل يعملون به آمرا وناهيا بعد إغراق آل فرعون في البحر وإنجائهم منهم، ~~فأمر الله موسى بصوم ثلثين يوما، وذلك بعد أن وعد موسى إسرائيل وهو بمصر إن ~~أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله، فيه بيان الحلال والحرام، قرئ ~~«ووعدنا» بغير الألف وبالألف «7»، ومعناهما واحد، أي أمرنا موسى بأن يصوم ~~ثلثين يوما، وإنما قال «ليلة»، لأن أول الشهور ليلة، ولأن الظلمة سابقة على ~~النور (وأتممناها بعشر) لأنه لما تم صيام ثلثين يوما وهو شهر ذي القعدة، ms0548 ~~فأنكر خلوف فمه لمناجاة ربه فاستاك بعود خرنوب، فقالت له الملائكة: كنا نجد ~~من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك، وأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم ~~الصائم عندي أطيب من رائحة المسك، فأمره بصيام عشر PageV02P080 # آخر، وهو عشر أول «1» من ذي الحجة (فتم ميقات ربه) أي الوقت الذي وعده أن ~~يكلمه بعده (أربعين ليلة) ونصب «أربعين» حال، أي بالغا هذا العدد، ونصب ~~«ليلة» تمييز (وقال موسى لأخيه هارون) عطف بيان، حين ذهب إلى مناجاة ربه ~~(اخلفني) أي كن خليفتي (في قومي) أي عليهم (وأصلح) أي أمرهم «2» بالصلاح ~~كما أمرتهم به (ولا تتبع سبيل المفسدين) [142] أي لا توافقهم في طريق ~~الفساد والمعصية وأنههم عنها. ### || [سورة الأعراف (7): آية 143] # ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ~~ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله ~~دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) # (ولما جاء موسى لميقاتنا) أي للوقت الذي وعدناه أن نكلمه «3» فيه (وكلمه ~~ربه) بلا واسطة كما يشاء، قيل: # كان جبرائيل معه ولم يسمع ما كلمه به وسمع موسى كلامه من كل جهة «4»، قال ~~ابن عباس: «كلمه أربعين يوما وليلة» «5» (قال) موسى اشتياقا له من شدة ~~التذاذه بسماع كلامه (رب أرني) نفسك (أنظر إليك) بالجزم جوابا للأمر، أي ~~لأتمكن من رؤيتك، وقيل: طلب الرؤية لأجل الذين كانوا معه عند قولهم لموسى ~~«أرنا الله جهرة» ليعلموا أن لا سبيل إلى رؤيته فيمتنعوا عن السؤال، لأنه ~~إذا منع عنها مع قربه فغيره أولى بالمنع عنها «6» (قال) الله في جواب موسى ~~(لن تراني) ولم يقل «7» لن تنظر إلى كقوله «أنظر إليك»، لأن المطلوب هو ~~الرؤية التي معها إدراك لا النظر الذي هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو ~~المرئي، لأنه قد يتخلف عنه الإدراك في بعض الصور، وإنما قال بكلمة «لن» ~~ليدل على التأييد في الدنيا، لأن السؤال كان فيها كما في قوله «ولن يتمنوه» ~~«8»، أي الموت ms0549 أبدا، أي في الدنيا، ويدل على ذلك تمنيهم إياه في الآخرة ~~لقوله «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك» «9»، أي بالموت، يعني لا سبيل لك ~~إلى النظر إلي يا موسى (ولكن انظر إلى الجبل) وهو أعظم الجبال بمدين، اسمه ~~جبل زبير (فإن استقر مكانه) أي إن لم يتزلزل «10» عند التجلي، وخص الجبل، ~~لأن زواله أعظم وأمنع للقوم عن سؤالهم الرؤية جهرة (فسوف تراني) أي فستقدر ~~على أن تراني وإن لم يستقر الجبل مكانه فانك لن تطيق لرؤيتي (فلما تجلى ~~ربه) أي كشف نوره (للجبل) من حجبه قدر ما بين الخنصر والإبهام إذا جمعتهما ~~(جعله دكا) بالمد، أي كأرض دكاء، أي مستوية لا شيء عليها وبالقصر مع ~~التنوين «11» للصرف مصدر بمعنى مدكوكا، يعني متجزيا، قيل: صار الجبل رملا ~~عالجا «12» أو ترابا «13»، أو قطعا وكانت ثماني قطع، فوقع ثلثة منها بمكة ~~وثلثة بالمدينة واثنتان بالشام «14»، فارتعدت فرائص موسى وتغير لونه (وخر ~~موسى صعقا) أي سقط مغشيا عليه لهول ما رأى (فلما أفاق) أي جاء عقله وفهمه ~~إليه من غشيانه (قال سبحانك) أي أنزهك عن الإدراك تنزيها (تبت) أي رجعت ~~(إليك) من قولي «أرني أنظر إليك) ومن طلب شيء لا تحتمله نفسي (وأنا أول ~~المؤمنين) [143] بأنك لا ترى في الدنيا من بني إسرائيل. PageV02P081 ### || [سورة الأعراف (7): آية 144] # قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من ~~الشاكرين (144) # (قال) تعالى (يا موسى إني اصطفيتك على الناس) في زمانك (برسالاتي) مفردا ~~وجمعا «1»، أي بنبوتي أو بأسفار التويرة المكتوبة (وبكلامي) أي وبتكلمي معك ~~من غير وحي، ولا يشكل برسالة هرون، لأنه كان تابعا له فيها (فخذ ما آتيتك) ~~من شرف الرسالة والحكمة، واعمل به (وكن من الشاكرين) [144] لنعمتي عليك، ~~قيل: «خر موسى صعقا في يوم عرفة وأعطي التورية في يوم النحر» «2». ### || [سورة الأعراف (7): آية 145] # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) # ثم أخبر عما أعطاه إياه فقال (وكتبنا له في ms0550 الألواح) أي ألواح التورية، ~~وكانت سبعة «من سدر الجنة» «3»، وقيل: من زبرجد «4» (من كل شيء) من الأحكام ~~وغيرها، في محل نصب مفعول «كتبنا»، وأبدل منه قوله (موعظة وتفصيلا لكل شيء) ~~أي نصيحة من الجهل وبيانا للفرائض من الحلال والحرام وكل محتاج إليه في ~~دينهم من الفضائل والأخلاق الحسنة، وقيل: «أنزلت التورية وهي سبعون وقر ~~بعير من لوح» «5»، كل لوح كطول موسى، يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا ~~أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام «6» (فخذها) أي فقلنا له ~~خذها، هو عطف على «كتبنا»، والضمير للألواح (بقوة) أي باجتهاد ومواظبة في ~~العمل بما فيها (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي يعملوا بالجمع بين فرائضها ~~وفضائلها أو بالعفو دون القصاص، وقيل: الأحسن الواجب أو الندب، فانه أحسن ~~من المباح «7» (سأريكم) من الإراءة (دار الفاسقين) [145] أي دار فرعون ~~وقومه، وهي مصر خلت منهم لفسقهم، فلا تفسقوا مثل فسقهم فتهلكوا مثل هلاكهم ~~أو سأريكم منازل الهالكين كعاد وثمود والقرون الذين أهلكتهم لفسقهم وتكبرهم ~~عن الإيمان في أسفاركم ليتعظوا «8» بهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 146] # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) # (سأصرف عن آياتي) أي عن فهمها بخذلاني قلوب (الذين يتكبرون) على رسلي ~~بتكذيبهم أو على الناس باستهانتهم (في الأرض بغير الحق) لأن التكبر بالحق ~~لله وحده أو يتكبرون بما هم عليه من الباطل وهو الكفر، فلا يتفكرون فيها ~~ولا يعتبرون بها غفلة باشتغالهم وافتخارهم بما هم فيه من الشهوات الفاسدة ~~ليؤمنوا بهم. # (وإن يروا كل آية) منزلة عليهم دالة على التوحيد (لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد) بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما «9»، أي طريق الهدى والفلاح ~~(لا يتخذوه سبيلا) بل يجتنبوه (وإن يروا سبيل الغي) أي طريق الضلال والعذاب ~~(يتخذوه سبيلا) أي يتبعوه ويأخذوه دينا (ذلك) أي صرفنا قلوبهم عن الإيمان ~~بالآيات (بأنهم) ms0551 أي بسبب أنهم (كذبوا بآياتنا) حين رأوها وشاهدوها وهي ~~الآيات التسع مع موسى أو آيات القرآن مع محمد عليه السلام (وكانوا عنها ~~غافلين) [146] أي تاركين التفكر فيها بكبرهم وحب دنياهم. PageV02P082 ### || [سورة الأعراف (7): آية 147] # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (147) # (والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة) أي بالبعث بعد الموت (حبطت أعمالهم) ~~أي بطلت حسناتهم (هل يجزون) أي ما يثابون في الآخرة (إلا ما كانوا يعملون) ~~[147] أي إلا جزاء أعمالهم السوء الذي عملوه في الدنيا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 148] # واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا ~~يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) # أخبر تعالى عن ضلالة بني إسرائيل بعد إحسانه تعالى إليهم بالإنجاء من ~~عدوهم واتباعهم بموسى بالإيمان، وذلك حين وعدهم موسى ثلثين يوما فتأخر عنه ~~بقوله (واتخذ قوم موسى من بعده) أي بعد ذهابه إلى المناجاة بالطور (من ~~حليهم) التي استعاروها من نساء القبط بعلة عرس «1» كان لهم، وجازت الإضافة ~~بأدنى ملابسة، وهو كونها عواري أو لأنهم «2» ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا ~~غيرها من أملاكهم، قرئ بضم الحاء، جمع الحلي كثدي وثدي بالتشديد، وبكسر ~~الحاء «3» للاتباع بكسر اللام بمعنى الأول، وقيل: «اسم المحسن به من الذهب ~~والفضة» «4»، وأسند الاتخاذ إليهم وإن كان المتخذ السامري وحده لرضاهم ~~بفعله منها، فانهم اتخذوه إلها وعبدوه (عجلا جسدا) مفعول «اتخذ»، و «جسدا» ~~بدل منه، أي جسما ذا لحم ودم (له خوار) أي صوت كصوت البقر، وذلك أن السامري ~~قال لهم: منع الله عنا موسى بما أخذتم من آل فرعون بعلة العرس من الحلي، ~~لأنه خيانة عظيمة، فأجمعوا الحلي التي أخذتم منهم حتى نحرقها، فلعل الله ~~يرد موسى علينا، فجمعوها، وكان السامري صائغا، فجعلها في النار واتخذ منها ~~صورة العجل وقد كان رأى جبرائيل على فرس الحيوة الذي كلما وضع حافره ظهر ~~النبات في موضع حافره، فأخذ من أثر حافره كفا من التراب، وألقاه في صورة ~~العجل فصار عجلا جسدا، فقال ms0552 «هذا إلهكم وإله موسى» «5»، فجعله سفهاؤهم ~~معبودا لهم «6»، فعجب الله تعالى بالاستفهام عن عقولهم «7» السخيفة بقوله ~~(ألم يروا) بنظر العقل «8» (أنه لا يكلمهم) بالأمر والنهي والنصح (ولا ~~يهديهم) أي لا يرشدهم (سبيلا) أي طريقا من طرق الفلاح مع دعواهم فيه ~~الألوهية، فكيف عبدوه وهو أعجز عنهم، ثم قال تعالى (اتخذوه) إلها وأقدموا ~~على عبادته (وكانوا ظالمين) [148] أي صاروا ضارين أنفسهم بعبادتهم إياه أو ~~كانوا ظالمين قبل ذلك، فلم يكن إتخاذ العجل منهم بدعا ولا أول مناكيرهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 149] # ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر ~~لنا لنكونن من الخاسرين (149) # ثم أخبر عن ندامتهم على فعلهم القبيح ورحمته عليهم بقوله (ولما سقط في ~~أيديهم) أي ندموا على عبادتهم العجل، يقال سقط في يده إذا ندم، أصله سقط ~~فوه «9» على يده، فهو من باب الكناية، لأن من اشتد ندمه وحسرته شأنه أن يعض ~~يده غما فتصير يده مسقوطا فيها وفوه ساقطا واقعا عليها، فالسقوط مستند إلى ~~«في أيديهم» مجازا لغويا (ورأوا) أي وعلموا (أنهم قد ضلوا) عن الهداية ~~بعابدة العجل (قالوا) تائبين (لئن لم يرحمنا PageV02P083 # ربنا ويغفر لنا) بالياء فيهما، والفاعل «ربنا»، وبتاء الخطاب فيهما ونصب ~~«ربنا» «1» نداء، أي لئن لم يتب الله علينا (لنكونن من الخاسرين) [149] ~~وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عند توبتهما. ### || [سورة الأعراف (7): آية 150] # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم ~~الظالمين (150) # (ولما رجع موسى إلى قومه) من مناجاته بالطور مع ألواح التورية السبعة ~~(غضبان) حال، أي سديد الغضب (أسفا) أي خزينا، وهو بدل منه (قال) لقومه ~~(بئسما خلفتموني) أي بئس شيئا قمتم به مقامي إشراككم (من بعدي) أي بعد ~~ذهابي عنكم أو بعد ما رأيتم من توحيد الله ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة ~~له تعالى، ففاعل «بئس» ms0553 مضمر «2»، فسره ما بعده، والمخصوص بالذم محذوف، يعني ~~بئس خليفة خلفتمونيها خلافتكم بعبادتكم العجل مكان عبادة الله (أعجلتم) أي ~~أسبقتم (أمر ربكم) وهو إتياني لكم بالتورية بعد تمام ميعاد ربكم بعبادتكم ~~العجل فاستوجبتم عقوبة ربكم (وألقى الألواح) من يده عضبا لدينه، فتكسرت ~~فرفع الكلمات التي فيها إلى السماء، وهي ستة أسباع التورية، وبقي سبعها وهو ~~ما فيه من الهدى «3» والرحمة من الأحكام، وقيل: أنمحي وذهب أثر المكتوب ~~منها وهو ما فيه تفصيل كل شيء «4» (وأخذ برأس أخيه) أي بشعر رأسه ولحيته ~~(يجره إليه) غضبا من تمكينه عبادة العجل لهم على ظن منه أن هرون فرط في ~~الكف عنها (قال) له هرون وكان أكبر من موسى بثلث سنين وأحب إلى بني إسرائيل ~~من موسى، لأنه كان في نفسه حديدا شديد الغضب «5»، وهرون ألين جانبا منه ~~رؤفا بهم (ابن أم) منادى، حذف حرفه «6» تخفيفا «7» بفتح الميم وبكسرها بحذف ~~الياء اكتفاء بالكسرة «8»، وأضافه «9» إلى الأم تذكيرا بحقها، لأنها قاست ~~المخاوف فيه، وكان ذلك أعطف لقلبه، ولأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبتها أو كان ~~أخاه لأمه، أي يا ابن أمي «10» لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي «11» (إن القوم ~~استضعفوني) أي استذلوني وقهروني ولم آل جهدا في كفهم عنها (وكادوا) أي ~~قربوا «12» (يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء) أي لا تفرح على أصحاب العجل ~~والشياطين باهانتك إياي (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) [150] أي لا تعتقد ~~أني أحد منهم، فاني بريئ منهم ومن ظلمهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 151] # قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين (151) # (قال) موسى (رب اغفر لي) بما فعلت لأخي هرون أو بالقائي الألواح من يدي ~~(ولأخي) أي واغفر له إن كان منه تقصير في دينك (وأدخلنا في رحمتك) أي جنتك ~~(وأنت أرحم الراحمين) [151] أي أرحم بنا منا بأنفسنا، قال بهذا الدعاء ~~ليرضي أخاه ويسيء الشامتين. ### || [سورة الأعراف (7): آية 152] # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين (152) # ثم أخبر تعالى عن جزاء متخذي العجل للعبادة بقوله ms0554 (إن الذين اتخذوا ~~العجل) إلها (سينالهم) أي سيصيبهم PageV02P084 # (غضب من ربهم) وهو قتل أنفسهم توبة (وذلة في الحياة الدنيا) أي غربة ~~شديدة فيها، لأن في الغربة ذلة، وقيل: # المراد أبناؤهم «1» كقريظة والنضير، والغضب قتلهم وإجلاؤهم، والذلة ضرب ~~الجزية عليهم «2» (وكذلك) أي ومثل ذلك الجزاء (نجزي المفترين) [152] أي ~~نعاقب المتقولين على الله بأن له شريكا في العبادة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 153] # والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم (153) # ثم رغبهم في التوبة من المعاصي لسعة رحمته بعباده بقوله (والذين عملوا ~~السيئات) من الكفر والمعاصي (ثم تابوا) أي رجعوا بالإخلاص (من بعدها) أي ~~بعد عمل السيئات «3» (وآمنوا) أي صدقوا بوحدانية الله (إن ربك من بعدها) أي ~~بعد التوبة (لغفور رحيم) [153] بالتجاوز عن ذنوبهم وإدخالهم الجنة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 154] # ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون (154) # ثم رجع إلى الإخبار عن حال موسى عليه السلام بقوله (ولما سكت) أي طفئ (عن ~~موسى الغضب) والسكوت ضد النطق وهما من صفات المتكلم، لكن لما كان الغضب ~~كأنه الأمر من شدته لموسى أن يقول لقومه ما قال وأن يفعل بأخيه ما فعل، قال ~~«سكت» مكان سكن، يعني لما زال الغضب عن نفس موسى (أخذ الألواح) التي ألقاها ~~على الأرض من غضبه (وفي نسختها) أي فيما نسخ «4» منها، أي كتبت ولم يضمحل ~~بعد أن كسرت (هدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب، مبتدأ، خبره «في نسختها»، ~~ومحل الجملة نصب على الحال من «الألواح» (للذين هم لربهم يرهبون) [154] أي ~~للذين يخشون ربهم، فاللام في «لربهم» زائدة لأجل تقدم المفعول على فعله ~~لضعف الفعل عن العمل في المفعول المقدم عليه. # قال ابن عباس: «لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه في ~~لوحين» «5». ### || [سورة الأعراف (7): آية 155] # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من ms0555 تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين (155) # قوله (واختار موسى قومه) نزل إخبارا عما أراد موسى أن يذهب مع بعض بني ~~إسرائيل إلى الجبل للاعتذار إلى ربهم من عبادتهم العجل، فأمر الله تعالى ~~موسى بأن يختار سبعين رجلا منهم، فاختار موسى من كل سبط ستة رجال فبلغوا ~~اثنين وسبعين، فقال موسى: إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان ولهما أجر من حضر، ~~فرجع يوشع بن نون وكالب ابن يوفنا «6»، فقال تعالى لنبيه عليه السلام عن ~~ذلك بقوله «واختار»، أي «7» اصطفى موسى من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل ~~إليه بالعمل، ومفعوله الصريح (سبعين رجلا) تمييز (لميقاتنا) أي للوقت الذي ~~واعدناه أن يأتينا فيه بسبعين رجلا من خيار قومه يعتذرون إلينا من عبادة ~~العجل، فخرج موسى بهم إلى طور سينا، جبل بالشام بالإضافة إلى سينا بالقصر، ~~وهي شجر ثمه، فلما قرب موسى إلى الجبل نزل عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ~~فدخل فيه موسى ودخل القوم أيضا باذنه فوقعوا سجدا، وكلمه ربه بأمره ونهيه ~~وهم سمعوا ذلك، ثم انكشف الغمام، فقالوا: يا موسى أرنا الله جهرة، فوعظهم ~~بنزول العذاب وزجرهم فلم ينزجروا (فلما أخذتهم الرجفة) أي رجف بهم الجبل ~~فصعقوا، وقيل: «نزلت نار بهم فأحرقتهم فماتوا» «8» (قال) موسى ثمه ترحما ~~بهم (رب لو شئت أهلكتهم من قبل) أي من قبل «9» هذا اليوم عند عبادة PageV02P085 # العجل (وإياي) عند قتلي القبطي (أتهلكنا) أي أتعمنا بالهلاك (بما فعل ~~السفهاء منا) أي بسبب فعل سفهاء بني إسرائيل، يعني أنت لا تعذب أحدا بذنب ~~غيره، فأحياهم الله تعالى (إن هي) أي ليست هذه الفتنة (إلا فتنتك) أي إلا ~~اختبارك ومحبتك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية ~~استدلالا فاسدا، فلذلك اجترؤا على سؤال الرؤية (تضل بها) أي بالفتنة ~~والامتحان (من تشاء) من الجاهلين الغير الثابتين في معرفتك (وتهدي من تشاء) ~~من العالمين الثابتين بمعرفتك (أنت ولينا) أي ناصرنا أو القائم بأمورنا ~~بالحفظ والإصلاح (فاغفر لنا وارحمنا) أي لا تعذبنا بذنوبنا ووفقنا على ~~التوبة ms0556 منها (وأنت خير الغافرين) [155] أي المتجاوزين عن الذنوب، لأنك تحب ~~العفو والتجاوز. ### || [سورة الأعراف (7): آية 156] # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب ~~به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون (156) # (واكتب) أي اثبت (لنا) واقسم (في هذه الدنيا حسنة) أي عافية وحيوة طيبة ~~أو توفيقا في الطاعة (وفي الآخرة) حسنة، وهي الجنة (إنا هدنا) أي تبنا ~~(إليك) من هاد إذا تاب (قال) الله (عذابي أصيب به من أشاء) ممن كان أهلا ~~له، لأني المالك المتصرف (ورحمتي وسعت كل شيء) أي تبلغ البر والفاجر، ~~فالرجفة عذابي أصبتها لهم، لأنهم كانوا أهلا لها وما سألته من الغفران فمن ~~رحمتي ورحمتي واسعة تعم كل شيء، فغفرت لهم وقبلت توبتهم، قيل: «لما نزلت ~~الآية قال اللعين أنا داخل في كل شيء» «1»، فأقنطه الله بقوله (فسأكتبها) ~~أي سأثبتها (للذين يتقون) الشرك والمعصية (ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون) [156]. ### || [سورة الأعراف (7): آية 157] # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون (157) # فقالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالآيات، وهي التورية ونؤتي الزكوة، ~~فهذه الرحمة لنا، فأخرجهم الله تعالى بقوله (الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه) أي وصفه بالنبوة (مكتوبا عندهم) يعني محمد عليه السلام ~~(في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف) أي بشرائع الإسلام (وينهاهم عن ~~المنكر) أي عما لا يعرف في شريعة الإسلام (ويحل لهم الطيبات) أي الحلالات ~~التي كانت محرمة عليهم من اللحوم والشحوم وغيرهما (ويحرم عليهم الخبائث) أي ~~الأشياء التي خبثت في الحكم كالميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والربا ~~والرشوة وغيرها من المكاسب الخبيثة (ويضع) أي يزيل (عنهم إصرهم) مفردا، ~~وآصارهم جمعا «2»، أي أثقالهم، وهي العهود التي بينهم وبين ربهم، لأن حفظها ~~ثقيل (والأغلال التي كانت ms0557 عليهم) وهي الأمور الشديدة التي كانت عليهم في ~~الشرائع كقتل النفس في التورية في صحة التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وتعين ~~القصاص في القتل عمدا كان أو خطأ وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق ~~الغنائم وتحريم العروق في اللحم وتحريم السبت بأن لا يعملوا فيه وغير ذلك ~~من الأعمال الشاقة، فوضع ذلك كله عنهم (فالذين آمنوا به) أي بمحمد عليه ~~السلام (وعزروه) أي عظموه (ونصروه) بالسيف على إعلاء كلمة الله ودينه ~~(واتبعوا النور الذي أنزل معه) أي مع نبوته، وهو القرآن أو «معه» بمعنى ~~عليه، أي أنزل عليه «3» أو اتبعوا النور مع اتباع النبي عليه السلام ~~(أولئك) أي المؤمنون بمحمد بهذه الصفة (هم المفلحون) [157] من عذاب النار ~~ودخول الجنة برحمته الواسعة كل شيء. PageV02P086 ### || [سورة الأعراف (7): آية 158] # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض ~~لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) # قوله (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) أمر للنبي عليه ~~السلام باظهار ادعاء الرسالة بين الناس، وهو أول نداء نادى به النبي عليه ~~السلام في مكة، وكان يدعوهم واحدا واحدا قبله لتبليغ «1» الرسالة سرا، ثم ~~أظهر الدعوة بعده، فالمراد أهل مكة، وقيل «2»: سبب نزوله إن كل نبي بعث إلى ~~قومه وبعث محمد عليه السلام إلى جميع الإنس والجن «3»، فأمره الله أن يعلم ~~ذلك بقوله «قل يا أيها الناس»، فالمراد جميع الناس لا أهل مكة خاصة بدلالة ~~قوله «جميعا»، وهو نصب على الحال من «إليكم»، أي إني أرسلت من الله إلى ~~جميعكم لدعوتكم إلى الإيمان به، فقالوا: من هو؟ فقال عليه السلام هو (الذي ~~له ملك السماوات والأرض) ف «الذي» خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون منصوبا ~~بأعني، وجرا على الوصف وإن فصل بقوله «إليكم جميعا»، وأبدل من الصلة (لا ~~إله إلا هو) أي لا معبود سواه، لأنه مالك أهل السماء والأرض، خالقهم ~~ورازقهم (يحيي ويميت) أي يحيي الخلق من ms0558 الماء «4» ويميتهم إذا انقضى أجلهم ~~أو يميت الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات في الآخرة (فآمنوا بالله ورسوله) ~~ولم يقل بي لتجري عليه صفاته بالاسم الظاهر، أي بمحمد (النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله) أي يصدقه (وكلماته) أي وبالقرآن الذي أنزل منه (واتبعوه) فيما ~~يأمركم به، وينهاكم عنه، يعني محمدا عليه السلام (لعلكم تهتدون) [158] أي ~~إرادة أن تهتدوا من الضلالة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 159] # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) # ثم أخبر تعالى عن مؤمني بني إسرائيل بمحمد نبيا عليه السلام الثابتين ~~بالاستقامة فقال (ومن قوم موسى أمة) أي جماعة (يهدون) أي يرشدون الناس ~~(بالحق) أي بكلمة الحق (وبه) أي وبالحق (يعدلون) [159] بينهم في الحكم، لا ~~يجورون كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم سبط سألوا الله أن يفرق بينهم ~~وبين سائر الأسباط من بني إسرائيل الذين قتلوا أنبياءهم وهم تبرؤوا مما ~~صنعوا، ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيها سنة ونصفا حتى خرجوا من ~~وراء الصين، وهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا «5»، قال ابن عباس: # «ليلة أسري بالنبي عليه السلام رفعه جبرائيل عليه السلام إليهم، وكلمهم ~~وكلموه، فقال لهم جبرائيل: أتعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: إن هذا محمد ~~النبي الأمي فآمنوا به، فآمنوا بمحمد عليه السلام، ثم قرؤوا عليه السلام من ~~موسى بايصائه لهم ذلك، فرد رسول الله عليه السلام على موسى عليه السلام، ~~وعلمهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، ولم يكن فيها فريضة غير الصلوة ~~والزكوة فعلمهما وأمرهم بفعلهم، وكانوا يعظمون السبت، فأمرهم أن يصلوا يوم ~~الجمعة ويتركوا تعظيم السبت، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ورجع من ليلته» «6». ### || [سورة الأعراف (7): آية 160] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) # ثم قال تعالى (وقطعناهم) أي فرقنا بني إسرائيل (اثنتي عشرة أسباطا) فنصب ~~«اثنتي ms0559 عشرة» حال، ونصب «أسباطا» بدل أو تمييز، وميز بالجمع، لأن «أسباطا» ~~وضع موضع قبيلة، ولذلك أنثت «اثنتي عشرة»، يعني اثنتي عشرة قبيلة، كل قبيلة ~~أسباط، قوله (أمما) نعت ل «أسباطا» أو بدل من «اثنتي عشرة»، أي قطعناهم ~~أمما، لأن كل سبط منهم كان أمة عظيمة (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه) ~~في التيه (أن اضرب بعصاك الحجر) PageV02P087 # وذلك إذا استسقاه قومه فيها فضربه (فانبجست) أي انفجرت (منه) أي من الحجر ~~(اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس) أي كل سبط «1» (مشربهم) أي موضع شربهم من ~~العيون (وظللنا عليهم الغمام) يدفع عنهم حر الشمس (وأنزلنا عليهم المن) أي ~~الترنجبين كل غداة (والسلوى) أي السمانى، وقلنا لهم (كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم) أي من حلالاته، ولا ترفعوا منه شيئا لغد، فرفعوا، فرفع عنهم ذلك، ~~ولو لم يرفعوا لدام عليهم الإنزال (وما ظلمونا) أي ما أضرونا «2» بذلك ~~(ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [160] حيث رفعوا فمنعوا، ولا بأس باختلاف ~~العبارة والقصة واحدة إذا لم يكن بين العبارتين تناقض. ### || [سورة الأعراف (7): آية 161] # وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) # ونصب الظرف بتقدير اذكر في قوله (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية) أي بيت ~~المقدس أو أريحا أو قرية قريبة من بيت المقدس (وكلوا منها حيث شئتم) أي ~~بالسعة عليكم لا بالضيق (وقولوا حطة) أي مسألتنا حط ذنوبنا عنا (وادخلوا ~~الباب) أي باب القرية (سجدا) أي منحنين بالسجود لله تعالى شكرا (نغفر لكم) ~~بالجزم في جواب الأمر مع نون التكلم، ومع ضم التاء مجهولا لتأنيث ~~(خطيئاتكم) بالجمع المكسر، جمع خطيئة، أي فيستر الله لكم ذنوبكم فلا ~~يجازيكم بها، وبالنون مع الجمع السالم، وقرئ بضم التاء للتأنيث مجهولا، ~~و«خطيئاتكم» بالجمع السالم أيضا وخطيئتكم بالإفراد «3» (سنزيد المحسنين) ~~[161] أي من أحسن إلى نفسه وغيره بفعله الخير. ### || [سورة الأعراف (7): آية 162] # فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من ~~السماء بما كانوا يظلمون (162) # (فبدل ms0560 الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم) لطلب التوبة، وهو حنطة ~~مكان حطة استهزاء (فأرسلنا) أي أنزلنا (عليهم رجزا) أي عذابا وهو الطاعون ~~(من السماء بما كانوا يظلمون) [162] أنفسهم بتبديل أمر الله تعالى ~~واستهزائهم به. ### || [سورة الأعراف (7): آية 163] # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون (163) # قوله (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر) نزل حين قالت اليهود: نحن ~~أبناء إبراهيم، فلا يعذبنا الله إلا مقدار عبادتنا العجل «4»، فأمر الله ~~النبي عليه السلام بأن يسألهم عن أهل القرية التي كانت ملاصقة البحر من ~~اليهود كيف عذبهم الله (إذ يعدون) أي يتجاوزون «5» حدود الله، يعني وقت ~~عدوانهم (في السبت) و«إذ يعدون» بدل من «القرية»، وهو عامل النصب على ~~الظرفية في (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم) أي في يوم السبت، وهو جمع حوت ~~بمعنى السمك (شرعا) أي ظاهرة على وجه الماء، جمع شارع، ونصبه على الحال من ~~«الحيتان»، والعامل «تأتي»، واعتداؤهم وظلمهم فيه أنهم استحلوا الصيد الذي ~~حرم عليهم أخذه فيه، وهو يوم تعظيمهم أمر السبت باشتغالهم التعبد فيه (ويوم ~~لا يسبتون) أي يوم لا يعظمون السبت بالعبادة، من PageV02P088 # أسبت إذا دخل في السبت (لا تأتيهم) الحيتان (كذلك نبلوهم) أي مثل ذلك ~~البلاء الشديد والاختبار نختبرهم (بما كانوا يفسقون) [163] أي بسبب فسقهم ~~وخروجهم عن أمر الله. ### || [سورة الأعراف (7): آية 164] # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) # (وإذ قالت) عطف على قوله «إذ يعدون»، وحكمه كحكمه في الإعراب، أي حين ~~قالت (أمة) أي جماعة (منهم) صالحة للجماعة الذين نهوهم عن أخذ الحيتان بعد ~~يأسهم من توبة الفاسقين بأخذها (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا) وقد علمتم ذلك فلا ينفعهم الوعظ، وكانوا ثلث فرق، فرقة صادت وفرقة ~~وعظتهم وفرقة لم تصد ولم تنه (قالوا) أي قالت الأمة الواعظة (معذرة) ms0561 بالرفع ~~خبر مبتدأ محذوف، أي موعظتنا إظهار عذر منا «1» (إلى ربكم) لئلا ينسب إلينا ~~تقصير ما في النهي عن المنكر، وبالنصب «2» على أنه مفعول له، أي وعظناهم ~~للمعذرة (ولعلهم يتقون) [164] أي ولطمعنا أن يخافوا من الله وينتهوا عن الفسق. ### || [سورة الأعراف (7): آية 165] # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) # (فلما نسوا) أي ترك أهل القرية (ما ذكروا به) أي الذي وعظوا به من النهي ~~عن الصيد (أنجينا) من العذاب (الذين ينهون عن السوء) وهو أخذ الحيتان في ~~السبت (وأخذنا) أي عاقبنا (الذين ظلموا) بترك أمر الله (بعذاب بئيس) أي ~~شديد (بما كانوا يفسقون) [165] أي يخرجون عن أمر الله ويعصونه، قرئ «بيس» ~~بكسر الباء وسكون الياء بلا همز كذيب، و«بئيس» بفتح الباء وهمزة مكسورة مع ~~الياء الساكنة كرغيف، و«بئس» في بئس كقرد، كسر الباء المنقول من الهمزة بعد ~~سلب الفتحة من الباء وسكون الهمزة، و«بئيس» بفتح الباء وسكون الياء وفتح ~~الهمزة بعدها كجعفر «3». # قال ابن عباس: «ما أدري ما صنع بالفرقة الساكتة» «4»، فقال عكرمة: «نجت ~~الناهية والساكتة لقولهم «لم تعظون قوما الله مهلكهم» فهم قد أنكروا عليهم» ~~وقوله تعالى «وأخذنا الذين ظلموا» الآية، روي: «أن قوله أعجب ابن عباس فوهب ~~له بردين بسببه» «5». ### || [سورة الأعراف (7): آية 166] # فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) # ثم قال تعالى (فلما عتوا) أي تكبروا (عن ما نهوا عنه) أي عن امتثال ~~المنهي من الصيد بعد تعذيبهم بعذاب شديد أولا (قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) ~~[166] أي مبعدين عن رحمة الله، وهو أمر تحويل لمسخهم آخرا، وقيل: هو تكرير ~~لقوله «فلما نسوا» والعذاب البئيس هو المسخ «6»، روي: أنهم كانوا يأخذون ~~الحياض في جنب البحر ويسيلون الماء فيها يوم السبت، فيدخل السمك فيها، ~~ويأخذونه يوم الأحد، فقالوا إنما نهينا عن أخذ الصيد يوم السبت، ونحن نأخذه ~~يوم الأحد، فلما يعذبوا به استحلوا الأخذ في يوم السبت فظهر عدوانهم به، به ~~قالوا إنما حرمه ms0562 الله على ابائنا ولم يحرم علينا، فنهاهم صلحاؤهم، فلم ~~يمتنعوا فضربوا حائطا بينهم وبين الظلمة، فأصبحوا يوما من الأيام، ولم ~~يفتحوا الباب الذي بينهما، فصعد واحد منهم الحائط، فاذا القوم قد PageV02P089 # مسخوا «1»، قيل: «صار الشبان قردة والشيوخ خنازير» «2». ### || [سورة الأعراف (7): آية 167] # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) # قوله (وإذ تأذن ربك) عطف على قوله «إذ يعدون»، أي سلهم، كيف عذبهم الله ~~إذ أعلم الله وهو أجري مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك جيئ ~~باللام في قوله (ليبعثن) المعنى: وإذ أوجب ربك بعلمه وحكمه «3» على نفسه ~~ليرسلن بالتسليط (عليهم) أي على اليهود (إلى يوم القيامة من يسومهم) أي ~~يعذبهم (سوء العذاب) فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدا ~~عليه السلام فضربها عليهم، فلا تزال الجزية مضروبة عليهم إلى آخر الدهر (إن ~~ربك لسريع العقاب) لمن عصى أمره (وإنه لغفور رحيم) [167] لمن تاب عن ~~المعصية. ### || [سورة الأعراف (7): آية 168] # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات لعلهم يرجعون (168) # (وقطعناهم) أي فرقنا اليهود (في الأرض أمما) أي فرقا مختلفة (منهم ~~الصالحون) وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام (ومنهم دون ذلك) أي ومنهم ناس ~~منحطون عن رتبة الصلحاء وهم الكفرة والفسقة، فمحل «دون ذلك» رفع صفة لموصوف ~~محذوف (وبلوناهم) أي اختبرناهم (بالحسنات) أي بالنعم الوافرة (والسيئات) أي ~~بالمحن الشديدة (لعلهم يرجعون) [168] عن الكفر والفسق إلى الإيمان والصلاح. ### || [سورة الأعراف (7): آية 169] # فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) # (فخلف من بعدهم) أي بعد انقراض المذكورين (خلف) قيل: «هو بسكون اللام ~~الأولاد وبفتحها البدل» «4»، وقيل: «بالفتح الصالح وبالسكون الطالح» «5»، ~~أي قام مقامهم جماعة، وهم من عاصر النبي عليه السلام من اليهود (ورثوا ms0563 ~~الكتاب) أي التورية (يأخذون عرض هذا الأدنى) أي متاع هذا الشيء الدني من ~~حطام الدنيا، وفيه تحقير وتخسيس لنعم الدنيا، قيل: «العرض بالفتح متاع ~~الدنيا قل أو كثر، وبالإسكان ما سوى الذهب والفضة» «6»، يعني يأخذون الرشوة ~~لتغيير بعض ما في التورية من الأحكام ونعت محمد عليه السلام إضلالا للعوام ~~منهم (ويقولون سيغفر لنا) أي لا نؤاخذه به، ومحل «لنا» رفع فاعل «سيغفر»، ~~والواو في قوله (وإن يأتهم عرض مثله) واو الحال، أي والحال أنهم إن يحصل ~~لهم عرض مثل ذلك (يأخذوه) ويرجوا المغفرة غير تائبين، ولا يحصل المغفرة إلا ~~للتائب، فالمعنى: أنهم يصرون على فعل الذنوب وأكل الحرام ولا يتوبون، ثم ~~قال تعالى توبيخا لهم بالاستفهام (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) أي العهد ~~في التورية (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) أي قول الحق، و«إن» مع ما ~~بعدها في محل الرفع عطف بيان ل «ميثاق الكتاب»، قوله (ودرسوا) عطف على «أ ~~لم يؤخذ»، لأنه للتقرير، أي أخذ ميثاقهم فيه، وقرؤوا وعملوا (ما فيه) أي ~~الذي في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والمصر لا غفران له، قيل ~~مرويا عن مالك بن دينار: «يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به قالوا ~~سيغفر لنا لم نشرك بالله شيئا كل أمرهم إلى الطمع خيارهم في المداهنة ~~فهؤلاء من PageV02P090 # هذه الأمة أشباه أولئك» «1» وقرأ الاية (والدار الآخرة خير) من ذلك العرض ~~الخسيس (للذين يتقون) محارم الله من الرشى وغيرها (أفلا تعقلون) [169] أي ~~أيطعمون إلى هذا الدني فلا يعلمون «2» بالعقل أن الآخرة خير من الدنيا ~~الدنية، قرئ بالياء غيبة وبالتاء خطابا «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 170] # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) # (والذين يمسكون بالكتاب) بالتخفيف من أمسك وبالتشديد «4» من مسك، مبتدأ، ~~أي الذين يعملون بالتورية ولا يغيرونها (وأقاموا الصلاة) أي أتموها، وإنما ~~أفردها بالذكر مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة إظهارا لمزية ~~الصلوة لكونها فارقة بين الكفر والإيمان ووجه الدين وعماده، وخبر المبتدأ ~~(إنا لا نضيع ms0564 أجر المصلحين) [170] أي العاملين بالصلاح وهم الذين يمسكون ~~بالكتاب، والمراد لا نضيع أجرهم، وضع المظهر موضع المضمر تبيينا لصفة من ~~تمسك بالكتاب، لأن غير المصلحين ليسوا بمتمسكين بالكتاب. ### || [سورة الأعراف (7): آية 171] # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) # قوله (وإذ نتقنا) أي قلعنا (الجبل) من الأرض ورفعناه (فوقهم) أي على ~~رؤوسهم، نزل إخبارا عما أبى اليهود تحمل أحكام التورية لمشاقها فانذروا ~~بقلع الجبل فوقهم «5» (كأنه ظلة) وهي كل ما أظل من غمام وغيره (وظنوا) أي ~~أيقنوا (أنه) أي أن الجبل (واقع بهم) أي ساقط عليهم، فقبلوا التورية وما ~~فيها من الأحكام، فقلنا لهم (خذوا ما آتيناكم) أي اعملوا بما أعطيناكم من ~~التورية (بقوة) أي بجد واجتهاد وإن شق عليكم (واذكروا ما فيه) أي اعلموه ~~«6» واعملوا به ولا تنسوه من الأحكام الأمر والنهي (لعلكم تتقون) [171] أي ~~لكي تبلغوا مقام الاتقاء «7» من العصيان. ### || [سورة الأعراف (7): آية 172] # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) # (وإذ أخذ ربك) أي اذكر وقت أخذ الله تعالى الميثاق (من بني آدم) وأبدل ~~منه (من ظهورهم) بدل اشتمال أو بدل البعض من الكل، أي أخذ من ظهور بني آدم ~~(ذريتهم) مفردا وجمعا «8»، أي ذرياتهم بالكسر مفعول «أخذ» حين استلوا من ~~ظهر آدم، واستل أولادهم من ظهورهم ولم يقل من آدم للعلم بأنهم كانوا ~~أولاده، قيل: # المراد من الذرية هي التي أخرجهم الله من ظهر آدم «9». # قال ابن عباس: مسح الله على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر من ~~هو مولود إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم وبعضهم طعن في قوله رواية ودراية، ~~أما الرواية، فلأنها رواية أبي صالح، وهو ليس من الثقات، وأما الدراية، ~~فلأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر الذي لا عقل له لأجل العقلاء، ولأن ~~حجة الله بشيء إنما تكون حجة إذا ms0565 كان المخاطب ذاكرا له، ولأنه يلزم الأحياء ~~ثلث مرات فيخالف قوله «ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين» «10»، ولأنه قال ~~«من ظهورهم» ولم يقل من ظهر آدم، والصحيح أن الرواية من PageV02P091 # ابن عباس ثابتة لمجيئها «1» عن كثير من الصحابة، فلا يجوز دفعها وإلا ~~لرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب للطاعن أن يطعن ~~في فهم نفسه لا في الصحابة «2»، وقيل: هي التي تخرج وقتا بعد وقت إلى يوم ~~القيامة «3» (وأشهدهم على أنفسهم) وهذا من باب التمثيل، لأنه تعالى نصب ~~أدلة على وحدانيته، وشهدت بها عقولهم التي جعلها فيهم مميزة بين الضلال ~~والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم باقرارهم وقال لهم (ألست بربكم) وكأنهم ~~(قالوا بلى) أنت ربنا (شهدنا) على أنفسنا باقرارنا على وحدانيتك، وباب ~~التمثيل واسع في كلام العرب وفي كلام الله ورسوله كثير لتصوير المعاني ~~المبهمة، وأورد «بلى» دون «نعم» ليثبت إيمانهم بجوابهم، ولو قالوا في ~~الجواب «نعم» لكفروا، ولأن «نعم» لتقرير ما سبق من النفي، و«بلى» إثبات لما ~~بعد النفي كما قدرناه، قوله (أن تقولوا) بالياء والتاء «4» في محل النصب ~~مفعول له لفعل محذوف، تقديره: فعلنا ذلك بهم من نصب الأدلة العقلية الشاهدة ~~على صحة الشهادة والإقرار كراهة أن تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا) ~~الإقرار (غافلين) [172] لم ننبه، فلم يبق لهم حجة علينا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 173] # أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) # قوله (أو تقولوا) عطف على «أن تقولوا»، أي أو فعلنا ذلك بهم كراهة أن ~~يقولوا (إنما أشرك آباؤنا من قبل) أي من قبلنا بنقض العهد (وكنا ذرية من ~~بعدهم) لم نشعر ذلك، وإنما لزمهم الميثاق المأخوذ عليهم وهم في الأصلاب مع ~~نسيانهم إياه لظهور الدلالة على الوحدانية فلم يبق لهم اعتذار بالنسيان ~~وباشراك آبائهم وكونهم من بعدهم، لأنه لا يمكنهم بعد هذا الإقرار أن يقولوا ~~ذلك ولا أن يقولوا (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) [173] أي آباؤنا المعرضون ~~عن الحق بالباطل، وهو الإشراك فلا عذر لهم ms0566 حينئذ. ### || [سورة الأعراف (7): آية 174] # وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) # (وكذلك) أي مثل ذلك البيان البليغ في أمر الميثاق (نفصل الآيات) أي ~~نبينها لهم ليتعظوا بها (ولعلهم يرجعون) [174] أي وليرجعوا إلى الحق من ~~الباطل بالتوبة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 175] # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ~~الغاوين (175) # ثم أمر نبيه عليه السلام بقوله (واتل عليهم) أي اقرأ على اليهود إن لم ~~يتوبوا بذكر الميثاق (نبأ الذي آتيناه آياتنا) أي أخبر خبر من أعطيناه علم ~~التورية، وهو بلعم بن باعورا من علماء بني إسرائيل من الكنانيين، قيل: «هو ~~الذي دعا على موسى، وكان مستجاب الدعوة، فانقلب دعاؤه عليه واستطال لسانه ~~على صدره» «5» (فانسلخ) أي خرج (منها) أي من الآيات بكفره كما يخرج الحية ~~من جلدها، يعني لم ينتفع بعلمه كالحية بجلدها (فأتبعه الشيطان) أي فصار ~~الجن تابعا له وقرينه فغره (فكان من الغاوين) [175] أي فصار عالم الآيات من ~~الضالين عن طريق الهدى، قيل: هذه الآية أشد آية على العلماء الذين لا ~~يعملون بما يعلمون «6»، لأن علمهم يكون وبالا عليهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 176] # ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص ~~القصص لعلهم يتفكرون (176) # ثم قال تعالى في شأن ذلك العالم (ولو شئنا لرفعناه بها) أي لعظمناه ~~بالآيات واثبتناه في منازل الأبرار من العلماء، يعني لو لزم العمل بعلمه ~~بالآيات بعد الإيمان ولم ينسلخ منها لرفعنا درجته في الدنيا والآخرة (ولكنه PageV02P092 # أخلد) أي سكن واطمأن قلبه (إلى الأرض) أي إلى الدنيا «1»، والإخلاد هو ~~الإقامة والدوام (واتبع هواه) أي هوى نفسه بالرضا بها وترك رضاء الله تعالى ~~(فمثله) أي فصفة ذلك العالم (كمثل الكلب) أي كصفة الكلب، شبه به تحقيرا له ~~وحطا لقدره (إن تحمل عليه) أي إن تطرده (يلهث) أي يطل لسانه من فمه (أو ~~تتركه يلهث) أي وإن لم تطرده يطل «2» لسانه أيضا «3»، ومحل الجملة الشرطية ~~نصب على الحال، ms0567 ومعناه: كمثل الكلب ذليلا دائم الذل لاهثا في الحالين، قيل: ~~«كل حيوان يلهث من تعب أو عطش ما سوى الكلب، فانه يلهث في كل حال من الراحة ~~والشدة» «4»، يعني ذلك العالم يشبه به، لأنه ضال وعظته أو لم تعظه، وقيل: ~~«المراد منه كفار مكة» «5»، لأنك إن قرأت عليهم آيات القرآن لم يقبلوها ~~ويصروا على التكذيب والكفر وإن لم تقرأ عليهم لم يعلموا بما فيها فيبقون ~~على الكفر أيضا (ذلك) أي مثل الكلب (مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي صفة ~~المكذبين بالقرآن (فاقصص القصص) أي اقرأ عليهم قصص بلعم بن باعورا وغيره، ~~فانه مثل قصصهم (لعلهم يتفكرون) [176] أي لكي يتعظوا بأمثال القرآن «6» ~~ويحذروا من مثل عاقبة من كان مثله ذلك إذا ساروا نحو سيرته فيتوبوا ~~ويؤمنوا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 177] # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) # (ساء) أي بئس (مثلا القوم) أي مثل القوم (الذين كذبوا بآياتنا) فلم ~~يؤمنوا بها وهو مثل الكلب الذي مثل به مثل بلعم الكافر المصر على كفره، ففي ~~«ساء» ضمير مبهم فاعله يفسره المنصوب بعده، والقوم مخصوص بالذم بتقدير مثل ~~القوم، فحذف «مثل» وأقيم «القوم» مقامه، و«الذين» في محل الرفع «7» صفة ~~«القوم»، قوله (وأنفسهم كانوا يظلمون) [177] أي وخصوا أنفسهم بالظلم لم ~~يتعداها إلى غيرها يشعر بالاختصاص تقديم المفعول به، كلام منقطع عما قبله، ~~ويجوز أن يكون معطوفا على «كذبوا»، فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا ~~بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم بالعناد وترك الإيمان. ### || [سورة الأعراف (7): آية 178] # من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) # (من يهد الله) أي من يهده ويوفقه لدينه (فهو المهتدي) باثبات الياء ~~إجماعا، أي فهو الذي وجد الوصول إلى السعادة وأصاب الفلاح، أورد فيه المفرد ~~حملا على لفظ «من» (ومن يضلل) عن دينه بخذلانه (فأولئك هم الخاسرون) [178] ~~باستحقاق العذاب، أورد فيه الجمع حملا على معنى «من». ### || [سورة الأعراف (7): آية 179] # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين ~~لا يبصرون بها ms0568 ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون (179) # (ولقد ذرأنا) أي خلقنا (لجهنم كثيرا من الجن والإنس) وهم الذين كتبت ~~عليهم الشقاوة في علمه تعالى بترك الإيمان بنبوة محمد عليه السلام والقرآن ~~(لهم قلوب لا يفقهون) الحق (بها ولهم أعين لا يبصرون) طريق الهداية (بها ~~ولهم آذان لا يسمعون) مواعظ القرآن (بها) أي لا يقبلونها سمعا وطاعة (أولئك ~~كالأنعام) في عدم الفهم والنظر للاعتبار والتغافل عن الحق لا في الصورة، ~~يعني الكفار في غفلة عن الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهممهم الأكل والشرب ~~والنوم كما هو شأن الأنعام (بل هم أضل) من الأنعام، لأنها إذا أحست خروجها ~~عن الطريق عادت إليها، والكفار لا يرجعون إلى طريق الحق بعد ما عرفوا ~~ضلالتهم عنه، ولأن الأنعام تعرف أصحابها وهم لا يعرفون ربهم، ولأنها تطلب ~~ما ينفعها وتهرب مما يضرها (أولئك هم الغافلون) [179] PageV02P093 # عما ينفعهم من الإيمان بالله «1» وعما يضرهم من الشرك به. ### || [سورة الأعراف (7): آية 180] # ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما ~~كانوا يعملون (180) # قوله (ولله الأسماء الحسنى) نزل حين قال المشركون إن محمدا وأصحابه ~~يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بالهم يدعون في صلوتهم الله والرحمن ~~والرحيم «2»، فقال تعالى ولله الأسماء التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على ~~معان حسنة من تحميد وتقديس وتمجيد وغير ذلك (فادعوه) أي سموه (بها) أي بتلك ~~الأسماء، قال النبي عليه السلام: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة، ~~من أحصاها دخل الجنة» «3»، قوله «مائة إلا واحدة» تأكيد، وتأنيث لفظ ~~«واحدة» على تأويل الكلمة، وقيل: إنما أكد بذلك لئلا يلتبس بنحو تسعة ~~وسبعين، ومعنى «من أحصاها» من علم عددها حصرا وعلما وإيمانا بها «4»، وقيل: ~~من حفظها على قلبه «5»، وقيل: من قرأها كلمة كلمة تبركا وإخلاصا دخل الجنة ~~«6»، وفي رواية «وهو وتر يحب الوتر» «7»، أي فرد لا نظير له، يحب من ~~الأذكار والأعمال ما كان على وصف التفرد والإخلاص له. # وهي: هو الله الذي لا إله إلا هو، ms0569 ابتدأ بلفظ هو تنبيها للسامع على تأهبه ~~لاستماع اسم ذاته بعده، يعني الله، وقدمه لتقدم الموصوف على الوصف، وهو علم ~~لذاته تعالى لا وصف، وإلا لكان «8» كليا، وهو ممتنع. # الرحمن، من الرحمة، بمعنى التعطف في الأصل، فاستعمل للأنعام مجازا وهو ~~عام معنى لا لفظا - الرحيم، خاص معنى لا لفظا - الملك، أي الذي ملك كل شيء ~~وحده - القدوس، أي البليغ في النزاهة عما لا يليق بعظمته - السلام، أي ذو ~~السلامة من العيوب - المؤمن، أي الذي أمن الخلق من ظلمه - المهيمن، أي ~~الرقيب على كل شيء بالحفظ له، العزيز، أي الذي لا يعجزه شيء عما أراد - ~~الجبار، أي القاهر لخلقه على ما أراد. # المتكبر، أي الذي لا يرى الكبرياء إلا لنفسه - الخالق، أي المقدر لما ~~يوجده - البارئ، المميز بعض خلقه من بعض بالأشكال المختلفة - المصور، أي ~~الذي يصور الأشياء بكيفياتها - الغفار، أي الذي يستر ذنوب عباده - القهار، ~~أي الذي يغلب على خلقه بالقدرة - الوهاب، أي الذي يهب لخلقه من خزائنه نعمة ~~ورحمة بلا عوض له. # الرزاق، أي الذي يوصل كل شيء يتغذى رزقه - الفتاح، أي الذي يفتح أبواب ~~الخير على خلقه - العليم، أي البليغ في علمه بكل شيء في الأرض والسماء - ~~القابض، أي الذي يمسك الرزق ويقتره - الباسط، أي الذي يبسط الرزق ويكثره - ~~الخافض، أي الذي ينزل إلى منزلة الدنيا - الرافع، أي الذي يرفع إلى منزلة ~~الآخرة - المعز، أي الذي يعظم بطاعته - المذل، أي الذي يقهر العبد «9» ~~بمعصيته - السميع، أي الذي يعلم كل مسموع - البصير، أي الذي يعلم كل مبصر - ~~الحكيم، أي الحاكم بالنعمة وبالنقمة - العدل، أي الذي يقضي بالحق بين الخلق. # اللطيف، أي العالم بدقائق الأمور أو الذي لا يدركه حس أو الذي اجتمع له ~~الرفق في الفعل والعلم بمصالح خلقه - الخبير، أي العالم المطلع على كنه ~~الشيء - الحليم، أي الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد - العظيم، أي الذي ~~تجاوز قدره عن أن يتصوره العقل - الغفور، أي البليغ في ستر الذنوب - ~~الشكور، أي البليغ في قبول طاعة العباد - العلي، أي ms0570 الذي لا شيء فوقه في ~~الرتبة والحكم - الكبير، أي البليغ في مرتبة الجلالة - الحفيظ، أي الذي لا ~~يغيب كل شيء عنه أو الذي حفظ كل شيء عليه - المقيت، أي المعطي لكل شيء قوته ~~- الحسيب، أي الذي يحاسب خلقه يوم البعث - الجليل، أي الذي له الجلالة في ~~الصفات - الكريم، أي الذي يكثر منافعه PageV02P094 # لخلقه - الرقيب، أي الذي دام نظره في خلقه على وجه الحفظ - المجيب، أي ~~الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. # الواسع، أي الذي يسع غناه كل فقير - الحكيم، أي الذي يعلم كل شيء بكمال ~~علمه ويفعل كل شيء باتقانه. # الودود، أي الذي يحب فعل الخير بكل مخلوق - المجيد، أي الشريف بالذات ~~والممدوح بحسن الفعال. # الباعث، أي الذي يحيي الخلائق يوم القيامة - الشهيد، أي الذي لا يخفى ~~عليه شيء من المخلوقات - الحق، أي الذي دام ذاته بلا تغير وزوال - الوكيل، ~~أي الذي يكفل أرزاق خلقه - القوي، أي الذي لا يلحقه مشقة في فعله - الحي، ~~أي الذي يبقى حيوته من الأزل إلى الأبد - القيوم، أي الذي يقوم به كل موجود ~~- الواجد، أي الغني الذي لا يفتقر - الماجد، أي الذي تعظم بشرف ذاته - ~~الواحد، أي المتفرد بالذات في عدم المثل والنظير. # الأحد، أي المنفرد بالمعنى من كل وجه، يعني لا يتجزى ولا يحتاج لغيره ولا ~~يماثله شيء - الصمد، أي الدائم الذي لا جوف له أي الذي يحتاج إليه الخلق - ~~القادر، أي الذي في ذاته قوة الخلق والتكوين - المقتدر، أي البليغ بالقدرة ~~الذاتية في إيجاد كل شيء بلا مزاحم - المتين، أي الذي لا يزيله أحد ولا ~~يغلبه - الولي، أي الذي يتصرف في ملكه وينصر عباده - الحميد، أي المحمود في ~~فعاله على كل حال - المحصي، أي الذي يحيط أعداد الأشياء بعلمه - المبدئ، أي ~~الذي أنشأ الأشياء بلا مثال - المعيد، أي الذي يعيد الخلق بعد الحيوة في ~~الدنيا إلى الممات أو بعد الممات في الدنيا إلى الحيوة في الآخرة - المحيي، ~~أي الذي يحيي الخلائق من العدم - المميت، أي الذي يفنيهم بعد الحيوة في ~~الدنيا - المقدم، ms0571 أي الذي يقدم بعض الأشياء على بعض في الوجود والعدم ~~المؤخر، أي الذي يؤخر بعضها عن بعض في الوجود والعدم - الأول، أي الذي لا ~~ابتداء لوجوده - الآخر، أي الباقي بعد فناء خلقه - الظاهر، أي الذي وجوده ~~تبين بالآيات - الباطن، المحتجب عن نظر الخلق بحجب كبريائه - الوالي، أي ~~الذي تولى أمور الخلق كلها - المتعالي، أي البليغ في مرتبة العلو بالذات - ~~البر، أي العطوف بالإحسان على الخلق - التواب، أي الذي يقبل التوبة عن ~~عباده وييسر عليهم أسبابها - المنتقم، أي البليغ في العقوبة لمن يشاء. # الغفور، أي المتجاوز بكرمه عن ذنوب خلقه - الرؤوف، أي البليغ في رأفته ~~وشفقته على خلقه - مالك الملك، أي الذي ينفذ حكمه في ملكه كيف يشاء - ذو ~~الجلال والإكرام، أي الذي لا شرف ولا كرم على الكمال إلا له في الجلال ~~مستقر في ذاته والكرم فائض في خلقه - المقسط، أي الذي لا يجور أحدا من خلقه ~~- الجامع، أي الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب - الغني، أي الذي لا يحتاج ~~لأحد من خلقه - المغني، أي الذي يغني الخلق لافتقارهم إليه - الضار، أي ~~الذي يضر من يشاء ببلية وشدة - النافع، أي الذي يوصل الخير لمن يشاء - ~~النور، أي الظاهر في نفسه والمظهر لغيره - الهادي، أي الذي يرشد من يشاء ~~بهداه - البديع، أي الخالق لا عن مادة. # الباقي، أي الدائم الوجود بلا نهاية - الوارث، أي الذي يبقى بعد فناء ~~الخلق ويرجع إليه الملك كله - الرشيد، أي الذي عرف الخلق مصالحهم ويبقيهم ~~عليها - الصبور، أي الذي لا يعجل بعقوبة العصاة. # قيل: إنا نجد في الكتاب والسنة أسماء سوى ما في هذا الحديث فما وجه الحصر ~~بتسعة وتسعين؟ أجيب بأن النبي عليه السلام لم يرد به الحصر، بل أراد ~~تخصيصها بالذكر، لأنها أشهر لفظا ومعنى «1». # وقيل: من أحصى من أسمائه تسعة وتسعين اسما سواء أحصى مما جاء في الحديث ~~أو من سائر أسمائه في غيره دخل الجنة «2». # قوله (وذروا الذين يلحدون) بفتح الياء والحاء، من لحد إذا مال، وبضم ~~الياء وكسر الحاء «3» من ألحد أي ms0572 جادل (في أسمائه) نزل حين قصد الكفار أن ~~يسموا بعض أصنامهم الله فجرى على لسانهم اللات وبعضها العزيز فجرى على ~~لسانهم العزى، وبعضها المنان فجرى على لسانهم المناة، وبقيت تلك الأسماء ~~للأصنام «4»، PageV02P095 # فقال تعالى واتركوا الذين يميلون ويجادلون في أسماء الله تعالى بالإشراك ~~بها، وحقيقة الإلحاد هو الميل عن الحق، وقيل: «إلحادهم تسميتهم أصنامهم ~~آلهة» «1»، واشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز والمناة من المنان، ~~وقيل: «تسميتهم الله بما لم يتسم» «2»، وأسماء الله توقيفية لا يجوز تسميته ~~باسم إلا باذن الشارع (سيجزون ما كانوا يعملون) [180] أي سيعاقبون بعملهم ~~من الشرك والإلحاد في الأسماء، ونسخ الآية بآية القتال «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 181] # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) # قوله (وممن خلقنا أمة) أي جماعة (يهدون بالحق) أي يدعون الناس بالحق إلى ~~الحق (وبه يعدلون) [181] أي وبالحق يحكمون، نزل حين قال ناس من أصحاب النبي ~~عليه السلام: يا رسول الله! قد ذكر الله بني إسرائيل بالخير بقوله «ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق» «4» ونحن قد آمنا بك وبالرسل والكتب «5»، فقال تعالى ~~ذلك تسلية لقلوبهم، قيل: كان النبي عليه السلام يقول إذا قرأ هذه الآية: ~~«قد أعطى القوم بين أيديكم مثلها» «6»، وقال عليه السلام: «إن من أمتي قوما ~~على الحق حتى ينزل عيسى» «7»، قيل: هم العلماء بالله الذين يدعون الناس إلى ~~الدين «8». ### || [سورة الأعراف (7): آية 182] # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) # (والذين كذبوا بآياتنا) أي بالقرآن ومحمد (سنستدرجهم) أي سنستدنيهم قليلا ~~قليلا إلى ما يهلكهم من العذاب بأن نرادف النعم عليهم وننسيهم الشكر ~~فينهمكوا في الغي، فكلما زاد نعمتهم جددوا معصيتهم فيتقربون بذلك إلى ~~الهلاك (من حيث لا يعلمون) [182] ما يراد بهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 183] # وأملي لهم إن كيدي متين (183) # (وأملي لهم) عطف على «سنستدرجهم»، فيدخل في حكم السين، أي وسأطيل أعمارهم ~~ليتمادوا في المعصية (إن كيدي) أي أخذي واستدراجي (متين) [183] أي قوي، ~~وسماه كيدا لشبهه به من حيث أنه إحسان في الظاهر، وخذلان في الحقيقة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 184] # أولم يتفكروا ms0573 ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) # قوله (أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة) نزل حين دعا النبي عليه السلام ~~قائما على الصفا ذات ليلة قريشا فخذا فخذا بأسمائهم يحذرهم من عقاب الله ~~تعالى ليؤمنوا ويعبدوا الله ويتركوا عبادة غيره، فقال بعضهم إنه مجنون بات ~~يهوت إلى الصباح «9»، أي أيقولون إنه لمجنون ولم ينظروا في معجزاته «10» ~~ليعلموا ما بالرجل الذي يصاحبهم ويجالسهم ويكلمهم من جنون (إن هو إلا نذير ~~مبين) [184] أي ما هو إلا نبي مرسل نذير ظاهر بالحجة ينذرهم ليعتبروا ~~فيؤمنوا وهو تأكيد لكذبهم أنه مجنون. ### || [سورة الأعراف (7): آية 185] # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) # ثم قال توبيخا لهم عن ترك النظر الموصل إلى معرفة الله وتوحيده ~~بالاستدلال من صنعه (أولم ينظروا) PageV02P096 # نظر استدلال (في ملكوت السماوات والأرض) أي في ملكه العظيم الذي يدل عليه ~~خلق السموات والأرض (وما خلق) أي وفي ما خلق (الله من شيء) فيهما من الشمس ~~والقمر والنجوم، ومن الجبال والبحار والأشجار وغيرها، فيعلموا أنه رب واحد ~~لا شريك له، قوله (وأن عسى) في محل الجر عطف على «ملكوت»، و«أن» مخففة من ~~الثقيلة، واسمه ضمير الشأن، أي ألم ينظروا «1» استدلالا في أن الشأن عسى ~~(أن يكون) الشأن (قد اقترب) أي قرب (أجلهم) فيموتوا حتى يؤمنوا بالنبي عليه ~~السلام والقرآن، فماذا ينتظرون بعد وضوح الحق قبل حلول العقاب بهم (فبأي ~~حديث بعده) أي بعد القرآن (يؤمنون) [185] إن لم يؤمنوا به، فان هذا آخر ~~الكتب المنزلة ليس بعده كتاب، وهذه الجملة يتعلق بقوله «عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم»، والمعنى: لعل أجلهم اقترب فما لهم لا يؤمنون بالقرآن قبل الفوت. ### || [سورة الأعراف (7): آية 186] # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون (186) # (من يضلل الله فلا هادي له) أي من يخذله الله بالضلالة عن دين الإسلام ~~ولا يوفقه فلا مرشد له إليه (ويذرهم) بالياء وبالنون وضم الراء على ms0574 ~~الاستئناف، أي الله أو نحن نتركهم (في طغيانهم) أي في ضلالتهم (يعمهون) ~~[186] أي يترددون بالتحير، وقرئ بالجزم لجواب الشرط «2»، أي من يضلله يذره «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 187] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفي عنها ~~قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) # ثم قريش «4» أو اليهود «5» سألوا النبي عليه السلام متى الساعة فنزل ~~(يسئلونك عن الساعة) أي عن وقت قيامها «6» (أيان) أي متى (مرساها) أي ~~إرساؤها، يعني إثباتها، وسميت ساعة لسرعة حسابها أو لوقوعها بغتة، فالساعة ~~اثنتان، ساعة يموت فيها الخلائق وساعة يبعثون بالحيوة بعد الموت، والمراد ~~هنا الأولى بدليل ما بعدها (قل إنما علمها) أي علم قيامها ومجيئها (عند ~~ربي) لا عندي (لا يجليها) أي لا يكشفها (لوقتها) أي في حينها (إلا هو) أي ~~الله دون غيره لاختصاص ذلك به (ثقلت) أي عظمت وخفيت معرفتها (في السماوات ~~والأرض) أي على أهلهما، لأن الشيء إذا خفي ثقل علمه (لا تأتيكم إلا بغتة) ~~أي فجأة، يعني على غفلة منكم «7»، قال عليه السلام: «إن الساعة تهيج ~~بالناس» «8» (يسئلونك كأنك حفي عنها) أي كأنك «9» عالم مبالغ في السؤال ~~عنها والتنقير ليستحكم علمه بها «10»، من الحفاوة وهي المبالغة في السؤال ~~عن الشيء والعناية به، وكرر «يسألونك» وقوله «وإنما علمها عند الله» ~~للتأكيد «11»، ولما جاء به من زيادة قوله «كأنك حفي عنها» في المكرر، ثم ~~أمر «12» نبيه عليه السلام أن يبين لهم أن علم الغيب يختص بالله بقوله (قل) ~~يا محمد (إنما علمها) أي علم قيام الساعة (عند الله) لا عندي ولا عند غيري، ~~يعني أن الساعة لا يعلم وقت مجيئها ولا يأتي بها بغتة إلا الله تعالى (ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون) [187] أنها آتية ولا يؤمنون باتيانها أو أنه العالم ~~بها وإنه المختص بالعلم بها، قيل: سأل PageV02P097 # النبي عليه السلام رجل متى الساعة؟ فقال عليه السلام: «ما المسؤول عنها ~~بأعلم من السائل» «1»، يعني ms0575 كلنا مساو «2» في عدم العلم بوقت مجيئها. ### || [سورة الأعراف (7): آية 188] # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # قوله (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) نزل حين قال المشركون إن كنت تعلم ~~الغيب من ربك هلا تشتري الطعام قبل الغلاء بالبيع الرخيص فتستربح به «3» أو ~~هلا تستخرج الكنوز من الأرض لتغني وتخلص من الفقر «4»، فأمره تعالى بأن ~~يعترف أنه عبد محكوم عليه بالوحي، أي قال لا أقدر لنفسي أن أوتي لها نفعا، ~~أي خيرا أو أدفع ضرا، أي فقرا، بل القادر عليه هو الله المالك لهما (إلا ما ~~شاء الله) أن يوصله إلى من النفع والضر، لأنه إن شاء أغنى عبده وإن شاء ~~أفقره (ولو كنت أعلم الغيب) كعلم مواضع الكنوز لأستخرجتها و(لاستكثرت من ~~الخير) أي المنافع (وما مسني السوء) أي المضار من القحط والشدة (إن أنا) أي ~~ما أنا (إلا نذير) أي عبد محذر للمشركين بعذاب النار (وبشير) أي ومبشر ~~بالجنة (لقوم يؤمنون) [188] أي يصدقون بقيام الساعة بعد الموت. ### || [سورة الأعراف (7): آية 189] # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) # قوله (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) تعجيب للمشركين من أهل مكة من إشراكهم ~~بالله شيئا مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، أي الله الذي خلقكم من نفس آدم ~~(وجعل منها زوجها) أي وخلق من نفس آدم حواء أو جعل من جنسها زوجها (ليسكن) ~~أي آدم، ذكر الضمير في «ليسكن» ردا إلى معنى «نفس» وهو آدم، يعني ليطمئن ~~(إليها) ويأنس بها ليتغشاها، لأن الجنس إلى الجنس أميل لا سيما إذا كان ~~بعضه (فلما تغشاها) أي جامعها (حملت حملا خفيفا) بحمل المني لم يثقل عليها ~~كما يثقل عليها كما يثقل على بعض الحبالى فتكرب وتتأذى، لأنه أول الحمل ~~(فمرت ms0576 به) أي فمضت بالحمل قياما وقعودا ما درت أهي حبلى أم لا (فلما أثقلت) ~~أي حان وقت ثقل حملها في بطنها وقرب وضعها فأحست به (دعوا الله ربهما) أي ~~دعى آدم وحواء الله خالقهما ومالك أمرهما، قيل: لما قرب وضع حملها جاءها ~~إبليس، فقال ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري، فقال: # أخاف أن يكون بهيمة وإني من الله بمنزلة وقربة، فان دعوت الله وولدت ولدا ~~صالحا إنسانا أتسمينه باسمي؟ # قالت: نعم، وما اسمك؟ قال: عبد الحارث، فكذب اللعين، وكان اسمه في ~~الملائكة الحارث، فقالت ذلك لآدم فدعوا الله الذي هو الحقيق بأن يدعى ~~ويلتجأ إليه قائلين «5» (لئن آتيتنا صالحا) أي ولدا إنسانا سويا صحيح البدن ~~بريئا من العيب (لنكونن من الشاكرين) [189] لك على كل حال. ### || [سورة الأعراف (7): آية 190] # فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) # (فلما آتاهما) أي أعطى آدم وحواء ولدا (صالحا) أي صحيح البدن كما طلبا ~~(جعلا) أي جعل آدم وحواء (له) أي لله (شركاء) بكسر الشين، أي ذوي شرك، إذ ~~الشرك ليس لهما أو الشرك بمعنى الإشراك، أي أحدثا إشراكا له تعالى، وقرئ ~~شركاء «6» جمع شريك، وأراد بلفظ الجمع الشيطان للمبالغة، يعني جعلاه شريكا ~~له تعالى PageV02P098 # عنه (فيما آتاهما) أي في الولد الذي أعطاهما بتسميته عبد الحارث من غير ~~اعتقاد لذلك، روي: «أن إبليس خدعهما مرتين، مرة في السماء ومرة في الأرض» ~~«1»، وقيل: الضمير في «جعلا» وفي «آتاهما» لأولادهما، ففيه حذف مضاف وإقامة ~~المضاف إليه مقامه «2»، تقديره: فلما آتى أولادهما صالحا جعل أولادهما له ~~شركاء فيما آتى أولادهما بأن سمى بعضهم ولده عبد الشمس وبعضهم عبد العزى ~~وبعضهم عبد يغوث أو عبد يعوق إلى غير ذلك، وهذا التأويل حسن، لأن آدم وحواء ~~بريئان من الشرك، ويؤيد ذلك التأويل قوله (فتعالى الله عن ما يشركون) [190] ~~أي الله علا وجل من أن يوصف بالشرك «3». ### || [سورة الأعراف (7): آية 191] # أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) # ثم قال تعالى بهمزة الإنكار توبيخا لمشركي مكة ms0577 (أيشركون ما لا يخلق شيئا) ~~وهو «4» آلهتهم (وهم يخلقون) [191] أي يصنعون بأيديهم وجمعوا بالواو والنون ~~على زعمهم أنهم آلهة أو إبليس معهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 192] # ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) # (ولا يستطيعون) أي لا يقدر آلهتهم (لهم) أي لعبدتهم (نصرا ولا أنفسهم) أي ~~أنفس الآلهة (ينصرون) [192] من كسر وغيره من النوازل بهم، بل عبدتهم يدفعون ~~عنهم فالمعبود أضعف من العابد وأذل. ### || [سورة الأعراف (7): آية 193] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) # (وإن تدعوهم) أي وإن تدعوا الأصنام أيها المشركون (إلى الهدى) أي إلى ~~مصالحكم وصالح دينكم (لا يتبعوكم) مخففا ومشددا «5»، أي لا تجيبكم آلهتكم، ~~لأنهم أجساد لا أرواح فيها، والله تعالى يجيب من دعاه بالإخلاص (سواء ~~عليكم) يا أهل مكة (أدعوتموهم أم أنتم صامتون) [193] عن الدعاء، يعني ~~آلهتكم لا يجيبونكم في وقت ما سواء عليكم دعوتكم إياهم وصمتكم عن دعائهم في ~~أنه لا فلاح لكم معهم ووضع «أنتم صامتون» الجملة الاسمية مقام صمتم الجملة ~~الفعلية ليتساوى «6» رؤوس الآي، وليدل على أن عادتهم الصمت لا الدعاء، ~~لأنهم كانوا إذا نزل بهم أمر دعوا الله دون أصنامهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 194] # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) # (إن الذين تدعون) أي تعبدونهم (من دون الله) أي مما يغاير الله من ~~الأصنام (عباد أمثالكم) أي مخلوقة مملوكة متصرف فيها أشباهكم وليسوا بآلهة ~~ليعدوا بهم «7»، ثم قال بيانا لعجزها (فادعوهم فليستجيبوا لكم) دعاءكم (إن ~~كنتم صادقين) [194] في أنهم آلهة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 195] # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) # ثم قال توبيخا لهم على عبادة من هو أعجز منهم (ألهم أرجل يمشون بها أم ~~لهم أيد يبطشون بها) أي يأخذون بالأيدي (أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ~~آذان يسمعون بها) يعني أنهم عجزة وأنتم أقدر منهم، فكيف تعبدونهم وتشتغلون ~~بشيء ms0578 لا منفعة لكم فيه، ثم أمر النبي عليه السلام بقوله (قل) إن تقول ~~احتقارا بهم وبمعبوديهم (ادعوا شركاءكم) أي الهتكم التي وصفتموهم بالشركة ~~له تعالى ليعاونوكم في إهلاكي (ثم كيدون) PageV02P099 # بالياء حال الوصل وبغير ياء «1»، أي اسعوا في كيدي للإهلاك أنتم وشركاؤكم ~~بالسرعة (فلا تنظرون) [195] أي لا تمهلوني بقوله لهم لأنهم خوفوه بآلهتهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 196] # إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) # ثم قال تعالى قل (إن وليي) أي ناصري وحافظي (الله الذي نزل الكتاب) أي ~~القرآن على لا ولي لي سواه (وهو يتولى) أي يتحاكم بالنصرة والحفظ ~~(الصالحين) [196] أي المؤمنين العاملين بالصلاح. ### || [سورة الأعراف (7): آية 197] # والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) # (والذين تدعون) أي تعبدونهم (من دونه) أي من غير الله (لا يستطيعون) أي ~~لا يقدرون (نصركم) أي حفظكم ومنعكم مما يؤذونكم (ولا أنفسهم ينصرون) [197] ~~أي يمنعون مما يؤذيهم. # قيل: إن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام وكان الذباب تجتمع عليه ~~فلم تقدر دفعها عن أنفسها «2». ### || [سورة الأعراف (7): آية 198] # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) # ثم قال للنبي عليه السلام بلفظ الجمع تعظيما دون المفرد لثبوت الواو مع ~~الجازم (وإن تدعوهم إلى الهدى) أي إن تدعوا «3» كفار مكة يا محمد إلى دين ~~الإسلام (لا يسمعوا) أي لا يقبلون ما تدعوهم إليه وهو نفع لهم وتركه ضر ~~لهم، وقيل: «يجوز أن يكون خطابا للمشركين» «4»، أي إن تدعوا أصنامكم إلى ~~مصالحكم لا يستجيبوا لكم، كرره للمبالغة في التوبيخ، والأول أوجه بدليل ~~قوله (وتراهم) أي وترى يا محمد المشركين (ينظرون إليك) بأعينهم (وهم لا ~~يبصرون) [198] بقلوبهم ليؤمنوا. ### || [سورة الأعراف (7): آية 199] # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) # ثم أمر النبي عليه السلام بمكارم الأخلاق بقوله (خذ العفو) أي المساهلة ~~بالناس في الدين ولا تشق عليهم بالكلفة حتى لا ينفروا، ومنه قوله عليه ~~السلام «يسروا ولا تعسروا» «5»، وقيل: «معناه خذ ما عفا، أي ما فضل «6» من ~~أموال الناس عن ms0579 قوت العيال» «7»، وكان ذلك قبل آية الزكوة، وقيل: خذ العفو ~~عمن ظلمك «8» (وأمر بالعرف) أي بما يرتضيه العقل والشرع من الخصال كتقوى ~~الله وصلة الرحم وغض البصر وحفظ اللسان عما لا يعني صاحبه (وأعرض عن ~~الجاهلين) [199] بما يصدر منهم من السوء، يعني احلم عنهم ولا تغضب عليهم، ~~وهذا قبل آية السيف، وقيل: أعرض عن السفهاء إذا سفهوا عليك ولا تقابلهم ~~بالسفاهة «9»، قيل: «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية» ~~«10»، روي أن النبي عليه السلام سأل عن هذه الآية فقال جبرائيل عليه السلام ~~له معناها: «أن تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك» «11». ### || [سورة الأعراف (7): آية 200] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) PageV02P100 # فقال النبي عليه السلام: «يا رب كيف والغضب»، فنزل قوله «1» (وإما ~~ينزغنك) أي يوسوسك فيما أمرت به لتعمل على خلافه، وأصل النزغ أدنى حركة ~~خفية في القلب (من الشيطان نزغ) أي وسوسة ما، وهو مصدر بمعنى النازغ كرجل ~~عدل (فاستعذ بالله) أي ولا تطع الشيطان (إنه) أي إن الله (سميع) لدعائك ~~بالاستعاذة (عليم) [200] بنيتك وبوسوسة الشيطان. ### || [سورة الأعراف (7): آية 201] # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) # (إن الذين اتقوا) الذنب لخوف عقاب الله (إذا مسهم) أي أصابهم (طائف) أي ~~ما يطوف حول الشيء وهو ذنب ينزل على صاحبه بوسوسة (من الشيطان) أي من جنسه، ~~وقرئ «طيف» بالتخفيف من طيف أو مصدر، من طاف طيفا و«طيف» بالتشديد «2» ~~بمعنى الطائف، أي لمة من الشيطان وهي معصية نازلة منه بسبب إغرائه عليها ~~(تذكروا) ما أمرهم الله به ونهاهم عنه، فاستغفروا الله من خطئهم واستعانوا ~~(فإذا هم مبصرون) [201] أي فاذا جاءتهم بصيرة من الله فابصروا السداد ~~والصواب ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه «3» أنفسهم. ### || [سورة الأعراف (7): آية 202] # وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (202) # (وإخوانهم) مبتدأ، أي الشياطين من إخوان الذين ليسوا بمتقين وهم ~~الجاهلون، فالضمير ل «هم»، والخبر (يمدونهم) أي يكونون مددا لهم ~~ويعاونونهم، وقرئ معلوما «4» من ms0580 الإمداد والمد، ومعناهما الزيادة، أي ~~يزيدونهم (في الغي) أي في الضلال، ويجوز أن يراد بال «إخوان» الجهال، ~~وبالضمير الشياطين، فيكون الخبر جاريا على غير ما هو له، وهذا أوجه، لان ~~إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا، المعنى: أن الشياطين يزيدون الكافرين ضلالا ~~(ثم لا يقصرون) [202] أي لا يمتنعون عن إغوائهم أو الجاهلون لا يقصرون في ~~عمل السيئات، أي يصرون ولا يرجعون بالتوبة. ### || [سورة الأعراف (7): آية 203] # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لو لا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) # قوله (وإذا لم تأتهم بآية) نزل حين سأل أهل مكة النبي عليه السلام شيئا ~~من العلامات على صدقه وأبطأ عليه جبرائيل، فقالوا: لم لا يقول من تلقاء ~~نفسه؟ فقال تعالى إذا لم تجئهم يا محمد بآية من الآيات المقترحة لهم «5» ~~(قالوا لو لا اجتبيتها) أي هلا جمعتها «6» واختلقتها من تلقاء نفسك وغرضهم ~~أن تكذب لأجلهم (قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) وليس بمفتعل للآيات من ~~عندي (هذا) أي القرآن (بصائر) أي حجج واضحة (من ربكم) يصير من آمن بها ~~بصيرا بعد كونه أعمى، يعني آياته بمنزلة بصائر القلوب (وهدى ورحمة) أي سبب ~~هداية من الصلالة، وسبب أمان من العذاب (لقوم يؤمنون) [203] أي يصدقون ~~بالقرآن ويعملون به. ### || [سورة الأعراف (7): آية 204] # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) # قوله (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا) نزل حين كانوا يتكلمون في الصلوة نهيا ~~للتكلم فيها ثم صار سنة في غير الصلوة أن يسكت القوم في مجلس يقرأ فيه ~~القرآن «7»، وقيل: «معناه إذا قرأ عليكم الرسول القرآن عند PageV02P101 # نزوله فاستمعوا» «1» (له) أي للنبي عليه السلام أو للقرآن (وأنصتوا) أي ~~أصغوا لتفهموا معناه وتعملوا به (لعلكم ترحمون) [204] أي لكي ترحمون في ~~الآخرة ولا تعذبوا، وقيل: «كانت الصحابة خلف النبي يقرؤن القرآن مع قراءته» ~~«2»، وقيل: «كانوا يرفعون الأصوات عند ذكر الجنة والنار» «3»، وقيل: «كانوا ~~يتكلمون في الجمعة والإمام يخطب» «4»، فنهوا عن ذلك كله، فالأولى أن يكون ~~الآية ms0581 عامة إلا أن يرد دليل الخصوص. ### || [سورة الأعراف (7): آية 205] # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا ~~تكن من الغافلين (205) # قوله (واذكر ربك في نفسك) عام في كل ذكر من التهليل والتسبيح والتحميد ~~وقراءة القرآن والدعاء (تضرعا وخيفة) أي متضرعا بالاستكانة وخائفا من الله ~~(ودون الجهر من القول) أي ومتكلما بكلام في الصدور دون رفع الصوت به، لأن ~~الإخفاء أدخل في الإخلاص من الجهر (بالغدو والآصال) أي بكرة وعشية وأراد ~~الدوام، وإنما قيد الوقتين لفضلهما على غيرهما، ومعنى «بالغدو» بأوقات ~~الغدو ليطابق الآصال، جمع أصيل وهو العشي (ولا تكن من الغافلين) [205] أي ~~من الذين يغفلون عن ذكر الله وعن قراءة القرآن وتدبرها، قال عليه السلام: ~~«اذكروا الله ذكرا خاملا»، قالوا: يا رسول الله! وما الذكر الخامل؟ قال: ~~«الذكر الخفي» «5»، أي الذي لا يسمعه غيرك، وقال: «المسر بالقرآن كالمسر ~~بالصدقة والمعلن بالقرآن كالمعلن بالصدقة» «6». ### || [سورة الأعراف (7): آية 206] # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) # قوله (إن الذين عند ربك) أي الملائكة (لا يستكبرون) أي لا يتعظمون (عن ~~عبادته) أي عن طاعته، نزل حين قال أهل مكة: وما الرحمن؟ أنسجد له إذا قيل ~~لهم اسجدوا للرحمن؟ فاستكبروا عن السجود له «7» فقال تعالى إن الملائكة ~~المكرمين عند الله لا يستنكفون عن السجود له تعالى (ويسبحونه) أي يذكرونه ~~بقولهم سبحان الله (وله يسجدون) [206] أي يعبدونه بالسجود في الصلوة ~~وغيرها، لا يشركون به شيئا، وفيه تعريض لغيرهم من المكلفين، قال عليه ~~السلام: «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفع الله له درجة في الجنة وحط بها ~~عنه خطيئة» «8». PageV02P102 ### | سورة الأنفال # كلها مدنية على الأصح بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) # قوله (يسئلونك عن ms0582 الأنفال) نزل حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر بعد نزول آية السيف تحريضا على البلاء في حرب الجاهلين من المشركين: من ~~أسر أسيرا أو قتل قتيلا فله سلبه أو قال للسرية: ما أصبتم فهو لكم كله أو ~~نصفه أو ربعه، فتسارع الشبان وثبت الشيوخ والسادات عند الرايات، فلما فتح ~~الله عليهم غنائم بدر وقع الاختلاف بين المسلمين في قسمتها، فقال الشبان: ~~نحن المقاتلون، وقال غيرهم: نحن عند الرايات وكنا ردء لكم وفئة «1» تحازون ~~«2» إليها إن انهزمتم، فسألوا رسول الله كيف نقسم «3» ولمن الحكم في قسمتها ~~أللمهاجرين أو لهما جميعا «4»، فقال تعالى يسألك المسلمون عن كيفية قسمة ~~الأنفال، وهي جمع نفل بمعنى الغنيمة ويطلق على ما ينفله الإمام الغازي ~~أيضا، وأصله الزيادة، فعلى تفسير الأنفال بالغنائم يكون السؤال بمعنى ~~الاستخبار عن قسمتها، وعلى تفسيرها بالزوائد المشروطة عن سهام الغزاة من ~~المغنم يكون السؤال بمعنى طلب المشروط من الغنائم فيكون «عن» زائدة أو ~~بمعنى من، أي يقولون لك أعطنا من الغنائم ما شرطتنا به. # واختلف العلماء فيه، الأصح أنه يلزم الإمام الوفاء بما وعد منه ولا ~~يخمسه، ثم أمر النبي عليه السلام في جواب ذلك قوله (قل الأنفال لله ~~والرسول) أي حكم الغنائم لله ولرسوله مختصة بهما لا حكم لأحد فيها، ~~يجعلانها حيث شاء أو قيل: إن الملك لهما فيعطي الرسول منها ما أمره الله ~~بالإعطاء بالمشروط لمن شاء على ما يقتضيه حكمته ولا يستأثر منها لمن شرطه، ~~لأنه لو فعل ذلك لارتفع التحاب والتصافي من بين المسلمين «5»، ثم نسخ هذا ~~بقوله «6» «واعلموا أنما غنمتم» «7» الآية، ثم قال (فاتقوا الله) في ~~الاختلاف والتخاصم بسبب حطام الدنيا وكونوا متحدين متحابين «8» في الله ~~(وأصلحوا ذات بينكم) أي حقيقة وصلكم، يعني أصلحوا الأحوال التي بينكم من ~~الاجتماع على ما أمركم الله ورسوله والألفة والمحبة، وسميت الأحوال ذات ~~البين لكونها PageV02P103 # ملابسة للبين، ومنه ذات الصدور، أي مضمراتها (وأطيعوا الله ورسوله) في ~~أمر الصلح والعدل في الغنيمة (إن كنتم مؤمنين) [1] أي كاملي الإيمان، ms0583 وفسر ~~بذلك، لأنهم كانوا مؤمنين بلا شك في الإيمان، واللام في قوله (إنما ~~المؤمنون) إشارة إليهم، أي إنما كاملو الإيمان (الذين إذا ذكر الله) عندهم ~~واقتداره على عقوبتهم (وجلت قلوبهم) أي خشيت من الله وقبلت عنده بالوجل ~~(وإذا تليت) أي قرئت (عليهم آياته) بالأمر والنهي في أمر إصلاح ما بينهم ~~وغيره من الوعد والوعيد والقصص والأمثال والناسخ والمنسوخ (زادتهم إيمانا) ~~أي تصديقا ويقينا، يعني ازدادوا بها طمأنينة نفس بحكم الله، كيف يشاء من ~~غير اضطراب في التصديق به، لأن تظاهر الأدلة الدالة على صدق محمد عليه ~~السلام والقرآن أقوى وأثبت، وقد حمل على زيادة العمل الخير أيضا مع تصديقهم ~~بالله، روي: «أن للإيمان سننا وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الإيمان ~~ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» «1» (وعلى ربهم يتوكلون) [2] أي يثقون ~~به في الرزق وغيره لا على ما تكسب أيديهم من الغنائم وغيرها. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 3 الى 4] # الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم ~~درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # ثم استأنف (الذين يقيمون الصلاة) مبتدأ، أي المؤمنون الذين يتمون الصلوة ~~سجودا وركوعا في مواقيتها (ومما رزقناهم ينفقون) [3] أي مما أعطيناهم من ~~الأموال يتصدقون في سبيل الله، خبره جملة (أولئك هم المؤمنون حقا) أي أهل ~~هذه الصفة، هم المصدقون بالله يقينا لا شك في ذلك، ف «حقا» مصدر مؤكد ~~للجملة التي هي «أولئك هم المؤمنون» أو صفة مصدر محذوف، أي إيمانا حقا (لهم ~~درجات عند ربهم) أي علو منزلة وكرامة وشرف عنده (ومغفرة) لذنوبهم (ورزق ~~كريم) [4] أي ثواب حسن في الجنة، قيل: «سأل الحسن رجل أمؤمن أنت؟ فقال ~~الإيمان إيمانان، فان كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن «2»، وإن كنت ~~تسألني عن قوله «إنما المؤمنون» الآية فو الله لا أدري أمنهم أنا أم لا، ~~فبهذا الجواب تعلق من يستثنى في الإيمان ومن لا يستثنى. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 5 الى 6] # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ms0584 وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) # قوله (كما أخرجك ربك) الكاف فيه مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~تقديره: حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة إخراجك ~~ربك إلى حرب بدر من المدينة، وهم لا يعلمون أن ذلك خير لهم، فكرهوا ويجوز ~~أن يكون منصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف، تقديره: استقرت الأنفال لله ~~وللرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك (من بيتك) أي من ~~المدينة «3» التي هو مهاجرته ومسكنه كبيته المخصوص به إلى حرب بدر إخراجا ~~ملتبسا (بالحق) أي باذن الله وحكمته «4» (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) ~~[5] والواو للحال، يعني أخرجك ربك منه وهم كارهون ذلك حال كونهم (يجادلونك ~~في الحق) أي في خروجك للقتال بالحكمة التي اقتضته «5» (بعد ما تبين) أي ظهر ~~لهم خروجك الحق، لأنك لا تفعل إلا حقا، ثم شبه حالهم في الجدال لأجل الخروج ~~الحق في فرط رعبهم مع ما أعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصرة ~~والغنيمة بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت المتيقن وهو يشاهد أسبابه ~~لا يشك فيها بقوله (كأنما يساقون إلى الموت) أي إلى أسبابه (وهم ينظرون) ~~[6] إليها، قيل: إنما كره الخروج إلى الحرب بعض المسلمين لا PageV02P104 # كلهم، وجدالهم قولهم يا رسول الله ما كان خروجنا إلا للعير وأنت لم ~~تعلمنا أنك تلقي عدوا بنا، فنستعد لهم ونتأهب، وذلك لكراهتهم القتال «1»، ~~وكان ذلك في السنة الثانية من مقدم رسول الله عليه السلام المدينة، وفيها ~~حولت القبلة ووقعت غزوة بدر في شهر رمضان. ### || [سورة الأنفال (8): آية 7] # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) # وقصته أن النبي عليه السلام أعلمه جبرائيل عليه السلام أن عير قريش في ~~أربعين رجلا من تجارهم خرجوا من الشام، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال النبي ~~عليه السلام ms0585 أصحابه: قد أقبلت عير قريش من الشام، فاخرجوا إليها، لعل الله ~~أن يفتح عليكم وتتقوا على جهاد عدوكم، فسروا به، فبلغ الخبر إلى أبي جهل ~~بمكة أن محمدا وأصحابه اجتمعوا على قصد العير التي أقبلت من الشام، فاجتمع ~~قريش من مكة مع أبي جهل ليخرجوا إليهم ذابين عنها، فقالت عاتكة بنت عبد ~~المطلب لأخيها العباس: إني رأيت في المنام كان راكبا نزل من السماء، فأخذ ~~صخرة من جبل أبي قبيس، ثم رماها على أهل مكة، فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا ~~أصابه فلقة منها، فحدث بها العباس لوليد بن عتبة وكان صديقا له فذكر ذلك ~~عتبة لأبي جهل، فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبؤا حتى تتنبأ نساؤهم، ~~فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، فقيل له: إن العير أخذت طريق ~~الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ~~ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم الملاهي في بدر، فيتسامع العرب بخروجنا ~~وبأن محمدا لم يصب العير، فسار بمن معه إلى بدر، ونزل جبرائيل فقال يا ~~محمد: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، وهم قريش، ~~فاستشار النبي عليه السلام أصحابه فقال: إن العير أحب إليكم أم النفير؟ ~~فقالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله عليه ~~السلام، فقال أبو بكر وعمر فأحسنا الكلام، فقام المقداد فقال: امض بنا يا ~~رسول الله لما أمرك الله فانا معك حيث أحببت، فسر رسول الله بقوله ودعا له، ~~ثم قال: أشيروا علي أيها الناس وهو يريد الأنصار وكان متخوفا أن لا يروا ~~نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ، فقال لكأنك تريدنا يا ~~رسول الله؟ فقال أجل، فقال: امض بنا يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك ~~بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، فسر بذلك النبي عليه ~~السلام، ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فان الله قد وعدني العير أو ~~النفير والله ms0586 لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم، فساروا واجتمعوا مع قريش في ~~بدر وهزموهم باذن الله، فلما فرغ رسول الله من بدر قال له أصحابه: عليك ~~بالعير يا رسول الله ليس دوننا شيء، فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح ~~هذا الرأي، فقال له النبي عليه السلام: لم قال لأن الله وعدك إحدى ~~الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك، فامتنع من ذلك ولما علم ثبوت الكراهة من ~~بعضهم بقوله «وإن فريقا من المؤمنين لكارهون» «2». # أخبر عن تحقيق ذلك بقوله (وإذ يعدكم الله) أي واذكروا وقت وعد الله لكم ~~(إحدى الطائفتين) العير أو النفير (أنها لكم) أي إحديهما، والمراد النفير ~~(وتودون) أي وتحبون حرصا (أن غير ذات الشوكة) أي طائفة غير صاحبة القوة في ~~الحرب، والشوكة شدة البأس والسلاح، والشوكة في النفير لكثرة عددهم وعدتهم، ~~وإنتفاء الشوكة في العير لقلة فرسانها، يعني أنكم تمنون «3» أن العير (تكون ~~لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) أي يظهر الإسلام الذي هو الحق ويعزه ~~بآياته المنزلة عليكم (ويقطع دابر الكافرين) [7] أي يستأصلهم بالهلاك ففعل ~~كما أراد. PageV02P105 ### || [سورة الأنفال (8): آية 8] # ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (8) # (ليحق الحق) أي ليثبت الإسلام (ويبطل الباطل) أي ويمحق الكفر (ولو كره ~~المجرمون) [8] أي مشركو مكة. ### || [سورة الأنفال (8): آية 9] # إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) # قوله (إذ تستغيثون) نصب بمحذوف، أي اذكروا وقت استغاثتكم (ربكم) حين ~~رأيتم العدو في قتال بدر ألفا وأنتم ثلثمائة، فطلبتم الغوث وهو النصر عليه ~~قائلين: اللهم أغثنا يا غياث المستغيثين، وقال نبيكم: «اللهم أنجز لي ما ~~وعدتني مادا يديه مستقبل القبلة، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في ~~الأرض» «1» (فاستجاب) أي أجاب (لكم) ربكم دعاءكم (أني) بالفتح، أي بأني ~~(ممدكم) أي معينكم وزائد في مددكم (بألف من الملائكة مردفين) [9] بكسر ~~الدال اسم فاعل من أردفته إياه إذا أتبعته إياه، وكان ألف من الملائكة ~~متبعين أنفسهم غيرهم منهم، وبفتح الدال «2» اسم مفعول منه أيضا، أي أتبعهم ~~غيرهم بملائكة آخرين، قيل: ms0587 نزل جبرائيل بخمسمائة ملك على الميمنة، فيها أبو ~~بكر، ونزل ميكائيل بخمسمائة ملك على الميسرة، فيها على بن أبي طالب في صورة ~~الرجال عليهم ثياب بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، فقاتلت مع المؤمنين ~~الأعداء يوم بدر دون يوم حنين ويوم الأحزاب «3». ### || [سورة الأنفال (8): آية 10] # وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم (10) # (وما جعله الله) أي ولم يجعل الإمداد بالملائكة (إلا بشرى) أي للبشارة ~~لكم بالنصرة والظفر (ولتطمئن به) أي بالإمداد (قلوبكم) فلا تجزعوا لقلتكم ~~وكثرة عدوكم (وما النصر إلا من عند الله) لا بكثرة العدد والعدد (إن الله ~~عزيز) أي غالب على كل شيء بالنقمة (حكيم) [10] حيث هزم المشركين ونصر ~~المسلمين باقتضاء حكمته. ### || [سورة الأنفال (8): آية 11] # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) # قوله (إذ يغشيكم) من التفعيل ومن الإفعال معلوما، وما بعده مفعول له، بدل ~~من «إذ تستغيثون» أو نصب بمقدر، أي اذكروا وقت تغشية الله، وهي إلقاؤه ~~النوم عليكم، وقرئ يغشاكم معلوما «4»، فاعله (النعاس) من غشية النعاس، أي ~~أخذه النوم (أمنة منه) أي للأمن من الله، فنصبه مفعول له و«منه» صفته، أي ~~أمنة حاصلة لكم من الله، ويجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا «5»، ~~وليس كذلك هنا، ولكن لما كان معنى «يغشيكم النعاس» تنعسون صح كون «أمنة» ~~مفعولا له، وفي غير هذه القراءة «الأمنة» بمعنى الإيمان، أي ينعسكم الله ~~إيمانا منه، قيل: «النعاس في الحرب أمنة من الله، وفي الصلوة وسوسة من ~~الشيطان» «6»، وكان أصحاب رسول الله نازلين على كثيب أعفر، وهو رمل أحمر، ~~تدخل وتغيب فيه الأقدام وأجنب بعضهم تلك الليلة، وعطشوا لفقد الماء فوسوس ~~لهم الشيطان بأنكم لو كنتم على الحق لما كنتم كذا وكان المشركون PageV02P106 # على ماء بدر، فأنزل الله تعالى مطرا من السماء فتطهروا من الأحداث ~~والجنابة وارتووا من العطش وذهبت عنهم وسوسة الشيطان، فأخبر تعالى ms0588 عن ذلك ~~منة عليهم ليشكروا على أنعامه عليهم بقوله (وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به) أي بماء المطر من الأحداث (ويذهب عنكم رجز الشيطان) أي وسوسته، ~~وأصل الرجز العذاب وسميت به، لأنها سبب العذاب (وليربط) أي وليحبس «1» (على ~~قلوبكم) بالصبر الحاصل «2» منه عند القتال (ويثبت به) أي المداد أو بالربط ~~(الأقدام) [11] في الحرب على اليقين أو لتستقروا رجلكم على الرمل بسبب ~~المطر حتى أمكنكم الوقوف عليه للحرب. ### || [سورة الأنفال (8): آية 12] # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) # قوله (إذ يوحي ربك إلى الملائكة) بدل من «إذ» قبله أو ظرف ل «يثبت»، أي ~~اذكروا «3» وقت قول ربك للملائكة (أني) أي بأني (معكم) أي معينكم وناصركم ~~(فثبتوا الذين آمنوا) أي بشروهم بالنصر فكان الملك يمشي بين الصفين في صورة ~~إنسان، فيقول أبشروا أيها المؤمنون بالنصرة من الله، فانكم كثير وعدوكم ~~قليل وإن الله ناصركم، قوله (سألقي) أي سأقذف (في قلوب الذين كفروا الرعب) ~~أي الخوف من النبي عليه السلام، ومن آمن به تفسير لقوله «أني معكم»، لأن في ~~إلقاء الخوف في قلوب المشركين نصرا للملائكة (فاضربوا) هذا تعليم للمؤمنين ~~كيف يقتلون الكافرين، أي اضربوا بسيوفكم (فوق الأعناق) أي فوق رؤوسهم، لأنه ~~أوجب للقتل أو على الأعناق التي هي المذابح، لأنه تطيير للرؤوس لدقتها ~~(واضربوا منهم كل بنان) [12] أي أطراف الأصابع التي بها يقاتلونكم أو ~~المفاصل لسرعة القتل فيها. ### || [سورة الأنفال (8): آية 13] # ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) # (ذلك) أي ذلك العذاب الواقع بهم (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي بسبب ~~مخالفتهم أمر الله وأمر رسوله (ومن يشاقق الله ورسوله) أي ومن يخالف أمرهما ~~(فإن الله شديد العقاب) [13] إذا عاقبه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 14] # ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14) # (ذلكم) مبتدأ، خطاب للكفار على سبيل الالتفات، أي ذلك العقاب النازل بكم ~~يوم بدر (فذوقوه) خبره، والفاء للسببية أو محل «ذلكم» ms0589 نصب بقوله «فذوقوه»، ~~والفاء زائدة للتأكيد، وتعطف (وأن للكافرين عذاب النار) [14] بفتح «أن» على ~~المبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كون عذاب النار للكافرين عقاب لهم يوم ~~القيامة، ويجوز أن يكون محله نصبا على أن الواو بمعنى مع، يعني ذوقوا هذا ~~العقاب العاجل مع العقاب الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع «للكافرين» موضع ~~الضمير ولا تظنوا أن هذا العقاب صار كفارة لكم عن عذاب النار يوم القيامة. ### || [سورة الأنفال (8): آية 15] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) # ثم قال حثا على القتال وتصبيرا عليه (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا) بتوحيد الله والقرآن (زحفا) حال من «الكافرين»، أي متزاحفين ~~بمعنى متكاثرين في غاية الكثرة، وأصله السير ببطء، ويوصف الجيش العظيم به، ~~كأنه يزحف في الأرض لعظمته، أي يبطؤ في سيره أو من زحف الصبي إذا دب على ~~جلوسه، يعني إذا لقيتم الكافرين ودنوتموهم للقتال (فلا تولوهم الأدبار) ~~[15] أي لا تعرضوا عنهم إلى ظهوركم منهزمين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 16] # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) PageV02P107 # (ومن يولهم) أي يصرف عنهم (يومئذ) أي يوم قتالهم (دبره) أي ظهره منهزما ~~ليلا أو نهارا (إلا متحرفا لقتال) نصب على الحال من الضمير الفاعل، أي إلا ~~منصرفا بعد الفرار يريد الكرة للقتال، يعني بأن يخدعهم ويريهم الفرة وهو ~~يريد الكرة (أو) إلا (متحيزا) من حازه يحوزه إذا ضمه، وأصله متحيوز، أي إلا ~~منضما إذا كان منفردا من فئة هو فيها (إلى فئة) أي جماعة من أصحابه يمنعونه ~~من العدو (فقد باء) أي رجع (بغضب من الله) أي باستحقاقه (ومأواه) أي مستقره ~~(جهنم وبئس المصير) [16] هي، قال ابن عباس: «إن الفرار من الزحف من أكبر ~~الكبائر» «1»، يعني به إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، قيل: «حكم هذه ~~الآية عام في كل فار» «2»، وقيل: «خاص بيوم بدر» «3»، «لأنهم لم ينحازوا ~~إلا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض ms0590 يومئذ مسلمون غيرهم لينحازوا إليهم» ~~«4»، فأما بعد فالمسلمون فئة لكل فار فلا يكون كبيرة، وقيل: هي منسوخة ~~بقوله «5» «الآن خفف الله عنكم» «6». ### || [سورة الأنفال (8): آية 17] # فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي ~~المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17) # قوله (فلم تقتلوهم) بقوتكم لضعفكم عن قتلهم، نزل حين افتخروا بعد انهزام ~~قوم بدر من المشركين بقولهم قتلنا فلانا وقتلنا فلانا نهيا عن الافتخار ~~والإعجاب بأنفسهم «7»، والفاء فيه في جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم ~~بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم (ولكن الله قتلهم) بنصره إياكم، وذلك بانزال ~~الملائكة وإلقاء الرعب في قلوبهم وتشجيع أنفسكم على القتال باذهاب الفزع ~~والجزع عنكم، روي: أن النبي عليه السلام لما التقى الجمعان أخذ قبضة من ~~حصباء الوادي فرمى بها في وجوه الكافرين، وقال: شاهت الوجوه فلم يبق كافر ~~منهم إلا شغل بعينه فانهزموا فأتبعهم المسلمون بالقتل والأسر، فقال لهم فلم ~~تقتلوهم «8»، وقال للنبي على السلام (وما رميت إذ رميت) أي لم يفعل رميك ~~بالكافرين ما فعلت بقوتك، لأن قوة البشر لا تؤثر ذلك الأمر العظيم (ولكن ~~الله رمى) بفتح النون وتشديدها، ونصب «الله»، وقرئ بكسرها والتخفيف ورفع ~~«الله» «9»، أي ولكن الله فعل الرمي وأثر رميته فيهم ليقهر الكافرين فأثبت ~~الرمية للنبي عليه السلام صورة ونفاها عنه حقيقة لضعف الطاقة البشرية عنها، ~~فكان الفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، قوله (وليبلي المؤمنين) عطف على ~~«ليقهر» المقدر المذكور، وهو من الإبلاء بمعنى الإعطاء، أي ليعطي الموحدين ~~بالله (منه) أي من فضله (بلاء حسنا) أي عطاء جميلا، وهو الغنيمة في الدنيا ~~والجنة في الآخرة (إن الله سميع) لدعاء الرسول عليه السلام (عليم) [17] ~~بنيته وباجابة دعائه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 18] # ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) # (ذلكم) أي البلاء الحسن، خبر مبتدأ محذوف، أي الغرض ذلكم، قوله (وأن) ~~بالفتح مع ما بعده، عطف على «ذلكم»، أي والغرض أن (الله موهن) أي مضعف (كيد ~~الكافرين) [18] ببدر، قرئ بالتخفيف والتشديد PageV02P108 # مع الإضافة وتركها «1» اسم فاعل من ms0591 أوهنته ووهنته إذا جعلته ضعيفا. ### || [سورة الأنفال (8): آية 19] # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن ~~تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) # قوله (إن تستفتحوا) نزل خطابا لأهل مكة على سبيل التهكم حين قال أبو جهل ~~وأصحابه: اللهم انصر أعز الجندين إليك وأهدى الفئتين في دينك «2»، فاستجيب ~~دعاؤهم على أنفسهم، أي إن تطلبوا الفتح حين قلتم ذلك متعلقين بأستار الكعبة ~~والقضاء بالحق (فقد جاءكم الفتح) أي النصر وهو القتل من المؤمنين (وإن ~~تنتهوا) عن الكفر وقتال الرسول عليه السلام (فهو خير لكم) من الإقامة ~~عليهما (وإن تعودوا) لقتاله مع الكفر (نعد) لنصره، فقتل أبو جهل وغيره من ~~أصحابه المشركين حيث لم ينتهوا (ولن تغني) أي لا تنفع قط (عنكم فئتكم) أي ~~جماعتكم (شيئا) من النصرة (ولو كثرت) في العدد (وأن الله مع المؤمنين) [19] ~~بكسر «إن» على معنى الاستئناف، وهو الأوجه، وقرئ بالفتح «3» بتقدير لكفركم ~~وعداوتكم، ولأن الله معين المؤمنين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 20] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) # قوله (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) نزل حثا للمؤمنين على ~~طاعة الرسول وامتثال أمره في الحرب معه والصلح في أمر الغنيمة وغير ذلك «4» ~~(ولا تولوا عنه) أي لا تعرضوا عن الرسول، لأن طاعته طاعة الله (وأنتم ~~تسمعون) [20] المواعظ «5» في القرآن. ### || [سورة الأنفال (8): آية 21] # ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) # قوله (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا) بآذاننا (وهم لا يسمعون) [21] ~~بقلوبهم، نزل في الذين لم يفهموا الحق ولم يتفكروا فيما سمعوا وهم ~~المنافقون من بني عبد الدار، فانه لم يسلم منهم إلا رجلان «6». ### || [سورة الأنفال (8): آية 22] # إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) # (إن شر الدواب) أي كل ما يتحرك على وجه الأرض (عند الله الصم) عن استماع ~~الحق (البكم) أي الخرس (الذين لا يعقلون) [22] الحق ولا يتكلمونه عند ~~سماعهم إياه وكانوا يقولون نحن صم بكم عما جاء به محمد، ms0592 أي لا نسمعه ولا ~~نجيبه، فقتلوا جميعا في حرب أحد. ### || [سورة الأنفال (8): آية 23] # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) # (ولو علم الله فيهم) أي في هؤلاء الصم البكم من الحق بعلم الأزل «7» ~~(خيرا) أي انتفاعا (لأسمعهم) أي لخلقهم سامعين بلطفه بهم سماع المصدقين، ثم ~~قال مستأنفا (ولو أسمعهم) أي لو لطف بهم فرضا حال كونه عالما أن لا خير ~~فيهم فسمعوا وصدقوا (لتولوا) أي لارتدوا بعد ذلك ولما نفع فيهم اللطف (وهم ~~معرضون) [23] الواو للحال، أي معرضين عن الإيمان عنادا فلم يستقيموا فيما ~~سمعوا لعلمه تعالى عاقبتهم على خلافه واستحالة أن يقع غير ما علمه تعالى. PageV02P109 ### || [سورة الأنفال (8): آية 24] # يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) # قوله (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا) أي أجيبوا (لله وللرسول إذا دعاكم) ~~الرسول (لما يحييكم) أي للقرآن الذي به تحيى القلوب أو للقتال «1» الذي فيه ~~الحيوة الدائمة في الآخرة، لأنه سبب الشهادة التي تورث الحيوة «2»، نزل ~~ترغيبا للمؤمنين في إجابة النبي عليه السلام إذا دعاهم لأمر الدين أو ~~الدنيا «3»، قيل: دعا النبي عليه السلام أبي ابن كعب وكان على الصلوة في ~~بيته فلم يجبه، فعجل في صلوته، ثم جاءه، فقال: فقال ما منعك عن إجابتي؟ # قال كنت أصلي، قال ألم تسمع فيما أوحي إلى «إستجيبوا لله والرسول»، فقال: ~~لا جرم، لا تدعوني إلا أجبت «4» بعد اليوم «5»، وهو مما اختص به النبي عليه ~~السلام أو كان دعاؤه لأمر لا يحتمل التأخير، فاذا وقع للمصلي مثله فله أن ~~يقطع الصلوة ويجيبه، قوله (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) نزل حين ~~جبنوا عن القتال، فقيل لهم: # قاتلوا في سبيل الله، واعلموا أن الله يحول بين الإنسان وإرادة قلبه ~~وإخلاصه له تعالى فلا يستطيع شيئا إلا بمشيته وإذنه «6»، فألجؤوا إليه ~~معتمدين عليه، لأنه هو الهادي والمضل، وقيل: «يحول بين المؤمن ومعصيته التي ~~تجره إلى النار وبين الكافر وطاعته ms0593 التي تجره إلى الجنة» «7»، ولذلك كان ~~عليه السلام يقول كثيرا: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» «8» (وأنه ~~إليه تحشرون) [24] في الآخرة فيجازيكم بما في قلوبكم وأعمالكم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 25] # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25) # (واتقوا فتنة) أي ذنبا أو عذابا إن أصابكم (لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة) بمعنى لا تصبهم بالاختصاص بل يعمكم أثرها فلا تعملوا المنكرات، قال ~~النبي عليه السلام: «إن الله لا يعذب العامة بفعل الخاصة حتى يروا المنكر ~~بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فاذا فعلوا ذلك عذب ~~الله العامة والخاصة» «9»، قيل: يجوز أن يكون «لا تصيبن» نفيا مجزوما في ~~جواب الأمر «10»، أكد بالنون مبالغا في تحقق «11» إصابة الفتنة للظلمة، ~~وذلك لأن دخولها مختص بالطلب ولا طلب في جواب الأمر، وإنما دخلت فيه لأن في ~~هذا النفي معنى النهي، وفي النهي طلب، فهو عدول عن الخبر إلى الإنشاء لضرب ~~«12» من المبالغة إذ لا يقال ذلك إلا في أمر يتردد القائل فيه فلذلك أكد ~~بالنون، و «من» في «منكم» للتبعيض، أي لا يصيبن بعضكم وهم الذين ظلموا ~~خاصة، وأن يكون صفة ل «فتنة» حال كونه منفيا بتقدير «13» مقولا فيها، ويكون ~~دخول النون على المنفي في غير القسم شاذا «14»، وأن يكون نهيا بعد الأمر، ~~فكأنه قيل احذروا فتنة، ثم قيل لا تتعرضوا للظلم فيصيب أثر الفتنة وهو عقاب ~~«15» الذين ظلموا خاصة، وهم أنتم ف «منكم» للبيان، وذلك «16» التفسير حسن ~~«17»، لأن النهي في «لا تصيبن» وإن كان متوجها إلى الفتنة في الظاهر لكن ~~المراد نهيهم عن التعرض لها، فيؤول PageV02P110 # المعنى إلى قوله لا تتعرضوا «1» إلى آخره فيكون من قبيل «لا يحطمنكم» «2» ~~في أن النهي لسليمان لفظا وللنمل معنى «3» (واعلموا أن الله شديد العقاب) ~~[25] لمن تعرض للظلم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 26] # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم ~~وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) # ثم ذكر لأصحاب النبي عليه السلام نعمة التي أنعمها ms0594 عليهم بقوله (واذكروا ~~إذ أنتم قليل) خطاب للمهاجرين، أي وقت كونكم ضعفاء بقلة العدد (مستضعفون) ~~أي مقهورين (في الأرض) أي أرض مكة قبل الهجرة (تخافون أن يتخطفكم الناس) أي ~~يستلبكم «4» الكفار بسرعة من العرب والعجم حولكم، لأنهم كانوا أعداءكم بسبب ~~إيمانكم (فآواكم) أي فنزلكم بالمدينة «5» (وأيدكم) أي وقواكم (بنصره) أي ~~بأن نصركم بالملائكة والأنصار يوم بدر بعد الهجرة فارتفع ضعفكم (ورزقكم من ~~الطيبات) أي من الغنائم التي لم تحل لأحد قبلكم (لعلكم تشكرون) [26] أي لكي ~~تعرفوا ذلك منه وتطيعوه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون (27) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول) نزل فيمن كان يفشي ~~الحديث الذي يسمع من النبي عليه السلام حتى يبلغ الكفار بمكة نهيا عن ذلك ~~«6»، وقيل: نزل في شأن أبي لبانة حين حاصر النبي عليه السلام قريظة، ~~وشاوروه في النزول على حكم سعد، وأشار بيده إلى حلق نفسه أن حكمه الذبح فلا ~~تنزلوا لكون ماله وأولاده معهم «7»، أي لا تفعلوا الخيانة في أمر الله ~~ورسوله، وأصل الخوف النقصان، أي لا تنقصوا ما ائتمنتم عليه بالإفشاء ~~والإظهار للأعداء (وتخونوا أماناتكم) جزم بالعطف على النهي قبله أو نصب ~~بواو الصرف بعد النهي، أي احفظوا عهد الله ورسوله بالوفاء لهما وفي ~~الأمانات بينكم (وأنتم تعلمون) [27] أي أن الخيانة قبيحة في كل شيء، وهي أن ~~يؤتمن الرجل على شيء من غيره، فلا يؤديه إليه وقد يسمى العاصي خائنا، لأنه ~~قد ائتمن على دينه فنقصه «8». ### || [سورة الأنفال (8): آية 28] # واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) # ثم نصحهم بقوله (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) أي محنة وبلاء من ~~الله ليبلوكم كيف تحفظون فيهم حدود الله، فعليكم أن تزهدوا إليه في الدنيا ~~ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد حتى تهلكوا أنفسكم (و) اعلموا أيضا (أن ~~الله عنده أجر عظيم) [28] لمن صبر ولم يخن، وهو الجنة. ### || [سورة الأنفال (8): آية 29] # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ms0595 فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) # (يا أيها الذين آمنوا) بالله (إن تتقوا) أي تطيعوا (الله) بالخشية من ~~عقابه ولا تعصوه (يجعل لكم فرقانا) أي أمرا يفرق بين الحق والباطل بنصركم ~~في الدين على أهل الكفر لإعزازكم وإذلالكم في الدنيا والآخرة (ويكفر عنكم ~~سيئاتكم) أي ويمح كبائركم (ويغفر لكم) ذنوبكم، أي ويستر عليكم عيوبكم ~~(والله ذو الفضل العظيم) [29] أي ذو التجاوز «9» عن سيئات عباده. PageV02P111 ### || [سورة الأنفال (8): آية 30] # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) # قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا) وهم أكابر قريش مجتمعين في دار الندوة ~~مشاورين في الفتك بالنبي «1» عليه السلام في مضجعه. # وذلك بعد إسلام الأنصار حول المدينة وتمثل لهم إبليس عليه اللعنة في ~~مشاورتهم بصورة شيخ نجدي، فقال بعضهم: خذوه واحبسوه في بيت، وسدوا عليه مع ~~طعامه وشرابه حتى يهلك، فقال اللعين: بئس الرأي ذلك، فانه يأتيكم «2» من ~~يخلصه من البيت، وقال بعضهم أخرجوه من بين أظهرهم وغربوه فلا يضركم ما صنع، ~~فقال اللعين: بئس الرأي ذلكم يذهب إلى قوم فيستميل قلوبهم فيأتي بهم ~~ويخرجونكم «3» من بلادكم، وقال أبو جهل: خذوا من كل بطن شابا بسيف صارم ~~فيضربوه ضربة رجل واحد حتى يقتل فنستريح من يده، فقال اللعين: ذلكم الرأي، ~~فتفرقوا على ذلك الرأي ليأتوه ليلا، فأخبر جبرائيل عليه السلام بذلك، وأمره ~~أن لا يبيت في مضجعه فأمر النبي عليه السلام عليا أن يبيت مكانه وأمره أن ~~يلبس بردائه ليأمن ببركته، ثم خرج النبي عليه السلام ومعه أبو بكر إلى ~~الغار، ونام على مكانه، فلما أصبحوا دخلوا البيت، فاذا هو علي، فسألوه عنه، ~~فقال: لا أدري، فطلبوه فلم يجدوه «4». # فأخبر تعالى عن ذلك، أي واذكر وقت مكر الكافرين بك (ليثبتوك) أي ليحبسوك ~~في البيت بالوثاق (أو يقتلوك) بالسيف (أو يخرجوك) من مكة (ويمكرون) أي وهم ~~يمكرون بك الشر (ويمكر الله) أي ويجازيكم جزاء مكرهم حين أخرجهم إلى بدر، ~~فقتل بعضهم فيه وأسر بعضهم ms0596 (والله خير الماكرين) [30] لأن مكره أنفذ من ~~غيره وأبلغ تأثيرا أو لأن مكره حق وعدل لا يصيب أحدا إلا بما هو يستوجبه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 31] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) # قوله (وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي القرآن (قالوا قد سمعنا) قولك هذا يا ~~محمد (لو نشاء لقلنا مثل هذا) أي مثل القرآن (إن هذا) أي ما القرآن «5» ~~(إلا أساطير الأولين) [31] أي أكاذيب المتقدمين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 32] # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم (32) # نزل كان النبي عليه السلام يقرأ القرآن ويذكر أخبار الأمم الماضية، فقال ~~النضر بن الحارث: لو أشاء لقلت مثل الذي جاء به محمد، فقال له عثمان بن ~~مظعون: اتق الله يا نضر، فانه ما يقول إلا حقا «6» (وإذ قالوا) أي اذكر وقت ~~«7» قول «8» النضر ومن مثله من الكفار (اللهم إن كان هذا) أي ما يقوله محمد ~~(هو الحق) بنصبه ب «كان» وبرفعه «9» خبر هو والجملة خبر «كان»، أي إن كان ~~القرآن (من عندك) لا من رأيه (فأمطر علينا حجارة من السماء) كأصحاب الفيل، ~~قيل: فائدة قوله «من السماء» و«الأمطار» لا يكون إلا منها أنه أراد حجارة ~~من سجيل، فوضع «من السماء» موضع من سجيل ليكون إشارة إلى عذاب أصحاب الفيل ~~«10»، قيل: «يقال في الرحمة مطر، وفي النقمة أمطر» «11»، ثم قال (أو ائتنا ~~بعذاب أليم) [32] فاستجيب دعاؤه على نفسه، فقتله النبي PageV02P112 # عليه السلام يوم بدر صبرا، قيل: سأل معاوية لرجل من سبأ ما أجهل قومك ~~بتمليكهم امرأة عليهم، فقال الرجل: أجهل منهم قومك حين قالوا اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ولم يقولوا «1» فاهدنا به «2». ### || [سورة الأنفال (8): آية 33] # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) # قوله (وما كان الله ليعذبهم وأنت) يا محمد (فيهم) أي بين ظهراني قريش حتى ~~يخرجك عنهم كما ms0597 أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم، لأن العذاب إذا نزل ~~عم، فأمروا بالخروج مع المؤمنين منهم، نزل حين أسر النضر المقداد، فجاء به ~~الرسول عليه السلام، فقال أسيري فقال عليه السلام هو الذي كان يقول في شأن ~~الله ورسوله ما يقول قال يا رسول الله أسيري فقال عليه السلام: اللهم أغن ~~المقداد من فضلك، فقال هو الذي أردت منك «3»، فأخبر تعالى بذلك أنه لا ~~يعذبهم وأنت فيهم وهم أخرجوك من بين ظهرانيهم، ثم قال تعالى (وما كان الله ~~معذبهم وهم) أي الكافرون (يستغفرون) [33] من الكفر فيؤمنون أو لا يعذب ~~الكافرين والمؤمنون مستغفرون فيهم، لأن النبي عليه السلام لما خرج بقي بقية ~~من المؤمنين بمكة مستغفرين فأمنوا من العذاب بسببهم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 34] # وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه ~~إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34) # ثم رجع إلى ذكر حال المشركين فقال (وما لهم ألا يعذبهم الله) أي أي شيء ~~لهم من انتفاء عذاب الله عنهم، يعني لا حظ لهم فيه وهم معذبون البتة، وكيف ~~لا يعذبون (وهم يصدون) أي وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين (عن المسجد الحرام) ~~أي عن الطواف به كما صدوا رسول الله عليه السلام عام الحديبية والمسلمين ~~معه لقولهم نحن أولياء البيت فنترك للطواف به من نشاء ونصد من نشاء، فقال ~~تعالى (وما كانوا أولياءه) أي ولاة أمر البيت وأربابه، لأنهم أعداء الدين ~~القيم، فلم يستحقوا ولايته بعداوته (إن أولياؤه) أي ما أربابه (إلا ~~المتقون) أي الموحدون الأبرار المطيعون بالتقوى من المسلمين، يعني لا يصلح ~~كل مسلم أيضا أن يلي أمره، فكيف يصلح له الكفرة عبدة الأوثان (ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون) [34] ذلك ويطلبون الرياسة بالجهالة أو يعلمون ويعاندون في طلبها ~~لا بمقتضى العلم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 35] # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) # ثم قال توبيخا لهم (وما كان صلاتهم عند البيت) أي بيت الله (إلا مكاء) ~~بالنصب خبر «كان»، أي صفيرا ms0598 وهو بأن يشبك الرجل أصابعه فينفخ فيها (وتصدية) ~~أي تصفيقا وهو ضرب إحدى اليدين بالأخرى، وهو من قبيل قولهم إكرامه لي الضرب ~~والشتم، وكانوا يفعلون ذلك في طوافهم البيت عراة رجالهم ونساؤهم مختلطون، ~~وهم قد أمروا بالصلوة في المسجد مع تعظيمه، فجعلوا المكاء والتصدية صلاتهم ~~فيه، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله عليه وسلم في صلوته يخلطون ~~عليه (فذوقوا العذاب) أي فقلنا لهم ذوقوا عذاب القتل والأسر يوم بدر (بما ~~كنتم تكفرون) [35] أي بسبب كفركم وإقدامكم على أعمال الكفرة. ### || [سورة الأنفال (8): آية 36] # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) # قوله (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم) نزل في المطعمين من المشركين الذين ~~خرجوا لحرب رسول الله PageV02P113 # وأصحابه في طريقهم إلى بدر «1»، وقيل: كانوا ثلاثة عشر رجلا، وكان كل ~~واحد منهم يطعم عشرة جزائر «2»، جمع جزور «3» (ليصدوا) أي ليصرفوا الناس ~~(عن سبيل الله) أي عن دينه (فسينفقونها ثم تكون) نفقتهم في العاقبة «4» ~~(عليهم حسرة) أي ندامة، لأنها تكون «5» لهم زيادة العذاب يوم القيامة (ثم ~~يغلبون) أي يهزمون في الدنيا فيرجعون أسراء وقتلاء «6» (والذين كفروا) منهم ~~ولم يؤمنوا إلى الموت (إلى جهنم يحشرون) [36] بعد الموت في الآخرة ولم يكن ~~الأسر والقتل كفارة لذنوبهم كما كانا للمؤمنين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 37] # ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ~~فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون (37) # (ليميز) بالتخفيف من ماز وبالتشديد من ميز «7» بمعنى واحد، أي ليظهر ~~(الله الخبيث) بالكفر والمعصية (من الطيب) بالإيمان والعمل الصالح (ويجعل ~~الخبيث) أي الفريق الطالح (بعضه على بعض فيركمه) أي فيضمه (جميعا) أي ~~مجموعا حتى «8» يتراكبوا (فيجعله) أي المجموع المتراكم (في جهنم) أي في ~~جملة من يعذبون فيها من الكفار (أولئك) أي الفريق الخبيث (هم الخاسرون) ~~[37] أي المغبونون في العقوبة بانفاقهم أموالهم في عداوة رسول الله عليه ~~السلام. ### || [سورة الأنفال (8): آية 38] # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ms0599 سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت ~~الأولين (38) # (قل للذين كفروا) أي لأبي وأصحابه ولمن مثلهم إلى يوم القيامة (إن ~~ينتهوا) عن الكفر وعداوة رسول الله والمؤمنين بالإسلام (يغفر لهم ما قد ~~سلف) أي الذي «9» مضى من ذنوبهم قبل الإسلام (وإن يعودوا) إلى كفرهم بالله ~~وقتال رسوله (فقد مضت سنت الأولين) [38] منهم ومن غيرهم بأن يهلكوا إذا لم ~~يؤمنوا، قيل: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تبعة قط، وأما الذمي إذا أسلم ~~يلزمه قضاء حق الآدمي دون حق الله، وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله في المرتد ~~إذا أسلم لم يلزمه قضاء حق الله قبل الردة وبعدها - «10» ### || [سورة الأنفال (8): آية 39] # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير (39) # ثم حث المؤمنين على قتال الكفار المصرين بقوله (وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة) أي إلى أن لا يوجد فيهم شرك قطعا «11» (ويكون الدين كله) أي جميعه في ~~الناس «12» (لله) ويضمحل عنهم الدين الباطل أينما كان «13»، فلا يكون دين ~~غير دين الإسلام (فإن انتهوا) عن الكفر وقتال المسلمين (فإن الله بما ~~يعملون) بالياء غيبة «14» (بصير) [39] فيجازيهم بأعمالهم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 40] # وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير (40) # (وإن تولوا) أي إن أعرضوا «15» عن الإيمان (فاعلموا) أيها المؤمنون (أن ~~الله مولاكم) أي ناصركم PageV02P114 # وحافظكم، فتوكلوا بولايته ونصرته (نعم المولى) أي الحافظ (ونعم النصير) ~~[40] أي المعين المانع من العدو. ### || [سورة الأنفال (8): آية 41] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) # قوله (واعلموا أنما غنمتم من شيء) نزل تعليما لقسمة الغنيمة الحاصلة من ~~الكفار عنوة بقتال «1»، أي الذي أخذتموه منهم بالقهر من شيء من الأموال حتى ~~الخيط والمخيط، ف «ما» موصولة اسم «أن» «2»، والعائد محذوف، و«من شيء» ~~بيانه، والخبر «3» (فأن لله خمسه) بفتح الهمزة محلها «4» مع ما بعدها رفع ~~خبر مبتدأ ms0600 محذوف، أي فالحكم أن لله منه خمسه (وللرسول ولذي القربى) أي ~~ولأقاربه كبني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، لأن هؤلاء لم ~~يفارقوه في الجاهلية والإسلام (واليتامى والمساكين وابن السبيل) قيل: كان ~~النبي عليه السلام يؤتي بالغنيمة فيقسمها على خمسة أسهم، فيعطي أربعة منها ~~لمن قاتل عليها، ثم يقسم الخمس الآخر خمسة أقسام فيأخذ قسما منها لنفسه ~~ويعطي قسما لأقاربه والأقسام الثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل، لكن ~~أبا حنيفة رحمه الله أسقط قسم النبي عليه السلام بموته، وخص قسم ذي القربى ~~لفقرائهم دون أغنيائهم وما فضل يقسم على الطواف الثلاث، والشافعي رحمه الله ~~يجعل قسم النبي عليه السلام للجهاد ولما فيه قوة الإسلام، ويقسم قسم ذي ~~القربى بين الفقير والغني على السوية لقرابتهم، لكنه يعطي الذكر مثل ~~الانثيين، فعلى هذا كان ذكر اسم الله تبركا «5»، وأضيف اسمه إلى المال ~~تشريفا له، وجعل بعضهم الخمس على ستة أسهم، سهم لله فيجعله للكعبة والباقي ~~كما ذكر، فمن جعل الفيء والغنيمة واحدا، وهو ما أصابه المسلمون من الكفار ~~جعل آية «قل الأنفال لله والرسول» «6» منسوخة بهذه الآية ومن جعله غير ~~الغنيمة وهي المأخوذة من الكفار عنوة بالقتال، ويكون الفيء ما أصابوه من ~~الكفار عن صلح بغير قتال فلا نسخ، قوله (إن كنتم آمنتم بالله) شرط، جوابه ~~محذوف يدل عليه «اعلموا» قبله، أي إن صدقتم بالله وآياته فاعلموا وأقروا ~~بحكمه أن قسمة الغنيمة كذلك، فالمراد من العلم المتضمن بالعمل والطاعة لا ~~العلم المجرد، لأنه يستوي فيه المؤمن والكافر، قوله (وما أنزلنا) عطف على ~~قوله «بالله»، أي إن كنتم آمنتم بالله «7» وبما أنزلنا (على عبدنا) محمد ~~عليه السلام من الآيات والملائكة والنصر (يوم الفرقان) أي يوم بدر، فرق فيه ~~الحق من الباطل، وأبدل من «يوم الفرقان» قوله (يوم التقى الجمعان) أي ~~الفريقان من المؤمنين والكافرين (والله على كل شيء قدير) [41] أي على نصرة ~~المؤمنين وهزيمة الكافرين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 42] # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم ~~لاختلفتم ms0601 في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) # قوله (إذ أنتم) بدل أيضا من «يوم الفرقان» والأوجه أن ينتصب «8» بفعل ~~مقدر، أي اذكروا وقت كونكم (بالعدوة الدنيا) بضم العين وكسرها «9»، أي في ~~شط الوادي القربى إلى جهة المدينة، فالدنيا تأنيث الأدنى (وهم بالعدوة ~~القصوى) أي البعدى عن المدينة مما يلي مكة، تأنيث الأقصى، والقياس القصيا ~~كالدنيا والعليا، فثبوت PageV02P115 # الواو فيها شاذ (والركب) مفرد لفظا جمع معنى للراكب، أي العير التي فيها ~~أبو سفيان وأصحابه من التجار (أسفل منكم) أي مكانا أسفل من مكانكم وهو نصب ~~على الظرف، محله رفع، لأنه «1» خبر المبتدأ، وفائدة هذه القيود كلها هي ~~الإخبار عن قوة العدو وشوكته وضعف المسلمين وقلة أسباب الحرب، وإن غلبتهم ~~في مثل هذه الحالة ليست «2» إلا بحول الله وقوته وباهر قدرته، يعني من الله ~~عليكم بتدبير النصر لكم (ولو تواعدتم) أي أنتم وأولئكم المشركون بالاجتماع ~~للقتال (لاختلفتم في الميعاد) لأنهم خرجوا للذب عن العير وأنتم خرجتم لطلب ~~العير (ولكن) الله جمع بينكم على غير ميعاد (ليقضي الله أمرا) من إعزاز ~~دينه وإعلاء كلمته (كان مفعولا) أي ثابتا واجبا بتقديره هزيمة الكافرين ~~ونصر «3» المؤمنين، ويتعلق قوله (ليهلك) ب «يقضي» أو ب «مفعولا»، أي ليموت ~~(من هلك) أي من مات بالكفر (عن بينة) أي عن حجة «4» قائمة عليه، لأنه بين ~~«5» له الحق مرة بعد مرة (ويحيى) أي ليعيش «6» (من حي) أي من عاش بالإيمان ~~(عن بينة) قائمة عليه بظهور الحق له كذلك، قرئ «حي» بياء واحدة مشددة ~~وبياءين ظاهرتين «7» على الأصل (وإن الله لسميع عليم) [42] بكفر من كفر ~~وعقابه وبايمان من آمن وثوابه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 43] # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في ~~الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) # واذكروا (إذ يريكهم الله) أي المشركين (في منامك) يا محمد قبل أن يلتقوا ~~بكم (قليلا) لتقدموا عليهم «8» (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) أي لجبنتم ms0602 وتركتم ~~الصف (ولتنازعتم) أي اختلفتم (في الأمر) أي في أمر «9» القتال (ولكن الله ~~سلم) أي أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع عليكم (إنه عليم بذات الصدور) ~~[43] أي بحقيقة ما في القلوب من المضمرات. ### || [سورة الأنفال (8): آية 44] # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) # واذكروا (وإذ يريكموهم) أي يبصركم الله إياهم (إذ التقيتم) أي وقت ~~التقائكم إياهم (في أعينكم قليلا) لئلا تجبنوا ولتصديق رؤيا النبي عليه ~~السلام (ويقللكم في أعينهم) ليقدموا عليكم بقلة المبالاة بكم (ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا) من نصرة المؤمنين وذل الكافرين بالهزيمة والقتل (وإلى ~~الله ترجع الأمور) [44] أي عواقب أمور الخلق في الآخرة من إثابة المؤمنين ~~وعقاب الكافرين لا إلى غيره تعالى. ### || [سورة الأنفال (8): آية 45] # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون (45) # ثم قال تحريضا للمؤمنين على قتال الكفار (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~فئة) أي جماعة من المشركين المحاربين (فاثبتوا) لقتالهم مع نبيكم (واذكروا ~~الله) ذكرا (كثيرا) أي ادعوه بالنصر «10» في مواطن الحرب (لعلكم تفلحون) ~~[45] أي تظفرون بمرادكم من النصرة فتأمنون «11» من عدوكم، والمراد من ~~الكثرة الدوام. ### || [سورة الأنفال (8): آية 46] # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين (46) PageV02P116 # (وأطيعوا الله ورسوله) فيما يأمركم من القتال وغيره (ولا تنازعوا) في أمر ~~القتال بينكم (فتفشلوا) أي تجبنوا من عدوكم (وتذهب ريحكم) أي دولتكم ~~بالغلبة ونصرتكم كما وقع ذلك يوم أحد، نصب الفعلين على أنه جواب النهي، ~~يعني لا تختلفوا عند لقاء عدوكم (واصبروا) على القتال لوجه الله (إن الله ~~مع الصابرين) [46] بالنصرة والعون. ### || [سورة الأنفال (8): آية 47] # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ~~والله بما يعملون محيط (47) # ثم أكد ذلك بقوله (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم) لأجل القتال ~~بالرياء والسمعة، وهم كفار مكة الذين خرجوا منها (بطرا) أي فرحا بطغيانهم ~~في النعمة، وهو مصدر في موضع الحال أو ms0603 مفعول له، وعطف عليه قوله (ورئاء ~~الناس) أي لأن يروا الناس مسيرتهم ويسمعوهم إياهم فنهاهم الله أن يكون مثل ~~أولئك مرائين «1» بطرين فرحين بأعمالهم، بل أمرهم أن يكونوا من أهل التقوى ~~والتحزن من خشية الله مخلصين أعمالهم لله، وعطف على معنى المصدر (ويصدون) ~~أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي عن دينه الحق وهو الإسلام (والله بما ~~يعملون محيط) [47] أي عالم بجميع أعمالهم، قرئ بالياء غيبة. ### || [سورة الأنفال (8): آية 48] # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ~~ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48) # ثم أكد كون خروجهم لا لوجه الله بقوله (و) اذكر (إذ زين لهم) أي لكفار ~~مكة «2» (الشيطان أعمالهم) بأن جسرهم على قتال المسلمين، قيل: جاء إبليس ~~على صورة سراقة بن مالك شريف كنانة، فقال: حين وجدوا العير وأرادوا الرجوع ~~إلى مكة، لا ترجعوا حتى تستأصلوهم فانكم كثير وعدوكم قليل «3» (وقال) أي ~~الشيطان للمشركين (لا غالب) كائن (لكم اليوم من الناس) لقوتكم وكثرتكم ~~(وإني جار) أي معين (لكم) من كنانة وهؤلاء بنوا كنانة تأتيكم على أثري ~~(فلما تراءت الفئتان) أي الطائفتان المؤمنة والكافرة ورأى أبليس الملائكة ~~مع المؤمنين (نكص) أي رجع (على عقبيه) هاربا وراءه، فقال له الحارث بن ~~هشام: أين ما ضمنت لنا؟ فضرب في صدره (وقال إني بريء منكم) ومن جواركم (إني ~~أرى ما لا ترون) قيل: رأى الملائكة وجبرائيل معتجرا بردائه يقود فرس النبي ~~عليه السلام «4»، وأبدل من «إني أرى» (إني أخاف الله) أن يهلكني «5» ~~ويعاقبني (والله شديد العقاب) [48] قال ابن عباس: «خاف إبليس أن يأخذه ~~جبرائيل أسيرا فيعرفه الناس فلا يطيعوه بعد ذلك» «6»، لأنه لم يخف على نفسه ~~بناء على الإنظار الذي طلبه من الله إلى نفخ الصور، فلما تولى إبليس قال ~~الكفار هزم الناس سراقة فبعد رجوعهم إلى مكة وجد سراقة، وسألوه عن ذلك وقال ~~والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني ms0604 هزيمتكم، فحلفوه عليه فحلف أنه لم يحضر ~~هنا لك، فلما أسلم القوم علموا أنه كان إبليس. ### || [سورة الأنفال (8): آية 49] # إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) # قوله (إذ يقول المنافقون) نزل في عبد الله بن أبي وأصحابه «7» الذين لم ~~يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين «8»، أي اذكر وقت قول المنافقين ~~بالمدينة (والذين في قلوبهم مرض) الواو فيه للعطف التفسيري «9»، أي PageV02P117 # هم الذين في صدورهم ريب، وقيل: هم المشركون «1» من أهل مكة، لأن فيهم مرض ~~الشرك (غر هؤلاء) يعنون بالمؤمنين (دينهم) إذ هم توهموا أن نصرتهم بسبب ~~دينهم، ثم قال تعالى جوابا لهم (ومن يتوكل على الله) أي ومن يثق بالله دون ~~غيره (فإن الله عزيز) بالنقمة (حكيم) [49] بالهزيمة على المشركين وفضاحة ~~المنافقين. ### || [سورة الأنفال (8): آية 50] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) # (ولو ترى) يا محمد (إذ يتوفى) بالياء، أي يقبض الله (الذين كفروا) في ~~قتال بدر و(الملائكة) مبتدأ، خبره (يضربون وجوههم وأدبارهم) أي أستاههم ~~بالسياط عند الموت أو المراد ب «وجوههم» و«أدبارهم» ما أقبل منهم وما أدبر، ~~فان الملائكة كانوا يضربون وجوههم بالسيف إذا أقبلوا وإذا أدبروا يضربون ~~أدبارهم بالسيف أيضا، وقرئ «تتوفى» بتائين «2» وفاعله «الملائكة» و«يضربون» ~~حال من و«هم»، فالمراد من التوفى على هذه القراءة الموت، وعلى الأولى ~~القتل، قيل: يضربهم الملائكة بمقامع من حديد كلما ضربوهم بها تلتهب عليهم ~~نار «3» (و) يقولون لهم (ذوقوا عذاب الحريق) [50] بشارة لهم بعذاب الآخرة، ~~لأنه مقدمة لعذاب النار فيها، وجواب «لو» محذوف، أي لو ترى ذلك لرأيت أمرا ~~عظيما، يعني منكرا فظيعا. ### || [سورة الأنفال (8): آية 51] # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) # (ذلك) أي العذاب النازل بكم (بما قدمت أيديكم) أي بسبب عملكم القبيح من ~~الكفر والتكذيب وترككم الإيمان وهو يحتمل أن يكون من كلام الملائكة، وهو ~~الظاهر وأن يكون من كلام الله، وعطف عليه قوله (وأن الله) أي وبأنه تعالى ~~(ليس ms0605 بظلام للعبيد) [51] ليعذبهم بغير ذنب والتكثير في الظلام لأجل تكثير ~~العبيد. ### || [سورة الأنفال (8): آية 52] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن ~~الله قوي شديد العقاب (52) # (كدأب آل فرعون) خبر مبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون «4»، أي ~~عادتكم يا كفار مكة كعادة قوم فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب (والذين من ~~قبلهم) أي وكعادة الذين قبل آل فرعون من الأمم المتقدمة، ثم فسر دأبهم ~~بقوله (كفروا بآيات الله) أي بالبينات التي جاءتهم رسلهم بها من الأمر ~~والنهي وخبر العذاب «5» فلم يؤمنوا بها (فأخذهم الله) أي عاقبهم (بذنوبهم) ~~أي بكفرهم ومعاصيهم (إن الله قوي) في أخذه بالقدرة والمشية (شديد العقاب) ~~[52] لمن أعرض عن الإيمان به وعصاه. ### || [سورة الأنفال (8): آية 53] # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم (53) # (ذلك) أي العذاب الذي نزل بهم مسبب «6» (بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) كما أن الله أنعم أهل مكة بمحمد ~~والقرآن، وكفروا به وبالقرآن، فنقلهما إلى الأنصار بالمدينة، وقيل: # «أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فلم يشكروا الله لذلك فجعل لهم الخوف مكان ~~الأمن والجوع مكان الرخاء» «7»، قيل: «ما عذب الله قوما ولا سلبهم النعم ~~حتى كذبوا رسلهم، فاذا فعلوا ذلك سلبهم العز وألزمهم الذل والمسكنة» «8» ~~(وأن الله) أي وبأنه تعالى (سميع) بمقالتهم (عليم) [53] بأعمالهم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 54] # كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54) PageV02P118 # (كدأب آل فرعون) تأكيد لما قبله، محله رفع خبر مبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء ~~مثل دأب آل فرعون في الهلاك (والذين من قبلهم) أي قبل آل فرعون (كذبوا ~~بآيات ربهم) التي جاءتهم بها رسلهم (فأهلكناهم بذنوبهم) أي بكفرهم ومعاصيهم ~~(وأغرقنا آل فرعون) معه لا دعائه الربوبية وإطاعتهم إياه بالعبادة (وكل) أي ~~كل من غرقى القبط وقتلى قريش (كانوا ظالمين) [54] أنفسهم بالكفر والمعاصي. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات ms0606 55 الى 56] # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) # قوله (إن شر الدواب) أي شر الناس (عند الله الذين كفروا) بالله ورسوله ~~(فهم لا يؤمنون) [55] أي يصرون في كفرهم، نزل في شأن بني قريظة، كعب بن ~~الأشرف وأصحابه «1»، وتبدل من «الذين كفروا» (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة) أي في كل وقت من غير مبالاة بالنقض (وهم لا يتقون) [56] ~~الله وعذابه بنقض العهد، روي: أنهم عاهدوا النبي عليه السلام أن لا يعينوا ~~الكفار عليه فعاونوا المشركين بالسلاح على قتاله، وقالوا بعد ذلك أخطأنا ~~ونسينا العهد، ثم عاهدوا النبي عليه السلام مرة ثانية فأعانوا الأحزاب يوم ~~الخندق، وذهب كعب بن الأشرف إلى مكة فعاهد المشركين فيها «2»، فهم شر ~~الكافرين الذين هم شر الناس بنكث العهود بعد الإصرار في الكفر مع ظهور الحق لهم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 57] # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) # (فإما تثقفنهم) أي تدركنهم يا محمد (في الحرب) وتظفر بهم في القتال ~~(فشرد) أي فرق (بهم) أي بعقوبتهم (من خلفهم) أي من وراءهم من أعدائك لأنك ~~إذا عاقبت هؤلاء تفرق الأعداء من ورائهم ولم يقدموا عليك (لعلهم) أي لعل ~~المفرقين من بعدهم (يذكرون) [57] أي يتعظون بعقوبة هؤلاء فلا يحاربوك ولا ~~ينقضوا عهدك. ### || [سورة الأنفال (8): آية 58] # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) # (وإما تخافن) أي إن علمت يا محمد (من قوم) عاهدوك (خيانة) أي أماراتها ~~اللائحة بنقض العهد (فانبذ) أي اطرح (إليهم) عهدهم (على سواء) محله نصب على ~~الحال من النابذ والمنبوذ إليهم، أي حاصلين على استواء في العلم والعداوة، ~~يعني كن أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء حذرا من أن تتهم بخيانة (إن الله ~~لا يحب الخائنين) [58] بنقض العهد فلا يكن منك إخفاء نكث العهد والخداع. ### || [سورة الأنفال (8): آية 59] # ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) # قوله ms0607 (ولا يحسبن) بالكسر والفتح «3» (الذين كفروا) بالياء فالفاعل ~~«الكافرون» والمفعول الأول مضمر والثاني (سبقوا) أي فاتوا، تقديره: لا ~~يحسبن الكافرون أنفسهم فائتين من العذاب، وبالتاء خطابا للنبي عليه السلام ~~فالمفعول الأول «الذين» والثاني «سبقوا»، نزل في القوم الذين انهزموا من ~~المشركين ببدر «4»، أي لا يظنن الذين كفروا من العرب وغيرهم مفلتين من أن ~~يظفر بهم بأعمالهم الخبيثة (إنهم) بالكسر استئناف في معنى التعليل وبالفتح ~~«5» تعليل صريح، أي لأنهم (لا يعجزون) [59] أي لا يجدوني عاجزا عن إدراكهم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 60] # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) PageV02P119 # (وأعدوا لهم) أي اتخذوا العدة لقتالهم (ما استطعتم من قوة) أي مما «1» ~~يتقوى به في الحرب من السلاح وكثرة العدد، في محل النصب حال من «ما» بمعنى ~~الذي، قال عليه السلام: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن ~~القوة الرمي» «2» وفي خبر آخر زيادة «لهو المؤمن في الخلاء وقوته عن ~~القتال» «3»، وقال: # «من ترك الرمي بعد ما علمه فقد كفر» «4» أو «عصى» «5» (ومن رباط الخيل) ~~أي وأعدوا أيضا من احتباس الخيل الذكور والإناث للغزو، والرباط اسم للخيل ~~التي تربط «6»، وأصل الربط الشد، والمختار الإناث لقلة صهيلها، وخص الخيل ~~بالذكر تفضيلا لها، قال عليه السلام: «الخيل معقود بنواصيها الخير- أي- ~~الأجر والمغنم إلى يوم القيامة» «7» (ترهبون) أي تخوفون، في محل النصب حال ~~من فاعل «أعدوا» (به) أي بالقوة والسلاح (عدو الله وعدوكم) وهم كفار مكة ~~(وآخرين من دونهم) أي وتخوفون قوما آخرين من غيرهم كاليهود والنصارى وأهل ~~فارس (لا تعلمونهم) أي لا تعرفونهم (الله يعلمهم) أي يعلمهم فيعرفهم إياهم ~~فأعدوا لهم أيضا بالإنفاق في تحصيله من القوس والسلاح، قوله «8» (وما ~~تنفقوا من شيء) شرط (في سبيل الله) أي في دين الإسلام، جزاؤه (يوف) أي يكمل ~~«9» (إليكم) ثوابه (وأنتم لا تظلمون) [60] بنقض ثواب أعمالكم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 61] # وإن جنحوا ms0608 للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61) # (وإن جنحوا) أي مالوا (للسلم) بكسر السين وفتحها «10»، أي إلى الصلح وهي ~~مؤنثة كنقيضها الحرب لقوله (فاجنح لها) أي مل إليها، قيل: هذا إذا لم يكن ~~للمسلمين قوة القتال وأما إذا كانت فينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا إو يعطوا ~~الجزية إن لم يكونوا من العرب، وإنما لم توضع الجزية على العرب لرفع «11» ~~الكفر من أنساب النبي عليه السلام، لأن العرب كلهم من نسبه بالقتل أو ~~بالإسلام «12» (وتوكل على الله) أي ثق بالله ولا تخف من ميلهم إلى الصلح، ~~فالله حافظك فلا يخذلك (إنه هو السميع) لأقوالك وأقوالهم (العليم) [61] ~~بأحوالك وأحوالهم من نقض العهد وغيره. ### || [سورة الأنفال (8): آية 62] # وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) # (وإن يريدوا أن يخدعوك) بأن يكيدوك بالصلح وهم بنو قريظة من اليهود ~~أرادوا أن يصالحوك لتمتنع عن قتالهم رجاء أن يصل بهم مشركوا العرب فيعينوهم ~~عليك (فإن حسبك) أي كافيك (الله) بالنصرة من خدعهم، وهو مصدر بمعنى المحسب ~~(هو الذي أيدك) أي قواك (بنصره) إياك بملائكته (وبالمؤمنين) [62] من ~~الأنصار وهم الأوس والخزرج، وكان بينهم عداوة وإحن. ### || [سورة الأنفال (8): آية 63] # وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) PageV02P120 # (وألف بين قلوبهم) أي جمع بين قلوب القبيلتين بالتليين ورفع القساوة ~~والعداوة التي كانت بينهما في الجاهلية منها فاتلفت بسبب محبتك والإيمان بك ~~(لو أنفقت ما في الأرض جميعا) من الأموال (ما ألفت بين قلوبهم) أي لما قدرت ~~أن تألف بين قلوبهما وتجمعها على اتفاق كلمتهم (ولكن الله ألف) أي جمع ~~(بينهم) بالإيمان، لأنه مالك القلوب يقلبها كيف يشاء (إنه عزيز) بالانتقام ~~من الأعداء (حكيم) [63] بالائتلاف بينهم وإماطة التباغض عنهم وإحداث التحاب ~~فيهم، قيل: «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» «1». ### || [سورة الأنفال (8): آية 64] # يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # قوله «2» (يا أيها النبي حسبك الله ms0609 ومن اتبعك من المؤمنين) [64] نزل في ~~بيداء في غزوة بدر قبل الحرب «3»، وعن سعيد بن جبير: أنه أسلم ومع النبي ~~عليه السلام ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر فنزلت الآية «4»، ~~وقيل: نزلت في إسلام عمر حين كمل إسلامه أربعين رجلا من المسلمين وظهر ~~الإسلام بمكة باسلامه «5»، فالسورة مدنية إلا هذه الآية، أي كافيك الله ~~ناصرا، فالجملة مبتدأ وخبر، والواو في «ومن» بمعنى «مع»، فيكون «من» مع ما ~~بعده في محل النصب على أنه مفعول معه، نحو حسبك وزيدا درهم، ومعناه كفاك ~~الله وكفى اتباعك ناصرا، ويجوز أن يكون «من» في محل الرفع عطفا على «الله»، ~~أي كافيك الله والمؤمنون أيضا أو يكون مبتدأ محذوف الخبر بمعنى ومن اتبعك ~~حسبهم الله. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 65 الى 66] # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) # ثم قال حثا لهم على الثبات في القتال (يا أيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال) أبلغ تحريض (إن يكن منكم عشرون صابرون) عليه محتسبين في الجهاد ~~(يغلبوا مائتين) بنصر الله (وإن يكن) بالياء والتاء «6» (منكم مائة) صابرة ~~كذلك «7» (يغلبوا ألفا) باذن الله (من الذين كفروا) بالله ورسوله (بأنهم) ~~أي بسبب أن الكافرين (قوم لا يفقهون) [65] الله ودينه فيقاتلون بالجهل لا ~~على احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم فلا يقاومون المقاتلين في سبيل ~~الله بالبصيرة، قيل: الشرط في الآية لفظا في معنى الأمر «8»، يعني ليقاتل ~~العشرون منكم مائتين منهم، والمائة ألفا فلا يثبت الكفار لكم إن ثبتم أنتم، ~~قيل: «معناه أن لا يفر الواحد من العشرين ولا المائة من الألف» «9»، ووقع ~~ذلك يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز حمزة في ثلاثين راكبا، ~~فلقي أبا جهل في ثلثمائة ms0610 راكب، ثم شق نزول الآية عليهم لرفعهم الأصوات ~~بالدعاء وضجيجهم يوم بدر، فاستثقلوا ذلك فنزل قوله «10» (الآن خفف الله ~~عنكم) فنسخ ما قبله من التشديد بعد قتال بدر (وعلم أن فيكم ضعفا) بضم الضاد ~~وفتحها «11»، وهو ضعف البدن، وقيل: هو القلة في العدد والعدد «12» (فإن ~~يكن) بالياء والتاء «13» (منكم مائة PageV02P121 # صابرة) محتسبة (يغلبوا مائتين) فنقص النصرة على قدر ما نقص من العدد (وإن ~~يكن منكم ألف) صابرة محتسبة (يغلبوا ألفين بإذن الله) أي بإرادته (والله مع ~~الصابرين) [66] بالنصرة ففرض على المسلمين أن لا يفر واحد من اثنين ولا ~~المائة من المائتين، قال ابن عباس: «من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة ~~لم يفر» «1»، قيل: من لم يكن معه سلاح وفي خصمه سلاح جاز له أن يفر منه ~~لأنه ليس بمقاتل «2». ### || [سورة الأنفال (8): آية 67] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) # (ما كان لنبي) أي ما صح (أن يكون له أسرى) بالتاء لتأنيث الجماعة وبالياء ~~لتذكير الجمع «3»، نزل حين أسر المسلمون سبعين رجلا من المشركين يوم بدر، ~~وأتوه للنبي عليه السلام، وقال أصحابه له خذ منهم فدية يقوي بها أصحابك، ~~فنهى الله عن ذلك، فلما كثر المسلمون نزل «4» «فإما منا بعد وإما فداء» ~~«5»، يعني ما استقام للرسول عليه السلام أن يقبل الفدية عن الأسارى ولكن ~~السيف (حتى يثخن) أي يبالغ في قتلهم (في الأرض) ليعز الإسلام ويقويه ويذل ~~الكفر ويضعفه (تريدون) أي أتقصدون أيها المسلمون (عرض الدنيا) أي حطامها ~~بأخذكم الفداء من الأسارى وسمي حطامها عرضا لحدوثه وقلة لبثه (والله يريد ~~الآخرة) أي ثوابها لكم بالإثخان في القتل (والله عزيز) في ملكه يغلب ~~أولياءه على أعدائه، ويمكنهم قتلا وأسرا (حكيم) [67] في أمره يؤخر أخذه ~~الفاداء إلى أن يكثروا بهم يعجلون، فلما نزل آية المن والفداء خيروا بين ~~استعباد الكفار وعتقهم وفدائهم وقتلهم. ### || [سورة الأنفال (8): الآيات 68 الى 69] # لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ms0611 أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم ~~حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69) # قوله (لو لا كتاب من الله سبق) نزل حين أسرع المسلمون إلى الغنائم يوم ~~بدر، وكانت قبل ذلك لا تحل لأحد، بل كان ينزل من السماء نار فتأكلها «6»، ~~أي لو لا أن الله أحل الغنائم لهذه الأمة في اللوح المحفوظ (لمسكم فيما ~~أخذتم) أي لأصابكم في أخذكم الفداء منهم (عذاب عظيم) [68] قال النبي عليه ~~السلام: «لو نزل من السماء عذاب ما نجا أحد غير عمر» «7»، لأنه لم يترك ~~القتال حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ما ترون في هؤلاء ~~الأسارى فقالوا: هم بنو العم والعشيرة، نرى لهم أن نأخذ منهم الفدية، فتكون ~~لنا عدة على الكفار، وقال عمر: أرى أن نضرب عنقهم، فهم رسول الله أن يأخذ ~~الفدية، فهددهم الله تعالى بنزول ذلك، فأمسكوا عن الغنائم «8»، ثم أحلها ~~لهم بقوله (فكلوا) الفاء للتسبيب، والسبب محذوف، أي قد أبحت لكم الغنائم ~~فكلوا (مما غنمتم حلالا طيبا) أي أكلا حلالا مستلذا أو هو نصب على الحال من ~~المفعول المحذوف المغنوم «9» (واتقوا الله) أي اخشوه فيما أمركم به ولا ~~تعصوه (إن الله غفور) أي متجاوز عما صدر منكم من أخذ الغنيمة قبل حلها ~~(رحيم) [69] بكم إذا أحلها لكم أو بتوبته عليكم. ### || [سورة الأنفال (8): آية 70] # يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) # قوله (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم) أي للذين في ملككم وقبضكم وأخذتم ~~منهم الفداء (من الأسرى) بيان PageV02P122 # ل «من»، وقرئ «الأسرى» جمع أسير، و«الأسارى» جمع الجمع «1»، نزل حين وضع ~~النبي عليه السلام الفداء على كل واحد من الأسرى أربعين أوقية من الذهب، ~~وكان مع العباس الأسير عشرون أوقية من ذهب، حمله يوم بدر ليطعم بها ~~المشركين، فأخذ منه ولم يحسب من فدائه، فكلم العباس رسول الله عليه السلام ~~بأن يجعله من فدائه، فأبى عليه، وقال ms0612 حملته لتستعين به علينا فلا أتركه لك، ~~فوضع عليه فداءه وفداء ابن أخيه عقيل، فقال العباس: أتترك عمك يتكفف الناس؟ ~~فقال عليه السلام أين الذهب الذي أعطيته أم الفضل فقلت لها لا أدري ما ~~يصيبني في وجهي هذا، فان حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله والفضل، فقال ~~العباس: من أعلمك بهذا يا ابن أخي؟ قال عليه السلام: الله أخبرني، فأسلم ~~العباس وأمر ابن أخيه أن يسلم، وقال والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد ~~دفعته إليها في سواد الليل، فلم يبق لي ريب في أمرك فقال تعالى للنبي عليه ~~السلام قل للأسارى، أي للعباس وابن أخيه وغيرهما «2» (إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا) أي صحة نية وخلوص الإيمان (يؤتكم) أي يعطكم (خيرا مما أخذ ~~منكم) أي أفضل منه، وهو الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم عليه في ~~الآخرة (ويغفر لكم) ذنوبكم من الشرك والمعاصي التي كانت في الجاهلية (والله ~~غفور رحيم) [70] بقبول توبتكم وبهدايتكم إلى الإسلام، ثم قال العباس: ~~«أنجزني الله أحد الوعدين وهو أن الله أعطاه عشرين عبدا، كل واحد منهم يتجر ~~بعشرين آلاف فأرجو أن ينجز الوعد الثاني، وهو المغفرة وثواب الجنة» «3». ### || [سورة الأنفال (8): آية 71] # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) # قوله (وإن يريدوا خيانتك) نزل حين منع الأسارى ما ضمنوا من الفداء ومالوا ~~إلى الكفر بعد إسلامهم «4»، أي إن عصوا الله وأرادوا نكثه ما بايعوك (فقد ~~خانوا الله من قبل) أي قبلك بكفرهم (فأمكن) أي أمكنك الله وأظهرك عليهم ~~فانتقم (منهم) يوم بدر حتى أسرتهم وقتلتهم (والله عليم) بخلقه وأعمالهم ~~فيجازيهم بها (حكيم) [71] بأن يمكنك لتفعل بهم مثل ما فعلته من قبل. ### || [سورة الأنفال (8): آية 72] # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله ms0613 بما تعملون بصير (72) # ثم قال في ترغيب الهجرة من دار الكفر إلى دار الأسلام بعد الإيمان وفي ~~إحسان المسلمين إلى المهاجرين باسكانهم ديارهم وإعطاء فضل طعامهم إياهم كما ~~فعل الأنصار بهم (إن الذين آمنوا) بالله ورسوله محمد عليه السلام (وهاجروا) ~~من مكة إلى المدينة (وجاهدوا) الكفار (بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي ~~في طاعته ورضاه «5» (والذين آووا) أي أنزلوا ديارهم النبي والمهاجرين ~~(ونصروا) أي وأعانوهم على عدوهم (أولئك) أي أهل هذه الصفة (بعضهم أولياء ~~بعض) في الدين والنصرة والميراث، وكان الأنصار والمهاجرون يتوارثون الهجرة، ~~يدل عليه قوله (والذين آمنوا) في مكة (ولم يهاجروا) إلى المدينة (ما لكم من ~~ولايتهم) بكسر الواو وفتحها «6»، أي من سلطنتهم وإمارتهم (من شيء) في ~~الميراث، يعني لا توارثوا بينكم (حتى يهاجروا) إليكم وإن كانوا أقرباءكم، ~~ثم قال (وإن استنصروكم) أي إن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا عن مكة النصر ~~والإعانة (في الدين فعليكم النصر) أي فيجيب عليكم إن تنصروهم على عدوهم من ~~المشركين (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي عهد، يعني أنهم لو قاتلوا ~~قوما بينكم وبينهم ميثاق وحلف فلا تنصروهم على عدوهم، لأن PageV02P123 # الميثاق مانع لكم عن القتال، فأصلحوا بينهم، ونسخ هذا بآية السيف «1» ~~(والله بما تعملون بصير) [72] في النصرة وعدمها فيجازيكم به. ### || [سورة الأنفال (8): آية 73] # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) # (والذين كفروا) بالله ورسوله وأمرهما (بعضهم أولياء بعض) في الميراث ~~والتواصل فلا توالوهم أنتم ولا تواصلوهم بنسبة القرابة والتوارث (إلا ~~تفعلوه) شرط مجزوم ب «إن»، أي إن لم تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين ~~وتولى بعضهم بعضا حتى في الميراث تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ~~وما نهيتكم عنه من المواصلة بالكفار بقطع العلائق بينكم وبينهم والتباعد ~~عنهم وبقتالهم (تكن) أي تحدث (فتنة في الأرض) بقوة الكفر (وفساد كبير) [73] ~~بضعف الإسلام، لأن المسلمين إذا لم يصيروا يدا واحدة على أهل الشرك ضعفوا ~~فظهر الشرك وزاد الفساد. ### || [سورة الأنفال (8): آية 74] # والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ms0614 في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) # ثم كرر الآية بقوله (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ~~آووا) أي أنزلوا ووطنوا ديارهم المهاجرين (ونصروا) النبي عليه السلام على ~~عدوه (أولئك هم المؤمنون حقا) أي هم الكافرون في الإيمان (لهم مغفرة) من ~~ذنوبهم (ورزق كريم) [74] أي ثواب حسن في الجنة، إشارة إلى أن بعضهم هاجر ~~قبل الحديبية وبعضهم هاجر بعدها، وقيل: ليست بتكرير، لأن الأولى لبيان ~~التواصل بينهم، والثانية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم «2». ### || [سورة الأنفال (8): آية 75] # والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (75) # ثم قال (والذين آمنوا من بعد) أي بعد المهاجرين بالهجرة الأولى (وهاجروا ~~وجاهدوا معكم) في دين الله (فأولئك منكم) أي على دينكم فلطف تعالى ~~باللاحقين بالهجرة الثانية بأن جعلهم من جملة السابقين في الثواب تفضلا ~~منه، قوله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) في الميراث من المهاجرين ~~والأنصار، نزل نسخا للتوارث بالإسلام والهجرة «3»، لأنهم كانوا يتوارثون ~~بالهجرة وبالمواخاة التي أوقعها النبي عليه السلام بينهم، ويتوارثون ~~بالإسلام والهجرة معا فلو كان الرجل أسلم ولم يهاجر فلا يرث أخاه، فنسخه ~~الله بذلك وقال ذلك (في كتاب الله) أي في اللوح المحفوظ أو في القرآن أو في ~~حكم الله كما قال كتب الله لأغلبن، أي حكم الله، والمراد منه ما ذكر في ~~سورة النساء من المواريث وقسمتها (إن الله بكل شيء عليم) [75] أي بما فرض ~~من التوارث أولا وآخرا وغير ذلك، فاعملوا بما أمركم به ولا تعصوه. PageV02P124 ### | سورة التوبة # مدنية إلا «لقد جاءكم رسول» «1» إلى آخر السورة ### || [سورة التوبة (9): الآيات 1 الى 3] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ~~فإن تبتم فهو خير لكم وإن ms0615 توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم (3) # وإنما لم يكتب في أولها بسم الله الرحمن الرحيم، لأن أصحاب رسول الله ~~عليه السلام اختلفوا فيها، فقال بعضهم: إنها والأنفال سورة واحدة «2»، ~~وبعضهم قال: هما سورتان «3»، فعلى القول الأول تركت التسمية بينهما وعلى ~~القول الثاني تركت بينهما فرجة، روي عن علي رضي الله عنه: «أنها نزلت في ~~المحاربة والسيف، ولا أمان في السيف، والبسملة من الأمان» «4»، وقيل سأل ~~ابن عباس عثمان رضي الله عنهما عن ذلك، فقال عثمان: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه شيء من القرآن يقول: ضعوه ~~في موضع كذا، فقبض ولم يبين لنا، فقرنت بين السورتين لتشابه إحديهما ~~بالأخرى في القصة، وتركت البسملة لعدم الإذن منه عليه السلام في ذكرها «5». # قوله (براءة من الله ورسوله) نزل حين عاهد النبي عليه السلام باتفاق ~~المسلمين في المعاهدة باذن الله أولا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب، ~~فنكثوا قبل الأجل إلا ناسا منهم، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فنبذ العهد إلى ~~الناكثين، فأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر بالأمان، ثم لا عهد لهم ~~«6»، فبراءة خبر مبتدأ محذوف، أي هذه براءة واصلة من الله ورسوله، ويجوز أن ~~يكون مبتدأ موصوفا بما بعده، والخبر «إلى» مع مجرورها، أي تبرأ وقطع ~~لذمتهما من كل مشرك نقض العهد بالمسلمين حاصل (إلى الذين عاهدتم) أي إلى من ~~كان له عهد بكم أيها المؤمنون (من المشركين) [1] ومن ذلك تعلقت البراءة ~~بالله ورسوله، والمعاهدة بالمسلمين وهذا إخبار لكل طائفة من المسلمين بأن ~~المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل، وأوجب الله تعالى النبذ إليهم لئلا ~~يغفلوا عنهم بمعنى اعلموا أن الله ورسوله بريئان من العهد الذي عاهدتم به ~~المشركين، وإنه منبوذ إليهم البتة «7» ومنسوخ، وكان نزولها في شوال، فأمر ~~الله أن يأمرهم بالسياحة في الأرض آمنين من القتال أربعة أشهر لينظروا في ~~كيفية الإسلام ويعلموا حقيته فيؤمنوا بقوله (فسيحوا) أي فقل لهم سيحوا (في ~~الأرض) أي سيروا فيها بالأمان (أربعة أشهر) ms0616 شوال وذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم غير خائفين، فحرم فيها قتلهم وقتالهم، فمن كان عهده أربعة أشهر ~~أمره أن يقره إلى أن تمضي هذه المدة ومن كان عهده أكثر منها أن يحطه إلى ~~أربعة أشهر، ثم لا عهد لهم بعد مضيها، بل هو حرب وقتال بالسيف والرماح، ومن ~~لا عهد له فأجله انسلاخ الأشهر الحرم، فقال مشيرا إلى ذلك «8» (واعلموا) يا ~~ناكثي العهود (أنكم غير معجزي الله) أي غير فائتي الله بأعمالكم PageV02P125 # بعد الأربعة الأشهر وهي الأشهر المذكورة، وقيل: أول التأجيل عند الأضحى ~~إلى آخر عشر من أول ربيع الآخر «1»، وكانت حرما «2» لهم لأمنهم فيها أو ~~كونها حرما «3» على تغليب ذي الحجة والمحرم على غيرهما (وأن الله مخزي ~~الكافرين) [2] أي واعلموا أنه تعالى مذلهم بالقتل في الدنيا وبعذاب النار ~~في الآخرة، قيل: نزلت البراءة بعد الهجرة إلى المدينة سنة تسع بعد فتح مكة ~~بسنة، فتجهز رسول الله عليه السلام للحج، فقالوا له: # إن المشركين يطوفون بالبيت عراة، فبعث أبا بكر ومعه عشر آيات من هذه ~~السورة ليقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليا وأمره أن يقرأ هو هذه الآيات، لأن ~~جبرائيل قال: لا يبلغ رسالتك إلا رجل منك وأن يؤذن بمكة ومنى وعرفة أن قد ~~برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، فلا يطوف بالبيت عريان، فرجع أبو بكر وقال: # يا رسول الله! أأنزل في شأني شيء؟ قال: لا، ولكن كان من عادة العرب في ~~عقد العهود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم أو رجل من قومه أقرب إليه ~~نسبا، فكن أنت على الموسم حاكما في أعمالهم، وعلى ينادي بالآي «4»، وقيل ~~لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وعليا جوهري الصوت فأراد أن يسمعها جميع الناس ~~بالتأذين النازل من الله تعالى في قوله «5» (وأذان من الله ورسوله) وهو ~~جملة معطوفة على مثلها من براءة من الله ورسوله الآية كالتأكيد في بيانها ~~كارتفاع «براءة» في الوجهين، قيل: «الفرق بينهما أن تلك إخبار بثبوت ~~البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام» «6»، لأن الأذان ms0617 بمعنى الإعلام «7»، أي ~~هذه إعلام حاصل من الله ورسوله (إلى الناس يوم الحج الأكبر) وهو يوم النحر، ~~لأن معظم أفعاله فيه من الطواف والنحر والحلق والرمي أو يوم عرفة، لأن ~~الوقوف بعرفة معظم أفعاله الواجبة، لأنه إذا فات فات الحج لا يجبره دم، ~~وقيل: الأكبر نفس الحج والأصغر العمرة لنقصان عملها من عمل الحج «8»، وإنما ~~علق الأذان بالناس وعلق البراءة الذين عوهدوا من المشركين، لأن الأذان عام ~~لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد ومن نكث العهد ومن لم ينكث، وأما البراءة ~~فمختصة بالمعاهدين الناكثين، قوله (أن الله) بفتح «أن» مع اسمها وخبرها نصب ~~بأنه مفعول «أذان»، أي إعلام منهما أن الله (بريء من المشركين ورسوله) ~~بالرفع مبتدأ، خبر حذوف، أي ورسوله بريء أيضا لنكثهم ععودهم، فلم يبق منا ~~عهد وأمان لهم، فلما كان يوم التروية قال أبو بكر خطيبا للناس فحدثهم عن ~~مناسكهم وأقام الحج للناس يوم عرفة، ثم قال علي يوم النحر عند جمرة العقبة ~~وأذن في الناس بما أمر به من الآيات العشر، وبأن لا يطوف عريان بالبيت، وأن ~~لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن من كان بينه وبين رسول الله عليه السلام عهد، ~~فان أجله إلى أربعة أشهر، فاذا مضت المدة فلا عهد له، ومن لا عهد له فعهده ~~أربعة أشهر، وبأن فريق المشركين لا يجتمع مع فريق المسلمين بعد عامهم هذا، ~~فقال الناكثون منهم: يا علي أبلغ ابن عمك أنا، قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، ~~فليس العهد بيننا وبينه إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف، ثم قال (فإن تبتم) ~~من الشرك ونكث العهد (فهو خير لكم) من الإقامة عليه (وإن توليتم) أي إن ~~أعرضتم «9» وأبيتم الإيمان وأقمتم على الكفر (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) ~~أي غير فائتين من عذابه، ثم قال للنبي عليه السلام (وبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم) [3] وهو القتل في الدنيا وعذاب النار في الآخرة. ### || [سورة التوبة (9): آية 4] # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم ms0618 إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) # ثم استثني من قوله «براءة» «إلى الذين عاهدتم من المشركين» من لم ينقض ~~العهد بقوله (إلا الذين عاهدتم PageV02P126 # من المشركين) وهم بنو كنانة وبنو ضمرة، وقيل «من قوله «فسيحوا» «1»، أي ~~فقولوا: سيحوا في الأرض إلا الذين عهدتم منهم (ثم لم ينقصوكم شيئا) من ~~عهودكم (ولم يظاهروا) أي لم يعاونوا (عليكم أحدا) من المشركين (فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم) أي إلى تمام «2» أجلهم وكان قد بقي من عندهم تسعة ~~أشهر، يعني أدوه إليهم كملا (إن الله يحب المتقين) [4] من نقض العهد ~~والوافين به. ### || [سورة التوبة (9): آية 5] # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) # (فإذا انسلخ) أي خرج (الأشهر الحرم) التي حرمت دماء المشركين على ~~المؤمنين فيها، وهي الأشهر الأربعة المؤجلة لهم أو هي رجب وذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم (فاقتلوا المشركين) الناكثين العهود (حيث وجدتموهم) أي في ~~الحل والحرم (وخذوهم) أي أسروهم «3» بشد الوثاق (واحصروهم) أي احبسوهم في ~~حصونهم إن لم تظفروا بهم أو امنعوهم عن البيت الحرام إن يدخلوا فيه ~~(واقعدوا لهم كل مرصد) أي ترقبوهم في كل طريق وممر لتأخذوهم وتشدوهم ~~بالوثاق (فإن تابوا) من الشرك (وأقاموا الصلاة) أي إن يقروا باقامة الصلوة ~~الواجبة (وآتوا الزكاة) أي إن يقروا بأداء الزكوة المفروضة (فخلوا سبيلهم) ~~أي اتركوهم ولا تقتلوهم فيدخلون مكة ويتصرفون في البلاد مثلكم (إن الله ~~غفور رحيم) [5] يغفر لهم ما مضى من الذنوب ويرحمهم لإسلامهم وطاعتهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 6] # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) # قوله (وإن أحد من المشركين استجارك) شرط، و«أحد» فاعل فعل محذوف، لأن ~~«إن» لا يليها إلا الفعل لفظا أو تقديرا، والدليل على حذفه «استجارك»، روي: ~~أن رجلا من المشركين قال لعلي: إن أراد واحد منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء ~~الأجل لسماع كلامه أو لحاجة من ms0619 الحاجات أيقتل؟ فقال: لا لقوله تعالى «وإن ~~أحد من المشركين استجارك» الآية «4»، فالمعنى: إن جاءك أحد من المشركين ~~الذين أمروا بقتالهم بعد مضي الأشهر الحرم يطلب منك الأمان (فأجره) أي ~~فآمنه وإن لم يكن بينك وبينه ذمة وعهد (حتى يسمع كلام الله) أي قراءتك ~~لكلام الله، فيعلم ما له وما عليه من الشرائع في الإسلام (ثم أبلغه) أي ~~أوصله (مأمنه) أي دار قومه وإن لم يسلم، فان قاتلك بعده فقاتله (ذلك) أي ما ~~أمرتك به من الإجارة (بأنهم) أي بسبب أنهم (قوم لا يعلمون) [6] حكم الله ~~ودينه فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا «5» ويفهموا كلام الحق، ففيه ~~دليل على أن حربيا لو دخل دار الإسلام بالأمان «6» يكون آمنا إلى أن يرجع ~~إلى مأمنه. ### || [سورة التوبة (9): آية 7] # كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) # ثم قال مستفهما باستفهام الإنكار والتعجب (كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله) أي لا عهد لهم عندهما، يعني مستبعد ومستحيل أن يثبت لهم ~~عهد، فلا تطمعوا فيه منهم ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم (إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام) عام الحديبية، قيل: هم بنو كنانة وبنو ~~ضمرة، فانهم لم ينقضوا العهد فتربصوا أمرهم باتمام عهدهم «7» (فما استقاموا ~~لكم) أي فما داموا على وفاء العهد بكم (فاستقيموا لهم) بالوفاء على التمام ~~(إن الله يحب المتقين) [7] ربهم أن يقضوا العهد. PageV02P127 ### || [سورة التوبة (9): الآيات 8 الى 9] # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) # ثم كرر الاستفهام لزيادة الاستبعاد لثبات المشركين على العهد، وحذف فعل ~~الاستفهام لكونه معلوما عما قبله، فقال (كيف وإن يظهروا) أي كيف يكون لهم ~~عهد وحالهم أنهم إن يغلبوا (عليكم) ويظفروا بكم (لا يرقبوا) أي لم ينظروا ~~ولم يحفظوا (فيكم إلا ولا ذمة) ms0620 أي قرابة ولا عهدا، وقيل ال «إل» بمعنى ~~الإله «1»، أي لا يترقبوا الله ولا عهده «2» قوله (يرضونكم بأفواههم) كلام ~~مستأنف لبيان حالهم من مخالفة الظاهر والباطن، أي يظهرون لكم الجميل ~~بألسنتهم كالمنافقين (وتأبى قلوبهم) الإيمان والطاعة، أي ويضمرون في صدورهم ~~الكفر والمعصية، ولا يجوز أن يكون حالا لفساد المعنى، لأنهم بعد أن يظفروا ~~بكم ولا يرضونكم أصلا (وأكثرهم فاسقون) [8] بنقض العهد وغيره وقيد ~~«الأكثر»، لأن منهم من وفى به (اشتروا) أي استبدلوا (بآيات الله) أي ~~بالقرآن (ثمنا قليلا) من حطام الدنيا ونيل الشهوات، وذلك: أن أبا سفيان من ~~المشركين كان يطعم الطعام ناقضي العهد منهم، ويعطي مالا كالناقة وغيرها ~~ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي عليه السلام «3»، وقيل: نزلت الآية في ~~اليهود الذين كتموا صفة النبي عليه السلام في كتابهم بشيء من الأكلة ~~يأخذونه من سفلتهم «4» (فصدوا) الناس (عن سبيله) أي عن دين الإسلام (إنهم ~~ساء ما كانوا يعملون) [9] من صدهم الناس عن دين الله. ### || [سورة التوبة (9): آية 10] # لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) # ثم كرر بيان نقضهم العهد تأكيدا لعداوتهم المؤمنين بقوله (لا يرقبون) أي ~~لا يحفظون (في مؤمن إلا ولا ذمة) أي قرابة ولا عهدا (وأولئك هم المعتدون) ~~[10] أي المجاوزون الغاية في الظلم بترك أمر الله ونقض العهد الذي بينهم ~~وبين المؤمنين، يعني لا تغفلوا عنهم فانهم إذا ظفروا بكم لا يرحمونكم لغاية ~~ظلمهم وكفرهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 11] # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) # (فإن تابوا) من الكفر وآمنوا (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم) أي ~~فهم مؤمنون مثلكم (في الدين) فلهم ما لكم وعليهم ما عليكم، قال ابن عباس: ~~«حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة» «5» (ونفصل الآيات) أي نبين أحكام القرآن ~~(لقوم يعلمون) [11] أنها من الله وهو حث على تأمل ما فصله من أحكام ~~المحافظين على العهود والناقضين لها، كأنه قال من تأمل نفصيل الآيات فهو ~~العالم. ### || [سورة التوبة (9): آية 12] # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا ms0621 في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) # (وإن نكثوا أيمانهم) أي إن نقضوا «6» عهودهم التي أظهروها (من بعد عهدهم) ~~بكم قبل أجله أو رجعوا عن توبتهم ومواخاتكم في الدين (وطعنوا في دينكم) أي ~~عابوا دينكم الإسلام (فقاتلوا أئمة الكفر) بتحقيق الهمزتين على الأصل، وبه ~~مع إدخال ألف بينهما تخفيفا، وبهمزة واحدة بعدها ياء مكسورة بكسرة خفيفة ~~لاستثقال الهمزتين في كلمة واحدة «7»، جمع إمام كعماد وأعمدة، والمراد ~~المتمردون في الشرك الذين يقولون أن دين محمد ليس بشيء بعد علمهم أنه حق، ~~والأصل فقالوهم وضع «أئمة الكفر» موضع ضميرهم إشعارا بتمردهم وطغيانهم في ~~الكفر بسبب نكثهم العهد في حال الشرك (إنهم لا أيمان لهم) بفتح الهمزة، أي لا PageV02P128 # عهود لهم حقيقة، لأنهم لا يوفون بها، وبكسر الهمزة «1»، أي لا تصديق لهم ~~في دينكم، قيل: «فيه دليل على أن الذمي إذا طعن دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز ~~قتله» «2»، لأن العهد قد انعقد على أن لا يطعن فاذا طعن فقد نكث عهده وخرج ~~من الذمة، وبه استشهد أبو حنيفة أن يمين الكافر لا يكون يمينا لقوله «لا ~~أيمان لهم»، فلا يوجب الكفارة على الكافر إذا حنث، وقال الشافعي: يكون ~~يمينا بدليل وصفها بالنكث، فيوجب الكفارة على الكافر إذا حنث «3»، وهذا ~~الخلاف انما يظهر إذا أسلم بعد انعقاد اليمين وحنث فيه، فالمعنى: فانهم إذا ~~طعنوا في دينكم فقاتلوهم (لعلهم ينتهون) [12] أي لكي ينتهوا عن نقض العهد ~~والكفر. ### || [سورة التوبة (9): آية 13] # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) # ثم حث المؤمنين على قتال المشركين قبل فتح مكة بقوله (ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم) أي عهودهم قبل انقضاء أجلها «4» (وهموا) أي قصدوا (بإخراج ~~الرسول) من مكة بعد المشاورة في أمره بدار الندوة، خطاب للذين قعدوا عن ~~المقاتلة، والاستفهام تقرير بانتفائها توبيخا على تركها ووهنها، المعنى: ~~أنكم مستقرون على ما كنتم عليه من عدم المقاتلة بعد، فما لكم لا تقاتلونهم ~~(وهم ms0622 بدؤكم) بالقتال (أول مرة) بنقض العهد، لأنهم بدؤا بقتال خزاعة لمعاونة ~~بني بكر عليهم وخزاعة كانت حلفاء النبي عليه السلام، فكانت البداية منهم في ~~نقض العهد، ثم وبخهم على خوفهم من المشركين الناكثين بقوله (أتخشونهم) فلا ~~تقاتلوهم (فالله أحق) أي أحرى من غيره (أن تخشوه) بالهيبة في ترك أمره ~~فقاتلوا أعداءه (إن كنتم مؤمنين) [13] أي مصدقين به وبوعده. ### || [سورة التوبة (9): آية 14] # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) # ثم وعد لهم النصرة تشجيعا لهم عليهم بقوله (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) ~~أي يقتلهم بسببكم ويهزمكم (ويخزهم) أي ويذلهم بالأسر والقتل (وينصركم ~~عليهم) أي على قريش (ويشف صدور قوم مؤمنين) [14] وهم خزاعة، طائفة من اليمن ~~جاؤا مكة فأسلموا فلقوا أذى كثيرا من أهل مكة، فشكوا إلى رسول الله عليه ~~السلام فقال ابشروا! فان الفرج قريب، أي ويبرئ داء قلوبهم ويفرحهم بقتلهم ~~وأسرهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 15] # ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) # (ويذهب غيظ قلوبهم) أما لقوا منهم من المكاره وقد حصل الله لهم هذه ~~المواعيد كلها، فدل ذلك على صحة نبوة رسول الله وصدقه (ويتوب الله على من ~~يشاء) أي على ناس من أهل مكة، وقد أسلم كثير منهم وحسن أسلامه (والله عليم) ~~أي يعلم «5» ما سيكون كما يعلم ما كان (حكيم) [15] لا يفعل إلا ما اقتضته ~~حكمته وعلمه. ### || [سورة التوبة (9): آية 16] # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) # قوله (أم حسبتم أن تتركوا) نزل حين أمر الله المؤمنين بقتال المشركين، ~~فشق ذلك على بعضهم «6»، فقال تعالى: أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها ~~المؤمنون ولم تبتلوا بالأمر بالقتال (ولما يعلم الله) بعلم «7» التمييز في ~~الوجود (الذين جاهدوا منكم) من الذين لم يجاهدوا وإن كان الله عالما بعلم ~~«8» الغيب إياه لكنهم لم يستحقوا الثواب PageV02P129 # والجنة بذلك العلم، قوله (ولم يتخذوا من دون الله) عطف على «جاهدوا»، ~~داخل ms0623 في الصلة، أي ولم يظهر المجاهدون منكم والمخلصون الذين لم يتخذوا من ~~غير الله (ولا رسوله) أي ومن غير رسوله (ولا المؤمنين) أي ومن غير المؤمنين ~~(وليجة) أي بطانة لصيقا بهم «1» بالصداقة والتحاب يفشى به سره، من ولج إذا ~~دخل، يقال لخاصة الرجل وليجة ودخيلة، وقيل: «الوليجة كل من يتخذه الرجل ~~معتمدا عليه من غير أهله في حفظ سره» «2»، والمراد الأصفياء والأولياء، ~~يعني ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر صفوة ومودة (والله خبير بما تعملون) ~~[16] بالتاء من الجهاد والتخلف والخلوص في الدين ومودة أهل الكفر وغير ذلك ~~من الخير والشر فحذوا منه. ### || [سورة التوبة (9): آية 17] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) # قوله «3» (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) مفردا وجمعا «4»، ~~والمراد بها الكعبة، وجمعت لإرادة الجنس الذي يدخل فيه الكعبة أو جعل كل ~~جزء منها مسجدا، نزل حين أسر العباس يوم بدر وعيره المهاجرون بقتال النبي ~~عليه السلام وبقطيعة الرحم وأغلظوا له في القول، فقال: ما لكم تذكرون ~~مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال له علي: هل لكم شيء من المحاسن؟ فقال ~~مفتخرا في إشراكه: إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونحجها ونسقي ~~الحاج ونفك العاني ونقرئ الضيف «5»، فرد الله عليه بقوله «ما كان»، أي ما ~~جاز للمشركين أن يعمروا المسجد (شاهدين) حال من واو «يعمروا»، أي حال كونهم ~~يشهدون (على أنفسهم بالكفر) بنصبهم الأصنام حول المسجد وعبادتهم إياها، ~~والمسجد لله وعبادته وحده (أولئك حبطت أعمالهم) في الدنيا (وفي النار هم ~~خالدون) [17] أي دائمون في الآخرة. ### || [سورة التوبة (9): آية 18] # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18) # (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله) أي بتوحيده ولم يذكر الإيمان برسول ~~الله اكتفاء بذكر الإيمان بالله لما شهر أن هذا قرين ذلك لا ينفك أحدهما عن ~~صاحبه فكأنهما «6» شيء واحد لاشتمال كلمة الشهادة على ms0624 الإيمان بهما «7» ~~(واليوم الآخر) أي بالبعث يوم القيامة (وأقام الصلاة) أي يداوم «8» على ~~الصلوات الخمس مع الجماعة «9» (وآتى الزكاة) أي الصدقة المفروضة عن طيب نفس ~~(ولم يخش إلا الله) أي ولم يترك أمر الله تعالى خشية منه لا من غيره ~~والكافر بالله ممتنع من ذلك كله، قيل: الكافر إذا أوصي بعمارة المسجد لا ~~يمتثل «10» (فعسى أولئك) أي فلعل أهل هذه الصفة (أن يكونوا من المهتدين) ~~[18] أي أهل كونهم من الراشدين لدين الله، ولهم أجر أعمالهم عند ربهم، وفيه ~~حسم لإطعام المشركين في الانتفاع بأعمالهم، وتبعيد لهم عن الاتصاف ~~بالاهتداء، قيل: مرويا عن الرسول عليه السلام: «إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المساجد فاشهدوا له بالإيمان» «11»، وقال عليه السلام: «من بنى لله مسجدا ~~بنى الله له كهيئته في الجنة» «12». ### || [سورة التوبة (9): آية 19] # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) PageV02P130 # قوله (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) نزل حين تنازع المشركون ~~والمسلمون في سقاية الحاج وعمارة الكعبة والجهاد أيها أفضل ردا لتنازعهم ~~ونفيا للتسوية بينهم بالاستفهام الإنكاري «1»، والسقاية مصدر سقي، والعمارة ~~مصدر عمر، وإنما صحت الياء بعد الألف ولم تقلب همزة لأجل التاء كالبداية من ~~البدء، أي أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد الحرام (كمن آمن) ~~أي أجعلتم «2» إيمان هؤلاء كايمان من آمن (بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله) أي في دينه (لا يستوون) في الثواب (عند الله) إذ لا ثواب مع ~~الكفر (والله لا يهدي) أي لا يرشد إلى الفلاح أو المعرفة (القوم الظالمين) ~~[19] أنفسهم بتكذيبهم الرسول وما جاء به من الحق، إذ الكفر ينافي الهداية. ### || [سورة التوبة (9): آية 20] # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون (20) # ثم قال مستأنفا (الذين آمنوا) بتوحيد الله (وهاجروا) من مكة إلى المدينة ~~(وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) تمييز أي أفضل ~~مرتبة في الجنة من ms0625 الذين لم يؤمنوا ولم يهاجروا (وأولئك هم الفائزون) [20] ~~أي المختصون بالفوز والنجاة من النار لا أنتم أيها المشركون. ### || [سورة التوبة (9): آية 21] # يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) # (يبشرهم) أي يفرح المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات (ربهم برحمة منه) أي ~~بثوابه (ورضوان) أي والرضا «3» بالثواب الذي أعطاهم (وجنات لهم فيها نعيم ~~مقيم) [21] أي تنعم دائم لا ينقطع عنهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 22] # خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) # (خالدين فيها أبدا) تأكيدا للخلود لئلا يحمل على المكث الطويل (إن الله ~~عنده أجر عظيم) [22] لا يوصف لكثرته، قال ابن عباس رضي الله عهما: نزلت ~~الآية في المهاجرين خاصة «4»، وكان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا ~~بأن يهاجر ويترك أقاربه الكفرة، فبشرهم الله تعالى بهذه الكرامة السنية. ### || [سورة التوبة (9): آية 23] # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم) الذين بمكة ~~(أولياء) أي أصفياء وبطانة (إن استحبوا) أي اختاروا (الكفر على الإيمان) ~~بالجلوس مع الكفار، نزل فيمن أمر بالهجرة بعد الإيمان وثبطه أهله وماله ~~عنها «5» أو نزل في تسعة ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة «6»، فنهى الله ~~المؤمنين عن موالاتهم (ومن يتولهم منكم) بعد نزول هذه الآية (فأولئك هم ~~الظالمون) [23] أي الضارون أنفسهم بالكفر، لأن من أحب قوما فهو منهم، قال ~~عليه السلام: «المرأ مع من أحب» «7»، أي في الآخرة وقال أيضا: «لا يطعم ~~أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله» «8»، أي حتى يحب في الله ~~أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس «9». PageV02P131 ### || [سورة التوبة (9): آية 24] # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في ~~سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24) # قوله «1» (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم) مفردا ~~و«عشيراتكم» جمعا «2»، أي قومكم الذين ms0626 بمكة (وأموال اقترفتموها) أي ~~اكتسبتموها بمكة (وتجارة تخشون) أي تخافون (كسادها) أي عدم نفاقها فتبقى ~~عليكم (ومساكن ترضونها) أي منازلكم الحسنة العالية تعجبكم الإقامة فيها ~~(أحب) خبر «كان»، أي إن كان هذه الأشياء التي اعتمدتم على أحب (إليكم من ~~الله) أي من الهجرة إلى الله (ورسوله) بالمدينة (وجهاد في سبيله) أي إلى ~~غزو في طاعة الله (فتربصوا) أي فانتظروا (حتى يأتي الله بأمره) وهو فتح مكة ~~أو الموت، ثم البعث أو قتال أقربائكم الذين تحبونهم (والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين) [24] أي الخارجين عن أمر الله ورسوله، وهذا وعيد شديد لمن يختار ~~لذات الدنيا على لذات الآخرة، قيل قوله «وإن نكثوا» إلى ههنا نزل قبل فتح ~~مكة في المدينة «3». ### || [سورة التوبة (9): آية 25] # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم ~~شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) # (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) أي في مواقف الحرب ومقاماتها تنبيها لهم ~~على أن الناصر لهم هو الله لا كثرتهم وقوتهم، ودفعا لإعاجبهم بكثرتهم ~~وشجاعتهم، والمواطن الكثيرة وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح ~~مكة، قوله (ويوم حنين) عطف على «مواطن» بتقدير موطن قبل الظرف، أي في موطن ~~يوم حنين أو اذكر يوم حنين، فيكون عطف جملة على جملة، وهو الأوجه لكون «إذ» ~~في (إذ أعجبتكم كثرتكم) بدلا من «يوم حنين»، فلو عطف على «مواطن» لعمل فيه ~~«نصركم»، فيكون المعنى: أن كثرتكم أعجبتكم في مواطن كثيرة وفي يوم حنين، ~~والحال أن كثرتكم «4» لم تكن «5» إلا يوم حنين، وفيه أعجبتكم «6»، لأن ~~النبي عليه السلام بعد فتح مكة خرج إلى غزو حنين، وهو واد بين مكة والطائف ~~في اثني عشر ألفا، عشرة آلاف هم الخارجون معه من المدينة إلى فتح مكة، ~~وألفان من أهل مكة لحرب هوازن، عليهم مالك بن عوف أمير، وهم أربعة آلاف، ~~وكان فتح مكة في شهر رمضان، وخروجه إلى حنين في شوال فبعث رسول الله إليهم ~~عينا، فأتى حنينا فسمع من أمير القوم ms0627 يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف، ~~فاذا لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، واكسروا جفون سيوفهم عليهم ~~فو الله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلا أفرج لكم، فأقبل العين إلى ~~النبي عليه السلام فأخبره بمقالة أميرهم، فقال رجل من المسلمين: فو الله يا ~~نبي الله لن نغلب اليوم عن قلة، فأوصل العين بعسكر النبي عليه السلام فساء ~~رسول الله كلمته، لأنها كلمة الإعجاب بالكثرة، وزل عنه، إن الله هو الناصر ~~لا الكثرة، فلما التقى الجمعان واقتتلوا قتالا شديدا انهزم المسلمون ولم ~~يبق مع النبي عليه السلام سوى العباس وأبي سفيان، وأول من انهزم من الناس ~~أهل مكة، وثبت رسول الله على بغلته البيضاء والتفت عن يمينه وعن يساره ~~يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله! أنا عبد الله ورسوله سائر اليوم، ثم ~~تقدم بحربته أمام الناس «7». # روي: أنه كان يحمل على الكفار فيفرون ثم يحملون عليه فيقف لهم فعل ذلك ~~بهم بضع عشرة مرة، قال العباس: كنت أكف بغلته لئلا تسرع به نحو المشركين ~~وأبو سفيان ابن عمه آخذ بركابه فقال النبي عليه PageV02P132 # السلام: يا ابن عباس ناد أصحاب السمرة وكان صيتا فناداهم فخذا فخذا يا ~~أصحاب السمرة! يا أصحاب سورة البقرة إلى إلى فعطفوا عليه عطفة «1» البقرة ~~«2» على أولادها، يقولون لبيك لبيك فأمده الله بخمسة آلاف من الملائكة ~~وعليهم البياض على خيول بلق فاقتتلوا، فقال عليه السلام الآن حمى الوطيس ~~وهو التنور، ثم رمى المشركون بحصيات، فانهزموا وكان النبي عليه السلام يركض ~~خلفهم ببغلته، وأخذ المسلمون أموالهم وهو الذي سمي يوم أوطاس «3»، فأخبر ~~الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم ولكن بنصر الله وعونه بقوله (فلم تغن) ~~كثرتكم (عنكم) أي عن قضاء الله النازل بكم (شيئا وضاقت عليكم الأرض) من ~~الرعب (بما رحبت) أي مع رحبها وهو سعة الأرض، وهو الجار «4» والمجرور في ~~موضع الحال، يعني ملتبسة برحبها، والمعنى: أنكم لا تجدون موضعا تلتجئون ~~إليه من شدة خوفكم (ثم وليتم) أي رجعتم (مدبرين) [25] أي منهزمين. ### || [سورة التوبة (9): آية 26] # ثم ms0628 أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) # (ثم أنزل الله سكينته) أي طمأنينتة وهي التي تسكن القلوب بها من رحمته ~~(على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل) من السماء (جنودا لم تروها) يعني ~~الملائكة، قيل: كانوا ثمانية آلاف أو ستة عشر ألفا «5» (وعذب الذين كفروا) ~~وهم أهل هوازن بأيدي المؤمنين (وذلك) أي العذاب من القتل والأسر والسبي ~~والنهب (جزاء الكافرين) [26] بالله ورسوله في الدنيا والآخرة نار جهنم. ### || [سورة التوبة (9): آية 27] # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) # (ثم يتوب الله من بعد ذلك) أي بعد قتلهم وسبيهم وهزمهم (على من يشاء ~~والله غفور) لما سلف من الشرك والمعاصي (رحيم) [27] بالتوبة والإسلام. # قيل: «لما انهزم مالك بن عوف سار مع ثلاثة آلاف إلى منزله، فندم من شركه ~~فأرسل إلى النبي عليه السلام أني أريد أن أسلم فما تعطيني؟ فقال عليه ~~السلام: إني أعطيك مائة من الإبل ورعاتها، فجاء وأسلم فأقام يومين أو ~~ثلاثة، فلما رأى المسلمين وزهدهم واجتهادهم رق قلبه لذلك، فقال له رسول ~~الله عليه السلام: يا ابن عوف ألا نفي بما وعدناك من الشروط؟ فقال: يا رسول ~~الله أمثلي يأخذ على الإسلام شيئا، فكان مالك بن عوف يعد ذلك ممن فتح بلاد ~~الشام وأسلم أهلها على يده» «6». ### || [سورة التوبة (9): آية 28] # يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم (28) # ثم نزل لمنع المشركين عن دخول الحرم قوله «7» (يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس) أي ذوو نجس بفتح الجيم والتخفيف فيه لغة، أي قذر لشركهم وترك ~~غسل الجنابة وعدم تحاميهم عن النجاسة أو جعلوا كأنهم نجس بعينه مبالغة في ~~وصفهم بالنجاسة، والمراد: النجاسة الحكمية لا النجاسة العينية وإلا لما ~~طهرهم الإسلام، وقال ابن عباس: «أعيانهم نجسة كالكلب والخنزير» «8»، ولذلك ~~قيل: «من صافحهم فليتوضأ» «9»، ويمكن أن يقال إن ms0629 الإسلام لا يطهر المطبوعين ~~على الكفر ويطهر الجاهلين بحقيقة الأمر (فلا يقربوا المسجد الحرام) من قرب ~~بكسر الراء وفتحها إذا دنا، وبضمها إذا زاد في الدنو، أي لا يدخلوا الحرام ~~أو لا يعتمروا ولا يحجوا كما كانوا يفعلون في الجاهلية، لأنهم أنجاس (بعد ~~عامهم هذا) أي بعد حج هذا العام وهو سنة تسع من الهجرة، وبه PageV02P133 # استدل الشافعي على وجوب منع المشركين من دخول الحرم، وقال أبو حنيفة: ~~يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد، لأن الكفار كانوا يدخلون مسجد المدينة ~~إذا قدموا وافدين من قومهم، فعنده الآية نزلت في شأن أهل الحرب، أي لا ~~يدخلوه بغير أمان ولا عهد ولا رق، يعني يمنعون من تولى المسجد الحرام ~~والقيام بمصالحه، ولما منع المشركون من دخول المسجد خاف المسلمون الفقر ~~لانقطاع الميرة عنهم ولأن تجار المشركين قالوا لهم من أين تأكلون إذا فعلتم ~~هذا؟ فوسوسوا إليهم فخزنوا فنزل «1» (وإن خفتم عيلة) أي فقرا (فسوف يغنيكم ~~الله من فضله) أي من عطائه أو من تفضله من وجه آخر (إن شاء) إذ لا مكره له ~~علي ما يشاء ففرحوا بذلك، قيل: # أسلم أهل جدة وصنعاء، فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر «2»، وقيل: ~~أمرهم الله بقتال أهل الكتاب فأغناهم بالجزية «3»، وقيل: بفتح البلاد وأخذ ~~الغنائم «4» (إن الله عليم) بأحوال خلقه (حكيم) [28] في أمره لا يعطي ولا ~~يمنع إلا بحكمة. ### || [سورة التوبة (9): آية 29] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) # قوله (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) أي بالبعث بعد ~~الموت، نزل في قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين لا يعملون بما في ~~كتابهم «5» (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) في التورية والإنجيل والقرآن ~~(ولا يدينون) أي لا يعتقدون ولا يقرون (دين الحق) أي دين الإسلام الذي هو ~~دين الله بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ms0630 (من الذين أوتوا) ~~أي أعطوا (الكتاب) بيان ل «الذين» لا يؤمنون، قيل: أهل الكتاب يقرون بالله، ~~لكنهم قائلون بأن له ولدا، ويقرون بالبعث لكنهم لا يقرون بنعيم الجنة ~~بالأكل والشرب والجماع، ويقرون بالدين ولا يقرون بدين الحق الذي أمرهم به ~~«6»، فجعلوا كأنهم لا يؤمنون أصلا، فأمر الله بقتالهم (حتى يعطوا الجزية) ~~وهي الخراج المعجول عليهم، من جزى إذا قضى، وسمي جزية، لأنه مال معلوم، ضرب ~~على أهل الذمة لأن يقضوه بدل قتلهم كل سنة (عن يد) أي عن قهر من الآخذ أو ~~عن يد نقد لا نسئة من المعطي ولا عن يد غيره باذنه وبعثه بها أو عن إنعام ~~عليهم ببذل أرواحهم لهم (وهم صاغرون) [29] أي ذليلون بقهر من الآخذ ~~لإفراطهم في الكفر بعد قيام البرهان على صدق النبي عليه السلام وعلمهم نعته ~~في كتابهم، يعني يعطون جزيتهم من قيام، والآخذ قاعد، وقيل: يأخذ المسلم ~~بتلبيب الذمي ويقول له أد جزيتك ويزج في قفاه وإن كان يؤديها «7»، وقيل: ~~«يأخذها ويوطأ عنقه» «8»، ويؤخذ في آخر الحول من الفقير المعتمل دينار وعلى ~~المتوسط ديناران وعلى الغني أربعة دنانير «9»، قيل: أقل ما يؤخذ دينار ~~وأكثره ما وقع التراضي عليه، وهذا عند الشافعي «10»، وقال أبو حنيقة: يؤخذ ~~في أول كل سنة من الفقير الكاسب اثنا عشر درهما، ومن المتوسط ضعفها ومن ~~الغني ضعف الضعف ثمانية وأربعون ولا يسقط «11»، لو مات أو أسلم بعد الحول، ~~وفي أثناء الحول قولان للشافعي ويسقط عند أبي حنيفة بالإسلام والموت. ### || [سورة التوبة (9): آية 30] # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم ~~بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30) # قوله (وقالت اليهود عزير ابن الله) بالتنوين لكونه منصرفا عند البعض وهو ~~اسم عربي مصغر ومكبره عزر، PageV02P134 # ساكن الوسط، منصرف وبغير التنوين «1» لكونه غير منصرف عند البعض، جعله ~~اسما اعجميا، فلم ينصرف للعجمة والتعريف أو هو عربي حذف تنوينه لالتقاء ~~الساكنين، التنوين والباء من «ابن» وهو مبتدأ، خبره «ابن»، ويجوز أن يجعل ~~«ابن» ms0631 صفته والخبر محذوف، أي عزير الذي هو ابن الله معبودنا (وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله) أي عيسى ولده أو المسيح «2» الذي هو ابن الله معبودنا، ~~نزل بيانا لإفراط كفر الفريقين من أهل الكتاب وتعديهما بنسبة الولد إليه ~~تعالى عنه علوا كبيرا. # قيل: سبب قول اليهود إن عزيرا ابن الله، أنهم لما قتلوا الأنبياء جاء ~~بختنصر وخرب بيت المقدس وأحرق التورية، فخزنوا على فوات التورية، فخرج عزير ~~وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبرائيل، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: أطلب ~~العلم فحفظه التورية، فجاء إلى اليهود فأملى عليهم عزير عن ظهر القلب، ~~فتعلموها، فقالوا ما جمع الله التورية في صدره وهو غلام إلا أنه ابن الله «3». # وسبب قول النصارى إن المسيح ابن الله، أنهم لما رأوه يبرئ الأكمه والأبرص ~~ويحيي الموتى باذن الله قالوا: # لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله «4». # فأفرط كل فريق في حب صاحبه فقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا بربهم، ولما لم ~~يكن لقولهم هذا برهان ولا تأثير في القلوب قال تعالى (ذلك) أي تكلمهم بنسبة ~~الولد إليه تعالى (قولهم بأفواههم) أي مقولهم بألسنتهم فحسب لا معنى له ~~يؤثر في القلب، فهو لفظ مهمل من الألفاظ المهملة، ليس تحته معنى صحيح يقبله ~~العقل بالبرهان (يضاهؤن) بكسر الهاء وضم الهمزة، وبضم الهاء من غير همز ~~«5»، من ضاهأت وضاهيت بمعنى شابهت، أي يشابه قولهم ويوافق بتقدير القول ~~(قول الذين كفروا من قبل) يعني يشابه قول اليهود والنصارى الذي في زمانك في ~~كفرهم قول المشركين الذين كانوا قبلك الملائكة بنات الله يشير به إلى أنه ~~كفر قديم فيهم غير مستحدث، ثم دعا عليهم فقال (قاتلهم) أي لعنهم (الله أنى ~~يؤفكون) [30] أي كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان وهو توحيد الله. ### || [سورة التوبة (9): آية 31] # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) # (اتخذوا) أي اتخذ أهل الكتابين (أحبارهم) أي علماءهم من اليهود ~~(ورهبانهم) ms0632 أي أصحاب الصوامع PageV02P135 # المتعبدين من النصارى (أربابا) أي كالأرباب الذين يتبعهم المربوبون (من ~~دون الله) لطاعتهم إياهم في معصية الله وتحريم ما حرموه وتحليل ما حللوه ~~دون الله تعالى، قوله (والمسيح ابن مريم) بالنصب عطف على «أحبارهم»، أي ~~اتخذوه ربا من دون الله (وما أمروا) أي والحال أنهم لم يؤمروا في جميع ~~الكتب أو لم يأمرهم عيسى (إلا ليعبدوا) أي ليوحدوا (إلها واحدا لا إله إلا ~~هو) أي لا معبود غيره، فينبغي لهم أن يعبدوه دون غيره، ثم نزه نفسه بقوله ~~(سبحانه عن ما يشركون) [31] أي هو منزه عن شركهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 32] # يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون (32) # (يريدون) أي أهل الكتابين (أن يطفؤا) أي يبطلوا ويغيروا (نور الله) أي ~~القرآن أو دينه (بأفواههم) أي بألسنتهم تكذيبا وإشراكا (ويأبى الله) فيه ~~معنى النفي، ولذا جاز الاستثناء بعده، أي ولم يرد (إلا أن يتم نوره) أي أن ~~يظهر القرآن والعمل به أو يتم نعمة الإسلام (ولو كره الكافرون) [32] إظهاره ~~وإتمامه. ### || [سورة التوبة (9): آية 33] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي بالقرآن وما فيه من التوحيد والأحكام ~~(ودين الحق) أي الإسلام (ليظهره) أي دين الحق، وهو دين محمد عليه السلام ~~بالبرهان (على الدين كله) أي على جميع الأديان أو بنصره محمدا وأصحابه وقهر ~~أعدائه وقذف الرعب في قلوب الكفار أو يظهره بعد نزول عيسى، فلا يبقى أمة ~~إلا دخلت في دين الإسلام (ولو كره المشركون) [33] إظهار دين الإسلام على ~~جميع الأديان. ### || [سورة التوبة (9): آية 34] # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) # قوله (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار) أي علماء اليهود ~~(والرهبان) أي زهاد النصارى (ليأكلون) أي ليأخذون (أموال الناس بالباطل) أي ~~بغير حق، قيل: ms0633 إنهم كانوا يأخذون الرشى في الحكم والمسامحة في الشرائع «1» ~~(ويصدون) أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي عن دينه، نزل بيانا لحالهم ~~للمسلمين لكي يمتنعوا عن مثل صنيعهم «2»، قوله (والذين يكنزون) مبتدأ، أي ~~يجتمعون ويدخرون (الذهب والفضة) وخصا بالذكر لفضلهما على سائر الأموال من ~~حيث إنهما أصل التمول وأثمان الأشياء، ولأن ذكرهما للكنز دليل على ثبوت ما ~~سواهما عند الكانز غالبا (ولا ينفقونها) أي الكنوز أو الأموال صرفا للفظ ~~إلى المعنى أو التقدير: لا ينفقون الفضة والذهب فيكون من قبيل الاكتفاء، ~~يعني لا يؤدون حقها (في سبيل الله) والخبر (فبشرهم بعذاب أليم) [34] قيل: ~~«كل مال تؤدي زكوته فليس بكنز وإن كان في بطن الأرض، وكل مال لا تؤدي زكوته ~~فهو كنز وإن كان على وجه الأرض» «3»، وأصل الكنز الجمع وجعل الشيء بعضه فوق ~~بعض، وكان الواجب في ابتداء الإسلام إخراج الفضل على قدر الحاجة منه، ثم ~~نسخ بآية الزكوة «4»، قيل: يحتمل أن يكون هذا نعت الأحبار والرهبان ليدل ~~على اجتماع الوصفين المذمومين فيهم أخذ الرشوة وكنز المال من غير إخراج حق ~~الله في سبيله وأن يكون المراد به المسلمين الذي لا يؤتون الزكوة، فقرنهم ~~مع المرتشين من اليهود والنصارى في الذكر تغليظا لحالهم ودلالة على أنهم من ~~الفريقين في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم «5». ### || [سورة التوبة (9): آية 35] # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) PageV02P136 # قوله (يوم يحمى) نصب بفعل مقدر، أي اذكر يوم يوقد النار (عليها) أي على ~~الأموال، يشير به إلى أن الإحماء للنار، حذفت النار وأقيمت كلمة «عليها» ~~مقامها للفاعلية، وهذا من قبيل رفع إلى الأمير مكان رفعت القصة إلى الأمير ~~بحذف القصة، وإسناد الفعل إلى الجار والمجرور فلذا ذكر الفعل بطرح التاء ~~منه، المعنى: أن النار تحمي على الأموال (في نار جهنم فتكوى) أي تحرق كيا ~~(بها) أي بالأموال (جباههم وجنوبهم وظهورهم) أي ظهور كانزيها وخصت الجباه ~~والجنوب والظهور بالذكر، لأن صاحب المال لما قبض وجهه ms0634 وجبهته إذا رأى ~~الفقير أو المسكين وولاه ظهره وأعرض عنه بجنبه، ويقال لهم (هذا ما) أي الذي ~~«1» (كنزتم) أي جمعتم (لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) [35] أي عذابه. # قال ابن مسعود: «والذي لا إله غيره لا يوضع درهم على درهم في عذاب رجل ~~بكنز ولا دينار على دينار، بل يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على حدة وكل ~~دينار على حدة» «2». # روي: أن رجلا مات من أهل الصفة فوجد دينار في مؤتزره، فقال عليه السلام: ~~كية، ومات آخر فوجد ديناران في مؤتزره، فقال عليه السلام: كيتان «3»، وحمل ~~هذا على الوقت الذي كان الواجب عليه أن ينفق الفضل قبل أن يفرض الزكوة. ### || [سورة التوبة (9): آية 36] # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) # قوله (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) نزل لبيان عدد الشهور التي ~~وجبت الزكوة فيها على المسلمين وليقع صيامهم وحجهم وعيدهم على هذا العدد ~~«4»، يعني بالأهلة على منازل القمر مرة في الشتاء ومرة في الصيف لا على ~~حساب دوران الشمس، وقيل: كانت العرب تنسئ الشهور فربما وقع الحج في رمضان ~~والقتال في الشهر الحرام أو ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر وأربعة عشر شهرا ~~ليتسع لهم الوقت «5»، فقال تعالى إن عدة الشهور المعتد بها للسنة بلا زيادة ~~ولا نقصان اثنا عشر شهرا (في كتاب الله) أي في اللوح المحفوظ أو في حكم ~~الله، وهو في محل الرفع صفة ل «اثنا عشر»، قوله (يوم خلق السماوات والأرض) ~~يتعلق ب «كتاب الله»، يعني كتبها عليكم يوم خلقهما ولذلك قال عليه السلام ~~في حج الوداع: «إلا أن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض ~~السنة اثنا عشر شهرا» «6» (منها أربعة حرم) ثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، وسميت بالحرم لتحريم القتال فيها، فعادت ~~الشهور إلى أول وضعها ms0635 وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ، أي التأخير (ذلك) ~~أي تحريم الأشهر الحرم (الدين القيم) أي المستقيم، وهو دين إبراهيم عليه ~~السلام فكانت العرب على ذلك الدين إلى أن غيره قبيلة كنانة بالنسيء، ثم قال ~~تعظيما لأمر الأشهر الحرم (فلا تظلموا فيهن) أي في الأشهر الحرم بجعلها ~~حلالا (أنفسكم) لأن القتال فيها أعظم وزرا، ثم نسخ وصار مباحا بقوله «7» ~~(وقاتلوا المشركين كافة) أي جميعا في الشهر الحرام وغيره، وهو مصدر، نصبه ~~حال عن الفاعل أو المفعول، أي مجتمعين في جميع الشهور (كما يقاتلونكم كافة) ~~في جميع الشهور، وقيل: غير منسوخ «8»، ومعناه أن الغزو حرام فيها إلا أن ~~يبدؤا بالقتال فيها وإلا فلا يجوز، والأصح النسخ لما ثبت أن النبي عليه ~~السلام قد حاصر الطائف في الشهر الحرام وافتتحها بعد مضيه (واعلموا أن الله ~~مع المتقين) [36] أي المطيعين الخائفين منه بالنصرة. PageV02P137 ### || [سورة التوبة (9): آية 37] # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم ~~والله لا يهدي القوم الكافرين (37) # (إنما النسيء) بالياء المشددة، وأصله فعيل، من النسأ، وهو التأخير، قلبت ~~الهمزة ياء وأدغمت في الياء، وبالمد والهمز وإسكان الياء على الأصل «1»، أي ~~تأخير الشهر المحرم إلى شهر آخر (زيادة في الكفر) لأن معصية الكافر تزيده كفرا. # وكان رجل كناني من العرب مطاعا في الجاهلية، وهو وأهله «2» كانوا أصحاب ~~حروب وغارات، فشق عليهم ترك المحاربة إذا جاء الشهر الحرام، فيحلون الشهر ~~المحرم من الأشهر الأربعة ويحرمون مكانه شهرا آخر، فاذا أرادوا أن يغيروا ~~قام الكناني فخطب الناس يوم منى، وقال: إني قد أحللت لكم المحرم وحرمت صفر ~~مكانه، فقاتل الناس في المحرم، وقال في العام الثاني قد أحللت صفر وحرمت ~~المحرم «3»، فقال تعالى (يضل به) معلوما، من أضل، أي يضل بالنسئ، والفاعل ~~(الذين كفروا) أي الكافرون الناس الذين اتبعوهم، ومجهولا «4»، أي عملهم ~~يضلهم (يحلونه) أي النسئ (عاما ويحرمونه) أي النسئ (عاما) المعنى: أنهم لم ~~يحلوا ms0636 شهرا للقتال من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه من الحلال (ليواطؤا) أي ~~ليوافقوا (عدة) أي عدد (ما حرم الله) من الأشهر الحرم، وهي الأربعة ~~(فيحلوا) القتال في الأشهر الحرم بتحليلهم (ما حرم الله) فيها وقد خالفوا ~~التخصيص الذي هو أحد الواجبين (زين لهم) مجهولا (سوء أعمالهم) أي قبحها ~~بتزيين الشيطان (والله لا يهدي القوم الكافرين) [37] أي لا يرشدهم بلطفه ~~إلى دين الحق مجازاة لإعراضهم عن الحق وكفرهم به. ### || [سورة التوبة (9): آية 38] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) # قوله (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا) أي اخرجوا (في ~~سبيل الله) أي في جهاده، والعامل في «إذا» معنى الفعل في «ما لكم»، ما ~~تصنعون إذا قيل لكم أو ما دل عليه (اثاقلتم) أي تثاقلتم بمعنى قعدتم ولم ~~تخرجوا وملتم (إلى الأرض) أي إلى الدنيا وشهواتها وتركتم الجهاد، نزل حين ~~أمر النبي عليه السلام الخروج إلى غزوة تبوك، وكان في أيام الصيف وشدة حر ~~وعسرة المسلمين وكثرة العدو، وكانوا يتثاقلون عن الخروج فعاتبهم الله «5»، ~~وقال ما تصنعون إذا قيل لكم اخرجوا في الجهاد تباطأتم (أرضيتم) باستفهام ~~التوبيخ (بالحياة الدنيا) ولذاتها (من الآخرة) أي بدل الآخرة ونعيمها، ثم ~~قال لبيان عدم نسبة بين الدنيا والآخرة (فما متاع الحياة الدنيا) أي ~~منفعتها (في الآخرة) أي بجنب منفعتها (إلا قليل) [38] أي متاع يسير عن متاع ~~أولياء الله في الجنة. ### || [سورة التوبة (9): آية 39] # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله ~~على كل شيء قدير (39) # ثم قال مهددا لهم (إلا تنفروا) أي إن لم تخرجوا إلى الغزو بعد الأمر ~~(يعذبكم) الله «6» (عذابا أليما) بحبس المطر عنكم في الدنيا وبالنار في ~~الآخرة أو يهلككم (ويستبدل قوما غيركم) خيرا وأطوع له وللرسول منكم (ولا ~~تضروه) أي الله أو رسوله بترك الجهاد (شيئا) من ملكه بالنقص، لأن الله وعده ms0637 ~~العصمة من الناس والنصرة PageV02P138 # له، ووعد الله كائن لا خلف فيه (والله على كل شيء قدير) [39] من إهلاككم ~~والاستبدال بكم قوما غيركم. ### || [سورة التوبة (9): آية 40] # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله ~~عزيز حكيم (40) # (إلا تنصروه) أي إن لا تنصروا رسوله ولم تخرجوا معه إلى غزوة تبوك (فقد ~~نصره الله) أي فقد ينصره كما نصره ولم يكن معه إلا رجل واحد (إذ أخرجه ~~الذين كفروا) أي كفار مكة من مكة (ثاني اثنين) بنصب الياء، حال من مفعول ~~«أخرج»، أي حال كون الرسول أحد اثنين، وهما النبي وأبو بكر، يعني أن الله ~~نصرهما ولم يكن معهما غيرهما (إذ هما في الغار) بدل من «إذ أخرجه»، والغار ~~ثقب في جبل ثور، قوله (إذ يقول لصاحبه) أي لأبي بكر بدل ثان من «إذ أخرجه». # فبعد ما دخلا في الغار نسجت على فمها العنكبوت وباضت في أسفلها حمامتان، ~~وذلك حين قصد أهل مكة ليقتل النبي عليه السلام فهاجر من مكة إلى المدينة، ~~فجاء إلى بيت أبي بكر، فقال: ما لك بأبي أنت وأمي؟ # فقال: ما أرى قريشا إلا قاصدين بقتلي، فقال أبو بكر: دمي دون دمك ونفسي ~~دون نفسك، فقال: اذن لي بالخروج، فقال أبو بكر: إن عندي بعيرين، فخذ أحدهما ~~واركبه، قال: لا آخذه إلا بالثمن، فأخذه بالثمن، وهي ناقته القصوى، فركبا ~~وأتيا إلى الغار بأسفل مكة، وقيل: أتيا إليه بالمشي، فمشى رسول الله ليلتئذ ~~على أطراف أصابعه حتى حفيت، فرأى ذلك أبو بكر، فحمله على عاتقه وأتى به فم ~~الغار فأنزله، فدخله أبو بكر وفتشه فلم ير شيئا مكروها فحمله وأدخله، وكان ~~في الغار ثقب، فيه حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله، ~~فوضع قدمه على الثقب، فجعلن يضربنه ويلسغنه وجعلت دموعه تنحدر على ms0638 خده من ~~ألمه، فقال رسول الله لأبي بكر «1»: (لا تحزن إن الله معنا) وقيل: جاء ~~المشركون بقسيهم وعصيهم، فأبصرهم أبو بكر وخاف على نفس رسول الله، فقال: يا ~~رسول الله إن تهلك يذهب هذا الدين، فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا ~~تحزن إن الله معنا بالرعاية والحفظ «2» (فأنزل الله سكينته) أي طمأنينته ~~(عليه) أي على أبي بكر (وأيده) أي قوى النبي عليه السلام (بجنود لم تروها) ~~أيها المؤمنون، وهم الملائكة الذين صرفوا الكفار عن رؤيتهما في الغار وفي ~~يوم بدر ويوم حنين ويوم الأحزاب، فهو ناصره وعاصمه من الناس في كل مخوف ~~(وجعل كلمة الذين كفروا) وهي دعوتهم الخلق إلى الكفر أو إرادة قتلهم النبي ~~عليه السلام (السفلى) أي المنخفضة المغلوبة (وكلمة الله) بالرفع مبتدأ، ~~خبره (هي العليا) أي الغالبة، وهي دعوته إلى الإيمان والإسلام أو شهادة أن ~~لا إله إلا الله (والله عزيز) باطفاء كلمة المشركين وبالانتقام منهم (حكيم) ~~[40] باعلاء كلمة الله ورفع ظلمة الشرك بنور التوحيد. ### || [سورة التوبة (9): آية 41] # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون (41) # ثم أكد أمر القتال بقوله (انفروا خفافا وثقالا) أي اخرجوا في سبيل الله ~~صحاحا ومراضا أو شبانا وشيوخا أو ركبانا ومشاة أو خفافا من السلاح وثقالا ~~منه أو فقراء وأغنياء، يعني لا تهنوا عن الغزو (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~في سبيل الله) أي في دينه وطاعته (ذلكم) أي الجهاد في سبيله (خير لكم) من ~~تركه (إن كنتم تعلمون) [41] أي تصدقون بأن للخروج إليه ثوابا وللجلوس عنه ~~عقابا، قيل: نسخت هذه الآية بقوله «ليس على الضعفاء» «3» الآية «4»، وقيل: ~~لم ينسخ «5»، لأنه إذا وقع النفير عاما يكون فرضا عما، وإذا لم يقع عاما ~~فبخروج البعض سقط عن الباقين. PageV02P139 ### || [سورة التوبة (9): آية 42] # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) # ثم قال للنبي عليه السلام في شأن المنافقين (لو كان) أي الذي ms0639 «1» تدعوهم ~~إليه لعلة الجهاد (عرضا قريبا) أي غنيمة سهل المنال، والعرض ما عرض لك من ~~منافع الدنيا (وسفرا قاصدا) أي وسطا سهلا (لاتبعوك) ولم يتخلفوا عنك (ولكن ~~بعدت عليهم الشقة) بضم الشين، أي المسافة الشاقة التي يقصدونها في السفر ~~(وسيحلفون) أي المتخلفون بالقعود عن الجهاد (بالله) يقولون (لو استطعنا) أي ~~لو قدرنا بسعة المال والزاد (لخرجنا معكم) وهو ساد مسد جواب القسم، ولو ~~(يهلكون أنفسهم) أي بحلفهم الكاذب، حال من فاعل «سيحلفون» (والله يعلم إنهم ~~لكاذبون) [42] في حلفهم، لأن لهم سعة للخروج، ولكنهم لم يريدوه. ### || [سورة التوبة (9): آية 43] # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) # قوله (عفا الله عنك) نزل حين استأذن بعض من المنافقين رسول الله أن ~~يتخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك ولم يكن لهم عذر، فأذن لهم به «2»، فقال ~~تعالى مقدما العفو على العتاب «3» تطييبا لقلبه عليه السلام محا الله عن ~~ذنوبك أو أدام لك العفو يا سليم القلب (لم أذنت لهم) بالتخلف هلا أخرتهم ~~(حتى يتبين) أي يظهر (لك الذين صدقوا) في عذرهم وحلفهم (وتعلم الكاذبين) ~~[43] فيهما، ف «حتى» متعلق بالمحذوف وهو أخرتهم، ولا يجوز تعلقه ب «أذنت»، ~~لأنه يلزم أن يكون اذن لهم إلى غاية التبين والعلم وهو فاسد، وإنما عاتبه ~~مع اعتذارهم إليه عليه السلام، لأنه كان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ~~فقصروا في ذلك وعجل بالقبول. ### || [سورة التوبة (9): آية 44] # لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) # ثم بين له علامة الصادقين منهم والكاذبين بقوله (لا يستأذنك الذين يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر) في السر والعلانية في (أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم) ~~لأجل «4» التخلف عنك (والله عليم بالمتقين) [44] أي بالمؤمنين المطيعين ~~فيجازيهم بأجزل الثواب. ### || [سورة التوبة (9): آية 45] # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ~~ريبهم يترددون (45) # (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) سرا دون العلانية ~~(وارتابت) أي شكت (قلوبهم) في إيمانهم (فهم في ريبهم) أي ms0640 في شكهم ونفاقهم ~~(يترددون) [45] أي يتحيرون، يعني الاستئذان للتخلف عن الجهاد صنعة ~~المنافقين وعادتهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 46] # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين (46) # (ولو أرادوا الخروج) إلى الجهاد معك (لأعدوا له) أي لهيئوا للجهاد (عدة) ~~أي قوة من السلاح والزاد والكراع لأنفسهم، فتركهم العدة دليل على إرادتهم ~~التخلف المؤذن بالنفاق، قوله (ولكن كره الله انبعاثهم) عطف على مقدر، وهو ~~ما خرجوا بارادتهم في الحقيقة ولكن كره الله خروجهم لسوء نيتهم وخبث نفوسهم ~~(فثبطهم) أي كسلهم ومنعهم عن الخروج لكون خروجهم مفسدة (وقيل) أي قال لهم ~~الشيطان بوسوسته أو القول إذن الرسول عليه السلام أو إلقاء الله في قلوبهم ~~ذلك أو قال بعضهم لبعض (اقعدوا مع القاعدين) [46] أي النساء والمرضى «5» ~~والأطفال، وهو ذم لهم وتعجيز عن عمل الرجال وإلحاق بالنساء والضعفاء أو ~~للجبن «6». PageV02P140 ### || [سورة التوبة (9): آية 47] # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين (47) # قوله (لو خرجوا فيكم) أي معكم إلى الجهاد (ما زادوكم إلا خبالا) أي ~~فسادا، إخبار عن المنافقين بأنهم لا ينفعونكم على تقدير خروجهم معكم، بل ~~يضرونكم بافساد ذات البين وإيقاع الجبن بين المسلمين بتهويل الأمر ~~(ولأوضعوا) أي ولأسرعوا (خلالكم) أي بينكم، نصب على الظرف، يعني لسعوا ~~بالنمائم مسرعين بينكم (يبغونكم) أي يلتمسون لكم (الفتنة) أي ما يفتنكم من ~~الشر، يعني يطلبون هزيمتكم ووقوعكم في الشر، ومحل الجملة حال من ضمير ~~«أوضعوا» «1» (وفيكم سماعون لهم) أي وفي عسكركم جواسيس للمنافقين، يسمعون ~~كلامكم ويقبلون منهم ويطيعونهم (والله عليم بالظالمين) [47] أنفسهم ~~بالنفاق، فيجازيهم بظلمهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 48] # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) # (لقد ابتغوا الفتنة) أي طلبوا العنت وإظهار الشرك والسعي في تشتيت شملك ~~وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف بأتباعه عنك ~~(من قبل) أي قبل غزوة تبوك (وقلبوا لك الأمور) أي الحيل، يعني ms0641 دوروا الآراء ~~في إبطال أمرك ودبروا لإهلاكك الحيل من كل وجه (حتى جاء الحق) أي نصر الله ~~وتأييده لك وكثر المسلمون (وظهر أمر الله) أي علا دينه الحق وغلب وهو ~~الإسلام (وهم كارهون) [48] ذلك. ### || [سورة التوبة (9): آية 49] # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين (49) # قوله (ومنهم) أي ومن المنافقين (من يقول ائذن لي) في القعود (ولا تفتني) ~~أي لا توقعني في الفتنة بعدم إذنك لي في القعود، نزل في شأن الجد بن قيس ~~حين حثه النبي عليه السلام على الخروج إلى الغزو وببنات الأصفر، وكان ~~الأصفر رجلا من اليمن ملك ناحية من الروم، فتزوج رومية فولدت له بنات اجتمع ~~فيهن سواد الحبش وبياض الروم وكن فتنة، فقال الجد قد علمت الأنصار إني حريص ~~على النساء فأخشى أن لا أصبر عنهن وأضع يدي على الحرام، فلا تفتني بهن ~~ولكني أعينك بمال فاتركني «2»، فأذن له بالقعود «3» فقال تعالى (ألا في ~~الفتنة) أي اعلموا أنهم في الاثم والنفاق (سقطوا) أي وقعوا بالتخلف (وإن ~~جهنم لمحيطة) أي إنها لتحيط (بالكافرين) [49] يوم القيامة، وهم الجد بن قيس ~~ومن تابعه في التخلف لكون أسباب الإحاطة معهم لا تنفك منهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 50] # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) # ثم بين حالهم التي هي أثر النفاق بقوله (إن تصبك حسنة) أي غنيمة ونصرة ~~بعد تخلفهم (تسؤهم) أي تحزنهم تلك الحسنة (وإن تصبك مصيبة) في بعض الغزوات، ~~أي شدة وهزيمة (يقولوا قد أخذنا أمرنا) الذي نحن فيه من الحذر بالتيقظ ~~والعمل بالجزم (من قبل) أي قبل هذه المصيبة (ويتولوا) أي ويعرضوا عنك إلى ~~أهاليهم بالتحدث بذلك (وهم فرحون) [50] بحالهم في الانحراف عنك أو بما ~~أصابك من الشدة نحو ما جرى في أحد. ### || [سورة التوبة (9): آية 51] # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) # (قل) يا محمد (لن يصيبنا) أي لن يصل إلينا (إلا ما ms0642 كتب الله) أي ما قدره ~~وأوجبه في كتابه (لنا) واختصنا بايجابه وإثباته من النصرة عليكم أو من ~~الشهادة (هو مولانا) أي الله الذي يتولانا بالنصرة والحفظ وغير ذلك PageV02P141 # (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [51] أي ليثق عليه كل من آمن به لا على ~~غيره، فان ذلك حق المؤمنين فليفعلوا ما هو حقهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 52] # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) # (قل هل تربصون) أي ما تنتظرون أنتم (بنا إلا إحدى الحسنيين) أي العاقبتين ~~الحميدتين، وهما النصرة مع الغنيمة أو الشهادة مع المغفرة (ونحن نتربص بكم) ~~إحدى العاقبتين الذميمتين وهي (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) هو الصواعق ~~والموت (أو) بعذاب نزل عليكم «1» (بأيدينا) وهو قتلنا إياكم بكفركم ~~(فتربصوا) بنا ما ذكرنا من عواقبنا (إنا معكم متربصون) [52] بعواقبكم، فلا ~~بد أن نلقي بذلك «2» نحن وأنتم لا نتجاوز «3» عنه. ### || [سورة التوبة (9): آية 53] # قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) # (قل) يا محمد للجد بن قيس ومن مثله من المنافقين (أنفقوا) في سبيل الله ~~ووجوه البر، أمر جعل بمعنى الخبر والشرط لدلالة الكلام عليه مع إفادة معنى ~~التسوية، أي إن أنفقتم فيه (طوعا) أي طائعين من غير إلزام من النبي عليه ~~السلام ولا من رغبة فيه «4» (أو كرها) أي مكرهين (لن يتقبل منكم) نفقاتكم ~~عند الله، يعني لا ثواب لها في الآخرة، ويجوز أن يراد بنفي التقبل رده ~~عليهم (إنكم كنتم قوما فاسقين) [53] بتخلفكم عن الجهاد في سبيل الله. ### || [سورة التوبة (9): آية 54] # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون ~~الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) # ثم بين سبب عدم قبولها بقوله (وما منعهم أن تقبل منهم) بالياء والياء ~~«5»، و«أن» نصب بدل من «هم» في «منعهم» (نفقاتهم) رفع ب «تقبل» مجهولا، أي ~~ما منع قبول نفاقهم «6» (إلا أنهم كفروا) في محل الرفع فاعل «منع»، أي ms0643 إلا ~~كفرهم (بالله وبرسوله) في السر وهو عالم به (ولا يأتون) أي لا يعلمون ~~(الصلاة إلا وهم كسالى) جمع كاسل، من الكسل وهو التثاقل، أي إلا متثاقلين ~~لو اضطروا إلى إتيانها، لأنهم لا يرونها فرضا عليهم (ولا ينفقون) في الجهاد ~~(إلا وهم كارهون) [54] على النفقة فيه لعدم احتسابهم في الآخرة، يعني أنهم ~~لا يرجون ثوابا منها فيها. ### || [سورة التوبة (9): آية 55] # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) # ثم زهد النبي عليه السلام من الميل إلى دنياهم بقوله (فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم) أي لا تستحسن منهم كثرتهما فتميل إليهم بها، وأصل الإعجاب ~~السرور بالشيء مع الرضا به (إنما يريد الله ليعذبهم بها) أي بسبب الأموال ~~والأولاد (في الحياة الدنيا) وتعذيبهم فيها أمرهم أن يخرجوا «7» الزكوة ~~منها وأن ينفقوا علي كره في سبيل الله وأن يميت «8» أولادهم بين أيديهم ~~(وتزهق أنفسهم) أي تخرج «9» أرواحهم (وهم كافرون) [55] عند الموت فيعذبهم ~~في الآخرة بالنار، فالمراد الاستدراج بالنعم إلى أن يموتوا وهم كافرون ~~غافلون بالتمتع عن النظر للعاقبة. PageV02P142 ### || [سورة التوبة (9): آية 56] # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) # (ويحلفون بالله إنهم لمنكم) أي على دينكم الإسلام في السر كما في ~~العلانية (وما هم منكم) أي ليسوا على دينكم في السر وهم كاذبون في حلفهم ~~(ولكنهم قوم يفرقون) [56] من الفرق وهو الخوف، أي يخافون القتل والسبي ~~فيتظاهرون بالإسلام لذلك وأسروا النفاق. ### || [سورة التوبة (9): آية 57] # لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) # (لو يجدون ملجأ) أي ما يلجأ إليه الرجل عند خوفه (أو مغارات) جمع مغارة، ~~وهي كالغار في الجبل، وأصلها ما يغاب فيه (أو مدخلا) أي موضعا يدخلونه بضم ~~الميم وتشديد الدال «1»، أصله متدخلا مفتعل، من الدخول وهو السرب في الأرض ~~(لولوا) أي لانصرفوا وذهبوا عنك (إليه) وتركوا منفردا (وهم يجمحون) [57] أي ~~يسرعون في المشي إليه لا يردهم شيء من قولهم هذا فرس جموح إذا لم يرده ~~اللجام ms0644 في عدوه. ### || [سورة التوبة (9): آية 58] # ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون (58) # قوله (ومنهم من يلمزك) بضم الميم وكسرها «2»، من لمز إذا عاب، أي يعيبك ~~ويطعن عليك (في الصدقات) نزل فيمن طعن النبي عليه السلام في قسمة الصدقات ~~والغنائم، فقال: اعدل يا رسول الله وهو ابن ذي الخويصرة التيمي، فقال: ~~ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، فقال عمر: يا رسول الله أتأذن لي أن أضرب عنقه؟ # فقال: دعه حتى لا يقال يقتل محمد أصحابه «3» (فإن أعطوا منها) أي من ~~الصدقات (رضوا) بالقسمة (وإن لم يعطوا منها) لحكمة يعلمها الله ورسوله (إذا ~~هم يسخطون) [58] أي فاجؤوا، ف «إذا» للمفاجأة بمعنى فاء الجزاء، والعامل ~~فيها «يسخطون»، والحكمة: أن رسول الله استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير ~~الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه فوصفهم الله بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا ~~للدين وما فيه صلاح أهله. ### || [سورة التوبة (9): آية 59] # ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من ~~فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) # (ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله) من العطية والرزق (وقالوا حسبنا ~~الله) أي كافينا الله وعليه ثقتنا (سيؤتينا الله) أي سيعطينا (من فضله) أي ~~من رزقه (ورسوله) من الغنيمة أكثر مما آتانا اليوم إذا كان عنده سعة (إنا ~~إلى الله راغبون) [59] أي إلى رحمته راجون فيغنينا عن الصدقات، وجواب «لو» ~~محذوف وهو لكان خيرا لهم من الطعن عليك. ### || [سورة التوبة (9): آية 60] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60) # ثم بين مصارف الصدقات بالاختصاص ليخرج اللامزين بالنبي عليه السلام عن ~~استحقاقها بقوله (إنما الصدقات للفقراء) وهم الذين لهم أدنى شيء ~~(والمساكين) وهم الذين لا شيء لهم منه، وأبو حنيفة يعكس التفسير، فيعطي ~~الشافعي منها من ليس له كفاية سنة، ويمنعها أبو حنيفة عمن يملك مائتي درهم ~~(والعاملين عليها) وهم الذين يجبون الصدقات من ms0645 أهلها فيعطون على قدر ~~عمالتهم وإن كانوا أغنياء لا على قدر حاجتهم، وقيل: «لهم الثمن» «4» ~~(والمؤلفة قلوبهم) وهم الذين تستألف قلوبهم لتقوى على الإيمان بالإعطاء ~~منها، وقيل: من يتقى شره من الكفار لقلة من المسلمين وكانوا رؤساء في كل ~~قبيلة، منهم أبو سفيان وأقرع بن PageV02P143 # حابس، فيعطيهم الإمام ما يراه منها «1» (وفي الرقاب) عطف على «للفقراء»، ~~وإنما عدل عن اللام إلى «في» هنا إذانا بأن الأربعة الأخيرة أرسخ في ~~استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن «في» للظرفية، أي وفي فكها من ~~الكتابة أو من الأسر أو من الرق، وهم المكاتبون «2» أو الأسارى من الكفار ~~أو المسلمون المأسورون في أيدي الكفار فتبتاع «3» الرقاب من الصدقات فتعتق ~~عند مالك (والغارمين) وهم الذين عليهم ديون لغير فساد ولا وفاء عندهم ~~فيعطون على قدر الوفاء بديونهم. # وقيل: هم الذين استدانوا في إصلاح ذات البين أو في عمل الخير أو للإنفاق ~~على عيالهم من غير إسراف لعدم كفاية ما في أيديهم فيعطون ما يؤدون ذلك مع ~~غناهم «4» (وفي سبيل الله) وهم الذين خرجوا للجهاد فيعطون منها ما يستعان ~~به في غزوهم من زاد وحمولة وسلاح مع غناهم (وابن السبيل) والمراد منه جنس ~~المسافرين سفرا مباحا فيعطون منها ما يقطع به سفرهم إن لم يكن معهم ذلك، ~~وإن كان لهم في البلد المنتقل إليه مال الغناء (فريضة من الله) نصب على ~~الحال من الضمير في «للفقراء» في موضع الخبر، أي ثابتة لهم مفروضة، ويجوز ~~أن يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف، أي فرضت الصدقات فريضة لهذه الأصناف ~~الثمانية لحكمة اقتضته في ذلك الزمان، فالشافعي أوجب صرفها إلى الأصناف على ~~السوية، وإن انعدم صنف منها رد نصيبه على الموجودين، وأقل ما يجزى عنده ~~ثلاثة من كل صنف، وقد أجاز أبو حنيفة صرفها إلى بعضها دون بعض، ويجيز صرفها ~~إلى فرد من صنف واحد (والله عليم) يعلم من يستحقها ومن لا يستحقها (حكيم) ~~[60] يحكم بقسمتها ويبين أهلها لحكمة علمها. ### || [سورة التوبة (9): آية 61] # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو ms0646 أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) # قوله (ومنهم الذين يؤذون النبي) نزل في جماعة من المنافقين كجلاس بن سويد ~~وأبي ياسر بن قيس ومخشي بن خويلد، كانوا يعيبون رسول الله عليه السلام، ~~فقال رجل منهم: لا تفعلوا مثله عسى أن يبلغه الخبر فيضرهم، فقال الجلاس: ~~نقول ما نشاء ونأتيه ونحلف فانه يصدقنا، لأنه أذن سامعة «5»، سمي الرجل ~~الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد بالجارحة التي هي آلة السماع كأن ~~جملته أذن سامعة فيؤذونه «6» (ويقولون هو أذن) بضمتين وبسكون الذال «7»، أي ~~يسمع كل ما قيل له ويقبله فأمر الله تعالى نبيه بأن يقول (قل أذن خير) ~~بالإضافة، أي هو أذن صلاح ونعمة (لكم) فلا يكشف سركم ولا يفضحكم ولا ~~يكافيكم على سوء فعلكم كما يفعل بالمشركين أو هو مبالغ في الخير، فيسمع قول ~~الخير خاصة (يؤمن بالله) أي يصدقه في مقالته بالإخلاص «9» (ويؤمن للمؤمنين) ~~أي ويصدق المخلصين في مقالتهم بقبولها وتسليمها «8» لهم، ولا يصدق مقالتكم ~~ولا يسمعها بالقبول منكم، فالمراد من الإيمان الأول نقيض الكفر ولذا عدي ~~بالباء، ومن الثاني السماع والقبول ولذا عدي باللام كقوله «وما أنت بمؤمن ~~لنا ولو كنا صادقين» «10»، وهذا تعريض لهم «11» (ورحمة) PageV02P144 # بالرفع عطف على «أذن» وبالجر «1» عطف على «خير»، أي هو أذن خير ورحمة «2» ~~(للذين آمنوا منكم) في السر (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) [61] ~~أي وجيع دائما «3». ### || [سورة التوبة (9): آية 62] # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) # ثم أتوا رسول الله وحلفوا على صدق نيتهم، فكذبهم الله تعالى بقوله ~~(يحلفون بالله لكم ليرضوكم) والخطاب للمسلمين، أي أنهم يعتذرون إليكم ~~بحلفهم لترضوا عنهم (والله ورسوله أحق أن يرضوه) والهاء للنبي عليه السلام ~~وحده، وفيه حذف تخفيفا، تقديره: فالله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه أو ~~الهاء لله تعالى، لأن رضاء الله رضاء نبيه عليه السلام، فلذا وحد الضمير، ~~وإنما لم يثن ms0647 تعظيما لله تعالى. # روي: أن خطيبا قال في خطبته عند النبي عليه السلام: من يطع الله ورسوله ~~فقد رشد ومن عصاهما فقد غوى، فقال عليه السلام: «بئس الخطيب أنت» «4»، قوله ~~(إن كانوا مؤمنين) [62] أي مصدقين بقلوبهم في السر، شرط محذوف الجزاء ~~بدلالة «أحق» قبله، أي فهو أحق أن يرضوه. ### || [سورة التوبة (9): آية 63] # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك ~~الخزي العظيم (63) # قوله (ألم يعلموا) نزل حين كانوا يستهزؤون الإسلام وأهله ويحذرون أن ~~يفضحهم الله بالوحي فيهم تهديدا لهم «5»، أي ألم يعرفوا (أنه) أي أن الشأن ~~(من يحادد الله ورسوله) أي يخالف أمر الله وأمر رسوله فيما بين لهم، شرط، ~~جزاؤه (فأن) بالفتح مع ما بعدها في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف، أي فجزاؤه ~~أن (له نار جهنم خالدا فيها) حال مقدرة من ضمير «له» في معنى الجمع (ذلك) ~~أي عذابه في نار جهنم (الخزي العظيم) [63] يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. ### || [سورة التوبة (9): آية 64] # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن ~~الله مخرج ما تحذرون (64) # (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم) أي على المؤمنين (سورة تنبئهم) أي تخبر ~~المؤمنين (بما في قلوبهم) أي قلوب المنافقين، يعني بما يضمرون من النفاق ~~فيفتضحون، وهم مع ذلك لا يخلفون عن الاستهزاء (قل استهزؤا) بالقرآن ~~والإسلام والمسلمين (إن الله مخرج) أي مظهر (ما تحذرون) [64] من إظهار ~~النفاق. ### || [سورة التوبة (9): آية 65] # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) # (ولئن سألتهم) يا محمد، أي المستهزئين بالقرآن وبك ما هذا الكلام الذي ~~تتحدثون، وذلك حين ساروا إلى غزوة تبوك مع النبي عليه السلام، وكانوا بين ~~يديه يقولون: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات ~~هيهات! فيضحكون، فاطلع الله نبيه على ما قالوا، فقال احبسوا الركب فجاءهم، ~~فقال: قلتم كذا وكذا، قالوا: يا نبي الله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر ~~أصحابك ولكنا كنا ms0648 في شيء مما يخوض الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر، فقال ~~تعالى ولئن سألتهم من استهزائهم (ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) أي نتحدث ~~ونقطع الطريق كراكبي السفر (قل) يا محمد لهم (أبالله وآياته) أي القرآن ~~(ورسوله كنتم تستهزؤن) [65]. ### || [سورة التوبة (9): آية 66] # لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين (66) # ثم اعتذروا عن فعلهم القبيح فقال تعالى (لا تعتذروا) أي لا تظهروا عذركم ~~الكاذب فانه لا ينفعكم بعد ظهور سركم (قد كفرتم) في السر (بعد إيمانكم) في ~~العلانية، فقيل: فيه دليل على أن الجد واللعب في إظهار PageV02P145 # كلمة الكفر سواء «1» (إن نعف عن طائفة منكم) بالتوبة وبترك الاستهزاء ~~بالإخلاص (نعذب طائفة) في الدنيا أو في الآخرة (بأنهم كانوا) أي بسبب كونهم ~~(مجرمين) [66] أي مستهزئين من غير توبة، قرئ بالنون في الفعلين وكسر الدال ~~ونصب «طائفة» مفعولا، وبالياء في الأول والتاء في الثاني مجهولين ورفع ~~«طائفة» «2» لاسناد الفعل إليه. ### || [سورة التوبة (9): آية 67] # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون (67) # (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) في الدين والنفاق لا في دين الإسلام ~~بالإخلاص لتكذيبهم آيات الله ورسوله في السر وبحلفهم بالله كذبا أنهم ~~لمنكم، ثم بين آثار نفاقهم بقوله (يأمرون بالمنكر) أي بالمعصية والكفر ~~(وينهون عن المعروف) أي عن الطاعة والإيمان عكس شأن المخلصين (ويقبضون) أي ~~يمسكون (أيديهم) عن الإنفاق في سبيل الله (نسوا الله) أي غفلوا عن ذكره ~~وتركوا طاعته (فنسيهم) الله من هدايته ورحمته، فحرموا وخذلوا (إن المنافقين ~~هم الفاسقون) [67] أي الخارجون عن أمره أصلا وفرعا. ### || [سورة التوبة (9): آية 68] # وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ~~ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) # (وعد الله المنافقين) من الرجال (والمنافقات) من النساء (والكفار) من ~~الفريقين (نار جهنم خالدين فيها) أي مقدرين الخلود في النار (هي حسبهم) أي ~~كافيتهم جزاء لكفرهم (ولعنهم الله) أي طردهم من رحمته في الدنيا والآخرة ~~لإهانتهم ms0649 مع التعذيب ملحقين بالشياطين، لأن الكفر مؤثر في السر والعلانية ~~(ولهم عذاب مقيم) [68] في الدنيا لا ينفك عنهم من تعب النفاق والخوف من ~~المسلمين ومن الفضاحة بنزول الآيات للاطلاع على أسرارهم أو نوع عذاب في ~~الآخرة سوى الصلي في النار. ### || [سورة التوبة (9): آية 69] # كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي ~~خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) # قوله (كالذين) خبر مبتدأ محذوف، نزل ذما للأولين بحالهم القبيح من الكفار ~~وتشبيها للمخاطبين بهم في مثل حالهم «3»، أي أنتم أيها المنافقون مثل الذين ~~(من قبلكم) من بني إسرائيل، ويجوز أن يكون الكاف منصوبا محلا مفعولا لفعل ~~مقدر، أي فعلتم نبيكم مثل الذين فعلوا قبلكم بأنبيائهم (كانوا أشد منكم ~~قوة) أي منعة وعساكر (وأكثر أموالا وأولادا) فلم ينفعهم منعتهم وأموالهم ~~وأولادهم من عذاب الله شيئا، فكذلك لا ينفعكم جمعكم وأموالكم وأولادكم ~~(فاستمتعوا) أي انتفع من تقدمكم «4» (بخلاقهم) أي بنصيبهم الذي أوتوا في ~~الدنيا من الحظوظ الفانية بدل حظوظ الآخرة «5» الباقية (فاستمتعتم) أيضا ~~(بخلاقكم) أي بنصيبكم الذي أوتيتم في الدنيا من الحظوظ الفانية ورضيتم بها ~~وقطعتم النظر عن العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة (كما استمتع) أي كاستمتاع ~~(الذين من قبلكم) من الأمم الماضية (بخلاقهم) أي بنصيبهم من الدنيا استغناء ~~عن نصيب الآخرة، وإنما ذكر قوله «فاستمتعوا بخلاقهم» أولا مع أن هذا ~~التشبيه يغني عنه، لأنه أراد أن ينبه المخاطبين على خساسة PageV02P146 # أمر الاستمتاع قبل التشبيه لئلا يرضوا به ويرجعوا عما هم فيه فيؤمنوا ~~(وخضتم) أي شرعتم في الباطل من تكذيب رسول الله وآياته (كالذي خاضوا) أريد ~~به الجنس، فاستعمل في معنى الجمع كقوله والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون «1» أو الذي ك «ما» المصدرية، وهو نادر، أي كخوضهم في الباطل نحو ~~على الذي أحسن، أي على إحسانه (أولئك) أي أهل هذه الصفة (حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة) أي بطل ثواب حسناتهم بسبب تلك الصفة ms0650 (وأولئك هم الخاسرون) ~~[69] أي المغبونون في الآخرة، لأنه ما ربحت تجارتهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 70] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) # (ألم يأتهم) أي ألم يصل أهل مكة «2» (نبأ الذين من قبلهم) أي خبر ~~المتقدمين من الأمم الكفرة باخبار القرآن لهم عند تكذيبهم الرسل كيف فعلنا ~~بهم من التعذيب والإهلاك (قوم نوح) بالجر بدل من «الذين»، أي أهلكناهم ~~بالأغراق لتكذيب نوح (وعاد) أي وقوم عاد بالريح العقيم لتكذيب هود (وثمود) ~~أي وقوم ثمود بصيحة جبرائيل لتكذيب صالح (وقوم إبراهيم) وهم قوم نمرود بن ~~كنعان بالبعوضة الذي هو أضعف الخلق بسبب عتوه وتجبره على الخلق لتكذيب ~~إبراهيم وأصحاب مدين، أي وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة لتكذيب شعيب ~~(والمؤتفكات) أي مدائن قوم لوط بجعلها «3» عليها سافلها وإمطارنا «4» ~~الحجارة عليها لتكذيب لوط، جمع «مؤتفكة»، أي المكذبة، وقيل: بمعنى المنقلبة ~~«5» (أتتهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحة على صدقهم فكذبوهم أو ~~بالآيات الظاهرة من الأمر والنهي فتركوا طاعة الله واتبعوا أهواءهم ~~فأهلكناهم (فما كان الله ليظلمهم) أي ليهلكهم بغير ذنب (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون) [70] بتكذيب رسله وترك طاعته. ### || [سورة التوبة (9): آية 71] # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم (71) # ثم أخبر عن حسن حال المؤمنين في الدنيا والآخرة في مقابلة حال المنافقين ~~فقال (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) سرا وعلانية في الدين ~~والإعانة (يأمرون بالمعروف) أي بالإيمان واتباع محمد في الشريعة (وينهون عن ~~المنكر) أي عن الشرك «6» والمعصية (ويقيمون الصلاة) أي يتمونها في أوقاتها ~~(ويؤتون الزكاة) أي يؤدونها على من يستحقها (ويطيعون الله ورسوله) في ~~الفرائض والسنن (أولئك) أي أهل هذه الصفة (سيرحمهم الله) بالأمن من عذاب ~~النار والإدخال في الجنة (إن الله عزيز) بالانتقام لمن لم يطعه ورسوله ~~(حكيم) [71] يحكم بحكمته للمؤمنين بالجنة وللكافرين بالنار فهو واضع كلا ~~موضعه ms0651 بحسب الاستحقاق. ### || [سورة التوبة (9): آية 72] # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) # ثم صرح وعده بذلك إياهم في دار الكرامة لتنتزع نفوسهم إلى ما وعده لهم ~~بالطاعة والصبر فقال (وعد الله المؤمنين والمؤمنات) أي من الرجال والنساء ~~(جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة) أي منازل طاهرة تطيب ~~فيها النفوس وهي القصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد (في جنات عدن) ~~علم لدار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها «7» غير ~~ثلاثة، النبيون والصديقون والشهاداء، يقول PageV02P147 # الله تعالى لها طوبى لمن دخلك، وقيل: «علم لنهر جناته على حافاته» «1» ~~(ورضوان من الله) أي شيء من رضاء الله (أكبر) أي أعظم من ذلك كله (ذلك) أي ~~الرضوان أو ما وعد لهم من الثواب والنعيم (هو الفوز العظيم) [72] أي الظفر ~~الكبير الذي لا ينال إلا برضاه الأكبر دون ما يعده الناس فوزا. ### || [سورة التوبة (9): آية 73] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (73) # ثم أمر النبي عليه السلام أن يستعمل الغلظة على الكفار والمنافقين ما ~~أمكن منها فقال (يا أيها النبي جاهد الكفار) بالسيف (والمنافقين) بالحجة ~~وإقامة الحدود عليهم (واغلظ عليهم) أي اشدد على الفريقين جميعا في المنطق ~~ولا تحابهم (ومأواهم) أي منزلهم ومقرهم (جهنم وبئس المصير) [73] أي المرجع ~~الذي صاروا إليه في العاقبة. ### || [سورة التوبة (9): آية 74] # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير (74) # ثم بين للنبي عليه السلام سوء معاملتهم وخبث فعالهم بقوله (يحلفون بالله ~~ما قالوا) أي لم يقلولوا كلمة الكفر، نزل حين خطب رسول الله في غزوة تبوك ~~ذات يوم، فذكر المنافقين وسماهم رجسا، ms0652 فقال الجلاس لئن محمد صادقا فيما ~~يقول لنحن شر من الحمير، فسمع عامر بن قيس فقال: والله إن محمدا لصادق ~~ولأنتم شر «2» من الحمير، فأخبر بذلك رسول الله فقال الجلاس لقد كذب عامر ~~علي وحلق ما قال، فرفع عامر يده فقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق ~~وتكذيب الكاذب، فقال النبي عليه السلام والمسلمون آمين «3»، فنزل جبرائيل ~~قبل أن يتفرقوا، وقال يحلفون بالله ما قالوا (ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا ~~بعد إسلامهم) أي أظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام (وهموا بما لم ينالوا) ~~أي وقصدوا بشيء لم يصلوا أن يفعلوه وهو الفتك برسول الله ليلا، وذلك «4» ~~عند مرجعه من تبوك، فانه توافق خمسة عشر رجلا من المنافقين أن يقتلوه في ~~مضيق من جبل، وقد أخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته عليه السلام يقودها وحذيفة ~~خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح ~~فالتفت فاذا قوم متلثمون بعمائمهم، فقالوا إليكم إليكم يا أعداء الله ~~فهربوا فدفعهم الله بذلك عنه عليه السلام فقال (وما نقموا) أي ما عابوا وما ~~طعنوا على محمد والمؤمنين (إلا أن أغناهم الله) أي إلا بسبب أن وسع الله ~~(ورسوله) عيشهم (من فضله) أي من رزقه وكان أهل المدينة في شدة وضيق من ~~العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم النبي عليه السلام ~~المدينة استغنوا فقال تعالى (فإن يتوبوا) من نفاقهم (يك خيرا لهم) من ~~الإقامة عليه، قيل: لما نزلت هذه الآية تاب الجلاس وحسنت توبته «5»، وقتل ~~مولى له خطأ، فأمر رسول الله بديته اثني عشر ألفا فاستغنى بذلك (وإن ~~يتولوا) أي إن أبوا عن التوبة (يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا) بالقتل ~~وإظهار سرهم (والآخرة) بالنار (وما لهم في الأرض من ولي) أي قريب ينفعهم ~~(ولا نصير) [74] أي مانع يمنعهم من العذاب. ### || [سورة التوبة (9): آية 75] # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) # قوله (ومنهم من عاهد الله) نزل في شأن خاطب بن أبي بلتعة، وكان له مال ms0653 ~~كثير بالشام «6»، فحلف بالله (لئن آتانا) أي أعطينا (من فضله) المال الذي ~~بالشام (لنصدقن) أي لأؤدين حق الله منه (ولنكونن من الصالحين) [75] أي ~~ولنعملن عمل أهل الصالح به. PageV02P148 ### || [سورة التوبة (9): آية 76] # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) # (فلما آتاهم من فضله بخلوا به) أي منعوا حق الله منه (وتولوا) أي أعرضوا ~~عما عاهدوا (وهم معرضون) [76] عن الوفاء بما قالوا. ### || [سورة التوبة (9): آية 77] # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون (77) # (فأعقبهم) أي وأورثهم البخل أو جعل الله البخل في عاقبتهم (نفاقا) ثابتا ~~(في قلوبهم) فلا يؤمنون (إلى يوم يلقونه) وهو يوم القيامة (بما أخلفوا ~~الله) أي بخلفهم (ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) [77] في حلفهم بأنهم يتصقون، ~~قال عليه السلام: «آية المنافق ثلاثة، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ~~ائتمن خان» «1»، وفي رواية «وإذا عاهد غدر» «2»، وقد ذكر الثلاثة في هذه الآية. # وقيل: نزلت الآية في شأن ثعلبة بن خاطب حين جاء إلى رسول الله، فقال ادع ~~الله لي أن يرزقني مالا، فقال: ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره خير من كثير ~~لا تطيقه، ثم قال: يا رسول الله! ادع لي أن يرزقني مالا فو الله لئن آتاني ~~الله مالا لأؤدين كل ذي حق حقه، فقال: اللهم ارزق ثعلبة مالا، فاتخذ غنما ~~فنمت كما ينمي الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة ~~والجمعة، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: # كثر ماله حتى لا يسعه واد، فقال: يا ويح ثعلبة، أي يا هلاكا له، فبعث ~~رسول الله مصدقين لأخذ الصدقات، فقال: ما هذه إلا جزية وقال ارجعا حتى أرى ~~رأيي، فلما رجعا إلى المدينة قال لهما رسول الله عليه السلام قبل أن يكلماه ~~يا ويح ثعلبة مرتين فنزلت، فجاء ثعلبة بالصدقة فقال إن الله منعني أن أقبل ~~منك، فجعل التراب على رأسه، فقال عليه السلام: هذا عملك قد أمرتك فلم ~~تعطني، فقبض رسول الله، فجاء ms0654 بها إلى أبي بكر فلم يقبلها وجاء بها إلى عمر ~~في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمان «3». ### || [سورة التوبة (9): آية 78] # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) # قوله (ألم يعلموا) استفهام لتقرير عناد المنافقين يتعلق بقوله لئن آتانا ~~من فضله، أي ألم يعرفوا (أن الله يعلم سرهم) وهو ما أسروه من النفاق والعزم ~~على إخلاف ما وعدوه (ونجواهم) وهو ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في ~~الدين والفتك بالنبي عليه السلام حين هموا به على العقبة، وتسمية الصدقة ~~جزية وتدبير منعها عن مستحقيها «4» (وأن الله علام الغيوب) [78] أي يعلم سر ~~كل شيء وما يضمرونه في قلوبهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 79] # الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # قوله (الذين يلمزون) جاز أن ينصب ويرفع على الذم، أي هم الذين يعيبون ~~(المطوعين) أي المتبرعين (من المؤمنين في الصدقات) يتعلق ب «يلمزون»، ~~والمراد عبد الرحمن بن عوف، جاء إلى النبي عليه السلام بأربعة آلاف درهم ~~صدقة حين حث الناس على التصدق عند الخروج إلى غزوة تبوك (والذين) أي ~~ويعيبون الذين (لا يجدون إلا جهدهم) أي قدرتهم الجهد بالضم الطاقة، وبالفتح ~~المشقة، قيل: جاء ابن قيس بصاع من تمر وجاء عاصم بن عدي بسبعين وساقا من ~~تمر، فجاء كل واحد منهم بمقدار طاقته، وكان نفر من المنافقين جلوسا «5» ~~(فيسخرون منهم) أي من المؤمنين، قوله (سخر الله منهم) خبر غير دعاء، أي ~~جازاهم بجزاء سخريتهم (ولهم عذاب أليم) [79] أي مؤلم لا ينقطع لعدم رجوعهم ~~عن سوء فعلهم. PageV02P149 ### || [سورة التوبة (9): آية 80] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) # قوله (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) نزل حين جاء نفر منهم إلى النبي عليه ~~السلام فقالوا يا رسول الله! استغفر لنا «1»، فقال الله تعالى لنفي الغفران ~~عنهم «استغفر لهم» وهو ms0655 أمر في معنى الخبر «2»، وكذا «لا تستغفر لهم»، أي ~~نهي في معنى الخبر، وفيهما معنى الشرط «3»، و«أو» بينهما لأفادة التسوية، ~~كأنه قيل لا يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لا تستغفر لهم «4»، يعني إن شئت ~~استغفر لهم وإن شئت فلا تستغفر لهم «5»، أي للمنافقين (إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة) نصب «سبعين» على أنه مصدر، إذ العدد بعد ذكر الفعل يقع موقع المصدر ~~نحو ضربته عشرين ضربة، وإنما ذكر هذا العدد حسما لطمعهم عن المغفرة على ~~عادة العرب، لأنه مثل لغاية الكثرة عندهم، يعني إن بالغت في الاستغفار (فلن ~~يغفر الله لهم ذلك) أي عدم غفرانه لهم (بأنهم) أي بسبب أنهم (كفروا بالله ~~ورسوله) في السر الذي هو مقر الإيمان (والله لا يهدي القوم الفاسقين) [80] ~~أي الذين يضمرون الكفر في قلوبهم بدل الإيمان. ### || [سورة التوبة (9): آية 81] # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون (81) # قوله (فرح المخلفون) أي رضي المخلفون عن الغزو، نزل إخبارا عن حال ~~المنافقين الذين استأذنوا رسول الله بالتخلف عن الخروج إلى الجهاد «6»، ~~فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، فرضوا ضاحكين مسرة (بمقعدهم) أي ~~بقعودهم (خلاف رسول الله) نصبه ظرف، أي بعد ذهابه أو بمعنى المخالفة، فنصبه ~~مفعول له، أي لمخالفته أو حال، أي قعدوا مخالفين له «7» (وكرهوا أن ~~يجاهدوا) كما فعل المؤمنون (بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا) أي قال ~~بعضهم لبعض (لا تنفروا) أي لا تخرجوا إلى الجهاد (في الحر) فانه شديد (قل) ~~لهم (نار جهنم أشد حرا) أي من حر تبوك (لو كانوا يفقهون) [81] أي يعلمون ~~ذلك، وهذا استجهال لهم، لأن من صان نفسه من مشقة ساعة فوقع بذلك في مشقة ~~الأبد كان أجهل من كل جاهل. ### || [سورة التوبة (9): آية 82] # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) # قوله (فليضحكوا قليلا) تهديد وتوبيخ لهم بصيغة الأمر، أي سيضحكون قليلا ~~في الدنيا (وليبكوا كثيرا) أي ويبكون ms0656 كثيرا في الآخرة (جزاء) أي عقوبة لهم ~~(بما كانوا يكسبون) [82] من الكفر والنفاق وإنما أخرجهما في صورة الأمر ~~ليدل على أنه واجب الثبوت لا يكون غيره. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرسل الله البكاء على أهل النار ~~فيبكون حتى ينقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود» «8». ### || [سورة التوبة (9): آية 83] # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) # ثم قال لنبيه عليه السلام (فإن رجعك الله) أي ردك الله من غزوتك هذه (إلى ~~طائفة منهم) أي من المخلفين PageV02P150 # من غزوة تبوك (فاستأذنوك للخروج) معك إلى غزوة أخرى (فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا) إلى الغزو (ولن تقاتلوا معي عدوا) ولو كان اعتذارهم صحيحا، وعلله ~~بقوله (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) بالتخلف عن غزوة تبوك (فاقعدوا مع ~~الخالفين) [83] أي مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار. ### || [سورة التوبة (9): آية 84] # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون (84) # قوله (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) ظرف لقوله «لا تصل»، و«مات» صفة ~~«أحد»، نزل حين طلب عبد الله بن أبي بن سلول عند حضور الموت له أن يصلى ~~النبي عليه السلام عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره ويكفنه في القميص الذي ~~يلي جلده فقبل كله، فقال عمر أتصل على عدو الله وتعطيه قميصك وهو كافر ~~منافق، فقال عليه السلام: يا عمر ما يغنيه قميصي وصلوتي لظاهر إيمانهم من ~~عذاب الله، ولكني أرجو أن يسلم به ألف رجل لما يرون من تبركه به «1»، روي: ~~أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب ثوب رسول الله للتبرك به، وقالوا لو ~~لا عرفه حقا لما تبرك بقميصه نهيا للنبي عليه السلام أن يفعل ذلك كله «2»، ~~أي ولا تصل «3» يا محمد أبدا على من يموت من المنافقين (ولا تقم على قبره) ~~للدفن وكان يقوم أولا ms0657 على قبورهم ويستغفر لهم إلى أن يدفنوا، وعلل النهي ~~بقوله (إنهم كفروا بالله ورسوله) في السر (وماتوا وهم فاسقون) [84] ~~بالنفاق. ### || [سورة التوبة (9): آية 85] # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) # (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم) أي لا يحسن في عينك ذلك ولا تمل إليهم ~~(إنما يريد الله أن يعذبهم بها) أي بأموالهم (في الدنيا وتزهق) أي وتخرج ~~(أنفسهم وهم كافرون) [85]. ### || [سورة التوبة (9): آية 86] # وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول ~~منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) # ثم أكد فسقهم بقوله (وإذا أنزلت سورة) بتمامها أو أريد بعضها (أن آمنوا) ~~تفسير للسورة، أي صدقوا (بالله) بقلوبكم كما أقررتم بلسانكم (وجاهدوا مع ~~رسوله) في سبيله (استأذنك أولوا الطول منهم) أي ذوو السعة والغناء من ~~المنافقين في القعود (وقالوا ذرنا) أي اتركنا (نكن مع القاعدين) [86] أي ~~نقعد مع الذين تخلفوا عن الجهاد من الناس بعذر. ### || [سورة التوبة (9): آية 87] # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) # (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) أي مع النساء والصبيان بالمدينة (وطبع على ~~قلوبهم) أي قست وخرجت الرحمة منها (فهم لا يفقهون) [87] ما في التخلف من ~~الشقاوة والهلاك أو لا يعلمون ثواب الخروج إلى الغزو. ### || [سورة التوبة (9): آية 88] # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات ~~وأولئك هم المفلحون (88) # ثم قال تعالى إن لم يجاهد المنافقون وتخلفوا فقد قام إلى الجهاد من هو ~~خبر منهم وأخلص نية وبينة بقوله (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم) أو بأموالهم إن لم يخرجوا إليه (وأولئك لهم الخيرات) جمع ~~الخيرة، وهي الزوجة، وقيل: الفاضلة «4»، أي الزوجات الحسان في الجنة أو ~~الفاضلات من كل PageV02P151 # شيء، وقيل: من «حور عين» «1»، «كأنهن الياقوت والمرجان» «2»، قال ابن ~~عباس: «لا يعلم معنى الخيرات إلا الله» «3»، (وأولئك هم المفلحون) [88] أي ~~الناجون من عذاب الآخرة. ### || [سورة التوبة (9): آية 89] # أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ms0658 ذلك الفوز العظيم (89) # (أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) ~~[89] أي الثواب الجزيل. ### || [سورة التوبة (9): آية 90] # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) # (وجاء المعذرون) أي الذين يعتذرون ولا عذر لهم من عذر في الشيء إذا قصر ~~فيه، وهؤلاء قوم (من الأعراب) كأسد وغطفان جاؤا إلى رسول الله وقالوا إن ~~لنا عيالا وإن بنا «4» جهدا، فأذن لنا في التخلف (ليؤذن لهم) فيه، فأتوا ~~بالعذر الكاذب وبالغوا فيه (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) وهم منافقون من ~~الأعراب الذين لم يجيئوا إلى رسول الله ولم يعتذروا فظهر بذلك أنهم كاذبون ~~في ادعائهم الإيمان، ثم بين حال الفريقين بقوله (سيصيب الذين كفروا منهم) ~~أي من الأعراب (عذاب أليم) [90] أي وجيع في الدنيا بالقتل وفي الآخرة ~~بالنار. ### || [سورة التوبة (9): آية 91] # ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) # ثم بين حال القاعدين بالعذر الصحيح بقوله (ليس على الضعفاء) أي الشيخ ~~الكبير السن والزمن (ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) في ~~الجهاد (حرج) أي إثم في تخلفهم، قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عدرة «5» (إذا ~~نصحوا) أي أخلصوا الإيمان (لله ورسوله) وأطاعوا أمرهما الإخلاص (ما على ~~المحسنين) أي ليس للمعتذرين الناصحين (من سبيل) أي طريق إلى العقوبة أو إلى ~~العيب للعاتب عليهم، لأن تخلفهم بالعذر (والله غفور) لهم بتخلفهم عن الغزو ~~ومع نبيهم (رحيم) [91] بهم بالإذن فيه. ### || [سورة التوبة (9): آية 92] # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) # (ولا على الذين إذا ما أتوك) أي ولا حرج على الذين إذا جاؤوك (لتحملهم) ~~على الجهاد معك (قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا) أي انصرفوا عنك (وأعينهم ~~تفيض) أي تسيل (من الدمع) الواو للحال، ms0659 و«6» «من» فيه للبيان «7»، وهو في ~~المعنى نصب على التمييز، أي تفيض دمعا (حزنا) مفعول له، أي للحزن قوله (ألا ~~يجدوا) أي لأن لم يجدوا (ما ينفقون) [92] في الجهاد، يتعلق ب «حزنا». # قيل: هم ستة نفر من الأنصار «8»، وقيل: أبو موسى الأشعري مع أصحابه جاؤا ~~إلى النبي عليه السلام وطلبوا ما يحملهم عليه ليغزوا معه فلم يكن عنده ذلك، ~~فرجعوا باكين، فقال تعالى ليس إلى عقوبة هؤلاء سبيل «9». ### || [سورة التوبة (9): آية 93] # إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) # (إنما السبيل) إلى العقوبة (على الذين يستأذنونك) في التخلف (وهم أغنياء) ~~أي ذوو سعة للخروج (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) بالمدينة (وطبع الله على ~~قلوبهم) أي ختمها بقهره (فهم لا يعلمون) [93] ثواب الخروج PageV02P152 # وعقاب التخلف. ### || [سورة التوبة (9): آية 94] # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله ~~من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # ثم أخبر تعالى عن اعتذارهم الكاذب وأمر بجوابه بقوله (يعتذرون) أي يعتذر ~~المنافقون عن تخلفهم عن الخروج إلى الغزو معكم (إليكم إذا رجعتم) من الغزو ~~(إليهم قل) يا محمد (لا تعتذروا) إلينا (لن نؤمن لكم) أي لن نصدقكم أن لكم ~~عذرا في تخلفكم عن الغزو (قد نبأنا الله من أخباركم) أي أيخبرنا عنكم بأنه ~~ليس لكم عذر فيه، فالجملة علة لانتفاء تصديقهم، لأن الإعلام عن سوء ضميرهم ~~وفساد عملهم «1» بالوحي إلى رسول الله يوجب عدم تصديقهم في معاذيرهم (وسيرى ~~الله عملكم) في المستقبل أنكم ترجعون «2» عن نفاقكم أم تثبتون عليه ~~(ورسوله) والمؤمنون، أي وسيراه نبيه وكل من آمن به (ثم تردون) أي ترجعون ~~بعد الموت (إلى عالم الغيب والشهادة) أي إلى من يعلم ما غاب من السر عن ~~الخلق وما شاهدوه من العلانية (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) [94] ~~من الخير والشر في الدنيا، فيجازيكم على حسب ذلك. ### || [سورة التوبة (9): آية 95] # سيحلفون ms0660 بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) # ثم قال تعالى (سيحلفون بالله لكم) أي لطلب رضاكم (إذا انقلبتم) أي إذا ~~رجعتم (إليهم) من الغزو (لتعرضوا عنهم) أي لتجاوزوا عن معاتبتهم (فأعرضوا ~~عنهم) أي فتجاوزوا عن عتابهم «3»، لأن العتاب «4» لا يصلحهم ولا ينفع فيهم ~~(إنهم رجس) أي لأنهم نجس لا سبيل لكم إلى تطهيرهم، قيل: هم كانوا ثمانين ~~رجلا منافقين «5»، فحين قدم النبي عليه السلام إلى المدينة قال لأصحابه: ~~«لا تجالسوهم ولا تكلموهم» «6» (ومأواهم) أي مستقرهم في الآخرة (جهنم جزاء ~~بما كانوا يكسبون) [95] من النفاق وعمل الكفر. ### || [سورة التوبة (9): آية 96] # يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين (96) # ثم جاء عبد الله بن أبي منهم إلى النبي عليه السلام يحلف أن لا يتخلف عن ~~الغزو أبدا، فقال تعالى (يحلفون لكم لترضوا عنهم) أي غرضهم بالحلف طلب ~~رضاكم لينفعهم في دنياهم (فإن ترضوا) أي إن ترض «7» أنت يا محمد والمؤمنون ~~(عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) [96] بالنفاق والكفر والمعصية، ~~وفي هذه الآية دفع وهم من يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله تعالى، ~~المعنى: أن رضا المؤمنين لا ينفعهم إذا كان ساخطا عليهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 97] # الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم (97) # ثم أخبر تعالى عن حال أهل البدو وكان أكثر المنافقين منهم بقوله (الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا) من أهل الحضر لقساوة قلوبهم وتوحشهم وبعدهم عن سماع ~~القرآن والسنن وصحبة العلماء العاملين «8» لله كغطفان وأسد وتميم (وأجدر) ~~أي هم «9» أولى وأحق (ألا يعلموا) أي منافقوهم (حدود ما أنزل الله على ~~رسوله) أي أحكام الله في كتابه وشرائعه، يعني هم أحق بجهلها لعدم نفعها ~~لهم، ومنه قوله عليه السلام: «إن الجفاء والقسوة في الفدادين» «10» (والله ~~عليم) يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر (حكيم) [97] يحكم بعقاب PageV02P153 # مسيئهم وبثواب محسنهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 98] # ومن الأعراب ms0661 من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء ~~والله سميع عليم (98) # (ومن الأعراب من يتخذ) أي يحتسب (ما ينفق) في الجهاد (مغرما) أي غرما ~~وخسرانا لا يحتسب فيه أجرا وثوابا، لأنه لا يعطي إلا خوفا من المسلمين ~~ورياء لا لوجه الله (ويتربص بكم الدوائر) أي ينتظر بكم دائرة الموت ~~والهلاك، قيل: «الدوائر دوائر الزمان، وهي صروفه التي تأتي الإنسان مرة ~~بالخير ومرة بالشر» «1»، فقال تعالى (عليهم دائرة السوء) أي عليهم عاقبة ~~الهلاك وهو دعاء معترض دعي عليهم بمثل ما دعوا به، قرئ بضم السوء وهو ~~العذاب وبالفتح «2» وهو ذم الدائرة، وأجمع القراء على فتح سين امرأ سوء وظن ~~السوء وقوم سوء، لأنه ليس فيها بمعنى العذاب ليضم، بل هو ضد قولك رجل صدق ~~(والله سميع) بما يقولون إذا توجهت الصدقة عليهم (عليم) [98] بحالهم ~~وهلاكهم، وهم الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما، وقيل: غطفان وأسد وتميم «3». ### || [سورة التوبة (9): آية 99] # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99) # (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) وهم مزينة وجهينة وبنو مقرن ~~(ويتخذ) أي يعتقد (ما ينفق) في الجهاد (قربات عند الله) نصبه مفعول ثان ل ~~«يتخذ» و«عند الله» ظرفه، جمع قربة وهي ما يتقرب به إلى الله، أي يجعل ما ~~ينفقه في سبيله سببا لحصول التقربات إليه تعالى (وصلوات الرسول) أي وسببا ~~لحصول الدعوات من الرسول عليه السلام واستغفاره له، لأن الرسول عليه السلام ~~كان يدعو المتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم (ألا إنها قربة لهم) بضم ~~الراء وإسكانها «4»، أي اعلموا أن نفقاتهم في سبيل الله تقرب وفضيلة لهم ~~عند الله حقا، وهو شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقاته ~~قربات وصلوات مع حرف التنبيه المصدر وحرف التحقيق المؤكد المؤذنين بثبات ~~الأمر وتمكنه (سيدخلهم الله في رحمته) أي في جنته (إن الله غفور) لذنوبهم ~~(رحيم) [99] بتكرمتهم في الآخرة. ms0662 ### || [سورة التوبة (9): آية 100] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) # قوله (والسابقون) مبتدأ، والخبر (الأولون) أي السابقون إلى الجنة هم ~~الأولون إلى الهجرة أو الذين صلوا إلى القبلتين (من المهاجرين والأنصار) أو ~~أهل بيعة الرضوان منهم في الحديبية، وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا ~~سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين أو أهل بدر أو كل من صحب النبي ~~عليه السلام أو أول من أسلم كأبي بكر وعلي وخديجة من الأحرار وزيد بن حارثة ~~من العبيد لهم السبق على غيرهم، قوله (والذين) بالواو عطف على «الأولون»، ~~أي والسابقون إلى الجنة أيضا هم الذين (اتبعوهم) على دينهم (بإحسان) أي ~~باحسانهم وهم بقية المهاجرين والأنصار أو جميع من استن بهم إلى يوم ~~القيامة، وقيل: «السابقون الأولون» مبتدأ «5»، والخبر (رضي الله عنهم) ~~بأعمالهم الحسنة (ورضوا عنه) أي عن الله بافاضته عليهم نعم الدنيا والآخرة ~~(وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار) بحذف «من» ونصب «تحت» بنزع «6» الخافض ~~وباثبات «من» «7» كما في PageV02P154 # مصاحف أهل مكة (خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) [100] أي الثواب ~~الوافر. ### || [سورة التوبة (9): آية 101] # وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا ~~تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) # ثم أخبر عن حال المنافقين القاعدين حول المدينة بقوله (وممن حولكم من ~~الأعراب منافقون) وهم جهينة وغفار وأسلم وأشجع، وعن حال المنافقين في ~~المدينة بقوله (ومن أهل المدينة) عطف على «ممن حولكم» الخبر للمبتدأ بعده، ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي ومن أهل المدينة قوم (مردوا) أي استمروا ~~(على النفاق) وتمهروا فيه، يعني استحكم نفاقهم فلا يرجعون عنه إلى الإخلاص ~~بالتوبة (لا تعلمهم) بسبب إيمانهم باللسان (نحن نعلمهم) بما يبطنون في ~~سويدات قلوبهم من النفاق لا نشك فيه، إذ لا يخفى علينا السر والعلانية ~~ونعرفك حالهم (سنعذبهم مرتين) الأولى إخراجهم من المسجد بأسمائهم يوم ~~الجمعة، والثانية عذاب ms0663 القبر، وقيل: القحط والقتل «1»، وقيل: ما يصيبهم «2» ~~في الدنيا والآخرة من المصائب والشدائد «3» (ثم يردون إلى عذاب عظيم) [101] ~~بأن يخلدوا في عذاب جهنم وهو أعظم من كل عذاب. ### || [سورة التوبة (9): آية 102] # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) # قوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) مبتدأ وصفة، وخبره (خلطوا عملا صالحا) وهو ~~توبتهم واعتذارهم الصحيح (وآخر سيئا) عطف على «عملا»، فيكون من قبيل خلطت ~~الماء واللبن، أي جعلت كل واحد منهما مخلوطا بالآخر، ويجوز أن يجعل الواو ~~بمعنى الباء ليظهر المخلوط به الذي يقتضيه الخلط والآخر السيء وهو تخلفهم ~~عن الغزو وهم أوس بن ثعلبة ووديعة بن خزام وأبو لبانة، قيل: «ربط هو نفسه ~~بعمود المسجد، ثم قال والله لا أحل نفسي منه حتى يكون رسول الله عليه ~~السلام هو يحلني، فجاء النبي عليه السلام فحله بيده، ثم قال: يا رسول الله! ~~إن توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت الذنب فيها وأن أنخلع من مالي كله ~~وأجعله صدقة لله تعالى ولرسوله، فقال يجزيك الثلث يا أبا لبانة» «4»، وفي ~~قوله «اعترفوا بذنوبهم» إشارة إلى طلب التوبة منهم فقال تعالى (عسى الله أن ~~يتوب عليهم) وفي ذكر «عسى» من الله دلالة على وجوب أن يتجاوز الله عنهم (إن ~~الله غفور رحيم) [102] يغفر ذنوب التائبين ويرحمهم بقبولهم بالمحبة. ### || [سورة التوبة (9): آية 103] # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله ~~سميع عليم (103) # ثم جاؤا بأموالهم إلى النبي عليه السلام، فقالوا هذه أموالنا فخذها وتصدق ~~بها فانا تخلفنا عنك بسببها فاستكره الأخذ منها، لأنه ما أمر به فنزل «5» ~~(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم) من الذنوب، وهي الصدقة المفروضة وكان هذا ~~ابتداء الفرض (وتزكيهم) أي وتصلح (بها) أعمالهم، لأن بالزكوة تصلح الأعمال ~~للقبول (وصل عليهم) أي ادع لهم واستغفر (إن صلاتك) مفردا وجمعا «6»، أي إن ~~دعواتك «7» عليهم (سكن) أي طمأنينة (لهم) لأنها تؤذن أن الله قد قبل منهم ~~الصدقة والتوبة (والله سميع) ms0664 لاعترافهم بذنوبهم (عليم) [103] PageV02P155 # بما في ضمائرهم من الغم والندم، وقيل: السنة للمصدق «1» أن يدعو لصاحب ~~الصدقة إذا أخذها، قال الشافعي أحب إلي أن يقول له آجرك الله فيما أعطيت ~~وجعله طهورا وبارك لك فيما أبقيت «2». ### || [سورة التوبة (9): آية 104] # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو ~~التواب الرحيم (104) # (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده) إذا تابوا عن الشرك «3» ~~والمعاصي توبة مقرونة بالصحة (ويأخذ الصدقات) أي ويقبلها منهم إذا تصدقوا ~~بخلوص النية فما منعهم عن التوبة والتصدق، قيل: «إن الصدقة تقع في يد الله ~~قبل أن تقع في يد السائل» «4»، يعني يتقبلها ويضاعف عليها، وفي رواية: ~~«فيربيها كما يربي أحدكم فصيله حتى تكون اللقمة مثل أحد» «5»، قوله (وأن ~~الله هو التواب الرحيم) [104] عطف على مفعول «يعلموا»، أي ألم يعلموا أنه ~~هو المتجاوز عن الذنوب بالتوبة لمن تاب الرحيم له بادخاله جنته. ### || [سورة التوبة (9): آية 105] # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # (وقل) لهم يا محمد (اعملوا) خيرا (فسيرى الله عملكم) ويجازيكم به (ورسوله ~~والمؤمنون) ويشهدون لكم يوم القيامة، فلا تغفلوا عن التوبة وعمل الخير، ~~وفيه تهديد وتحذير من عاقبة الإصرار على الكفر وعمل الشر، وأكد ذلك بقوله ~~(وستردون إلى عالم الغيب والشهادة) الذي لا يغرب عن شيء في الأرض ولا في ~~السماء بالبعث يوم القيامة (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) [105] في ~~الدنيا. ### || [سورة التوبة (9): آية 106] # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) # قوله (وآخرون مرجون) بالهمزة وغيره «6»، من أرجأته إذا أخرته، مبتدأ ~~وخبر، أي وقوم آخرون من المتخلفين التائبين مؤخرون عن قبول توبتهم، يعني لم ~~يتبين بالوحي شيء فيهم «7» (لأمر الله) أي لأن يحكم «8» فيهم بما يشاء، ~~فانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في توبتهم (إما يعذبهم) إن لم يتوبوا ~~(وإما يتوب عليهم) أي يقبل توبتهم إن تابوا (والله عليم) بحالهم (حكيم) ~~[106] يحكم بما يشاء فيهم. ms0665 ### || [سورة التوبة (9): آية 107] # والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب ~~الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) # قوله (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) بواو العطف وتركها «9» مبتدأ، وخبره ~~محذوف يقدر بعد من قبل «10»، وهو يعذبون، نزل في جماعة من المنافقين كانوا ~~اثني عشر رجلا «11»، وهم بنو غنم بن عوف بعد ما بنى إخوتهم بنو عمرو بن عوف ~~مسجدا قباء، ودعوا رسول الله إلى مسجدهم ليصلي فيه بهم تبركا، فأتى وصلى، ~~فحسدتهم إخوتهم وقالوا: نبني نحن أيضا مسجدا وندعوا رسول الله ويصلي فيه ~~بنا كما صلى بهم، ثم يصلي بنا فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، وكان ~~النبي عليه السلام سماه فاسقا، وقال لهم: لا تقولوا له راهب ولكن قولوا ~~فاسق، لأنه قد آمن به مرتين، ثم رجع عن الإسلام، وكان قد قال لهم: ابنوا ~~مسجدا فاني ذاهب PageV02P156 # إلى قيصر فآتي بجنود فأخرج محمدا من المدينة «1»، فأتوا رسول الله ~~فاستأذنوه في بناء المسجد تعللا لبعد المسير عليهم إلى الصلوة مع النبي ~~عليه السلام، فأذن لهم في ذلك غرضهم تفريق الجماعة من مسجد النبي عليه ~~السلام والإيقاع بين المؤمنين فتنة وتقوية نفاقهم «2»، فقال تعالى إظهارا ~~لنفاقهم «3» والذين اتخذوا، أي القوم الذين بنوا مسجدا مضرة للمؤمنين ~~(وكفرا) أي وإظهارا لكفرهم المخفي في قلوبهم (وتفريقا بين المؤمنين) من ~~مسجد قباء، يعني لكي يصلي بعضهم في مسجدهم وبعضهم في مسجد قباء فتختلف ~~كلمتهم (وإرصادا) أي انتظارا (لمن حارب الله ورسوله) أي لمنافق كان يقاتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى هزم يوم حنين «4» (من قبل) أي قبل بناء مسجد ~~الضرار «5» وهو الراهب المذكور، ف «من قبل» يتعلق ب «حارب» على هذا المعنى ~~لا ب «اتخذوا»، يعني هم يعذبون بالنار بسبب مسجدهم الذي بنوه وأعدوه «6» ~~لأجله فاذا قدم من الشام يؤمهم ليثبت لهم الفضل على إخوانهم «7»، ويظهر ~~بذلك على رسول الله فيتقوى نفاقهم وكفرهم، فدعا رسول الله عليه فمات كافرا ~~بالشام «8»، فلما ظهر نفاقهم جاؤا ms0666 يحلفون ما أردنا ببنائه إلا خيرا فنزل ~~«9» (وليحلفن إن أردنا) ببناء المسجد (إلا) الفعلة (الحسنى) وهي أن لا ~~تفوتنا الصلوة بالجماعة وليرجع الراهب فيسلم ويصلي بنا ونذكر الله تعالى ~~فيه «10» (والله يشهد إنهم لكاذبون) [107] في حلفهم، قيل: كل مسجد بني ~~مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض غير وجه الله أو بمال غير طيب فهو لا حق ~~بمسجد الضرار «11». ### || [سورة التوبة (9): آية 108] # لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) # ثم أنهم طلبوا من رسول الله عليه السلام حين خرج إلى غزوة تبوك أن يأتي ~~ويصلي بهم فيه ليتبركوا بصلوته، فقال عليه السلام: إنا على جناح سفر فان ~~قدمنا إن شاء الله صلينا لكم فيه فنزل «12» (لا تقم فيه أبدا) للصلوة فيه، ~~ثم قال (لمسجد) مبتدأ موصوف بقوله (أسس) أي أصل (على التقوى) أي على ~~التوحيد «13» ولوجه الله لا على النفاق (من أول يوم) من أيام وجوده (أحق) ~~خبره، أي أولى وأجدر (أن تقوم) أي بقيامك للصلوة (فيه) وهو مسجد رسول الله ~~أو مسجد قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) أي يتوضؤا بالماء أو يتطهروا من ~~الذنوب بالتوبة والعمل الصالح (والله يحب المطهرين) [108] أي المتطهرون ~~بالماء أو بالتوبة. # روي: أن النبي عليه السلام قال: يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم ~~فما الذي تصنعون عند الوضوء والغائظ؟ قالوا: نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ~~ثم نتبع الأحجار الماء، فقرأ عليهم الآية، فهم أول من استنجى بالماء، ثم ~~استن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بالماء «14». ### || [سورة التوبة (9): آية 109] # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) PageV02P157 # (أفمن أسس بنيانه) بالنصب مفعول المعلوم وبالرفع فاعل المجهول «1»، ~~الاستفهام فيه لنفي الاستواء بين الإخلاص والرياء، أي أمن أصل بنيان دينه ~~(على تقوى) بلا تنوين، لأنه فعلى لا ينصرف، وبالتنوين ms0667 إلحاقا بجعفر فالألف ~~للإلحاق لا للتأنيث كتترى على قراءة الصرف «2»، أي على قاعدة قوية (من ~~الله) وهي خشية «3» الله تعالى وتوحيده (ورضوان) أي ورضا منه (خير أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف) بضم الراء وسكونها «4»، أي شفير جانب واد منحفر ~~أصله بجريان الماء فيه، وصفة «جرف» (هار) أي منصدع مائل إلى السقوط، أصله ~~هائر، فقلب إلى هاري فصار كقاض، وهو كناية على أضعف القواعد الذي أسس عليه ~~البنيان (فانهار به) أي سقط معه، من هار يهور أو يهير إذا سقط (في نار ~~جهنم) ومعنى قوله «فانهار به» في نار جهنم أنه لما جعل الجرف الهائر عبارة ~~عن الباطل مجازا قال فانهار به بمعنى فطاح به الباطل وهو الكفر في قعر جهنم ~~(والله لا يهدي القوم الظالمين) [109] أنفسهم بكفرهم ونفاقهم. # روي: أنه عليه السلام أرسل بعد رجوعه من تبوك وحشيا قاتل حمزة بجماعة ~~فحرقوا مسجدهم وهدموه وتفرق أهله وجعل مكانه كناسة تلقي فيه الجيف «5»، ~~قيل: حفرت بقعة من مسجد الضرار فرئي الدخان يخرج منه «6». ### || [سورة التوبة (9): آية 110] # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) # (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة) أي شكا في الدين ونفاقا (في قلوبهم) ~~فريبة، نصب ب «لا يزال» خبرا، أي لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوه بسبب شك ~~ونفاق زائد «7» على شكهم ونفاقهم لا ينقطع وسمه عن قلوبهم، لأنهم غافلون ~~«8» من ذلك فزاد مقتهم للإسلام وصمم النفاق في قلوبهم لا يخرج منها (إلا أن ~~تقطع قلوبهم) بفتح التاء معلوما، والفعل للقلوب أي تتصدع وتتفرق أجزاء ~~فيخلصون عنه، لأنها ما دامت سالمة لا يضمحل عنها الريبة أو إلا أن تقطع ~~قلوبهم ندما على تفريطهم فيتوبوا، وبضم التاء «9» ورفع «قلوبهم» مجهولا ~~والفعل لغير القلوب (والله عليم) بنياتهم (حكيم) [110] حكم بهدم بنيانهم ~~الضرار. ### || [سورة التوبة (9): آية 111] # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى ms0668 بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) # (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) التي هو خلقها (وأموالهم) التي رزقها ~~لهم (بأن لهم الجنة) أي طلب الله منهم أن يفدوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا ~~إلى الغزو وليثيبهم الجنة، نزل حين بايع رسول الله عليه وسلم الأنصار ليلة ~~العقبة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأن ينصروه ويمنعوه مما يمنعون ~~منه أنفسهم وأموالهم، ولهم الجنة إن وفوا بذلك فقبلوا، وقالوا: لا نقيل ولا ~~نستقيل «10»، يعني لا ننصرف من هذه البيعة ولا نطلب انصراف أحد منها. # (يقاتلون) أي حال كونهم يجاهدون أعداء الله ورسوله (في سبيل الله) أي في ~~دينه (فيقتلون) معلوما PageV02P158 # (ويقتلون) مجهولا وبالعكس «1»، فان قتل بعضهم قاتل من بقي منهم (وعدا ~~عليه) مصدر مؤكد (حقا) صفته، أي وعد الله للمجاهدين في سبيله وعدا ثابتا ~~(في التوراة والإنجيل والقرآن) يعني لا في القرآن وحده، وهذا دليل على أن ~~الجهاد كان في شرائع المتقدمين على هذه الأمة (ومن أوفى بعهده من الله) ~~مبتدأ وخبر، وفيه «2» استفهام على سبيل الإنكار، أي ليس أحد أوفى من الله ~~في عهده وشرطه، وفيه ترغيب في الجهاد أشد ترغيب وأبلغ، لأن إخلاف الوعد ~~قبيح من كرام المخلوقين ومستحيل من الله الغني الذي لا يجوز عليه فعل ~~القبيح، ثم قال (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به) إعلاما لهم بأنهم ربحوا ~~في تجارتهم ربحا وافرا يدل عليه قوله (وذلك هو الفوز العظيم) [111] أي ~~البيع الذي بايعتم به مع الله هو الثواب الجزيل والنجاة الوافرة يوم ~~القيامة. ### || [سورة التوبة (9): آية 112] # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) # قوله (التائبون) رفع على المدح بالابتداء والخبر محذوف، أي هم التائبون، ~~يعني المؤمنين المذكورين أو «التائبون» مبتدأ والخبر «3» (العابدون) أي ~~التائبون من الذنوب والكفر والنفاق هم الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له ~~العبادة وحرضوا الناس عليها، قوله (الحامدون) وما بعده من المرفوعات خبر ~~بعد خبر، أي التائبون على الحقيقة هم الجامعون ms0669 لهذه الأوصاف وهي العابدون ~~المخلصون الحامدون لله على كل حال من السراء والضراء (السائحون) أي الذين ~~يصومون شهر رمضان، والسيح في الأصل السير في الأرض وسموا بذلك، لأن السائح ~~يكون ممنوعا من الشهوات واللذات المطعم والمشرب والمنكح، قال عليه السلام: ~~«سياحة أمتي الصوم» «4»، وقيل: «هم السائرون لطلب العلم للعمل في مظانه» ~~«5» أو إلى الغزو في سبيل الله «6» (الراكعون الساجدون) في الصلوة ~~المفروضة، والمراد المحافظون على الصلوات الخمس (الآمرون بالمعروف) أي ~~بالتوحيد وبأعمال الخير (والناهون عن المنكر أي عن الشرك والنفاق والأعمال ~~الخبيثة في الشرع، ودخول الواو فيه ليدل على أن السبعة عندهم عقد تام أو هي ~~الواو الداخلة بين الضدين (والحافظون لحدود الله) أي العاملون بفرائضه ~~ويداومون عليها (وبشر المؤمنين) [112] أي المصدقين العاملين بهذه الشروط أن ~~لهم الجنة وإن لم يجاهدوا. ### || [سورة التوبة (9): آية 113] # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) # قوله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) الآية نزل نهيا ~~للمؤمنين عن الاستغفار للمشركين، حين سمع علي بن أبي طالب رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان فمنعه عن ذلك، فقال الرجل ألم يستغفر إبراهيم لأبويه ~~وهما مشركان؟ قال علي رضي الله عنه: فذكرت ذلك للنبي عليه السلام فأوحي ~~إليه ما جاز للنبي والمؤمنين الاستغفار للمشركين «7» (ولو كانوا أولي قربى) ~~أي ذوي قرابة في الرحم (من بعد ما تبين) أي ظهر (لهم) أي للمؤمنين (أنهم) ~~أي المشركين (أصحاب الجحيم) [113] أي أهل النار بالاستحقاق إذا ماتوا على ~~الكفر، وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: «استأذنت ربي أن أستغفر ~~لوالدي فلم يأذن لي واستأنته أن أزور قبرهما فأذن لي» «8» فنزلت الآية. PageV02P159 ### || [سورة التوبة (9): آية 114] # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم (114) # ثم قال تعالى بيانا لعذر إبراهيم في الاستغفار لأبيه (وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) أي ms0670 أباه بقوله «لأستغفرن لك إن ~~تؤمن»، ووعدها أبوه إبراهيم وهي أن يسلم وكان إبراهيم يستغفر له رجاء أن ~~يؤمن، لأن العقل لا يأباه (فلما تبين له) أي ظهر لإبراهيم بالوحي (أنه عدو ~~لله) حين مات على الكفر (تبرأ منه) أي أعرض عن الاستغفار لأبيه آزر بعد ~~موته على الكفر (إن إبراهيم لأواه) أي كثير الدعاء ملح فيه أو كثير التأوه، ~~يعني كان يقول «آه» تضرعا وخشوعا، وأصل الأوه الرجوع في الشيء والتردد فيه ~~(حليم) [114] أي متجاوز عن جهل الجاهل وذنب من أساء له. ### || [سورة التوبة (9): آية 115] # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل ~~شيء عليم (115) # قوله (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم) الآية نزل بيانا لعذر من خاف ~~المؤاخذة في عمل الأشياء المباحة بالعقل قبل ورود النهي عنه «1» كشرب الخمر ~~والصلوة إلى القبلة الأولى وبيع الصاع بالصاعين والاستغفار للمشركين قبل ~~التحريم حين سألوا النبي عليه السلام عنها، فقال تعالى لم يكن الله أن يحكم ~~بضلالة قوم وخذلانهم ويعاقبهم على ذنب لا يعرف بالعقل بعد زمان هدايتهم ~~للإسلام (حتى يبين لهم) أي يعلمهم (ما يتقون) أي الذي يجب اتقاؤه للنهي، ~~فاذا أعلمهم بأنه ذنب يؤاخذهم الله «2» لو يقدموا «3» على ارتكابه، وأما ~~قبل الإعلام بذلك فلا يخذلهم ولا يؤاخذهم، قيل: في هذه الآية دلالة على أن ~~المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الله داخل في حكم الإضلال ~~والخذلان «4» (إن الله بكل شيء عليم) [115] مما يصلح للخلق وما لا يصلح لهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 116] # إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) # (إن الله له ملك السماوات والأرض) يحكم في أهلهما بما يشاء فيأمر بشيء، ~~ثم يأمر بغيره ويقر ما يشاء ثبوته فلا ينسخه (يحيي ويميت) أي شأنه الإحياء ~~والإماتة في الدنيا (وما لكم من دون الله) أي من غيره (من ولي) أي قريب ~~ينفعكم شيئا من عذاب الله (ولا نصير) [116] أي ms0671 مانع يمنعكم منه، وفيه ترغيب ~~في الجهاد كيلا يمتنعوا عنه حذر الموت والقتل. ### || [سورة التوبة (9): آية 117] # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم (117) # قوله (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) نزل حين أذن النبي ~~عليه السلام للمنافقين في التخلف «5»، فقال تعالى عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم، فكأنه قال أخطأت في هذا الأذن ومال الفريقان إلى التخلف عن الذهاب معه ~~في الطريق إلى غزوة تبوك لشدة الحر وقلة الزاد والماء والظهر، أي تجاوز ~~الله عن خطأ النبي عليه السلام وعن ذنوبهم لما أصابهم من الشدة في ذلك ~~الطريق، ثم وصفهم بقوله (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) أي في وقت الشدة ~~لغزوة تبوك، وسموا «6» جيش العسرة لقلة الظهر، قيل: كان العشرة يعتقبون على ~~البعير الواحد «7» ولقلة الزاد والماء وشدة الحر حتى كاد تنقطع أعناقهم ~~عطشا فاتبعوا النبي عليه السلام في ذلك الوقت PageV02P160 # (من بعد ما كاد) فاعله ضمير الشأن، أي قرب الشأن (يزيغ) بالياء والتاء ~~«1»، أي من أن تميل (قلوب فريق منهم) أي من الذين اتبعوه في تلك الغزوة «2» ~~إلى التخلف (ثم تاب عليهم) أي تجاوز عنهم بتوبتهم وكرر تاب لتأكيد التوبة ~~عليهم (إنه بهم رؤف رحيم) [117] تعليل للتوبة معنى، أي تاب عليهم لغاية ~~رأفته ورحمته بهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 118] # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو ~~التواب الرحيم (118) # (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) أي لقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم ~~الشيطان عن الغازين بالمدينة، وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ~~الربيع قعدوا في المدينة عن غزوة تبوك (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) ~~أي برحبها، يعني مع سعتها (وضاقت عليهم أنفسهم) أي قلوبهم لا يسعها أنس ~~بشيء ولا يلحقها سرور ما لتأخير «3» توبتهم، ms0672 لأن النبي عليه السلام أخر ~~توبتهم حتى نزلت بعد خمسين يوما من انصرافه من تبوك «4» (وظنوا) أي وأيقنوا ~~(أن لا ملجأ من الله) أي لا مفر ولا منجأ من عذابه (إلا إليه) أي إلى الله ~~بالتوبة والاستغفار (ثم تاب) الله (عليهم ليتوبوا) أي أكرمهم بتوفيق التوبة ~~لكي يرجعوا عن فعلهم السوء مرة بعد مرة ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا أو ~~ليتوبوا أيضا فيما يستقبل إن وقعت منهم خطيئة علما منهم أن الله يقبل توبة ~~من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة أو ليتوب الناس بعدهم ويقتدوا بهم (إن ~~الله هو التواب) يقبل التوبة من التائب (الرحيم) [118] يرحمه بعد التوبة ~~بالمغفرة ودخول الجنة. # قال كعب بن مالك لما رجع النبي عليه السلام من غزوة تبوك إلى المدينة: ~~جئت إليه وسلمت عليه، فرد علي كالمغضب فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من ~~قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلة أمرنا النبي عليه السلام أن نعتزل ~~نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بناداء من ذروة شلع اسم ~~الشجرة، أبشر يا كعب فخررت ساجدا وكنت كما وصفني ربي في كلامه فانطلقت إلى ~~رسول الله في المسجد وحوله المسلمون، فقال أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك ~~منذ ولدتك أمك، ثم تلا علينا الآية سئل عن أبي بكر الوراق ما التوبة ~~النصوح؟ فقال: أن يضيق على التائب الأرض بما رحبت ويضيق عليه نفسه كتوبة ~~كعب بن مالك وصاحبيه. ### || [سورة التوبة (9): آية 119] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (119) # ثم خاطب المنافقين توبيخا لهم بنفاقهم بقوله (يا أيها الذين آمنوا) ~~باللسان واعتذروا بالكذب (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [119] أي الذين ~~صدقوا في إيمانهم وصدقوا الله نية وقولا وعملا، وهم الثلثة الذين صدقوا في ~~إيمانهم وتوبتهم، وقيل: «هم المهاجرون والأنصار الذين صلوا إلى القبلتين» ~~«5»، وقيل: هم الخلفاء الراشدون «6»، وقيل: «خطاب لمن أسلم من أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى» «7»، قيل: «لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد ~~أحدكم صبيه ثم ms0673 لا يفي له، دل عليه قوله «وكونوا مع الصادقين» «8». ### || [سورة التوبة (9): آية 120] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) # قوله (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب) نزل في المنافقين الذين ~~يتثاقلون عن الخروج إلى الغزو PageV02P161 # مع رسول الله عليه السلام «1»، وهو في معنى النهي عن التخلف، أي لا يكن ~~لأهل المدينة والذين حول المدينة (أن يتخلفوا) في الجهاد (عن رسول الله) ~~وأن يكونوا أبر وأشفق بأنفسهم من نفس محمد عليه السلام وأن يتركوا محبته، ~~بل ينبغي أن يلقوا أنفسهم في الشدائد كما يلقي نفسه علما منهم بأن نفسه أعز ~~نفس عند الله، فاذا تعرضت للخوض في شدة مع كرامتها وعزتها عنده وجب على ~~سائر النفوس أن تتهافت فيما تعرضت نفسه (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) أي لا ~~يختاروا بقاء أنفسهم على بقاء نفسه في الشدائد، بل يتبعوه حيث ما يريد ~~(ذلك) أي النهي عن التخلف (بأنهم) أي بسبب أنهم (لا يصيبهم ظمأ) أي عطش ~~(ولا نصب) أي ولا تعب (ولا مخمصة) أي جوع (في سبيل الله ولا يطؤن موطئا) أي ~~لا يدوسون «2» أرضا من أراضي الكفار من سهل أو جبل (يغيظ) أي يحزن (الكفار ~~ولا ينالون) أي ولا يصيبون (من عدو نيلا) أي مصيبة من قتل أو غارة أو هزيمة ~~(إلا كتب لهم به) أي بكل واحد منها (عمل صالح) أي ثوابه (إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين) [120] أي لا يبطل ثواب المجاهدين بالإخلاص، فيه دليل على أن ~~ما أصاب الرجل في دين الله من الشدة يكتب له بذلك أجر، وبه استدل أبو حنيفة ~~على أن المدد القادم بعد انقضاء المحاربة يشارك الجيش في الغنيمة «3»، لأن ~~وطء ديارهم يغيظهم، وعند الشافعي لا يشاركهم ms0674 فيها إلا بالحرب «4». ### || [سورة التوبة (9): آية 121] # ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم ~~الله أحسن ما كانوا يعملون (121) # ثم قال (ولا ينفقون نفقة صغيرة) كتمرة ولقمة وعلاقة سوط في الجهاد (ولا ~~كبيرة) كما أنفق عثمان رضي الله من الجمال المجهزة وكانت ثلثمائة (ولا ~~يقطعون واديا) من الأودية بالدواب والمشي في طريق الغزو ومقبلين أو مدبرين ~~(إلا كتب لهم) ثواب ذلك (ليجزيهم الله) يوم القيامة (أحسن ما كانوا يعملون) ~~[121] لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يدرك حسابه. ### || [سورة التوبة (9): آية 122] # وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) # قوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) نزل حين وبخهم الله على ترك النفير ~~إلى الجهاد، فاذا أرسل الرسول عليه السلام سرية إلى الغزو نفروا جميعا ~~وتركوا الرسول عليه السلام وحده بالمدينة «5»، فقال تعالى لا ينبغي ~~للمؤمنين أن ينفروا جميعا، فاللام زائدة لتأكيد نفي النفير بأسرهم، ~~و«ينفروا» خبر «كان» المنفي، وإذا كان نفير الكل عن أوطانهم غير ممكن لأجل ~~النبي عليه السلام (فلو لا نفر) أي فهلا خرج (من كل فرقة) أي من كل جماعة ~~«6» كثيرة (منهم) أي من المؤمنين (طائفة) أي جماعة يسيرة إلى الغزو في دين ~~الله ويقيم مع النبي طائفة أخرى منهم (ليتفقهوا في الدين) أي ليتعلموا «7» ~~الشرائع والأحكام في دين الله من النبي عليه السلام (ولينذروا) أي وليخوفوا ~~ويعظوا (قومهم إذا رجعوا) أي إذا رجع السرايا من الغزو (إليهم) أي إلى ~~الطائفة القاعدة الذين تعلموا القرآن النازل على النبي بعدهم، فيعلمونهم ~~إياه ويقولون إن الله أنزل على نبينا بعدكم كذا وكذا (لعلهم يحذرون) [122] ~~أي يتعظون بما أمروا به ونهوا عنه، ويخافون عقاب الله فيعملون به لا ~~بخلافه، وفيه دليل على أن أخبار الآحاد مقبولة يجب العمل بها، لأن لفظ ~~«الطائفة» يتناول الواحد فما فوقه، وقيل: نزلت الآية تحريضا للمؤمنين أن ~~ينفروا عن أوطانهم لطلب العلم ms0675 النافع بصدق نية وغرض صحيح «8»، وهو إنذار قومهم PageV02P162 # وإرشادهم إلى الصواب والنصيحة لهم لا قصد التصدر والترؤس في البلاد ~~وتحصيل الملابس والمراكب والعبيد والإماء ومناقشة بعضهم بعضا بواسطة العلم ~~فيحرمون بذلك عن ثواب الآخرة ويعذبون بعذاب النار. ### || [سورة التوبة (9): آية 123] # يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~واعلموا أن الله مع المتقين (123) # قوله (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) نزل لقتال ~~الأقرب فالأقرب منهم «1»، أي قاتلوا من حولكم ويقربكم من العدو كبني قريظة ~~والنضير وفدك وخبير وغيرهم من المشركين فهو عام في ذلك، يعني القتال مع ~~جميع الكفار قريبهم وبعيدهم واجب، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب، وهكذا المفروض ~~على كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطر إليهم أهل ناحية أخرى ~~(وليجدوا فيكم غلظة) أي شدة وشجاعة وجفوة (واعلموا أن الله مع المتقين) ~~[123] بالنصر والعون على عدوهم إذا اتقوا عن الترأف «2» عليهم بالنفاق «3». ### || [سورة التوبة (9): آية 124] # وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) # ثم بين تفاوت الحال بين المخلصين والمنافقين في نزول القرآن فقال (وإذا ~~ما أنزلت سورة) من القرآن (فمنهم) أي من المنافقين (من يقول) بعضهم لبعض ~~(أيكم) مبتدأ، خبره (زادته هذه) السورة (إيمانا) أي يقينا وتصديقا إنكارا ~~بالسورة واستهزاء بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم بالوحي ~~والعمل به، فقال تعالى (فأما الذين آمنوا) بالله، وهم أصحاب محمد عليه ~~السلام (فزادتهم) هذه السورة (إيمانا) أي تصديقا بهذه السورة «4» مع ~~تصديقهم بالله (وهم يستبشرون) [124] أي يفرحون بما أنزل من القرآن. ### || [سورة التوبة (9): آية 125] # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) # (وأما الذين في قلوبهم مرض) أي شك ونفاق (فزادتهم) هذه السورة (رجسا إلى ~~رجسهم) أي كفرا إلى كفرهم وإثما إلى إثمهم، فتضاعف عقابهم، وأصل الرجس ~~النتن (وماتوا وهم كافرون) [125] في الحقيقة وإن كانوا مؤمنين صورة لثبوت ~~الكفر في سرهم. ### || [سورة التوبة (9): آية 126] # أولا يرون أنهم يفتنون ms0676 في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون (126) # (أولا يرون) بالياء إخبارا عن المنافقين، أي أيشكون في الإيمان بالله ~~ورسوله ولا يرون (أنهم يفتنون) أي يبتلون بالمرض والقحط وغيرهما من بلاء ~~الله، وبالتاء خطابا «5» للمؤمنين، أي ألا ترون أنهم يختبرون (في كل عام ~~مرة أو مرتين) بسبب نفاقهم وكفرهم (ثم لا يتوبون) من نفاقهم (ولا هم ~~يذكرون) [126] أي يتعظون فيؤمنون. ### || [سورة التوبة (9): آية 127] # وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) # (وإذا ما أنزلت سورة) من القرآن فيها عيب المنافقين (نظر بعضهم) أي بعض ~~المنافقين «6» (إلى بعض) ويتغامزون يريدون الهرب يقولون (هل يراكم من أحد) ~~أي أحد من أصحاب النبي عليه السلام (ثم انصرفوا) عن مكانهم بالخروج من ~~مجلسه (صرف الله قلوبهم) عن الإيمان وخذلهم عن الفهم بالقرآن (بأنهم) أي ~~بسبب أنهم (قوم لا يفقهون) [127] أي لا يتدبرونه حتى يفقهوا، وقيل: صرف ~~الله قلوبهم دعاء عليهم بالخذلان وصرف الانشراح الذي يكون في قلوب أهل ~~الإيمان «7». PageV02P163 ### || [سورة التوبة (9): آية 128] # لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم (128) # ثم خاطب جميع العرب من أهل مكة وغيرهم بقوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) ~~أي من جنس العرب، لأنه لم يكن قبيلة في العرب إلا وله فيها قرابة، أي لقد ~~ظهر فيكم رسول عربي مثلكم «1» بشرا (عزيز) أي شديد (عليه ما عنتم) أي أثمتم ~~وعصيتم، والعنت دخول الضيق في القلب (حريص عليكم) بالهدى لئلا ترجعوا عن ~~اتباعه في دين الإسلام (بالمؤمنين رؤف) أي رقيق قلبه لجميع المؤمنين (رحيم) ~~[128] بهم ليدخلوا الجنة ويأمنوا من العذاب الأليم. ### || [سورة التوبة (9): آية 129] # فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) # ثم قال تعالى للنبي عليه السلام (فإن تولوا) أي إن أعرضوا «2» عن الإيمان ~~بعد دعوتك إياهم إليه (فقل حسبي الله) أي كفاني الله بالحفظ والنصرة (لا ~~إله إلا ms0677 هو) أي لا معبود لي أعتمد عليه إلا هو (عليه توكلت) أي ثقت به لا ~~بغيره (وهو رب العرش العظيم) [129] أي خالق السرير الذي هو أعظم من السموات ~~والأرض، لا ينازعه فيه غيره فهو ناصر «3» عليكم. # روي عن أبي أنه قال «4»: آخر ما نزل «لقد جاءكم رسول» إلى آخر السورة ~~«5»، وعن النبي عليه السلام أنه قال: «ما نزل على القرآن إلا آية آية وحرفا ~~حرفا ما خلا سورة براءة و«قل هو الله أحد»، فانهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ~~ألف صف من الملائكة» «6». PageV02P164 ### | سورة يونس # مكية إلا آية وهي «ومنهم من يؤمن به» «1»، فانه مدني، روي كذا عن ابن ~~عباس رضي الله عنه «2». # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة يونس (10): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) # قرئ (الر) بالفتح وبالإمالة وبين بين «3»، ومعناه أنا الله الرائى أو ~~الرقيب «4». # قيل: لما ختم سورة التوبة بذكر النبي عليه السلام ووصفه بالرسالة وإظهار ~~حرصه على أهل مكة بالإيمان به واتباعهم في دينه افتتح هذه السورة بما فيه ~~دلالة على صدق رسالته ووجوب اتباعه بوحي الكتاب إليه، فقال الر (تلك) أي ~~هذه السورة (آيات الكتاب) أي القرآن (الحكيم) [1] أي المحكم من الكذب ~~والباطل أو الحاكم بالحلال والحرام أو على الكتب كلها بالصدق. ### || [سورة يونس (10): آية 2] # أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ~~أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) # قوله (أكان للناس عجبا) الهمزة فيه لإنكار التعجب من أهل مكة الذين ~~أنكروا نبوته وتعجبوا من بعثته روسولا إليهم من بينهم، و«عجبا» خبر «كان» ~~و«للناس» حال منه تقدم «5» عليه لنكارته، واسم «كان» (أن أوحينا) أي أصار ~~إيحاؤنا لأهل مكة تعجبا (إلى رجل منهم) وهو محمد عليه السلام واصطفاؤنا ~~إياه بالرسالة دون عظيم من عظمائهم (أن) مفسرة، لأن الإيحاء في معنى القول ~~أو معناه أن الشأن قولنا (أنذر الناس) ف «أن» مخففة من الثقيلة بتقدير أنه، ~~أي خوفهم بما في الكتاب من ms0678 الوعيد (وبشر الذين آمنوا) بما فيه من الثواب في ~~الجنة وهو معنى قوله (أن لهم قدم صدق) أي منزلة رفيعة سابقة (عند ربهم) أو ~~قدم صدق ما قدموه من أعمالهم الصالحة بين أيديهم، وقيل: «هو شفاعة محمد ~~عليه السلام» «6»، وقيل: هو السعادة السابقة لهم «7»، قيل: إنهم كانوا ~~يتعجبون ويقولون ابعث الله بشرا رسولا معه كتاب من السماء «8» (قال ~~الكافرون إن هذا) أي الكتاب وما جاء به محمد (لساحر مبين) [2] أي ظاهر بين، ~~وقرئ «لساحر» «9»، أي هذا الرجل الذي يقرأ الكتاب المعجز على «لساحر» يظهر ~~لكل أحد له عقل، وفيه تعزية للنبي عليه السلام أن يصبر على أذاهم وتنبيه ~~لمن بعده أن PageV02P165 # يأمر وينهى ولا يتأذى مما يسمع عليه من المكروه. ### || [سورة يونس (10): آية 3] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) # ثم أمرهم بالتوحيد والطاعة وترك الشرك وعبادة الأوثان بقوله (إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى) أي استولى وعلا (على ~~العرش يدبر الأمر) أي يقضي أمر الخلق بأن يرزقهم في الدنيا مدة حياتهم وبأن ~~يحاسبهم في الآخرة على أعمالهم من الخير والشر (ما من شفيع) يشفع لأحد يوم ~~القيامة (إلا من بعد إذنه) في الشفاعة، وهو نزل ردا لزعم الكفار بأنهم ~~كانوا يقولون عند عبادتهم الأصنام، والملائكة هم شفعاؤنا عند الله «1» ~~(ذلكم الله ربكم) أي الذي يفعل هذه الأشياء من خلق الأجرام العظام وتدبير ~~الخلق فيهن، هو خالقكم ورزقكم الذي يستحق العبادة منكم (فاعبدوه) أي وحدوه ~~وأطيعوه دون غيره (أفلا تذكرون) [3] بالتشديد والتخفيف «2»، أي أتغفلون عنه ~~فلا تتعظون بتذكيره لئلا تعبدوا من لا يقدر على شيء ولا يملكه. ### || [سورة يونس (10): آية 4] # إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم ~~بما كانوا يكفرون (4) # (إليه مرجعكم) أي إلى ms0679 الله مصيركم يوم القيامة (جميعا) أي مجموعين لا إلى ~~غيره للحساب والجزاء (وعد الله حقا) أي وعدكم الله الرجوع إليه وعدا كائنا ~~بالصدق (إنه) استئناف بالكسر في معنى التعليل تحقيقا للرجوع إليه، أي لأن ~~الله (يبدؤا الخلق) أي يخلقهم ابتداء (ثم يعيده) أي يحييهم بعد الموت ~~(ليجزي) أي ليثيب (الذين آمنوا) بالبعث بعد الموت (وعملوا الصالحات بالقسط) ~~أي بالعدل، ففيه تفضيل المؤمنين على الكافرين، يدل عليه قوله (والذين كفروا ~~لهم شراب من حميم) أي من ماء حار شديد الحرارة (وعذاب أليم) أي وجيع (بما ~~كانوا يكفرون) [4] برسالة محمد والكتاب الذي معه. ### || [سورة يونس (10): آية 5] # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) # ثم أخبر عن عظيم قدرته وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة التي توجب لهم أن لا ~~يعبدوا غيره بقوله (هو الذي جعل الشمس ضياء) جمع ضوء كسوط وسياط أو مصدر ~~وصف به، فياؤه من الواو لانكسار ما قبلها، أي جعلها ذات ضياء بالنهار، وقرئ ~~بهمزتين بينهما ألف «3»، ووزنه فلاع بالقلب المكاني (والقمر نورا) أي ذا ~~نور بالليل، والضياء أقوى من النور وأثبت وأنفع، لأن الشمس تضيء بالذات دون ~~القمر (وقدره) أي وقدر له (منازل) أو جعله ذا منازل، ولم يقل قدرهما اكتفاء ~~بذكر أحدهما، فان المنازل تنصرف «4» إليهما وقيل: تنصرف إلى القمر خاصة، ~~لأن بالقمر يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، وينزل القمر كل ليلة ~~منزلا من منازله التي هي ثمانية وعشرون منزلا فيستتر ليلتين إن كان الشهر ~~ثلاثين ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعة وعشرين فيكون انقضاء الشهر مع ~~نزوله تلك المنازل، ويكون مقام الشمس في كل منزل لها ثلاثة عشر يوما فيكون ~~انقضاء السنة مع انقضاء تلك الأيام في كل منزل لها «5»، فقوله (لتعلموا) ~~علة لتقدير منازل القمر، أي قدر الله المنازل للقمر لتعرفوا بذلك (عدد ~~السنين والحساب) أي حساب الشهور والأيام والساعات (ما خلق الله ذلك) أي ~~التقدير أو المذكور لا ms0680 الأعيان وإلا لقال تلك (إلا بالحق) أي ملتبسا بالحق ~~الذي هو الحكمة البالغة، PageV02P166 # يعني لم يخلقه عبثا، بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته (يفصل الآيات) ~~بالنون لالتفات «1» للتعظيم وبالياء غيبة «2»، أي يبين «3» آيات القرآن ~~(لقوم يعلمون) [5] أي يفهمون بالعقل والتمييز فيؤمنون. ### || [سورة يونس (10): آية 6] # إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم ~~يتقون (6) # قوله (إن في اختلاف الليل والنهار) نزل حين قال أهل مكة للنبي عليه ~~السلام إئتنا بعلامة ظاهرة كما أتى بها النبيون من قبلك لنؤمن «4» بك «5»، ~~فقال تعالى: إن في مجيئ الليل وذهاب النهار وعكس ذلك (وما خلق) أي وفيما ~~خلق (الله في السماوات والأرض) من العجائب النيرات وغيرها (لآيات) أي ~~لعلامات وعبرات (لقوم يتقون) [6] الله وعذابه، وخص المتقون بالذكر، لأنهم ~~يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى النظر في خلق الله تعالى فيؤمنون. ### || [سورة يونس (10): آية 7] # إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) # ثم بين حال الغافلين عن العاقبة بقوله (إن الذين لا يرجون لقاءنا) أي لا ~~يخافون سوء العاقبة لإنكارهم البعث بعد الموت الذي هو سبب لقاء الله أو لا ~~يأملون ثوابنا في الآخرة لذلك (ورضوا بالحياة الدنيا) أي اختاروا القليل ~~الفاني على الكثير الباقي (واطمأنوا بها) أي سكنوا فيها سكون من لا يزعج ~~عنها «6» فبنوا «7» شديدا وأملوا بعيدا (والذين هم عن آياتنا) أي عن القرآن ~~ومحمد (غافلون) [7] أي معرضون أو عن أدلتنا ذاهلون فلا يعتبرون. ### || [سورة يونس (10): آية 8] # أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) # (أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات (مأواهم النار بما كانوا يكسبون) [8] ~~من الكفر والتكذيب. ### || [سورة يونس (10): آية 9] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم (9) # ثم بين ما أعده للمؤمنين الصالحين بقوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم) أي يرشدهم (ربهم) على الصراط إلى الجنة بأن يجعل لهم نورا يمشون به ~~على الصراط إلى دخول الجنة، قال عليه السلام: # «إن المؤمن إذا خرج من ms0681 قبره صور له عمله في صورة حسنة، فيقول: أنا عملك ~~فيكون له نورا قائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في ~~صورة سيئة فيقول له: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار» «8» قوله ~~(بإيمانهم) أي بسبب تصديقهم آياتنا في الدنيا المقرون به العمل الصالح، ~~يتعلق ب «يهديهم»، وقوله (تجري من تحتهم الأنهار) جملة حالية من ضمير ~~«يهديهم»، أي حال كونهم تجري بين أيديهم الأنهار بأمرهم متنعمين (في جنات ~~النعيم) [9] لا يخرجون عنها. ### || [سورة يونس (10): آية 10] # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) # (دعواهم) أي دعاؤهم وقولهم (فيها) أي في جنات النعيم (سبحانك اللهم) أي ~~ننزهك تنزيها عما لا يليق بعظمتك وجلالك، قيل: إنهم يلهمون التسبيح عند ~~دخولهم الجنة كما يلهمون النفس «9»، وقيل: سبحانك اللهم علامة بينهم وبين ~~خدامهم، قالوه إذا طلبوا مأكلا من مآكل الجنة فيجيئون بما يشتهون ويصنعون ~~بين أيديهم على الموائد، كل مائدة ميل في ميل، وعلى كل مائدة سبعون ألف ~~صحفة، في كل صحفة لون من PageV02P167 # الطعام لا يشبه بعضه بعضا «1» (وتحيتهم فيها سلام) أي يأتيهم الملائكة به ~~من ربهم أو يحييهم الملائكة به أو يحيي بعضهم بعضا بالسلام (وآخر دعواهم) ~~بعد التسبيح «2» (أن الحمد لله رب العالمين) [10] قالوه تلذذا وسرورا على ~~ما أكرمهم بأنواع الكرامات وأعطاهم «3» من الخيرات، وأصله أنه الحمد لله ~~على أن الضمير للشأن لكون «أن» مخففة من الثقيلة. ### || [سورة يونس (10): آية 11] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) # (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير) نزل في أهل مكة حين ~~استعجلوا العذاب بقولهم اللهم أمطر علينا حجارة من السماء إن كان القرآن ~~حقا «4»، فقال تعالى لو عجل الله للناس في استجابة دعائهم في الشر تعجيلا ~~مثل استعجالهم بالخير، يعني كما يحبون أن يستجاب لهم ما طلبوا من الخير ~~(لقضي إليهم أجلهم) أي لأميتوا وأهلكوا في الدنيا، قرئ «قضي» مجهولا ورفع ~~«الأجل»، ms0682 ومعلوما ونصبه «5»، المعنى: أنا لا نعجل للناس الشر بدعائهم «6» ~~فلا نقضي لهم أجلهم بل نمهلهم (فنذر) عطف على المقدر، أي نترك «7» (الذين ~~لا يرجون لقاءنا) أي لا يخافون البعث بعد الموت (في طغيانهم) أي في ضلالتهم ~~مع إفاضة النعم عليهم إلزاما للحجة واستدراجا في العذاب (يعمهون) [11] أي ~~يترددون متحيرين، وإنما عطف «8» «فنذر» على محذوف لا على «يعجل»، لأن الترك ~~وقع والتعجيل لم يقع كما اقتضته «لو». ### || [سورة يونس (10): آية 12] # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) # ثم بين حال الإنسان الغير الصابر فقال (وإذا مس) أي أصاب (الإنسان الضر) ~~أي البلاء من المرض والفقر (دعانا) بالإخلاص (لجنبه) أي مضطجعا ومطروحا على ~~جنبه إذا اشتد بلاؤه، فهو في محل النصب على الحال بدليل (أو قاعدا) إذا كان ~~أهون (أو قائما) إذا نهض وبقي فيه أثر العلة، يعني دعانا في جميع حالاته ~~عند نزول البلاء عليه (فلما كشفنا عنه ضره) أي أزلنا عنه بلاءه (مر) أي ~~استمر على ترك الدعاء إلينا ونسيه (كأن) أي كأنه (لم يدعنا إلى ضر مسه) أي ~~إلى بلاء أصابه قبل ذلك (كذلك) أي مثل ذلك التزيين (زين للمسرفين) أي زين ~~لهم الله بخذلانه أو الشيطان بوسوسته (ما كانوا يعملون) [12] من الإعراض عن ~~الإيمان والعمل للآخرة ومن الاشتغال «9» بالشهوات في الدنيا. ### || [سورة يونس (10): آية 13] # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) # (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم) يا أهل مكة بالعذاب (لما ظلموا) أي حين ~~أقاموا على كفرهم واتباع الشهوات (وجاءتهم) الواو للحال، أي وقد أتى القرآن ~~المتقدمة (رسلهم بالبينات) أي بالحجج والشواهد على صدقهم، والمراد المعجزات ~~أو الأحكام من الأمر والنهي (وما كانوا ليؤمنوا) أي ليصدقوا الرسل ويرغبوا في PageV02P168 # الإيمان بهم، والواو للعطف على «ظلموا» (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الإهلاك ~~(نجزي القوم المجرمين) [13] أي المشركين المكذبين برسلهم. ms0683 ### || [سورة يونس (10): آية 14] # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) # (ثم جعلناكم) يا أهل مكة أو هو خطاب لكل من بعث إليهم محمد عليه السلام ~~(خلائف) أي قوما يخلفون بدلا من القرون الماضية «1» (في الأرض من بعدهم) أي ~~بعد هلاكهم (لننظر كيف تعملون) [14] خيرا أو شرا، أي أعاملكم على حسب ~~أعمالكم، وفيه تهديد لهم، قال عليه السلام: «الدنيا خضرة وإن الله مستخلفكم ~~فيها لينظر كيف تعملون» «2»، والنظر فيه مستعار عن العلم المتحقق، لأن ~~الشيء يتحقق بنظر الناظر، و«كيف» معمول ل «تعملون» لا ل «ننظر»، لأن ~~الاستفهام يمنعه. ### || [سورة يونس (10): آية 15] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) # (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي واضحات وهي القرآن (قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا) وهم كفار مكة (ائت بقرآن غير هذا) لم يكن فيه ذم آلهتنا، ولا ~~فيه وعيد لنا فيغيظنا نتبعك (أو بدله) بأن تجعل «3» مكان آية العذاب آية ~~الرحمة لا غير، فأمر الله تعالى نبيه بقوله (قل ما يكون لي) أي ما يجوز وما ~~يصلح (أن أبدله) أي أجعله مكان آية العذاب آية الرحمة (من تلقاء نفسي) أي ~~من قبل رأيي كما طلبتم مني وإن كنت قادرا عليه، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان ~~لما فيه عصيان عظيم لأمر الله وسكت من الجواب عن الإتيان بقرآن آخر، لأنه ~~غير مقدور عليه الإنسان ثم قال تأكيدا لنفي التبديل (إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلي) أي لا أعمل إلا بما ينزل علي من آيات القرآن (إني أخاف إن عصيت ربي) ~~بعمل ما لم أومر به (عذاب يوم عظيم) [15] أي يوم القيامة. ### || [سورة يونس (10): الآيات 16 الى 17] # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على ms0684 الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون (17) # (قل) لهم ليعلموا أن القرآن ليس من تلقاء نفسك (لو شاء الله ما تلوته) أي ~~ما قرأت القرآن (عليكم ولا أدراكم به) أي ولا أعلمكم الله بالقرآن وترككم ~~على كفركم لو لم يجعلني رسولا إليكم، وقرئ ولأدريكم بغير ألف «4»، أي ولو ~~شاء لأعلمكم به على لسان غيري لكنه من علي بالرسالة (فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله) أي قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء (أفلا تعقلون) [16] أنه ليس من قبلي. # قيل: لبث النبي عليه السلام فيهم قبل الوحي أربعين سنة، ثم أوحي إليه، ~~فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفي ~~وهو ابن ثلاث وستين سنة «5». # (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) فزعم أنه له شريكا أو ولدا (أو كذب ~~بآياته) أي بمحمد والقرآن (إنه لا يفلح المجرمون) [17] أي لا ينجو ~~المشركون، قيل: «هم مسيلمة الكذاب وأتبعاه» «6». ### || [سورة يونس (10): آية 18] # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون (18) # (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم) إن عصوه وتركوا عبادته وهو الأصنام ~~(ولا ينفعهم) إن عبدوه PageV02P169 # (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) يشفعون لنا في الآخرة (قل أتنبئون ~~الله) أي أتخبرونه «1» (بما لا يعلم) صحته (في السماوات ولا في الأرض) من ~~شفاعة آلهتكم إما تعلمون أنها لا تكون «2» أبدا أو أتخبرون الله بأن له ~~شريكا يشفع عنده ولا يعلم الله لنفسه شريكا فيهما (سبحانه وتعالى عما ~~يشركون) [18] بالياء والتاء «3»، وكذا في سورة النحل موضعين «4» وفي سورة ~~الروم «5». ### || [سورة يونس (10): آية 19] # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم فيما فيه يختلفون (19) # (وما كان الناس إلا أمة واحدة) أي على الإسلام على عهد آدم ثم على عهد ~~نوح بعد الغرق إذ لم يذر الله من الكافرين ديارا فكانوا كلهم مسلمين ms0685 ~~(فاختلفوا) أي فتفرقوا إلى مؤمن وكافر (ولو لا كلمة سبقت من ربك) بأن جعل ~~لكل أمة أجلا وأن لا يهلكهم إلا بأجلهم (لقضي بينهم) في وقت اختلافهم بنزول ~~العذاب وتعجيل عقوبة المكذبين وكان ذلك فضلا بينهم (فيما فيه يختلفون) [19] ~~وقيل: معناه لو لا حكمه أنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب ~~والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر ~~النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة «6». ### || [سورة يونس (10): آية 20] # ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين (20) # (ويقولون) أي أهل مكة (لو لا أنزل عليه) أي هلا أنزل على محمد (آية من ~~ربه) أي من الآيات التي اقترحناها منه، وذلك حين قال عبد الله بن أمية لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا «7» (فقل إنما الغيب لله) أي إنما ~~سألتموني الغيب، وهو نزول الآية وعلمه مختص بالله لا يعلمه أحد غيره ~~(فانتظروا) نزولها (إني معكم من المنتظرين) [20] وقيل: معناه فانتظروا قضاء ~~الله بيننا ياظهار الحق على الباطل «8». ### || [سورة يونس (10): آية 21] # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) # ثم قال إيماء إلى جهلهم وعدم إهمالهم عليه (وإذا أذقنا الناس) أي كفار ~~مكة وغيرهم (رحمة) أي مطرا أو راحة (من بعد ضراء) أي بعد يبس «9» وقحط أو ~~بلاء وآفة (مستهم) أي أصابتهم (إذا لهم مكر) وهو إخفاء الكيد، جواب الشرط، ~~أي فاجأهم المكر وهو التكذيب والاستهزاء (في آياتنا) أي في نعمنا النازلة ~~عليهم بقولهم سقينا بنوء كذا، ولما تضمن «إذا» للمفاجأة معنى الإسراع قال ~~بازائه (قل الله أسرع مكرا) أي أخذا وعقوبة مما يأتي منكم في دفع الحق (إن ~~رسلنا) أي حفظتنا الملائكة (يكتبون ما تمكرون) [21] من القول الكذب في شأن الحق. ### || [سورة يونس (10): آية 22] # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ms0686 ~~طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) # (هو الذي يسيركم) أي يسهل لكم السير، من التسيير، وقرئ «ينشركم» «10» من ~~النشر، وهو البث، أي PageV02P170 # يبثكم (في البر) على الدواب والأقدام (والبحر) في السفن ويحفظكم فيهما ~~(حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) أي وجرت السفن بالناس، فالفلك جمع هنا ~~ولذا قال «جرين بهم» (بريح طيبة) أي لينة، وفيه التفات من الخطاب إلى ~~الغيبة مبالغة في تعريف نعمه عليهم (وفرحوا بها) أي بتلك الريح (جاءتها) أي ~~السفينة (ريح عاصف) أي شديدة ولم يقل عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف (وجاءهم ~~الموج من كل مكان) أي من كل ناحية (وظنوا) أي أيقنوا (أنهم أحيط بهم) أي ~~دنوا من الهلاك (دعوا الله مخلصين له الدين) أي أخلصوا في الدعاء لله ولم ~~يدعوا أحدا سواه يقولون (لئن أنجيتنا من هذه) أي من الريح العاصف أو من هذه ~~الشدة (لنكونن من الشاكرين) [22] لك بالإيمان والطاعة. ### || [سورة يونس (10): آية 23] # فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) # (فلما أنجاهم) الله من الشدة التي يخافونها (إذا هم يبغون) أي فهم يظلمون ~~الناس ويتجاوزون إلى غير أمر الله (في الأرض بغير الحق) أي بعبادة غير الله ~~والدعاء له والعمل بالمعاصي والفساد، ثم خاطبهم توبيخا لهم وتهديدا (يا ~~أيها الناس إنما بغيكم) أي ظلمكم وفسادكم (على أنفسكم) أي وباله راجع ~~عليها، قال ابن عباس: # «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي» «1»، وقال عليه السلام: «اثنتان يعجلهما ~~الله تعالى في الدنيا، البغي وعقوق الوالدين» «2»، وقال أيضا: «ثلث من كن ~~فيه كن عليه البغي والنكث والمكر» «3»، قوله (متاع الحياة الدنيا) خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو، يعني بغيكم سبب تمتيعكم في الحيوة الدنيا، ويجوز أن ~~يكون خبر «إنما بغيكم»، وقرئ بالنصب «4» إما مفعول له، أي لأجل متاع ms0687 الحيوة ~~وإما مصدر في موضع الحال، أي تتمتعون «5» متاع الحيوة الدنيا (ثم إلينا ~~مرجعكم فننبئكم) أي فنخبركم في الآخرة (بما كنتم تعملون) [23] في الدنيا. ### || [سورة يونس (10): آية 24] # إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ~~يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم ~~قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) # ثم ضرب مثلا لحيوة الدنيا ومتاعها بقوله (إنما مثل الحياة الدنيا) في ~~بقائها وفنائها (كماء أنزلناه من السماء) أي كمطر منها (فاختلط به) أي ~~بالمطر (نبات الأرض) يعني دخل الماء في الأرض فانبتت به النبات فاشتبك بعضه ~~ببعض بسببه واتصل من كل لون (مما يأكل الناس) من الحبوب الثمار (و) مما ~~يأكل (الأنعام) من ألوان الحشيش (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) أي حسنها ~~وزينتها وظهر الزهر أخضر وأحمر وأصفر وأبيض (وازينت) أي وتزينت بالنبات ~~والزهر (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) بالحصاد والقطاف، والضمير راجع إلى ~~غلة الأرض أو إلى الزينة (أتاها أمرنا) أي قضاؤنا باهلاكها (ليلا أو نهارا ~~فجعلناها) أي غلتها أو زروعها (حصيدا) أي محصودة مقطوعة (كأن لم تغن ~~بالأمس) أي لم تقم بالزمان الماضي، من غني بالمكان إذا أقام فيه فليس ~~المراد ب «الأمس» «6» الزمان الذي قبل يومك، قيل: «إن المتشبث بالدنيا ~~يأتيه أمر الله وعذابه أعقل ما يكون» «7» (كذلك) أي مثل ذلك التفصيل ~~والبيان (نفصل الآيات) أي آيات القرآن وأمثالها، يعني نبين غرور الدنيا ~~وزوالها كيلا يغتروا بها وليعرضوا عنها «8»، ونبين بقاء الآخرة ليرغبوا في ~~طلبها (لقوم يتفكرون) [24] في PageV02P171 # أمثال القرآن وأخباره، فيعتبرون بها. ### || [سورة يونس (10): آية 25] # والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) # (والله يدعوا إلى دار السلام) أي يدعو كل أحد من الناس إلى الجنة التي هي ~~دار السلامة من الآفات أو السلام بمعنى التحية، لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا ~~بالسلام أو الملائكة تسلم عليهم (ويهدي) أي ويرشد (من يشاء إلى ms0688 صراط ~~مستقيم) [25] أي إلى الدين القيم، وهو الإسلام، عم الدعوة لإظهار الحجة وخص ~~بالهداية لاستغنائه عن الخلق، والمعنى: أنه يدعو العباد كلهم إلى دار ~~السلام، ولا يدخلها إلا المهديون، وهم الذين علم أن اللطف منه يجري عليهم، ~~لأن مشيته تابعة لحكمته. ### || [سورة يونس (10): آية 26] # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) # (للذين أحسنوا) العمل في الدنيا مع التوحيد (الحسنى) أي الجنة (وزيادة) ~~أي فضل، وهو النظر إلى وجه الله الكريم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا دخل أهل الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة! أن لكم عند ~~الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا ما هذا الموعد؟ ألم يثقل موازيننا ~~وينضر وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون ~~إلى وجه الله عز وجل، قال: فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه» «1»، ~~وقيل: «المغفرة والرضوان» «2»، وقيل: «التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف» «3» (ولا يرهق) أي لا يغشى (وجوههم قتر) أي غبار فيه سواد، وهو كسوف ~~الوجوه عند معاينة النار، جمع قترة (ولا ذلة) أي مذلة وهوان أو حزن، وهذا ~~بعد نظرهم إلى ربهم (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) [26] أي دائمون. ### || [سورة يونس (10): آية 27] # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من ~~عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (27) # قوله «4» (والذين كسبوا السيئات) مبتدأ، أي عملوا المعاصي مع الكفر «5»، ~~والخبر (جزاء سيئة بمثلها) على الإضمار، أي لهم جزاء سيئة منها بسيئة مثلها ~~«6» بلا زيادة، كقوله ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها «7»، وقيل: ~~العذاب موافق للسيئة «8»، فان جزاء الشرك النار، إذ لا ذنب أعظم من الشرك ~~ولا عذاب أشد من النار (وترهقهم) أي وتغشيهم (ذلة) أي مذلة بكسوف الوجه إذا ~~عاينوا النار (ما لهم من الله من عاصم) أي ليس للكفار مانع يمنعهم من عذابه ~~تعالى قله (كأنما أغشيت) وصف لسواد وجوههم، ms0689 أي ألبست (وجوههم قطعا) بسكون ~~الطاء، أي جزءا واحدا وبفتحها قطعة «9» (من الليل مظلما) حال من «الليل»، ~~والعامل «أغشيت»، أي في حال ظلمته (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [27] ~~أي دائمون في العذاب. ### || [سورة يونس (10): الآيات 28 الى 29] # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا ~~بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) # (ويوم نحشرهم) نصب بمضمر، أي واذكر يوم نجمع المشركين ومعبوديهم (جميعا ~~ثم نقول للذين أشركوا) بالله شركاء (مكانكم) أي الزموا (أنتم وشركاؤكم) أي ~~آلهتكم مقامكم ولا تبرحوا منه (فزيلنا) أي PageV02P172 # فرقنا (بينهم) أي بين المشركين وآلهتهم، من زيلته بمعنى واحد، يعني قطعنا ~~ما كان بينهم من الألفة والتواصل في الدنيا، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون ~~الله من عابده (وقال شركاؤهم) أي آلهتهم (ما كنتم إيانا تعبدون) [28] ~~بطلبتنا في الدنيا ولا نعلم عبادتكم إيانا، فيقول الكفار بلى «1» كنا ~~نعبدكم بأمركم، فيقول الأصنام بانطاق الله إياهم (فكفى بالله شهيدا) أي كفى ~~الله بنا عالما (بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين) [29] وما كنا عن ~~عبادتكم إيانا إلا غافلين لعدم عقلنا وسمعنا وبصرنا، ف «إن» نافية، واللام ~~بمعنى إلا، والفائدة في إحضار آلهتهم وإنطاقهم إظهار ضعف معبوديهم عندهم ~~فيزيدهم حسرة على ذلك. ### || [سورة يونس (10): آية 30] # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون (30) # (هنالك تبلوا) أي تختبر وتعلم، بالتاء من البلوى وبتائين من التلو «2»، ~~أو «3» التلاوة، أي في يوم القيامة تتبع (كل نفس ما أسلفت) أي ما قدمت «4» ~~من العمل خيرا كان أو شرا كما يختبر الرجل الشيء ويتبعه ليعرف حقيقته أو ~~يقرأ «5» كل نفس صحيفتها لتعلم ما فيها (وردوا) في الآخرة (إلى الله) أي ~~إلى حكمه (مولاهم الحق) أي الذي يتولى ويملك أمرهم حقيقة ولا يشكل بقوله ~~«أن الكافرين لا مولى لهم» «6»، لأن المعنى فيه من «المولى» الناصر وفي ~~الأول المالك (وضل عنهم) أي غاب وزال ms0690 (ما كانوا يفترون) [30] في الدنيا من ~~الكذب والشفاعة لهم. ### || [سورة يونس (10): آية 31] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) # (قل) للمشركين مستفهما (من يرزقكم من السماء) بالمطر (والأرض) بالنبات ~~(أمن يملك السمع والأبصار) اللذين معكم، يعني من أعطاكم إياهما وما فيهما ~~من الحكم (ومن يخرج الحي من الميت) كالولد من النطفة (ويخرج الميت من الحي) ~~كالنطفة من الحيوان (ومن يدبر الأمر) أي ومن يفعل ويسوي أمر جميع العالم أو ~~من يرسل الملائكة بالأمر ويقضي (فسيقولون الله) أي هو يفعل هذه الأشياء ~~كلها لا الأصنام، لأنه لا عقل ولا فائدة لهم (فقل) لهم (أفلا تتقون) [31] ~~عقاب الله فتتركون «7» الشرك وتؤمنون به «8». ### || [سورة يونس (10): آية 32] # فذلكم الله ربكم الحق فما ذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) # (فذلكم) أي فعال «9» هذه الأشياء (الله ربكم الحق) الذي لا شك لمن حقق ~~«10» النظر فيه، إنه رب كل شيء (فما ذا بعد الحق) أي فليس هذا «11» العمل ~~الذي هو الشرك وعبادة غيره بعد ظهور الحق الذي هو الإيمان بالله وطاعته ~~(إلا الضلال) عن الحق (فأنى تصرفون) [32] أي فمن أين تعدلون عن عبادته ~~وأنتم مقرون بالحق. ### || [سورة يونس (10): آية 33] # كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) # (كذلك) أي هكذا (حقت) أي وجبت (كلمة ربك) مفردا وجمعا «12» هنا وفي آخر ~~السورة «13» وفي الزمر «14»، أي حكم ربك الذي سبق في علمه يا محمد (على ~~الذين فسقوا) أي ضلوا كفرا (أنهم لا يؤمنون) [33] بفتح «أن» بدل من «كلمة ~~ربك»، أي حق عليهم انتفاء الإيمان في علمه تعالى، ويجوز أن يكون المراد من PageV02P173 # «الكلمة» العدة بالعذاب و«أنهم لا يؤمنون» تعليل بتقدير اللام، أي لأنهم ~~لا يؤمنون. ### || [سورة يونس (10): آية 34] # قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~فأنى تؤفكون (34) # (قل هل من شركائكم) استفهام على سبيل التعجيز للمكابر الراد للحق ms0691 الذي لا ~~شبهة فيه المعترف بصحته بحسب اقتضاء العقل، أي هل من معبوديكم (من يبدؤا ~~الخلق) أي من يقدر على خلق شيء وإنشائه من غير أصل ولا مثال (ثم يعيده) أي ~~يحييه من بعد «1» الموت كهيئته، فان أجابوك وإلا فأنت (قل الله يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده فأنى تؤفكون) [34] أي من أين تكذبون «2» أنهم شركاء الله أو ~~تعدلون عن الهدى. ### || [سورة يونس (10): آية 35] # قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق ~~أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) # (قل هل من شركائكم من يهدي) أي يرشد الخلق بالدعوة (إلى الحق) أي ~~الإسلام، فاذا قالوا لا ولا بد لهم من ذلك (قل الله يهدي للحق) أي إلى ~~الإسلام، يقال هدى له وإليه إذا بين له طريقه (أفمن يهدي إلى الحق) أي ~~أتخبروني، فمن يدعو ويوفق من كان أهلا للإسلام (أحق) أي أولى وأجدر (أن ~~يتبع) فيعمل بأمره وينتهي بنهيه (أم من لا يهدي) فيه خمس قراآت، بفتح الياء ~~وسكون الهاء وتخفيف الدال بمعنى لا يهدي، وبكسر الهاء بعد الفتح وتشديد ~~الدال، أصله لا يهتدي أدغمت التاء في الدال فالتقى ساكنان فحرك أحدهما ~~بالكسر، وبفتح الهاء أيضا وتشديد الدال، لأن حركة التاء وقعت على الهاء، ~~وبسكون الهاء بعد الفتح وتشديد الدال، لأن أصله لا يهتدي بسكون الهاء ~~فأدغمت التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه، وبسكون الياء والهاء اتباعا ~~وتشديد الدال «3»، والمعنى: الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الصنم ~~المعبود الذي لا يتحرك بنفسه لكونه جمادا ولا ينتقل من مكانه إلى مكان آخر ~~(إلا أن يهدى) أي بأن ينتقل، يعني بأن يحمله أحد ويزيله من مكانه، لأنه لا ~~روح له ولا عقل (فما لكم كيف تحكمون) [35] أيها الجاهلون بالباطل أن لله شريكا. ### || [سورة يونس (10): آية 36] # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون (36) # ثم قال (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا) ms0692 أي ما يتبع جميعهم في قولهم إن الأصنام ~~آلهة وإنها تشفع لهم في الآخرة إلا ظنا لم يرد به كتاب ولا رسول أو المعنى: ~~أن إقرارهم بالله ظن، لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، فلذلك يتركون ~~الحق ويتبعون الظن (إن الظن لا يغني) أي لا يدفع ولا ينفع (من الحق) أي من ~~عذاب الله (شيئا) أو لا يقوم الظن مقام العلم والتحقيق (إن الله عليم بما ~~يفعلون) [36] من عبادتهم الشركاء وتقليد «4» الآباء. ### || [سورة يونس (10): آية 37] # وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) # (وما كان) أي ما صح (هذا القرآن أن يفترى) أي يختلق (من دون الله) ويضاف ~~إلى غيره ف «أن يفترى» في محل النصب خبر «كان»، أي افتراء بمعنى مفترى ~~(ولكن) كان هذا القرآن (تصديق الذي بين يديه) أي قبله من الكتب كالتورية ~~والإنجيل بمعنى المصدق، لأنه يصدق ما جاء من أنباء «5» الأمم الماضية وقصص ~~الأنبياء السابقة (وتفصيل الكتاب) أي وتبيين أحكامه من الحلال والحرام، ~~وأكد خبر «كان» المضمر الذي دخل عليه «لكن» PageV02P174 # بقوله (لا ريب فيه) أي منتفيا عنه الريب عند من آمن به وبأقرانه كائنا ~~(من رب العالمين) [37] وهما في محل النصب بأن يكونا خبرين بعد الخبر أو ~~حالين، ويجوز أن يتعلق «من» بتصديق وتفصيل. ### || [سورة يونس (10): آية 38] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين (38) # (أم يقولون) أي بل يقول كفار مكة (افتراه) أي اختلق القرآن محمد عليه ~~السلام من ذات نفسه (قل فأتوا بسورة مثله) جر بدل من «بسورة» «1»، أي شبيه ~~«2» القرآن في الفصاحة والإعجاز على طريق الافتراء لأنكم عرب مثلي (وادعوا ~~من استطعتم من دون الله) أي ممن يعبدون الأصنام ليعينوكم على مثل ذلك ~~الافتراء (إن كنتم صادقين) [38] أنه يقوله من ذات نفسه، فلما سمعوا ذلك سكتوا. ### || [سورة يونس (10): آية 39] # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك ms0693 كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) # فبين عجزهم بقوله (بل كذبوا بما لم يحيطوا) أي بل هم سارعوا إلى تكذيب ما ~~لم يدركوا (بعلمه) أي بما فيه من علم ما لهم من الثواب، وما عليهم من ~~العقاب وهو القرآن (ولما يأتهم تأويله) أي ولم يأت لهم عاقبة ما وعد الله ~~في القرآن أنه يؤول إليه أمرهم وهو العقوبة في الدنيا أو في الآخرة وهي ~~كائنة لا محالة، دل على ذلك كلمة التوقع أو كذبوا على البديهة قبل فهمه ~~والوقوف على معانيه وتأويله ولم يجئهم ما يبين صدقه من كذبه وهو علامات ~~الإعجاز بعد (كذلك) أي مثل ذلك التكذيب قبل النظر في معجزات الأنبياء (كذب ~~الذين من قبلهم) من الأمم الماضية رسلهم (فانظر كيف كان) أي صار (عاقبة ~~الظالمين) [39] أنفسهم بتكذيب رسلهم، وفيه حيث للنبي عليه السلام على الصبر ~~وتخويف لهم بالعقوبة. ### || [سورة يونس (10): آية 40] # ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) # (ومنهم من يؤمن به) أي من المكذبين من يصدق بالقرآن في نفسه ولكن يعاند ~~بالتكذيب أو منهم من سيؤمن به (ومنهم من لا يؤمن به) أي يصر في الكفر به ~~ولا يصدقه أبدا لعلمه السابق فيهم (وربك أعلم بالمفسدين) [40] الذين لا ~~يؤمنون به أو أعلم بعقوبة المشركين المعاندين أو المصرين. ### || [سورة يونس (10): آية 41] # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) # (وإن كذبوك) يا محمد بما جئتم به (فقل) لهم تحذيرا (لي عملي) أي ديني أو ~~جزاؤه «3» (ولكم عملكم) أي دينكم أو جزاؤه يوم القيامة (أنتم بريئون مما ~~أعمل وأنا بريء مما تعملون) [41] وهذه منسوخة بآية السيف «4» نظرا إلى ~~ظاهرها، وإن تؤلت بالجزاء فحكمه ثابتة. ### || [سورة يونس (10): آية 42] # ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) # قوله (ومنهم من يستمعون إليك) جمع الضمير فيه نظرا لمعنى «من»، نزل حين ~~قدم طائفة من اليهود فاستمعوا قراءة القرآن وتعجبوا به ولم يسلموا لغلبة ms0694 ~~الشقاوة «5» عليهم «6»، وقيل: في شأن كفار مكة تسلية للنبي عليه السلام ~~وإعلاما له أن لا هادي إلى الإيمان بالقرآن إلا الله «7»، أي ومن المشركين ~~ناس يستمعون إليك وقت قراءتك القرآن بأسماعهم الظاهرة فلا ينفعهم (أفأنت ~~تسمع الصم) أي أأنت تفهم «8» صم القلب (ولو كانوا لا PageV02P175 # يعقلون) [42] أي لا يفهمون بالقلب. ### || [سورة يونس (10): آية 43] # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) # (ومنهم من ينظر إليك) بأبصارهم تعجبا منك، أفرد الضمير نظرا للفظ «من» ~~(أفأنت تهدي) أي ترشد إلى الإيمان (العمي) أي عمي القلب (ولو كانوا لا ~~يبصرون) [43] أي لا يدركون بالبصيرة، المعنى: أنهم في اليأس من قبول الحق ~~وتصديقه كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر، فكيف يهتدون بهدايتك ~~وقد سلبت منهم السمع والبصر اللذين هما من أسباب الاهتداء وحكمت عليهم بأن ~~لا يؤمنوا، وإنما قرن بالأصم عدم العقل وبالأعمى عدم الإدراك تفضيلا لحكم ~~الباطن على الظاهر، لأن الأصم العاقل ربما يفطن بعقله، واستدل على تحقق شيء ~~أكثر ممن يقع الصوت في أذنه ولا عقل له وكذا الأعمى الذي له بصيرة قد يحس ~~شيئا أكثر مما يحسه البصيرة الذي لا بصيرة له. ### || [سورة يونس (10): آية 44] # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) # (إن الله لا يظلم الناس) أي لا ينقص من أجورهم (شيئا) ولا يحمل عليهم من ~~أوزار غيرهم شيئا، لأنه في جميع أحواله متفضل أو عادل (ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون) [44] بالكفر والمعصية، قرئ «لكن» بكسر النون مع التخفيف وبفتحها مع ~~التشديد «1»، وعليهما الاختلاف في «الناس». ### || [سورة يونس (10): آية 45] # ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) # قوله (ويوم يحشرهم) بالنون والياء «2» ظرف ل «يتعارفون»، أي يوم يجمعهم ~~الله بالبعث من قبورهم (كأن لم يلبثوا) أي مشبهين بمن لم يمكثوا في الدنيا ~~أو في القبور لشدة ما يلقون يوم القيامة (إلا ساعة من النهار) ف «كأن» ~~مخففة من الثقيلة، أي كأنهم، ms0695 و«ساعة» ظرف ل «لبث»، وجملة «كان» نصب على ~~الحال من مفعول «نحشر»، وجملة (يتعارفون بينهم) حال أخرى مبينة للأولى، ~~ويجوز أن يتعلق بالظرف، أي يعرف يعضهم بعضا حين بعثوا من قبورهم كمعرفتهم ~~«3» في الدنيا، ثم ينقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة، قيل: «إن ~~الإنسان يعرف من يحبه يوم القيامة ولا يكلمه خشية وهيبة» «4» (قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله) أي بالبعث بعد الموت، أي غبنوا في تجارتهم ببيعهم ~~الإيمان بالكفر (وما كانوا مهتدين) [45] أي عارفين بالتجارة، وفيه معنى ~~التعجب، والمراد من «الخسران» خسران النفس، ولا شيء أعظم منه. ### || [سورة يونس (10): آية 46] # وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما ~~يفعلون (46) # (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) من العذاب في حيوتك يا محمد (أو نتوفينك) ~~قبل أن نريك تعذيبهم (فإلينا مرجعهم) أي مصيرهم في الإخرة (ثم الله شهيد) ~~أي عالم رقيب (على ما يفعلون) [46] في الدنيا من الكفر والتكذيب فيجزيهم ~~به، ثم يعني نحن نريكه في الآخرة فلا تتحزن، وكلمة «ثم» هنا بمعنى الواو، ~~إذ لا تراخي «ثم» في تعذيبهم، وقيل: أريد من الشهادة هنا مقتضاها وهو ~~العقاب، كأنه قال ثم الله معاقب على ما فعلوا، ف «ثم» بمعناها «5». ### || [سورة يونس (10): آية 47] # ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) PageV02P176 # (ولكل أمة) أي لأهل كل دين مضوا (رسول) أتاهم يدعوهم إلى الحق (فإذا جاء ~~رسولهم) بالبينات وكذبوه ولم يتبعوه (قضي بينهم) أي بين المكذبين ورسولهم ~~(بالقسط) أي بالعدل، فأنجي الرسول وعذب المكذبون في الدنيا والآخرة، ففيه ~~إيماء إلى أن لا ثواب ولا عقاب قبل مجيئ الرسول (وهم لا يظلمون) [47] أي لا ~~يعذبون بغير حجة يلزمهم أو لا يؤاخذون بغير ذنب ولا يزاد على سيئاتهم. ### || [سورة يونس (10): آية 48] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) # (ويقولون) أي المشركون استهزاء (متى هذا الوعد) بقيام الساعة أو بنزول ~~العذاب بنا (إن كنتم صادقين) [48] في ذلك أنت يا محمد وأصحابك، وفيه ~~استبعاد له منهم. ### || [سورة يونس ms0696 (10): آية 49] # قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) # (قل لا أملك) أي لا أقدر (لنفسي) على شيء (ضرا) أي دفع ضرر من مرض أو فقر ~~(ولا نفعا) أي جلب نفع كصحة وغنا (إلا ما شاء الله) أن يقدرني عليه، ~~استثناء منقطع، أي لكن ما شاء الله يصيبني، فكيف أملك على الإتيان بالساعة ~~أو على إنزال العذاب بكم (لكل أمة أجل) أي مدة معلومة وهي وقت فناء أعمارهم ~~أو وقت تعذيبهم (إذا جاء أجلهم) أي ذلك الوقت (فلا يستأخرون) عنه، أي لا ~~يمهلون (ساعة) من الزمان (ولا يستقدمون) [49] أي لا يسبقون عنه ساعة، فهذه ~~الأمة كذلك لا يتأخر عنهم العذاب إذا نزل بهم، وإنما قيد «الساعة»، لأنها ~~أقل زمان الإمهال والاستعجال، المعنى: أنه تعالى إذا جاء ذلك الوقت المحدود ~~أنجز وعدكم لا محالة فلا تستعجلوه، وفيه مبالغة في نفي التأخير بتسوية طرفي ~~الزمان المحدود في نفي التقديم والتأخير اللذين أحدهما ممكن والأخر محال. ### || [سورة يونس (10): آية 50] # قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ما ذا يستعجل منه المجرمون (50) # (قل) لكفار مكة (أرأيتم) أي أخبروني (إن أتاكم عذابه) أي عذاب الله ~~(بياتا) أي وقت بيات بمعنى التبييت، وهو الليل وأنتم غافلون عنه بالنوم فيه ~~كما جاء إلى قوم لوط، ولذا لم يقل ليلا (أو نهارا) أي وقتا فيه تشتغلون «1» ~~بطلب الكسب والمعاش ساهين عنه كما جاء إلى قوم شعيب، وجواب الشرط محذوف وهو ~~تندموا حسرة على الاستعجال أو الجواب (ما ذا يستعجل منه المجرمون) [50] على ~~معنى أن العذاب كله مكروه، فان أتاكم ذلك فأي شيء يستعجل به من الله ~~المشركون «2» وليس شيء منه يوجب الاستعجال، ويجوز أن يرجع الضمير في «منه» ~~إلى العذاب، ويتعلق الاستفهام بقوله «أ رأيتم»، وإنما قال «المجرمون» ولم ~~يقل «ما ذا تستعجلون منه» تصريحا لموجب ترك الاستعجال وهو الأجرام، لأن من ~~حق المجرم أن يخاف التعذيب على أجرامه. ### || [سورة يونس (10): آية 51] # أثم ms0697 إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) # ثم استفهم «3» على تقدير نزول العذاب بهم عن حالهم تهديدا لهم بقوله (أثم ~~إذا ما وقع) أي أبعد استعجالكم العذاب إذا وقع بكم العذاب (آمنتم به) أي ~~بالله أو بمحمد أو بالعذاب عند نزوله، فقيل لكم وقت اليأس (آلآن) تؤمنون ~~«4» بالله «5» حين لا ينفعكم الإيمان (وقد كنتم به تستعجلون) [51] أي ~~تكذبون، لأن استعجالهم على وجه التكذيب والإنكار. ### || [سورة يونس (10): آية 52] # ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) # قوله (ثم قيل) عطف على «قيل» المضمر قبل «آلآن» بمعنى يقال، أي ثم يقال ~~(للذين ظلموا) أي أشركوا PageV02P177 # والقائلون خزنة جهنم (ذوقوا عذاب الخلد) الذي لا ينقطع عنكم (هل تجزون) ~~أي ما تجازون (إلا بما كنتم تكسبون) [52] في الدنيا من الكفر والتكذيب. ### || [سورة يونس (10): آية 53] # ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) # قوله (ويستنبئونك) أي يسألونك عن خبر العذاب، نزل حين قدم حيي ابن أخطب ~~مكة، وقال للنبي عليه السلام مستخبرا عن العذاب «1» (أحق هو) أي ما تعدنا ~~من العذاب وقيام الساعة، فقال تعالى لنبيه عليه السلام (قل إي وربي) أي نعم ~~والله (إنه لحق) لا شك فيه وجمع بين القسم وحرف الإيجاب تأكيدا لحقيته (وما ~~أنتم بمعجزين) [53] أي بفائتين من العذاب، لأن من عجز عن شيء فقد فاته وهو ~~أيضا داخل تحت القسم. ### || [سورة يونس (10): آية 54] # ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) # ثم قال مخبرا عن حالهم التي ستكون لهم يوم القيامة (ولو أن لكل نفس ظلمت) ~~أي أشركت بالله تعالى، صفة «نفس» واسم «أن» (ما في الأرض) جميعا، أي لو كان ~~لها جميع ما فيها من الأموال وغيرها (لافتدت) النفس، أي لأعطت فدية (به) أي ~~بجميع ما فيها مقابلة نجاتها من العذاب، ولا يتقبل ذلك منها «2» (وأسروا ~~الندامة) أي وأخفاها «3» رؤساؤهم من السفلة (لما رأوا العذاب) ms0698 رأى العين ~~يوم القيامة حياء وخوفا من لوم الضعفاء وتوبيخهم أو عجزا «4» عن النطق بها ~~لشدة الأمر، لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوا (وقضي بينهم) أي وحكم بين ~~الخلائق (بالقسط) أي بالعدل (وهم لا يظلمون) [54] من ثواب أعمالهم إن كانوا ~~مؤمنين صالحين ولا يزاد في عذابهم إن كانوا كافرين أو عاصين. ### || [سورة يونس (10): آية 55] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (55) # ثم قال منبها في بيان استغنائه عن الخلق وقدرته عليهم (ألا إن لله ما في ~~السماوات والأرض) أي جميعه ملكه ينفذ حكمه فيه، لأنه خلقهما وما فيهما يدل ~~على توحيده «5» وقدرته على البعث بعد الموت (ألا إن وعد الله حق) أي وعده ~~بالبعث كائن لا محالة (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [55] ذلك فيصدقون به. ### || [سورة يونس (10): آية 56] # هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) # (هو يحيي ويميت) أي يحيي الخلائق ويميتهم (وإليه ترجعون) [56] بعد الموت ~~في الآخرة، فيثيبهم ويعاقبهم بحسب الحال. ### || [سورة يونس (10): آية 57] # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) # ثم خاطب أهل مكة أو جميع الناس ترغيبا في الإيمان بالقرآن والعمل به فقال ~~(يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة) أي كتاب جامع (من ربكم) لفوائد مما يجب ~~لكم وعليكم من الحلال والحرام (وشفاء لما في الصدور) أي دواء لما في القلوب ~~من داء الجهل وعمي القلب (وهدى) من الضلالة (ورحمة للمؤمنين) [57] أي لكل ~~من آمن به وعمل بما فيه. ### || [سورة يونس (10): آية 58] # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) # (قل) يا محمد للمؤمنين (بفضل الله) الإسلام (وبرحمته) بالقرآن، وقيل: ~~بالعكس «6» فليفرحوا (فبذلك) أي فبفضل الله وبرحمته (فليفرحوا) وهذا ~~التقدير أصل الكلام، كرره للتقرير والتأكيد، فحذف أحد الفعلين PageV02P178 # لدلالة المذكور عليه، والفاء داخل في جواب الشرط معنى كأنه قال إن فرحتم ~~بشيء فلتخصوهما «1» بالفرح، فانه لا شيء أحق أن يفرح به منهما من فوائد ~~الدنيا (هو) أي ذلك الفرح (خير مما ms0699 يجمعون) [58] أي مما يجمعه الكافرون من ~~أموال الدنيا. ### || [سورة يونس (10): آية 59] # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) # (قل) يا محمد للمشركين (أرأيتم) أي أخبروني (ما أنزل الله لكم) أي الذي ~~«2» أعطاكم (من رزق) كالحرث والأنعام، وعبر بالإنزال، لأن كل ما في الأرض ~~من خير مما أنزل من السماء بالماء (فجعلتم منه حراما) على النساء (و) منه ~~(حلالا) للرجال فبعضتموه، وقلتم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزواجنا (قل) مستفهما منهم «3»، والاستفهام متعلق ب «أ رأيتم»، ~~أي أخبروني (آلله أذن لكم) في هذا التحريم والتحليل (أم) أي بل (على الله ~~تفترون) [59] تختلقون بنسبة ذلك إليه، والإستفهام للمبالغة في الزجر عن ~~الافتراء في الحكم إذا سئل عنه الحاكم وباعث على الاحتياط فيه، لأن من لم ~~يحتط في الحكم فهو مفتر. ### || [سورة يونس (10): آية 60] # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) # ثم قال تأكيدا للزجر عن ذلك (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب) و«ما» ~~فيه استفهام لتقرير التهديد، أي أي شيء ظنهم في الافتراء على الله، أيحسبون ~~أن الله لا يؤاخذهم به (يوم القيامة) ولا يعاقبهم عليه (إن الله لذو فضل ~~على الناس) أي لذو من عليهم بتأخير العذاب عنهم أو بالوحي (ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون) [60] نعمة الله الإسلام ولا يتبعون ما هدوا إليه به، وهو القرآن. ### || [سورة يونس (10): آية 61] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) # قوله (وما تكون في شأن) خطاب للنبي عليه السلام بالخصوص تفضيلا له، وقيل: ~~المراد أمته «4»، و«ما» فيه للنفي، أي ما تكون يا محمد في عمل من الأعمال، ~~وأصل الشأن القصد والجمع ms0700 شؤون (وما تتلوا) أي ما تقرأ (منه) أي من الله أو ~~من الشأن (من قرآن) ثم جمع النبي مع أمته تفضيلا لهم بقوله (ولا تعملون من ~~عمل) من أعمال الدنيا والآخرة (إلا كنا عليكم شهودا) أي رقباء عالمين بكم ~~وبأعمالكم (إذ تفيضون فيه) أي حين تدخلون في العمل سواء كان تلاوة القرآن ~~أو الذكر أو الحكم على الناس بالعدل أو بالظلم أو عملا مما تشتهي نفوسكم من ~~أعمال الدنيا، فعلى كل حل نحن شهداء عليكم، وفيه تهديد وتشديد لخلقه (وما ~~يعزب) بضم الزاء وكسرها «5»، أي وما يغيب (عن ربك من مثقال ذرة) وهو فاعل ~~«يعزب»، و«من» صلة، والذرة النملة الصغيرة الحميراء أو ما يرى في شعاع ~~الشمس من الغبار، أي وزنها (في الأرض ولا في السماء) وحق «السماء» أن يقدم ~~على الأرض ولكنه لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض ووصل قوله «لا يعزب ~~عنه» بذلك قدم «الأرض» على «السماء» لرعاية الملائمة بينهما على أن حكم ~~العطف بالواو فيه حكم التثنية، أي لا يعزب عنه شيء منهما، ثم استأنف تأكيدا ~~لذلك بقوله «6» (ولا أصغر) أي ولا أخف (من ذلك) أي من وزن الذرة (ولا PageV02P179 # أكبر) أي أثقل من وزن الذرة (إلا في كتاب مبين) [61] أي إلا ثابت «1» في ~~اللوح المحفوظ، قرئ بفتح الراءين بناء على أن «لا» لنفي الجنس، وبرفعهما ~~«2» لابتداء الكلام وقطعه عما قبله، إذ لو عطف على محل «مثقال ذرة» على ~~الفاعلية لفسد المعنى، هو لا يغيب عن الله أصغر من مثقال ذرة إلا في كتاب ~~مبين، يعني يغيب عنه فيلزم الجهل به تعالى عنه علوا كبيرا اللهم إلا إذا ~~أريد من لا يعزب لا يبين أو لا يصدر فيستقيم الاستثناء حينئذ بمعنى لا يظهر ~~أو لا يحدث عن الله شيء من الغيب في الأرض ولا في السماء إلا وهو مكتوب في ~~اللوح ونحن نشاهده في كل وقت. ### || [سورة يونس (10): آية 62] # ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) # (ألا إن أولياء الله) أي أحباءه وهم ms0701 العلماء بالله وحملة القرآن، وقيل: ~~هم المجتنبون عن عمل السوء في الخلوات لعلمهم أن الله مطلع عليهم «3»، ~~وقيل: هم الذين إذا رؤوا ذكر الله «4»، والمراد السمت كقوله «سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود» «5» (لا خوف عليهم) من شدائد الساعة (ولا هم يحزنون) ~~[62] بفوت الجنة ولا بحرمان اللقاء أو لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون ~~إذا حزن الناس. ### || [سورة يونس (10): آية 63] # الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) # ثم وصفهم بقوله (الذين آمنوا) بالله وأقاموا بقلوبهم على موجب المعارف ~~منه (وكانوا يتقون) [63] عن المخالفة بعد استقامة نفوسهم بأداء الوظائف. ### || [سورة يونس (10): آية 64] # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم (64) # (لهم البشرى) وهي الرؤيا الصالحة التي يراها «6» العبد المؤمن لنفسه أو ~~يرى له غيره، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة على الأصح، هي البشارة ~~العظمى (في الحياة الدنيا) وقيل لهم البشرى عند الموت يبشرهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا «7» الآية (وفي الآخرة) أي يبشرهم الملائكة حين يخرجون ~~من القبور بالجنة والفوز وبياض وجوههم الذي يرونه (لا تبديل) أي لا تحويل ~~(لكلمات الله) أي لمواعيده تعالى التي وعدها في القرآن (ذلك) أي الموعود ~~للمؤمنين (هو الفوز العظيم) [64] أي النجاة الوافرة في الآخرة. ### || [سورة يونس (10): آية 65] # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) # ثم قال تسلية للنبي عليه السلام (ولا يحزنك) يا محمد (قولهم) أي تكذيبهم ~~وتهديدهم ومشاورتهم في إبطال أمرك، قوله (إن العزة لله) في معنى التعليل ~~كأنه قال ما لي لا أحزن؟ فقيل لأن الغلبة والقهر والقدرة لله (جميعا) فانه ~~ناصرك وناصر دينك والمنتقم منهم، وكل من يتعزز إنما هو باذن الله (هو ~~السميع) لأقوالهم (العليم) [65] بنياتهم وعقوبتهم. ### || [سورة يونس (10): آية 66] # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) # (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) أي كل ما فيهما في حكمه ms0702 وتحت ~~تصرفه من الخلق الملك والإنس والجن وغيرهم وذكر «من» تغليبا للعقلاء (وما ~~يتبع) «ما» فيه للنفي «8»، أي لم يتبع (الذين يدعون) PageV02P180 # أي يعبدون (من دون الله شركاء) أي آلهة حقيقة الشركاء وإن سموهم شركاء ~~لاستحالة الشركة في ربوبية الله تعالى «1»، لأنهم إنما يعبدونها على أنهم ~~شركاء يشفعون لنا وليس ذلك على ما يظنون، ف «شركاء» المذكور مفعول «يتبع»، ~~ومفعول «يدعون» محذوف، فتقديره: ما يتبع الذين يدعون شركاء من دون الله ~~شركاء محذوف الأول بدلالة الثاني عليه، وقيل: «ما» استفهام منصوب المحل ب ~~«يتبع» على وجه الإقناط «2»، أي أي شيء يتبع «3»، ف «شركاء» نصب ب «يدعون» ~~(إن يتبعون) أي ما يتبع عابدو الشركاء (إلا الظن) يعني لا يعبدونها إلا بظن ~~أنها تقربهم إلى الله (وإن هم) أي ما المشركون (إلا يخرصون) [66] أي يكذبون ~~في قولهم إنها شفعاء لنا. ### || [سورة يونس (10): آية 67] # هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (67) # (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) من تعب الأشغال في النهار (والنهار ~~مبصرا) أي وجعله مضيئا يبصر فيه كقولهم ليل نائم طلبا للمعيشة (إن في ذلك) ~~أي في تقليب الليل والنهار (لآيات) أي لعبرات (لقوم يسمعون) [67] سماع ~~الاعتبار والاتعاظ، فيعلمون أن لا يقدر على ذلك غير الله وأن لا إله إلا هو ~~فيؤمنون به على التوحيد. ### || [سورة يونس (10): آية 68] # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن ~~عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) # ثم نزه نفسه عن افتراء آخر منهم بقوله (قالوا) أي المشركون (اتخذ الله ~~ولدا) وهو قولهم الملائكة بنات الله (سبحانه) تعجيب من كلمتهم الخبيثة ~~الحمقاء، وتنزيه له عن اتخاذ الولد (هو الغني) عن اتخاذ الولد وخلقه (له ما ~~في السماوات وما في الأرض) أي ملك له بخلقه من العدم (إن عندكم من سلطان ~~بهذا) أي ما عندكم بهذا القول برهان و«من» صلة بعد النفي للتأكيد (أتقولون ~~على الله ما ms0703 لا تعلمون) [68] حقيقته، يعني لا تقولوا ما ليس لكم به علم ~~فانه جهل وافتراء. ### || [سورة يونس (10): الآيات 69 الى 70] # قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم ~~إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) [69] أي لا ينجون من عذاب ~~(متاع) أي افتراؤهم «4» بلغة يسيرة (في الدنيا) لنيل رياستهم ولذاتهم ثم ~~نزول (ثم إلينا مرجعهم) أي مصيرهم بعد الموت (ثم نذيقهم العذاب الشديد) يوم ~~القيامة (بما كانوا يكفرون) [70] أي بكفرهم. ### || [سورة يونس (10): آية 71] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) # ثم أمر نبيه أن يقرأ على أهل مكة خبر نوح وقومه ليعتبروا فيؤمنوا بقوله ~~(واتل عليهم) أي على كفار قريش (نبأ نوح) أي خبره في القرآن (إذ قال لقومه) ~~الكفرة وهم ولد قابيل (يا قوم إن كان كبر) أي عظم وثقل (عليكم مقامي) أي ~~قيامي بينكم واعظا لكم (وتذكيري) أي وعظتي لكم (بآيات الله) وهي قوله في ~~سورة نوح «استغفروا ربكم إنه كان غفارا» «5» إلى قوله «أ لم تروا» «6» ~~الآية، فعزمتم على قتلي أو طردي (فعلى الله توكلت) أي فوضت أمري إليه وثقت ~~به لا بغيره، ثم قال احتقارا بهم واستصغارا لشأنهم (فأجمعوا أمركم) أي ~~فاحكموا كيدكم في إهلاكي من الإجماع وهو الأحكام، قوله (وشركاءكم) الواو ~~فيه بمعنى «مع»، أي أجمعوا أمركم مع شركائكم، أي آلهتكم ذكرهم على وجه ~~التهكم أو ادعوا شركاءكم واستعينوا بها لتجتمع PageV02P181 # معكم (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي سترة بمعنى خفيا مبهما، يعني لا يكن ~~قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني (ثم اقضوا ~~إلي) أي امضوا ما في أنفسكم من السر واعلموه (ولا تنظرون) [71] أي ولا ~~تمهلوني في قصد إهلاكي بكل طريق منكم، وهذا قول على طريق التعجيز وإظهار ms0704 ~~قلة المبالاة وثقته على ما وعده ربه بنصرته عليهم، فأخبر الله تعالى عن نوح ~~أنه كان واثقا بنصر الله غير خائف من كيد قومه علما منه بأنهم وآلهتهم ليس ~~إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله تعالى. ### || [سورة يونس (10): آية 72] # فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (72) # (فإن توليتم) أي أعرضتم عن نصحي وقبول قولي والإيمان بالله (فما سألتكم ~~من أجر) بذلك في الدنيا فما يضرني إعراضكم (إن أجري) أي ما ثوابي (إلا على ~~الله) في الآخرة (وأمرت أن أكون من المسلمين) [72] أي المستسلمين لأمر الله ~~الذين لا يأخذون للوعظ «1» والنصيحة وتعليم الدين أجرا، فان مقتضى الإسلام ~~ذلك، قال عليه السلام: «لا تأخذوا للعلم والقرآن ثمنا فيسبقكم الدناة إلى ~~الجنة» «2». ### || [سورة يونس (10): آية 73] # فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) # (فكذبوه) أي نوحا في خبر نزول العذاب بهم وهو الطوفان بالماء، واستمروا ~~على تكذيبه (فنجيناه ومن معه) من المؤمنين (في الفلك) من العذاب النازل بهم ~~(وجعلناهم خلائف) أي جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن ~~الهالكين بالعذاب (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) أي بحججنا الواضحة على ~~صدقه وتوحيدنا «3» (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) [73] أي عاقبة أمر الذين ~~أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا، وفيه تعظيم لما جرى عليهم وتحذير للمشركين الذين ~~أنذرهم النبي عليه السلام عن مثله، وتسلية له. ### || [سورة يونس (10): آية 74] # ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) # ثم عقب خبر نوح بأخبار رسل جاؤا بعده على أممهم بالبينات فلم يؤمنوا ~~فأهلكوا تحذيرا بها أهل مكة ليؤمنوا فقال (ثم بعثنا من بعده) أي من بعد «4» ~~نوح وإهلاك قوم (رسلا) كابراهيم وهود ولوط وشعيب عليهم السلام (إلى قومهم ~~فجاؤهم بالبينات) أي بالحجج والموضحة المثبتة (فما كانوا) أي قومهم ~~(ليؤمنوا) بعد ما دعاهم الرسل (بما كذبوا به) ms0705 أي بمثل ما كذب قوم نوح به من ~~الحق نوحا قبلهم أو بما كذب قوم الرسل به «5» (من قبل) أي قبل أن يأتيهم ~~الرسل، يعني أنهم كانوا جاهلين مكذبين بالحق قبل بعثة الرسل، ثم كذبوا ~~بالحق بعد بعثة الرسل إليهم فلا تفترق حالتاهم في التكذيب، فكفار مكة ~~كهؤلاء المكذبين فصاروا كان لم يبعث إليهم أحد من الرسل لقساوة قلوبهم وشدة ~~إصرارهم على الكفر (كذلك) أي مثل ذلك الختم على قلوبهم (نطبع) أي نختم (على ~~قلوب المعتدين) [74] أي المتجاوزين من الحق إلى الباطل. ### || [سورة يونس (10): آية 75] # ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين (75) # (ثم بعثنا من بعدهم) أي بعد الرسل (موسى وهارون إلى فرعون وملائه) أي ~~أشراف قومه (بآياتنا) أي بعلاماتنا التسع (فاستكبروا) أي تكبروا عن الإيمان ~~بالجراءة على ردها (وكانوا قوما مجرمين) [75] أي صاروا ذوي آثام عظام. ### || [سورة يونس (10): آية 76] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) PageV02P182 # ثم بين آثامهم بقوله (فلما جاءهم الحق) وهو ما جاء به موسى من المعجزات ~~(من عندنا) لا من قبل الرسل (قالوا إن هذا لسحر مبين) [76] أي كذب مموه ~~بالصدق عيانا قطعوا بكونه سحرا بينا. ### || [سورة يونس (10): آية 77] # قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) # (قال) لهم (موسى أتقولون للحق لما جاءكم) من عند الله أنه سحر، وتعلمون ~~«1» أنه الحق لا الباطل، ثم قال منكرا عليهم (أسحر هذا) أي أيكون مثل هذا ~~سحرا وهو علامة لنبوتي (ولا يفلح الساحرون) [77] أي لا ظفر لهم في الدنيا ~~ولا في الآخرة. ### || [سورة يونس (10): آية 78] # قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في ~~الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) # (قالوا) أي قال فرعون وقومه لموسى عليه السلام (أجئتنا لتلفتنا) أي ~~لتصرفنا (عن ما وجدنا عليه آباءنا) من عبادة غير الله (وتكون) بالياء ~~والتاء «2» (لكما) يا موسى وهرون (الكبرياء) أي الملك والسلطان (في الأرض) ~~أي في أرض مصر (وما نحن لكما بمؤمنين) [78] أي ms0706 مصدقين في دعواكما بأنكما ~~رسولا رب العالمين. ### || [سورة يونس (10): الآيات 79 الى 80] # وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون (80) # (وقال فرعون) لقومه (ائتوني بكل ساحر عليم) [79] أي حاذق بالسحر، وقرئ ~~بكل سحار بمعنى المبالغة «3» (فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا) أي ~~اطرحوا على الأرض (ما أنتم ملقون) [80] أي طارحون من الحبال والعصي. ### || [سورة يونس (10): آية 81] # فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) # (فلما ألقوا) ما معهم على الأرض من السحر (قال موسى ما جئتم به السحر) ~~مبتدأ وخبر، و«ما» موصولة، أي الذي أتيتم به هو السحر لا الحق، وقرئ ~~«آلسحر» بالمد على الاستفهام «4»، ف «ما» استفهام «5» حينئذ، محلها نصب ~~بمحذوف، فيكون من باب الإضمار على شريطة التفسير، تقديره: أي شيء أتيتم به ~~وجئتم به تفسير لأتيتم، ثم ابتدأ بقوله «السحر» هو المعنى أي شيء جئتم به ~~أهو السحر. # ثم قال (إن الله سيبطله) أي سيمحقه (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) [81] ~~أي لا يحقه ولا يديمه لفساده. ### || [سورة يونس (10): آية 82] # ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) # (ويحق الله الحق بكلماته) أي يثبت دينه الإسلام بنصرته وأمره وقضائه (ولو ~~كره المجرمون) [82] أي فرعون وقومه. ### || [سورة يونس (10): آية 83] # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن ~~فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) # ثم أخبر تعالى نبيه عن مؤمني موسى بقوله (فما آمن لموسى إلا ذرية) أي لم ~~يصدق بموسى إلا أولاد (من قومه) أي قوم موسى بني إسرائيل، لأن موسى قد دعا ~~آباءهم إلى الإيمان، فلم يجيبوا فأجابه الأولاد (على خوف من فرعون وملائهم) ~~أي وأشراف الذرية ولم يؤنث الضمير نظرا للمعنى، لأنهم قوم، يعني أنهم PageV02P183 # آمنوا وهم يخافون من فرعون وقومه وإنما لم يؤمن آباؤهم «1»، لأنهم كانوا ~~من القبط، وكانت أمهاتهم من بني إسرائيل، فجعل الرجل يتبع أمه وخاله، وقيل: ~~هلك آباؤهم ms0707 من بني إسرائيل وبقي أبناؤهم «2»، وقيل: الضمير في ملئهم لفرعون ~~«3»، جمع تعظيما له لكونه عظيما في نفسه أو المراد من «فرعون» آله كما يقال ~~مضر ويراد قومه قوله (أن يفتنهم) في محل الجر بدل من «فرعون»، أي على خوف ~~من أن يقتلهم (وإن فرعون لعال) أي لطاغ عات متكبر (في الأرض) أي في أرض مصر ~~بادعاء الألوهية والقتل والظلم العظيم (وإنه لمن المسرفين) [83] أي ~~المجاوزين الحد، لأنه كان عبدا فقيرا فادعى الربوبية بكبره وعتوه «4»، قيل: ~~«عاش فرعون ثثلثمائة سنة أو مائتين وعشرين سنة لم ير مكروها، ودعاه موسى ~~ثمانين سنة» «5». ### || [سورة يونس (10): آية 84] # وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) # (وقال موسى) لقومه الذين آمنوا به (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا) أي به ثقوا ولا تخافوا من فرعون وقومه، وذلك حين قالوا له أوذينا ~~من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، فقال توكلوا على الله (إن كنتم مسلمين) ~~[84] أي مخلصين في الإيمان «6». ### || [سورة يونس (10): الآيات 85 الى 86] # فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين (86) # (فقالوا على الله توكلنا) في جميع أمورنا ثم دعوه بقولهم (ربنا لا تجعلنا ~~فتنة) أي بلية (للقوم الظالمين) [85] أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنا لم نكن ~~على الحق فيزدادوا طغيانا وعتوا (ونجنا برحمتك) أي بنعمتك وإحسانك (من ~~القوم الكافرين) [86] بك وبأنبيائك، يعني فرعون وقومه. ### || [سورة يونس (10): آية 87] # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة ~~وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) # قال الله تعالى (وأوحينا إلى موسى وأخيه) هرون (أن تبوءا) أي اتخذا مباءة ~~(لقومكما بمصر بيوتا) وهي المنزل، يقال تبوأ فلان لنفسه بيتا إذا اتخذه ~~مضجعا وأردا ب «مصر» هنا إما مصر فرعون أو الإسكندرية، يعني اتخذا لأجلهم ~~منزلا ومقاما فيها لأجل العبادة، فلذلك ثني الخطاب «7»، وإنما خص الخطاب ~~بهما، فقيل تبوآ «8»، لأنه مما يفوض إلى الأنبياء، ثم سيق الخطاب عاما لهما ~~ولقومها بقوله (واجعلوا ms0708 بيوتكم قبلة) أي في بيوتكم مساجد متوجهة إلى القبلة ~~وهي الكعبة، وكان بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فلما أرسل ~~موسى أمرهم فرعون أن يخربوا بيعهم وكنائسهم، ومنعهم من الصلوة لئلا يظهر ~~عبادتهم وكانت ظاهرة، فأمرهم أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها سرا ~~خوفا من آل فرعون، وقيل: معناه حولوا بيوتكم نحو القبلة «9»، وقال ابن عباس ~~رضي الله عنه: «كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه» «10»، فأمرهم بالتحويل ~~إليها (وأقيموا الصلاة) أي أتموها فيها بركوعها وسجودها خفية من الكفرة ~~حذارا من أذاهم، قيل: كان المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة لئلا ~~يفتنوهم ثم خص موسى بالبشارة التي هي الغرض تعظيما لها وللمبشر بها بقوله ~~«11» (وبشر) يا موسى (المؤمنين) [87] أي المصدقين بالله المصلين في البيوت ~~سرا بالجنة، وهذا يؤذن أن PageV02P184 # الصلوة كانت مفروضة على بني إسرائيل بمصر دون الزكوة، لأن فرعون استعبدهم ~~وأخذ أموالهم، فصاروا فقراء ومساكين «1»، وقيل «وبشر» خطاب لمحمد عليه ~~السلام «2»، وهذا خلاف الظاهر. ### || [سورة يونس (10): آية 88] # وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (88) # ثم أخبر تعالى عن موسى وحاله بقوله (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون) أي ~~أعطيته (وملأه) أي أشرافه (زينة) وهي كل ما يتزين به من متاع الدنيا، قيل: ~~«كانت لهم من فسطاط مدينة من نواحي مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب ~~وفضة وياقوت وزبرجد» «3»، فطغوا بها وضلوا، ولذلك قال (وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) أي عن دين الإسلام، قرئ بفتح الياء من ~~الضلال، أي ليمتنعوا عن دينك وبضمها من الإضلال «4»، أي ليصرفوا الناس عن ~~دينك، واللام فيه للتعليل، أي ليكون سببا للضلالة أو لام العاقبة، أي ليكون ~~عاقبة أمرهم الضلال، وقيل: هو دعاء بلفظ أمر الغائب بدليل قوله «5» (ربنا ~~اطمس على أموالهم) أي امحها واهلكها، والطمس المحو (واشدد على قلوبهم) أي ~~اقسها ولا توفقهم للإيمان ms0709 «6» (فلا يؤمنوا) عطف على «ليضلوا»، والأولى عطفه ~~على «اشدد»، وقيل: نصب بعد الفاء في جواب الدعاء «7»، أي حتى لا يدخلها ~~الإيمان، وقيل: هو دعاء بلفظ النهي «8»، أي اللهم اشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا (حتى يروا العذاب الأليم) [88] وهو الغرق، قيل: مسخ الله أموالهم ~~حجارة من الدراهم والدنانير مع نقوشهما كهيئتهما صحاحا، ومن النخيل والثمار ~~والطعام والدقيق «9»، روي: أن الرجل كان مع أهله في فراشه فصارا حجرين ~~والمرأة قائمة تختبز فصارت حجرا وسكرهم أيضا صار حجرا «10»، فكانت إحدى ~~الآيات التسع، وذلك حين وعد له فرعون بأن يؤمن ويرسل معه بني إسرائيل كما ~~أمر الله به. ### || [سورة يونس (10): آية 89] # قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89) # ثم نقض العهد فدعا عليهم موسى وهرون (قال) تعالى (قد أجيبت دعوتكما) قيل: ~~إنهما كانا يدعوان جميعا «11»، وقيل: «دعا موسى وأمن هرون» «12» (فاستقيما) ~~أي فاثبتا على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب (ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون) [89] قرئ بتشديد التاء وكسر الباء وسكون التاء وفتح الباء ~~مع تخفيف النون المؤكدة وكسرها لالتقاء الساكنين وبتشديدها «13»، أي لا ~~تسلكان طريق الجهلة بعبادة الله ولا تجعلا في إجابة دعائكما، فان التعجيل ~~ليس بمصلحة، إذ الأمور يتعلق بالمصالح كما لبث نوح في قومه قريبا من ألف ~~عام ولم يستعجل لزيادة إلزام الحجة، قيل: «إن الإجابة ظهرت بعد أربعين سنة» ~~«14»، وقيل: بعد أربعين يوما «15»، وقيل: # وقع الدعاء حين خرج موسى ببني إسرائيل من مصر وآيس من إيمانه وإيمان قومه ~~«16»، لأنه علم أن إيمانهم كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة بوحي من الله، ~~فاشتد غضبه وأفرط مقته، فدعا عليهم بما علم أنه لا يكون غيره. PageV02P185 ### || [سورة يونس (10): آية 90] # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا ~~أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين (90) # (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) أي عبرنا بهم منه وهو بحر النيل، وقيل: بحر ~~قلزوم «1» (فأتبعهم) أي فلحقهم، يقال أتبعه فلان إذا أدركه ms0710 ولحقه وتبعه ~~واتبعه بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به، يعني أدركهم (فرعون وجنوده بغيا) ~~أي ظلما في القول حيث قال «إن هؤلاء لشرذمة قليلون» «2» (وعدوا) أي اعتداء ~~في الفعل حيث قصد قتلهم، وذلك حين انفلق البحر لموسى وقومه بأمر الله تعالى ~~لموسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فصار اثني عشر طريقا يابسا، فلما وصل ~~فرعون وجنوده إلى البحر هابوا دخوله، فتقدمهم جبرائيل على فرس وديق، وخاض ~~البحر فاقتحمت خيولهم خلفه، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطلق عليهم ~~الماء (حتى إذا أدركه) أي فرعون (الغرق) يعني غمره وقرب هلاكه (قال آمنت ~~أنه) بالكسر على الاستئناف وبالفتح «3» مفعول «آمنت»، أي إن الشأن (لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين) [90] أي على دينهم ~~الإسلام أو أنا من المخلصين على التوحيد، كرر الإيمان ثلاث مرات حرصا على ~~القبول ولم يقبل لأنه لم يكن وقت القبول. ### || [سورة يونس (10): آية 91] # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) # فقال تعالى خطابا لفرعون (آلآن) أي أتؤمن الآن (وقد عصيت قبل) أي قبل هذا ~~الوقت (وكنت من المفسدين) [91] أي الضالين المضلين، قيل: إيمان البأس غير ~~مقبول «4» لقوله «فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا» «5»، وفي توبة ~~البأس خلاف بين العلماء، والأصح قبولها لانبساط المعرفة السابقة بالإيمان ~~في المؤمن بخلاف الكافر، فانه لا معرفة له مع ربه حتى ينبسط عن البأس فيرد ~~إيمانه عليه، روي: أن جبرائيل عليه السلام أخذ من طينة البحر فدسه في فيه ~~وهو محمول على غضب الله على الكافر في وقت قد علم أن إيمانه لا ينفعه لا ~~على معنى آخر يروى فيه «6». ### || [سورة يونس (10): آية 92] # فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون (92) # ثم قال تعالى لفرعون (فاليوم ننجيك) من البحر (ببدنك) أي بجسدك لا روح ~~فيه أو بدرعك، وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر (لتكون) يا فرعون (لمن ~~خلفك) أي لمن بعدك من الكفار المتمردين (آية) أي عبرة لئلا يدعوا الربوبية، ~~قيل: ms0711 لما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قال بنو إسرائيل ما مات فرعون، ~~فأمر الله البحر فألقاه ميتا على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور، فرآه بنو ~~إسرائيل فصدقوا بموته، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا، فصار عظة ~~للخلق «7» (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا) وهي هلاك فرعون مع جنوده وإنجاء ~~موسى مع قومه من البحر المغرق (لغافلون) [92] أي لا يخافون فيعتبرون. ### || [سورة يونس (10): آية 93] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) # ثم أخبر عن حال بني إسرائيل بعد هلاك أعدائهم بقوله (ولقد بوأنا) أي ~~نزلنا (بني إسرائيل مبوأ صدق) أي منزل رفق وكرامة، وهو مصر والشام أو الأرض ~~المقدسة (ورزقناهم من الطيبات) أي الحلالات من ميراث PageV02P186 # أهل مصر وأهل الشام (فما اختلفوا) أي ما تشعبت «1» اليهود الذين كانوا في ~~عهد النبي عليه السلام في تصديقه أنه نبي، فقال بعضهم: هو هو، وقال: بعض ~~«2» ليس هو، وغيروا صفته بعد معرفتهم إياها في كتابهم (حتى جاءهم العلم) أي ~~القرآن والبيان بأنه صادق ودينه حق، وكانوا مقرين بنبوته قبل خروجه للرسالة ~~أو ما اختلفوا في دينهم ولم يتفرقوا فرقا فيه حتى جاءهم موسى بعلم التورية، ~~فاختلفوا من بعد يوشع بن نون، فآمن بعض وكفر بعض (إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) [93] من أمر الدين. ### || [سورة يونس (10): الآيات 94 الى 95] # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين (95) # ثم قال خطابا للنبي عليه السلام والمراد غيره على عادة العرب لعلمه تعالى ~~أنه غير شاك أو خطاب له على سبيل الفرض أو خطاب لكل إنسان شاك، لأن الناس ~~كانوا في عهده بين شاك وموقن (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك) وهو نزل حين ~~قالت كفار قريش إن ms0712 هذا الوحي يلقى إلى الشيطان «3»، فقال تعالى إن كنت في ~~شك منه (فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) وهم مؤمنو أهل التورية فيخبرونك ~~أنه مكتوب عندهم في التورية أو قيل: للنبي عليه السلام هذا على سبيل الفرض ~~ليكون فيه أبلغ، ولذا قال لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق «4»، ثم قال ~~تحقيقا له ذلك (لقد جاءك الحق) واللام في جواب القسم، أي والله لقد أتاك ~~الذي لا شك فيه وهو القرآن (من ربك) لا من الشيطان كما قاله الأعداء (فلا ~~تكونن من الممترين) [94] أي الشاكين في أنه من ربك (ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله) أي بكتابه ورسله «5» (فتكون من الخاسرين) [95] أي من ~~المغبونين في دينك. ### || [سورة يونس (10): الآيات 96 الى 97] # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم (97) # (إن الذين حقت) أي وجبت (عليهم كلمت ربك) وهو قوله: هؤلاء في النار ولا ~~أبالي (لا يؤمنون) [96] فيموتون كفارا، لأنه قدر عليهم الكفر (ولو جاءتهم ~~كل آية) أي كل علامة «6» دالة على التوحيد (حتى يروا العذاب الأليم) [97] ~~أي الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة. ### || [سورة يونس (10): آية 98] # فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) # (فلو لا كانت قرية) أي فما كانت جماعة قرية كافرة، ف «لو لا» كلمة ~~التحضيض في الأصل استعملت هنا للنفي، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، يعني ~~لم يكن قرية من القرى (آمنت) عند معاينة العذاب (فنفعها إيمانها) في حال ~~البأس (إلا قوم يونس) فالاستثناء متصل، لأن المراد أهالي القرى فيكون نصبه ~~على أصل الاستثناء من «ما آمنت»، ويجوز أن يكون «لو لا» في معناها، ~~والاستثناء منقطعا من «قرية» بمعنى لكن قوم يونس (لما آمنوا) وقت بقاء ~~الاختيار والتكليف (كشفنا عنهم عذاب الخزي) أي الذل والهوان (في الحياة ~~الدنيا) فنفعهم إيمانهم لوقوع إيمانهم في وقت الاختيار لا في حال البأس «7» ~~(ومتعناهم إلى ms0713 حين) [98] أي إلى انقضاء آجالهم واختلفوا في أنهم رأوا ~~العذاب عيانا، فقال بعضهم وهم الأكثرون رأوا العذاب عيانا بدليل قوله ~~«كشفنا»، وقال الأقلون رأوا دليل العذاب وهو اسوداد السماء بالغيم المظلم ~~هائلا يدخن «8» فيه الدخان PageV02P187 # الشديد ليؤمنوا ويطيعوا فهو بمنزلة رفع الجبل على قوم موسى لامتثال أمر ~~التورية «1». # وقصة الآية: أنه قال عبد الله مسعود رضي الله عنه إن قوم يونس كانوا ~~بنينوى من أرض الموصل، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى ~~الإيمان، فأبوا فقال لهم بوحيه تعالى: أن العذا مصبحكم إلى ثلاثة أيام، ~~فقال بعضهم لبعض ما جربنا عليه كذبا مذ كان معنا، فانظروا إن بات فيكم تلك ~~الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم فاحتالوا لأنفسكم ~~وخرج في تلك الليلة من عندهم، فلما أصبحوا رأوا غيما أسود فيه دخان عظيم، ~~فهبط حتى غشي مدينتهم وتسودت سطوحهم، فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا ~~بالهلاك فترادوا المظالم، قيل كان يقلع الرجل الحجر الذي قد وضعه بالظلم في ~~أساس بنائه ويرده إلى مالكه، فتابوا واستغفروا الله ولبسوا المسوح وخرجوا ~~إلى الصحراء مع النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا بين الأولاد والأمهات من ~~الأناسي والبهائم فحن بعضهم إلى بعض، ثم عجوا إلى الله مؤمنين متضرعين ~~تائبين أربعين ليلة، فلما عرف الله منهم صدق التوبة وإخلاصها رحمهم، فرفع ~~عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم، ففيه تخويف شديد لأهل مكة وغيرهم بأنهم إن ~~لم يؤمنوا لنزل بهم العذاب، فلا ينفعهم الإيمان إن آمنوا في ذلك الوقت، ~~روي: أنهم خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم وعرضوا عليه حالهم من نزول العذاب ~~بهم، فقال: قولوا يا حي حين، لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا ~~أنت، فقالوها فكشف عنهم العذاب وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة، وقيل: قالوا ~~اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله ~~ولا تفعل بنا ما نحن له أهله «2». ### || [سورة يونس (10): آية 99] # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ms0714 جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين (99) # (ولو شاء ربك) يا محمد إيمانهم (لآمن من في الأرض كلهم جميعا) بتوفيقه ~~وهدايته إياهم أو بالقسر والإلجاء كما فعل بقوم يونس لكنه لم يفعل، لأن ~~الدنيا دار ابتلاء (أفأنت تكره الناس) أي المشركين (حتى يكونوا مؤمنين) ~~[99] ليس ذلك إليك وإنما عليك التبليغ، قيل: هو في شأن عمه أبي طالب «3». ### || [سورة يونس (10): آية 100] # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) # ثم أومي إلى أن الإيمان لا يكون للمؤمن إلا باذنه وإرادته (وما كان لنفس) ~~من النفوس التي علم أنها تؤمن (أن تؤمن إلا بإذن الله) أي بتسهيله وتوفيقه ~~(ويجعل الرجس) بالنون والياء «4»، والجاعل الله، أي الخذلان، لأنه سبب ~~الرجس وهو العذاب (على الذين لا يعقلون) [100] من الله أمره ونهيه. ### || [سورة يونس (10): آية 101] # قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون (101) # (قل انظروا ما ذا) «ما» استفهامية و«ذا» بمعنى الذي عند سيبويه، أي ~~انظروا نظر عبرة ما الذي (في السماوات) من دلائل التوحيد كالشمس والقمر ~~والنجوم (و) في (الأرض) من الجبال والأشجار والثمار والبحار وغير ذلك، ~~فاعتبروا به وآمنوا (وما تغني الآيات) أي ولا تنفع العلامات (والنذر) جمع ~~نذير، أي الرسل (عن قوم لا يؤمنون) [101] لعلمه السابق أنهم يموتون على الكفر. ### || [سورة يونس (10): آية 102] # فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) # ثم هدد كفار مكة بقوله (فهل ينتظرون) أي ما يترقبون بعدم الإيمان (إلا ~~مثل أيام الذين خلوا) أي وقائع الذين مضوا (من قبلهم) من مكذبي الأمم كقوم ~~نوح وعاد وثمود، والعرب تسمي العذاب والنعمة أياما كقوله PageV02P188 # «وذكرهم بأيام الله» «1»، أي بنعمه، وقالوا كل ما مضى عليك من خير وشر ~~فهو أيام (قل فانتظروا) بهلاكي (إني معكم من المنتظرين) [102] يهلاككم. ### || [سورة يونس (10): آية 103] # ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) # قوله (ثم ننجي) بالتشديد دون التخفيف «2» (رسلنا) من العذاب ms0715 (والذين ~~آمنوا) معهم منصرف معنى إلى قوله «أيام الذين خلوا»، يعني إذا جاءهم العذاب ~~ينجي الله محمدا عليه السلام ومن آمن معه دونهم، قوله (كذلك) أي مثل ذلك ~~الإنجاء (حقا) أي إنجاءا ثابتا صادقا (علينا) يتعلق بقوله (ننج المؤمنين) ~~[103] بالتشديد والتخفيف. ### || [سورة يونس (10): آية 104] # قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) # ثم أمر نبيه بأن يقول لأهل مكة بقوله (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني) الذي أدعوكم إليه في صحته وسداده، فهذا ديني، يعني الإسلام فأعرضوه ~~على عقولكم لتعلموا أنه دين لا مدخل للشك فيه، فاني نظرت إلى دينكم وعرفت ~~أنه باطل (فلا أعبد الذين تعبدون) أي الأوثان والحجارة التي تعبدونها (من ~~دون الله) ربكم وخالقكم (ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم) أي يميتكم ويقبض ~~أرواحكم عند انقضاء آجالكم، فهل يدل هذا على فساد ديني أم على فساد دينكم ~~(و) مع ذلك (أمرت أن أكون من المؤمنين) [104] أي الموقنين على دينهم من غير ~~انصراف عنه فلا أنصرف عنه. ### || [سورة يونس (10): آية 105] # وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) # (وأن أقم) عطف على «أن أكون» على «أن» مصدرية، ومنع ذلك بعض النحاة، لأن ~~الصلة لا بد أن تكون «3» جملة خبرية والأمر والنهي للإنشاء فلا يصلح أن ~~يوصل بهما، وجوزه سيبويه، لأن الأمر والنهي يدلان على المصدر كدلالة سائر ~~الأفعال عليه، فيكون عطف المصدر على المصدر، أي وأمرت بأن أخلص (وجهك) أي ~~عملك (للدين حنيفا) أي مائلا عن الأديان غيره، حال من فاعل الأمر «4» (ولا ~~تكونن من المشركين) [105] أي لا ترجع عن دينك الحق إلى دينهم الباطل. ### || [سورة يونس (10): آية 106] # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) # (ولا تدع) أي لا تعبد (من دون الله) أي من غيره (ما لا ينفعك) إن عبدته ~~(ولا يضرك) إن لم تعبده ms0716 وعصيته (فإن فعلت) أي فان عبدت غيره (فإنك إذا من ~~الظالمين) [106] أي الضارين أنفسهم، أي الشكر ظلم عظيم، قيل: الظالم من طلب ~~النفع ممن لا يملكه لنفسه واستدفع الضرر ممن لا يملك الدفع عن نفسه «5». ### || [سورة يونس (10): آية 107] # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب ~~به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) # ثم قال (وإن يمسسك الله) أي إن يصبك (بضر) أي ببلاء قليل كالمرض والفقر ~~(فلا كاشف له إلا هو) أي لا مزيل لما يصيبه من الضر غيره ولا يقدر الأصنام ~~على كشفه (وإن يردك) الله (بخير) كالصحة والسعة في الرزق (فلا راد لفضله) ~~أي لا مانع لعطائه الذي يريده لك (يصيب به) أي بفضله وخيره أو بكل واحد من ~~النفع والضر (من يشاء من عباده) إذا استحق له (وهو الغفور الرحيم) [107] ~~بمغفرة ذنوب المؤمنين وبقبول حسناتهم منهم. PageV02P189 ### || [سورة يونس (10): آية 108] # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) # ثم أمره أيضا أن يقول لأهل مكة بقوله (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق) ~~أي القرآن والإسلام (من ربكم) فلم يبق لكم عذر ولا على الله حجة بعد هذا ~~(فمن اهتدى) أي اختار الهدى بالإيمان بهما (فإنما يهتدي لنفسه) أي فثوابه ~~مختص بنفسه (ومن ضل) عن الهدى ولم يختره (فإنما يضل عليها) أي فوباله على ~~نفسه لا غيره (وما أنا عليكم بوكيل) [108] لحفظ أعمالهم، قيل: نسخ هذا بآية ~~السيف «1». ### || [سورة يونس (10): آية 109] # واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) # (واتبع ما يوحى إليك) إن لم يصدقوك فاعمل به (واصبر) على تكذيبهم واذائهم ~~(حتى يحكم الله) أي يقضي بينك وبين أعدائك بالحق وينصرك عليهم في الدنيا ~~والآخرة بتعذيبهم (وهو خير الحاكمين) [109] أي أعدل القاضين، فحكم بقتل ~~المشركين وبأخذ الجزية عن سائر الكافرين يعطونها عن يد مع كونهم صاغرين. PageV02P190 ### | سورة هود # مكية ms0717 # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة هود (11): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) # (الر كتاب أحكمت آياته) نزل بعد ختم يونس بالأمر بالإيمان واتباع الموحى ~~والصبر عليه لنفي الشرك وبيان الموحى المحكم المفصل والعمل به، أي أنا الله ~~الرقيب على كل شيء هذا المنزل كتاب أحكمت آياته، أي من الاختلاف والتناقض ~~أو أحكمتها بالأمر والنهي وبما يحتاج إليه العباد (ثم فصلت) أي بينت وشرحت ~~بدلائل التوحيد وأحكام الحلال والحرام والمواعظ والقصص والأمثال أو فرقت في ~~التنزيل آية فآية وسورة فسورة، ولم تنزل جملة واحدة، و«ثم» لتراخي الوصف لا ~~لتراخي الوقت كما يقال فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل، قوله (من لدن حكيم ~~خبير) [1] يتعلق ب «أحكمت» و«فصلت»، أي أتقنت وفسرت من عند إله حكيم في ~~الاتقان خبير في التفسير والبيان. ### || [سورة هود (11): آية 2] # ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) # (ألا تعبدوا) مفعول له، أي لأن توحدوا ولا تطيعوا (إلا الله) ف «أن» ~~ناصبة للفعل، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي أن لا تعبدوا غير الله، ~~ف «أن» مخففة من الثقيلة، ويجوز أن يكون مفسرة، لأن في تفصيل الآيات معنى ~~القول، أي قيل: لا تعبدوا إلا الله فلا نهي في الوجهين أو مفعول به، أي بأن ~~لا تعبدوا فهو في محل الجر بتقدير الباء، قوله (إنني) مقول قول مقدر، أي قل ~~يا محمد لهم إنني (لكم منه) أي من جهة الله (نذير) أي مخوف من عذابه لمن ~~كفر (وبشير) [2] بالجنة لمن آمن. ### || [سورة هود (11): آية 3] # وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ~~ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) # قوله (وأن استغفروا) يجوز أن يعطف على «أن لا تعبدوا»، أي وحدوا (ربكم) ~~بالاستغفار من الشرك، لأن التوبة تكون من الشرك أيضا خلافا للمعتزلة، لأن ~~عندهم لا تصح التوبة إلا بعد الإيمان ففسروا «استغفروا ربكم» بآمنوا به (ثم ms0718 ~~توبوا) أي ارجعوا (إليه) بالطاعة وترك المعصية أو استغفروا بالتوبة ثم ~~استقيموا عليها، قال الفراء: «ثم» هنا بمعنى الواو «1»، لأن الاستغفار ~~توبة، أي توبوا إليه باللسان وارجعوا إليه بالإخلاص أو معناه استغفروا من ~~ماضي الذنوب وتوبوا من مستقبلها (يمتعكم) أي يعيشكم في الدنيا (متاعا حسنا) ~~أي عيشا طيبا (إلى أجل مسمى) أي إلى حين الموت، قيل: العيش الطيب هو الرضا ~~بالميسور والصبر على المقدور «2» (ويؤت كل ذي فضل فضله) أي ويعط كل ذي عمل ~~صالح في الدنيا أجره في الآخرة، قيل: «من كثرت طاعاته PageV02P191 # في الدنيا زادت درجاته في الجنة» «1»، لأن الدرجات تكون بالأعمال، قال ~~ابن عباس: «من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة ومن زادت سيئاته على ~~حسناته دخل النار ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف ثم يدخل ~~الجنة بعده بالفضل» «2» (وإن تولوا) أصله أن تتولوا، أي أن تعرضوا عن ~~الإيمان (فإني) أي فقل إني (أخاف عليكم عذاب يوم كبير) [3] أي عذاب يوم ~~القيامة. ### || [سورة هود (11): آية 4] # إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) # (إلى الله مرجعكم) أي مصيركم في الآخرة (وهو على كل شيء قدير) [4] أي ~~قادر على أن يبعثكم بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم. ### || [سورة هود (11): آية 5] # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) # قوله (ألا إنهم يثنون صدورهم) نزل تنبيها للنبي عليه السلام والمؤمنين عن ~~حال من كان إذا مر برسول الله وهو يقرأ القرآن ثنى صدره وطأطأ رأسه وغطى ~~نفسه بثيابه لئلا يعرفهم النبي عليه السلام ولئلا يسمعوا قراءته كراهة لها ~~وهم كفار مكة «3»، وقيل: نزل في شأن المنافقين «4»، أي اعلموا أن الكفار ~~يزورون عن الحق ويميلون عنه بامالة صدورهم عن النبي عليه السلام وإرخاء ~~الستر عليهم بثيابهم (ليستخفوا) أي ليستتروا (منه) أي من النبي عليه ~~السلام، يعني لئلا يعرفه ولا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره (ألا حين يستغشون) ~~أي يغطون (ثيابهم) على رؤسهم (يعلم) الله (ما يسرون) من العداوة في ms0719 قلوبهم ~~(وما يعلنون) بألسنتهم من الكلام، قيل «5»: منهم أخنس بن شريق، فانه كان ~~يظهر المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وله حلو الكلام وحسن المنظر، ~~وتعجب النبي عليه السلام مجالسته ومحادثته وهو يضمر خلاف ما يظهر «6»، ~~والله مطلع على ما في نفسه ونفس غيره مخبر عن ذلك بقوله تعالى (إنه عليم ~~بذات الصدور) [5] أي بما في قلوبهم من الخير والشر فيجازيهم به. ### || [سورة هود (11): آية 6] # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في ~~كتاب مبين (6) # (وما من دابة في الأرض) «من» صلة، أي زائدة، والدابة كل حيوان يدب على ~~وجه الأرض، أي ما دابة من الدواب (إلا على الله رزقها) أي ضامن لرزقها ~~بمعنى أنه يوصله إليها وجوبا لا أنه لم يرزقها حتى تموت جوعا، فحيثما توجهت ~~يرزقها هو، وفي «على» معنى الوجوب، والرزق من باب التفضل، لكنه لما تفضل ~~برزق كل شيء من الدواب صار التفضيل منه تعالى كنذور العباد، وقيل: «على» ~~بمعنى «من» «7»، أي من الله رزقها (ويعلم مستقرها) أي مكانها ومسكنها ليلا ~~أو نهارا «8» (ومستودعها) أي ويعلم الموضع الذي تموت وتدفن فيه، وقيل: ~~مستقرها الأرحام «9» أو الأصلاب «10» أو البيضات (كل) أي كل واحد من الرزق ~~والمرزوق والمستقر والمستودع وبيان غيرها من الأشياء (في كتاب مبين) [6] أي ~~مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها فلا يفوت منه شيء. ### || [سورة هود (11): آية 7] # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين (7) PageV02P192 # (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام) أي من أيام الآخرة، قاله ابن ~~عباس «1» أو من أيام الدنيا قاله الحسن «2» (وكان عرشه على الماء) قبل خلق ~~السموات والأرض، لأنه لم يكن تحت العرش سوى الماء وكان ذلك على متن الريح، ~~قيل: «خلق الله ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق ~~الريح فجعل الماء على ms0720 متنها، ثم وضع العرش على الماء، ثم خلق السموات ~~والأرض وخلق القلم واللوح فكتب فيه به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك ~~الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه» «3»، فالمعنى: أن ~~العرش كان على الماء قبل خلق كل شيء ولا دليل فيه على قدم الماء لقوله ~~تعالى «هو الأول والآخر» «4»، قوله (ليبلوكم) يتعلق ب «خلق»، أي خلق ~~السموات والأرض لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعمهم بأنواع ~~النعم ويكلفهم بالأمر والنهي، فمن شكر وأطاع أثابه بالجنة، ومن كفر وعصى ~~عاقبه بالنار، ولما كان ذلك مشابها باختيار المختبر قال «ليبلوكم»، أي ~~ليختبركم كاختبار المبتلي لأحوالكم (أيكم أحسن عملا) أي أتم عقلا وأزهد في ~~الدنيا أو أخلص دينا وأسرع طاعة وأورع معصية أيها المؤمنون، وخصهم بالذكر ~~تشريفا لهم وطرح ذكر غيرهم تحقيرا لهم، لأنه ليسوا أهلا للطف الخطاب اللطيف ~~ولأن أعمال المؤمنين تتفاوت إلى حسن وأحسن دون أعمال الكافرين، والاختبار ~~من الله إظهار ما يعلم من أسرار خلقه ولتضمنه معنى العلم جاز تعليق فعل ~~البلاء من العمل في «أيكم» بالرفع، ثم قال لنبيه عليه السلام (ولئن قلت) ~~لهم يا محمد (إنكم مبعوثون من بعد الموت) يوم القيامة (ليقولن الذين كفروا) ~~أي أهل مكة (إن هذا إلا سحر مبين) [7] بغير الألف «5»، أي ما هذا القرآن ~~إلا كذب باطل عيانا لاستحالة خبره بالبعث ظاهرا، وقرئ «ساحرا» بالألف «6»، ~~أي كاذب مبطل. ### || [سورة هود (11): آية 8] # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ~~ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) # (ولئن أخرنا عنهم العذاب) أي عن كفار مكة كعذاب يوم بدر أو كقتل جبرائيل ~~المستهزئين (إلى أمة معدودة) أي إلى أجل معلوم (ليقولن) أي الكافرون تكذيبا ~~واستهزاء (ما يحبسه) أي أي شيء يمنع العذاب عن المجيء، يقولونه استعجالا له ~~ظاهرا، ويعنون أنه ليس بنازل، فقال تعالى (ألا يوم يأتيهم) العذاب (ليس ~~مصروفا عنهم) أي ليس أحد يصرف العذاب عنهم إذا نزل ms0721 بهم في الدنيا أو في ~~الآخرة (وحاق) أي نزل (بهم ما كانوا به يستهزؤن) [8] أنه ليس بنازل بهم أو ~~وباله وجزاؤه، قوله «يوم يأتيهم» ظرف منصوب ب «مصروفا» PageV02P193 # قدم على «ليس»، وهو دليل لمن يدعي جواز تقديم خبر «ليس» عليها، لأنه إذا ~~جاز تقديم المعمول كان قديم عامله أجوز وأولى، إذ المعمول لا يقع إلا حيث ~~يقع العامل. ### || [سورة هود (11): آية 9] # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) # (ولئن أذقنا الإنسان) أي الوليد بن المغيرة أو الجنس (منا رحمة) أي نعمة ~~كالعافية والغنا (ثم نزعناها) أي أزلنا تلك النعمة (منه) أي من الإنسان ~~(إنه ليؤس) أي شديد القنوط من أن لا تعود إليه قاطع الرجاء من فضل الله بلا ~~صبر وتسليم لقضائه ولا استرجاع (كفور) [9] أي عظيم الكفران بانعام الله ~~عليه النعم الوافرة فيما مضى من الزمان لا يشكره أصلا على ذلك. ### || [سورة هود (11): آية 10] # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور (10) # (ولئن أذقناه) أي الإنسان (نعماء) أي وسعة النعمة وتمام الصحة (بعد ضراء) ~~أي بعد شدة «1» (مسته) أي أصابته (ليقولن) أي الإنسان (ذهب السيئات) أي ~~زالت الشدائد (عني إنه لفرح) أي بطر (فخور) [10] أي متجبر على الناس بما ~~أذاقه الله من نعمائه وقد شغله الفخر عن الشكر، قيل: «الفرح لذة في القلب ~~لنيل المشتهى، والفخر التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهي عنه» «2». ### || [سورة هود (11): آية 11] # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) # قوله (إلا الذين صبروا) إن نالتهم شدة استثناء متصل من «الإنسان» أو ~~منقطع، أي لكنهم ليسوا كذلك، فمحل «الذين صبروا» رفع، مبتدأ وعطف على الصلة ~~قوله (وعملوا الصالحات) بينهم وبين ربهم، يعني إن نالوا نعمة أقروا وشكروا، ~~وخبر المبتدأ (أولئك لهم مغفرة) من الذنوب (وأجر كبير) [11] وهو الجنة ~~واللقاء. ### || [سورة هود (11): آية 12] # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا أنزل عليه ~~كنز أو جاء معه ملك إنما ms0722 أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) # قوله (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) نزل حين قالت كفار مكة إئت بقرآن غير ~~هذا، ليس فيه سب آلهتنا، وقالوا أيضا: كيف لا ينزل عليه ملك نراه أو كيف لا ~~يكون له كنز من المال ينفقه حتى نتبعه، فهم النبي عليه السلام أن يترك سب ~~آلهتهم ظاهرا «3»، فقال تعالى لعلك تقصد ترك بعض الموحى إليك فلا تبلغه ~~إياهم مما يسؤهم رجاء أن يتبعوك (وضائق به صدرك) أي ويضيق بما كلفت قلبك، ~~يعني بما نتلوه عليهم مخافة (أن يقولوا) تكذيبا (لو لا) أي هلا (أنزل عليه ~~كنز) ينفقه (أو جاء معه ملك) يصدقه ويعينه، ثم قال تعالى يا محمد (إنما أنت ~~نذير) من الله برسالته فلا تترك النذارة وأد الرسالة فانما عليك الإنذار ~~وتبليغ الرسالة (والله على كل شيء) مما يقصدونك به من السوء (وكيل) [12] أي ~~حفيظ يحفظ ما يقولون، فيجازيهم به، فعليه توكل وبلغ الوحي بقلب فسيح ولا ~~تبال بسفههم، فانه ناصرك عليهم وذكر «ضائق» مكان «ضيق» ليدل على أن ضيقه ~~كان عارضا لا مستمرا كسيد وسائد، المعنى: أنهم لا يقرون بأنك رسول الله ~~والقرآن ينزل عليك من الله. ### || [سورة هود (11): الآيات 13 الى 14] # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14) # (أم يقولون) أي بل يقولون (افتراه) أي اختلقه من تلقاء نفسه (قل فأتوا ~~بعشر سور مثله) أي مثل سور القرآن آية سورة كانت (مفتريات) أي مختلقات ~~تماثله «4» في حسن النظم والبيان إن كنتم تزعمون أن محمدا اختلقه من ذات ~~نفسه، قيل: كيف يستقيم هذا مع قوله في يونس فأتوا سورة مثله «5»، وقد عجزوا ~~عنه فيكون كقول PageV02P194 # رجل آخر أعطني دينارا فعجز فقال أعطني عشرة دنانير، وأجيب عنه بأن سورة ~~هود نزلت أولا للتحدي ومنعه المبرد، لأن نزول سورة يونس سابق عنده وقال: ~~المعنى إن ms0723 عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد ~~فاتوا بعشر سور مثله من غير وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة «1» ~~(وادعوا من استطعتم من دون الله) أي استعينوا بآلهتكم للمعارضة (إن كنتم ~~صادقين) [13] في قولكم «افتراه»، فسكتوا فلم يجيبوا فنزل «2» (فان لم ~~يستجيبوا) أي إن لم يجيبوا (لكم) يا محمد خوطب بالجمع بعد قوله «قل» بافراد ~~الخطاب تعظيما له أو خوطب أولا وحده ثم خوطب ثانيا مع أصحابه (فاعلموا) ~~أيها المؤمنون (أنما أنزل) القرآن (بعلم الله) أي ملابسا بعلمه، يعني أنزله ~~عالما بانزاله بنظم معجز للخلق مشتمل على أخبار بغيوب وعلوم لا سبيل لهم ~~إليه (و) اعلموا أيضا (أن لا إله إلا هو) أي إلا الله الذي ينزل القرآن ~~بعلمه على رسوله محمد (فهل أنتم مسلمون) [14] أي مخلصون في إيمانكم بذلك ~~بعد هذه الحجة القاطعة، يعني اثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، وهو أنه ~~منزل من عند الله، قيل: الاستفهام فيه بمعنى الأمر، يعني أسلموا «3». ### || [سورة هود (11): آية 15] # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) # قوله (من كان يريد الحياة الدنيا) بعمله «4» (وزينتها) ولا يريد به وجه ~~الله، نزل في شأن المنافقين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يعملون ~~لغير الله «5» (نوف) أي نتم (إليهم أعمالهم) أي جزاءها بسعة «6» الرزق ~~والصحة وطيب العيش ودفع المكاره (فيها) أي في الدنيا (وهم فيها) أي في ~~الدنيا (لا يبخسون) [15] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم، يعني يرزقونها ~~وافية كاملة من غير بخس. ### || [سورة هود (11): آية 16] # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون (16) # (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط) أي هلك في الآخرة (ما ~~صنعوا فيها) أي ثواب صنعهم في الدنيا (وباطل ما كانوا يعملون) [16] في نفسه ~~إما لعدم مقارنة الإيمان أو لأنه لم يكن لوجه الله، قال عليه السلام: «أخوف ~~ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله! وما الشرك ms0724 الأصغر؟ قال: ~~الرياء» «7»، وفي رواية: «أن يصبح صائما ثم يفطر على طعام يشتهيه» «8»، ~~وقال أيضا: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها في الدنيا ويجزى بها ~~في الآخرة» «9»، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضي «10» ~~إلى الآخرة لم يكن له حسنة يعطي بها خيرا. ### || [سورة هود (11): آية 17] # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) # ثم قال تعالى مشيرا إلى أن ليس التساوى بين من يريد الدنيا بعمله ومن ~~يريد الآخرة به بقوله (أفمن كان على بينة) مبتدأ، خبره محذوف، أي أمن كان ~~على دين صحيح وحجة ظاهرة (من ربه) كمن ليس على بينة، والفاء صلة بالذي هو ~~على بينة محمد عليه السلام (ويتلوه) أي ويتبع محمدا (شاهد) وهو جبرائيل ~~رسول (منه) أي من PageV02P195 # الله يشهد بصدقه، وقيل: «ملك يحفظه ويسدده» «1»، وقيل: «القرآن بنظمه ~~وإعجازه من لسانه» «2» (ومن قبله) أي وقبل محمد أو قبل القرآن كان (كتاب ~~موسى) وهو التورية يشهد أيضا بصدق محمد عليه السلام (إماما) نصب على الحال، ~~أي حال كون كتابه مؤتما به في الدين قدوة في العمل به (ورحمة) أي وهداية ~~لمن اتبعه، يعني التورية أو آمنا من العذاب المنزل «3» عليهم من المؤمنين ~~به (أولئك) أي المؤمنون بكتاب موسى (يؤمنون به) أي بالقرآن أو بالنبي عليه ~~السلام (ومن يكفر به) أي بالقرآن أو بمحمد عليه السلام (من الأحزاب) أي ~~الكفار المتحزبين على النبي عليه السلام (فالنار موعده) أي مصيره بوعدنا ~~إياه (فلا تك) يا محمد (في مرية) أي في شك (منه) أي من الموعد أو من القرآن ~~(إنه الحق من ربك) أي إن القرآن الصدق من الله وهو رد لقولهم إنه لقول ~~شيطان رجيم اسمه الري يلقيه «4» إلى محمد (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) ~~[117] وهم أهل مكة لا يصدقون بأنه من عند ms0725 الله. ### || [سورة هود (11): آية 18] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) # (ومن أظلم ممن افترى) أي اختلق (على الله كذبا) بأن له ولدا أو معه شريكا ~~أو كذب بآياته، أي بالقرآن يعني لا أحد أظلم منه (أولئك) أي المكذبون ~~(يعرضون على ربهم) حين سيقوا إليه يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم (ويقول ~~الأشهاد) أي الرسل المبلغون بالرسالة أو الملائكة الحافظون للأعمال (هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم) بأن القرآن ليس منه «5» أو بنسبة الولد والشريك إليه ~~(ألا لعنة الله) أي غضبه وطرده (على الظالمين) [18] أي على «6» المشركين. ### || [سورة هود (11): آية 19] # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) # ثم بينهم بالوصف بقوله (الذين يصدون) أي يصرفون الناس (عن سبيل الله) أي ~~عن دين الحق وهو الإسلام (ويبغونها) أي ويطلبون «7» دين الإسلام (عوجا) أي ~~ميلا عن الاستقامة (وهم بالآخرة هم كافرون) [19] أي هم المخصوصون «8» ~~بانكار البعث يوم القيامة، فكرر الضمير تأكيدا لكفرهم وبيانا لاختصاصهم ~~بالكفر. ### || [سورة هود (11): الآيات 20 الى 22] # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة ~~هم الأخسرون (22) # (أولئك) أي الكاذبون على ربهم (لم يكونوا معجزين) أي فائتين الله لو أراد ~~عذابهم (في الأرض وما كان) أي ليس (لهم من دون الله) أي من غيره (من ~~أولياء) أي ناصرين «9» يحفظونهم من عذابنا في الدنيا أو في الآخرة (يضاعف ~~لهم العذاب) بتشديد العين من التضعيف، وبالألف من المضاعفة «10»، يعني يزاد ~~للرؤساء منهم العذاب بكفرهم وبما أضلوا غيرهم، قوله (ما كانوا) بدل من خبر ~~المبتدأ وهو «أولئك» أو هو خبر ثان له، أي أولئك لم يكونوا (يستطيعون) أي ~~يقدرون (السمع) أي الاستماع إلى الحق وهو كلام النبي عليه السلام فرط ~~تصاممهم عنه جحدا له ms0726 (وما كانوا يبصرون) [20] أي ينظرون إلى النبي من بغضه، ~~ويجوز أن يراد من أولياء آلهتهم. PageV02P196 # ثم بين نفي كونها أولياء بقوله «ما كانوا يستطيعون السمع» على الحقيقة، ~~«وما كانوا يبصرون» كذلك، فكيف تصلح للولاية وقوله «يضاعف لهم العذاب» ~~اعتراض بوعيد. # ثم أخبر أن وبال الافتراء «1» يرجع إلى أنفسهم بقوله (أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم) أي غبنوها باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى (وضل عنهم) أي ~~وفات (ما كانوا يفترون) [21] أي يزعمون أن آلهتهم أو الملائكة تشفع لهم عنهم. # (لا جرم) أي حقا أو لا بد، وأصل «جرم» قطع، وقيل: لا وجرم بنيا معا على ~~الفتح، محله رفع بالابتداء «2»، خبره (أنهم في الآخرة هم الأخسرون) [22] أي ~~الحق كونهم الأخسرين يوم القيامة. ### || [سورة هود (11): آية 23] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون (23) # ثم أخبر عن حال المؤمنين في الآخرة بقوله (إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) فيما بينهم وبين ربهم (وأخبتوا) أي اطمأنوا بالإخلاص (إلى ربهم) ~~أي إلى عبادته بالخشوع، من الخبت وهو المكان المطمئن (أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون) [23] أي لا يخرجون ولا يموتون، قيل: هذه الآية في شأن الصحابة ~~ومن مثلهم من المؤمنين «3»، والآية التي قبلها في شأن الكافرين. ### || [سورة هود (11): آية 24] # مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ~~تذكرون (24) # ثم بين مثلا لكل من الطائفتين تحقيقا للفرق بينهما وعدم تسويتهما في ~~الشبه ترغيبا في الإيمان وتزهيدا عن الكفر فقال (مثل الفريقين) أي الكافر ~~والمؤمن (كالأعمى والأصم) أي كمثلهما، وهو للكافرين، والواو بينهما كالواو ~~الداخلة بين الصفة والموصوف للتأكيد، وكذا في قوله (والبصير والسميع) أي ~~وكمثلهما للمؤمنين (هل يستويان) أي الفريقان (مثلا) أي تشبيها، تمييز، يعني ~~الرجل الذي لا يبصر ولا يسمع لا يستوي بالذي يبصر ويسمع، خاطب به النبي ~~عليه السلام كفار مكة فقالوا لا يستويان قال (أفلا تذكرون) [24] بالتخفيف ~~والتشديد «4»، أي لا «5» تتعظون «6» بعد العلم بأنهما لا يستويان فتؤمنون. ### || [سورة هود (11): آية 25] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم ms0727 نذير مبين (25) # (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين) [25] نزل لتهديد كفار مكة ~~«7»، يعني إن لم يتعظوا بما ذكرنا فاتل عليهم خبر نوح، إذ أرسلناه إلى قومه ~~ملتبسا بالإنذار من عذاب الدنيا والآخرة، أي بأني وبالكسر «8» على إرادة ~~القول المضمن في الرسالة، أي أرسلناه إليهم وقال يا قوم إني لكم مخوف من ~~الله ذو بيان بلغة تعرفونها. ### || [سورة هود (11): آية 26] # أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) # (أن لا تعبدوا إلا الله) وهو بدل من «إني»، أي بأن لا توحدوا ولا تطيعوا ~~غير الله (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) [26] أي مؤلم بالغرق أو بالنار ~~يوم القيامة، قيل: بعث نوح بعد أربعين سنة «9» أو خمسين «10» أو مائة أو ~~مائتين وخمسين سنة، ومكث فيهم يدعوهم تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ~~ستين سنة وكان عمره ألفا وخمسين سنة «11». ### || [سورة هود (11): آية 27] # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك ~~إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) PageV02P197 # (فقال الملأ) أي الذين يملئون القلوب هيبة صفتهم (الذين كفروا من قومه) ~~يعني رؤساؤهم (ما نراك) يا نوح (إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك) أي آمن بك ~~(إلا الذين هم أراذلنا) جمع أرذل وهو الدون من كل شيء، أي ضعفاؤنا وسفلتنا ~~(بادي الرأي) أي أوله بالهمزة بعد الدال من بدأ إذا فعل ابتداء، أي آمنوا ~~بك من غير تفكر فيك وبترك الهمزة «1» من بدا يبدو إذا ظهر، أي فيما ظهر لنا ~~أو في وقت ظهور أول رأيهم، فنصبه على الظرفية، فحذف الوقت المقدر المضاف ~~وأقيم «بادي» مقامه (وما نرى لكم) خطاب لنوح ومن آمن معه، أي ما نعتقد لكم ~~(علينا من فضل) أي زيادة شرف علينا في مال وملك توجب كونكم أهلا للنبوة ~~«2»، و«من» زائدة «3»، لأنكم بشر مثلنا تأكلون وتشربون كسائر بني آدم (بل ~~نظنكم) أي نحسبكم (كاذبين) [27] في قولكم. ### || [سورة هود (11): آية 28] # قال يا ms0728 قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت ~~عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) # (قال) نوح لقومه (يا قوم أرأيتم) أي أخبروني (إن كنت على بينة) أي يقين ~~وبصيرة، يعني على برهان شاهد على صحة دعواي (من ربي وآتاني) أي أعطاني ~~(رحمة) أي نعمة وهداية وهي الرسالة (من عنده) إكراما لي (فعميت) بالتخفيف ~~معلوما، أي فخفيت، وبضم العين والتشديد مجهولا «4»، أي فخفيت والتبست بعد ~~البينة (عليكم) تلك الرحمة (أنلزمكموها) استفهام إنكار، أي أنكرهكم على ~~قبولها ولا إكراه في الدين أو أنحملكم «5» معرفتها (وأنتم لها كارهون) [28] ~~لا تريدونها «6». # قال قتادة: «لو قدر الأنبياء أن يلزموها قومهم لألزموا ولكن لم يقدروا» ~~«7»، إذ لا يقدر على ذلك إلا الله. ### || [سورة هود (11): آية 29] # ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) # ثم قال نوح إخبارا عن شفقته وبيانا لقلة طعمه في أموالهم (ويا قوم لا ~~أسئلكم عليه) أي على تبليغ الرسالة وإيمانكم (مالا) أي أجرا (إن أجري) أي ~~ما ثوابي (إلا على الله) ثم قالوا لنوح اطرد المؤمنين بك عنك حسدا عليهم أو ~~لكونهم فقراء ضعفاء، فقال نوح (وما أنا بطارد الذين آمنوا) أي صدقوا بالله ~~ودينه (إنهم ملاقوا ربهم) أي صائرون إليه في المعاد فيشكونني إلى الله إن ~~لم أقبل منهم الإيمان وأطردهم فيعاقبني لطردي إياهم (ولكني أراكم قوما ~~تجهلون) [29] أي تسفهون على المؤمنين بتسميتهم أرذل الناس أو لا تدركون ما ~~أمرتكم به وهو دين الإسلام، وما أخبرتكم به من البعث واللقاء. ### || [سورة هود (11): آية 30] # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) # (ويا قوم من ينصرني) أي يمنعني (من الله) أي من عذابه (إن طردتهم) عن ~~مجلسي فيعذبني الله بذلك (أفلا تذكرون) [30] أي ألا تتعظون ولا تفهمون «8» ~~أن من يؤمن بالله لا يطرد. ### || [سورة هود (11): الآيات 31 الى 32] # ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ms0729 ولا أقول ~~للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظالمين (31) قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ~~إن كنت من الصادقين (32) PageV02P198 # (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) أي مفاتيح رزقه فادعى الفضل عليكم بالغنى ~~(ولا أعلم الغيب) أي ولا أقول لكم أعلم ما غاب عني وعنكم بالادعاء حتى ~~تنسبوني إلى الكذب والافتراء (ولا أقول إني ملك) حتى تقولوا لي ما أنت إلا ~~بشر مثلنا (ولا أقول) أي ولا أحكم (للذين تزدري) أي على الذين تحتقرهم ~~(أعينكم) من الضعفاء (لن يؤتيهم الله خيرا) أي إيمانا وتوفيقا لجهلي بحالهم ~~كما تقولون نزولا على هواكم ومساعدة لكم، يعني لا أدعي ما ليس عندي علمه ~~(الله أعلم بما في أنفسهم) من التصديق والإنكار (إني إذا لمن الظالمين) ~~[31] أنفسهم إن قلت شيئا من ذلك أو إن طردتهم ولم أقبل منهم الإيمان بسبب ~~جهلي بما في قلوبهم، فلما عجز قومه عن جواب نوح (قالوا يا نوح قد جادلتنا) ~~أي خاصمتنا (فأكثرت جدالنا) أي زدت بالقول خصامنا، يعني غلبتنا بدعائنا ~~وموعظتنا ونحن لا نقبلها (فأتنا بما تعدنا) من العذاب المعجل (إن كنت من ~~الصادقين) [32] بأن العذاب ينزل علينا. ### || [سورة هود (11): آية 33] # قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) # (قال) لهم نوح (إنما يأتيكم به) أي ما يأتيكم بالعذاب إلا (الله إن شاء) ~~أن يعذبكم (وما أنتم بمعجزين) [33] أي بفائتين من عذابه إن شاء تعذيبكم. ### || [سورة هود (11): آية 34] # ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون (34) # (ولا ينفعكم نصحي) أي نصيحتي ووعظي (إن أردت أن أنصح لكم) لتستغفروا من ~~الشرك فتؤمنوا (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي يضلكم ويهلككم على الضلالة ~~(هو ربكم) أي خالقكم ومتصرفكم كيف يشاء، ليس له شريك في خلقه، له الحكم، أي ~~الأمر كله له في الهداية والضلالة (وإليه ترجعون) [34] فيجزيكم بأعمالكم ~~بعد الموت والبعث ووجه ترادف الشرطين: إن ms0730 الشرط الثاني جزاؤه ما دل عليه ~~«لا ينفعكم نصحي» فهو في حكم الجزاء توسعا، فوصل بالشرط الثاني فهذا الشرط ~~مع جزائه يكون في حكم جزاء الشرط المقدم عليه وكذلك الحكم في كل شرط إلى أن ~~ينتهي الشروط السابقة، فلو قال رجل لامرأته أنت طالق إن كلمت زيدا إن دخلت ~~الدار إن أكلت خبزا كان تقديره: إن أكلت خبزا أنت طالق، فلو كلمت ثم دخلت ~~ثم أكلت لم تطلق، لكن إن أكلت ثم دخلت ثم كلمت طلقت، فيكون تقدير الآية ~~أيضا: إن كان الله يريد أن يغويكم، فان أردت أن أنصح «1» لكم لا ينفعكم ~~نصحي، فمثل هذه التعليقات حكمها أن يتقدم المؤخر ويتأخر المقدم في الوقوع ~~كما عرفته. ### || [سورة هود (11): آية 35] # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) # ثم قالوا إنه افترى من نفسه التوحيد والدعوة إليه ما أرسل لتبليغه، فقال ~~تعالى لنوح عليه السلام بالاستفهام للتقرير وبزيادة الميم «2» (أم يقولون) ~~أي قوم نوح (افتراه) أي اختلقه نوح (قل) لهم يا نوح (إن افتريته) من ذات ~~نفسي (فعلي إجرامي) أي عقوبة افترائي (وأنا بريء مما تجرمون) [35] أي مما ~~تتأثمون في إسناد الافتراء إلي لإعراضكم ومعاداتكم، وقيل: «هو خطاب لأهل ~~مكة» «3» في تكذيب النبي عليه السلام. ### || [سورة هود (11): آية 36] # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) # قوله (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) إقناط له من ~~إيمان قومه سوى من آمن به، فدعا عليهم عند ذلك «رب لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا» «4»، ثم قال تعالى له بعد ندامته على دعائه وتحزنه عليهم ~~(فلا تبتئس) أي فلا تحزن يا نوح (بما كانوا يفعلون) [36] أي بسبب فعلهم من ~~تكذيبك وإيذائك PageV02P199 # فقد حان وقت الانتقام لك منهم، قيل: «إن قوم نوح كانوا يضربون نوحا حتى ~~يسقط فيلفون في لبد ويلقونه في بيت، يظنون أنه قد مات فيخرج إليهم في اليوم ~~الثاني، ويدعوهم ms0731 إلى الله تعالى» «1». ### || [سورة هود (11): آية 37] # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) # (واصنع الفلك بأعيننا) أي بحفظنا، وهو في موضع الحال، يعني اصنعها محفوظا ~~أنت من أن تزيغ في صنعتك عن الصواب وأن لا يحول بينك وبين عملك أحد من ~~أعدائك، وقيل: «بمنظر منا» «2» (ووحينا) إليك صنعها، وقيل: «بتعليمنا إياها ~~لك» «3»، قيل: لما أمر بعمل الفلك لم يعلم كيف يصنعه فأوحى الله إليه أن ~~اصنعها كجؤجؤ الطائر وهو عظم الصدر منه فأخذ القدوم وجعل يضرب ولا يخطئ» ~~«4» (ولا تخاطبني) أي لا تراجعني الكلام (في الذين ظلموا) أي في إهلاك ~~الكفار من قومك وابنك كنعان وامرأتك (إنهم مغرقون) [37] أي محكوم عليهم ~~بالغرق. ### || [سورة هود (11): آية 38] # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم كما تسخرون (38) # (ويصنع الفلك) حكاية حال ماضية، قيل: أمر الله نوحا أن يغرس الأشجار، ~~فغرسها أربعين سنة حتى أدركت، وقطعها وجففها أربعين سنة، ثم اتخذ منها ~~السفينة ثلاثين سنة، واستأجر أجراء ينحتون معه «5»، والواو للحال في (وكلما ~~مر عليه ملأ) أي جماعة (من قومه) يعني أشرافهم (سخروا منه) أي استهزؤا به ~~ومن عمله السفينة من مكان بعيد من الماء، وهو جواب «كلما»، وقالوا يا نوح: ~~إنك كنت تزعم أنك نبي والآن صرت نجارا بعد النبوة، ثم استأنف بقوله (قال إن ~~تسخروا منا) اليوم (فإنا نسخر منكم) عند هلاككم بالغرق أو عند البعث يوم ~~القيامة (كما تسخرون) [38] الآن منا، وهذا من ازدواج الكلام، إذ لا يجوز من ~~الأنبياء السخرية. ### || [سورة هود (11): آية 39] # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # (فسوف تعلمون) من أحق بالسخرية، وهو وعيد لهم، ثم أكده بقوله «6» (من ~~يأتيه عذاب) وهو الغرق (يخزيه) أي يهلكه (ويحل) أي ويجب (عليه عذاب مقيم) ~~[39] أي دائم، وهو عذاب الآخرة، فصنعها من خشب الساج، وجعل طولها ثلاثمائة ~~ذراع وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وكانت ثلاث طبقات، السفلى ~~للسباع والهوام والوحوش، والوسطى للدواب ms0732 والأنعام، والعليا للإنس وما يحتاج ~~إليه من الزاد، وطلاها بالقير «7». PageV02P200 ### || [سورة هود (11): آية 40] # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) # قوله (حتى إذا جاء أمرنا) غاية ليصنع، أي كان يفعل السفينة إلى أن جاء ~~عذابنا الموعود لإهلاكهم (وفار التنور) الذي يخبز فيه بارتفاع الماء منه ~~خارجا عنه من ناحية الكوفة، قيل: «كان من حجارة لحواء تخبز فيه فصارت إلى ~~نوح» «1»، وقيل: «معناه طلع الفجر وظهر الصبح» «2»، وكان ذلك علامة لركوب ~~السفينة (قلنا) لنوح (احمل فيها) أي في السفينة (من كل زوجين اثنين) ذكره ~~تأكيدا، قرئ «من كل» بالتنوين هنا وفي سورة المؤمنين «3»، وباضافته إلى ~~زوجين «4»، فمفعول «احمل» اثنين، أي صنفين من الحيوان، وهما اللذان لا ~~يستغنى أحدهما عن الآخرة من ذكر وأنثى، فيقال لكل منهما زوج، قيل: عند ~~فوران التنور بالماء حشر الحيوان لنوح عليه السلام بأمره تعالى بعد ما قال ~~يا رب كيف أحمله فجعل يضرب بيديه فيقع الذكر في اليمنى والأنثى في اليسرى، ~~فيلقيهما في السفينة «5»، قوله (وأهلك) نصبه عطف على مفعول «احمل»، أي احمل ~~ولدك وعيالك (إلا من سبق عليه القول) بالهلاك، يعني امرأته واعلة وابنه ~~الكافر به كنعان (ومن آمن) أي واحمل من صدقك أنك نبي (وما آمن معه) أي لم ~~يؤمن مع نوح (إلا قليل) [40] من الناس. # قيل: عدد من في السفينة ثمانية نفر، بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وثلاث ~~نسوة لهم ونوح وامرأته غير الهالكة «6»، وقيل: ثمانون إنسانا، نصفهم رجال ~~ونصفهم نساء «7»، وحمل معهم جسد آدم، فجعله معترضا بين الرجال وبين النساء، ~~قال ابن عباس: «أول ما حمل نوح الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل صدره ~~تعلق إبليس بذنبه فلا يستطيع أن يدخل حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان معك ~~الشيطان، فلما دخل قال نوح: اخرج عني يا عدو الله! قال: ما لك بد من أن ~~تحملني معك وكان فيما يزعمون في ظهر ms0733 الفلك» «8». # وروي: أن الحية والعقرب أتيا نوحا، فقالتا احملنا، فقال: إنكما سبب الضر ~~والبلاء، قالتا: نحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرتهما ~~«سلام على نوح في العالمين» «9»، ما ضرتاه «10»، ثم قال: يا رب؟ كيف أصنع ~~بالأسد والبقر وبالعناق والذئب وبالحمام والهرة؟ قال نوح: من ألقى بينهم ~~العداوة يؤلف بينهم حتى يتراضوا «11». # وقيل: كثرت الفأر في السفينة فخافوا على حبالها، فأوحى الله نوحا أن امسح ~~جبهة الأسد، فمسحها فعطس، فخرج منها سنوران، الذكر والأنثى فأهلكا الفأر، ~~وكثرت العذرة فيها، فشكوا إلى نوح، فأوحى الله إليه أن امسح ذنب الفيل، ~~فمسحه فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة، فلما غلبهم الماء وعلا دعاهم إلى ~~الركوب في السفينة «12». ### || [سورة هود (11): آية 41] # وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) # (وقال اركبوا فيها) أي في السفينة، قيل: «ركبوا فيها يوم الجمعة من عين ~~وردة لعشر مضين من رجب، PageV02P201 # فأتت السفينة الكعبة فطافت بها أسبوعا» «1»، وقيل: رفع البيت الذي بناه ~~آدم إلى السماء السادسة، وهو البيت المعمور وجعل الحجر الأسود على أبي قبيس ~~مودعا له وخرجوا من السفينة يوم عاشوراء «2»، فذلك ستة أشهر «3»، قوله (بسم ~~الله مجراها) جملة اسمية من الخبر المقدم، والمبتدأ (ومرساها) عطف على ~~المبتدأ، كلامها بضم الميم والإمالة، وبفتحها في الأول مع الإمالة دون ~~الثاني على معنى المصدرين «4»، يعني إذا ركبتموها قولوا بسم الله إجراؤها ~~أو جريها وإرساؤها أي ثبوتها، وكان نوح إذا أراد أي تجري السفينة قال بسم ~~الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو وتثبت قال بسم الله فرست، ومحل الجملة ~~الاسمية نصب على الحال المقدرة من الضمير في «اركبوا»، أي قائلين بسم الله ~~إجراؤها وإرساؤها، وقيل: لفظة «اسم» صلة «5»، أي بالله إجراؤها، أي بمشيته ~~وقدرته (إن ربي لغفور رحيم) [41] بالتجاوز عن ذنوب المؤمنين وبانجائهم من ~~الغرق، فركبوا فيها. ### || [سورة هود (11): آية 42] # وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين (42) # (وهي) أي ms0734 السفينة (تجري بهم) وهم فيها (في موج) أي في ارتفاع الماء ~~واضطرابه أو الموج موج الطوفان، وهو ما علا فوق الماء (كالجبال) في تراكمها ~~وارتفاعها وعظمتها، وذلك إذا اشتدت عليه الريح فشبه كل موج منه بالجبل في ~~ذلك، قيل: هذا قبل تطبيق الماء الأرض «6»، وأما إذا طبق الماء الأرض لم يكن ~~موج (ونادى نوح ابنه) كنعان (وكان في معزل) أي في مكان منقطع عن نوح وعن ~~مركب المؤمنين، وقيل: في معزل عن دين إبراهيم «7» (يا بني اركب معنا) بفتح ~~الياء وبالكسر «8» اقتصارا من بنيا ومن بني بالإضافة تصغير «ابن» لامه ياء ~~أو واو حذفت كما في اسم، ثم لما جاء ياء التصغير ردت اللام وجيئ بياء ~~المتكلم، فاجتمعت ثلاث ياءات، فحذفت ياء المتكلم تخفيفا لدلالة الكسرة ~~عليها، وكذا حذفت الألف المبدلة عن ياء الإضافة في بنيا، يعني أسلم وادخل ~~في السفينة تسلم مع المسلمين (ولا تكن مع الكافرين) [42] أي لا تتخلف معهم ~~بكفرهم. ### || [سورة هود (11): آية 43] # قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43) # (قال) ابن نوح (سآوي) أي سأصعد (إلى جبل يعصمني من الماء) أي يمنعني من ~~الغرق ولا أسلم ولا أركب السفينة (قال) نوح لابنه (لا عاصم اليوم من أمر ~~الله) أي لا مانع من عذابه اليوم وهو الغرق لا جبل ولا غير الجبل أعظم منه ~~(إلا من رحم) أي إلا الله الراحم من يشاء، ف «من» في محل الرفع خبر المبتدأ ~~أو «عاصم» بمعنى المعصوم، أي لا معصوم من الغرق إلا من رحمه الله أو ~~الاستثناء منقطع بمعنى لكن من رحمه الله ينجو من الغرق (وحال بينهما الموج) ~~أي فرق بين نوح وابنه كنعان الموج أو بين الجبل وابنه (فكان) أي فصار ابنه ~~(من المغرقين) [43] بالماء، قيل: علا الماء رؤوس الجبال بقدر أربعين ذراعا ~~«9»، وقيل: بخمس عشرة ذراعا «10»، وذلك PageV02P202 # بعد ما عقمت النساء أربعين سنة وأدرك الصغائر على دين آبائهم وماتت ~~البهائم ms0735 بآجالهم. ### || [سورة هود (11): آية 44] # وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على ~~الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) # ثم أهلكوا بالطوفان فأخبر الله تعالى إيماء إلى قدرته بقوله (وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك) أي ادخلي الماء الذي خرج منك فيك (ويا سماء أقلعي) أي أمسكي عن ~~إنزال المطر وكانت قبل ذلك لا تقلع (وغيض الماء) أي انتقص، من غاض إذا نقص ~~وهو متعد ولازم (وقضي الأمر) أي فرغ من إغراق الكفار ومن إنجاء المؤمنين ~~(واستوت) أي استقرت السفينة (على الجودي) وهو جبل بأرض الجزيرة بقرب الموصل ~~(وقيل بعدا) أي هلاكا، من بعد بعدا وبعدا (للقوم الظالمين) [44] أي ~~الكافرين المكذبين برسل الله من رحمة الله، عن قتادة: # «كانت السفينة في الماء خمسين ومائة يوم واستقرت بهم على الجودي شهرا ~~وهبط بهم يوم عاشوراء» «1»، فصام نوح عليه السلام يوم الهبوط وأمر من معه ~~من المؤمنين فصاموا شكرا لله تعالى «2». # وروي: أن نوحا بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع، ~~فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجلها بالطين، فعلم نوح أن ~~الماء قد نبض فدعا على الغراب بالخوف، ولذا لا يألف البيوت ودعا للحمامة ~~بالأمان فمن ثم تألف البيوت «3». # وروي: أنه ما نجا من الكفار من الغرق غير عوج بن عنق، وكان سبب نجاته أن ~~نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله، فحمله عوج إليه من الشام ~~فأنجاه الله من الغرق «4». ### || [سورة هود (11): آية 45] # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين (45) # (ونادى) أي أراد الدعاء (نوح ربه فقال) بالفاء ولو قصد النداء نفسه لقال ~~«قال» بغير فاء استئنافا (رب إن ابني) كنعان (من أهلي وإن وعدك الحق) وقد ~~وعدتني أن تنجيني وأهلي ولا خلف في وعدك (وأنت أحكم الحاكمين) [45] أي ~~أعلمهم وأعدلهم، لأن حكمك بالعدل تحكم على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك ~~لحكمة تعلمها ونحن لا نعلمها. ### || [سورة هود (11): آية 46] # قال يا نوح ms0736 إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم ~~إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) # (قال) الله (يا نوح إنه) أي إن ابنك (ليس من أهلك) الذين وعدتك أن أنجيهم ~~(إنه عمل غير صالح) قرئ بكسر الميم وفتح اللام ونصب «غير»، أي عمل عمل ~~المشركين دون عمل المؤمنين، وبفتح الميم ورفع اللام وتنوينه ورفع «غير» ~~«5»، أي ذو عمل غير صالح أو جعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه، وهو ~~تعليل لانتفاء كونه من أهله، وقيل: الضمير في «إنه» لنداء نوح عليه السلام ~~«6»، أي إن السؤال إياي أن أنجيه عمل غير صالح، لأنه التماس غير صواب، وأنت ~~تعلمه وليس بشيء، وإنما لم يقل عمل فاسق ليؤذن أن النجاة بسبب الصلاح فقط ~~(فلا تسئلن ما ليس لك به علم) أي لا تلتمس مني شيئا حتى تقف على كنهه ~~بالصواب أو بغير الصواب، وذكر السؤال يدل على أن النداء كان قبل أن يغرق ~~حين خاف عليه، وإنما سمي دعاؤه سؤالا مع أنه لا سؤال فيه، لأنه دعاءه قد ~~تضمن معنى السؤال لذكره الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق، PageV02P203 # قرئ بفتح اللام وتشديد النون مكسورة تأكيدا إرادة الإضافة وبفتح النون ~~أيضا مشددة وبإسكان اللام وكسر النون مخففا «1»، ثم أكده بقوله (إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين) [46] أي أمنعك من أن تسأل ما لا تعرف كنهه جهلا ~~وغباوة فتعد من الجاهلين بسؤال نجاة الكافرين أو بدعائك إهلاك الكفار ثم ~~بسؤال نجاة كافر منهم، وإنما عاتبه ونسبه إلى الجهل مع أنه وعده أن ينجي ~~أهله ولم يكن عالما بكفر ابنه، لما «2» رأى أن ابنه قد شارف الغرق «3» ~~اشتبه «4» عليه الأمر فاقتضى المقام أن يسأل الإماطة الشبهة، لأن تقديم ~~الوعد له بانجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم كان مستوجبا أن ~~يعتقد أن في جملة أهله من ليس بناج لكونه غير صالح بلا شبهة، فعوتب على أن ~~اشتبه عليه ما يجب عليه أن لا يشتبه، والأكثر ms0737 أنه كان ابن نوح من صلبه ~~لقوله «ونادى نوح ابنه»، وقوله «ليس من أهلك» بمعنى من أهل دينك، قال ابن ~~عباس: «ما بغت امرأة نبي قط» «5»، ولما كان نداء نوح ربه متضمنا بمعنى ~~السؤال. ### || [سورة هود (11): آية 47] # قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن ~~من الخاسرين (47) # (قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك) بعد اليوم (ما ليس لي به علم) يعني اغفر ~~لي واحفظني من سؤال ذلك حتى لا أعود إليه وإلى أمثاله (وإلا) أي إن لم ~~(تغفر لي) ما فرط مني من ذلك (و) لم (ترحمني) بالتوبة (أكن من الخاسرين) ~~[47] أعمالا، قيل: هذه عادة الصالحين أنهم إذا وعظوا اتعظوا وإذا نبهوا ~~للخطأ استغفروا وتعوذوا «6»، وإنما حكى الله تعالى ما صدر من الأنبياء من ~~التعوذ والاستغفار بعدهم ليقتدي بهم في ذلك من غير قنوط عن رحمته. ### || [سورة هود (11): آية 48] # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم (48) # قوله (قيل يا نوح اهبط بسلام منا) خطاب لنوح عليه السلام بالهبوط من ~~السفينة بعد ما استوت على الجودي، أي أنزل من السفينة مسلما محفوظا من ~~الغرق من جهتنا (وبركات) أي بخيرات نامية وسعادات كاملة (عليك وعلى أمم ممن ~~معك) مؤمنين «7» في السفينة، لأنهم كانوا أمما مختلفة بكثرة التوالد ~~والتناسل و«من» للبيان، فالسلام والبركة مختصة بمن كان معه، ويجوز أن يكون ~~«من» ابتدائية بمعنى وعلى أمم ناشئة ممن معك، فيعم السلام جميع المؤمنين ~~إلى يوم القيامة، قوله (وأمم) مبتدأ، صفته (سنمتعهم) خبره محذوف، وهو ممن ~~معك بتقدير التقديم على أمم «8»، يعني ينشأ من الذين معك أمم يتمتعون «9» ~~بالدنيا كافرون «10» (ثم يمسهم منا عذاب أليم) [48] في الآخرة، فدخل في ~~التمتع والعذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة، قيل: مات الأمم الذين ~~كانوا معه في السفينة ولم يكن منهم نسل إلا من أولاد نوح سام وهو أبو العرب ~~وأشراف الناس، وحام وهو أبو السودان ms0738 والزنج ونوبة، ويافث وهو أبو الترك ~~والخوز ويأجوج ومأجوج «11» لقوله تعالى «وجعلنا ذريته هم PageV02P204 # الباقون «1»» «2». ### || [سورة هود (11): آية 49] # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا ~~فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # قوله (تلك) خطاب للنبي عليه السلام، أي ما سبق ذكره من أخبار نوح وقومه ~~يا محمد (من أنباء الغيب) أي من أخبار ما غاب عنك (نوحيها إليك) بجبريل (ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك) كفار مكة (من قبل هذا) أي قبل نزول القرآن إليك ~~(فاصبر) على القيام بأمر الله وعلى تكذيبهم كما صبر نوح على تكذيب قومه (إن ~~العاقبة) أي آخر الأمر بالسعادة والنصرة (للمتقين) [49] أي للموحدين ~~المطيعين بالتقوى. ### || [سورة هود (11): آية 50] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) # قوله (وإلى عاد أخاهم هودا) عطف على «نوحا»، أي وأرسلنا إلى قوم هود ~~أخاهم في النسب نبيا هو هود (قال يا قوم اعبدوا الله) أي وحدوه (ما لكم من ~~إله غيره) أي رب سواه (إن أنتم إلا مفترون) [50] أي ما أنتم إلا «3» كاذبون ~~في قولكم إن لله شريكا. ### || [سورة هود (11): الآيات 51 الى 52] # يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ~~ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) # (يا قوم لا أسئلكم عليه) أي على تبليغ الرسالة والإيمان (أجرا) أي رشوة ~~وجعلا (إن أجري) أي ما ثوابي (إلا على الذي فطرني) أي خلقني (أفلا تعقلون) ~~[51] أن الله هو أحق بالعبادة دون غيره ولما حبس المطر عن قومه ثلاث سنين ~~قال (ويا قوم استغفروا ربكم) من الشرك وآمنوا به (ثم توبوا إليه) أي إلى ~~الله من ذنوبكم (يرسل السماء عليكم مدرارا) أي متتابعا كلما تحتاجون إليه ~~لسقي الزروع والبساتين (ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي شدة مع شدتكم الموجودة ~~لكم في العدد والعدد والمال والدين والجسد والولد وطول ms0739 العمر (ولا تتولوا) ~~أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه من الإيمان والعبادة لله تعالى (مجرمين) [52] ~~أي مشركين آثمين. ### || [سورة هود (11): آية 53] # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك ~~بمؤمنين (53) # (قالوا) أي قومه (يا هود ما جئتنا ببينة) أي بحجة واضحة على قولك (وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) أي لا نترك عبادة آلهتنا بقولك هذا (وما نحن لك ~~بمؤمنين) [53] أي بمصدقين بأنك رسول الله. ### || [سورة هود (11): الآيات 54 الى 55] # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) # (إن نقول) أي ما نقول لك (إلا) قولا هو (اعتراك) أي أصابك (بعض آلهتنا ~~بسوء) وهو الجنون والتخبل لسبك إياها حتى قلت ما قلت فلا نتبعك، فثم (قال) ~~هود ردا عليهم واستخفافا بهم وبآلهتهم بتأكيد براءته من شركهم كما هو عادة ~~الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد (إني أشهد الله) على ~~نفسي (واشهدوا) أنتم علي أيضا (أني بريء مما تشركون) [54] أي من إشراككم ~~آلهة «4» (من دونه) أي من غيره «5» ولم يقل إن أشهدكم كما قال أشهد الله، ~~لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح في معنى التوحيد، وأما ~~إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم وتحقير بحالهم، فجاءه بلفظ الأمر تهكما بهم ~~(فكيدوني) أي اقصدوا إهلاكي أنتم وهم (جميعا ثم لا تنظرون) [55] أي لا ~~تمهلوني. PageV02P205 ### || [سورة هود (11): آية 56] # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط مستقيم (56) # (إني توكلت على الله) أي فوضت أمري إليه، وصفه «1» (ربي وربكم) أي خالقي ~~وخالقكم (ما من دابة إلا هو) أي ما حيوان يتحرك في الأرض إلا الله «2» (آخذ ~~بناصيتها) أي قادر ومالك يتصرف في كل دابة بالإحياء والإماتة وهو يرزقها في ~~ملكه، وذكر الناصية ليدل على أنه تعالى يقهر كل دابة بسهولة، ويقال ناصية ~~فلان بيد فلان إذا كان محكوما له ms0740 بالمذلة (إن ربي على صراط مستقيم) [56] ~~فهو يدعوكم إليه وهو دين الإسلام بارسالي إليكم فآمنوا به. ### || [سورة هود (11): آية 57] # فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا ~~تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ (57) # (فإن تولوا) أي فان تتولوا «3»، يعني إن تعرضوا «4» عن الإيمان به (فقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) أي فلا أعاتب بعد تبليغي إياكم ما أمرت به من ~~الرسالة فلم يبق لي عذر بعده حتى ألام عليه، وهذا التقدير يدفع قول من قال ~~الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط، ثم قال مستأنفا (ويستخلف) ~~بالرفع، أي يستبدل (ربي قوما غيركم) إن شاء، يعني خيرا منكم وأطوع له تعالى ~~(ولا تضرونه) أي لا تنقصون من ملكه (شيئا) إن لم تؤمنوا (إن ربي على كل شيء ~~حفيظ) [57] أي لا يغيب عنه شيء يحفظني ويجازي كلا بعمله «5». ### || [سورة هود (11): آية 58] # ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب ~~غليظ (58) # (ولما جاء أمرنا) أي عذابنا (نجينا هودا والذين آمنوا معه) في الدنيا وهم ~~كانوا أربعة آلاف من الذكور والإناث (برحمة منا ونجيناهم) في الآخرة (من ~~عذاب غليظ) [58] أي شديد بسبب الإيمان كما نجيناهم من العذاب في الدنيا ~~بسببه وهو الريح التي أهلك بها عادا، قيل: «إن الله تعالى بعث عليهم ريح ~~السموم وكانت تدخل في آذانهم وأنوفهم ويخرج «6» من أدبارهم فيقطعهم عضوا ~~عضوا» «7». ### || [سورة هود (11): آية 59] # وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # قوله (وتلك عاد) إشارة إلى آثار قوم هود المهلكين في طريق الشام، أي تلك ~~الآثار آثار عاد يا أهل مكة (جحدوا بآيات ربهم) أي علامات توحيده (وعصوا ~~رسله) أي هودا وحده، وذكره بلفظ الجمع، لأن من كذب رسولا كان كمن كذب جميع ~~الرسل (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) [59] أي معاند معرض عن الحق، قيل: الجبار ~~الذي يضرب ويقتل عند الغضب والعنيد الذي لا يقول الحق ولا يقبله من القائل ~~وإن عرفه ms0741 «8»، المعنى: أنهم عملوا بقول المبطل وأعرضوا عن قول المحق، هذا ~~هو جرمهم. ### || [سورة هود (11): آية 60] # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) # قوله (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) أي وألحقوا في الحيوة الدنيا العذاب ~~وهو الريح العقيم (ويوم القيامة) أي وألحقوا في الآخرة لعنة أخرى وهي عذاب ~~النار إلى الأبد (ألا إن عادا كفروا ربهم) تنبيه لكفار مكة على أنهم جحدوا ~~نعمة ربهم وهي «9» دين الإسلام فأهلكوا بذلك، ثم عقبه بتنبيه آخر بقوله ~~(ألا بعدا لعاد قوم هود) [60] أي إلا سحقا وخزيا لهم من رحمة الله، وهم قوم ~~هود، وهو عطف بيان بعد البيان كقوله «أخاهم هودا» «10» لقطع مادة الشبهة ~~بوجه كلي، لأنهم عاد الأولى والثانية عاد إرم وهم قوم صالح، والبعد يستعمل ~~بضد القرب، PageV02P206 # من بعد يبعد بضم العين فيهما، وللهلاك من بعد بكسر العين يبعد بفتحها، ~~والدعاء بالهلاك عليهم بعد هلاكهم ليدل على استحقاقهم به يقينا. ### || [سورة هود (11): آية 61] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب (61) # (وإلى ثمود) أي وأرسلنا إلى قبيلة ثمود (أخاهم صالحا) في النسب لا ينصرف ~~للتأنيث والتعريف وفي موضع ينصرف هو اسم للقوم (قال يا قوم اعبدوا الله) أي ~~وحدوه وأطيعوه (ما لكم من إله غيره هو أنشأكم) أي خلقكم ابتداء (من الأرض) ~~يعني من آدم وآدم منها (واستعمركم فيها) أي أطال عمركم بطول الحيوة في ~~الأرض أو أسكنكم فيها وأسكن من بعدكم من العمري، يعني جعلها لكم ما عشتم، ~~قيل: «كانت أعمارهم ألف سنة أو ثلثمائة» «1» (فاستغفروه) أي الله من الشرك ~~(ثم توبوا إليه) بالطاعة والدعوة (إن ربي قريب) أي سهل المطلب داني الرحمة ~~(مجيب) [61] لدعاء من دعاه من أهل طاعته. ### || [سورة هود (11): آية 62] # قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ~~وإننا لفي شك ms0742 مما تدعونا إليه مريب (62) # (قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا) أي كنا نرجو منك الانتفاع بك في ديننا ~~وتدبير أمورنا (قبل هذا) أي قبل أن تدعونا «2» إلى دين غير دين آبائنا، ~~فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك (أتنهانا أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا) من الآلهة (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) [62] ~~أي موقع في الريبة «3» والتهمة، من أرابني فلان إذا رأيت منه ما يريبك، وفي ~~معناه رابني «4»، يعني لا طمأنينة لنا فيما دعوتنا إليه باليقين. ### || [سورة هود (11): آية 63] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) # (قال) صالح لهم (يا قوم أرأيتم) أي أخبروني (إن كنت على بينة من ربي) أي ~~على حجة واضحة أتتني منه (وآتاني) أي أعطاني (منه رحمة) أي من عنده نبوة ~~وحكمة لأبلغكم إياها ثم تركت أمره ودعوتكم إلى دينه (فمن ينصرني) أي يمنعني ~~(من الله) أي من عذابه (إن عصيته) وتركت أمره لدينكم الباطل (فما تزيدونني) ~~بقولكم هذا (غير تخسير) [63] أي إلا نسبتي إياكم إلى الخسران والضلال، يعني ~~أقول لكم إنكم خاسرون أو معناه: إنكم تخسرون أعمالي وتبطلونها وهو كالتفسيق ~~بمعنى النسبة إلى الفسق. ### || [سورة هود (11): الآيات 64 الى 65] # ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب (65) # ثم قال (ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية) أي علامة لنبوتي وعبرة لتعتبروا ~~بها فتؤمنوا وهو نصب على الحال، و«لكم» متعلق به معنى، لأنه أيضا حال من ~~«آية» مقدما عليه، إذ لو تأخر لكان صفة لها، وذلك أن قومه طلبوا منه أن ~~يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة، فدعا صالح فخرجت تلك الناقة وولدت في الحال ~~مثلها، ثم قال (فذروها تأكل) أي اتركوها ترتع (في أرض الله) أي في وادي ~~الحجر (ولا تمسوها ms0743 بسوء) أي ولا تصيبوها بعقر (فيأخذكم) إن عقرتموها (عذاب ~~قريب) [64] أي عاجل لا يتأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيرا، وذلك ثلاثة أيام، ~~ثم يقع عليكم وكانت لهم بئر واحدة عذبة، فجعل صالح للناقة شرب يوم لا ~~يقربونها ولهم شرب يوم لا تحضرها، وكانت امرأة جميلة غنية تتأذى بالناقة ~~لأجل سائمتها، فقالت من عقر الناقة أزوج نفسي منه، فخرجت جماعة منهم قدار ~~بن سالف ومصدع وجاؤا إلى ممرها، فرماها مصدع بسهم فأصاب رجلها، PageV02P207 # ثم ضرب قدار بالسيف فعقرها وقسموا لحمها على جميع أهل القرية، فلذلك قال ~~(فعقروها) أي قتلوها يوم الأربعاء (فقال) لهم صالح تهديدا (تمتعوا) أي ~~عيشوا (في داركم) أي في دنياكم (ثلاثة أيام) ثم تهلكون بالعذاب (ذلك) أي ~~نزول العذاب بكم بعد ثلاثة أيام (وعد غير مكذوب) [65] أي غير كذب، وهو مصدر ~~كالمصدوق بمعنى الصدق. # روي: أنه قال يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في اليوم الأول ~~باصفرار الوجوه وفي الثاني باحمرارها وفي الثالث باسودادها، فكان كما قال ~~وأتاهم العذاب يوم السبت فأهلكوا فيه «1». ### || [سورة هود (11): آية 66] # فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ~~ربك هو القوي العزيز (66) # (فلما جاء أمرنا) أي عذابنا (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) أي ~~بنعمة من عندنا (ومن خزي) عطف على «نجينا»، أي ونجيناهم من هوان (يومئذ) ~~بكسر الميم إعرابا لإضافة الخزي إليه وبفتح الميم «2» بناء لإضافة «يوم» ~~إلى مبني وهو «إذ»، لأن ظرف الزمان متى أضيف إلى مبني جاز فيه الإعراب ~~والبناء، وخزيهم إما في الدنيا أو في الآخرة (إن ربك هو القوي) أي المتين ~~في أخذه بالشدة (العزيز) [66] أي المنتقم ممن عصاه. ### || [سورة هود (11): آية 67] # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) # (وأخذ الذين ظلموا) أي كفروا بالرسل (الصيحة) أي صياح جبريل وهو الصوت ~~الذي سمعوا من السماء فتقطعت قلوبهم في صدورهم فماتوا (فأصبحوا) أي فصاروا ~~(في ديارهم جاثمين) [67] أي صرعى خامدين هالكين. ### || [سورة هود (11): آية 68] # كأن لم يغنوا فيها ألا ms0744 إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) # (كأن لم يغنوا فيها) أي كأن لم يكونوا مقيمين في ديارهم (ألا إن ثمود) ~~قرئ بالصرف اسم للحي وبعدم الصفر «3» علم للقبيلة (كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود) [68] أي تنبهوا يا كفار مكة فاحذروا من عقوبتهم كيلا يصيبكم بكفركم ~~مثل ما أصابهم بكفرهم. ### || [سورة هود (11): آية 69] # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ (69) # (ولقد جاءت رسلنا) وهم الملائكة من السماء، واختلفوا في عددهم، والأصح ~~وهو قول ابن عباس: # «أنهم كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل» «4»، جاؤا (إبراهيم بالبشرى) ~~أي ببشارة الولد له وهم في صورة غلام أمرد، وسلموا عليه (قالوا سلاما قال) ~~إبراهيم (سلام) أي عليكم سلام، وقرئ سلم بكسر السين وسكون اللام «5» بمعنى ~~السلام أو تقديره: أمري سلم بمعنى السلامة، أي ما أريد عليكم إلا الأمن ~~والصلاح (فما لبث) إبراهيم (أن جاء) أي عن المجيء (بعجل حنيذ) [69] أي مشوي ~~بالحجارة في حفيرة يقطر دسمه، والعجل ولد البقرة، قيل: كان عامة مال ~~إبراهيم البقر فلما قرب إليهم ووضعه بين أيديهم كفوا عنه ولم يأكلوا منه «6». ### || [سورة هود (11): آية 70] # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط (70) # (فلما رأى) إبراهيم (أيديهم لا تصل إليه) أي إلى العجل (نكرهم) أي ~~استنكرهم وهو ضد المعرفة، وكان PageV02P208 # من عادة إبراهيم وقومه أنه إذا أكل الضيف من طعامهم أمنوا منه، فلما لم ~~يأكلوا منه خاف أن يريدوا به سوء ولم يعرفهم (وأوجس) أي أضمر في قلبه (منهم ~~خيفة) أي خوفا ظهر أثره عليه أو عرفوه بتعريف الله إياهم (قالوا) أي ~~الملائكة (لا تخف) يا إبراهيم (إنا) ملائكة (أرسلنا إلى قوم لوط) [70] أي ~~لإهلاكهم، وقيل: علم إبراهيم أنهم ملائكة ولكنه خاف أن يكونوا جائين بعذاب ~~قومه فردوا عليه ذلك «1». ### || [سورة هود (11): آية 71] # وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) # (وامرأته) أي سارة بنت هاران عمه (قائمة) خلف الستر تسمع كلامهم أو ms0745 قائمة ~~تخدمهم وإبراهيم جالس معهم (فضحكت) سرورا بزوال الخوف عنها وعن إبراهيم ~~بقولهم لا تخف أو تعجبا من عدم أكلهم وهم أضياف، وقيل: بمعنى حاضت من قولهم ~~ضحكت الأرنب إذا حضت «2» (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق) أي وبعده ~~(يعقوب) [71] أي بيعقوب، عطف على «باسحق» عند من قرأه بنصب الباء أو هو ~~مبتدأ، خبره الظرف قبله عن من قرأه مرفوعا «3»، كأنه قيل ومن وراء إسحق ~~يعقوب موجود أو مولود وهو ولد الولد. ### || [سورة هود (11): آية 72] # قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (72) # (قالت يا ويلتى) كلمة نداء ندبة، يقال عند ورود أمر عظيم، أي يا ويلتي، ~~فألفه مبدلة من ياء الإضافة بمعنى يا عجبا «4» (أألد وأنا عجوز) أي عقيم لم ~~ألد قط وقد كبرت في السن (وهذا بعلي) أي زوجي مبتدأ وخبر، ومحل الجملة حال ~~بما دل عليه «ذا» من معنى الإشارة كأنها أشارت إلى المعروف عندهم بقولها ~~«هذا بعلي» ثم قالت (شيخا) تعني أشير إليه في حال كبره ولو لم يقدر كونه ~~معروفا عندهم للزم أن يكون إبراهيم بعلها مدة شيخوخته ولم يكن بعلها في مدة ~~شيبته، ومثله قولك هذا زيد قائما فانك إن أخبرت به من يعرفه استقام المعنى، ~~وإن أخبرت من لا يعرفه لم يستقم، لأنه يفهم أنه زيد مادام قائما، فاذا زال ~~القيام لم يكن زيدا، قيل: «بشرت سارة بالولد وهي بنت ثمان وتسعين سنة، وكان ~~إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة أكبر منها بسنة «5»، وقيل: «كان إبراهيم ابن ~~مائة وعشرين سنة وسارة بنت تسعة وتسعين سنة» «6»، فأنكرت ذلك عادة، وقالت ~~(إن هذا) أي حدوث الولد من الكبيرين (لشيء عجيب) [72] أي لأمر مستبعد غريب ~~من حيث العادة. ### || [سورة هود (11): آية 73] # قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد (73) # (قالوا) أي الملائكة إنكارا عليها وهي من أهل بيت النبوة (أتعجبين) يا ~~سارة كسائر النساء (من أمر الله) بايجاد الولد من كبيرين، يعني لا تعجبين ~~من أمره ذلك ms0746 (رحمة الله) أي نعمته ونبوته (وبركاته) أي وزيادات خيره تحلان ~~«7» (عليكم) يا (أهل البيت) أي بيت النبوة، يعني ألا تعلمين أن نبوة الوحي ~~«8» من الله، وأكثر الأنبياء من الأسباط وهم من هذا البيت، يعني من ولد ~~إبراهيم، روي: «أن جبريل أخذ عودا من الأرض يابسا فدلكه بين أصبعيه فاذا هو ~~شجرة تهتز فعرفت أنه من الله» «9»، ثم قال (إنه) أي الله (حميد) أي محمود ~~في فعاله (مجيد) [73] أي واسع الكرم كثير الإحسان. ### || [سورة هود (11): آية 74] # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) # (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) أي الخوف (وجاءته البشرى) باسحق ويعقوب حال ~~بتقدير «قد»، وجواب «لما» محذوف، أي أقبل علينا (يجادلنا في قوم لوط) [74] ~~أي في شأنهم، حال أقيم مقام الجواب، أي PageV02P209 # مجادلا لرسلنا، لأن إبراهيم لا يجادل ربه، والمعنى: أنه سأل ربه ويطلب ~~إليه تضرعا وإلحاحا، وقيل: مجادلته إياهم أن قال لهم أتهلكون قوما فيهم ~~خمسون مؤمنا من مدائن قوم لوط؟ قالوا: لا، قال: أو أربعون؟ قالوا: # لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا حتى بلغ خمسة، قالوا: لا، قال إبراهيم: لو ~~كان فيها واحد مسلم أتهلكونها؟ # قالوا: لا، قال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: أن فيها لوطا، قالوا: «نحن ~~أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين «1»» «2»، قال ~~ابن عباس: «لو كان فيهم خمسة يصلون رفع عنهم العذاب» «3». ### || [سورة هود (11): آية 75] # إن إبراهيم لحليم أواه منيب (75) # (إن إبراهيم لحليم) أي غير عجول على المسيء (أواه) أي يتأوه إذا ذكر الله ~~(منيب) [75] أي رجاع إليه بالتوبة والاستغفار، قيل: «هذه الصفات حملته على ~~المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة ~~والإنابة» «4». ### || [سورة هود (11): آية 76] # يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) # ثم قال له جبريل (يا إبراهيم أعرض عن هذا) أي عن جدالك فان الرأفة عادتك ~~ولا تنفعهم الآن (إنه) أي الشأن (قد جاء أمر ربك) بعذابهم وإهلاكهم وحكم به ~~(وإنهم ms0747 آتيهم) أي نازل بهم (عذاب غير مردود) [76] أي غير مصروف عنهم بجدال ~~ولا بدعاء وشفاعة، ثم خرجوا من عنده مقبلين إلى قوم لوط، فوصلوا نصف النهار ~~إلى جوار يسقين من الماء فأبصرتهم ابنة لوط، فقالت لهم: ما شأنكم ومن أين ~~أقلبتم؟ فقالوا: أقلبنا من سكان كذا مسافرين، هل أحد يضيفنا؟ قالت: ليس ~~فيها أحد يضيفكم إلا ذلك الشيخ، فأشارت إلى أبيها لوط وهو على بابه فذهبوا إليه. ### || [سورة هود (11): آية 77] # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) # (ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم) أي تحزن بمجيئهم، لأنه رآهم على صورة ~~الغلمان (وضاق بهم ذرعا) أي ضاق صدره اغتماما ومخافة عليهم من خبث قومه ~~وعجزا عن مقاومتهم «5» لا يدري أيأمرهم بالنزول أم بالرجوع لما رآى جمالهم ~~(وقال هذا يوم عصيب) [77] أي شديد فجاء بهم منزله سرا، وقال لامرأته: قومي ~~واخبزي ولا تعلمني أحدا، وكانت امرأته منافقة فانطلقت تطلب بعض حاجتها ~~فأخبرت قومها أن عندنا أضيافا من هيئتهم كذا وكذا. ### || [سورة هود (11): آية 78] # وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) # (وجاءه قومه يهرعون) أي يسرعون (إليه) كأنما يدفعون دفعا «6»، والهرع مشي ~~بين مشيين «7» لنيل شهوتهم (ومن قبل) أي قبل أن يبعث إليهم لوط أو قبل ~~اتيان الرسل (كانوا يعملون السيئات) أي الفواحش وهي الاتيان من الأدبار، ~~فلما أراد الدخول في بيته (قال) لهم لوط (يا قوم هؤلاء) مشيرا إلى نساء ~~أمته أو إلى ابنتيه (بناتي) وأضافها إلى نفسه على التقدير الأول، لأن كل ~~نبي أبو أمته (هن أطهر لكم) بالتزويج بشرط الإسلام، وقيل: كان في ذلك الوقت ~~تزويج المسلمة من الكافر جائزا كما زوج النبي عليه السلام ابنته من عتبة بن ~~أبي لهب قبل الوحي وكان كافرا «8»، وقيل ذكر ذلك على سبيل الدفع وإظهار ~~التواضع ليستحيوا منه لا على التحقيق PageV02P210 # ولم يرضوا بهذا «1» فقال (فاتقوا الله ms0748 ولا تخزون) أي لا تفضحوني (في ~~ضيفي) بفعلكم الخبيث، لأنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي ذلك، والضيف ~~مصدر يعم القليل والكثير، أي في أضيافي (أليس منكم رجل رشيد) [78] أي مرشد ~~صالح أو عاقل يزجركم عن هذا الفعل. ### || [سورة هود (11): آية 79] # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) # (قالوا لقد علمت) يا لوط (ما لنا) أي ليس لنا «2» (في بناتك من حق) أي ~~حاجة، لأن اتيان الإناث ليس مذهبا «3» لنا (وإنك لتعلم ما نريد) [79] من ~~اتيان الذكور. ### || [سورة هود (11): الآيات 80 الى 82] # قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك ~~لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه ~~مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا ~~جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) # (قال) لوط (لو أن لي بكم قوة) أي بطشا بنفسي (أو آوي إلى ركن شديد) [80] ~~أي أو أنضم إلى عشيرة مانعة أتمنع «4» بهم، شبه القوي المانع بركن «5» ~~الجبل «6» في الالتجاء به، قاله تهييجا لناصره لا شكا «7» منه في عدم ناصره ~~«8»، وجواب «لو» محذوف، أي لفعلت بكم ما علمت أو لقاتلكم ولمنعتكم مما ~~تريدون، روي: أن لوطا قد أغلق عليه وعلى أضيافه بابه، فجعلوا يستفتحون ~~الباب وهو يعظهم ويناشدهم «9»، فثم (قالوا) أي الملائكة (يا لوط إنا رسل ~~ربك لن يصلوا إليك) أي لن يقدر قومك أن يصيبوك «10» بسوء ولن يخزوك فينا ~~وإن ركنك لشديد، لأن الله ناصرك فخل بيننا وبينهم، ففتح الباب وأرادوا ~~الدخول فمسح جبريل جناحه على وجوههم، فذهبت أعينهم فرجعوا لا يعرفون الطريق ~~ولا يهتدون إلى بيوتهم، وقالوا: يا لوط جئت بالسحرة حتى طمسوا أعيننا والله ~~لنهلكنك غدا، فلما سمع لوط تهديدهم إياه خاف، وقالت الملائكة عند ذلك ~~(فأسر) يا لوط، قرئ بسكون الألف من السير، وبفتحها «11» من الإسراء وهو ~~السير بالليل، أي سر (بأهلك) أي ms0749 بابنتيك وامرأتك (بقطع من الليل) أي في ~~قطعة «12» منه وهي آخر السحر (ولا يلتفت) أي لا يتخلف «13» (منكم أحد إلا ~~امرأتك) بالرفع بدل من «أحد»، وبالنصب «14» استثناء من الأهل «15» لا من ~~«أحد»، لأنه غير فصيح لقوة البدل، قيل: على قراءة النصب الاستثناء من ~~«أهلك» تناقض في الأخبار، لأنه يلزم أن يكون امرأة لوط مسراة وغير مسراة ~~لثبوت القراءتين البدل والاستثناء، أجيب بأن الأمر بالإسراء أمر مربوط ~~بالنهي عن الالتفات بواو العطف الجامع بينهما في سلك واحد، فالاستثناء إذن ~~واقع عن إسراء مقيد بترك الالتفات، فهو كقولك يا قوم ائتوني راكبين إلا ~~زيدا فزيد مستثنى عن الاتيان المقيد بالركوب لا عن اتيان مطلق حتى إنه لو ~~أتاك راجلا لا يناقض الاستثناء، فكذلك امرأة لوط مستثنى من الإسراء المقيد ~~بترك الالتفات لا عن الإسراء المطلق، فلا يناقض «16» الإسراء بالتخلف، يعني PageV02P211 # لا تسر امرأتك مع أهلك (إنه) أي الشأن «1» (مصيبها ما أصابهم) من العذاب، ~~المعنى: أنها لو سرت فتلتفت لتهلك، قيل: «كان لوط قد أخرجها معه ونهي من ~~تبعه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته، فانها لما سمعت صوت العذاب من خلفها ~~التفتت، وقالت: يا قوماه فأدركها حجر فقتله» «2»، وقيل: سار لوط وخلف ~~امرأته مع قومها «3»، لأنها كانت منهم، فقال للملائكة متى وقت هلاكهم؟ ~~فقالوا (إن موعدهم الصبح) فقال لوط: أريد أسرع من ذلك، فقالوا (أليس الصبح ~~بقريب) [81] فحمل جبرائيل لوطا وابنتيه وماله على جناحه فأوصلهم إلى مدينة ~~ذعر من مدائن لوط الخمسة، ولم يكن قومها على مثل عملهم الخبيث، فلما كان ~~وقت الصبح أدخل جبريل جناحه تحت المدائن الأربعة، فاقتلعها من الماء الأسود ~~ورفعها إلى السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلب وصياح الديكة، ثم قلبها، ~~فأخبر تعالى عن ذلك بقوله (فلما جاء أمرنا) أي عذابنا (جعلنا عاليها ~~سافلها) فأقبلت تهوي من السماء إلى الأرض (وأمطرنا عليها) أي على أهلها ~~(حجارة من سجيل) أي من طين وقيل: «سجيل» كلمة فارسية معربة من سنك وكل «4»، ~~وقيل: اسم جبل في السماء «5» (منضود) [82] أي متتابع ms0750 نضد بعضه فوق بعض في ~~السماء معدا للعذاب وهو صفة «سجيل». ### || [سورة هود (11): آية 83] # مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83) # (مسومة) نصب على الحال من الحجارة، أي معلمة لا تشاكل حجارة الأرض، وقيل: ~~«مكتوب في كل حجر اسم من يرمي به» «6» (عند ربك وما هي) أي تلك الحجارة ~~المعلمة عند الله (من الظالمين) أي من المشركين أو من هذه الأمة (ببعيد) ~~[83] أي بشيء أو بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء إلا أنها تهوي بسرعة ~~للحوق بالمرمى وهو تهديد لأهل مكة وغيرهم لكيلا يعملوا مثل عملهم، روي: «أن ~~الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أينما كانوا في البلاد ودخل رجل منهم في الحرم ~~فكان الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج منه فأصابه فأهلكه» «7». ### || [سورة هود (11): آية 84] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) # قوله (وإلى مدين) أي وأرسلنا إلى أهل مدين (أخاهم شعيبا) نزل إخبارا عن ~~حالهم التي هي التطفيف في الكيل والاكتيال مع شركهم تهديدا لكفار مكة «8» ~~(قال) شعيب (يا قوم اعبدوا الله) أي وحدوه وأطيعوه (ما لكم من إله غيره) أي ~~رب سواه (ولا تنقصوا المكيال والميزان) في البيع والشرى (إني أراكم بخير) ~~أي موسرين في نعمة وخصب (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) [84] أي يحيط بكم ~~فيهلككم جميعا، ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ من وصف العذاب بها، لأن «اليوم» ~~إذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل اليوم عليه منه، قيل: «حذرهم ~~بزوال النعمة وغلاء السعر وحلول النقمة في الدنيا إن لم يتوبوا عن عملهم ~~السوء» «9»، وذلك في يوم القيامة «10» نهوا أولا عن صريح النقص القبيح ~~تعييرا لهم. ### || [سورة هود (11): آية 85] # ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) PageV02P212 # ثم أمروا بالإيفاء الحسن في العقل ترغيبا فيه بقوله (ويا قوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط) أي أتموهما بالعدل والتسوية من ms0751 غير زيادة ونقصان، ~~وفي ورود الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول بعد النهي عن النقصان زيادة ~~ترغيب فيه وبعث «1» عليه «2»، ثم أكد بقوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي ~~لا تنقصوا حقوقهم ولو بشيء قليل كالتطفيف (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) [85] ~~أي لا تسعوا فيها بشدة الفساد قاصدين بنقص حقوق الناس على وجه السرقة ~~والغارة وغيرهما. ### || [سورة هود (11): آية 86] # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) # (بقيت الله) أي ما يبقى لكم من الحلال بعد ترك الحرام أو طاعة الله تعالى ~~وعطاؤه (خير لكم) من التطفيف في البيع والشرى (إن كنتم مؤمنين) أي مصدقين ~~فيما أقول لكم (وما أنا عليكم بحفيظ) [86] أي بوكيل أحفظ أعمالكم عليكم ~~وأجازيكم عليها وإنما علي البلاغ والتنبيه على الخير وإنما قال ذلك لأنه لم ~~يؤمر بقتالهم وكان شعيب عليه السلام كثير الصلوة وكان قومه إذا رأوه يصلي ~~تضاحكوا واستهزؤا به ولذلك قالوا طنزا وسخرية. ### || [سورة هود (11): آية 87] # قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) # (قالوا يا شعيب أصلاتك) مفردا وجمعا «3» (تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا) ~~من الأصنام فجعلوا صلوته آمرة على سبيل التهكم بصلوته، وعطف (أو أن نفعل) ~~على «ما يعبد»، أي أو تأمرك أن نترك أن نفعل «4» (في أموالنا ما نشؤا) من ~~الزيادة والنقصان، وقيل: كانوا يقطعون الدنانير والدراهم وحكم عليهم بأنه ~~حرام لينتهوا عن ذلك «5»، ثم قالوا على سبيل المبالغة في الاستهزاء (إنك ~~لأنت الحليم الرشيد) [87] أي السفيه الضال، والعرب تصف الشيء بضده مدحا أو ~~ذما أو تفألا كما تقول للمخنث شجاع وللأسود كافور وللزيغ سليم، وقيل: هو ~~حقيقة «6»، أي إنك يا شعيب حليم رشيد فينا لا تكن سفيها «7» في مخالفة دين ~~قومك ولا تهدمه. ### || [سورة هود (11): آية 88] # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ms0752 ما استطعت وما توفيقي ~~إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) # (قال) شعيب (يا قوم أرأيتم) أي أخبروني (إن كنت على بينة) أي على دين ~~بالحق وبيان على بصيرة (من ربي ورزقني منه رزقا حسنا) أي نبوة وعلما من ~~لدنه أو حلالا طيبا، وكان شعيب كثير المال، وجواب الشرط محذوف للعلم به من ~~معنى الكلام وهو اتبع الضلال مثلكم وأشوب الحلال بالحرام كما تشوبون ولا ~~آمركم بترك الشرك والمعاصي كالأنبياء (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم) ~~أي إلى الذي أمنعكم (عنه) وأرتكبه أنا وليس بواعظ من يعظ الناس بلسانه دون ~~عمله (إن أريد) أي ما أقصد بوعظكم (إلا الإصلاح) أي إلا إصلاحكم وبيان ما ~~فيه مصلحة لكم وهو العدل (ما استطعت) في محل النصب على الظرف، أي مدة ~~استطاعتي (وما توفيقي) أي وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما أعمل وأدع (إلا ~~بالله) أي إلا بتأييده وإعانته، وفي ضمنه تهديد للكفار وقطع لأطماعهم فيه، ~~لأنه طلب من الله في إمضاء أمره التأييد «8» والإظهار على عدوه، وأصل ~~التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة (عليه توكلت) أي أعتمدت (وإليه أنيب) ~~[88] أي أرجع في جميع أموري والنوائب النازلة علي. PageV02P213 ### || [سورة هود (11): آية 89] # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) # قوله (ويا قوم لا يجرمنكم) من جرم ذنبا إذا كسبه نهي عن مخالفتهم لشعيب ~~فيما أمرهم ونهاهم، أي لا يحملنكم (شقاقي) أي مخالفتي وهو فاعل «لا ~~يجرمنكم»، يعني مخافتكم إياي أو عداوتكم وبغضكم علي، ومفعوله الثاني (أن ~~يصيبكم) أي على فعل يصيبكم بسببه بلا توبة عنه (مثل ما) أي الذي «1» (أصاب ~~قوم نوح) من الغرق (أو قوم هود) من الريح (أو قوم صالح) من الصيحة (وما قوم ~~لوط منكم) أي ليس عذابهم (ببعيد) [89] منكم ولذا لم يقل ببعيدة على تأنيث ~~القوم، يعني إن طال عهدكم بعذاب هؤلاء فاعتبروا بعذاب من هو قريب منكم وهو ~~قوم لوط، وقيل: تقديره بمكان أو ms0753 زمان بعيد «2». ### || [سورة هود (11): آية 90] # واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود (90) # (واستغفروا ربكم) عن الشرك (ثم توبوا إليه) عن عمل المعاصي (إن ربي رحيم) ~~بعباده بقبول توبتهم (ودود) [90] أي محب لأهل طاعته منهم أو محبوب لهم فهو ~~بمعنى الواد أو المودود، وقيل: إن شعيبا كان خطيب الأنبياء عليهم السلام ~~فهو يعظهم ويدعوهم إلى التوحيد «3». ### || [سورة هود (11): آية 91] # قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولو لا رهطك ~~لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) # (قالوا) على سبيل الاستهزاء (يا شعيب ما نفقه) أي ما نعقل (كثيرا مما ~~تقول) أي مما تدعونا إليه من الإيمان ومن وفاء الكيل والوزن، وذلك خلاف ما ~~عليه آباؤنا (وإنا لنراك فينا ضعيفا) أي ذليلا لا قوة لك لتمنعنا عنه أو ~~ضرير البصر لا تصلح للنبوة فينا، قيل: ذهب بصره من كثرة بكائه من خشية الله ~~أو محبته له «4» (ولو لا رهطك) أي عشيرتك (لرجمناك) أي لقتلناك بالحجر ~~والرجم أقبح القتل، وقالوا: ذلك تألفا لقومه لا خوفا منهم، لأن الرهط ما ~~دون العشرة (وما أنت علينا بعزيز) [91] أي بكريم ليكون لك حرمة عندنا، بل ~~العزة لقومك فينا. ### || [سورة هود (11): آية 92] # قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما ~~تعملون محيط (92) # (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله) والأصل أن يقول «مني» مكان «من ~~الله»، لأن الكلام واقع فيه وفي رهطه إلا أنه لما أعز عليهم «5» رهطه دونه ~~وهو نبي الله كان رهطه أعز من الله، أي أرهطي أهيب عندكم من خوف الله إن ~~تركتم قتلي لمكان رهطي، فأولى أن تحفظوني في الله لأني نبيه أو هم أعظم ~~عندكم من أمر الله وكتابه (واتخذتموه) أي الله (وراءكم ظهريا) أي منسوبا ~~إلى الظهر، وكسر الظاء من تغيير النسب كما يقال أمسي في النسبة إلى أمس، ~~يعني جعلتم أمر الله وراء ظهوركم فتركتموه تهاونا به (إن ربي بما تعملون ~~محيط) [92] أي عالم بجميع أعمالكم فيجازيكم بها، ms0754 والإحاطة إدراك الشيء ~~بكماله. ### || [سورة هود (11): آية 93] # ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) # (ويا قوم اعملوا على مكانتكم) أي على قوتكم طالبين هلاكي وإبطال أمري ~~(إني عامل) في إبطال كيدكم وهلاك دينكم بقوة الله ونصرته والمكان والمكانة ~~بمعنى التمكن من عمل شيء، ثم حذرهم مستأنفا بترك الفاء التي للوصل الظاهر ~~اكتفاء بالوصل الخفي التقديري لكونه جوابا لسؤال مقدر، كأنهم قالوا: ماذا ~~يكون لنا PageV02P214 # بعد ذلك فقال (سوف تعلمون) أينا الجاني على نفسه والمخطئ بفعله (من يأتيه ~~عذاب) من الله (يخزيه) أي يذله ويهلكه (ومن هو كاذب) على الحقيقة لا ~~بزعمكم، والأصل أن يقول ومن هو صادق، وإنما قال ذلك تجهيلا لهم، لأنهم ~~كانوا يدعونه كاذبا، أي ويخزي الكاذب على الله بأن له شريكا، ف «من» عطف ~~على الضمير المفعول «1» (وارتقبوا) أي انتظروا بي العذاب (إني معكم رقيب) ~~[93] بمعنى الراقب، أي منتظر بكم العذاب ونزوله في الدنيا. ### || [سورة هود (11): آية 94] # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) # (ولما جاء أمرنا) أي عذابنا (نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ~~وأخذت الذين ظلموا) أي أشركوا بالله وعصوا أمره (الصيحة) أي صيحة جبريل، ~~فخرجت أرواحهم من أبدانهم (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) [94] أي ميتين في ~~أمكنتهم لا يتحركون. ### || [سورة هود (11): آية 95] # كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95) # (كأن لم يغنوا فيها) أي كأن لم يقيموا في الأرض ولم يعمروا متصرفين فيها ~~(ألا بعدا لمدين) من رحمة الله (كما بعدت ثمود) [95] من رحمته، والبعد ضد ~~القرب، وقيل: معناه ألا هلاكا لمدين كهلاك ثمود «2»، قيل: # «لم يعذب أمتان بعذاب واحد إلا قوم صالح وشعيب، صاح بهم جبريل فأهلكهم ~~الله تعالى» «3». ### || [سورة هود (11): الآيات 96 الى 97] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر ~~فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) # ثم قال لزيادة تذكير وتهديد لكفار ms0755 مكة (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي ~~بعلاماتنا التسع (وسلطان مبين) [96] أي بحجة بينة (إلى فرعون وملائه) أي ~~إلى أشراف قومه (فاتبعوا أمر فرعون) أي أطاعوا قوله حين قال: «ما أريكم إلا ~~ما أرى» «4» فأطاعوه في ذلك، وتركوا أمر موسي (وما أمر فرعون) أي قوله ~~(برشيد) [97] أي بصواب، بل هو ضلال ظاهر لمن له عقل، وهو تجهيل لمتبعيه. ### || [سورة هود (11): آية 98] # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) # (يقدم قومه) أي يتقدمهم (يوم القيامة) وهم خلفه كما كانوا يتبعونه في ~~الدنيا (فأوردهم النار) أي أدخلهم فيها أورده بلفظ الماضي لا بلفظ المستقبل ~~المطابق قوله «يقدم» ليدل على أنه مقطوع به، كأنه قال: يقدمهم فيوردهم ~~النار لا محالة (وبئس الورد المورود) [98] أي الدخول المحضور النار، وهي ~~المخصوص بالذم، حذف للعلم به، من وردت الماء أي حضرته، جعل الورد عين النار ~~مبالغة في التهويل، يعني بئس المورود النار، لأن الورد انما يراد لتسكين ~~العطش وتبريد الكبد، والنار ضده. ### || [سورة هود (11): آية 99] # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) # (وأتبعوا) أي ألحقوا (في هذه) الدنيا (لعنة) وهي الغرق (ويوم القيامة) ~~لعنة أخرى، وهي عذاب النار، يعني لعنوا في الدارين (بئس الرفد المرفود) ~~[99] أي العون المعان، أي العطاء المعطى، وذلك أنه ترادفت اللعنتان، لعنة ~~في الدنيا ولعنة في الآخرة أو الرفد المدد، فكأن اللعنة في الدنيا رفدت، أي ~~أمددت باللعنة الأخرى يوم القيامة. ### || [سورة هود (11): آية 100] # ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) # (ذلك) النبأ، أي الخبر، مبتدأ، خبره (من أنباء القرى) أي بعض أخبار القرى ~~المهلكة (نقصه) خبر بعد PageV02P215 # خبر للمبتدأ، أي مقصوص منا (عليك) بنزول جبريل لتقرأه عليهم دلالة على ~~نبوتك، ثم استأنف قوله (منها) أي من القرى (قائم) أي عامر بقيام الحيطان ~~دون أهله (وحصيد) [100] أي ومنها خراب هالك بهلاك أهله وحيطانه وهو بمعنى ~~المحصود. ### || [سورة هود (11): آية 101] # وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون ~~الله من شيء لما جاء ms0756 أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) # (وما ظلمناهم) أي لم نهلكهم ظلما (ولكن ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعصية ~~(فما أغنت) أي ما نفعت (عنهم آلهتهم التي يدعون) أي يعبدونها (من دون الله ~~من شيء) أي من صرف عذاب الله تعالى عنهم (لما) أي حين (جاء أمر ربك) أي ~~عذابه (وما زادوهم) أي ما زادت آلهتهم إياهم بعبادتهم (غير تتبيب) [101] أي ~~غير تدمير وإهلاك. ### || [سورة هود (11): آية 102] # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (102) # (وكذلك) أي مثل ذلك العقاب (أخذ ربك) أي عقوبته (إذا أخذ القرى) أي ~~عاقبهم (وهي ظالمة) أي والحال أن أهلها جاحدون بتوحيد الله ومختارون الشرك ~~به (إن أخذه) أي عقوبته (أليم شديد) [102] أي وجيع صعب على المأخوذ، وهو ~~تحذير من عاقبة الظلم لكل قرية ظالمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» «1»، ثم قرأ «وكذلك أخذ ربك» الآية. ### || [سورة هود (11): آية 103] # إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود (103) # (إن في ذلك) أي في الإخبار عن الأمم الخالية الهالكة بذنوبهم (لآية) أي ~~لعبرة وعظة (لمن خاف عذاب الآخرة) أي لمن أيقنه وأقر به (ذلك) أي يوم ~~القيامة (يوم مجموع له الناس) أي يوم يجمع له الأولون والآخرون للحساب ~~والجزاء، وصف اليوم بلفظ الاسم دون الفعل ليدل على ثبات الجمع في ذلك اليوم ~~وتمكنه البتة (وذلك يوم مشهود) [103] أي يشهدون فيه من أهل السماء والأرض ~~لا يغيب عن أحد منهم، جعل اليوم مشهودا فيه تهويلا له وتمييزا من بين ~~الأيام كتمييز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهودا فيه دونها. ### || [سورة هود (11): آية 104] # وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) # (وما نؤخره) أي ذلك اليوم ونحن قادرون على أن نقيمه الآن (إلا لأجل ~~معدود) [104] أي لوقت معلوم محسوب بعد انقضاء الدنيا. ### || [سورة هود (11): آية 105] # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد (105) # (يوم يأت) أي ذلك اليوم ms0757 أو الفاعل الله كما في قوله تعالى «أو يأتي أمر ~~ربك» «2»، أي أمره، قرئ باثبات الياء وبحذفها «3» كما في مصحف عثمان رضي ~~الله عنه، وهو لغة هزيل، والعامل في الظرف محذوف، أي اذكر يوم يأتي هوله ~~وشدائده أو العامل (لا تكلم) أي لا يتكلم لهول ذلك اليوم وشدته (نفس) في ~~الشفاعة (إلا بإذنه) أي إلا بأمره تعالى للقيامة مواطن، ففي بعضها يتكلمون ~~وفي بعضها يمنعون عن التكلم (فمنهم شقي) أي من سبقت له الشقاوة (وسعيد) ~~[105] أي ومنهم من سبقت له السعادة. ### || [سورة هود (11): آية 106] # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) # (فأما الذين شقوا ففي النار) لشركه وإساءته (لهم فيها زفير) أي الصوت ~~الشديد (وشهيق) [106] أي PageV02P216 # الصوت الضعيف وهما صفتا صوت الحمار، يعني أول ما ينهق وآخر ما ينهق عند ~~الفراغ من نهيقه. ### || [سورة هود (11): آية 107] # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) # (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) أي سماء الجنة وأرضها، فانهما ~~خلقتا للأبد لقوله «يوم تبدل الأرض غير الأرض» «1» الآية، وقيل: هو كناية ~~عن التأبيد على عادة العرب «2»، أي مدة دوامها في ظنهم (إلا ما شاء ربك) أي ~~لكن من آمن في الدنيا أخرجهم الله تعالى من الأشقياء الداخلين في النار ~~بإيمانهم، ف «ما» بمعنى «من»، والاستثناء منقطع لكون الإخراج من غير جنس ~~الداخلين فيها «3»، لأنهم سعداء أخرجوا من النار أو متصل من داخلي النار ~~بالمعصية أو من الواردبين فيها، فأخرجوا وأدخلوا الجنة بالشفاعة أو برحمة ~~الله «4» أو استثناء من أوقات الخلود، لأنهم استحقوا الخلود «5» في النار ~~من حين أخرجوا من القبور، لكنهم أخروا عنه قدر الحساب في المحشر ف «ما» على ~~بابها «6» (إن ربك فعال) بأهل النار «7» (لما يريد) [107] إن شاء أخرج من ~~يعذب في النار ويدخله الجنة بايمانه وإن شاء أبقاه معذبا في النار أبدا بكفره. ### || [سورة هود (11): آية 108] # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء ms0758 غير مجذوذ (108) # (وأما الذين سعدوا) بضم السين وبفتحها «8»، أي الذين خلقوا للسعادة أو ~~استوجبوا دخول الجنة بالإيمان والطاعة (ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) استثناء من أوقات الخلود، وهو مقدار الحبس ~~في الحشر وعلى الصراط وتعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ، وهو ما بين ~~الموت والبعث أربعين سنة قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، وقيل: «معناه سوى ما ~~شاء الله من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات والأرض» «9»، وذلك هو الخلود ~~في الموضعين، وقيل: «إلا» بمعنى الواو «10»، أي وما شاء ربك من خلود هؤلاء ~~في النار وهؤلاء في الجنة، وقيل: معناه لو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا ~~يشاء، لأنه حكم لهم بالخلود فيهما «11» (عطاء غير مجذوذ) [108] أي رزقا غير ~~منقطع عنهم، وهو مصدر منصوب بفعل مقدر، أي يعطون عطاء غير منقوص. ### || [سورة هود (11): آية 109] # فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل ~~وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام وأراد غيره (فلا تك في مرية) أي في شك ~~(مما يعبد هؤلاء) في أنهم ضلال يستحقون العذاب المؤبد (ما يعبدون إلا كما ~~يعبد آباؤهم من قبل) يعني لا يرغبون التوحيد فتقلدوا آياءهم من غير حجة في ~~ذلك (وإنا لموفوهم) أي لمتمون (نصيبهم) من العذاب (غير منقوص) [109] هو نصب ~~على الحال، أي وافيا لهم ولآبائهم بلا نقص من كل واحد منهم، وفيه تأكيد ~~لتوفية «12» نصيبهم الكامل، عن ابن مسعود: «ليأتين على جهنم زمان ليس فيها ~~أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا» «13»، وعن أبي هريرة مثله «14»، ~~ومعناه عند أهل السنة أن لا يبقي فيها أحد من أهل الإيمان، أما مواضع ~~الكفار فممتلئة أبدا. PageV02P217 ### || [سورة هود (11): آية 110] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (110) # (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التورية (فاختلف فيه) كما اختلف في القرآن، ~~بعضهم آمن به وبعضهم كفر به، وفيه تسلية ms0759 للنبي عليه السلام ليصبر على ~~تكذيبهم كما صبر موسى عليه السلام (ولو لا كلمة سبقت من ربك) أي لو لا وجب ~~قول ربك بتأخير العذاب عن أمتك إلى يوم القيامة (لقضي بينهم) أي لحكم في ~~الحال بلا مهملة بنزول العذاب بهم ولفرغ من إهلاكهم (وإنهم لفي شك منه) أي ~~من القرآن (مريب) [110] أي موقع الريبة والتهمة. ### || [سورة هود (11): آية 111] # وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير (111) # (وإن كلا) قرئ بالتشديد والتخفيف «1»، وأعملت في «كلا»، والتنوين فيه عوض ~~من المضاف إليه، أي كل واحد من المختلفين والخبر على الوجهين (لما) ~~بالتخفيف و«ما» نكرة بمعنى شيء واللام فيه لا أن للتأكيد، أي وإن كلا لخلق ~~ولو جعلت «ما» زائدة للفصل بين لام «إن» ولام القسم (ليوفينهم) كان خبر ~~«إن» «ليوفينهم»، فاللام الأولى لتوطئة القسم، واللام في «ليوفينهم» جواب ~~قسم محذوف، أي وإن كلا من المختلفين والله ليوفينهم، أي ليعطينهم «2» وافيا ~~(ربك أعمالهم) أي جزاء أعمالهم من خير وشر، وقرئ «لما» بالتشديد «3»، أصله ~~«لمن ما» بمعنى لخلق ما قلبت النون ميما فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت الأولى ~~تخفيفا (إنه بما يعملون خبير) [111] أي عالم به فيجازيكم بالخير خيرا ~~وبالشر شرا. ### || [سورة هود (11): آية 112] # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) # ثم خاطب نبيه عليه السلام بعد ذكر كونه خبيرا (فاستقم كما أمرت) على دين ~~ربك والعمل به والدعاء إليه، وقيل: «افتقر إلى الله بصحة العزم» «4»، وهو ~~الوثوق به والتوكل عليه وربطه القلب به، قوله (ومن تاب معك) عطف على الضمير ~~في «استقم» للفصل بينهما، أي وليستقم من تاب من الشرك وآمن معك في التوحيد ~~والعمل بما أمروا به (ولا تطغوا) أي لا تخرجوا عن حدود الله ولا تروغوا ~~روغان الثعلب (إنه بما تعملون بصير) [112] أي لا يخفى عليه من أعمالهم شيء. # قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما نزل على رسول الله عليه السلام آية هي ~~أشد عليه من هذه الآية ولذا قال شيبتني سورة هود» ms0760 «5». ### || [سورة هود (11): آية 113] # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) # (ولا تركنوا) أي لا تجعلوا أنفسكم راكنين أي مائلين (إلى الذين ظلموا) أي ~~وجد منهم الظلم (فتمسكم النار) أي فيصيبكم عذاب النار، والركون هو الميل ~~والمحبة بالقلوب «6»، يعني لا تطيعوهم ولا ترضوا أعمالهم السيئة وأقوالهم ~~الباطلة ولا تداهنوهم (وما لكم من دون الله من أولياء) أي أعوان ينفعونكم ~~(ثم لا تنصرون) [113] أي لا تمنعون من عذابه حين تمسكم النار، و«ثم» فيه ~~لاستبعاد نصرهم منه، قال سفيان: «إن في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء ~~الزائرون الملوك» «7»، من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله في أرضه. PageV02P218 ### || [سورة هود (11): آية 114] # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ~~ذكرى للذاكرين (114) # قوله (وأقم الصلاة) عطف على «فاستقم كما أمرت» في معنى النهي عن أداء ~~الصلوة قبل وقتها، أي أد الصلوة (طرفي النهار) أي أوله وآخره، وهو منصوب ~~على الظرفية لإضافته إلى الظرف، وطرفان الغداة والعشي، والمراد الصبح ~~والظهر والعصر، لأن ما بعد الزوال عشي (وزلفا) جمع زلفة وهي قطعة (من ~~الليل) أو ساعة منه نصب على الظرف، والمراد المغرب والعشاء، يعني أقم ~~الصلوة في هذه الأوقات الخمسة (إن الحسنات) أي الصلوات الخمس في أوقاتها ~~(يذهبن السيئات) أي الخطيئات، قيل: نزلت الآية في شأن أبي اليسر، وقد جاءته ~~امرأة لتبتاع منه تمرا، فقال لها: إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معه في ~~البيت فقبلها فندم عليه، فأتى أبا بكر فذكر له ذلك، فقال: استر على نفسك ~~وتب، فأتى عمر وقال كذلك، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ~~فأطرق عليه السلام حتى أوحي إليه الآية «1»، فقال أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة، وقال عليه ~~السلام: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر» «2»، وقيل: الحسنات سبحان الله ms0761 والحمد لله ولا ~~إله إلا الله أكبر «3» أو جميع الخيرات «4» (ذلك) أي المذكور من قوله ~~«فاستقم» وما بعده من المواعظ (ذكرى) أي موعظة (للذاكرين) [114] أي ~~للتائبين المتعظين. ### || [سورة هود (11): آية 115] # واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) # (واصبر) يا محمد على الشدائد وعلى ما تلقى من أذى قومك والصلوات الخمس ~~(فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [115] في أعمالهم من الصلوة «5» وغيرها. ### || [سورة هود (11): آية 116] # فلو لا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116) # قوله (فلو لا) من حروف التحضيض بمعنى «هلا» أو المراد منه النفي إذا لم ~~يكن له جواب، أي فما (كان من القرون) المهلكة (من قبلكم أولوا بقية) أي أهل ~~خير وأصحاب فضل، يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ~~(ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم) أي لكن قليلا منهم ~~«6» نهوا عن الفساد، وهم أتباع الأنبياء، ف «من» في «ممن أنجينا» للبيان ~~«7» لا للتبعيض، والاستثناء منقطع، ولا يجوز أن يكون متصلا على ما عليه ~~الظاهر من الكلام، لأنه يلزم أن يكون معنى الآية تخصيصا لأولي البقية عن ~~النهي عن الفساد دون القليل من الناجين منهم وهو فاسد، وعطف على «نهوا» ~~المقدر معنى قوله (واتبع الذين ظلموا) أنفسهم بشركهم، أي اشتغلوا (ما ~~أترفوا فيه) أي الذي أنعموا به في الدنيا من المال والرياسة وأسباب التنعم ~~واللذات النفسانية من الحلال والحرام، ورفضوا ما وراء ذلك من أركان الدين ~~وشرائع الإسلام فنبذوه وراء ظهورهم، ولم يهتموا بما هو خير لهم في الدنيا ~~والآخرة (وكانوا مجرمين) [116] عطف على «أترفوا»، أي صاروا متأثمين بذلك ~~التنعم «8» مستحقين للعقاب. ### || [سورة هود (11): آية 117] # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # (وما كان ربك) أي وما صح وما استقام (ليهلك القرى) أي أن يعذب أهلها ~~(بظلم) أي بغير جرم وهو PageV02P219 # حال من الفاعل (وأهلها مصلحون) [117] أي موحدون مطيعون، والجملة في ms0762 محل ~~النصب على الحال من المفعول، واللام في «ليهلك» لتأكيد النفي الداخل على ~~«كان»، يعني استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالما لها وهم مصلحون في ~~أعمالهم، ولكنه يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات، وقيل: معناه أنه لا يهلكهم ~~بكفرهم وأهلها عادلون فيما بينهم ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا ~~تظالموا «1». ### || [سورة هود (11): آية 118] # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) # (ولو شاء ربك) مشية قسر وإلجاء (لجعل الناس أمة واحدة) أي لخلق كلهم ~~مكرمين بدين واحد، وهو دين الإسلام بالاضطرار ولكنه علم أن بعضهم ليسوا ~~بأهل لذلك فلم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق (ولا يزالون مختلفين) [118] ~~على أديان شتى من نصراني ويهودي ومجوسي ومشرك ومسلم، لأن الله تعالى مكنهم ~~من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الباطل وبعضهم الحق ~~فاختلفوا. ### || [سورة هود (11): آية 119] # إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين (119) # (إلا من رحم ربك) أي إلا ناسا هداهم الله ولطف بهم بتأييده فاتفقوا على ~~دين الحق غير مختلفين فيه (ولذلك) أي وللاختلاف «2» الذي ينشأ من تمكين ~~الاختيار (خلقهم) ليثيب مختار الحق ويعاقب مختار الباطل فيكون فريق في ~~الجنة وفريق في السعير، وقيل معناه: «وللرحمة خلقهم» «3»، يعني للإسلام ~~والعبادة التي هي سبب الرحمة، قال تعالى «وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون» «4» (وتمت كلمة ربك) أي سبق حكمه في علمه ووجب للمختلفين في دينه ~~بكفرهم وهو (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) [119] لعلمه بكثرة من ~~يختار الباطل ويترك الحق. ### || [سورة هود (11): آية 120] # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) # (وكلا) أي كل نبأ، فالتنوين عوض من المضاف إليه (نقص عليك) أي نبين لك ~~(من أنباء الرسل) أي من أخبارهم وأخبار أممهم، وهو بيان لكل (ما نثبت به ~~فؤادك) أي الذي نقوي به قلبك من الاضطرار، وهو بدل من «كلا»، يعني نحن نقص ~~عليك كل ما تحتاج إليه من ms0763 أخبار الأنبياء وأممهم مما نثبت به قلبك لنزيدك ~~يقينا وطمأنينة، لأن تكاثر الشواهد والأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم ولو ~~ذكرت مكررة، لأن النبي عليه السلام إذا سمعها كان في ذلك تقوية في قلبه على ~~الصبر على أذى قومه (وجاءك في هذه) أي في سورة هود أو في هذه الأنباء ~~المقتصة (الحق) أي ما هو الحق من الأحكام والعلوم المتعلقة بالنبوة فاعمل ~~به ومن تاب معك وإنما خص هذه السورة تشريفا لها وإن كان قد جاءه الحق في ~~جميع السور (وموعظة) أي وجاءك تأدبة (وذكرى) أي وتذكرة وعبرة (للمؤمنين) ~~[120] أي الموحدين المطيعين لله ورسوله. ### || [سورة هود (11): الآيات 121 الى 122] # وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا ~~منتظرون (122) # ثم قال تهديدا لكفار مكة (وقل للذين لا يؤمنون) بالله ورسوله (اعملوا على ~~مكانتكم) أي على جهتكم وقوتكم التي أنتم عليها في أمرنا (إنا عاملون) [121] ~~في أمركم (وانتظروا) بنا الدوائر (إنا منتظرون) [122] أن يحل بكم العذاب ~~كما حل بأشباهكم. PageV02P220 ### || [سورة هود (11): آية 123] # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) # (ولله غيب السماوات والأرض) أي له علم ما غاب فيهما عن العباد فلا يخفى ~~عليه أعمالكم (وإليه يرجع الأمر كله) في المعاد فلا بد أن يرجع إليه أمرهم ~~وأمرك، فينتقم لك منهم (فاعبده وتوكل عليه) أي ثق به في جميع أمورك، فانه ~~كافلك وكافيك (وما ربك بغافل عن ما تعملون) [123] بالياء والتاء «1» تغليبا ~~للمخاطب. # عن كعب الأحبار أنه قال: «خاتمة التورية هذه الآية ولله غيب السموات ~~الآية» «2»، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر يا رسول الله: قد ~~شبت، قال عليه السلام: «شيبتني سورة هود وأخواتها- يعني- الواقعة والمرسلات ~~وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت» «3». PageV02P221 ### | سورة يوسف # مكية # وفي الخبر: «أن سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة» ~~«1»، وعن ابن عطاء: «لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استروح بها» «2». # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة يوسف (12): الآيات 1 الى 2] # بسم ms0764 الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) # (الر) أي أنا الله الرقيب على كل شيء (تلك) أي هذه السورة (آيات الكتاب ~~المبين) [1] أي البين حلاله وحرامه، من أبان «3» إذا ظهر أو مبين الحق من ~~الباطل، من أبان إذا فرق، نزل حين قالت اليهود لأصحاب النبي عليه السلام: ~~سلوا صاحبكم عن خبر يوسف وإخوته ونقلهم مع أبيهم يعقوب من كنعان إلى مصر ~~«4»، فبين الله تعالى ذلك بقوله (إنا أنزلناه قرآنا) وهو حال موطئة، فالحال ~~في الحقيقة (عربيا) أو مصدر بمعنى المفعول، فهو حال و«عربيا» صفته، أي ~~أنزلنا الكتاب المتضمن خبر يوسف ويعقوب وأولاده في حال كونه قرآنا بلسان ~~العرب، ف «عربيا» وصف غير لازم للقرآن، لأنه نسب إلى لغة العرب بعد نزوله ~~على النبي صلى الله عليه وسلم (لعلكم تعقلون) [2] أي لكي تفهموا ما فيه ~~وتدركوا معانيه فتؤمنوا. ### || [سورة يوسف (12): آية 3] # نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن ~~الغافلين (3) # (نحن نقص) أي نبين (عليك) هذا القرآن (أحسن القصص) بفتح القاف، وهو اسم ~~بمعنى المصدر، من قص أثره إذا أتبعه، لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظه ~~شيئا فشيئا، ويقال قص فلان الخبر علي إذا رأوه على وجهه، ويروى بالكسر جمع ~~القصة، أي نخبر لك أفضل أخبار القرون الماضية، والمراد منه قصة يوسف عليه ~~السلام، وإنما كانت أحسنها، لأنها تضمنت النكت والعبر والحكم والعجائب التي ~~ليست في غيرها مما يصلح للدين والدنيا من سير الملوك والمماليك والعلماء ~~ومعجزات يوسف وأحواله الغريبة وأقواله اللطيفة والصبر على أذى الأعداء ومكر ~~النساء وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء وغير ذلك، فنقصها عليك «5» (بما ~~أوحينا) أي بايحائنا (إليك هذا القرآن) أي هذه السورة المشتملة على قصة ~~يوسف (وإن كنت من قبله) أي وإن الشأن قد كنت قبل نزول القرآن (لمن ~~الغافلين) [3] عن قصة يوسف لم تكن تعرفها، ف «إن» مخففة واللام فارقة لها ~~من النافية. ### || [سورة يوسف (12): آية 4] # إذ قال يوسف لأبيه ms0765 يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم ~~لي ساجدين (4) # قوله (إذ قال يوسف) ظرف لفعل مقدر، و«يوسف» اسم عبري لا عربي وإلا لا ~~نصرف لخلوه عن سبب آخر سوى العلمية، أي اذكر وقت قول يوسف (لأبيه) يعقوب ~~(يا أبت) بكسر التاء العوض من ياء الإضافة PageV02P222 # وبالفتح «1»، لأن أصله يا أبتاه (إني رأيت) في المنام من الرؤيا (أحد عشر ~~كوكبا) أي نجما من نجوم السماء، ونصب «كوكبا» تمييز (و) رأيت (الشمس ~~والقمر) أيضا فيه، وإنما أخر الشمس والقمر بالعطف على الكواكب بيانا ~~لفضلهما على غيرهما، ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع في المفعول عند من قال به. # قيل: «جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! أخبرني عن ~~النجوم التي رآهن يوسف فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل جبرائيل عليه ~~السلام فأخبره بذلك، فقال عليه السلام لليهودي: إن أخبرتك هل تسلم؟ قال: ~~نعم، قال عليه السلام: حريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق ~~والمصبح والضروج والفرغ ووثاب وذو الكتفين، رآها يوسف والشمس والقمر، نزلت ~~من السماء وسجدن له، فقال اليهود: إي والله انها لأسماؤها» «2». # ثم استأنف على تقدير كيف رأيتهم بقوله (رأيتهم لي ساجدين) [4] نصب على ~~الحال من ضمير المفعول وجمعهم جمع العقلاء، لأنه أخبرهم عنهم بفعل من يعقل ~~وهو السجود وكان النجوم في التأويل إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم ~~كما يستضاء بالنجوم»، والشمس أبوه والقمر أمه» «3»، قاله قتادة، وقال ابن ~~جريج: «القمر أبوه والشمس أمه» «4»، لأن الشمس مؤنث والقمر مذكر، وكان يوسف ~~ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرويا ليلة القدر في ليلة الجمعة. ### || [سورة يوسف (12): آية 5] # قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) # فلما قصها على أبيه (قال) له أبوه (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك) بواو ~~ساكنة وبهمزة ساكنة «5» قبل ألف التأنيث يختص برؤية المنام، والرأي بالقلب ~~والرؤية بالعين، وجواب النهي قوله (فيكيدوا لك) أي فيحتالوا في إهلاكك ~~(كيدا) ms0766 أي مكرا قويا بتزيين الشيطان، لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك، ~~واللام في «لك» صلة لتأكيد التخويف بأبلغ التأكيد فيه ألا ترى إلى تأكيده ~~بالمصدر بعده، وفعله منصوب باضمار «أن» بعد الفاء (إن الشيطان للإنسان عدو ~~مبين) [5] أي ظاهر العداوة تحملهم على الكيد بعداوته القديمة، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # «الرؤيا الصالحة من الله، فاذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، ~~وإذا رأى ما يكره فلا يحدث به، وليتفل ثلاثا عن يساره وليتعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم من شر ما رأى فانها لن تضره» «6»، وقال: «الرؤيا الصالحة ~~جزء من أربعين أو ست وأربعين جزء من النبوة وهي على رجل طائر، فاذا حدث بها ~~وقعت- قال الراوي أحسبه قال- لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا» «7». ### || [سورة يوسف (12): آية 6] # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل ~~يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم (6) # (وكذلك) من مقول يعقوب ليوسف، أي ومثل ذلك الاجتباء الذي اجتباك للرؤيا ~~ورفع منزلتك بها (يجتبيك) أي يصطفيك (ربك) لما هو أعظم منها (ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث) جمع أحداث، وهو جمع حديث وليس بجمع أحدوثة، إذ لا يقال ~~أحدوثة النبي كذا، والمراد من الأحاديث هنا الرؤى جمع الرؤيا ومن تأويلها ~~تعبيرها بما يؤول إليه أمرها عاقبة «8» (ويتم نعمته عليك) بالنبوة وإظهار ~~الإسلام (وعلى آل يعقوب) أي PageV02P223 # إخوتك بالنبوة أيضا والإسلام، لأنهم كانوا أنبياء، والآل يستعمل في ~~الأشراف، فيقال آل الملك، ولا يقال آل الحائك (كما أتمها) أي نعمته (على ~~أبويك) أي جدك وأبي جدك «1» (من قبل) أي من قبلك (إبراهيم وإسحاق) عطف بيان ~~ل «أبويك» بجعلهما نبيين، فأخبر يوسف بما أعلمه الله من أنه يتم نعمته عليه ~~وعلى إخوته كما أتمها على آبائه، يعني أجداده، وسمي الجد أبا، لأنه أب في ~~الأصالة، يقال فلان ابن فلان وإن كان بينهما عدة آباء، وقيل: إتمام النعمة ~~على إبراهيم بالخلة وإنجائه من النار «2»، وعلى إسحق بانجائه من الذبح «3»، ~~وقيل: باخراج ms0767 يعقوب والأسباط من صلبه «4» (إن ربك) يا محمد (عليم) بأحوال ~~خلقه وعواقب أمورهم من كون يوسف ملكا في ديارهم مصر، ونبيا داعيا للخلق إلى ~~دين الله بعد كونه عبدا مشريا بدراهم معدودة واحتياج إخوته وأبيه مع أهل ~~بيته إليه، وخرورهم كله لديه سجدا له كما رأى في المنام وتوفيه ولحوقه ~~بآبائه الصالحين «5» (حكيم) [6] في جميع صنعه من إراءة هذه الرؤيا ليوسف ~~وتقدير كيد إخوته له وتفريق الابن الصغير من أبيه المحب له «6»، قيل: كان ~~بين رؤيا يوسف وتحقيقها أربعون سنة «7»، وقيل: «ثمانون» «8»، ولما سمع ~~رؤياه إخوته قالوا ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه، وكان أبوه ~~يحبه ويميل إليه أكثر من ميله إليهم لما يرى فيه من أمارات التقوى والصلاح ~~فحسدوه وظلموه - كان بنو يعقوب اثني عشر رجلا، ستة من بنت ليان خال يعقوب ~~اسمها لايا، وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم وشمعون ولاوي ويهوذا وزيالون ويشجر ~~وأربعة من سريتين له زلفة وبلهة، وأسماؤهم دان ونفتالي وحاذ بالحاء المهملة ~~والذال المعجمة وأشير، ثم ماتت لايا فتزوج أختها راحيل فولدت له يوسف ~~وبنيامين «9». ### || [سورة يوسف (12): آية 7] # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # قوله (لقد كان في يوسف وإخوته) أي في خبره وحديثهم (آيات) أي عبرات ~~ودلالات على نبوة محمد عليه السلام (للسائلين) [7] عن قصة يوسف وإخوته. # نزل حين جاء اليهود إلى رسول الله عليه السلام وسألوا عن قصصهم، فلما ~~قرأها عليهم فوجدوها موافقة لما في التورية تعجبوا منه فقالوا: يا محمد! من ~~علمكها؟ قال: الله علمنيها «10»، فهذا معنى قوله «آيات للسائلين»، أي ~~للمعتبرين، وقيل: للسائلين وغير السائلين، لأنها تشتمل على صبر يوسف على ~~الرق والسجن وعن قضاء الشهوة وعلى ما آل إليه أمره من الملك والنبوة وعلى ~~حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من PageV02P224 # الوصول إلى مراده وغير ذلك من الآيات «1». ### || [سورة يوسف (12): آية 8] # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال ~~مبين (8) # (إذ قالوا) أي إخوته فيما بينهم عند سماعهم رؤيا ms0768 يوسف (ليوسف وأخوه) ~~بنيامين (أحب إلى أبينا منا) ولم يثن، لأن أفعل التفضيل إذا لم يعرف ولم ~~يضف يستوي فيه القليل والكثير والمذكر والمؤنث، والواو في قوله (ونحن عصبة) ~~للحال، والعصبة من الواحد إلى العشرة، أي والحال أنا جماعة عشرة يتم بنا ~~الأمور وتستحكم، وفينا كفاية ولا كفاية فيهما لصغرهما، فهو يفضلهما علينا ~~(إن أبانا لفي ضلال مبين) [8] أي لفي خطأ ظاهر في حبهما واختيارهما علينا، ~~فالمراد بالضلال سوء الرأي. ### || [سورة يوسف (12): آية 9] # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين (9) # ثم قال بعضهم لبعض (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا) أي مكانا مجهولا أو ~~بعيدا من أبيكم ليهلك فيه (يخل لكم وجه أبيكم) أي يصف لكم إقباله وشغله لا ~~يلتفت إلى غيركم ويكثر حبه فيكم (وتكونوا من بعده) أي بعد قتله أو بعد ~~غيبته عنكم (قوما صالحين) [9] بأن تتوبوا إلى الله مما جنيتم عليه، فيتوب ~~عليكم أو صلحت حالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف، فيه إيماء إلى أن المؤمن ~~ينبغي أن يهيئ أمر التوبة قبل المعصية. ### || [سورة يوسف (12): آية 10] # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) # (قال قائل منهم) أي من إخوة يوسف، وهو يهوذا «2» وكان أعقلهم، وقيل: «إنه ~~روبيل وكان أكبرهم» «3» (لا تقتلوا يوسف) فان القتل عظيم (وألقوه) أي ~~اطرحوه (في غيابت الجب) أي في قعر الجب الذي يغيب عن العين، والغيابة ما ~~غاب عن عينك، وقرئ «غيابات الجب» «4»، والجب البئر الذي لم تطو بالحجارة ~~بعد الأساس (يلتقطه) أي يأخذه (بعض السيارة) أي المسافرين وهو ممن يمر عليه ~~لطلب الماء (إن كنتم فاعلين) [10] ما عزمتم عليه من الشر فهذا هو الرأي، ~~فأطاعوا القائل بذلك وجاؤا إلى أبيهم وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا ~~أنبياء بدليل قوله «وتكونوا من بعده قوما صالحين»، ولأنهم ارتكبوا جرائم ~~كبيرة من قطيعة الرحم وعقوق الوالد وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ~~والغدر بالأمانة والكذب مع أبيهم النبي، وهذه ms0769 كلها لا تليق بالنبوة. ### || [سورة يوسف (12): آية 11] # قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) # (قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا) بالإدغام وإشمام النون الضم تنبيها على ~~الأصل، وهو إظهار النونين مع ضم الأولى «5»، بدؤا بالإنكار عليه في ترك ~~إرساله معهم حثا على الإرسال، أي أي حال لك لا تأمنا (على يوسف) أتخافنا ~~عليه (وإنا له لناصحون) [11] أي مريدون الخير له أو لحافظون بالشفقة ورادون ~~إياه إليك. ### || [سورة يوسف (12): آية 12] # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) # (أرسله معنا غدا) إلى الصحراء (يرتع ويلعب) بالنون فيهما للإسناد إلى ~~الجميع، قيل: كان لعبهم المسابقة والنضال وما يتقوى به على حرب العدو ولذلك ~~أجاز لعبهم يعقوب عليه «6»، وبالياء فيهما للإسناد إلى يوسف، PageV02P225 # أي يأكل ما يشتهي من الطعام ويله، وبالنون في الأولى والياء في الثاني، ~~أي نرتع نحن ويلعب يوسف، وقرئ بكسر العين في «نرتع» فهو من ارتعي يرتعي، ~~فلامه حذفت للجزم في جواب الأمر وباسكان العين جزما «1» جوابا أيضا لأرسله، ~~فهو من رتع يرتع، أي يتسع في أكل الفواكه وغيرها (وإنا له لحافظون) [12] عن ~~الأذى وإصابة المكروه. ### || [سورة يوسف (12): آية 13] # قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) # (قال) أبوه يعقوب في الجواب معتذرا بشيئين (إني ليحزنني أن تذهبوا به) أي ~~تذكر ذهابكم بيوسف بحذف المضاف لإرادة المبالغة في الحزن، والحزن ألم القلب ~~بفراق المحبوب، قرئ معلوما «2» من أحزن أو من حزن والمعنى واحد، واللام لام ~~الابتداء لتأكيد الحال هنا (وأخاف أن يأكله الذئب) بالهمز وبغير الهمز «3» ~~(وأنتم عنه غافلون) [13] أي مشغولون بلعبكم فيقل اهتمامكم بحفظه، وإنما ~~قاله لأنه رأى في المنام أن ذئبا قد شد وحمل على يوسف فأنجاه بنفسه «4»، ~~وقيل: قاله لأن أرضهم كانت كثيرة الذئاب لا لأنه قصد تعليم العلة لهم في ~~كيد يوسف كما قالوه، إذ لا يجوز تلقين الخصم حجة «5»، قيل: إن إخوة يوسف ~~كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس إلى أن قال ذلك ms0770 يعقوب عليه السلام ~~«6»، فوقع كالتعليم لهم على سبيل الاتفاق. ### || [سورة يوسف (12): آية 14] # قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # (قالوا) أي إخوة يوسف والله (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) أي جماعة عشرة ~~(إنا إذا لخاسرون) [14] أي لهالكون ضعفا وعجزا حيث أكل بعضنا الذئب ونحن ~~حاضرون، قيل: اعتذر يعقوب إليهم بعذرين، فأجابوا عن أحدهما دون الآخر، لأنه ~~هو الذي يغيظهم لا غير، فبعد قولهم هذا رضي بذهابه معهم «7»، وقيل: أبى أن ~~يرسله معهم حتى أتوا يوسف فقالوا له اطلب من أبيك ليبعثك معنا، فطلب منه ~~فرضي بذلك وأوصاهم أن يحسنوا إليه ويتعاهدوا أمره ويردوه إذا طلب الرجوع «8». ### || [سورة يوسف (12): آية 15] # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) # (فلما ذهبوا به) إلى البرية جعلوا يحملونه على عواتقهم إكراما له، فلما ~~بعدوا به عن العيون أظهروا له العداوة، فجعل أحدهم يضربه فيستغيث بالآخر ~~فيضربه هو أيضا ضرب القتل، فقال يهوذا: أليس عهدكم بي أن لا تقتلوه؟ ~~فامتنعوا من ضربه (وأجمعوا أن يجعلوه) أي اتفقوا على جعل يوسف (في غيابت ~~الجب) أي في أسفلها فانطلقوا به إلى بئر على غير الطريق واسع الأسفل ضيق ~~الرأس على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب أو فرسخين، فجعلوا يدلونه في البئر ~~فيتعلق شفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه ردوا علي ~~القميص أتواري به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والكوكب تونسك، قال: ~~إني لم أر شيئا، فألقوه فيها إرادة أن يموت فيها، وكان فيها ماء، فسقط فيه ~~ثم آوي إلى صخرة فيها فقام عليها، وبقي فيها ثلاث ليال، PageV02P226 # وكان يهوذا يأتيه الطعام «1»، وجواب «لما» محذوف، أي جعلوه في البئر ~~بقرينة جملة «2» «وأجمعوا»، وعطف عليه قوله (وأوحينا إليه) أي إلى يوسف في ~~الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى في صغرهما (لتنبئنهم) أي لتخبرنهم يا يوسف ~~فيما يستقبل (بأمرهم هذا) أي بصنيعهم السوء الذي فعلوه بك بمصر ملكا ~~وتجازيهم عليه (وهم لا يشعرون) [15] أنك يوسف ms0771 لعلو منزلتك وبعد عهدهم عنك ~~إذا طلبوا منك الطعام من الجوع والقحط، قيل: # بعث الله إليه جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج وغيره ويخبره بما أوحى إليه ~~ربه في البئر «3»، وقال له: إذا هبت «4» شيئا فقل يا صريخ المستصرخين ويا ~~غياث المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى ~~عليك شيء من أمري، فلما قالها حفته الملائكة فآنس بهم، وقيل: خرج من ساعته ~~«5»، قال ابن عباس رضي الله عنه: «ثم أنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص ~~يوسف» «6»، ولم يشقوه. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 16 الى 18] # وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤ على ~~قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون (18) # (وجاؤ) أي إخوة يوسف وهم ظلمة (أباهم عشاء يبكون) [16] أي وقت المساء في ~~ظلمة العشاء يصيحون كذبا بالكاء ليكون أحرى «7» على الاعتذار بالكذب، روى: ~~أن يعقوب لما سمع صياحهم وعويلهم خرج فقال: # يا بني ما لكم هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم وأين ~~يوسف؟ (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) أي نترامي وننتضل (وتركنا يوسف عند ~~متاعنا) أي أقمشتنا وثيابنا (فأكله الذئب) كما قلت «8» (وما أنت بمؤمن) أي ~~بمصدق (لنا ولو كنا) أي وإن كنا (صادقين) [17] عندك أن الذئب قد أكله لشدة ~~حبك إياه، فكيف وأنت تتهمنا به في هذا الأمر، لأنك خفتنا في الابتداء أو ~~لأنه لا دليل على صدقنا وإن كانا صادقين عند الله، و «على» بمعنى فوق في ~~قوله (وجاؤ على قميصه بدم كذب) فيكون محل «على قميصه» نصبا على الظرف، ولا ~~يجوز أن يكون حالا من «الدم» «9»، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه، أي جاؤا ~~فوق قميصه بدم ذي كذب، يعني بدم أثر في قميصه ظاهرا أو وصف بالمصدر مبالغة ~~كأنه نفس الكذب وعينه، لأنه دم السخلة لا دم يوسف، فأخذه يعقوب وجعله على ms0772 ~~وجهه وبكى حتى خضب وجهه بالدم (قال) ما كان هذا الذئب إلا حليما، إذ لم يشق ~~ثوبه، كذبتم في قولكم (بل سولت) أي زينت (لكم أنفسكم أمرا) فضيعتم يوسف به ~~(فصبر جميل) أي فأمري أو فعلي صبر جميل، وهو ما لا شكوى فيه إلى مخلوق ~~(والله المستعان) أي الذي اطلب منه العون على الصبر (على ما تصفون) [18] أي ~~تقولون بالكذب من شأن يوسف. ### || [سورة يوسف (12): آية 19] # وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه ~~بضاعة والله عليم بما يعملون (19) # (وجاءت) بعد ثلاثة أيام (سيارة) أي قافلة يسيرون من مصر إلى مدين أو ~~بالعكس، فأخطؤا الطريق فنزلوا بقرب من البئر التي فيها يوسف وكانت بعيدة من ~~العمران، قيل: «كان ماؤها مالحا فعذب حين ألقي فيه PageV02P227 # يوسف» «1» (فأرسلوا واردهم) أي طالب الماء إلى البئر ليستقي «2» لهم من ~~ماءها وهو مالك بن ذعر (فأدلى دلوه) أي أرخى الدلو في البئر فتعلق يوسف ~~بحبلها فلما خرج فاذا بغلام أحسن ما يكون (قال يا بشرى) بلا ياء بعد الألف ~~كحبلى بمعنى السرور أو هو اسم رجل ناداه مالك ليعينه على إخراجه، وبياء بعد ~~الألف «3»، أضاف البشرى إلى نفسه فبشر نفسه وأصحابه به، فقال (هذا غلام) أو ~~كأنه قال أبشروا لأصحابه (وأسروه) أي أخفوه من سائر التجار رفقائهم، ~~والمخفي الوارد وأصحابه ليكون لهم (بضاعة) أي قطعة من المال ليبيعوه بمصر، ~~وإنما أخفوه منهم خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة، وقيل: أسر إخوة يوسف ~~شأنه، وقالوا إنه عبد آبق «4»، لأن يهوذا أتى يوسف بالطعام فلم يجده في ~~البئر، فأخبر بذلك إخوته فطلبوه، فاذا هو بمالك بن ذعر وأصحابه، وقد كانوا ~~هددوا يوسف بالقتل حتى لا يعرف حاله، ثم باعوه لهم (والله عليم بما يعملون) ~~[19] أي بما يصنع إخوة يوسف به، فقيل لهم: ما لهذا الغلام لا يشبه العبيد ~~وإنما يشبهكم؟ فقالوا: إنه ولد في حجرنا وإنه ابن وليدة أمنا أمرتنا ببيعه، ~~فقال يوسف لهم: ارجعوا بي إلى أبي وأنا ضامن لكم رضاه وأنا ms0773 لا أذكركم فعلكم ~~هذا أبدا، فأبوا عليه. ### || [سورة يوسف (12): آية 20] # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # (وشروه) أي اشتراه السيارة من إخوته أو باع إخوته (بثمن بخس) أي مبخوس ~~بمعنى حرام منقوص، لأن ثمن الحر حرام ممحو البركة أو البخس الزيف «5» أو ~~القليل الناقص عن القيمة أو القليل، وأبدل منه (دراهم معدودة) أي قليلة، ~~لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان أقل من أربعين درهما ويعدون ذلك ~~وكانت الدراهم عشرين أو اثنين وعشرين أو أربعين، وقالت المعتزلة: «باعه ~~واجده وأصحابه لا إخوته بدليل قوله تعالى» «6» (وكانوا) أي إخوة يوسف (فيه) ~~أي في يوسف يعني في ثمنه (من الزاهدين) [20] أي لم يكونوا محتاجين إليه، ~~وقيل: كانوا من الراغبين عنه ليبعد عنهم «7»، ومعناه: أنه لم يكن قصدهم ~~تحصيل الثمن، بل مرادهم تبعيده عن أبيه وقومه أو كان السيارة فيه من ~~الزاهدين عنه، لأنه إخوته أخبروا لهم أنه آبق واستحقروه في البيع، وليس ~~الزهد الترك أصلا، إنما الزهد التهاون بالشيء أو لأنهم التقطوه، والملتقط ~~للشيء متهاون به لا يبالي بما باعه من الثمن وإن أخذ منه البلاغ، وليس كلمة ~~«فيه» صلة «الزاهدين»، لأن الصلة لا يتقدم على الموصول وهو اللام الداخل في ~~الصفة وإنما هو بيان له «8»، وبيان الشيء قد يتقدم عليه، كأنه قيل: في أي ~~شيء زهدوا، فقال فيه: # زهدوا، ثم انطلقوا بيوسف وتبعهم «9» إخوته يقولون استوثقوا منه لا يأبق، ~~فذهبوا به حتى قدموا مصر وعرضه مالك بن ذعر على البيع في السوق، فزاد الناس ~~بعضهم على بعض حتى بلغ بحيث لا يقدر أحد عليه، فاشتراه عزيز مصر، اسمه ~~قطفير وكان خازن الملك ريان ابن الوليد من العماليق آمن بيوس ومات في حيوته ~~لامرأته زليخا بوزنه مسكا ووزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه حريرا وسلم إليه ~~كلها، وكان وزنه أربعمائة رطل وهو ابن ثلاث عشرة سنة. ### || [سورة يوسف (12): آية 21] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ms0774 ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) PageV02P228 # (وقال الذي اشتراه من مصر) أي قال العزيز (لامرأته) زليخا (أكرمي مثواه) ~~أي أحسني إليه مدة إقامته فينا في المطعم والمشرب والملبس والمقام (عسى أن ~~ينفعنا) فيما نحتاج إليه في كفاية أمورنا أو نبيعه بالربح إن أردنا بيعه، ~~وكان العزيز لا يولد له ولد فقال (أو نتخذه ولدا) أي نتبناه فيكون ابنا لنا ~~لما رأى في من مخائل الخير أو أن يوسف عرفه نسبه فأراد تبنيه لحريته ~~(وكذلك) أي وكانجائنا يوسف من البئر والشدائد إلى رأفة قلب العزيز عليه ~~(مكنا ليوسف في الأرض) أي أرض مصر بأن جعلناه حاكما عليها ليتصرف فيها كيف ~~يشاء من الأمر والنهي بالعدل (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) أي لكي نلهمه من ~~تعبير الرؤيا وغيره من العلوم (والله غالب على أمره) أي أمر الله يفعل كيف ~~يشاء، لا يغلبه شيء ولا يرد حكمه أحد أو على أمر يوسف، أي مستول على إتمام ~~أمره بالتدبير ولا يكله «1» إلى أحد غيره حتى يبلغه منتهى علمه فيه (ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون) [21] ما الله صانع وما يريد أن يفعله. ### || [سورة يوسف (12): آية 22] # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22) # (ولما بلغ) يوسف (أشده) أي قوته، جمع شد أو شد أو لا واحد له من لفظه «2» ~~وهو منتهى شبابه، قيل: «هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة» «3»، ~~وقيل: «هو ثلاث وثلاثون» «4»، وقيل: أربعون «5» (آتيناه) أي أعطيناه (حكما ~~وعلما) أي نبوة ليحكم بين الناس بها وفقها في الدين، وقيل: الحكم الإصابة ~~في القول والعلم تأويل الرؤيا «6» (وكذلك) أي كما آتيناه في الدنيا من ~~الحكم والعلم (نجزي المحسنين) [22] أي المطيعين من التوحيد في الآخرة، وفيه ~~تنبيه على أنه كان متقيا في عنفوان أمره، قيل: «من أحسن عبادة ربه في حال ~~شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله» «7». ### || [سورة يوسف (12): آية 23] # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ ~~الله إنه ms0775 ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) # (وراودته) أي طالبته مرة بعد مرة برفق وسهولة (التي هو في بيتها) أي ~~المرأة التي يوسف في تربيتها، وهي زليخا (عن نفسه) وهو كناية عما تريد ~~النساء من الرجال، يعني طلبت واحتالت عليه لتنال غرضها منه (وغلقت الأبواب) ~~السبعة عليها وعليه، وكانت تمازحه وتعزه، ويوسف يستعيذ بالله منها ويعظها ~~بقوله اتقي الله ويزجرها، وجعلت تقول له «8»: ما أحسن عينيك، قال: هما أول ~~كل شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي، ثم قالت: ما أحسن وجهك، قال: هو للتراب ~~يأكله، ثم قالت: ما أحسن شعرك، قال: هو أول ما ينتثر من جسدي، قالت: إن ~~فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي، قال: إذن يذهب نصيبي من الجنة (وقالت ~~هيت لك) أي تهيأت لأجلك أو هلم وأقبل إلي، واللام في «لك» للبيان، كأنه ~~قيل: لك أقول هذا، وقيل: # العرب إذا دعا أحدا وصاح به يقول هيت لك «9»، قرئ بكسر الهاء وفتحها مع ~~فتح التاء، وبكسر الهاء مع همزة ساكنة بدلا من الياء وفتح التاء، وبفتح ~~الهاء وضم التاء «10»، وبنيت هذه الألفاظ كلها، لأنها اسم فعل كشتان، ~~ومعناها إما أمر أو خبر، فلما قالت ذلك (قال) يوسف (معاذ الله) أي أعوذ ~~بالله معاذا مما تطلبين مني، وهو PageV02P229 # مصدر مضاف، فعله محذوف وجوبا (إنه) أي الشأن (ربي) أي زوجك الذي رباني ~~(أحسن مثواي) حين أوصاك باكرامي فليس لي أن أخون امرأته بعد حسن ظنه بي ~~وأمره بالإحسان إلي، وفيه دليل على وجوب معرفة إحسان المحسن وشكره، وقيل: ~~أراد بقوله «ربي» الله تعالى «1»، أي أحسن إلي بما أعطاني ومن بلاء الجب ~~عافاني (إنه لا يفلح الظالمون) [23] أي المجاوزون الحسن إلى القبيح أو ~~الظالمون الزناة. ### || [سورة يوسف (12): آية 24] # ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) # (ولقد همت به) أي قاربت بمجامعة يوسف زليخا برضاها (وهم بها) أي قارب ~~يوسف بمجامعتها على اقتضاء الطبع البشرى لا مع العزم منه، ms0776 والهم في الأصل ~~عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل من خير أو شر، وهو القصد، فهمها عزمها ~~على المعصية من غير شروع فيها، وهمه حل الهميان وجلوسه منها مجلس الخائن ~~بكراهتها، والفرق بينهما أن همها هم ثابت لكونه مع العزم وعقد القلب ~~والرضا، فالعبد مأخوذ به، وهمه هم عارض معبر الخطرة وحديث النفس من غير ~~اختيار ولا عزم، فأن العبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، وقيل: هم ~~زليخا كبيرة، لأنه حقيقة منها، وهم يوسف بقدر حاله صغيرة، والصغائر تجوز ~~على الأنبياء «2»، وقيل: ما هم يوسف بها لقوله تعالى عقيبه لتدارك عبده ~~ونبيه «3» (لو لا أن رأى برهان ربه) قيل: هذا الكلام يشعر بأن يكون «وهم ~~به» جواب «لو لا» متقدما عليه، وقد أنكر النحاة ذلك، إذ العرب لا تقول لقد ~~قمت لو لا زيد بمعنى لو لا زيد لقمت، لأن الشرط والجزاء بمنزلة كلمة واحدة، ~~ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض، ويجوز حذف بعضها إذا دل عليه دليل، ~~فيكون جواب «لو لا» محذوفا بدلالة ما قبله وهو «هم بها»، ولا جائز أن يكون ~~كلا الهمين قرينة لجواب «لو لا»، لأن التفصيل بينهما بالعطف يدل على طلب كل ~~منهما التوصل إلى ما هو حظه من قضاء الشهوة، ثم ذكر «لو لا أن رأى برهان ~~ربه» قصدا إلى الدلالة على أنه ترك التوصل إلى حظه لئلا يلزم إغفال يوسف مع ~~كونه نبيا، وأما زليخا فلم تترك التوصل إلى حظها ليدل ذلك بذكر «لو لا أن ~~رأى» إلى آخره «4»، فتقدير الآية: ولقد همت به وهم بها لو لا أن رأى برهان ~~ربه لفعل ما طلبت منه، لأنه تعالى تدارك عبده النبي بالبرهان وهو أنه رأى ~~صورة يعقوب وهو يقول له: يا يوسف تعمل عمل السفهاء، وأنت مكتوب في ~~الأنبياء، وقيل: «انفرج سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على أصبعه» «5»، وقيل: # «ضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله» «6»، وقيل: «حل يوسف سراويله وقعد ~~منها مقعد الرجل من امرأته إذا ms0777 بكف قد ظهرت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب ~~فيه «وإن عليكم لحافظين - كراما كاتبين - يعلمون ما تفعلون» «7»، فقام ~~هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الروع عادت وعاد فظهر ذلك الكف مكتوبا عليه ~~ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا «8»، فقام هاربا وقامت، فلما ~~ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فرأى ذلك الكف مكتوبا عليه «واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله» «9»، فقام هاربا وقامت ثم عادا، فقال الله تعالى لجبريل أدرك ~~عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل فمسحه بجناحه وخرجت شهوته من ~~أنامله» «10»، فلذا قيل: ولد له أحد عشر ولدا، ولكل ولد من يعقوب اثنا عشر ~~ولدا من أجل نقصان شهوته، وقال تعمل PageV02P230 # عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء «1»، وقال الحسن البصري: ~~«إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن تعييرا لهم بها، ولكن ~~ذكرها ليكونوا على خوف من الله تعالى وليعرفوا منزلة النعمة في الإعراض على ~~الزلزلة ولئلا ييأس أحد من رحمة الله» «2»، لأن الحجة للأنبياء ألزم، فاذا ~~قبلت توبتهم كان قبولها من غيرهم أسرع، وقيل: إنما ابتلاهم الله بالذنوب ~~ليتفرد بالعزة والطهارة يوم الحساب ويلقاه جميع الخلق فيه على انكسار ~~المعصية «3»، قيل: لم يذكر في القرآن توبة يوسف وذكر توبة من سواه من ~~الأنبياء الذين صدرت منهم المعصية وإن صغرت فذلك يدل على عدم معصيته «4». # قوله «5» (كذلك) أي الأمر كذلك أو يتعلق بمحذوف، أي فعلنا له مثل ذلك ~~الفعل، يعني من إظهار البرهان (لنصرف عنه) أي عن يوسف (السوء) أي الإثم وهو ~~خيانة السيد (والفحشاء) أي الزنا (إنه من عبادنا المخلصين) [24] بفتح ~~اللام، أي المختارين وبكسرها «6»، أي المطيعين بالإخلاص لله في العبادة. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 25 الى 26] # واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي ~~وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26) # (واستبقا) أي أسرعا متوجهين (الباب) أي ms0778 الباب الخارج، أما يوسف فللهرب ~~منها وأما هي فلمنعه عن الخروج «7»، فأدركته من خلفه فتعلقت بقميصه فجذبته ~~إليها لئلا ينخرج من الباب (وقدت قميصه) أي وشقته «8» (من دبر) أي من خلف ~~(و) لما خرجا (ألفيا) أي وجدا (سيدها) وهو زوجها قطفير العزيز ولم يقل ~~سيدهما لعدم صحة ملك يوسف (لدى الباب) أي عنده جالسا مع ابن عم لزليخا، ~~فلما رأته هابته (قالت) سابقة بالقول «9» لزوجها تنزيها لنفسها (ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا) أي ليس عقاب من قصد بزوجك الزنا، ويجوز أن يكون «ما» ~~استفهامية بمعنى أي شيء جزاؤه، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت (إلا أن يسجن) ~~أي يحبس في السجن (أو عذاب أليم) [25] أي ضرب بالسياط، وإنما لم تصرح بذكر ~~يوسف، وإنه أراد بها سوء، لأنها قصدت العموم مبالغة في تخويف يوسف، فلما ~~سمع يوسف مقالتها (قال) بناء على قولها ما جزاء من أراد الآية دفعا عن نفسه ~~التهمة (هي راودتني) أي طلبت (عن نفسي) الفاحشة فأبيت وفررت منها (وشهد ~~شاهد) أي قال قائل (من أهلها) وهو أخوها أو ابن عمها أو كان الشاهد صبيا في ~~المهد أنطقه الله تعالى فقال (إن كان قميصه قد) أي شق (من قبل) أي من قدامه ~~(فصدقت) زليخا (وهو) أي يوسف (من الكاذبين) [26] لأنه إذا طلبها «10» دفعته ~~عن نفسها فشقت قميصه من قدامه. ### || [سورة يوسف (12): آية 27] # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) # (وإن كان قميصه قد من دبر) أي خلفه (فكذبت) زليخا (وهو من الصادقين) [27] ~~لأنها إذا تبعته تعلقت بقميصه لتلحقه وتجذبه إليها فشقته، وسمي القول شهادة ~~ولا شهادة ثم، لأنه يقوم مقام الشهادة في ثبوت صدق يوسف وكذبها، وأورد ~~«كان» للمضي بعد «إن» للاستقبال ليعلم أنه كان قميصه قد من قبل «11» كما ~~تقول لمن يمن عليك إن أحسنت إلي فقد أحسنت إليك «12» من قبل. PageV02P231 ### || [سورة يوسف (12): آية 28] # فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) # (فلما رأى قميصه) أي الزوج أو ابن ms0779 العم قميص يوسف (قد من دبر) أي مشقوقا ~~من خلفه عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف (قال) لها (إنه) أي قد القميص أو ~~قولك «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا» «1» الآية (من كيدكن) أي مكركن وعملكن ~~يا معاشر النساء (إن كيدكن عظيم) [28] يخلص إلى البريء والسقيم. ### || [سورة يوسف (12): آية 29] # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) # (يوسف) أي يا يوسف قاله الشاهد أو الزوج بحذف حرف النداء (أعرض عن هذا) ~~أي عن هذا الأمر لا تذكره لأحد حتى لا يشيع، فقد بان عذرك وبراءتك، ثم قال ~~لزليخا (واستغفري لذنبك) أي توبي إلى الله من عملك القبيح (إنك كنت من ~~الخاطئين) [29] أي من المتعمدين «2» الذنب وذكره بالتذكير تغليبا للذكور، وقيل: # معناه اسألي من زوجك أن لا يعاقبك حين خنته بمرادك شابا عن نفسه «3». ### || [سورة يوسف (12): آية 30] # وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا ~~لنراها في ضلال مبين (30) # (وقال نسوة في المدينة) وهن خمس نسوة من أتباع الملك بمصر، امرأة حاجبه ~~وامرأة أمير الدواب وامرأة الخباز وامرأة الساقي وامرأة صاحب السجن، وقيل: ~~هن من أشراف مصر «4» وكن أربعين، قلن (امرأت العزيز تراود) أي تطلب (فتاها) ~~أي غلامها (عن نفسه) لقضاء شهوتها منه (قد شغفها حبا) أي أصاب حبه شغاف ~~قلبها، وهو غلامه وحجابه فحيرها حتى لا تعقل غيره (إنا لنراها في ضلال ~~مبين) [30] أي في خطأ ظاهر من حب عبدها، وقيل: في عشق مزيل لعقلها لا تصبر ~~عنه «5». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 31 الى 32] # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) # (فلما سمعت) زليخا (بمكرهن) أي بغيبتهن لها وإفشائهن سرها بعد أن ~~استكتمتهن ذلك، وسمي الاغتياب مكرا، لأنه في خفية ms0780 من المغتاب كالمكر من ~~الماكر (أرسلت إليهن) أي دعتهن إليها (وأعتدت) أي هيأت (لهن متكأ) وهو ما ~~يتكأ عليه من وسائد وطعام لضيافتهن وليريهن يوسف وحسنه لتعتذر فيه لعلمها ~~أنهن إذا رأينهن دهشن به، وقيل: المتكأ هو الأترج بلغة الحبشة «6»، وقيل: ~~«كل شيء يقطع بالسكين» «7»، روي: أنها زينت بيتها بألوان الفرش والوسائد ~~وألوان الفواكه والأطعمة، ودعت النسوة «8»، فجئن إلى بيتها، فلما جلس ~~مجالسهن جاءت (وآتت كل واحدة منهن سكينا) لقطع ما في أيديهن من الأترجة أو ~~الزماورد وهو الرقاق الملفوف المملوء باللحم، ويروي بفتح الزاء وتخفيف ~~الميم وتشديده أو لجز اللحم للأكل بالسكين وأمرت يوسف أن يلبس أحسن الثياب، ~~وأجلسته في موضع آخر، ثم أمرتهن بالأكل فشرعن يأكلن ويقطعن الطعام بالسكين ~~(وقالت) ليوسف (اخرج عليهن) فخرج، «وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل ~~القمر ليلة البدر على سائر النجوم»، قاله عكرمة «9»، وكان يوسف إذا سار في ~~أزقة مصر يرى تلألأ وجهه على الجدران، PageV02P232 # قيل: ورث الحسن من جدته سارة وهي من حواء «1» (فلما رأينه) أي يوسف ~~(أكبرنه) أي أعظمنه، قيل: «هالهن أمره» «2»، وصرن مدهوشات طائرة عقولهن أو ~~حضن في تلك الساعة، يقال أكبرت المرأة إذا حاضت (وقطعن أيديهن) أي جرحنها ~~لما رأينه دهشا، يعني ما أحسن إلا بالدم، وروي: «أن جماعة منهن ماتت» «3» ~~بالنظر إلى وجهه (وقلن حاش لله) بألف في الوصل، وبحذف الألف في الوقف، ~~وبحذفها في الحالين تخفيفا «4»، وهو تنزيه لله أن يجري على يوسف ما نقل ~~عنه، ثم رفعن قدره عن البشرية فقلن (ما هذا بشرا) وإعمال «ما» عمل «ليس» ~~حجازي، أي مثل هذا لا يكون آدميا (إن هذا) أي ما هذا الغلام (إلا ملك كريم) ~~[31] على ربه، يعني أنه من جنس الملائكة لا من جنس البشر مع علمهن أنه بشر ~~لما ثبت في عرف الناس أنهم إذا وصفوا الإنسان بالحسن شبهوه «5» بالملك «6»، ~~إذ لا أكمل ولا أحسن خلقا من الملك عندهم، فثم (قالت) زليخا توبيخا لهن ~~(فذلكن) أي فهذا المشار إليه لديكن، يعني يوسف (الذي ms0781 لمتنني فيه) أي في حبه ~~ولم يقل فهذا مع حضوره لديهن تعظيما لقدره أو أشارت إليه بعد ذهابه عنهن، ~~ثم صرحت بما فعلت بعد ظهور عذرها لهن فقالت معترفة ببراءة يوسف (ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع وطلب العصمة من الله تعالى مبالغة في ~~الامتناع، ثم أمرته بطاعتها بقولها (ولئن لم يفعل ما آمره) أي الذي آمره أن ~~يفعل من قضاء شهوتي، فالضمير في «آمره» راجع إلى الموصول لا إلى يوسف لئلا ~~يبقي بلا عائد، ويجوز أن يجعل «ما» مصدرية فيرجع الضمير إلى يوسف، أي لئن ~~لم يفعل أمري إياه، أي مقتضى أمري (ليسجنن) بالتخفيف والتشديد «7»، أي ~~ليعاقبن بالسجن (وليكونا) بالألف في الخط لموافقة الإمام (من الصاغرين) ~~[32] أي الذليلين، يعني إن لم يطعني فيما دعوته إليه لأذللته، قيل: جعلت ~~الذل في حقه تهديدا لفرط محبتها إياه «8». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 33 الى 34] # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ~~وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) # (قال) يوسف عند ذلك (رب) أي يا رب (السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) ~~وجمعهن، لأنهن زين له طاعة «9» مولاته أو لأنهن دعون إلى أنفسهن وهو أحب من ~~سكنى «10» السجن على قضاء حاجتهن بالمعصية نظرا إلى خوف العاقبة ونيل ~~الكرامة بحسن الصبر على احتمالها لوجه الله مع اقتضاء الطبع البشري قضاء ~~حاجتهن، ثم قال (وإلا تصرف عني كيدهن) أي إن لم ترد يا رب عن نفسي شرهن ~~(أصب) أي أمل (إليهن) من صبا إلى كذا إذا مال واشتاق إليه (وأكن من ~~الجاهلين) [33] بالمتابعة إلى ما يدعونني إليه من الزنا، قيل: هذا القول ~~متضمن معنى الدعاء «11»، وهو اللهم اصرف عني كيدهن، ولذا قال (فاستجاب له ~~ربه) فيما دعاه (فصرف عنه) أي عن يوسف (كيدهن) أي شرهن (إنه هو السميع) ~~للدعاء فيما دعاه يوسف (العليم) [34] بحاله وحالهن. ### || [سورة يوسف (12): آية 35] # ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) # (ثم بدا ms0782 لهم) أي ظهر لزوجها العزيز وزليخا رأي وهو السجن، ففاعل «بدا» ~~مضمر فيه يفسره قوله «ليسجننه» بعده، روي: أن المرأة قالت لزوجها وهو جميل ~~«12» ذلول لها إن هذا العبد العبري فضحني بخبر PageV02P233 # همي به في زعمه بين الناس، فحقه أن تحبسه مدة «1»، فأجمعوا على ذلك (من ~~بعد ما رأوا الآيات) أي العلامات الدالة على براءة يوسف من شق بالقميص من ~~خلفه، وكلام الشاهد الصغير أو قضاء ابن عمها بالحق وقطع الأيدي (ليسجننه) ~~أي ليحبسن العزيز وأهله يوسف (حتى حين) [35] أي إلى مدة ينقطع كلام الناس ~~في ذلك، وقيل: «خمس سنين» «2»، وقيل: «سبع سنين» «3»، وغرضها جعلها ذليلا ~~بالسجن كما قالت من قبل لما آيست من طاعته لها، روي: أن يوسف انما سجن ~~لطلبه السجن بقوله «رب السجن أحب إلي» «4»، وإن سأل العافية عافاه الله ~~والأولى بالمرء أن يسأل الله العافية عافاك الله وإيانا في الدارين، وقيل: ~~إن الله قد حبسه تطهيرا ليوسف من همه بالمرأة «5». ### || [سورة يوسف (12): آية 36] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) # (ودخل معه) نصب على الحال «6»، أي مصابحين ليوسف (السجن فتيان) وهما ~~عبدان للملك، أحدهما ساقيه والآخر صاحب طعامه، وكان المصريون أعطوهما رشوة ~~ليسما الملك في طعامه وشرابه، فأبى الساقي وقيل الخباز فسم الطعام، فلما ~~أحضروا الطعام قال الساقي للملك: لا تأكل من هذا الطعام، فانه مسموم، وقال ~~الخباز: لا تشرب، فان الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشرب فلم ~~يضره، وقال: للخباز كل من طعامك فأبي، فأمر تجربة بأن يأكله دابة فأكلت ~~فهلكت، فأمر الملك بحبسهما غضبا عليهما، وكان يوسف عند دخوله السجن قال ~~للناس: أنا أعبر الأحلام لنشر علمه (قال أحدهما) وهو الساقي ليوسف (إني ~~أراني أعصر خمرا) أي عنبا بلغة عمان بالتخفيف، وقيل: سمي «خمرا» باسم ما ~~يؤول إليه «7»، وذلك أنه قال إني رأيت كأني في بستان فاذا بكرمة عليها ~~ثلاثة عناقيد من عنب ms0783 فجنيتها، وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك ~~فشربه (وقال الآخر) وهو الخباز (إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا) في ثلاث ~~سلال مع ألوان الأطعمة (تأكل الطير منه) أي من الخبز الذي فوق رأسي (نبئنا ~~بتأويله) أي أخبرنا عن تعبير ما قصصنا عليك وتفسيره وعاقبة أمر هذا «8» ~~الرؤيا (إنا نراك من المحسنين) [36] أي العالمين بتعبير الرؤيا أو من ~~الصادقين في القول أو من العاملين بالإحسان، وقيل: من إحسانه أنه إذا مرض ~~إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئا، ~~وكان مع هذا يجتهد في العبادة ويقوم الليل كله للصلوة، ويقول لأهل السجن ~~أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك ~~وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك، فمن أين أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي ~~الله يعقوب بن ذبيح الله اسحق بن إبراهيم خليل الله، فقال له عامل السجن: ~~يا فتى والله لو استطعت لخليت سبيلك ولكني أسحسن جوارك تمكن في أي بيوت ~~السجن شئت، فلما قصا عليه الرؤيا كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك ~~من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وشرع في إظهار المعجزة والدعوة ~~إلى التوحيد «9». ### || [سورة يوسف (12): آية 37] # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ~~مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37) # (قال لا يأتيكما طعام) من منازل لكما (ترزقانه إلا نبأتكما) أي أخبرتكما ~~(بتأويله) أي ببيان ماهية الطعام PageV02P234 # الذي يأتيكما في اليقظة وبقدره وألوانه والوقت الذي يصل إليكما (قبل أن ~~يأتيكما) وإن رأيتما ذلك في النوم أخبرتكما بما يؤول إليه أمره وهذا كمعجزة ~~عيسى عليه السلام حيث قال وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون «1» فيجدانه كما ~~أخبرهما، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويزينه لهما ويقبح فيهما ~~الشرك بالله، وهذا طريقة كل عالم ناصح لله، فقالا: هذا فعل العرافين ~~والكهنة وأنت لست بعراف ولا ms0784 كاهن، فمن أين لك هذا العلم؟ قال يوسف (ذلكما) ~~أي هذا العلم (مما علمني ربي) به بالوحي لا بالتكهن والتنجم، ثم أراد أن ~~يبين علامة نبوته لهما ليسلما فقال (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) أي ~~بتوحيده عني بهؤلاء أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم (وهم بالآخرة هم ~~كافرون) [37] أي بالبعث جاحدون، وكرر «هم» تأكيدا، وقدمه تخصيصا للجحد بهم. ### || [سورة يوسف (12): آية 38] # واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ~~ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) # (واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) أي دين هؤلاء وهو التوحيد (ما ~~كان) أي ما صح (لنا أن نشرك بالله من شيء) من الآلهة، لأنه عصمنا من الشرك ~~(ذلك) أي التوحيد والعلم بالله (من فضل الله علينا وعلى الناس) أي على «2» ~~المؤمنين بارسال الأنبياء وبيان الهدى (ولكن أكثر الناس) أي أهل مصر (لا ~~يشكرون) [38] نعمة الله التي هي الإسلام بل يكفرونها. ### || [سورة يوسف (12): آية 39] # يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) # ثم دعاهما إلى الإسلام فقال (يا صاحبي السجن) أي ساكنيه أو يا صاحبي في ~~السجن أراد الساقي والخباز لكون السجن مصحوبا فيه، فأضافهما إليه بأدنى ~~ملابسة (أأرباب متفرقون) أي آلهة متفرقة هذا من ذهب وهذا من فضة وهذا من ~~حديد، وهذا أعلى وهذا أدنى وهذا أوسط، متباينون لا تضر ولا تنفع (خير أم ~~الله الواحد) أي الإله الذي لا ثاني له (القهار) [39] أي الذي لا يغلب عليه ~~أحد، وهو غالب على الكل، إن شاء يحييهم وإن شاء يميتهم. ### || [سورة يوسف (12): آية 40] # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون (40) # ثم قال لهما ولمن على دينهما (ما تعبدون من دونه) أي من غير الله (إلا ~~أسماء) لا مسميات تحتها (سميتموها) آلهة (أنتم وآباؤكم ms0785 ما أنزل الله بها) ~~أي بتلك الأسماء (من سلطان) أي برهان «3» في عبادتكم إياها (إن الحكم) أي ~~ما القضاء فيكم (إلا لله) أي في الدنيا والآخرة، ثم بين الحكم بقوله (أمر) ~~في الكتاب (ألا تعبدوا إلا إياه) أي لا توحدوا إلا الله (ذلك الدين القيم) ~~أي التوحيد، وهو الدين المستقيم الذي دلت على البراهين من الله (ولكن أكثر ~~الناس) أي أهل مصر (لا يعلمون) [40] أي دين «4» الله «5» هو التوحيد أو ما ~~لهم وعليهم من الثواب والعقاب. ### || [سورة يوسف (12): آية 41] # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير ~~من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) # ثم شرع في تعبير رؤياهما بعد ما نصحهما فقال (يا صاحبي السجن أما أحدكما) ~~وهو الساقي (فيسقي) أي فيخرج بعد ثلاثة أيام من السجن ويسقي (ربه) أي الملك ~~(خمرا) كما كان يسقيه (وأما الآخر) وهو الخباز PageV02P235 # (فيصلب) أي فيخرج بعد ثلاثة أيام يبقي في السجن ويصلب (فتأكل الطير من ~~رأسه) ففسر العناقيد الثلاثة بثلاثة أيام «1» يبقى في السجن للساقي، وفسر ~~السلال الثلاثة بثلاثة أيام يبقي في السجن للخباز، فلما سمعا قول يوسف ~~قالا: إنا كنا نلعب أو قالا: ما رأينا شيئا، فقال يوسف (قضي الأمر) أي تم ~~وقطع أمركما «2» (الذي فيه تستفتيان) [41] أي تسألان في معناه من أن عاقبته ~~هلاك أو نجاة سواء صدقتما أو كذبتما، فالأمر في الظاهر واحد وفي المعنى ~~اثنان «3». ### || [سورة يوسف (12): آية 42] # وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين (42) # (وقال) يوسف (للذي ظن) أي علم (أنه ناج) أي ينجو من السجن وهو الساقي ~~(منهما اذكرني عند ربك) أي سيدك الملك وقل «4» له إن في السجن غلاما محبوسا ~~ظلما طال حبسه (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي وسوس إليه بما شغله عن ذكره له، ~~وإنما أولناه بالوسوسة لأن الإنسان لا يقدر عليه الشيطان، بل القادر عليه ~~هو الله تعالى، وأضاف الذكر إلى المفعول الغير الصريح بمعنى أنسى الساقي ms0786 ~~الشيطان أن يذكر يوسف لربه أو عند ربه الملك، فجاز هذه الإضافة بأدنى ~~ملابسة وإنما أنساه ذلك، لأن يوسف لم يستغث بالله بل استغاث بالملك أو ~~المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه الخالق حتى ابتغى الفرج من غيره المخلوق، ~~وإنما أنكر على يوسف استعانته «5» بغير الله في كشف الضر عنه مع جوازه في ~~الشرع، قال تعالى «وتعاونوا على البر والتقوى» «6»، وقال على السلام: «الله ~~في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم» «7»، لأن الأحسن والأولى ~~بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه عز شأنه (فلبث) أي مكث ~~(في السجن بضع سنين) [42] وأكثر الأقاويل أنه سبع سنين، وقيل: «إنه ما بين ~~الثلاث إلى التسع» «8» أو «من واحد إلى التسع» «9»، قيل: «لو لم يستغث يوسف ~~على غير الله تعالى لما لبث في السجن طول ما لبث» «10»، وروي: أن الله قال ~~له أحسبت أني أنساك في السجن حتى استغثت بغيري وأنا أقرب إليك وأقدر على ~~خلاصك لتلبثن فيه بضع سنين «11»، قيل: فيه دليل أن الأنبياء يعاتبون على ~~الصغائر معاتبة غيرهم على الكبائر وتلك الصغيرة غفلة بكلمة واحدة عرضت ~~ليوسف من الشيطان فلبث ما لبث في السجن إذ الأولى بالنبي أن لا يكل أمره ~~إلى غير الله «12»، ولما قرب خروج يوسف رأى الملك الأكبر وهو ريان في ~~المنام رؤيا عجيبة هالته ولم يعلم تأويلها. ### || [سورة يوسف (12): آية 43] # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) # (وقال الملك) لأشراف مجلسه (إني أرى) أي رأيت في المنام (سبع بقرات سمان) ~~جمع سمينة «13»، صفة «بقرات» لقصد تمييز «السبع» بنوع من البقرات، وهي ~~السمان منهن لا بجنسهن فقط، ولو نصبت «سمانا» صفة ل «سبع» لكان القصد تمييز ~~«السبع» بجنس البقرات، وهي «14» لا بنوع منها، ووصف المميز الذي هو PageV02P236 # السبع بالسمن، يعني رأيت تلك البقرات السمان خرجن من بحر النيل (يأكلهن ~~سبع عجاف) أي سبع بقرات ms0787 هزلى في غاية الهزال خرجن من النيل بعدهن، يعني ~~ابتلعت العجاف السمان فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيء «1»، ولم يظهر على ~~العجاف منهن شيء، وال «عجاف» جمع عجفاء وأعجف، وأفعل وفعلاء لا يجمعان على ~~فعال لكنه حمل على سمان، لأنه نقيضه وهم يحملون النقيض على النقيض كما ~~يحملون النظير على النظير، ولم يقل «سبع عجاف» بالإضافة، لأن التمييز لبيان ~~الجنس، وال «عجاف» ليس بجنس بل هو وصف، وهو لا يقع بيانا لشيء إلا إذا أجري ~~مجرى الاسم كقولك خمس فرسان (و) أرى (سبع سنبلات خضر) قد انعقد حبها (و) ~~أرى سبعا (أخر يابسات) قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى ~~غلبن عليهن فلم يبق منهن شيء، ف «أخر» نصبه «2»، صفة ل «سبع سنبلات»، ويجوز ~~أن يكون صفة ل «سنبلات» بالعطف على «خضر»، ولا يجوز أن يعطف على «سنبلات ~~خضر»، فيكون مجرور المحل «3»، أي على المميز، لأنه يؤدي إلى تدافع الحكمين، ~~إذ العطف عليها يقتضي أن يكون «أخر» معها مميزا ل «السبع» المذكور، ولفظ ال ~~«أخر» يقتضي أن يكون غير السبع وهو فاسد، ثم قال (يا أيها الملأ أفتوني) أي ~~فسروا لي (في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون) [43] أي تفسرون، واللام للبيان. ### || [سورة يوسف (12): آية 44] # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) # (قالوا) رؤياك (أضغاث أحلام) جمعان، جمع ضغث وهو الحزمة من النبات، وجمع ~~حلم ما يري في النوم، أي مربوطات الأحلام المختلطة لا يصح تأويلها، ~~والإضافة فيها بمعنى «من»، أي أضغاث من أحلام، وإنما جمع مع أن ما رأي حلم ~~واحد، لأنه أريد زيادة في وصف الحلم بالبطلان فهو من قبيل فلان يركب ~~الأفراس وما يركب إلا فرسا واحدا (وما نحن بتأويل الأحلام) المختلطة ~~(بعالمين) [44] لبطلانها عند المعبرين. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 45 الى 46] # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف ~~أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) # (وقال ms0788 الذي نجا منهما) من القتل وهو الساقي (وادكر) أي تذكر قول يوسف ~~اذكرني عند ربك (بعد أمة) أي بعد مدة طويلة، وهي سبع سنين (أنا أنبئكم ~~بتأويله) فجثا بين يدي الملك، وقال إن في السجن رجلا يعبر الرويا (فأرسلون) ~~[45] أي أرسلني أيها الملك إليه وإنما خاطبه بلفظ الجمع تعظيما له كما ~~يخاطب الملوك به، يعني ابعثوني إليه لأستعبره في السجن «4» «ولم يكن السجن ~~في المدينة يومئذ»، قاله ابن عباس «5»، ووصف للملك تعبير يوسف الرؤيا وصدق ~~تعبيره وأخبره بحال يوسف وعلمه وحكمته كما ينبغي، فأرسله إليه فأتى السجن، ~~فلما دخل عليه اعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه، فقال (يوسف) أي يا ~~يوسف (أيها الصديق) وهو كثير الصدق، وإنما قاله لأنه تعرف صدقه في تأويل ~~رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما أول «6» (أفتنا) أي أخبرنا عن رؤيا الملك ~~(في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف) أي هزلى (و) في (سبع سنبلات خضر وسبع ~~(أخر يابسات) فان الملك رأى في المنام هذه الرؤيا، وما عبرها أحد من أهل ~~مصر (لعلي أرجع إلى الناس) أي إلى الملك وأصحابه من غير صارف لي في الطريق ~~(لعلهم يعلمون) [46] تأويله هذه الرؤيا أو يعلمون قدرك ومنزلتك من العلم ~~والفهم، فيكون ذلك سببا لخلاصك من السجن، فعبر يوسف رؤياه وهو في السجن. PageV02P237 ### || [سورة يوسف (12): آية 47] # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) # (قال) له يوسف معبرا: أما السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر ~~فهي سبع سنين خصب، وأما السبع العجاف والسبع اليابسات فهي سبع سنين قحط، ثم ~~قال (تزرعون) معلما مصالحهم لهم وهو خبر بمعنى الأمر، أي ازرعوا (سبع سنين ~~دأبا) أي عادة، مصدر في معنى الحال، أي دائبين، يعني اعملوا زراعتكم على ~~عادتكم (فما حصدتم) من الزرع (فذروه في سنبله) فهو أبقى لكم كيلا يأكله ~~السوس إذا كان في سنبله، وهذا الأمر دليل على كون «تزرعون» في معنى الأمر ~~(إلا قليلا مما تأكلون) [47] أي تدرسون بقدر ما تحتاجون للأكل ms0789 أمرهم بحفظ ~~الأكثر والأكل على قدر الحاجة. ### || [سورة يوسف (12): آية 48] # ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) # (ثم يأتي من بعد ذلك) الخصب (سبع شداد) أي سبع سنين قحط، سميت بالشداد ~~لشدتها على الناس (يأكلن) أي يفني السنون (ما قدمتم لهن) يعني يؤكل فيهن ما ~~أعددتم لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع، ثم استثنى ~~بقوله (إلا قليلا مما تحصنون) [48] أي تحرزون وتدخرون للبذر. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 49 الى 51] # ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) وقال الملك ~~ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ~~قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51) # ثم بشر لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بقوله (ثم يأتي من بعد ذلك) القحط ~~(عام فيه يغاث الناس) أي يمطرون من الغيث وهو المطر أو ينقذون من الشدة ~~بسعة الرزق من الغوث وهو الإغاثة من قوي (وفيه) أي وفي ذلك العام (يعصرون) ~~[49] العنب والزيتون، بالياء والتاء «1» أو ينجون من الشدة بسعة العيش، ~~قوله «ثم يأتي» إلى قوله «يعصرون» بشارة لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا ~~وتفصيل بحال العام «2»، فبين لهم حال العام الثامن المبارك بالتفصيل ولا ~~يعلم ذلك إلا بالوحي، فذهب الساقي إلى الملك، فأخبره بقول يوسف في تعبير ~~رؤياه (وقال الملك ائتوني به) أي بيوسف، لأن الملك قد عرف أن الذي قاله ~~كائن (فلما جاءه الرسول) وقال له أجب الملك فأبي أن يخرج مع الرسول، أي ~~تأخر «3» وتثبت «4» في إجابة الملك حتى يظهر براءته عما اتهم به وسجن فيه ~~(قال) له يوسف (ارجع إلى ربك) أي سيدك العزيز (فسئله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن) ليعلم أني مظلوم في الحبس ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا ms0790 ~~واحتراما (إن ربي بكيدهن عليم) [50] أي بفعلهن القبيح لا يعلمه غيره ~~فيجازيكم به، قال عليه السلام رحم الله: «أخي يوسف إن كان إلا ذا إناءة- أي ~~ذا وقار وصبر- ولو كنت أنا لأسرعت الإجابة» «5»، يقول ذلك هضما لنفسه وفيما ~~فعل يوسف دليل على وجوب الاجتهاد في نفي التهم لقول عليه السلام: «من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم» «6»، قال ابن عباس: # «لو خرج يوسف حين دعي لم يزل في قلب الملك شيء منه» «7»، فجمع الملك ~~النساء ثم (قال ما خطبكن) أي ما شأنكن وما حالكن (إذ راودتن يوسف عن نفسه) ~~هل وجدتن منه ذنبا بالميل إليكن، قيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه ~~وسائر النسوة أمرنه بطاعتها «8»، فلذلك خاطبهن بقوله ما خطبكن (قلن) أي ~~قالت النساء اعترافا PageV02P238 # ببراءة يوسف وتعجبا عن عفته وتنزيها له من الذنب (حاش لله) أي معاذ الله ~~«1» (ما علمنا عليه من سوء) أي شرا وخيانة (قالت امرأة العزيز) زليخا ~~معترفة بذنبها خوفا أن يشهدن عليها (الآن حصحص) أي ظهر وتبين (الحق أنا ~~راودته عن نفسه) أي طلبت أن يمكنني من نفسه (وإنه لمن الصادقين) [51] في ~~قوله «هي راودتني عن نفسي». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 52 الى 53] # ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) # فلما سمع اعترافها قال يوسف (ذلك) أي الذي فعلت من رد رسول الملك إليه ~~والتثبت في السجن عند دعوة الملك إياي (ليعلم) العزيز (أني لم أخنه بالغيب) ~~أي في حال غيبته (وأن الله لا يهدي) أي لا يحق ولا يسدد بل يمحو (كيد ~~الخائنين) [52] وقيل: لا يرضى عملهم «2»، وهو تأكيد لأمانته، فقوله «ذلك ~~ليعلم» من كلام يوسف، اتصل بقول امرأة العزيز «أنا راودته عن نفسه» من غير ~~تمييز لمعرفة السامعين ذلك بقرينة المعنى، قيل: # لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال عند ذلك ~~«3» (وما أبرئ نفسي) من ms0791 الزلل أو قاله هضما لنفسه وخوفا من دخول العجب فيها ~~وتواضعا لله تعالى وفرارا من التزكية (إن النفس) أي جميع النفوس (لأمارة ~~بالسوء) أي بالمعصية وبالميل إلى شهواتها الردية، ثم استثنى متصلا بقوله ~~«4» (إلا ما رحم ربي) أي نفسا عصمها «5» الله برحمته كالملائكة فلم يركب ~~فيهم الشهوة أو كالأنبياء والأولياء الذين يعصمهم بلطفه وإراءته البرهان ~~إياهم، ف «ما» بمعنى «من» أو «إلا» بمعنى «لكن» فالاستثناء منقطع، أي لكن ~~رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ف «ما» مصدرية «6» (إن ربي غفور رحيم) [53] ~~غفر لي للهم الذي هممت به ورحمني فعصمني عن الخطأ والمعصية، فلما تبين ~~للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه أحبه. ### || [سورة يوسف (12): آية 54] # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين (54) # (وقال الملك ائتوني به) أي بيوسف (أستخلصه لنفسي) أي اجعله خالصا لأمري ~~ومصلحتي دون غيره، فلما خرج يوسف من السجن ودع أهل السجن ودعا لهم وقال ~~اللهم: اعطف قلوب الصالحين عليهم ولا تستر الأخبار عنهم، فمن ثمه يقع ~~الأخبار عند أهل السجن في كل بلد قبل أن يقع عند الناس غالبا فجاء الملك ~~بعد الاغتسال من درن السجن ولبس الثياب الحسان، وقال في نفسه حسبي ربي من ~~دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره، ثم سلم يوسف «7» ~~عليه بالعربية، فقال الملك ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسمعيل، ثم دعا له ~~بالعبرية، قال: ما هذا اللسان؟ قال لسان آبائي، ولم يعرف الملك «8» هذين ~~اللسانين وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا سواهما، وكلما كلمه بلسان أجابه ~~يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ~~ابن ثلاثين سنة، فأجلسه (فلما كلمه) بما شاء شفاها (قال) له الملك (إنك ~~اليوم لدينا مكين) أي ذو مكانة وجاه في ملكي (أمين) [54] أي ذو أمانة على ~~خزائني وأموري، فما ترى؟ # قال: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وتأخذ ~~من الناس خمس زروعهم من ms0792 الطعام بقصبه وسنبله وتتركها في الخزائن محفوظة ~~ليكون القصب والسنبل علفا للدواب فيكفيك ولأهل مصر ومن حولها مدة السنين ~~المجدبة ويأتيك الخلق من النواحي للميرة ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع ~~لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بذلك ومن يجمعه ومن يبيعه ويكتفي الشغل فيه؟ «9». PageV02P239 ### || [سورة يوسف (12): الآيات 55 الى 56] # قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) # (قال) يوسف (اجعلني على خزائن الأرض) أي أرض مصر وهي خزائن الطعام ~~والأموال كلها، وإنما قال ذلك لعلمه أن لا أحد أقوم منه بذلك وأكد ذلك ~~بقوله (إني حفيظ) لما استودعتني من الخزائن (عليم) [55] بوجوه مصالحها وبما ~~وليتني أو حفيظ بتقديره في السنين المخصبة وسني المجاعة عليم بوقت الجوع ~~حين يقع في الأرض الجدبة وبسياسة الملك وألسنة الناس أو كاتب حاسب أمين، ~~وإنما وصف نفسه بذلك لأنه مطلوب لملوك ممن يولونه ولأنه أراد أن يتوصل به ~~إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله يبعث ~~الأنبياء إلى العباد، قيل: إذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم ~~بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق فله أن يستظهر به ~~«1»، وروى مجاهد: «أنه أسلم على يده الملك» «2»، ففوض جميع أمره إلى يوسف ~~وعزل قطفيرا وجعله مكانه، ثم أن قطفيرا مات في تلك السنة فزوج الملك يوسف ~~امرأته زليخا، فوجدها عذراء وأخبرته أن زوجها كان عنينا لم يصل إليها، فقال ~~لها يوسف أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ # فولدت له ولدين أفرايم وميشا واستوثق ليوسف ملك مصر فأقام في العدل، ~~وأحبه الرجال والنساء، وهذا معنى قوله تعالى (وكذلك) أي مثل ذلك التمكين ~~الظاهر من كون الملك تابعا في كل ما رأى (مكنا) أي ملكنا (ليوسف) ملكا ~~وأنعمنا عليه (في الأرض) أي أرض مصر (يتبوأ) حال من يوسف، أي ينزل ويتخذ ~~منزلا (منها) أي من أرض مصر «3» (حيث يشاء) أي ms0793 كل مكان «4» يريد منها ويصنع ~~فيها ما يشاء ويحكم ما يريد بلا مزاحم له، قرئ بالنون، أي حيث يريد الله، ~~وبالياء «5»، أي حيث يريد يوسف من أماكن مصر، وهي أربعون فرسخا في أربعين ~~(نصيب برحمتنا) أي نختص بنعمتنا (من نشاء) كالنبوة والإسلام والنجاة وغيرها ~~(ولا نضيع أجر المحسنين) [56] أي الموحدين الصابرين على بلائنا، قيل: «لم ~~يزل يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس فهذا ~~في الدنيا» «6». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 57 الى 58] # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) وجاء إخوة يوسف فدخلوا ~~عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # (ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا) أي ثواب الآخرة أفضل للموحدين المقرين ~~بالبعث مما أعطي في الدنيا لهم (وكانوا يتقون) [57] أي يخافون الله ~~ويطيعونه ولا يعصون، ثم جاء القحط بالناس بعد ما دبر يوسف في السنين ~~المخصبة ما دبر للسنين المجدبة من جمع الطعام في الخزائن مقدار ما يكفي ~~للسنين المجدبة للأكل والبيع حتى أكلوا جميع ما في أيديهم واحتاجوا إلى ما ~~عند يوسف من الطعام، فطفق يوسف ينفق من الخزائن لنفسه وللملك وحاشيته نفقة ~~المجاعة في نصف النهار كل يوم مرة واحدة، وينادي الملك: يا يوسف الجوع ~~الجوع، ويقول يوسف هذا أوان القحط فجعل أهل مصر يتنازعون من يوسف الطعام، ~~فباعهم في السنة الأولى بالنقود حتى لم يبق في أيديهم درهم ودينار، وفي ~~السنة الثانية باعهم بالحلي والجواهر كذلك، وفي الثالثة باعهم بالمواشي ~~والدواب، وفي الرابعة باعهم بالعبيد والإماء، وفي الخامسة بالضياع والعقار ~~والدور، وفي السادسة بأولادهم كلها، وفي السابعة برقاب أنفسهم حتى لم يبق ~~بمصر حر ولا حرة إلا صار ملكا له، فقال الناس: ما رأينا ملكا أعظم من هذا، ~~ثم قال يوسف للملك: كيف رأيت صنع ربي فيما خولني؟ فما ترى؟ فقال الملك: # الرأي رأيك ونحن لك تبع، قال يوسف: إني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل ~~مصر عن آخرهم بأسرهم PageV02P240 # وأجمعهم ورددت عليهم أملاكهم «1». # روي: أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام، ms0794 فقيل له أتجوع وبيدك ~~خزائن الأرض؟ فقال: إن شبعت نسيت الجائع «2». # ثم قصد الناس مصر من كل ناحية وبلد يمتارون، ووقع القحط في كنعان أكثر ~~مما وقع في سائر البلاد من الشام، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر للميرة فأمسك ~~عنده بنيامين أخا يوسف لأمه، وقال لهم: بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع ~~الطعام، فتجهزوا وسيروا لتشتروا منه الطعام، فان الحاجة قد اشتدت علينا، ~~فأخذوا بضاعة من أبيهم فذهبوا إلى مصر، فذلك قوله تعالى (وجاء إخوة يوسف) ~~وكانوا عشرة (فدخلوا عليه فعرفهم) يوسف بأول ما نظر إليهم (وهم له منكرون) ~~[58] أي لم يعرفوا يوسف لبعد عهدهم وذهابه عن قلوبهم وشدة جوعهم، ولأنه كان ~~على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملوك وفي عنقه طوق من ذهب بخلاف ما كانوا ~~رأوه في الصغر، قال ابن عباس: «كان بين أن قذفوه في البئر وبين دخلوا عليه ~~أربعون سنة، فلذلك أنكروه» «3»، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية قال ~~لهم يوسف: أخبروني من أنتم وما أمركم؟ فاني أنكر شأنكم لتكلمهم بلسان غريب ~~في مصر، قالوا: نحن قوم رعاة من أهل الشام، أصابنا الجهد فجئنا نمتار ~~طعاما، فقال: لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي؟ قالوا: لا والله ما نحن ~~بجواسيس، وإنما نحن إخوة أب واحد شيخ صديق نبي من أنبياء الله تعالى، قال: ~~وكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب واحد معنا إلى البرية فهلك فيها وكان ~~أحبنا إلى أبينا، فقال: فكم أنتم هنا؟ قالوا: أحد عشر، قال: فأين الآخر؟ ~~قالوا: عند أبينا، لأنه أخو الذي هلك من أمه وأبونا يتسلى به، قال: فمن ~~يعلم أن قولكم حق؟ قالوا: يا أيها الملك نحن في بلاد لا يعرفنا فيها أحد، ~~فقال يوسف: اتركوا بعضكم رهنا عندي وآتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم فأنا ~~أرضي بذلك، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون، فتركوه عنده، وكان يوسف ~~يحسن إليه «4». ### || [سورة يوسف (12): آية 59] # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) # (ولما جهزهم ms0795 بجهازهم) أي أصلحهم بما يحتاجون إليه في السفر، وقيل: حمل ~~لكل رجل بعيرا بعدتهم على عادتهم في القحط «5» (قال) يوسف (ائتوني بأخ لكم ~~من أبيكم) أي بنيامين (ألا ترون أني أوفي الكيل) أي أتمه ولا أبخس الناس ~~شيئا (وأنا خير المنزلين) [59] أي أفضل من يضيف الضيف إذا نزل بي، وقد كان ~~أحسن إنزالهم وضيافتهم. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 60 الى 61] # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) قالوا سنراود عنه ~~أباه وإنا لفاعلون (61) # (فإن لم تأتوني به) أي بأخيكم من أبيكم (فلا كيل لكم عندي) أي ليس لكم ~~عندي طعام أكيله، يعني تحرموا من الطعام (ولا تقربون) [60] يجوز أن يكون ~~داخلا تحت الجزاء مجزوما بالعطف عليه، ويجوز أن يكون مجزوما على النهي، أي ~~لا تقربوا داري وبلادي، فاني لا أكرمكم ولا أنظر إليكم (قالوا سنراود عنه ~~أباه) أي سنجتهد بطلبه عن أبيه حتى ننزعه من يده (وإنا لفاعلون) [61] ما ~~أمرتنا به. ### || [سورة يوسف (12): آية 62] # وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى ~~أهلهم لعلهم يرجعون (62) # (وقال) يوسف (لفتيانه) بالألف والنون المكسورة، جمع فتى جمع كثرة، ~~ولفتيته بالتاء «6» من غير ألف جمع قلة، أي لغلمانه الكيالين (اجعلوا ~~بضاعتهم) أي أثمان ما أخذوه (في رحالهم) جمع رحل، أي في أوعيتهم، PageV02P241 # وكانت بضاعتهم النعال والأدم (لعلهم يعرفونها) أي بضاعتهم، يعني يعلمون ~~كرامتي عليهم باعطاء البدلين، وقيل: إنه رأى أخذ الثمن للطعام من أبيه ~~وإخوته لوما، فرده عليهم من حيث لا يعلمون تكرما ليعرفوا حق ردها «1» (إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم) أي إلى أبيهم «2» بكنعان (لعلهم يرجعون) [62] أي لعل ~~معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وليعلموا أن طلبنا عودهم، لم يكن ~~لأجل الثمن أو لأنهم لا يستحلون أكله إذا رأوا الثمن، لأنهم أنبياء فيرجعون إليه. ### || [سورة يوسف (12): آية 63] # فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون (63) # (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل) أي يمنع في ~~المستقبل إن ms0796 لم نحمل أخانا إليه وذكروا إحسانه، وإنه ارتهن شمعون لأجله ~~(فأرسل معنا أخانا) بنيامين (نكتل) بالنون، أي نرفع المانع من الكيل فنشتري ~~من الطعام بالكيل بسببه، وبالياء «3»، أي يكتل هو يعني بنيامين، لأنهم ~~كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقرا واحدا (وإنا له) أي لأخينا (لحافظون) ~~[63] من الضيعة حتى نرده إليك. ### || [سورة يوسف (12): آية 64] # قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) # (قال) أبوهم يعقوب (هل آمنكم عليه) أي ما آمنكم بقولكم وإنا له لحافظون ~~«4» على بنيامين (إلا كما أمنتكم على أخيه) يوسف (من قبل) أي قبل هذا ~~الزمان بمثل ذلك القول «5»، يعني كيف آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم ~~بعد أن أخذت عليكم من العهد الوثيق من قبل، فلو لم يحفظه الله تعالى لا ~~ينفع حفظكم ولا حفظي، ثم قال (فالله خير حافظا) بالألف نصب على التفسير ~~والتمييز كما يقال هو خير رجلا أو حال، وبغير الألف «6»، يعني «حفظا» تمييز ~~أيضا، والمراد أن حفظ الله تعالى خير من حفظكم (وهو أرحم الراحمين) [64] ~~يرحمه بالحفظ من الضيعة كما حفظه من المجاعة ويرده إلى ولا يجمع على ~~مصيبتين. ### || [سورة يوسف (12): آية 65] # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه ~~بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) # (ولما فتحوا متاعهم) الذي حملوه من مصر (وجدوا بضاعتهم) أي ثمن الطعام في ~~جواليقهم (ردت إليهم قالوا) لأبيهم (يا أبانا ما نبغي) «ما» نفي لتزايد ~~الكلام في وصف الملك بالإحسان إليهم كذبا، أي ما نتزايد القول فيما وصفنا ~~من إحسانه إلينا أو استفهام، أي ما ذا نطلب بالكلام الذي أخبرناك به من ~~إحسانه إلينا دليلا أكثر من رده البضاعة إلينا لم نقل ذلك تمد حاله، ثم ~~استأنفوا لتوضيح ما نبغي بقولهم (هذه بضاعتنا) أي ثمننا الذي أعطيناه (ردت ~~إلينا) فنستظهر بها (ونمير) عطف على المقدر أو على «ما نبغي»، أي لا نبغي ~~على ms0797 ما نقول ونأتي بالميرة، وهي الطعام من بلد إلى بلد أو هو كلام مبتدأ، ~~أي نبغي أن نمير (أهلنا) ليكون قوتا لهم من المجاعة فابعثه معنا (ونحفظ ~~أخانا) في الذهاب والمجيء من الضيعة بقدر قوتنا لكي نحمل الطعام لأهلنا ~~بسببه (ونزداد كيل بعير) أي حمل بعير من أجله على عادتهم (ذلك كيل يسير) ~~[65] أي حمل بعير شيء قليل على الملك لا يحبس ولدك بسببه إن أرسلته معنا. ### || [سورة يوسف (12): آية 66] # قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ~~فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) # (قال) لهم يعقوب (لن أرسله معكم حتى تؤتون) أي تعطوني (موثقا) أي عهدا ~~وثيقا بالقسم (من الله) PageV02P242 # قيل: أراد أن يحلفوا له بالله عز وجل «1» (لتأتنني به) جواب القسم، أي لن ~~أرسله معكم حتى تحلفوا بالله أنكم تردونه إلي (إلا أن يحاط بكم) استثناء ~~منقطع، أي لكنكم تهلكون جميعا بسبب أو لكنكم تغلبون فلا تطيقون الاتيان به ~~أو متصل، أي تأتوني به في كل حال إلا في حال الإحاطة بكم بأن ينزل بكم أمر ~~من السماء أو من الأرض فيعذركم أو مفعول له، والكلام المثبت في تأويله ~~النفي، أي لا يمتنعون من الاتيان به إلا للإحاطة بكم فضاق عليهم الأمر، ~~فحلفوا كما أراد أبوهم (فلما آتوه) أي أعطوه (موثقهم) أي عهدهم المؤكد ~~(قال) يعقوب (الله على ما نقول وكيل) [66] أي شاهد وحافظ. ### || [سورة يوسف (12): آية 67] # وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) # (وقال) لهم وقت الخروج من عنده (يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة) إذا دخلتم مصر، وقيل: من سكك مختلفة «2»، قاله لئلا يصابوا ~~بالعين، وليس ذلك كالطيرة المنهية لأن النبي عليه السلام كان يرقي من العين ~~«3»، لأن العين حق لما أنهم أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامة «4»، وقيل: يجوز ~~أن ms0798 يحدث الله عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب به نقصانا فيه، ويكون ~~ذلك ابتلاء من الله لعباده وليتميز المحقون بقولهم هذا من فعل الله عمن قال ~~هذا أثر العين «5»، وهو قول المعتزلة، وبطلانه ظاهر لصحة الحديث في تأثير ~~العين «6»، وقيل: إنما قاله يعقوب لئلا يظن أهل مصر أنهم جواسيس «7»، ولم ~~يوصهم في الكرة الأولى بالتفرقة، لأنهم كانوا مجهولين بين الناس، ثم ~~اشتهرهم أهل مصر بالقربة «8» عند الملك والتكرمة الخاصة، ثم قال (وما أغني ~~عنكم من الله) أي لا أنفعكم من قضائه إن أراد بكم سوء (من شيء) سواء كنتم ~~مجتمعين أو متفرقين، لأن المقدر «9» كائن (إن الحكم) أي ما القضاء (إلا ~~لله) إن شاء أصابكم العين وإن شاء لم يصبكم، وهذا تفويض يعقوب أمورهم إلى ~~الله مع التأكيد بقوله (عليه توكلت) أي اعتمدت في كل حال لي (وعليه فليتوكل ~~المتوكلون) [67] أي الواثقون بالله. ### || [سورة يوسف (12): آية 68] # ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68) # (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) أي من السكك أو الأبواب المتفرقة، وكانت ~~أربعة، وجواب «لما» محذوف وهو امتثلوا أمره أو الجواب (ما كان) يعقوب برأيه ~~(يغني) أي يدفع (عنهم من الله من شيء) يعني أصابهم ما شاءهم مع تفرقهم من ~~إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بها وأخذ أخيهم بوجدان الصاع في رحله، فلم ~~ينفعهم رأيه وهو تصديق الله يعقوب فيما قال (إلا حاجة) استثناء منقطع على ~~معنى «لكن» حاجة ومرادا (في نفس يعقوب قضاها) أي أظهرها لهم وتكلم «10» بها ~~وهي شفقته عليهم إشفاق الآباء على الأبناء (وإنه) أي يعقوب (لذو علم) أي ~~كان يعمل ويقول عن علم لا عن جهل (لما علمناه) أي لتعليمنا إياه أنه لا ~~يصيبهم إلا ما أراد الله وقدره، وعلم أيضا أن دخولهم من أبواب متفرقة لا ~~ينفعهم من قضاء الله من شيء (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [68] ما ms0799 يعلم ~~يعقوب، لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم، قال ابن عباس رضي الله عنه: «لا ~~يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه» «11». PageV02P243 ### || [سورة يوسف (12): آية 69] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) # (ولما دخلوا على يوسف) أي إخوته، قالوا هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيه ~~به، فقال أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم منزلتهم، ثم ~~أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فبكى وقال لو ~~كان أخي يوسف حيا أجلسني معه «1»، فقال يوسف بقي أخوكم هذا وحيدا، وقال له: ~~أتحب أن أكون بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد مثلك أخا ولكن لم يلدك يعقوب ~~ولا راحيل، فبكى يوسف فدعاه إليه وأجلسه على مائدته وجعل يؤاكله ويتلطف به، ~~وهو معنى قوله تعالى (آوى إليه أخاه) أي ضم إلى نفسه بنيامين وكالمه (قال) ~~له في السر (إني أنا أخوك) يوسف (فلا تبتئس) أي فلا تحزن (بما كانوا ~~يعملون) [69] بنا فيما مضى، فان الله قد أحسن إلينا وجمعنا ولا تعلم إخوتك ~~بما علمتك، فقال بنيامين: لا أفارقك، فقال يوسف: لا يمكنني إلا بعد أن أضيف ~~إليك السرقة بشيء، فقال: افعل ما شئت «2». ### || [سورة يوسف (12): آية 70] # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون (70) # (فلما جهزهم بجهازهم) أي أصلح لهم حاجتهم فوفى يوسف الكيل لكل واحد من ~~إخوته حمل بعير ولبنيامين بعيرا باسمه (جعل السقاية) أي وضع خفية المشربة ~~من ذهب مرصع بالجواهر (في رحل أخيه) بنيامين فخرجوا وحملوا الطعام ودخلوا ~~في الطريق، فلما انفصلوا عن مصر نحو الشام أرسل يوسف من استوقفهم فوقفوا ~~(ثم أذن مؤذن) أي نادى منادي «3» الملك بأمره (أيتها العير) أي القافلة ~~التي تحمل الميرة، وأصل العير أن يذكر لقافلة الحمير، ثم كثر ذلك حتى قيل ~~لكل قافلة عير، والعير جمع العير (إنكم لسارقون) [70] إناء الملك ظاهرا لمن ~~لا يعرف الأمر، وقيل: قالوه من غير أمر يوسف «4»، وقيل: قالوه على ms0800 تأويل ~~أنهم سرقوا يوسف من أبيه فلا يكون يهتانا في الحقيقة «5». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 71 الى 72] # قالوا وأقبلوا عليهم ما ذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء ~~به حمل بعير وأنا به زعيم (72) # (قالوا) أي إخوة يوسف (وأقبلوا عليهم) أي والحال أنهم قد توجهوا إلى ~~فتيان الملك المنادين (ما ذا تفقدون) [71] أي ما الذي تطلبونه بفقده وهو ~~طلب المعدوم بعد الوجود. # (قالوا نفقد) أي نطلب (صواع الملك) أي الإناء الذي يشرب منه الملك، وجعله ~~مكيالا لئلا يكال بغيره، وكان الشرب من فضة وذهب مباحا في شريعته (ولمن جاء ~~به) أي بالصواع (حمل بعير) من الطعام (وأنا به زعيم) [72] أي كفيل، يقوله ~~المؤذن وهو أفرائم من فتية يوسف. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 73 الى 74] # قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) # (قالوا) أي إخوة يوسف مقسمين (تالله) أي والله (لقد علمتم ما جئنا) أي لم ~~نأت (لنفسد في الأرض) أي لنسرق في أرض مصر أو نخون أحدا (وما كنا سارقين) ~~[73] أي لم نتصف بالسرقة قط أو منذ قطعنا هذا الطريق، فاسألوا من مررنا به ~~هل ضررنا أحدا؟ وإنما قالوا لقد علمتم لهم مستشهدين بعلمهم، فمن أين علموا؟ ~~لأنهم كانوا معروفين بالديانة أنهم لا يتناولون ما ليس لهم ولأنهم وإذا ~~دخلوا مصر عقدوا أفواه دوابهم كيلا يتناول شيئا من حروث الناس أو لأنهم ~~ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم «6». PageV02P244 # (قالوا) أي فتيان الملك (فما جزاؤه) أي أي شيء جزاء السارق عندكم (إن ~~كنتم كاذبين) [74] في قولكم وما كنا سارقين وهذا فرض لانتفاء براءتهم وفرض ~~التكذيب لا يكون تكذيبا، وكان حكم أرض مصر للسارق الضرب والتضمين، والحكم ~~في أرض كنعان أخذ السارق للمسروق منه بدل المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه ~~بنيامين عنده، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم. ### || [سورة يوسف (12): آية 75] # قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) # (قالوا) أي إخوة يوسف (جزاؤه من ms0801 وجد) المسروق (في رحله) أي في وعائه ~~(فهو) أي السارق (جزاؤه) أي يسلم إلى المسروق منه للإستعباد «1»، وهذه ~~الجملة تقرير للحكم المذكور، يعني ليس جزاؤه غيره (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء ~~(نجزي الظالمين) [75] أي الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير، فقال ~~الرسول عند ذلك لا بد لي أن أفتش أمتعتكم واحدا واحدا، وقيل: أمره يوسف أن ~~يردهم إليه ليفتش أوعيتهم بين يديه «2». ### || [سورة يوسف (12): آية 76] # فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ~~ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق ~~كل ذي علم عليم (76) # (فبدأ) يوسف (بأوعيتهم) لإزالة التهمة عنه (قبل وعاء أخيه) بنيامين، روي: ~~«أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قدمهم ~~به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين، قال: ما أظن أن هذا أخذ ذلك فتركه فقال ~~إخوته والله لا نترك حتى تنظر في رحله، فانه أطيب لنفسك ولأنفسنا، ففتح ~~رحله» «3» (ثم استخرجها) أي السقاية أو الصاع يذكر ويؤنث (من وعاء أخيه) أي ~~من رحل بنيامين أخي يوسف، فنكس إخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على ~~بنيامين، وقالوا: ماذا صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل، لم يزل لنا ~~منكم بلاء، متى أخذت الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم ~~بلاء، ذهبتم بأخي يوسف فأهلكتموه في البرية، وإني ما سرقت شيئا في عمري، ~~وإنما وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذوا بنيامين ~~رقيقا وردوه إلى يوسف كما يرد السارق «4»، ثم قال الله تعالى (كذلك) أي مثل ~~ذلك الكيد العظيم لهم، يعني ما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد (كدنا ~~ليوسف) أي دبرنا جزاء الكيد له، يعني علمناه إياه بالوحي في أمرهم أو فعلتم ~~بهم من الكيد كما فعلوا بيوسف من قبل، وقال يعقوب له فيكيدوا لك كيدا، ~~والكيد من الخلق الحيلة السيئة ومن الله التدبير الحق لمجازاة ms0802 أعمال الخلق، ~~ثم قال (ما كان) أي لم يكن يوسف (ليأخذ أخاه في دين الملك) أي في حكمه، لأن ~~حكمه أن على السارق الضرب وغرم ضعفي قيمة المسروق (إلا أن يشاء الله) أي ~~إلا بمشية الله أخذه وقد شاءه بقضاء أبيه يعقوب، فلو لا شريعة أبيه لا تمكن ~~يوسف من أخذ أخيه (نرفع درجات من نشاء) بالعلم والعمل كما رفعنا درجة يوسف ~~على إخوته، بالإضافة وتركها «5» (وفوق كل ذي علم عليم) [76] قال ابن عباس: ~~«فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله، فالله تعالى فوق كل عالم» ~~«6» وهو العليم، وقيل: إنه عام مخصوص بعلم الله، إذ لا عليم أعلم منه ولا ~~يناسبه أحد في علمه «7». ### || [سورة يوسف (12): آية 77] # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ~~قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) # (قالوا) أي إخوة يوسف (إن يسرق) بنيامين (فقد سرق أخ له) أي لبنيامين من ~~أمه يوسف (من قبل) أي قبل PageV02P245 # بنيامين في حال صغره، قيل: «كان لجدة أبي أمه صنم يعبده فأخذه سرا فكسره ~~وألقاه في الطريق لئلا يعبد» «1»، وقيل: «أخذ دجاجة من بيت يعقوب فأعطاها ~~سائلا» «2»، وقيل: «كان يوسف عند عمته بالحضانة «3» بعد موت راحيل أمه ~~وكانت تحبه حبا شديدا لا تصبر عنه، فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه «4» منها ~~«5» فأخذت منطقة إسحق التي توارثت منه، لأنها كانت أكبر ولد إسحق، وهم ~~كانوا يتوارثون بالكبر فشدتها على وسط يوسف تحت ثيابه وهو نائم، وقالت ~~لأهلها: فقدت المنطقة، فلما ذهب إلى أبيه يعقوب بعد ما شب طلبت المنطقة ~~فوجدتها في وسطه، فقالت: يا يعقوب إن لي يوسف عبدا، لأنه سرق منطقتي «6»، ~~وكان في شريتهم استرقاق السارق، فقال يعقوب: إن كان كذلك فهو مسلم لك ~~فأمسكته حتى ماتت» «7»، فلذلك قالوا فقد سرق أخ له من قبل (فأسرها) أي أضمر ~~كلمتهم (يوسف في نفسه) وهي إنه «سرق أخ له» عنوا به يوسف (ولم يبدها) أي لم ~~يصرح بالكلمة ms0803 (لهم قال) يوسف (أنتم شر مكانا) نصب على التمييز، أي منزلة ~~عند الله ممن رميتموه بالسرقة، لأن سرقتكم ظهرت وسرقته لم تظهر، وقيل: إن ~~في قوله «فأسرها» إضمارا على شريطة التفسير، وهو أنتم شر مكانا وإنما أنثه ~~بتأويل الكلمة أو الجملة «8»، وقوله «قال أنتم شر مكانا» بدل من «فأسرها»، ~~فالمعنى: أنه لم يصرح لإخوته قوله ب «أنتم شر مكانا»، بل قاله في نفسه ~~(والله أعلم بما تصفون) [77] أي بما تقولون من الكذب، يعني يعلم أن وصفكم ~~كذب، لأنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة - فليس الأمر كما تصفون. ### || [سورة يوسف (12): آية 78] # قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من ~~المحسنين (78) # (قالوا) استعطافا منه بذكر حال أبيهم يعقوب عنده (يا أيها العزيز إن له) ~~أي لبنيامين (أبا شيخا كبيرا) أي كبير السن أو كبير القدر وإنه أحب إليه ~~منا، وإنه كان مستأنسا به بدل أخيه الهالك (فخذ أحدنا مكانه) أي بدله على ~~وجه الاسترهان أو الاستعباد (إنا نراك من المحسنين) [78] في أفعالك فلا ~~تغير عادتك أو المحسنين إلينا بتوفية الكيل والفضل وحسن الضيافة ورد ~~البضاعة، فأتمم إحسانك إلينا كما قلنا لك به. ### || [سورة يوسف (12): آية 79] # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) # (قال) يوسف (معاذ الله) أي أعوذ بالله معاذا من (أن نأخذ إلا من وجدنا ~~متاعنا عنده) ولم يقل «سرق» تحرزا من الكذب (إنا إذا لظالمون) [79] ف «إذا» ~~جواب لهم وجزاء، لأن المعنى: إن أخذنا بريئا غير مجرم «9» لظلمنا على قضية ~~شريعتكم بأخذ غير السارق مكان السارق أو لأن الله أمرني بالوحي إلى أن أخذ ~~بنيامين لمصالح كثيرة علمها في ذلك، فلو أخذت غير المأمور لكنت ظالما ~~وعاملا على خلاف الوحي. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 80 الى 81] # فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي أو ms0804 يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا ~~أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) # (فلما استيأسوا) أي آيسوا، وزيادة السين والتاء «10» للمبالغة في القنوط ~~(منه) أي من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوا (خلصوا) أي اعتزلوا وانفردوا عن ~~يوسف وسائر الناس (نجيا) أي متناجين في الخلوة، يعني يتشاورون لا يخالطهم ~~غيرهم، والنجي مصدر جعل نعتا كالعدل، وهو يصلح للواحد والجماعة والذكر ~~والأنثى (قال PageV02P246 # كبيرهم) في العقل والعلم لا في السن وهو يهوذا، وقيل: «هو شمعون وكان له ~~الرياسة على إخوته» «1» (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا) أي عهدا ~~(من الله) ولم تحفظوا عهد أبيكم (و) ألم تعلموا (من قبل) أي قبل هذه الحالة ~~(ما فرطتم) أي تفريطكم، أي تقصيركم (في يوسف) أي في شأنه من الخيانة ~~العظيمة (فلن أبرح الأرض) أي فلن أفارق أرض مصر التي وقعت النائبة له فيها ~~(حتى يأذن لي أبي) بالخروج منها ويدعوني (أو يحكم الله لي) بالخروج من مصر ~~وترك أخي أو بخلاص أخي من يد الملك بسبب من الأسباب أو يحكم الله لي بالسيف ~~فأقاتلهم وأسترد أخي (وهو خير الحاكمين) [80] أي أعدل العادلين وأقضى ~~القاضين في الحكم. # قيل: في القصة أنهم غضبوا شديدا لهذه الحالة، فقال منهم روبيل وكان إذا ~~غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا صاح صيحة ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها، ~~وكان إذا مسه أحد من أولاد يعقوب سكن غضبه: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: ~~عشرة، فقال: اكفوني أنتم وأنا أكفيكم الملك أو عكس ذلك، فدخلوا على يوسف، ~~فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر حامل إلا ألقت ~~ولدها، فقال يوسف لابن له صغير بعد رؤية غضبه وقيام كل شعرة في جسده خرجت ~~من ثيابه: قم إلى جنب روبيل فمسه وذهب إلى جنبه وهو لا يعلمه «2» فمسه فسكن ~~غضبه، فقال روبيل: إن ههنا لبذرا من بذر يعوقب، فقال يوسف: من يعقوب؟ فغضب ~~ثانيا، فقام ms0805 يوسف إليه فركضه برجله وأخذ بتلابيبه فأوقعه على الأرض، فقال ~~أنتم معشر العبرانيين تحسبون أن لا أحد أشد منكم قوة، ولما صار أمرهم إلى ~~هذا خضعوا وذلوا، فقالوا: يا أيها العزيز «إن له أبا شيخا كبيرا» إلى قوله ~~«الحاكمين» «3»، ثم قال يهوذا «4» (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ~~ابنك) بنيامين (سرق وما شهدنا) أي ما قلنا لك (إلا بما علمنا) وليست هذه ~~شهادة قطعية منا على سرقته، إنما هو خبر عن ضيع ابنك، لأنا رأينا الصواع قد ~~أخرج من رحله وحسبك بهذا شاهدا (وما كنا للغيب) أي لما غاب من أموره في ~~ليلة ونهاره (حافظين) [81] أي ما علمنا أنه سرق بالصحة أم دس الصواع بالليل ~~في رحله ولم يشعره، يعني لم نطلع على أنه سرق ولكنهم سرقوه. ### || [سورة يوسف (12): آية 82] # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) # (وسئل القرية التي كنا فيها) أي أهلها وهي قرية من قرى مصر، كانوا ~~ارتحلوا منها إلى مصر (و) اسأل (العير التي أقبلنا فيها) أي القافلة التي ~~كنا فيها وصحبناهم، وكانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب (وإنا لصادقون) ~~[82] في قولنا. # قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا العمل بأبيه وإخوته مع وفور علمه، وفيه ~~معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة، أجيب بأنه عمل ذلك بالوحي ليزيد في ~~بلاء يعقوب وتضاعف له الأجر ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين، فرجعوا إلى ~~أبيهم يعقوب بذلك القول فاتهمهم يعقوب. ### || [سورة يوسف (12): آية 83] # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه ~~هو العليم الحكيم (83) # (قال) يعقوب لبنيه (بل سولت) أي سهلت وزينت (لكم أنفسكم أمرا) وهو حمل ~~أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل (فصبر جميل) أي فعلي صبر حسن من غير جزع لا ~~شكوى فيه إلى أحد (عسى الله) أي لعله (أن يأتيني بهم جميعا) أي يوسف ~~وبنيامين وأخاهم المقيم بمصر لأجلكم (إنه هو العليم) بحزني ووجدي على فقدهم ~~(الحكيم) [83] في ابتلائي لحكمة ومصلحة وتدبير ردهم ms0806 علي. PageV02P247 ### || [سورة يوسف (12): آية 84] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) # (وتولى) أي أعرض (عنهم) أي عن بنيه كراهة خبرهم (وقال يا أسفى) أي يا ~~حزنا (على يوسف) والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل من ياء الإضافة ~~لتطويل الصوت بالتأسف، وإنما تأسف على يوسف دون غيره من أخيه، والثالث لأن ~~كل نائبة حلت به بعد يوسف كانت دون نائبة نفسه (وابيضت عيناه من الحزن) أي ~~من البكاء الذي سببه الحزن، لأن البكاء يمحق سواد العين ويقلبه إلى البياض، ~~قيل: قد عمي بصره «1»، وقيل: # كان يبصر يسيرا «2» (فهو كظيم) [84] أي مكظوم، من الكظم وهو شد السقاء ~~على مليه، والمراد أنه المملوء من الحزن الممسك عليه، يعني كان يعقوب مملوء ~~من الغيظ على أولاده، ومع ذلك لا يظهر لهم ما يسوءهم، قال قتادة: «يردد ~~حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا» «3». ### || [سورة يوسف (12): آية 85] # قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) # (قالوا) أي بنوه (تالله تفتؤا) أي لا تزال، والأصل «لا تفتأ»، حذفت منه ~~«لا» مع إرادة النفي، إذ لا يلتبس بالإثبات «4»، لأنه لو كان إثباتا للزم ~~اللام أو النون أو كلاهما للقسم، يعني لا تفتأ «5» (تذكر يوسف) وهو منصوب ~~المحل على أنه خبر «لا تفتأ» لكونه من الأفعال الناقصة، المعنى: أنك لا ~~تزال تذكره من شدة حبه (حتى تكون حرضا) أي قريبا من الموت أو فاسد العقل ~~والجسم ذائبا من الهم والحزن، والحرض مصدر وضع موضع الاسم، يستوي فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (أو تكون من الهالكين) [85] أي الميتين. # قيل: مكث يعقوب ثمانين سنة لم تجف دموعه من فراق يوسف ولم يخل الحزن عن ~~قلبه يوما، وما ساء ظنه بالله ساعة «6»، وإنما جازت لنبي الله تلك المبالغة ~~في الجزع، لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند شدة الحزن لا بالقصد ~~والاختيار. ### || [سورة يوسف (12): آية 86] # قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) # (قال) ms0807 يعقوب عند ذلك لما رأى غلظتهم (إنما أشكوا بثي) أي همي الذي لا ~~يصبر عنه فيفشي إلى أحد (وحزني) أي همي اليسير (إلى الله) لا إلى غيره، ~~يعني لا أشكوهما إليكم (وأعلم من الله ما لا تعلمون) [86] وهو أن يوسف حي ~~وليس بميت. # قيل: إنما علم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف «7»، وقيل: سأل ملك الموت في ~~المنام هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال: لا أنه في الدنيا حي فسكن قلب ~~يعقوب، فطمع في رؤيته «8». ### || [سورة يوسف (12): آية 87] # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس ~~من روح الله إلا القوم الكافرون (87) # ثم قال يعقوب لهم (يا بني اذهبوا) إلى مصر (فتحسسوا من يوسف) من التحسس ~~وهو طلب الشيء بالحاسة والتجسس بالجيم في معناه، قيل: إنه بالحاء يستعمل في ~~الخير وبالجيم في الشر «9»، أي اطلبوا الخبر منه (و) من (أخيه) بنيامين، ~~قالوا: أما بنيامين فلا نترك الجهد في شأنه، وأما يوسف فانه ميت ونحن لا ~~نطلب الأموات، فقال لهم يعقوب (ولا تيأسوا) أي لا تقنطوا (من روح الله) أي ~~من رحمته (إنه لا ييأس) أي لا يقنط (من روح الله إلا القوم الكافرون) [87] ~~بنعمته. # قيل: إن سبب ابتلاء يعقوب بفراق يوسف أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور ~~من ذبحه «10»، وقيل: PageV02P248 # طبخه فقام مسكين ببابه فلم يطعمه «1»، وروي: «أن الله تعالى أوحى إلى ~~يعقوب أتدري لما عاقبتك وحبست عنك يوسف أربعين أو ثمانين سنة؟ قال: لا يا ~~إلهي، قال: لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه» «2». ### || [سورة يوسف (12): آية 88] # فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88) # قوله (فلما دخلوا عليه) فيه إضمار، تقديره: امتثلوا أمر أبيهم من تحسس ~~«3» يوسف وأخيه، فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، ~~فلما دخلوا عليه (قالوا يا أيها العزيز) وهو لغة مصر للملك (مسنا) أي ~~أصابنا (وأهلنا ms0808 الضر) أي الشدة والجوع (وجئنا ببضاعة مزجاة) أي قليلة ردية ~~كاسدة لا تؤخذ في الطعام وتؤخذ في غيره، قالوا ذلك لأن الطعام كان عزيزا في ~~ذلك اليوم، فلا يؤخذ إلا الجيد، قيل: # «هو متاع الأعراب من الصوف والأقط» «4»، وقيل: الأدم والنعال «5»، وقيل: ~~«دراهم زيوف» «6» (فأوف) أي أتمم (لنا الكيل) كما كنت تعطينا بالثمن الجيد ~~من قبل (وتصدق علينا) أي لا تنقص مما قلنا أو تفضل بنا بالصدقة أيضا، وكانت ~~حلالا للأنبياء في شريعتهم، وقيل: «تصدق علينا برد أخينا بنيامين» «7» وهو ~~قاعد عنده (إن الله يجزي) أي يثيب (المتصدقين) [88] ولم يقولوا يجزيك، ~~لأنهم ما علموا أنه مؤمن. ### || [سورة يوسف (12): آية 89] # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) # (قال) يوسف (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) حين فرقتم بينهما وهو أخوه ~~لأبيه وأمه وألقيتم يوسف في البئر ليموت ثم بعتموه وكنتم تؤذون أخيه بعد ~~فقد يوسف بأنواع الأذى، وهو لا يقدر أن يتكلم أحدا منهم إلا كلام الذليل ~~للعزيز (إذ أنتم جاهلون) [89] أي مذنبون عاصون أو جاهلون بجهل الشباب أو ~~جاهلون فيما يؤول إليه أمر يوسف، وروي: أنه أخرج كتابا فيه بيع يوسف، فدفع ~~إليهم ونظر فيه يهوذا فعرف خطه وقال نحن بعنا هذا الغلام وكان ملكنا إن كنا ~~نرى الغنم، فقال يوسف ظلمتم، لأنكم بعتم الحر وأنا أعلم به، فدعا يوسف ~~السيافين وأمرهم بأن يقتلوهم جميعا، فاستغاثوا كلهم، وقالوا: إن لم ترحمنا ~~فارحم الشيخ الضعيف، فانه قد جزع على ولد واحد، فكيف وقد يهلك أولاده كلهم؟ ~~فقال: «هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون»، ووصفهم ما فعلوا ~~بهما، وإنما قال هذا الكلام لهم لأنه لما سمع قولهم «مسنا وأهلنا الضر» ~~الآية رق قلبه لهم «8». ### || [سورة يوسف (12): آية 90] # قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ~~ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) # ثم أشار تعالى إلى تعريف نفسه وتعظيم صنيعهم بالجهالة وتوبتهم وعفوه، ~~فلذلك (قالوا أإنك لأنت يوسف) ms0809 على التوهم أو هم عرفوه بشمائله حين كلمهم ~~بذلك، وقيل: «تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم» «9»، قرئ ~~«إنك» بهمزة مكسورة على الخبر، وبتحقيق الهمزتين، وبتسهيل الهمزة الثانية ~~مع فصل ألف بينهما «10» (قال أنا يوسف وهذا أخي) بنيامين وذكر أخيه لبيان ~~ما سألوه عنه (قد من الله) أي أنعم PageV02P249 # (علينا) بأن جمع بيننا بالصبر (إنه) أي الشأن (من يتق) الله بأداء ~~الفرائض واجتناب المعاصي (ويصبر) عما حرم الله عليه من الزنا والقتل ~~وغيرهما أو على العذوبة أو على الشدة والحبس (فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين) [90] أي الموصوفين بهذه الصفات، ووضع المظهر موضع المضمر تنبيها ~~على قدرهم عند الله. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 91 الى 93] # قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا ~~فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) # (قالوا) أي إخوة يوسف له معتذرين (تالله لقد آثرك الله) أي اختارك وفضلك ~~(علينا وإن كنا لخاطئين) [91] أي وما كنا في صنيعنا بك إلا مذنبين مجرمين ~~يقال فلان خطأ إذا تعمد الذنب وأخطأ إذا لم يتعمد، ولما اعترفوا بذنوبهم ~~(قال) يوسف وكان حليما (لا تثريب) ولا لوم ولا تعيير (عليكم اليوم) أي لا ~~أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، ف «اليوم» ظرف ل «عليكم» أو ل «التثريب»، ثم دعا ~~لهم بمغفرة ما فرط منهم بقوله (يغفر الله لكم) فيما فعلتم من القبيح (وهو ~~أرحم الراحمين) [92] من غيره تعالى يرحم ويتجاوز عن ذنب من تاب إليه وأطاع ~~أمره، فلما عرف نفسه لهم سألهم عن أبيه قالوا: ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه، ~~وقال (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) أي يعد مبصرا كما ~~كان أول خلقه أو يأت إلي بصيرا صحيحا، قيل: هو قميص إبراهيم الذي ألبسه ~~جبريل حين ألقي في النار فبردت عليه النار وكان من ثياب الجنة فصار إلى ~~يعقوب بالتوارث فجعله يعقوب في عوذة، وعلقه في عنقه وكان معه حين ألقي ms0810 في ~~البئر فنشره جبريل وألبسه في الجب بعد نزع إخوته قميصه عنه وكان القميص معه ~~إلى ذلك الزمان فأرسله إلى أبيه ليبرأ من العمي، لأن فيه ريح الجنة لا يقع ~~على مبتلى ولا على سقيم إلا عوفي «1»، ثم قال يوسف لإخوته (وأتوني بأهلكم ~~أجمعين) [93] فاختلفوا فيما بينهم فقال كل واحد: أنا أذهب به، فقال يوسف: ~~ليذهب به الذي ذهب بقميصي الأول، فقال يهوذا أنا ذهبت بالقميص الأول ~~وأحزنته به فسأفرحه بهذا بأن أخبره بأنه حي صحيح سلم عليك وأمر لهم ~~بالهدايا والدواب والرواحل فتوجهوا إلى كنعان. ### || [سورة يوسف (12): آية 94] # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون (94) # (ولما فصلت العير) أي خرجت القافلة من عمران مصر (قال أبوهم) يعقوب ~~بكنعان لولد ولده (إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون) [94] أي تسفهوني ~~وتجهلوني لصدقتموني، يقال فنده فلان إذا نسبه إلى الهرم وزوال العقل من ~~الكبر، قيل: «هي ريح القميص من مسيرة ثلاثة أيام» «2»، وقيل: «كان بينهما ~~ثمانون فرسخا» «3»، وقيل: استأذنت الصبا ربها أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل ~~أن يأتيه البشير «4». ### || [سورة يوسف (12): الآيات 95 الى 97] # قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) ~~قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) # (قالوا) أي أولاد أولاده (تالله إنك لفي ضلالك القديم) [95] أي لفي خطئك ~~كما كنت في القديم من ذكر يوسف لا تنساه بمحبتك وتعتقد أنه حي تلقاه حديثا. # (فلما أن جاء البشير) أي المبشر عن يوسف وهو يهوذا، قال ابن عباس: «حمل ~~القميص يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى ~~أتى أباه وكانت المسافة ثمانين فرسخا» «5» (ألقاه) أي طرح البشير أو يعقوب ~~وضع القميص (على وجهه فارتد) أي رجع (بصيرا) بعد ما كان أعمى وعادت قوته ~~بعد ضعفه وشبابه بعد هرمه وسروره بعد حزنه (قال) يعقوب لأولاد أولاده (ألم ~~أقل ms0811 لكم) يعني قوله إني لأجد PageV02P250 # ريح يوسف أو قوله لا تيأسوا من روح الله، فالمفعول محذوف وما بعده كلام ~~مستأنف أو المفعول قوله (إني أعلم من الله ما لا تعلمون) [96] من حيوة يوسف ~~وإن الله يجمع بيننا. # وروي: أنه قال للبشير: كيف يوسف؟ قال إنه ملك مصر؟ فقال يعقوب: ما أصنع ~~بالملك؟ على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة «1». # (قالوا) أي أولاد يعقوب بعد الاجتماع عنده (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ~~إنا كنا خاطئين) [97] أي مذنبين. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 98 الى 99] # قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98) فلما دخلوا على يوسف ~~آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) # (قال) لهم يعقوب (سوف أستغفر لكم ربي) قال أهل التفسير هو اخر الدعاء لهم ~~إلى السحر ليعتمد به وقت الإجابة، وهو الوقت الذي يقول الله تعالى هل من ~~داع فأستجيب له، وقيل: «هو ليلة الجمعة وقت السحر موافق ليلة عاشوراء» «2»، ~~وقيل: «معناه سوف أستغفر لكم ربي بعد أن أسأل يوسف أن يغفر عنكم» «3» (إنه ~~هو الغفور الرحيم) [98] لمن تاب وأطاع. # روي: أن يعقوب لما انتهى إلى الموعد قام إلى الصلوة بالسحر، فلما فرغ ~~منها رفع يديه إلى الله تعالى، ثم قال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة ~~صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم يوسف فأوحى الله إليه أني قد غفرت ~~لك ولهم أجمعين «4»، وقيل: «كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين ~~سنة» «5»، ويوسف وإخوته خلفه يؤمنون أذلة خاشعة حتى بلغ جهدهم، وظنوا أنهم ~~الهلكة إذ نزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد أجاب دعوتك وتاب على ~~ولدك وعقد مواثيقهم على النبوة بعدك. # وروي: أن يوسف كان بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازا كثيرا ~~ليأتوا بيعقوب وأهله وولده فاستعد يعقوب للخروج إلى مصر فخرجوا وهم اثنان ~~وسبعون من بين رجل وامرأة، وكانوا لما خرجوا من مصر مع موسي هاربين من ~~فرعون ستمائة ألف وسبعين ms0812 ألفا سوى الذرية والهرمى، فلما دنوا من مصر خرج ~~يوسف والملك الأكبر بأربعة آلاف من الجند وعظماء المصريين يتلقون يعقوب وقد ~~كان يعقوب يمشي متكئا على يهوذا، فنظر إلى الناس والخيل، فقال: يا يهوذا ~~هذا فرعون مصر؟ قال: هذا ابنك، فلما دنا كل واحد منهما من الآخر ذهب يوسف ~~يبدؤه بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السلام ~~عليك يا مذهب الأحزان «6». # وروي أن يوسف نزل في قبة ضربت في الصحراء من قباب الملوك التي تحمل على ~~البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه فدخلا عليه القبة وتعانقا فيها وبكيا ~~وقربهما منه، وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة يجمعنا؟ ~~قال: بلى يا بني ولكني خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك «7»، فذلك قوله ~~تعالى (فلما دخلوا على يوسف) أي في القبة المضروبة (آوى إليه أبويه) أي ~~ضمهما إلى نفسه بالاعتناق والتقريب منه، قيل: # أراد بأبويه يعقوب وخالته ليا «8»، وكانت أمه ماتت في نفاس بنيامين، وهو ~~الأكثر، وقيل: هو وأمه، وكانت حية وهو الأظهر «9»، وقيل: إن الله أحيى أمه ~~حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر «10» (وقال) يوسف بعد ما قالوا من القبة فجاؤا ~~إلى قريب من مصر (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) [99] على تقدير إن شاء ~~الله دخلتم آمنين، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه و«آمنين» حال من ضمير ~~«ادخلوا»، والجملة الاستثنائية اعتراض بينهما، والمعنى: PageV02P251 # ادخلوها آمنين سالمين من الخوف، لأنها أرض الجبابرة أو من الجوع أو من ~~الجواز، لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبلهم إلا بجواز من ملوكهم، وقيل: «إن» ~~بمعنى إذ يريد: إذ شاء الله «1»، فعلى هذا لا يكون استثناء. ### || [سورة يوسف (12): آية 100] # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل ~~قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ~~أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) # (ورفع أبويه ms0813 على العرش) أي على السرير أجلس أباه عن يمينه وأمه عن شماله، ~~والرفع هو النقل إلى العلو (وخروا) أي سقطوا (له) أي لأجل يوسف على الأرض ~~(سجدا) نصبه حال مقدرة من ضمير «خروا»، لأن السجود بعد الخرور يكون، يعني ~~سجد له إخوته وأبوه وأمه أو خالته بوضع الجباه على الأرض على طريق التحية ~~والتعظيم لا على طريق العبادة، وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة، فنسخت في ~~هذه الشريعة، وقيل: # هو الانحناء والتواضع البليغ «2»، وقيل: سجدوا على وجوههم شكرا لله تعالى ~~لأجل اجتماعهم بيوسف «3»، فاتفق أنه كان في ناحية القبلة ويرد هذا القول ~~لفظة «له»، لأن الضمير ليوسف (وقال) يوسف عند ذلك (يا أبت هذا تأويل رءياي ~~من قبل) قال الحسن البصري رضي الله عنه: «قد كان يوسف حين رآها ابن سبع ~~سنين فظهر تأويلها على رأس أربعين سنة» «4»، وقيل: ثمانون سنة وإليه ينتهي ~~الرؤيا «5» (قد جعلها) أي رؤياي (ربي حقا) أي صدقا أو كائنا لا شك فيه، وهو ~~مصدر أو صفة مصدر، أي جعلا حقا (وقد أحسن بي) أي أنعم على صنعه (إذ أخرجني ~~من السجن) ولم يقل «من الجب» مع كونه أشد من السجن استعمالا للكرم كيلا ~~تخجل إخوته بعد ما قال «لا تثريب عليكم اليوم»، ولأن نعمة الله عليه في ~~إخراجه من السجن أعظم، لأنه بعد الجب صار رقيقا وبعد السجن صار ملكا، ولأن ~~وقوعه في الجب كان بحسد إخوته، وفي السجن كان مكافاة من الله لزلة «6» صدرت ~~منه (وجاء بكم من البدو) أي البادية، لأنهم كانوا أصحاب ماشية، والبدو في ~~الأصل بسيط «7» الأرض يسكنه أهل العمد والمواشي (من بعد أن نزغ الشيطان) أي ~~أفسد بالحسد وألقى العداوة (بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف) في فعاله (لما ~~يشاء) أي بمن «8» يشاء أو لطيف في فعله بالحكمة إن شاء فرق وإن شاء جمع ~~(إنه هو العليم) بأعمال خلقه (الحكيم) [100] في أمره حيث فرق بيني وبين أبي ~~وإخوتي، ثم رد على أبي وجمع بيني وبين إخوتي سالمين معافين من أرض ms0814 كنعان ~~إلى أرض مصر. # قيل: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أهناء عيش وأحسن حال، ~~ثم مات بمصر، وقد وصى إلى ابنه يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه إسحق، ففعل ~~يوسف ذلك ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف إلى مصر، فلما جمع الله تعالى ~~ليوسف شمله علم أن نعيم الدنيا لا يدوم «9». ### || [سورة يوسف (12): آية 101] # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) # سأل الله تعالى الموت بحسن العاقبة فقال (رب) أي يا خالقي ومنعمي (قد ~~آتيتني) أي أعطيتني (من الملك) أي بعض الملك وهو ملك مصر (وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث) أي بعضه أو «من» للبيان، أي تعبير الرؤيا (فاطر السماوات والأرض) ~~نصب بحرف النداء المحذوف «10»، أي يا خالقهما لا شريك لك في خلقهما أو PageV02P252 # نصب على الوصف لرب المنادي «1» (أنت وليي) أي معيني ومتولي أموري (في ~~الدنيا والآخرة توفني مسلما) أي اقبضني إليك مخلصا بتوحيدك (وألحقني ~~بالصالحين) [101] أي بآبائي المرسلين. # قيل: «ما تمنى الموت نبي قبله ولا بعده إلا هو» «2»، لأنه لما تم أمره في ~~ملكه الزائل ووصال أبيه وأهله اشتاق إلى ربه وطلب الملك الدائم الذي لا ~~يزول ولما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي. # روي: أنه عاش بعد لقاء أبيه يعقوب ستين سنة «3»، وقيل: ثلاثا وعشرين سنة ~~«4»، وتوفي وهو ابن مائة وعشر سنين «5» هكذا في التورية «6»، ودفنوه وسط ~~النيل في صندوق من رخام، لأن المصريين من جانبي النيل، تشاحون في مدفنه حتى ~~كادوا أن يقتتلوا ثم تصالحوا على أن يدفن سنة في جانب مصر وأن يدفن سنة في ~~جانب آخر من البدويين، فدفن في الجانب المصري فأخصب ذلك الجانب وأجدب ~~الجانب الآخر من البدويين، ثم نقل إلى الحانب البدوي فأخصب ذلك الجانب ~~وأجدب الجانب الآخر المصري، ثم اتفقوا على دفنه في وسطه وقد قدروا ذلك ~~بسلسلة فأخصب الحانبان، وبقي فيه إلى أن جاء موسى عليه السلام، وأخرجه ms0815 ~~فدفنه بقرب آبائه بالشام «7». ### || [سورة يوسف (12): آية 102] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102) # ثم قال تعالى (ذلك) أي نبأ يوسف وإخوته (من أنباء الغيب) أي من أخبار ما ~~غاب عنك علمه يا محمد (نوحيه إليك) يجبرائيل، لأنك لم تحضره ولا قرأته من ~~كتاب وقد أخبرت به لهم «8» كما جرى في الواقع، فاذا أنكروه صار ذلك تهكما ~~بهم «9» (وما كنت) يا محمد (لديهم) أي عند أولاد يعقوب (إذ أجمعوا أمرهم) ~~أي حين عزموا يالاتفاق على إلقاء يوسف في الجب «10» (وهم يمكرون) [102] أي ~~يحتالون ويبغون الغوائل ليوسف. ### || [سورة يوسف (12): الآيات 103 الى 104] # وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ~~ذكر للعالمين (104) # (وما أكثر الناس) أي لا يكون أكثر «11» أهل مكة، وقيل: عام لقريش وغيرهم ~~«12» (ولو حرصت) على إيمانهم (بمؤمنين) [103] بك. # روي: أن قريشا واليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، ~~فلما أخبرهم على ما وافق التورية لم يؤمنوا فاغتم النبي عليه السلام بذلك، ~~فقال تعالى: إنهم لا يؤمنون بك ولو كنت حريصا على أن يؤمنوا بك بالمبالغة ~~في طلب الإيمان منهم لتصممهم على الكفر أو لتقديري الكفر عليهم في علمي ~~السابق «13». # (وما تسئلهم عليه) أي على الإيمان والإرشاد أو على تبليغ الرسالة إليهم ~~(من أجر) أي جعلا (إن هو) أي ما هو القرآن المرشد (إلا ذكر للعالمين) [104] ~~أي عظة وتذكير للجن والإنس. ### || [سورة يوسف (12): آية 105] # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) # (وكأين من آية) أي وكم من علامة للتوحيد (في السماوات والأرض) من الشمس ~~والقمر والنجوم ومن الجبال والبحار والأشجار والأناسي والدواب وغير ذلك من ~~الأشياء الدالة على الوحدانية والخالقية في أسفارهم حال كونهم (يمرون ~~عليها) ويشاهدونها (وهم عنها معرضون) [105] لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. PageV02P253 ### || [سورة يوسف (12): آية 106] # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # ونزل فيمن يخلط الإيمان بالشرك «1» (وما يؤمن أكثرهم) في إقراره (بالله) ~~وبأنه ms0816 خلقه وخلق السموات والأرض (إلا وهم مشركون) [106] به وهم أهل الكتاب، ~~لأنهم إذا سئلوا من خلق السموات والأرض؟ # قالوا: الله، وإذا قيل لهم من ينزل القطر؟ قالوا: الله، ومع ذلك يعبدون ~~الأصنام فمعهم شرك وإيمان، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «هم المشركون من ~~العرب، كانوا يقولون في التلبية لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ~~ملك» «2». ### || [سورة يوسف (12): آية 107] # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) # ثم قال تعالى (أفأمنوا) أي أكفر أهل مكة أفأمنوا من (أن تأتيهم غاشية من ~~عذاب الله) أي عذاب من اله يغشاهم في الدين (أو تأتيهم الساعة بغتة) أي ~~فجأة، نصب على الحال (وهم لا يشعرون) [107] إتيانها، قال ابن عباس: «تهيج ~~الصيحة بالناس وهم في أسواقهم» «3». ### || [سورة يوسف (12): آية 108] # قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما ~~أنا من المشركين (108) # ثم قال لنبيه عليه السلام تنبيها على دين الحق ونفي الشرك «4» (قل هذه ~~سبيلي) أي هذه الدعوة التي أدعوا إليها، يعني الدعوة إلى الإيمان والشرائع ~~طريقتي وسنتي (أدعوا) الناس بها (إلى الله) أي إلى دينه (على بصيرة) أي مع ~~يقين وحجة واضحة، وهو نصب على الحال وعاملها «أدعوا»، و(أنا) تأكيد للضمير ~~في «أدعوا» (ومن اتبعني) باثبات الياء فيه إجماعا عطف على ذلك الضمير ~~للفصل، يعني أدعوا الخلق إلى الله ويدعوهم إليه من آمن بي على بصيرة، أي ~~معرفة يميز بها بين الحق والباطل، ويجوز أن يكون «أنا» فاعلا لقوله «على ~~بصيرة» و«من» عطفا عليه، وقيل: تم الكلام عند قوله «أدعوا إلى الله» ثم ~~استأنف على بصيرة أنا ومن اتبعني على نية التأخير، أي أنا ومن آمن بي على ~~«بصيرة» من الإيمان «5»، قيل: هم أصحاب رسول الله، لأنهم كانوا على أحسن ~~طريقة وأفضل هداية، وكانوا معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن «6»، قاله ~~ابن عباس (و) قل (سبحان الله) تنزيها له عما أشركوا (وما أنا من المشركين) ~~[108] فكذا من اتبعني ms0817 ليس من المشركين. ### || [سورة يوسف (12): آية 109] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون (109) # وقال كفار مكة الرسول ينبغي أن يكون من الملائكة لا من البشر فنزل «7» ~~(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) من البشر لم يكونوا من الملائكة (نوحي ~~إليهم) بالنون معلوما وبالياء مجهولا «8» (من أهل القرى) أي من أهل ~~الأمصار، لأنهم أعقل وأحلم. # قيل: لم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلظهم، غلبة الجفاء والقسوة ~~فيهم، ولا من الجن لقوتهم وميلهم إلى الفساد، ولا من النساء لغلبة جهلها ~~ونقصان عقلها «9» (أفلم يسيروا) أي أكذب هؤلاء المكذبون فلم يسافروا (في ~~الأرض فينظروا) أي فيعتبروا (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أي آخر أمرهم ~~من الأمم المكذبة للأنبياء فيتعظوا فيؤمنوا (ولدار الآخرة) أي الجنة (خير ~~للذين اتقوا) الشرك فآمنوا (أفلا تعقلون) [109] بالياء PageV02P254 # والتاء «1»، إن الآخرة خير من الدنيا للمتقين دون العاصين. ### || [سورة يوسف (12): آية 110] # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا ~~يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) # قوله (حتى) متعلقة بمحذوف، دل عليه سياق الكلام، كأنه قيل وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا، فتراخى نصرهم واستبطأ حتى (إذا استيأس) أي أيس (الرسل) من ~~إيمان قومهم أو طلبوا علم فلاح قومهم (وظنوا) أي وخطر في بالهم (أنهم قد ~~كذبوا) بالتخفيف والتشديد» «2»، أي أيقنوا في أنفسهم أنهم كذبهم قومهم بحيث ~~لا يرجى بعده إيمانهم (جاءهم نصرنا) أي جاء الرسل عوننا فجأة من غير احتساب ~~(فنجي) بنون واحدة مشددة مجهولا، فعل ماض من التنجية فالقائم مقام الفاعل ~~(من نشاء) من المؤمنين وبنونين مخففا معلوما مستقبلا من الإنجاء «3»، أخبر ~~تعالى عن نفسه ف «من نشاء» منصوب بأنه مفعول له، أي فنخلص من نشاء من عذاب ~~الكفار وهم المؤمنون بدليل قوله (ولا يرد بأسنا) أي عذابنا (عن القوم ~~المجرمين) [110] أي المشركين. ### || [سورة يوسف (12): آية 111] # لقد كان في قصصهم ms0818 عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) # (لقد كان في قصصهم) أي في قصة يوسف وإخوته أو في قصة الرسل (عبرة لأولي ~~الألباب) أي لذوي العقول لكي لا يحسد أحد أحدا أو لمن يعتبر بيوسف ويقتدي ~~به ويكافئ أحدا بسيئة، وقيل: العبرة الدلالة على نبوة محمد عليه السلام لمن ~~أراد أن يؤمن به «4» (ما كان) هذا القرآن (حديثا) أي كلاما (يفترى) به ~~يختلق من أحد (ولكن) كان القرآن وما ذكر فيه (تصديق الذي بين يديه) من ~~الكتب السماوية (وتفصيل كل شيء) أي كان القرآن بيان كل شيء، يحتاج إليه ~~العباد من الحلال والحرام والأمر والنهي (وهدى) أي وإرشادا من الضلالة ~~(ورحمة) أي وأمانا من العذاب (لقوم يؤمنون) [111] أي يصدقون به ويعملون بما فيه. PageV02P255 ### | سورة الرعد # مكية سوى آيتين وهما قوله «ولا يزال الذين كفروا» «1» الآية، وقوله ~~«ويقول الذين كفروا لست مرسلا» «2» الآية. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الرعد (13): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) # (المر) قال ابن عباس معناه «3»: «أنا الله أعلم وأرى» «4» ما تحت العرش ~~إلى الثرى أو أعلم وأرى ما يقول الخلق وما يعملون أو قسم أقسم الله به ~~وجوابه (تلك) أي الأخبار المقصوصة عليك (آيات الكتاب) أي التورية والإنجيل ~~والكتب المتقدمة النزول على الأنبياء قبلك، ثم استأنف بالواو فقال (والذي ~~أنزل إليك) أي هذا القرآن المنزل عليك (من ربك) أي من الله هو (الحق) لا ~~الباطل، فاعتصم به، فمحل «الذي» رفع مبتدأ، و«الحق» خبره (ولكن أكثر الناس) ~~من كفار مكة (لا يؤمنون) [1] أي لا يصدقون أنه من الله، قيل: نزلت السورة ~~حين قال مشركو مكة أن ما يقوله محمد من القرآن من تلقاء نفسه لا من الله ~~فرد قولهم به «5». ### || [سورة الرعد (13): آية 2] # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ms0819 يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) # ثم بين دلائل دالة على ربوبيته وتوحيده فقال (الله الذي رفع السماوات) ~~مبتدأ وخبر، أي الله رفعها (بغير عمد ترونها) بفتحتين، جمع عمود وعماد على ~~سبيل الشذوذ، إذ القياس بضمتين، ومحل «ترونها» جر صفة ل «عمد»، فالمعنى: أن ~~لها عمدا ولكن لا ترونها، وقيل: الضمير في «ترونها» راجع إلى «السماوات» ~~«6»، ومحلها نصب على الحال، فالمعنى نفي العمد أصلا، يعني ليس من دونها ~~دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها، والقائل بالعمد يزعم أنها جبل قاف، ~~وهو محيط بالدنيا والسماء عليها مثل بالقبة على الأرض (ثم استوى على العرش) ~~أي الله تعالى علا عليه من غير جهة (وسخر الشمس والقمر) لمنافع خلقه ليلا ~~ونهارا (كل يجري لأجل مسمى) أي هما مقهوران يجريان على ما يريده الله إلى ~~وقت معلوم، وهو فناء الدنيا (يدبر الأمر) خبر بعد خبر المبتدأ الأول «7»، ~~أي الله يقضي أمر خلقه وحده، وكذا (يفصل الآيات) أي يبين البراهين الدالة ~~على وحدانيته بتنزيل القرآن على الرسول (لعلكم بلقاء ربكم توقنون) [2] أي ~~لكي تصدقوا بوعده الذي هو البعث. ### || [سورة الرعد (13): آية 3] # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها ~~زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) # (وهو الذي مد الأرض) عطف على الجملة الاسمية قبله، أي الله بسطها من تحت ~~الكعبة على الماء (وجعل PageV02P256 # فيها رواسي) جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت، أي وخلق فيها جبالا ثوابت ~~لإرساء الأرض بها، لأن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة بمن ~~فيها، قال ابن عباس رضي الله عنه: «أول جبل وضع على وجه الأرض جبل أبي ~~قبيس» «1» (وأنهارا) أي وخلق فيها مياها جارية لمعاشكم (ومن كل الثمرات جعل ~~فيها) أي وخلق فيها حين بسطها من أجناس الفواكه (زوجين اثنين) أي زوجين ~~زوجين من جميع الأنواع، ثم زادت وتكثرت أو جعل من كل نوع منها حلوا وحامضا ~~أو المراد السواد والبياض أو الصغير والكبير (يغشي الليل ms0820 النهار) بالتخفيف ~~والتشديد «2»، أي يلبس النهار بظلمة الليل ويلبس الليل بضوء النهار، وهذا ~~من قبيل الاكتفاء لدلالة الكلام على أحدهما (إن في ذلك) أي فيما ذكر كله من ~~صنعه تعالى (لآيات) أي لبراهين (لقوم يتفكرون) [3] فيستدلون بها على ~~التوحيد والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب. ### || [سورة الرعد (13): آية 4] # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) # (وفي الأرض قطع متجاورات) أي بقاع مختلفة متقاربات، يعني يقرب بعضها من ~~بعض وهي مختلفة كالقطعة الطيبة تنبت في جنبها قطعة سبخة لا تنبت وكقليلة ~~الريع في جنبها كثيرة الريع (وجنات) بالرفع عطف على «قطع»، أي وفي الأرض ~~بساتين كثيرة (من أعناب) متنوعة (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) برفع كلها ~~عطف على «جنات»، وبجرها «3» عطف على ال «أعناب»، ف «صنوان» صفة ل «نخيل»، ~~جمع صنو، وهي النخلات يجمعها أصل واحد، وغير صنوان هي النخلة المنفردة ~~بأصلها، نظيرها قنوان جمع قنو ولا فرق بين التثنية والجمع فيهما «4» إلا في ~~الإعراب، لأن النون في التثنية مكسورة بعد الألف بلا تنوين، وفي الجمع ~~منونة مطلقا (يسقى بماء واحد) بالياء، أي يسقي ما ذكر كله بماء واحد، ~~والتاء «5»، أي تسقي الجنات بما فيها، وهو الأوجه لقوله (ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل) أي في الريع حيث لم يقل بعضه، وقيل: «الأكل» بضم الكاف ~~وسكونها الرزق وكل ما يؤكل «6»، و«الأكلة» بضم الهمزة اللقمة، وبالكسر ~~الحالة التي يؤكل عليها، وبالفتح المرة، المعنى: أن الماء واحد والتراب ~~واحد والثمار مختلفة في طعمها ولونها وريحها وشكلها، فدل ذلك على وحدانية ~~الله تعالى على من ضل عنها وأشرك، لأنه لو كان الخلقة بالماء والتراب لكان ~~في اقتضاء العقل عدم التفاوت في اللون والطعم والريح والشكل، وعدم التفاضل ~~في الجنس الواحد إذا نبت في جنة واحدة ويسقي بماء واحد، لكنه يختلف ويتفاضل ~~بصنع الإله اللطيف الخبير (إن في ذلك) أي في الذي ذكر ms0821 (لآيات) أي لدلالات ~~وعبرات (لقوم يعقلون) [4] أن ذلك كله من الله، فيؤمنون، قيل: «هذا مثل بني ~~آدم، أصلهم من أب واحد منهم صالح عاقل ومنهم خبيث غافل» «7»، وقيل: «مثل ~~لقلوبهم الطيبة والسخبة» «8»، كلاهما من قلب آدم عليه السلام فينزل من ~~السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع وتقسر قلوب فتلهو، قال الحسن البصري: «والله ~~ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان» «9». ### || [سورة الرعد (13): آية 5] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) PageV02P257 ### || [سورة الرعد (13): آية 5] # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) # (وإن تعجب) يا محمد من إنكارهم البعث (فعجب قولهم) أي فقولهم حقيق بأن ~~يتعجب منه مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عز وجل، وقد تقرر في الأذهان ~~أن الإعادة أهون من الابتداء، وهو (أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد) أي ~~إذا صرنا ترابا بعد الموت أنعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت، وقيل: معناه ~~وإن تعجب من تكذيب المشركين القرآن ومن عبادتهم الأصنام الجامدة فاعجب من ~~قولهم هذا أيضا «1»، فقوله «إذا» ظرف عامله محذوف وهو أنبعث، يدل عليه «أ ~~إنا لفي خلق جديد»، ومحل الجملة الاستفهامية نصب مفعول «قولهم» أو رفع بدل ~~منه، قرئ بهمزة واحدة مع المد للاستفهام في «أ إذا» و«أ إنا» وبهمزتين ~~محققتين في «أ إذا» وهمزة واحدة في «إنا»، وبهمزتين محققتين فيهما وبتسهيل ~~الهمزة الثانية فيهما وبهمزة واحدة في «إذا» والهمز والمد في «أ إنا» «2»، ~~لأن الشك في الثاني دون الأول (أولئك) أي منكرو البعث (الذين كفروا) أي هم ~~الكاملون في كفرهم (بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم) أي يغل أيديهم على ~~رقابهم يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم وحين دخلوا في النار أو هم الذين ~~منعوا عن الرشد بالأغلال في قلوبهم فلذلك أصروا في الكفر (وأولئك ms0822 أصحاب ~~النار) أي ملازمون بها (هم فيها خالدون) [5] أي لا ينفكون عنها ولا يموتون. ### || [سورة الرعد (13): آية 6] # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) # قوله (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) نزل حين سألوا رسول الله أن يأتيهم ~~العذاب استهزاء منهم بذلك «3»، والاستعجال طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، ~~والسيئة هنا العقوبة، والحسنة العافية، أي يطلب كفار مكة العقوبة قبل وقتها ~~بدل العافية، وهو قولهم «إن كان هذا هو الحق من عندك» «4» الآية (وقد خلت ~~من قبلهم) أي والحال أنه قد مضت قبل قريش (المثلات) أي عقوبات أمثالهم من ~~الأمم التي عصت ربها «5» وكذبت رسلها، فما لهم لا يعتبرون بهم، وهي جمع ~~مثلة بفتح الميم وضم الثاء مثل صدقة وصدقات، وهي العقوبة المماثلة لجناية ~~المعاقب عليه (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) أي مع ظلمهم أنفسهم ~~بالذنوب إن تابوا أو بتأخير العذاب عنهم، فالمراد من ال «مغفرة» الإمهال ~~والستر، ومحله نصب على الحال بمعنى ظالمين أنفسهم بالشرك والمعاصي (وإن ربك ~~لشديد العقاب) [6] لمن مات منهم على ظلمة ولم يتب قبل موته. ### || [سورة الرعد (13): آية 7] # ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد (7) # ثم قال تعالى (ويقول الذين كفروا لو لا) أي هلا (أنزل عليه آية من ربه) ~~أي حجة واضحة تدل على نبوته فلم يعتدوا بالآيات المنزلة على النبي عليه ~~السلام عنادا، فطلبوا مثل آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء ~~الموتى ليؤمنوا به، فقال تعالى لنبيه (إنما أنت منذر) أي مخوف لهذه الأمة ~~بتبليغ الرسالة (ولكل قوم PageV02P258 # هاد) [7] أي لكل أمة نبي يرشدهم إلى الله ودينه، وأنت مثلهم في الدعوة ~~والنصح وما عليك إلا الاتيان بما يصح به نبوتك وهو حاصل بكل آية تأتيك، إذ ~~الآيات كلها سواء في ذلك أو لكل قوم الله هاد يهديهم إن شاء أو أنت منذر ~~وهاد لكل قوم يا محمد بالدعوة إلى ms0823 الحق. ### || [سورة الرعد (13): آية 8] # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده ~~بمقدار (8) # ثم أومى إلى أن الهداية والضلالة من الله، لأنه خالق بعلمه لا يعلم ~~أهلهما إلا هو بقوله (الله) أي الهادي هو الله، تفسير ل «هاد»، ثم استؤنف ~~فقيل «1» (يعلم ما تحمل كل أنثى) من ذكر وأنثى وتام الخلق وناقصه، واحد أو ~~اثنين أو أكثر (وما تغيض الأرحام) أي وما تنقص من تسعة أشهر في الحمل، من ~~غاض الماء إذا نقص (وما تزداد) على التسعة الأشهر في الحمل، فنقصان الأرحام ~~وضعها لأقل من تسعة أشهر، وزيادتها وضعها لأكثر من تسعة أشهر إلى سنتين عند ~~أبي حنيفة رحمه الله وإلى أربع عند الشافعي وإلى خمس عند مالك «2». # روي: أن الضحاك ولد لسنتين «3»، وقال أحمد بن سلمة: «إنما سمي هرم بن ~~حيان عرما، لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين» «4»، وقيل: النقصان السقط ~~والزيادة تمام الخلق، وأقل مدة الحمل ستة أشهر فقد يولد الولد لهذه المدة ~~ويعيش «5»، وقيل: النقصان ضعف الولد لحيض أمه حاملا، والزيادة خلافه «6»، ~~وقيل: قلة الحمل وكثرته فقد تحمل المرأة بأربعة في بطن واحد ويعيشون «7»، ~~ويروى: أن شريك بن عبد الله من فقهاء المدينة كان رابع أربعة في بطن أمه ~~«8»، وقيل: قلة الحيض وكثرته «9» (وكل شيء عنده بمقدار) [8] أي كل شيء في ~~علمه مقدر معين بحد لا يتجاوزه ولا يقصر عنه. ### || [سورة الرعد (13): آية 9] # عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) # قوله (عالم الغيب والشهادة) بيان لذلك، أي هو يعلم ما غاب عن خلقه ويعلم ~~ما شاهدوه (الكبير) أي العظيم الذي كل شيء دونه (المتعال) [9] بالياء ~~وتركها «10»، أي المستعلي على كل شيء بعلمه وقدرته، ويجوز أن يكون «عالم» ~~مبتدأ، خبره «الكبير». ### || [سورة الرعد (13): الآيات 10 الى 11] # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~(10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد ms0824 الله بقوم سوءا فلا مرد له وما ~~لهم من دونه من وال (11) # ثم بين علمه بقوله (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) أي يستوي عند ~~الله من أخفى القول منكم ومن أظهر (ومن هو مستخف بالليل) أي مستتر بظلمة ~~الليل (وسارب بالنهار) [10] عطف على «من هو مستخف» لئلا يلزم كون الوصفين ~~لواحد أو عطف عليه على تأويل «من» في معنى الاثنين، أي ومن هو ذاهب في ~~سربه، أي في طريقه ومتصرفه في حوائجه بضوء النهار، السرب بفتح السين وسكون ~~الراء الطريق، أشار بذلك أن الجهر والإسرار في علمه تعالى سواء، فهو الفارق ~~بين علمه تعالى وبين علم غيره، والضمير في (له) ل «من»، أي PageV02P259 # للمسر بالقول والجاهر به، والمسخفي بالليل والسارب بالنهار (معقبات) أي ~~حفظة من الملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار، يعني إذا مضى فريق ~~يخلفه بعده فريق آخر، جمع معقبة، والتاء فيه للمبالغة كعلامة لا للتأنيث أو ~~الضمير في «له» لله، أي لله ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فاذا صعدت ~~ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار وبالعكس، والظاهر الأول، يعني له ~~من الله ملائكة يتعاقبون فيه (من بين يديه ومن خلفه) أي من قدام هذا ~~المستخفي «1» بالليل والسارب بالنهار ومن وراء ظهره (يحفظونه من أمر الله) ~~أي بأمره وإذنه من الذنب أو من نقمته إذا أذنب فيستمهلون الله له رجاء أن ~~يتوب «2»، ف «من» بمعنى الباء أو من بأسه ونوازله المقدرة له عند الموت، ~~وفي القبر وفي البعث أو من شر الجن والإنس ما لم يجئ القدر، فاذا جاء القدر ~~خلوا عنه، قال كعب الأحبار: «لو لا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في ~~مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفكم الجن» «3» أو «من» بمعنى لأجل، أي لأجل ما ~~أمرهم به من حفظه أو «من» بمعنى على، أي يحفظونه على ما أمرهم الله تعالى ~~حفظه، فحينئذ يكون هذه الآية في الملكين القاعدين عن اليمين والشمال يكتبان ~~الحسنات والسيئات، ومعنى «يحفظونه» أنهم يحفظون عليه من أمر الله، يعني ms0825 ~~الحسنات والسيئات، وقيل: الهاء في «له» لرسول الله عليه السلام «4»، أي ~~لمحمد حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، يعني من ~~شر الجن والإنس وطوارق الليل والنهار، قال ابن عباس رضي الله عنه: «نزل حين ~~أراد الكفار كعامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة الفتك بالنبي عليه السلام، فان ~~عامرا قال لصاحبه أربد: إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف، فجعل ~~عامر يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه في الكلام ويقول أسلم على ~~أن المدر لك والوبر لي، فقال عليه السلام: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، ~~ثم قال: لك الوبر ولي المدر، فأجابه مثل ذلك، ثم قال: ولي الأمر من بعدك، ~~فأجابه مثل ذلك، فغضب عامر عليه، فدار أربد من خلف النبي عليه السلام ~~ليضربه بالسيف، فأخرج من سيفه شبرا، ثم حبسه الله تعالى، فلم يقدر على سله، ~~وكان عامر يومي إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما ~~يصنع بسيفه، فقال عليه السلام: اللهم اكفنيهما بما شئت، فأرسل الله أربد ~~بالصاعقة في يوم صحو فأحرقته، وأرسل الله ملكا فلطم عامرا بجناحه فأداره في ~~التراب، وخرجت في ركبته في الوقت غدة كغدة البعير، فذهب إلى بيت امرأة ~~سلولية ولم ترض أن يموت عندها، فدعا عامر بفرسه فركبه، ثم أجراه حتى مات ~~على ظهره» «5»، فأجاب الله دعاء الرسول عليهما السلام، ثم أكد حفظ الله ~~عباده بقوله (إن الله لا يغير ما بقوم) أي لا يبدل حال قوم من نعمة أنعمهما ~~عليهم (حتى يغيروا) أي يبدلوا (ما بأنفسهم) من الحالة الجميلة بالمعصية ~~وترك الشكر (وإذا أراد الله بقوم سوءا) أي عذابا وهلاكا (فلا مرد له) أي لا ~~يرده شيء (وما لهم من دونه) أي ليس لقوم أراد تعالى هلاكهم من دون الله (من ~~وال) [11] أي ملجأ يلجؤون إليه أو من يلي أمرهم من أقربائهم ويمنع العذاب عنهم. ### || [سورة الرعد (13): آية 12] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) # (هو الذي ms0826 يريكم البرق خوفا) من الصاعقة وخراب البيوت والأشجار (وطمعا) أي ~~للمقيم والمسافر في نفع المطر، وقيل: الخوف من المطر في غير مكانه والطمع ~~إذا كان في مكانه «6»، قيل: من البلدان إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا ~~أخصبوا «7»، والمنصوبان مفعول لهما، أي إخافة وإطماعا أو حالان من ~~المخاطبين، أي خائفين وطامعين (وينشئ) عطف على «يريكم»، أي الله يبدئ ~~(السحاب الثقال) [12] بالمطر، جمع سحابة، قال على رضي الله عنه: «السحاب ~~غربال الماء» «8». PageV02P260 ### || [سورة الرعد (13): آية 13] # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13) # (ويسبح الرعد بحمده) وهو ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل والصوت ~~المسموع تسبيحه، وهو يؤلف بعض السحاب إلى بعض فيسوقه حيث يشاء الله ~~(والملائكة من خيفته) أي يسبح جميع الملائكة خائفين من هيبته وجلاله، وقيل: ~~المراد بهم أعوان الرعد «1» (ويرسل الصواعق) جمع صاعقة، وهي العذاب المهلك ~~ينزل من البرق (فيصيب بها من يشاء) من خلقه كما أصاب أربد بن ربيعة، قيل: ~~«الصاعقة تصيب المسلم والكافر ولا تصيب الذاكر» «2»، قال ابن عباس: «من سمع ~~صوت الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وهو على ~~كل شيء قدير، فان أصابته صاعقة فعلي ديته» «3»، روي عن النبي عليه السلام ~~حاكيا عن الله تعالى: «لو أن عبادي أطاعوني لسقيتم المطر بالليل، وأطلعت ~~عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد» «4»، وعن ابن عباس: «الرعد ملك ~~موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وإنه يحوز الماء في نقرة إبهامه وإنه ~~يسبح الله، فاذا سبح لا يبقي ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ~~ينزل المطر» «5»، قيل: «سأل رجل من طواغيت العرب» «6»، وقيل: من اليهود عن ~~النبي عليه السلام مم ربك؟ أمن در أم من ياقوت أم من ذهب؟ فقال عليه ~~السلام: «لا تزد على الله شيئا ارجع عن مقالتك فجعل يزيد مثلها فنزلت صاعقة ~~من السماء فأحرقته «7»، فذلك قوله (وهم يجادلون) أي يصيبهم الله بالصاعقة ~~وهم في جدالهم (في الله) بتكذيبهم ms0827 عظمته وتوحيده (وهو شديد المحال) [13] أي ~~الأخذ والقوة لمن يجادل فيه وهو بكسر الميم المكر فليحذر المجادل في الله ~~من مكره، لأنه يأخذه من حيث لا يشعر. ### || [سورة الرعد (13): آية 14] # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14) # (له دعوة الحق) أي لله تقبل دعوة الحق الذي هو نقيض الباطل، فاضافة ال ~~«دعوة» إليه كأضافة الكلمة إليه في قولك كلمة الحق، يعني للدلالة على أن ~~الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وإنها بمعزل عن الباطل، وهي التي دعا النبي ~~بها أربد وصاحبه، وفيه وعيد للكفرة على مجادلة رسول الله، لأن الله يجيب ~~دعوته إن دعا عليهم أو «لله التوحيد» «8»، قاله على رضي الله عنه أو «شهادة ~~أن لا إله إلا الله» «9»، قاله ابن عباس أو دعوة الصدق أو الدعاء بالإخلاص، ~~وهو «10» لا يكون إلا لله، فيجيب من يدعوه به فيعطيه سؤله إن كان فيه مصلحة ~~(والذين يدعون) أي يعبدون أصناما (من دونه لا يستجيبون لهم بشيء) أي لا ~~يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع أصلا (إلا كباسط كفيه) أي إلا استجابة ~~كاستجابة الماء الرجل «11» العطشان الذي يريد الماء من بعيد وبسط كفيه (إلى ~~الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) أي والحال أنه لا يبلغ الماء لبعده عنه، ~~وقيل: معناه أنه «12» كمن «13» بسط كفيه إلى الماء ويدعوه إلى نفسه بلسانه ~~فلا يأتيه أبدا لأنه جماد لا يشعر بدعائه «14» أو هو كالرجل الجالس على ~~شفير البئر وهو ماد يديه إلى البئر ولا تصلان قعرها ليأخذ من مائها ولا ~~يرتفع الماء إليه فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه، PageV02P261 # فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها آخر لا ينفعه إذا ~~دعاه إلى حاجته «1» (وما دعاء الكافرين) أصنامهم (إلا في ضلال) [14] أي في ~~هلاك، لأنه يضل عنهم إذا احتاجوا إليه في الآخرة أو وما دعاء الكافرين ربهم ~~إلا في ضلال يفوت ms0828 عنهم، لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى. ### || [سورة الرعد (13): آية 15] # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15) # (ولله يسجد من في السماوات والأرض) أي الملائكة والمؤمنون (طوعا) أي ~~طائعين (وكرها) أي كارهين، وهم المنافقون ومن أكره على السجود من الكفار ~~بالسيف أو المراد أنهم ينقادون لأحداث ما أراده فيهم من أفعاله شاؤا أو ~~أبوا، يعني لا يقدرون أن يمتنعوا عن ذلك، فالسجود بمعنى الخضوع والانقياد ~~(وظلالهم) عطف على «من»، أي ولله يسجد ظلال الساجدين أيضا طوعا وكرها أو ~~يسجد ظل المؤمن والكافر طوعا وهو كاره السجود له تعالى، وقيل: سجود الظلال ~~تنقلها من جانب إلى جانب «2»، وأراد بذلك تذليله لما يشاؤه من الفيء ~~والزوال والامتداد وضده (بالغدو والآصال) [15] أي بالبكر والعشايا، يعني ~~إذا سجدوا بالغدو والعشي يسجد معهم ظلالهم، والآصال جمع أصل وهو جمع أصيل ~~وهو ما بين العصر وغروب الشمس. ### || [سورة الرعد (13): آية 16] # قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل ~~شيء وهو الواحد القهار (16) # (قل من رب السماوات والأرض) أي قل يا محمد للمشركين بالاستفهام للإنكار ~~من خالقهما ومدبرهما، فان لم يعترفوا فأنت (قل الله) ربهما، وقيل: هم قالوا ~~أجب أنت يا محمد فأمره الله تعالى فقال: قل الله فاعترفوا بأن ربهما الله ~~«3»، ثم قال لهم إلزاما للحجة (قل أفاتخذتم) أي أعلمتم أن الله ربهما فبعده ~~آثرتم عليه (من دونه) أي من دون الله (أولياء) أي أصناما تعبدونها (لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا) فكيف يملكون لكم، فكيف يتخذ وليا ويعبد من لا ~~يملك لنفسه ولا لغيره شيئا من النفع والضر (قل هل يستوي الأعمى والبصير) أي ~~الجاهل والعالم أو الكافر والمؤمن (أم هل تستوي) بالتاء والياء «4» ~~(الظلمات والنور) أي الكفر والإيمان، يعني كما لا يستوي الأعمى والبصير في ~~الحس لا ms0829 يستوي المؤمن والكافر، وكما لا يستوي الظلمات والنور كذلك لا يستوي ~~الكفر والإيمان، و«هل» فيه للإنكار و«أم» بمعنى بل «5»، والهمزة للإنكار في ~~قوله (أم جعلوا) والميم صلة أو «أم» بمعنى بل مع الإنكار، أي لم يتخذوا ~~(لله شركاء خلقوا) أي آلهة يخلقون شيئا (كخلقه) أي يشبه خلق الله (فتشابه ~~الخلق عليهم) أي فاشتبه عليهم ما خلقوه بما خلقه الله عز وجل، فلا يدرون ما ~~خلق الله وما خلق آلهتهم، واعتقدوا أن آلهتهم قدروا على الخلق كما قدر الله ~~عليه فاستحقوا العبادة فاتخذوهم له شركاء في العبادة، فاذا علموا أن آلهتهم ~~عجزة عن الخلق فكيف يعبدونهم كما يعبدون «6» الله، ولم يفرقوا بين الخالق ~~وغير الخالق (قل الله خالق كل شيء) بلا شريك في خلقه فيعبد بلا شركة في ~~العبادة (وهو الواحد القهار) [16] أي الله الواحد الذي لا شريك له في ~~الربوبية القهار الذي يغلب ما عداه بالإفناء ولا يغلبه أحد من خلقه. ### || [سورة الرعد (13): آية 17] # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) # ثم ضرب الله أيضا مثلين للحق والباطل تأكيدا بقوله (أنزل من السماء) أي ~~الله أنزل من السحاب (ماء PageV02P262 # فسالت) من ذلك الماء (أودية) جمع واد على الشذوذ، لأن فعيلا يجمع على ~~أفعلة لا فاعلا، والتنوين فيها للتقليل، لأن المطر يأتي بالمناوبة فيسيل ~~بعض الأودية دون بعض، وقوله (بقدرها) صفة «أودية»، أي سال الماء في الوادي ~~الكبير بقدره، وفي الوادي الصغير بقدره أو بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع ~~للممطور عليهم غير ضار، فقوله «بقدرها» بيان ما ينتفع به من الماء (فاحتمل ~~السيل) الذي حدث من ذلك الماء (زبدا) وهو ما علا على وجه الماء من الخبث ~~كالرغوة على اللبن إذا غلا في القدر (رابيا) أي مرتفعا منتفخا فوق الماء، ~~فقوله «أنزل من السماء ماء» ms0830 مثل القرآن الذي هو الحق، والأودية مثل القلوب، ~~والسيل مثل كثرة علم القرآن الجاري في نهر القلب، فيغسله ويزكيه من الغفلة ~~والزبد مثل الباطل الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية يريد أن ~~القرآن نزل من الله على العباد، فاحتمل منه قلوب أصحاب اليقين على قدر ~~يقينهم بعد أن رفع الشك والجهل والباطل التي كانت بهم فرمي بها عن قلوبهم ~~واضمحلت كما يذهب السيل بالزبد العالي على وجه الماء المختلط بأجناس كثيرة ~~منقطعا ممحوا، ويبقي الماء الصافي الباقي في الأودية من الأرض فينتفع الناس ~~به، قوله (ومما يوقدون) بالتاء والياء «1» (عليه في النار) مثل آخر و«من» ~~للتبعيض، والإيقاد جعل النار تحت شيء أو فوقه ليذوب، وهو مرفوع المحل خبر ~~المبتدأ، أي ومن بعض الجواهر الذي يستوقدون عليه في النار ليذوب ويبقى ~~خالصا كالذهب والفضة (ابتغاء حلية) مفعول له، أي لالتماس زينة يلبسونها ~~يخرج منهما الخبث ويبقيان خالصين (أو متاع) عطف على «حلية»، وفائدة ذكرهما ~~بيان وجه الانتفاع بما يوقد «2» عليه في النار ويذاب «3» من الجواهر وهو ~~الحلية والمتاع، أي لطلب متاع وهو ما ينتفع به من غير الذهب والفضة كالحديد ~~والنحاس والصفر تذاب وتتخذ «4» منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها «5» ~~(زبد) مرفوع بالابتداء للخبر المتقدم وهو مما يوقدون «6»، يعني ينشأ منه ~~زبد (مثله) صفة ال «زبد»، المعنى: ومما يوقد عليه له زبد أيضا إذا أذيب مثل ~~زبد الماء، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل القرآن الحق، والزبد الذي لا ~~ينتفع به مثل الباطل والشك، ويجوز أن يكون هذه الأمثال للمؤمن والكافر، ~~فالمؤمن عمله واعتقاده كالماء المنتفع به، والكافر عمله واعتقاده كالزبد ~~الزائل الذاهب (كذلك) أي مثل ذلك البيان (يضرب) أي يبين (الله الحق ~~والباطل) بالمثل كما هو عادة العرب في توضيح الكلام المقصود لإقامة الحجة ~~على المخاطب (فأما الزبد) الذي علا السيل والجوهر المذاب (فيذهب جفاء) أي ~~ضائعا سريعا، والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد والقدر إلى الجانب عن ~~الغليان وإذا سكنت لم يبق فيها شيء، فهو مثل الباطل، لأنه ms0831 لو علا الحق في ~~وقت ما فانه يضمحل سريعا (وأما ما ينفع الناس) من الماء الصافي والجوهر ~~الصافي (فيمكث في الأرض) أي يبقى فيها ولا يذهب فينبت المرعى ينتفع منه ~~الدواب والأناسي، وكذلك الجوهر المذاب الذي ذهب خبثه ينتفع به الناس للحلية ~~واتخاذ المتاع (كذلك يضرب الله الأمثال) [17] ليظهر الحق من الباطل. ### || [سورة الرعد (13): آية 18] # للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس ~~المهاد (18) # قوله (للذين استجابوا لربهم) أي للمطيعين لله في الدنيا بالطاعات ~~(الحسنى) أي المثوبة الفضلى وهي الجنة في الآخرة، يجوز أن يكون كلاما ~~مستأنفا بأن يكون «الحسنى» مبتدأ، خبره «للذين استجابوا»، ويجوز أن يتعلق ب ~~«يضرب»، أي كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الذين أجابوا ربهم، و«الحسنى» ~~صفة لمصدر PageV02P263 # «استجابوا»، أي استجابوا الاستجابة الحسنى، قوله (والذين لم يستجيبوا له) ~~أي لم يجيبوا ربهم ولم يطيعوه في الدنيا، وهم الكافرون، يجوز أن يكون عطفا ~~على «للذين»، ويجوز أن يكون مبتدأ، خبره (لو) ثبت (أن لهم ما في الأرض ~~جميعا) يوم القيامة (ومثله معه) أي وضعفه «1» مع ما في الأرض جميعا ~~(لافتدوا به) أي لبذلوه افتداء لأنفسهم من النار، ولو افتدوا به «2» لا ~~يقبل منهم (أولئك) أي أهل هذه الصفة (لهم سوء الحساب) أي المناقشة أو ~~المجازاة بجميع ذنوبهم مع التوبيخ، قيل: «سوء الحساب هو الذنب الذي «3» ~~يحاسب به العبد يوم القيامة ثم لا يغفر له» «4» (ومأواهم) أي مستقرهم بعد ~~المناقشة (جهنم وبئس المهاد) [18] أي ساء الفراش الممهود لهم في النار. ### || [سورة الرعد (13): آية 19] # أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا ~~الألباب (19) # قوله (أفمن يعلم) أي أبعد ما ضرب من المثل المذكور للعالم والجاهل فمن ~~يوقن (أنما أنزل إليك) أي أن الذي أنزله إليك بجبريل (من ربك الحق) فآمن به ~~وعمل بما فيه (كمن هو أعمى) عنه لا يعلمه ولا يعمل به، قيل: نزلت الآية ms0832 في ~~حمزة وأبي جهل فعمت «5»، والهمزة الداخلة على الفاء العاطفة لإنكار «6» ~~الشبه والتسوية «7»، يعني لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصره ولا ~~يتبعه (إنما يتذكر) أي لا يتعظ (أولوا الألباب) [19] أي ذوو العقول من ~~الناس، وهم المؤمنون المستبصرون. ### || [سورة الرعد (13): آية 20] # الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) # ثم وصفهم بقوله (الذين يوفون بعهد الله) أي بما أمرهم به وفرضه عليهم فلا ~~يخالفونه «8» (ولا ينقضون الميثاق) [20] أي العهد الذي أخذ الله عليهم في ~~كتابهم أو الميثاق الذي أخذه على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه. ### || [سورة الرعد (13): آية 21] # والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) # (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل) بدل من المجرور، أي يصلون الأرحام ~~التي أمروا بأن يصلوها ولا يقطعونها، فالمراد من ذلك صلة الرحم، وقيل: ~~الإيمان بجميع الرسل والكتب من غير فرق بينهما «9»، والأكثر على الأول، قال ~~النبي عليه السلام: «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا ~~مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» «10»، وقال عليه السلام: ~~«ثلاثة تحت العرش يوم القيامة القرآن يحاج العباد له ظهر وبطن والأمانة ~~والرحم ينادي ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» «11»، وقال عليه ~~السلام: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» «12»، ~~وأراد من الأثر العمر ومن النسأ التأخير «13»، وقيل: يدخل في معنى الآية من ~~التواصل جميع أبواب البر والإحسان كعيادة مريض وإجابة دعوة شرعية واتباع ~~جنازة والتحاب في الله والإنعام إلى كل من يحتاج إليك بكل شيء أمكنك ولو ~~باعانة بحق «14» (ويخشون ربهم) أي يمتنعون عما نهاهم الله عنه خوفا منه ~~تعالى، والخشية هي الامتناع عن حرمات الله (ويخافون سوء الحساب) [21] أي ~~شدته خصوصا. PageV02P264 ### || [سورة الرعد (13): آية 22] # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) # (والذين صبروا) على طاعة الله وعلى المصائب وعلى ms0833 أذى الكفار والمنافقين ~~وعن المعاصي (ابتغاء وجه ربهم) أي لطلب مرضات الله (وأقاموا الصلاة) أي ~~أتموها في مواقيتها (وأنفقوا مما رزقناهم) من الأموال (سرا) في النوافل ~~دفعا للرياء (وعلانية) في الفرائض نفيا للتهمة وطلبا لاقتداء الغير بهم ~~(ويدرؤن) أي يدفعون (بالحسنة) أي بصالح العمل (السيئة) أي السي من العمل ~~كقوله إن الحسنات يذهبن السيئات «1»، قال عليه السلام: «إذا عملت سيئة ~~فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» «2»، وقيل: ~~«معناه يدفعون الذنب بالتوبة ويدفعون الشر بالخير ولا يكافئون الشر بالشر» ~~«3»، قيل: «هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة» «4» (أولئك لهم ~~عقبى الدار) [22] أي أهل هذه الخلال عاقبتهم دار الثواب. ### || [سورة الرعد (13): الآيات 23 الى 24] # جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) # ثم بين تلك الدار بقوله (جنات عدن) أي بساتين إقامة (يدخلونها ومن صلح) ~~أي من أطاع الله ورسوله بالإيمان وعمل الخير (من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) ~~أي يدخلون الجنة بجميع أهليهم تكميلا لفرحهم، وفيه إعلام بأن الأنساب لا ~~تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) ~~[23] من أبواب الجنة أو من أبواب القصور يقولون (سلام عليكم) منا أي سلمكم ~~الله من الآفات التي كنتم تخافون منها، قيل: «يدخلون عليهم في مقدار يوم ~~وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف من الله، يقولون سلام ~~عليكم» «5» (بما صبرتم) على أمر الله وطاعته، يعني هذا الثواب والاستراحة ~~والتنعم الأبدي لكم في هذه الدار بسبب صبركم على المشاق والمتاعب في الدنيا ~~(فنعم عقبى الدار) [24] أي نعم العاقبة الجنة التي تدورون فيها أبدا. ### || [سورة الرعد (13): آية 25] # والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) # ثم بين حال الكفار وما أعد لهم من العقاب فقال (والذين ينقضون عهد الله ~~من بعد ميثاقه) أي بعد تأكيده وتغليظه بالإقرار والإشهاد على ms0834 التوحيد يوم ~~الميثاق (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) وهو صلة الأرحام، وقيل: الإيمان ~~بالأنبياء وكتبهم وهم يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض «6» (ويفسدون في ~~الأرض) أي يعملون بالمعاصي من الكبائر أو يدعون إلى عبادة غير الله تعالى ~~(أولئك لهم اللعنة) أي الطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة (ولهم سوء ~~الدار) [25] أي سوء المنقلب وهو النار، لأن منقلب الناس دورهم. ### || [سورة الرعد (13): آية 26] # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا ~~في الآخرة إلا متاع (26) # ثم نزل فيمن يفرح بالدنيا ويفتخر ويغتر بها «7» (الله يبسط الرزق) أي ~~يوسعه (لمن يشاء) من عباده لحكمة يعلمها (ويقدر) أي ويضيق على من يشاء، ~~لأنه يعلم أن صالحه فيه (و) هم قد (فرحوا بالحياة الدنيا) أي بما بسط لهم ~~من الدنيا فرح بطر لا فرح شكر وسرور بفضل الله تعالى، والفرح لذة في القلب ~~بنيل المشتهى، وهو تعريض PageV02P265 # لأهل مكة المفتخرين بالدنيا والمستهزئين بالفقراء لفقرهم، وفيه دليل أن ~~الفرح بالدنيا حرام (وما الحياة الدنيا في الآخرة) أي كائنة في جنب الآخرة، ~~فهو حال لا ظرف ل «الحياة» ولا ل «الدنيا»، أي ليس نعيم الدنيا في جنب نعيم ~~الآخرة (إلا متاع) [26] أي إلا قليل ذاهب كالسكرجة والقدح والقدر ويتمتع به ~~زمانا قليلا ثم يذهب. ### || [سورة الرعد (13): آية 27] # ويقول الذين كفروا لو لا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) # (ويقول الذين كفروا) من أهل مكة (لو لا) أي هلا (أنزل عليه) أي على محمد ~~(آية من ربه) أي علامة لنبوته من الله فنزل تجهيلا لهم وتعجيبا من حالهم ~~وسؤالهم بعد ما شاهدوا الآيات على صدقه «1» (قل إن الله يضل من يشاء) من ~~عباده عن الهدى إذا لم يرغب فيه بعقله وهو في قوة قوله ما أعظم كفركم ~~وتصميمكم عليه، فليس هذا إلا من إرادة الضلال منكم، ومن يضلل فلا هادي له ~~(ويهدي إليه) أي ويرشد إلى دينه (من أناب) [27] أي رجع عما ms0835 هو عليه من ~~الكفر إلى الحق بالرغبة فيه. ### || [سورة الرعد (13): آية 28] # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) # قوله (الذين آمنوا) في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف أو في محل النصب بدل من ~~قوله «أناب»، أي يهدي الذين أخلصوا إيمانهم بالله (وتطمئن) أي تسكن من غير ~~ريب (قلوبهم بذكر الله) أي بوحدانيته ويستقر فيه اليقين أو بذكره إذا ذكروه ~~ولا تنافي بينه وبين قوله «إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» «2» لاستحالة ~~اجتماعهما في قلب واحد في حالة واحدة، لأن رجل القلب يقع عند الوعيد ~~والطمأنينة عند الوعد، وقيل: القلوب إذا ذكرت عدل الله، وشدة حسابه توجل ~~وإذا ذكرت فضل الله وكرمه تطمئن «3»، وأكد ذلك بقوله (ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب) [28] أي تسكن وترضى ولا تضطرب بعد خوفها وقلقها وهي قلوب المؤمنين. ### || [سورة الرعد (13): آية 29] # الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) # ثم قال مستأنفا لبيان ما أعد لهم في الآخرة (الذين آمنوا) أي صدقوا بالله ~~وبمحمد عليه السلام وبالقرآن (وعملوا الصالحات) أي الخيرات من الفرائض ~~والنوافل (طوبى) أي غبطة وسرور لهم (لهم وحسن مآب) [29] أي وحسن المنقلب ~~يوم البعث. # قال ابن عباس رضي الله عنه: «طوبي قرة عين وفرح قلب وحيوة طيبة «4»، فعلى ~~من الطيب وهو الخير، والواو فيه لضمة الطاء، أصله طيبي، وقيل: «طوبى اسم ~~شجرة في الجنة تظل الجنان كلها» «5»، وقيل: «شجرة في جنة عدن، أصلها في دار ~~النبي عليه السلام فيها وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ولا ~~زهرة إلا وفيها منها إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها ~~منها ينبع من أصلها عينان والكافور والسلسبيل» «6»، «كل ورقة منها تظل أمة ~~عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح» «7»، «غرسها الله بيده ونفخ فيها من ~~روحه تنبت الحلي والخلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» «8». # قال أبو هريرة: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة» «9»، ~~وروي: لو أن أحدكم ركب جوادا لمات هرما قبل ms0836 أن يطوف بها، ما في الجنة نهر ~~إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة، يقول الله تعالى لها تفتقي لعبدي كما يشاء ~~فتتفتق له عن فرس بسرجة ولجامه وهيئته كما يشاء «10». ### || [سورة الرعد (13): آية 30] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) PageV02P266 # (كذلك) أي مثل ذلك إرسالنا الرسل قبلك يا محمد (أرسلناك) إرسالا له فضل ~~على سائر الإرسالات (في أمة قد خلت) أي مضت (من قبلها) أي قبل تلك الأمة ~~(أمم) كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الرسل (لتتلوا) أي لتقرأ (عليهم الذي ~~أوحينا إليك) من القرآن العظيم (وهم يكفرون بالرحمن) أي يجحدون بالله ~~البليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، ويكذبونه ويقولون: ما نعرف الرحمن ~~إلا مسليمة الكذاب. # قيل: الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية «1»، والمعروف أن الآية مكية، ~~وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي عليه السلام وهو في الحجر يدعو يا الله ~~يا رحمن، فرجع إلى المشركين وقال: إن محمدا يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو ~~إلها آخر يسمي الرحمن ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ~~ونزل «قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن» «2» الآية «3»، وقيل: نزلت هذه الآية ~~في كفار قريش حين قال لهم النبي عليه السلام اسجدوا للرحمن! قالوا: وما ~~الرحمن؟ «4» فقال تعالى (قل) يا محمد (هو) أي الرحمن الذي كفرتم به (ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت) أي اعتمدت (وإليه متاب) [30] أي توبتي ومرجعي في ~~الآخرة. ### || [سورة الرعد (13): آية 31] # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) # قوله (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) نزل حين طلب المشركون في ms0837 مكة، منهم ~~أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وغيرهما جالسين خلف الكعبة من النبي عليه ~~السلام إزالة جبال مكة، فقالوا: يا محمد سير جبالنا بالقرآن الذي تقرأ حتى ~~تنفسح مكة، فانها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا لنغرس ~~الأشجار ونتخذ البساتين كما فعل الله لسليمان الريح، وسخر الجبال لداود ~~يسبحن معه ولست بأهون على ربك من سليمان وداود، ثم قالوا: وأحي لنا جدك ~~قصيا أو من شئت من موتانا لنسأله عن أمرك، أحق ما تقول أم باطل كعيسي، فانه ~~يحيي الموتى ويظهر به صدقه «5»، فقال تعالى ولو سيرت الجبال بقرآن عن ~~أماكنها (أو قطعت به الأرض) أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا (أو كلم به ~~الموتى) لتصديق نبي من الأنبياء، وجواب «لو» محذوف، وهو لكان هذا القرآن أو ~~لكفروا بالرحمن بدلالة قوله «وهم يكفرون بالرحمن» أو لم يؤمنوا به لما سبق ~~من علمنا فيهم (بل لله الأمر) أي أمر خلقه (جميعا) فيتصرف فيهم كما يشاء من ~~الهداية والضلالة لا راد لحكمه، قوله (أفلم ييأس) أي ألم يخبر بالوحي عليك ~~فلم يعلم (الذين آمنوا) نزل حين سمع المؤمنون سؤال المشركين من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وطمعوا أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا «6»، فقال تعالى ~~ألم يتبين للمؤمنين، يعني للصحابة من إيمان هؤلاء الذين وصفوا بأنهم لا ~~يؤمنون (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) فآمنوا يعني أنهم ليسوا أهلا ~~لذلك فلم يهدهم (ولا يزال الذين كفروا) من أهل مكة (تصيبهم بما صنعوا) من ~~كفرهم وسوء أعمالهم (قارعة) أي داهية تقرعهم من أنواع البلاء أحيانا بالجدب ~~وأحيانا بالسلب وأحيانا بالقتل والأسر أو المراد سرية من سرايا رسول الله ~~يبعثها فيأتيهم وتصيبهم منهم شدة (أو تحل) أي تنزل القارعة أو أنت يا محمد ~~(قريبا من دارهم) يعني من مكة بجماعة أصحابك (حتى يأتي وعد الله) أي الفتح ~~والنصرة لظهور الرسول عليه السلام ودينه، وقيل: يوم القيامة «7» (إن الله ~~لا يخلف الميعاد) [31] أي لا يفعل كل ما وعد من فتح ms0838 مكة وغيره. PageV02P267 ### || [سورة الرعد (13): آية 32] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) # وكان الكفار يسألون عن هذه الأشياء منه عليه السلام على سبيل الاستهزاء، ~~فأنزل الله تسلية لنبيه عليه السلام «1» (ولقد استهزئ برسل من قبلك) كما ~~استهزئ بك (فأمليت) أي أمهلت وأطلت لهم «2» المدة (للذين كفروا) بعد ~~الاستهزاء ولم أعاقبهم (ثم أخذتهم) أي عاقبتهم بعد الإمهال في الدنيا ~~بالقتل وفي الآخرة بالنار (فكيف كان عقاب) [32] أي عقوبتي بهم وتغييري ~~عليهم بالعذاب ولم ير النبي عليه السلام ذلك إلا أنه علم بحقيقته بأعلام ~~الله، فكأنه رأى عيانا، قيل: إنه تعجيب من شدة أخذه لهم «3». ### || [سورة الرعد (13): آية 33] # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن ~~السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33) # ثم احتج على هؤلاء المشركين موبخا بالاستفهام بقوله (أفمن هو قائم) أي ~~رقيب وهو الله تعالى (على كل نفس بما كسبت) من صالح أو طالح يحفظها ويرزعها ~~ويجازيها بما عملت، وجوابه مضمر، وهو كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه وعن ~~ذرة، وهذا كقوله «أ فمن يخلق كمن لا يخلق» «4»، ثم أخبر عنهم مع هذا الحال، ~~فقال تجهيلا لهم وتعجيبا منهم (وجعلوا لله شركاء) عاجزين عن النفع والضر ~~(قل سموهم) أي بينوا الشركاء بأسمائهم وصفاتهم، ثم انظروا هل هي أهل لأن ~~تعبد «5» أم لا (أم تنبئونه) أي بل تخبرون الله (بما لا يعلم) أي بشيء لا ~~يعلم من آلهتهم (في الأرض) وهو محال، فانه يعلم أنه ليس لها قدرة في الأرض ~~ويعلم أن ليس له شريك فيها (أم) أي بل تخبرون (بظاهر من القول) مسموع وهو ~~في الحقيقة باطل لا أصل له، يعني أتقولون قولا بلا برهان؟ فهو أدنى من أن ~~يتعلق به العلم فيتعلق به الجهل لقيام البرهان القطعي على خلاف ذلك، وهو ~~تنزيه عن الشريك الموجب لتوحيده، ms0839 فليس لهم حجة على قولهم (بل زين للذين ~~كفروا) من أهل مكة (مكرهم) أي كيدهم وهو قولهم بالشرك عن جهل (وصدوا) ~~مجهولا، أي منعوا والمانع الشيطان، ومعلوما «6»، أي هم منعوا الناس (عن ~~السبيل) أي عن دين الله (ومن يضلل الله) بخذلانه إياه (فما له من هاد) [33] ~~أي مرشد إلى دينه غير الله. ### || [سورة الرعد (13): آية 34] # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34) # (لهم عذاب في الحياة الدنيا) بالقتل والأسر بكفرهم (ولعذاب الآخرة أشق) ~~أي أشد من عذاب الدنيا (وما لهم من الله من واق) [34] أي من جهته أو رحمته ~~مانع يحفظهم ويمنعهم من العذاب. ### || [سورة الرعد (13): آية 35] # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) # ثم أخبر تعالى عما أعد للمتقين في الآخرة فقال (مثل الجنة التي وعد ~~المتقون) من الشرك والمعاصي رفعه بالابتداء عند سيبويه، خبره محذوف، ~~تقديره: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة، وقال غيره الخبر (تجري) أي صفة الجنة ~~تجري «7» (من تحتها الأنهار) وقيل: المثل مقحم «8»، وقيل تقديره: «مثل ~~الجنة جنة تجري» «9»، حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه تمثيلا لما غاب عنا ~~بما نشاهد (أكلها) أي ما يؤكل فيها من الثمر وغيره (دائم) لا ينقطع (وظلها) ~~دائم أيضا لا يزول بزوال الشمس، إذ ليس فيها شمس (تلك) أي الجنة (عقبى ~~الذين اتقوا) أي PageV02P268 # مصير المتقين من الشرك والمعصية (وعقبى) أي ومصير (الكافرين النار) [35] ~~يعذبون فيها أبدا. ### || [سورة الرعد (13): آية 36] # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل ~~إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) # (والذين آتيناهم الكتاب) أي أعطيناهم القرآن أو التورية، وهم الصحابة أو ~~المؤمنون كعبد الله بن سلام وأصحابه (يفرحون بما أنزل إليك) أي يعجبون بذكر ~~الرحمن بسبب الآيات النازلة منه تعالى (ومن الأحزاب) الذين تحزبوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب ابن الأشرف وأصحابه والسيد ms0840 والعاقب ~~(من ينكر بعضه) أي بعض القرآن، لأنهم واقفوا في ذكر القصص وبعض الأحكام ~~والمعاني مما هو ثابت في كتابهم غير محرف، وينكرون نعت الإسلام ونعت النبي ~~وما فيه نسخ شرائعهم مما حرفوه، قيل: آمن اليهود بسورة يوسف وكفر مشركوا ~~مكة بجميعه «1»، فقال تعالى جوابا لمنكري القرآن (قل) يا محمد (إنما أمرت ~~أن أعبد الله) أي أقيم على توحيده (ولا أشرك به) شيئا وإنكاركم له إنكار ~~لتوحيد الله وعبادته مع أنكم تدعون وجوب عبادة الله وأن لا يشرك به، ~~والجملة في محل النصب على الحال، أي غير مشرك به (إليه أدعوا) أي إلى الله ~~أدعوا الخلق، يعني إلى توحيده ودينه ولا أدعوهم إلى غيره أو إليه أدعو في ~~جميع مهامي (وإليه مآب) [36] أي مرجعي في كل حال وإن خالفتموني. ### || [سورة الرعد (13): آية 37] # وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك ~~من الله من ولي ولا واق (37) # (وكذلك) أي مثل ما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم (أنزلناه) أي القرآن ~~عليك بجبريل (حكما عربيا) وهو نصب على الحال، أي: والحال أنه حكم بلغة ~~العرب لتحكم به بين الناس وتعرفهم شرائع الإسلام، قيل: جاؤا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يطلبون أن يوافقهم في الملة أو في القبلة فنزل «2» ~~(ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك) أي بعد الذي نزل بك (من العلم) أن قبلتك ~~نحو الكعبة أو بعد العلم بأنهم كفار (ما لك من الله) أي ليس لك حينئذ من ~~عذابه (من ولي) أي قريب ينفعك أو ناصر ينصرك (ولا واق) [37] أي حافظ يحفظك ~~منه، خاطب به النبي عليه السلام وحرض السامعين من الناس ليتنبهوا به ~~ويتمسكوا بالدين رغبا ورهبا ولا يتزلزلوا بعد الثبات بالحجة عند الشبهة. ### || [سورة الرعد (13): آية 38] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي ~~بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) # قوله (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) نزل حين اقترحوا على النبي عليه السلام ~~آية ظاهرة ms0841 تدل على صدق نبوته وحين عيروه بكثرة الزوجات، وقالوا: لو كان هذا ~~نبيا لشغلته النبوة عن تزوج النساء «3»، فقال تعالى مجيبا عنهما لقد بعثنا ~~أنبياء قبلك إلى الأمم المتقدمة (وجعلنا لهم أزواجا وذرية) من نسائهم ~~وبناتهم وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فان داود كان ~~له مائة امرأة «4»، ولسليمان ثلثمائة امرأة «5» (وما كان لرسول) من الرسل ~~قبلك (أن يأتي بآية) إلى قومه (إلا بإذن الله) أي بأمره لا باختياره ورأيه، ~~لأنه عاجز عنه ولأن الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلا ~~يأتي بها إلا إذا جاء أجلها، ثم بين ذلك بقوله PageV02P269 # (لكل أجل كتاب) [38] أي لكل وقت حكم يكتب على العباد، يعني كل شيء قضاه ~~الله على خلقه في اللوح، يجب أن يكون في وقت معلوم «1» لا يزاد عليه ولا ~~ينقص منه أو لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، وقيل: لكل كتاب من الكتب المنزلة ~~وقت معلوم لله ينزل فيه، فهذا من الكلام الذي فيه تقديم وتأخير «2». ### || [سورة الرعد (13): آية 39] # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) # (يمحوا الله ما يشاء) من الفرائض والشرائع فينسخه (ويثبت) ما يشاء منها ~~فلا ينسخه، قرئ مخففا ومشددا «3»، وقيل: يمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس ~~بحسنة ولا بسيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ويثبت غير ذلك «4»، قالت ~~عائشة رضي الله عنها: «إن الحفظة إذا رفعت ديوان العبد، فان كان في أوله ~~وآخره خير يمحو الله ما بينهما من السيئات وإن لم يكن في أوله وآخره حسنات ~~يثبت ما فيه من السيئات» «5»، وقيل: # يمحو الله المعرفة عن قلب من يشاء ويثبت في قلب من يشاء «6»، وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه: «يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا السعادة والشقاوة والرزق ~~والأجل» «7»، وقال ابن عمر وابن مسعود: «يمحو الله السعادة والشقاوة والرزق ~~والأجل ويثبت ما يشاء» «8»، روي: أن ابن عمر كان يطوف بالبيت وهو يبكي ~~ويقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فاثبتني فيها، وإن كنت كتبتني ~~على الشقاوة ms0842 فامحني واثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فانك تمحو ما تشاء ~~وتثبت» «9» (وعنده أم الكتاب) [39] أي أصله الذي كتب فيه كل شيء قبل أن ~~يخلق الخلق، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير، وقيل: «عنده كتابان ~~كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب الذي لا يغير منه ~~شيء» «10»، قال ابن عباس: «إن لله لوحا محفوظا ميسرة خمسمائة عام من درة ~~بيضاء لها دفتان من ياقوت لله فيه كل يوم ثلثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ~~ويثبت وعنده أم الكتاب» «11». ### || [سورة الرعد (13): آية 40] # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40) # (وإن ما نرينك) شرط و«ما» زائدة لتأكيده، أي إن نرينك (بعض الذي نعدهم) ~~أي بعض الموعود لهم من العذاب والمصائب النازلة بهم بسبب تكذيبهم وأنت حي ~~(أو نتوفينك) أي نميتك قبل ذلك، كيف ما دارت الحال (فإنما عليك البلاغ) أي ~~فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة لا غير (وعلينا الحساب) [40] أي الجزاء يوم ~~القيامة لا عليك فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم، قال ابن عباس رضي ~~الله: «فانما عليك البلاغ نسخ بآية السيف» «12». ### || [سورة الرعد (13): آية 41] # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) # (أولم يروا) أي أيكذب أهل مكة الذين يسألون الايات محمدا ولم يبصروا (أنا ~~نأتي الأرض) أي نأخذ الإسلام أرض الكفر (ننقصها من أطرافها) أي نفتحها من ~~نواحيها باهلاك أهلها وتخريبها، ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة ~~والغلبة، فان ما زاد في دار الإسلام قد نقص من دار الشرك أفلا يعتبرون بذلك ~~فيؤمنون أو أفلا يخافون أن يفعل بهم ذلك، وقيل معناه: ألم ير الناس أنا ~~ننقص الأرض من نواحيها بموت PageV02P270 # العلماء وذهاب الفقهاء وخيار أهلها فتخرب الأرض باتخاذ الناس الجهال ~~رؤساء «1»، قال عليه السلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من ~~العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء ~~جهالا، ms0843 فسألوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» «2»، وقال الحسن: «موت ~~العلماء ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار» «3»، قيل ~~لسعيد ابن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: «هلاك علمائهم» «4» (والله ~~يحكم) بالغلبة والإقبال للإسلام وبالقهر والإدبار على الكفر (لا معقب ~~لحكمه) وهو في محل النصب على الحال، أي: نافذا حكمه، يعني لا راد لقضائه ~~ولا ناقض لحكمه (وهو سريع الحساب) [41] أي عن قليل يحاسبهم في الآخرة بعد ~~عذاب الدنيا. ### || [سورة الرعد (13): آية 42] # وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار (42) # (وقد مكر الذين من قبلهم) أي قبل مشركي مكة رسلهم كما مكر هؤلاء بمحمد ~~عليه السلام، والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر (فلله المكر ~~جميعا) أي يجازيهم جزاء مكرهم لا يغلبه أحد على مراده، وهو كالعدم عنده ~~وصفهم بالمكر أولا، ثم جعل مكرهم كلا مكر بالنسبة إلى مكره، لأنه يبطل كل ~~مكر الكفار وينصر أنبياءه (يعلم ما تكسب كل نفس) صالحة وطالحة فيجازيها ~~عليه (وسيعلم الكفار) مفردا وجمعا «5» (لمن عقبى الدار) [42] أي الدار ~~الآخرة وهي الجنة حين يدخلون النار والمؤمنون الجنة، وهذا مع ما قبله تهديد لهم. ### || [سورة الرعد (13): آية 43] # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب (43) # (ويقول الذين كفروا) من أهل مكة وأهل الكتاب ككعب بن الأشرف وأصحابه (لست ~~مرسلا) من الله لدعوة الخلق إليه (قل كفى بالله شهيدا) أي كفى الله شاهدا ~~لي باظهار المعجزة على صدقي (بيني وبينكم) أي بين مقالتي ومقالتكم (ومن ~~عنده علم الكتاب) [43] أي أهل الكتابين، محله رفع عطف على الله بالفاعلية، ~~وعلم الكتاب مرفوع بالمقدر في الظرف الواقع صلة للموصول فاشبه الفعل في ~~العمل بسبب الاعتماد على الموصول، يعني وشهد أيضا مؤمنو أهل الكتاب كعبد ~~الله بن سلام وأصحابه، لأنهم وجدوا نعته في كتبهم، وقيل: جبريل «6»، وقيل: ~~«هو الله تعالى» «7»، والكتاب اللوح المحفوظ فعلى هذا المعنى كفي بالذي ~~يستحق العبادة ms0844 وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا شهيدا بيني وبينكم، ~~فالثاني تأكيد للأول. PageV02P271 ### | سورة إبراهيم # مكية إلا آيتين، وهما «أ لم تر إلى الذين بدلوا» «1» إلى «فإن مصيركم إلى ~~النار» «2». # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة إبراهيم (14): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) # (الر) أي أنا الله الرقيب على كل شيء (كتاب) أي هذا سورة أو فرقان ~~(أنزلناه إليك) بجبريل (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) أي من ظلمة ~~الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، ومن ظلمة الجهل ~~والشك إلى نور العلم واليقين (بإذن ربهم) أي بتسهيله أو بأمره، نصب على ~~الحال من فاعل «تخرج»، أي مأذونا لك، وأبدل من قوله «إلى النور» (إلى صراط ~~العزيز) أي الغالب في أمره بالانتقام عن مخالفه، ويجوز أن يكون مستأنفا، ~~كأنه قيل: إلى أي نور؟ فقيل: إلى صراط العزيز (الحميد) [1] أي المحمود في ~~فعاله المستحق للحمد أو الحامد لأفعال خلقه يشكر لهم اليسير من أعمالهم ~~ويعطيهم الجزيل. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 2] # الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) # (الله) بالرفع مبتدأ، خبره (الذي) مع صلته، وبالجر «3» بدل من «العزيز» ~~أو عطف بيان لا نعت له، أي إلى صراط الله (له ما في السماوات وما في الأرض) ~~أي كله ملكه حكمه نافذ فيهم (وويل) أي دعاء الولولة والعقوبة (للكافرين من ~~عذاب شديد) [2] أي غليظ دائم، يعني أنهم يضجون منه ويقولون يا ويلاه يوم ~~القيامة في النار. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 3] # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها ~~عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) # ثم وصفهم بقوله (الذين يستحبون) أي يختارون (الحياة الدنيا) الفانية (على ~~الآخرة) الباقية لشكهم فيها أو للتهاون بأمرها، ويجوز أن يكون «الذين» رفعا ~~بالابتداء، خبره «أولئك» أو بخبرية مبتدأ محذوف، أي هم الذين أو نصبا على ~~الذم، أي أعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة ms0845 (ويصدون) أي يصرفون الناس ~~(عن سبيل الله) أي عن دينه الحق وهو ملة الإسلام (ويبغونها عوجا) أي يطلبون ~~لسبيل الله اعوجاجا وميلا عن الحق (أولئك في ضلال بعيد) [3] أي في ضلال فيه ~~بعد عن طريق الحق أو بعيد صاحب الضلال عنه. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 4] # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من ~~يشاء وهو العزيز الحكيم (4) # (وما أرسلنا من رسول) إلى أمة من الأمم (إلا بلسان قومه) أي بلغتهم ~~ليفهموا عنه كلامه، فلو قيل: إن النبي PageV02P272 # عليه السلام بعث إلى كافة الخلق لا إلى العرب وحدهم، أجيب بأن أولى ~~الألسنة لسان قومه، لأنهم أقرب إليه، فاذا فهموا عنه وتبينوه وانتشر عنهم ~~قامت التراحم نائبة عن بيانه وتفهيمه، روي: أنه عليه السلام بعث الرسل إلى ~~الأطراف يدعونهم إلى الله تعالى ويترحمون لهم بألسنتهم «1»، فكان العرب ~~أصلا في البعث إليهم وسائر الناس تبعا لهم (ليبين) الرسول (لهم) أي للعرب ~~وغيرهم ما يجب عليهم لئلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا لم نفهم ما ~~خوطبنا به، والترجمة تنوب عن نزول القرآن بجميع الألسنة كما ذكرنا، فتلزم ~~الحجة جميع الخلق (فيضل الله من يشاء) منهم بعد البيان عن الهدى (ويهدي من ~~يشاء) إليه، أي من كان أهلا له (وهو العزيز) في ملكه لا يغلب عن مراده ~~(الحكيم) [4] في أمره من الضلالة والهداية. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 5] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) # (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي بعلامات وحدانيتنا كاليد والعصا، قوله (أن ~~أخرج) بمعنى، أي أدع، ف «أن» مفسرة، لأن في الإرسال معنى القول (قومك) أي ~~أمتك (من الظلمات) أي الكفر والشك والجهل (إلى النور) أي إلى الإيمان ~~واليقين والعلم بالشرائع والأحكام (وذكرهم) أي عظهم وخوفهم (بأيام الله) أي ~~بأيام الخير والشر السابقة النازلة على الأمم الماضية ليرهبوا من بأس الله ~~ويرغبوا في طاعة الله، فالمراد من ال «أيام» وقائع الله ms0846 ونعمه في الأمم ~~السالفة، يقال فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعهم من النعمة والمحنة، ~~فاكتفي بذكر الأيام عنه، لأنها كانت معلومة عندهم (إن في ذلك) أي فيما ~~أنعمت عليهم من كثرة النعم، ثم فعلت بهم ما فعلت من النقم لتركهم الشكر لي ~~(لآيات) أي لعبرات (لكل صبار شكور) [5] أي الكثير الصبر والكثير الشكر، ~~والمراد كل مؤمن مخلص، لأن الصبر والشكر من خصالهم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 6] # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم (6) # (وإذ قال موسى) أي اذكر وقت قوله (لقومه) بني إسرائيل (اذكروا نعمة الله ~~عليكم) قوله (إذ أنجاكم) ظرف لل «نعمة» بمعنى الإنعام أو لقوله «عليكم»، أي ~~اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم وقت إنجائكم (من آل فرعون) أي منه ومن آله ~~(يسومونكم) أي يعذبونكم (سوء العذاب) أي بأشده (ويذبحون أبناءكم) بالواو ~~ليدل على أن التذبيح مستقل في التعذيب سوى سوء العذاب، وذكره في سورة ~~البقرة بغير واو «2» ليكون تفسيرا لسومهم، أي ويقتلون أبناءكم الصغار خوفا ~~عليهم (ويستحيون نساءكم) أي يتركونهن أحياء لاستخدامهن (وفي ذلكم) أي وفي ~~فعلهم المذكور بكم (بلاء من ربكم عظيم) [6] أي بلية عظيمة من خالقكم، لأنه ~~مكنهم وأمهلهم حتى فعلوا ما فعلوا بهم ابتلاء أو في إنجاء الله إياكم من ~~ذلك العذاب نعمة عظيمة لكم، فاشكروه ولا تكفروه، فالبلاء بمعنى النعمة. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 7] # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) # قوله (وإذ تأذن) محله نصب، لأنه عطف على «نعمة الله»، أي قال موسى ~~واذكروا إذ أعلم إعلاما بليغا (ربكم) وقال لكم ترغيبا وترهيبا (لئن شكرتم) ~~نعمتي يا بني إسرائيل فآمنتم وأطعتم (لأزيدنكم) في النعمة، قيل: الشكر قيد ~~الموجود وصيد المفقود «3» (ولئن كفرتم) أي جحدتم نعمتي ولم تشكروها (إن ~~عذابي) بكم في الآخرة (لشديد) [7] أي لقوي لا يطاق عليه لمن كفر نعمتي. PageV02P273 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 8] # وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض ms0847 جميعا فإن الله لغني حميد (8) # (وقال موسى) لقومه تأكيدا لذلك (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا) ~~بنعمة الله ولم تؤمنوا به (فإن الله لغني) عن إيمانكم وشكركم (حميد) [8] أي ~~مستوجب للحمد في أفعاله وإن لم يحمده الحامدون، لأنه فيها إما متفضل أو عادل. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 9] # ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) # ثم قال تعالى لكفار مكة تهديدا (ألم يأتكم) يا أهل مكة (نبؤا الذين من ~~قبلكم) أي خبرهم في القرآن كيف عذبهم الله عن تكذيبهم رسلهم، قوله (قوم ~~نوح) بالجر بدل من «الذين»، ثم عطف على «قوم» (وعاد وثمود) فانه أهلك قوم ~~نوح بالغرق وعاد بالريح وثمود بالصيحة (والذين من بعدهم) محله جر عطف على ~~«ثمود» أو رفع مبتدأ، خبره (لا يعلمهم إلا الله) جملة معترضة لنفي علم ~~الأنساب عمن يدعيه، أي لا يعلم من كان بعد قوم نوح وعاد وثمود إلا الله ~~لكثرتهم. # قال ابن مسعود: «كذب النسابون» عند قراءته هذه الآية «1»، يعني أنهم ~~يدعون علم الأنساب والله تعالى نفى علمها إلا عنه، قال ابن عباس: «بين ~~إبراهيم وعدنان ثلثون قرنا» «2»، وقيل: إنهم من الكثرة بحيث لا يعلمهم إلا ~~الله «3»، وعدنان هو الأب الأكبر الذي ينتهي إليه نسب النبي عليه السلام ~~(جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالدلالات الواضحة عند تبليغهم الرسالة (فردوا ~~أيديهم في أفواههم) أي وضعوا أصابع أيديهم على أفواههم تعجبا مما سمعوا من ~~كتاب الله أو أشاروا بوضع الأيدي على أفواههم أن اسكتوا أو عضوا أيديهم ~~غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل ضحكا واستهزاء، يعني كذبوا رسلهم (وقالوا إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به) من الكتاب (وإنا لفي شك) أي تردد (مما تدعوننا إليه) ~~من التوحيد (مريب) [9] أي موجب للريبة موقع للتهمة أو ظاهر الشك وهو ~~للمبالغة في الشك، يقال أراب الرجل إذا صار ذا ريبة ms0848 وتهمة وهي قلق النفس في ~~ثبوت شيء. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 10] # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) # (قالت) لهم (رسلهم أفي الله شك) أدخل همزة الاستفهام على الظرف ليدل على ~~أن الإنكار في المشكوك فيه، وهو الله لا في الشك، أي أفي وحدانية الله لكم ~~شك وهي ظاهرة لا تحتمل «4» الشك لظهور الأدلة الشاهدة عليها، وأشار إليها ~~بقوله (فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما وهو صفة الله (يدعوكم) إلى ~~التوحيد من الشرك والإقرار بتوحيده (ليغفر لكم من ذنوبكم) و «من» زائدة عند ~~الأخفش، أي ذنوبكم التي بينكم وبين ربكم دون المظالم ومنع سيبوية زيادة ~~«من» في الإيجاب، وقيل: «من» للبدل «5»، أي بدل عقوبة ذنوبكم (ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى) أي إلى وقت معلوم في اللوح وهو الموت المقدر إن آمنتم وإلا ~~يصيبكم العذاب قبل حلول الأجل تعجيلا (قالوا) للرسل (إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا) في الصورة ولستم ملائكة (تريدون) بقولكم هذا (أن تصدونا) أي تصرفونا ~~(عن ما كان يعبد آباؤنا) من الأصنام (فأتونا بسلطان مبين) [10] أي بحجة ~~ظاهرة على صحة دعويكم، والمراد الآية المقترحة تعنتا. PageV02P274 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 11] # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ~~وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # (قالت لهم رسلهم) معترفين بالبشرية (إن نحن إلا بشر مثلكم) كما تقولون ~~وهو تسليم لهم في قولهم (ولكن الله يمن) أي يفضل (على من يشاء من عباده) ~~بالرسالة والحكمة (وما كان) أي وما صح (لنا أن نأتيكم بسلطان) أي بحجة بينة ~~(إلا بإذن الله) أي بتسهيله وأمره وهو جواب لقولهم «فأتونا بسلطان مبين» ~~(وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [11] أي على المؤمنين أن يعتمدوا على الله في ~~كل حال، لأن الأمر كله بيد الله. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 12] # وما لنا ألا نتوكل ms0849 على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا ~~وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) # (وما لنا ألا نتوكل على الله) أي أي عذر لنا في ترك التوكل عليه، وفيه ~~توبيخ لأنفسهم على تركه (وقد هدانا) أي والحالة أنه عرفنا (سبلنا) أي طرق ~~التوكل والهداية والنجاة التي نسلكها (ولنصبرن على ما آذيتمونا) لأنه عرفنا ~~أن لا ينال لأحد شيء إلا بقضائه وقدره ونحن آمنا به (وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون) [12] أي فليعتمد «1» المعتمدون «2» بعد الإيمان به، وكرر أمر ~~التوكل، لأن الأول لاستحداثه والثاني لطلب التبثت عليه، أي فليثبتوا على ~~توكلهم، وفيه تحريض لغيرهم على الثبوت على التوكل. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 13] # وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) # (وقال الذين كفروا لرسلهم) الذين دعوهم إلى ملة الإسلام (لنخرجنكم من ~~أرضنا أو لتعودن) أي لتصيرن «3» (في ملتنا) أي في دين الكفر وليس المراد من ~~العود الرجوع «4»، لأنهم ما كانوا في ملتهم قط، وفيه تعزية للنبي عليه ~~السلام أن يصبر على أذى مشركي مكة كما صبر الرسل قبله على أذى أممهم (فأوحى ~~إليهم) أي قال للرسل (ربهم لنهلكن الظالمين) [13] أي الكافرين بالرسل. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 14] # ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) # (ولنسكننكم الأرض) أي أرضهم وديارهم (من بعدهم) أي بعد هلاكهم وهو إشارة ~~إلى ما قضى الله تعالى من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في أراضيهم (ذلك) ~~أي ذلك النصر أو ذلك الأمر محق وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في ~~ديارهم «5» (لمن خاف مقامي) أي قيامي عليه وحفظي لأعمالهم عن الحبوط أو ~~مقام حسابي أو مقامه بين يدي يوم القيامة، وأضاف قيام العبد إلى نفسه نظرا ~~إلى أدنى ملابسة هنا، قيل: # «يقوم الكافر بين يديه ثلثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدوا، وأما المؤمنون ~~فيهون عليهم كما يهون عليهم الصلوة المكتوبة في الدنيا» «6»، وهم الذين ~~خافوا مقامه ونهوا نفوسهم عن الهوى (وخاف وعيد) [14] أي ولمن خشي عذابي، ~~قرئ بياء المتكلم وتركها اكتفاء بالكسرة «7»، فبعد ما ms0850 أنذر الرسل قومهم ~~قطعوا رجاء الإيمان منهم. ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 15 الى 16] # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) # (واستفتحوا) عطف على «أوحى إليهم» من الفتاحة وهي الحكومة، أي طلبوا ~~النصرة من الله على قومهم بالدعاء لإهلاكهم أو طلب الكفار النصرة من الله ~~بقولهم اللهم إن كانت رسلنا صادقين فعذبنا ظنا PageV02P275 # منهم بأنهم على الحق، فلا يعذبون أو استنصر كلا الفريقين فنصر المؤمنون ~~(وخاب كل جبار عنيد) [15] أي خسر عند نزول العذاب كل متكبر عن الإيمان ~~معاند للحق ومجانبه، قيل: «الجبار الذي يجبر الغير على مراده، والعنيد الذي ~~يعدل عن القصد» «1» أو «يأبى عن قول لا إله إلا الله» «2»، ووصف حاله بقوله ~~(من ورائه جهنم) أي قدامه أو بعد موته جهنم معدة له في الآخرة يلقي فيها ~~(ويسقى من ماء صديد) [16] أي مما يسيل من جلود أهل النار وفروج الزناة، ف ~~«صديد» عطف بيان ل «ماء». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 17] # يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه ~~عذاب غليظ (17) # (يتجرعه) أي يتحساه «3» جرعة جرعة لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته يتردد ~~في حلقه لكراهته (ولا يكاد يسيغه) أي لا يقارب أن يبتلعه (ويأتيه الموت من ~~كل مكان) أي ألم الموت من جميع جهاته الست من قدماه وخلفه وفوقه وتحته وعن ~~يمينه وشماله، وقيل: «من كل مكان من جسده» «4»، روي: أن من شعره وعرقه ~~وجلده وأصابعه يديه ورجليه يجد مرارة الموت «5» (وما هو بميت) فيستريح (ومن ~~ورائه) أي بعد الصديد له (عذاب غليظ) [17] أي شديد لا يفتر أو هو الخلود في ~~النار أو هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد، قيل: # «تعلق نفسه عند حنجرته ولا تخرج من فيه فيموت ولا يرجع إلى مكانها في ~~جوفه فينفعه الحيوة» «6» كقوله تعالى «لا يموت فيها ولا يحيى» «7». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 18] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) # ثم بين ms0851 كيفية أعمالهم الخير وعاقبتها فقال (مثل الذين كفروا بربهم) وهو ~~مبتدأ، خبره محذوف، أي صفة أعمالهم الخير في الدنيا فيما نقص عليك، والمثل ~~مستعار للصفة التي فيها غرابة (أعمالهم) مبتدأ وخبره (كرماد) والجملة بيان ~~لل «مثل»، ويجوز أن يكون «مثل» مبتدأ و«أعمالهم» بدلا منه بدل اشتمال، ~~و«كرماد» خبر ال «مثل»، والمعنى: أعمال الذين كفروا بالله الذي هو خالقهم ~~يوم القيامة يشبه رمادا (اشتدت به الريح) وقرئ «الرياح» «8»، أي قويت عليه ~~فذرته (في يوم عاصف) أي شديد ريحه، والعصوف صفة «الريح» حذفت ووصف اليوم به ~~مجازا، يعني لا ينتفع الكفار في الآخرة بأعمالهم الصالحة في الدنيا من صلة ~~الرحم وإكرام الضيف وفك الأسير وغير ذلك من خيراتهم وإنما هي كرماد هبت ~~عليه الريح الشديدة ففرقته إلى جوانب الأرض لبنائها على غير أساس من معرفة ~~الله والإيمان به، والمراد منه بيان إحباط الله ثواب أعمالهم الصالحة يوم ~~القيامة (لا يقدرون) أي الكفار (مما كسبوا) في الدنيا (على شيء) أي على أثر ~~من ثوابها في الآخرة كما لا يقدر على شيء من الرماد المفرق بالريح القوية ~~(ذلك) أي بعدهم عن ثواب أعمالهم أو عن طريق الحق (هو الضلال البعيد) [18] ~~الذي لا يدرك غايته فيرجى الخلوص منه. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 19] # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) # ثم شرع في توضيح بعدهم في الضلالة وعظم خطئهم في الكفر بالله لوضوح ~~الايات الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة بقوله (ألم تر) أي ألم ~~تعلم يا محمد (أن الله خلق السماوات والأرض) وقرئ «خالق» PageV02P276 # وجر «السماوات» «1» إضافة أي خالقهما (بالحق) أي بالصدق والحكمة والغرض ~~الصحيح ولم يخلقهما باطلا ولا شهوة، وإنما خلقهما لأمر عظيم أراده منكم وهو ~~أن تعرفوا وتطيعوه ولا تعصوه (إن يشأ يذهبكم) أي يهلككم إن عصيتموه (ويأت ~~بخلق جديد) [19] سواكم أطوع لله منكم على شكلكم أو على خلاف شكلكم، وهو ~~إعلام منه تعالى باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم وتهديد شديد ~~لهم ليخافوه ولا يعصوه. ### || [سورة ms0852 إبراهيم (14): آية 20] # وما ذلك على الله بعزيز (20) # (وما ذلك) أي وليس إهلاككم وإيجاد قوم آخرين (على الله بعزيز) [20] أي ~~بمتعذر أو عسير، بل هو عليه هين يسير، لأنه القادر بالذات لا اختصاص له ~~بمقدور دون مقدور، فهو الحقيق بأن يخاف عقابه من معصيته، ويرجى ثوابه من ~~طاعته في دار الجزاء والوفاء. ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 21 الى 22] # وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم ~~مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) # ثم أخبر عن حال الرؤساء والأتباع عند اجتماعهم للحشر والحساب بصيغته ~~الماضي لصدق وعده، كأنه قد كان ووجد بقوله (وبرزوا) أي برز الكفار من ~~قبورهم يوم البعث ويظهرون (لله جميعا) أي لحسابه بلا ستر أو علموا أن الله ~~لا يخفى عليه شيء فانكشفوا لله عند أنفسهم ولا يكونون كما ظنوا في الدنيا ~~أن ارتكاب الفواحش مخفي عليه تعالى (فقال الضعفاء) أي الأتباع توبيخا ~~(للذين استكبروا) عن الإيمان بالرسل أو تكبروا على الناس وهم الرؤساء (إنا ~~كنا لكم تبعا) جمع تابع مثل حرس وحارس وهو المستن بآثار من يتبعه «2» (فهل ~~أنتم مغنون) أي دافعون (عنا من عذاب الله من شيء) أو حاملون منه، ف «من» ~~الأولى للتبيين والثانية للتبعيض، وهذه الجملة الاستفهامية من باب التبكيت ~~لهم، لأنهم قد علموا أن لا قدرة لهم على الإغناء عنهم (قالوا) أي الرؤساء ~~للأتباع معتذرين عما صدر منهم إليهم (لو هدانا الله لهديناكم) أي لو أرشدنا ~~إلى الإيمان به لدعوناكم إلى الإيمان به، ولكنه أضلنا فأضللناكم، قيل: «هم ~~يقولون في النار تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم الجزع، ~~فيقولون تعالوا ms0853 نصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلا ينفعهم الصبر فحينئذ يقولون ~~«3»: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص) [21] أي ملجأ نعتصم به، ~~والهمزة و«أم» للتسوية، والجملة متصلة بما قبلها من حيث إن العقاب منهم كان ~~جزعا مما هم فيه. # قال الحسن: «إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة يلوم أهل النار ~~إبليس، ويقولون: أنت الذي أضللتنا عن طريق الحق في الدنيا، فيقوم إبليس ~~مجيبا عن قولهم، ويصعد على منبر من النار خطيبا بالقول الحق ليزداد حسرتهم ~~وندامتهم، فيجتمع على الكفار بالأئمة من الجن والإنس ويخطبهم في النار» ~~«4»، وهو المراد بقوله (وقال الشيطان لما قضي الأمر) أي فرغ من الحساب وقطع ~~(إن الله وعدكم وعد الحق) الذي لا ريب فيه، وهو البعث بعد الموت والحساب ~~والجزاء والجنة والنار فوفى لكم (ووعدتكم) وعد الباطل بأنه لا جنة ولا نار ولا PageV02P277 # بعث ولا حساب ولا جزاء (فأخلفتكم) أي فكذبتكم الوعد (وما كان لي عليكم من ~~سلطان) أي ولاية تجبركم على ما وعدته لكم أو حجة فيما دعوتكم إليه (إلا أن ~~دعوتكم) استثناء منقطع، أي لكني دعوتكم إلى طاعتي واتباعي (فاستجبتم لي) أي ~~أجبتم طوعا لدعوتي (فلا تلوموني) بدعوتي (ولوموا أنفسكم) باجابتي واتباعي ~~من غير سلطان ولا برهان (ما أنا بمصرخكم) أي بمغيثكم فأخركم من النار (وما ~~أنتم بمصرخي) بكسر الياء، أصله مصرخيني حذفت النون بياء الإضافة وأدغمت ياء ~~الجمع فيها وكسرت على الأصل، وهو ضعيف عند النحاة، لأن ياء الإضافة مفتوحة ~~حيث قبلها ألف نحو عصاي مع خفتها، فما بالها وقبلها ياء مع ثقلها، وقيل: هو ~~لغة بني يربوع «1»، وبفتحها تخفيفها «2» (إني كفرت) أي تبرأت اليوم (بما ~~أشركتمون) «ما» مصدرية، أي بجعلكم إياي شريكا في عبادة الله أو «ما» بمعنى ~~الذي، أي كفرت بالذي أشركتمونيه في العبادة وهو الله حين أبيت السجود لآدم ~~(من قبل) أي قبل هذا اليوم، يعني في الدنيا، فليس لكم عندي إجابة ولا عون، ~~ثم قال الله تعالى أو إبليس (إن الظالمين) بالكفر والمعصية (لهم عذاب أليم) ~~[22] أي ms0854 وجيع دائم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 23] # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) # (وأدخل) أي أدخلت الملائكة (الذين آمنوا) أي وحدوا الله (وعملوا ~~الصالحات) أي أدوا الفرائض وانتهوا عن المحارم (جنات تجري من تحتها ~~الأنهار) أي المياه الجارية العذبة من أجناس مختلفة (خالدين فيها بإذن ~~ربهم) أي بأمره (تحيتهم) أي ثناؤهم (فيها سلام) [23] يعني يسلم بعضهم على ~~بعض أو التحية من الله لهم سلام أو يسلم الملائكة عليهم تكرمة لهم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 24] # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء (24) # ثم خاطب الله تعالى نبيه عليه السلام حثا لكفار مكة على التوحيد ونفيا ~~للشرك بقوله (ألم تر) أي ألم تعلم يا محمد (كيف ضرب الله مثلا) أي كيف بين ~~شبها، وتنصب (كلمة طيبة) بدلا من «مثلا» أو بفعل مضمر وهو جعل بدلالة ~~«ضرب»، والكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله أو كل كلمة جميلة كالتسبيح ~~والتحميد والاستغفار والتوبة والأذان والدعوة إلى الحق، أي جعلها (كشجرة) ~~أي كثمرة شجرة (طيبة) أي حلوة، وهي النخلة، يعني ليس في الكلام شيء أطيب من ~~كلمة الإخلاص كما أنه ليس في الثمار شيء أحلى وأطيب من الرطب، ثم وصف ~~النخلة فقال (أصلها ثابت) أي أسفلها متمكن بعروقها في الأرض (وفرعها) أي ~~أعلاها ورأسها وأغصانها مرتفعة (في السماء) [24] أي نحوها. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 25] # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) # (تؤتي أكلها) أي تعطي ثمرها (كل حين بإذن ربها) أي كل وقت عينه الله ~~للأثمار بأمره ومشيته أو بتيسيره وتكوينه، قيل: «المراد منه سنة كاملة، لأن ~~النخلة تثمر بكل سنة» «3»، وقيل: «ستة أشهر من وقت اطلاعها إلى صرامها» ~~«4»، وقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها «5»، وقيل: «شهران من حين ~~يؤكل إلى الصرام» «6»، وقيل «7»: «كل حين» بمعنى كل غدوة وعشية، لأن ثمر ~~النخل يؤكل أبدا ليلا ونهارا صيفا وشتاء بسرا أو رطبا أو ms0855 تمرا لا ينقطع في ~~السنة، فكذلك كلمة التوحيد، أصلها ثابت في قلب المؤمن بالتصديق والمعرفة ~~واليقين، إذا تكلم بها عرجت نحو السماء فلا تحجب حتى ينتهي إلى الله تعالى ~~يؤتي ثمرها، وهو أعماله الصالحة الصادرة PageV02P278 # عنه بالإخلاص تصعد أول الليل والنهار وأوسطهما وآخرهما «1» ببركة إيمانه ~~لا ينقطع أبدا بل يتصل إليه في كل وقت، والسر في تمثيل كلمة الإيمان ~~بالشجرة هو أن الشجرة لا يكون شجرة إلا بثلثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم ~~وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان ~~وعمل بالأركان، ثم قالوا الحكمة في تشبيه الكلمة المعهودة بالنخلة من بين ~~سائر الأشجار أن النخلة أشبه الأشجار بالإنسان، لأن النخلة إذا قطع رأسها ~~يبست، وسائر الأشجار يتشعب «2» من جوانبها بعد قطع رؤسها، ولأنها لا تحمل ~~إلا باللقاح، ولأنها خلقت من فضلة طيبة آدم عليه السلام، ولذلك قال رسول ~~الله عليه وسلم: «أكرموا عمتكم، قالوا: # ومن عمتنا؟ قال: النخلة» «3» (ويضرب الله الأمثال للناس) لأن في ضرب ~~الأمثال زيادة إفهام وتصوير للمعاني (لعلهم يتذكرون) [25] أي يتعظون ~~بالتفكر في الأمثال ويؤمنون. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 26] # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) # (ومثل كلمة خبيثة) أي كلمة الشرك (كشجرة خبيثة) وهي الحنظل أو الثوم أو ~~الكشوث، يعني العشقة (اجتثت) أي اقتلعت واستؤصلت (من فوق الأرض ما لها من ~~قرار) [26] أي ليس لها عرق ثابت راسخ فيها ولا فرع صاعد نحو السماء تجيء ~~بها الريح فتذهب بها من مكانها، فكذلك كلمة الكفر من الكافر لا أصل لها من ~~الحجة في الخير ولا فرع لها من الأعمال الصالحة لتصعد إلى الله فتقبل ~~فتضمحل عن قريب لبطلانها. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 27] # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) # (يثبت الله الذين آمنوا) في دينه القيم (بالقول الثابت) أي بقول لا إله ~~إلا الله (في الحياة الدنيا) أي قبل الموت وتثبيتهم به أنهم إذا ابتلوا ms0856 ~~ببلاء من البلايا ثبتوا في دينهم ولم يرتدوا عنه ولو عذبوا بأنواع العذاب ~~كالأنبياء المتقدمين والصالحين من كل أمة أو عند النزع أو عند السؤال في ~~القبر حين يقال للمؤمن: من ربك وما دينك وما نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني ~~الإسلام ونبي محمد عليه السلام أو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله (وفي الآخرة) أي يثبتهم على ذلك القول بعد الموت في القبر أو عند ~~البعث بأنهم إذا سئلوا عن أعمالهم أجابوا من غير تحير ودهش من أهوال يوم ~~القيامة (ويضل الله الظالمين) بالكفر والمعصية، يعني أنهم لا يثبتون في ~~مواقف الفتن في الدنيا بل تزل «4» أقدامهم أول شيء، وكذلك لا يرشدهم إلى ~~الجواب بالصواب في القبر والحشر (ويفعل الله ما يشاء) [27] من التوفيق ~~والخذلان والتثبيت وترك التثبيت لا اعتراض عليه فيما يفعل ويريد، لأن مشية ~~الله تابعة للحكمة من التثبيت للمؤمن والإضلال للظالمين، روي عن النبي عليه ~~السلام: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم، ~~أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد؟ فأما المؤمن ~~فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك ~~الله به مقعدا في الجنة فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقال له ما ~~كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: # لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال لا أدريت ولا تليت- أصله تلوت- ~~ويضرب بمطارق من حديد يسمعها من يليه غير الثقلين» «5». # وروي أنه عليه السلام كان إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال «استغفروا ~~لأخيكم واسألوا له بالتثبيت، فانه الآن يسأل» «6». PageV02P279 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 28] # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) # ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام توبيخا لكفار مكة باختيارهم الكفر ~~مكان الشكر بمجيء محمد عليه السلام رسولا يهديهم إلى الرشد (ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمت الله) أي شكرها (كفرا) حيث أسكنهم حرمه وأكرمهم بارسال ~~محمد عليه السلام ms0857 والقرآن إليهم، فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر ~~العظيم (وأحلوا قومهم دار البوار) [28] أي أنزلوا من تابعهم على كفرهم دار ~~الهلاك. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 29] # جهنم يصلونها وبئس القرار (29) # (جهنم) عطف بيان (يصلونها) أي يدخلونها يوم القيامة وهو نصب على الحال ~~(وبئس القرار) [29] أي المستقر جهنم، وقيل: «هم كفار قريش نحروا يوم بدر» ~~«1» لاستنصار العرب. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 30] # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) # (وجعلوا لله أندادا) أي أمثالا، يعني شركاء وليس لله شريك (ليضلوا) بفتح ~~الياء، ليخطئوا الطريق، وبضمها «2»، أي ليصرفوا الناس (عن سبيله) أي عن ~~الهدى واللام فيه لام العاقبة لا للغرض (قل) يا محمد لهم تهديدا (تمتعوا) ~~أي عيشوا في الدنيا (فإن مصيركم إلى النار) [30] يوم القيامة لتعذبوا لا ~~إلى الجنة لتستريحوا. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 31] # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) # (قل لعبادي الذين آمنوا) بالياء وفتحها، وبتركها اكتفاء بالكسرة «3»، ~~وجواب الأمر (يقيموا الصلاة) وهو يدل على المقول المقدر، تقديره: قل لعبادي ~~المؤمنين أقيموا الصلوة وأنفقوا يقيموها (وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية) ~~أي إنفاق سر وعلانية على السائلين، يعني الإخفاء في إنفاق الصدقة المتطوعة ~~«4» والإعلان في إنفاق الواجب أو ذوي سر وعلانية نصب على الحال بمعنى مسرين ~~ومعلنين (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) أي لا انتفاع بمبايعة فيه بالفداء ~~(ولا خلال) [31] أي ولا انتفاع بمخالة وصداقة للشفاعة كما أنزل بهم شدة في ~~الدنيا يفادون ويشفع لهم خليلهم، وليس شيء من ذلك في الآخرة، وإنما ينفعهم ~~أعمالهم الصالحة، قرئ بفتح العين واللام وبالرفع والتنوين فيهما «5». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 32] # الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) # ثم ذكر تعالى منته على عباده ليعرفوها ويشكروا ربهم بقوله (الله) مبتدأ ~~«6»، خبره (الذي خلق السماوات والأرض) دلالة على قدرته ms0858 وتوحيده (وأنزل من ~~السماء ماء) أي مطرا نافعا (فأخرج به من الثمرات) بيان لما بعده وهو (رزقا ~~لكم) أي سببا لعيشكم (وسخر) أي ذلل (لكم الفلك) أي ركوبها (لتجري في البحر ~~بأمره) أي باذنه (وسخر لكم الأنهار) [32] أي المياه الجارية تجرونها حيث ~~شئتم من بساتينكم وزروعكم وبيوتكم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 33] # وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) # (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) حال من «الشمس والقمر»، أي مطيعين على ~~الدوام، يعني سخر لكم PageV02P280 # ضوءهما تنتفعون به وجريانهما لأجل معرفة السنين والشهور والحساب، يعني ~~أنهما تجريان لأجلكم لا يفتران، قال ابن عباس: «دورانهما في طاعة الله» «1» ~~(وسخر لكم الليل والنهار) [33] أي يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة ~~والنقصان تستقرون بالليل للمنام والاستراحة، وتتحركون بالنهار التماسا ~~لمعاشكم وحوائجكم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 34] # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم ~~كفار (34) # (وآتاكم من كل ما سألتموه) أي أعطاكم بعض جميع ما طلبتموه من الله بلسان ~~الحال مصلحة لكم، ف «من» للتبعيض و«ما» موصولة، أضيف إليه «كل»، ويجوز أن ~~يكون نكرة بمعنى شيء مع إضمار شيء آخر، تقديره: وآتاكم من كل شيء سألتموه ~~شيئا، فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام على التبعيض، وقيل: # هو على التكثير كما يقال فلان يعلم من كل شيء «2» (وإن تعدوا نعمة الله) ~~أي نعمة التي أنعمها عليكم (لا تحصوها) أي لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها على ~~الإجمال لكثرتها، وأعظم النعم إلهام المعرفة واستواء الخلقة من الإحصاء، ~~وهو وضع الحصاة في الحساب إذا بلغ عقدا «3»، وإستئناف العدد بعده حتى ينتهي ~~الحساب، يعني لا يوجد لها غاية فتوضع حصاة فيها أو المعنى: لا تقدروا على ~~أداء شكرها (إن الإنسان) أي الجنس (لظلوم) أي يظلم على نفسه باغفال الشكر ~~أو يشكر ويجزع (كفار) [34] أي ستار لنعم ربه، لأنه يجمع ويمنع وهو مأمور ~~بعدم الجمع والمنع. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 35] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) # (وإذ قال إبراهيم) أي ms0859 اذكر وقت قوله (رب) أي يا خالقي ومالكي (اجعل هذا ~~البلد) أي مكة (آمنا) أي ذا أمن فيه من القتل والغارة وغيرهما من المخوف، ~~وعرف هنا ونكر في سورة البقرة «4»، لأن النكرة إذا أعيدت تعرفت بلام العهد ~~ليعلم أن الثاني هو الأول بعينه (واجنبني) أي أبعدني (و) أبعد (بني أن نعبد ~~الأصنام) [35] أي من عبادة الأوثان وكانت أنصاب حجارة في البيت لكل قوم ~~يعبدونها، والدعاء في حق إبراهيم خليل الله لزيادة العصمة والتثبيت ودعاؤه ~~في حق بنيه كذلك، لأنه أراد بنيه من صلبه ولم يعبد أحد منهم الصنم، ~~فالمعنى: يا رب! ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادة الأصنام، وفيه دليل أن ~~المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه، بل له أن يتضرع إلى الله ويسأل ~~التثبيت على الإيمان وقتا فوقتا. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 36] # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) # ثم قال إبراهيم (رب إنهن) أي الأصنام (أضللن كثيرا) أي ضل بسببهن كثير ~~(من الناس) عن طريق الهدى حتى عبدوهن فأعوذ بك لأن تعصمني وبني من ذلك (فمن ~~تبعني) بالإيمان بي (فإنه مني) أي من أهل ديني حنيفا مسلما (ومن عصاني) أي ~~من لم يطعني بالتوحيد (فإنك غفور رحيم) [36] بأن توفقه ويتوب فيسلم وتغفر ~~له ما سلف منه أو المعنى: ومن عصاني فيما دون الشرك، وقيل: قال ذلك قبل أن ~~يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك «5». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 37] # ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا ~~الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) # ثم قال إبراهيم (ربنا إني أسكنت من ذريتي) أي بعض ذريتي ولدا وهو إسمعيل ~~(بواد غير ذي زرع) أي بأرض مكة، لأنها واد بين جبلين لم يكن لها ماء ولا ~~حرث (عند بيتك المحرم) وهو الكعبة، وسمي محرما، لأنه عظيم الحرمة، لا يحل ~~انتهاكها أو لأنه حرم على الطوفان أن يناله أو لأنه يحرم عنده ما لا ms0860 يحرم ~~عند غيره من الاصطياد والقتال والدخول فيه بغير إحرام أو لأنه تعالى حرم ~~التعرض له بسوء يوم خلق السموات والأرض. PageV02P281 # قيل: إن سارة كانت زوجة إبراهيم عليه السلام وكانت لها جارية اسمها هاجر، ~~فوهبتها من إبراهيم، فلما ولدت منه اسمعيل غارت سارة، وحلفته أن يخرجهما من ~~الشام فأخرجهما إلى أرض مكة، ثم جاء بها وبابنها وهي ترضعه حتى وضعها عند ~~البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ~~ووضع عندها جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم رجع إلى سارة فتبعته أم ~~إسمعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتركتنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ~~ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا فلم يلتفت إليها، فقالت: # الله أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت إلى ابنها فانطلق ~~إبراهيم حتى إذا كانت عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا ~~بهذه الكلمات ورفع يديه فقال: «ربنا إني أسكنت» إلى قوله «يشكرون»، وجعلت ~~أم إسمعيل ترضعه وتأكل التمر وتشرب الماء حتى إذا نفد التمر والماء وعطشت ~~هي وابنها، فجعل يتلبط فذهبت عنه كراهة أن تنظر إليه فصعدت الصفا تنظر لترى ~~أحدا لم تر أحدا، ثم نزل أسفل الوادي ورفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان ~~المجهود حتى أتت المروة وقامت عليها ونظرت لترى أحدا فلم تر أحدا، فعلت ذلك ~~سبع مرات، فلذلك سعى الناس بينهما بعد الطواف سبع مرات، فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فاذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بجناحه حتى ظهر الماء، ~~فجعلت تحوضه بيدها وتغرف من الماء في سقائها، وهو تفور بعد ما تغرف، قال ~~النبي عليه السلام: «رحم الله أم رسمعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من ~~الماء لكانت عينا معينا» «1»، فشربت وأرضعت ولدها، فقال الملك: لا تخافوا ~~الضيعة فان ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله «2». # واللام في قوله (ربنا ليقيموا الصلاة) يتعلق بقوله «أسكنت»، ms0861 أي ما أسكنت ~~ذريتي عند بيتك المحرم إلا ليتموا فيه الصلوة، وخصها بالذكر لأنها أفضل ~~العبادات، ثم قال (فاجعل أفئدة من الناس) أي من أفئدة الناس، ف «من» ~~للتبعيض (تهوي) أي تميل باشتياق وتسرع (إليهم) أي إلى موضعهم الشريف، قيل: ~~«لو قال أفئدة الناس لزاحمتهم فارس والروم والترك والهند» «3» أو «اليهود ~~والنصارى والمجوس في الحج» «4»، فالمراد المسلمون خاصة (وارزقهم من ~~الثمرات) أي من الفواكه المختلفة مع سكانهم في هذا الوادي الخلاء من كل ~~مرتفع بأن تجلب إلى مكة من البلاد، وقيل: هي ما رزقت سكان القرى حولها ذوات ~~الماء «5» (لعلهم يشكرون) [37] أي لكي يشكروا فيما رزقتهم فاستجيب دعاؤه، ~~وجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء من البواكير «6» المختلفة إلا ~~زمانا الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 38] # ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا ~~في السماء (38) # ثم قال إبراهيم (ربنا إنك تعلم ما نخفي) من الوجد باسمعيل وهاجر والحب ~~لهما (وما نعلن) عند سارة من الصبر عنهما أو ما جرى بيني وبين هاجر من ~~قولها عند الوداع إلى من تكلنا وقولي في جوابها إلى الله وقولها عقيبه إذن ~~لا يضيعنا الله (وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء) [38] أي ~~من عمل أهلها فأنت أعلم بأحوالنا فلا حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك ~~إظهارا للعبودية لك وتخشعا لجلالك وتذللا لعزتك، فافعل بنا ما فيه مصلحتنا ~~فهو كلام إبراهيم عليه السلام، وقيل: هو كلام الله تعالى تصديقا لإبراهيم ~~«7»، والأول أظهر لقوله بعده. PageV02P282 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 39] # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) # (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) في موضع الحال، و«على» بمعنى مع، أي ~~والحال أني كبير السن، وهو ابن تسع وتسعون سنة، وإنما ذكر تلك الحالة، لأن ~~المنة بهبة الولد فيها أعظم، إذ هو حال اليأس من الولادة ولذلك حمد الله ~~على أن وهبه في ذلك السن ms0862 (إسماعيل وإسحاق) وكان إسمعيل أكبر من إسحق بثلث ~~عشرة سنة، لأنه ولد وهو ابن مائة واثني عشر سنة (إن ربي لسميع الدعاء) [39] ~~أي تقبله «1» من الداعي المخلص واعتد به من قولك سمع الملك كلام فلان إذا ~~قبله واعتبره. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 40] # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) # (رب اجعلني مقيم الصلاة) أي متمها بأركانها والمحافظ عليها (ومن ذريتي) ~~عطف على الياء في «اجعلني»، أي اجعل منهم من يقيمون الصلوة ويحافظونها، ~~و«من» فيه للتبعيض، لأنه علم باعلام الله أنه يكون في ذريته كفار كما في ~~قوله «لا ينال عهدي الظالمين» «2» (ربنا وتقبل دعاء) [40] أي استجبه ولا ~~ترده أو تقبل عبادتي، سميت به لأن الدعاء مخ العبادة كما جاء في الحديث «3». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 41] # ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) # (ربنا اغفر لي ولوالدي) أي لأمي وأبي بشرط إسلامهما، وقيل: أراد آدم ~~وحواء «4»، قيل: إنه من مجوزات العقل وكان قبل أن ينهاه الله عن استغفار ~~الكفار وقد بين الله عز وجل عذر خليله في استغفاره لأبيه «5» في سورة ~~التوبة «6» (وللمؤمنين) أي واغفر لجميعهم (يوم يقوم الحساب) [41] أي يظهر ~~ويثبت محاسبة الخلق أو يقوم أهل الحساب من القبور بتقدير المضاف، لأن قيامه ~~حق لا يخلف الله وعده. ### || [سورة إبراهيم (14): الآيات 42 الى 43] # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) # ثم نزل تسلية للمظلوم وتهديدا للظالم بقيام الساعة وظهور الجزاء والحساب ~~«7» (ولا تحسبن الله) بكسر السين وفتحها «8»، أي لا تظنن الله يا محمد ~~(غافلا عما يعمل الظالمون) [42] أي لا يخفى عليه أعمالهم وهو تثبيت للمخاطب ~~وهو الرسول عليه السلام على ما كان عليه، ويجوز أن يكون خطابا لغير النبي ~~عليه السلام على العموم، المعنى: ان الله رقيب عليهم ومحاسب بالنقير ~~والقطمير ولو شاء لعجل عقوبتهم في الدنيا. # (إنما يؤخرهم) بالنون وبالياء «9»، أي يمهلهم (ليوم) أي لأجل يوم (تشخص) ~~أي ترتفع وتزول (فيه) أي في ms0863 ذلك اليوم (الأبصار) منهم عن أماكنها لهول ما ~~ترى أو لا تغمض لذلك، من شخص بصر فلان إذا فتح عينيه ولم يتحرك أجفانه ~~لتغتمض عن الهيبة، والمراد إدامة النظر إلى المرئي من الخوف (مهطعين) أي ~~مسرعين إلى إجابة الداعي إلى النار، وهو حال من «الأبصار» بتقدير المضاف ~~إليه في المعنى، أي أبصارهم، من أهطع البعير إذا أسرع في سيره، ومعنى ~~«الإسراع» أنهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ولا يعرفون مواطئ أقدامهم ~~(مقنعي رؤسهم) أي رافعيها ملتصقة بأعناقهم، قيل: «المقنع الذي يرفع رأسه ~~ويقبل ببصره على ما بين يديه مفتوحا» «10»، وقال الحسن: «وجوه الناس يوم ~~القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد» «11»، ولا يطرف جفنيه، PageV02P283 # وهو معنى قوله (لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا يرجع بصر الكفار إلى أنفسهم ~~من شدة النظر، فهي خاشعة قد شغلهم ما بين أيديهم (وأفئدتهم هواء) [43] أي ~~وقلوبهم خالية من كل خير كالهواء ما بين السماء والأرض، ولذلك سمي ما ~~بينهما هواء لخلوه، وقيل: لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف «1»، وقيل: ~~«أفئدتهم مترددة في أجوافهم ليس لها مكان تستقر منه فيه» «2». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 44] # وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل ~~قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # ثم قال تعالى للنبي عليه السلام (وأنذر الناس) أي خوفهم (يوم يأتيهم ~~العذاب) نصب «3» بأنه مفعول ثان ل «أنذر» لا ظرف له، وهو يوم القيامة ~~(فيقول الذين ظلموا) أي أشركوا وتجاوزوا الحد في ذلك اليوم (ربنا أخرنا) أي ~~أمهلنا (إلى أجل قريب) لنرجع إلى الدنيا (نجب دعوتك) إلى الإسلام والعمل ~~الصالح (ونتبع الرسل) فيما جاؤنا به فعند ذلك يجابون توبيخا على إنكارهم ~~البعث الاستفهام بأن يقال لهم (أولم تكونوا أقسمتم) أي حلفتم (من قبل) أي ~~في دار الدنيا قبل هذا اليوم (ما لكم من زوال) [44] عن الدنيا إلى الآخرة ~~لعدم إيمانكم بها وهو قوله «وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت» «4». ### || [سورة ms0864 إبراهيم (14): آية 45] # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) # (وسكنتم) أي قررتم في الدنيا واطمأننتم بطيبة النفوس (في مساكن الذين ~~ظلموا أنفسهم) بالشرك والفساد كقوم نوح وعاد وثمود (وتبين لكم) بالمشاهدة ~~والإخبار (كيف فعلنا بهم) أي عرفتم «5» عقوبتنا إياهم (وضربنا لكم الأمثال) ~~[45] أي بينا مثلكم كمثلهم، يعني وصفنا لكم ما فعلوا وما فعل بهم كفعلكم ~~وما ينزل بكم من العقوبة كعقوبتهم، وذلك في الغرابة كالمثل السائر بين الناس. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 46] # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) # (وقد مكروا مكرهم) أي صنعوا صنيعهم العظيم وهو تكذيب الرسل قبلكم (وعند ~~الله مكرهم) أي جزاء صنيعهم العظيم عنده محقق لا يخفى علمه عنه، فيأتيهم به ~~من حيث لا يشعرون (وإن كان مكرهم لتزول) بكسر اللام الأولى وهي لام كي، ~~وفتح الثانية ف «إن» مخففة، أي إنه كان مكرهم أو هي نافية، ومعناه ما كان ~~مكرهم لتزول (منه الجبال) [46] أي أمر محمد الذي هو ثابت كثبوت الجبال ~~وبفتح الأولى ورفع الثانية ف «إن» مخففة من الثقيلة واللام للتأكيد «6»، ~~ومعناه أنه كان مكرهم وإن عظم حتى بلغ بمحل يزيل الجبال لم يقدروا على ~~إزالة أمر محمد عليه السلام، فالمراد بيان تعظيم مكرهم وتغليب أمر محمد ~~عليه السلام على مكرهم بمحوه وقهرهم بنصر الله إياه عليهم. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 47] # فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) # قوله (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) فيه تقديم وتأخير، وهو أن المفعول ~~الثاني قدم على الأول للإعلام بأنه لا يخلف وعده أبدا في نزول العذاب بكفار ~~مكة سواء عجلوا به أو لم يعجلوا، يعني ليس من شأنه إخلاف الوعد، فكيف يخلفه ~~رسله الذين هم خيرته وهو قوله «إنا لننصر رسلنا» «7»، تقديره: مخلف رسله ~~وعده، وإضافة «مخلف» إلى ال «وعيد» من قبيل الاتساع (إن الله عزيز) على ~~أعدائه (ذو انتقام) [47] لأوليائه. PageV02P284 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 48] # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله ms0865 الواحد القهار (48) # قوله (يوم تبدل الأرض) ظرف ل «انتقام» أو نصب باذكر مقدرة، أي اذكر يا ~~محمد يوم تغير الأرض (غير الأرض) أي بغيرها، وهي أرض جديدة لم يكن عليها ~~بنو آدم بيضاء نقية لم يعمل فيها بالفساد والمعاصي وتكون من فضة خالصة ~~كالصحائف، وقيل: «تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمنون من تحت أقدامهم حتى يفرغ ~~عن الحساب» «1»، قال عليه السلام: «تكون الأرض يومئذ خبزة واحدة يتكفأها ~~الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة» «2»، وقيل: ~~تبديلها تغييرها من هيئة إلى هيئة وهو تسيير جبالها وتسوية أوديتها وقطع ~~أشجارها وجعلها قاعا صفصفا «3» (والسماوات) أي وتبدل السموات بغيرها وهي ~~سماء جديدة من هذب بلا شمس وقمر وسائر النيرات، وقيل: تغيير حالها بتكوير ~~شمسها وخسوف قمرها وانتشار نجومها وكونها مرة كالدهان ومرة كالمهل «4»، ~~وانشقاقها وكونها أبوابا ومطوية كالسجل، وقيل: جعلت الأرض نيرانا والسموات ~~جنانا «5»، وسألت عائشة رسول الله عليه السلام أين يكون الناس «يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض»؟ قال عليه السلام: على الصراط» «6»، وقيل: سأله حبر من ~~أحبار اليهود عن ذلك، فقال عليه السلام: «هم في الظلمة دون الجسر» «7» ~~(وبرزوا) أي وخرجوا من قبورهم (لله الواحد القهار) [48] أي الغلاب على خلقه ~~فيصعب الأمر عليهم في غاية الصعوبة والشدة، لأن الملك إذا كان لواحد غلاب ~~فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 49] # وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) # (وترى المجرمين) أي المشركين من رؤية العين (يومئذ مقرنين) أي مشدودين ~~(في الأصفاد) [49] أي في القيود، جمع صفد وهو القيد، حال من «المجرمين»، ~~يعني يقرن بعضهم مع بعض أو يقرنون مع شياطينهم، وقيل: تشد أيديهم وأرجلهم ~~إلى رقابهم بالأغلال «8». ### || [سورة إبراهيم (14): آية 50] # سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) # (سرابيلهم) جمع سربال وهو القميص، أي قمصهم «9» (من قطران) وهو المائع ~~الذي يطلى به الإبل الجرباء لتشفي من جربها، لأنه يحرق الجرب بحره، وفيه ~~ثلاث لغات، فتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وفتحها مع كسر الطاء «10»، قيل: ~~تطلى به جلود الكفار فتصير ms0866 قمصا «11» لهم فيضطرم «12» عليهم نارا «13»، لأن ~~من شأنه أن يسرع به اشتعال النار (وتغشى) أي تعلو (وجوههم النار) [50] وهم ~~لا يمتنعون منها. ### || [سورة إبراهيم (14): آية 51] # ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) # قوله (ليجزي) اللام فيه لام كي، يتعلق بقوله «برزوا»، أي ليعاقب (الله كل ~~نفس ما كسبت) من خير وشر (إن الله سريع الحساب) [51] أي إذا حاسب، فحسابه سريع. PageV02P285 ### || [سورة إبراهيم (14): آية 52] # هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا ~~الألباب (52) # (هذا) أي القرآن، أي ما وصفه من قوله «ولا تحسبن» إلى قوله «سريع الحساب» ~~«1» (بلاغ) أي كفاية وعظة (للناس) ليوعظوا (ولينذروا به) أي ليخوفوا ~~بالقرآن عن الشرك والمعصية (وليعلموا أنما هو إله واحد) أي ليعرفوا توحيده ~~بالنظر الصحيح بسبب هذه الآيات (وليذكر) أي ليتعظ (أولوا الألباب) [52] أي ~~ذوو العقول الكاملة، جمع لب، وهو جوهر العقل السليم. PageV02P286 ### | سورة الحجر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحجر (15): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) # (الر) أي أنا الله الرقيب على كل شيء (تلك) أي هذه (آيات الكتاب) الكامل ~~في كونه كتابا معجزا (وقرآن مبين) [1] أي بين حلاله وحرامه ورشده ونصحه، ~~وتنكيره للتفخيم وعطفه على «الكتاب» وإن كان هو لبيان كونه جامعا للكمال في ~~بيان الحق من الباطل، وقيل: المراد من «الكتاب» التورية والإنجيل وبالقرآن ~~ما أنزل على محمد عليه السلام «1»، وقيل: الواو للقسم «2». ### || [سورة الحجر (15): آية 2] # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) # (ربما) بالتخفيف والتشديد «3»، و«رب» للتقليل يدخل على الاسم ومع ما يدخل ~~على الفعل الماضي، يقال رب رجل جاءني وربما جاءني رجل، وهي كافة أو نكرة ~~موصوفة ودخلت هنا على المستقبل، وهو (يود الذين كفروا) لأن إخباره تعالى عن ~~الآتي صدق فصار كالماضي في تحققه، أي رب يوم أو حال يتمنى الكافرون (لو ~~كانوا مسلمين) [2] في الدنيا، و«لو» بمعنى «أن» المصدرية، أي الإسلام وذلك ~~إذا عاينوا يوم القيامة أو يوم الموت أو حال من أسلم عند دخوله ms0867 «4» الجنة ~~أو وقت الشفاعة، قال عليه السلام: «لا يزال الرب يرحم ويشفع إليه حتى يقول ~~من كان من المسلمين فليدخل الجنة فيتمنون الإسلام» «5»، والمشهور أنه حين ~~يخرج الله المسلمين من النار وأدخله الجنة فعند ذلك تمنى الكافر أنه كان ~~مسلما في الدنيا، عن موسي الأشعري عن النبي عليه السلام قال: «إذا اجتمع ~~أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لمن في ~~النار من أهل القبلة ألستم مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم ~~إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيغضب الله ~~لهم بفضله ورحمته فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار، فيخرجون منها ~~حينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» «6»، قيل: ربما للتقليل، وهذا ~~التمني يكثر من الكفار «7»، أجيب بأن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة، ~~وإنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا. ### || [سورة الحجر (15): آية 3] # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) # ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام (ذرهم) أي اتركهم (يأكلوا ويتمتعوا) ~~في الدنيا من لذاتها (ويلههم) أي يشغلهم (الأمل) عن الأخذ بحظهم من الإيمان ~~والطاعة (فسوف يعلمون) [3] سوء صنيعهم إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال كفرهم ~~وعملهم القبيح، وهذا تهديد عظيم لهم ولا شك أن التمتع بلذات الدنيا والركون ~~إليها من PageV02P287 # أخلاق الهالكين، ونسخت الآية بآية السيف «1». ### || [سورة الحجر (15): الآيات 4 الى 5] # وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون (5) # (وما أهلكنا من قرية) أي أهلها (إلا ولها كتاب معلوم) [4] الجملة صفة ~~«قرية»، وتوسط الواو بين الموصوف والصفة لتأكيد لصوق الوصف به، أي إلا لها ~~أجل مكتوب في اللوح المحفوظ مبين لا يتقدم عليه ولا يأتيهم العذاب حتى ~~يبلغوه ولا يتأخر عنه، يوضحه «2» قوله (ما تسبق من أمة أجلها) المعلوم ~~و«من» زائدة بعد النفي لتأكيد العموم (وما يستأخرون) [5] عنه، يعني الموت ~~لا يتقدم ولا يتأخر أو المراد الأجل المضروب للعذاب. ### || [سورة الحجر (15): آية 6] # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر ms0868 إنك لمجنون (6) # (وقالوا) أي كفار مكة استهزاء (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) أي القرآن ~~بزعمك وأرادوا به محمدا عليه السلام (إنك لمجنون) [6] أي لتقول قول ~~المجانين بأن الله ينزل عليك القرآن. ### || [سورة الحجر (15): آية 7] # لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) # (لو ما) أي هلا (تأتينا بالملائكة) شاهدين لك بالصدق على ما تقولوا (إن ~~كنت من الصادقين) [7] أنك نبي مرسل وإن العذاب نازل بنا. ### || [سورة الحجر (15): آية 8] # ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) # ثم قال الله تعالى (ما ننزل الملائكة إلا بالحق) أي إلا «3» بالوحي أو ~~بالعذاب للكفار وقبض أرواحهم، قرئ بالنون وتشديد الزاء معلوما، وضم التاء ~~وفتح الزاء بالتشديد مجهولا، وبفتح التاء والزاء والتشديد ورفع الملائكة ~~فاعلا له «4» (وما كانوا إذا منظرين) [8] أي ولو نزلت الملائكة لم يكونوا ~~مؤخرين طرفة عين بالإمهال وعذبوا في الحال، فاذن جواب لهم وجزاء بشرط مقدر. ### || [سورة الحجر (15): آية 9] # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) # قوله (إنا نحن نزلنا الذكر) رد لإنكارهم واستهزائهم بالتأكيد في قولهم ~~«يا أيها الذين نزل عليه الذكر»، أي إنا منزلون على القطع الذكر بجبرائيل ~~على محمد عليه السلام، وأكد ذلك بقوله (وإنا له) أي للذكر وهو القرآن أو ~~لمحمد (لحافظون) [9] من أن يزيد فيه الشيطان أو ينقص عنه، فالله تعالى تولى ~~«5» حفظه من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، ~~فانه لم يتول حفظها، بل استحفظها الربانيين والأحبار، فلذلك وقع الاختلاف ~~فيما بينهم ووقع التحريف والتبديل فيها أو نحن حافظون محمدا من سوء ونقص ~~وشر الأعداء كقوله «والله يعصمك من الناس» «6». ### || [سورة الحجر (15): آية 10] # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) # ثم قال تسلية للنبي عليه السلام (ولقد أرسلنا من قبلك) أي ولقد يعثنا ~~قبلك يا محمد أنبياء (في شيع الأولين) [10] أي في فرقهم وطوائفهم، والشيعة ~~هم القوم المجتمعة المتفقة كلمتهم. PageV02P288 ### || [سورة الحجر (15): الآيات 11 الى 12] # وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (11) كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين (12) # (وما يأتيهم من ms0869 رسول إلا كانوا به) أي بالرسول (يستهزؤن) [11] كما ~~استهزؤا بك، فاصبر كما صبروا وهو حكاية حال ماضية، لأن «ما» النافية لا ~~تدخل «1» على مضارع «2» إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من ~~الحال (كذلك) أي مثل ذلك السلك (نسلكه) أي ندخل الذكر للتكذيب أو الكفر (في ~~قلوب المجرمين) [12] أي مشركي قومك، فان كان الضمير ل «الذكر»، فالمعنى: ~~أنه نلقيه «3» في قلوبهم مكذبا مستهزء به غير مقبول، وإن كان ل «الكفر» كان ~~المعنى: أنه ندخل «4» في قلوبهم حلاوة الكفر إلى الموت للعذاب المؤبد. ### || [سورة الحجر (15): آية 13] # لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) # (لا يؤمنون به) حال المجرمين، أي لا يصدقون بالذكر أو بمحمد أو بالعذاب ~~(وقد خلت) أي مضت (سنة الأولين) [13] أي طريقهم التي سنها الله تعالى في ~~إهلاكهم حين كذبوا رسلهم، وفيه تهديد لأهل مكة. ### || [سورة الحجر (15): آية 14] # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) # (ولو فتحنا عليهم) أي على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة (بابا من ~~السماء فظلوا) أي فصارت الملائكة (فيه) أي في ذلك الباب (يعرجون) [14] أي ~~يصعدون وينزلون منه نهارا ويرى هؤلاء الكفار صعودهم ونزولهم عيانا، وقيل: ~~الضمير في «فظلوا» لهؤلاء الكفار «5»، أي هم صاروا يصعدون، والأول أصح عند ~~المفسرين. ### || [سورة الحجر (15): آية 15] # لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) # (لقالوا إنما سكرت) مخففا ومثقلا «6»، أي أخذت أو حيرت، أي سدت (أبصارنا) ~~يعني منعت أعيننا عن إدراكهم (بل) لقالوا (نحن قوم مسحورون) [15] أي سحرنا ~~محمد فما رأيناه خيال لا حقيقة له لشدة غلوهم في العناد. ### || [سورة الحجر (15): آية 16] # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) # ثم قال إظهارا للقوة الباهرة ليعتبروا فيؤمنوا (ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا) أي نجوما كبارا من برج الشيء إذا ظهر أو المراد منازل الشمس والقمر ~~وهي اثنا عشر برجا، الحمل والثور والجزاء والسرطان والأسد والسنبل والميزان ~~والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت أو قصور «7» في السماء عليها الحرس ~~(وزيناها) أي السماء بالنجوم (للناظرين) [16] أي ms0870 لمن نظر إليها واعتبر. ### || [سورة الحجر (15): آية 17] # وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) # (وحفظناها) أي السماء بالنجوم (من كل شيطان رجيم) [17] أي مرجوم بالشهب ~~أو مطرود من رحمة الله. ### || [سورة الحجر (15): آية 18] # إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) # قوله (إلا من استرق السمع) في محل النصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن ~~من اختلس «8» السمع خلسة أو في محل الجر بدلا من «كل شيطان» أو في محل ~~الرفع على الابتداء، و«من» شرط فلذا دخلت الفاء السببية في قوله (فأتبعه) ~~أي فلحقه (شهاب مبين) [18] أي نجم مضيء ظاهر للمبصرين متوقد محرق بناره، ~~والشهاب في اللغة كل أبيض مضيء، وقيل: هو شعلة من النار «9». PageV02P289 # قال ابن عباس: «إن الشياطين يركب بعضهم بعضا إلى السماء الدنيا، يسترقون ~~السمع من الملائكة الذين يتكلمون بما هو كائن في الأرض، فيرمونهم بالكواكب ~~فلا يخطئ أبدا، فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو يده أو جنبه أو حيث ~~شاء الله ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البوادي» «1»، قيل: إن ~~النجوم ينقض من مكانه ويرمي الشيطان بلهبه ثم يعود إلى مكانه «2»، وقيل: ~~يرميه بلهبه وهو يقعد في مكانه «3»، وعن ابن عباس: «كانت الشياطين لا ~~يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون إلى الكهنة ~~فيكذبون مائة كذبة من عند أنفسهم، فلما ولد عيسي عليه السلام منعوا من ثلث ~~سموات، فلما ولد محمد عليه السلام منعوا من السموات أجمع، فلما منعوا منها ~~ذكروا ذلك لإبليس فقال لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم فوجدوا رسول الله يقرأ ~~القرآن، فقالوا هذا والله حدث» «4»، قال معمر قلت للزهري: «أكان يرمي ~~بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، أفرأيتم قوله أنا كنا نقعد مقاعد للسمع «5» ~~الآية؟ قال: لكن غلظ وشدد أمرها حين بعث محمد عليه السلام» «6». ### || [سورة الحجر (15): آية 19] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) # قوله (والأرض مددناها) عطف على قوله «ولقد جعلنا في السماء بروجا»، أي ~~الأرض بسطناها على وجه الماء، قيل: إنها مسيرة خمسمائة عام في ms0871 مثلها دحيت ~~من تحت الكعبة «7» (وألقينا) أي خلقنا وطرحنا (فيها) أي عليها (رواسي) أي ~~جبالا ثوابت كي لا يتحرك وقد كانت الأرض تميل إلى أن أرساها الله بالجبال ~~(وأنبتنا فيها) أي في الأرض (من كل شيء موزون) [19] أي مقدر معلوم بميزان ~~الحكمة لا تصلح فيها زيادة ولا نقصان من الحبوب وغيرها، وقيل: ما يوزن من ~~الجواهر كالذهب والفضة والحديد وغيرها حتى الكحل والزرنيخ كل ذلك يوزن وزنا ~~«8»، وقيل: المراد كل ما يوزن ويقدر نعمة ومنفعة من الأشياء «9». ### || [سورة الحجر (15): آية 20] # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) # (وجعلنا لكم فيها معايش) بالياء الصريحة دون الهمزة، جمع معيشة بخلاف ~~الشمائل والخبائث، فان تصريح الياء فيهما خطأ، والصواب الهمزة، أي المطاعم ~~والمشارب والملابس، قوله (ومن لستم له برازقين) [20] عطف على «معايش»، أي ~~وجعلنا فيها الذي لستم تعطون رزقه من الدواب والأنعام، ف «من» بمعنى ما أو ~~المراد العبيد والنساء والصبيان والدواب ف «من» في موضعها، المعنى: ان الله ~~هو رزاق كل مرزوق فلا تعتقدوا أنكم ترزقون أحدا. ### || [سورة الحجر (15): آية 21] # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) # ثم بين ذلك بقوله (وإن من شيء) في الأرض والهواء مما يحتاج إلى الرزق ~~(إلا عندنا خزائنه) أي مفاتيح رزقه وهي المطر أو ضرب الخزائن مثلا لاقتداره ~~وتصرفه على كل مقدور، أي ما من شيء إلا وقدرتنا محيطة به ونحن المتصرفون ~~فيه (وما ننزله إلا بقدر معلوم) [21] أي ما ننزل المطر على الأرض إلا بوزن ~~معين عندنا محسوب على قدر المصلحة أو ما نوجده مع كثرته واقتدارنا عليه إلا ~~بحد مقدر وحساب معلوم لنا. # قيل: ما تنزل من السماء قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله تعالى ~~«10»، قال ابن عباس: «كانت الخزان تعلمه إلا يوم الطوفان، فان الماء الذي ~~به أغرق الله قوم نوح طغى عليهم وكثر بقدرته وإرادته فلم PageV02P290 # يحفظوه وقد خرج يومئذ ما يخرج أربعين يوما» «1». ### || [سورة الحجر (15): آية 22] # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ms0872 وما أنتم له ~~بخازنين (22) # (وأرسلنا الرياح) مفردا على تأويل الجنس وجمعا «2» (لواقح) أي حوامل، ~~لأنها تحمل الماء إلى السحاب، جمع لاحقة وهي ناقة تحمل الولد أو اللواقح ~~بمعنى الملقحات، يعني يرسل الله الريح فتلقح السحاب، أي تجعلها ذات حبل ~~كالفحل تلقح الأنثى، ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر، قيل: «لا ~~تقطر قطرة من السماء إلا بالرياح الأربعة، فالصبا تهيجه والشمال تجمعه ~~والجنوب تدره والدبور تفرقه» «3»، قيل: استعمال الريح للشر والرياح للخير ~~«4»، قال ابن عباس: «ما هبت ريح قط إلا جثا النبي عليه السلام على ركبتيه وقال: # اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ~~ريحا» «5»، أي شرا «6»، والحديث محمول على الغالب، لأنه قد جاء في القرآن ~~الريح بمعنى الخير كما في قوله «بريح طيبة» «7»، (فأنزلنا) بارسالها «8» ~~(من السماء ماء فأسقيناكموه) أي جعلنا المطر لكم سقيا تسربونه، يقال: سقي ~~وأسقى بمعنى واحد، وقيل: سقيت الرجل ماء إذا أعطاه ليشرب واسقيته إذا أعطاه ~~لشرب أرضه أو ماشيته (وما أنتم له) أي للمطر (بخازنين) [22] أي بحافظين في ~~خزائنكم بل نحن الخازنون الحافظون في خزائننا فنتصرف فيه إذا نشاء. ### || [سورة الحجر (15): آية 23] # وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) # (وإنا لنحن نحيي ونميت) أي نحيي الأرض بالمطر أيام الربيع ونميتها أيام ~~الخريف أو نحيي للبعث ونميت في الدنيا، فلا يبقى حي سوانا (ونحن الوارثون) ~~[23] أي المالكون أو الباقون بعد فناء الخلق. ### || [سورة الحجر (15): آية 24] # ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) # قوله (ولقد علمنا المستقدمين) أي الأموات (منكم) أي من يتقدم في صف ~~الصلوة أو صف القتال (ولقد علمنا المستأخرين) [24] أي الأحياء ومن يستحيي ~~«9» منكم أو من يتأخر في صف الصلوة أو صف القتال أو المستقدمون هم القرون ~~الأولى، والمستأخرون أمة محمد عليه السلام أو السابقون في الطاعة والخير ~~والمبطئون عن ذلك أو الأولون هم المصلون في أول الوقت والآخرون هم المصلون ~~في آخره أو الأولون والآخرون في الإسلام إشارة إلى أن الله عز وجل عالم ~~بالكليات والجزئيات من ms0873 الموجودات كلها. # قيل: نزلت الآية حين كانت امرأة حسناء تصلي خلف النبي عليه السلام، وكان ~~بعض الناس يتقدم الصف الأول لكي لا يراها ويتأخر بعضهم عنه لكي يراها عند ~~الركوع من تحت إبطه «10». ### || [سورة الحجر (15): آية 25] # وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) # (وإن ربك هو يحشرهم) أي هو يجمعهم يوم القيامة على ما علم منهم فيجازي ~~كلا بعمله (إنه حكيم) حيث حكم بحشر الأولين والآخرين للجزاء والحساب (عليم) ~~[25] أي واسع العلم حيث يعلم حصرهم مع إفراط كثرتهم وحصر جميع أعمالهم مع ~~تباعد أطراف أعدادها، قال النبي عليه السلام: «من مات على شيء بعث الله ~~عليه» «11». PageV02P291 ### || [سورة الحجر (15): آية 26] # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) # (ولقد خلقنا الإنسان) أي آدم (من صلصال) أي من طين مصوت من صل إذا صوت من ~~اليبس عن نقره، وقيل: «الصلصال هو الطين الذي إذا نضب عنه الماء تشقق وإذا ~~حر تقعقع» «1»، وقيل: «هو الطين المنتن» «2»، من صل اللحم إذا أنتن وفسد، ~~قوله (من حمإ) محله جر صفة «صلصال»، جمع حمأة وهو الطين الأسود (مسنون) ~~[26] أي متغير الرائحة أو ما أتته السنون أو مصور أو مصبوب مفرغ من سننت ~~الماء إذا صببته، يعني مفرغ من الطين الإنسان كما يفرغ النحاس من الجواهر ~~في صورة إناء وغيره، روي: أن الله تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيرا ~~أسود ثم خلق منه آدم عليه السلام «3». ### || [سورة الحجر (15): آية 27] # والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) # (والجان) وهو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، وقيل: هو إبليس أبو ~~الشياطين «4» (خلقناه من قبل) أي قبل آدم (من نار السموم) [27] وهي ريح ~~حارة فيها نار تدخل مسام الإنسان فتقتله، وقيل: هي نار بين السماء والحجاب، ~~فاذا أحدث الله أمرا أخرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت والصوت الذي تسمعون خرق ~~ذلك الحجاب، والصاعقة منها «5»، قيل: الجن فيهم مسلمون وكافرون ويحيون ~~ويموتون ويتوالدون ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين وأما الشياطين فليس ~~فيهم مسلمون ويموتون إذا مات إبليس «6»، وروي: «أن ms0874 إبليس من حي من الملائكة ~~يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلق الجن الذين ذكروا في القرآن «من ~~مارج من نار» «7»، «وأما الملائكة فهم خلقوا من النور» «8»، وقيل من نفس ~~إسرافيل «9». ### || [سورة الحجر (15): الآيات 28 الى 29] # وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) # (وإذ قال ربك) أي اذكر وقت قول ربك (للملائكة) أي ملائكة الأرض الذين هم ~~مع إبليس سكان الأرض (إني خالق) أي سأخلق (بشرا من صلصال من حمإ مسنون [28] ~~فإذا سويته) أي أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيه (ونفخت فيه من روحي) أي ~~أحييته وليس ثمه نفخ، لأنه محال على الله، بل هو تمثيل لإلقاء حيوة في شيء ~~ليحيى، والروح جسم لطيف يحيى به الإنسان، وأضافه إلى نفسه تشريفا لآدم ~~(فقعوا) أمر، من الوقوع، أي فخروا (له) أي لآدم (ساجدين) [29] سجدة تحية لا ~~سجدة عبادة وهي لله تعالى. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 30 الى 31] # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) # (فسجد الملائكة) الذين أمروا بالسجود (كلهم أجمعون) [30] ذكر كلاهما ~~تأكيدا، لأن من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر كلهم، ومن المحتمل أنهم سجدوا ~~متفرقين في أوقات مختلفة فدفع ذلك بذكر «أجمعون»، قيل: «إن الله قال لجماعة ~~من الملائكة لم يكن إبليس معهم اسجدوا لآدم، فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم ~~نارا فأحرقتهم، ثم قال لجماعة أخرى فيهم إبليس: اسجدوا لآدم» «10»، فسجد ~~الملائكة (إلا إبليس أبى) أي امتنع عن (أن يكون مع الساجدين) [31] تعظيما ~~واستكبارا عن السجود لآدم مع الملائكة. ### || [سورة الحجر (15): آية 32] # قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) # (قال) الله تعالى (يا إبليس ما لك) أي أي داع لك إلى (ألا تكون مع ~~الساجدين) [32] أي مع الملائكة في PageV02P292 # السجود الذي أمرتكم به. ### || [سورة الحجر (15): آية 33] # قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) # (قال) إبليس (لم أكن لأسجد) واللام فيه للتأكيد، أي لا يصح مني ms0875 «1» ~~ويستحيل أن أسجد (لبشر خلقته من صلصال) أي من طين متقعقع (من حمإ مسنون) ~~[33] أي أسود متغير، يعني منتن لأني أفضل منه ولا يصح أن يسجد الفاضل ~~المفضول. ### || [سورة الحجر (15): آية 34] # قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) # (قال) تعالى (فاخرج منها) أي من الجنة أو من صورة الملك أو من السماء ~~(فإنك رجيم) [34] أي طريد من رحمتي أو شيطان يرجم بالشهاب كالشياطين. ### || [سورة الحجر (15): آية 35] # وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) # (وإن عليك اللعنة) أي دعاء اللعنة في السماء والأرض والمذمة من غير أن ~~تعذب (إلى يوم الدين) [35] أي يوم الحساب والجزاء ثم تعذب فيه. ### || [سورة الحجر (15): آية 36] # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) # (قال) إبليس (رب فأنظرني) أي أمهلني (إلى يوم يبعثون) [36] أي يخرج الخلق ~~من قبورهم أراد أن لا يموت أبدا. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 37 الى 38] # قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) # (قال) تعالى (فإنك من المنظرين) [37] إلى يوم الوقت المعلوم) [38] أي ~~الوقت الذي يموت فيه الخلائق وهو النفخة الأولى أمهله ليكون زيادة في شقائه ~~«2»، قيل: إن مدة موت إبليس أربعون سنة وهو ما بين النفختين «3». ### || [سورة الحجر (15): الآيات 39 الى 40] # قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (40) # (قال) إبليس يا (رب بما أغويتني) الباء للقسم و«ما» مصدرية، أي أقسم ~~بإغوائك إياي، يعني بما أضللتني أو خيبتني من رحمتك أو للسببية، يتعلق بفعل ~~القسم المحذوف، أي بسبب بإغوائك إياي أقسم، وجواب القسم (لأزينن لهم في ~~الأرض) حب الدنيا والمعاصي (ولأغوينهم) أي ولأضلنهم (أجمعين) [39] إلا ~~عبادك منهم المخلصين) [40] بكسر اللام، أي المؤمنين الذين أخلصوا لك الطاعة ~~مع الإيمان، وبفتح اللام «4»، أي الذين أخلصتهم بتوحيدك واصطفيتهم بهدايتك، ~~وإنما استثناهم الخبيث، لأن كيده لا يضرهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 41] # قال هذا صراط علي مستقيم (41) # (قال) تعالى (هذا صراط علي مستقيم) [41] أي هذا التوحيد والإسلام سبيل ~~إلي، مستقيم لا عوج فيه، فمن سلكه بالإخلاص لا يضل عنه أو على واجب ~~استقامته وأن أراعيه وأراعي من ms0876 سلكه مخلصا. ### || [سورة الحجر (15): آية 42] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) # (إن عبادي) الذين أطاعوني (ليس لك عليهم سلطان) أي قوة وحجة على إغوائهم ~~أو ليس لك تسلط عليهم، لأن توقعهم في ذنب يضيق عفوي عنه إن تابوا بعد ~~ارتكابه بالشهوة البشرية (إلا) على (من اتبعك من الغاوين) [42] أي أطاعك ~~باختيار سبيلك وكفر بي وبسبيلي لغوايته. PageV02P293 ### || [سورة الحجر (15): آية 43] # وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) # (وإن جهنم لموعدهم) الضمير يرجع إلى «الغاوين»، أي لمصير إبليس ومن تبعه ~~(أجمعين) [43] حال من الضمير المجرور في «لموعدهم»، والعامل فيه معنى ~~الإضافة. ### || [سورة الحجر (15): آية 44] # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # (لها) أي لجهنم (سبعة أبواب) أي أطباق، بعضها فوق بعض (لكل باب) أي لكل ~~طبقة (منهم) أي من إبليس وأتباعه (جزء مقسوم) [44] أي قوم مخصوصون ~~يسكنونها، وهي جهنم ولظى والحطمة والسعير وسقر والجحيم والهاوية على هذا ~~الترتيب، فأعلاها للموحدين العاصين بعمل الكبائر يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ~~ثم يخرجون، والثانية للنصارى والثالثة لليهود والرابعة للصائبين والخامسة ~~للمجوس والسادسة لأهل الشرك والسابعة للمنافقين. # قال علي رضي الله عنه: «أتدرون كيف أبواب النار هكذا، ووضع إحدى يديه على ~~الأخرى، يعني سبعة أبواب بعضها فوق بعض، وقال: إن الله وضع الجنان على ~~العرض ووضع النيران بعضها على بعض» «1». ### || [سورة الحجر (15): الآيات 45 الى 46] # إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) # ثم بين منازل المؤمنين المطيعين فقال (إن المتقين) أي الخائفين بالتوبة ~~من الشرك والمعصية (في جنات وعيون) [45] أي في بساتين ذات فواكه وأنهار ~~جارية عذبة، يقال لهم (ادخلوها) أي الجنة (بسلام) أي بسلامة من العذاب ومن ~~كل مخوف، وهو نصب على الحال بمعنى سالمين أو مسلما عليكم بسلام الملائكة ~~(آمنين) [46] من الموت والخروج والآفات، حال أخرى «2» أو بدل من «بسلام». ### || [سورة الحجر (15): آية 47] # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) # (ونزعنا ما في صدورهم من غل) أي حقد أو حسد أو عداوة كانت بينهم في ~~الدنيا، يعني أن ms0877 أهل الجنة لا يتحاسدون فيها على المنازل والكرامات لزوال ~~الغش عن قلوبهم، بل يتحابون (إخوانا) حال من «هم» المضاف إليه (على سرر ~~متقابلين) [47] حال أخرى، أي كائنين متحدثين في مقابلة بعضهم بعضا، لا ينظر ~~أحد منهم إلى قفا صاحبه لدوران الأسرة بهم، قيل: إن المؤمن في الجنة إذا ~~أراد أن يلقي أخاه المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ~~ويتحدثان «3». ### || [سورة الحجر (15): آية 48] # لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) # (لا يمسهم) حال من ضمير متقابلين، أي لا يصيبهم «4» (فيها) أي في الجنة ~~(نصب) أي تعب ومشقة (وما هم منها بمخرجين) [48] هذا أظهر آية في القرآن على ~~الخلود في الجنة - د ### || [سورة الحجر (15): آية 49] # نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) # ثم قال الله تعالى لنبيه عليه السلام بعد إتمامه ذكر الوعد والوعيد ~~تقريرا لما ذكره وتمكينا له في النفوس (نبئ عبادي) أي أخبرهم (أني أنا ~~الغفور الرحيم) [49] لمن تاب من الناس، نزل حين خرج النبي عليه السلام على ~~أصحابه وهم يضحكون، فقال: أتضحكون وبين أيديهم النار؟ فجاء جبرائيل فقال: ~~يقول لك ربك يا محمد لم تقنط عبادي؟ فاني غفور لذنوبهم رحيم بهم «5». PageV02P294 ### || [سورة الحجر (15): آية 50] # وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) # (و) أخبرهم أيضا (أن عذابي هو العذاب الأليم) [50] لمن لم يتب، قال عليه ~~السلام: «لو علم العبد قدر رحمة الله لما تورع من حرام، ولو علم قدر عذابه ~~لبخع نفسه» «1»، أي لأهلكها في طاعة الله. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 51 الى 52] # ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون (52) # ثم قال تحريضا على التبشير ومنعا عن الإقناط وتخويفا لهم مما أحل من ~~العذاب من سخط الله بقوم مجرمين بالعطف على «نبئ عبادي» (ونبئهم) أي أخبر ~~عبادي (عن) خبر (ضيف إبراهيم) [51] أي أضيافه، والضيف اسم يدل على القليل ~~والكثير والذكر والأنثى وهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا ~~إبراهيم بالولد، وليهلكوا قوم لوط لإصرارهم على الكفر وفعلهم الخبيث، وأبدل ~~من «ضيف إبراهيم» (إذ دخلوا ms0878 عليه) أي على إبراهيم (فقالوا سلاما) أي فسلموا ~~عليه سلاما، فرد عليهم السلام وأضافهم ولم يأكلوا طعامه فأنكرهم لامتناعهم ~~من الأكل ودخولهم عليه بغير إذن فثمه (قال) إبراهيم (إنا منكم وجلون) [52] ~~أي خائفون. ### || [سورة الحجر (15): آية 53] # قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) # (قالوا لا توجل) أي لا تخف منا وبشروه فقالوا تعليلا للنهي عن الوجل (إنا ~~نبشرك) بالتشديد معلوما من التبشير، وبالتخفيف معلوما من البشر، كلاهما ~~بنون التكلم «2» (بغلام عليم) [53] في صغره وهو إسحق، فعجب إبراهيم من كبره ~~وكبر زوجته مع بشراهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 54] # قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) # (قال أبشرتموني) بالولد (على أن مسني الكبر) أي على حال كبرى (فبم) أصله ~~فبما، وهو «ما» الاستفهامية دخلها معنى التعجب، أي فبأي أعجوبة (تبشرون) ~~[54] بكسر النون مع التخفيف والتشديد، وبفتح النون مع التخفيف «3»، يعني ~~أتبشروني بما هو أمر عجيب مستنكر مع الكبر هو «4» غير متصور في العادة. ### || [سورة الحجر (15): آية 55] # قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) # (قالوا بشرناك بالحق) أي بالصدق وهو وعد الله الذي هو الحق (فلا تكن من ~~القانطين) [55] أي الآيسين من الولد في حال الكبر. ### || [سورة الحجر (15): آية 56] # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) # (قال) إبراهيم (ومن يقنط) بكسر النون وفتحها «5»، أي ومن ييأس (من رحمة ~~ربه) أي من نعمته (إلا الضالون) [56] أي الخاسرون عن الهدى، يعني قال لا ~~أنكر ذلك ولكن استبعده عادة. ### || [سورة الحجر (15): آية 57] # قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) # (قال) إبراهيم لهم (فما خطبكم) أي ما قصدكم من مجيئكم (أيها المرسلون) ~~[57] من الله. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 58 الى 59] # قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) # (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) [58] لإهلاكهم بسبب تفريطهم في كفرهم ~~وهم قوم لوط، قال إبراهيم: PageV02P295 # أتهلكونهم وفيهم لوط؟ قالوا (إلا آل لوط) استثناء متصل، أي إنهم مخرجون ~~من حكم الإرسال وهم أتباعه وأهل دينه أو منقطع بمعنى لكن، والخبر قوله (إنا ~~لمنجوهم أجمعين) [59] بالتخفيف والتشديد «1»، أي ms0879 لكن آل لوط منجون، وعلى ~~الأول استئناف، كأن إبراهيم قال لهم: فما حال آل لوط؟ فقالوا: إنا لمنجوهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 60] # إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) # قوله (إلا امرأته) استثناء من ضمير «لمنجوهم» فيتعلق به، أي سوى امرأة ~~لوط (قدرنا) بالتخفيف والتشديد «2»، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم وهو لله ~~تعالى لاختصاصهم به وقربهم منه، أي قضينا (إنها لمن الغابرين) [60] أي ~~الباقين في العذاب الذين لم يستثنوا منه، والاستثناء من النفي إثبات ومن ~~الإثبات نفي، فاستثنى امرأة لوط من الناجين المستثنين من الهلاك فكانت ~~ملحقة بالهالكين. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 61 الى 63] # فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون (63) # (فلما جاء آل لوط المرسلون) [61] أي الملائكة (قال) لوط (إنكم قوم ~~منكرون) [62] أي لم نقركم وننفر منكم لعلكم جئتمونا بشر (قالوا) ما جئناك ~~بما تنكرنا لأجله (بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) [63] أي بشيء يشك قومك ~~أنه نازل بهم عند إخبارك إياهم بنزول العذاب عليهم، وفيه سرورك وتشفيك من عدوك. ### || [سورة الحجر (15): آية 64] # وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) # (وأتيناك) أي جئناك (بالحق) أي باليقين من عذابهم (وإنا لصادقون) [64] في ~~قولنا إن العذاب نازل بهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 65] # فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث ~~تؤمرون (65) # (فأسر) بقطع الهمزة وبالوصل «3»، من أسرى وسرى، أي سر (بأهلك بقطع من ~~الليل) أي اذهب بهم في آخر الليل، ثم أمرهم باتباع أدبارهم مع نهيهم عن ~~الالتفات لئلا يشتغل قلبه بمن خلفه، ويكون مطلعا عليهم ويحفظهم عما يصيب ~~أعداءهم في تلك الحال الهولة المحذورة بقوله (واتبع أدبارهم) أي سر خلفهم ~~(ولا يلتفت منكم أحد) أي لا يتخلف أحد من أهلك لغرض له فيصيب العذاب إذا ~~نزل بقومهم (وامضوا حيث تؤمرون) [65] عدي «امضوا» إلى «حيث» كتعديته إلى ~~الظرف المبهم، لأن «حيث» مبهم في الأمكنة، قيل: # إنهم أمروا إلى الشام «4» مدينة زعر «5»، وقيل: إلى الأردن «6»، وقيل: ~~إلى مصر «7». ### || [سورة الحجر (15): آية 66] # وقضينا إليه ذلك الأمر أن ms0880 دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) # ثم قال الله تعالى (وقضينا) أي أخبرنا أو حكمنا بالوحي (إليه) أي إلى لوط ~~(ذلك الأمر) أي الأمر الذي أمرنا في قوم لوط، ثم فسر ذلك الأمر بعد الإبهام ~~تفخيما له بقوله (أن دابر هؤلاء) أي آخرهم «8» (مقطوع) أي مستأصل حتى لا ~~يبقى منهم أحد (مصبحين) [66] أي داخلين في الصباح. ### || [سورة الحجر (15): آية 67] # وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) # (وجاء أهل المدينة) أي سدوم، وهي قرية قوم لوط بالدال غير «9» المعجمة ~~(يستبشرون) [67] أي يبشر بعضهم PageV02P296 # بعضا بأضياف لوط في ارتكاب الفاحشة منهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 68] # قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) # (قال) لوط لقومه (إن هؤلاء ضيفي) وحق على الرجل إكرام ضيفه (فلا تفضحون) ~~[68] بفضيحتهم. ### || [سورة الحجر (15): آية 69] # واتقوا الله ولا تخزون (69) # (واتقوا الله) أي اخشوا عقابه (ولا تخزون) [69] أي ولا تخجلوني أو لا ~~تذلوني في ضيفي. ### || [سورة الحجر (15): آية 70] # قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) # (قالوا أولم ننهك عن العالمين) [70] أي عن أن تضيف أحدا من الغرباء وتدفع ~~عنهم من التعرض بهم. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 71 الى 72] # قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) # (قال هؤلاء بناتي) أي بنات قومي أزوجكم (إن كنتم فاعلين) [71] أي إن ~~فعلتم ما أقول لكم، وفيه شك لهم في قبولهم بذكر «إن»، قيل: إن كل نبي أمته ~~أولاده، رجالهم بنوه ونساؤهم بناته «1»، قالت الملائكة للوط عليه السلام أو ~~قال الله تعالى يا محمد (لعمرك) أي وحيوتك قسم مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: ~~لعمرك قسمي (إنهم لفي سكرتهم) أي حيرتهم وضلالتهم (يعمهون) [72] أي ~~يترددون، فالمراد منهم أهل مكة، لأنهم يسمعون هذه العجائب ولا ينفعهم ~~سماعهم بها، وهم عن جهالتهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير ~~به «2» عليهم يتحيرون فلا يقبلون منك، قيل: «ما خلق الله نفسا أكرم عليه من ~~محمد عليه السلام وما أقسم بحيوة أحد إلا بحيوته كرامة له» «3»، والعمر ~~بالفتح والعمر بالضم واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه، ~~لأن الحلف كثير الدور في ms0881 ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر. ### || [سورة الحجر (15): آية 73] # فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) # (فأخذتهم الصيحة) أي صيحة جبرائيل (مشرقين) [73] أي داخلين في الشروق وهو ~~الطلوع، يعني حين أضاءت الشمس، قيل: كان ابتداء العذاب حين أصبحوا وانتهاؤه ~~حين أشرقوا «4». ### || [سورة الحجر (15): آية 74] # فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) # (فجعلنا عاليها سافلها) الضمير فيهما للقرى، لأن جبرائيل قلع الأرضين بهم ~~ورفعها على جناحه إلى السماء ثم أهوى بها نحو الأرض ثم صاح بهم صيحة شديدة ~~فأهلكوا (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) [74] أي على شذاذهم من طين مطبوخ ~~مكتوب عليه اسم من يرمى به. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 75 الى 76] # إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) # (إن في ذلك) أي في إهلاك قوم لوط (لآيات) أي لعبرات (للمتوسمين) [75] أي ~~للمتفرسين العارفين حقيقة سمة الشيء إذا نظروا فيه أو الناظرين نظر عبرة، ~~قال عليه السلام: «اتقوا فراسة المؤمن، فانه ينظر بنور الله» «5»، ثم قرأ ~~هذه الآية وهو نور اطلاع الله على القلب المزكى (وإنها) أي قرى قوم لوط بعد ~~هلاكها (لبسبيل) أي لفي طريق (مقيم) [76] أي ثابت معلوم ليس بخفي ولا زائل ~~فاعتبروا واتعظوا بآثارهم يا أهل مكة إذا ذهبتم إلى الشام. PageV02P297 ### || [سورة الحجر (15): آية 77] # إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) # (إن في ذلك) أي في هلاكهم (لآية) أي لعبرة (للمؤمنين) [77] أي للمصدقين. ### || [سورة الحجر (15): آية 78] # وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) # ثم قال (وإن كان) أي وقد كان (أصحاب الأيكة) أي الغيضة وهي شجر مجتمع ~~ملتف في واد، وهم قوم شعيب عليه السلام (لظالمين) [78] لأنه دعاهم إلى الحق ~~فأبوا فصاروا كافرين به، واللام للتأكيد. ### || [سورة الحجر (15): آية 79] # فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) # (فانتقمنا منهم) بالعذاب، روي: أن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام فبعث ~~الله سحابة فالتجؤا إليها استطلالا بها، فأنزل عليهم منها نارا فأحرقتهم ~~«1»، وهو عذاب يوم الظلة (وإنهما) أي مدينة قوم لوط والأيكة أو الأيكة ~~ومدين، لأن شعيبا أرسل إليهما معا فذكروا إحديهما دل على ذكر الأخرى، ~~والباء بمعنى «في» في قوله (لبإمام ms0882 مبين) [79] أي لفي طريق واضح يؤتم به ~~ويستدل على المقصد. ### || [سورة الحجر (15): آية 80] # ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) # (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) [80] وهم قوم صالح كذبوا صالحا وحده ~~فكأنهم كذبوا جميع المرسلين أو المراد صالح ومن معه من المؤمنين، والحجر ~~واد بين المدينة والشام من أرض ثمود. ### || [سورة الحجر (15): آية 81] # وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) # (وآتيناهم آياتنا) وهي الناقة وولدها والبئر أو المراد الناقة وحدها، ~~وفيها آيات كثيرة من خروجها من الصخرة وكبرها على سائر الحيوانات وقرب ~~ولادتها مثلها وكثرة لبنها وأكلها وشربها (فكانوا عنها معرضين) [81] أي بها ~~مكذبين. ### || [سورة الحجر (15): آية 82] # وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) # (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين) [82] من الخراب ووقوع الجبل عليهم ~~وثقب اللصوص وشر الأعداء وحوادث الدهر لوثاقة البيوت فعقروا الناقة وقسموا لحمها. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 83 الى 84] # فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) # (فأخذتهم الصيحة) أي صيحة جبرائيل (مصبحين) [83] أي داخلين في الصبح (فما ~~أغنى) أي ما نفع (عنهم ما كانوا يكسبون) [84] من الكفر والمعاصي أو من ~~عددهم وعددهم وتشييد حصونهم - عن جابر مررنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن ~~تكونوا باكين حذرا أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء» «2». ### || [سورة الحجر (15): آية 85] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) # (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) أي إلا ملابسا بالصدق ~~وهو الحكمة لا بالبعث والباطل، يعني لينظروا إليها ويعتبروا فيؤمنوا بك يا ~~محمد «3» وهم يكذبونك (وإن الساعة لآتية) أي لكائنة لا محالة لننتقم لك ~~فيها من أعدائك (فاصفح) أي أعرض عنهم واحتمل أذاهم (الصفح الجميل) [85] أي ~~الإعراض الحسن وهو كونه بلا حقد وجزع منك، نسخ بآية السيف «4». PageV02P298 ### || [سورة الحجر (15): آية 86] # إن ربك هو الخلاق العليم (86) # (إن ربك هو الخلاق) أي البليغ الخلق والإيجاد من العدم (العليم) [86] ~~بحال ما يخلقه ويوجده ممن يؤمن ومن لا يؤمن، فيعلم ms0883 بحالك وحالهم، ويعلم متى ~~قيام الساعة فيحكم بينكم بالعدل والإنصاف فيها. ### || [سورة الحجر (15): آية 87] # ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) # قوله (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) إلى آخره، نزل متصلا بما قبله لنهي ~~النبي عليه السلام عن الرغبة في الدنيا بعد الأمر بالإعراض عن أهلها، لأن ~~الله تعالى أغناه بالقرآن والسبع المثاني، أي ولقد أعطيناك مكان نعم الدنيا ~~سبع آيات من المثاني، جمع مثناة أو مثنية وهي الفاتحة، فانها سبع آيات ~~بالإجماع وسميت مثاني، لأنها تثنى في الصلوة، أي تقرأ في كل ركعة، ف «من» ~~للبيان أو لاشتمالها على الثناء على الله، ف «من» فيه تبعيض، وقيل: # «لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة، كل مرة معها سبعون ألف ملك» ~~«1»، وقيل: «لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة» «2»، وقيل: «السبع ~~المثاني هي السبع الطول، أولها البقرة وآخرها الأنفال مع التوبة» «3»، ~~لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة (والقرآن العظيم) ~~[87] عطف على «سبعا»، وليس فيه عطف الشيء على نفسه، لأنه لما عني بالسبع ~~الفاتحة أو السبع الطول فما وراءها يطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على ~~البعض كما يقع على الكل، فكأن القرآن غيرها فحسن العطف، قال عليه السلام: # «أم القرآن هي السبع المثاني» «4»، والقرآن العظيم سائر القرآن أو السبع ~~المثاني كل القرآن، والمراد منه سبعة أسباع القرآن، فالعطف بقوله «والقرآن ~~العظيم» للبيان، فالمعنى: آتيناك ما هو موصوف بهذين الوصفين الشريفين فلا ~~ترغب في غيره بقلبك. ### || [سورة الحجر (15): آية 88] # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك ~~للمؤمنين (88) # (لا تمدن عينيك) أي لا تنظرن بعين الرغبة والميل (إلى ما متعنا به) أي ~~الذي أعطيناه في الدنيا (أزواجا) أي أصنافا من المال (منهم) أي بعض الكفار ~~متمنيا لها، ف «أزواجا» حال من الضمير في «به»، والفعل واقع على «منهم»، ~~ويجوز أن يقع الفعل على «أزواجا»، و«من» للبيان، أي أصنافا من الكفرة «5» ~~(ولا تحزن) أي لا تغتم (عليهم) إن لم يؤمنوا أو على ms0884 نعمهم التي في أيديهم ~~بفوت مشاركتك إياهم في دنياهم، فانها متاع قليل حقير في جنب القرآن العظيم، ~~فعليك أن تستغني به، قال عليه السلام: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» «6»، ~~أي لم يستغن به من مال الدنيا أو لا تحزن عليهم إن نزل بهم العذاب (واخفض ~~جناحك للمؤمنين) [88] أي لين جانبك لهم وارفق بهم، والجناحان من ابن آدم ~~جانباه. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 89 الى 90] # وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) # (وقل) لأهل مكة (إني أنا النذير المبين) [89] أي المخوف لكم بالقرآن الذي ~~هو برهان بين بلغة تعرفونها أن العذاب نازل بكم إن لم تؤمنوا (كما أنزلنا) ~~العذاب (على المقتسمين) [90] الكاف صفة مصدر محذوف بفعل الأمر يدل عليه ~~«أنا النذير»، أي أنذرهم إنذارا مثل ما أنزلنا من العذاب على أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى الذين اقتسموا ما يقرؤون من كتبهم، فان اليهود أقرت ببعض ~~التورية وكذبت ببعض، وكذا النصارى في PageV02P299 # الإنجيل، ويجوز أن يكون الكاف متعلقا ب «آتيناك» بمعنى أنزلنا عليك مثل ~~ما أنزلنا على المقتسمين، يعني شرفناك بالقرآن كما شرفناك بانزالنا العذاب ~~على المقتسمين فيكون هذا تسلية للنبي عليه السلام عن صنع قومه بالقرآن حيث ~~آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويكون توسط «لا تمدن» إلى آخره بينهما مددا لهذه ~~التسلية بالنهي عن الالتفات إلى دنياهم وبالأمر بالإقبال على المؤمنين ~~وقيل: المقتسمون هم الذين اقتسموا القرآن «1»، قال بعضهم: سحر «2»، وقال ~~بعضهم: شعر «3»، وقال بعضهم: كذب «4»، وقيل: المقتسمون المشركون الذين ~~اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم يثبطون الناس عن اتباع النبي عليه السلام ~~والإيمان به، ويذكرون عندهم مساويه «5». ### || [سورة الحجر (15): آية 91] # الذين جعلوا القرآن عضين (91) # ثم وصفهم بالصفة الكاشفة بقوله (الذين جعلوا القرآن) المنزل على الرسول ~~عليه السلام (عضين) [91] جمع عضة، أصلها عضوة من عضيت الشاة إذا جعلتها ~~أعضاء، أي أجزاء، ومنه العضو، لأن البعض قال: # القرآن شعر «6»، وبعض قال: سحر «7»، وبعض كهانة «8»، وبعض أساطير الأولين ~~«9»، ففرقوا القول فيه. ### || [سورة الحجر (15): الآيات 92 الى 93] # فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون ms0885 (93) # قوله (فو ربك) إقسام بنفسه تعالى سخطا عليهم (لنسئلنهم أجمعين) [92] سؤال ~~توبيخ يوم القيامة (عما كانوا يعملون) [93] في الدنيا، والقول أيضا من ~~العمل، قيل: «لا يسألهم هل عملتم، لأنه تعالى أعلم به منهم، بل يقول لم ~~عملتم كذا» «10» «سؤال تقريع وتوبيخ لا سؤال استعلاء» «11». ### || [سورة الحجر (15): آية 94] # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) # (فاصدع بما تؤمر) أي أظهر وبين بالبيان الشافي الذي تؤمر به من الشرائع ~~والأحكام بالقرآن الموحى إليك ليتميز الحق عن غير الحق، وأصل الصدع الشق في ~~الشيء الصلب كالزجاج وغيره، استعير لكمال كشف الحق بالحجة القطعية (وأعرض ~~عن المشركين) [94] أي اتركهم حتى يأتيك أمر الله بالقتال، وهذا نسخ بآية ~~السيف «12»، قيل: «كان رسول الله عليه السلام مستخفيا الوحي، لا يظهر منه ~~شيئا قبل نزول «فاصدع بما تؤمر»، ثم خرج هو وأصحابه لإظهار الدعوة بالقرآن» «13». ### || [سورة الحجر (15): آية 95] # إنا كفيناك المستهزئين (95) # روي: أن جماعة من المشركين كانوا بمكة يستهزؤون النبي عليه السلام حين ~~أظهرها ويؤذونه كثيرا فنزل تسلية له عليه السلام «14» (إنا كفيناك ~~المستهزئين) [95] بك وبالقرآن، فان بعضهم كان يقول سورة العنكبوت لي وبعضهم ~~سورة النحل لي. ### || [سورة الحجر (15): آية 96] # الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) # قوله (الذين يجعلون) أي بعتقدون (مع الله إلها آخر) أي الأصنام وغيرها، ~~مبتدأ، خبره (فسوف يعلمون) [96] ما يفعل بهم من العذاب، وهم خمسة نفر من ~~رؤساء قريش فأهلك الله تعالى في يوم واحد وليلة واحدة جميعهم، كل واحد منهم ~~بنوع من العذاب قبل بدر وهو وعيد لسائر الكفار. PageV02P300 ### || [سورة الحجر (15): آية 97] # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) # ثم قال الله تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) [97] من ~~الاستهزاء والتكذيب والطعن بك بالقرآن. ### || [سورة الحجر (15): آية 98] # فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) # (فسبح بحمد ربك) أي صل حامدا ربك ولا تشغل قلبك بهم أو قل سبحانك والحمد ~~لله أو تضرع إليه في الشدائد (وكن من الساجدين) [98] أي المصلين المتواضعين ~~يكشف عنك الغم، قيل: كان رسول الله عليه السلام ms0886 إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلوة «1». ### || [سورة الحجر (15): آية 99] # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) # (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [99] أي استقم على التوحيد وكل ما أمرت من ~~العبادة حتى يحضرك الموت الموقن وهذا كقول عيسي «وأوصاني بالصلاة والزكاة ~~ما دمت حيا» «2»، قال عليه السلام: «ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من ~~التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين» «3». PageV02P301 ### | سورة النحل # مكية إلا «وإن عاقبتم» «1» إلى آخر السورة «2» بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النحل (16): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) # (أتى أمر الله) أي جاء وقرب عذابه، لأن ما هو آت قريب وهو وعيد للمشركين ~~بيوم القيامة. # نزل حين كانوا يستبطئون نزول العذاب بعد قوله تعالى «اقتربت الساعة» «3»، ~~فانهم قالوا بعضهم لبعض: إن محمدا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ~~أعمالكم من التكذيب والاستهزاء والكيد حتى ننظر ما هو كائن، فلما لم ينزل ~~قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله «اقترب للناس حسابهم» «4»، فأشفقوا منه فلما ~~امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله أتى أمر ~~الله فوثب النبي عليه السلام، ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنه أتى حقيقة فنزل ~~«5» (فلا تستعجلوه) أي لا تطلبوا أمر الله قبل حينه، والاستعجال طلب الشيء ~~قبل أوانه فاطمأنوا، وقيل: المراد من أمر الله العذاب بالسيف والمستعجل به ~~النضر بن الحارث حيث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء فقتل يوم بدر صبرا «6»، ولما استهزؤا النبي عليه السلام ~~باستعجال العذاب ولم يأتهم جعلوا أصنامهم شركاء لله في العبادة، فنزه تعالى ~~نفسه عن الشرك بقوله (سبحانه وتعالى عن ما يشركون) [1] بالياء والتاء «7»، ~~أي تعاظم وتنزه عن إشراك معبوديهم بصفاته الحميدة أو عن الذي يشركون به من ~~الأوثان، ف «ما» مصدرية أو موصولة، ولما كان شركهم من جهلهم وموت قلوبهم ~~أراد أن يعلمهم أن العبادة لا يكون ms0887 إلا بالوحي الموجب لحيوة القلب ورفع ~~الجهل بقوله. ### || [سورة النحل (16): الآيات 2 الى 3] # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله ~~إلا أنا فاتقون (2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) # (ينزل) بضم الياء وكسر الزاء مخففا ومشددا «8»، والفاعل الله والمفعول ~~(الملائكة بالروح) أي بالوحي، لأنه PageV02P302 # سبب حيوة القلب أو بالنبوة أو بالرحمة أو بجبرائيل، فالباء بمعنى مع (من ~~أمره) أي بأمره وإرادته (على من يشاء من عباده) من الأنبياء، ومحل (أن ~~أنذروا) جر بدل من «الروح»، ف «أن» مصدرية، أي ينزلهم بأن أنذروا أو بأنه ~~أنذروا، فالضمير للشأن و«أن» مخففة من الثقيلة، ويجوز أن يكون مفسرة، لأن ~~تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول، أي يقول الله لهم أعلموا الناس (أنه ~~لا إله إلا أنا فاتقون) [2] أي خافوني ولا تشركوا بي شيئا من نذرت بكذا إذا ~~علمته، ثم دل على واحدانيته بخلق ما يعجز عنه غيره فقال (خلق السماوات ~~والأرض بالحق) أي للحق وهو أن ينظر إليه ويعتبر فيوحد ولا يشرك به (تعالى) ~~أي ارتفع وتعاظم (عن ما يشركون) [3] به من الأصنام وغيرها. ### || [سورة النحل (16): الآيات 4 الى 5] # خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ~~ومنافع ومنها تأكلون (5) # (خلق الإنسان من نطفة) أي من ماء الرجال الذي لا حس به ولا حركة دلالة ~~على قدرته (فإذا هو خصيم) أي جدل بالباطل (مبين) [4] أي ظاهر الجدال وجاء ~~بالفاء، و«إذا» للمفاجأة إشارة إلى سرعة نسيانهم ابتداء خلقهم مع ظهور ~~المذكر، نزل في شأن أبي بن خلف الجحمى وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم وجعل ~~يفته بيده فقال يا محمد: أتقول إن الله يحيي هذا بعد ما رم؟ والصحيح أن ~~الآية عامة لبيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوا من جحد نعم الله مع ظهورها ~~عليهم «1» قوله (والأنعام) نصب بمضمر يفسره (خلقها) أي الله خلق الأنعام ~~الإبل والبقر والغنم (لكم) أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان ~~(فيها دفء) ms0888 وهو ما يستدفأ به، أي يستمتع به من الحر والبرد كالأكسية ~~والأردية والأخبية (ومنافع) بالنسل ودر اللبن وركوب الظهر وحمل الأثقال ~~(ومنها تأكلون) [5] أي من لحومها بالذبح، وقيد الأكل من الأنعام، لأنه هو ~~المعتمد وإن أكل غيره كالبط والدجاج فللتفكه والتداوى. ### || [سورة النحل (16): آية 6] # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) # (ولكم فيها) أي في الأنعام (جمال) أي زينة وحسن المنظر (حين تريحون) أي ~~ترجعونها بالعشي من مراعيها إلى مراحها (وحين تسرحون) [6] أي تخرجونها ~~بالغدوة إلى مسارحها وقدم الرواح، لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح ويكون ~~مالكها أعجب بها إذا راحت «2» من مسارحها إلى مراحها، لأنها أكثر لبنا ~~وأحسن خلقا. ### || [سورة النحل (16): آية 7] # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف ~~رحيم (7) # (وتحمل أثقالكم) أي أحمالهم وزادهم (إلى بلد) آخر (لم تكونوا بالغيه) أي ~~واصليه (إلا بشق الأنفس) أي بمشقتها، والشق النصف أيضا، فكأن الجهد ذهب ~~بنصف القوة، يعني لم تكونوا واصلين إليه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها ~~(إن ربكم لرؤف) بكم بخلق هذه الحوامل تيسيرا لمصالحكم (رحيم) [7] بكم حيث ~~لم يعجل بعقابكم بترك شكر نعمه. ### || [سورة النحل (16): آية 8] # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) # (والخيل) عطف على الأنعام، أي وخلق الخيل وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه ~~كالإبل والنساء «3» (و) خلق (البغال والحمير لتركبوها وزينة) نصبه مفعول ~~له، أي وللزينة عطفا على محل «لتركبوها»، وإنما خولف بينهما في النظم، لأن ~~الركوب فعل المخلوق المخاطب والزينة فعل الخالق أو وجعلها زينة لكم مع ~~المنافع التي فيها واحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو أبو حنيفة ~~ومالك رضي الله عنهما، لأنه علل هذه الأصناف PageV02P303 # الثلاثة بالركوب والزينة ولم يذكر الأكل منها بخلاف الأنعام، فانها خلقت ~~للركوب والأكل كما قال ومنها تأكلون، والشافعي وأحمد وإسحق أباحوا لحوم ~~الخيل، وقالوا ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منه ~~تعريف الله تعالى عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا ms0889 بما ~~قال جابر: «نهى النبي عليه السلام يوم خيبر لحوم الحمر، ورخص في لحوم ~~الخيل» «1»، وروي عن أسماء أنها قالت: «نحرنا على عهد رسول الله عليه ~~السلام فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه» «2» (ويخلق) الله سواها (ما لا تعلمون) ~~[8] وهو ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله، ويمن علينا بذكره مع ~~الدلالة على قدرته أو الملائكة والجن وغيرهما من الخلق أو ما أعد في الجنة ~~لأهلها وفي النار لأهلها ما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر، ~~وقيل: «ما لا تعلمون كيف يخلقه وهو السوس في النبات والدود في الفواكه» «3». ### || [سورة النحل (16): آية 9] # وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) # (وعلى الله قصد السبيل) أي بيان الطريق الموصل إلى الحق بالآيات ~~والبراهين كقوله تعالى «إن علينا للهدى» «4»، معناه: علينا بيان طريق الهدى ~~والضلال واجب لطفا وكرما، فان كلمة «على» محمولة على وجوب الكرم هنا عند ~~أهل السنة، إذ العقل يأبى وجوب شيء على الله تعالى «5»، و«على» فيه يدل ~~وجوب الكرم، ولذا لم يقل وعليه جائرها «6»، وقيل: القصد من السبيل دين ~~الإسلام وما فيه من الشرائع والأحكام «7» (ومنها جائر) أي ومن السبيل ما هو ~~مائل عن الاستقامة بارادته تعالى دون رضاه وهو سبيل الشيطان والبدع ~~والأهواء، يقال جار فلان عن القصد إذا مال عن الجادة بسوء اختياره، وقيل: ~~اليهودية والنصرانية وسائر أديان الكفر «8» لقوله تعالى «وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» «9»، المعنى: أن ~~السبيل بعضه سبيل القصد الذي يؤدي إلى رضا الله وثوابه، وبعضه سبيل الجور ~~الذي يعدل عنه إلى سخط الله وعقابه، وكلاهما بمشية الله تعالى، فبهذا ~~المعنى يناسب الكلامان في الأسلوب، فاندفع به قول من قال كان أسلوب الكلام ~~أن يقول وعليه جائرها مكان قوله «ومنها جائر»، وإنما غيره ليعلم بما لا ~~يجوز إضافته إليه من السبيلين وهو الجائر، وهذا القول لأهل الاعتزال (ولو ~~شاء لهداكم أجمعين) [9] أي ولو شاء مشية قسر في هداية الخلق لأرشدهم ms0890 إلى ~~صلاحكم أجمعين بأن ينزل آية يلجؤكم إلى الإيمان. ### || [سورة النحل (16): آية 10] # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) # (هو الذي أنزل من السماء ماء) أي مطرا (لكم منه شراب) أي ما تشربون من ~~الماء المنزل ويشرب أنعامكم (ومنه شجر) أي ومن ذلك الماء حصول نباتكم ~~والعرب تطلق الشجر على النبات، ومنه حديث عكرمة: «لا تأكلوا ثمن الشجر فانه ~~سحت» «10»، أراد منه النبات، وذلك قبل الإحراز وثبوت الملك «11» (فيه ~~تسيمون) [10] أي في الشجر ترعون مواشيكم، يقال سامت الماشية إذا رعت. ### || [سورة النحل (16): آية 11] # ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون (11) # (ينبت) بالنون والياء «12»، أي الله يرفع من الأرض (لكم به) أي بالماء ~~أنزله (الزرع والزيتون والنخيل PageV02P304 # والأعناب) أي الكروم (ومن كل الثمرات) أي ومن ألوانها، «من» فيه تبعيض، ~~لأن كل الثمرات لا تكون إلا «1» في الجنة وإنما أنبت «2» في الأرض بعض من ~~كلها للتذكرة (إن في ذلك) أي في نزول الماء من السماء وخروج النبات من ~~الأرض بسببه (لآية) أي لعبرة (لقوم يتفكرون) [11] فيستدلون بها على قدرته ~~وحكمته. ### || [سورة النحل (16): آية 12] # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون (12) # (وسخر لكم الليل والنهار) أي ذللهما لمعاشكم واستراحتكم (والشمس والقمر ~~والنجوم) بنصب الثلثة، أي وذلل الكل لكم لتعلموا عدد السنين والحساب بالشمس ~~والقمر وتهتدوا في طرقهم بالنجوم، وبنصب (مسخرات) أي ونفعكم بها حال كونها ~~مذللات لما خلقن له (بأمره) أي باذنه وبرفع الكل على الابتداء والخبر وبرفع ~~النجوم ومسخرات كذكل دون غيرهما «3» (إن في ذلك) أي في تسخير المذكورات ~~(لآيات) أي لدلالات واضحات (لقوم يعقلون) [12] أي يفهمون بذهن الإنسانية. ### || [سورة النحل (16): آية 13] # وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) # (وما ذرأ لكم) أي وسخر لكم ما خلق لأجلكم (في الأرض) من الدواب والأشجار ~~والثمار وغيرها (مختلفا ألوانه) نصب على الحال من «ما ذرأ» ms0891 المفعول (إن في ~~ذلك) أي في اختلاف ألوانه (لآية لقوم يذكرون) [13] أي يتعظون فيؤمنون. ### || [سورة النحل (16): آية 14] # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) # (وهو الذي سخر البحر) أي ذلل لكم البحر العذب والملح (لتأكلوا منه لحما ~~طريا) أي سمكا غضا، وإطلاق اللحم عليه على خلاف العادة، لأن من حلف لا يأكل ~~لحما فأكل سمكا لم يحنث، لأن مبنى الإيمان على العادة (وتستخرجوا منه) أي ~~من البحر «4» الملح (حلية) أي اللؤلؤ والمرجان (تلبسونها) أي تتزينون بها، ~~والمراد تزين النساء بها لأجل الرجال فكأنها زينتهم، وفيه دليل على أن ~~اللؤلؤ والمرجان من الحلي (وترى الفلك مواخر) أي جواري (فيه) أي في البحر ~~مقبلة ومدبرة بريح واحدة، والمخر «5» الشق لأنها إذا جرت تشق الماء بصدرها، ~~وفي الحديث: «إذا أراد أحدكم البول فليمتخر الريح» «6»، أي فليستدبرها حتى ~~لا ترد عليه البول، قوله (ولتبتغوا) عطف على مقدر، أي لتركبوها ولتطلبوا ~~(من فضله) أي من رزقه بالتجارة (ولعلكم تشكرون) [14] أي لكي تشكروا إذا ~~رأيتم صنع الله فيما سخر لكم. ### || [سورة النحل (16): الآيات 15 الى 16] # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) # (وألقى) أي وضع لله (في الأرض رواسي) أي جبالا ثوابت (أن تميد) أي لئلا ~~تميل بحذف «لا» وإرادة ثبوتها أو كراهة أن تميل (بكم) من ماد إذا مال ~~واضطرب، قيل: «لما خلق الله الأرض جعلت تميل، فقالت الملائكة: إن هذه غير ~~مقرة أحدا على ظهرها فأصبحوا وقد أرسيت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت PageV02P305 # الجبال» «1» (وأنهارا وسبلا) أي وجعل في الأرض لكم أنهارا وطرقا مختلفة ~~(لعلكم تهتدون) [15] أي تصلون إلى ما تريدون (وعلامات) أي وجعل في الأرض ~~معالم للطريق من الجبال والأشجار والمياه لتهتدوا وتعرفوا بها طرقكم في حال ~~السفر «2» (وبالنجم هم يهتدون) [16] فيه أورد بضمير الغيبة بعد الخطاب مع ~~تقديم «النجم» على «هم» للاختصار، وأراد به قريشا كأن لهم اهتداء بالنجوم ms0892 ~~في أسفارهم، يعني أن لهم بذلك علما لم يكن مثله لغيرهم فكأن الشكر أوجب ~~عليهم، فلذلك خصصوا «3» بالذكر في الاهتداء بالنجم، والمراد ب «النجم» ~~الجنس لا العهد كما قيل من أن المراد به الثريا والجدي وبنات نعش والفرقدان ~~لما فيه من التحكم «4». ### || [سورة النحل (16): آية 17] # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) # (أفمن يخلق) أي أأنتم تشركون الله غيره في العبادة والاحترام «5»، فمن ~~يخلق، أي الله القادر (كمن لا يخلق) أي الأصنام العجزة، و«من» للعقلاء، لأن ~~آلهتهم أجريت مجرى العقلاء لتسميتهم آلهة، قيل «6»: أصل النظم أن يقال: ~~أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ لأنهم سموا الأصنام آلهة تشبيها بالله، فقد جعلوا ~~غير الخالق مثل الخالق كالحجارة، أجيب بأنهم لما سووا بينه وبينها في ~~العبادة، فكأنهم جعلوا الله جنس المخلوقات، فأنكر عليهم ذلك بقوله «أ فمن ~~يخلق كمن لا يخلق» «7»، أي لا يشبه القادر بغير القادر «8» (أفلا تذكرون) ~~[17] أي أفلا تتعظون في صنعه، فتعلموا أنه واحد لا شريك له فتؤمنوا به ~~وتعبدوه ولا تشركوا به شيئا منها. ### || [سورة النحل (16): آية 18] # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) # (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أي لا تضبطوا عددها فكيف تطيقون القيام ~~بشكرها (إن الله لغفور) لتقصيركم في شكر نعمه (رحيم) [18] بكم حيث وسع ~~عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي. ### || [سورة النحل (16): آية 19] # والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) # (والله يعلم ما تسرون) أي ما تضمرون في قلوبكم (وما تعلنون) [19] أي وما ~~تجهرون بالقول. ### || [سورة النحل (16): آية 20] # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) # (والذين يدعون) بالتاء والياء «9»، أي يعبدون (من دون الله) أي الأصنام ~~(لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) [20] لأنهم ينحتون من الأحجار وغيرها. ### || [سورة النحل (16): آية 21] # أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) # قوله (أموات) خبر مبتدأ محذوف، أي هم ميتون لا روح فيهم، يعني الأصنام ~~ولم يقل مواتا، لأنهم صوروا على شكل ذي الروح (غير أحياء) صفة «أموات» ~~للتأكيد، يعني ليسوا من الأموات التي ms0893 يخلقون أو يعقلون شيئا كالنطق بل هي ~~جمادات لا يعقب موتها حيوة كالحجارة (وما يشعرون) أي لا يعلم الأصنام التي ~~سميتموها آلهة (أيان) أي في أي وقت (يبعثون) [21] إحياء، وهذا تهكم بحالهم، ~~لأن شعور الجماد محال، قيل: دل القرآن على أن الأصنام تبعث وتجعل فيها ~~الحيوة فتتبرأ من عابديها «10»، وقيل معناه: ما يدري الكفار عبدة الأصنام ~~متي تبعثون؟ «11» وقيل: ما يدري آلهتهم متي يبعث عابدوهم؟ وفيه تهكم ~~للمشركين، لأن من PageV02P306 # كان إلها ينبغي أن يعلم وقت بعث عابديه للجزاء، لأنه من لوازم التكليف «1». ### || [سورة النحل (16): آية 22] # إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) # ثم أشار إلى نفي ألوهية الأصنام، وأعلمهم أن الإله الحقيقي من هو؟ فقال ~~(إلهكم إله واحد) أي رب واحد لا شريك له، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره، لأنه ~~يجازيكم في الآخرة (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) أي جاحدة ~~للوحدانية أو خبيثة لا يدخل في المعرفة (وهم مستكبرون) [22] أي مستعظمون عن ~~الإيمان. ### || [سورة النحل (16): آية 23] # لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) # (لا جرم) أي حقا أو لا بد (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) وهو وعيد ~~لهم من المكر والتكذيب في أمر محمد عليه السلام (إنه لا يحب المستكبرين) ~~[23] أي المتعظمين عن الإيمان، ويجوز أن يكون عاما في كل مستكبر، قال عليه ~~السلام: «لا يدخل الجنة مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه ~~مثقال ذرة من إيمان» «2»، وهو أدنى شيء من يقين حمله على ذكر الله تعالى ~~يوما عمن كان له «3» إخلاص أو زجره عن محظور مخافة الله. ### || [سورة النحل (16): آية 24] # وإذا قيل لهم ما ذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) # (وإذا قيل لهم) أي لمشركي مكة الذين اقتسموا عقابها، أي مداخل مكة إذا ~~سألهم الحجاج من المسلمين (ما ذا أنزل ربكم) أي أي شيء أنزله الله على محمد ~~عليه السلام، ف «ما ذا» منصوب ب «أنزل»، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ms0894 ~~بمعنى أن شيء أنزله ربكم بتقدير الضمير (قالوا) أي كفار مكة سخرية في ~~جوابهم المنزل (أساطير الأولين) [24] أي أحاديثهم الباطلة إضلالا للناس ~~وصدا «4» عن رسول الله فحملوا أوزار ضلالهم على الكمال. ### || [سورة النحل (16): آية 25] # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ~~ساء ما يزرون (25) # فقوله (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة) علة لقولهم من غير أن يكون ~~عرضا، أي قالوا ذلك ليحملوا ذنوب أنفسهم تامة يوم الجزاء، وإنما ذكر ~~الكمال، لأن أعمالهم الحسنة في الدنيا والبلايا التي تلحقهم «5» فيها لا ~~تكفر عنهم شيئا كما تكفر الحسنات من المؤمنين أوزارهم من الصلوة إلى الصلوة ~~ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، وتكفر بالشدائد والمصائب أيضا في ~~الدنيا، قوله (ومن أوزار) عطف على «أوزارهم»، أي وليحملوا من ذنوب (الذين ~~يضلونهم) عن الهدي (بغير علم) نصب على الحال من مفعول «يضلونهم»، أي يضلون ~~من لا يعلم أنهم ضلال بغير حجة وإنما حملوا أوزار من اتبعوهم، لأنهم دعوهم ~~إلى الضلالة فاتبعوهم بغير عذر فاشتركا في إثم الضلالة، فحملوا جميع آثامهم ~~وبعض آثام متبعيهم دون البعض، لأن المضل والضال شريكان، هذا أضله وهذا ~~أطاعه على إضلاله فيتحاملان الوزر، ف «من» للتبعيض، ويجوز أن يكون زائدة ~~على مذهب الأخفش فيحملون الكل منهم، والمراد مثل أوزارهم، قال عليه السلام: ~~«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، ولا ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك ~~من آثامهم شيئا» «6» (ألا ساء ما يزرون) [25] أي تنبهوا بئس ما يحملون من ~~الذنوب التي لا تغفر. PageV02P307 ### || [سورة النحل (16): آية 26] # قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) # ثم هددهم بصنع من تقدمهم «1» من الكفار فأهلكهم الله بسببه فقال (قد مكر ~~الذين من قبلهم) أي قد صنع كيد الذين «2» من قبل المقتسمين، فأبطل الله ~~كيدهم، قيل: منهم ms0895 نمرود بن كنعان حيث بنى قصرا عاليا في غاية الحصانة ببابل ~~ليصعد إلى السماء ليقاتل على من في السماء بزعمه، وكان طوله خمسة آلاف ذراع ~~وعرضه ثلثلة آلاف ذراع وكان لسان الناس يومئذ بالسريانية، فأهب الله تعالى ~~الريح عليه، فألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط ~~الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلثة وسبعين لسانا بحيث لم يفهم ~~أحد منهم لسان آخر فتعطل قصره من الإعادة، ولذلك سميت تلك البقعة ببابل ~~«3»، فذلك قوله تعالى (فأتى الله بنيانهم) أي قصد أمره تخريب بنائهم (من ~~القواعد) أي من أساطين البناء التي تعمده وتقويه أو من أصوله وأساسه (فخر) ~~أي سقط (عليهم السقف) أي أعلاه (من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) ~~[26] بمجيئه، وقيل: من مأمنهم «4». ### || [سورة النحل (16): الآيات 27 الى 29] # ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال ~~الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون (28) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) # (ثم يوم القيامة يخزيهم) الله، أي يهينهم بالعذاب ولم يكن ما أصابهم في ~~الدنيا من العذاب كفارة لذنوبهم (ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون) بكسر ~~النون، أي تشاقونني، وبفتح النون «5»، لأنها نون الجمع، أي تخاصمون (فيهم) ~~أي شأنهم وتخالفون المؤمنين بسببهم وعبادتهم ما لهم لا يحضرونكم فيدفعوا ~~عنكم العذاب (قال الذين أوتوا العلم) أي يقول الأنبياء أو العلماء الناصحون ~~أو الملائكة شماتة (إن الخزي) أي الهوان (اليوم والسوء) أي العذاب الدائم ~~(على الكافرين [27] الذين تتوفاهم) بالتاء والياء «6»، أي يقبض أرواحهم ~~(الملائكة) أي ملك الموت وأعوانه (ظالمي أنفسهم) بالكفر نصب على الحال، أي ~~في حال كفرهم (فألقوا السلم) أي استسلموا وانقادوا وجاؤا بخلاف ما كانوا ~~عليه في الدنيا من الشقاق والكبر والكفر جاحدين ما وجد منهم في الدنيا، ~~وقالوا (ما كنا نعمل من سوء) أي شركا وشقاقا وغيرهما، فقال ms0896 لهم الملائكة أو ~~الله (بلى) أشركتم بالله أصنامكم (إن الله عليم بما كنتم تعملون) [28] من ~~الشرك وغيره فيجازيكم عليه، وهذا أيضا من الشماتة، قيل: «هم قوم من ~~المؤمنين باللسان خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا قلة المؤمنين وكثرة ~~الكافرين رجعوا إلى الشرك فقتلوا ثمه» «7»، ويقول لهم الخزنة يوم القيامة ~~(فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) [29] أي مستقرهم ~~ومنزلهم جهنم لاستكبارهم عن الإيمان في الدنيا. ### || [سورة النحل (16): آية 30] # وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) # ثم نقل من قصة الكافرين إلى قصة المؤمنين بقوله (وقيل للذين اتقوا) نزل ~~في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان على عقاب مكة حين بعث النبي ~~عليه السلام رجالا من الصحابة لتكذيب المشركين الذين يصدون PageV02P308 # الناس الذين يقصدون من بعيد إلى النبي عليه السلام ليؤمنوا به، وهم ~~يمنعونهم بذكر مساويه لهم كساحر وشاعر ومجنون، فيرجعون إلى بلادهم، فلما ~~رأى الوافدون المؤمنين ثمه سألوهم عن حال النبي عليه السلام ووصفه، فقال ~~المؤمنون إن هؤلاء المشركين كذبوا بل محمد يدعو إلى الحق ويأمر بصلة الرحم ~~وبالمعروف وينهى عن المنكر «1»، فأخبر تعالى عن قولهم للمؤمنين مدحا بقوله ~~«وقيل»، أي وقال الوافدون للمؤمنين الذين يتقون الشرك (ما ذا أنزل ربكم) من ~~الوحي على محمد (قالوا) أي المؤمنون (خيرا) أي أنزل خيرا للناس وهداية لهم ~~من الضلالة، وإنما نصب الجواب هنا ورفع فيما قبله ليكون فرقا بين جواب ~~المقر وجواب المنكر يجعل الجواب بينا مكشوفا مطابقا على السؤال مفعولا ~~للإنزال بخلاف ما تقدم من المرفوع، فانه ليس في شيء من الإنزال، ثم أبدل من ~~«خيرا» قوله (للذين أحسنوا) أي وحدوا الله وأطاعوه (في هذه الدنيا حسنة) أي ~~جنة في الآخرة، وقيل: «النصرة والفتح» «2» أو «الرزق الحسن» «3» (ولدار ~~الآخرة) أي ولدار حال الآخرة (خير) من دار الدنيا (ولنعم دار المتقين) [30] ~~أي الخائفين المطيعين الجنة. ### || [سورة النحل (16): آية 31] # جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم ms0897 فيها ما يشاؤن كذلك يجزي ~~الله المتقين (31) # ثم وصفها بقوله (جنات عدن) أي إقامة (يدخلونها) برمة الله (تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاؤن) أي يتمنون من المستلذات (كذلك) أي مثل ذلك ~~الجزاء (يجزي الله المتقين) [31] أي يثيب الخائفين منه ويطيعونه. ### || [سورة النحل (16): آية 32] # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون (32) # ثم وصفهم مدحا بقوله (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) حال من ضمير ~~المفعول، أي طيبة نفوسهم بانتقالهم إلى لقاء ربهم أو طاهرين من الذنوب ~~(يقولون) حال من «الملائكة»، أي قائلين لهم عند الموت (سلام عليكم) تبليغا ~~من الله أو من نفوسهم، ويقولون لهم في الآخرة (ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون) [32] في الدنيا من عمل الخيرات. ### || [سورة النحل (16): آية 33] # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) # ثم قال تعالى استبطاء لإيمان أهل مكة (هل ينظرون) أي ما ينتظرون (إلا أن ~~تأتيهم الملائكة) بالتاء والياء «4»، أي ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم ~~(أو يأتي أمر ربك) أي عذابه كيوم بدر أو عذاب القيامة، ثم قال تسلية للنبي ~~عليه السلام من تكذيبهم إياه واستهزائهم به (كذلك) أي مثل هذا التكذيب (فعل ~~الذين من قبلهم) برسلهم كما فعل بك قومك من التكذيب والاستهزاء فأهلكهم ~~(وما ظلمهم الله) بإهلاكهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [33] بتكذيبهم رسلهم. ### || [سورة النحل (16): آية 34] # فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) # (فأصابهم سيئات ما عملوا) أي جزاء أعمالهم الخبيثة من إنكار البعث ~~واستعجال العذاب استهزاء وتكذيب الرسل وعناد الحق (وحاق) أي ونزل (بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن) [34] من العذاب أنه لا ينزل بهم. ### || [سورة النحل (16): آية 35] # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) PageV02P309 ### || [سورة النحل (16): آية 35] # وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ms0898 عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين (35) # (وقال الذين أشركوا) أي أهل مكة على سبيل الاستهزاء (لو شاء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء) يعني أنه شاء عبادتنا آلهة غيره، فلو لم يشأ ما ~~عبدناهم (نحن ولا آباؤنا) عطف على فاعل «عبدنا»، أي ولا عبد آباؤنا من قبل ~~(ولا حرمنا من دونه) أي سوى تحريم الله (من شيء) يعني البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحامي، فلو لا أن الله رضيها لنا لغيرها ولهدانا إلى غيرها، ثم ~~قال تعالى تسلية للنبي عليه السلام وتصبيرا له على تكذيبهم (كذلك) أي مثل ~~ذلك الفعل (فعل الذين من قبلهم) من تكذيب الرسل أو الإشراك والتحريم ~~والتحليل، فلما نبهوا على قبح فعلهم أحالوا ذلك التحريم والتحليل على ربهم ~~فأهلكهم الله تعالى (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) [35] أي ليس على ~~الرسل إلا تبليغ الرسالة بالبيان والبرهان أن الله لا يشاء الشرك والمعاصي ~~مشية الرضا، وإنما يشاء منهم التوحيد والطاعة، وليس عليهم الهداية والقسر ~~على الإيمان. ### || [سورة النحل (16): آية 36] # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من ~~هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (36) # ثم قال لكفار مكة حثا على الإيمان والطاعة وتهديدا عن التكذيب بالرسول ~~عليه السلام (ولقد بعثنا في كل أمة) أي في كل جماعة قبلكم (رسولا) كما ~~بعثنا فيكم (أن اعبدوا الله) أي وحدوه وأطيعوه (واجتنبوا الطاغوت) أي عبادة ~~الشيطان والصنم وغيرهما من دون الله (فمنهم من هدى الله) أي لطف بهم ~~وأرشدهم إلى دينه الإسلام (ومنهم من حقت) أي وجبت (عليه الضلالة) أي ~~الشقاوة بترك اللطف بالقضاء السابق حتى مات على كفره (فسيروا) يا أهل مكة ~~«1» (في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) [36] بالرسل حتى لا يبقى ~~لكم شبهة فيما أفعل بهم من إهلاكهم وتخريب منازلهم بالعذاب. ### || [سورة النحل (16): آية 37] # إن تحرص ms0899 على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) # فلما قرأ النبي عليه السلام هذه الآية عليهم فلم يؤمنوا لعنادهم تأسف ~~بتركهم الإيمان فنزل قوله «2» (إن تحرص على هداهم) أي على إيمانهم يا محمد ~~(فإن الله لا يهدي من يضل) أي لا يلطف من يخذله، لأنه قد علم أنه ليس أهلا ~~لذلك فيكون عبثا، قرئ لا يهدي معلوما والفاعل «الله»، ومجهولا ومرفوعه «من ~~يضل» «3»، ولا خلاف في «يضل» أنه بضم الياء وكسر الضاد - قال ابن عباس ~~معناه: «من يضلله الله لا يهدي» «4»، يعني لا يهديه أحد (وما لهم من ~~ناصرين) [37] أي مانعون من نزول العذاب بهم وهو يدل على أن المراد بالإضلال ~~الخذلان، لأنه نقيض النصرة. ### || [سورة النحل (16): آية 38] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (38) # قوله (وأقسموا بالله) عطف على قوله «وقال الذين أشركوا) للجمع بين ~~الكفرين العظيمين في التدوين والحكاية بهما، وهما إسناد ذنوبهم على مشية ~~الله وإنكارهم البعث بالأقسام عليه، أي وحلفوا بالله (جهد أيمانهم) وهو اسم ~~اليمين بالله عندهم، لأنهم كانوا في الجاهلية يحلفون بالأصنام وبآبائهم ~~وبغير ذلك، وإذا حلفوا بالله سموه جهد اليمين، يعنون أنها أغلظ الأيمان ~~وآكدها فيما يقسم به فحلفوا بالله (لا يبعث الله من يموت) لإنكارهم البعث، ~~فرد الله عليهم بقوله (بلى) أي نعم يبعثهم الله، لأن «بلى» إثبات لما بعد ~~النفي (وعدا عليه حقا) أي وعد البعث، وأوجبه على نفسه وعدا حقا، أي إيجابا ~~صدقا لا خلف فيه (ولكن أكثر PageV02P310 # الناس لا يعلمون) [38] أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت. ### || [سورة النحل (16): آية 39] # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) # قوله (ليبين) يتعلق بفعل «بلى»، أي يبعث الله جميع الخلق يوم القيامة ~~ليكشف (لهم الذي يختلفون فيه) من الحق وهو دين الإسلام والبعث الموعود لهم ~~(وليعلم الذين كفروا) عند خروجهم من قبورهم (أنهم كانوا كاذبين) [39] في ~~الدنيا بقولهم لا يبعث الله من يموت. ### || [سورة ms0900 النحل (16): آية 40] # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) # قوله (إنما قولنا لشيء إذا أردناه) أي قصدنا حدوثه، مبتدأ، خبره (أن نقول ~~له) أي لذلك الشيء، والمراد البعث (كن) أي احدث (فيكون) [40] بالرفع، أي ~~فهو يكون، وبالنصب عطف على «نقول» «1»، أي فيحدث بسهولة بلا مهلة ف «كان» ~~تامة، المعنى: أن إيجاد كل مقدور علينا يسير، فاذا أردنا أن نبعث الموتى ~~فلا تعب علينا في إحيائهم، لأنه من شق المقدورات. ### || [سورة النحل (16): آية 41] # والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) # (والذين هاجروا) من مكة إلى المدينة (في الله) أي في طاعته (من بعد ما ~~ظلموا) أي عذبوا وأوذوا في الله (لنبوئنهم) أي لننزلنهم (في الدنيا حسنة) ~~أي تبوئة جميلة بالمدينة أو المراد المنزلة الحسنة، وهي الغلبة على أهل مكة ~~الذين ظلموهم وأنعام الغنيمة عليهم أو التوفيق والهداية، فهذا ثوابهم في ~~الدنيا. # نزلت الآية في بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، ~~أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم «2» (ولأجر الآخرة) أي ثوابها (أكبر) أي أفضل ~~(لو كانوا يعلمون) [41] أي يصدقون بالثواب المذكور. ### || [سورة النحل (16): آية 42] # الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) # ثم وصفهم مدحا بقوله (الذين صبروا) أي هم الصابرون في الدنيا على ما ~~فاتهم من مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلب رجل ~~هو مسقط رأسه؟ وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله (وعلى ربهم ~~يتوكلون) [42] أي يثقون به في الرزق وغيره. ### || [سورة النحل (16): الآيات 43 الى 44] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون (44) # قوله (وما أرسلنا من قبلك) يا محمد (إلا رجالا) مثلك (نوحي إليهم) كما ~~يوحي إليك، نزل حين قال قريش: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، لأنه لو ~~أراد إرسال رسول لأرسل إلينا الملائكة الذين عنده «3»، ثم قال ms0901 تعالى إن لم ~~يصدقك قومك فقل (فسئلوا أهل الذكر) أي أهل التورية والإنجيل ليعلموكم أن ~~الله لم يرسل إلى الأمم المتقدمة إلا بشرا لا ملكا (إن كنتم لا تعلمون) ~~[43] ذلك، قوله (بالبينات) يتعلق ب «نوحي» أو ب «أرسلنا» مضمرا، استئناف ~~كأن قائلا قال بم أرسلوا؟ فأجيب أرسلنا بالبراهين الظاهرة كالمعجزات ~~(والزبر) أي الكتب النبوية التي تبين الحلال والحرام (وأنزلنا إليك الذكر) ~~أي القرآن (لتبين للناس ما نزل إليهم) من الأمر والنهي وغير ذلك من الشرائع ~~(ولعلهم يتفكرون) [44] أي ولكي يتفكروا فيه فيؤمنوا. PageV02P311 ### || [سورة النحل (16): آية 45] # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون (45) # ثم قال تهديدا لهم (أفأمن) أي أجحد الحق فغفل (الذين مكروا السيئات) أي ~~عملوا الحيل القبيحة في إبطال دينه الحق وهم أهل مكة من (أن يخسف الله بهم ~~الأرض) أي أن يدخلهم فيها إحياء إلى الأرض السفلى (أو يأتيهم العذاب من حيث ~~لا يشعرون) [45] أي لا يدركون بهلاكهم لغفلتهم. ### || [سورة النحل (16): آية 46] # أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) # (أو يأخذهم) بالعذاب (في تقلبهم) أي في تصرفهم وتنقلهم من بلد إلى بلد في ~~تجارتهم (فما هم بمعجزين) [46] أي بفائتين من عذابه تعالى. ### || [سورة النحل (16): آية 47] # أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) # (أو يأخذهم) بالعذاب (على تخوف) أي تنقص شيئا فشيئا في أنفسهم وأموالهم ~~حتى يهلكوا جميعا، يقال تخوفهم الدهر إذا نقصهم وأخذ أموالهم وحشمهم أو ~~يأخذ القرية بالعذاب ويترك أخرى قريبة منها، فيخوفها بتلك، فان لم ينتهوا ~~أخذ الأخرى (فإن ربكم لرؤف رحيم) [47] بالإمهال مع استحقاق العذاب وترك ~~العجلة بعقاب. ### || [سورة النحل (16): آية 48] # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) # قوله (أولم يروا إلى ما خلق الله) بالتاء والياء «1»، إخبار عن الذين ~~مكروا السيئات، أي ألم ينظروا ولم يعتبروا إلى الذي خلق الله (من شيء) أي ~~جسم قائم له ظل عند طلوع الشمس وعند غروبها (يتفيؤا ظلاله) ms0902 بالتاء والياء ~~«2»، أي تدور وترجع بتسييرها على بروجها، والفيء الرجوع (عن اليمين ~~والشمائل) وهو استعارة من يمين الإنسان وشماله، و«الشمائل» جمع شمال وهو ~~اليسار، وإنما جمعه دون اليمين مع أن المراد منه الأيمان ليجري الكلام على ~~عادة العرب حيث يكتفون بواحدة من العلامتين إذا اجتمعتا كقوله تعالى «وعلى ~~سمعهم» «3»، ونصب على الحال من الظلال، قوله (سجدا لله) أي مائلات ودائرات ~~بالانقياد لأمر الله، فالسجود هنا استعير للاستسلام من السجود للطاعة، قيل: ~~سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب، أما عن اليمين فهو في أول ~~النهار وأما عن الشمال فهو في آخر النهار «4»، وقيل: «الظل قبل الطلوع وبعد ~~الغروب يحتوي جميع جهاتك وعند الطلوع كان قدامك وعند الارتفاع كان عن يمينك ~~ثم يكون خلفك ثم يكون عن يسارك قبل الغروب» «5»، فهذا التقلب عبارة عن ~~سجوده، وقيل: المراد من سجود الضلال سجود الأشخاص «6»، وفيه تأمل لأن الآية ~~الآتية بعد تغني عن ذلك، فالأولى أن يحمل على حقيقته تعريضا للمستكبرين عن ~~السجود حيث يعجزون أن يكونوا مثل الظلال في الانقياد لأمره تعالى مع ضعفها ~~(وهم داخرون) [48] الجملة حال من ضمير «سجدا»، أي والحال أن الضلال ذليلون ~~في حال السجود، وجمع الداخر بالواو والنون، لأن الدخور من صفات العقلاء. ### || [سورة النحل (16): آية 49] # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون (49) # (ولله يسجد) أي ينقاد لإرادة الله ويخضع (ما في السماوات وما في الأرض) ~~والمراد منه العقلاء وغيرهم لإرادة العموم، ولذا اختار ذكر «ما» على «من» ~~(من دابة) بيان لما فيهما على تقدير أن يكون في السماء خلق PageV02P312 # يدبون، وهو منقول عن أهل التفسير «1» أو بيان لما في الأرض إن لم يقدر ~~ذلك في السماء، قوله (والملائكة) عطف على «ما في السماوات» مع أنهم من جملة ~~ما فيها تشريفا لهم ورفعا لشأنهم، وقيل: أراد «ولله يسجد ما في السماوات» ~~من الملائكة وما في الأرض من دابة ويسجد الملائكة «2» (وهم لا يستكبرون) ~~[49] أي لا يتعظون عن السجود لله تعالى. ms0903 ### || [سورة النحل (16): آية 50] # يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) # (يخافون ربهم من فوقهم) أي عاليا عليهم بالاطلاع على حالهم ويقهرهم ~~بالأمر والنهي ف «من فوقهم» يتعلق ب «ربهم» حالا منه، ويجوز أن يتعلق ب ~~«يخافون»، فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، والجملة حال ~~لبيان نفي الاستكبار، لأن من يخاف الله لا يستكبر عن السجود له (ويفعلون) ~~أي الملائكة (ما يؤمرون) [50] به، أي لا يعصون أمره تعالى طرفة عين، وفيه ~~دليل على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد وبأنهم بين ~~الخوف والرجاء كسائر المكلفين. ### || [سورة النحل (16): آية 51] # وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) # قوله (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) نزل حين وصف طائفة الله باثنين، ~~أحدهما نفسه والثاني الصنم فنهاهم الله عن ذلك «3»، فقال لا تصفوه إلهين ~~اثنين وأكذبهم بقوله (إنما هو إله واحد) أي ليس هو إلا إله واحد لا اثنان، ~~وإنما جمع بين العدد والمعدود هنا، وهو انما يكون فيما وراء الواحد ~~والاثنين لعدم الاحتمال فيهما، فلا يقال جاءني رجل واحد ولا رجلان اثنان، ~~وإنما يقال عندي رجال ثلثة أو أربعة ليدل على أن المقصود من المعدود ~~المذكور هو العدد، فيكون «اثنين» تأكيدا ل «إلهين»، لأن «إلهين» يدل على ~~شيئين الجنسية والعدد، والغرض من ذكره بالنهي هو العدد لا الجنسية فشفع بما ~~يؤكده، ألا ترى أنه لو قال في الكلام الثاني إنما هو إله ولم يؤكده بواحد ~~لم يحسن، لأنه يخيل المخاطب أنه يثبت الإلهية لا الواحدانية (فإياي ~~فارهبون) [51] أي اخشوني ووحدوني ولا تشركوا بي شيئا، وفيه نقل من الغيبة ~~إلى التكلم ليكون أبلغ في الترهيب من قوله «فاياه فرهبوا». ### || [سورة النحل (16): آية 52] # وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) # (وله ما في السماوات) من الملائكة (والأرض) من الجن والإنس وغيرهما، كلهم ~~عبيده ينقادون له (وله الدين واصبا) أي لله الإسلام أو الطاعة دائما أو ~~واجبا ثابتا، المعني: أن الطاعة ثابتة تدوم له، لا ms0904 يجوز لأحد أن يميل عنها، ~~والوصب التعب، ونصبه حال عمل فيه الظرف (أفغير الله تتقون) [52] أي أتعرضون ~~عنه فتعبدون غيره وتطيقون. ### || [سورة النحل (16): آية 53] # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) # قوله (وما بكم من نعمة) خطاب عام للكفرة لا للمشركين خاصة، أي والحال أن ~~الذي بكم من غنا وصحة الجسم (فمن الله) أي من قبله لا من غيره (ثم إذا مسكم ~~الضر) أي الفقر والقحط والمرض (فإليه) أي فالى الله (تجئرون) [53] أي ~~تتضرعون أو ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة ليكشف عنكم الضر لا إلى غيره ~~لعلمكم أن الغير عاجز عن ذلك. ### || [سورة النحل (16): آية 54] # ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) # (ثم إذا كشف الضر عنكم) بقولكم ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون (إذا ~~فريق منكم) وهم المنافقون والكافرون (بربهم يشركون) [54] بعبادة غيره. PageV02P313 ### || [سورة النحل (16): آية 55] # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55) # قوله (ليكفروا) اللام فيه لام العاقبة، أي حاصل أمرهم بعد كشفنا الضر ~~عنهم هو كفرهم (بما آتيناهم) أي بما أعطيناهم من النعم وكشف الضر والبلاء ~~(فتمتعوا) أي عيشوا بقية آجالكم في الدنيا وهو أمر تهديد لهم وتخلية في ~~معنى الخذلان (فسوف تعلمون) [55] ما يفعل بكم في الآخرة. ### || [سورة النحل (16): آية 56] # ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون (56) # ثم قال استقباحا لفعلهم (ويجعلون لما لا يعلمون) أي للذي لا علم له من ~~الأصنام أو لا يعلم الكفار منه ضرا ولا نفعا (نصيبا) أي حظا (مما رزقناهم) ~~من الأموال، يعني من الحرث والأنعام، ثم قال إقساما بنفسه (تالله لتسئلن) ~~يا كفار يوم القيامة (عن ما كنتم تفترون) [56] أي تكذبون على الله بقولكم ~~الله أمرنا بهذا أو أنها آلهة تصلح للتقرب. ### || [سورة النحل (16): آية 57] # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) # ثم قال (ويجعلون لله البنات) أي يصفون أن الملائكة بناته، قوله (سبحانه) ~~أي وهو منزه عن الولد، اعتراض لإنكار ما قبله وهو المختار أو تعجيب «1» من ~~قولهم ms0905 بالابتداء به «2»، قوله (ولهم ما يشتهون) [57] مبتدأ وخبر «3» أو ~~معناه: ويجعلون لأنفسهم ما يحبون من الأولاد وهم البنون، لأنهم يكرهون ~~البنات، و«ما» في محل النصب، لأنه مفعول «يجعلون». ### || [سورة النحل (16): آية 58] # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) # (وإذا بشر أحدهم بالأنثى) عند ولادة امرأته ابنة له (ظل) أي صار (وجهه ~~مسودا) أي متغيرا إلى السواد من الغم والكراهية والخجل (وهو كظيم) [58] أي ~~مملو حزنا وغيظا على المرأة التي ولدتها، والجملة حال من ضمير «وجهه». ### || [سورة النحل (16): آية 59] # يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~ساء ما يحكمون (59) # (يتوارى) أي يختفي (من القوم) حياء (من سوء ما بشر به) من البنت أو ما ~~ظهر في وجهه من العار والحزن ويتفكر كيف أصنع بها (أيمسكه) أي أيحفظه، ~~والضمير يرجع إلى «ما بشر» (على هون) أي على هوان لا يميل إليها بالشفقة ~~والمرحمة (أم يدسه) أي يدفنه ويخفيه (في التراب ألا ساء ما يحكمون) [59] أي ~~بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين أو بئس حكمهم وأد البنات خوف ~~الفقر والعار. ### || [سورة النحل (16): آية 60] # للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) # (للذين لا يؤمنون بالآخرة) أي لمنكري البعث بعد الموت (مثل السوء) أي صفة ~~الشر وهو كفرهم بوصف الولد له تعالى ووأد البنات وكراهيتها مع احتياجهم ~~إليهن للتزوج والنسل، قال ابن عباس: «مثل السوء النار» «4» (ولله المثل ~~الأعلى) أي الصفة العليا، وهي الغنا عن جميع الخلق والنزاهة عن صفاتهم ~~والعلم والقدرة والبقاء وغيرها من صفات الجلال والكمال أو لأولياء الله ~~المثل الأعلى بتقدير المضاف وهو التقوى والمعرفة، وقال ابن عباس: «المثل ~~الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله» «5» (وهو العزيز) على أعدائه (الحكيم) ~~[60] فيما يأمر عباده وينهاهم. PageV02P314 ### || [سورة النحل (16): آية 61] # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) # (ولو يؤاخذ الله الناس ms0906 بظلمهم) أي بعصيانهم وشركهم فيعاجلهم بالعقوبة (ما ~~ترك عليها) أي على الأرض وهو إضمار قبل الذكر بدلالة قوله (من دابة) يعني ~~لأهلها كلها بشؤم ظلم «1» الظالمين، قيل: «قد فعل الله ذلك في زمان نوح ~~عليه السلام إلا من نجا السفينة من الأناسي والدواب» «2»، قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: «إن الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم» «3»، وقيل: «المراد ~~من الدابة هنا المشركون» «4»، وقيل معناه: لو يؤاخذكم الله الآباء بظلمهم ~~لا نقطع النسل فلم يبق في الأرض أحد «5» (ولكن يؤخرهم) بالفضل والعفو (إلى ~~أجل مسمى) أي إلى وقت معلوم وهو منتهى آجالهم (فإذا جاء أجلهم) أي إذا قرب ~~وقت عذابهم (لا يستأخرون ساعة) عن الوقت (ولا يستقدمون) [61] بالتعذيب قبل الوقت. ### || [سورة النحل (16): آية 62] # ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون (62) # (ويجعلون لله) أي يقولون له (ما يكرهون) لأنفسهم وهو البنات أو يعطون له ~~أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها (وتصف) أي وتقول (ألسنتهم الكذب) مفعول ~~«تصف» (أن لهم الحسنى) بفتح «أن» في محل النصب بدل من «الكذب»، أي تقول ~~ألسنتهم أن لهم البنين لقول قريش لنا البنون، وقيل: «الحسنى» الجنة «6»، ~~يعني لنا الجنة في الآخرة مع أعمالهم الخبيثة كقوله لئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى «7»، ثم قال تعالى (لا جرم) أي حقا (أن لهم النار) يوم القيامة ~~(وأنهم مفرطون) [62] بكسر الراء، أي مسرفون في العصيان على أنفسهم، وبفتحها ~~«8»، أي متروكون في النار منسيين من أفرطته إذا تركته، وقيل: «متقدمون إلى ~~النار» «9»، ومنه حديث النبي عليه السلام: «أنا فرطكم على الحوض» «10»، أي ~~مقدمكم وإمامكم عليه. ### || [سورة النحل (16): آية 63] # تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) # (تالله لقد أرسلنا) رسلا (إلى أمم من قبلك) يا محمد كما أرسلناك إلى هذه ~~الأمة (فزين لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة حين أطاعوه وكذبوا الرسل (فهو) ~~أي الشيطان (وليهم) أي ناصرهم، يعني ليس لهم ناصر غيره (اليوم) ms0907 أي في زمان ~~الدنيا أو في الآخرة، فيكون حكاية للحال الآتية، المعني: أنه عاجز عن نصر ~~نفسه، فكيف ينصر غيره، ففيه نفي للناصر بأبلغ الوجوه أو هو قرينهم في النار ~~(ولهم عذاب أليم) [63] أي وجيع دائم في الآخرة، فهذا تهديد للكفار وتسلية ~~للنبي عليه السلام ليصبر على أذاهم كما صبر الرسل قبله. ### || [سورة النحل (16): آية 64] # وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون (64) # (وما أنزلنا عليك الكتاب) أي القرآن (إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) ~~وهو دين الحق أو البعث أو الحلال والحرام، والمراد بالمتخلفين المؤمنون ~~والكافرون، قوله (وهدى ورحمة) عطف على «لتبين»، أي وللهداية من الضلالة ~~وللمرحمة من عذاب النار (لقوم يؤمنون) [64] أي يصدقون بالقرآن. PageV02P315 ### || [سورة النحل (16): آية 65] # والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون (65) # ثم قال تبيينا «1» لطريق التوحيد (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به ~~الأرض) بالنبات (بعد موتها) أي بعد يبسها منه «2» (إن في ذلك) أي في ~~إحيائها بعد يبسها (لآية) أي لعبرة (لقوم يسمعون) [65] بسمع القلوب لا بسمع ~~الآذان، فينصفون فيؤمنون، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لا يسمع. ### || [سورة النحل (16): آية 66] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين (66) # (وإن لكم في الأنعام لعبرة) ثم بينها بقوله (نسقيكم) بضم النون وفتحها ~~«3» (مما في بطونه) أي بعض ما في بطون الأنعام وهو اسم مفرد يؤدي معنى ~~الجمع وليس بجمع تكسير نعم، فلذا أفرد الضمير، وقيل: يجوز أن يرجع إلى ~~النعم وهو مذكر ذكر في الأنعام، ويجوز أن يراد به جنس الأنعام، وقد روي عن ~~سيبويه: أن أنعاما أفعال موضوعة على النعم، فالنعم والأنعام واحد، فعلى هذا ~~لا يكون جمعا في اللفظ كقولهم ثوب أكياس لضرب من الثياب «4»، أي نشربكم مما ~~يحصل في بطون الأنعام (من بين فرث) ظرف في موضع الحال، أي كائنا في مكان ~~وسط بين ثفل الكرش (ودم) ms0908 وهو دم العروق «5»، ف «من» ابتدائية (لبنا خالصا) ~~مفعول به، لا يشوبه شيء من الدم والفرث لما بينه وبينهما حاجز من قدرة ~~الله، يعني ليس عليه لون دم ولا فيه رائحة الفرث، بل خالص من ذلك كله ~~(سائغا للشاربين) [66] أي هنيئا يجري على السهولة في حلق من يشربه وهو حجة ~~لمن يقول بطهارة المني وإن جرى مجرى البول بامكان الحاجز بينه وبين مجرى ~~البول كما كان الحاجز بين اللبن وبين الفرث والدم، فلم يمتنع خروجه طاهرا، ~~قال ابن عباس: «إذا أكلت الدابة العلف استقر في كرشها فطحنته «6» فكان ~~أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما» «7»، والكبد مسلط على هذه الأوصاف ~~الثلثة يقسمها بتقدير الله، فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى ~~الفرث كما هو، فسبحان من يخلق الأشياء بحكمتها. ### || [سورة النحل (16): آية 67] # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون (67) # قوله (ومن ثمرات النخيل) يتعلق بمحذوف، دل عليه «نسقيكم» قبله، أي وإن ~~لكم لعبرة أيضا فيما نسقيكم ونرزقكم من عصير ثمرات النخيل «8» (و) من عصير ~~(الأعناب تتخذون منه) أي من جنس الثمرات أو من الثمر المحذوف قبل «تتخذون» ~~إن جعلته مبتدأ و«من ثمرات النخيل» خبرا له، فيكون الجملة مستأنفة لا عطفا ~~على قبله، تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه، أي من بعض ~~الثمر (سكرا) أي خمرا، وهذا قبل تحريم الخمر أو السكر الخل فلا نسخ «9» أو ~~النبيذ، وهو الذي طبخ حتى ذهب ثلثاه ويترك إلى الاشتداد فهو حلال عند أبي ~~حنيفة إلى حد السكر، حرام عند الشافعي «10» (ورزقا حسنا) وهو ما يتخذ من ~~الثمر كالزبيب والتمر وكل ما يدخر منه رطبا ويابسا (إن في ذلك لآية) أي ~~لعبرة (لقوم يعقلون) [67] أي يفهمون توحيد الله وقدرته. PageV02P316 ### || [سورة النحل (16): آية 68] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) # (وأوحى ربك إلى النحل) وهو مذكر في اللفظ، مؤنث في المعنى كالنخل في ~~الشجر، أي ألهمها وقذف في أنفسها وهي ms0909 زنابير العسل، وقيل: جمع واحدها نحلة ~~«1» (أن اتخذي) «أن» فيه مفسرة (من الجبال) «من» فيه تبعيض (بيوتا) أي ~~مساكن تأوي إليها (ومن الشجر ومما يعرشون) [68] أي يبنون لك من الأماكن. ### || [سورة النحل (16): آية 69] # ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69) # (ثم كلي من كل الثمرات) أي من حلوها وحامضها وغيرهما (فاسلكي) أي فادخلي ~~(سبل ربك) أي طرقه التي ألهمك وعرفك الرجوع إلى مسكنك (ذللا) حال من «سبل»، ~~أي سهلة المسالك في الجبال وخلال الأشجار أو حال من «النحل»، جمع ذلول، أي ~~مطيعة منقادة للمراد منك بالتسخير، يقال: إن أربابها ينقلونها من مكان إلى ~~مكان لمصلحة لها ولهم، ثم أخبر عن وصفها تعجيبا فقال (يخرج من بطونها) أي ~~أفواها (شراب) أي عسل، لأنه يشرب منه (مختلف ألوانه) من أبيض وأخضر وأحمر ~~وأصفر وأسود. # قيل: إنه يختلف باختلاف الشبابة والكهولة والشيخوخة وغيرها من النحل «2»، ~~ويحتمل أن يكون الاختلاف في الألوان باختلاف المأخذ كما يختلف طعم العسل من ~~حلوه ومره بها، روي: أن العسل ينزل من السماء فيستقر في مكان، فتأتيه النحل ~~وتشربه ثم تأتي الخلية «3» فتلقيه في الشمع المهيأ له لا كما يظن بعضهم أنه ~~من فضلات الغذاء يستحيل في المعدة عسلا وفي هذه الرواية ضعف، لأن أهل ~~الخبرة من أصحاب النحل قالوا: إن الزنابير تأكل من الثمار والأنوار فيغير ~~الله تعالى بقدرته الثمر والنور في بطونها عسلا، فاذا امتلأت بطونها تجيء ~~من مسالكها التي ذهبت إلى بيوتها فتلقيه إلى الشمع من بطونها كما صرح الله ~~تعالى به سبحان من يخيل النور عسلا في أجواف الزنابير «4» (فيه شفاء للناس) ~~أي في العسل شفاء الأوجاع التي يعرف شفاؤها منه، يعني أنه من جملة الأشفية ~~المشهورة النافعة لأمراض الناس وليس الغرض أنه شفاء لكل مرض، قال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: «العسل شفاء من كل داء» «5»، يعني من بعضها كقولهم الماء ~~حيوة من كل شيء، ومنه ما ms0910 يقتل المريض، وقال عليه السلام: «عليكم بالشفاءين ~~القرآن والعسل» «6»، يعني القرآن شفاء لما في الصدور والعسل شفاء لما في ~~الأبدان (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) [69] فيعتبرون من أمر النحل المطيعة ~~لوحي ربها العاملة باذنه ما لا يقدر عليه أحد من خلقه فيؤمنون. ### || [سورة النحل (16): آية 70] # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا إن الله عليم قدير (70) # (والله خلقكم ثم يتوفاكم) أي يقبض أرواحكم صبيانا أو شبانا أو كهولا ~~(ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أردئه «7» إلى الهرم (لكي لا يعلم بعد ~~علم شيئا) أي لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا لشدة هرمه، ف «شيئا» منصوب ب ~~«لا يعلم»، يعني يعتريه حال النسيان عند هرمه، فلا يفهم ما كان يفهمه قبل ~~هرمه وكبره، وقيل: هذا في الكافر، لأن المسلم يزداد عقله بصلاحه في طول ~~عمره كرامة له «8»، قال عليه السلام: «من PageV02P317 # قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر» «1»، وأراد من يتدبره ويعمل به، قيل: ~~«أرذل العمر تسعون سنة» «2»، وقيل: # ثمانون «3»، وقيل: «خمسة وسبعون» «4» (إن الله عليم) لا يزول علمه عن ~~ذاته أبدا (قدير) [70] يقدر على إزالة علم كل عالم وإبقائه فيه، قال أنس بن ~~مالك: كان رسول الله عليه السلام يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل ~~العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات» «5». ### || [سورة النحل (16): آية 71] # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) # (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) أي وسع الرزق على البعض وضيق على ~~البعض من الناس بأن كثره وقلله أو فضل الموالي على العبيد في المال والرزق، ~~يعني جعل رزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم ليظهر التفاوت بينكم ~~وبينهم (فما) أي فليس (الذين فضلوا) وهم الموالي (برادي) فضل (رزقهم) الذي ~~أعطاهم الله وزاد عن حاجاتهم (على ما ملكت أيمانهم) أي على عبيدهم (فهم ~~فيه) أي فان المولى ms0911 والعبيد في الرزق (سواء) لا يكون تفاوت بينهم في الرزق ~~بحسب أصل الخلقة، لأنهم مثلهم في البشرية وإخوانهم، فكان ينبغي أن يردوا ~~فضل رزقهم عليهم حتى يتساووا «6» في المطعم والملبس بناء على ما روي عن ~~رسول الله عليه السلام: «إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تكسون وأطعموهم مما ~~تطعمون» «7»، لكن الحكمة الإلهية التي هي ظهور التفاوت بينهم لأجل الخدمة ~~المحتاج إليها منعته أو المعنى: أنهم لا يرضون أن يكونوا مع مماليكهم فيما ~~رزقهم الله سواء برد الفضل عليهم كراهة الشركة فيه، وهم جعلوا عبيدي شركائي ~~في ملكي وسلطاني، فهذا مثل ضربه الله عز وجل إلزاما للحجة على كفار مكة حيث ~~يشكرون بالله خلقه وعبيده الذين هو خالقهم ورازقهم، ثم قال إنكارا عليهم ~~(أفبنعمة الله) التي هي هذا «8» التفضيل (يجحدون) [71] بالتاء والياء «9»، ~~أي تكفرون بالإشراك به فجعل جحود ذلك من جملة جحود النعمة، وقيل معنى ~~الآية: إني رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا تحسبن المولى أنهم يردون على ~~مماليكهم رزقهم من عندهم، فان ذلك رزقي الذي أرزقهم إياه من أيديهم «10». ### || [سورة النحل (16): آية 72] # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم ~~من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) # (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) أي من جنسكم نساء، وقيل: المراد حواء ~~«11»، لأنها خلقت من قصيراء آدم عليه السلام «12» (وجعل لكم من أزواجكم) أي ~~من نسائكم (بنين وحفدة) أي أولاد الأولاد، جمع حافد من الحفد وهو العون ~~والقوة، وقيل: «هم الأختان على البنات» «13»، وقيل: «هم الأصهار» «14»، ~~فالمعني على هذا القول: والله جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجوهن فيحصل ~~بسببهن الأختان والأصهار، PageV02P318 # وقيل: الحافد هو المسرع في إطاعة الأمر وخدمته ومصالحه من الأقرباء ~~والمماليك وغيرهم «1» (ورزقكم من الطيبات) أي الحلالات (أفبالباطل) أي ~~الأصنام التي لا منفعة لها ولا شفاعة (يؤمنون) أي يعبدون أو بالشيطان ~~يصدقون حيث أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة (وبنعمة الله) أي بوحدانيته ~~المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها الذي عقل وتمييز أو الإسلام أو ms0912 القرآن ~~أو بتحليله (هم يكفرون) [72] أي يجحدون. ### || [سورة النحل (16): آية 73] # ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون (73) # (ويعبدون من دون الله) أي الأصنام (ما لا يملك لهم رزقا من السماوات) أي ~~إنزال المطر (والأرض) أي النبات «2» (شيئا) بدل من «رزقا» أو مفعوله (ولا ~~يستطيعون) [73] أي لا يقدرون ذلك لعجزهم وهو تأكيد للأول. ### || [سورة النحل (16): آية 74] # فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) # (فلا تضربوا) أي لا تصفوا (لله الأمثال) في العبادة، يعني لا تشبهوه بشيء ~~من خلقه، فان التشبيه به إشراك بالله (إن الله يعلم) أن لا شبيه له (وأنتم ~~لا تعلمون) [74] ذلك فتقعدون في الكفر بضرب الأمثال له أو إنه يعلم كنه ~~فعلكم وعظمه فيعاقبكم عليه وأنتم لا تعلمون كنهه، فهو الذي جزاكم عليه. ### || [سورة النحل (16): آية 75] # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) # ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر فقال (ضرب الله مثلا) أي شبها وأبدل منه ~~(عبدا مملوكا) وصفه به ليخرج منه الحر، لأن الخلق كله عبيد الله (لا يقدر ~~على شيء) أي ليس له مال ينفع منه ويتصرف في سبيل الخير لعجزه عن التصرف، ~~قيده به ليخرج المكاتب، لأن له يدا في التصرف وإن كان عبدا، وكذلك المأذون ~~له، واختلفوا في العبد، هل يصح له ملك، والظاهر أنه لا يصح له خلافا لمالك ~~«3»، قوله (ومن رزقناه) عطف على «عبدا» وهي موصوفة نكرة لكون المعطوف عليه ~~نكرة، أي وحرا رزقناه (منا رزقا حسنا) أي مالا طيبا يقدر «4» على التصرف ~~فيه (فهو ينفق منه سرا وجهرا) في سبيل الله ورضاه، فأثابه الله عليه في ~~الجنة «5» (هل يستوون) أي العبد والحر في الخير والطاعة، ولم يقل يستويان ~~لمكان «من»، فانه يصلح للواحد والمثنى والجمع لا يستوي العبد الفقير والغني ~~السخي في الإنفاق في سبل الخير، كذلك لا يستوي الكافر ms0913 العاصي والمؤمن ~~المطيع عند الله، ثم قال (الحمد لله) حامدا لنفسه ودالا لخلقه على حمده على ~~ظهور الحق من الباطل (بل أكثرهم لا يعلمون) [75] الحق من الباطل، يعني قد ~~ظهر أن الأمر ليس كما يقول المشركون، إذ ليس للأوثان عندهم من يد ولا معروف ~~فتحمد عليه أنما الحمد الكامل لله عز وجل، لأنه المنعم والخالق والرازق، ~~ولكن أكثر الكفار أو جميعهم لا يفقهون ذلك. ### || [سورة النحل (16): آية 76] # وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76) # ثم أوضح ذلك بضرب مثل آخر فقال (وضرب الله مثلا رجلين) أي مثل رجلين، ~~فالمثل الثاني بدل من المثل الأول المفعول حذف المضاف وأقيم المضاف إليه ~~مقامه للعلم به، ثم وصفهم رجلين بقوله (أحدهما أبكم) أي أخرس لا يفهم ولا ~~يفهم (لا يقدر على شيء) من مال ولا منفعة (وهو كل) أي ثقل وعيال (على ~~مولاه) أي على من يلي أمره ويقوله (أينما يوجهه) بجزم الهاء لوجود الجازم ~~فيه، أي حيثما يرسله في كفاية مهم وتحصيل حاجة (لا يأت بخير) أي لا يجيء ~~به، لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه، ورجل آخر على خلاف ذلك ولم PageV02P319 # يذكره، لأنه اكتفى بذكر أحدهما وهو الأبكم كسرابيل تقيكم الحر ولم يقل ~~«1» البرد وهذا مثل للأصنام «2» ومن يعبدها فذكر رجلين تغليبا أو المراد ~~المؤمن والكافر والأول أنسب، لأن الصنم لا يسمع ولا يسمع ولا يعقل وهو كل ~~على عابده يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه أو العبد ومولاه حقيقة كعبد ~~عثمان، فان عثمان يأمره بالتوحيد وهو يأتي بالكفر ويكره الإسلام ثم استفهم ~~على سبيل الإنكار (هل يستوي هو) أي الأبكم أو الكافر (ومن يأمر بالعدل) أي ~~الله أو المؤمن، يعني لا مساواة بين الأبكم والآمر بالخير، وهو الله القادر ~~المتكلم الآمر بالتوحيد أو المؤمن الذي يأمر به ويعمل العمل الصالح (وهو ~~على صراط مستقيم) [76] أي ms0914 على دين الإسلام، قال عطاء: «الأبكم أبي بن خلف ~~المنكر بالبعث، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان» «3». ### || [سورة النحل (16): آية 77] # ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير (77) # ثم قال للكفار الذين استعجلوا القيامة استهزاء (ولله غيب السماوات ~~والأرض) أي وله علم ما غاب عن العباد فيهما (وما أمر الساعة) أي قيام ~~الساعة (إلا كلمح البصر) أي إلا كرجعة في قرب كونها إذا قال له «كن فيكون» ~~(أو هو أقرب) أي بل هو أسرع، المعنى: أن قيام الساعة والبعث في قدرة الله ~~ومشيته أقرب من كل قريب (إن الله على كل شيء قدير) [77] والبعث من مقدوراته ~~فلا تنكروه. ### || [سورة النحل (16): آية 78] # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون (78) # (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) بكسر الهمزة والميم وبضم الهمزة وفتح ~~الميم، وبكسر الهمزة مع فتح الميم «4»، أي خلقكم والحال أنكم (لا تعلمون ~~شيئا) من الأشياء أو من حقوق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم وصوركم، ~~ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) جمع ~~فؤاد، جمع قلة، استعمل في موضع جمع الكثرة وهو وسط القلب لإزالة الجهل الذي ~~ولدتم عليه (لعلكم تشكرون) [78] أي لكي تشكروا رب هذه النعم. ### || [سورة النحل (16): آية 79] # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (79) # ثم بين طريقا يؤدي إلى معرفة وحدانيته بقوله (ألم يروا) بالتاء والياء ~~«5» (إلى الطير مسخرات) أي مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة (في جو ~~السماء) أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو (ما يمسكهن) نصب على ~~الحال من «الطير»، أي ما يأخذهن في الهواء عند قبض الأجنحة وبسطها (إلا ~~الله) بقدرته (إن في ذلك) أي في تسخيرهن وإمساكهن في الهواء (لآيات) ~~لدلالات على وحدانيتي (لقوم يؤمنون) [79] به تعالى بنظر الاستدلال، قيل: ~~«إن الطير ترتفع اثني عشر ميلا في ms0915 جو السماء ولا ترتفع فوق هذا» «6». ### || [سورة النحل (16): آية 80] # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) # (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) أي مسكنا تسكنونه، يعني وفقكم لبناء ~~البيوت للسكنى والقرار PageV02P320 # (وجعل لكم من جلود الأنعام) أي من شعرها «1» وصوفها ووبرها (بيوتا) أي ~~خياما أو القباب من الأدم والأنطاع (تستخفونها) أي يخف «2» عليكم حملها ~~(يوم ظعنكم) بفتح العين وسكونها «3»، أي وقت رحلتكم في سفركم (ويوم ~~إقامتكم) في بلادكم لا تثقل عليكم في الحالين وجعل لكم (ومن أصوافها) أي من ~~أصواف الغنم (وأوبارها) أي أوبار الإبل (وأشعارها) أي أشعار المعز، ~~والضمائر راجعة إلى الأنعام، قوله (أثاثا ومتاعا) نصبه عطف على «سكنا» ~~بتقدير «جعل»، وهما بمعنى واحد، وقيل: الأثاث متاع البيت «4»، والمتاع كل ~~ما يتمتع به، أي متاعا تنتفعونها من الفرش والأكسية (إلى حين) [80] أي إلى ~~الموت أو إلى أن تبلي وتهلك. ### || [سورة النحل (16): آية 81] # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) # (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) أي أشجارا تستظلون بها من شدة الحر أو ~~المراد ظلال البيوت (وجعل لكم من الجبال أكنانا) أي أسرابا والغيران، ~~الواحد كن (وجعل لكم سرابيل) أي قمصا «5» من القطن والكتان والصوف (تقيكم) ~~أي تمنعكم (الحر) والبرد من قبيل الاكتفاء بأحد الشيئين لدالالة الآخر عليه ~~(وسرابيل) أي دروعا من الحديد وغيره (تقيكم) أي تمنعكم (بأسكم) أي أذاكم أو ~~تدفع في حربكم أن يصيبكم السلاح، وقيل: البأس العدو المحارب «6» (كذلك) أي ~~مثل ذلك الإتمام المذكور (يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) [81] أي تنقادون ~~بذلك لرب هذه النعم وتخلصون له العبادة. ### || [سورة النحل (16): آية 82] # فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) # ثم قال لنبيه عليه السلام (فإن تولوا) أي إن أعرضوا عن الإسلام (فإنما ~~عليك البلاغ المبين) [82] أي التبليغ الظاهر وتبيين الهدى، يعني لا ms0916 يلحقك ~~في ذلك عتب إذا لم يكن في تبليغك تقصير. ### || [سورة النحل (16): آية 83] # يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) # (يعرفون نعمت الله) أي نبوة محمد عليه السلام، قيل: دين الإسلام «7» أو ~~«كل نعمة عدت في هذه السورة» «8» (ثم ينكرونها) يعني يعرفون أن خالق كلها ~~هو الله ثم يجحدونها بعبادة غير منعمها أو يقرون إذا ذكر لهم هذه النعم أن ~~كلها من الله لكنهم يقولون إنها بشفاعة آلهتنا أو يقولون كان هذا لآبائنا ~~ثم ورثناهم بعدهم، و«ثم» فيه للاستبعاد (وأكثرهم الكافرون) [83] أي ~~الجاحدون بنعم الله أو بنوبة محمد عليه السلام، وقيل: ال «أكثر» هنا بمعنى ~~الكل «9». ### || [سورة النحل (16): آية 84] # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) # (ويوم نبعث) أي واذكر وقت بعثنا (من كل أمة شهيدا) أي نبيا يشهد على أمته ~~بالرسالة أنه بلغها فيمنعون من الكلام (ثم لا يؤذن للذين كفروا) في ~~الاعتذار أو في الكلام، يعني لا حجة لهم ولا عذر ليتكلموا بهما ثمه (ولا هم ~~يستعتبون) [84] أي لا يسترضون، يعني لا يكلفون أن يرضوا ربهم بصالح عمل، ~~لأن الآخرة ليست بدار تكليف أو لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبوا، وحقيقة ~~الاستعتاب التعرض لطلب الرضا وهو منسد على الكفار في الآخرة. PageV02P321 ### || [سورة النحل (16): آية 85] # وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) # (وإذا رأى الذين ظلموا) أي الكفار (العذاب) بغتة لحقهم وثقل عليهم (فلا ~~يخفف عنهم) أي لا يسهل العذاب عنهم حين عاينوه (ولا هم ينظرون) [85] أي ~~يمهلون ساعة ليستريحوا. ### || [سورة النحل (16): آية 86] # وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا ~~من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) # (وإذا رأى الذين أشركوا) بالله (شركاءهم) أي آلهتهم التي دعوها شركاء أو ~~الشياطين «1»، لأنهم شركاؤهم في الكفر (قالوا) معترفين (ربنا هؤلاء شركاؤنا ~~الذين كنا ندعوا) أي نعبد (من دونك) وهم أمرونا بذلك (فألقوا) أي الأوثان ~~أو الشيطان (إليهم) أي إلى عابديهم (القول) أي يقولون لهم (إنكم لكاذبون) ms0917 ~~[86] في تسميتنا آلهة وفي أمرنا بعبادتكم إيانا. ### || [سورة النحل (16): آية 87] # وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) # (وألقوا) أي المشركون (إلى الله يومئذ السلم) أي الانقياد، يعني استسلموا ~~وانقادوا وخضعوا بعد الإباء والاستكبار في الدنيا لأمر الله وحكمه فيهم يوم ~~القيامة لجلال الله وكبريائه (وضل) أي غاب وفات «2» (عنهم ما كانوا يفترون) ~~[87] أي يكذبون أن آلهتهم تشفع لهم، يعني لم تغن عنهم آلهتهم شيئا من ~~العذاب. ### || [سورة النحل (16): آية 88] # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا ~~يفسدون (88) # ثم بين تزايد عذاب من ضل وأضل بقوله (الذين كفروا) بالتوحيد (وصدوا) أي ~~منعوا الناس (عن سبيل الله) أي عن توحيده وطريق الحق (زدناهم عذابا فوق ~~العذاب) المعد لهم من النار وهو عقارب كالبغال لها أنياب أمثال النخل ~~الطوال وحيات أمثال البخت تلسع صاحبها فيحم أربعين خريفا، وقيل: يسلط عليهم ~~الجوع والجرب «3» (بما كانوا يفسدون) [88] في الدنيا بكفرهم وصدهم الناس عن ~~الإيمان. ### || [سورة النحل (16): آية 89] # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) # (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا) أي رسولا يشهد (عليهم من أنفسهم) أي من ~~البشر، لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم منها (وجئنا بك) يا محمد (شهيدا ~~على هؤلاء) أي على أمتك التي بعثت إليها (ونزلنا عليك الكتاب) أي القرآن ~~(تبيانا) أي بيانا بليغا (لكل شيء) يحتاج إليه من الأمر والنهي والحلال ~~والحرام والحدود والأحكام والقصص والأمثال، بعضه مفسر وبعضه مجمل، فأنت ~~تفصله لهم ما دمت حيا، ثم من بعدك من المجتهدين المستنبطين من الكتاب ~~بواسطة الأدلة الشرعية المستفادة منه كالسنة والإجماع والقياس بالاجتهاد ~~الصحيح، فلذلك كان تبيانا لكل شيء (وهدى) من الضلالة (ورحمة) من العذاب لمن ~~آمن به وعمل بما فيه (وبشرى) بالجنة (للمسلمين) [89] أي المنقادين ~~بالإخلاص. ### || [سورة النحل (16): آية 90] # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي يعظكم لعلكم ms0918 تذكرون (90) # قوله (إن الله يأمر بالعدل) أي بالتوحيد والإنصاف (والإحسان) أو بأداء ~~الفرائض أو الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قوله عليه السلام: «الإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه» «4» أو العفو عن الناس وإيصال PageV02P322 # النفع إليهم مالا ونفسا (وإيتاء ذي القربى) أي وبصلة الرحم (وينهى عن ~~الفحشاء) أي الزنا أو كل ما قبح من القول والفعل (والمنكر) أي وبما لا يعرف ~~شرعا ولا عقلا (والبغي) أي التكبر والظلم (يعظكم) الله بالأمر بثلثة أشياء ~~والنهي عن ثلثة أشياء، وهي علم الأولين والآخرين في مكارم الأخلاق (لعلكم ~~تذكرون) [90] أي لكي تتعظوا وترشدوا، نزل سببا لإسلام عثمان بن مظعون، وذلك ~~أنه قال: دعاني رسول الله عليه السلام إلى الإسلام، فأسلمت حياء منه ولم ~~يقر الإسلام في قلبي فمررت به ذات يوم وهو بفناء بابه فحيني جالسا فدعاني ~~فجلست إليه فبينما يحدثني إذا رأيت بصره شخص إلى السماء حتى رأيت طرفه قد ~~انقطع فمكث زمانا ثم خفض رأسه عن يمينه ثم رفعه مرة أخرى إلى السماء ثم ~~خفضه عن يساره ثم أقبل علي محمرا وجهه يفيض عرقا فسألت عن تلك الحالة ~~النازلة عليه، فقال بينما أحدثك إذ رفعت بصري إلى السماء رأيت جبرائيل ينزل ~~علي فلم يكن لي همة غيره حتى نزل عن يميني، فقال يا محمد «إن الله يأمر ~~بالعدل» الآية، قال عثمان فاستقر الإيمان في قلبي يومئذ «1»، قال ابن ~~مسعود: «ليس في القرآن أجمع آية لمكارم الأخلاق من هذه الآية» «2»، وتقدير ~~المعنى فيها: فافعلوا ما أمرتم به واتعظوا. ### || [سورة النحل (16): آية 91] # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) # (وأوفوا بعهد الله) أي وأتموا عهده الذي بينه وبينكم (إذا عاهدتم) الله ~~وهو البيعة لرسول الله على الإسلام أو المراد هو العهد الذي بينكم وبين ~~غيركم من الناس وهو اليمين وكفارة اليمين إذا حلفتم ثم نقضتم (ولا تنقضوا ~~الأيمان) أي ولا تنكثوا العهود (بعد توكيدها) أي بعد تشديدها باسم الله، ~~وأكد ووكد ms0919 واحد، والأصل الواو والهمزة بدل (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) أي ~~شهيدا على الوفاء بها، لأن الكفيل من يرعى حال المكفول به رقيب عليه، ~~والواو للحال (إن الله يعلم ما تفعلون) [91] في وفاء العهود ونقضها. ### || [سورة النحل (16): آية 92] # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) # ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد بقوله (ولا تكونوا) في نقض العهد واليمين ~~(كالتي) أي كالمرأة التي (نقضت غزلها) من قريش وهي ريطة الحمقاء بنت عمر بن ~~سعد وكانت بها وسوسة من الشيطان (من بعد قوة) أي إحكام وإبرام فجعلته ~~(أنكاثا) ونصبه حال من «غزلها»، جمع نكث بمعنى منكوث، وهو ما يحل بعد الفتل ~~غزلا أو حبلا، وكانت تلك المرأة تغزل الغزل من صوف وغيره وتأمر جواريها ~~بذلك فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، ثم أمرتهن بنقض جميع ما غزلن بعد ~~الزوال، فهذا كان دأبها، والمعنى: أنها لم تكف عن العمل وحين عملت لم تكف ~~عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد لاكففتم عن العهد ولأوفيتم به حين ~~عهدتم (تتخذون أيمانكم) أي عهودكم، محله نصب على الحال من اسم «كان» (دخلا ~~بينكم) أي دغلا وخيانة وفسدة فيكم، ونصبه مفعول ثان ل «تتخذون»، الدخل اسم ~~ما يدخل في الشيء للفساد (أن تكون) أي بسبب أن تثبت (أمة) أي جماعة (هي ~~أربى) أي أزيد عددا وأوفر مالا (من أمة) أي من جماعة حالفتموهم، والجملة في ~~محل الرفع صفة «أمة» لا نصب، خبر «كان»، لأنها تامة، قيل: «إنهم كانوا ~~يحالفون الحلفاء فاذا وجدوا قوما أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا ~~الأكثر لطلب العزة بنقض العهد فنهاهم الله تعالى عن ذلك» «3»، وقال تأكيدا ~~للنهي (إنما يبلوكم الله به) أي يختبركم بأمره إياكم PageV02P323 # بالوفاء بالعهد والنهي عن النقض (وليبينن) الله (لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون) [92] في الدنيا بنقض العهد وغيره ويجازيكم ms0920 به. ### || [سورة النحل (16): آية 93] # ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن ~~عما كنتم تعملون (93) # (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) أي على ملة الإسلام بطريق الإلجاء، لأنه ~~قادر عليه (ولكن يضل من يشاء) بحكمته المقتضية إضلاله، يعني بخذلانه إياهم ~~عدلا منه (ويهدي من يشاء) بلطفه وتوفيقه إياهم فضلا منه لمن علم أنه يختار ~~الإيمان، فبني الأمر على الاختيار المرتب عليه الثواب والعقاب لا على ~~الإجبار الذي لا يستحق به شيء، وحققه بقوله «1» (ولتسئلن عن ما كنتم ~~تعملون) [93] من الوفاء بالعهود ونقضه يوم القيامة. ### || [سورة النحل (16): آية 94] # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) # ثم قال تأكيدا للنهي عن نقض العهود وإظهارا لعظم ما يرتكبون منه (ولا ~~تتخذوا أيمانكم دخلا) «2» أي فسادا وخديعة (بينكم) فتغرون بها الناس ~~فيسكنون إلى أيمانكم ويأمنون ثم تنقضونها (فتزل قدم) أي قدمكم (بعد ثبوتها) ~~أي بعد الاستقامة، وإفراد القدم وتنكيرها ليدل على استعظام زلة قدم واحدة ~~عن طريق الحق «3»، فكيف بأقدام كثيرة، ونصب الفعل جواب النهي «4»، يقال ~~فلان زلت قدمه إذا وقعت في ورطة بعد سلامة (وتذوقوا السوء) أي وتتجرعوا ~~العذاب في الدنيا (بما صددتم) أي صرفتم غيركم (عن سبيل الله) أي دينه ~~الإسلام، لأنكم إذا سهلتم طريق نقض العهد على الناس اتخذوها سنة يستنون بها ~~لغيرهم (ولكم عذاب عظيم) [94] أي شديد في الآخرة. ### || [سورة النحل (16): آية 95] # ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (95) # قوله (ولا تشتروا) أي ولا تختاروا (بعهد الله) أي بنقض عهده (ثمنا قليلا) ~~أي يسيرا، يعني لا تنقضوا عهودكم تطلبون بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا ولكن ~~أوفوا بها (إنما عند الله) أي إن الذي عنده من الثواب لكم على الوفاء (هو ~~خير) أي أنفع (لكم) في الآخرة مما أخذتم من اليسير على النقض في الدنيا (إن ~~كنتم تعلمون) [95] فضل ما بين العوضين، نزل في رجل ms0921 من حضرموت اسمه عبدان بن ~~الأسوع جاء إلى رسول الله عليه السلام وادعى أن امرأ القيس غصب أرضي ~~بالمجاورة ولم يكن له شهود، فأمر رسول الله عليه السلام امرأ القيس أن ~~يحلف، فلما قام ليحلف أخره رسول الله عليه السلام، وقال له: انظر، فانصرف ~~من عنده فجاء جبرائيل بالآية فأقر بالحق لصاحبه «5». ### || [سورة النحل (16): آية 96] # ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون (96) # ثم بين الله تعالى فضل ما عنده من الثواب بقوله (ما عندكم ينفد) أي الذي ~~عندكم من حطام الدنيا يفني (وما عند الله) من الثواب في الجنة (باق) أي ~~دائم لأهله فيها (ولنجزين) بالياء والنون «6»، أي لنثيبن (الذين صبروا) عن ~~اليمين وأقروا بالحق لمستحقه أو على أذى المشركين ومشاق الإسلام (أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون) [96] أي بأفضل أعمالهم ويبقى «7» سائر الأعمال ~~فضلا، فلما سمع امرأ القيس الآية قال: إن صاحبي PageV02P324 # صادق فيما قال لقد قطعت أرضه ولكني ما أدري كم هي؟ ولكنه يأخذ ما يشاء من ~~أرضي ومثلها معها بما أكلت من ثمارها، فقال رسول الله عليه السلام: «من أحب ~~دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفني» «1». ### || [سورة النحل (16): الآيات 97 الى 98] # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم (98) # ونزل (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى) وإنما فصله مع عمومه لكون «من» ~~متناولا للذكور في الظاهر دون الحقيقة، فبينه ليعم الثواب الموعود النوعين ~~جميعا، أي كل شخص يعمل عملا صالحا من الفريقين كالصلوة وقراءة القرآن (وهو ~~مؤمن) الواو للحال إيماء به إلى أن العمل الصالح لا يقبل بدون الإيمان ~~(فلنحيينه) في الدنيا (حياة طيبة) أي «رزقا حلالا» «2»، قاله ابن عباس أو ~~«قناعة» «3»، قاله الحسن، وقيل: «استقامة في طاعة الله» «4»، وقيل: رزق يوم ~~بيوم من حيث لا يحتسب «5»، وقيل: التوفيق في القلب مع حلاوة ms0922 العبادة «6»، ~~وقيل: الحيوة الطيبة في الآخرة الجنة، إذ لا تطيب الحيوة لأحد إلا في الجنة ~~«7» (ولنجزينهم أجرهم) أي ثواب أعمالهم (بأحسن ما كانوا يعملون) [97] ولما ~~كان من جملة الأعمال الصالحة التي يجزي الله على أحسنها الثواب في الجنة ~~جودة القراءة «8» في الصلوة التي هي وجه دين الله ورئيسه، أورد عقيب العمل ~~الصالح قوله (فإذا قرأت القرآن) أي إذا أردت قراءته في الصلوة أو في غيرها ~~وإنما عبر بلفظ الفعل عن إرادته لملابسة ظاهرة بينهما وهي وجوده عندها من ~~غير فاصل (فاستعذ بالله) أي التجئ به وتعوذ (من الشيطان الرجيم) [98] أي ~~المرجوم أو المطرود. # والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن، والأكثر على أنها قبل القراءة خلافا ~~لمالك عملا بالظاهر، وهي أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ابن ~~مسعود: «قرأت على رسول الله، فقلت ابتدأ أعوذ بالسميع العليم من الشيطان ~~الرجيم، فقال عليه السلام: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه ~~جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ» «9»، ومعنى الاستعاذة الاستعظام بالله ~~من السوء. ### || [سورة النحل (16): آية 99] # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) # (إنه) أي إن الشيطان (ليس له سلطان) أي تسلط وحجة (على الذين آمنوا) أي ~~وحدوا الله، يعني لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريده من اتباعهم إياه ~~«10» (وعلى ربهم يتوكلون) [99] أي يعتمدون في أمورهم دون غيره، يعني ليس له ~~ولاية على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. ### || [سورة النحل (16): آية 100] # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) # (إنما سلطانه) أي ولايته (على الذين يتولونه) أي يطيعون ويدخلون في ~~ولايته (والذين هم به) أي بالله (مشركون) [100] الباء للسببية والضمير ل ~~«الشيطان». PageV02P325 ### || [سورة النحل (16): آية 101] # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون (101) # (وإذا بدلنا آية مكان آية) أي إذا نسخنا حكم آية فأنزلنا مكانه حكما آخر ~~بانزال آية (والله أعلم بما ينزل) أي والحال أنه أعلم بما هو أصلح لخلقه ~~فيما يبدل من أحكامه ms0923 على حسب اختلاف الأزمان بنسخ الشرائع بالشرائع لحكمة ~~فيه (قالوا) أي كفار قريش (إنما أنت مفتر) أي مختلق يا محمد، وذلك أنهم ~~قالوا يسخر محمد أصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هو إلا مفتر ~~يتقوله من تلقاء نفسه، فأكذبهم الله تعالى بقوله (بل أكثرهم لا يعلمون) ~~[101] حقيقة القرآن وعلم الناسخ والمنسوخ، فان الشرائع مصالح للناس، فجاز ~~أن يكون مصلحة الأمس مفسدة اليوم وخلافها مصلحة له، والله عالم بهما فيثبت ~~ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته المقتضية إياه. ### || [سورة النحل (16): آية 102] # قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) # (قل) يا محمد (نزله) أي القرآن (روح القدس) أي جبرائيل (من ربك بالحق) أي ~~بالوحي أو بالصدق والنسخ أيضا من قبيل الحق وهو في محل النصب على الحال، أي ~~نزله ملتبسا بالحكمة (ليثبت) أي ليحفظ قلوب (الذين آمنوا) بالناسخ وعلموا ~~صدقه عن الاضطراب ويزدادوا إيمانا ويقينا (وهدى) من الضلالة (وبشرى) بالجنة ~~(للمسلمين) [102] وهما في محل النصب مفعول لهما معطوفان على محل «ليثبت»، ~~تقديره: # تثبيتا لهم وهداية وبشارة، وفيه تعريض لحصول أضدادها لغير المسلمين، ~~فالله تعالى حكيم لا يفعل شيئا إلا لحكمة. ### || [سورة النحل (16): آية 103] # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين (103) # (ولقد نعلم أنهم) كفار مكة (يقولون إنما يعلمه بشر) أي ما يعلم محمدا ~~القرآن إلا آدمي وهو جبر ويسار وكانا غلامين نصرانيين من أهل اليمن في مكة، ~~يصنعان السيوف فيها ويقرآن التورية والإنجيل، فربما مر بهما النبي عليه ~~السلام وهما يقرآن فيقف ويستمع، فقال المشركون إنما يتعلم محمد منهما، فقال ~~تعالى في جوابهم تكذيبا لهم بالاستئناف (لسان الذي يلحدون) بضم الياء وكسر ~~الحاء معلوما من ألحد ومن لحد، وبفتح الياء والحاء «1»، أي لسان الرجل «2» ~~الذي يميلون ألسنتهم بزعم أنه يعلمه (إليه) لسان (أعجمي) وهو الذي لا يفصح ~~وإن كان عربيا، والعجمي هو المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحا (وهذا) أي ~~القرآن (لسان عربي مبين) [103] أي ms0924 مفصح، واللسان اللغة هنا. # روي: أن الرجل الذي كانوا يلحدون إليه أسلم وحسن إسلامه وهو يسار، ثم ~~أسلم جبر بعده وهاجر مع سيده «3». ### || [سورة النحل (16): آية 104] # إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) # ثم قال الله تعالى (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي القرآن (لا يهديهم ~~الله) في الدنيا، أي لا يرشدهم لقلة رغبتهم في الإيمان (ولهم عذاب أليم) ~~[104] في الآخرة. PageV02P326 ### || [سورة النحل (16): آية 105] # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) # ثم أخبر تعالى أن صفة الافتراء مخصوصة بالمشركين من قريش بقوله (إنما ~~يفتري الكذب) أي ما يختلقه (الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون) [105] لا محمد عليه السلام فهو رد لقولهم «إنما أنت مفتر»، يعني ~~عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، قال عبد الله بن جراد: قلت يا رسول ~~الله! أيزني المؤمن؟ قال: قد يكون، قلت: أيسرق؟ قال: قد يكون، قات: أيكذب؟ ~~قال: لا، فقرأ «إنما يفتري الكذب» الآية «1». ### || [سورة النحل (16): آية 106] # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) # قوله (من كفر بالله من بعد إيمانه) نزل في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب ~~إليهم بعض أصحاب رسول الله أن هاجروا فانا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، ~~فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم، فكفروا كارهين ~~وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، منهم عمار ويسار وياسر وأمه وصهيب، فأخبر رسول ~~الله أن عمارا كفر بعد الإيمان، فقال كلا إن عمار ملئ إيمانا من قرنه إلى ~~قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتي برسول الله وهو يبكي، فقال رسول ~~الله: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: ~~كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، فجعل النبي عليه السلام يمسح عينيه، ~~وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت «2»، فأوحى الله إليه من تكلم بكلمة ~~الكفر فقد استحق ms0925 الغضب والعقاب من الله (إلا من أكره) استثناء متصل لتناول ~~الكفر على القول والاعتقاد، أي إلا من أجبر على كلمة الكفر فكفر مكرها ~~(وقلبه مطمئن بالإيمان) أي ثابت على ما كان منه، ثم أخبر عن حال من لم يثبت ~~على الإيمان بقوله (ولكن من شرح) أي فتح (بالكفر صدرا) يعني اختار وقبل ~~قلبه الكفر وطابت نفسه به (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [106] أي ~~شديد في الآخرة، قيل: أجمع العلماء على من أكره على كلمة الكفر يجوز أن ~~يقول بلسانه دون قلبه لخوف من الله، فهو مؤمن حقا، وإن أبى أن يقوله بلسانه ~~حتى يقتل كان أفضل من قوله غير معتقد «3»، روي: أن ياسرا أبا عمار وأمه ~~سمية قتلا بعد التعذيب لأجل الإسلام، وهما أول قتيلين فيه وأمرهما أفضل من ~~أمر عمار، لأن في ترك التقية والصبر على القتل إعزازا للإسلام «4». ### || [سورة النحل (16): آية 107] # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين (107) # (ذلك) أي الغضب والعذاب العظيم يلحقانهم (بأنهم استحبوا) أي اختاروا ~~(الحياة الدنيا على الآخرة وأن) أي وبسبب أن (الله لا يهدي القوم الكافرين) ~~[107] أي لا يرشدهم إلى الإيمان لعدم رغبتهم في قلوبهم إليه. ### || [سورة النحل (16): آية 108] # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) # (أولئك الذين طبع الله) أي ختم بخذلانه (على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ~~وأولئك هم الغافلون) [108] أي الكاملون في الغفلة، لأن أشد الغفلة وغايتها ~~الغفلة عن عواقب الأمور ولأجل ذلك اجترؤا على ترك أمر الله ونهيه. PageV02P327 ### || [سورة النحل (16): آية 109] # لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) # (لا جرم) أي حقا (أنهم في الآخرة هم الخاسرون) [109] أي المغبونون. ### || [سورة النحل (16): آية 110] # ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من ~~بعدها لغفور رحيم (110) # وفي قوله (ثم إن ربك للذين هاجروا) «1» دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال ~~أولئك، وهم عمار وأصحابه، واللام فيه للاختصاص «2»، أي هو ناصر لهم لا عدو ~~لهم كما ms0926 كان عدوا لهؤلاء الكفار لهجرتهم «3» (من بعد ما فتنوا) مجهولا، أي ~~عذبوا ومنعوا من الإسلام، يعني عذبهم أهل مكة بالإكراه على الكفر، وقرئ ~~معلوما «4»، أي فتنوا الناس وأوقعوهم في الضلالة أو أنفسهم بعد الإسلام، ~~قيل: نزلت في شأن أبي السرح وكان أخا عثمان لأمه حين ارتد، ثم أسلم يوم فتح ~~مكة وحسن إسلامه «5» (ثم جاهدوا) مع النبي عليه السلام في سبيل الله ~~(وصبروا) على الإيمان والهجرة والجهاد (إن ربك من بعدها) أي بعد تلك الفتنة ~~والهجرة والصبر (لغفور) لذنوبهم (رحيم) [110] بادخالهم الجنة. ### || [سورة النحل (16): آية 111] # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) # قوله (يوم تأتي) ظرف ل «رحيم» أو لفعل مقدر، أي اذكر يوم تحضر (كل نفس) ~~أي إنسان (تجادل) أي تخاصم وتعتذر (عن نفسها) أي عن ذاته لا يهمه شأن غيره، ~~بل يشتغل بالاعتذار عن نفسه، وهو المراد بالجدال، فيقول «6» ما أشركت أنا ~~ولا عصيت أو يقول هؤلاء أضلوني عن طريق الحق، وفي نفسها إضافة الشيء إلى ~~نفسه، وتأويلها: أن المراد من النفس الأولى الجملة كما هي، ومن الثانية ~~العين وهو غيرها، كأنه قيل تجادل عن ذاتها، والذات أعم منها (وتوفى) أي ~~توفر (كل نفس) سواء كانت فاجرة أو صالحة (ما عملت) أي جزاء عملها في الدنيا ~~من خير أو شر (وهم لا يظلمون) [111] بالنقص عن حسناتهم ولا بالازدياد على ~~سيئاتهم، قيل: يكون ذلك إذا زفرت جهنم زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إبراهيم خليل الرحمن يقول: يا رب لا أسألك ~~إلا نفسي «7»، أي أريد خلاص نفسي لا غير، وروي: «أن الروح تخاصم الجسد يوم ~~القيامة فيقول الروح: يا رب! لم يكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا ~~عين أبصر بها؟ ويقول الجسد: يا رب! جعلتني كالخشب اليابس لا يتحرك بنفسه من ~~جانب إلى جانب، ولا يقدر على شيء فيضرب الله لهما مثل الأعمى والمقعد ~~فيعذبان معا» «8». ### || [سورة النحل (16): آية ms0927 112] # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) # (وضرب الله مثلا) أي شبها لمن أنعم الله عليه فأبطرته النعمة فكفر وتولى ~~(قرية) أي بقرية هي مكة أو أيلة (كانت آمنة) لا يهاج أهلها ولا يغار عليها ~~(مطمئنة) أي قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه ~~سائر العرب (يأتيها رزقها رغدا) أي واسعا (من كل مكان) يعني يحمل إليها من ~~البر والبحر (فكفرت) أي طغت (بأنعم الله) جمع النعمة بعد طرح التاء منها ~~كدرع وأدرع، روي: «أن أهلها كانوا PageV02P328 # يستنجون بالخبز» «1» أو كفرت بمحمد والقرآن والإسلام (فأذاقها الله) أي ~~عاقب أهلها (لباس الجوع) أي ببلاء القحط سبع سنين حتى أكلوا ما يغوطونه ~~(والخوف) أي ولباس «2» خوف العدو أو خوف سرايا النبي عليه السلام (بما ~~كانوا يصنعون) [112] أي بسبب صنيعهم الخبيث، قيل: شبه ما يدرك من أثر الضرر ~~والألم بما يدرك من طعم المر وقبح «3» اللذة، فاستعمل الإذاقة على إصابته ~~فيقال ذاق فلان الضر والبؤس وأذاقه العذاب، أي أصابه ذلك ثم يستعمل الذوق ~~عندهم على الملابسة كالحقيقة لشيوعه في الشدائد والبلايا، فيقال ذاق فلان ~~الضر إذا لابسه وكذا اللباس يشبه به سوء الحال الذي يغشي الإنسان والتبس به ~~من كل جانب كاشتمال اللباس على اللابس فيستعار اللباس له، ولما كان الخوف ~~والجوع يتغشيانهم تغشى الثوب اللابس استعير في الآية اللباس لكل من الجوع ~~والخوف، فكأن اللباس قد صار جوعا وخوفا فيلابس بهما، فكأنه قيل فأذاقهم ما ~~غشيهم من الجوع والخوف، يعني ابتلاهم الله بهما وظهر عليهم سوء آثارهم ~~وتغير الحال عليهم عما كانوا عليه من قبل كاللباس لهم «4»، وذلك بدعاء ~~النبي عليه السلام حين قال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعل سنيهم ~~كسني يوسف» «5»، فاستجيب دعاؤه فوقع القحط فيهم حتى أكلوا الجيف والكلاب ~~والعظام المحرقة «6». ### || [سورة النحل (16): آية 113] # ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) # (ولقد جاءهم رسول منهم) وهو ms0928 محمد عليه السلام (فكذبوه فأخذهم العذاب) أي ~~الجوع (وهم ظالمون) [113] والواو للحال. ### || [سورة النحل (16): آية 114] # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) # ثم أن رؤساء مكة كلموا رسول الله، وقالوا: أنت عاديت الرجال فما بال ~~الصبيان والنساء؟ فأذن رسول الله عليه السلام أن يحمل الطعام إليهم وهم بعد ~~مشركون، فأنزل تعالى «7» (فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) أي من الحرث ~~والأنعام وهم خزاعة وثقيف (واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون) [114] ~~أي توحدونه أو ترضونه بعبادتكم، فان رضاه أن تستحلوا ما أحله هو وتحرموا ما ~~حرمه هو. ### || [سورة النحل (16): آية 115] # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # ثم عرفهم المحرمات ليجتنبوا عنها بقوله (إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل) أي رفع الصوت في ذبحه (لغير الله به) أي لغير اسمه ~~تعالى بسبب ذلك الشيء، فالباء تتعلق «8» بقوله (فمن اضطر) بشيء مما حرم ~~الله عليه فأكل منه (غير باغ) أي غير متجاوز عن الأكل بالضرورة عن الشبع ~~(ولا عاد) أي ولا معتد بالسفر فيأكل للضرورة، فيه إشارة إلى أن العاصي ~~بسفره لا يجوز له أن يأكل الميتة للضرورة، هذا عند الشافعي أو المراد منه: ~~ولا راجع إلى أكله من غير ضرورة بعد أكله للضرورة (فإن الله غفور) فيما أكل ~~(رحيم) [115] لترخيصه في أكل الميتة للضرورة. PageV02P329 ### || [سورة النحل (16): آية 116] # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) # ثم نهاهم عن الحكم بالرأي في التحليل والتحريم بلا حجة، قوله (ولا تقولوا ~~لما تصف) أي لأجل الذي تصفه (ألسنتكم الكذب) مفعول «لا تقولوا»، جعله عين ~~الكذب مبالغة، وأبدل منه قوله (هذا حلال وهذا حرام) يعني لا تقولوا الكذب ~~للذي تصفونه بالحل والحرمة من البهائم في قولكم «ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا» «1»، ومحرم على أزواجنا ms0929 «2» كذبا «3» من غير إسناد إلى الله ~~هذا حلال وهذا حرام ف «ما» موصولة، والعائد محذوف، ويجوز أن تكون مصدرية، ~~والكذب مفعول «تصف»، ويتعلق «هذا حلال وهذا حرام» ب «لا تقولوا» على معنى: ~~ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، يعني لا تحرموا ولا ~~تحللوا لأجل قول ينطق به ألسنتكم لا لأجل حجة وبينة من الوحي، بل بالقول ~~الباطل والدعوى الفارغة (لتفتروا على الله الكذب) بتحريم البحيرة والسائبية ~~وغيرهما، واللام فيه للصيرورة، متعلق ب «لا تقولوا» (إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون) [116] أي لا ينجون من العذاب في الآخرة، وفيه تهديد ~~لأهل الفتوى والقضاء «4». ### || [سورة النحل (16): آية 117] # متاع قليل ولهم عذاب أليم (117) # قوله (متاع) خبر مبتدأ محذوف، أي بقاؤهم في الدنيا وعيشهم تمتع (قليل ~~ولهم عذاب أليم) [117] أي دائم في الآخرة لأجل ذلك القليل. ### || [سورة النحل (16): آية 118] # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (118) # (وعلى الذين هادوا) أي مالوا عن الإسلام، وهم اليهود (حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل) أي قبل هذه السورة في سورة الأنعام (وما ظلمناهم) بتحريمنا ~~ذلك عليهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [118] بترك الإيمان وبالمعاصي، ~~فحرمنا عليهم ببغيهم. ### || [سورة النحل (16): آية 119] # ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (119) # (ثم إن ربك) ولي وناصر «5» (للذين عملوا السوء) أي المعصية (بجهالة) في ~~موضع الحال، أي جاهلين بالله وبعقابه، يعني غير متفكرين للعقاب لغلبة ~~الشهوة عليهم (ثم تابوا من بعد ذلك) أي بعد عمل السوء (وأصلحوا) أي ~~واستقاموا على التوبة (إن ربك من بعدها) أي بعد التوبة (لغفور) لذنوبهم ~~(رحيم) [119] بهم بالثواب. ### || [سورة النحل (16): آية 120] # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) # ثم بين حال إبراهيم لكفار مكة ليتبعوا ملته فقال (إن إبراهيم كان أمة) أي ~~كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفاته الخير أو الأمة بمعنى المأموم ~~لقصد «6» الناس إياه ms0930 ليأخذوا منه الخير أو لأنه كان إماما في الدين PageV02P330 # معلما الخير «1» يأتم به الناس، وقيل: «كان مؤمنا وحده في زمانه والناس ~~كلهم كفارا» «2» (قانتا لله) أي مطيعا لربه أو قائما بأوامر الله (حنيفا) ~~أي مائلا إلى الحق غير زئل عنه، يعني مستقيما مخلصا على دين الإسلام، قوله ~~(ولم يك من المشركين) [120] تكذيب لكفار مكة حيث قالوا إنه منا، أي لم يكن ~~إبراهيم معهم في دينهم، حذف النون من كان لكثرة الاستعمال. ### || [سورة النحل (16): آية 121] # شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) # (شاكرا لأنعمه) أي كان عارفا ذاكرا بما أنعم الله عليه من أنواع النعم، ~~لأنه كان لا يأكل إلا مع الضيف وينفق على الفقراء واليتامى والمساكين ~~(اجتباه) أي اختاره الله للنبوة (وهداه إلى صراط مستقيم) [121] أي إلى دين ~~«3» الحق وهو الإسلام. ### || [سورة النحل (16): آية 122] # وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) # (وآتيناه) أي أعطيناه (في الدنيا حسنة) أي رسالة وخلة أو لسان الصدق ~~والثناء الجميل، وقيل: القبول العام في جميع الأمم «4»، وقيل: الأموال ~~والأولاد «5» (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) [122] أي مع أنبيائه «6» في الجنة. ### || [سورة النحل (16): آية 123] # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) # (ثم أوحينا إليك) «ثم» فيه لتعظيم النبي عليه السلام وإجلال محل إبراهيم ~~عليه السلام ليتبع المشركون دين الإسلام، لأنه ملة إبراهيم عليه السلام، أي ~~أمرناك مع هذه الكرامة العظيمة التي أعطيناك (أن اتبع ملة إبراهيم) أي دينه ~~(حنيفا) حال من فاعل «اتبع»، أي مستقيما عليه أو حال من «إبراهيم»، أي حال ~~كونه مسلما (وما كان من المشركين) [123] أي على دينهم، قال العلماء: كان ~~النبي عليه السلام مأمورا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ بشريعته وما لم ينسخ ~~صار شرعا له. ### || [سورة النحل (16): آية 124] # إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة ~~فيما كانوا فيه يختلفون (124) # قوله (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه) نزل تحريضا على الاستقامة ~~في دين الحق «7»، لأن الميل عنه يورث الطرد ms0931 واللعنة، أي ما جعل السبت لعنة ~~أو ما فرض تعظيم السبت وترك الاصطياد فيه إلا على القوم الذين اختلفوا في ~~السبت وهم اليهود، واختلافهم أنهم حرموا الصيد فيه تارة وأحلوه تارة، ولم ~~يتفقوا على تحريمه، وقيل: اختلافهم إن الله افترض عليهم تعظيم الجمعة ~~بالوحي على موسى بقوله تفرغوا في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة، ~~ولا تعلموا فيه لصنعتكم وستة أيام لصناعتكم، فأبوا، وقالوا: لا نريد إلا ~~اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد ~~فيه عليهم، ثم جاء عيسى بيوم الجمعة، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد ~~عيدنا يعنون اليهود، فاتخذوا يوم الأحد فأعطى الله الجمعة PageV02P331 # هذه الأمة فقبلوها، وبورك لهم فيها بمغفرة الذنوب ونزول الرحمة عليهم «1» ~~(وإن ربك ليحكم) أي ليقضي (بينهم) ببيان الحق معاينة (يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون) [124] من دين الحق، يعني ليجازيهم جزاء اختلافهم في ~~التحليل والتحريم وتعيين يوم من الأسبوع للعبادة وتعظيم غير ما فرض الله عليهم. ### || [سورة النحل (16): آية 125] # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) # ثم قال لنبيه عليه السلام (ادع إلى سبيل ربك) أي إلى الإسلام (بالحكمة) ~~أي بالقرآن والنبوة (والموعظة الحسنة) أي بالقول اللين الرفيق من غير غلظة ~~ولا تعنيف، قال عليه السلام: «أمرنا أن أكلم الناس على قدر عقولهم» «2»، ~~وقيل: الموعظة الحسنة الدعوة إلى الله بالترغيب والترهيب «3» (وجادلهم ~~بالتي هي أحسن) أي وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي المرضية عند الله، وهي ~~أن لا يكون لك فيها غرض من أغراض الدنيا ولا أذى لهم ولا تقصير في تبليغ ~~الرسالة والدعاء إلى الحق، وهذا منسوخ بآية السيف «4» (إن ربك هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله) أي عن دينه الحق (وهو أعلم بالمهتدين) [125] أي المستقيمين في الدين. ### || [سورة النحل (16): آية 126] # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) # قوله (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ms0932 عوقبتم به) نزل بالمدينة في شهداء أحد، ~~وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بحمزة وحاله من المثلة السيئة ~~وهي تبقير بطنه وجدع أنفه وأذنه وجب مذاكيره جزعوا جزعا شديدا، وقالوا: لئن ~~ظفرنا بقريش لنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، ثم رأى النبي ~~عليه السلام عمه حمزة بحاله التي بها رأوه، فقال: والله لئن أظفرني الله ~~بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فقال الله تعالى: إن كنت لا بد فاعلا ~~بموتاهم فافعل بهم مثل ما فعلوا بموتاك، فكف رسول الله عليه السلام عن ~~المثلة وكفر عن يمينه «5»، قيل: لا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار ~~بالنهي عنها حتى الكلب العقور «6»، روي: أنه لم يبق أحد من قتلى أحد من ~~المسلمين إلا وقد مثل به غير حنظلة بن الراهب «7» (ولئن صبرتم) بالعفو على ~~ترك القصاص (لهو) أي صبركم (خير) في الثواب (للصابرين) [126] أي لكم من ~~الانتقام، فقال عليه السلام: # «بل نصبر عليه ونمسك عن المكافاة» «8»، قيل: «كان هذا قبل نزول براءة حين ~~أمر النبي عليه السلام بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز ~~الله الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد، نسخت هذه الآية «9». ### || [سورة النحل (16): آية 127] # واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) # (واصبر) أي دم على الصبر، ففيه عزم عليه بالصبر (وما صبرك إلا بالله) أي ~~بتوفيقه للصبر وربطه على PageV02P332 # قلبك (ولا تحزن عليهم) أي على كفار قريش إن لم يؤمنوا (ولا تك في ضيق) أي ~~لا تضيق صدرك (مما يمكرون) [127] أي مما يفعلون من الحيل معك، قرئ بفتح ~~الضاد وكسرها «1» حيث ما كان وهما ضد السعة، وقيل: «بالفتح الغم وبكسر ~~الشدة» «2»، وقيل: «الكسر في قلة المعاش وبالفتح الحزن في الصدر» «3». ### || [سورة النحل (16): آية 128] # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # (إن الله مع الذين اتقوا) المعاصي بالنصرة (والذين هم محسنون) [128] أي ~~ومع المحسنين فيما أمروا به أو إلى من أساء إليهم بالعفو والنفع. PageV02P333 ### | سورة بني إسرائيل ms0933 (الإسراء) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الإسراء (17): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) # (سبحان الذي أسرى) قيل: «سبحان» كلمة لازمة الإضافة، دالة على التنزيه ~~بالبليغ من كل قبيح «1»، وهو وصف الله تعالى بالبراءة من كل نقص وعيب ~~بالمبالغة، وقال الزمحشري رحمه الله «2»: إنه اسم علم مصدر هو التسبيح لا ~~ينصرف بالعلمية وللزائد فيه كعثمان، منصوب بفعل متروك إظهاره، تقديره: أسبح ~~الله سبحان، ثم نزل منزلة الفعل، وفيه معنى التعجب «3»، أي سبحوا الله من ~~كل عيب يضيفه إليه الأعداء وتعجبوا من أمره الذي سرى (بعبده) محمد عليه ~~السلام، أي سيره (ليلا) أي في بعض الليل بدلالة التنكير، قيل: إنما ذكر ~~الليل ولم يكتف بذكر «أسرى» الدال عليه إيذانا بأن الإسراء والرجوع كان في ~~جزء من ليلة «4»، وأسرى وسرى بمعنى واحد لا يستعملان إلا في سير الليل ~~خاصة، يعني سار بعبده ليلا (من المسجد الحرام) أي من الحرم، وسمي به ~~لإحاطته بالمسجد، قال ابن عباس: «الحرم كله مسجد» «5»، أراد أنه سيره من ~~مسجد مكة، وقيل: «من دار أم هانئ بنت أبي طالب» «6»، وكانت من الحرم بعد ~~البعثة قبل الهجرة بسنة في شهر رمضان أو في رجب بجسده في اليقظة لتواتر ~~الأخبار الصحيحة على ذلك، وعليه الأكثرون، وقد روي عن النبي عليه السلام: ~~«بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرائيل ~~بالبراق» «7»، فذلك حديث الإسراء (إلى المسجد الأقصى) أي إلى بيت المقدس، ~~سمي أقصى، لأنه أبعد من المسجد الحرام، إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجد يعبد ~~الله فيه (الذي باركنا حوله) ظرف، أي كثرنا فيه الثمار وأجرينا الأنهار، ~~وجعلناه مقرا للأنبياء والصالحين، والمراد «مما حوله» دمشق والأردن وفلسطين ~~وغيرها (لنريه) أي محمد عليه السلام، متعلق ب «أسرى» (من آياتنا) أي ~~علاماتنا العجيبة الدالة على وحدانيتنا في تلك الليلة من عجائب السموات ~~والأرض (إنه) أي إن الله (هو ms0934 السميع) بأقوال محمد عليه السلام وأقوال أهل ~~مكة (البصير) [1] بأفعاله وأفعالهم أو الحافظ له في ظلمة الليل وضوء ~~النهار. # ذكر في حديث المعراج: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج عني سقف ~~بيتي وأنا بمكة، فنزل جبرائيل، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست ~~من ذهب ممتلئ إيمانا وحكمة، فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أتيت ببراق ملجم ~~مسرج، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته PageV03P005 # فاستعصب علي، فقال جبرائيل: أبمحمد تفعل هذا فما ركبك أحد أكرم على الله ~~منه، فأرفض عرقا فانطلقت مع جبرائيل حتى أتيت بيت المقدس، فربطته في الحلقة ~~التي يربط فيها الأنبياء، فدخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني ~~جبرائيل باناء من خمر وإناء من لبن فأخذت اللبن، فقال جبرائيل: اخترت ~~الفطرة، ولو أخذت الخمر لغوت أمتك، فانطلق بي جبرائيل حتى أتى إلى السماء ~~الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبرائيل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل: ~~وقد أرسلت إليه؟ قال نعم، قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، أي ~~وصلت فإذا فيها آدم، فقال جبرائيل: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، ~~فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. # وفي رواية: فاذا فيها رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، فاذا نظر ~~قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فقلت من هذا، قال أبوك، وهذه ~~الأسودة عن يمينه أهل الجنة والأسودة عن شماله أهل النار. # ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبرائيل، ~~قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل: مرحبا به فنعم ~~المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فاذا فيها يحيى وعيسى عليهما السلام، وهما ابنا ~~خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا، ثم قالا: # مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، ~~فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال ms0935 محمد، قيل: وقد أرسل ~~إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خلصت إذا فيها ~~يوسف، قال: هذا يوسف، فسلم عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ ~~الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من ~~هذا؟ قال جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، ~~قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فاذا إدريس، قال: هذا ~~إدريس، فسلم عليه فسلم عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبرائيل، ~~قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ # قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فاذا هارون، ~~قال: هذا هارون، فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح ~~والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال ~~جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: ~~مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فاذا فيها موسى، قال: هذا موسى، فسلم ~~عليه فسلمت عليه فرد، ثم قال: # مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ ~~قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ~~ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبرائيل، قيل: ~~ومن معك؟ قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم ~~المجيء جاء فلما خلصت فاذا فيها إبراهيم، قال: هذا أبوك، فسلم عليه فسلمت ~~عليه فرد، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، فرفع بي إلى البيت ~~المعمور، فسألت عنه جبرائيل، فقال: هو البيت المعمور الذي يصلي فيه كل يوم ~~سبعون ألف ملك، فاذا خرجوا لم يعودوا إليه أبدا، ثم ذهب بي إلى سدرى ~~المنتهى فاذا نبقها مثل قلال هجر وإذا أوراقها مثل آذان الفيل، فلما غشيها ~~من أمر الله ما ms0936 غشيها، يعني خمس صلوات تغيرت، أي بحسن الثواب، فما أحد من ~~خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وفي أصلها أربعة أنهار، نهران باطنان ~~ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبرائيل؟ قال: أما الباطنان فنهران في ~~الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم دنوت الجبار رب العزة فتدليت حتى ~~كنت منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحي إلي ما أوحي، ففرض علي خمسون صلوة في كل ~~يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ فقلت: # خمسين صلوة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فان أمتك لا تطيق ذلك، ~~فاني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فرجعت إلى ربي، ~~فقلت: يا رب! خفف على أمتي، فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، ~~فرجعت، فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فقال لي مثله، فرجعت، فوضع PageV03P006 # عني عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، ~~فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى ~~فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فان أمتك أضعف أجساما وقلوبا، قلت: ~~والله سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضي وأسلم، وقيل: رجع وسأل، فقال تعالى: ~~يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلوة عشر ~~هي خمس عليك وهي خمسون في أم الكتاب لا يبدل القول لدي، من هم بحسنة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم ~~يكتب عليه شيء فان عملها كتبت سيئة واحدة، فلما جاوزت نادى مناد أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فاذا فيها جنابذ اللؤلؤ، أي القباب ~~منه، وإذا ترابها المسك» «1». # قال الراوي: ثم أهبط بسم الله فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، فلذلك اختلف ~~أهل العلم، أن المعراج في المنام أو في اليقظة؟ وقبل الوحي أو بعده؟ فقال ~~المحققون: أن هذا كان رؤيا في المنام أراه الله عز وجل قبل الوحي بدليل آخر ~~الحديث، يعني ms0937 فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي ~~قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام ~~الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان، ونزل قوله تعالى «لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق» «2». # وروي: أنه لما رجع رسول الله ليلة أسري به وكان بذي طوى، قال: يا ~~جبرائيل! إن قومي لا يصدقونني، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق. # وروي الزهري عن عروة أن النبي عليه السلام لما أصبح ليلة أسري به وأخبر ~~الناس بذلك ارتد ناس ممن صدقوه وفتنوا وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر، ~~فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال لئن ~~قال ذلك لقد صدق، قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل ~~أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء بغدوة ~~أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق، ثم قالوا للنبي عليه السلام: هل تستطيع ~~أن تنعت لنا المسجد؟ قال: نعم، قالوا: أخبرنا عن نعته، فأخبرهم عنه كما ~~كان، فقال قوم: إن النعت فو الله لقد أصاب، ثم قالوا: يا محمد أخبرنا عن ~~عيرنا فهي أهم إلينا، هل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان ~~وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح من ماء ~~فعطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان، فسألوهم هل وجدوا الماء في القدح ~~حين رجعوا إليه، قالوا: هذه آية، قالوا: فأخبرنا عن عيرنا، قال مررت بها ~~بالتنعيم، قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها؟ قال: نعم هيئتها ~~كذا وكذا وفيها فلان تقدمها جمل أورق عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند ~~طلوع الشمس، قالوا: وهذه آية، ثم خرجوا ثم يسدون نحو الثنية حتى أتوا عليها ~~فجعلوا ينتظرون متي تطلع الشمس فيكذبونه، وبعضهم على ثنية أخرى ينتظرون ~~العير، إذ قال قائل منهم: والله هذه الشمس قد طلعت، ms0938 وقال الآخر: والله هذه ~~الإبل قد طلعت تقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم، فلم يؤمنوا، ~~وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين، قال رسول الله عليه السلام: لقد رأيتني في ~~الحجر وهو حطيم البيت وقريش تسألني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت ~~كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم ~~به، قيل: سر الإسراء به من مكة إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء، هو ~~أن يكون ذلك سببا لتصديقه الصعود إلى السماء على التدريج، لأنه إذا أخبرهم ~~بقطع المسافة البعيدة في أيسر زمان دل دلالة صحيحة على إمكان صعوده إلى ~~السماء أيضا عقلا «3». PageV03P007 ### || [سورة الإسراء (17): آية 2] # وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) # ثم أخبر الله تعالى عن حال موسى عليه السلام وقومه تهديدا لمكذبي النبي ~~عليه السلام من أهل مكة فقال (وآتينا موسى الكتاب) أي التورية جملة واحدة ~~(وجعلناه) أي الكتاب (هدى لبني إسرائيل) من الضلالة (ألا تتخذوا) بالياء ~~غيبة «1»، أي لئلا يتخذوا أو «أن» تفسير فهي بمعنى النهي، أي لا يتخذ بنو ~~إسرائيل (من دوني وكيلا) [2] أي ربا كفيلا يكلون أمورهم إليه، وبتاء الخطاب ~~لزيادة التخويف «2»، يعني لا تعبدوا من دوني ربا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 3] # ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3) # (ذرية من حملنا مع نوح) نصب بأنه مفعول ثان لقوله «لا تتخذوا»، يعني لا ~~تعبدوا ذرية المحمولين في السفينة وهي عيسى وعزير أو منادا بحذف حرف ~~النداء، ينادي كفار مكة، أي يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا من دوني ~~وكيلا ولا تشركوا بي وأنتم ذرية من آمن به وحمل معه، وهذا منة على جميع ~~الناس، لأن كلهم من ذرية من أنجاه الله من الغرق بالسفينة، وتوبيخ لمن أشرك ~~منهم بالله، يعني أنهم كانوا مؤمنين به فكونوا مثلهم في الإيمان بالنبي ~~عليه السلام، ثم أثنى على نوح بقوله (إنه كان عبدا شكورا) [3] أي كثير ~~الشكر لله ms0939 كثير الخير للمساكين، قيل: كان يعرض عشاءه عند فطره على من آمن ~~به، فان وجده محتاجا به آثره به «3»، وقيل: كان قائلا الحمد لله إذا أكل ~~وشرب أو قام وقعد وذهب «4». ### || [سورة الإسراء (17): آية 4] # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا ~~كبيرا (4) # (وقضينا) أي بينا بالوحي وأعلمنا «5» بالوحي وأنهينا (إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب) أي في التورية أو في اللوح المحفوظ أو «إلى» بمعنى على، أي قضينا ~~عليهم حكما مقطوعا (لتفسدن) أي والله لتعصن «6» (في الأرض) أي في أرض «7» ~~الشام وبيت المقدس (مرتين) نصب على المصدر من غير لفظ الفعل، أي إفسادين في ~~المرة الأولى قتلهم النبي عليه السلام شعياء، وقيل: «هو مخالفتهم أحكام ~~التورية وارتكابهم المحارم» «8»، والإفساد في المرة الثانية قتل يحيى بن ~~زكريا وقصد قتل عيسى ابن مريم (ولتعلن) أي ولتعظمن (علوا كبيرا) [4] أي ~~تعظما شديدا، والعلو العتو بالقهر الشديد والظلم العظيم. ### || [سورة الإسراء (17): آية 5] # فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) # (فإذا جاء وعد أولاهما) أي موعود أولى المرتين وهو عقابها (بعثنا) أي ~~سلطنا (عليكم عبادا لنا) أي عبيدنا ومماليكنا وأكثر ما يقال عباد الله ~~وعبيد الناس (أولي بأس شديد) أي ذوي بطش قوي في الحرب، وهم العمالقة أو ~~سنحاريب الملك من أرض نينوى، والأظهر عن الأكثر بختنصر ملك ببال ولاية ~~نمرود (فجاسوا) أي داروا يطلبونكم، من جاس الشيء إذا طلبه بالاستقصاء (خلال ~~الديار) أي وسطها ووسط الأزقة للقتل والأسر والإفساد (وكان) مجيء العقاب ~~لهم (وعدا مفعولا) [5] أي مقدرا في اللوح المحفوظ لا محالة من أن يفعل بهم ذلك. # قال محمد بن إسحاق: كان أول ما نزل بني إسرائيل بسبب ذنوبهم هو أن الله ~~كان إذا ملك ملكا عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده وكان لهم بعد موسى عليه ~~السلام ملك صالح يعبد ربه ويعدل بين الناس، وبعث معه شعياء بن أصفياء قبل ~~بعثة زكريا ويحيى وعيسى، وشعيا هو الذي بشر بمجيء ms0940 عيسى ومحمد عليهما ~~السلام، PageV03P008 # فقال: أبشروا! يأتيكم راحب الحمار ومن بعده صاحب البعير فملك الملك بني ~~إسرائيل وبيت المقدس زمانا، ثم قبض الله ملك بني إسرائيل اسمه صديقة فمرج ~~أمر بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا، وعصوا ربهم ونبيهم ~~شعياء معهم ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك أوحى الله تعالى إلى شعياء أن ~~قم وأنذرهم وعظهم وحذرهم لينزجروا عن أفعالهم الخبيثة، فقام وأنذر وبالغ في ~~الوعظ والتحذير فلم يقبلوا منه، فقصدوا قتله فهرب منهم، فلقيه شجرة فانفلقت ~~له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ بثوبه فأراهم إياها، فوضعوا في وسطها ~~المنشار فقطعوها ثم استخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ~~ناشية بن أموص وبعث أرمياء بن حلقيا نبيا، وكان من سبط هارون بن عمران وكان ~~يسدد ذلك الملك ويرشده، ثم عظمت الأحداث والذنوب في بني إسرائيل واستحلوا ~~المحارم، فأوحى الله إلى أرمياء أن خوفهم بما أمرك به وذكرهم نعمتي عليهم ~~وعرفهم بأحداثهم، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله في الوقت ~~خطبة بليغة بين فيها لهم ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله ~~عز وجل وإني حلفت بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحير فيها الحكيم ولأسلطن عليهم ~~جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل ~~المظلم، ثم أوحى إلى أرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، ~~فلما أخبرهم بذلك أخذوه وحبسوه، قيل: هو الحضر عليه السلام، فسلط الله ~~عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية، ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام، ~~وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس، وقتل علماءهم وأحرق التورية ~~وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس، ففعلوا ~~ذلك حتى ملؤه ثم أمرهم أن يجمعوا من بلدان بيت المقدس الغنائم والرجال ~~والنساء فاجتمع كل صغير وكبير من بني إسرائيل عنده فاختار منهم سبعين ألف ~~صبي، قيل: كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على المسلمين ويسلطهم ms0941 عليهم؟ # أجيب بأن معناه: خلينا بينهم وبين ما فعلوه بقطع لطفنا عنهم ومنه إسناد ~~التولية إلى نفسه في قوله «وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون» ~~«1»، فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسم فيهم قالت له الملوك الذين كانوا ~~معه أيها الملك: لك غنائمها كلها وأقسم بيننا هؤلاء الصبيان فأعطاهم إياهم ~~فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة، ثم أدخل من بقي من بني إسرائيل أرض بابل ~~فمكثوا بها سبعين سنة حتى مات ملكهم بختنصر، وقيل: «مسخه الله نسرا في ~~الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم مسخه أسدا في الوحوش» «2» لتخريبه بيت ~~المقدس وإحراقه التورية، ثم غزا رجل من أهل همدان يقال له كورش أهل بابل ~~فظهر عليهم وسكن ديارهم، وتزوج امرأة من بني إسرائيل وطلبت من زوجها أن يرد ~~قومها بني إسرائيل إلى أرضهم، ففعل فجاؤا إلى بيت المقدس فمكثوا في أرضها، ~~فرجع حالهم إلى أحسن ما كانوا عليه تائبين مطيعين لله، ثم أنهم لما دخلوا ~~الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله لإصلاح دينهم وكانت التورية قد أحرقت، ~~وكان عزير غلاما من السبايا التي كانت ببابل، فرجع إلى الشام يبكي عليها ~~ليله ونهاره، إذ أقبل عليه رجل وقال يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب ~~الله تعالى وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وأخرانا غيره، ~~قال: أفتحب أن يرد الله إليك التورية ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك، ثم موعدك ~~هذا المكان غدا فرجع عزير وصام وتطهر وطهر ثيابه، ثم عمد إلى المكان الذي ~~وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل باناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه ~~فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التورية في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم ~~التورية، فأحبوه حتى لم يحبوا حبه شيئا، فكان بينهم يأمرهم وينهاهم ~~بالتورية، فهذه هي الواقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل لظلمهم ~~أنفسهم «3». ### || [سورة الإسراء (17): آية 6] # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) # (ثم رددنا) أي أعدنا (لكم ms0942 الكرة) أي الدولة والرحمة (عليهم) أي على الذين ~~قتلوكم بعد مائة سنة لما تبتم PageV03P009 # ورجعتم عن الفساد والعلو، وهي قتل بختنصر وأصحابه، يعني أظفرناكم بهم بعد ~~أن ظفروا بكم وظلموكم بالقتل والسبي (وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا) [6] تمييز، جمع نفر كالعبيد، جمع عبد، أي أكثر رجالا، والنفير من ~~ينفر معك من قومك، وقيل: النفير العدد «1». ### || [سورة الإسراء (17): آية 7] # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا ~~وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) # (إن أحسنتم) أي إن أطعتم ربكم بالتوحيد والعبادة الخالصة (أحسنتم ~~لأنفسكم) أي عملتم الثواب لأجلكم في الجنة (وإن أسأتم فلها) أي إن أشركتم ~~وخالفتم أمر ربكم فلا نفسكم عقاب الإساءة وجزاؤها، وقيل: اللام فيه بمعنى ~~«على» كما في قوله تعالى «فسلام لك «2»» «3»، المعنى: أن الإحسان والإساءة ~~كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضر إلى غيركم (فإذا جاء وعد الآخرة) ~~أي عقاب المرة الآخرة وهي قتلهم يحيى وقصدهم «4» قبل عيسى حين يرفع، ~~وإفسادهم بعثنا عليكم من قتلكم وسباكم ونفوا من دياركم (ليسوؤا وجوهكم) أي ~~ليقبحوها بالقتل والسبي والفساد ليظهر أثره في وجوهكم من حزن وكآبة، وإنما ~~اختصت الوجوه، لأن آثار المساءة انما يظهر في وجوه الناس كما يظهر آثار ~~البشارة فيها من فرح ومسرة، قرئ بواو الجمع وياء الغيبة، وبفتح الهمزة ~~والياء، والفاعل «الوعد» أو «الله»، وبالنون وفتح الهمزة إخبارا عن الله ~~«5» (وليدخلوا المسجد) أي بيت المقدس (كما دخلوه أول مرة) من المرتين ~~المذكورتين (وليتبروا) أي وليهلكوا ويخربوا (ما علوا) أي الذي ظهروا عليه ~~من بلادهم (تتبيرا) [7] أي إهلاكا شديدا، وهو في الأصل التكسير، ومنه التبر ~~للمتكسر من الذهب والفضة. ### || [سورة الإسراء (17): آية 8] # عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8) # (عسى ربكم أن يرحمكم) يا بني إسرائيل بعد المرة الثانية إن تبتم عن ~~معاصيكم فترد الدولة إليكم (وإن عدتم عدنا) أي إن رجعتم عن توبتكم إلى ~~المعصية رجعنا إلى عقوبتكم، قال قتادة: «فعادوا فبعث الله ms0943 عليهم محمدا عليه ~~السلام، فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرن» «6» (وجعلنا جهنم للكافرين) ~~بأمر الله ونهيه على لسان رسله (حصيرا) [8] أي حبسا يحبسون فيها ولا يخرجون ~~منها أبدا من قولهم حصرت إذا صار محصورا، أي محبوسا، وقيل: الحصير هو ~~الفراش الذي يبسط ويجلس عليه «7»، وروي في بيان المرة الآخرة: أن بني ~~إسرائيل لما مات عزير جعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث والذنوب، واستحلوا ~~المحارم فبعث الله فيهم «8» الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر ~~من بعثه الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وكانوا من ~~بيت آل داود فمات زكريا، وقيل: قتلوه فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم ~~لقصدهم قتله قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال ~~له خردوش فسار إليهم بأهل بابل فظهر عليهم، ثم دخل بيت المقدس فقام في ~~البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي أخبروني خبره، قالوا: # هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي، قال: ما صدقتموني ما ~~هذا إلا لأمر عظيم صدر منكم فغضب عليهم، فذبح منهم على الدم سبعمائة وسبعين ~~زوجا من رؤوسهم فلم يهدأ الدم، فقال: يا بني إسرائيل ويلكم أصدقوني واصبروا ~~على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم بلا خوف من ~~الله قبل أن PageV03P010 # لا أترك منكم نافخ نار أنثى أو ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة ~~القتل صدقوا الخبر، فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط ~~الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه ~~فهذا دمه، قال: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني ~~لمثل هذا ينتقم ربكم منكم، فلما رأى الملك أنهم صدقوه خر ساحدا لله، وقال: ~~لمن حوله أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا جيوشنا من كان ههنا، فأخرج كلهم ~~منها وخلى بني إسرائيل فيها، ثم قال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربكم ms0944 ما ~~قد أصاب عومك من أجلك وما قتل منهم في الحرب فاهدأ، أي اسكن باذن ربك قبل ~~أن لا أبقى أحدا من قومك فهدأ الدم باذن الله، وقال: آمنت بما آمنت به بنو ~~إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، ثم انصرف الملك إلى بابل وذهب ببني إسرائيل ~~كلهم معه وبقي بيت المقدس خرابا حتى بناه عمر مع المؤمنين بعد النبي عليه ~~السلام «1». ### || [سورة الإسراء (17): آية 9] # إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ~~أن لهم أجرا كبيرا (9) # ثم قال تعالى (إن هذا القرآن يهدي) أي يرشد (للتي هي أقوم) أي إلى الملة ~~أو الطريقة التي هي أسدها وأصوبها وهي شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان ~~برسله والعمل بطاعته (ويبشر) القرآن بضم الياء وكسر الشين بالتشديد، وبفتح ~~الياء وضم الشين بالتخفيف «2» (المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا ~~كبيرا) [9] أي ثوابا عظيما. ### || [سورة الإسراء (17): آية 10] # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) # (و) يبشر أيضا (أن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا) أي هيئنا (لهم عذابا ~~أليما) [10] أي وجيعا دائما، وذكر المؤمنين الصالحين والكافرين دون الفسقة، ~~لأن الناس كانوا حينئة إما مؤمن تقي أو كافر بالله. ### || [سورة الإسراء (17): آية 11] # ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) # (ويدع الإنسان) بحذف الواو لالتقاء الساكنين وفي الخط أيضا، وهي غير ~~محذوفة في المعنى، ومعناه: أن الكافر يدعو على ماله وولده ونفسه (بالشر) ~~فيقول عند غضبه: اللهم العنه وأهلكه ونحوهما (دعاءه بالخير) أي دعاء مثل ~~دعائه ربه بأن يهب له النعمة والعافية، يعني يطلب الشر كما يطلب الخير ولو ~~استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك، ولكن لا يستجيب بفضله (وكان الإنسان ~~عجولا) [11] أي يتسرع إلى طلب ما يقع في قلبه، وقيل: العجول الضجور الذي لا ~~صبر له على سراء ولا ضراء «3»، والمراد منه النضر بن الحارث حيث قال: فأمطر ~~علينا حجارة من السماء، فأجيب به فضرب عنقه يوم بدر صبرا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 12] # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا ms0945 آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) # (وجعلنا الليل والنهار آيتين) أي خلقناهما علامتين لوحدانيتنا (فمحونا ~~آية الليل) أي أزلنا بعض ضوء القمر، قيل: «في الزمان الأول لا يعرف الليل ~~من النهار، فبعث الله جبرائيل فمسح جناحه بالقمر فذهب ضوءه وبقي أثر جناحه ~~فيه، وهو السواد الذي في القمر» «4»، قال ابن عباس: «جعل الله نور الشمس ~~سبعين جزاء ونور القمر كذلك، فمحا من نور القمر تسعة وستين جزء فجعلها مع ~~نور الشمس» «5» (وجعلنا آية النهار مبصرة) أي مضيئة تبصر فيها الأشياء، ~~يعني جعلنا القمر ذا محو والشمس ذات إضاءة (لتبتغوا) أي لتطلبوا ببياض ~~النهار (فضلا) أي رزقا (من ربكم) في النهار (ولتعلموا) باختلاف الليل ~~والنهار (عدد السنين PageV03P011 # والحساب) أي حساب الأوقات، قيل: لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم ~~يعرف الليل من النهار، ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر المؤمن وقت الحج ~~ولا وقت حلول آجال المعاملات ولا وقت السكون والراحة «1» (وكل شيء) يحتاج ~~إليه (فصلناه تفصيلا) [12] أي بيناه بيانا طاهرا، فلم يبق لكم علينا حجة، ~~وزال عذركم وعلتكم. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 13 الى 14] # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) # (وكل إنسان ألزمناه طائره) أي عمله من خير وشر (في عنقه) لا يفارقه كلزوم ~~القلادة في العنق حتى يحاسب به يوم البعث، وسمي القضاء من السعادة والشقاوة ~~طائرا على عادة العرب فيما يتفأل به ويتشأم من سوانح الطير وبوارحها «2»، ~~وخص العنق بالذكر، لأن الإلزام فيها أشد، وقيل: هذا أيضا من جري الكلام على ~~عادة العرب بنسبة الأشياء اللازمة إلى الأعناق «3» (ونخرج) بالنون «4» (له) ~~أي للإنسان (يوم القيامة كتابا يلقاه) بضم الياء وتشديد القاف، يعطاه، ~~وبفتح الياء وتخفيف القاف «5»، أي يراه (منشورا) [13] أي مفتوحا يقرأه أميا ~~كان أو غير أمي. # قيل: «ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوبة فيها شقي أو سعيد» «6»، وفي ms0946 ~~الآثار أن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا ينشر ~~إلى يوم القيامة، فاذا بعث يقال له (اقرأ كتابك) أي ما في كتابك (كفى ~~بنفسك) الباء زائدة في الفاعل، أي كفى شخصك (اليوم عليك حسيبا) [14] تمييز، ~~فعيل بمعنى الفاعل، أي محاسبا لما ترى فيه كل حسنة وسيئة محصاة عليك، وإنما ~~فوض حسابه إليه لئلا ينسب الله إلى الظلم ولتجب الحجة عليه باعترافه. ### || [سورة الإسراء (17): آية 15] # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) # (من اهتدى) أي من اجتهد حتى وصل إلى الهداية والاستقامة (فإنما يهتدي ~~لنفسه) أي فثوابه لها (ومن ضل فإنما يضل عليها) أي عقابه على نفسه (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر، قوله (وما كنا معذبين) أمة (حتى ~~نبعث رسولا) [15] إليهم إقامة للحجة وقطعا للعذر، فيه دليل على أن ما وجب ~~على العبد بالسمع دون العقل، فان أجابوا الرسول وإلا عذبوا، ورد لقول من ~~يقول أن الحجة لازمة لهم بالعقل قبل بعثة الرسل، لأن معهم أدلة العقل التي ~~يعرف بها الله تعالى وقد تركوا النظر مع تمكنهم منه فستوجبوا العذاب بتركهم ~~إياه ويجعل بعثة الرسول من جملة التنبيه على النظر في أدلة العقل، وهذا ~~القول لأهل الاعتزال. ### || [سورة الإسراء (17): آية 16] # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا (16) # (وإذا أردنا أن نهلك قرية) أي أهلها (أمرنا) بالتخفيف والمد، أي كثرنا ~~وبلا مد «7»، أي كثرنا بالخباثة من أمر القوم، يعني إذا دنا وقت إهلاك قرية ~~أكثرنا بالخباثة (مترفيها) أي منعميها وأغنيائها أو أمرناهم بالطاعة، PageV03P012 # لأن الأمر لا يكون إلا بها، فحذف المأمور به بدليل قوله (ففسقوا) أي ~~فعصوا (فيها فحق) أي وجب (عليها القول) أي العذاب (فدمرناها تدميرا) [16] ~~أي جزيناها بإهلاك من فيها بالاستئصال. ### || [سورة الإسراء (17): آية 17] # وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) # (وكم ms0947 أهلكنا من القرون) بيان وتمييز ل «كم»، و«كم» مفعول «أهلكنا»، ~~و«القرن» أربعين سنة «1»، وقيل: # ثمانون «2»، وقيل: مائة، وهو الأصح لما نقله عبد الله بن بشر المازني عن ~~النبي «3» صلى الله عليه وسلم «4»، أي أهلكنا قرونا كثيرة كعاد وثمود وقوم ~~لوط (من بعد نوح وكفى بربك) الباء زائدة فيه (بذنوب عباده) يتعلق بقوله ~~(خبيرا بصيرا) [17] وهما منصوبان على الحال من «ربك»، أي كفى الله عالما ~~بسرهم وجهرهم قادرا على أخذهم ومجازاتهم لا يغفل عنهم ولا يعجز عن عقابهم، ~~وفيه تهديد شديد لهذه الأمة وتنبيه على أن الذنوب أسباب الهلكة لا غير. ### || [سورة الإسراء (17): آية 18] # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم ~~يصلاها مذموما مدحورا (18) # (من كان يريد العاجلة) أي ثواب الدنيا بعمله (عجلنا له فيها) أي أعطينا ~~له في الدنيا (ما نشاء) من البسط والتقتير لا ما يشاء هو، وأبدل من «له» ~~بدل البعض بتكرير العامل قوله (لمن نريد) إن نهلكه كالمنافق والمرائي ~~والمهاجر للدنيا «5» والمجاهد للذكر والغنيمة (ثم جعلنا له جهنم) أي ~~أوجبناها له (يصلاها) أي يدخلها (مذموما مدحورا) [18] أي مطرودا من الرحمة ~~مبعدا من كل خير. ### || [سورة الإسراء (17): آية 19] # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) # (ومن أراد الآخرة) من الناس بعمله (وسعى لها سعيها) أي كما هو حقه فليس ~~مشوبا بغرض من أغراض الدنيا (وهو مؤمن) أي مخلص في إيمانه فما يبالي أوتي ~~في الدنيا حظا من الحظوظ أو لم يؤت (فأولئك) أي أهل هذه الصفة (كان سعيهم ~~مشكورا) [19] أي مقبولا بالثواب. ### || [سورة الإسراء (17): آية 20] # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) # (كلا) أي كل واحد من المؤمنين والكافرين (نمد) أي نعطي (هؤلاء وهؤلاء) ما ~~قسم لهم، فمحل «هؤلاء» نصب بدل من «كلا»، وهو مفعول «نمد» (من عطاء ربك) أي ~~من زرقه، يعني نرزق المطيع العاصي جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل (وما ~~كان عطاء ربك) أي رزقه (محظورا) ms0948 [20] أي ممنوعا عن خلقه للعصيان، والمراد ~~من ال «عطاء» الدنيا وإلا فلاحظ للكفار في الآخرة، والآخرة مختصة بالمؤمن. ### || [سورة الإسراء (17): آية 21] # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) # (انظر) يا محمد بعين العبرة (كيف فضلنا بعضهم على بعض) أي جعلناهم ~~متفاوتين في التفضل، أي في الرزق والعمل الصالح، يعني طالب الدنيا وطالب ~~الآخرة ونصب «كيف» على الحال ب «فضلنا» (وللآخرة أكبر درجات) أي أفضلها ~~للمؤمنين مما فضلوا في الدنيا (وأكبر تفضيلا) [21] أي في الثواب لهم، قيل: ~~«الرجل الأعلى في الجنة يرى فضله على من هو أسفل منه فيها، والرجل الأسفل ~~لا يرى أن فوقه أحدا» «6». ### || [سورة الإسراء (17): آية 22] # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) # ثم قال مخاطبا للنبي عليه السلام ومسمعا لغيره (لا تجعل) يا محمد (مع ~~الله إلها آخر فتقعد) أي فتبقى في النار (مذموما) أي يذمك الناس (مخذولا) ~~[22] أي ذليلا بلا ناصر. PageV03P013 ### || [سورة الإسراء (17): آية 23] # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) # (وقضى ربك) أي وحكم أمرا مقطوعا به أو أوصى ربك (أن) أي بأن (لا تعبدوا ~~إلا إياه) أي لا توحدوا أحدا إلا الله (وبالوالدين إحسانا) أي وأمر برابهما ~~وعطفا عليهما (إما يبلغن عندك الكبر) «إن» شرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا ~~لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت عن ما لم يصح دخول ~~النون في الفعل «1»، لا تقول إن تضربن زيدا أضربك، قرئ «يبلغان» بالألف ~~والتثنية والتشديد لذكر الوالدين قبله فيكون (أحدهما) بدلا من ألف الضمير ~~الراجع إلى «الوالدين» (أو كلاهما) عطف على «أحدهما»، وقرئ «يبلغن» على ~~التوحيد والتشديد «2»، وفاعله «أحدهما»، وكلاهما عطف عليه، أي إن بلغ أحد ~~الأبوين الهرم عندك أو كلا الأبوين (فلا تقل لهما أف) بالكسر مع التنوين ~~للتنكير، وبالفتح وبالضم بلا تنوين «3»، وقدر فيه التعريف وهو اسم سمي به ~~الفعل فبني، ومعناه: التضجر، أي لا تتضجر ms0949 عند خروج مكروه منهما وإماطة ~~البول في الخلا عنهما كما كانا «4» يميطانه عنك صغيرا أو «لا تقل لهما أف» ~~قولا رديا (ولا تنهرهما) أي ولا تغلظ عليهما بالقول (وقل) بدل التأفيف ~~والنهر (لهما قولا كريما) [23] أي لينا حسنا عريا عن اللغو. ### || [سورة الإسراء (17): آية 24] # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) # (واخفض لهما جناح الذل) من باب إضافة حاتم إلى الجود، أي ألن لهما جناحك ~~الذليل بالإصغاء إليهما وتواضع أو لا ترفع عليهما يدك تعظيما لهما وتحسينا ~~للأدب (من الرحمة) أي من الشفقة لهما (وقل رب ارحمهما) أي اجعل رحمتهما في ~~قلبي حتى أربيهما (كما ربياني صغيرا) [24] وادع لهما بشرط الإسلام أو ~~بالهداية والإرشاد، قال صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضاء الوالد ~~وسخطه في سخط الوالد» «5»، وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنة منان ولا عاق ~~ولا مدمن خمر» «6»، وقال عليه السلام: «الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن ~~شئت أو ضيع» «7»، قيل «بر الوالدين»: «أن لا تقوم إلى خدمتهما وأنت كسل» «8». ### || [سورة الإسراء (17): آية 25] # ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) # ثم خاطب بخطاب عام (ربكم أعلم بما في نفوسكم) أي في ضمائركم من بر ~~الوالدين وعقوقهما (إن تكونوا صالحين) أي بارين بالوالدين محسنين إليهما، ~~ثم صدر منكم ما يؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله بالاستغفار منه (فإنه) أي ~~الله (كان للأوابين) أي الراجعين إليه بالتورية من الذنوب إلى طاعته ~~(غفورا) [25] قيل «الأواب»: «هو الذي يذنب ثم يرجع عن ذنبه ويتوب» «9»، ~~وقيل «الأوابون»: «هم الذين يصلون صلوة الضحى» «10»، قال عليه السلام: ~~«صلوة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى» «11»، أي إذا فرت من حرها إلى ظل ~~أمها، وقيل: «هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء» «12»، فان الملائكة تحف بهم. PageV03P014 ### || [سورة الإسراء (17): آية 26] # وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) # (وآت) أي أعط (ذا القربى حقه) أي صلته بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة ~~والمعاضدة إذا كانوا عاجزين من الكسب ms0950 محتاجين إليك، يعني به صلة الرحم، ~~وقيل: «أراد به قرابة الرسول عليه السلام» «1» (والمسكين) أي وأعط السائل ~~(وابن السبيل) أي الضيف النازل وحقه ثلاثة أيام (ولا تبذر تبذيرا) [26] أي ~~لا تنفق مالك في غير طاعة الله، قيل: «لو أنفق إنسان ماله كله في سبيل الحق ~~لم يكن تبذيرا» «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 27] # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) # (إن المبذرين) أي «3» المنفقين أموالهم في غير سبيل الحق (كانوا إخوان ~~الشياطين) أي أعوانهم وأمثالهم في الشر (وكان الشيطان لربه كفورا) [27] أي ~~جحودا لنعمة فلا ينبغي أن يطاع، لأنه يدعو إلى مثل عمله. ### || [سورة الإسراء (17): آية 28] # وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) # (وإما تعرضن عنهم) أي إن أعرضت عن هؤلاء الذين أمرتك بالإنفاق عليهم من ~~ذي القربى وغيرهم مجيب لهم إذا لم يكن عندك شيء حياء منهم عند سؤالهم عنك ~~شيئا، فليس المراد بالإعراض الإعراض بالوجه، لأنه كناية عن الإباء من ~~الإعطاء، بل المراد تركهم بلا جواب يدل عليه المفعول له، وهو (ابتغاء رحمة) ~~أي لطلب رزق (من ربك) لتعطيهم، فتقدير المعنى: لفقد رزق تطلبه من الله، ~~فوضع الابتغاء الذي هو المسبب موضع الفقد الذي هو السبب، يعني لطلب نعمة ~~ليست عندك # (ابتغاء رحمة) يعني لفقد رزق تطلبه من الله فوضع الابتغاء الذي هو مسبب ~~موضع الفقد الذه هو السبب أي لطلب رزق (من ربك - - - )، م - «4» (ترجوها) ~~أي ترجو أن يأتيك بها الله وتنتظره (فقل لهم) جواب الشرط «5» (قولا ميسورا) ~~[28] أي لينا سهلا، يعني عدهم عدة جميلة تطييبا لقلوبهم ولا تتركهم بلا ~~جواب لهم ليشتغل قلوبهم «6»، وقل: رزقنا الله وإياكم، قيل: يجوز أن يتعلق ~~«ابتغاء» بنفس الشرط كما عرفت، ويجوز أن يتعلق بجوابه مقدما عليه «7»، أي ~~فقل لهم قولا جميلا ابتغاء رحمة من الله عليك برحمتك عليهم، قيل: نزلت ~~الآية في بلال وصهيب وسالم وغيرهم من الفقراء، كانوا يسألون النبي عليه ~~السلام ما يحتاجون إليه، ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول ms0951 «8». ### || [سورة الإسراء (17): آية 29] # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) # قوله (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) بخلا عن النفقة (ولا تبسطها) ~~بالعطاء (كل البسط) في الإسراف فتعطي جميع ما عندك فيجيء الآخرون ويسألونك ~~فلا تجد ما تعطيهم للنبي صلى الله عليه السلام بالاقتصاد الذي هو بين ~~الإسراف والتقتير، نزل حين جاء صبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن أمي تسألك درعا ولم يكن لرسول الله إلا قميصة، فقال: للصبي عد وقتا آخر، ~~فذهب إلى أمه، فقالت: قل له إن أمي تسألك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله ~~عليه السلام داره ونزع قميصه فأعطاه وقعد عريانا، فأذن بلال بالصلوة ~~فانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا «9»، ~~فقال تعالى لا تمسك يدك عن النفقة في PageV03P015 # الحق كالمغلولة يده ولا تبسطها كل البسط «1» في العطية (فتقعد ملوما) ~~يلومك سائلوك بالإمساك إذا لم تعطهم (محسورا) [29] أي نادما على ما فرط منك ~~أو منقطعا عن المال فلا تجد عندك شيئا تنفقه على سائلك. ### || [سورة الإسراء (17): آية 30] # إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) # ثم سلى نبيه عليه السلام عما فيه من الضيق والفقر بقوله «2» (إن ربك يبسط ~~الرزق) أي يوسعه (لمن يشاء) من كان صلاحه في التوسعة (ويقدر) أي ويضيق على ~~من يشاء من كان صلاحه في التضييق لا لهوان مني عليه ولا لبخل به عليه «3» ~~(إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) [30] يعلم صلاح كل واحد منهم من البسط والقتر ~~فمشيته تابعة للحكمة «4». ### || [سورة الإسراء (17): آية 31] # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا (31) # قوله (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) أي مخافة الفقر، نزل نهيا عن فعل ~~الجاهلية حيث كانوا يقتلون بناتهم خشية الفاقة، وأخبر أن الله ضامن لهم أن ~~يرزقهم ويرزق أولادهم بقوله «5» (نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ ~~كبيرا) [31] أي ذنبا عظيما، قرئ بكسر الخاء وسكون الطاء، وبفتح الخاء ms0952 ~~والطاء بلا مد، وبكسر الخاء وفتح الطاء مع المد «6»، ومعنى الكل واحد. ### || [سورة الإسراء (17): آية 32] # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) # (ولا تقربوا الزنى) وهو نهي عن مقدمات الزنا كالنظرة واللمسة، فالنهي عن ~~الزنا أولى وليس المراد نفس الزنا، وإلا لقال ولا تزنوا (إنه كان فاحشة) أي ~~قبيحة أشد القبح (وساء سبيلا) [32] أي بئس طريقا طريقه، لأنه غصب على الغير ~~من غير سبب شرعي، وهو التصهر الذي شرعه الله، قال ابن مسعود: «لا أحد أغير ~~من الله تعالى» «7»، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ### || [سورة الإسراء (17): آية 33] # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) # (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) أي باستحقاقها القتل لما روي ~~عن النبي عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث رجل كفر بعد ~~إيمانه أو زنا بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس» «8» (ومن قتل مظلوما) أي ~~غير راكب واحدة من ثلاث (فقد جعلنا لوليه) أي لقريب «9» المظلوم (سلطانا) ~~أي قوة وولاية على القاتل بالقتل قصاصا فهو بالخيار إن شاء عفا عنه وإن شاء ~~أخذ الدية إذا اصطلحا على ذلك، وإن شاء قتله (فلا يسرف) بالتاء على الخطاب ~~وبالياء «10» (في القتل) أي الولي لا يقتل بالواحد اثنين ولا غير قاتل حمية ~~ولا يقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية، وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول ~~شريفا لا يرضون بقتل الواحد وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقاربه، فنهوا عن ~~ذلك (إنه كان منصورا) [33] أي إن ولي المقتول منصور من الله على القاتل ~~باستيفاء PageV03P016 # القصاص والدية فلا يستزد على ذلك ومن لم يكن له قريب يطالب بدمه فالسلطان ~~وليه، قيل: يجوز أن يكون الضمير في «إنه» للمظلوم بمعنى إن الله ناصره حيث ~~أوجب القصاص بقتله وينصره في الآخرة بالثواب «1». ### || [سورة الإسراء (17): آية 34] # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ms0953 وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسؤلا (34) # (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي) أي بالخصلة والطريقة (هي أحسن) وهي ~~حفظه عليه وتثميره بالتعامل الشرعي وتربيحه (حتى يبلغ أشده) أي منتهى بلوغه ~~(وأوفوا بالعهد) الذي بينكم وبين ربكم أو بينكم وبين الناس إذا عاهدتم لكل ~~أحد وهو ما يلتزمه الإنسان على نفسه (إن العهد كان) عنه (مسؤلا) [34] «2» ~~أي يسأل الناكث عنه يوم القيامة أو يسأل العهد لم نكثت يا عهد توبيخا ~~لناقضه كسؤال المؤودة لم قتلت توبيخا لقائلها، قيل: العهد هنا الإتيان بما ~~أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه «3». ### || [سورة الإسراء (17): آية 35] # وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) # (وأوفوا الكيل إذا كلتم) لغيركم (وزنوا بالقسطاس المستقيم) أي بميزان ~~العدل، قرئ بكسر القاف وضمها «4»، وهو الميزان بلغة الروم «5» صغر له أو ~~كبر، وقيل: عربي، مأخوذ من القسط وهو العدل «6» (ذلك) أي الوفاء في الكيل ~~والوزن وبجميع ما أمركم الله به (خير) من الغدر والنقص (وأحسن تأويلا) [35] ~~أي عاقبة، وهي ما يؤول إليه الأمر من الخير والشر. ### || [سورة الإسراء (17): آية 36] # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤلا (36) # (ولا تقف) أي لا تتبع بالحدس والظن (ما ليس لك به) أي بحقيقته (علم) يعني ~~لا تقل رأيت ولم تره، وسمعت ولم تسمعه، وعلمت ولم تعلمه، من القفو وهو ~~اتباع الأثر، عن الحسن رضي الله عنه: «ولا تقف أخاك المسلم إذا مر بك، ~~فتقول هذا يفعل كذا ورأيته يفعل كذا وسمعته يفعله ولم تره ولم تسمعه» «7»، وقيل: # القفو شبيه بالعضيهة «8»، أي بالبهتان ويدخل فيه النهي عن التقليد دخولا ~~ظاهرا، لأنه اتباع لما لا يعلم صحته ولا فساده (إن السمع والبصر والفؤاد كل ~~أولئك) رفع «9» مبتدأ، مضاف إلى اسم الإشارة، أي جميع هذه الأعضاء من السمع ~~والبصر والفؤاد، والخبر (كان عنه مسؤلا) [36] والضمير في «كان» وفي «عنه» ~~يرجع إلى «كل» لتذكير اللفظ، وقدم «عنه» على «مسؤلا» لرعاية الفاصلة، ~~فالوجه أن يكون «عنه» ms0954 في محل الرفع ب «مسؤلا» المقدر قبله لدلالة المذكور ~~عليه تفسيرا «10»، و«أولئك» جمع «ذا»، و«ذا» إشارة إلى العقلاء وغيرهم، ~~والجملة في محل الرفع خبر «إن»، قيل: في معنى هذه الآية «11» يسأل المرء عن ~~سمعه وبصره وفؤاده «12»، وقيل: يسأل السمع والبصر عما فعله المرء «13»، عن ~~ابن حميد أنه قال: «أتيت النبي عليه السلام، فقلت: يا نبي الله! علمني ~~تعويذا أتعوذ به، فأخذ بيدي، ثم قال: «قل أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر ~~لساني وشر قلبي وشر منيي»، فحفظتها» «14»، والمني ماؤه. PageV03P017 ### || [سورة الإسراء (17): آية 37] # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) # (ولا تمش في الأرض مرحا) بفتح الراء مصدر في موضع الحال أو مفعول له وهو ~~تفسير للمشي، أي بطرا وكبرا، وكسر الراء رواية حالا «1»، أي ذا فرح مختالا ~~تمشي مرة على عقبيك ومرة على صدور قدميك، فيقال لك (إنك لن تخرق الأرض) أي ~~لن تثقبها بكبرك حتى تخرج منها (ولن تبلغ الجبال طولا) [37] نصبه حال أو ~~تمييز أو مفعول له، أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك إن مشيت على ~~صدور قدميك، قال أبو هريرة: # «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله عليه السلام، كأن الشمس تجري في وجهه، ~~وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله عليه السلام كأنما الأرض تطوي له ~~أنا لنجهد أنفسنا وإنه غير مكترث» «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 38] # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) # (كل ذلك) أي كل الذي ذكرناه (كان سيئه) بالإضافة، أي سيء ما عددنا عليك ~~(عند ربك مكروها) [38] أي إثما ومعصية وهو ما سوى الأمور الحسنة كقوله فآت ~~ذا القربى حقه واخفض لهما جناح الذل «3»، وغير ذلك، وقرئ «سيئة» منصوبة ~~بالتنوين «4»، فمعناه: كل ما ذكرناه من قوله «ولا تقتلوا أولادكم» «5» إلى ~~هذا الموضع كان سيئة لا حسنة، فعلى هذا كان قوله «كل ذلك» إحاطة بما نهي ~~عنه خاصة، وإنما لم يقل «مكروهة» بالتاء ليطابق الموصوف، وهو «سيئة» نظرا ~~إلى المعنى دون اللفظ، لأن ms0955 السيئة الذنب وهو مذكر أو لأن تأنيثها غير حقيقي. ### || [سورة الإسراء (17): آية 39] # ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا (39) # (ذلك) أي كل ما أمر الله به ونهى عنه (مما أوحى إليك ربك من الحكمة) أي ~~فهو حكمة هادية إلى الرشد، سمي بها، لأنها محكمة لا يتطرق عليه فساد ما، ~~قوله «من الحكمة» بيان لما أوحي، قوله (ولا تجعل مع الله إلها آخر) خطاب ~~للنبي عليه السلام، والمراد غيره، أي لا تشرك بالله (فتلقى) أي فتطرح (في ~~جهنم ملوما) أي يلومك الناس (مدحورا) [39] أي مبعدا من كل خير. ### || [سورة الإسراء (17): آية 40] # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40) # ثم خاطب المشركين من أهل مكة توبيخا بقوله (أفأصفاكم) الهمزة فيه ~~للإنكار، أي أشركتم وشاركتم بالله يا كفار مكة فخصكم (ربكم) على وجه الخلوص ~~(بالبنين) أي بأفضل الأولاد (واتخذ) لنفسه (من الملائكة إناثا) باضافتكم ~~إليه الأولاد، لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله (إنكم لتقولون قولا ~~عظيما) [40] أي منكرا شديدا باشراككم به شيئا وتفضيلكم عليه أنفسكم حيث ~~تجعلون له ما تكرهون، ثم بأن تجعلوا «6» أشرف خلق الله أهونه بتسميته إناثا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 41] # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) # ثم قال الله تعالى (ولقد صرفنا) أي بينا (في هذا القرآن) الحكم والأمثال ~~والحجج والأحكام (ليذكروا) بالتخفيف والتشديد «7»، أي ليتعظوا بما فيه ~~وينتهوا عن عبادة الأوثان (وما يزيدهم) تصريفنا بالقرآن (إلا PageV03P018 # نفورا) [41] أي تباعدا عن الحق. ### || [سورة الإسراء (17): آية 42] # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) # (قل) يا محمد لهؤلاء المشركين (لو كان معه) أي مع الله (آلهة كما يقولون) ~~بالياء والتاء «1» (إذا) كلمة تدل على أن ما بعدها جزاء ل «لو»، وجواب عن ~~مقالة المشركين، وهو (لابتغوا) أي لطلب تلك الآلهة (إلى ذي العرش) أي خالق ~~العالمين (سبيلا) [42] بالمغالبة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا ~~بعضهم ببعض. ### || [سورة الإسراء ms0956 (17): آية 43] # سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) # ثم نزه نفسه عن الشريك بقوله (سبحانه) أي نزه تنزيها له (وتعالى) أي ~~ارتفع وتعظم (عن ما يقولون) أي المشركون من أن معه شريكا في الألوهية (علوا ~~كبيرا) [43] أي تعاليا بعيدا متصلا بالاستحالة، وفي وصف العلو بالكبر ~~المبالغة في البراءة مما قالوه من المحال «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 44] # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) # (تسبح له) بالياء والتاء «3» (السماوات السبع والأرض) بلسان الحال الدال ~~على وجود الخالق وقدرته وحكمته (و) يسبح (من فيهن) من الملائكة والإنس ~~والجن بلسان الحال الناطق بما يسمع منهم (وإن من شيء) أي ليس موجود من ~~الحيوانات والناميات (إلا يسبح) بلسان الحال ملتبسا (بحمده) فينزهه مما لا ~~يجوز عليه من الشرك والولد، لأن كل شيء يدل على الصانع ووحدانيته «4» ~~وقدرته وحكمته «5»، فكأنها ينطق «6» بذلك، قال عكرمة: # «الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح» «7»، والشجرة أو النبات إذا قطع تسبح ~~ما دام رطبا، وقيل: «كل الأشياء يسبح لله حيا كان أو جمادا، وتسبيحها سبحان ~~الله وبحمده» «8»، وهذا ممكن عقلا وقدرة، قيل: «الثوب يسبح ما دام جديدا، ~~فاذا وسخ ترك التسبيح، والتراب يسبح ما لم يبتل، فاذا ابتل ترك التسبيح، ~~وإن الماء يسبح ما دام جاريا فاذا ركد ترك التسبيح، وكذا كل حيوان يسبح ما ~~دام يصوت وإذا سكت ترك التسبيح» «9» (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) لأنه ليس ~~بلغتهم أو الخطاب للمشركين «10»، أي لا تعلمون أيها المشركون تسبيح ما عدا ~~من يسبح بألسنتكم لتستوضحوا الدلالة على خالقكم الذي هو الله يجعلكم له ~~شريكا مع إقراركم بأنه خالق السموات والأرض إذا سئلتم عن خالقها لعدم ~~الإقرار الثابت في قلوبكم التي يورث النظر الصحيح على وحدانيته، والحال أن ~~هذا التسبيح مما يفقهه كل ذي عقل ونظر صحيح (إنه كان حليما) حيث لم يعجل ~~بعقوبة من اتخذ معه شريكا (غفورا) [44] لمن تاب منهم إلى التوحيد. ### || [سورة الإسراء (17): آية 45] # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ms0957 وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) # (وإذا قرأت القرآن) أي إذا شرعت يا محمد في قراءته (جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي بالبعث (حجابا مستورا) [45] يحجب قلوبهم عن ~~فهمه والانتفاع به والحجاب الأكنة، والمستور بمعنى الساتر ك «مأتي» بمعنى ~~الآتي في قوله تعالى «إنه كان وعده مأتيا» «11»، وقيل: مستورا عن أعين ~~الناس فلا يرونه «12»، PageV03P019 # روي: أنه لما نزلت «تبت يدا أبي لهب» «1» جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر ~~والنبي عليه السلام مع أبي بكر، فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك؟ لقد ~~بلغني أنه هجاني، فقال أبو بكر: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله، فرجعت، ~~وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه، فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول ~~الله، قال: لا، لم يزل ملك بيني وبينها يسترني منها «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 46] # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) # (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي أغطية كراهة (أن يفقهوه) حتى لا يرغبوا في ~~الحق (وفي آذانهم وقرا) أي ثقلا وصمما لئلا يسمعوه (وإذا ذكرت) يا محمد ~~(ربك في القرآن وحده) أي تقول لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن، ووحده ~~مصدر ساد مسد الحال من «ربك» بمعنى واحدا وحده (ولوا) أي أعرضوا (على ~~أدبارهم نفورا) [46] أي نافرين متباعدين عن الإيمان، جمع نافر كقعود جمع ~~قاعد، وذلك حين قال لهم النبي عليه السلام: «قولوا لا إله إلا الله تملكوا ~~بها العرب وتذلل لكم بها العجم» «3». ### || [سورة الإسراء (17): آية 47] # نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون ~~إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) # ثم نزل تهديدا لهم وتسلية للنبي عليه السلام «4» (نحن أعلم بما يستمعون) ~~أي بالأمر الذي يستمعون القرآن ملتبسين (به) من اللغو والهزء والمكاء ~~وغيرها وهو في موضع الحال، ويجوز أن يكون الباء صلة، أي يطلبون سماعه، ~~وقوله (إذ يستمعون) ظرف ل «أعلم»، أي أعلم «5» وقت استماعهم (إليك) بما ms0958 ~~يستمعون به وأنت تقرأ القرآن (وإذ هم نجوى) جمع نجي، أي متناجون في أمرك ~~بأن قال بعضهم هذا مجنون، وبعضهم هذا ساحر، وأبدل من «إذ هم» (إذ يقول ~~الظالمون) أي المشركون وهم الوليد بن المغيرة وأصحابه (إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا) [47] أي مطبوبا مغلوب العقل أو له سحر وهو الرئة، يعنون أنه بشر ~~مثلكم معلل بالطعام والشراب يأكل ويشرب. ### || [سورة الإسراء (17): آية 48] # انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) # (انظر) يا محمد (كيف ضربوا لك الأمثال) أي الأشباه حيث قالوا ساحر أو ~~مجنون (فضلوا) أي أخطؤا في المقالة وتحيروا في الطريق (فلا يستطيعون) أي لا ~~يجدون (سبيلا) [48] أي وصولا إلى طريق الحق. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 49 الى 50] # وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا ~~حجارة أو حديدا (50) # (وقالوا أإذا كنا) أي صرنا (عظاما ورفاتا) أي حطاما كالفتات بعد الموت ~~وهو ما يكسر ويبلى من كل شيء (أإنا لمبعوثون) أي لمحيون في الآخرة (خلقا ~~جديدا) [49] والاختلاف في قوله «أ إذا» و«أ إنا» مثل ما ذكر «6» في الرعد ~~من القراءة (قل) لهم يا محمد توبيخا وتعجيزا (كونوا حجارة أو حديدا) [50] ~~في القوة. ### || [سورة الإسراء (17): آية 51] # أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) # (أو خلقا) آخر (مما يكبر) أي يعظم (في صدوركم) كالسماء والأرض والجبال ~~وغيرها مما لا يقبل الحيوة ثم انظروا باستدلال العقل هل نحن قادرون على أن ~~نجعل الروح في ذلك بعد أن أحييناكم وأوجدناكم من PageV03P020 # العدم، فانه لا يمتنع علينا جعل الروح فيها وأحياؤها، وقيل: «المراد من ~~الخلق الآخر الموت، إذ ليس في نفس آدم شيء أكبر من الموت» «1»، يعني لو ~~كنتم حجارة يابسة أو حديدا صلبا أو موتا بعينه لأبعثنكم بايجاد الروح فيكم ~~لا نعجز عنه (فسيقولون) استبعادا (من يعيدنا) أي من يبعثنا من بعد الموت ~~(قل) لهم يعيدكم (الذي فطركم) أي أنشأكم (أول مرة) ms0959 لأن القادر على الإنشاء ~~قادر على الإنشاء قادر على الإعادة (فسينغضون) أي يحركون (إليك رؤسهم) إذا ~~قلت لهم ذلك مستهزئين بها «2» أو متعجبين من قولك (ويقولون متى هو) أي ~~البعث أو العذاب يوم القيامة (قل عسى أن يكون) البعث أو العذاب (قريبا) ~~[51] أي هو قريب بارادته، و«عسى» من الله للوجوب. ### || [سورة الإسراء (17): آية 52] # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) # ثم قالوا يا محمد متى هذا القريب فنزل «3» (يوم يدعوكم) أي يعيدكم يوم ~~ينفخ إسرافيل في الصور لدعوتكم من قبوركم بالنفخة الأخيرة فتقومون «4» ~~للحساب (فتستجيبون) أي فتجيبون (بحمده) يعني تقصدون «5» نحو الداعي بأمر ~~الله تعالى أو تقرون بأنه خالقكم وباعثكم وتحمدونه حين لا ينفعكم الحمد أو ~~الخطاب للمؤمنين، فانهم يبعثون حامدين، والأول أظهر (وتظنون) أي تتيقنون ~~(إن لبثتم) في الدنيا أو في القبور (إلا قليلا) [52] أي يسيرا، قيل: «يرفع ~~العذاب عنهم فيما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة فينسون العذاب، فيظنون ~~أنهم لم يلبثوا إلا يسيرا» «6»، وهذا يدفع قول من قال إذا وضع الميت في ~~قبره لا يعذب إلى البعث فيظن أنه مكث في القبر قليلا، وقيل: «يستحقرون مدة ~~الدنيا في جنب القيامة» «7». ### || [سورة الإسراء (17): آية 53] # وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان ~~للإنسان عدوا مبينا (53) # قوله (وقل لعبادي) المؤمنين (يقولوا) الخصلة (التي هي أحسن) للمشركين ولا ~~يكافئوهم بسفههم، نزل حين كان المشركون يؤذون المسلمين فشكوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «8»، فأمر الله أن يجيبهم بجواب حسن لين لا خشن، قيل: ~~هو رد السلام بلا فحش سلام متاركة «9»، وقيل: هو كلمة الإخلاص، يعني لا إله ~~إلا الله «10»، وقيل: # «يهديكم الله» «11»، فنسخ بآية السيف «12» (إن الشيطان ينزغ) أي يفسد ~~(بينهم) بالقاء العداوة (إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) [53] أي ظاهر ~~العداوة، فاتخذوه عدوا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 54] # ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) # (ربكم أعلم بكم) أي بأحوالكم يا كفار مكة (إن يشأ يرحمكم) أي ms0960 يوفقكم ~~بالتوبة عليكم فتؤمنوا (أو إن يشأ يعذبكم) أي يمتكم بالكفر فتعذبوا، وقيل: ~~هو خطاب للمسلمين «13»، أي إن يشأ يرحمكم فينجكم «14» من أهل مكة إذا صبرتم ~~وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم إن لم تصبروا (وما أرسلناك عليهم وكيلا) ~~[54] أي موكولا إليك أمرهم فتجبرهم على الإسلام فدارهم إلى الإذن بالقتال. PageV03P021 ### || [سورة الإسراء (17): آية 55] # وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا (55) # (وربك أعلم بمن في السماوات والأرض) أي عالم بحالهم، لأنه خلقهم مختلفين ~~في صورهم وأخلاقهم ومللهم فيعلم من هو أهل للرسالة والإيمان، ويعلم من لا ~~يصلح لذلك، وهو رد على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم من قريش ~~نبيا وبلال وصهيب وخباب وغيرهم من الفقراء رضي الله عنهم مؤمنين (ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض) ففضل إبراهيم عليه السلام بالخلة وموسى عليه ~~السلام بالكلام وإدريس عليه السلام برفعه حيا إلى الجنة ومحمدا عليه السلام ~~بجسمه بالمعراج (وآتينا داود زبورا) [55] بفتح الزاء وضمها «1»، اسم كتاب ~~علمه الله داود، يستعمل باللام وغيره كالفضل اسم رجل، وهو مشتمل على مائة ~~وخمسين سورة، كلها دعاء وتحميد وتمجيد وثناء على الله تعالى ليس فيها حلال ~~وحرام ولا فرائض وحدود، المعنى: أنكم لن تنكروا تفضيل النبيين ولا تنكروا ~~«2» زبور داود الذي فيه ذكر أن محمدا خاتم الأنبياء، وأن أمته خير «3» ~~الأمم، فكيف تنكرون فضل محمد عليه السلام وإعطاءه القرآن، وهذا خطاب لمن ~~يقر بتفضيل «4» الأنبياء عليهم السلام من أهل الكتاب وغيرهم. ### || [سورة الإسراء (17): آية 56] # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) # (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه) نزل حين أصاب المشركين قحط شديد حتى ~~أكلوا الكلاب والجيف، واستغاثوا بالنبي عليه السلام ليدعو لهم بالكشف «5»، ~~فقال تعالى للمشركين ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله وتعبدونهم مع ~~عجزهم (فلا يملكون كشف الضر) أي لا يقدرون صرف السوء (عنكم) من البلايا ~~والأمراض إذا نزل بكم (ولا تحويلا) [56] أي ولا تبديل الحال من ms0961 العسر إلى اليسر. ### || [سورة الإسراء (17): آية 57] # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) # (أولئك الذين يدعون) بالياء والتاء «6»، مبتدأ بصفته، أي هؤلاء الذين ~~تعبدونهم وتزعمون أنهم آلهة كالملائكة وعيسى وعزير والشمس والقمر والنجوم، ~~والخبر (يبتغون) أي يطلبون (إلى ربهم الوسيلة) إلى القرية بالتضرع إليه في ~~طلبها، وقيل: هي الدرجة العليا «7»، وقيل: كل ما يتقرب بسببه إلى الله عز ~~وجل «8»، وهو الأعمال الصالحة مع الإيمان، و«أي» في (أيهم) بدل من واو ~~«يبتغون»، وهو اسم موصول، والجملة بعده صلته، أي يبتغي من هو أقرب، فكيف ~~بالأبعد أو الوسيلة المقربون عند الله، ف «أي» اسم استفهام، مبتدأ، خبره ~~(أقرب) والجملة نصب ب «يبتغون» بتضمين «9» الصلة، فمعناه ينظرون أو يخرصون ~~أيهم من هولاء المقربين أقرب إلى الله بالكرامة فيتوسلون به (ويرجون رحمته) ~~أي جنته (ويخافون عذابه) أي ناره كما يخاف ويرجو غيرهم من العباد فكيف ~~يزعمون أنهم الهة (إن عذاب ربك كان محذورا) [57] أي يطلب منه الحذر، وقيل: ~~سبب نزول الآية أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون ~~على يد النبي عليه السلام، ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم ~~فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله بتنزيل هذه الآية «10». ### || [سورة الإسراء (17): آية 58] # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا (58) PageV03P022 # ثم أخبر تعالى أن سبب هلاك كل قرية ذنوب سكانها تهديدا لكفار مكة فقال ~~(وإن من قرية) أي ليس قرية من القرى (إلا نحن مهلكوها) أي مهلكو أهلها ~~بالموت والاستئصال (قبل يوم القيامة أو) نحن (معذبوها عذابا شديدا) بأنواع ~~العذاب من السيف والزلزلة والغرق وغير ذلك إذا كفروا أو عصوا، وقيل: ~~«مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة» «1»، وقوله «أو معذبوها» في حق الكافرين ~~بالقتل وأنواع العذاب، قال عليه السلام: «هل تدرون ما يخرب القرى؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم، قال عليه السلام: أعمال السوء فاجتنبوها» «2» (كان ذلك) ~~أي الإهلاك والتعذيب قبل البعث (في ms0962 الكتاب مسطورا) [58] أي مكتوبا في اللوح ~~المحفوظ، قال عليه السلام: # «أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب! فقال: ما أكتب؟ قال: القدر وما هو ~~كائن إلى الأبد» «3»، قيل: «أول أرض تصير خرابا الشام» «4»، «والبصرة أسرع ~~الأرضين خرابا وأخبثهم ترابا» «5». ### || [سورة الإسراء (17): آية 59] # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) # قوله (وما منعنا) أي ما صرفنا عن (أن نرسل بالآيات) التي اقترحوا منك ~~(إلا أن كذب بها الأولون) ف «أن» الأولى مع ما بعدها مفعول «منعنا»، ~~والثانية فاعله، أي إلا تكذيب المتقدمين من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، ~~فأهلكناهم، لأن سنة الله فيمن تقدم أنه كان إذا أتى بآية مقترحة فلم يؤمن ~~يهلكه، وكان الله تعالى قد حكم بامهالهم لأن يتم أمرك يا محمد، نزل حين سأل ~~أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا في أراضيهم ~~«6»، فقال: نحن نعلم أنهم لو أرسلت الآيات إليهم لكذبوا بها تكذيب الأولين ~~فهلكوا، لكنا أمهلناهم في العذاب لحكمة، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى ~~وأمر، ثم قال (وآتينا) أي أعطينا (ثمود الناقة) بسؤالهم إياها (مبصرة) أي ~~آية موضحة لنبوة صالح عليه السلام (فظلموا) أنفسهم (بها) أي بتكذيبها، يعني ~~جحدوا أنها من عند الله فأهلكناهم، ثم قال (وما نرسل بالآيات) أي بالمعجزات ~~للعبرة أو آيات القرآن (إلا تخويفا) [59] للعباد ليؤمنوا، فان أبوا أتاهم ~~العذاب وهو مفعول له، قيل: «إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم ~~يرجعون» «7». ### || [سورة الإسراء (17): آية 60] # وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) # (وإذ قلنا) أي اذكر وقت قولنا (لك) بالوحي (إن ربك أحاط بالناس) وهم قريش ~~علما وقدرة، فهم في قبضته قادر عليهم فأمض لأمرك ولا تخش أحدا وهذا تبشير ~~له بوقعة بدر وبالنصرة عليهم لتبليغ الرسالة (وما جعلنا الرؤيا التي ~~أريناك) ليلة المعراج ms0963 (إلا فتنة للناس) أي اختبارا لجميع الخلق أو لقريش، ~~لأن منهم مصدقا ومكذبا، وهي رؤيا عين أريها النبي عليه السلام ليلة الإسراء ~~من العجائب والآيات، والرؤيا يستعمل للرؤية أيضا، وقيل: هي رؤيا منام «8»، ~~روي: «أنه عليه السلام رأى مصرع قريش في القتال، فلما ورد ماء بدر قال هذا ~~مصرع فلان وهذا مصرع فلان من قريش فتسامعت قريش بما أوحي إليه من أمر بدر، ~~فكانوا يضحكون ويستهزؤن» «9»، قوله (والشجرة الملعونة) عطف على «الرؤيا»، ~~أي وما جعلنا الشجرة التي لعن آكلها، أي كره PageV03P023 # أو لعن أصحابها إلا فتنة لهم، وهي شجرة الزقوم، يقال لكل شيء كريه الطعم ~~ملعون، وهي مذكورة (في القرآن) حيث قال «إن شجرة الزقوم طعام الأثيم» «1»، ~~والفتنة من الشجرة الملعونة من وجهين، أحدهما أن أبا جهل، قال إن ابن أبي ~~كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم زعم أنها تنبت فيها شجرة وتعلمون أن ~~النار تحرق الشجرة، وثانيهما أن عبد الله بن الزبعري قال: إن محمدا يخوفنا ~~بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا جارية زقمينا ~~فأتينا بالزبد والتمر، فأتت بهما، فقال: يا قوم تزقموا فان هذا مما يخوفكم ~~به محمد، فصار ذلك فتنة وبلية لهم، ولو نظروا نظر الصحيح لما استبعدوا ذلك ~~من قدرة الله تعالى كأكل النعامة النار والحديد المحمى (ونخوفهم) أي نخوف ~~أهل مكة بذكر الشجرة الملعونة ليؤمنوا (فما يزيدهم) تخويفنا (إلا طغيانا ~~كبيرا) [60] أي إلا تمردا عظيما وتماديا في المعصية فكيف يخاف قوم هذه ~~صفتهم بارسال ما يسألون عنك من الآيات يا محمد. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 61 الى 62] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62) # ثم قال إيماء لهم إلى أن التمرد من أمر الله لا ينفع صاحبه كما لم ينفع ~~«2» لإبليس (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قالوا: الظاهر أنه تعالى قاله ~~قبل أكل آدم من الشجرة «3» (فسجدوا إلا إبليس) فانه ms0964 أبى عن السجود لآدم ~~تكبرا (قال أأسجد لمن خلقت طينا) [61] نصبه حال من «من»، والعامل فيه ~~«اسجدوا» على تقدير «4» أأسجد «5» له وهو طين في الأصل أو من الضمير ~~المحذوف العائد إليه على «أ أسجد» لم كان في وقت خلقته طينا، ولما أمر ~~بالسجود لآدم (قال) إبليس متعظما عليه (أرأيتك) أي أخبرني يا رب، والكاف ~~لتأكيد المخاطبة «6» (هذا الذي كرمت) أي فضلت، يعني أخبرني عنه لم فضلته ~~(علي) وأنا خير منه، لأنه خلق من طين وأنا خلقت من نار، وقد بين فساد قياسه ~~في سورة الأعراف، ثم ابتدأ فقال (لئن أخرتن) أي أمهلتني (إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن) أي لأستأصلن (ذريته) بالإضلال يقال احتنك الجراد الزرع إذا أكله ~~كله، يعني لأستزلنهم عن طريقك المستقيم حيث شئت (إلا قليلا) [62] أي ~~المعصومين منك، قيل: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ أجيب بأنه ~~علمه من قول الملائكة «أ تجعل فيها من يفسد» «7»، وقيل: علمه من الملائكة ~~الذين أخبرهم الله تعالى بأنه سيضله «8»، وقيل: أدركه من كونه خلقا شهوانيا ~~بنظر الفراسة إليه «9». ### || [سورة الإسراء (17): آية 63] # قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) # (قال) الله تعالى تهديدا له وتحذيرا منه (اذهب) أي امض لشأنك الذي اخترته ~~خذلانا (فمن تبعك) أي أطاعك (منهم فإن جهنم جزاؤكم) أي جزاؤك وجزاء أتباعك، ~~وفيه تغليب المخاطب على الغائب وتنصب على المصدر أو على الحال، قوله (جزاء ~~موفورا) [63] أي تجزون «10» جزاء وافرا مكملا لا يفتر عنكم. ### || [سورة الإسراء (17): آية 64] # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) # (واستفزز) أي حرك واستزل (من استطعت منهم) أي من ذرية آدم (بصوتك) أي ~~بدعائك إلى معصية الله، فكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس (وأجلب) ~~أي صح بصيحتك (عليهم) من الجلبة وهي الصياح PageV03P024 # (بخيلك) أي بجماعة من فرسانك، ومنه قول النبي عليه السلام: «يا خيل الله ~~اركبي» «1» (ورجلك) بكسر الجيم وسكونها «2»، أي وبمشاتك وهو اسم ms0965 جمع ~~للراجل، يعني أجمع عليهم مكرك وحيلك ما أمكنك فلن أعجز عن منعك ومنعهم إذا ~~شئت أنا (وشاركهم في الأموال) المحرمة كالربا والغصوب أو ما جعلوا من الحرث ~~والأنعام نصيبا لشركائهم، قيل: كل طعام لم يذكر اسم الله تعالى عليه ~~فللشيطان شركة فيه وفي (والأولاد) من الزنا أو بتسميتهم عبد الحارث وعبد ~~العزى «3»، وقيل: «هو تهويدهم وتمجيسهم وتنصيرهم» «4»، وقيل: كل معصية بسبب ~~الولد «5»، قيل: «إن الشيطان يقعد على ذكر الرجل عند الجماع فان لم يقل بسم ~~الله أصاب معه امرأته وأنزل فرجها كما ينزل الرجل» «6»، وقال رجل لابن ~~عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار، قال: «ذلك من وطئ الجن» ~~«7» (وعدهم) أي قل لهم بأن لا جنة ولا نار أوعدهم بالوعد الجميل في طاعتك ~~من الأكاذيب (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) [64] وهو تزيين الباطل في صورة ~~الحق، قيل: كيف جاز ذكر الله هذه الأشياء، فان أمره تعالى إبليس ذلك، فهذا ~~«8» تسليط على عباده بالإغواء، وهو يقول: إن الله لا يأمر بالفحشاء، أجيب ~~عنه بأن ذكره إياها على طريق التهديد والخذلان والتخلية كقوله تعالى للعصاة ~~«اعملوا ما شئتم» «9». ### || [سورة الإسراء (17): آية 65] # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) أي حجة وتولية، يعني لا تقدر على إغواء ~~عبادي الصالحين المعصومين (وكفى بربك وكيلا) [65] أي حافظا لهم إذا اعتمدوا ~~عليه وتوكلوا به في كل أمر كالاستعاذة منك ومن شرك. ### || [سورة الإسراء (17): آية 66] # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) # ثم ذكر ما يحملهم على إطاعة الرحمن واجتناب إطاعة الشيطان فقال (ربكم ~~الذي يزجي) أي يسوق (لكم الفلك في البحر لتبتغوا) أي لتطلبوا (من فضله) أي ~~من رزقه (إنه كان بكم رحيما) [66] بالحفظ عن الهلاك والضلال. ### || [سورة الإسراء (17): آية 67] # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) # (وإذا مسكم الضر) أي الخوف من الغرق (في البحر ضل) ms0966 أي غاب (من تدعون) أي ~~تعبدونه من الآلهة (إلا إياه) استثناء متصل، أي ذهب عن قلوبكم كل ما يستغاث ~~به إلا الله وحده أو منفصل ومعناه: ضل كل الأصنام التي هن آلهتكم لكن الله ~~هو الذي ترجونه لصرف النوائب عنكم فتخلصون بالدعاء له (فلما نجاكم إلى ~~البر) أي أهوال البحر (أعرضتم) عن الإيمان بالله تعالى وترك التضرع إليه ~~ورجعتم إلى عبادة الأصنام (وكان الإنسان) أي الكافر (كفورا) [67] أي جحودا ~~لأنعم ربه، والعاقل من يستوي خوفه في البر والبحر كما يستوي قدرة ربه فيهما. ### || [سورة الإسراء (17): آية 68] # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا (68) # (أفأمنتم) الهمزة فيه للإنكار، أي أنجوتم من الخوف فآمنتم (أن يخسف بكم ~~جانب البر) أي يغور بكم إلى الأرض السفلي كقارون وأصحابه، ويجوز أن يكون ~~جانب البر منصوبا بأنه مفعول به، و«بكم» نصب PageV03P025 # على الحال، أي يقلب «1» جانب البر وأنتم عليه، والمراد من «جانب البر» ~~جميع الجهات الست، إذ لا اختصاص لقدرته تعالى بمكان دون مكان (أو يرسل ~~عليكم حاصبا) وهي الريح التي تحصب أي ترمي الحصاء، يعني يمطر «2» حجارة من ~~السماء كما أمطر على قوم لوط (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) [68] أي مانعا يمنعكم ~~من عذابه. ### || [سورة الإسراء (17): آية 69] # أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم ~~بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69) # (أم أمنتم أن يعيدكم فيه) أي في البحر (تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح) وهو الريح الشديدة التي تتقصف أي تتكسر في هبوبها ولا تمر بشيء إلا ~~بقصفه، يعني تدق كل شيء وتحطمه (فيغرقكم بما كفرتم) بالله تعالى وبنعمته ~~(ثم لا تجدوا لكم علينا به) أي بما فعلنا (تبيعا) [69] أي تابعا لنا يطلب ~~من ثأركم انتصارا لكم، قرئ في الأفعال الخمسة «يخسف» و«يرسل» و«يعيدكم» ~~و«فيرسل» و«فيغرق» بالنون لقوله «علينا» وبالياء لقوله «إلا إياه» «3». ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 70 الى 71] # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ms0967 ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن ~~أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (71) # ثم ذكر ما يدل على وجوب شكر الله تعالى بقوله (ولقد كرمنا بني آدم) من ~~التكريم وهو أبلغ من الإكرام لاقتضاء ذلك التكرير دون هذا، وفي ذكر «كرمنا» ~~تغليب للبر على الفاجر، أي كرمناهم كافرين كانوا أو مؤمنين على البهائم وهو ~~أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض، وقيل: «بالعقل» «4»، ~~وقيل: «بالنطق» «5»، وقيل: بحسن الصورة «6»، وقيل: كرم الله الرجال باللحي ~~والنساء بالذوائب «7»، وقيل: # «بتعديل القامة وامتدادها، لأن الدواب خلقت منكبة على وجوهها» «8»، وقيل: ~~بتدبير أمر المعاش والمعاد «9»، وقيل: بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره ~~لهم «10» (وحملناهم في البر) على الدواب (والبحر) على السفن (ورزقناهم من ~~الطيبات) أي من لذيذ المطاعم والمشارب، وقيل: «من السمن والعسل والزبد ~~والتمر» «11»، وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى كالتبن والشعير (وفضلناهم على ~~كثير ممن خلقنا تفضيلا) [70] ظاهر الآية يدل على أنهم فضلوا على كثير من ~~خلقه لا على الكل، وإنهم فضلوا على غيرهم من ذوي العقل أيضا، لأن من لمن ~~يعقل، وأجمعوا على أنهم مفضلون على جميع المخلوقات سوى الملائكة، وفي ~~تفضيلهم على الملائكة اختلاف، قال قوم: هم مفضلون عليهم أيضا، فوضع ~~«الأكثر» موضع الكل، واستدلوا بقوله عليه السلام: «لما خلق آدم وذريته قالت ~~الملائكة: يا ربنا خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون، فاجعل لهم الدنيا ولنا ~~الآخرة، فقال تعالى: وعزتي وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي ~~كمن قلت له كن فكان» «12»، وبعضهم فضل الملائكة كلهم على بني آدم، والأولى: ~~أن يقال عوام الملائكة أفضل من عوام PageV03P026 # المؤمنين، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة، والتفضيل حقيقة لا ~~يعلمه إلا الله تعالى، ومن شاء من خلقه وهو لا يظهر إلا في الآخرة بدليل ~~قوله (يوم ندعوا كل أناس) نصب بقوله «تفضيلا»، وقيل: بدل من «يوم يدعوكم» ~~«1»، وقيل: مفعول لفعل مقدر «2»، أي اذكر يوم ندعوا كل أمة (بإمامهم) أي ms0968 ~~بما يأتمون به من نبي أو كتاب أنزل عليهم أو كتاب في أعمالهم من الخير ~~والشر، فيقال يا أصحاب الخير ويا أصحاب الشر أو بمقدم يجتمع الناس إليه في ~~الخير والشر وهو رئيسهم (فمن أوتي) أي أعطي (كتابه) أي كتاب أعماله (بيمينه ~~فأولئك يقرؤن كتابهم) أي ما فيه من الحسنات ويعطون ثوابها (ولا يظلمون ~~فتيلا) [71] أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل وهو كناية على أدنى شيء، وفي ~~الأصل وسخ يفتل بين الإصبعين أو قشر في شق النواة وهي طائفة السعداء، ولم ~~يذكر الأشقياء وإن كانوا يقرؤون كتبهم أيضا، لأنهم إذا نظروا فيه يأخذهم ~~حبسة اللسان من الخوف والحياء، فلا يظهرون قراءتهم، فقراءتهم كلا قراءة ~~بخلاف السعداء فانهم يظهرون قراءتهم بأحسن قراءة وأبينها ولا يقنعون بذلك ~~وحده حتى يقول القارئ منهم لأهل المحشر: «هاؤم اقرؤا كتابيه» «3». ### || [سورة الإسراء (17): آية 72] # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72) # ثم قال الله تعالى حثا على التوحيد والعمل الصالح (ومن كان في هذه) ~~الدنيا أو في النعم التي قد عاينها ولم يشكر ربها (أعمى) أي أعمى القلب عن ~~رؤية قدرة الله تعالى وعن رؤية الحق أو عن الهداية (فهو في الآخرة أعمى) ~~كذلك عن إثبات الحجة أو هو بمعنى أفعل التفضيل ومن أي أشد عمى في حال ~~الآخرة من الأعمى، لأنه غائب عنها لم يرها، فشك فيها بخلاف ما عاين من نعم ~~الله أو أشد عمى من كونه أعمى في الدنيا، أما الدنيا فلفقد النظر العقلي ~~الموصل إلى المعرفة، وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه أبدا لا ~~بالتوبة ولا بالشفاعة، فلذلك قال (وأضل سبيلا) [72] من الأعمى، لأنه في ~~الدنيا يقبل توبته وفي الآخرة لا يقبل توبته، قرئ «أعمى» في الموضعين ~~بالإمالة لكون الألف فيها طرفا، لأنه بمعنى عام من عمي القلب وبفتحهما على ~~الأصل وبين بين تخفيفا وبامالة الأول وفتح الثاني عند من جعله أفعل التفضيل ~~ومن لكون ألفه وسطا بتقدير «من»، لأنه كالجزء منه فأشبه بألف أعمالكم، ms0969 فلا ~~يمال، لأن الإمالة من لواحق الطرف بخلاف الأول، فانه لم يتعلق به شيء فيكون ~~ألفه في الطرف «4». ### || [سورة الإسراء (17): آية 73] # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) # (وإن كادوا ليفتنونك) نزل حين طلب المشركون، وهم ثقيف من رسول الله عليه ~~السلام أن يطرد الفقراء عنه، وأطعموه في إسلامهم وأن يستلم آلهتهم وأن يجعل ~~آية رحمة مكان آية عذاب، فمال إلى بعض ذلك بخطور قلب لا بعزم منه «5»، فقال ~~تعالى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك ويصرفوك (عن الذي أوحينا إليك) أي عن ~~القرآن (لتفتري) أي لتخلق (علينا غيره) أي غير القرآن بالتبديل كما طلبوا ~~منك (وإذا) أي ولو اتبعت مرادهم (لاتخذوك خليلا) [73] أي وليا وصفيا وحينئذ ~~خرجت من ولايتي ودخلت في عداوتي. ### || [سورة الإسراء (17): آية 74] # ولو لا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) # (ولو لا أن ثبتناك) على الحق بالعصمة والحفظ (لقد كدت تركن) أي لقاربت ~~بأن تميل (إليهم) أي إلى مرادهم (شيئا قليلا) [74] وفيه دليل على أن النبي ~~عليه السلام قد عصم ولم يمل إليهم في شيء ما بالقلب، وهذا الكلام تهييج من ~~الله له وفضل تثبيت على الحق وعدم الميل إليهم. PageV03P027 ### || [سورة الإسراء (17): آية 75] # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) # (إذا) أي لو ركنت إليهم (لأذقناك ضعف الحياة) أي ضعف عذاب الحيوة الدنيا ~~(وضعف الممات) أي وضعف عذاب الممات من عذاب القبر وعذاب النار بتقدير ~~المضاف فيهما، وقيل: يستعمل ال «ضعف» بمعنى العذاب «1»، والمعنى: لضعفنا لك ~~العذاب في الدنيا والآخرة (ثم لا تجد لك علينا نصيرا) [75] أي مانعا يمنع ~~عذابنا عنك، روي أن النبي عليه السلام كان يقول بعد نزوله: «اللهم لا تكلني ~~إلى نفسي طرفة عين» «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 76] # وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا (76) # (وإن كادوا ليستفزونك) أي ليزعجونك (من الأرض) الآية مدنية إن كان المراد ~~من ضمير «كادوا» اليهود لما روي: «أن النبي عليه ms0970 السلام لما قدم المدينة ~~كره اليهود إقامته بها حسدا، فقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بدار ~~الأنبياء، وإن أرض الأنبياء هي أرض الشام، لأن فيها الأرض المقدسة، وبها ~~كان إبراهيم والأنبياء عليهم السلام، فان كنت نبيا مثلهم فأت الشام» «3»، ~~وقيل: مكية إن كان المراد منه المشركين، لأنهم قصدوا أن يخرجوه من مكة، ~~فكفهم الله منه حتى أمره بالهجرة فخرج بنفسه، وهذا أصح، لأن ما قبله خبر عن ~~أهل مكة، والسورة مكية «4»، وقيل: هم الكفار كلهم لأنهم أرادوا أن يخرجوه ~~من أرض العرب باجتماعهم، وتظاهرهم عليه فمنع الله عن رسوله عليه السلام، ~~ولم ينالوا منه ما أرادوا «5»، فأخبر تعالى عنهم فقال: وإن الكفار قد ~~قاربوا ليزعجوك بسرعة من أرضهم (ليخرجوك منها) أي من الأرض (وإذا) أي ولو ~~أخرجوك منها (لا يلبثون خلافك) وقرئ «خلفك» «6»، أي بعد خروجك (إلا قليلا) ~~[76] أي زمانا مقدار هلاكهم في أرضهم، ولم يعمل «إذن» هنا النصب، لأن واو ~~العطف ألغتها عن العمل بجعل الجملة بعدها متصلة بما قبلها، لأنها عطفت ~~الفعل على الفعل الذي هو مرفوع لوقوعه خبر «كاد»، والفعل في خبر «كاد» واقع ~~موقع الاسم فكذا ما عطف عليه، فلم تعمل «إذن» فيه فصار حشوا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 77] # سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) # قوله (سنة من قد أرسلنا) منصوب بنزع الخافض كسنة أو بفعل مقدر، أي سن ~~الله سنة في الدنيا بعثناهم للرسالة (قبلك من رسلنا) إذا كذبتهم الأمم أن ~~لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم، فاذا خرج نبيهم من بينهم فيستأصلهم ~~بالهلاك (ولا تجد لسنتنا) أي لعادتنا هذه (تحويلا) [77] أي تغييرا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 78] # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) # ثم أمر النبي عليه السلام بأن يقيم الصلوة ليلا ونهارا متوكلا عليه في كل ~~حال بقوله (أقم الصلاة) المفروضة (لدلوك الشمس) أي لزوالها أو لغروبها، ~~وأصل الدلوك الميل، والشمس تميل إذا زالت وغربت، والأكثر على معنى الزوال ~~لتكون ms0971 الاية جامعة لمواقيت الصلوة كلها، لأنه إن أريد منه الغروب خرج عنها ~~الظهر والعصر، وإن أريد الزوال دخلا قوله (إلى غسق الليل) أي إلى ظهور ~~ظلمته، في محل النصب على الحال، أي ممتدة إليه، ويجوز أن يتعلق الجار ب ~~«أقم»، قيل: المراد من ذلك الظهر والعصر والمغرب والعشاء لتناول «7» الدلوك ~~صلوة الظهر والعصر وتناول «غسق الليل» المغرب والعشاء «8» (وقرآن الفجر) أي ~~وأقم صلوة الفجر، فهو معطوف على «الصلاة»، وسميت قرآنا لكونه جزء منها كما ~~سميت ركوعا وسجودا وقنوتا، ويجوز أن يكون إضافة PageV03P028 # ال «قرآن» إلى «الفجر» حثا «1» على طول القراءة في صلوة الفجر، لأنها ~~يكثر عليها في العادة ليستمعوا القرآن، فيكثر الثواب «2»، وقيل: نصبه على ~~الإغراء، أي وعليك بقرآن الفجر «3» (إن قرآن الفجر كان مشهودا) [78] لأن من ~~حقه أن يشهده «4» الجماعة الكثيرة أو كونه مشهودا بأن يشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار إذا صعد هولاء نزل هؤلاء. ### || [سورة الإسراء (17): آية 79] # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) # (ومن الليل) أي وقم بعض الليل بعد نومك (فتهجد به) أي فاسهر للصلوة ~~بالقرآن والتهجد قيام الليل بعد النوم للصلوة وكانت صلوة الليل فرضا على ~~النبي عليه السلام وأمته في الابتداء، فنسخ الوجوب في حق الأمة بالصلوات ~~الخمس وبقي الاستحباب، وأما في حق النبي عليه السلام فلم ينسخ لقوله عليه ~~السلام: «ثلث هن علي فريضة وهي لكم سنة، الوتر والسواك وقيام الليل» «5»، ~~فقوله (نافلة لك) نصب على الحال، أي صلوة نافلة أو مصدر في موضع تهجدا من ~~غير لفظه، ومعناه: فريضة زائدة على سائر الفروض، فرضها الله عليك وذهب قوم ~~إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة، أي زائدة ~~دون فرض لقوله «لك» لا عليك، قيل: فما معنى التخصيص بقوله «لك» إذا لم يكن ~~فرضا عليه كما لم يكن على الأمة؟ أجيب بأن التخصيص لرفع الدرجات في حقه، ~~لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والزيادة في حق الأمة كفارة ms0972 ~~لذنوبهم وتتميم لصلواتهم «6»، قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يزيد في ليالي رمضان ولا غيره إحدى عشرة ركعة يصلي ~~أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي، ثم يصلي ثلاثا، قالت: # فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال عليه السلام: يا عائشة تنام ~~عيناي ولا تنام قلبي» «7»، وفي رواية: # «يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة ويسجد سجدتين قدر ما يقرأ أحدكم خمسين ~~آية قبل أن يرفع رأسه» «8»، قوله (عسى) من الله واجب أن يفعل ما يطمع منه ~~عباده، يتعلق بقوله «أقم»، أي دم على ما أمرت من إقامة الصلوة بالليل ~~والنهار رجاء (أن يبعثك) يوم القيامة (ربك مقاما محمودا) [79] وهو نصب على ~~الظرف، أي يثبتك في المقام المحمود، وهو مقعد على العرش، وقيل: على الكرسي ~~«9»، والأكثر أنه مقام الشفاعة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون لما روي ~~عن النبي عليه السلام: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وهي نائلة من أمتي ~~لكل من مات ولم يشرك بالله شيئا» «10»، روي عن عبد الله بن عمر: «أن الشمس ~~تدنو يوم القيامة حتى تبلغ العرق نصف الأذن فبيناهم كذلك استغاثوا بآدم، ثم ~~بموسى ثم بمحمد، فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ ~~يبعثه الله مقاما محمودا، يحمده أهل الجمع كلهم» «11»، وهو الوسيلة في ~~الحديث، قال رسول الله عليه السلام: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ~~ثم صلوا علي، فمن صلى علي صلوة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا إلى ~~الوسيلة، فانها منزلة في الجنة لا ينبغي أن يكون إلا لعبد من عباد الله، ~~وأنا أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم ~~القيامة» «12». PageV03P029 ### || [سورة الإسراء (17): آية 80] # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا (80) # ثم قال تعالى بعد خروجه من مكة مهاجرا إلى المدينة (وقل رب أدخلني) في ~~المدينة (مدخل صدق) أي إدخال صدق، يعني بالسلامة ونيل المراد (وأخرجني) ms0973 من ~~المدينة (مخرج صدق) أي إخراج صدق إلى مكة، يعني بالفتح والظهور عليها أو ~~أدخلني في القبر مرضيا طاهرا من الذنوب وأخرجني من القبر مرضيا إلى البعث ~~ملقى بالكرامة آمنا من السخط (واجعل لي من لدنك) أي من حضرتك (سلطانا ~~نصيرا) [80] أي برهانا بينا قاهرا أعداء الدين بنصر دينك على جميع الأديان، ~~فوعده الله لننزعن ملك فارس والروم وغيرهما، فنجعله لك، ويشهد عليه قوله ~~«ليظهره على الدين كله» «1» و«يستخلفكم في الأرض» «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 81] # وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) # (وقل جاء الحق) أي القرآن (وزهق الباطل) أي ذهب الشيطان أو جاء الإسلام ~~وزال الشرك أو جاء عبادة الحق وذهب عبادة الصنم، والزهوق خروج النفس من ~~البدن، وأكد ذلك بما هو كالمثل السائر، وهو قوله (إن الباطل كان زهوقا) ~~[81] أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت. ### || [سورة الإسراء (17): آية 82] # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82) # (وننزل من القرآن ما هو شفاء) للقلوب من الجهل والضلالة، و«من» للتبعيض ~~أو للتبيين، أي كل شيء نزل من القرآن فهو شفاء (ورحمة للمؤمنين) لازدياد ~~إيمانهم به ولصلاح دينهم بما فيه كالشفاعة للمريض أو شفاء حقيقة للأجسام ~~لما فيه من البركة، قال عليه السلام: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» ~~«3» (ولا يزيد) القرآن (الظالمين) أي المكذبين به (إلا خسارا) [82] أي ~~نقصانا، لأنهم ينكرون القرآن فيخسرون. ### || [سورة الإسراء (17): آية 83] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) # (وإذا أنعمنا على الإنسان) أي الكفار بكشف البلاء عنه وبسعة الرزق عليه ~~(أعرض) عن ذكر الله وعن التضرع والالتجاء إليه كأنه مستغن عنه «4» (ونأى ~~بجانبه) أي تباعد جانبه عن الحق وترك التقرب إليه بالدعاء، وقيل: «تعظم ~~وتكبر» «5»، ولم يلتفت إليه، وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء أن ~~يوليه عرض وجهه وهو جانبه، والنائ بجانبه أن يعوج عن عطفه ويدبر ظهره «6»، ~~قرئ بفتح النون والهمزة، وبكسرهما، وبفتح النون وكسر الهمزة، وبكسر النون ~~وفتح الهمزة، ms0974 وبامالة الهمزة وبين بين وناء مثل جاء «7» (وإذا مسه الشر) أي ~~الضر في الجسد والشدة في المعيشة (كان يؤسا) [83] أي قنوطا عن رحمة الله ~~فيترك الدعاء إليه أو معناه: أن يتضرع ويدعو عن الشدة، فاذا تأخرت الإجابة ~~ترك الدعاء ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء. ### || [سورة الإسراء (17): آية 84] # قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) # (قل كل يعمل على شاكلته) أي كل واحد من الناس يعمل على طريقته التي ~~اختارها من طرق الضلالة والهدى لنفسه، وهي من الشكل وهو الشبه، يعني كل ~~يعمل ما يشبهه، ومنه المثل «كل امرئ يشبهه عمله» «8» (فربكم PageV03P030 # أعلم بمن هو أهدى سبيلا) [84] أي أوضح طريقا، يعني يعلم المهتدي والضال، ~~فيجازي كلا بعمله. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 85 الى 86] # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~(85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) # قوله (ويسئلونك عن الروح) وهو الذي يحيى به الإنسان، واختلفوا في ماهيته، ~~قال قوم: هذا الدم، وقوم: هي النفس، وقوم: هي معنى ذو نور اجتمع فيه العلم ~~والطيب والبقاء والعلو، ولم يأت أحد منهم على ما اختاره دليلا يدل على ~~حقيقته، فالأولى أن يوكل علمه إلى الله تعالى وهو قول أهل السنة، قال عبد ~~الله بن بريدة: «إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا» ~~«1»، نزل حين اجتمع قريش، وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالصدق والأمانة وما ~~اتهمنا بالكذب، وقد ادعى النبوة فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة ليسألوا ~~عنه، فانهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم، فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة ~~أشياء، فان أجابوا عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي، وإن أجاب عن ~~اثنين ولم يجب عن أحد فهو نبي، فسألوه عن فتية فقدوها في الزمان الأول، ~~وأمرهم العجيب وهم أصحاب الكهف وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها وهو ذو ~~القرنين، فقالوا: # أخبرنا عنهما وعن الروح، ms0975 فقال عليه السلام أخبركم غدا بما سألتم، ولم يقل ~~«إن شاء الله»، فلبث الوحي خمسة عشر يوما، وقيل: «أربعين يوما» «2»، وأهل ~~مكة يقولون: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي عليه ~~السلام من مكث الوحي، وشق عليه قولهم، ثم أنزل جبرائيل عليه السلام ولا ~~تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا إن شاء الله «3»، وأنزل في الفتية «أم ~~حسبت» «4» الآية، وفي ذي القرنين ويسئلونك عن ذي القرنين «5» الآية، وفي ~~الروح «ويسئلونك عن الروح» «6» (قل الروح من أمر ربي) فأشار به إلى أن ~~معرفة حقيقته متعذرة، يعني علم الروح من علم ربي لا يعلمه غيره، فبين ~~القصتين كما هما وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التورية، فندموا على سؤالهم، ~~فدل هذا على صدق نبوته، قوله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [85] خطاب ~~عام للنبي عليه السلام وغيره لما روي أن اليهود قالوا له: نحن مختصون بهذا ~~الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال النبي عليه السلام: بل نحن وأنتم، لم نؤت «7» ~~من العلم إلا قليلا، أي يسيرا في جنب علم الله تعالى، وقيل: خطاب لليهود ~~خاصة، لأنهم قالوا قد أوتينا التورية وفيها الحكمة «8»، وقد تلوت «ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا» «9»، فقيل لهم: علم التورية قليل في جنب علم ~~الله، والشيء قد يكون كثيرا بالنسبة إلى ما دونه قليلا بالنسبة إلى ما ~~فوقه، والأصح الأول لظاهر الآية من العموم ولقوله (ولئن شئنا لنذهبن) ~~واللام الأولى التي في «إن» الشرطية للتوطئة والثانية جواب قسم محذوف مع ~~نيابته عن جزاء الشرط، أي والله لو شئنا لنمحون (بالذي أوحينا إليك) أي ~~بالقرآن من الصدور والمصاحف حتى لا يوجد له أثر، يعني نحن منعنا علم الروح ~~عنك وعن غيرك بمشيتنا وقدرتنا ولو شئنا لمحونا القرآن أيضا، فلم نترك له ~~أثرا وبقيت ك ما كنت لا تدري ما الكتاب «10» (ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) ~~[86] أي من يتوكل برد القرآن إليك بعد الذهاب به، فالعلم في الحقيقة كله ~~لنا لا لكم، ms0976 قال عليه السلام «اقرؤا القرآن قبل أن يرفع، فانه لا تقوم ~~الساعة حتى يرفع» «11». ### || [سورة الإسراء (17): آية 87] # إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) # قوله (إلا رحمة) مفعول له، أي ما حفظناه عليك إلا للرحمة أو تقديره: لكنا ~~لم نشأ ذلك لرحمة (من PageV03P031 # ربك) أو تقريره: لكنا رحمناك رحمة تركته غير مذهوب به، فيكون استثناء ~~منقطعا (إن فضله) أي عطاء ربك (كان عليك كبيرا) [87] أي فضلا عظيما لإعطائك ~~الإسلام دينا واصطفائك بالرسالة من بينهم وبالنصرة والغلبة عليهم وبتنزيل ~~القرآن إليك وبابقائه محفوظا عليك، وفيه امتناع عظيم على أهل العلم والقرآن ~~ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه في الصدور ~~والمصاحف، فعليهم أن لا يغفلوا عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، قيل: هذه ~~المصاحف ترفع فكيف بما في الصدور «1»، عن ابن عمر: «لا تقوم الساعة حتى ~~يرفع القرآن من حيث نزل، له دوي كدوي النحل، يقول الرب: ما لك؟ فيقول يا رب ~~كنت أتلى ولا يعمل بي» «2». ### || [سورة الإسراء (17): آية 88] # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) # ونزل حين قال الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا «3» (قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن) متظاهرين (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) في بلاغته وحسن نظمه ~~وإعجازه والإخبار عن الغيوب مع ما ضمن فيه من الأحكام والحدود وغيرهما مما ~~لا يعرف إلا بالوحي (لا يأتون بمثله) جواب قسم محذوف لا جواب الشرط، ولو لا ~~اللام الموطئة لجاز أن يكون «لا يأتون» مع النون جواب الشرط، لأن الشرط وهو ~~اجتمعت وقع ماضيا لا يعمل فيه الأداة، فجاز أن لا يعمل في الجواب، المعنى: ~~أنهم عاجزون عن الاتيان بمثله لأنه كلام في أعلى طبقات الكلام من البلاغة ~~لا يشبه كلام الخلق (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [88] أي معينا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 89] # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) # (ولقد صرفنا) أي كررنا (للناس) بالبيان (في ms0977 هذا القرآن من كل مثل) أي من ~~كل شيء هو كالمثل في الغرابة والحسن لما فيه من الأخبار العجيبة والأحكام ~~والأمثال والوعد والوعيد والعبر (فأبى) أي امتنع (أكثر الناس) عن القبول أو ~~عن الشكر (إلا كفورا) [89] أي جحودا أو كفرانا مكان الشكر وهذا استثناء ~~مفرغ في المفعول، لأن «أبى» هنا في معنى لم يرضوا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 90] # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) # (وقالوا) أي قال عبد الله بن أبي أمية وأصحابه للنبي عليه السلام (لن ~~نؤمن) أي لن نصدق (لك حتى تفجر لنا) بضم التاء وكسر الجيم مشددا من ~~التفجير، وبفتح التاء وضم الجيم مخففا «4»، أي تشقق (من الأرض ينبوعا) [90] ~~أي عينا يخرج منها الماء. ### || [سورة الإسراء (17): آية 91] # أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) # (أو تكون لك جنة) أي بستان (من نخيل وعنب فتفجر) أي تشقق (الأنهار ~~خلالها) أي وسطها (تفجيرا) [91] أي تشقيقا ظاهرا، والتشديد فيه إجماعي لذكر ~~الجمع بعده وهو «الأنهار»، يقال فجرت نهرا بالتخفيف، لأن مفعوله واحد، ~~وفجرت الأنهار بالتشديد لكون مفعوله جمعا، وقد يذكر بالتشديد في الواحد ~~أيضا إذا قصد المبالغة فيه. ### || [سورة الإسراء (17): آية 92] # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) # (أو تسقط السماء كما زعمت) بقولك إن نشأ نخسف بهم الأرض أن نسقط عليهم ~~كسفا من السماء PageV03P032 # (علينا كسفا) بسكون السين على التوحيد، أي توقعها مرة واحدة وجمعه كسوف ~~واكساف، وبفتح السين «1» جمع كسفة، أي أو توفع السماء علينا قطعا، يعني ~~قطعة بعد قطعة، ونصبه حال من «السماء» (أو تأتي بالله والملائكة قبيلا) ~~[92] أي كفيلا يكفلون بما تقول وضامنا به شاهدا «2» لصحته «3» أو تأتي ~~بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، وهو جمع قبيلة، نصبه حال من الملائكة «4» أو ~~بمعنى مقابلة وعيانا يشهدون لك بأنك نبي الله، نصبه حال من «الله» ~~و«الملائكة». ### || [سورة الإسراء (17): آية 93] # أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه ms0978 قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (93) # (أو يكون لك بيت من زخرف) أي من ذهب وأصله الزينة (أو ترقى) أي تصعد (في ~~السماء) أي في معارجها (ولن نؤمن) أي لن نصدق (لرقيك) أي لصعودك فيها فرضا ~~(حتى تنزل علينا) من السماء (كتابا) فيه تصديقا (نقرؤه) فنتبعك فقال تعالى ~~لنبيه عليه السلام (قل سبحان ربي) تعجبا من قولهم، وقرئ «قال» «5» إخبارا ~~عن النبي عليه السلام (هل كنت إلا بشرا رسولا) [93] أي لست إلا بشرا أرسل ~~إليكم، فكيف تطلبون مني شيئا لا يقدر البشر على الإتيان به، ولو كان رسولا ~~لا يأتي به «6» إلا باذن الله، قيل: لو أراد الله أن ينزل ما طلبوا منه ~~لفعل ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر من البشر «7»، لأنه ليس في ~~طوق البشر وإنما رد الله سؤالهم، لأنه تعالى أعطى النبي عليه السلام من ~~الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله في الإيمان به مثل القرآن واتشقاق ~~القمر وغيرها مما اشتهر بين القوم، ولكن كفار مكة كانوا متعنتين لم يكن ~~قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فردهم الله تعالى لشك مريب في صدورهم لا يزول بكل ~~آية نزلت يدل على ذلك قوله تعالى. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 94 الى 95] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا (95) # (وما منع الناس أن يؤمنوا) بالقرآن ونبوة محمد عليه السلام (إذ جاءهم ~~الهدى) أي القرآن ومحمد (إلا أن قالوا) أي إلا قولهم، محله رفع فاعل «منع» ~~و«أن يؤمنوا» مفعوله مقدم عليه ومقولهم بالاستفهام للإنكار (أبعث الله بشرا ~~رسولا) [94] ولم يبعث ملكا فلا نؤمن به ولا حجة لهم سوى هذا القول، فرد ~~الله عليهم بقوله (قل لو كان في الأرض ملائكة) مكان البشر (يمشون) على ~~أقدامهم كما يمشي الإنس ولا يطيرون بأجنحتهم كالطير (مطمئنين) أي مقيمين ~~فيها (لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) [95] من جنسهم لينذرهم ويعلمهم ~~الخير، ms0979 لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس، وإنزال الملائكة على ~~الأنبياء لاتصافهم بالصفة الملكية في الصورة بالبشرية كأنهم من جنس ~~الملائكة، وذلك أيضا لإرسالهم إلى بني آدم للإنذار والتبشير، ولما سمعوا ~~ذلك قالوا من يشهد لك يا محمد بأنك رسول من الله تعالى. ### || [سورة الإسراء (17): آية 96] # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) # (قل كفى بالله شهيدا) نصبه حال، أي كفى الله شاهدا (بيني وبينكم) على أني ~~رسول الله باظهار المعجزة مني وبلغت ما أرسلت به إليكم وأنتم كذبتم به ~~وعاندتم (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا) [96] فيجازيهم بعملهم «8». ### || [سورة الإسراء (17): آية 97] # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) PageV03P033 ### || [سورة الإسراء (17): آية 97] # ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) # (ومن يهد الله) أي من يرشده إلى دينه (فهو المهتد) باثبات الياء وحذفها ~~وصلا «1»، أي على طريق الحق بالاستقامة (ومن يضلل) أي يخذله عن دينه (فلن ~~تجد لهم أولياء) أي أحباء أو أنصارا (من دونه) يرشدونهم من الضلالة إلى ~~طريق الحق (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) محله نصب على الحال، أي يسحبون ~~عليها في النار، قالوا: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم ~~القيامة؟ فقال النبي عليه السلام: «إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن ~~يمشيه على وجهه» «2»، قوله (عميا) حال أخرى لا يرون فيه ما يفرحهم (وبكما) ~~أي لا ينطقون بحجة واعتذار (وصما) أي لا يسمعون ما يلتذون به، وذلك حين ~~يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار (مأواهم) أي مستقرهم ومنزلهم (جهنم ~~كلما خبت) أي سكن لهبها أو طفئت نارها في رأي العين (زدناهم سعيرا) [97] أي ~~وقودا أو تلهبا واشتعالا. ### || [سورة الإسراء (17): الآيات 98 الى 99] # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ms0980 أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) # (ذلك) أي العذاب الموصوف يوم القيامة (جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا) أي ~~القرآن ومحمد عليه السلام (وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا) أي ترابا (أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا) [98] بعد الموت والفناء، فأجابهم بالله تعالى بقوله ~~(أولم يروا) أي أنكروا الإعادة ولم يخبروا في القرآن (أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض) في عظمها وشدتها (قادر على أن يخلق مثلهم) في صغرهم ~~وضعفهم كقوله «لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس» «3»، وعطف على «أ ~~ولم يروا» قوله (وجعل لهم أجلا) لأن تقدير المعنى فيه: قد علموا بالعقل أن ~~القادر على خلق السموات والأرض قادر على خلق أمثالهم من الإنس، وجعل، أي ~~عين وقتا لعذابهم، وقيل: هو الموت أو يوم القيامة «4» (لا ريب فيه) عند ~~المؤمنين أنه يأتيهم (فأبى الظالمون) أي لم يرضوا مع وضوح الدليل عن ~~الإيمان (إلا كفورا) [99] أي عنادا أو جحودا له لقبولهم الكفر مكانه وذلك ~~كله لحبهم الدنيا واطمئنان قلوبهم بها. ### || [سورة الإسراء (17): آية 100] # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) # (قل لو أنتم تملكون) «لو» حرف شرط، حقه أن يدخل على الفعل لكنه حذف هنا ~~وأضمر على شريطة التفسير، وتقديره: لو تملكون أنتم تملكون، فحذف «تملك» ~~وأبدل من الضمير المتصل الفاعل ضمير منفصل وهو «أنتم» لسقوط ما يتصل به من ~~اللفظ، ف «أنتم» فاعل الفعل المضمر، و«تملكون» تفسيره، نزل لأهل مكة الذين ~~طلبوا من النبي عليه السلام تفجير الينبوع والأنهار وغيرها من نعم الله ~~«5»، أي قل يا محمد لهم لو ملكتم (خزائن رحمة ربي) أي جميع نعمه (إذا ~~لأمسكتم) لبخلهم وحبستم من قولهم للبخيل ممسك، جعل الفعل المتعدي كاللازم ~~لإرادة التعميم (خشية الإنفاق) أي لخوف الفقر والفاقة، يقال أنفق الرجل إذا ~~أذهب ماله وصار فقيرا أو نفق الشيء إذا أذهب (وكان الإنسان ms0981 قتورا) [100] أي ~~بخيلا ممسكا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 101] # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون ~~إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) # ثم قال تهديدا لأهل مكة (ولقد آتينا) أي أعطينا (موسى تسع آيات بينات) أي ~~علامات واضحات وهي PageV03P034 # العصا وبياض اليد والجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان، ثم اختلف في ~~الآيتين الاخرتين، قال بعضهم: # فلق البحر وانحلال العقدة التي كانت بلسانه، وقال بعضهم: فلق البحر ونتق ~~الجبل، وقال بعضهم: السنون ونقص الثمارات (فسئل) يا محمد (بني إسرائيل) أي ~~من آمن منهم يخبرونك وهم عبد الله بن سلام وأصحابه عن آيات موسى لتزداد ~~يقينا وطمأنينة قلب، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت أو لتحتج به ~~على من لم يؤمن منهم ويظهر كذبهم مع قومهم أو سلهم عن موسى وما جرى له مع ~~فرعون (إذ جاءهم) أي حين جاء آباءهم موسى (فقال له فرعون) لما جاء بالآيات ~~(إني لأظنك يا موسى مسحورا) [101] أي مغلوب العقل بالسحر ومصروفا عن الحق. ### || [سورة الإسراء (17): آية 102] # قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا ~~فرعون مثبورا (102) # (قال) له موسى (لقد علمت) بضم التاء يخبر موسى عن نفسه ليس بمسحور كما ~~قال فرعون وإن ما جاء به حق، وبفتح التاء خطابا لفرعون «1»، أي لقد علمت يا ~~فرعون أني لست بمسحور لأني كنت في تربيتك ولم تكن رأيت مني شيئا يدل على ما ~~قلت في حقي وعلمت (ما أنزل هؤلاء) أي الآيات التسع (إلا رب السماوات ~~والأرض) وهو الله الخالق الرازق لأهلهما (بصائر) نصب على الحال من «هؤلاء»، ~~جمع بصيرة وهو ما يبصر به الحق، أي بينات مكشوفات على أني على الحق ولكنك ~~معاند مكابر بعد ظهور الحق عندك (وإني لأظنك يا فرعون مثبورا) [102] أي ~~هالكا مصروفا عن كل خير. ### || [سورة الإسراء (17): آية 103] # فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) # (فأراد) فرعون (أن يستفزهم) ويخرج موسى وبني إسرائيل (من الأرض) أي أرض ~~مصر أو ms0982 ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال فنزل به مكره (فأغرقناه) أي ~~فرعون (ومن معه) من الكافرين (جميعا) [103] ونجينا موسى وقومه من الغرق. ### || [سورة الإسراء (17): آية 104] # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا (104) # (وقلنا من بعده) أي بعد هلاك فرعون (لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) التي ~~أراد أن يخرجكم فرعون منها وهي مصر أو الشام (فإذا جاء وعد الآخرة) أي قيام ~~الساعة (جئنا بكم لفيفا) [104] أي مجتمعين مختلطين أنتم وهم ثم نحكم بينكم ~~ونميز السعداء والأشقياء منكم، واللفيف الجمع الكثير من كل صنف. ### || [سورة الإسراء (17): آية 105] # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) # ثم قال (وبالحق) أي بالحكمة المقتضية لإنزاله (أنزلناه) أي القرآن ~~(وبالحق) أي وبتلك الحكمة (نزل) عليك ولم يتغير لاشتماله على الهداية إلى ~~كل خير، وقيل معناه: أنزلناه من السماء محفوظا بالملائكة الحرس، ونزل عليك ~~محفوظا من تخليط الشياطين «2» (وما أرسلناك إلا مبشرا) للناس بالجنة ~~(ونذيرا) [105] لهم من النار وليس عليك غير هذا من القسر والإكراه على الدين. ### || [سورة الإسراء (17): آية 106] # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) # قوله (وقرآنا) نصب، يفسره (فرقناه) بالتخفيف، أي أنزلناه متفرقا بالنجوم، ~~يعني في أزمان مختلفة أو فرقناه بمعنى بيناه تبيانا أو جعلناه فارقا بين ~~الحق والباطل (لتقرأه على الناس على مكث) بضم الميم، أي على مهل وترسل ~~(ونزلناه تنزيلا) [106] أي في ثلاث وعشرين سنة على حسب الحوادث. PageV03P035 ### || [سورة الإسراء (17): آية 107] # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم ~~يخرون للأذقان سجدا (107) # (قل) يا محمد تهديدا لهم (آمنوا به) أي بالقرآن (أو لا تؤمنوا) به، فان ~~الله غني عنكم وعن إيمانكم، وفيه أمر له عليه السلام بالإعراض عنهم ~~لاحتقارهم شأنهم، ثم أخبر توبيخا لهم وتعييرا بأن خيرا منهم وأفضل من علماء ~~أهل الكتاب، قد آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم أنه النبي العربي الموعود في ~~كتبهم، فاذا تلي القرآن عليهم خروا سجدا لله تعظيما لأمره بقوله (إن ms0983 الذين ~~أوتوا العلم) وهو في معنى التعليل ل «آمنوا به أو لا تؤمنوا»، أي لأنهم ~~أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب (من قبله) أي قبل القرآن أو قبل ~~محمد عليه السلام (إذا يتلى عليهم) أي يعرض عليهم القرآن فيعرفونه (يخرون) ~~أي يسقطون (للأذقان) أي على الوجوه، فاللام بمعنى «على» أو المعنى: يجعلون ~~الخرور مختصا بأذقانهم، فاللام للاختصاص وخصت «الأذقان» بالذكر لأنها أقرب ~~شيء من الوجه إلى الأرض، وهي جمع ذقن، والذقن ملتقى اللحيين «1» (سجدا) ~~[107] أي ساجدين شاكرا لله تعالى. ### || [سورة الإسراء (17): آية 108] # ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) # (ويقولون) في السجود (سبحان ربنا) أي ننزهه تنزيها من الشرك ومن كل نقص ~~في واحدانيته (إن كان) أي إن الشأن كان (وعد ربنا) الذي وعده بأن يبعث ~~محمدا نبيا من العرب (لمفعولا) [108] أي لكائنا حقا. ### || [سورة الإسراء (17): آية 109] # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # (ويخرون) أي ويسقطون (للأذقان) أي على وجوههم (يبكون) نصب على الحال من ~~ضمير «يخرون» (ويزيدهم) نزول القرآن (خشوعا) [109] أي خضوعا لربهم أو لين ~~القلب ورطوبة العين، قيل: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون ~~أوتي علما ينفعه «2»، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلج من بكى من ~~خشية الله تعالى» «3»، وكرر الخرور للأذقان فيه لاختلاف الحالين، حال ~~السجود وحال البكاء. ### || [سورة الإسراء (17): آية 110] # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) # قوله (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) نزل حين قال أهل الكتاب أنك لتقل ~~ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التورية هذا الاسم «4»، فقال تعالى قل يا محمد ~~سموا ربكم الله أو سموه الرحمن، فالدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، ~~وإلا يلزم تعدد الآلهة، ويجوز أن يكون نصب «الله» و«الرحمن» على نزع ~~الخافض، تقديره: # نادوا ربكم بالله أو بالرحمن فلا يلزم ذلك وهو يتعدى إلى مفعولين مثل ~~دعوته زيدا وقد يذكر أحدهما ويترك الآخر استغناء ms0984 عنه نحو دعوت زيدا أي ~~سميته زيدا، و«أو» فيه للتخيير، وقيل: نزل حين قال أبو جهل ينهانا محمد عن ~~آلهتنا وهو يدعو إلهين «5»، فقال تعالى (أيا ما تدعوا) أي أي هذين الاسمين ~~سميتم أو ذكرتم (فله) أي فلمسمى هذين الاسمين (الأسماء الحسنى) أي الصفات ~~العلى، فهذان الاسمان منها فيكونان حسنين و«أيا» كلمة استفهام وشرط، عمل ~~فيها «تدعوا» لاقتضائه مفعولا و«ما» زائدة لتأكيد الإبهام في «أي»، ~~و«تدعوا» مجزوم ب «أي»، لأنه شرط جازم يقتضي جزاء، وقوله «فله» جزاؤه، ~~والضمير فيه يرجع إلى مسمى هذين الاسمين، وهو ذاته تعالى لأن التسمية للذات ~~لا للاسم، والأصل: أيا ما تدعوا منهما فهو حسن، فوضع موضعه قوله «فله ~~الأسماء الحسنى»، ومعنى كونه أحسن الأسماء أنها مستقلة بمعاني التحميد ~~والتقديس PageV03P036 # والتعظيم، قيل: كان المشركون إذا سمعوا أذكار رسول الله عليه السلام أو ~~قراءته في الصلوة لغوا وسبوا «1»، لأنه كان يرفع صوته بها فأمر بالخفض ~~بقوله (ولا تجهر بصلاتك) أي قراءتك في صلوتك (ولا تخافت بها) أي ولا تخفها ~~عن أصحابك لينتفعوا بقراءتك (وابتغ صلى الله عليه وسلم أي واطلب (بين ذلك) ~~أي بين فعلك من الرفع والخفض (سبيلا) [110] أي طريقا وسطا بأن تجهر بصلوة ~~الليل وتخافت بصلوة النهار، وقيل: معنى «بصلاتك» بدعائك «2»، لأن الصلوة ~~تستعمل بمعنى الدعاء، وقيل: الآية نسخت بقوله «ادعوا ربكم تضرعا وخفية» «3». ### || [سورة الإسراء (17): آية 111] # وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل وكبره تكبيرا (111) # (وقل الحمد لله) أمر للنبي عليه السلام بأن يحمد الله على وحدانيته، لأنه ~~المنعم لكل نعمة ظاهرة وباطنة لا غير، وصفه بقوله (الذي لم يتخذ ولدا) إذ ~~لا جنس له (ولم يكن له شريك في الملك) إذ لا مثل له فلا يعازه «4» في عظمته ~~(ولم يكن له ولي) أي ناصر ينصره (من الذل) أي من أن يعرض له المذلة، لأنه ~~منزه عنه، فلا يحتاج إلى الناصر، قيل: كيف لاق هذا الوصف النافي للأشياء ~~المذكورة بكلمة التحميد؟ أجيب ms0985 بأن الموصوف به هو الواحد القاهر القادر على ~~إيلاء كل نعمة، فهو المستحق لكل حمد «5»، فحمده (وكبره تكبيرا) [111] أي ~~بالغ في تعظيمه على قدر معرفتك، فنزهه كما نزه نفسه عن اتخاذ الولد والشريك ~~والولي من الذل، قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما يدعى إلى الجنة يوم ~~القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء» «6». # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله ~~إلا الله» «7»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أحب الكلام إلى الله أربع: لا ~~إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرك بأيهن بدأت» ~~«8»، روي: أن رجلا جاء إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله! إني رجل ~~كثير الدين، كثير الهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: اقرؤا آخر ~~بني إسرائيل «قل ادعوا الله» حتى تختم، ثم قل توكلت على الحي الذي لا يموت ~~ثلاث مرات» «9»، وهذه الآية تسمى آية العزة، وكان النبي عليه السلام يعلمها ~~الصغير إذا فصح من بني عبد المطلب، أي جاد في الكلام الحمد لله أنعم علينا ~~وهدانا إلى الإسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين «10». PageV03P037 ### | سورة الكهف # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الكهف (18): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) # قوله (الحمد لله) تلقين من الله لعباده كيف يحمدونه على أعظم نعمه الذي ~~هو سبب نجاتهم من العذاب وفوزهم بالثواب يوم القيامة، أي جميع المحامد لله ~~(الذي أنزل) بجبرائيل (على عبده) محمد صلى الله عليه وسلم (الكتاب) أي ~~القرآن وإنما خص الرسول عليه السلام بالذكر لبيان أن إنزال القرآن الذي هو ~~نعمة عظيمة عليه على الخصوص وإن كان غيره على العموم، قيل: ذكر التحميد في ~~إنزال الكتاب والتسبيح في إسراء، لأن مقام التسبيح مبدأ درجات كماله ومقام ~~التحميد نهايتها لكونه مكملا للبشر بالكتاب «1»، قوله (ولم يجعل له عوجا) ~~[1] إشارة إلى كمال الكتاب نحو لا ريب فيه، أي لم يجعل الله للكتاب ms0986 عوجا، ~~أي ميلا عن الصواب فهو بالغ في الصحة حتى يجب للعاقل أن لا يرتاب فيه. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 2 الى 3] # قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) # قوله (قيما) منصوب بتقدير «جعله»، وليس بحال من «الكتاب»، لأنه يلزم ~~العطف على الصلة قبل تمامها، ويجوز أن يكون «ولم يجعل» حالا منه، و «قيما» ~~حال أخرى، ويكون إشارة إلى تكميل غيره، لأن القيم هو القائم بمصالح الغير ~~نحو هدى للمتقين، أي أنزله «2» الله قيما بمصالح عباده لما فيه من الأحكام ~~والشرائع الموجبة لاستقامة الدين، وقيل: بل جعله مستقيما لا نقص فيه بوجه ~~ما كالتناقض والاختلاف «3»، ففي نفي العوج عنه ووصفه بالقيم دلالة على أنه ~~في غاية الاستقامة، فيكون ذكره للتأكيد (لينذر) أي ليخوف عبده بالكتاب ~~الذين كفروا بالبعث (بأسا شديدا) أي بالعذاب القوي، يعني النار ولم يذكر ~~المفعول الأول، لأن المنذر به هو الغرض بالإنذار (من لدنه) تضم الدال وسكون ~~النون، وبسكون الدال وكسر النون «4»، أي صادرا من عنده، وقدم الإنذار، لأن ~~دفع الضر أهم من تحصيل النفع (ويبشر) بالكتاب (المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن) أي بأن (لهم أجرا حسنا) [2] وهو الجنة (ماكثين فيه) أي مقيمين ~~في الأجر الحسن (أبدا) [3] لا يخرجون منه. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 4 الى 6] # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت ~~كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) # (وينذر) أي ويخوف أيضا (الذين قالوا) أي قال كفار مكة (اتخذ الله ولدا ~~[4] ما لهم به من علم) أي ليس لهم باتخاذ الولد له تعالى علم على حقيقته ~~«5»، ولكن قولهم به عن جهل مفرط وتقليد الآباء وتسويل الشيطان (ولا ~~لآبائهم) أي ليس لآبائهم من قبلهم من علم أيضا، لأنه مستحيل في حقه تعالى ~~لا للجهل PageV03P038 # بالطريق الموصل إليه (كبرت) أي عظمت مقالتهم وميزت بقوله «1» (كلمة تخرج) ~~أي تظهر بخروج ms0987 النفس (من أفواههم) فيه معنى التعجب «2»، أي ما أكبرها ~~ووصفها بالخروج من أفواههم استعظاما لجرءتهم على النطق بها وهي قولهم «اتخذ ~~الله ولدا» (إن يقولون) أي ما يقولون (إلا) قولا (كذبا [5] فلعلك باخع ~~نفسك) أي مهلكها (على آثارهم) أي من بعد ذهابهم عن مجلسك بحال الكفر (إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث) أي بالقرآن (أسفا) [6] مفعول له، أي للأسف، وهو أشد ~~الحزن أو أشد الغضب أو حال من ضمير «باخع». ### || [سورة الكهف (18): آية 7] # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) # (إنا جعلنا ما على الأرض) أي الذي «3» عليها من النبات والأشجار وزخارف ~~الدنيا (زينة لها) ولأهلها (لنبلوهم) أي لنختبر الناظرين إليها (أيهم أحسن ~~عملا) [7] أي أزهد وأشكر في الدنيا وهم كفروا مكان الشكر واغتروا بها مكان الزهد. ### || [سورة الكهف (18): آية 8] # وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) # (وإنا لجاعلون ما عليها) أي إنا لنجعل عند النفخة الأولى ما على الأرض من ~~الزينة والبهجة (صعيدا جرزا) [8] أي أرضا بيضاء يابسا لا نبات فيها ولا ماء ~~ولا حيوان يتحرك فيها. ### || [سورة الكهف (18): آية 9] # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) # قوله (أم حسبت) نزل حين أرسل أهل مكة خمسة رهط منهم إلى يهود المدينة، ~~وقالوا: سلوهم عن أمر محمد وصفته، فانه يزعم أنه نبي مرسل، فقالت اليهود: ~~سلوه عن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين والروح، فان أخبركم عن القصتين ~~دون الروح، فاعلموا أنه نبي مرسل فاتبعوه، وإلا فهو كاذب، فسألوه، فقال: ~~أخبركم غدا ولم يقل «إن شاء الله»، فرجعوا ولم ينزل عليه جبرائيل إلى ثلاثة ~~أيام في رواية، فقالوا: # ودعه ربه وأبغضه، فشق ذلك على رسول الله، فنزل به جبرائيل، فقال: صلى ~~الله عليه وسلم له: يا أخي لم أبطأت علي؟ # فقال: أنا عبد مثلك، ما نتنزل إلا بأمر ربك، فلما قرأ عليهم الرسول آية ~~«أم حسبت» إلى آخر القصة، قالوا: # هذا ساحر كموسى فلم يصدقوه «4»، و«أم» بمعنى «بل» والهمزة وهو يقتضي ~~الاستفهام قبله لفظا أو ms0988 تقديرا، فتقديره: أحسبت أن ذلك المذكور من الآيات، ~~أي تزيين الأرض بما ذكرنا، ثم جعلنا إياه كله كأن لم يكن قط أعجب من قصة ~~أصحاب الكهف أم حسبت «5»، أي بل ظننت وعلمت بالقرآن (أن أصحاب الكهف) أي ~~الغار الواسع (والرقيم) اسم كلبهم أو لوح كتب فيه أسماؤهم على باب الكهف ~~ليقف من بعدهم على خبرهم أو هو اسم للجبل «6» الذي فيه الكهف (كانوا من ~~آياتنا عجبا) [9] أي آية عجيبة، يعني عجب منها «7»، ومحل «من آياتنا» حال ~~من «عجبا»، قدم عليه، قيل معناه: أنهم ليسوا بأعجب من آياتنا «8»، فمعنى ~~«أم حسبت» أن ما خلقنا من السموات والأرض وما فيهن «9» من العجائب أعجب ~~منهم، والأول أقرب، لأن الإضراب عن الكلام الأول إلى الكلام الثاني إنما ~~يحسن إذا كان الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي. ### || [سورة الكهف (18): آية 10] # إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) # (إذ أوى) أي اذكر إذ دخل (الفتية) جمع فتى، وهو الشاب الكامل (إلى الكهف) ~~ليجعلوه مأوى لهم خوفا على دينهم من قومهم الكفرة (فقالوا ربنا آتنا من ~~لدنك) أي من خزائن رحمتك (رحمة) أي مغفرة وأمنا من PageV03P039 # الأعداء (وهيئ) أي أصلح (لنا من أمرنا) أي للأمر الذي نحن فيه وهو ~~الإيمان وترك الكفر (رشدا) [10] أي هداية تحفظنا عن الضلالة. ### || [سورة الكهف (18): آية 11] # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) # (فضربنا على آذانهم) حجابا من أن تسمع، أي أنمناهم نوما ثقيلا لا يؤثر ~~فيه صوت ما، قوله (في الكهف) ظرف ل «ضربنا»، ومفعوله محذوف وهو «حجابا» ~~(سنين عددا) [11] ظرف آخر ل «ضربنا»، أي ذوات عدد يريد الكثرة كما اختاره ~~الزجاج «1»، لأن الكثير يحتاج إلى العد والقليل لا يحتاج. ### || [سورة الكهف (18): آية 12] # ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) # (ثم بعثناهم) أي أيقظناهم بعد ما أنمناهم (لنعلم) أي ليتعلق بعلمنا ما ~~يظهر في الوجود من أمرهم (أي الحزبين) المختلفين منهم في مدة لبثهم (أحصى) ~~أي ضبط «2» (لما لبثوا أمدا) [12] أي ms0989 أمد أوقات لبثهم، أي غايتها، ف «أمدا» ~~مفعول به ل «أحصى»، لأنه فعل ماض، وقوله «لما لبثوا» في التقدير صفة ~~«أمدا»، فلما قدم صار حالا، أي أمدا لأوقات لبثهم، وقيل: «أحصى» أفعل ~~التفضيل بعد حذف الزيادة على غير قياس نحو هو أعطى للمال «3»، ف «أمدا» ~~حينئذ منصوب بمحذوف، دل عليه «أحصى» وهو ضبط، لأن أفعل لا يعمل ولا يعمل ~~فيه «لبثوا»، لأنه يخل بالمعنى، إذ المقصود هو العلم بغاية لبثهم لا العلم ~~بلبثهم في الغاية. ### || [سورة الكهف (18): آية 13] # نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) # (نحن نقص عليك نبأهم) أي خبرهم (بالحق) أي بالصدق (إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم) بعد الإيمان بالتوفيق والتثبيت (هدى) [13] أي بصيرة في دينهم. ### || [سورة الكهف (18): آية 14] # وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) # (وربطنا على قلوبهم) أي قويناها على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ~~والصبر على هجر الأوطان وترك اللذات (إذ قاموا) بأمرنا بين يدي الجبار، وهو ~~دقيانوس الملك، وكان جبارا أكره أهل الإنجيل على عبادة الأصنام حين دخل ~~مدينة أفسوس بعسكره وتسلط عليهم، فمن كفر بالله واتبع دينه تركه ومن لم ~~يتبعه قتله، وأراد فتية من أشراف قومه على الشرك، وتوعدهم بالقتل فأبوا عنه ~~وقاموا باثبات الحجة وإظهار الإسلام بعد أن أمرهم بالسجود للأصنام والتشديد ~~على عبادة غير الله تعالى وقول الكفر (فقالوا) بالإخلاص والتوكل على الله ~~رادين عليه من غير مبالاة «4» به (ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا) أي لن ~~نعبد (من دونه) أي من دون الله (إلها) ولا نسأل من غيره ولئن دعونا غيره ~~فرضا (لقد قلنا إذا) قولا (شططا) [14] أي ذا شطط وهو الإفراط في الظلم ~~والإبعاد فيه من شط إذا بعد. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 15 الى 16] # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا ~~إلى الكهف ms0990 ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) # قوله (هؤلاء قومنا) الآية إنكار منهم لحال قومهم، و«قومنا» عطف بيان ل ~~«هؤلاء»، وهو مبتدأ، خبره (اتخذوا من دونه) أي من دون الله بالجهل (آلهة) ~~لعبادتهم وهذا إخبار في معنى الإنكار، خبره (لو لا يأتون) أي هلا يجيئون ~~(عليهم) أي على عبادتهم (بسلطان بين) أي حجة ظاهرة، وهو تبكيت لهم، لأن ~~الاتيان بذلك محال ودليل على فساد التقليد، إذ لا بد في الدين من الحجة على ~~صحته (فمن أظلم ممن افترى على PageV03P040 # الله كذبا) [15] بنسبة الشريك إليه تعالى، فأخذهم وسلمهم إلى آبائهم ~~ليحفظوهم حبسا إلى أن يطلبهم، ثم هربوا منهم إلى الكهف ومروا بكلب في ~~الطريق، وقيل: مروا براع له كلب فتبعهم على دينهم فطردوا الكلب فأنطقه ~~الله، فقال أنا أحب من يحب الله وأنا أحرسكم «1»، فتركوه ومشوا قائلين في ~~طريقهم (وإذ اعتزلتموهم) يعني قال بعض الفتية لبعض إذ تركتموهم «2»، أي ~~الكافرين (وما يعبدون) أي ومعبوديهم (إلا الله) استثناء متصل، لأنه داخل ~~فيما بعبدون، روي: أنهم كانوا يقرون بالله ويشركون به «3»، قوله (فأووا إلى ~~الكهف) مقول للفتية، أي التجؤا بالفرار بدينكم إلى الكهف، والفاء في جواب ~~«إذ»، وجواب الأمر (ينشر لكم) أي يفض عليكم (ربكم من رحمته) ويعدكم من ~~أعدائكم (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) [16] بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس ~~«4» ما يرتفق به، أي ينتفع، المعنى: يجعل لكم سهولة بدل الصعوبة، قالوا ذلك ~~ثقة بفضل الله وتوكلا عليه، قيل: كان بعضهم نبيا بقوله لهم «5»، ثم ذهب ~~آباؤهم إلى الملك وأخبروه أنهم هربوا من عندهم فتبعهم الملك والناس معه حتى ~~انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين فيه فدخلوا الكهف فلم يجدوا ~~شيئا لما أعمى الله تعالى عليهم، فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف ليموتوا ~~من الجوع، فيكون قبورهم ثم انصرف الملك والناس معه إلى المدينة، فكتب رجلان ~~مسلمان يكتمان إيمانهما أسماءهم وأسماء آبائهم واسم مدينتهم وفرارهم من ~~دقيانوس الملك الكافر في لوح من رصاص، فألزقاه من داخل الكهف فمن ظهر ms0991 عليهم ~~يعلم به أنهم مسلمون. ### || [سورة الكهف (18): آية 17] # وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات ~~الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا (17) # (وترى الشمس) يا محمد أو يا إنسان (إذا طلعت تزاور) بالرفع مع التشديد، ~~أصله تتزاور أي تعدل وتميل، وقرئ «تزور» من ازور و«تزاور» بالتخفيف «6»، ~~والمعنى في كله واحد وهو الميل (عن كهفهم ذات اليمين) أي جهة يمين الكهف ~~وهو ظرف ل «تزاور» (وإذا غربت تقرضهم) أي تقعهم مجاورة لهم (ذات الشمال) ~~يعني تتركهم وتعدل عنهم جهة شمال الكهف، قيل: كان كهفهم بازاء بنات نعش، ~~ولذلك لا تقع عليهم الشمس «7»، وقيل: إن هذا القول خطأ، لأن الله تعالى صرف ~~عنهم الشمس بقدرته وحال بينها وبينهم إكراما لهم «8»، فعلى هذا يكون كهفهم ~~نحو المشرق (وهم في فجوة) أي في متسع (منه) أي من الكهف يصل إليهم النسيم ~~ويرتفع عنهم وخامة الغار ولا تصل إليهم الشمس عن طلوع وغروب (ذلك) أي ما ~~ذكر من حال كهفهم من أن الشمس تصيبه ولا تصيبهم كرامة من الله لهم أو شأنهم ~~وحديثهم (من آيات الله) الدالة على قدرته تعالى «9»، ثم مدحهم فقال (من يهد ~~الله فهو المهتد) بحذف الياء وإثباتها وصلا «10» بأنهم قد جاهدوا في الله ~~وأسلموا له فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية، أي من يهده الله ويسلك ~~طريقهم فهو الذي أصاب الفلاح واهتدى وأخلص في إيمانه، ثم ذم من خالفهم فقال ~~(ومن يضلل) أي يضلله تعالى بخذلانه (فلن تجد له وليا مرشدا) [17] أي من ~~يليه ويرشده إلى فلاحه بعد خذلان الله إياه. PageV03P041 ### || [سورة الكهف (18): آية 18] # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) # (وتحسبهم أيقاظا) أي منتبهين (وهم رقود) جمع راقد، أي نيام، لأن أعينهم ~~كانت مفتحة لئلا تذوب «1»، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا، وهي جمع يقظ، أي ~~متيقظ ms0992 (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) ويتنفسون مع ذلك ولا يتكلمون، قيل: ~~«لهم تقلبان في السنة» «2» أو تقلب واحد في يوم عاشوراء «3» (وكلبهم باسط ~~ذراعيه) حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل ماضيا، وإذا أضيف كانت ~~إضافته حقيقية معرفة نحو غلام زيد إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية، ~~ومعناه ماد يديه (بالوصيد) وهو الباب أو الفناء أو العتبة وهو مثلهم في ~~النوم واليقظة التقلب (لو اطلعت عليهم) أي لو نظرت إليهم يا محمد (لوليت) ~~أي لرجعت خوفا (منهم فرارا) مصدر بمعنى الفاعل، أي هاربا (ولملئت) مثقلا ~~ومخففا «4»، أي لامتلأت (منهم رعبا) [18] وهو الخوف الذي يملأ الصدر، قيل: ~~ذلك لوحشة مكانهم «5»، وقيل: لما ألبسهم الله من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد ~~حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله بقدرته من رقدتهم «6»، وقيل: دخل قوم في ~~زمان معاوية لينظروا إليهم فبعث الله تعالى ريحا فأحرقتهم «7». ### || [سورة الكهف (18): آية 19] # وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى ~~المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم ~~أحدا (19) # (وكذلك بعثناهم) أي كما أنمناهم تلك النومة بقدرتنا مثل ذلك أيقظناهم «8» ~~من نومهم جياعا (ليتساءلوا بينهم) عن حالهم، أي ليسأل بعضهم بعضا ويتعرفوا ~~حالهم وما صنع الله بهم فيعتبروا ويزدادوا يقينا ويشكروا على ما كرموا به، ~~واللام لام العاقبة، لأنهم لم يبعثوا للسؤال «9» (قال قائل منهم) وهو ~~رئيسهم مكسلمينا (كم لبثتم) أي نومكم هذا (قالوا لبثنا يوما) لأنهم «10» ~~دخلوا الغار عند طلوع الشمس وتساءلون عند غروبها، فلما رأوا بقية منها ~~قالوا (أو بعض يوم) ظنا منهم أنه اليوم المدخول فيه، فلما لم يتيقنوا مدة ~~لبثهم (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) وهو إنكار من بعضهم عليهم لما نظروا إلى ~~طول أظفارهم وأشعارهم فاستيقنوا أنهم لبثوا أكثر من يوم، وقالوا (فابعثوا ~~أحدكم بورقكم) بفتح الواو وكسر الراء، وبسكون الراء أيضا «11»، كأن بعضهم ~~قال: ربكم أعلم بذلك لا طريق لكم ms0993 إلى علمه، فاتركوه واشتغلوا بما يهمكم ~~فابعثوا، أي أرسلوا واحدا منكم بفضتكم (هذه) المعدة للنفقة، والورق بسكون ~~الراء مع الفتح والضم والكسر على الواو مع فتح الواو وكسر الراء الفضة ~~مضروبة كانت أو غير مضروبة (إلى المدينة) وهي التي خرجوا منها، واسمها ~~أفسوس والآن طرسوس (فلينظر أيها «12» أزكى) مبتدأ وخبر، أي أي أهلها «13» ~~أحل (طعاما) لأنه كان فيهم من يذبح لغير الله (فليأتكم برزق) أي بشيء (منه ~~وليتلطف) أي ليتكلف اللطف في أمر المبالغة حتى لا يغبن أو في أمر التخفى في ~~ذهابه وإيابه حتى لا يعرف (ولا يشعرن بكم أحدا) [19] أي لا يفعلن شيئا يؤدي ~~إلى الشعور بنا. PageV03P042 ### || [سورة الكهف (18): آية 20] # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20) # (إنهم) أي قومك (إن يظهروا) أي يطلعوا (عليكم يرجموكم) أي يقتلوكم ~~بالأحجار وكان ذلك عادتهم (أو يعيدوكم في ملتهم) أي في كفرهم بالإكراه (ولن ~~تفلحوا إذا أبدا) [20] إن فعلتم ذلك فدفعوا الورق إلى يمليخا فدخل في طريق ~~المدينة فأشكل عليه لتغيره، فقال: لعل هذه غير تلك المدينة فسأل إنسانا ~~فقال: إنهما أفسوس، فقال: لقد تغير عقلي فلم أعرفها، فلما دخلها يمشي بين ~~ظهري سوقها فسمع ناسا يحلفون باسم عيسى ابن مريم فبقي حيران فقام مستندا ~~إلى جدار من جدر المدينة يقول في نفسه كان أمس «1» من يذكر عيسى ابن مريم ~~قتل، واليوم كل إنسان يذكره ولا يخاف، فقال في نفسه أيضا والله لو عجلت ~~الخروج من المدينة قبل أن أفطن بي لكنت أكيس، فجاء إلى خباز ودفع إليه ~~الدرهم فأنكره، وقال من أين لك هذا؟ وكان من ضرب دقيانوس فاجتمع عليه «2» ~~الناس واتهموه بأنه وجد كنزا ففرق فرقا شديدا يرتعد، فذهبوا به إلى الملك، ~~وكان مسلما اسمه يستفاد الملك، فقص عليه القصة فذهب الملك مع أهل المدينة ~~فأبصروهم وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قال الفتية للملك رح ~~عنا نستودعك الله ونعيذك به من شر الناس والجن. ### || [سورة الكهف (18): آية 21] # وكذلك أعثرنا عليهم ms0994 ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) # ثم رجعوا إلى مضاجعهم وأماتهم الله فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر ببناء ~~المسجد على باب الكهف فأخبر تعالى عن ذلك بقوله (وكذلك) أي كما أنمناهم ~~وأيقظناهم لحكمة لنا (أعثرنا عليهم) أي أطلعنا الناس على حال الفتية لحكمة ~~أيضا، وهي قوله (ليعلموا) أي ليعلم قومهم المطلعون على حالهم (أن وعد الله) ~~بالبعث (حق) لا خلف فيه (وأن الساعة لا ريب فيها) لأن حالهم في نومهم ~~وانتباههم بعده كحال من يموت ثم يبعث، قيل: # سيحييهم الله تعالى في زمان عيسى عليه السلام ويكونون مقدمة عسكره ناصرين ~~لدين الإسلام معه «3»، قوله (إذ يتنازعون) متعلق ب «أعثرنا»، أي أعثرناهم ~~عليهم حين يتنازعون، أي المسلمون والكافرون (بينهم أمرهم) أي أمر دينهم ~~وكان ذلك قبل أن يبعث أصحاب الكهف من منامهم وبعد أن ملك المدينة الملك ~~الصالح، روي: # أن أهل مملكته كانوا يتنازعون فيما بينهم في الدين ويختلفون في حقيقة ~~البعث، وكان «4» بعضهم قائلا ببعث «5» الأرواح دون الأجساد، وبعضهم قائلا ~~ببعث «6» الأجساد مع الأرواح، فدخل الملك يوما بيته وأغلق بابه ولبس مسحا ~~وجلس على رماد، وسأل ربه أن يظهر الحق فألقى الله في نفس راع هدم سد باب ~~الكهف ليجعل حظيرة لغنمه، فأيقظهم الله من نومهم ليرتفع الخلاف، وقيل: ~~كانوا يتنازعون في أمر الفتية من الإسلام والكفر قبل الاطلاع على حالهم «7» ~~(فقالوا) أي المسلمون بعضهم لبعض ممن أطلعهم الله على حالهم (ابنوا عليهم) ~~أي على باب الكهف (بنيانا) يسترهم عن العيوب، لأنهم كانوا على ديننا، وقال ~~الكافرون بل نحن نبني عليهم، لأنهم كانوا على ديننا وذلك القول حين توفى ~~الله أصحاب الكهف، وأرادوا أن يحافظوا تربتهم عن تطرق الناس إليهم، فلما لم ~~يتحقق المتنازعون أمرهم من المسلمين والكافرين الذين لم يطلعهم الله على ~~حالهم قالوا (ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم) أي أمر الفتية من ms0995 ~~المسلمين الذين اطلعوا على حالهم مع ملكهم، وهو أولى بالبناء عليهم (لنتخذن ~~عليهم) أي على باب الكهف (مسجدا) [21] يصلى فيه المسلمون تبركا بمكانهم. ### || [سورة الكهف (18): آية 22] # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) PageV03P043 # (سيقولون) الضمير فيه لمن خاض في قصتهم من أهل الكتاب السيد والعاقب ~~وأصحابهما من نصارى أهل نجران، فانهما اختلفا مع المؤمنين في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فسأل المؤمنون خبرهم عن النبي عليه السلام، فأخر ~~الجواب إلى أن يوحى إليه «1» فيهم، فنزل الآية إخبارا بما سيجري بينهم من ~~تنازعهم في عدد الفتية بأن يعضهم يقولون، يعني السيد وأصحابه: هم (ثلاثة ~~رابعهم كلبهم و) بعضهم (يقولون) يعني العاقب وأصحابه: هم (خمسة سادسهم ~~كلبهم رجما بالغيب) أي ظنا به أو رميا بالخبر الخفي من غير يقين (و) بأن ~~المصيبين منهم، يعني المؤمنين هم الذين (يقولون سبعة وثامنهم كلبهم) اسمه ~~قطمير أو فرفرين، ولونه خلنج أو أبلق «2»، روي: # أنه يكون معهم في الجنة «3»، وأدخل السين في الفعل الأول دون الآخيرين ~~اكتفاء بعطفهما عليه، فيدخلان في حكم السين، والواو في «وثامنهم»، قيل: هي ~~الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة ~~بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت متحقق والإيذان بأن هذا ~~العدد المذكور بعدها هو الحق خاصة دون العددين قبله «4»، والذين قالوه لم ~~يرجموا بالظن بل قالوه عن علم وطمأنينة نفس، ويدل عليه قوله في الأولين ~~«رجما بالغيب»، وفي الأخير (قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل) من ~~الناس، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أنا من القليل» «5» (فلا تمار فيهم) ~~أي فلا تجادل يا محمد في أهل الكهف مع أهل الكتاب (إلا مراء ظاهرا) أي ~~جدالا ظهر لك بالوحي ولا تزد عليه من تجهيل وتعنيف بهم في الرد عليهم (ولا ~~تستفت فيهم منهم أحدا) [22] أي لا ms0996 تطلب الفتوى في أهل الكهف من أحد من ~~اليهود، لأنك عالم بحالهم، فلا تسألهم سؤال استرشاد، لأن الله تعالى قد ~~عرفك الحق منهم بالوحي إليك ولا سؤال تعنت لأحد منهم، لأنه خلاف المداراة ~~به بأن يقول شيئا فترده عليه. ### || [سورة الكهف (18): آية 23] # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) # (ولا تقولن لشيء) أي لأي شيء تعزم عليه (إني فاعل ذلك) الشيء (غدا) [23] ~~أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة. ### || [سورة الكهف (18): آية 24] # إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا ~~رشدا (24) # قوله (إلا أن يشاء الله) استثناء من النهي لا من قوله «إني فاعل»، أي لا ~~تقولن أفعل ذلك في حال إلا ملتبسا بمشية الله، أي قائلا إن شاء الله، وقيل ~~معناه «6»: إلا بأن «7» يأذن لك الله فيه، وهذا نهي تأدب له، نزل حين قال ~~لهم ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن «8»، وقد ذكرناه آنفا (واذكر ربك) أي مشية ~~ربك أو معناه: قل إن شاء الله واذكره بالتسبيح والاستغفار (إذا نسيت) كلمة ~~الاستثناء، ثم تنبهت عليها أو اذكره إذا نسيت شيئا ما لتذكره «9»، وأكثر ~~الفقهاء لا يجوز الاستثناء حتى يكون متصلا، وقيل: «يجوز إلى سنة» «10»، وهو ~~قول ابن عباس «11»، وقيل: «ما دام في المجلس» «12»، وهو قول الحسن رضي الله ~~عنه، قوله (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب) بيان لقوله «واذكر ربك إذا نسيت»، ~~يعني اذكر «13» ربك عند نسيان شيء أن تقول عسى أن يرشدني ربي إلى شيء آخر ~~بدل المنسي PageV03P044 # أقرب (من هذا) أي من بناء أهل الكهف وغيره (رشدا) [24] أي خيرا ومنفعة، ~~فاللام في «لأقرب» بمعنى «إلى». ### || [سورة الكهف (18): الآيات 25 الى 26] # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا (26) # قوله (ولبثوا في كهفهم) الآية بيان لما أجمله في قوله «فضربنا عليهم في ~~الكهف سنين عددا»، أي ms0997 ولبثوا أحياء نياما في كهفهم (ثلاث مائة سنين) قيل: ~~«سنين» بدل من «ثلاث» أو من «مائة» بمعنى مئين أو عطف بيان لا تمييز وإلا ~~لكان أقل مدة لبثهم عند الخليل ستمائة سنة، لأن أقل الجمع عنده اثنان وعند ~~غيره تسعمائة «1»، لأن أقله ثلاثة عندهم هذا على قراءة «مائة» بالتنوين ~~«2»، وأما على قراءة الإضافة فأقيم الجمع مقام المفرد، لأن حق المائة أن ~~يضاف إلى المفرد، ووجه ذلك: أن المفرد في ثلثمائة درهم في المعنى جمع، فحسن ~~إضافته إلى لفظ الجمع كما في «الأخسرين أعمالا» «3»، فانه ميز بالجمع وحقه ~~المفرد نظرا إلى مميزه، قوله (وازدادوا تسعا) [25] أي تسع سنين إشارة إلى ~~أن ذلك الحساب على اعتقاد أهل الكتاب شمسي، وأما عند العرب فهو قمري، ~~القمري يزيد على الشمسي تسعا، ولذلك قال «وازدادوا تسعا» وهو مفعول ~~«ازدادوا» - روي: أن نصارى نجران قالوا أما الثلاث مائة فقد عرفنا وأما ~~التسع فلا علم لنا بها فنزل «4» (قل الله أعلم بما لبثوا) أي قل هو أعلم ~~بمدة لبثهم، لأن علم الخفيات مختص به تعالى، ولذلك قال (له غيب السماوات ~~والأرض) بتقديم «له»، أي لله العلم بما خفي «5» فيهما عليه غيره تعالى من ~~أحوال أهلهما وغيرها (أبصر به وأسمع) الضمير في «به» لله، محله رفع لكونه ~~فاعلا لفعل التعجب، والباء زائدة والهمزة في الفعلين للصيرورة، أصله: أبصر ~~الله وأسمع، غير من لفظ الخبر إلى لفظ الأمر وليس بأمر، إذ لا معنى للأمر ~~هنا ومعناه: ما أبصر الله وما أسمعه، وإنما جاء به ليدل على التعجب من ~~إدراكه تعالى بكل مسموع وكل مبصر، لأنه خارج عن حد ما عليه إدراك كل سامع ~~وكل مبصر، إذ هو يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها ويدرك البواطن ~~كما يدرك الظواهر، فلا يغيب عنه شيء ما (ما لهم) أي ليس لأهل السموات ~~والأرض (من دونه) أي من غير الله (من ولي) أي من متول لأمورهم (ولا يشرك) ~~بالياء، أي الله (في حكمه) أي في قضائه وعلمه (أحدا) [26] منهم، لأنه غني ~~عنه، ms0998 وقرئ بالتاء خطابا مع جزم الكاف نهيا «6» للإنسان. ### || [سورة الكهف (18): آية 27] # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) # قوله (واتل ما أوحي) نزل حين قالوا له عليه السلام: ائت من السماء بقرآن ~~غير هذا أو بدله «7»، أي اقرأ الذي أوحي (إليك من كتاب ربك) أي من القرآن ~~واعمل به ولا تطعهم في طلب التبديل ولا تسمع قولهم فيه (لا مبدل لكلماته) ~~أي لا يقدر أحد على تبديلها سواه تعالى (ولن تجد من دونه) أي من دون عذابه ~~(ملتحدا) [27] أي ملتجأ تلجأ إليه إن هممت بذلك التبديل فرضا. ### || [سورة الكهف (18): آية 28] # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) # قوله (واصبر نفسك) نزل حين طلب رؤساء الكفار طرد فقراء المسلمين من مجلسه ~~كصهيب وعمار وخباب وغيرهم وقالوا: اطردهم حتى نجالسك، فان أسلمنا أسلم ~~الناس وما يمنعنا من إتباعك إلا هؤلاء، PageV03P045 # لأنهم قوم أرذلون «1»، فأمره الله تعالى بالصبر معهم، أي احبس نفسك (مع ~~الذين يدعون ربهم) قوله (بالغداة والعشي) حال، أي دائبين على الدعاء في كل ~~وقت، وقيل: «المراد الصلوات الخمس» «2» أو «صلوة الفجر والعصر» «3» ~~(يريدون) بعبادتهم (وجهه) تعالى لا شيئا آخر من أغراض الدنيا (ولا تعد) أي ~~لا تنصرف أو لا تجاوز (عيناك عنهم) لرثاثة حالهم نظرا إلى زي الأغنياء، ~~قوله (تريد زينة الحياة الدنيا) حال من ضمير «تعد» (ولا تطع) أي في طردهم ~~(من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) أي عن القرآن «4» والتوحيد بالخذلان (واتبع ~~هواه) في الكفر ونيل مشتهاه (وكان أمره فرطا) [28] أي إسرافا ومجازاة للحد ~~في التفريط، لأنه نابذ للحق وراء ظهره، فلما نزلت هذه الآية قال النبي عليه ~~السلام: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم» «5». ### || [سورة الكهف (18): آية 29] # وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا ms0999 أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس ~~الشراب وساءت مرتفقا (29) # ثم أمر الله النبي عليه السلام أن يقول الحق الذي أرسلت به فقال (وقل) هو ~~(الحق) أي ترك طرد المؤمنين هو الحق (من ربكم) لا طردهم، فانه باطل (فمن ~~شاء) الإيمان (فليؤمن ومن شاء) الكفر (فليكفر) فلست بطاردهم من عندي لهواكم ~~فاعملوا ما شئتم (إنا أعتدنا للظالمين) أي جاحدي الحق (نارا أحاط بهم ~~سرادقها) وهي الحجب حول الفسطاط كالحائط، قيل: هي دخان يحيط بالكفار قبل ~~دخولهم النار «6»، وقيل: حائط من نار يحيط بهم في النار وهي أربعة جدر كثف، ~~كل جدار أربعون سنة «7»، قوله (وإن يستغيثوا يغاثوا) يشير إلى أنهم عند ذلك ~~يعطشون فيستغيثون (بماء كالمهل) وهو صديد أهل النار، والمهل ما أذيب من ~~جواهر الأرض، وقيل: # «دردي الزيت» «8»، ثم وصف المهل بقوله (يشوي الوجوه) أي ينضجها من حره، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «هو كعكر الزيت فاذا قرب إلى الكافر ليشرب سقطت ~~فروة وجهه» «9» (بئس الشراب) ذلك وهو المخصوص بالذم (وساءت) النار (مرتفقا) ~~[29] أي متكئا ومنزلا للاستراحة، واتيانه هنا لمشاكلة قوله «وحسنت مرتفقا» ~~وإلا فلا ارتفاق ولا اتكأ لأهل النار. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 30 الى 31] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت ~~مرتفقا (31) # (إن الذين آمنوا) بالقرآن (وعملوا الصالحات) بما فيه، قوله (إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا) [30] منهم خبر «إن الذين»، ويجوز أن يكون «إنا لا نضيع» ~~الآية اعتراضا، والخبر (أولئك لهم جنات عدن) أي إقامة وخلود فيها (تجري من ~~تحتهم الأنهار) الأربعة من الخمر واللبن والعسل والماء العذب (يحلون فيها) ~~أي يلبسون في الجنة (من أساور) جمع أسورة وهي جمع سوار وهو ما يلبس في اليد ~~من حلقة، «من» فيه ابتداء، و«من» في (من ذهب) بيان، قيل: «يحلى كل واحد ms1000 ~~منهم ثلاثة أسورة من ذهب ومن فضة ومن لؤلؤ ويواقيت» «10» (ويلبسون ثيابا ~~خضرا من سندس) جمع سندسة، وهي ما رق من الديباج (وإستبرق) جمع استبرقة وهي ~~ما غلظ من الديباج المنسوج بالذهب، وجمع بينهما جمعا بين النوعين، قوله ~~(متكئين) حال من ضمير «يلبسون» (فيها على الأرائك) جمع أريكة وهي السرير في ~~الحجال، جمع حجلة وهي بيت يزين بالثياب PageV03P046 # للعروس، وخص الاتكاء، لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم (نعم ~~الثواب) ذلك وهو المخصوص بالمدح (وحسنت) الجنة (مرتفقا) [31] أي متكأ ~~ومنزلا للاستراحة فيه. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 32 الى 33] # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا ~~خلالهما نهرا (33) # قوله (واضرب لهم مثلا) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بضرب مثل لهم ~~ليعتبروا فيؤمنوا، وتقديره: اضرب لهم مثلا مثل (رجلين) أي مثل حال الكافرين ~~من أهل مكة والمؤمنين بحال رجلين، وكانا أخوين من بني إسرائيل، أحدهما كافر ~~اسمه قطروس، والآخر مسلم اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما مالا عظيما، قيل: هو ~~ثمانية آلاف دينار «1»، فاقتسماه فصرف المؤمن ماله في أبواب البر، وصرف ~~الكافر ماله في أسباب «2» المكاسب كالبساتين والمزارع، ثم وصف حالهما بقوله ~~(جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب) أي بستانين «3» من كروم (وحففناهما بنخل) ~~أي أحطناهما بأشجار مثمرة، فصار النخل محيطا بالجنتين (وجعلنا بينهما زرعا) ~~[32] يقتات به، أي جمعت أرضهما أنواع الفواكه والأقوات، وجعلت متواصلة ~~متشابكة مستحسنة الشكل واللون، وافية الأثمان، تامة الأكل من غير نقص، ~~مسقية بأفضل ما يسقى به وهو النهر الجاري، وأشار إلى ذلك بقوله (كلتا ~~الجنتين آتت أكلها) أي أثمارها، وإفراد «آتت» حمل على لفظ «كلتا»، ولو قيل ~~«آتتا» لجاز حملا على المعنى (ولم تظلم منه) أي لم تنقص من حملها (شيئا) بل ~~آتت به في غاية الكمال (وفجرنا) أي أجرينا (خلالهما) أي وسطهما (نهرا) [33] ~~يجري بينهما، وجاز بسكون الهاء لغة. ### || [سورة الكهف (18): آية 34] # وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ms1001 وأعز نفرا (34) # (وكان له ثمر) أي حصل لصاحب البستان ثمر بفتحتين جمع ثمرة وهو المجني من ~~الفاكهة، وقرئ «ثمر» بالسكون، و«ثمر» بضمتين جمع ثمار وهو جمع ثمرة «4»، ~~وذكر الثمرة بعد ذكر الجنتين وإن كانت الجنة لا تخلو عنها إيذان بكثرة ~~الحاصل له في الجنتين من الثمار وغيرها (فقال) الكافر صاحب الجنتين ~~(لصاحبه) المؤمن (وهو يحاوره) أي يكلمه ويراجعه الكلام، من حار يحور إذا ~~رجع، قيل: إنه أخذ يد أخيه المؤمن يطوف به الجنتين ليريه ما فيهما مفاخرا ~~ومعجبا بما فيهما من المال له دون أخيه قائلا «5» (أنا أكثر منك مالا وأعز ~~نفرا) [34] أي أنصارا وحشما. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 35 الى 36] # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) # (ودخل) الكافر (جنته) أفردها إرادة للروضة (وهو ظالم لنفسه) بالكفر ~~والإعجاب بما له (قال ما أظن أن تبيد) أي تنعدم (هذه) مشيرا إلى جنته ~~المثمرة (أبدا [35] وما أظن الساعة) أي القيامة (قائمة) أي كائنة (ولئن ~~رددت) أي والله لئن رجعت (إلى ربي) أي إلى الآخرة بزعمك (لأجدن خيرا منها) ~~أي من جنتي في الدنيا عنده، وقرئ «منها» مفردا «6»، أي من جنتي (منقلبا) ~~[36] تمييز، أي مرجعا في الآخرة، قال ذلك استهزاء، وقيل: ادعاء لكرامته على ~~الله «7»، يدل عليه إقسامه بقوله ولئن رددت». PageV03P047 ### || [سورة الكهف (18): آية 37] # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) # (قال له) أي للكافر (صاحبه) المسلم (وهو يحاوره) أي يراجعه الكلام ~~باستفهام التقرير (أكفرت) أي صرت كافرا (بالذي خلقك من تراب) أي من آدم وهو ~~من تراب (ثم من نطفة) أي من مني (ثم سواك) أي عدلك وكملك (رجلا) [37] أي ~~إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال، فجعله كافرا بالله جاحدا لنعمه لشكه بالبعث «1». ### || [سورة الكهف (18): آية 38] # لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) # قوله (لكن) باثبات الألف وحذفها «2»، استدراك لمضمون قول الكافر، أي أنت ~~كافر بالله ms1002 لكني مؤمن موحد لا أقول كما تقول أنت، بل أقول (هو الله ربي) أي ~~خالقي ورازقي (ولا أشرك بربي أحدا) [38] قوله «لكنا» أصله «لكن أنا»، حذفت ~~الهمزة بعد نقل الحركة إلى النون الأولى، وأدغمت في الثانية وهو ضمير ~~الشأن، أي الشأن الله ربي، والجملة خبر «أنا» والراجع إليه منها ياء الضمير ~~في «ربي». ### || [سورة الكهف (18): آية 39] # ولو لا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل ~~منك مالا وولدا (39) # (ولو لا) أي هلا (إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله) أي الأمر «ما شاء الله» ~~بمعنى الأمر الذي شاءه «3» الله كان، يعني هلا قلته عند دخولك جنتك إذ ~~أعجبك «4» حسن جنتك لتشكره على أنعامه، لأنه إقرار بأن كل خير فيها انما ~~حصل بمشية الله، والأمر كله بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها (لا قوة ~~إلا بالله) أي بعونه لا بقوتي اعترافا بأن ما قويت به على عمارتها، انما هو ~~بمعونته لا بنفسك، وبذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعطي خيرا ~~فيقول عنده ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكورها» «5»، قوله (إن ~~ترن) شرط مجزوم ب «إن»، أي إن رأيتني (أنا أقل) «أنا» ضمير فصل يقع بين ~~المبتدأ والخبر المعرفتين أو إذا كان الخبر مشابها بالمعرفة كأفعل التفضيل ~~ليفصل بين كونه نعتا وخبرا، و«أقل» مفعول ثان ل «ترى»، والمفعول الأول ياء ~~المتكلم فيه، يعني إن ترني أقل (منك مالا وولدا) [39] في الدنيا فتكبرت ~~وتعظمت عليه. ### || [سورة الكهف (18): آية 40] # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح ~~صعيدا زلقا (40) # (فعسى) أي لعل (ربي أن يؤتين خيرا من جنتك) هذه في الآخرة (ويرسل عليها) ~~أي على جنتك في الدنيا (حسبانا) جمع حسبانة وهي الصاعقة أو مصدر بمعنى «8» ~~الحساب وهو الحكم بتخريبها (من السماء فتصبح) أي فتصير (صعيدا زلقا) [40] ~~أي أرضا ملساء يزلق عليها قدم. ### || [سورة الكهف (18): آية 41] # أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع ms1003 له طلبا (41) # (أو يصبح ماؤها غورا) أي غائرا ذاهبا في الأرض (فلن تستطيع له طلبا) [41] ~~أي حيلة تدركه بها، المعنى: # أني أرجو أن يرزقني الله جنة أفضل من جنتك ويهلك جنتك. ### || [سورة الكهف (18): آية 42] # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) # (وأحيط بثمره) أي أهلكت ثمرته (فأصبح يقلب كفيه) ندما وتحسرا كما هو عادة ~~النادمين (على ما أنفق فيها) أي في عمارتها (وهي خاوية) أي خالية ساقطة ~~(على عروشها) أي على دعائمها «9»، ثم سقط الكروم عليها، قيل: «أرسل الله ~~نارا عليها فأحرقتها» «10» (ويقول) الكافر (يا ليتني لم أشرك بربي أحدا) ~~[42] فتذكر PageV03P048 # موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركة بربه فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا ~~يهلك الله جنته. ### || [سورة الكهف (18): آية 43] # ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) # (ولم تكن له فئة) بالتاء والياء «1»، أي جماعة (ينصرونه من دون الله) أي ~~من عذابه، وقيل: معناه لا يقدر أحد غير الله أن ينصره وهو القادر على ~~نصرته، لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره «2» (وما كان منتصرا) [43] ~~أي ممتنعا بنفسه منه. ### || [سورة الكهف (18): آية 44] # هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) # (هنالك) ظرف لما قبله، أي عند مجيئ العذاب أو في القيامة، قوله (الولاية) ~~بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر الملك والسلطان أو بالفتح في الدين، ~~وبالكسر في الأمور «3»، وهي مبتدأ، خبره (لله) أي الولاية لله وحده لا ~~يملكها غيره، ويجوز أن يكون «هنالك» من هذه الجملة، فيكون خبر «الولاية» ~~و«لله» صلتها، والمعنى في ذلك المقام: النصرة لله وحده لا يستطيعها أحد ~~سواه، وهو تقرير لقوله «ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله»، قوله (الحق) ~~بالرفع صفة «الولاية»، والجر صفة «لله» «4» (هو خير) أي الله أفضل (ثوابا) ~~لمن آمن به (وخير عقبا) [44] أي أفضل عاقبة له من جنة الكافر في الدنيا، ~~وال «عقب» بضم القاف وسكونها «5» والعقبى كلها بمعنى العاقبة، والمنصوبان ~~تمييزان، ms1004 والمعنى: ثواب الله وعاقبته خير للمؤمنين من الدنيا وما فيها. ### || [سورة الكهف (18): آية 45] # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) # (واضرب لهم) أي بين للناس وصف لهم (مثل الحياة الدنيا) الفانية هو (كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به) أي التف وتكاثف بسبب الماء (نبات الأرض) حتى ~~خالط بعضه بعضا (فأصبح) أي فصار «6» النبات (هشيما) أي متفرق الأجزاء ليبسه ~~(تذروه الرياح) أي تثيره فتذهب «7» به، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها ~~وما يتعقبها من الفناء والهلاك بحال نبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الريح ~~فانعدم (وكان الله على كل شيء) من الإنشاء والإفناء (مقتدرا) [45] أي قادرا. ### || [سورة الكهف (18): آية 46] # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا (46) # قوله (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) يتجمل بهما هنا، فيه تزهيد ~~للمؤمنين فيها وتوبيخ للمفتخرين بها، يعني الزينة التي يفتخر «8» بها ~~الأغنياء ليست من زاد «9» الآخرة (والباقيات الصالحات) أي الأعمال الصالحات ~~التي يبقى ثمرتها للإنسان، وقيل: «الصلوات الخمس» «10»، وقيل: «سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» «11» (خير عند ربك) أي أفضل ~~(ثوابا) من هذه الزينة (وخير أملا) [46] أي أفضل ما يأمله الإنسان ويرجوه ~~عند الله تعالى أو أفضل مما يرجو الكافر من الثواب وهو النار، روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم خرج على قومه وقال: «خذوا جنتكم، قالوا: يا رسول الله أمن ~~عدوه حضر؟ قال: لا بل من النار، قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: سبحان ~~الله إلى آخر الكلمات» «12»، وهن الباقيات الصالحات، وقال أيضا: «لأن أقول ~~سبحان الله إلى آخره أحب إلي PageV03P049 # مما طلعت عليه الشمس» «1». ### || [سورة الكهف (18): آية 47] # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) # (و) اذكر (يوم نسير الجبال) بالتاء مجهولا وبالنون معلوما «2»، أي اذكر ~~يوم نزيلها عن أماكنها ونذهب بها بأن نجعلها هياء منبثا (وترى الأرض) يا ~~إنسان (بارزة) أي طاهرة ليس عليها ms1005 ما يسترها مما كان عليها (وحشرناهم) أي ~~جمعنا أهل الإيمان والكفر إلى الموقف (فلم نغادر) أي لم نترك (منهم أحدا) ~~[47] تحت الأرض. ### || [سورة الكهف (18): آية 48] # وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل ~~لكم موعدا (48) # (وعرضوا) أي الخلائق يوم القيامة (على ربك) أي على حكمه (صفا) أي مصطفين ~~يرى كل واحد منهم لا يحجب أحد أحدا كما يعرض الجند على السلطان هنا، فيقال ~~لهم ثمه (لقد جئتمونا) فرادى، أي عراة لا شيء معكم (كما خلقناكم أول مرة) ~~وجاء ب «حشرناهم» بعد «نسير» و«ترى» إيذانا بأن الحشر يكون قبل تسيير ~~الجبال وبروز الأرض ليعاينوا تلك الأهوال العظام، قوله (بل) إضراب عن صدق ~~الوعد الذي دل عليه لقد جئتمونا أي ما ظننتم أن نصدق «3» الوعد بالبعث بل ~~(زعمتم) يا كفار مكة (ألن نجعل لكم موعدا) [48] أي وقتا لإنجاز ما وعدتم من ~~البعث على ألسنة الرسل، قالت عائشة رضي الله عنها: «قلت يا رسول الله! كيف ~~يحشر الله الناس يوم القيامة؟ قال: عراة حفاة، قالت: قلت والنساء؟ قال: ~~والنساء، قالت: قلت يا رسول الله! أنستحيي؟ قال: يا عائشة! الأمر أشد من ~~ذلك لن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض» «4». ### || [سورة الكهف (18): آية 49] # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا (49) # (ووضع الكتاب) أي أعطي كتاب كل امرئ بيمينه أو بشماله «5»، وهو الكتاب ~~الذي كتبنا فيه أعمالهم وأحوالهم قبل وجودهم وبعده للحساب (فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه) أي خائفين مما في الكتاب عند مشاهدتهم ما فيه من قبائح ~~أعمالهم (ويقولون يا ويلتنا) أي ينادون يا هلكتنا التي هلكتنا بها دون ~~غيرها من الهلكات (ما لهذا الكتاب) أي ما باله (لا يغادر) أي لا يترك ~~(صغيرة ولا كبيرة) من الزلل تصدران عن جانبيهما «6» (إلا أحصاها) أي عدها ~~وأثبتها فيه، قيل: «الصغيرة كالتبسم والكبيرة كالقهقهة» «7»، وقيل: # «الصغيرة كالمسيس والكبيرة الزنا» ms1006 «8» (ووجدوا ما عملوا) من خير وشر ~~(حاضرا) أي مثبتا في كتابهم (ولا يظلم ربك أحدا) [49] أي لا يكتب عليه ما ~~لم يعمله أو لا ينقص من ثواب عمله ولا يزيد في عقابه. ### || [سورة الكهف (18): آية 50] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50) # (و) اذكر (إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس) الذي ألحق بهم ~~وجعل يتعبد معهم (كان من الجن) أي لا من الملك حقيقة، لأن له زرية ولا ذرية ~~للملك، قيل: إنه كلام مستأنف كالتعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأنه ~~قيل: ما باله لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن خلق من نار السموم ولم يكن من PageV03P050 # الملائكة «1» (ففسق) أي خرج (عن أمر ربه) والفاء للسببية، أي كونه من ~~الجن سبب فسقه، ولو كان ملكا لم يفسق عن أمر ربه، أي عن طاعته، لأن الملك ~~معصوم دون الجن والإنس (أفتتخذونه) أي أتتخذون إبليس يا بني آدم (وذريته ~~أولياء من دوني) والهمزة فيه للإنكار، أي أعقيب فسقه عن أمري تستبدلونه ~~وذريته وتطيعونهم دوني (وهم لكم عدو) أي أعداء، والواو للحال (بئس للظالمين ~~بدلا) [50] تمييز، أي بئس البدل إبليس وذريته لمن ظلم واستبدلهما وأطاعهما ~~بدل طاعة الله، قيل: «يتوالدون كما يتوالد ابن آدم» «2»، وقيل: إنه يدخل ~~ذنبه في دبره فيبيض بيضة فتنفلق البيضة عن جماعة من الشيطان «3». ### || [سورة الكهف (18): آية 51] # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا (51) # قوله (ما أشهدتهم) إشارة إلى غناه تعالى عن خلقه ونفي مشاركتهم في ~~الألوهية، أي ما أحضرت شركائي بزعمكم (خلق السماوات والأرض) لأعتضد بهم في ~~خلقهما (ولا خلق أنفسهم) أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض «4» عندي لعدمهم وعدم ~~حاجتي إليهم (وما كنت متخذ المضلين) عن الدين أي متخذهم (عضدا) [51] أي ~~أعوانا أعتضد بهم، وضع «المضلين» موضع ذما لهم بالإضلال فاذا لم يكونوا ~~أعوانا لي في الخلق فما لكم تتخذونهم ms1007 شركائي في العبادة، وهم ليسوا بشركائي ~~«5» في الألوهية. ### || [سورة الكهف (18): آية 52] # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) # (ويوم يقول) بالنون والياء «6»، أي اذكر يوم يقول الله للكفار، يعني يوم ~~القيامة (نادوا شركائي الذين زعمتم) أنهم شركائي، أي ادعوهم ليشفعوا لكم ~~لأنكم أشركتموهم معي في الطاعة لزعمكم أنهم يشفعون لكم (فدعوهم) أي آلهتهم ~~(فلم يستجيبوا لهم) أي لم يجيبوهم ولم يشفعوا لهم (وجعلنا بينهم موبقا) ~~[52] أي مهلكا، من وبق يبق إذا هلك، يعني جعلنا بينهم واديا من أودية جهنم، ~~هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا، وهم الأصنام ~~وعابدوهم، وقيل: «معنى «موبقا» عداوة» «7»، وقيل: جزاء بينهم فلا يشفع لهم ~~المعبودون إذا كانوا عزيرا وعيسى والملائكة، لأن هؤلاء في الجنة وهم في ~~النار «8». ### || [سورة الكهف (18): آية 53] # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) # (ورأى المجرمون) أي المشركون (النار) حين أمروا بالسوق إليها (فظنوا) أي ~~أيقنوا (أنهم مواقعوها) أي واقعون فيها (ولم يجدوا عنها مصرفا) [53] أي ~~معدلا وانصرافا، لأنها أحاطت بهم من كل جانب. ### || [سورة الكهف (18): آية 54] # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54) # (ولقد صرفنا) أي بينا (في هذا القرآن للناس من كل مثل) أي من جنس كل مثل ~~مثلنا لهم ليتذكروا به (وكان الإنسان) وهو النضر بن الحارث أو جميع الناس ~~(أكثر شيء جدلا) [54] في أمر البعث، تمييز، أي خصومة بالباطل، يعني جدل ~~الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ### || [سورة الكهف (18): آية 55] # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) # (وما منع) أي لم يمنع (الناس أن يؤمنوا) محله نصب ب «منع»، أي الإيمان ~~بالله وبرسوله (إذ جاءهم الهدى) أي طريق الفلاح، يعني الإسلام أو القرآن ~~(و) إن (يستغفروا ربهم) أي ولا الاستغفار (إلا أن تأتيهم) محله رفع «9» PageV03P051 # فاعل «منع» بتقدير المضاف، أي إلا انتظار «1» أن تأتيهم (سنة الأولين) ~~وهي الهلاك ms1008 فيرونها عيانا، قيل: هذا فيمن قتل من المشركين ببدر وأحد «2» ~~(أو) انتظار أن (يأتيهم العذاب) أي عذاب الآخرة (قبلا) [55] أي أصنافا ~~بضمتين، جمع قبيل، وبفتحتين مستقبلا ومقابلا، وبكسر القاف وفتح الباء «3» ~~فجأة أو مقابلة. ### || [سورة الكهف (18): آية 56] # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ~~ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) # (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين) للمؤمنين بالجنة (ومنذرين) للكافرين ~~بالنار (ويجادل الذين كفروا) الرسل (بالباطل ليدحضوا) أي ليبطلوا (به الحق) ~~الذي معهم، والدحض الزلق، من إدحاض القدم، وهو إزلاقها عن موطئها (واتخذوا ~~آياتي) أي القرآن (وما أنذروا) أي الذي خوفوا به من العذاب أو إنذاري ~~(هزوا) [56] أي سخرية، يعني موضع استهزاء، وجدالهم: قولهم للرسل إن أنتم ~~إلا بشر مثلنا ولو شاء الله لأنزل ملائكة وغير ذلك. ### || [سورة الكهف (18): آية 57] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) # (ومن أظلم) استفهام على سبيل التوبيخ، أي من أشد ظلما (ممن ذكر) أي وعظ ~~(بآيات ربه) أي بالقرآن، ولهذا ذكر الضمير في «أن يفقهوه» بعد (فأعرض عنها) ~~أي عن الآيات ولم يتذكر حين ذكر بها ولم يعمل بها (ونسي) عاقبة (ما قدمت ~~يداه) من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في أن المنسيء والمحسن لا بد لهما من ~~جزاء، قوله (إنا جعلنا على قلوبهم) تعليل لإعراضهم ونسيانهم ذلك «4»، أي ~~جعلنا أعمالهم على قلوبهم (أكنة) أي أغطية (أن يفقهوه) أي لئلا يفقهوا ~~القرآن (وفي آذانهم وقرا) أي ثقلا وصمما لا يسمعونه (وإن تدعهم) شرط أو ~~«أن» بمعنى «لا» للنهي، أي لا تدعهم يا محمد (إلى الهدى) أي طريق الفلاح ~~وهو دين الإسلام (فلن يهتدوا إذا أبدا) [57] و«إذا» «5» جواب وجزاء، أما ~~كونه جوابا فلأن قوله تعالى «إنا جعلنا على قلوبهم أكنة» الآية في معنى لا ~~تدعهم إلى الهدى على تقدير كون «إن» شرطا، ثم نزل حرصه عليه السلام منزلة ~~قوله ms1009 ما لي لا أدعوهم؟ # فأجيب بقوله وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا «6»، وأما كونه جزاء فلأنه ~~يدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول على معنى أنهم جعلوا ما هو سبب لوجود ~~الاهتداء سببا لانتفائه بالإعراض عن دعوته. ### || [سورة الكهف (18): آية 58] # وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا (58) # (وربك الغفور) للمؤمنين وهو البليغ في «7» المغفرة (ذو الرحمة) وهو ~~الموصوف بالرحمة لهم خاصة في الآخرة باعطائهم الثواب، وذي الرحمة في الدنيا ~~لهم ولغيرهم بالرزق وغيره من النعم (لو يؤاخذهم) أي في الدنيا (بما كسبوا) ~~من الذنوب (لعجل لهم العذاب) فيها من غير إمهال لإفراطهم في عداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يجعل (بل لهم موعد) وهو يوم بدر أو يوم ~~القيامة، فيعذبون فيه (لن يجدوا من دونه) أي من غيره (موئلا) [58] أي ملجأ ~~ومنجى، من وال إذا نجا وواءل إليه إذا التجأ إليه. ### || [سورة الكهف (18): آية 59] # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # (وتلك القرى) مبتدأ مع صفته (أهلكناهم) خبره، أي تلك القرى المتقدمة من ~~قبل أهل مكة، والمراد PageV03P052 # أصحاب القرى كعاد وثمود وقوم لوط أهلكناهم (لما ظلموا) مثل ظلم أهل مكة ~~(وجعلنا لمهلكهم) بضم الميم وفتح اللام «1»، أي لإهلاكهم (موعدا) [59] أي ~~وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما جعلنا لأهل مكة يوم بدر، وهو بفتح الميم ~~وكسر اللام الهلاك وفتحهما كذلك وإنما أشار لهم إلى تلك القرى ليعتبروا ~~فيؤمنوا. ### || [سورة الكهف (18): آية 60] # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) # قوله (وإذ قال موسى) عطف على قوله «وإذ قلنا» عطف على قصة ليعتبروا بها، ~~أي واذكر إذ قال موسى بن عمران (لفتاه) أي لعبده وإنما قال لفتاه تعليما ~~للأدب، قال صلى الله عليه وسلم: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي ~~وأمتي» «2»، وقيل: «هو يوشع ابن نون النبي، وإنما قيل «فتاه»، لأنه كان ~~يخدمه ويأخذ منه العلم» «3»، روي: أنه لما ظهر موسى ms1010 على مصر مع بني إسرائيل ~~بعد هلاك القبط أمره الله أن يذكر قومه أنعام الله عليهم، فقام فيهم خطيبا ~~فذكر نعمة الله لهم، فرقت القلوب وذرفت العيون، فقالوا يا موسى! أي الناس أعلم؟ # قال: أنا، فعتب الله عليه حيث لم يرد العلم إلى الله تعالى فأوحى إليه بل ~~أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين، وهو الخضر، وكان في أيام أفريدون الملك ~~قبل موسى فبقي إلى أيام موسى، فقال: يا رب! أين أطلبه وكيف لي به؟ قال: ~~اطلبه على الساحل عند الصخرة، وخذ حوتا مملوحا يكون زادا لك، فحيث فقدت ~~الحوت فهو هناك، ففعل «4»، وقال لفتيه (لا أبرح) من برح يبرح بمعنى لا ~~يزال، وهو من الأفعال الناقصة يقتضي الخبر وهو محذوف لدلالة الحال عليه فهو ~~حال السفر، أي لا أزال أسير (حتى أبلغ مجمع البحرين) وهو المكان الذي وعد ~~الله موسى لقاء الخضر وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق (أو أمضي ~~حقبا) [60] أي أو أسير دهرا طويلا حتى أجده، والحقب بضم القاف وسكونه «5» ~~«ثمانون سنة» «6»، وقيل: هو الدهر وجمعه أحقاب «7»، فذهبا يمشيان وقال موسى ~~لفتيه إذا فقدت الحوت فأخبرني. ### || [سورة الكهف (18): آية 61] # فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) # (فلما بلغا مجمع بينهما) أي بين البحرين وجلسا على شاطئ البحر، وفيه ~~الصخرة، وفيه من الحيوة التي لا يصيب ماؤها شيئا «8» ميتا إلا حيي «9»، ~~قيل: «وضع يوشع الحوت على الصخرة فرقد موسى وتوضأ يوشع من تلك العين، فأصاب ~~الحوت شيء من ماء الوضوء فاضطرب الحوت وخرج من المكتل، ووقع في البحر ولما ~~نسي يوشع عند الرحيل حمل الحوت أو إخبار موسى عن حاله، ونسي موسى تذكره نسب ~~النسيان إليهما» «10»، فقيل (نسيا حوتهما) في جواب «لما» (فاتخذ) الحوت ~~(سبيله) أي طريق الحوت (في البحر سربا) [61] مفعول ثان ل «اتخذ»، وهو الثقب ~~تحت الأرض، قيل: إذا لم يكن له منفذ يقال له سرب، وإذا كان له منفذ يقال له ~~نفق «11»، وإنما قال «في البحر سربا»، لأن ms1011 الله تعالى أمسك جرية الماء على ~~الحوت، فقام الماء عليه مثل الطاق فصار للحوت سربا ولموسى أو للخضر معجزة. ### || [سورة الكهف (18): آية 62] # فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) # (فلما جاوزا) أي الموعد وهو الصخرة تلك الليلة والغد إلى الظهر وألقى على ~~موسى النصب والجوع ولم PageV03P053 # ينصب ولا جاع قبل ذلك فتذكر الحوت (قال لفتاه آتنا غداءنا) وهو ما يعد ~~للأكل أول النهار والعشاء ما يعد له آخره (لقد لقينا من سفرنا هذا) أي ~~والله لقينا من هذا السفر الذي سرناه بعد مجاوزة الصخرة (نصبا) [62] أي ~~تعبا، فذكر فتاه حين عند طلب موسى الحوت ما رأى منه. ### || [سورة الكهف (18): آية 63] # قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان ~~أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) # (قال) لموسى (أرأيت) أي أخبرني (إذ أوينا) أي نزلنا (إلى الصخرة فإني ~~نسيت الحوت) عند الصخرة وإنما نسي ذلك يوشع «1» ومثله ينبغي أن لا ينسي ~~لكونه أمارة لهما على مطلوبهما الداعي إلى الخروج لأجله، لأن الشيطان قد ~~شغله بوسوسته فتفرق فكره فاعتراه النسيان، يدل عليه (وما أنسانيه) بضم ~~الهاء وكسرها «2»، أي الحوت (إلا الشيطان أن أذكره) يعني أمر الحوت لك وهو ~~بدل من الهاء في «أنسانيه»، «وما أنسانيه» «3» الجملة اعتراض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه، وذلك قوله (واتخذ) أي موسى أو الحوت (سبيله في البحر عجبا) ~~[63] أي سبيلا عجيبا وهو كونه سبيل السرب، ونصبه مفعول ثان ل «اتخذ» مثل ~~سربا فيما مر، ويجوز أن يكون «عجبا» من آخر كلام يوشع تعجبا من حاله في ~~رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها، فيكون مصدر الفعل محذوف، أي أعجب من ذلك عجبا. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 64 الى 65] # قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64) فوجدا عبدا من عبادنا ~~آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) # (قال) موسى (ذلك) أي اتخاذه سبيله (ما) أي الذي (كنا نبغ) بحذف الياء ~~وإثباتها «4»، أي نطلبه، لأنه أمارة للظفر بالطلبة من لقاء ms1012 الخضر (فارتدا ~~على آثارهما) أي رجعا في درجهما وهو الطريق الذي جاءا منه (قصصا) [64] أي ~~يقصان، يعني يتبعان آثارهما اتباعا أو حال من ضمير «فارتدا» بمعنى مقتصين ~~فأتيا الصخرة (فوجدا عبدا من عبادنا) قائما يصلي عند الصخرة، وعليه كساء ~~صوف وهو الخضر، قيل: «كان من بني إسرائيل أو كان ممن ترك الملك وزهد في ~~الدنيا» «5»، ثم وصفه بقوله «6» (آتيناه رحمة) أي نبوة وشفقة (من عندنا ~~وعلمناه من لدنا) أي مما يختص بنا من العلم (علما) [65] وهو مفعول به، ~~وأراد به علم الباطن وهو الإخبار عن الغيوب باذنه تعالى، فسلم عليه موسى، ~~فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، قال: ومن أعلمك أني نبيهم؟ قال: ~~الذي أعلمك بمكاني. ### || [سورة الكهف (18): آية 66] # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) # (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) [66] بضم الراء وسكون ~~الشين وبفتحهما «7»، أي علما ذا رشاد أرشد به ديني لا يقال إنه كان ممن ~~دونه، فكيف يأخذ منه العلم وهو أعلم منه لأنا نقول أمر الله موسى بذلك فلا ~~ذلة له، وقيل: أخذ العلم من آخر للزيادة مطلوب إذا لم يكن عند الشخص «8»، ~~وقيل: لا نقيضة للنبي في أخذ العلم من نبي آخر مثله «9». PageV03P054 ### || [سورة الكهف (18): آية 67] # قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) # (قال إنك لن تستطيع معي صبرا) [67] أي قال الخضر لموسى لا تصبر صحبتي ~~لأنك ترى ما تنكره وإنما قال ذلك على وجه التأكيد، لأن ظاهره مناكير، ~~والرجل الصالح لا سيما إذا كان نبيا لا يصبر إذا رأى ذلك ويأخذ في الإنكار. ### || [سورة الكهف (18): آية 68] # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) # ثم عذره في عدم صبره فقال (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) [68] تمييز، ~~أي لم يحط به خبرك، أي علمك أو مصدر من غير لفظ الفعل، لأن «لم تحط به» ~~بمعنى لم تخبر حقيقته. ### || [سورة الكهف (18): آية 69] # قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # (قال) ms1013 موسى (ستجدني إن شاء الله صابرا) رجا موسى استطاعة صبره معه بعد ~~إظهاره عدمها له لحرصه على العلم وازدياده، فوعده الصبر معلقا بمشية الله، ~~قوله (ولا أعصي لك أمرا) [69] في محل النصب عطف على «صابرا»، وغير عاص لك ~~زاده في الجواب حرصا على طلب العلم «1»، وإنما استثنى، لأنه لم يكن على ثقة ~~فيما التزم وهذا عادة الصالحين. ### || [سورة الكهف (18): آية 70] # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) # (قال) الخضر لموسى «2» (فإن اتبعتني) لأخذ العلم (فلا تسئلني) بتشديد ~~النون مع الياء وبدونها، والتخفيف مع الياء وبغير الياء «3» (عن شيء) رأيته ~~مني وأنكرته في نفسك (حتى أحدث لك منه ذكرا) [70] أي حتى أظهر لك منه ~~توضيحا لحقيقته ووجه صحته ويزول عنك إنكارك به، وهذا من آداب المتعلم ~~والعالم، فقيل: شرطه للتعلم «4». ### || [سورة الكهف (18): آية 71] # فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا (71) # (فانطلقا) أي ذهب موسى والخضر يمشيان في ساحل «5» بحر ورد تلميذه إلى بني ~~إسرائيل (حتى إذا ركبا) أي دخلا (في السفينة خرقها) جزاء الشرط، أي ثقبها ~~«6»، قيل: «ذهبا إلى ساحل البحر يطلبان السفينة، فمرت بهما سفينة فاستحملا ~~صاحبها، وقال أهل السفينة له: إنا لا نعرفهما فلا يدخلان علينا فقال: ~~سيماهما سيما الزهاد فحملهما بغير نول» «7»، وقيل: «إنه عرف الخضر فأذن ~~لهما ليدخلا فيها، فلما بلغوا اللج أخذ الخضر الفأس فخرقها، فاقتلع لوحا من ~~قبل البحر فسد موسى الخرق بثيابه» «8» (قال) له موسى (أخرقتها) أي السفينة ~~(لتغرق أهلها) يا خضر وهم أحسنوا بنا، قرئ بالتاء معلوما من أغرق، وبفتح ~~الياء والزاء وضم «9» أهلها فاعلا «10»، من غرق (لقد جئت شيئا إمرا) [71] ~~أي أتيت شيئا عظيما، من أمر يأمر إذا عظم. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 72 الى 73] # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا (73) # (قال) الخضر لموسى (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا [72] قال) موسى (لا ~~تؤاخذني بما نسيت) أي ms1014 PageV03P055 # بالذي نسيته أو بنساني، وهو الترك، يعني لا تؤاخذني بما تركت وصيتك أول ~~مرة (ولا ترهقني) أي لا تغشني، من رهقه إذا غشيه أي لا تكلفني (من أمري ~~عسرا) [73] وأمره اتباعه إياه، أي لا تعسر على متابعتك ويسرها علي، فاني ~~أريد صحبتك ولا سبيل لي إليها إلا بالعفو وترك المناقشة، قيل: «جاء عصفور ~~فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال الخضر لموسى عليهما السلام ~~ما علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر» «1». ### || [سورة الكهف (18): آية 74] # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت ~~شيئا نكرا (74) # (فانطلقا) 74 بعد الخروج من السفينة (حتى إذا لقيا غلاما فقتله) عطف على ~~الشرط بالفاء، أي فقتل عقيب اللقاء غلاما، اسمه خشنوذ أو حسين، لم يبلغ ~~الحنث، وكان قتله بضرب رأسه الحائط، وقيل: أضجعه وذبحه بالسكين «2»، قيل: ~~إنه طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا «3»، وجزاء الشرط (قال) ~~موسى (أقتلت نفسا زكية) بالألف وبعيرها مشددا «4»، أي لم تذنب قط، لأنها لم ~~تبلغ الحنث أو مطهرة من الذنوب، لأنه لم يرها قد أذنبت (بغير نفس) لم تقتل ~~«5» نفسا فتقتص منها (لقد جئت شيئا نكرا) [74] أي منكرا وهو أعظم من الأمر، ~~لأنه لا سبيل إلى تداركه بخلاف الأول. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 75 الى 77] # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) # (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) [75] توبيخ لموسى على ترك ~~الوصية وزيادة «لك» هنا لزيادة العتاب على تركها، وكان في الأول معذورا ~~«6»، لأن في الأول كانت منه نسيانا «7»، ولذلك (قال) موسى (إن سألتك عن شيء ~~بعدها) أي بعد هذه الكرة أو المسألة (فلا تصاحبني) أي لا تكن صاحبي بل ms1015 ~~أبعدني عنك إن اتبعتك (قد بلغت من لدني) مخففا ومشددا «8» (عذرا) [76] أي ~~انتهيته فما أبقيت لي عذرا أعتذر به في صحبتك واتباعك، لأني لم أحفظ وصيتك، ~~روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي موسى استحيى، فقال ~~ذلك» «9» (فانطلقا) أي ذهبا بعد ما شرطا ذلك (حتى إذا أتيا أهل قرية) وهي ~~أنطاكية أو الأبلة، وهي أبعد الأرض من السماء (استطعما أهلها) أي طلبا منهم ~~الطعام ضيافة، قيل: لم يسألاهم ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهما «10» ~~(فأبوا) أي امتنعوا (أن يضيفوهما) أي من تضييفهما يقال ضيفته، أي أنزلته ~~ضيفا، قيل: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها، ولا يعرف لابن السبيل حقه ~~«11» (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) أي يميل إلى أن يسقط ويشارفه، ~~فالإرادة مجاز هنا، لأنها ممتنعة عن الجماد لكونها نزوع النفس إلى شيء مع ~~حكم فيه بالفعل أو عدمه، والإرادة من الله هي الحكم «12»، يقال انقض الشيء ~~بمعنى أسرع سقوطه (فأقامه) الخضر بالإشارة بيده، PageV03P056 # وقيل: مسحه بيده فاستوى «1» وقيل: نقضه فبناه «2»، وقيل: كان طوله في ~~السماء مائة ذراع «3»، فلما أقام الجدار (قال) له موسى عليه السلام لضرورة ~~الحاجة إلى الطعام (لو شئت لاتخذت عليه أجرا) [77] أي لو طلبت على عملك ~~جعلا لا ندفع به ألم الجوع عنا، قرئ «لتخذت» بغير ألف وكسر الخاء وإظهار ~~الذال من التخذ بمعنى الأخذ من باب علم، و«لتخذت» بادغام الذال في التاء ~~وكسر الخاء، و«لاتخذت» بالألف وفتح الخاء وإظهار الذال وكذلك بادغام الذال ~~في التاء «4». ### || [سورة الكهف (18): آية 78] # قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) # (قال) الخضر (هذا فراق بيني وبينك) أي هذا السؤال سبب الفراق بيننا لعدم ~~صبرك وتعمدك به، فقال موسى: أخبرني بعلم ما لم أستطع عليه صبرا قبل ~~المفارقة فقال (سأنبئك) أي أخبرك (بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) [78] أي ~~بعلم ما يؤول إليه ذلك حقيقة. ### || [سورة الكهف (18): آية 79] # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ ms1016 كل سفينة غصبا (79) # (أما السفينة فكانت لمساكين) أي لفقراء وضعفاء وكانوا عشرة إخوة خمسة ~~منهم زمني وخمسة (يعملون في البحر) بها مؤاجرة طلبا للكسب (فأردت أن ~~أعيبها) أي السفينة لخوف الغصب يدل عليه (وكان وراءهم) أي قدامهم (ملك) ~~كافر اسمه جلندى (يأخذ كل سفينة) صالحة (غصبا) [79] أي غاصبا، مصدر في موضع ~~الحال، ويجوز أن يكون تمييزا أو مفعولا له، وخوف الغصب سبب لإرادة عيبها ~~لكنه أخر لقصد العناية بذكرها مقدما، قيل: «فيه دليل على أن للوصي أن ينقص ~~مال اليتيم إذا رأى فيه صلاحا كما رأى أن يدفع من ماله شيئا إلى سلطان ظالم ~~ليدفعه عن بقية ماله» «5». ### || [سورة الكهف (18): آية 80] # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) # (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) أي مقرين «6» بتوحيد الله (فخشينا) أي ~~خفنا (أن يرهقهما) أي يكلفهما (طغيانا) أي ضلالة (وكفرا) [80] فيتبعاه بعد ~~الإيمان لمحبتهما إياه وإنما خشي الخضر من ذلك، لأن الله أعلمه بحاله فأمره ~~بقتله إياه. ### || [سورة الكهف (18): آية 81] # فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) # (فأردنا أن يبدلهما) بالتشديد والتخفيف «7»، أي يعوضهما (ربهما خيرا منه) ~~أي من ذلك الغلام (زكاة) أي صلاحا ونقاء من الذنوب وهو تمييز (وأقرب رحما) ~~[81] بضم الحاء وسكونها «8»، أي رحمة، تمييز، وهي البر بوالديه، فأبدلهما ~~الله تعالى بغلام مسلم، وقيل: «بجارية ولدت منهما، ثم تزوجها نبي فولدت ~~نبيا هدى الله على يديه أمة من الأمم» «9»، وقيل: «ولدت سبعين نبيا» «10»، ~~وقيل: قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير من قضائه فيما يحب «11». PageV03P057 ### || [سورة الكهف (18): آية 82] # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ~~أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما ~~فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82) # (وأما الجدار فكان لغلامين) اسمهما أصرم وصريم (يتيمين في المدينة وكان ~~تحته كنز لهما) أي مال مدفون من ذهب وفضة وهو الظاهر لاطلاقه، وقيل: «إنه ~~صحف علم» «1»، وقيل: «إنه لوح من ذهب مكتوب ms1017 فيه «عجبت لمن أيقن بالموت كيف ~~يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، ~~وعجبت لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله» «2» (وكان أبوهما صالحا) فحفظا بصلاح أبيهما في ~~مالهما وأنفسهما، روي: «أن الله يحفظ بالعبد الصالح ولده وولد ولده وعشيرته ~~وأهل دويرات حوله» «3»، وقيل: «كان بيهما وبين الأب الصالح سبعة آباء» «4» ~~(فأراد ربك أن يبلغا أشدهما) أي كمال عقلهما (ويستخرجا كنزهما رحمة) مفعول ~~له، أي لرحمة (من ربك) لهما بصلاح أبيهما، قيل: أسند الخضر عليه السلام ~~الإرادة هنا إلى الله لاختصاص التبليغ إليه تعالى، وأسندها إلى نفسه في ~~جانب العيب فانه فعله حقيقة بأمره تعالى، وأسندها إلى نفسه بتشريك الغير في ~~طلب الخير منه تعالى لأنها في معنى الدعاء الذي يحتاج إلى الاستعانة في ~~استجابته «5» (وما فعلته) أي ما فعلت ما رأيت مني يا موسى (عن أمري) أي ~~باختياري أو من تلقاء نفسي، بل أنا عبد مأمور فعلته بأمر الله تعالى، وهذا ~~إيضاح لما أشكل على موسى وتمهيد للعذر في فعله المنكر ظاهرا، وهكذا الطريق ~~بين المرشد والمسترشد في إزالة الشكوك والشبه عنه شفقة له (ذلك) أي العلم ~~الذي أخبرتك به (تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) [82] كرره تأكيدا لحفظه ~~تأويله، وإنما قال هنا «تسطع» وقبله «تستطع» جمعا بين اللغتين، يقال اسطاع ~~واستطاع بمعنى أطاق، روي: أن موسى عليه السلام لما فارق الخضر قال له: ~~أوصني، فقال: لا تطلب العلم لتحدث به الناس واطلبه لتعمل به «6»، قيل: إن ~~الخضر عليه السلام ميت الآن لقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد «7» ~~«8»، وقيل: حي وسبب حيوته أن ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحيوة وكان ~~الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فنزل واغتسل وشرب وصلى شكرا لله ~~تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق فعاد عنه ولم يشرب «9». ### || [سورة الكهف (18): آية 83] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) # قوله (ويسئلونك) عطف على قصة موسى، أي ms1018 يسألك الكفار امتحانا (عن ذي ~~القرنين) قيل: «إنه كان نبيا» «10»، وقيل: ملكا «11»، سئل النبي عليه ~~السلام عنه فقال: «لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا، أحب الله ~~فأحبه الله، وناصح الله وناصحه الله» «12»، قيل: ملكه الله الأرض وأعطاه ~~العلم والحكمة والهيبة، وسخر له النور والظلمة، فاذا سرى يهديه النور من ~~أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه «13»، «وسمي بذي القرنين لبلوغه قرني الشمس ~~مشرقها ومغربها» «14»، وقيل: «لدخوله النور والظلمة» «15»، وقيل: لأنه كانت ~~له ذوابتان PageV03P058 # حسنتان «1»، وقيل: كان له قرنان تواريهما العمامة «2»، واسمه الإسكندر بن ~~فلقوس الرومي، وكان بعد ثمود، وعاش ألفا وستمائة سنة، قيل: إنه بعد ما خرج ~~من الظلمة توفي بشهر زور ودفن بها «3»، ثم أمر تعالى النبي أن يجيب عليهم ~~بقوله (قل سأتلوا عليكم) أي سأذكر لكم (منه) أي من حاله (ذكرا) [83] أي ~~خبرا من عند الله. ### || [سورة الكهف (18): آية 84] # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) # (إنا مكنا له في الأرض) أي قوينا ليسير فيها، قيل: «سخر له السحاب وبسط ~~النور فكان الليل والنهار عنده سواء» «4» (وآتيناه من كل شيء) أي من أسباب ~~كل شيء، يعني من أغراضه ومقاصده في ملكه (سببا) [84] أي طريقا موصلا إليه، ~~أي إلى مراده. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 85 الى 86] # فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) # (فأتبع سببا) [85] بقطع الهمزة وإسكان التاء، أي فألحق سببا سببا لأنه ~~يتعدى إلى مفعولين وبوصل الهمزة وتشديد التاء «5»، أي سار طريقا نحو المغرب ~~(حتى إذا بلغ مغرب الشمس) أي بلغ قوما في جهته ليس وراءهم أحد (وجدها تغرب ~~في عين حمئة) أي في عين ماء ذي طين وحمأ أسود، وقرئ «حامية» «6»، أي حارة، ~~الأول من الحمأة وهي الطين الأسود، والثاني من الحمى وهي حرارة النار، روى ~~أبوذر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: # «إنها تغرب في عين حامئة» «7»، وفي رواية: ms1019 «في عين الله الحامية» «8»، لو ~~لا ما بزغها من أمر الله لاحترقت الأرض من البزغ وهو الإغراب، قيل: إنه ~~مجاز «9»، إذ يمتنع غروبها في العين حقيقة، لأنها أعظم من الدنيا خمسين ~~مرة، وقيل: بمائة وعشرين مرة والقمر بثمانين مرة «10»، وإنما ذلك في رأي ~~العين كراكب البحر (ووجد عندها) أي عند غروبها (قوما) من المؤمنين ~~والكافرين عليهم جلود السباع لا طعم لهم إلا ما تحرقه الشمس عن غروبها ~~وترميه العين عند ذلك فيأكلونه، وقيل: كانوا كلهم كافرين «11» (قلنا) ~~بالوحي أو بالإلهام (يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) ~~[86] أي أنت مخير في أمرهم بعد الدعوة إلى الإسلام أما أن تعذب من أبي وكفر ~~بالقتل، وأما أن تحسن من لم يأب وآمن وعمل بما يقتضيه الإيمان بالأنعام ~~عليه، قيل: كان يطبخ من كفر ويعطي ويكسي من آمن «12»، وقيل: يحسنه بالعفو ~~والأسر وسماهما إحسانا في مقابلة القتل «13». ### || [سورة الكهف (18): آية 87] # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) # (قال) ذو القرنين (أما من ظلم) بكفره (فسوف نعذبه) بالقتل في الدنيا (ثم ~~يرد إلى ربه) في الآخرة (فيعذبه عذابا نكرا) [87] أي شديدا بالنار. ### || [سورة الكهف (18): آية 88] # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) # (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى) برفع «جزاء» بلا تنوين ~~للإضافة، أي له جزاء المثوبة الحسنى، PageV03P059 # وهي الجنة أو للإضافة، بل لالتقاء الساكنين، ف «الحسنى» بدل من «جزاء» ~~المبتدأ و«له» خبره، وبنصبه منونا «1» ف «الحسنى» مبتدأ و«له» خبره، ~~و«جزاء» مصدر فعل محذوف، أي يجزى به جزاء في موضع الحال من ضمير «آمن»، ~~وقيل: معناه: له الخلال الحسنى يجازى بها جزاء أو له جزاء الفعلة الحسنى ~~بالإضافة، وهي كلمة الشهادة «2» (وسنقول له من أمرنا يسرا) [88] أي أمرا ذا ~~يسر، يعني لا نأمر بما يصعب عليه بل بما يسهل. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 89 الى 90] # ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم ms1020 لم نجعل ~~لهم من دونها سترا (90) # (ثم أتبع سببا) [89] أي سار ذو القرنين طريقا نحو المشرق (حتى إذا بلغ ~~مطلع الشمس) أي موضع طلوعها (وجدها تطلع على قوم) قيل: «هم الزنج» «3» (لم ~~نجعل لهم من دونها) أي أمام الشمس (سترا) [90] أي بناء يحصنهم من حرها، لأن ~~أرضهم لا تحمل الأبنية ولهم سروب يدخلونها عند طلوع الشمس، فاذا ارتفع ~~النهار «4» خرجوا إلى معاشهم في ساحل البحر يصطادون السمك ويطرحونه في ~~الشمس فينضج لهم، وقيل: # الستر اللباس «5»، أي لا يلبسون اللباس من حر الشمس، وهم أكثر من جميع ~~أهل الأرض، قيل: «هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى» «6». ### || [سورة الكهف (18): آية 91] # كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) # (كذلك) أي أمر ذي القرنين كما وصفناه تعظيما لأمره فهو خبر مبتدأ محذوف، ~~وقيل: معنى «كذلك» لن نجعل لهم سترا كما جعلنا لكم سترا من الحصون والجبال ~~والأبنية والثياب «7»، فعلى هذا هو صفة موصوف مذكور قبله، أي سترا مثل ذلك ~~الستر (وقد أحطنا بما لديه) أي لدى ذي القرنين من الجند والآلات وأسباب ~~الملك (خبرا) [91] أي علما، تمييز، وقيل: مصدر من غير لفظ فعله «8»، أي ~~أخبرناه خبرا ذكره تكثيرا لذلك. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 92 الى 93] # ثم أتبع سببا (92) حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون ~~يفقهون قولا (93) # (ثم أتبع سببا) [92] أي أخذ طريقا (حتى إذا بلغ بين السدين) بضم السين ~~وفتحها «9»، أي طرفي الجبلين بمنقطع بلاد الترك سد ذو القرنين ما بينهما ~~السد، بالفتح عمل الإنسان، وبالضم خلق الله تعالى، وقيل: # معناهما واحد «10»، و«بين» نصب، بأنه اسم، مفعول به لقوله «بلغ»، لأنه من ~~الظروف المستعملة أسماء وظروفا (وجد من دونهما) أي من قبلهم (قوما) من ~~الترك (لا يكادون يفقهون قولا) [93] أي لا يفهمون كلام أحد، لأن لغتهم ~~مجهولة وقرئ «لا يفقهون» بضم الياء وكسر القاف أيضا «11»، أي لا يفقهون ~~غيرهم قولا إلا بمشقة من إشارة ونحوها، لأنهم كالبكم أو بالترجمان بينه ~~وبينهم. PageV03P060 ### || [سورة الكهف (18): آية 94] # قالوا يا ذا القرنين ms1021 إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا ~~على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) # (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج) بهمز الألف وبغير الهمز فيهما «1» ~~اسمان لقبيلتين من الأجة وهي شدة الحر، لأنهم يتحركون ويهلكون ما يتصلون به ~~كالنار، وهما لا ينصرفان بالعلمية والتأنيث، وقيل: أعجميان وهم من أولاد ~~يافث بن نوح «2» أو احتلام آدم، لأنه احتلم وامتزجت نطفته بالتراب فهم منها ~~يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم «3»، قيل: بنو آدم عشرهم، لأنه لا يموت ~~الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه يحملون السلاح «4» (مفسدون في ~~الأرض) قالوه له شكاية منهم، أي هم يفسدون عند خروجهم إلينا بفعلهم الخبيث، ~~فانهم كانوا يخرجون إلى قوم صالحين بقربهم فيهلكون زروعهم وضروعهم ~~ويقتلونهم، وقيل: كانوا يأكلون الناس «5»، وقيل: كانوا يفعلون فعل قوم لوط ~~«6» (فهل نجعل لك خرجا) أي جعلا للسد، وقرئ «خراجا» «7»، أي جزية (على أن ~~تجعل بيننا وبينهم سدا) [94] أي حاجزا لئلا يصلوا إلينا. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 95 الى 96] # قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) ~~آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) # (قال) ذو القرنين (ما مكني) بالإدغام وفكه «8» (فيه ربي خير) أي الذي ~~جعلني فيه قويا مكينا من كثرة المال والعلم وطلب ثوابه أفضل من ما تعطونني ~~أنتم من الخراج، يعني لا حاجة لي إليه (فأعينوني بقوة) أي بالبنائين وصناع ~~يحسنون البناء والعمل وبالآلات (أجعل بينكم وبينهم ردما) [95] أي سدا عظيما ~~موثقا فحفروا ما بين السدين حتى بلغوا الماء وجاؤه بما أمرهم به، ثم ~~(آتوني) بقطع الهمزة من الإيتاء، أي أعطوني وبوصل الهمزة من الاتيان «9»، ~~أي جيئوني (زبر الحديد) أي قطعه جمع زبرة، فجعل الأساس من الصخرة والنحاس ~~المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم (حتى إذا ساوى) السد ~~(بين الصدفين) بفتحتين وضمتين وبسكون PageV03P061 # الدال «1»، أي جانبي الجبلين، يعني ملأ ما بينهما إلى أعلاهما، ثم وضع ms1022 ~~المنافخ حوله (قال انفخوا) فنفخوا النار (حتى إذا جعله) أي الحديد (نارا) ~~أي كالنار (قال آتوني أفرغ عليه قطرا) [96] أي نحاسا مذابا، تقديره: # آتوني أفرغ علي قطرا، حذف الأول بدلالة الثاني عليه، والإفراغ الصب، فصب ~~النحاس المذاب على الحديد المحمى، فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا ~~واحدا، قيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ «2». ### || [سورة الكهف (18): آية 97] # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) # (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي ما أطاقوه أن يصعدوا على ظهره لملاسته ورفعته ~~(وما استطاعوا له نقبا) [97] أي خرقا لصلابته وثخانته. ### || [سورة الكهف (18): آية 98] # قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) # (قال) ذو القرنين (هذا) أي السد (رحمة) أي نعمة (من ربي) علي وعليكم لعدم ~~خروجهم بسببه (فإذا جاء وعد ربي) أي إذا دنى مجيء يوم القيامة (جعله) أي ~~السد (دكاء) أي مدكوكا مكسورا مسوى بالأرض، وقرئ «دكاء» «3»، أي أرضا دكاء ~~(وكان وعد ربي حقا) [98] أي واجبا حصوله بالثواب والعقاب بعد بعث الخلائق ~~كلهم هذا آخر كلام ذي القرنين، قيل: «إنهم يحفرون كل يوم الردم حتى إذا ~~كادوا يرون الشعاع، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرنه غدا ولم يستثنوا ~~فيعيده الله كما كان فاذا بلغت مدتهم قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا ~~إن شاء الله فيعودون إليه، وهو كهيئته فيحفرونه، ويخرجون على الناس وهم ~~يتحصنون في حصونهم منهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع فيها كهيئة الدم، ~~فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في ~~أقفائهم بدعاء عيسى عليه السلام فيهلكون، وتأكلهم دواب الأرض وتسمن وتشكر ~~من لحومهم شكرا» «4»، فهذا انما يكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه ~~السلام وقتله بأمره تعالى، ثم يبارك في الأرض فيخرج ثمرتها وترد بركتها ~~فيكون الناس في نعمة وسعة إذ بعث الله تعالى ريحا طيبة فيأخذهم من تحت ~~آباطهم فيقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس «5» فيقوم عليهم الساعة. ### || [سورة الكهف (18): آية 99] # وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ ms1023 في الصور فجمعناهم جمعا (99) # ثم قال تعالى مخبرا عن حال الخلق بعد البعث (وتركنا) أي ونجعل (بعضهم ~~يومئذ) أي بعض الخلائق يوم القيامة (يموج) أي يختلط كموج الماء (في بعض) ~~إنسهم بجنهم من الحيرة وشدة الخوف، وقيل: الضمير ل «يأجوج ومأجوج»، أي ~~يختلفون عند خروجهم من السد مزدحمين في البلاد لكثرتهم «6» (ونفخ في الصور) ~~أي والحال أن إسرافيل قد نفخ الصور أرواح الخلائق، لأن خروج يأجوج ومأجوج ~~من علامات قرب الساعة (فجمعناهم) أي الخلائق في مكان واحد هنالك (جمعا) ~~[99] أي جمع. ### || [سورة الكهف (18): آية 100] # وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) # (وعرضنا جهنم يومئذ) أي أظهرناها يوم القيامة (للكافرين) أي الجاحدين ~~بالحق (عرضا) [100] أي رأوها عيانا. ### || [سورة الكهف (18): آية 101] # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) # ثم وصفهم بقوله (الذين كانت أعينهم في غطاء) أي غلاف في الدنيا (عن ذكري) ~~أي عن القرآن والإيمان PageV03P062 # به وتأمل معانيه (وكانوا) فيها (لا يستطيعون سمعا) [101] أي كانوا صما ~~عنه لا استطاعة بهم للسمع بغضا وكفرا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [سورة الكهف (18): آية 102] # أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا (102) # (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا) أي أظن الكافرون اتخاذهم (عبادي من دوني) ~~أي ملائكتي وعيسى وعزيرا أو الشياطين (أولياء) أي أربابا للشفاعة نافعا ~~لهم، هو مفعول ثان ل «حسب» حذف للعلم به، يعني لا ينفعهم عند الله كما ~~حسبوا، ثم بين عذابهم فقال (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) [102] وهو ما ~~يعد للنزيل وهو الضيف، أي أحضرنا للكفار جهنم كالنزل المعد للضيف. ### || [سورة الكهف (18): آية 103] # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) # (قل هل ننبئكم) أي هل نخبركم (بالأخسرين) أي بالقوم الأغبنين (أعمالا) ~~[103] وهم المبطلون أعمالهم بالرياء والسمعة أو بطلب المنة والشكر من الخلق ~~على معروفهم في الدنيا، وقيل: هم الرهبان والقسيسون وأهل الكتابين الذين ~~حبسوا أنفسهم في الصوامع وأتعبوها في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا ~~هلاكا وبورا «1»، وهو معنى «2» الخسران. ### || [سورة الكهف (18): الآيات 104 ms1024 الى 105] # الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) ~~أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا (105) # قوله (الذين ضل سعيهم) استئناف، وهو جواب عن السؤال المقدر، أعني من هم ~~فهو خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين بطل عملهم للخير (في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون) أي يظنون (أنهم يحسنون صنعا) [104] أي يعملون عملا ينفعهم في ~~الآخرة، ويجوز أن يكون «الذين» مبتدأ، خبره (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) ~~أي القرآن (ولقائه) أي البعث بعد الموت (فحبطت أعمالهم) أي بطل ثوابها، ~~لأنها لم تقبل منهم (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) [105] أي لا نجعل لهم ~~قدرا يوم القيامة لخساستهم أو لا نضع لهم ميزانا لأعمالهم الخير، لأنهم ~~انما يأتون السيئات بلا حسنات تقابل بها في الحديث: «رب أكول شروب لا يزن ~~عند الله جناح بعوضة» «3»، وقيل «يأتي ناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في ~~العظم كجبال تهامة، فاذا وزنوها لم تزن شيئا» «4». ### || [سورة الكهف (18): آية 106] # ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) # قوله (ذلك) أي المذكور، قيل: مبتدأ «5» (جزاؤهم) مبتدأ ثان، خبره (جهنم) ~~وهما خبر الأول، أي عقوبتهم جهنم (بما كفروا واتخذوا آياتي) أي القرآن ~~(ورسلي هزوا) [106] أي استهزاء. ### || [سورة الكهف (18): آية 107] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر (كانت لهم) في علم الله تعالى (جنات الفردوس) وهو ربوة خضراء في ~~الجنة أعلاها وأحسنها، يقال لها سرة الجنة (نزلا) [107] أي منازل مهيئة لهم. ### || [سورة الكهف (18): آية 108] # خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) # (خالدين فيها لا يبغون عنها) أي لا يطلبون (حولا) [108] أي تحويلا عنها ~~وهو الانتقال كناية عن التخليد، لأنهم لا يرجون فيها إلا ما يرغبهم في ~~الإقامة فلا ينتقلون عنها، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس، فانه أعلى الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن» «6». PageV03P063 ### || [سورة الكهف (18): آية 109] # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ms1025 ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو ~~جئنا بمثله مددا (109) # قوله (قل لو كان البحر) أي جنسه (مدادا) أي حبرا، نزل حين قال حي بن أخطب ~~في كتابكم «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا» «1»، ثم يقرؤون «وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا» «2» «3»، أي إن ذلك خير كثير لنا، ولكنه قطرة ~~من بحر كلمات الله، لأنه لو كان ماء البحر مدادا (لكلمات ربي) أي لمتعلقات ~~علمه تعالى فيكتب به (لنفد البحر) أي لفني ماء البحر (قبل أن تنفد) بالياء ~~والتاء للتأنيث «4»، أي تفني (كلمات ربي ولو جئنا بمثله) أي مثل ماء البحر ~~(مددا) [109] أي زيادة عليه لنفد أيضا ولم تنفد كلماته تعالى التي هي ~~متعلقات علمه، وإنما فسرت الكلمات بها لئلا يشكل بأن كلام الله واحد لا ~~تعدد فيه وهي وعده لأوليائه ووعيده لأعدائه وحكمه على خلقه، ونصب «مددا» ~~تمييز، ومنه المداد، والمدد جمع مدة وهي اسم ما يمد به الدواة من الحبر ~~لكتابة الكاتب. ### || [سورة الكهف (18): آية 110] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ~~ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # قوله (قل إنما أنا بشر مثلكم) الآية نزل حين قال الكفار ما أنت إلا بشر ~~مثلنا، والبشر لا يكون رسولا «5»، فقال تعالى: قل يا محمد ما أنا إلا آدمي ~~مثلكم (يوحى إلي) من ربي (أنما إلهكم إله واحد) أي ما هو إلا متفرد في ~~الألوهية لا نظير له في ذاته ولا شريك له في صفاته، يعني أنا معترف ببشريتي ~~ولكن الله من علي من بينكم بالنبوة والرسالة، فآمنوا به ووحدوه ولا تشركوا ~~به شيئا، قوله (فمن كان يرجوا لقاء ربه) أي يأمله بعد الموت أو يخافه، يعني ~~يأمل رؤيته أو يخاف المصير إليه، شرط، جزاؤه (فليعمل عملا صالحا) بالإيمان ~~به (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [110] أي لا يرائى فيها ولا يبتغي بها إلا ~~وجه ربه خالصا يخلط به غيره، وجزم «لا يشرك» للعطف على «فليعمل» الذي ms1026 هو ~~جزاء الشرط، قيل: إنها نزلت حين قال رجل: يا رسول الله إني أعمل العمل، ~~فاذا اطلع عليه سرني «6» أو قال آخر: إني أحب الجهاد وأحب أن يرى مكاني ~~«7»، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل ماروئي» «8»، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا ~~أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي عمله» «9»، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ # قال: الرياء» «10»، وقال عليه السلام: «من حفظ عشر آيات من أول سورة ~~الكهف عصم من فتنة الدجال، ومن قرأ من آخره «قل إنما أنا بشر» الآية حين ~~يأخذ مضجعه كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة ~~يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان له نورا ~~يتلألأ من مضجعه إلى بيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ~~ويستغفرون له حتى يستيقظ» «11»، قال عليه السلام: «من قرأ سورة الكهف فهو ~~معصوم ثمانية أيام من كل فتنة» «12». PageV03P064 ### | سورة مريم # مكية سوى سجدتها «1» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة مريم (19): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) # قوله (كهيعص) [1] قسم أقسم به الله تعالى أو هو اسم من أسمائه الحسنى أو ~~هو اسم السورة، والمعنى: اقرأ كهيعص أو إنه مركب من حروف، يشير كل منها إلى ~~صفة من صفاته العظمى، قال ابن عباس رضي الله عنه معناه: «باسم الله الكافي ~~الهادي المبسوط اليد بالرزق العالم الصادق في وعده ووعيده» «2»، قرئ بفتح ~~الهاء والياء وبكسرهما، وبفتح الهاء وكسر الياء، وبالعكس وبين الكسر ~~والفتح، وباظهار دال صاد وإدغامه في ذال «3». ### || [سورة مريم (19): الآيات 2 الى 3] # ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) # (ذكر) خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو ذكر (رحمت ربك عبده) أي ذكر ربك ~~عبده (زكريا) [2] للرحمة ثم أضيف «ذكر» إلى «رحمت» فاعلا اتساعا، تقديره: ~~ان ذكرت رحمة ربك عبده، و«زكريا» بدل ms1027 من «عبده». # (إذ نادى) ظرف لل «ذكر»، أي دعا (ربه) أن يرزقه ولدا من صلبه صالحا يقتدى ~~به في إحياء الدين (نداء خفيا) [3] أي سرا لكونه أسرع للإجابة وأبعد من ~~الرياء وأدخل في الإخلاص، وقيل: إخفاؤه لئلا يلام على طلب الولد في سن ~~الكبر «4». ### || [سورة مريم (19): آية 4] # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # (قال رب) أي يا مالكي (إني وهن العظم مني) أي ضعف عظمي مع صلابته فما ~~سواه أولى بالضعف وإنما وحده قصدا للجنسية الشاملة على كل أفراد، ولو جمع ~~لخرج بعض العظام عن الوهن (واشتعل الرأس شيبا) أي شاب شعر رأسي، شبه الشيب ~~بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر، ثم نسب الاشتعال إلى مكان الشعر ~~وهو الرأس، وجعل الشيب نصبا على التمييز رفعا لإبهام «5» في نسبة الاشتعال ~~إلى الرأس ولم يضف الرأس إليه اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، تقديره: ~~اشتعل شيب رأسي (ولم أكن بدعائك رب شقيا) [4] أي خائنا هذا توسل منه إلى ~~ربه بما مضى الله معه من استجابة دعائه قبل، فالمعنى «6»: يا رب قد عودتني ~~الإجابة فيما مضى فأجب هذا الدعاء مني أيضا ولا تخيبني فيه. ### || [سورة مريم (19): آية 5] # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) # (وإني خفت الموالي) أي جور من يلي أمر الخلافة (من ورائي) بفتح الياء ~~وسكونها مع المد والهمز فيهما «7»، PageV03P065 # أي من بعد موتي وهم الورثة، وقيل: عصبته إخوته وبنو عمه وكانوا شرار بني ~~إسرائيل فخافهم على الدين أن يغيروه وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته «1» ~~(وكانت امرأتي عاقرا) أي عقيما لم تلد لعجزها عن الولادة (فهب لي من لدنك) ~~أي من عندك وفضلك صادرا عنك (وليا) [5] أي ولدا صالحا. ### || [سورة مريم (19): الآيات 6 الى 7] # يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام ~~اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) # (يرثني) بأن يبقى بعدي (ويرث من آل يعقوب) وكان زكريا ms1028 عليه السلام من نسل ~~يعقوب بن إسحق، والمراد من الإرث إرث الشرع والعلم، لأن الأنبياء لا تورث ~~المال، والفعلان مجزومان جوابا للطلب أو مرفوعان صفة ل «وليا»، أي ولدا ~~وارثا مني العلم ووارثا من آل يعقوب النبوة لئلا يضيع الدين بالتغيير، ~~و«من» للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء، وقيل: ~~الأولى أن يحمل الرفع على الاستئناف لا على الوصف لئلا يلزم كون النبي غير ~~مستجاب الدعوة لهلاك يحيى قبل زكريا عليه السلام «2» ولا يرد لزوم الكذب في ~~أخبار زكريا على تقدير الاستئناف «3» بعين ما ذكر لكونه غرضا في جواب سؤال ~~مقدر، وهو لم تطلب الولد وعدم ترتب الغرض من فعل النبي عليه السلام أهون من ~~كونه غير مستجاب الدعوة، ثم قال زكريا (واجعله) أي الولد الموهوب يا (رب ~~رضيا) [6] أي مرضيا تقيا، فأوحى الله تعالى إليه بجبرائيل مناديا له «وهو ~~قائم يصلي في المحراب» (يا زكريا إنا نبشرك) بضم النون من التبشير، وبفتحها ~~مع التخفيف «4»، أي نبشرك (بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل) أي من قبله ~~(سميا) [7] أي لم يسم أحد بيحيى، وإنما سمي به لأنه حي بالعلم والحكمة التي ~~أوتيها، وقيل: لأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر «5»، وقيل: لم نجعل له ~~نظيرا وشبها «6» في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية. ### || [سورة مريم (19): آية 8] # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) # (قال) زكريا (رب) أي يا سيدي قاله لجبرائيل (أنى يكون لي غلام) أي من أين ~~يكون لي ولد (وكانت امرأتي عاقرا) من الولد (وقد بلغت من الكبر عتيا) [8] ~~بكسر العين وضمها «7»، أي يبسا، يعني نهاية السن، يقال لكل شيء انتهى فقد ~~عتي، قيل: زكريا لم يكن شاكا في بشارة الله تعالى، ولكنه أحب أن يعلمه من ~~أي وجه يكون «8» مع هاتين الصفتين العقر والعتي، وروي: الحركات الثلاث في ~~العين لغة «9». ### || [سورة مريم (19): آية 9] # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك ms1029 شيئا (9) # (قال كذلك) أي قال جبرائيل الأمر كما قلت لك أو تصديق لزكريا، أي كما قلت ~~إنك بلغت الكبر عتيا (قال ربك هو علي هين) أي خلق يحيى من كبيرين يسير علي ~~(وقد خلقتك) مفردا، و«خلقناك» «10» جمعا للتعظيم (من قبل) أي قبل يحيى (ولم ~~تك شيئا) [9] أي كنت معدوما أو لم تك شيئا يعتد به. ### || [سورة مريم (19): آية 10] # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) # (قال رب اجعل لي آية) أي علامة على حمل امرأتي قاله حين جاءه الشيطان ~~وقال: إن هذا النداء لك ليس من الله انما هو من الشيطان، ولو كان من الله ~~لأوحي إليك كما كان يوحي إليك بظهور جبرائيل لك (قال آيتك PageV03P066 # ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) [10] أي صحيح الخلق من غير خرس ولا مرض، ~~ف «سويا» حال من ضمير زكريا في «تكلم»، وذكر «الليالي» هنا و«الأيام» في آل ~~عمران «1» ليدل على أن المنفي من الكلام استمر به ثلاثة أيام ولياليهن ورجع ~~تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووقع «2» الولد في رحمها فلما أصبح اعتقل ~~لسانه عن كلام الناس فاذا أراد ذكر الله انطلق لسانه وكان قومه ينتظرونه ~~ليخرج إلى الصلوة. ### || [سورة مريم (19): آية 11] # فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) # (فخرج على قومه من المحراب) أي خرج صبيحة حمل امرأته من مسجده متغيرا ~~لونه وحاله فأنكروه صامتا، وكان من عادته أن يأمرهم بالصلوة، فقالوا ما لك ~~يا زكريا «3» (فأوحى إليهم) أي أشار باصبعه، وقيل: # «كتب على الأرض» «4» (أن سبحوا) أي صلوا لله (بكرة) أي غدوة (وعشيا) [11] ~~وقيل: هو حقيقة التسبيح «5»، فعرف بذلك أنه آية الولد. ### || [سورة مريم (19): آية 12] # يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) # ثم أخبر تعالى أنه وهب له يحيى وقال له «6» (يا يحيى خذ الكتاب) أي أوحى ~~إليه ربه خذ التورية (بقوة) أي باجتهاد ومواظبة (وآتيناه الحكم) أي أجرينا ~~على لسانه في صغره الحكم، وهو الفهم للتورية والفقه في الدين، وقيل: ms1030 ~~«أعطيناه النبوة» «7» (صبيا) [12] أي في حال الصبا وهو ابن ثلاث أو سبع ~~سنين، فقرأ التورية وهو صغير يحكم بها، قيل: دعاه الصبيان إلى اللعب فقال ~~ما خلقنا للعب وهو ابن ثلاث سنين «8». ### || [سورة مريم (19): آية 13] # وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) # (و) آتيناه (حنانا من لدنا) أي رحمة لأبويه وغيرهما، وأصله الرقة ~~والإشفاق (وزكاة) أي وآتيناه صدقة منا على أبويه وأهل زمانه (وكان تقيا) ~~[13] أي مطيعا لربه ومعرضا عما سواه. ### || [سورة مريم (19): الآيات 14 الى 15] # وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا (15) # (وبرا بوالديه) أي محسنا إليهما غير عاص لهما (ولم يكن جبارا) أي قتالا ~~عند الغضب ولا متكبرا (عصيا) [14] أي لم يكن عاصيا لربه. # (وسلام) أي السلامة منا (عليه يوم ولد) من طعن الشيطان (ويوم يموت) من ~~الشرك (ويوم يبعث حيا) [15] من هول القيامة، أراد به أنه منعم بالسلامة في ~~هذه الأحوال العظام الولادة والموت والبعث إلى الموقف، فانها أوحش الحالات. ### || [سورة مريم (19): آية 16] # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) # ثم أمر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ عليهم ما أنزل ~~عليه جبرائيل من خبر مريم موافقا لعلمهم ليؤمنوا به وبالقرآن فقال (واذكر ~~في الكتاب) أي القرآن (مريم) أي خبرها (إذ انتبذت) أي حين اعتزلت (من ~~أهلها) «إذ» بدل من «مريم» بدل اشتمال، لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ~~(مكانا شرقيا) [16] أي في مكان مما يلي شرقي «9» بيت المقدس أو من دارها، ~~يعني تخلت للعبادة نحو المشرق معتزلة عن الناس، وقيل: قعدت في مشرقة الشمس ~~في دار أهلها وكان الوقت شتاء تفلي ثيابها أو تغتسل من حيضها «10»، وكان ~~موضعها المسجد PageV03P067 # فاذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها زوجة زكريا، وإذا طهرت عادت إلى المسجد. ### || [سورة مريم (19): الآيات 17 الى 18] # فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) ~~قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) # (فاتخذت من دونهم حجابا) أرخت من أدنى ms1031 مكان أهلها سترا تستتر به منهم ~~(فأرسلنا إليها روحنا) أي جبرائيل (فتمثل) أي تشبه (لها بشرا سويا) [17] ~~يعني أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد حسن الوجه سوى الخلق، أي لم ينتقص ~~من الصورة البشرية شيئا لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه وكان تمثله كذلك ~~ابتلاءلها وسبرا لعفتها، قيل: قام جبرائيل بين يديها في صورة ترب لها اسمه ~~يوسف من خدم بيت المقدس «1»، فثم قالت (قالت إني أعوذ بالرحمن منك) يا شاب ~~(إن كنت تقيا) [18] أي ممن يتقي الله ويخشاه ويعطيعه فلا يقربني «2»، وإنما ~~قالت ذلك لأن التقي يتعظ بالله ويخاف، والفاسق يخوف بالسلطان والمنافق يخوف ~~بالناس. ### || [سورة مريم (19): الآيات 19 الى 20] # قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلام ~~ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # (قال) جبرائيل (إنما أنا رسول ربك لأهب لك) بأمره، وقرئ «ليهب» «3»، أي ~~الله لك (غلاما زكيا) [19] أي ولدا طاهرا ليقارن ذنبا مدة حياته. # (قالت) مريم لجبرائيل (أنى) أي من أين (يكون لي غلام) أي ولد (و) الحال ~~أني (لم يمسسني بشر) أي لم يقربني زوج يقال في النكاح مس وفي السفاح زنا أو ~~فجر أو خبث (ولم أك بغيا) [20] أي فاجرة تبغي الرجال ولم تقل «بغية» لأنها ~~وصف غالب على المؤنث كحائض. ### || [سورة مريم (19): آية 21] # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) # (قال) جبرائيل الأمر (كذلك) أي كما قلت لك أو كما «4» قلت أنت (قال ربك ~~هو) أي خلقه بلا فحل (علي هين) أي يسير لنبين به قدرتنا (ولنجعله آية) أي ~~علامة على قدرتنا وبه «5» عبرة (للناس ورحمة منا) أي نعمة على الخلق ممن ~~آمن به (وكان) خلق عيسى (أمرا مقضيا) [21] أي محكوما بوقوعه لا محالة، قيل: ~~آنست به فنفخ في فرجها «6» أو في جيب درعها «7» أو في كمه «8»، وقيل: نفخ ~~من بعيد فوصل النفخ في بطنها «9». ### || [سورة مريم (19): آية 22] # فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) # (فحملته) أي حملت عيسى في بطنها ms1032 عقيب النفخ يدل عليه فاء التعقيب ويشهد ~~عليه ما روي: «أن مدة حمله كانت ساعة» «10»، أي كما حملته وضعته، وقيل: ~~ثلاث ساعات «11»، وقيل: أكثر منها «12» (فانتبذت به) أي انفردت بما هو في ~~بطنها من الحمل (مكانا قصيا) [22] أي بعيدا من أهلها وراء الجبل أو وراء ~~الدار وإنما بعدت لئلا تعير بولادتها من غير زوج، قيل: كانت بنت عشر سنين ~~وقد حاضت قبل ذلك حيضتين «13». PageV03P068 ### || [سورة مريم (19): آية 23] # فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) # (فأجاءها) تعدية «جاء» بالهمزة، أي ألجأها (المخاض) وهو وجع الولادة، ~~يقال مخضت الحامل إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، قوله (إلى جذع النخلة) ~~متعلق ب «أجاء» لانتقاله إلى معنى الإلجاء بالاستعمال، أي إلى أصل النخلة ~~اليابسة لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، إذ لم يكن لها قابلة تعينها ~~(قالت يا ليتني مت قبل هذا) أي هذا الذي أنا فيه من الشدة، قالته من فرط ~~الحياء والخجالة من الناس على حكم عادة البشرية لا كراهة لحكم الله (وكنت ~~نسيا) بفتح النون وكسرها «1»، هو الشيء الحقير المنسي لحقارته (منسيا) [23] ~~أي متوركا لم اذكر، وقيل: النسي هو الحيضة «2»، أي خرقة الحائض. ### || [سورة مريم (19): الآيات 24 الى 25] # فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع ~~النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) # (فناداها) أي خاطبها حين سمع جزعها بالولادة (من تحتها) بفتح الميم، أي ~~جبرائيل، لأنه كان في مكان أسفل عنها، وقيل عيسى حين خرج من بطن أمه «3»، ~~يعني من تحت ذيلها وبكسر الميم «4»، فالمنادي «عيسى» أو «جبرائيل» والهاء ل ~~«النخلة» (ألا تحزني) بولادة عيسى وبمكان القحط تسلية وبشارة لها لما هو ~~معجزة وتظهر به براءتها لشدة ما لقيت، و«أن» فيه مفسرة للنداء (قد جعل ربك ~~تحتك سريا) [24] أي نهرا صغيرا، يعني جعله تحت قدميك أو جعله تحت أمرك إن ~~أمرته يجري وإن أمرته يقف، قيل: ضرب عيسى بعقبه الأرض فظهر عين ماء عذب ~~فجرى النهر اليابس فاخضرت النخلة اليابسة ms1033 وأثمرت وأينعت ثمرتها «5»، فقيل ~~لها (وهزي) أي حركي أصل النخلة ومدي (إليك بجذع النخلة تساقط عليك) بضم ~~التاء وكسر القاف، وبفتح التاء والقاف مع التخفيف والتشديد «6»، أي النخلة ~~(رطبا جنيا) [25] أي مجنيا أو طريا قبل أوانه، لأنه كان في الشتاء فوضعت ~~يدها على النخلة فسقط رطبها. ### || [سورة مريم (19): آية 26] # فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) # (فكلي) من الرطب (واشربي) من ماء النهر (وقري عينا) بابنك عيسى وبانتفاء ~~التهمة عنك بجري النهر اليابس وباخضرار النخلة اليابسة وإثمارها قبل وقتها، ~~لأنهم إذا رأوا ذلك لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل، سلاها بالسري والرطب من ~~حيث إنهما معجزتان تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة لا من ~~حيث إنهما طعام وشراب، ثم قال (فإما ترين) أي إن رأيت (من البشر أحدا) ~~فسألك عن ولدك (فقولي إني نذرت للرحمن صوما) أي صمتا، يعني قولي ذلك ~~بالإشارة لا باللفظ، وكان ذلك «8» الصوم من الكلام جائزا في شريعتهم لا في ~~شريعتنا، وقيل: إنها أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى يكفيها الكلام مع ~~السفهاء لتبرية ساحتها «9»، وقيل: سوغ لها ذلك القدر يوما بالنطق «10» (فلن ~~أكلم اليوم إنسيا) [26] أي آدميا فأقامت في غار PageV03P069 # هناك مدة نفاسها أربعين يوما بعيسى تكلم الملائكة دون الإنس ثم حملته. ### || [سورة مريم (19): آية 27] # فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) # (فأتت به قومها) وكان قومها أهل بيت الصالحين وكلمها عيسى في الطريق أن ~~يا أماه أبشري فاني عبد الله ومسيحه، قوله (تحمله) حال من «مريم»، فلما ~~رأوه معها بكوا وحزنوا (قالوا يا مريم لقد جئت) أي فعلت (شيئا فريا) [27] ~~أي عملا بديعا ومنكرا عظيما لا يعرف منك ولا من أهل بيتك. ### || [سورة مريم (19): آية 28] # يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) # قوله (يا أخت هارون) توبيخ لها، وهو أخوها من أبيها لا من أمها، وقيل: ~~أخو موسى النبي شبهوها به ms1034 في الصلوة والصلاح، لأنها كانت من نسله «1»، ~~وقيل: شتموها بتشبيهها برجل صالح في زمانها، اسمه هرون وعيروها به «2»، ~~فقالوا (ما كان أبوك امرأ سوء) أي زانيا عنوا به عمران (وما كانت أمك بغيا) ~~[28] أي فاجرة، قيل: هموا برجمها «3». ### || [سورة مريم (19): آية 29] # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) # (فأشارت إليه) أي إلى عيسى بأن كلموه ليكون كلامه حجة لها (قالوا كيف ~~نكلم من كان) أي وجد (في المهد صبيا) [29] أي رضيعا، ونصبه حال، فأنطق الله ~~عيسى وهو ابن أربعين يوما «4»، قاله وهب، فتكلم وتركوا الرجم وكان عيسى ~~يرضع فأقبل بوجهه عليهم. ### || [سورة مريم (19): آية 30] # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) # (قال إني عبد الله) فأول كلامه رد على النصارى، لأنه اعترف بأنه عبد الله ~~تعالى (آتاني الكتاب) أي علمنيه في بطن أمي وهو التورية أو أوتي الإنجيل ~~وهو طفل يعقل عقل الرجال (وجعلني نبيا) [30] أي أكرمني بالنبوة، يعني إذا ~~«5» وضعته أمه لزم الخلق اتباعه أو كان نبيا ولم يوح إليه إلا بعد ~~الثلاثين، وقيل: هو إخبار بما يكون لا محالة بصيغة الماضي «6». ### || [سورة مريم (19): الآيات 31 الى 32] # وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) # (وجعلني مباركا) أي معلما الخير للخلق أو نافعا لمن آمن بي واتبعني (أين ~~ما كنت) أي حيث كنت (وأوصاني بالصلاة والزكاة) أي باتمامهما (ما دمت حيا ~~[31] وبرا) أي وجعلني محسنا رحيما (بوالدتي) وهي إشارة إلى أنه بلا فحل ~~(ولم يجعلني جبارا شقيا) [32] أي لم يخذلني بمخالفته، قيل: الشقي من يذنب ~~ولا يتوب «7». ### || [سورة مريم (19): آية 33] # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) # (والسلام) اللام فيه للجنس، أي جنس السلام (علي) خاصة فهو تعريض باللعنة ~~على من اتهم والدته مريم (يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) [33] يعني ~~السلامة من الله وجهت إلي كما وجهت إلى يحيى في هذه الأحوال الثلاث العظام، ~~فلما كلمهم عيسى بهذا الكلام أيقنوا براءة أمه ms1035 ولم يتكلم بعد حتى بلغ سن ~~الكلام. ### || [سورة مريم (19): الآيات 34 الى 35] # ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) PageV03P070 # ثم قال تعالى (ذلك عيسى ابن مريم) مبتدأ وخبر، أي الذي قال إني عبد الله ~~إلى آخر كلامه هو عيسى ابن مريم لا مثل ما يقول النصارى إنه إله أو ابنه، ~~قوله (قول الحق) بالرفع خبر ثان، أي هو كلمة الله، فال «قول» بمعنى الكلمة، ~~و«الحق» هو الله، يعني قال لعيسى كن فكان، وبالنصب مصدر «1»، أي أقول قول ~~الحق (الذي فيه يمترون) [34] بالتاء والياء «2»، أي يشكون في عيسى ~~ويختلفون، فيقول بعضهم هو الله، والبعض ولده، والبعض شريكه، والبعض ساحر ~~كذاب، فأكذبهم الله تعالى به وبقوله (ما كان لله أن يتخذ من ولد) أي ما كان ~~من نعته اتخاذ الولد، يعني عيسى وغيره، وجاء ب «من» لتأكيد النفي العام ~~(سبحانه) أي نزه تنزيها عن صفات المخلوقين، ثم بين استحالة ذلك بقوله (إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) [35] بسرعة، يعني أن من إذا أراد أن يحدث ~~شيئا من كل الأجناس أوجده ب «كن» كعيسى كان منزها عن شبه الحيوان الوالد ~~الذي ينشأ من الولد، لأنه خلاف المعقول وهو الله تعالى. ### || [سورة مريم (19): آية 36] # وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) # قوله (وإن الله ربي وربكم) بالكسر استئناف من «عيسى» أو عطف على مقول ~~القول قبله، وبالفتح عطف على «بالصلوة» «3»، أي أوصاني بقول ذلك (فاعبدوه) ~~أي وحدوه وأطيعوه (هذا صراط مستقيم) [36] أي الذي أوصاني ربي به دين صحيح ~~وهو الإسلام، فاتبعوه لصحته واستقامته دون غيره. ### || [سورة مريم (19): الآيات 37 الى 38] # فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) # قوله (فاختلف الأحزاب) أي فلولادة مريم عيسى بلا فحل وقع الاختلاف في ~~عيسى، نزل حين سئلت الأحزاب عن عيسى وهم اليهود ms1036 والنصارى، فقالت اليهود هو ~~ولد الزنا وقالت النصارى هو إله الخلق «4»، وقيل: هم النصارى الذين تحزبون ~~ثلاث فرق نسطورية ويعقوبية وملكائية حين سئلوا عنه فقالت نسطورية: # هو ابن الله أظهره ثم رفعه، وقالت يعقوبية: بل هو الله هبط في الأرض ثم ~~صعد، وقالت ملكائية: هو عبد الله ومخلوقه ونبيه «5»، فاختلفوا في أمره (من ~~بينهم) أي من بين الناس (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [37] أي من ~~شهودهم هول الحساب والجزاء يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكان الشهود ~~وهو الموقف أو من شهادة ذلك اليوم عليهم أو من شهادة الأنبياء والملائكة ~~عليهم أو من شهادة أعضائهم بالكفر وسوء الأعمال. # ثم هددهم مخبرا بلفظ الأمر الموضوع للتعجب أو لتعجيب الخلق من حالهم ~~بقوله (أسمع بهم وأبصر) أي ما أسمعهم وما أبصرهم، يعني ما أيقنهم يوم ~~القيامة أن عيسى لم يكن بولد لله تعالى ولا إله ولا شريك له، قيل: «معناه ~~لا أحد أسمع وأبصر منهم يوم القيامة حيث يقول الله تعالى لعيسى «أ أنت قلت ~~للناس» «6» الآية» «7»، يعني سيسمعون وسيبصرون بما يسوءهم وتصدع قلوبهم أو ~~المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما عميا في ~~الدنيا (يوم يأتوننا) ظرف للفعلين (لكن الظالمون) أي لكنهم (اليوم في ضلال ~~مبين) [38] أي في خطأ بين في إغفال النظر والاستماع أوقع الظاهر، أعني ~~«الظالمون» موقع الضمير إشعارا بشدة ظلمهم حيث أغفلوا النظر والاستماع وقت ~~النفع والإسعاد. PageV03P071 ### || [سورة مريم (19): آية 39] # وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) # (وأنذرهم) الواو للاستئناف، أي خوفهم يا محمد (يوم الحسرة) أي بيوم ~~الندامة على ما فات منهم وهو يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار ولو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل أحد ~~إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة» «1» (إذ قضي الأمر) بدل ~~من «يوم الحسرة»، أي إذا فرغ من الحساب واستقر كل فريق في مقره ms1037 من الجنة ~~والنار وذبح الموت، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود ~~فلا موت (وهم في غفلة) عما يفعل بهم في الآخرة أو عن الاهتمام لذلك المقام ~~بالإيمان والعمل الصالح، والجملة حال متعلق بقوله «وأنذرهم»، وكذا قوله ~~(وهم لا يؤمنون) [39] أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين بالآخرة. ### || [سورة مريم (19): آية 40] # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) # (إنا نحن نرث) أي نملك (الأرض ومن عليها) بأن نهلك سكانها، ذكر «من» ~~تغليبا للعقلاء (وإلينا يرجعون) [40] في الاخرة فنجازيهم. ### || [سورة مريم (19): آية 41] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) # (واذكر) لهم (في الكتاب) أي القرآن (إبراهيم) أي خبره (إنه كان صديقا) أي ~~مبالغا في الصدق بجميع ما صدر من الله تعالى أو مصدقا بكل الأنبياء (نبيا) ~~[41] في نفسه كقوله تعالى «بل جاء بالحق وصدق المرسلين» «2». ### || [سورة مريم (19): آية 42] # إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) # قوله (إذ قال) ظرف ل «صديقا»، وقيل: بدل من «إبراهيم»، والجملة بينهما ~~اعتراض «3»، أي واذكر وقت قوله (لأبيه) آزر بن تارخ (يا أبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني) أي لا ينفع (عنك شيئا) [42] فيه توبيخ وتنبيه على ~~ضلالته بعبادة جامد لا ينفعه شيء في الدنيا ولا في الآخرة، قرئ يا أبت بفتح ~~التاء وكسرها «4»، والمعنى: أنه خاطب أباه أولا عند دعوته إلى الإسلام مع ~~طلب علة منه في خطئه بالتنبيه عليه بقوله: يا أبت لم تعبد ما ليس بحي مميز ~~سميع بصير مقتدر على الثواب والعقاب نافع ضار، ومثله ليس أهلا للربوبية ~~والعبودية فأعرض عن عبادة الصنم ووجه وجهك إلى الذي استحق الربوبية ~~والعبودية، إذ العبادة هي غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية الأنعام، ~~وهو الخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب، فاذا وجهت العبادة إلى ~~غيره لم يكن إلا ظلما وغيا وكفرا. ### || [سورة مريم (19): آية 43] # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ms1038 يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) # ثم ثنى دعوته إلى الحق بالتلطف والترفق «5» به فقال (يا أبت إني قد جاءني ~~من العلم) شيء ليس معك وهو (ما لم يأتك) من الله، يعني علم الدلالة على ~~الطريق السوي (فاتبعني) ولا تستنكف عن التعلم مني انجك من طريق الضلالة ~~(أهدك صراطا سويا) [43] أي مستقيما. ### || [سورة مريم (19): آية 44] # يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) # ثم ثلث دعوته إلى الحق بقوله (يا أبت لا تعبد الشيطان) لأنك إذا عبدت ~~الصنم فقد عبدت الشيطان (إن الشيطان كان للرحمن عصيا) [44] أي استعصى على ~~ربك الرحمن الذي جميع النعم من عنده، وهو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل خزي ~~وهلاك، وهو الذي أغوى آدم وذريته آباءك وأبناء جنسك، فانك إن حققت النظر ~~عابد الشيطان. PageV03P072 ### || [سورة مريم (19): آية 45] # يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) # ثم ربع دعوته بتخويفه سوء العاقبة بقوله (يا أبت إني أخاف) أي أعلم (أن ~~يمسك عذاب) قليل (من الرحمن) إن أقمت على الكفر (فتكون للشيطان وليا) [45] ~~أي قريبا قرينا في النار، وجعل ولاية الشيطان أكبر من العذاب كما أن رضوان ~~الله أكبر من الثواب. ### || [سورة مريم (19): آية 46] # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) # (قال) أبوه آزر توبيخا لإبراهيم (أراغب أنت عن آلهتي) أي أصارف قلبي أنت ~~عن عبادة الأصنام (يا إبراهيم) قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام، والأولى ~~كونه مبتدأ و«أنت» فاعله سد مسد الخبر لئلا يلزم الفصل بين الصفة وما يتعلق ~~بها، وهو «عن» و«الله» (لئن لم تنته) عن مقالتك هذه وسب آلهتنا (لأرجمنك) ~~أي لأقتلنك بالحجارة أو لأبعدنك من عندي فاحذروني (واهجرني مليا) [46] أي ~~فارقني زمانا طويلا سالما مني ولا تكلمني. ### || [سورة مريم (19): آية 47] # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) # (قال) مجيبا له (سلام عليك) سلام مفارقة لا سلام لطف وإحسان، لأنه ليس ~~بدعاء له كقوله «سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين» «1» (سأستغفر ms1039 لك ربي) أي ~~بشرط التوبة والإيمان أو كان وعده بالاستغفار له ما دام حيا، وقيل: إنما ~~استغفر له بقوله «واغفر لأبي إنه كان من الضالين» «2»، لأنه وعده أن يؤمن ~~«3»، قيل: جاز ذلك قبل ورود السمع، لأن العقل لا يأباه بدليل قوله «إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك «4»» «5» (إنه) أي إن ربي (كان بي حفيا) [47] أي ~~بليغا في البر واللطف عودني الإجابة لدعائي. ### || [سورة مريم (19): آية 48] # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) # (وأعتزلكم) أي أترككم (وما تدعون) أي «6» الذي تعبدونه (من دون الله) من ~~الأصنام وأراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشام، فارتحل من كوثى إلى الأرض ~~المقدسة، ثم قال تواضعا وكسرا للنفس (وأدعوا) أي أعبد (ربي عسى ألا أكون ~~بدعاء ربي شقيا) [48] أي لا يخيبني إذا دعوته، وفيه تعريض بشقاوتهم بعبادة ~~غيره تعالى. ### || [سورة مريم (19): آية 49] # فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا (49) # (فلما اعتزلهم) أي تركهم (وما يعبدون) أي ومعبوديهم (من دون الله وهبنا ~~له إسحاق ويعقوب) أي عوضناه أولادا مسلمين يأنس بهم بدل المشركين المتروكين ~~وبعقوب ولد الولد (وكلا) أي كل واحد من إبراهيم وإسحق ويعقوب (جعلنا نبيا) ~~[49] أي أكرمناهم بالنبوة، قيل: «من هاجر في طلب رضاء الله أكرمه الله في ~~الدنيا والآخرة» «7». ### || [سورة مريم (19): آية 50] # ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) # (ووهبنا لهم من رحمتنا) أي من نعمتنا المال والولد والحكم وحذف المفعول ~~ليعم كل خير ديني ودنيوي (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) [50] أي ذكرا حسنا في ~~أهل الأديان كلهم، يعني هم يحبون إبراهيم وأولاده ويعبدون دينه بزعمهم. ### || [سورة مريم (19): آية 51] # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) # ثم قال تعالى (واذكر) يا محمد (في الكتاب موسى إنه كان مخلصا) بفتح ~~اللام، أي معصوما من الكفر PageV03P073 # والمعاصي، لأنه اختاره الله لمحابه وعبادته، وبكسر اللام «1»، أي أخلص ~~العبادة لله عن الشرك والرياء وأسلم وجهه له (وكان رسولا نبيا) [51] إلى ms1040 ~~بني إسرائيل يخبرهم بكتاب عن الله وبغير كتاب. ### || [سورة مريم (19): آية 52] # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) # (وناديناه من جانب الطور الأيمن) من موسى لا من الجبل، إذ لا يمين له ولا ~~شمال (وقربناه نجيا) [52] حال، أي مناجيا بلا وحي، فمعنى التقريب إسماعه ~~كلامه، وقيل: «قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التورية في اللوح ~~المنزل» «2». ### || [سورة مريم (19): آية 53] # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) # (ووهبنا له) أي لموسى (من رحمتنا) أي من أجل رحمتنا له (أخاه هارون) عطف ~~بيان و(نبيا) [53] حال منه ليكون معه وزيرا معينا. ### || [سورة مريم (19): آية 54] # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) # (واذكر في الكتاب إسماعيل) هو ابن إبراهيم (إنه كان صادق الوعد) لأنه إذا ~~وعد أنجز، قيل: «وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه فأقام مكانه ثلاثة ~~أيام» «3»، وقيل: سنة «4»، وذكره بصدق الوعد وإن وجد في غيره من الأنبياء ~~تشريفا له ولشهرته به من خصاله (وكان رسولا) إلى قومه (نبيا) [54] يخبرهم ~~عن الله تعالى. ### || [سورة مريم (19): آية 55] # وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) # (وكان يأمر أهله) أي أهل دينه وقومه (بالصلاة والزكاة) أي باتمامهما ~~(وكان عند ربه مرضيا) [55] أي صالحا بطاعة الله زكيا عن معصيته. ### || [سورة مريم (19): آية 56] # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) # (واذكر في الكتاب إدريس) أي خبره (إنه كان صديقا نبيا) [56] أي صادقا ~~باخباره عن الله، سمي به لكثرة درسه من كتاب الله والسنن، واسمه أخنوخ. ### || [سورة مريم (19): آية 57] # ورفعناه مكانا عليا (57) # (ورفعناه مكانا عليا) [57] أي الجنة حيا، وقيل: هو شرف النبوة «5»، وقيل: ~~رفع إلى السماء السابعة «6»، روي: # أن أذيق الموت ساعة ثم أحيي وأدخل الجنة «7»، وقيل: صعد به الملك إلى ~~السماء ومات بين جناحيه ثم أحيي «8»، وهو أول من حمل السلاح وقاتل الكفار ~~وأول من نظر في عمل النجوم والحساب وأول من خط بالقلم وأول من لبس ثوب ~~القطن وما خاط بالثياب وكانوا يلبسون الجلود قبل ذلك ms1041 «9». ### || [سورة مريم (19): آية 58] # أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) # قوله (أولئك) إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس، مبتدأ، ~~خبره (الذين أنعم الله عليهم PageV03P074 # من النبيين) هو بيان (من ذرية آدم) تبعيض وبدل من «النبيين»، قوله (وممن ~~حملنا مع نوح) عطف عليه، وكذا (ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل) وكان إدريس من ~~ذرية آدم، لأنه قريب منه، وروي: أنه جد أبي نوح، وإبراهيم ممن حمل مع نوح ~~في السفينة، لأنه من ولد سام بن نوح، وإسمعيل وإسحق ويعقوب من ذرية ~~إبراهيم، وموسى وهرون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل وهو يعقوب، وكذا عيسى، ~~لأن مريم من ذريته «1»، قوله (وممن هدينا) يجوز أن يعطف على «من» الأولى ~~والثانية، ويجوز أن يستأنف ويتعلق بقوله «إذا يتلي» الآية، تقديره: # وممن هدينا، أي أكرمنا بالإسلام (واجتبينا) أي اصطفينا بالقربة من عندنا ~~بعد هؤلاء قوم وهم عبد الله بن سلام وأصحابه (إذا تتلى عليهم) أي تقرأ على ~~هؤلاء (آيات الرحمن) أي القرآن (خروا) أي سقطوا على الأرض (سجدا) أي ساجدين ~~(وبكيا) [58] أي باكين من خوف الله، وهما حالان مقدرتان من ضمير «خروا»، ~~ويحتمل أن يكون «أولئك» مبتدأ، و«الذين» إلى قوله «إذا» وصفا له، وجملة ~~«إذا» خبره، والمعنى: أن الأنبياء قبلكم كانوا يسجدون لسماع ايات الله ~~تعالى فكونوا مثلهم، قال صلى الله عليه وسلم: «اتلوا القرآن وابكوا، فان لم ~~تبكوا فتباكوا» «2»، أي إن لم تبك أعينكم فلتبك قلوبكم، يعني تحزنوا عند ~~سماع القرآن تغفروا به، فان القرآن نزل بحزن على المحزونين. ### || [سورة مريم (19): آية 59] # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) # (فخلف من بعدهم) أي بقي من بعد الأنبياء (خلف) بسكون اللام بقية السوء، ~~وبالفتح بقية الخير «3»، والمراد من الخلف اليهود والنصارى «4»، وقيل: «هم ~~من هذه الأمة» «5» (أضاعوا الصلاة) المفروضة عن وقتها أو تركوها، وقيل: ~~«إضاعتها أن لا يصلي الظهر ms1042 حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس» ~~«6» (واتبعوا الشهوات) أي اللذات المحرمة من شرب الخمر والزنا أو استحلال ~~نكاح الأخت من الأب (فسوف يلقون غيا) [59] أي هلاكا وضلالا عن طريق الجنة، ~~وقيل: «هو واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها من حره، أعد للزاني وشارب الخمر ~~وآكل الربوا وشاهد الزور ولأهل العقوق وتارك الصلوة» «7». ### || [سورة مريم (19): آية 60] # إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) # قوله (إلا من تاب) استثناء من فاعل «يلقون»، أي إلا من رجع من الكفر ~~(وآمن وعمل صالحا) بعد التوبة (فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) [60] ~~أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم التي كانت في حال الكفر نقصانا ما، لأن تقدم ~~الكفر لا يضرهم إذا تابوا. ### || [سورة مريم (19): آية 61] # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) # قوله (جنات عدن) بدل من «الجنة» لاشتمالها على جنات عدن، والعدن علم ~~بمعنى الإقامة أو علم الأرض الجنة، ووصفها بقوله (التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب) وهو ما غاب على العباد، أي وعدها لهم ولم يروها، وقيل: بتصديق ~~الغيب «8» (إنه كان وعده) أي إن الشأن كان وعد الله (مأتيا) [61] مفعول من ~~الاتيان بمعنى الفاعل، أي جائيا البتة، وقيل: المراد من الوعد الجنة، وهم ~~يأتونها فيكون بمعنى المفعول منه «9»، وقيل: معناه PageV03P075 # كان وعده مفعولا منجزا من قولك أتي به «1»، أي فعله. ### || [سورة مريم (19): آية 62] # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) # (لا يسمعون فيها لغوا) أي فحشا أو كذبا أو باطلا (إلا سلاما) أي لكنهم ~~يسمعون سلاما عليهم من الملائكة أو يسلم بعضهم على بعض (ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا) [62] قيل: المراد منه دوام الرزق لا الوقتان المعلومان كما ~~يقال أنا عند فلان صباحا ومساء، يراد الدوام منه «2»، وقيل: يؤتي طعامهم ~~على مقدار البكرة والعشي، إذ لا نهار ثمه ولا ليل، بل هم في نور أبدا «3»، ~~وإنما وصف الله الجنة بذلك، لأن العرب لا تعرف من العيش أفضل من ms1043 الرزق ~~بالبكرة والعشي. ### || [سورة مريم (19): آية 63] # تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) # (تلك الجنة التي نورث) من الميراث، أي نعطي بغير اختيار الوارث (من ~~عبادنا من كان تقيا) [63] أي مطيعا لله تعالى كما يرث الوارث المال من ~~المتوفى ويبقى له، وقيل: أورثوا منازل أهل النار من الجنة لو أطاعوا ربهم «4». ### || [سورة مريم (19): آية 64] # وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ~~ربك نسيا (64) # (وما نتنزل إلا بأمر ربك) قيل: هو من قول أهل الجنة الذين يرثون المنازل ~~فيها «5»، أي يقولون لا ننزل منزلا من الجنة إلا باذن ربنا، وقيل: نزل حين ~~انقطع الوحي في مدته واستبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل عند ~~سؤال أهل مكة عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح، فلم يدر كيف يجيب ~~ورجى الوحي إليه فتأخر فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال الكفار ودعه ربه وقلاه ~~«6»، قيل: إنه احتبس أربعين يوما «7»، وقيل خمسة عشر «8»، فلما نزل جبرائيل ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبطأت علي حتى ساء ظني وكنت مشتاقا إليك، ~~فقال: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور لا أفعل شيئا إلا باذن، فقال: وما ~~نتنزل، أي قال له الله تعالى قل لمحمد وما نتنزل إلا بأمر ربك (له) أي لله ~~بالاختصاص (ما بين أيدينا) من أمر الآخرة (وما خلفنا) من أمر الدنيا (وما ~~بين ذلك) أي ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة، وقيل: له ما قدامنا وما ~~خلفنا من الجهات والأماكن فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى ~~مكان إلا بأمر ربنا ومشيته، وهو العالم الحافظ بكل حركة وسكون وما يحدث من ~~الأحوال لا يجوز عليه الغفلة والنسيان فلا نتقلب في ملكوته إلا إذا رأي فيه ~~مصلحة وحكمة، وأطلق الإذن لنا فيه «9»، وهو معنى قوله (وما كان ربك نسيا) ~~[64] أي ناسيا لشيء ما، فانه عالم بكل ما كان وما يكون وما هو كائن حافظ ~~له، وقيل: معناه ms1044 ما كان ربك تاركا لك وإن تأخر عنك الوحي لمصلحة «10». ### || [سورة مريم (19): آية 65] # رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) # (رب السماوات والأرض) أي هو مالك ملكوتهما (وما بينهما) من الخلق فكيف ~~يجوز عليه النسيان، فلو جاز ذلك لما جاز أن يكون ربها، فنسيانه مستحيل ~~(فاعبده) أي اثبت على طاعته (واصطبر لعبادته) أي ولا تهن ولا يضق صدرك عن ~~احتباس الوحي مدة وعن شماتة الأعداء بك، يعني اعبده كما أمرك يثبك كما أثاب ~~غيرك من المتقين، وإنما قال «لعبادته» باللام دون «على» نحو واصطبر عليها، ~~لأن العبادة جعلت كالقرن للمحارب لشدتها، فانه يقال للمحارب اصطبر لقرنك ~~فيما يورد عليك من الشدائد، وقيل: يجوز أن يكون PageV03P076 # المعنى: اصطبر على الشدائد لأجل عبادتك «1»، أي ليتمكن لك الاتيان بها ~~(هل تعلم له سميا) [65] أي لم يسم شيء بالله قط، وقيل «سميا» أي مثلا ~~وشبيها «2»، يعني إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العبادة إلا هو وحده لم يكن ~~لك بد من عبادته والاصطبار على مشاقها. ### || [سورة مريم (19): آية 66] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) # قوله (ويقول الإنسان) منكرا للبعث (أإذا ما مت لسوف أخرج حيا) [66] نزل ~~حين فت أبي بن خلف عظما، فقال: أنبعث بعد ما صرنا كذا؟ «3» فالمراد من ~~«الإنسان» الخصوص، وقيل: المراد الجنس «4»، وإنما جاز اسناد القول إلى ~~الجنس بأسره لوجود هذا القول في هذا الجنس فهو من قبيل قولهم قتل بنو فلان ~~فلانا وإنما القاتل واحد منهم، والعامل في «إذا» فعل مضمر، يدل عليه ~~المذكور وهو «أخرج» «لا أخرج» بعد قوله «لسوف» لأجل اللام، وإنما جامع مع ~~حرف الاستقبال لأنه أخلصت هنا للتأكيد وإن اقتضت الحال، أي يؤكد معنى همزة ~~الإنكار في «أ إذا». ### || [سورة مريم (19): آية 67] # أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) # ثم قال تعالى (أولا يذكر الإنسان) بسكون الذال مع التخفيف، وبفتحها مع ~~التشديد «5»، أي أيقول ذلك ولا يتعظ ويعتبر (أنا) أي بأنا (خلقناه من قبل) ~~أي ms1045 قبل هذه الحالة (ولم يك شيئا) [67] موجودا فأوجدناه من العدم، والمعنى: ~~ألا يتذكر النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى، فان تلك أعجب وأغرب ~~وأدل على قدرة الخالق، إذ هي أهون عليه من ذلك. ### || [سورة مريم (19): آية 68] # فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) # ثم أقسم بنفسه فقال (فو ربك لنحشرنهم) أي الكفار (والشياطين) معهم وهم ~~الذين أغووهم، إذ كل كافر سيحشر مع شيطانه في سلسلة (ثم لنحضرنهم) أي ~~لنجمعنهم (حول جهنم) أي فيها (جثيا) [68] عن الزواج، أصله بضم الجيم جمع ~~جاث، وقرئ بكسر اتباعا لما بعده «6»، أي جاثين على الركب لهول ذلك اليوم لا ~~يقدرون على القيام، وقيل: ذلك قبل دخولهم جهنم «7» أو هو مصدر في الأصل وقع ~~حالا هنا. ### || [سورة مريم (19): آية 69] # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) # (ثم لننزعن) أي لنخرجن (من كل شيعة) أي فرقة، يعني من أهل كل دين، وهم ~~الذين تبعوا غاويا من الغواة يقال شاعت إذا تبعت، قوله (أيهم) موصول عند ~~سيبويه مبني على الأصل لكونه بمعنى الذي، وأعرب حملا على بعض فان أضيف إلى ~~جملة تامة بقي على إعرابه، وإن حذف العائد عليه عاد إلى بنائه الأصلي، ~~ومحله نصب ب «ننزععن» الذين هم (أشد على الرحمن عتيا) [69] أي جرأة على ~~الله، وعند الخليل استفهام معرب مبتدأ، خبره «أشد»، فرفعه على الحكاية، أي ~~لننزعن الذين يقال أيهم أشد. ### || [سورة مريم (19): آية 70] # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) # (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى) أي أحق (بها) أي بالنار (صليا) [70] بضم ~~الصاد وكسرها «8»، أي دخولا PageV03P077 # فعلى والباء يتعلقان بأفعل أو هما مع مجرورهما للبيان لا للصلة، لأن ~~«عتيا» و«صليا» مصدران لا يتقدم صلتهما عليهما، فكأنه قيل على من عتيا فقيل ~~عتيا على الرحمن وبأي مكان صليا فقيل صليا بالنار، قيل: # هم القادة في الكفر وساداتهم «1»، يعني يبدأ بهم من طوائف الغي والفساد ~~فيقدم أعصاهم فأعصاهم وأولاهم بالعذاب فأولاهم به على قدر ذنوبهم فيطرحون ~~في النار على ms1046 الترتيب، ودركاتهم أسفل وعذابهم أشد. ### || [سورة مريم (19): آية 71] # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) # ثم خاطب الناس جميعا بقوله (وإن منكم إلا واردها) أي ما منكم أحد إلا ~~وارد النار، قال ابن عباس: «لما نزلت هذه الآية حزن لها الناس حزنا شديدا ~~فأنشأوا يبكون فمكثوا عليه ثلاثة أيام» «2»، وقيل: سنتين «3»، ثم نزل آية ~~التنجية ففرح المسلمون بها، قال جابر سمعت رسول الله يقول: «الورود الدخول ~~لكنها يكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، وعلى الكافر ~~نارا» «4»، روي: «أن أهل الجنة يقولون: ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ ~~فيقال: بلى ولكنكم مررتم بها وهي خادمة» «5»، وقيل: الورود الحضور «6»، ~~والهاء للقيمة أو للنار، قال ابن عباس: «قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كما ~~يقال وردت القافلة البلد وإن لم تذخله ولكن قربت منه» «7»، وقيل: # هو الجواز على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها «8»، وقيل: «المراد من ~~الآية الكفار» «9»، فالمعنى بين ولو كانت الآية عامة فيشكل بقوله أولئك ~~عنها مبعدون «10»، فأجيب عنه بأن المراد عن عذابها ويدل على كون المراد منه ~~الدخول العام آية الإنجاء في قوله (كان على ربك حتما) مصدر بمعنى الإيجاب، ~~ثم سمي به الموجب، أي كان ورودهم فيها من البر والفاجر واجبا على الله ~~بايجابه (مقضيا) [71] قضي به، يعني حكم أن لا يكون غيره. ### || [سورة مريم (19): آية 72] # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) # (ثم ننجي) بالتخفيف والتشديد «11» (الذين اتقوا) من الشرك، أي نخرج ~~المتقين منها (ونذر الظالمين) أي نترك المشركين (فيها جثيا) [72] على الركب ~~حيث قال «ونذر» ولم يقل وندخل، وقيل: معنى «ثم ننجي» نسوق المتقين بعد ورود ~~الكفار فيها إلى الجنة لا أنهم يواردونهم ثم يتخلصون «12». ### || [سورة مريم (19): الآيات 73 الى 74] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) # (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي موضحات للأحكام من الحلال والحرام أو ~~مرتلات الألفاظ مبينات المعاني ms1047 أو حججا وبراهين وهو حال مؤكدة، لأن الآيات ~~لا تكون إلا واضحة وحجحا (قال الذين كفروا) أي أهل مكة كنضر بن الحارث ~~وأصحابه لاختصاص علمهم بظاهر الحيوة الدنيا جهلا (للذين آمنوا) أي لأصحاب ~~رسول الله عليه السلام (أي الفريقين خير مقاما) بضم الميم وفتحها «13»، أي ~~أهل أي دينين خير منزلا (وأحسن نديا) [73] أي مجلسا يجتمع فيه للمشاورة ~~وذلك بأنهم لبسوا الثياب وادهنوا الرؤوس وتطيبوا بالطيب وجاؤا مفتخرين ~~بالزين الفاخرة من الثياب، فقالوا ذلك احتقارا بالمؤمنين وقصدهم بذلك أن ~~يصرفوهم عن PageV03P078 # دينهم فقال تعالى (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) «كم» مفعول، و«من» بيان له، ~~أي كثيرا من القرون الماضية أهلكناهم، قيل: قرن الشيء أعلاه «1»، وكل أهل ~~عصر قرن لمن بعدهم لتقدمهم عليهم، قوله (هم أحسن أثاثا ورءيا) [74] في محل ~~النصب صفة ل «كم»، والأثاث متاع البيت، والمراد الأموال أو اللباس والرئي ~~بالهمزة وتخفيف الياء المنظر والهيئة، وبتشديد الياء بغير همزة «2» الشراب ~~أو التنعم والتزين وهو من الري الذي هو ضد العطش، أي هم أكثر «3» أموالا ~~وأحسن منظرا وزينة من هؤلاء الكفرة فلم يغن ذلك عنهم من عذاب الله شيئا. ### || [سورة مريم (19): آية 75] # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) # (قل) يا محمد (من كان في الضلالة) أي في الكفر (فليمدد له الرحمن مدا) ~~أمر بمعنى الخبر، أي يزيد له مالا وولدا وعمرا ليكون ذلك جزاء ضلالته في ~~الدنيا، ويجوز أن يكون «فليمدد له الرحمن» في معنى الدعاء بأن يمهله الله ~~وينفس في مدة حياته ويمده في طغيانه إلى موته، قوله (حتى إذا رأوا) زيادة ~~تهديد لهم وغاية لقولهم للمؤمنين ما قالوا، يعني هم لا يزالون يقولون هذا ~~القول، أعني الفريقين الآية حتى إذا عاينوا (ما يوعدون) يعني (إما العذاب) ~~في الدنيا، أي القتل والأسر (وإما الساعة) أي عذابهم فيها، وبعضهم جعل «حتى ~~إذا رأوا» الآية متصلة بما يليها، والمعنى: أن الذين في الضلالة ms1048 ممدود لهم ~~في ضلالتهم لا ينفكون عنها إلى أن يعاينوا الله المؤمنين أو يشاهدوا «4» ~~الساعة وعذابها و«حتى» هي التي يحكى بعدها الجملة، ولذا وقع بعدها الجملة ~~الشرطية، وجواب الشرط (فسيعلمون من هو شر مكانا) أي منزلا في مقابلة قولهم ~~خير مقاما (وأضعف جندا) [75] أي أعوانا، يعني أهم أم المسلمون في مقابلة ~~أحسن نديا. ### || [سورة مريم (19): آية 76] # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا (76) # قوله (ويزيد الله) عطف على «فليمدد»، لأنه خبر في المعنى، أي ويزيد الله ~~(الذين اهتدوا) أي آمنوا (هدى) أي هداية بتوفيقه، يعني يزيدهم يقينا وبصيرة ~~بايمانهم (والباقيات الصالحات) أي أعمال الآخرة كلها (خير عند ربك ثوابا) ~~من مفاخرة الكافر (وخير مردا) [76] أي مرجعا وعاقبة من قولهم وفخرهم بما ~~عندهم، لأنه يورثهم النار، ففي قوله «خير ثوابا» تعريض للكفار بأن ثوابهم ~~النار، وهو ضرب من التهكم الذي هو أغيظ من قول القائل عقابهم النار. ### || [سورة مريم (19): آية 77] # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) # قوله (أفرأيت الذي كفر) الآية نزل فيمن سخر بالبعث وهو عاص بن وائل حين ~~عمل له خباب بن الأرت من الصحابة حليا وكان صائغا فسأله أجرة لعمله، فقال ~~له العاص إنكم تزعمون أن القيامة حق، فاذا كان يوم القيامة فاني سأوتين ~~مالا وولدا فأعطيتك منه «5»، فقال الله أفرأيت الذي كفر (بآياتنا) أي ~~بالقرآن وبمحمد (وقال) سخرية (لأوتين مالا وولدا) [77] أي في الجنة إن ~~بعثت، قرئ ال «ولد» بفتح الواو واللام مفردا، وبضم الواو وسكون اللام جمعا ~~«6» للولد كأسد وأسد، وقيل: هو جماعة أهل الرجل «7»، أي أخبرني عنه. ### || [سورة مريم (19): آية 78] # أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) # (أطلع الغيب) همزته استفهام، أي أنظر في اللوح أو أعلم الغيب فعلم أنه ~~يدخل الجنة (أم اتخذ عند الرحمن PageV03P079 # عهدا) [78] أي عقدا يدخل به الجنة وهو قول لا إله إلا الله أو تقديم عمل ~~مرضي عنده بسببه يدخل الجنة. ### || [سورة مريم (19): آية 79] # كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ms1049 مدا (79) # (كلا) ردع للكافر، أي لم يطلع على علم الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا، ~~لأنه نفي لما تقدم، وقيل: # «كلا» بمعنى حقا «1»، حرف تقدم مقام القسم، وجوابه (سنكتب) أي سنحفظ عليه ~~أو سنظهر له أنا كتبنا عليه (ما يقول) من الكذب فنجازيه به أو قاله على ~~سبيل الانتقام في المستقبل من غير صارف عنه (ونمد له) أي نزيده (من العذاب ~~مدا) [79] أي عذابا فوق العذاب. ### || [سورة مريم (19): آية 80] # ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) # (ونرثه ما يقول) «ما» بدل من هاء «نورثه» بدل اشتمال، أي نهلكه ونورث ~~ماله وولده غيره أو نحفظ ما يقول حتى نجازيه به أو نورثه ما يقول إنه له في ~~الجنة غيره من المؤمنين ونعطيه غير ما يقول في النار، والمراد مما يقول ~~مسماه وهو المال والولد لا نفس القول (ويأتينا فردا) [80] أي وحيدا غدا بلا ~~مال ولا ولد. ### || [سورة مريم (19): آية 81] # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) # (واتخذوا من دون الله آلهة) أي منعة في الآخرة (ليكونوا لهم عزا) [81] أي ~~ليعتزوا بهم ويكونوا لهم شفعاء ثمه وأنصارا ينجون بهم من عذاب الله تعالى ~~وهم الأصنام التي يعبدونها هنا. ### || [سورة مريم (19): آية 82] # كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) # قوله (كلا) رد عليهم بمعنى لا منعة لهم ثم (سيكفرون بعبادتهم) أي ~~سيجحدونها (ويكونون) أي المعبودون (عليهم) أي على المشركين (ضدا) [82] أي ~~أعداء يلعنونهم أو أعوانا عليهم في العذاب، قال صلى الله عليه وسلم: # «من يطلب رضا المخلوق في معصية الخالق عاد الحامد له ذاما» «2» ووحد ال ~~«ضد»، لأنه من قبيل قوله عليه السلام: «وهم يد على من سواهم» «3» لاتفاق ~~كلمتهم فانهم كالشيء الواحد لفرط تضامهم. ### || [سورة مريم (19): آية 83] # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) # (ألم تر أنا أرسلنا) أي ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا (الشياطين على ~~الكافرين) مجازاة لكفرهم، أي لم نعصمهم (تؤزهم أزا) [83] أي تزعجهم إزعاجا ~~وتغريهم إغراء وتسوقهم إلى المعاصي بسرعة في الدنيا، وهو تعجيب للنبي صلى ~~الله عليه ms1050 وسلم منهم، نزل في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة نفر «4»، وال ~~«أز» في الأصل هو الحركة مع صوت متصل من أزيز القدر رأى غليانه. ### || [سورة مريم (19): الآيات 84 الى 85] # فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) # قوله (فلا تعجل عليهم) تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لا تعجل يا ~~محمد لطلب العذاب قبل وقته (إنما نعد لهم) أنفاسهم وأعمارهم وأعمالهم ~~ليستوفوا آجالهم (عدا) [84] فلا يزادون عليها ولا ينقصون منها ثم يهلكون ~~فتستريح أنت والمؤمنون من شرورهم (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) [85] ~~أي اذكر يوم نجمع المتقين الله بطاعته في الدنيا من قبورهم أو بعد الحساب ~~إلى جنة الرحمن ركبانا على النوق رحالها الذهب والنجائب سروجها يواقيت، ~~والوفد جمع وافد كركب وراكب، والوافد من يأتي بالخبر، والمعنى: أن الرحمن ~~يجازي بهم وينعمهم بفضله وإحسانه. PageV03P080 ### || [سورة مريم (19): آية 86] # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) # (ونسوق المجرمين) أي العاصين (إلى جهنم وردا) [86] جمع وارد فيساقون ~~إليها رجالة عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش، وأصل الوارد من الورود إلى ~~الماء والوارد على الماء يكون عطشان. ### || [سورة مريم (19): الآيات 87 الى 88] # لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا (88) # قوله (لا يملكون الشفاعة) أي المؤمنون والمجرمون، كلهم نصب على الحال ~~(إلا من اتخذ) في الدنيا (عند الرحمن عهدا) [87] أي عقدا موثقا بأن آمن ~~وعمل صالحا فيستحق به دخول الجنة، وقيل: هو الشهادتان «1»، وقيل: من عهد ~~الأمير بكذا إلى فلان إذا أمر به، أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة من أهل ~~الإيمان «2»، ومحل «من اتخذ» رفع بدل من واو «يملكون» (وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا) [88] أي اليهود والنصارى. ### || [سورة مريم (19): آية 89] # لقد جئتم شيئا إدا (89) # (لقد جئتم شيئا إدا) [89] أي منكرا، وأصله بالكسر والفتح «3» العجب، يعني ~~بل لهم يا محمد لقد قلتم قولا عظيما منكرا، وقيل: كذبا وزورا «4» لقولكم ~~اتخذ الله ولدا. ### || [سورة مريم (19): آية 90] # تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) # (تكاد) بالتاء ms1051 والياء «5»، أي تقرب (السماوات يتفطرن) أي يتشققن (منه) أي ~~من قولهم، قرئ بالتاء وبالنون «6» من تفطر أو من انفطر (وتنشق الأرض) أي ~~تتصدع أجزاؤها أو تنخسف (وتخر الجبال) أي تسقط أو تنطبق عليهم (هدا) [90] ~~أي كسرا. ### || [سورة مريم (19): الآيات 91 الى 92] # أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) # قوله (أن دعوا) مفعول له، أي لأن سموا (للرحمن ولدا) [91] فالدعاء بمعنى ~~التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين، حذف الثاني ليعم بكل ما دعى له ولدا أو من ~~دعا بمعنى نسب، أي لأجل أن نسبوا له ولدا، وقيل: # «أن دعوا» فاعل «هدا»، أي هد الجبال دعاؤهم للرحمن ولدا «7»، ثم نفى عن ~~نفسه الولد فقال (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) [92] انبغى مطاوع بغي إذا ~~طلب، أي لا يستقيم له تعالى اتخاذ الولد لعدم حاجته إليه وعدم مجانسته لشيء ما. ### || [سورة مريم (19): آية 93] # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) # (إن كل من في السماوات والأرض) أي ما كل من فيهما (إلا آتي الرحمن عبدا) ~~[93] ف «إن» بمعنى النفي كما، و«كل» مبتدأ، خبره «آتي»، و«من» نكرة موصوفة ~~لوقوعها بعد «كل»، والمعنى: سيأتي جميع الخلائق يوم القيامة إلى الرحمن ~~خاضعا ذليلا مقرا بالعبودية كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، يعني يلتجئون ~~إلى ربوبيته منقادين كما يفعل العبيد للملوك فلا يليق به اتخاذ الولد منهم. ### || [سورة مريم (19): آية 94] # لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) # (لقد أحصاهم وعدهم عدا) [94] أي لقد ضبط عليهم أعمالهم وعلم عددها وحفظها ~~خيرهم وشرهم لا يفوته شيء من أحوالهم ليجازيهم بما استحقوا من الجزاء. PageV03P081 ### || [سورة مريم (19): آية 95] # وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) # (وكلهم آتيه) أي كل واحد منهم يأتيه (يوم القيامة فردا) [95] أي منفردا ~~ليس معه مال ولا ولد ولا أحد من المشركين وهو بريء منهم. ### || [سورة مريم (19): آية 96] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل) أي سيحدث (لهم الرحمن ودا) [96] ~~أي مودة في القلوب لا بسبب من أسباب يكتسب بها الناس ms1052 مودة في قلوبهم كقرابة ~~وعطاء وصدقة وغير ذلك بل هو اختراع من الله ابتداءا اختصاصا منه لأوليائه ~~بكرامة خاصة، قيل: «معناه يحبهم الله ويحبهم إلى عباده في الدنيا» «1»، وقيل: # يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم في كتبهم «2»، روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عليه: «يا علي قل اللهم اجعل لي عندك ~~عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة» «3»، فأنزل الله هذه الآية، قيل: «ما ~~أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه» «4» حتى ~~يرزقه مودتهم. ### || [سورة مريم (19): آية 97] # فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) # (فإنما يسرناه) أي سهلنا القرآن (بلسانك) أي بلغتك وهو اللسان العربي ~~(لتبشر به المتقين) أي الموحدين الخائفين الراجين (وتنذر به قوما لدا) [97] ~~أي شديد الخصومة، جمع ألد كصم وأصم، قال مجاهد: «الألد الظلم الذي لا ~~يستقيم» «5»، وقيل: «هو الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل» «6». ### || [سورة مريم (19): آية 98] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) أي قبل قريش (هل تحس منهم) أي هل تجد (من أحد) ~~أو تري (أو تسمع لهم ركزا) [98] أي صوتا خفيا، والركز هو الصوت الخفي الذي ~~لا يفهم، ومنه الركاز وهو المال المدفون، والاستفهام فيه بمعنى النفي، أي ~~لا تحس ولا تسمع بل أهلكوا جميعا وهو تخويف لأهل مكة بهلاك من قبلهم ~~بالعذاب بسوء أعمالهم وترك التوحيد. PageV03P082 ### | سورة طه # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة طه (20): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) # قيل: لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة اجتهد في ~~الصلوة وأطال القيام فيها، وكان يصلي الليل كله حتى شق عليه ذلك وقام على ~~إحدى رجليه ورفع أخرى فنزل «1» (طه) [1] قرئ بفتح الطاء والهاء، وبكسرهما ~~وبين الفتح والكسر، وبفتح الطاء وكسر الهاء «2»، أي يا محمد طئ الأرض ~~بقدميك جميعا، وقيل: «معناه يا رجل ms1053 بلسان عك» «3» خطابا للنبي عليه السلام، ~~وقيل: «طه قسم أقسم به الله تعالى» «4»، جوابه (ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى) [2] أي لتتعب به، وقيل: إنه رد لقول المشركين إنك شقي تركت دين ~~آبائك «5»، والشقاء يستعمل للتعب وضد السعادة، أي أنت لست بسعيد، فرده الله ~~تعالى بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو السبيل إلى نيل كل سعادة وما فيه ~~الكفر هو الشقاوة بعينها. ### || [سورة طه (20): آية 3] # إلا تذكرة لمن يخشى (3) # قوله (إلا تذكرة) مفعول له، أي ما أنزلناه عليك إلا عظة (لمن يخشى) [3] ~~أي لمن يسلم ويؤول أمره إلى الخشية من الله ولا يجوز أن يكون بدلا من ~~«لتشقى» لاختلاف الجنسين. ### || [سورة طه (20): آية 4] # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # (تنزيلا) مصدر «أنزلنا» «6» من غير لفظه، أي أنزله تنزيلا (ممن خلق الأرض ~~والسماوات العلى) [4] جمع العليا، فيوصف «7» به السماء للدلالة على عظم ~~قدرة خالقها بعلوها. ### || [سورة طه (20): الآيات 5 الى 6] # الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى (6) # قوله (الرحمن) رفع مبتدأ، و(على العرش) متعلق بقوله (استوى) [5] وهو خبر ~~المبتدأ، والجملة مسبوقة للمدح تعظيما لشأن المنزل، أي هو استولى عليه ~~وملكه، لا شريك له فيه، والعرش سرير الملك، جعلوه كناية عن الملك، يقال ~~فلان على العرش يراد أنه ملك واستولى وإن لم يقعد على السرير البتة، ثم بين ~~بقوله (له ما في السماوات وما في الأرض) من خلق أن كمال القدرة وتمام الملك ~~مختص به تعالى، قوله (وما بينهما) عطف على PageV03P083 # «ما»، أي وله ما بينهما من جميع المخلوقات (و) له (ما تحت الثرى) [6] وهو ~~التراب الرطب مقدار خمسمائة عام تحت الأرض، ولو لا ذلك لأحرقت النار الدنيا ~~وما فيها، وقيل: «هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة، وهي صخرة خضراء فيها ~~كتب الكفار اسمها سجين» «1»، وقيل: «إن الأرض على الماء وهو على الحوت وهو ~~على الصخرة وهي على قرني الثور وهو على الثرى، ولا يعلم ما تحته إلا الله ~~تعالى» «2». ### || [سورة طه (20): آية 7] # وإن ms1054 تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) # قوله (وإن تجهر بالقول) إشارة إلى كمال علمه بعد بيان كمال قدرته وملكه، ~~أي إن تعلن بالقرآن أو بذكر الله من دعاء أو غيره، فاعلم أنه غني عن جهرك ~~(فإنه) أي لأنه (يعلم السر) أي ما أسررته إلى غيرك (و) يعلم (أخفى) [7] من ~~ذلك وهو ما أخطرته ببالك أو ما أسررته في نفسك وما ستسره فيها، وهذا الكلام ~~إما نهي عن الجهر كقوله «ودون الجهر من القول» «3»، وإما تعليم للعباد أن ~~الجهر ليس لإسماع الله تعالى بل لغرض آخر. ### || [سورة طه (20): آية 8] # الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8) # ثم بين الله تعالى لخلقه أنه واحد في المعبودية لا شريك له فيها بقوله ~~(الله لا إله إلا هو) أي لا معبود في الأرض ولا في السماء إلا هو (له ~~الأسماء الحسنى) [8] أي الصفات العلى التي يستحق بها الربوبية والعبادة لا ~~غيره كالخالق الرازق المحيي المميت المثيب المعاقب، و«الحسنى» تأنيث ~~الأحسن، والسبب في فضل أسمائه في الحسن على سائر الأسماء دلالتها على معاني ~~التقديس والتحميد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن. ### || [سورة طه (20): آية 9] # وهل أتاك حديث موسى (9) # ثم عقب آية «طه» بحديث موسى عليه السلام بقوله (وهل أتاك) استفهام بمعنى ~~التقرير، أي قد أتاك (حديث موسى) [9] أي خبره لتقتدي به في تحمل أعباء ~~النبوة والصبر على مقاساة الشدائد لنيل الفوز العظيم عند الله والمقام ~~المحمود، يعني تأس بموسى يا محمد في تحمل شدائد الرسالة. ### || [سورة طه (20): آية 10] # إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار هدى (10) # قوله (إذ رأى) ظرف ل «حديث موسى» وبيان له، وقيل: تقديره اذكر إذ رأى «4» ~~(نارا) من بعيد (فقال لأهله) أي لزوجته ومن معها، قرئ «لأهله» بكسر الهاء ~~وبضمها «5» (امكثوا) أي أقيموا مكانكم وقفوا (إني آنست نارا) أي أبصرتها ~~«6»، وذلك حين رجع من مدين إلى مصر بعد أن استأذن شعيبا عليه السلام في ~~الخروج إلى زيارة أمه ms1055 وأخيه هرون، فخرج بأهله وماله، فولد له في الطريق ابن ~~في ليلة شاتية مظلمة ذات ثلج، وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، ~~وقدح زنده فصلد ورأى نارا عند ذلك، وقيل: إنه أخذ على غير الطريق مخافة من ~~ملوك الشام فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي «7»، فقال قفوا هنا فاني ~~رأيت نارا (لعلي آتيكم منها بقبس) وهو قطعة نار في رأس عود أو فتيلة أو ~~غيرهما (أو أجد على النار هدى) [10] أي هاديا يدلنا على الطريق. PageV03P084 ### || [سورة طه (20): الآيات 11 الى 12] # فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى (12) # (فلما أتاها) أي انتهى إلى النار (نودي يا موسى [11] إني أنا ربك) قرئ ~~بفتح «أن»، أي بأني وبكسرها على الاستئاف «1»، قيل: رأى شجرة خضراء من ~~أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد كأضوأ ما يكون فلا ضوء النار يغير خضرة ~~الشجرة ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار «2»، قيل: إنها كانت شجرة العناب ~~كلما طلبها بعدت عنه فاذا تركها قربت منه وتعجب منها وبهت أكثر المفسرين ~~على أنها نور الرب تعالى «3»، وقيل: «هي النار بعينها» «4» كما قال النبي ~~عليه السلام عليه: «حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ~~بصره من خلقه» «5»، ثم سمع تسبيح الملائكة وألقيت عليه السكينة، ثم سمع ~~النداء من الشجرة يا موسى، فقال من المتكلم؟ فقال الله إني أنا ربك، ووسوس ~~الشيطان إليه لعلك تسمع كلام شيطان، فقال أنا عرفت أنه كلام الله بأني ~~أسمعه من جميع الجهات الست وأسمعه بجيمع أعضائي، وكرر الضمير في «إني أنا ~~ربك» لتحقيق المعرفة ونفي الشبهة، فأجاب موسى سريعا أني أسمع صوتك ولا أرى ~~مكانك، فأين أنت؟ فقال أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك ~~(فاخلع نعليك) أي ألقهما، فألقاهما من وراء الوادي، لأنهما كانا من جلد ~~حمار ميت غير مدبوغين، وقيل: أمر بخلعهما لتناله بركة الأرض المقدسة ~~وتنالها بركتها «6» (إنك بالواد المقدس) أي الأرض الطاهرة الطيبة (طوى) ~~[12] بالتنوين وغيره «7»، اسم الوادي، ms1056 عطف بيان له منصرف بتأويل المكان ~~وغير منصرف بتأويل البقعة المعروفة. ### || [سورة طه (20): آية 13] # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) # (وأنا اخترتك) أي أصطفيتك يا موسى للرسالة، مفردا في الكلمتين وجمعا ~~فيهما مع كسر «إن» تعظيما لله تعالى «8» (فاستمع لما يوحى) [13] إليك، أي ~~اعمل بما تؤمر وتنهي. ### || [سورة طه (20): آية 14] # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) # ثم بين له توحيده فقال (إنني أنا الله لا إله إلا أنا) أي لا معبود للخلق ~~إلا أنا (فاعبدني) أي أطعني واستقم على توحيدي (وأقم الصلاة لذكري) [14] أي ~~لتذكرني، فان ذكري أن أعبد ويصلى «9» لي أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلوة ~~على الأذكار، وقيل: صل الصلوة إذا ذكرتها بعد النسيان «10»، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «من نسي صلوة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» «11». ### || [سورة طه (20): آية 15] # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) # (إن الساعة آتية) أي كائنة البتة (أكاد أخفيها) أي أقرب أن أستر الساعة ~~عن العباد، ولا أقول هي آتية لفرط إرادتي أخفاءها ليكونوا علي وجل منها في ~~كل وقت، وقيل: معناه أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم PageV03P085 # عليها «1»، وقيل: «أكاد» صلة «2»، وقيل: «إنه بمعنى أريد» «3»، قوله ~~(لتجزى كل نفس) علة للإخفاء، أي أخفيها لتجزي كل نفس (بما تسعى) [15] أي ~~بعملها من خير وشر. ### || [سورة طه (20): الآيات 16 الى 17] # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا ~~موسى (17) # (فلا يصدنك) يا موسى (عنها) أي عن الإيمان بها (من لا يؤمن بها) من ~~الكفار (واتبع هواه) في عبادة غير الله تعالى ومخالفة أمره (فتردى) [16] أي ~~فتهلك إن صددت عنها، قيل: الردي الموت والهلاك «4»، والمراد بهذا النهي ~~الأمر بالاستقامة في الدين، وهو خطاب له والمراد غيره، ثم سأل الله عما في ~~يده من العصا لإزالة الوحشة عن موسى لأنه كان خائفا فاستأنس «5» بسؤاله ~~ولتنبيهه على منافعها وللتقرير أنه عصا حتى لا يخاف إذا صارت ثعبانا ويعلم ~~أنها معجزة عظيمة ms1057 فقال (وما تلك بيمينك يا موسى) [17] أي أي شيء «6» هذه أو ~~التي بيدك وكان عالما بما في يده ولكن الحكمة في سؤاله ما ذكرنا. ### || [سورة طه (20): آية 18] # قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) # (قال) موسى (هي عصاي) فقال «7»: ما تصنع بها مريدا أن ينضم إقراره بلسانه ~~إلى معرفته بقلبه قال (أتوكؤا) أي أعتمد (عليها) إذا عييت أو عند الوثبة ~~(وأهش) أي وأخبط «8» (بها) ورق الشجر (على غنمي) لتأكله (ولي فيها مآرب ~~أخرى) [18] جمع مأربة وهي الحاجة وهي أنه يحمل عليها زاده وسقاءه وتماشيه ~~وتحدثه ويضرب بها الأرض، وكان لها «9» شعبتان وفي أسفلها سنان فيخرج ما ~~يأكل يومه ويخرج الماء ويركزها فتورق وتحمل أي ثمرة أحب وربما يدليها في ~~البئر وتصير «10» شعبتاها كالدلو فيخرج الماء وتضيء بالليل كالشمس وتحارب ~~عنه وتطرد الهوام ويستظل بها إذا قعد، وكان عصا موسى اثني عشر ذراعا بذراعه ~~من عود آس من شجر الجنة استودعها عند شعيب ملك من الملائكة في صورة إنسان. ### || [سورة طه (20): الآيات 19 الى 21] # قال ألقها يا موسى (19) فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف ~~سنعيدها سيرتها الأولى (21) # (قال) الله تعالى (ألقها) أي عصاك من يدك (يا موسى [19] فألقاها فإذا هي ~~حية) عظيمة صفراء من أعظم ما يكون من الحيات وهي جنس تعم الذكر والأنثى ~~والصغير والكبير، فربما تكون جانا وهو الخفيف من الحيات وتكون «11» ثعبانا ~~وهو عظيمها (تسعى) [20] أي تسرع وتنسل على بطنها رافعة رأسها وراءها ~~وعيناها تتقدان كالنار تبتلع كل حجر وشجر تمر به ويسمع لأنيابها صريفا ~~شديدا، فهرب موسى منها خائفا فثم (قال) تعالى لموسى (خذها ولا تخف سنعيدها ~~سيرتها الأولى) [21] أي سنجعلها عصا كما كانت أول مرة والسيرة الطريقة التي ~~يكون عليها الإنسان غريزية كانت أو مكتسبة، فكشف عن يده بأمر الله تعالى ~~ولف كم مدرعته على يده وأدخلها في فمها فصارت عصا وهي ظرف لقوله «سنعيدها»، ~~وأراه هذه الآية لئلا «12» يخاف عند فرعون إذا انقلبت حية. ### || [سورة طه ms1058 (20): الآيات 22 الى 23] # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) # ثم أراه آية أخرى فقال (واضمم يدك إلى جناحك) أي إلى جنبك «13» تحت العضد ~~(تخرج بيضاء من غير PageV03P086 # سوء) أي برص، لأن يده كانت ذات نور تضيء كشعاع الشمس (آية أخرى) [22] أي ~~حال كونها آية أخرى مع العصا، وقيل: «آية» منصوبة «1» بمضمر «2»، أي خذها ~~«3» آية أخرى (لنريك من آياتنا) الآية (الكبرى) [23] أي العظمى وكانت هذه ~~أكبر آياته أو المعنى: فعلنا ذلك لنريك من آياتنا الكبرى. ### || [سورة طه (20): آية 24] # اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) # ثم قال تعالى (اذهب إلى فرعون إنه طغى) [24] أي علا وتكبر وجاوز الحد في ~~الكفر والعصيان، فادعه إلى عبادتي فلما سمع موسى هذا الأمر منه علم أنه حمل ~~أمرا عظيما فدعا ربه أن يسهل ذلك عليه ليبلغه إلى فرعون كما أمره. ### || [سورة طه (20): الآيات 25 الى 26] # قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) # (قال رب اشرح لي صدري) [25] أي وسع قلبي لتحمل الحق والمشاق وردي أخلاق ~~فرعون وأتباعه، وفي ذكر «لي» قبل «صدري» تكرير للمعنى الواحد من طريقي ~~الإجمال والتفصيل، لأنه لما قيل «اشرح لي» علم أنه ثمه «4» مشروحا مبهما ثم ~~قيل «صدري» فقد بين ورفع الإبهام، فكان آكد لطلب الشرح وكذا في قوله (ويسر ~~لي أمري) [26] أي سهله لي لأبلغ الرسالة إليه. ### || [سورة طه (20): الآيات 27 الى 28] # واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) # (واحلل عقدة) أي لكنة (من لساني) [27] وهي الرتة التي حصلت من إلقاء ~~الجمرة في فيه عند فرعون وآسية (يفقهوا قولي) [28] أي يفهم هو وقومه «5» ~~كلامي عند تبليغ الرسالة، وذلك أن موسى في صغره أخذ بلحية فرعون فأراد ~~قتله، فقالت آسية زوجته: صبي لا يعقل جربه إن شئت فجعلت في طستا جمرا وفي ~~آخر جوهرا ووضعتهما لدى موسى فقصد إلى أخذ الجوهر، وأخذ جبرائيل يده فوضعها ~~على الجمر فرفعها إلى فيه، فاحترق لسانه فكانت له منه لكنة. ### || [سورة طه (20): الآيات 29 الى 30] # واجعل لي وزيرا ms1059 من أهلي (29) هارون أخي (30) # (واجعل لي وزيرا) أي معينا أعتمد عليه، من الموازرة وهي المعاونة (من ~~أهلي [29] هارون) عطف بيان ل «وزيرا»، و(أخي) [30] بدل من «هارون». ### || [سورة طه (20): آية 31] # اشدد به أزري (31) # (اشدد به) بفتح الهمزة وجزم الدال «6» خبر في جواب الطلب أي أقو به ~~(أزري) [31] أي ظهري، وقيل: # الأزر القوة «7»، وقرئ بضم الهمزة وهو دعاء من موسى، المعنى: افعل أنت ~~اللهم ذلك به. ### || [سورة طه (20): الآيات 32 الى 35] # وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا ~~بصيرا (35) # (وأشركه) بضم الهمزة خبر من موسى عطف على «اشدد» الجواب، أي اجعله شريكا ~~لي «8»، وبفتحها «9» دعاء من موسى، أي افعل أنت ذلك به (في أمري) [32] الذي ~~حملتني وهو تبليغ الرسالة (كي نسبحك) تسبيحا (كثيرا [33] ونذكرك) ذكرا ~~(كثيرا) [34] أي على كل حال (إنك كنت بنا بصيرا) [35] أي عالما بنا في ~~الأحوال PageV03P087 # كلها وبأن التعاضد مما يصلحنا وإن هرون نعم الوزير، فانه أكبر مني سنا ~~وأفصح لسنا. ### || [سورة طه (20): الآيات 36 الى 38] # قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا ~~إلى أمك ما يوحى (38) # (قال) الله (قد أوتيت سؤلك يا موسى) [36] أي أعطيناك مطلوبك منا منة عليك ~~(ولقد مننا عليك مرة أخرى) [37] أي أكرمناك بكرامات قبل هذه المرة من غير ~~أن تسألنا، ثم بين ذلك بقوله (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) [38] مناحا أو ~~إلهاما في قلبها أو بارسال ملك إليها لا على وجه النبوة. ### || [سورة طه (20): آية 39] # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي ~~وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) # (أن اقذفيه) تفسير لما يوحى بمعنى القول، أي قلنا ألقي موسى (في التابوت) ~~فأخذت قطنا محلوجا ووضعته في التابوت وألقت فيه موسى وسددت عليه وأحكمته ~~بالقير لئلا يدخل فيه الماء، وكان يدخل نهر من النيل إلى دار فرعون ~~(فاقذفيه في اليم) أي اقذفي التابوت في النيل (فليلقه اليم بالساحل) جانب ~~البحر وجعل اليم كأنه ذو تمييز، ms1060 فأسند الإلقاء إليه، لأن جريه بأمره تعالى، ~~والساحل من السحل، لأنه يسحله الماء، أي يقشره ويسحله (يأخذه) بالجزم جواب ~~الأمر وهو فليلقه، قيل: الأولى أن يرجع الضمائر كلها إلى موسى من رجوع ~~بعضها إليه التابوت لما فيه قبح من تنافر النظم «1» الذي هو أم إعجاز ~~القرآن، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر، أي يأخذ موسى (عدو لي وعدو له) ~~وهو فرعون فدخل التابوت من النيل في نهر كبير يجري منه إلى دار فرعون، وكان ~~جالسا مع امرأته على رأس البركة، فاذا بتابوت يجيء به الماء نحو داره فأمر ~~باخراجه ففتح التابوت، فاذا فيه صبي أحسن الناس وجها، فأخذه فرون وأحبه هو ~~وامرأته حبا شديدا بحيث لا يصبران عنه، ويصدقه قوله (وألقيت عليك محبة مني) ~~قوله «مني» يجوز أن يتعلق ب «ألقيت»، فالمعنى: أني أحببتك ومن أحببته أحبته ~~القلوب، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، أي محبة حاصلة مني بأن زرعتها في القلوب، ~~فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك، وقيل: «كان في عينيه ملاحة ما رآها أحد إلا ~~أحبه» «2»، قوله (ولتصنع) عطف على مقدر، أي لتحب ولتصنع، يعني لتربي (على ~~عيني) [39] أي على حفظي إياك في الأحوال كلها. ### || [سورة طه (20): آية 40] # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ~~ثم جئت على قدر يا موسى (40) # قوله (إذ تمشي) بدل من «إذ أوحينا» ولا يمنعه اختلاف الوقتين وتباعدهما ~~لا تساع الوقت، وقيل: عامله «ألقيت» أو «تصنع» «3» (أختك) أي مريم خرجت ~~لتعرف خبره فجاءت إلى آل فرعون وكان لا يقبل ثدي مرضعة (فتقول) أي فقالت ~~لهم (هل أدلكم على من يكفله) من المراضع بأن تضمه إليها ويقبل ثديها، قالوا: # نعم، من هي؟ قالت أمي، قالوا لها لبن، قالت نعم لبن أخي هرون فجاءت بها ~~وقبل ثديها (فرجعناك) أي رددناك (إلى أمك كي تقر عينها) أي تطيب نفسها ~~بلقائك (ولا تحزن) أي ليزول حزنها (وقتلت ms1061 نفسا) وهي نفس القبطي فاغتممت ~~خوفا من الله أو من اقتصاص فرعون (فنجيناك من الغم) بأن غفرنا لك أو من ~~غضبه وشره (وفتناك فتونا) أي ابتليناك واختبرناك ببلاء بعد بلاء وتخليصك ~~منه، الفتنة المحنة وكل ما شق على الإنسان وكل ما يبتلى «4» الله به عباده ~~فتنة، والفتون مصدر كذلك وهو وقوع موسى في محنة بعد محنة خلصه الله منها، ~~روي: أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس عن الفتون الواقع على موسى، قال ولد في ~~عام يقتل فيه الولدان فهذه فتنة يا ابن جبير وألقته أمه في البحر وهم فرعون ~~بقتله وقد قتل قبطيا وآجر نفسه عشر سنين وضل الطريق PageV03P088 # وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان ابن عباس يقول في كل واحد: «فهذه فتنة ~~يا ابن جبير» «1» (فلبثت سنين) أي فخرجت من مصر هاربا من فرعون ومكث سنين ~~لرعي الأغنام (في أهل مدين) أي عند شعيب، قيل: «مكث ثماني وعشرين، منها مهر ~~ابنته وأقام عنده ثماني عشرة حتى ولد له» «2» (ثم جئت على قدر يا موسى) ~~[40] أي موعد مقدر في علمي ووهبت لك نبوة وكان مجيئه على رأس أربعين سنة ~~يوحى فيها إلى الأنبياء. ### || [سورة طه (20): آية 41] # واصطنعتك لنفسي (41) # (واصطنعتك) أي اصطفيتك (لنفسي) [41] أي لوحيي بأن جعلتك رسولا لي فقال ~~موسى يا رب حسبي حسبي فقد تمت كرامتي. ### || [سورة طه (20): آية 42] # اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (42) # (اذهب أنت وأخوك بآياتي) وهي التسع (ولا تنيا) أي لا تفترا (في ذكري) ~~[42] أي في تسبيحي «3» وتقديسي والالتجاء إلي وذلك ينجيكما «4»، وقيل: لا ~~تعجزا عن أداء رسالتي «5». ### || [سورة طه (20): الآيات 43 الى 44] # اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) # (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) [43] أي تكبر وعلا بادعاء الربوبية (فقولا له ~~قولا لينا) أي كلاما سهلا بالرفق واللطف ولا تعنفاه ولا تزجراه، وقيل: ~~كنياه بأن تقولا يا أبا الوليد أو يا أبا العباس «6» (لعله يتذكر) أي يتأمل ~~فيتعظ (أو يخشى) [44] الله فيؤمن، لأن الرؤساء بكلام ms1062 اللين أقرب إلى ~~الانقياد من كلام العنف، قيل: قد سبق في علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم فكيف ~~يستقيم قوله لعله يتذكر أو يخشى، أجيب بأن الترجي في «لعل» لهما، أي اذهبا ~~على رجائكما لا يخيب سعيكما «7»، قيل: تذكر فرعون وخشي حين ألجمه الغرق فلم ~~ينفعه «8»، وقيل: # منعه هامان من الإيمان بموسى لما روي أن موسى وعده على قبول الإيمان ~~شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع منه إلا بالموت ويبقى عليه لذة المطعم والمشرب ~~والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة فأعجبه ذلك، وكان هامان غائبا لا ~~يقطع أمرا بدونه، فلما قدم أخبره بما قال له موسى وقال أردت أن أقبل منه يا ~~همان، فقال له هامان كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت الآن رب تريد أن تكون ~~مربوبا فأبى من الإيمان بموسى «9»، قيل: كان هرون يومئذ بمصر فأمر الله ~~موسى أن يأتي هرون وأوحي إلى هرون وهو بمصر يجاوز أن يتلقى موسى فتلقاه إلى ~~مرحلة، فأخبره موسى بما أوحي إليه فدعوا الله حينئذ «10». ### || [سورة طه (20): الآيات 45 الى 47] # قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني ~~معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ~~ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) # (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا) أي أن يعجل بالعقوبة لنا، و«فرط» ~~بموسى سبق (أو أن يطغى) [45] أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا فنعجز عن ~~تبليغ الرسالة إليه (قال لا تخافا) منه (إنني معكما) بنصرتي (أسمع) ما يقول ~~لكما (وأرى) [46] ما يفعل بكما، يعني لست بغافل عنكما فلا تهتما (فأتياه) ~~أي اذهباه (فقولا) له (إنا رسولا ربك) إليك (فأرسل معنا بني إسرائيل) إلى ~~الشام وقال في موضع آخر «إنا رسول رب العالمين» «11»، PageV03P089 # قالوا فيه دليل على جواز رواية الأخبار بالمعنى، إذ العبرة للمعنى دون ~~اللفظ، لأن الله تعالى حكى معنى واحدا بألفاظ مختلفة (ولا تعذبهم) بالأشغال ~~الشاقة، ثم فسر رسالتهما ms1063 بقوله (قد جئناك بآية) أي حجة على صدقنا وهي اليد ~~والعصا (من ربك) فلا تدع الربوبية برؤية الحجة، إذ الرسالة لا تثبت إلا ~~بحجة ظاهرة، وإنما وحد «آية» وإن جاءا بآيتين، لأنهما في حكم المفرد، لأن ~~الحجة انما تقوم بهما (والسلام) المنجي من سخط الله (على من اتبع الهدى) ~~[47] أي التوحيد. ### || [سورة طه (20): الآيات 48 الى 50] # إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا ~~موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (50) # (إنا قد أوحي إلينا أن العذاب) أي عذاب الآخرة على الدوام (على من كذب) ~~بالتوحيد وبما جئنا به (وتولى) [48] أي أعرض عنه (قال) فرعون (فمن ربكما) ~~الذي أرسلكما إلي (يا موسى) [49] خاطبهما أولا ثم خص موسى بالنداء، لأنه هو ~~الأصل في الرسالة وهرون تعابعه (قال) موسى (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه) أي ~~شكله الذي اقتضاه حكمته وطابق منفعته لا يشاركه فيه غيره كما أعطي العين ~~الهيئة التي يطابق الأبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الأسماع، وكذلك كل عضو ~~من أعضاء كل حيوان يطابق بما علق به من المنفعة (ثم هدى) [50] أي ألهم كل ~~شيء مصلحته كالأكل والشرب والجماع وغير ذلك مع كيفياتها وهو إيماء من موسى ~~إلى الاستدلال على معرفة الله وربوبيته. ### || [سورة طه (20): الآيات 51 الى 52] # قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ~~ولا ينسى (52) # ثم قال موسى عن حال من مات من القرون الماضية بأن (قال فما بال) أي حال ~~(القرون الأولى) [51] أي الأمم الماضية مثل قوم نوح وعاد وثمود وهم كانوا ~~عبدة الأوثان وجحدة البعث، فأجاب بأن هذا سؤال عن الغيب ولا يعلم الغيب إلا ~~الله، وذلك قوله (قال علمها) أي علم أحوال القرون (عند ربي في كتاب) أي ~~مكتوب عنده في اللوح المحفوظ (لا يضل ربي) عن شيء، أي لا يخطأه ولا يغيب ~~عنه (ولا ينسى) [52] شيئا ما كالإنسان وغيره فيجازيهم بأعمالهم، وقيل: إنما ~~رد موسى علم ذلك إلى ms1064 الله لأنه لم يعلم ذلك قبل نزول التورية ونزولها بعد ~~هلاك فرعون وقومه «1». ### || [سورة طه (20): آية 53] # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى (53) # ثم قال تعالى لمشركي المكة الرب الذي ذكره موسى لفرعون (الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا) أي ذا مهد لكم ولمصالحكم كالمهد للصبي، ويجوز أن يكون الذي صفة ~~«ربي»، فيكون الوصف تعريفا لفرعون وقومه، يعني ربي الذي جعل لكم الأرض ~~قرارا، أي موضع القرار والسكون، قرئ «مهادا» «2»، أي فراشا (وسلك) أي والذي ~~سهل (لكم فيها سبلا) أي طرقا لتسلكوها (وأنزل) أي والذي أنزل (من السماء ~~ماء) أي مطرا (فأخرجنا به) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للإيذان بأنه ~~ملك مطاع يفعل ما يشاء لا أحدا ينازعه في فعله وحكمه، أي نحن أنبتنا بالمطر ~~(أزواجا) أي أصنافا (من نبات شتى) [53] أي مختلفة جمع شتيت، والنبات يعم ~~الواحد والجمع ولذا قال «شتى»، واختلاف النبات بالنفع والطعم واللون ~~والرائحة والشكل بعضها يصلح للإنسان وبعضها يصلح لغيره من البهائم. ### || [سورة طه (20): آية 54] # كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) # (كلوا وارعوا أنعامكم) أي قائلين «كلوا» حال من ضمير «أخرجنا»، والمعنى ~~أخرجنا أصنافا من النبات PageV03P090 # آذنين في الانتفاع بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها (إن في ذلك) ~~أي في اختلاف النبات (لآيات) أي لعبرات (لأولي النهى) [54] أي لذوي العقول ~~من الناس، جمع نهية، لأنها تنهى صاحبها «1» عن القبح. ### || [سورة طه (20): آية 55] # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) # (منها) أي من الأرض (خلقناكم) أي أصلكم وهو آدم وأنتم منه (وفيها نعيدكم) ~~أي بعد موتكم بالدفن فيها (ومنها نخرجكم) أي نحييكم عند البعث (تارة أخرى) ~~[55] أي كابتداء خلقكم وإحيائكم من التراب. ### || [سورة طه (20): الآيات 56 الى 58] # ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى (58) # (ولقد أريناه آياتنا) أي ms1065 أرينا فرعون آياتنا التسع (كلها فكذب) بها ~~(وأبى) [56] من لإسلام (قال) فرعون مع أتباعه (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) ~~أرض مصر (بسحرك يا موسى [57] فلنأتينك بسحر مثله) أي يماثله فلا تغلب علينا ~~(فاجعل بيننا وبينك) لإظهار السحر (موعدا لا نخلفه) أي مكان موعد وهو مصدر ~~لا نتخلف عن الحضور فيه (نحن ولا أنت مكانا سوى) [58] أي يستوي طرفاه على ~~الفريقين من حيث المكان «2». # و«مكانا» بدل من «مكان» المضاف إلى «الموعد» تقديرا، و«سوى» بضم السين ~~وكسرها «3» صفة ل «مكانا»، أي مكانا يستوي مسافته علينا وعليكم. ### || [سورة طه (20): آية 59] # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) # (قال) موسى (موعدكم يوم الزينة) فأجاب بالزمان، لأن الحضور في الزمان ~~يتضمن المكان، وكان الزمان أهم من المكان و«يوم الزينة» عيد لهم كانوا ~~يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة، وقيل: يوم النيروز «4» (وأن يحشر) أي ويوم أن ~~يجمع (الناس ضحى) [59] أي ضحوة ليكون أبعد من الريبة، وهو عطف على ~~«الزينة». ### || [سورة طه (20): الآيات 60 الى 61] # فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على ~~الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) # (فتولى فرعون) أي رجع إلى أهله (فجمع كيده) أي سحرته مع كل واحد حبل وعصا ~~وكانوا اثنين وسبعين في رواية (ثم أتى) [60] الموعد فرعون مع أتباعه (قال ~~لهم موسى ويلكم) أي ألزمكم الله ويلا، يعني عذابا (لا تفتروا على الله) أي ~~لا تختلقوا عليه (كذبا فيسحتكم) بالنصب جواب النهي، أي لا تكذبوا عليه ~~فيهلككم (بعذاب) عظيم سحت وأسحت بمعنى أعدم، قرئ بضم الياء وكسر الحاء ~~وبفتحهما «5» (وقد خاب من افترى) [61] أي قد خسر من اختلق الكذب. ### || [سورة طه (20): الآيات 62 الى 63] # فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان ~~أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) # (فتنازعوا أمرهم بينهم) أي اختلفوا فيما بينهم سرا من فرعون وهم السحرة، ~~قالوا إن كان موسى ساحرا سنغلبه وإن كان نبيا وما يأتي به سماوي فله أمره ~~وعلينا اتباعه (وأسروا النجوى) [62] أي ms1066 المناجاة، يعني أضمروا نجويهم التي ~~كانوا يناجوها «6» خوفا من فرعون (قالوا) أي السحرة (إن هذان) أي موسى ~~وهرون (لساحران) وقيل: كانت نجويهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره بعد علمهم ~~أنهما على الحق خوفا من غلبتهما PageV03P091 # وتثبيطا للناس عن اتباعهما «1»، قرئ «إن» بالتخفيف، فهي إما خفيفة من ~~الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية أو نافية واللام بمعنى ~~«إلا»، وقرئ بالتشديد ف «إن» بمعنى نعم و«ساحران» خبر مبتدأ محذوف، أي لهما ~~ساحران ليكون اللام داخالة على الجملة، وقرئ «هذان» بتشديد النون مع سكون ~~«إن» «2»، قوله (يريدان) أي موسى وهرون، خبر بعد خبر (أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) [63] أي بسنتكم وشريعتكم الفضلى، ~~و«المثلى» تأنيث الأمثل وهو الأشرف. ### || [سورة طه (20): الآيات 64 الى 65] # فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى ~~إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) # (فأجمعوا) من الإجماع، أي أحكموا (كيدكم) أي مكيدكم، يعني ما تكيدون به ~~موسى أو أعزموا على هلاك موسى، وقرئ «فاجمعوا» «3» من الجمع، أي جيئوا بكل ~~كيد تقدرون عليه (ثم ائتوا صفا) أي مصطفين في الموعد ومجتمعين ليكون أشد ~~لهيبتكم وأنظم لأمركم فجاؤا في سبعين صفا كل صف ألف (وقد أفلح اليوم من ~~استعلى) [64] قيل: هذا اعتراض من قول فرعون للسحرة للترغيب في غلب موسى ~~«4»، أي قد فاز ونجا اليوم، من علا بالغلبة، ثم جمع فرعون السحرة مع موسى ~~في الموعد و(قالوا) أي السحرة مع تأدبهم له بالهام الله لهم ذلك (يا موسى ~~إما أن تلقي) أي تطرح عصاك على الأرض (وإما أن نكون أول من ألقى) [65] عصاه ~~على الأرض. ### || [سورة طه (20): الآيات 66 الى 67] # قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) ~~فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) # (قال) لهم موسى بوحيه تعالى إليه الاختيار مع مقابلة الأدب بالأدب (بل ~~ألقوا) ما معكم احتقارا بهم وليظهر الحق من الباطل، لأن الحق يدمغ الباطل ~~ويمحوه (فإذا حبالهم) أي ألقوا ما معهم فاذا حبالهم ms1067 (وعصيهم يخيل إليه) أي ~~إلى موسى «5» (من سحرهم) أي يرى له ظاهرا (أنها تسعى) [66] ومحله رفع بدل ~~اشتمال من ضمير «يخيل» على قراءته بالياء مذكرا وهو عائد للسحر أو نائب ~~فاعل له، وقرئ «تخيل» بتاء مضمومة مع فتح الياء لتأنيث جماعة الحبال والعصي ~~«6»، أي خيلت آلاتهم إلى موسى أنها تسعى وتضطرب محنة وإظهارا للمعجز فهو ~~بدل أيضا، قيل: رأى موسى كأن الأرض امتلأت حيات أخذت ميلا من كل جنانب «7» ~~(فأوجس) أي أضمر (في نفسه خيفة موسى) [67] أي ظنا منه أنها تقصده كعادة ~~البشر لدلالة قوله «في نفسه»، لأنه من خطرات النفس لا من القلب، ف «موسى» ~~فاعل «أوجس» و«خفية» مفعوله، وقيل: خيفة تفرق الناس بعد مشاهدة الحيات وقبل ~~أن يؤمر بالقاء العصا فيضلوا ولا يثبت «8» معجزة «9». ### || [سورة طه (20): الآيات 68 الى 71] # قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما ~~صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ~~برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى (71) PageV03P092 # (قلنا) مقول قول مقدر، أي قال الله قلنا لموسى (لا تخف إنك) أي لأنك (أنت ~~الأعلى) [68] أي الغالب القاهر لهم (وألق ما في يمينك تلقف) بالجزم جواب ~~الأمر «1» مشددا ومخففا، وقرئ بالرفع والتخفيف «2» حالا مقدرة من «ما» أو ~~من «موسى»، لأنه سبب التلقف، أي تلقم (ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر) ~~بالتنكير والإفراد، لأن القصد فيه معنى الجنسية لا العدد وبالألف، أي عمله ~~ومكره، وبغير الألف «3»، يعني كيد سحر «4» باضافة الجنس إلى النوع تبيينا ~~كعلم فقه، و«ما» في «إنما» موصلوة بمعنى الذي صنعوه كيد سحر الساحر (ولا ~~يفلح الساحر حيث أتى) [69] من الأرض وعمل السحر فيها، فألقى موسى عصاه فوقع ~~الحق وبطل عملهم، (فألقي السحرة سجدا) أي من سرعة سجودهم كأنهم ألقوا شكرا ~~لله تعالى على الهداية، روي: # أنهم رأوا الجنة ومنازلهم التي ms1068 يصيرون إليها فيها في سجودهم «5»، ثم ~~رفعوا رؤوسهم وهم (قالوا آمنا) أي صدقنا (برب هارون وموسى [70] قال) لهم ~~فرعون (آمنتم له) أي بموسى (قبل أن آذن لكم) أي آمركم به (إنه) أي موسى ~~(لكبيركم) أي لمعلمكم (الذي علمكم السحر) وإنما أراد به «6» التلبيس على ~~قومه، لأنه عالم أن موسى ما علمهم السحر، ثم هددهم بقوله (فلأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف) والقطع من خلاف، أي يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، ~~و«من» فيه لابتداء الغاية، أي ابتدأ القطع من مخالفة العضو العضو ~~(ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على أصول النخل في شاطئ النيل، وجاء ب «في» ~~ليفيد تمكن المصلوب بالخشبة تمكن المظروف بالظرف (ولتعلمن أينا أشد عذابا ~~وأبقى) [71] أي أدوم أنا على أيمانكم بموسى أم رب موسى على ترك الإيمان به ~~من جهة العذاب. ### || [سورة طه (20): آية 72] # قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ~~إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) # (قالوا) أي السحرة (لن نؤثرك) أي لن نختارك وطاعتك (على ما جاءنا من ~~البينات) أي على الله ودينه بعد ما جاءنا من الحجج الدالة على صدق موسى وهي ~~اليد البيضاء والعصا، وكان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين ~~حبالك وعصينا؟ قوله (والذي فطرنا) أي خلقنا يجوز أن يكون قسما وأن يكون ~~معطوفا على محل «ما جاءنا» (فاقض) أي احكم فينا (ما أنت قاض) أي الذي «7» ~~أنت فيه حاكم من القطع والصلب (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) [72] أي إنما ~~تحكم فينا مدة حياتنا فلا جزع. ### || [سورة طه (20): الآيات 73 الى 74] # إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير ~~وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) # (إنا) أي لأنا (آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) وهي ما علمنا من الشرك ~~(وما أكرهتنا) أي ويغفر الذي أكرهتنا (عليه من السحر) روي: «أن فرعون ~~أكرههم على تعلم السحر وعمله» «8»، وروي: أنهم رأوا موسى PageV03P093 # نائما وعصاه تحرسه، قالوا ms1069 إنه ليس بساحر، لأن الساحر إذا نام بطل سحره ~~فلا نعارضه وأبى فرعون إلا أن يعارضوه «1» (والله خير) لنا منك ثوابا إذا ~~أطعناه (وأبقى) [73] أي أدوم عقابا منك إن عصيناه (إنه) أي الشأن (من يأت ~~ربه مجرما) أي مشركا وعاصيا يوم القيامة (فإن له جهنم لا يموت فيها) ~~فيستريح من العذاب (ولا يحيى) [74] حيوة تنفعه، قيل: هذا من قول الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم «2»، وقيل: من تمام قول السحرة «3». ### || [سورة طه (20): الآيات 75 الى 76] # ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) # (ومن يأته) يوم القيامة (مؤمنا) أي مصدقا (قد عمل الصالحات فأولئك لهم ~~الدرجات العلى) [75] أي الفضائل في الجنة، وهي جمع العليا تأنيث الأعلى ~~(جنات عدن) خبر مبتدأ محذوف، أي هي أو بدل من «الدرجات» (تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك) أي المذكور من الفضائل (جزاء من تزكى) [76] أي ~~ثواب من تطهر من الذنوب بالتوبة عن الشرك ووحد، قال صلى الله عليه وسلم: ~~«إن أهل الدرجات العلى ليريهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق ~~السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» «4». ### || [سورة طه (20): آية 77] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) # (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم) أي اجعل (طريقا) لبني ~~إسرائيل (في البحر) وبينه (يبسا) أي يابسا (لا تخاف دركا) أي من إدراك «5» ~~فرعون، والفعل المنفي حال مقدرة، وقرئ «لا تخف» «6» نهيا (ولا تخشى) [77] ~~الغرق، أي أنت آمن منه وهو عطف على «لا تخاف» أو على «لا تخف» زيدت الألف ~~للفاصلة. ### || [سورة طه (20): الآيات 78 الى 79] # فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما ~~هدى (79) # (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي لحقهم بجموعه (فغشيهم) أي فغطاهم (من اليم) أي ~~البحر (ما غشيهم) [78] أي الذي علاهم وهو الغرق حتى التقى البحر عليهم، ~~وقيل: هو ms1070 غضب الله تعالى عليهم «7» (وأضل) أي أهلك بالإغواء (فرعون قومه ~~وما هدى) [79] إلى الرشاد وهو رد لقوله اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد فكذب في ~~دعواه وأنجاه الله موسى وقومه من عذاب فرعون. ### || [سورة طه (20): الآيات 80 الى 81] # يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل ~~عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) # ثم ذكر الله منته على بني إسرائيل «8» بقوله (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم ~~من عدوكم) فرعون (وواعدناكم) المناجاة (جانب الطور الأيمن) أي في جانبه من ~~يمين موسى مع كتب التورية في الألواح، وأضاف المواعد إليهم لملابسة نبوة ~~موسى إياهم حيث نفعوا بها (ونزلنا عليكم المن والسلوى) [80] حيث كانوا في ~~التيه فقال لهم (كلوا من طيبات) أي من حلالات (ما رزقناكم) وقرئ بتوحيد ~~المتكلم في الثلاثة «أنجيتكم» و«واعدتكم» PageV03P094 # و«رزقتكم» «1» (ولا تطغوا) أي لا تكفروا تلك النعمة (فيه) أي في إحساني ~~إليكم، وقيل: لا ترفعوا منها لغد شيئا «2» (فيحل عليكم غضبي) أي أن «3» ~~ينحل عليكم عذابي (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) [81] أي هلك وسقط في النار، ~~قرئ «فيحل» بضم الحاء وبضم اللام الأولى من يحلل من الحلول وهو النزول، ~~وبكسرهما «4» بمعنى الوجوب. ### || [سورة طه (20): الآيات 82 الى 83] # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى (83) # (وإني لغفار لمن تاب) من الشرك (وآمن) أي صدق بالله ورسوله (وعمل صالحا) ~~أي أدى الفرائض خالصا بينه وبين ربه (ثم اهتدى) [82] أي استقام على ذلك ~~ولزمه حتى الموت (وما أعجلك) قاله الله تعالى مستفهما على سبيل الإنكار على ~~موسى عجلته حين سار لمناجاة ربه إلى الطور بسبعين رجلا وللاتيان بالتورية، ~~فلما دنى إلى الطور أمرهم أن يتبعوه إلى الجبل وأسرع هو في سيره إليه شوقا ~~إلى مناجاة ربه، أي أي شيء أعجلك (عن قومك يا موسى) [83] وتركتهم خلفك. ### || [سورة طه (20): الآيات 84 الى 85] # قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ms1071 رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك وأضلهم السامري (85) # (قال) مجيبا لربه (هم أولاء على أثري) أي عقيب مجيئي ولم أتقدمهم إلا ~~تقدما يسيرا لا يعتد بمثله هذا جواب بطريق التأدب مع ربه لا جواب سؤاله ~~تعالى، لأنه سأل «5» عن السبب ولم يجب عنه بل أجاب بالعذر فيما أنكر عليه ~~لأن السؤال عن السبب من الله العالم بكل شيء يستدعي السؤال عن العذر، فقدم ~~العذر اعترافا منه بالنقص عنده تعالى وليكون «آنس» في محل الخطاب، ثم عقبه ~~بجواب السؤال عن السبب فقال (وعجلت إليك) يا (رب لترضى) [84] أي لتزداد عني ~~رضا، فيه دليل على جواز الاجتهاد عند الأعلم، ثم عقب الله الأخبار بابتلائه ~~قوم موسى من بعد ذهابه عنهم وإن لم يقع عنده، لأنه أخبر على عادته بلفظ ~~الموجود لصدق وعده تعالى و(قال) يا موسى قد انطلقت عنهم (فإنا قد فتنا ~~قومك) أي ابتليناهم في إيمانهم بخلق العجل، وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا به ~~غير اثني عشر ألفا (من بعدك) أي بعد انطلاقك عنهم إلى الجبل (وأضلهم ~~السامري) [85] بعمله، لأنه كان السبب لذلك حيث عمل صورة العجل وأمرهم ~~بعبادته. ### || [سورة طه (20): آية 86] # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ~~أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # (فرجع موسى إلى قومه) مع الألواح المكتوب فيها التورية (غضبان أسفا) أي ~~شديد الغضب أو حزينا لما فاته من المناجاة وإيمان قومه به، قيل: إنها كانت ~~ألف سورة، كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعين جملا «6»، فلما جاءهم موسى ~~ورأى ما يصنعون حول العجل من العبادة له (قال) لهم (يا قوم ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا) أي صادقا وهو أن يدفع الكتاب إلى موسى ليقرأ عليهم ويهتدوا به، ~~وقيل: هو أربعون ليلة من ذي القعدة وعشرون ذي الحجة «7»، فرجع موسى إليهم ~~بعد ما استوفى هذه المدة، وقال (أفطال عليكم العهد) أي المدة الموعودة مني ~~لكم (أم أردتم أن يحل عليكم ms1072 غضب من ربكم فأخلفتم موعدي) [86] أي تركتم PageV03P095 # عهدي بترك عبادة الله. ### || [سورة طه (20): آية 87] # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) # (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا) أي ما تعمدنا ترك عهدك باختيارنا ولكن ~~غلبنا من كيد السامري، والملك القدرة، وقرئ بالحركات الثلاث «1» (ولكنا ~~حملنا) مجهولا بالتشديد، أي حملنا غيرنا، وبالتخفيف معلوما «2»، أي «3» ~~حملنا نحن (أوزارا) أي حليا، وقيل: أثقالا «4»، وقيل: آثاما «5» (من زينة ~~القوم) أي قوم فرعون وكانوا استعاروها منهم بعلة عرس فبقيت عندهم، ويجوز أن ~~يكون المراد من ال «أوزار» الآثام «6»، وهم كانوا مستأمنين في دار الحرب ~~وليس للمستأمن أخذ مال الحربي على أن الغنائم لم تكن «7» تحل حينئذ فحفروا ~~حفيرة بأمر هرون ليتركوها فيها إلى عود موسى فيرى فيها رأيه (فقذفناها) أي ~~طرحنا الحلي في الحفيرة (فكذلك) أي فمثل إلقائنا في الحفيرة (ألقى السامري) ~~[87] قيل: رمى السامري فيها ما معه من الحلي والتراب الذي أخذه من أثر حافر ~~فرس جبرائيل مع الحلي، وكان لا يخالط شيئا إلا غيره وهو من الكرامة التي ~~خصها الله تعالى بروح القدس وعند إلقائه التراب قال كن عجلا جسدا له خوار ~~وكان من أهل القرية يعبدون البقر، وحين دخل في بني إسرائيل أسلم معهم، وفي ~~قلبه حب عبادة البقر «8»، فابتلى الله به بني إسرائيل فكشف له عن بصره فرأى ~~أثر فرس جبرائيل وأخذ من ترابه فقذفه في الحفرة بوحي الشيطان إليه. ### || [سورة طه (20): آية 88] # فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) # (فأخرج لهم) بسبب ذلك التراب (عجلا جسدا له خوار) أي مجسدا «9» له صوت ~~مسموع ولا شك أن الله خلقه وأنشأه محنة محن الله بها عباده ليثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله ~~الظالمين «10» وأعجب من خلق الله العجل خلقه إبليس محنة لهم ولغيرهم ~~(فقالوا) أي السامري وأتباعه (هذا) أي العجل (إلهكم وإله موسى فنسي) [88] ~~أي موسى ربه هنا وذهب يطلبه أو نسي أن ms1073 يخبركم بأن هذا إلهه، فقال تعالى ~~منبها لهم أنه لا يصلح أن يكون إلها. ### || [سورة طه (20): آية 89] # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) # (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) أي ليس «11» لهم عقل يعقلون به أن العجل ~~لا يصلح للآلهة، يعني أيعبدونه فلا ينظرون أن العجل عاجز عن الخطاب، إذ لا ~~يرجع إليهم قولا، يعني لا يكلمهم ولا يجيبهم إذا دعوه (ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا) [89] أي لا يقدر أن يدفع مضرة عنهم وأن يجلب نفعا لهم، ف «أن» ~~خفيفة من الثقيلة في «ألا يرجع» على تقدير رفع «يرجع». ### || [سورة طه (20): الآيات 90 الى 93] # ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) PageV03P096 # (ولقد قال لهم هارون من قبل) أي قبل أن يعود إليهم موسى (يا قوم إنما ~~فتنتم به) أي ابتليتم بعبادة العجل من الله فلا تعبدوه (وإن ربكم الرحمن) ~~يقينا (فاتبعوني) أي اتبعوا ديني (وأطيعوا أمري) [90] الذي آمركم به (قالوا ~~لن نبرح) أي لن نزال (عليه) أي على عبادته (عاكفين) أي مقيمين (حتى يرجع ~~إلينا موسى) [91] فاعتزلهم هرون في اثني عشر ألفا لم يعبدوا العجل، ولما ~~جاءهم موسى (قال يا هارون ما) أي أي شيء (منعك إذ رأيتهم ضلوا) [92] بعبادة ~~العجل من (ألا تتبعن) «لا» مزيدة فيه، أي من أن تتبع أمري الذي أمرتك به من ~~القيام بمصالحهم فتقاتلهم وتمنعهم من أن يضلوا عن سبيل الله وتلحق بي إذا ~~عجزت عنهم (أفعصيت أمري) [93] أي خالفت وصيتي لك فأخذ شعر رأسه بيمينه ~~ولحيته بشماله يجره إليه. ### || [سورة طه (20): الآيات 94 الى 96] # قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم ~~يبصروا به فقبضت ms1074 قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) # (قال) هرون لموسى (يا بن أم) بكسر الميم بنية الإضافة إلى الياء وبفتحها ~~وحذف الألف «1» (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) أي بشعر رأسي (إني خشيت أن ~~تقول) إذا ألقيت بينهم الحرب (فرقت بين بني إسرائيل) وتغضب علي، أي جعلتهم ~~فرقتين (ولم ترقب قولي) [94] أي لم تنظر في أمري أو لم تنتظر قدومي ثم أقبل ~~على السامري و(قال) لم عملته (فما خطبك) أي فما شأنك هذا وما كان مطلوبك ~~منه أو ما الذي حملك على عمله (يا سامري [95] قال بصرت بما لم يبصروا به) ~~بتاء الخطاب وعلمت ما لم تعلموا، وقرئ بالياء «2»، يعني بني إسرائيل، قال ~~موسى: ما الذي رأيت؟ قال رأيت رسولا إليك على فرس الحيوة (فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول) أي المرسل إليك وهو جبرائيل ليذهب بك إلى الطور عند تمام موعد ~~الذهاب إليه للمناجاة، وإنما لم يقل جبرائيل لأنه لم يعرف أن الرسول اسمه ~~جبرائيل، يعني أخذت من تراب أثر فرس المرسل إليك حين رأيته راكب فرس ~~الحيوة، وقلت أن له شأنا عظيما أقبض من تربة موطئه، «فقبضت «قبضة» بالفتح ~~والضم اسم للمقبوض بالكف، وبالصاد المهملة «3» الأخذ بأطراف الأصابع ~~(فنبذتها) أي طرحتها في العجل المصاغ فحيي (وكذلك) أي كما حدثتك (سولت لي ~~نفسي) [96] أي زينت فلا تلمني بفعلي ولمهم بعبادتهم العجل، قيل: كيف رأي هو ~~جبرائيل من بين سائر الناس؟ أجيب بأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل ~~فيها البنون وضعته في كهف حذرا عليه فبعث الله جبرائيل ليربيه لأجل هذه ~~الفتنة فعرفه حين رآه «4». ### || [سورة طه (20): آية 97] # قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) # (قال) موسى له (فاذهب) من بيننا مطرودا (فإن لك في الحياة) أي في عمرك ~~(أن تقول لا مساس) أي لا يمسني أحد ولا أمس أحدا فكان يهيم في البرية لا ~~يخالط الناس ms1075 وكان إذا رأى أحدا قال لا تقربني وفر منه، لأنه إذا مس أحدا أو ~~مسه أحد حما كلاهما، وروي: أن ذلك موجود في أولاده إلى الآن «5»، فكان ذلك ~~أشد عقوبة له في الدنيا (وإن لك موعدا) لعذابك (لن تخلفه) بضم التاء وكسر ~~اللام من أخلف الموعد إذا غاب عنه، وبفتح اللام «6»، أي تبعث إليه البتة، ~~المعنى: أن هذا لك في الدنيا ولك في الآخرة موعد لن تغيب عنه أو لن تؤخر ~~عنه، يعني يكافيك الله على ما فعلته ثمه، والله لا يخلف الميعاد (وانظر) يا ~~سامري (إلى إلهك) بزعمك (الذي ظلت) PageV03P097 # أي إلى معبودك الذي صرت (عليه عاكفا) أي مقيما على عبادته (لنحرقنه) ~~بالنار مرة بعد مرة (ثم لننسفنه) أي لنذرينه (في اليم) أي في البحر (نسفا) ~~[97] أي ذروا يبطل سعيك، وأصل «ظلت» ظللت، حذفت اللام الأولى ونقل حركتها ~~إلى الظاء ومنهم من لم ينقل ولم يحذف، روي: «أن موسى أخذ العجل فذبحه ثم ~~حرقه بالنار ثم ذراه في اليم» «1». ### || [سورة طه (20): الآيات 98 الى 99] # إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك ~~من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) # (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) أي العجل ليس بالهكم وإنما إلهكم ~~الله الذي لا معبود للخلق سواه (وسع كل شيء علما) [98] أي وسع علمه وأحاط ~~بكل شيء، أي بما كان وما يكون (كذلك) أي قال الله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم مثل ما ذكرنا لك من أخبار بني إسرائيل (نقص عليك من أنباء) أي من ~~أخبار «2» (ما قد سبق) من الأمم الماضية (وقد آتيناك) أي أعطيناك (من لدنا ~~ذكرا) [99] أي قرآنا كرامة لك من عندنا وزيادة في معجزاتك ليعتبر السامع ~~ويزداد بصيرته في دينه، وفيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه. ### || [سورة طه (20): الآيات 100 الى 101] # من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم ~~القيامة حملا (101) # (من أعرض عنه) أي عن القرآن ms1076 فلم يعتبر ولم يعمل به لجحده إياه (فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا) [100] أي إثما ثقيلا (خالدين) حال من ضمير «يحمل» وجمع ~~نظرا إلى معنى «من»، أي ماكثين (فيه) أي في عقاب الوزر (وساء لهم يوم ~~القيامة حملا) [101] تمييز لما أبهم في «ساء» بمعنى بئس من الضمير، أي ساء ~~الحمل حملا وزرهم، يعني بئس ما يحملون من الذنوب، قيل: نصب «حملا» على ~~التمييز يمنع من أن يكون في «ساء» ضمير ال «وزر» «3»، واللام في «لهم» ~~للبيان وهو يدل على أن «ساء» بمعنى بئس لا بمعنى أحزن، إذ لا يقال أحزن له ~~بل يقال أحزنه. ### || [سورة طه (20): آية 102] # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) # قوله (يوم ينفخ) بالنون إخبارا عن المتكلم تعظيما، وبالياء مجهولا «4»، ~~يجوز أن يكون بدلا من «يوم القيامة»، ويجوز أن يكون عامله محذوفا، تقديره: ~~حذرهم يوم ينفخ إسرافيل (في الصور) الذي التقمه للنفخ (ونحشر المجرمين) أي ~~المشركين (يومئذ زرقا) [102] أي زرق الأعين من شدة العطش وهو «5» شدة ~~الخضرة في سواد العين، وقيل: عميا «6» لأن العين إذا زال نورها ازرقت أو ~~الزرقة علامة أهل النار. ### || [سورة طه (20): الآيات 103 الى 104] # يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) # (يتخافتون) حال من ضمير «زرقا»، من الخفوت وهو السكوت، أي يتسارون ~~(بينهم) لهول ذلك اليوم قائلين (إن لبثتم) في الدنيا استقصارا لمدة لبثهم ~~فيها أو بين النفختين وهو أربعون سنة، لأنهم لا يعذبون فيها أو في القبور ~~بعد الموت، يعني يقولون ما مكثتم (إلا عشرا) [103] أي عشرة أيام، وقيل: عشر ~~ساعات «7»، قال الله تعالى (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة) أي ~~أوفاهم عقلا وأوفرهم رأيا وقولا (إن لبثتم إلا يوما) [104] لقصره عندهم، ~~لأن أيام الراحة قليلة، وقيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم «8». PageV03P098 ### || [سورة طه (20): الآيات 105 الى 107] # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) # (ويسئلونك عن الجبال) أي ms1077 يسأل بعض أهل مكة وهم بنو ثقيف يا رسول الله: ما ~~يصنع الله بالجبال يوم القيامة (فقل ينسفها ربي نسفا) [105] أي يقلعها عن ~~أماكنها بأن يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الريح فتذروها «1» فتصير كالهباء ~~المنثور (فيذرها) أي يترك أماكنها أو الأرض (قاعا) أي أرضا منبسطة (صفصفا) ~~[106] أي ملساء مستوية (لا ترى فيها عوجا) أي إنخفاضا (ولا أمتا) [107] أي ~~ارتفاعا، وإنما قال «عوجا» بالكسر في الأرض، ولا يستعمل ذلك إلا في ~~المعاني، لأنه اعتبر الاستواء ونفي الاعوجاج عنها فيها، فالتحقت بالمعاني. ### || [سورة طه (20): آية 108] # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) # (يومئذ يتبعون الداعي) أي الناس يقصدون نحو الداعي، يعني صوته وهو ~~إسرافيل حين ينادي قائما على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية «2» ~~والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة، هلمي إلى عرض الرحمن فيأتون سعيا من كل ~~ناحية إلى صوته (لا عوج له) أي لا يعوج له مدعو من الناس بل يتبعه من غير ~~عدول عنه (وخشعت الأصوات) أي خفضت وذلت (للرحمن) من شدة الفزع، والمراد ~~أصحابها (فلا تسمع إلا همسا) [108] أي صوتا من مشي الأقدام بخفاء إلى ~~المحشر خوفا وهيبة، وقيل: «الهمس تحريك الشفاه «3» بلا نطق» «4». ### || [سورة طه (20): آية 109] # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) # (يومئذ لا تنفع الشفاعة) أحدا من الناس عنده (إلا) شفاعة (من أذن له ~~الرحمن) أن يشفع فيشفع (ورضي له قولا) [109] أي رضي قوله بأن قال لا إله ~~إلا الله خالصا في الدنيا، ويجوز أن يكون «من» «5» مفعولا، فالمعنى على ~~هذا: لا ينفع شفاعة الشافع إلا من أذن الله لأجله أن يشفع ورضي له قوله، ~~وهذا يدل على أن لا شفاعة لغير المؤمنين. ### || [سورة طه (20): آية 110] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) # (يعلم) الله تعالى (ما بين أيديهم وما خلفهم) أي يعلم جميع أحوالهم ~~المتقدمة والمستقبلة فأخباره عن علم (و) هم (لا يحيطون به علما) [110] أي ~~لا يعلمون بما بين أيديهم من ms1078 الآخرة وما خلفهم من الأعمال، وقيل: # الضمير لله «6»، أي بمعلوماته. ### || [سورة طه (20): آية 111] # وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) # (وعنت الوجوه) أي خضعت وجوه العصاة (للحي القيوم) وذلك عند معاينة سوء ~~الحساب والشقوة والخيبة (وقد خاب) أي خسر (من حمل ظلما) [111] أي شركا. ### || [سورة طه (20): آية 112] # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) # (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) أي مصدق بالله ورسوله (فلا يخاف ظلما) ~~وهو أن يأخذ رجل من صاحبه فوق حقه، وقرئ «فلا يخف» «7» على معنى النهي (ولا ~~هضما) [112] وهو أن يكسر من حق أخيه، ومنه عضم الطعام، أي لا يخاف عذابا من ~~غير جرم ولا نقص شيء من حسناته. PageV03P099 ### || [سورة طه (20): آية 113] # وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ~~ذكرا (113) # (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا) عطف على «كذلك نقص»، وكما أنزلنا عليك هؤلاء ~~الآيات المتضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة بلسان العرب ~~مكررين فيه آيات الوعيد بالبيان من أخبار الأمم الماضية وما أصابهم من ~~المصائب بذنوبهم، وهو معنى قوله (وصرفنا فيه) أي بينا وكررنا في القرآن (من ~~الوعيد لعلهم يتقون) الشرك (أو يحدث لهم) الوعيد أو القرآن (ذكرا) [113] أي ~~عظة بهلاك من قبلهم فيزجرهم عن المعاصي. ### || [سورة طه (20): آية 114] # فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ~~رب زدني علما (114) # (فتعالى الله الملك الحق) أي ارتفع وتعظم عن الشريك والولد وعن أن لا ~~يعدل بين الخلق، فانه الملك الحق لا يظلم أحدا منهم، قوله (ولا تعجل ~~بالقرآن) نهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن العجلة بقراءة القرآن وكان يعجل ~~بها قبل أن يستتم جبرائيل قراءته خوف النسيان والانفلات، أي لا تعجل ~~بقراءته (من قبل أن يقضى) أي يؤدي (إليك وحيه) أي قراءته، المعنى: تثبت حتى ~~يفرغ جبرائيل من قراءته ثم أقرأه «1» (وقل رب زدني علما) [114] أي إلى علمي ~~بالقرآن علما، يعني زدني فهما في معناه إشارة ms1079 له إلى التواضع وإلى أن لا ~~إحاطة لأحد بجميع العلوم إلا لله «2». ### || [سورة طه (20): آية 115] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) # قد عهدنا) عطف على قوله «وصرفنا فيه» الآية، واللام فيه لجواب القسم، أي ~~أقسم قسما لقد عهدنا (إلى آدم) أي أمرنا أباهم آدم من قبلهم كما أمرناهم ~~ووصيناه أن لا يأكل من الشجرة وتوعدناه بكونه من الظالمين أن يأكل منها (من ~~قبل) أي قبل أكله أو قبل توعدنا إياه (فنسي) عهدنا، أي فخالفه وتركه فعصانا ~~ولم يلتفت إلى توعدنا كما أنهم لا يلتفتون إلى أمرنا ووعيدنا (ولم نجد له) ~~أي لآدم (عزما) [115] أي حزما وصبرا عما نهي عنه أو حفظا لما أمر به، ~~والعزم في اللغة توطين النفس على الفعل، فأشار بذلك إلى أن أساس بني آدم ~~على أمر آدم، لأنهم منه فاتبعوا أمر الشيطان في نقض العهد وترك الإيمان كما ~~اتبع آدم إبليس عدوه فأغواه، قيل: لم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن ~~الإنسان فكان مؤاخذا به وإنما رفع عنا «3»، وقيل: ظن آدم أن نهي أكل الشجرة ~~نهي تنزيه فنسي لذلك عقوبة الله «4». ### || [سورة طه (20): آية 116] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) # (وإذ قلنا للملائكة) أي اذكر وقت قولنا لهم (اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى) [116] أي تعظم عن السجود لآدم وصح استثناؤه وهو جني عن الملائكة ~~على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، لأنه كان في صحبتهم ~~وكان يعبد كعبادتهم. ### || [سورة طه (20): آية 117] # فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) # (فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك) حواء فاحذروا منه (فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى) [117] أي فتتعب في الدنيا بتحصيل حاجتك من المأكل والمشرب ~~والملبس، وخص آدم بالشقاء، لأن طلب الكسب غالبا يكون بالرجال. ### || [سورة طه (20): آية 118] # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) # قوله (إن لك ألا تجوع فيها) بدل من قوله «إن هذا»، أي قلنا له إن ms1080 حالك ما ~~دمت في الجنة أن لا تجوع (ولا تعرى) [118] من الثياب. PageV03P100 ### || [سورة طه (20): آية 119] # وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # (وأنك) بكسر «إن» على الابتداء وبفتحها «1» على العطف على «أن لا تجوع»، ~~وجاز للفصل وهو لك، إذ لا تدخل «أن» على «أن» والواو نائبة عن أن لك أنك ~~(لا تظمؤا) أي لا تعطش (فيها ولا تضحى) [119] أي لا يصيبك حر الشمس في ~~الجنة إذ لا شمس فيها وأهلها في ظل ممدود، والمراد ذكر الأقطاب من الأفعال ~~التي يدور عليها كفاف الإنسان وعيشه من غير احتياج إلى الكسب مستجمعة في ~~الجنة لآدم كي لا يتعدى عنها إلى غير ما أمر به، وإنما ذكرها «2» بلفظ ~~النفي لنقائضها التي هي الجوع والظمأ والعرى والضحو لتعليم سمعه بأسامي ~~أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتجنب «3» الموقع فيها كراهة لها. ### || [سورة طه (20): آية 120] # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) # (فوسوس إليه الشيطان) أي أنهى إليه الوسوسة، وإذا قيل وسوس له فمعناه ~~لأجله، قوله (قال) بيان ل «وسوس»، أي قال «4» الشيطان (يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد) أي الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه «5» (و) على (ملك لا ~~يبلى) [120] أي لا يفني وهو أكل الشجرة. ### || [سورة طه (20): آية 121] # فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ~~ربه فغوى (121) # (فأكلا منها فبدت لهما) أي ظهرت (سوآتهما) أي عوراتهما (وطفقا) أي عمدا ~~(يخصفان) أي يلزقان (عليهما من ورق الجنة) أي على سوآتهما بورق التين للستر ~~(وعصى آدم ربه) بمخالفة أمره «6» بأكله من الشجرة (فغوى) [121] أي فخرج ~~بالعصيان من أن يكون راشدا في فعله، لأن الغي خلاف الرشد، قيل: «لا يجوز أن ~~يقال آدم عاص بل عصى آدم، إذ المعصية لم يكن عادة له» «7»، والمعنى: أنه ~~جهل لطلبه الخلد بأكل المنهي عنه، لأنه خلاف طريق العقل. ### || [سورة طه (20): آية 122] # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) # (ثم اجتباه ربه) أي اصطفاه النبوة بعد التوبة ms1081 «8» (فتاب عليه) أي قبل ~~توبته وقربه إليه بقوله «ربنا ظلمنا أنفسنا» «9» (وهدى) [122] أي وفقه لحفظ ~~التورية وعمل التقوى. ### || [سورة طه (20): آية 123] # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى (123) # (قال) الله لآدم وحواء (اهبطا) أي أنزلا (منها) أي من الجنة (جميعا بعضكم ~~لبعض عدو) وجمعا هنا نظرا إليهما وإلى ذريتهما، والمراد بالعداوة هي التي ~~بين بني آدم من ظلم بعضهم بعضا وتضليل بعض بعضا أو عداوة ذرية آدم وإبليس، ~~وكذا جمعا في قوله (فإما يأتينكم) على لفظ الجماعة لكونهما أصلي البشر ~~وسببي نشأتهم فكأنهما البشر فخوطبا مخاطبتهم وقال «فإما يأتينكم» يا بشر أو ~~ذرية آدم وحواء إن يأتكم (مني هدى) أي كتاب ورسول شريعة (فمن اتبع هداي) أي ~~كتابي ورسولي (فلا يضل) باتباعه إياهما في الدنيا (ولا يشقى) [123] في ~~الآخرة، قيل: «أجار الله تابع القرآن أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة» «10». PageV03P101 ### || [سورة طه (20): آية 124] # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) # (ومن أعرض عن ذكري) أي عن كتابي ورسولي ولم يؤمن (فإن له معيشة ضنكا) أي ~~ضيقا وهو عذاب القبر أو النار أو كسب الحرام أو سلب القناعة عنه حتى لا ~~يشبع أو عدم الاهتداء لوجوه الخير، وقال الحسن: # «هو الزقوم الضريع والغسلين في النار» «1» (ونحشره يوم القيامة أعمى) ~~[124] عن الهداية أو أعمى البصر. ### || [سورة طه (20): آية 125] # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) # (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) [125] أي بحجتي أو بالعين، قيل: ~~«إنه يحشر بصيرا من قبره فاذا سيق إلى المحشر عمي» «2». ### || [سورة طه (20): الآيات 126 الى 127] # قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ~~ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) # (قال) الله تعالى (كذلك) أي كما فعلت أنت بنفسك فعلنا بك (أتتك آياتنا ~~فنسيتها) أي تركت العمل بها أو تعلمتها فنسيتها وكذلك) أي مثل تركك آياتنا ~~(اليوم تنسى) [126] أي تترك على ms1082 عماك أو في النار (وكذلك) أي مثل ما جزينا ~~المعرض عن آياتنا (نجزي من أسرف) أي أشرك (ولم يؤمن بآيات ربه) أي بمحمد ~~والقرآن (ولعذاب الآخرة) أي «3» تركنا إياه في العمى أو في النار (أشد) من ~~تركه بآياتنا وأشد ضررا (وأبقى) [127] أي أدوم من ضرر ضيق المعيشة في ~~الدنيا. ### || [سورة طه (20): آية 128] # أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات لأولي النهى (128) # (أفلم يهد لهم) أي أيعرضون عن كتابي ورسولي ولم يبين الله لقريش الذين ~~كانوا يتجرون إلى الشام ويبصرون في طريقهم الهالكين بالعذاب أو فاعل «يهد»، ~~قوله (كم أهلكنا) الآية، يعني ألم يرشد لهم هذا الكلام بمعناه وهو «كم ~~أهلكنا» (قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) أي يمرون على منازلهم (إن) أي ~~لأن (في ذلك) أي في هلاكهم بالعذاب (لآيات) أي لعبرات (لأولي النهى) [128] ~~أي لذوي العقول من الناس. ### || [سورة طه (20): آية 129] # ولو لا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) # (ولو لا كلمة سبقت من ربك) بتأخير العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة ~~(لكان) العذاب (لزاما) أي لازما بهم كما لزم بمن كان قبلهم من الأمم عن ~~التكذيب، قوله (وأجل مسمى) [129] عطف على «كلمة»، أي لو لا كلمة وأجل مسمى، ~~أي مضروب بوقت وهو يوم القيامة لكان العذاب ملازما غير مفارق عنهم. ### || [سورة طه (20): آية 130] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) # (فاصبر) يا محمد (على ما يقولون) أي أهل مكة فيك، وهذا منسوخ بآية السيف ~~«4» (وسبح) أي صل (بحمد ربك) في موضع الحال، أي وأنت حامد لربك على أن وفقك ~~للتسبيح (قبل طلوع الشمس) وهي صلوة الفجر (وقبل غروبها) وهي صلوة العصر ~~والظهر، قوله (ومن آناء الليل) يتعلق بقوله (فسبح) بعد أي سبح من ساعات ~~الليل جمع إنى كمعا وأمعاء، والمراد صلوة المغرب والعشاء (وأطراف النهار) ~~بالنصب عطف على ما قبله من الظروف، أي سبح ms1083 فيها وهي صلوة المغرب وصلوة ~~الفجر على التكرار لإرادة الاختصاص كما في قوله تعالى «حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى» «5» لصلوة العصر عند بعض المفسرين، وقيل: سمي PageV03P102 # وقت الظهر أطراف النهار، لأن للنهار طرفين، طرف النصف الأول انتهاء وهو ~~وقت الظهر عند الزوال، وطرف النصف الثاني ابتداء، وهو وقت الظهر إلى العصر ~~«1»، وإنما جمع بعد إرادة المثنى لأمن اللبس لقوله في موضع آخر «أقم الصلاة ~~طرفي النهار» «2»، وقيل: جمع باعتبار أجزاء النهار «3»، جعل كل جزاء منه ~~طرفا أو المراد ساعات النهار (لعلك ترضى) [130] بما تعطي من الشفاعة ~~والترجي للمخاطب، قيل: ولن يرضى صلى الله عليه وسلم بتخليد أحد من أمته في ~~النار «4»، عن جرير بن عبد الله: «كنا جلوسا عند رسول الله عليه وسلم فرأى ~~القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في ~~رؤيته فان استطعتم أن لا تغلبوا عن صلوة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا ثم قرأ «وسبح بحمد ربك» الآية» «5». ### || [سورة طه (20): آية 131] # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) # (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به) أي العمل الصالح الخالص خير لك فاعمل ~~بما أمرت ولا تنظرن بالرغبة إلى ما أعطيناه رجالا من أهل مكة (أزواجا) أي ~~أصنافا، حال من ضمير «به»، و«من» للبيان في (منهم) أي من الأولاد والأموال، ~~قوله (زهرة الحياة الدنيا) نصب على الذم أو بدل من «أزواجا»، أي ذوي زهرتها ~~وهي البهجة والزينة (لنفتنهم) أي لنبتليهم (فيه) أي فيما أعطيناهم من ~~الأموال والأولاد فزادوا كفرا وطغيانا فنعذبهم لوجود الكفر أو لقلة الشكر ~~(ورزق ربك) أي ثوابه في المعاد (خير) لك (وأبقى) [131] مما رزقوا من هذه ~~الزينة في الدنيا، لأنه في معرض الزوال، قيل: من ظن أن نعمة الله في مطعمه ~~ومشربه وملبسه فقد قل علمه وحضر عذابه «6»، روي في سبب نزول هذه الآية: أن ~~ضيفا نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن عنده شيء ms1084 من الطعام فبعث ~~إلى يهودي أن يبيعه شيئا من الطعام إلى أجل، فقال اليهودي لا والله إلا ~~برهن، فأرسل درعه الحديد إليه، فعزاه الله تعزية عن الدنيا بقوله «لا تمدن» ~~الآية «7». ### || [سورة طه (20): آية 132] # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) # (وأمر أهلك بالصلاة) أي أهل بيتك وقومك مع ائتمارك بها (واصطبر) أنت وهم ~~(عليها) أي على الاتيان بها وشدتها عند ضيق المعيشة ولا تهتم بأمر الرزق، ~~روي: أنه صلى الله عليه وسلم إذا دخل نقص في الرزق أمر أهله بالصلوة «8» ~~(لا نسئلك رزقا) لخلقنا ولا لنفسك، إنما نسألك العبادة (نحن نرزقك) وإياكم ~~(والعاقبة) المحمودة (للتقوى) [132] أي لأهل التقوى وهي الجنة لا لأهل ~~الدنيا. ### || [سورة طه (20): آية 133] # وقالوا لو لا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) # (وقالوا) أي قال «9» المشركون من أهل مكة (لو لا) أي هلا (يأتينا) محمد ~~(بآية من ربه) كموسى وعيسى لتكون علامة لنبوته، فقال الله تعالى (أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) [133] أي بيان ما في الكتب المتقدمة من ~~التورية والإنجيل والزبور وغيرها من أنباء الأمم، فانهم اقترحوا الآيات، ~~فلما أتاهم لم يؤمنوا بها فعجلنا لهم العذاب والهلاك أيريدون أن يكون حالهم ~~كحال هؤلاء المكذبين، وقيل «10»: «أ ولم تأتهم» برهان «11» PageV03P103 # ما في تلك الكتب وهو القرآن، فان ما فيه ما فيها وهو برهان عليها، لأنها ~~ذهبت من غير كونها معجرات «1» وهو معجزات على مرور الأزمان لا يذهب يشهد ~~على حقية ما فيها كشهادة الحجة على تبريز المجمع إليه «2». ### || [سورة طه (20): آية 134] # ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) # (ولو أنا أهلكناهم) أي أهل مكة (بعذاب من قبله) أي قبل بعثة الرسول أو ~~القرآن (لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا) مع الآيات (فنتبع آياتك من ~~قبل أن نذل) يوم بدر (ونخزى) [134] يوم القيامة. ### || [سورة طه (20): آية 135] # قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من ms1085 أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # (قل كل) أي كل واحد منا ومنكم (متربص) أي منتظر للعاقبة وهي ما يؤول إليه ~~الأمر يوم القيامة، وقيل: # منتظر لهلاك صاحبه أنا أنتم «3»، وذلك أن كفار مكة قالوا نتربص بمحمد ريب ~~المنون، أي الموت ووعدهم النبي صلى الله عليه وسلم العذاب فنزل «قل كل ~~متربص» «4»، أي أنتم متربصون بمحمد الموت ومحمد متربص العذاب (فتربصوا) ~~أنتم، أي انتظروا بموته (فستعلمون) إذا أنزل بكم العذاب (من أصحاب الصراط ~~السوي) أي المستقيم (ومن اهتدى) [135] من الضلالة بهداية الله تعالى نحن أم ~~أنتم، وفيه تهديد شديد لهم. PageV03P104 ### | سورة الأنبياء # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأنبياء (21): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) # قوله (اقترب للناس) أي للمشركين (حسابهم) أي اقترب منهم وقت حسابهم، وهو ~~يوم القيامة، فاللام بمعنى من أو لتأكيد إضافة الحساب إليهم واتصف يوم ~~القيامة بالقرب إما لأنه مقترب عند الله لأنه لا يخلف وعده وإما لأن كل آت ~~وإن طالت أوقات استقباله قريب وإما لأن ما بقي من الدنيا أقصر مما سلف منها ~~بدليل ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، نزل لتحذير منكري البعث من أهل ~~مكة «1» (وهم في غفلة) أي والحال أنهم في جهل عما يفعل بهم من الحساب ~~والجزاء فيه (معرضون) [1] عن الاستعداد لمقام الحساب أو معرضون عن تنبيه ~~المنبه وهو القرآن. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 2] # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) # (ما يأتيهم) أي المشركين (من ذكر من ربهم محدث) أي منزل شيئا بعد شيء وهو ~~القرآن المنزل على الرسول آية بعد آية وسورة بعد سورة ليكرر على أسماعهم ~~التنبيه والوعظ لعلهم يتعظون فيؤمنون (إلا استمعوه) أي ما يأتيهم شيء من ~~القرآن إلا استمعوه بالاستهزاء وهو معنى قوله (وهم يلعبون) [2] حال من ضمير ~~«استمعوا»، أي يسخرون به. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 3] # لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون (3) # (لاهية قلوبهم) أي غافلة عما يراد ms1086 منه بالتأمل والتبصر بقلوبهم حال أخرى ~~لهم (وأسروا النجوى) أي أخفوا التناجي بينهم في هدم أمره، وبالغوا فيه بحيث ~~لا يفطن أحد لتناجيهم «2»، قوله (الذين ظلموا) بدل من واو «وأسروا» وهو ~~قولهم (هل هذا) أي ما محمد (إلا بشر مثلكم) في المأكل والمشرب وكل ما يحتاج ~~إليه البشر والموت (أفتأتون السحر) وهو معجزته، لأنه ساحر ومعجزته سحر، أي ~~أتحضرون السحر (وأنتم تبصرون) [3] وتعاينون أنه سحر فاعتقدوا أن الرسول لا ~~يكون إلا ملكا، وإن من يدعي الرسالة وجاء بالمعجزة فهو ساحر، فأسروا هذا ~~الحديث كالتشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق في هدم أمره وفي تثبيط ~~الناس عن الإيمان به. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 4] # قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # قوله (قال ربي يعلم القول) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ «قال» ~~بالألف «3» إخبارا منه أن ربه يعلم القول، أي السر PageV03P105 # والجهر (في السماء والأرض) وإذا علم القول علم الفعل لا يعزب عنه شيء ~~فيهما (وهو السميع العليم) [4] بمقالتهم وأحوالهم. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 5 الى 6] # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) # (بل قالوا أضغاث أحلام) أي هم نقضوا أقوالهم في القرآن، فقالوا بعد قولهم ~~أنه سحر هو أضغاث أحلام، أي أخلاط أحلام كاذبة رآها في النوم، وضغث الحلم ~~ما ليس له تأويل، والضغث حزمة يكون فيه تخليط من النبات (بل افتراه) أي ~~اختلقه من تلقاء نفسه (بل هو شاعر) أي كذاب فما يأتي به كذب، ويعبر عن ~~الكذب بالشعر ومنه قولهم أحسن الشعر أكذبه، ثم قالوا بعد اختلافهم في ~~القرآن (فليأتنا بآية) أي بعلامة (كما أرسل الأولون) [5] يعني كما أتي ~~الرسل من قبله بها فنزل قوله «1» (ما آمنت قبلهم) أي قبل كفار مكة (من ~~قرية) أي أهلها عند اتيان الرسل بالآيات التي اقترحوها فلذلك (أهلكناها ~~أفهم يؤمنون) [6] أي يصدقون إذا جاءتهم الآيات، يعني لا يؤمنون لأنهم أطغى ~~منهم ولا نريد أن ms1087 نهلكهم بالاستئصال، لأن هذه الأمة موعودة أن لا تستأصل ~~إلى قيام الساعة، فلذلك لم نعطهم مقترحهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 7] # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (7) # ثم نزل جواب هل هذا إلا بشر مثلكم «2» وهو قوله (وما أرسلنا قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم) ولم نرسل «3» إليهم ملائكة بالرسالة، قرئ بالنون وبالياء ~~مجهولا «4» (فسئلوا أهل الذكر) أي أهل التورية والإنجيل يريد علماء أهل ~~الكتاب، فانهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد عليه ~~السلام (إن كنتم لا تعلمون) [7] ذلك وإنما أحالهم على أولئك، لأنهم كانوا ~~مشاركين ومخالطين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 8] # وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) # قوله (وما جعلناهم جسدا) أعلم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كالرسل المتقدمين، أي ما جعلنا الأنبياء قبلك جسدا، أي أجساما (لا يأكلون ~~الطعام) ولا يشربون ولا يمشون في الأسواق (وما كانوا خالدين) [8] في الدنيا ~~وهو رد لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويعيش ويموت فهو بشر مثلنا، ولو ~~كان رسولا لما أكل ولا مات كالملك، ووحد الجسد لإرادة الجنس أو بتأويل ذوي الجسد. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 9] # ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # (ثم صدقناهم الوعد) أي النجاة للأنبياء والهلاك للمشركين (فأنجيناهم) أي ~~الأنبياء (ومن نشاء) من المؤمنين (وأهلكنا المسرفين) [9] أي المشركين ~~بالعذاب. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 10] # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) # (لقد أنزلنا إليكم) يا كفار مكة (كتابا) أي القرآن (فيه ذكركم) أي عزكم ~~وشرفكم، يعني شرف العرب، وإنما عبر بالذكر، لأن الشريف يذكر بالثناء الحسن ~~أو ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم أو هو تذكرة لكم لترجوا من رحمته ~~وتخافوا من عذابه (أفلا تعقلون) [10] أي ألا تفهمون أن فيه شرفكم وموعظتكم ~~فتؤمنون به. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 11] # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) # (وكم قصمنا) أي كسرنا (من قرية) أي أهلها (كانت ms1088 ظالمة) أي كافرة، والقصم ~~بالقاف الكسر بانفصال PageV03P106 # ظاهر وبالفاء بانفصال خفي، يعني كثيرا من أهل القرى الظالمين أهلكناهم ~~بظلمهم (وأنشأنا بعدها قوما آخرين) [11] خير منهم فسكنوا ديارهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 12] # فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) # (فلما أحسوا بأسنا) أي لما رأى المهلكون بحاسة البصر عذابنا (إذا هم ~~منها) أي من القرية (يركضون) [12] أي يهربون مسرعين، الركض تحريك الرجلين ~~على الفرس للعدو. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 13] # لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) # فثم قالت الملائكة لهم (لا تركضوا) أي لا تهربوا كهيئة الاستهزاء، والقول ~~محذوف (وارجعوا إلى ما أترفتم) أي نعمتم وخولتم (فيه) من أمر دنياكم ~~(ومساكنكم) التي كنتم فيها (لعلكم تسئلون) [13] أي يسألكم الناس عن نوازل ~~الخطوب عليكم بأعمالكم الخبيثة وعن فعلكم «1» نبيكم من القتل وغيره وعدم ~~إيمانكم به. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 14] # قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) # فثم (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين) [14] بترك الإيمان بنبينا وقتله، ~~فاعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، روي: # «أن قرية من قرى اليمن اسمها حصورا قد جاءها رسول من الله فكذبوه وقتلوه ~~فسلط الله عليهم بختنصر فقتلهم وهزمهم» «2»، فقالت لهم الملائكة ذلك حين ~~انهزموا من منازلهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 15] # فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) # (فما زالت تلك) أي كلمة الويل وهي قولهم «يا ويلنا إنا كنا ظالمين» ~~(دعواهم) خبر «ما زالت»، وهي بمعنى الدعوة، أي نداؤهم إذ المولول كأنه ~~ينادي ويقول يا ويل تعال، فهذا وقتك (حتى جعلناهم حصيدا) أي مثل حصيد وهو ~~الزرع المحصود، ووحد لتقدير المثل وهو مفعول ثان ل «جعلنا»، وكذلك (خامدين) ~~[15] وتعدد المفعول الثاني كما يتعدد الخبر، وقيل هما في حكم المفرد نحو ~~هذا حلو حامض «3»، أي مز، وقيل «خامدين» صفة «حصيدا» «4»، ومعناه صائفين ~~مثل الرماد لا يتحركون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 16] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) # (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما) من أصناف الخلائق والعجائب ~~(لاعبين) [16] حال من ضمير الفاعل في «خلقنا»، أي ما خلقناها «5» لاهين بها ~~أو ms1089 عبثا بغير شيء، بل لمصالح دينية ودنيوية من نظر واعتبار واستدلال ~~لعبادنا بها على وحدانيتنا ومن المنافع والمرافق التي لا تعد مما يحتاجون ~~إليه وليكون خلقنا حجة لنا عليهم يوم القيامة. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 17] # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) # (لو أردنا أن نتخذ لهوا) أي لعبا أو زوجة وولدا بلغة اليمن، لأنهما للرجل ~~لهو يلهو بهما (لاتخذناه) أي اللهو (من لدنا) أي من عندنا لا من عندكم، ~~يعني من الملائكة أو من الحور لا من الإنس، وهو رد لقول النصارى في المسيح ~~أنه ابن الله، واليهود في عزير أنه ولد الله، ثم قال (إن كنا فاعلين) [17] ~~أي إن كنا نفعله ولسنا نفعله، ويجوز أن يكون «أن» نافية، أي ما كنا فاعلين ~~لاستحالته في حقنا. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 18] # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) # قوله (بل نقذف) إضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه منه لذاته، وبيان لكذبهم ~~وبطلان قولهم في حقه تعالى، PageV03P107 # أي من عادتنا واقتضاء حكمتنا أن نرمي (بالحق) أي الإيمان (على الباطل) أي ~~على الكفر أو الحق قول الله أنه لا ولد له، والباطل قولهم اتخذ الله ولدا ~~(فيدمغه) أي فيدحضه به ويمحقه، والدمغ كسر للدماغ بالضرب على الرأس وهو ~~مقتل (فإذا هو زاهق) أي هالك وزائل، المعنى: أنا نبين الحق من الباطل ~~فيبطله الحق، لأن الباطل لا يعارض الحق ولكن الحق يغلب عليه فيدمغه (ولكم ~~الويل) أي لكم يا معشر النصارى شدة العذاب (مما تصفون) [18] الله تعالى به ~~من الولد ومما لا يجوز عليه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 19] # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) # (وله من في السماوات والأرض) من الخلق (ومن عنده) من الملائكة المكرمين ~~(لا يستكبرون) أي لا يتعظمون (عن عبادته ولا يستحسرون) [19] أي لا يعيون عن ~~طاعته، من استحسر وحسر بمعنى أعيا، وإنما قال «ومن عنده» وهو منزه عن ~~المكان، لأنه ما أراد بقربهم به من حيث ms1090 المكان، بل أراد تنزلهم عنده بمنزلة ~~المقربين عند الملوك لكرامتهم عليه وفضلهم على خلقه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 20] # يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [20] أي لا يضعفون ولا يسكتون ولا ~~يملون، لأن التسبيح لهم كالنفس لبني آدم، فيه إشارة إلى أن تسبيحهم متصل دائم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 21] # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) # قوله (أم اتخذوا آلهة من الأرض) إضراب عن المشركين بالإنكار عليهم ~~والتوبيخ، لأن «أم» بمعنى بل والهمزة الاستفهامية، أي هم لا يعبدون الله بل ~~اتخذوا من دونه آلهة منسوبة إلى الأرض، لأن آلهتهم كانت من جواهر الأرض ~~كالحجر والذهب والفضة وغيرها (هم ينشرون) [21] بالاختصاص، أي يحيون لا غير، ~~يعني هل تحيي تلك الآلهة شيئا من الأموات فلذلك اتخذوها آلهة يعبدونها، فيه ~~تجهيل لهم وزيادة توبيخ حيث لم يدعوا إحياء أصنامهم شيئا وبيان لعجزها وعدم ~~صلاحها للألوهية، لأن العاجز لا يكون إلها وهم سموها آلهة «1». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 22] # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) # قوله (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) تنزيه لنفسه عن الشريك بالنظر ~~العقلي، أي لو كان في السموات والأرض آلهة شتى غير الله الذي هو خالقهما ~~«2» لهلكتا وهلك من فيهما لوجود التمانع، لأن كل أمر بين اثنين لا يجري على ~~نظام واحد سيما إذا كانا حكيمين كاملين لاستواء جهتي الحكمة المقتضية ~~للمصلحة فيه، أي في ذلك الأمر فلا بد من إيقاع إحدى الجهتين حسب، فلم يكن ~~التدبير مستويا فلا بد أن يختار أحدهما خلاف الآخر لغلبة الألوهية بالذات ~~فيفسد كما ترى أن الرعية تفسد «3» بتدبير الملكين لحدوث التغالب والتخالف ~~بينهما، قوله «إلا الله» صفة ل «آلهة» لا بدل لفساد المعنى، لأنه حينئذ ~~يصير لو كان فيهما إلا الله لفسدتا، إذ المبدل في حكم السقوط ولأن ما قبله ~~موجب، ولا يجوز نصبه على الاستثناء، لأنه يصير المعنى أن عدم فسادهما لوجود ~~الله تعالى مع الآلهة فيهما وهو لا يفيد التوحيد، ففي الآية دلالة ms1091 على أن ~~مدبرهما لا بد أن يكون واحدا، وإن ذلك الواحد لا يكون إلا الله، قوله ~~(فسبحان الله رب العرش عن ما يصفون) [22] من الشريك والولد كأنه نتيجة دليل ~~التمانع المذكور قبله. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 23] # لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) # (لا يسئل) الله (عن ما يفعل) ويحكم سؤال إنكار، لأنه المالك حقيقة، فيفعل ~~ما يشاء في خلقه من المغفرة PageV03P108 # والعقوبة ولاستحالة جواز الخطأ عليه، ويجوز السؤال عنه على سبيل ~~الاستكشاف والبيان كقوله «قال رب أنى يكون لي غلام» «1» الآية (وهم يسئلون) ~~[23] لأنهم عبيده حقيقة فيسأل عما يفعلون من العدل والجور لإمكان الخطأ ~~منهم، فيقول لهم لم فعلتم في كل شيء فعلوه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 24] # أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) # (أم اتخذوا من دونه آلهة) وإنما كرره استعظاما لكفرهم حيث جعلوا له شريكا ~~فأنت (قل) لهم يا محمد وصفتم الله بأن له شريكا (هاتوا برهانكم) على ذلك، ~~أي كتابكم الذي فيه عذركم (هذا) أي الوحي المنزل إلي من ربي، يعني القرآن ~~(ذكر) أي خبر (من معي) على ديني إلى يوم القيامة وهم أمته (وذكر) أي وخبر ~~(من قبلي) من الأمم الماضية والكتب السابقة للأنبياء، فراجعوا إلى القرآن ~~والتورية والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا أم لا، ~~فلما لم يرجعوا عن كفرهم أضرب عنهم بقوله (بل أكثرهم لا يعلمون الحق) أي لا ~~يصدقون القرآن لجهلهم، وقيل: لا يعلمون التوحيد «2» (فهم معرضون) [24] عن ~~النظر فيما يجب عليهم أو مكذبون بالحق الذي هو القرآن والتوحيد. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 25] # وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) # ثم بين ما أمر من التوحيد في جميع الكتب للرسل كما أمر في القرآن لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم فقال (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه) ~~بالياء مجهولا وبالنون معلوما «3» على التعظيم، أي نحن نوحي إليه ms1092 كما نوحي ~~إليك (أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [25] أي وحدوني ولا تشركوني. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 26 الى 27] # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون (27) # ونزل لما قال بعض الكفار الملائكة بنات الله «4» (وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا) فنزه نفسه عن ذلك بقوله (سبحانه) أي سبحان الله عن وصفهم بالولد (بل) ~~هم (عباد مكرمون) [26] أكرم الله تعالى بعبادته، والعبودية تنافي الولادة ~~وهم يتبعون لقوله و(لا يسبقونه) أي الله (بالقول) أي بقولهم، يعني لا ~~يتقدمون قوله بقولهم بل يأتون بمرداه ولا يخالفونه (وهم بأمره يعملون) [27] ~~أي عملهم مبني على أمره لا يعملون عملا لم يؤمروا به، لأنهم عارفون ~~مراقبون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 28] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون (28) # (يعلم ما بين أيديهم) من أمر الآخرة (وما خلفهم) من أمر الدنيا (ولا ~~يشفعون) أي الملائكة (إلا لمن ارتضى) الله تعالى أن يشفع له من أهل الإيمان ~~(وهم من خشيته مشفقون) [28] أي هم مع هذا كله من هيبته خائفون لا يأمنون من ~~مكره، لأنهم عاينوا من الآخرة فيخافون عاقبة الأمر. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 29] # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) # (ومن يقل منهم) أي من الملائكة أو من جميع الخلق فرضا (إني إله من دونه) ~~أي من دون الله (فذلك) أي القائل به (نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [29] ~~أي المشركين وهو تهديد لمشركي مكة «5» ليمتنعوا عن «6» شركهم. PageV03P109 ### || [سورة الأنبياء (21): آية 30] # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # (أولم ير الذين كفروا) بالواو بعد الألف الاستفهامية وبغير الواو «1»، أي ~~ألم يخبروا في الكتاب (أن السماوات والأرض كانتا) أي جنساهما (رتقا) أي ~~شيئا مرتوقا فهو مصدر بمعنى المفعول أو ذات رتق بمعنى ملتزقتين منضمتين ~~(ففتقناهما) أي ففرقناهما «2» وأبنا إحديهما عن الأخرى بالهواء فجعلنا ~~السماء سبعا والأرض سبعا وعلم الكفار ذلك بكتابهم وهو القرآن ms1093 المعجز، فوجب ~~تصديقه، وقيل: «رتقهما وفتقهما أن السموات كانت لا تمطر فأمطرت، وإن الأرض ~~كانت لا تنبت فأنبتت» «3» (وجعلنا من الماء كل شيء حي) أي الماء النازل من ~~السماء، يعني جعلنا الماء سببا لحيوة كل شيء حي، والنبات داخل فيه، فدلهم ~~بذلك على توحيده ولذا قال بعده (أفلا يؤمنون) [30] أي أفلا يوحدون بعد رؤية ~~هذه العجائب. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 31] # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) # (وجعلنا في الأرض رواسي) جمع راسية، من رسا إذا ثبت، أي جبالا ثوابت (أن ~~تميد) أي لأن لا تميل، فحذف «لا» لأمن اللبس، وقيل: كراهة أن تميد «4» (بهم ~~وجعلنا فيها) أي في الأرض والرواسي (فجاجا) أي أودية واسعة، والفج هو الشق ~~بين الجبلين (سبلا) أي طرقا، بدل من «فجاجا»، وهي في الأصل وصف ل «سبيلا» ~~لقوله لتسلكوا منها سبلا فجاجا، أي طرقا واسعة لكنه قدم هنا على السبل ~~إيذانا بأنه تعالى خلقها على تلك الصفة، فالسبل بيان لما أبهم ثمه (لعلهم ~~يهتدون) [31] أي لكي يهتدوا إلى مصالحهم. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 32 الى 33] # وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل ~~والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) # (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) عن استراق السمع بالشهب أو عن الوقوع عليهم ~~كقوله «ويمسك السماء أن تقع على الأرض» «5» (وهم) أي الكفار (عن آياتها) أي ~~آيات السماء من الشمس والقمر والنجوم (معرضون) [32] أي عن الاستدلال بها ~~بالنظر فيها على صانعها، فيتركون الشرك ويوحدون الله الذي هو أهل التوحيد، ~~وأوضح ذلك بقوله (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر) أي الظلمة ~~والضوء والنيرات كلها (كل في فلك) أي في «6» جنس الفلك وهو السماء وكل ~~مستدير فلك في كلام العرب، و«كل» مسبتدأ، وخبره (يسبحون) [33] أي كل واحد ~~منها في مجاريها يسيرون بسرعة أو «كل في فلك» مبتدأ وخبر، و«يسبحون» الجملة ~~في محل النصب على الحال من الشمس والقمر لا غير لاختصاص السباحة بهما. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 34 الى 35] # وما ms1094 جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) # قوله (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) نزل حين قال المشركون: إن محمدا ~~يموت فيشمتون بموته «7»، فنفى الله عنه الشماتة بالموت، فقال قضى الله أن ~~لا يخلد في الدنيا بشر لا أنت ولا هم، فاذا كان كذلك فان مت أنت أيبقي ~~هؤلاء وهو معنى قوله (أفإن مت فهم الخالدون) [34] أي أفهم الخالدون إن مت، ~~فأنكر الخلود لهم، لأن كل البشر عرضة للموت، وأوضح ذلك بقوله (كل نفس ذائقة ~~الموت ونبلوكم بالشر والخير) أي PageV03P110 # بالشدة والرخاء، قوله (فتنة) مصدر مؤكد لقوله «1» «نبلوكم» من غير لفظه، ~~أي نختبركم اختبارا بما يجب فيه الصبر من البلايا وبما يجب فيه الشكر من ~~النعم (وإلينا ترجعون) [35] فنجازيكم على حسب ما وجد منكم من الشر والخير. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 36] # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) # قوله (وإذا رآك الذين كفروا) نزل حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي ~~سفيان وأبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: # هذا نبي بني عبد مناف كالمستهزئ به فقال تعالى (إن يتخذونك) أي ما يتخذك ~~الكفار «2» بقولهم هذا نبي بني عبد مناف (إلا هزوا) مفعول ثان ل «يتخذون»، ~~يعني يتخذونك مهزوء ويقولون سخرية (أهذا الذي يذكر آلهتكم) أي يعيبهم أو ~~الذكر عام للخير والشر، قوله (وهم بذكر الرحمن) الجملة في محل النصب على ~~الحال، أي يتخذونك هزوا وهم بالذي ذكر فيه توحيده وهو القرآن (هم كافرون) ~~[36] أي جاحدون أو ذكره توحيده الذي يجب أن يذكر به، فهم أحق بأن يتخذوا ~~هزوا منك لأنك على الحق وهم مبطلون، وقيل: كفرهم بذكر الرحمن قولهم ما نعرف ~~بالرحمن إلا مسيلمة الكذاب «3». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 37] # خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) # ثم استعجل كفار قريش نزول العذاب الموعود لهم فقال تعالى (خلق الإنسان) ~~أي آدم (من عجل) أي بعجلة من غير ترتيب ms1095 الأطوار كترتيب ذرية آدم بأن قيل له ~~كن فكان، والعجل هو الإسراع قبل الوقت، وقيل: # معناه عجلا «4»، وهو حال من «الإنسان»، أي حال كونه عاجلا في فعل شيء لما ~~روي: «أن آدم لما خلق فبلغت الروح رأسه أبصر ثمار الجنة فقام إليها قبل أن ~~يبلغ الروح رجليه» «5»، وقيل: «من» بمعنى مع «6»، أي خلق مع صفة العجلة فيه ~~للابتلاء، ولذلك استعجل الكفار نزول العذاب كما استعجل آدم القيام فقال ~~تعالى (سأريكم آياتي) أي نقماتي (فلا تستعجلون) [37] بالاتيان بها فهم نهوا ~~عن الاستعجال مع كون العجلة مخلوقة فيهم فكأن فيه تكليف ما لا يطاق وليس ~~كذلك، لأن الله تعالى أعطاهم القدرة التي بها استطاعوا أن يصدوا نفوسهم عن ~~مراداتها، وقيل: الآيات آثار الأمم الماضية المعذبة ومنازلهم من قوم نوح ~~وهود وثمود ولوط وصالح «7»، وكانت قريش يسافرون في البلدان فيرون تلك ~~الآثار والمنازل، ونزل حين وعدهم الله البعث فسألوا عنه على وجه الاستهزاء ~~والإنكار «8»، وقيل: كانوا يستعجلون القيامة «9». ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 38 الى 40] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة ~~فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) # (ويقولون) سائلين (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) [38] فيما تعدنا من أنا ~~نبعث فقال تعالى (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون) أي لا يدفعون (عن ~~وجوههم النار) لكون أيديهم مغلولة يومئذ (ولا عن ظهورهم) لإحاطتها بهم (ولا ~~هم ينصرون) [39] أي لا يمنعون عما نزل بهم من العذاب في الآخرة، وجواب «لو» ~~محذوف وهو لامتنعوا من الشرك ولما استعجلوا بقولهم متي هذا الوعد (بل ~~تأتيهم) الساعة أو النار (بغتة) أي فجأة (فتبهتهم) أي فتحيرهم (فلا ~~يستطيعون ردها) أي رد الساعة أو النار (ولا هم ينظرون) [40] أي PageV03P111 # يمهلون بتأخير العذاب عنهم إلى أجل معلوم. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 41 الى 42] # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من ms1096 الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) # ثم سلى نبيه بقوله (ولقد استهزئ برسل من قبلك) كما استهزأ بك قومك فصبروا ~~(فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن) [41] أي فنزل العذاب بهم ~~مجازاة لاستهزائهم، فاصبر أنت و(قل) للمستهزئين (من يكلؤكم) أي يحفظكم ~~(بالليل والنهار من الرحمن) أي من عذابه إن نزل بكم، يعني لا يمنعهم إلا هو ~~(بل هم عن ذكر ربهم معرضون) [42] أي تاركون توحيده وقرآنه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 43] # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) # (أم لهم) الميم صلة، أي ألهم (آلهة تمنعهم) من العذاب (من دوننا) مجاوزة ~~منعنا وحفظنا، ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال (لا يستطيعون) أي الأصنام أو ~~عابدوها (نصر أنفسهم) أي المنع عن نفوسهم، فكيف ينصرون عابديهم (ولا هم منا ~~يصحبون) [43] أي لا يجارون من عذابنا ويأمنون، لأن المجير صاحب لمجاره. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 44] # بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) # (بل متعنا) أي أجلنا ومهلنا «1» (هؤلاء وآباءهم) من قبلهم (حتى طال عليهم ~~العمر) أي الأجل في التمتع فاغتروا فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون، ~~وذلك أمل كاذب (أفلا يرون) أي أفلا ينظر أهل مكة (أنا نأتي الأرض) أي أرض ~~الكفار، أي نأخذها ونفتحها بقوة الإسلام، قوله (ننقصها من أطرافها) بتسليط ~~المسلمين عليها وردها دار الإسلام حال من ضمير «نأتي»، يعني ننقص ما حول ~~مكة من أراضي أهل الحرب لمحمد «2» صلى الله عليه وسلم بالغلبة والقتل ~~والسبي بأمرنا ونصرتنا إياه (أفهم الغالبون) [44] أم نحن، أي الغالب هو ~~الله وهم المغلوبون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 45] # قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45) # (قل) يا محمد (إنما أنذركم) أي أخوفكم (بالوحي) أي بما نزل إلي من ~~القرآن، فوجب عليكم اتباعه بالسمع والطاعة (ولا يسمع) بالتاء وضمها وكسر ~~الميم ونصب (الصم) والخطاب للنبي عليه السلام، وبالياء وفتحها مع فتح الميم ~~«3»، والفاعل ما بعده وهو ms1097 إخبار عن الكفار «4»، أي لا يقبل الصم (الدعاء) ~~إلى الإيمان، يعني يتصاممون بالجسارة والجرءة من آيات الإنذار (إذا ما ~~ينذرون) [45] أي وقت الإنذار بها. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 46] # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) # (ولئن مستهم نفحة) أي إن أصابتهم عقوبة قليلة (من عذاب ربك) الذي خوفوا ~~به (ليقولن) عند نزولها بهم (يا ويلنا إنا كنا ظالمين) [46] أنفسنا بترك ~~طاعة ربنا فيعترفون بظلمهم ويذلون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 47] # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) # (ونضع الموازين القسط) أي ذوات العدل لكشف ظلمهم وظهور عدلنا لهم، قيل: ~~وصفت الموازين بالقسط مبالغة «5»، وهو مصدر بمعنى العدل كرجل عدل، والمراد ~~ميزان العدل، قيل: «له لسان وكفتان يوزن فيه PageV03P112 # الحسنات والسيئات في أحسن صورة وأقبحها» «1»، والحكم للغالب في الوزن وفي ~~التساوى لفضل الله تعالى، روي: «أن داود عليه السلام يسأل ربه أن يريه ~~الميزان فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه، ثم أفاق فقال: ~~إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ~~ملأتها بتمرة» «2»، وقيل: يوزن صحائف الأعمال «3» (ليوم القيامة) أي نضع ~~لأجله (فلا تظلم نفس شيئا) من الظلم (وإن كان) العمل (مثقال حبة) أي زنة ~~حبة، قرئ بنصب «مثقال» ف «كان» ناقصة، وبالرفع ف «كان» تامة «4»، أي إن حصل ~~للعبد مثقال حبة (من خردل) عملا، وهو صفته، وجزاء الشرط (أتينا) أي جئنا ~~(بها) وأحضرناها (وكفى بنا حاسبين) [47] أي مجازين أو محصنين والباء زائدة ~~و«نا» فاعل «كفى» و«حاسبين» حال منه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 48] # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48) # (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) أي التورية (وضياء) أي مضيئا وهو ~~التورية أيضا حال من «الفرقان»، وزيد الواو بين الوصفين ليدل على شدة الوصف ~~بهما، وقيل: «الفرقان» هو الفارق بين الحق والباطل «5»، والضياء نور ~~البصيرة في دينهم (وذكرا) أي عظة (للمتقين) [48] يعني آتيناهما التورية ~~الفارقة ms1098 بين الحلال والحرام ونورا مخرجا من الظلمات وموعظة للذين يتقون الشرك. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 49] # الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) # (الذين يخشون ربهم بالغيب) صفة ل «المتقين» كاشفة لهم، أي الذين يخافون ~~الله في الخلاء كخوفه بين الناس، وقيل: الذين يعملون لربهم في غيب منه «6» ~~(وهم من الساعة) أي من أهوالها (مشفقون) [49] أي خائفون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 50] # وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # (وهذا) القرآن (ذكر) أي موعظة أو ذكر ما يحتاج إليه الناس في دينهم ~~ومصالحهم (مبارك) وبركته كثرة منافعه وغزارة خيره من المغفرة والنجاة لمن ~~آمن به وقرأه وعمل بما فيه (أنزلناه) إليكم، ثم قال باستفهام توبيخ وتعيير ~~(أفأنتم له) أي للقرآن (منكرون) [50] يا أهل مكة. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 51] # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) # (ولقد آتينا إبراهيم رشده) أي اهتداءه ومعرفته لوجوه الصلاح (من قبل) أي ~~قبل بلوغه حين خرج من السرب وهو صغير، وقيل: «قبل موسى وهرون» «7»، فالرشد ~~النبوة (وكنا به) أي بابراهيم (عالمين) [51] أنه أهل لما آتيناه إياه، فيه ~~إشارة إلى أن الأشياء لا تصدر عن إبراهيم إلا باختيار من الله وإنه عالم ~~بجزئياتها. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 52] # إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) # (إذ قال لأبيه وقومه) أي اذكر وقت قوله لهم (ما هذه التماثيل) أي ~~التصاوير، يعني الأصنام (التي أنتم لها) أي لأجل عبادتها (عاكفون) [52] أي ~~مقيمون، وفيه تحقير لآلهتهم وتجهيل لهم، والتمثال الصنم «8». ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 53 الى 54] # قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين (54) # (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) [53] فنحن نعبدهم لذلك اقتداء بهم وهو ~~جواب العاجز عن الاتيان بالدليل حيث قلدوا آباءهم في عبادتهم التماثيل، ~~ولذا (قال) إبراهيم (لقد كنتم) أيها المقلدون (أنتم) تأكيد لاسم PageV03P113 # «كان» ليصح عطف (وآباؤكم) عليه، أي أنتم مع آبائكم (في ضلال مبين) [54] ~~أي في خطأ ظاهر لا يخفى على كل عاقل. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 55 الى 56] # قالوا أجئتنا بالحق ms1099 أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات ~~والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) # (قالوا أجئتنا بالحق) أي ما تقوله لنا أبالجد والصدق (أم أنت من ~~اللاعبين) [55] بنا بقولك هذا، وإنما استفهموه بذلك لأنهم حسبوا أن ما قاله ~~لهم «1» على وجه الملاعبة والممازحة، فأضرب عنهم مخبرا أنه بالجد لا بالهزل ~~مثبتا لواحدانية الله وربوبيته وحدوث الأصنام وبطلانها بأن (قال بل ربكم رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن) أي الأصنام، فكيف تعبدون المخلوق وتتركون ~~عبادة الخالق لكل شيء (وأنا على ذلكم) أي على الذي ذكرته لكم من أن خالق ~~الأرض والسماء ربكم ورازقكم واحد لا شريك له (من الشاهدين) [56] بصحته ~~ومبرهن عليه كما يبرهن الشاهد على شهادته. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 57 الى 58] # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا ~~لهم لعلهم إليه يرجعون (58) # (وتالله لأكيدن أصنامكم) أي لأكسرنها (بعد أن تولوا) أي ترجعوا عنها ~~(مدبرين) [57] أي ذاهبين إلى عيدكم، وكانوا قد وضعوا طعام عيدهم لدى ~~أصنامهم لزعمهم التبرك عليه، فاذا رجعوا من عيدهم أكلوه، قيل: «إنما قال ~~إبراهيم هذا سرا من قومه وحين قال ذلك سمع رجل منهم فحفظه عليه» «2»، فلما ~~خرج القوم من الكنيسة دخل على الأصنام إبراهيم والطعام لديهم فقال استهزاء ~~بهم ألا تأكلون فلم يجيبوه، فقال ما لكم لا تنطقون فضرب على رؤوسهم بالقدوم ~~(فجعلهم) بفأس في يده (جذاذا) بضم الجيم وكسرها «3»، جمع جذيذ وهو الهشيم، ~~أي قطعا من الجذ وهو القطع (إلا كبيرا لهم) أي إلا الصنم الأكبر منها لم ~~يكسره وتركه على حاله وعلق الفأس في عنقه، وقيل: ربطه بيده وكان اثنان ~~وسبعون صنما أكبرها من ذهب مكلل بالجواهر، وفي عينيه باقوتتان تتقدان ~~وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من حجر و«4» خشب وغيرهما «5» (لعلهم ~~إليه) أي إلى الصنم الكبير (يرجعون) [58] أي يسألونه عن كاسرها وغرضه من ~~رجوعهم إليه، إنهم إذا رجعوا إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر فظهر أنهم ~~في عبادتهم «6» على جهل عظيم أو لعلهم ms1100 يرجعون إلى التوحيد من الشرك عند ~~تحقق عجز آلهتهم عندهم. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 59 الى 60] # قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم ~~يقال له إبراهيم (60) # فلما رجعوا من عيدهم ودخلوا كنيستهم نظروا إلى آلهتهم منكسرة، فسأل بعضهم ~~بعضا عن ذلك بأن (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) [59] بكسرهم ~~(قالوا) أي قال من سمع قوله «لأكيدن أصنامكم» (سمعنا فتى يذكرهم) أي يعيبهم ~~(يقال له إبراهيم) [60] أي هو إبراهيم أو مرفوع ب «يقال»، والمراد الاسم لا ~~المسمى، أي يقال له هذا الاسم، والجملتان بعد «فتى» صفتاه، والأولى واجبة ~~الذكر لسمع، إذ لا يقال سمعت ذيدا. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 61] # قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) # (قالوا) أي قال نمرود وأتباعه (فأتوا) أي جيئوا (به) ظاهرا (على أعين ~~الناس لعلهم يشهدون) [61] عليه بما PageV03P114 # يعرفون منه لئلا نأخذه بلا بينة فجاؤا به إلى نمرود وأصحابه. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 62 الى 63] # قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) # (قالوا أأنت فعلت هذا) الكسر (بآلهتنا يا إبراهيم [62] قال) إبراهيم (بل ~~فعله كبيرهم هذا) أي عظيمهم عندكم، وهذا صفة الكبير وصفه به على وجه ~~الاستهزاء بهم، ونسب الكسر إلى الكبير ليكون تبكيتا لهم، ثم أمرهم بسؤال ~~جميع الأصنام إثباتا للحجة عليهم فقال (فسئلوهم) عن حالهم (إن كانوا ~~ينطقون) [63] أي يتكلمون حتى يخبروا من فعل ذلك بهم وأنتم تعلمون أنهم عجزة ~~عن النطق والعاجز لا يعبد ولا يصح أن يكون إلها. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 64] # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) # (فرجعوا إلى أنفسهم) أي إلى أصحابهم ولاموهم (فقالوا إنكم أنتم الظالمون) ~~[64] بنسبة الكسر إلى إبراهيم أو بسؤالكم إياه وآلهتكم حاضرة فسألوها أو ~~بعبادتكم من لا ينطق. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 65 الى 66] # ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) # (ثم نكسوا على رؤسهم) أي ردوا إلى كفرهم بعد ms1101 اعترافهم بالظلم من قولهم ~~نكس المريض إذا عاد إلى مرضه الأول بعد العافية أو المعنى: ثم طأطؤا رؤوسهم ~~حياء وخجلا حين لزمتهم الحجة، ثم قالوا له (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) [65] ~~أي عاجزون عن النطق فكيف نسألهم (قال) إبراهيم (أفتعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعكم شيئا) إن عبدتموهم (ولا يضركم) [66] إن لم تعبدوهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 67] # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) # (أف لكم) بالتنوين وغيره «1»، أي نتنا وقذرا لكم (ولما تعبدون من دون ~~الله) قاله متضجرا ومتكرها منهم ومما يعبدون، أي هذا التكره لكم ولآلهتكم ~~(أفلا تعقلون) [67] أي لا تفهمون بعقولكم هذا المقدار الظاهر من أن من ليس ~~له نطق ولا منفعة ولا مضرة لا يعبد ولا يكون ربا للخلق كيلا تعبدوا الأصنام ~~وتعبدوا الله الذي خلقكم من العدم وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم ولما قطعوا عن ~~المحاجة مع إبراهيم بالكلية. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 68 الى 70] # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) # (قالوا) أي نمرود وأصحابه (حرقوه) بالنار لأنها أوجع (وانصروا آلهتكم) أي ~~انتقموا لأجلهم (إن كنتم فاعلين) [68] النصر والانتقام. # ثم جمعوا حطبا كثيرا وأضرموا في نواحيه فصارت نارا عظيمة حتى إن الطير ~~تحترق إذا مرت بها من فوقها وتسقط على الأرض، روي: أن أحدا لم يقدر أن يقرب ~~من النار، فجاء عدو الله إبليس فدلهم على المنجنيق وهو أول منجنيق وضع في ~~الدنيا، فأوثقوا يدي إبراهيم ووضعوه في المنجنيق، فثم قال: لا إله إلا أنت ~~سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما رمي به من المنجنيق في الهواء ~~قال له جبرائيل: أفلا تسأل الله أن ينجيك منها؟ قال إبراهيم حسبي من سؤالي ~~علمه بحالي «2»، قال كعب: «جعل كل شيء يطفئ النار عنه PageV03P115 # إلا الوزغ، فانه كان ينفخ» «1»، ولذا أمر النبي عليه السلام بقتل الوزغ ~~فقال: «كان ينفخ على إبراهيم» «2»، فلما أخلص «3» قلبه لله تعالى ووقع في ~~النار لم يحترق ms1102 سوى وثاقه، فثمه بكت الملائكة عليه وقالوا ربنا عبدك ~~إبراهيم يحرق فيك، فقال تعالى مخبرا عن حاله (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم) [69] أي ذا برد وذا سلام «4»، قيل: نزع الله طبعها الذي خلقها ~~عليه من الحر والإحراق، فذهبت حرارتها وبقيت إضاءتها «5»، فأخذته الملائكة ~~من ضبعيه وأجلسوه على الأرض، وضرب جبرائيل جناحه على الأرض فأظهر الماء ~~العذب وروضة خضراء ووردا أحمر ونرجسا، وأقام فيها سبعة أيام وجاءه ملك ~~بقميص من حرير الجنة وطنفسة، فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وجعل يحدثه ~~ويقول له إن ربك يقول لك أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. # روي: أن نمرود خرج في اليوم الثالث مع حشمه على ربوة فنظر إلى النار فرأى ~~في وسطها ماء وخضرة وشخصين حولهما، فقال: فما لي أرى نفسين فيها ونحن رمينا ~~إنسانا واحدا، فرجع متحيرا «6»، روي: أنه نادى يا إبراهيم هل تستطيع أن ~~تخرج من النار؟ قال: نعم، قال: فاخرج منها فقام يمشي فيها حتى خرج منها، ~~فقال: يا إبراهيم من الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال ذلك ملك ~~الظل، أرسلني ربي ليونسني فيها، قال: إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من ~~قدرته وعزته فيما صنع بك قال لا يقبل الله منك ما لم تفارق دينك إلى ديني، ~~قال لا أستطيع ترك ملكي ولكن أذبح أربعة آلاف بقرة، فذبحها له، ثم كف عن ~~إبراهيم ومنعه الله منه «7»، قيل: «ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة ~~سنة» «8». # فقال تعالى (وأرادوا به) أي بابراهيم (كيدا) أي حرقا (فجعلناهم الأخسرين) ~~[70] أي الأذلين والمغبونين في اتفاقهم «9» على كيده وهو الإحراق، وقيل: ~~الهالكين بتسليط البعوض عليهم وقتله إياهم «10». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 71] # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) # (ونجيناه) أي إبراهيم وقومه من الإحراق ومن شر نمرود (ولوطا) أي نجيناه ~~وهو ابن أخي إبراهيم اسمه هاران مهاجرا (إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين) [71] وهو أرض الشام بالخصب وكثرة الماء والثمار للمخلوقين، وقيل: ~~وصلت بركتها إلى العالمين، ms1103 لأن أكثر الأنبياء فيها بعثوا وانتشرت شرائعهم ~~في العالم «11»، روي: أن إبراهيم قال للوط إني أريد أن أهاجر إلى الشام وهو ~~أول من صدق بابراهيم واتبعه فخرجا مهاجرين من كوثى من أرض العراق إلى بيت ~~المقدس «12»، وروي: أنه نزل بفلسطين ومعه سارة ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم «13». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 72] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) # (ووهبنا له) أي لإبراهيم بعد نزوله فيها وطلب الولد منا (إسحاق و) وهبنا ~~له أيضا ولد الولد (يعقوب نافلة) أي زيادة على سؤاله، وقيل: «نافلة» معناه ~~ولد الولد «14»، وهو حال من «يعقوب» (وكلا) أي كل واحد منهم (جعلنا صالحين) ~~[72] يعني أكرمناهم بالهداية إلى صراط مستقيم. PageV03P116 ### || [سورة الأنبياء (21): آية 73] # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) # (وجعلناهم أئمة) أي قادة في الخير، وقيل: جعلناهم أنبياء «1» (يهدون) أي ~~يدعون الخلق (بأمرنا) إلى ديننا وعبادتنا (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) وهي ~~جميع الأعمال الصالحة (وإقام الصلاة) أي إتمامها، وحذفت التاء من «إقامة» ~~لإضافتها إلى الصلوة (وإيتاء الزكاة) المفروضة وغيرها (وكانوا لنا عابدين) ~~[73] أي مطيعين أمرنا. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 74] # ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) # (ولوطا) أي اذكر لوطا، وقيل: هو نصب بفعل يفسره ما بعده وهو «2» (آتيناه ~~حكما) أي علم الأحكام (وعلما) أي فقها في الدين، وقيل: نبوة وفهما «3» ~~ليفصل بين الخصوم (ونجيناه من القرية) وهي قرية سدوم (التي كانت تعمل) أي ~~يعمل أهلها (الخبائث) أي الأعمال القبائح كاللواطة والمكس ورمي البندق إلى ~~الناس واللعب بالطيور ونحوها (إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) [74] أي عاصين. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 75] # وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) # (وأدخلناه) أي لوطا (في رحمتنا) أي في الجنة أو في أهل رحمتنا، وهم أهل ~~الطاعة في الدنيا (إنه من الصالحين) [75] أي من «4» المرسلين. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 76] # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) # (ونوحا) أي اذكر نوحا (إذ نادى) أي دعا ms1104 على قومه (من قبل) أي قبل إبراهيم ~~ولوط (فاستجبنا له) نداءه (فنجيناه وأهله من الكرب العظيم) [76] أي من ~~تكذيب قومه والغرق والكرب أشد الغم، قيل: كان نوح أطول الأنبياء عمرا ~~وأشدهم بلاء «5». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 77] # ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم ~~أجمعين (77) # (ونصرناه من القوم) أي على القوم «6» (الذين كذبوا بآياتنا) أي بما ~~أنذرهم نوح من الغرق «7» (إنهم كانوا قوم سوء) أي قوم كفر (فأغرقناهم ~~أجمعين) [77] أي لم يبق منهم أحد لا صغير ولا كبير إلا هلك بالغرق. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 78] # وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) # (وداود وسليمان) أي اذكرهما (إذ يحكمان في الحرث) بدل منهما والحرث كان ~~زرعا أو كرما، قوله (إذ نفشت) بدل من «إذ يحكمان» والنفش انتشار الغنم ليلا ~~بلا راع، أي دخلت (فيه غنم القوم) فأكلته (وكنا لحكمهم) أي لحكمهما وحكم ~~المتحاكمين (شاهدين) [78] أي عالمين كيف كان لا يخفى علينا علمه ### || [سورة الأنبياء (21): آية 79] # ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ~~والطير وكنا فاعلين (79) # (ففهمناها) أي الحكومة (سليمان) قيل: فيه دليل على أن الصواب كان مع ~~سليمان «8»، وذلك: أن الغنم دخلت في الزرع ورعته بلا راع ليلا فتحاكما إلى ~~داود، فقوم داود الزرع والغنم فاستوت قيمة الغنم مع قيمة ما أفسدته من ~~الزرع، فدفع الغنم إلى صاحب الزرع فخرجا من عنده ومرا بسليمان النبي ~~فأخبراه بحكم أبيه، PageV03P117 # فقال: نعم ما قضي به ولو قضي غير هذا لكان أرفق بكما، فرجع صاحب الغنم ~~إلى داود عليه السلام، فأخبره بما قال ابنه، فدعاه فقال له: كيف رأيت ~~قضائي؟ فقال: نعم ما قضيت، فعزم عليه بالأبوة والنبوة ليحكم بينهما، فدفع ~~الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها وإلى صاحب الغنم الزرع ~~يصلحه حتى إذا عاد الزرع إلى حاله الأولى ترادا، فقال له داود القضاء هو ما ~~قضيت فقضى داود بينهم بذلك، وكان سليمان في ذلك اليوم ابن إحدى عشرة سنة ms1105 ~~«1»، قيل: كان هذا الحكم في شريعتهم، وأما شريعتنا فلا ضمان فيما أفسدته ~~نهارا بلا راع، وفيما أفسدته ليلا ففيه الضمان عند الشافعي رحمه الله ولا ~~ضمان مطلقا عند أبي حنيفة رحمه الله إلا إذا ترسل تعمدا أو يكون معها سائق ~~أو قائد «2»، وكان حكمهما بالوحي عند من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء، ~~فكان حكم سليمان ناسخا لحكم داود، وقيل: كان حكمهما باجتهاد لإدراك فضيلة ~~الاجتهاد عند من جوز الاجتهاد لهم وجوز الخطأ عليهم، إذ لا قدرة للعبد أن ~~يصيب الحق دائما إلا أنهم لا يقرون عليه «3»، والأول أصح لأنهما كانا على ~~الصواب بدليل قوله (وكلا آتينا حكما وعلما) أي حكم النبوة والفهم في ~~القضاء، قيل: كل مجتهد مصيب لظاهر الآية وللخبر حيث وعد الثواب للمجتهد على ~~الخطأ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه «4»، قال عليه السلام: «إذا حكم ~~الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» «5»، وقيل: ~~ليس كل مجتهد مصيبا، بل إذا أخلف اجتهاد المجتهدين في حادثة كان الحق مع ~~واحد لا بعينه، ولو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للتقسيم معنى «6»، وقوله ~~عليه السلام: «إذا اجتهد فأخطأ فله أجر» لم يرد أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر ~~على اجتهاده في طلب الحق، لأنه عبادة، والإثم موضوع عنه في الخطأ (وسخرنا ~~مع داود الجبال) أورد «مع» للقران، قوله (يسبحن) بيان للتسخير، فكأن قائلا قال: # كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن، أي كلما يسبح يسبح معه الجبال بأن خلق الله فيها ~~الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى أو معناه يصلين معه إذا صلى ~~(والطير) تسبح معه، وقدم «الجبال»، لأن تسبيحها أغرب لكونها جمادا، والجملة ~~في محل النصب على الحال، و«الطير» مفعول معه (وكنا فاعلين) [79] أي نحن ~~فعلنا التسبيح والتفهيم بهما وهو بيان لقدرته العظيمة، قال ابن عباس: «كان ~~يفهم تسبيح الحجر والشجر والطير» «7». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 80] # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (80) # (وعلمناه صنعة لبوس لكم) أي الدروع التي تلبس مسرودة (لتحصنكم) ms1106 بالنون ~~والتاء والياء «8»، أي ليحفظكم الله (من بأسكم) أي من شدة وقع السلاح فيكم، ~~وهو أول من صنع الدرع وسردها (فهل أنتم) يا أهل مكة أو يا أهل بيت داود ~~(شاكرون) [80] جملة استفهامية، والمراد بها الأمر، أي اشكروا لله الذي هو ~~رب هذه النعمة. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 81] # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل ~~شيء عالمين (81) # (ولسليمان الريح) وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه ويظهر للحس ~~بحركته، يذكر ويؤنث «9»، أي سخرناها له (عاصفة) أي شديدة الهبوب في عملها ~~إن شاء سليمان حال لسخرنا مقدرة (تجري) أي PageV03P118 # الريح (بأمره) أي بأمر الله أو «1» بأمر سليمان من إسطخر «2» (إلى الأرض ~~التي باركنا فيها) وهي الشام فكانت تسير به وبجنده على البساط المعمول ~~بأيدي الشياطين من الذهب في إبريسم، وكان عرضه فرسخا في فرسخ حيث شاء، ثم ~~يعود من يومه إلى منزله، وكان مقامه بتدمر مدينة بناها له الشياطين بالصفاح ~~والعمد وألوان الرخام «3» (وكنا بكل شيء عالمين) [81] أي نفعل كل شيء ~~بمقتضى الحكمة أو عالمين بأمر سليمان وغيره. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 82] # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) # (ومن الشياطين من يغوصون) أي سخرنا منهم من يغوص في البحر فيخرج الجواهر ~~(له) أي لسليمان (ويعملون عملا دون ذلك) الغوص، أي سواه كالقصور العالية ~~والصناعات العجيبة (وكنا لهم) أي للشياطين (حافظين) [82] لئلا يعصوه ولئلا ~~يفسدوا عملهم، لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم تشغلوا بغيره. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 83 الى 84] # وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) # قوله (وأيوب) اسم رجل من الروم وهو أيوب بن أموص بن زارخ بن روم بن عيصو ~~بن إسحق بن إبراهيم، وكان الله قد اصطفاه نبيا وبسط عليه الدنيا من أصناف ~~المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر وغير ذلك، وكان معه ms1107 ثلاثة ~~نفر من قومه آمنوا به وصدقوه، رجل من اليمن ورجلان من بلده، وكان له أهل ~~وولد من رجال ونساء، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين يطعمهم ويكرم الضيف ~~ويكفل الأيتام والأرامل وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا حقه، فابتلاه الله ~~تعالى بكل بلاء كما يبتلي المؤمنين الصديقين لا على سخطة عليهم ولا لهوانه ~~لهم ولكنه كرامة وخيرة لهم، فاعلم النبي عليه السلام بخبره وصبره على بلاءه ~~تسلية له عليه السلام، وهو منصوب بفعل مقدر، أي اذكره (إذ نادى ربه) حين ~~ابتلي بفقد جميع ماله وولده وتمزيق جسده وغير ذلك من البلايا ثلاث سنين أو ~~سبع سنين أو أكثر من ذلك لا يقربه أحد غير زوجته رحمة صبرت معه بصدق مع ضيق ~~عيشه بعد سعته حتى باعت ضفيراتها بشيء أكله، أي دعا ربه (أني) أي بأني ~~(مسني الضر) أي الشدة وشكواه لم يخرجه عن الصبر، فلذلك قال إنا وجدناه ~~صابرا، يعني أصابني البلاء الشديد فارحمني (وأنت أرحم الراحمين [83] ~~فاستجبنا له) نداءه (فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله) أي أولاده، يعني ~~أحيوا بعد ما ماتوا أو رزق ثوابهم (ومثلهم) أي وآتيناه مثلهم (معهم) في ~~الدنيا (رحمة من عندنا) لأيوب (وذكرى للعابدين) [84] أي وتذكرة لهم ليصبروا ~~كصبره فيثابوا كثوا به، قال ابن عباس: «إن الله تعالى رد على المرأة شبابها ~~فولدت له ستة وعشرين ذكرا» «4»، وكان له سبعة بنين وسبع بنات «5» أحياهم ~~الله بأعيانهم. ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 85 الى 86] # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم ~~من الصالحين (86) # (وإسماعيل وإدريس) أي اذكرهما وهو إسمعيل بن إبراهيم، وإدريس جد نوح ~~عليهم السلام (وذا الكفل) هو إلياس أو نبي أو رجل صالح تكفل بصيام جميع ~~نهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا PageV03P119 # يغضب فوفى بذلك، وإنما ذكره مع الأنبياء لأن عمله كعمله (كل) أي كل واحد ~~من المذكورين (من الصابرين [85] وأدخلناهم في رحمتنا) أي أكرمناهم بالنبوة ~~أو بطاعتنا (إنهم من الصالحين) [86] أي معهم في الجنة. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 87] # وذا ms1108 النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) # (وذا النون) أي اذكره وهو صاحب الحوت اسمه يونس بن متى (إذ ذهب) من قومه ~~المرسل إليهم (مغاضبا) أي شديد الغضب عليهم، لأنه وعظهم فلم يتعظوا، وقيل: ~~ذهب منهم كارها لدينهم، وكان ضيق الصدر سريع الغضب وذلك أنه لما دعاهم إلى ~~الإيمان بالله وترك الشرك كذبوه ووعدهم ثلاثة أيام بنزول العذاب بهم، ~~فأتاهم العذاب فأخلصوا لله بالدعاء فصرف عنهم وكان يونس اعتزلهم ينتظر ~~هلاكهم فسأل بعض من مر علي من أهل تلك المدينة، فلما علم أنهم لم يهلكوا ~~كره أن يرجع إليهم مخافة أن ينسب إلى الكذب فذهب مغاضبا وكارها لذلك إلى ~~الساحل فوجد قوما قد شحنوا سفينتهم، فقال لهم: أتحملوني معكم فعرفوه ~~وحملوه، فلما ذهبت السفينة إلى وسط البحر تكفأت بهم، فقال ملاحوها يا قوم ~~أن فيكم رجلا عاصيا، لأن السفينة لا تفعل هكذا من غير ريح إلا وفيها عاص، ~~فاقترعوا فخرج سهم يونس فقال أنا والله لعاص فتلفف في كسائه فرمى نفسه في ~~البحر فابتلعه الحوت «1»، فبقي في بطنه سبعة أيام «2»، وقيل: أربعين «3»، ~~وقيل: يوما «4» (فظن أن لن نقدر عليه) أي ظن يونس أن لن نقضي عليه بالعقوبة ~~(فنادى في الظلمات) أي في ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل (أن) أي ~~بأن (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) [87] لنفسي بمغاضبتي، ~~قاله اعترافا بذنبه، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مكروب يدعو يهذا ~~التسبيح إلا استجيب له» «5». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 88] # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) # (فاستجبنا له) نداءه (ونجيناه من الغم) أي من غم الماء وبطن الحوت أو ~~الذنب (وكذلك ننجي المؤمنين) [88] بالتخفيف والتشديد «6»، أي مثل ذلك ~~الإنجاء ننجي الموحدين، قيل: إنه بعث نبيا قبل ابتلاع الحوت وبعده «7». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 89] # وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) # (وزكريا) أي اذكره (إذ نادى ربه) أي ms1109 دعاه (رب لا تذرني فردا) أي وحيدا ~~بلا ولد يرثني (وأنت خير الوارثين) [89] أي أفضلهم رزقتني ولدا أو لم ~~ترزقني إياه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 90] # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # (فاستجبنا له) نداءه (ووهبنا له) أي لزكريا ولدا اسمه (يحيى وأصلحنا له ~~زوجه) أي جعلناها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق وأحسنها وجها بعد أن ~~كانت قبيحة الوجه وأصلحنا رحمها وكانت لا تلد لعقمها فصارت ولودا بعد العقم ~~(إنهم كانوا) أي الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وقيل: إن زكريا وامرأته ويحيى ~~كانوا «8» (يسارعون في الخيرات) أي يبادرون في الأعمال الصالحة (و) كانوا ~~(يدعوننا رغبا ورهبا) أي رغبة فيما عندنا ورهبة من عذابنا (وكانوا لنا ~~خاشعين) [90] أي ذليلين متواضعين، والخشوع الخوف اللازم للقلب بالمعرفة. PageV03P120 ### || [سورة الأنبياء (21): آية 91] # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) # (والتي أحصنت) أي اذكر مريم التي حفظت (فرجها) من الوطئ (فنفخنا فيها) أي ~~نفخنا الروح في عيسى فيها، يعني أحييناه في جوفها، وقيل: معناه أمرنا ~~جبرائيل فنفخ في جيبها «1» أو في نفسها فحملت عيسى حيا بذلك النفخ (من ~~روحنا) وإضافة الروح إليه تشريفا لعيسى عليه السلام (وجعلناها وابنها آية) ~~أي علامة وعبرة (للعالمين) [91] أي للإنس والجن، ولم يقل آيتين، لأنهما ~~كشيء واحد في الدلالة على خلق ولد بلا فحل. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 92] # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) # (إن هذه أمتكم) خطاب للناس جميعا أو للرسل، أي قلنا يا أيها الرسل هذه ~~الملة، أي ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا مع أممكم عليها لا تنحرفون ~~عنها (أمة واحدة) بالنصب على الحال، أي يشار إليها حال كونها ملة واحدة، أي ~~على شريعة واحدة غير مختلفة، لأنها سبب الفلاح لا غير (وأنا ربكم) أي إلهكم ~~الحق (فاعبدون) [92] أي اعبدوني بالتوحيد. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 93] # وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) # (وتقطعوا أمرهم) أي تفرقوا في أمرهم وهو دينهم (بينهم) بعد ms1110 ذلك أحزابا، ~~فكل حزب يخالف الآخر كاليهود والنصارى (كل إلينا راجعون) [93] في الآخرة ~~فنجازيهم لتفرقهم في الدين فهو تهديد لهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 94] # فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) # ثم بين ثواب الثابتين على الإسلام بقوله (فمن يعمل من الصالحات) أي ~~الطاعات (وهو مؤمن) أي مصدق بتوحيد الله (فلا كفران لسعيه) أي لا حجد لعمله ~~ولا نسيان لثوابه (وإنا له) أي لسعيه (كاتبون) [94] في صحيفة عمله فنثيبه به. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 95] # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) # (وحرام) أي ممتنع الوجود كامتناع الحرام (على قرية أهلكناها) بالعذاب ~~فيما مضى (أنهم لا يرجعون) [95] بالفتح، أي الرجوع إلى الدنيا بعد الهلاك ف ~~«لا» زائدة وجملة «أن» مبتدأ والخبر ما تقدم من «حرام»، وقيل: معناه ~~الإيمان حرام على أهل قرية حكمنا باهلاكهم بالعذاب، لأنهم لا يرجعون عن ~~كفرهم ف «لا» ثابتة وجملة «أن» تعليل لل «حرام» «2». ### || [سورة الأنبياء (21): آية 96] # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) # قوله (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) غاية ل «حرام»، أي امتناع رجوعهم لا ~~يزول حتى يقوم القيامة، وذلك إذا فتحت يأجوج ومأجوج، أي سدهما وهما قبيلتان ~~من الإنس، قيل: «الناس «3» كلهم عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج» «4» ~~(وهم) أي يأجوج ومأجوج بعد خروجهم من السد (من كل حدب) أي من نشز (ينسلون) ~~[96] أي يسرعون من نسل أسرع وعسل، قيل: يخرجون بعد الدجال فيفسدون في الأرض ~~فيبعث الله عليهم دابة مثل النغف فيلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون فتنتن ~~الأرض فيرسل الله مطرا فيطهرها «5». PageV03P121 ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 97 الى 98] # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون (98) # (واقترب الوعد الحق) أي قيام الساعة، قيل: الواو زائدة فيه، لأنه جواب ~~«إذا» أقحمت لتأكيد لصوق الجزاء بالشرط «1» (فإذا هي شاخصة) «هي» ضمير مبهم ~~تفسره الأبصار كما فسروا وأسروا ms1111 الذين ظلموا في قوله تعالى «وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا» «2»، أي عند ظهور الوعد الحق فاتحة (أبصار الذين كفروا) فلا ~~تكاد تطرف لهول ما ترى يومئذ قائلين (يا ويلنا قد كنا في غفلة) أي في جهلة ~~(من هذا) اليوم، ثم تذكروا أخبار الرسل فقالوا (بل كنا ظالمين) [97] في ~~تكذيب الرسل إلينا وقال تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله) أي الأصنام ~~وإبليس وأعوانه، وإنما قرنوا بأصنامهم وغيرها لأنهم كانوا يقدرون الانتفاع ~~بهم في الآخرة، فاذا انعكس الأمر فيها لم يكن شيء أبغض إليهم منهم، وقيل: ~~فيه زيادة عقوبة لهم «3»، روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ~~وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنما وجلس إليهم فعرض ~~له النضر بن الحارث كلها، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم ~~تلا عليهم «إنكم وما تعبدون من دون الله» «4» (حصب جهنم) وهو ما يوقد فيها ~~كالحطب (أنتم لها واردون) [98] أي داخلون فيها. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 99] # لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) # (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) أي جهنم (وكل فيها خالدون) [99] أي «5» لا ~~يخرجون عنها «6». ### || [سورة الأنبياء (21): الآيات 100 الى 101] # لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون (101) # (لهم) أي للعابدين منهم (فيها) أي في النار (زفير) وهو تردد النفس الشديد ~~الغضب في جوفهم حتى ينتفخ الضلوع كأول صوت الحمار (وهم فيها) أي في النار ~~(لا يسمعون) [100] زفيرهم ولا صوتا آخر لشدة غليان النار ولما بهم من الألم ~~أو يجعل المسامير من نار في آذنهم أو يجعلون في توابيتهم من نار مغلقة تمنع ~~السمع، فأخبر الوليد بن المغيرة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ~~الزبعري، فقال ابن الزبعري للنبي عليه السلام: أرأيت ما قلت لقومك آنفا ~~أخاص لهم أم عام؟ قال: عام، قال أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى المسيح ~~وبنو مليح الملائكة؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: «بل هم عبدوا الشياطين التي ms1112 أمرتهم بذلك»، ~~فأنزل الله تعالى «7» (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) أي الجنة أو السعادة ~~أو التوفيق للطاعة كعيسى وعزير (أولئك عنها) أي عن النار (مبعدون) [101] أي منجون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 102] # لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) # (لا يسمعون حسيسها) أي الصوت الخفي منها إذا دخلوا الجنة (وهم في ما ~~اشتهت) أي تمنت (أنفسهم) في الجنة (خالدون) [102] أي دائمون. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 103] # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) # (لا يحزنهم الفزع الأكبر) وهو النفخة الأخيرة أو الانصراف إلى النار أو ~~حين يذبح الموت على صورة كبش أملح بين الجنة والنار وينادي يا أهل الجنة ~~خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت (وتتلقاهم الملائكة) عند باب ~~الجنة مهنين قائلين (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) [103] فيه الجنة والثواب «8». PageV03P122 ### || [سورة الأنبياء (21): آية 104] # يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا ~~كنا فاعلين (104) # (يوم نطوي) ظرف لقوله لا يحزنهم والطي ضد النشر، أي يوم نجمع (السماء) ~~ونطويها، قرئ بالنون وبالياء «1» (كطي السجل) أي الصحيفة (للكتب) أي على ~~المكتوب، قرئ مفردا وجمعا «2»، أي للكتب، وقيل: # السجل ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه «3»، قيل: «إذا مات الإنسان ~~رفع كتابه إلى الملك الموكل بالصحف فطواه» «4»، والكاف في (كما بدأنا أول ~~خلق) وهو إيجاده عن عدم، يتعلق بقوله (نعيده) أي نرد أول الخلق كما أوجدناه ~~عن عدم، يعني نعبده عودا مثل بدئه عن البعث عن عدم إشارة إلى تبديل السماء ~~في الآخرة وإلى استواء قدرته في تناولها للإبداء والإعادة، قيل: يمطر ~~السماء أربعين يوما كمني الرجال فينبتون به «5» (وعدا علينا) تأكيد ل ~~«نعيده وعدا» بالإعادة صدقا لا خلف فيه (إنا كنا فاعلين) [104] أي باعثين ~~الخلق بعد الموت، قال عليه السلام: «إنكم تحشرون يوم القيامة عراة حفاة ~~غرلا بهما» «6»، أي ساكتين، جمع أبهم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 105] # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105) # (ولقد كتبنا في ms1113 الزبور) بفتح الزاء «7» وهو زبور داود أو المراد الجنس، ~~أي في جميع الكتب المنزلة من السماء (من بعد الذكر) أي من بعد التورية أو ~~بعد اللوح المحفوظ، لأن كلها أخذت منه (أن الأرض) أي أرض الجنة أو أرض ~~الدنيا (يرثها عبادي الصالحون) [105] يعني محمدا وأمته يفتحون أرض الكفار ~~ويدخلون الجنة. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 106] # إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) # (إن في هذا) أي القرآن (لبلاغا) أي لكفاية (لقوم عابدين) [106] أي عاملين ~~بالتوحيد وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 107] # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) # (وما أرسلناك) أي ما بعثناك يا محمد (إلا رحمة للعالمين) [107] أي ~~للمؤمنين حيث هداهم إلى طريق الجنة وللكافرين بتأخير العاذب عنهم استئصالا. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 108] # قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) # (قل) يا محمد لمشركي قريش (إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) فيه ~~قصران، قصر الحكم على شيء وقصر الشيء على حكمه، وإنما اجتمعا هنا للدلالة ~~على أن الوحي إلى الرسول «8» عليه السلام مقصور على استئثار الله ~~بالوحدانية، ثم أمر الناس بالتوحيد الحاصل من جهة الوحي بقوله (فهل أنتم ~~مسلمون) [108] أي مخلصون بالتوحيد، يعني أسلموا له. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 109] # فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون (109) # (فإن تولوا) أي إن أعرضوا عن التوحيد (فقل آذنتكم) أي أعلمتكم بالحرب ~~(على سواء) مني ومنكم لتتأهبوا، إذ ليس الغدر من شيم الأنبياء (وإن أدري) ~~أي ما أدري (أقريب أم بعيد ما توعدون) [109] من نزول العذاب بكم في الدنيا، ~~لأن الله لم يعلمني علمه، ومحل «ما توعدون» رفع بأنه فاعل «أ قريب» سد مسد الخبر. PageV03P123 ### || [سورة الأنبياء (21): آية 110] # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) # (إنه) أي قل لهم إن الله (يعلم الجهر) أي العلانية (من القول) أي من كلام ~~مكذبي القرآن وطاعني الإسلام منكم (ويعلم) كذلك (ما تكتمون) [110] أي ما ~~تسرون في صدوركم من الطعن والحقد للمسلمين وهو يجازيكم عليه. ### || [سورة الأنبياء (21): آية ms1114 111] # وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) # (وإن) أي ما (أدري لعله) أي لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا (فتنة) أي ~~بلية (لكم) قيل: نزل حين قالوا لو كان التوحيد حقا لنزل بنا العذاب «1»، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أعلم متى يحل لكم العذاب لعل تأخيره بلاء لكم ~~لينظر كيف تعملون» «2» (ومتاع) أي تمتيع وتبليغ لكم (إلى حين) [111] أي إلى ~~انقضاء آجالكم ليكون ذلك حجة عليكم. ### || [سورة الأنبياء (21): آية 112] # قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # (قال) أمر، وقرئ «قال» «3» (رب احكم) إخبارا، أي قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يا رب افصل بيني وبين مكذبي» «4» (بالحق) أي العذاب أو بالعدل أو ~~بالنصر، لأنه كان قد وعد بالنصر، ووعده تعالى حق، فعذبوا ببدر ونصر عليهم ~~(وربنا الرحمن) أي العاطف على خلقه بالرزق (المستعان) أي الذي استعين به ~~(على ما تصفون) [112] بالياء والتاء «5»، أي تقولون من الشرك ونسبة الولد ~~إليه تعالى عنه، يعني يطلب منه العون والنصرة على إهلاكهم بسبب وصفهم إياه ~~بما لا يليق به تعالى. PageV03P124 ### | سورة الحج # كلها مكية في رواية «1» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحج (22): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) # (يا أيها الناس اتقوا ربكم) الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق، ~~فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة من ~~شدة الخوف «2»، أي احذروا عقابه وأطيعوا أمره، ثم حث على التقوى بقوله (إن ~~زلزلة الساعة) أي قيامها (شيء عظيم) [1] لا يوصف لعظمته، والزلزلة التحرك ~~الشديد بازعاج، وإضافته إما إلى الفاعل، فالساعة تحرك الأشياء أو إلى الظرف ~~الأشياء تتحرك في الساعة، قيل: هي إما في الدنيا أو في الآخرة «3»، وإنما ~~وصفها بأهول «4» صفة ليتصوروها بعقولهم فيتزودوا بالتقوى. ### || [سورة الحج (22): آية 2] # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) # (يوم ترونها) أي تبصرون ms1115 الزلزلة فجعل الناس جميعهم رائين لها، لأن الرؤية ~~تعلقت بالزلزلة فيعم الرؤية، ونصب الظرف بقوله (تذهل) أي تغفل وتتحير (كل ~~مرضعة عن ما أرضعت) من الولد فتترك إرضاعه في كون ثديها في فم الولد لشدة ~~الأمر ولم يقل مرضع ليدل على حال الإرضاع بالتاء، إذ المرضع هي التي من ~~شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الرضاع، ومحل «تذهل» نصب على الحال من المفعول ~~(وتضع كل ذات حمل حملها) أي ولدها قبل تمامه خوفا، وهذا يدل على أن الزلزلة ~~في الدنيا، ومن قال هي يوم القيامة جعل ذلك فرضا تهويلا لشأن الساعة، قيل: ~~«ينادي ملك من السماء يا أيها الناس أتى أمر الله فيسمع الصوت أهل الأرض ~~جميعا، وذلك قبل النفخة الأولى فنزلت الأرض وطارت القلوب وتضع الحوامل ما ~~في بطونها» «5» (وترى الناس) خطاب لكل واحد منهم من غير تعيين، لأن الرؤية ~~تعلقت بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل منهم رائيا لسائرهم، أي ~~تراهم (سكارى) من الخوف (وما هم بسكارى) وقرئ «سكرى» فيهما «6»، أي ما هم ~~بسكرى حقيقة بشراب لما شاهدوا من بساط العزة وسلطان الجبروت حتى ألجأ ~~النبيين إلى أن قالوا نفسي نفسي فتراهم كالسكارى من شدة الخوف يدل عليه ~~قوله (ولكن عذاب الله شديد) [2] في ذلك اليوم. PageV03P125 ### || [سورة الحج (22): آية 3] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) # قوله (ومن الناس من يجادل) أي يخاصم، نزل في شأن النضر بن الحارث «1» ~~وجداله بالباطل (في الله) أي في توحيده وكلامه وكان يقول الملائكة بنات ~~الله والقرآن أساطير الأولين (بغير علم) أي بغير حجة (ويتبع كل شيطان مريد) ~~[3] أي عات مستمر في الشر. ### || [سورة الحج (22): آية 4] # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) # (كتب عليه) أي قضي على الشيطان (أنه من تولاه) أي أحبه واتبعه (فأنه ~~يضله) أي فشأنه إضلاله عن الهدى (ويهديه) أي يدعوه (إلى عذاب السعير) [4] ~~أي عمل أهل النار، فقوله «أنه» بالفتح قائم مقام الفاعل ل ms1116 «كتب»، وقوله ~~«فأنه» بالفتح جواب الشرط وهو «من». ### || [سورة الحج (22): آية 5] # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) # (يا أيها الناس) أي يا كفار مكة (إن كنتم في ريب من البعث) بعد الموت ~~فانظروا إلى ابتداء خلقكم (فإنا خلقناكم من تراب) يعني من آدم (ثم من نطفة) ~~أي من المني (ثم من علقة) أي من دم غبيط (ثم من مضغة) أي مثل قطعة كبد ~~(مخلقة) أي مسواة الخلق منفوخة الروح (وغير مخلقة) أي غير مسواة الخلق ~~كالسقط (لنبين لكم) أي خلقناكم بهذا التنقل لنظهر لكم قدرتنا على الخلق ~~فتؤمنوا به «2»، قوله (ونقر) بالرفع استئناف، أي نحن نثبت (في الأرحام ما ~~نشاء) ثبوته فلا يكون سقطا (إلى أجل مسمى) أي إلى وقت «3» معلوم وهو وقت ~~ولادته (ثم نخرجكم) أي كل واحد منكم (طفلا) من بطون أمهاتكم (ثم) نمهلكم ~~(لتبلغوا أشدكم) أي كمال عقلكم وهو وقت التمييز، قيل: هو خمس عشرة سنة «4»، ~~وقيل: هو ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين «5»، وقيل: إلى ستة وثلاثين «6» (ومنكم ~~من يتوفى) أي يقبض قبل أن يبلغ أشده (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أضعف ~~العمر وأخسه وهو الخرف، أي نمهلكم لتصيروا إليه (لكيلا يعلم من بعد علم ~~شيئا) أي لا يعلم شيئا بالنسيان بعد علمه ذلك بالعقل الأول، ثم أكد إظهار ~~القدرة على البعث بقوله (وترى الأرض هامدة) أي يابسة ميتة (فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت) أي تحركت بالنبات (وربت) أي زادت وعلت (وأنبتت من كل ~~زوج) أي من كل صنف (بهيج) [5] أي حسن يسر من رآه. ### || [سورة الحج (22): آية 6] # ذلك بأن الله ms1117 هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) # (ذلك) أي هذا المذكور من الدلائل (بأن الله هو الحق) في الألوهية (وأنه ~~يحي الموتى) يوم القيامة (وأنه على كل شيء) من الإحياء والإماتة والثواب ~~والعقاب (قدير) [6] وغير الله من الأصنام باطل في الألوهية وعاجز عن خلق ~~شيء والنفع والضر. ### || [سورة الحج (22): آية 7] # وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) # (وأن الساعة) أي ذلك بأن الساعة (آتية) أي جائية (لا ريب فيها) عند من له ~~عقل وذهن (وأن الله يبعث من في القبور) [7] لأنه حكيم لا بد أن يفي بما وعد. PageV03P126 ### || [سورة الحج (22): آية 8] # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) # (ومن الناس من يجادل في الله) أي في دينه (بغير علم) أي علم ضروري وهو ~~العلم العقلي (ولا هدى) أي بلا حجة موصلة إلى المعرفة (ولا كتاب منير) [8] ~~أي وحي واضح منزل للبيان، بل يجادل بالظن بلا تحقيق، وهو النضر بن الحارث، ~~وكرره ردعا للجاهل عن الجدال. ### || [سورة الحج (22): الآيات 9 الى 10] # ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) # قوله (ثاني عطفه) نصب على الحال من ضمير «يجادل»، أي لاويا جانبه عن طاعة ~~ربه بكبره معرضا على الإيمان به (ليضل عن سبيل الله) بفتح الياء، أي ليعرض ~~عن دين الإسلام، فاللام للعاقبة، لأن جداله يؤدي إلى الضلال، فجعل كأنه ~~غرضه، وقرئ بضم الياء «1»، أي ليصرف الناس عن دين الله (له في الدنيا خزي) ~~أي عذابه، فقتل النضر ببدر صبرا أو محبوسا بغير قتال (ونذيقه يوم القيامة ~~عذاب الحريق) [9] وهو عذاب النار، أي ما أصابه في الدنيا لم يكن كفارة ~~لذنوبه ويقال له يوم القيامة (ذلك) أي هذا العذاب (بما قدمت) أي عملت ~~(يداك) أي نفسك بكفرك وتكذيبك محمدا صلى الله عليه وسلم (وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد) [10] أي لا يعذب أحدا ms1118 بغير ذنب أبدا، قيل: هذا من قولهم ظالم ~~لعبده وظلام لعبيده، فيلزم منه نفي كل ظلم عن الله تعالى لكل عبد من العبيد ~~لدخول صيغة المبالغة الدالة على الأنواع المقابلة بصيغة الجمع الدالة على ~~الاستغراق باللام تحت النفي العام «2». ### || [سورة الحج (22): آية 11] # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) # (ومن الناس من يعبد الله على حرف) أي على وجه الرياء أو على شك، حال من ~~ضمير «يعبد»، أي متزلزلا، قيل: نزل في أناس من بني أسد، أصابتهم شدة ~~فاحتملوا العيال وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا من غير ~~اعتقاد صحة الإسلام فأغلوا الأسعار بالمدينة فرجعوا إلى كفرهم الأول «3» ~~(فإن أصابه خير) أي صحة وسلامة في نفسه وماله أو سعة وغنيمة (اطمأن به) أي ~~سكن إليه، وقال: نعم الدين دين محمد عليه السلام (وإن أصابته فتنة) أي محنة ~~وضيق في المعيشة (انقلب على وجهه) أي جهته، يعني رجع إلى كفره، وقال: بئس ~~بالدين دين محمد، فقال تعالى (خسر الدنيا والآخرة) أي غبنهما بذهاب ماله ~~وبذهاب ثوابه (ذلك) أي رجوعه عن الإسلام (هو الخسران المبين) [11] وهو ذهاب ~~دينه وخلوده في النار. ### || [سورة الحج (22): آية 12] # يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) # (يدعوا من دون الله) أي يعبد من غيره (ما لا يضره) «4» إن لم يعبده (وما ~~لا ينفعه) حقيقة إن عبده (ذلك هو الضلال البعيد) [12] عن الهداية لا يرجى زواله. ### || [سورة الحج (22): آية 13] # يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) # (يدعوا) تأكيد للأول بيانا لاستمرار كفره ولا يتعلق ب «لمن» بعد، لأنه ~~قسم، تقدير الكلام: يدعو يدعو من دون الله الآية والله (لمن ضره) إن عبده ~~(أقرب من نفعه) إن استنفعه بادعاء الشفاعة له، ف «من» مبتدأ بمعنى الذي ~~و«ضره أقرب من نفعه» صلته (لبئس المولى) خبره وهو الناصر (ولبئس العشير) ms1119 ~~[13] أي الصاحب المعاشر، إذ لا ينفعه في الآخرة. PageV03P127 ### || [سورة الحج (22): آية 14] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن ~~الله يفعل ما يريد (14) # (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات) أي فيها (تجري من تحتها ~~الأنهار إن الله يفعل ما يريد) [14] أي يحكم في خلقه ما يشاء من الضلالة ~~والهداية. ### || [سورة الحج (22): آية 15] # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) # روي: أن بني أسد وغطفان من الكفار قالوا: نخاف أن نقطع المودة من اليهود ~~ونؤمن بمحمد، ثم لا يستقيم أمره وذلك لظنهم أن الله لا ينصر محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في دينه فنزل «1» (من كان يظن أن لن ينصره الله) أي محمدا بالحجة ~~والغلبة (في الدنيا و) الشفاعة في (الآخرة فليمدد) أي ليربط (بسبب) أي بحبل ~~(إلى السماء) أي من سقف بيت، لأن كل ما علاك فهو سماء (ثم ليقطع) نفسه بحبس ~~مجاريه بالحبل، يعني ليختنق به فيموت خنقا (فلينظر هل يذهبن كيده) أي فعله ~~بنفسه من الاختناق (ما يغيظ) [15] أي غيظه، يعني هل ينفعه ذلك، وهذا مبالغة ~~في الزجر عن الظن الفاسد في نصرة الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن أريد ~~بالسماء حقيقتها كان المعنى: ليمد حبلا فيصعد فيه إليها ليقطع الوحي عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا استهزاء لمن يظن ذلك الظن، وقيل: المراد ~~بالنصر الرزق «2»، ومعناه: أن من ظن أن الله غير رازقه وليس به صبر فليختنق ~~فانه لا يقلب القسمة. ### || [سورة الحج (22): آية 16] # وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16) # (وكذلك) أي مثل ذلك الإنزال (أنزلناه) أي القرآن كله (آيات بينات) أي ~~واضحات (وأن الله) أي وأنزلناه لأنه (يهدي) أي يرشد به إلى دينه (من يريد) ~~[16] أي الذين يعلم أنهم يؤمنون. ### || [سورة الحج (22): آية 17] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ~~إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ms1120 إن الله على كل شيء شهيد (17) # (إن الذين آمنوا) بمحمد صلى الله عليه وسلم كأصحابه (والذين هادوا) أي ~~عدلوا عن الإسلام كاليهود (والصابئين) من دين إلى دين (والنصارى) أي عبدة ~~عيسى عليه السلام (والمجوس) أي عبدة النيران (والذين أشركوا) أي عبدة ~~الأوثان، ففي هذه الآية إشارة إلى أن الأديان بين الخلق ستة، واحد منها لله ~~تعالى والخمسة للشيطان، وخبر «إن» قوله (إن الله يفصل بينهم) أي يقضي بالحق ~~(يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) [17] من أعمالهم وأحوالهم فيجازيهم بها. ### || [سورة الحج (22): آية 18] # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) # (ألم تر) أي ألم تخبر في الكتاب (أن الله يسجد) أي يخضع (له من في ~~السماوات) من الملائكة (ومن في الأرض) من الخلق (و) ينقاد له (الشمس والقمر ~~والنجوم) أي لما أراد من التدبير فيها، قيل: سجودها دورانها «3» في منازلها ~~بأمره تعالى (والجبال والشجر والدواب) قيل: «سجودها تحول ظل كل منها» «4»، ~~وقيل: تسخرها لما أريد منها «5»، وفيه مبالغة في سجود الأشياء له تعالى (و) ~~يسجد سجود طاعة (كثير من الناس) أي المومنون يسجدون لله تعالى بالإخلاص، ~~وعطفه على «من» وإن عمته تفضيلا، ويجوز أن يرفع بالابتداء صفته من PageV03P128 # الناس وخبره محذوف، أي وكثير منهم مثاب، يدل عليه قوله (وكثير) منهم (حق ~~عليه العذاب) أي وجب بترك السجود لله تعالى في الدنيا كالمشركين وبترك ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن سجدوا له تعالى كاليهود والنصارى ~~(ومن يهن الله) أي يخذله بالشقاوة في قضائه (فما له من مكرم) أي من «1» معز ~~بالسعادة (إن الله يفعل ما يشاء) [18] من الإهانة والإكرام في خلقه. ### || [سورة الحج (22): آية 19] # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم (19) # (هذان خصمان) نزل في حمزة وعلي وعبيدة بن ms1121 الحارث حين بارزوا ببدر إلى ~~عتبة وشيبة والوليد بن عتبة «2»، والخصم صفة يوصف بها الفريق أو الطائفة أو ~~طائفتان (اختصموا) بالجمع ردا إلى المعنى، أي تجادلوا (في ربهم) أي في ~~دينه، ثم بين مصير كل من الفريقين بقوله (فالذين كفروا) الفاء للتفسير وقطع ~~الخصومة، أي الذين جحدوا دين الإسلام (قطعت) أي هيئت (لهم ثياب) يلبسونها ~~(من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم) [19] أي الماء الذي انتهى حره، قيل: ~~«يضرب الملك رأس الكافر بالمقمع من حديد فيثقب رأسه ثم يصب عليه الحميم» «3». ### || [سورة الحج (22): آية 20] # يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) # (يصهر به) أي يذاب بالحميم المصبوب على رؤوسهم (ما في بطونهم) من شحوم ~~غيرها فيقطعها ويخرج من أدبارهم (والجلود) [20] أي يذاب الجلود أيضا فتسلخ. ### || [سورة الحج (22): آية 21] # ولهم مقامع من حديد (21) # (ولهم مقامع) جمع مقمعة (من حديد) [21] وهي سياط مختصة بهم يضربون بها ~~على هامتهم. ### || [سورة الحج (22): الآيات 22 الى 23] # كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) ~~إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) # (كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي من النار (من غم) بدل من «منها»، أي من ~~الشدة التي أدركتهم من ضرب المقامع (أعيدوا فيها) أي ردوا إليها (و) يقال ~~لهم (ذوقوا عذاب الحريق) [22] أي المحرق بالدوام، قيل: «إذا ضربتهم ~~الزبانية المقامع يسقطون إلى قعر النار سبعين خريفا» «4»، ثم تضربهم النار ~~بلهبها فتلقيهم إلى أعلاها فيقصدون الخروج منها فيعيدون الضرب عليهم كذلك، ~~هذا جزاء أحد الخصمين «5»، ثم بين جزاء الخصم الآخر بقوله (إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون) أي يلبسون ~~الحلي «6» (فيها) أي في الجنة (من أساور) جمع سوار وهو القلب، و «من» ~~للتبعيض، أي بعض أقلبه (من ذهب) «من» للبيان (ولؤلؤا) أي ويؤتون لؤلؤا ولا ~~يجوز عطفه بالنصب على محل «من أساور» ولا على لفظها على قراءة الجر أيضا ~~«7»، إذ ms1122 اللؤلؤ لا يلبس، فينتصب محله بمضمر يدل عليه «يحلون» كما ذكروه، و ~~«من» في «لؤلؤا» PageV03P129 # بالجر للتبعيض، وقيل: النصب والجر عطف على «أساور» فيكون اللؤلؤ ملبوسا ~~«1» (ولباسهم فيها حرير) [23] وهو الإبريسم المحرم لبسه على الرجال هنا. ### || [سورة الحج (22): آية 24] # وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) # (وهدوا) أي هداهم الله تعالى وألهمهم (إلى الطيب من القول) وهو كملة ~~التوحيد أو هو القرآن أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدنيا أو ~~الحمد لله الذي صدقنا وعده في الآخرة (وهدوا إلى صراط الحميد) [24] أي ~~المحمود في فعاله وهو طريق الجنة، أي دين الإسلام. ### || [سورة الحج (22): آية 25] # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس ~~سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) # (إن الذين كفروا) أي أهل مكة (ويصدون عن سبيل الله) أي يصرفون الناس عن ~~دين الإسلام، ولم يقل صدقوا كما قال كفروا لإرادة أن الصد منهم مستمر دائم ~~(و) عن (المسجد الحرام) وذلك منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ~~الحديبية عن زيارة الكعبة، ثم وصف المسجد الحرام بقوله (الذي جعلناه للناس) ~~أي صيرناه لهم (سواء) بالنصب مفعول ثان لل «جعل» وبالرفع خبر لما بعده «2»، ~~والجملة في محل النصب لكونها مفعولا ثانيا لل «جعل»، والمعنى: جعلنا المسجد ~~الحرام مستويا (العاكف) أي المقيم (فيه والباد) بلا ياء في الوصل والقطع ~~وبها فيهما أو في الوصل فقط «3»، أي الخارج عنه الوارد إليه لا نختص بعضا ~~دون بعض في تعظيم حرمته وقضاء النسك به، فليس أهل مكة أحق به من التنازع ~~إليه غير أنه لا يزعج أحد عن منزل نزله إذا سبق إليه عند أبي حنيفة رحمه ~~الله مقيما كان أو مسافرا، ويخص الشافعي رحمه الله عليه المقيم بمنزله هذا ~~إن أريد بالمسجد الحرام الحرم، ولا يجوز بيع دور مكة عند أبي حنيفة رحمه ~~الله وجوزه الشافعي رحمه الله وإن أريد به البيت، فالمعنى: أنه قبلة لجميع ~~الناس فالمقيم والغريب ms1123 فيه سواء (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قيل: مفعول ~~«يرد» محذوف والمجروران بالباء حالان مترادفان، أي من يرد في المسجد الحرام ~~مرادا ما «4» ملابسا بالحاد «5»، أي بميل «6» عن طريق الحق كالشرك وملابسا ~~بالظلم على الناس كالاحتكار والشتم للخادم، وقيل: الباء في «بإلحاد» زائد ~~«7»، أي إلحادا فهو مفعول «يرد» ومحل «بظلم» حال من ضمير «يرد»، أي من يقصد ~~إلحادا ظالما (نذقه من عذاب أليم) [25] جواب الشرط وخبر «إن» في «إن الذين ~~كفروا» محذوف، أي معذبون يدل عليه جواب الشرط وهو «نذقه»، قيل: نزل في عبد ~~الله بن أنيس حين قتل أنصاريا افتخر على المهاجرين في النسب، فهرب إلى مكة ~~مرتدا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بقتله فقتل «8». ### || [سورة الحج (22): آية 26] # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود (26) # (وإذ بوأنا) أي اذكر إذ جعلنا (لإبراهيم مكان البيت) أي مباءة ولعقبه، أي ~~مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، لأنه رفع في زمان الطوفان إلى السماء ~~وهو البيت المعمور وكان من ياقوتة حمراء، فاعلم الله إبراهيم مكانه بريح ~~أرسلها يقال لها الخجوج، وهي التي تلتوي في هبوبها فكنست ما حوله فبناه على ~~أساسه القديم، قالوا بعث الله سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم يا ~~إبراهيم ابن على قدري وحيالي، فأسس البيت عليه مع PageV03P130 # إسمعيل، ثم فسر التبوئة لكونها مقصودة للعبادة بقولها (أن لا تشرك) كأنه ~~قال تعبدنا فيه إبراهيم، وقلنا له لا تشرك (بي شيئا) ف «أن» مفسرة للقول ~~المقدر (وطهر بيتي) من الأصنام والأقذار أن يطرح حوله (للطائفين) بالبيت من ~~غير أهل مكة (والقائمين) أي المقيمين من أهل مكة (والركع السجود) [26] أي ~~المصلين بالآفاق من كل وجه. ### || [سورة الحج (22): آية 27] # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) # (وأذن) أي ناد (في الناس بالحج) فقام إبراهيم على أبي قبيس، جبل من جبال ~~مكة، فقال يا أيها الناس حجوا بيت ربكم والتفت بوجهه يمينا وشمالا ms1124 وشرقا ~~وغربا، فأجابه كل من كتب له أنه يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات لبيك ~~لبيك اللهم لبيك، فيحج من أجاب إبراهيم يومئذ، قوله (يأتوك رجالا) جواب ~~الأمر، جمع راجل أو مشاة (وعلى كل ضامر) أي ركبانا على إبل ومهاذيل فلا ~~يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر من طول الطريق، قوله (يأتين) صفة ل ~~«كل ضامر»، لأنه في معنى الجمع، أي الضوامر (من كل فج عميق) [27] أي طريق ~~بعيد، أي من نواحي الأرض، روي عن أبي حنيفة رحمه الله: مشي الحاج أفضل إن ~~صبر لما روي أن الملائكة يسلمون على أصحاب المحافل ويصافحون أصحاب البغال ~~والحمير ويعانقون المشاة «1»، وقيل: «الركوب أفضل إن كان بيته بعيدا، ~~والمشي أحسن إن كان قريبا» «2». ### || [سورة الحج (22): آية 28] # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) # (ليشهدوا) صلة لقوله «أذن»، أي ليحضروا (منافع لهم) دينية ودنيوية أو ~~مناحرهم وقضاء مناسكهم (ويذكروا اسم الله) عند الذبح (في أيام معلومات) ~~بالعد عندهم، لأنهم كانوا يعدونها لأجل الحج، وهي عشر ذي الحجة عند أبي ~~حنيفة رحمه الله، أي أيام ليالي العشر أو هي يوم النحر وثلاثة بعده عند ~~غيره، وقيل: # «المعلومات أيام النحر والمعدودات أيا التشريق» «3»، وهو طريق الفقهاء ~~وهو أشبه بتأويل الكتاب، لأنه ذكر في أيام معلومات الذبح وفي أيام معدودات ~~الذكر عند الرمي، ورخص بتركه في اليوم الآخر بقوله في سورة البقرة «فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه» «4» الآية (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) أي ~~ليذكروا اسم الله عند الذبح على الإبل والبقر والغنم، فلا يجوز الأضحية من ~~غيرها، قوله (فكلوا منها) أمر إباحة، لأن الجاهلية كانوا لا يأكلون من ~~نسائكهم (وأطعموا البائس) أي الشديد البؤس (الفقير) [28] أي الضيف ~~بالإعسار. ### || [سورة الحج (22): آية 29] # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) # (ثم ليقضوا) أي ليزيلوا (تفثهم) يعني أوساخهم أو التفث مناسك الحج كالرمي ~~والحلق والذبح ونتف الإبط وأخذ الشارب وقص ms1125 الأظافير وحلق العانة، فالمراد ~~من قضائه الخروج من الإحرام إلى الإحلال بأفعاله (وليوفوا) بالتخفيف من ~~أوفى، وبالتشديد من وفى والمعنى واحد «5»، أي ليتموا (نذورهم) يعني كل ما ~~أوجبوا على أنفسهم للحج والعمرة من هدي وغيره، فاذا نحروا يوم النحر فقد ~~أوفوا نذورهم (وليطوفوا) قرئ بسكون اللام في الثلاثة وبكسرها فيها، وبكسر ~~اللام في الأول دون الأخيرين «6»، أي ليدوروا طواف الإفاضة وهو طواف ~~الزيارة (بالبيت العتيق) [29] أي القديم، وذلك بعد ما حلق المحرم رأسه أو ~~قصر «7» وسمي عبيقا لأنه PageV03P131 # أول بيت وضع للناس أو لأنه عتق من القتل والسبي والجراحات وغير ذلك في ~~الجاهلية أو عتق من الغرق يوم الطوفان أو عتق من الجبابرة المتسلطة، ولا ~~يشكل بتسلط الحجاج عليه، لأن ابن الزبير تحصن بالبيت فاحتال لإخراجه ولم ~~يكن قصده التسلط عليه. ### || [سورة الحج (22): آية 30] # ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) # (ذلك) خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك المذكور من أعمال الحج ومثله فصل ~~لما بعده عما قبله (ومن يعظم حرمات الله) الحرمة ما لا يحل هتكه بالعلم ~~بأنها واجبة الحفظ بالعمل من مناسك الحج وغيرها (فهو خير له) أي ذلك ~~التعظيم أعظم أجرا (عند ربه) في الدار الآخرة (وأحلت لكم الأنعام) أي أكلها ~~بعد الذبح (إلا ما يتلى عليكم) تحريمه في قوله «حرمت عليكم الميتة» «1» ~~الآية في سورة المائدة، وهو استثناء منقطع، إذ المتلو ليس من جنس الأنعام ~~أو متصل بأن يكون المحرم حراما بعارض كالميتة والموقوذة (فاجتنبوا الرجس) ~~أي القذر (من الأوثان) أي اتركوا عبادتها بيان ل «الرجس»، لأنه يعم الأوثان ~~وغيرها، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، ووجه تسمية الأوثان رجسا هو ~~التشبيه، أي انفروا عنها كما ينفر طباعكم من الرجس (واجتنبوا قول الزور) ~~[30] أي الكذب والبهتان، وهو قولهم هذا حلال وهذا حرام أو هو شهادة الزور ~~وأصله الانحراف. ### || [سورة الحج (22): آية 31] # حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله ms1126 فكأنما خر من السماء فتخطفه ~~الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) # (حنفاء لله) أي مخلصين في التلبية والاجتناب عن معصية الله (غير مشركين ~~به) شيئا، لأن أهل الجاهلية كانوا يشكرون في تلبيتهم بقولهم لا شريك لك إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك (ومن يشرك بالله فكأنما خر) أي سقط (من السماء ~~فتخطفه) أي تسلبه (الطير) بسرعة (أو تهوي به) أي تسقطه (الريح) من السماء ~~(في مكان سحيق) [31] أي بعيد متلف وهو وادي الضلالة والبعد من الله لا يمكن ~~خلاصه منه. ### || [سورة الحج (22): آية 32] # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) # (ذلك) «2» أي الأمر هو المذكور من اجتناب الرجس وقول الزور (ومن يعظم ~~شعائر الله) وهي الهدي المعشرة المقلدة لتعرف أنها هدي لا يتعرض بها ~~وتعظيمها استسمانها واستحسانها للنحر، قوله (فإنها من تقوى القلوب) [32] ~~منهم جواب الشرط، أي إن تعظيمها من أفعال أصحاب تقوى القلوب، والمراد منه ~~إخلاصها، والضمير في «منهم» المقدر راجع من الجزء إلى الشرط ليصح المعنى. ### || [سورة الحج (22): آية 33] # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) # (لكم فيها) أي في البدن (منافع) من ركوبها وشرب ألبانها وقطع أوبارها ~~(إلى أجل مسمى) أي إلى وقت انقضاء الحج أو منافع يوم القيامة وهي المنافع ~~الدينية (ثم محلها إلى البيت العتيق) [33] أي الذي ينحر فيه الهدايا عند ~~البيت القديم «3» أو ينتهي إليه وهو جميع الحرم من أطراف مكة، لأنه في حكم البيت. ### || [سورة الحج (22): آية 34] # ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) # (ولكل أمة جعلنا منسكا) بالكسر مفعول به بمعنى الظرف، أي شرع الله لكل ~~قوم من المؤمنين مكانا ووقتا يذبحون فيه على وجه التقرب، واللام لتعليل ~~الجعل في (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) PageV03P132 # أي لعلة ذكرهم الله عند النحر، وقرئ «منسكا» بالفتح مصدر «1»، أي شرعنا ~~لكل أمة أن يتقرب بالذبح لله من الذبائح (فإلهكم ms1127 إله واحد فله) أي لله ~~(أسلموا) أي أخلصوا الذكر بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية سالما عن شوب ~~الشرك (وبشر المخبتين) [34] أي المطيعين المتواضعين في العبادة، وأصل الخبت ~~الانخفاض من المكان. ### || [سورة الحج (22): آية 35] # الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون (35) # قوله (الذين إذا ذكر الله) صفة كاشفة ل «المخبتين»، أي هم الذين «2» إذا ~~ذكر الله عندهم (وجلت) أي خافت (قلوبهم والصابرين) عطف على «الذين»، أي ~~والذين صبروا (على ما أصابهم) من المحن والمصائب في أوقاتها (والمقيمي ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) [35] في طاعة الله، فهذه الخصال الأربع ~~للمخبتين. ### || [سورة الحج (22): آية 36] # والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون (36) # (والبدن) منصوب بمضمر كقوله «والقمر قدرناه» «3»، جمع بدنة، وهي الإبل ~~خاصة بدليل إلحاق النبي عليه السلام البقرة بالإبل حين قال: «البدنة عن ~~سبعة والبقرة عن سبعة» «4» (جعلناها لكم من شعائر الله) أي من أعلام دينه ~~(لكم فيها) أي في نحرها (خير) أي أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا (فاذكروا) ~~عند نحرها (اسم الله عليها صواف) حال من الهاء في «عليها»، أي قائمة على ~~القوائم الأربع، وقرأ ابن عباس «صوافن» «5»، والصوافن التي تقوم على ثلاث ~~قوائم «6» وتنصب الرابعة «7» بمعنى على ثلاث قد عقلت يدها الواحدة، والآية ~~دلت على أن الإبل تنحر قائمة (فإذا وجبت جنوبها) أي سقطت على الأرض بجنبها ~~بعد النحر وسكنت حركتها (فكلوا منها) أي حل لكم الأكل منها والإطعام، وكان ~~المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين بقوله «فكلوا منها» (وأطعموا ~~القانع) أي الذي يقنع بما أعطى من غير سؤال (والمعتر) أي الذي تعرض «8» ~~بالسؤال، قيل: «السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق» «9» ~~(كذلك) أي مثل ذلك التسخير الذي رأيتم وعلمتم (سخرناها لكم) فيه إظهار منة ~~الله تعالى على عباده، أي ذللناها مطيعة منقادة بأن تعقل وتنحر أو تركب ~~وتحمل ms1128 ولو لا تسخير الله لم تطق، فاعتبروا عبرة منه (لعلكم تشكرون) [36] أي ~~لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة. ### || [سورة الحج (22): آية 37] # لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم ~~لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # قوله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) نزل حين أراد المسلمون أن يلطخوا ~~بيت الله بدم النحر، ويقولون اللهم تقبل منا كفعل أهل الجاهلية إذا نحروا ~~البدن لينتهوا عنه «10»، أي لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا ~~الدماء المهراقة بالنحر (ولكن يناله التقوى منكم) أي يناله العمل الخالص له ~~مع الإيمان وهو التقوى (كذلك سخرها لكم) كرره تذكيرا للنعمة بالتسخير ~~تقريرا لها (لتكبروا الله) أي لتعظموه (على ما هداكم) أي أرشدكم إلى معالم ~~دينه ومناسك حجه، والمراد من التكبير الشكر ولذا عدي ب «على» (وبشر ~~المحسنين) [37] وهم الذين فعلوا ما في الآية قبله أو الذين أحسنوا بذبح ~~«11» غير معيب بالجنة. PageV03P133 ### || [سورة الحج (22): الآيات 38 الى 39] # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) # (إن الله يدافع) أي يذهب أذى المشركين، وقرئ «يدفع» «1» (عن الذين آمنوا ~~إن الله لا يحب كل خوان) «2» أي كل خائن لأمانته وأورد بلفظ المبالغة، لأن ~~من يذبح لغير الله فهو كثير الخيانة لربه (كفور) [38] لنعمه، وفي هذه الآية ~~إيماء إلى تحمل أذى المشركين والنصرة عليهم، لأن كفار مكة كانوا يضربونهم ~~ويشجونهم ويأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلبون قتالهم قبل الهجرة ~~فيأمرهم بالصبر، أي يقول اصبروا على أذاهم، فاني لم أومر بقتالهم حتى هاجر ~~فنزلت آية «3» (أذن) ونسخت سبعين اية «4»، لأنها أول آية نزلت في الإذن ~~بالقتال، أي أذن الله (للذين يقاتلون) بفتح التاء مجهولا، أي يقاتلهم ~~عدوهم، وبكسرها معلوما «5»، أي يقاتلونهم عدوهم (بأنهم ظلموا) أي بسبب ظلم ~~الكفار إياهم (وإن الله على نصرهم) أي نصر المؤمنين على الكافرين (لقدير) ~~[39] فلما هاجروا أمروا بالقتال. ### || [سورة الحج (22): آية 40] # الذين ms1129 أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) # ثم بين ظلم الكفار المؤمنين بقوله (الذين أخرجوا من ديارهم) أي من مكة، ~~بدل من «للذين يقاتلون» أو نصب على المدح، أي أعنى الذين أخرجوا من ديارهم ~~(بغير حق) أي بغير جرم (إلا أن يقولوا) استثناء من المنفي المقدر، يدل عليه ~~قوله «بغير حق» «6»، أي ما أخرجوا إلا لأن يقولوا (ربنا الله) يعني أخرجوهم ~~بسبب هذا القول الموجب للتمكين لا للإخراج (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض) أي المشركين بالمؤمنين لغلب المشركون على المؤمنين وعلى من في ذمتهم، ~~فجواب «لو لا» قوله (لهدمت) أي لخربت «7» (صوامع) للرهبان (وبيع) للنصارى ~~(وصلوات) أي مواضعها وهي كنائس اليهود (ومساجد) المسلمين، المعنى: لو لا ~~دفع الله عن المتعبدين بالمجاهدين في سبيل الله لانقطعت العبادات وخربت ~~أمكنتها التي (يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره) أي ينصر ~~دينه (إن الله لقوي عزيز) [40] أي غالب قادر على أن ينصر محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بغير نصرتهم. ### || [سورة الحج (22): آية 41] # الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) # قوله (الذين إن مكناهم) بدل من «الذين أخرجوا» أو تمكينهم (في الأرض) أي ~~ينصرهم على عدوهم، وقيل: إنزالهم بالمدينة وهم أصحاب النبي عليه السلام «8» ~~(أقاموا الصلاة) المكتوبة (وآتوا الزكاة) المفروضة (وأمروا بالمعروف) أي ~~بالتوحيد واتباع محمد صلى الله عليه وسلم (ونهوا عن المنكر) أي عن الشرك ~~والنفاق (ولله عاقبة الأمور) [41] أي إليه يرجع عاقبة أمور العباد في ~~الآخرة من الثواب والعقاب. ### || [سورة الحج (22): الآيات 42 الى 45] # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ms1130 ~~وقصر مشيد (45) PageV03P134 # ثم قال تسلية للنبي عليه السلام (وإن يكذبوك) أي إن يكذبك قومك يا محمد ~~(فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود [42] وقوم إبراهيم وقوم لوط [43] ~~وأصحاب مدين) شعيبا، أي فقد كذب الأنبياء قبلك أممهم فصبروا وإنما قال ~~(وكذب موسى) مجهولا ولم يقل «وكذب قوم موسى»، لأن قومه بني إسرائيل «1» لم ~~يكذبوه وإنما كذبه القبط (فأمليت) أي أمهلت (للكافرين ثم أخذتهم) أي ~~عاقبتهم بعد المهل بالعذاب (فكيف كان نكير) [44] أي إنكاري عليهم باهلاكهم، ~~يعني وجدوه حقا ويسجده قومك إن لم يؤمنوا، ثم أبدل من «فكيف كان نكير» ~~(فكأين) أي فكم (من قرية أهلكناها) وهو مفسر لناصب «كأين» «2»، وقرئ ~~«أهلكتها» «3»، أي أهلها (وهي ظالمة) أي مشرك أهلها في محل النصب على ~~الحال، ثم عطف على «أهلكناها» وإن لم يكن لهذا الفعل محل «4» قوله (فهي ~~خاوية) أي ساقطة (على عروشها) أي على سقوفها «5» بأن سقطت تلك أولا ثم سقطت ~~عليها الحيطان ف «على» متعلق ب «خاوية» «6» (وبئر) بالهمز، وقرئ بالتخفيف ~~«7» عطف «8» على «قرية»، أي وكم «9» بئر (معطلة) أي خالية من ساكن مع وجود ~~الماء وآلاتها فيها لهلاك أربابها (وقصر مشيد) [45] أي مشيد مجصص مرتفع ~~محكم أخليته باهلاك أصحابها، يعني وكم بئر عطلنا عن سقاتها وكم «10» قصر ~~مرتفع أخليناه عن ساكنيه «11» فترك ذلك لدلالة معطله عليه، قيل: هذا بئر ~~نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله من العذاب فهي ~~بحضرموت، وسمي البقعة بذلك لأن صالحا لما حضرها مات «12». ### || [سورة الحج (22): آية 46] # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ~~فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) # (أفلم يسيروا) أي كفار مكة (في الأرض) فينظروا ذلك ويعترفوا فيؤمنوا ~~(فتكون) أي لتكون (لهم قلوب يعقلون بها) بالنظر والعبرة (أو آذان يسمعون ~~بها) التخويف (فإنها) الضمير للقصة وما بعده خبر «إن»، أي إن القصة والشأن ~~(لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) [46] وهو تفسير للضمير ~~المبهم، وذكر «الصدور» للتأكيد وتقرير ms1131 أن مكان العمى هو القلب لا البصر لما ~~ثبت في العرف أن مكان العمى هو البصر فنفي ذلك بفضل تعريف وتبيين بذكر ~~الصدور. ### || [سورة الحج (22): آية 47] # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) # (ويستعجلونك) الآية نزلت لما قالوا متى هذا الوعد «13»، والمستعجل ~~(بالعذاب) هو النضر بن الحارث (ولن يخلف الله وعده) في العذاب (وإن يوما) ~~من أيام الله للعذاب الذي استعجلوه (عند ربك كألف سنة مما تعدون) [47] ~~بالتاء والياء «14» في الدنيا في الشدة وهذا وصف يومهم وطول عذابهم وبيان ~~أنه تعالى يقدر على أخذهم متى شاء ولا يستعجل، فاذا كان الأمر كذلك فكيف ~~يستعجلونه. PageV03P135 ### || [سورة الحج (22): آية 48] # وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) # (وكأين) بالواو عطف على قوله «ولن يخلف الله وعده»، أي وكم (من قرية ~~أمليت) أي أمهلت (لها وهي ظالمة) أي كافرة بربها (ثم أخذتها) بالعذاب في ~~الدنيا (وإلي المصير) [48] في الآخرة فنعذب «1» العذاب الأكبر. ### || [سورة الحج (22): آية 49] # قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) # (قل يا أيها الناس) أي يا كفار مكة (إنما أنا لكم نذير مبين) [49] من ~~الله بلغة تعرفونها. ### || [سورة الحج (22): آية 50] # فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) # (فالذين آمنوا) منكم (وعملوا الصالحات) أي الطاعات (لهم مغفرة) لذنوبهم ~~(ورزق كريم) [50] أي حسن في الجنة. ### || [سورة الحج (22): آية 51] # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) # (والذين سعوا) بالتكذيب (في آياتنا) أي القرآن (معاجزين) بالتشديد، أي ~~مثبطين عن الإيمان، وبالتخفيف والألف «2»، أي معاندين في إبطال آياتنا ~~(أولئك أصحاب الجحيم) [51] أي أهل النار. ### || [سورة الحج (22): آية 52] # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) # قوله (وما أرسلنا من قبلك) تسلية للنبي عليه السلام حين حزن بالقاء ~~الشيطان في قراءته تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، وذلك عند قراءته ~~على المشركين سورة النجم ms1132 حتى انتهى إلى قوله «أ فرأيتم اللات والعزى ومناة ~~الثالثة الأخرى» «3»، فأتاه الشيطان في صورة جبرائيل، فألقى ما ألقى فاغتم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فنزل «وما أرسلنا من قبلك» «4» (من رسول ~~ولا نبي إلا إذا تمنى) أي قرأ وتكلم (ألقى الشيطان في أمنيته) أي في قراءته ~~وكلامه بتمكيننا الشيطان إياه لحكمة نعلمها فلا تهتم بذلك (فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان) أي يذهب به الله ويبطله (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها ولا ~~ينسخها (والله عليم) بما يلقي «5» الشيطان في قراءته (حكيم) [52] يحكم ~~بنسخه، ولما سمع المشركون «6» أنه يقرأ ذلك أعجبهم، فلما انتهى إلى آخر ~~السورة سجد لله وسجد المسلمون والمشركون معه، فجاءه جبرائيل وقال: ما جئتك ~~بهذا يا رسول الله، والعرانيق جمع عرنيق بكسر العين المهملة وهو طويل العنق ~~من طير الماء، وقيل: بمعنى السادات «7»، وأريد منها اللات والمناة والعزى. ### || [سورة الحج (22): آية 53] # ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد (53) # (ليجعل) علة لتمكين الله تعالى الشيطان على إلقائه ما ألقى في قراءة ~~النبي عليه السلام، أي مكنه عليه ليجعل الله (ما يلقي الشيطان فتنة) أي ~~بلية (للذين في قلوبهم مرض) أي للمنافقين (والقاسية) أي الذين قست (قلوبهم) ~~عن ذكر الله وهم المشركون (وإن الظالمين) أي الجاحدين بالقرآن (لفي شقاق ~~بعيد) [53] أي في خلاف طويل عن الحق. PageV03P136 ### || [سورة الحج (22): آية 54] # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ~~وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) # (وليعلم) المؤمنون (الذين أوتوا العلم) علم التوحيد والقرآن (أنه) أي ~~القرآن (الحق من ربك فيؤمنوا به) أي يثبتوا على إيمانهم ويزيد يقينهم ~~(فتخبت) أي تطمئن وتسكن (له قلوبهم) مخلصة (وإن الله لهاد الذين آمنوا) ~~بالقرآن (إلى صراط مستقيم) [54] أي إلى عمل به، يعني هو حافظ لقلوبهم عن ~~الإعراض ونزع المعرفة منها عن إلقاء الشيطان ووسوسته. ### || [سورة الحج (22): آية 55] # ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة ms1133 بغتة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم (55) # (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) أي في شك من القرآن (حتى تأتيهم ~~الساعة بغتة) أي فجأة (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) [55] أي عذابها وضع «يوم ~~عقيم» موضع الضمير، أي لا فرج فيه ولا رحمة ولا توبة عن الكفر، وأصل العقم ~~المنع، وهو يوم القيامة، وقيل: «هو يوم بدر» «1». ### || [سورة الحج (22): آية 56] # الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) # (الملك) أي الولاية والحكم (يومئذ) أي يوم تزول مريتهم (لله يحكم بينهم) ~~بالحق لا حاكم غيره في ذلك اليوم (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات ~~النعيم) [56] أي حكمه في حق المؤمنين يومئذ ذلك. ### || [سورة الحج (22): آية 57] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) # (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي بالقرآن «2» (فأولئك لهم عذاب مهين) ~~[57] أي حكمه في حق الكافرين يومئذ أنهم في عذاب شديد يهانون فيه. ### || [سورة الحج (22): الآيات 58 الى 59] # والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ~~وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) # (والذين هاجروا في سبيل الله) أي في طاعة الله من مكة إلى المدينة (ثم ~~قتلوا) بالتشديد والتخفيف «3»، أي استشهدوا (أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا ~~حسنا) أي في الجنة أو الغنيمة في الدنيا لمن لم يمت ولم يقتل (وإن الله لهو ~~خير الرازقين [58] ليدخلنهم مدخلا) بضم الميم وفتحها «4» (يرضونه) أي الجنة ~~إذا قتلوا أو ماتوا في طاعة الله، لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ~~(وإن الله لعليم) بدرجات العاملين (حليم) [59] عن المسيء فلا يعجل عليه ~~بالعقوبة، نزلت الآيتان حين قال المهاجرون يا رسول الله ما لنا إذا هاجرنا ~~معك وجاهدنا فقتلنا أو متنا «5». ### || [سورة الحج (22): آية 60] # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور (60) # (ذلك) أي الأمر ذلك قوله (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه) نزل في ~~المسلمين الذين طلب المشركون قتالهم ms1134 في الأشهر الحرم، فكره المسلمون قتالهم ~~فيها، فقاتلهم المشركون فبغوا عليهم وقاتلوهم، فنصر الله المسلمين عليهم ~~فوقع في أنفس المؤمنين من القتال في الشهر الحرام ما وقع «6»، فقال تعالى ~~ومن جازى الظالم بمثل ما ظلمه الظالم ثم تعدى عليه (لينصرنه الله) على ~~ظالمه وسمى ابتداء الفعل بالعقاب وهو اسم للجزاء والابتداء ليس بجزاء ~~لملابسته له من حيث أنه سبب وذلك مسبب عنه، والباء في الموضعين للسببية (إن ~~الله لعفو PageV03P137 # غفور) [60] للمؤمنين بقتالهم في الأشهر الحرم وتركهم المندوب إليهم وهو ~~العفو عن الجاني بقوله «1» تعالى «فمن عفا وأصلح فأجره على الله» «2». ### || [سورة الحج (22): الآيات 61 الى 62] # ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع ~~بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله ~~هو العلي الكبير (62) # (ذلك) أي المذكور من القدرة والحكم (بأن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل) أي يدخل ظلمة هذا في مكان ذلك «3» بمغيب الشمس ويدخل ضياء ~~ذاك في مكان ظلمة هذا بطلوع الشمس (وأن الله سميع بصير [61] ذلك) أي ~~المذكور من الدلالة على القدرة (بأن الله هو الحق) الذي لا يجوز أن يعبد ~~إلا هو (وأن ما يدعون) بالياء والتاء «4»، أي يعبدون (من دونه) من الآلهة ~~(هو الباطل) لا يقدر على شيء (وأن الله هو العلي الكبير) [62] أي هو «5» ~~أعلى وأكبر من أن يشرك به شيء وينسب إليه الولد وأن يعدل به الباطل. ### || [سورة الحج (22): آية 63] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) # (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) أي مطرا (فتصبح الأرض) أي تصير ~~(مخضرة) بالنبات برفع «تصبح»، لأن الاستفهام في «أ لم تر» بمعنى الخبر، فلا ~~يكون له جواب ولو نصب لاختل المعنى، إذ لو كان جوابا له يلزم انتفاء كون ~~الأرض مخضرة والحال أنه مثبت، ولم يقل فأصبحت ليفيد بقاء أثر المطر زمانا ~~بعد زمان على سبيل الاستمرار (إن ms1135 الله لطيف) بانزال المطر واستخراج النبات ~~به لوصول علمه إلى كل شيء (خبير) [63] بنوعه وشخصه ومقداره ومكانه أو خبير ~~بمصالح خلقه ومنافعهم. ### || [سورة الحج (22): آية 64] # له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64) # (له ما في السماوات وما في الأرض) من الخلق لا شريك له فيه (وإن الله لهو ~~الغني) عن الخلق وعن عبادتهم (الحميد) [64] أي المحمود في فعاله. ### || [سورة الحج (22): آية 65] # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) # (ألم تر أن الله سخر) أي ذلل (لكم ما في الأرض و) ذلل (الفلك تجري) أي ~~تسير (في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع) أي كراهة أن تقع (على الأرض إلا ~~بإذنه) أي بأمره يوم القيامة (إن الله بالناس لرؤف رحيم) [65] مع شركهم ~~وعصيانهم حتى يرزقهم في الدنيا ولا يعجل بالعقوبة. ### || [سورة الحج (22): آية 66] # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) # (وهو الذي أحياكم) في الأرحام (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) ~~«6» للبعث (إن الإنسان) أي الكافر بالبعث وهو بديل بن ورقاء (لكفور) [66] ~~بالله وبأنعمه، أي لا يشكره ولا يطيعه. ### || [سورة الحج (22): الآيات 67 الى 68] # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) # قوله (لكل أمة) بدون الواو، لأنه لم يجد معطفا لتباعد المعنى عنه بخلاف ~~نظيره المتقدم بالواو، أي لكل قوم من أمتك (جعلنا منسكا) باختلاف ما مر ~~فيه، أي مذبحا (هم ناسكوه) أي ذابحوه (فلا ينازعنك في PageV03P138 # الأمر) من قولهم نازعته أنزعه، أي غلبته، أي لا يخالفنك بالمنازعة في أمر ~~الذبيحة أو في أمر الدين (وادع) أي ادعهم (إلى ربك) أي إلى دينه (إنك لعلى ~~هدى) أي على «1» دين (مستقيم) [67] وهو دين الإسلام فاعمل به، نزل حين قال ~~المشركون للنبي عليه السلام كيف تأكلون ما ms1136 قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ~~«2» (وإن جادلوك) في أمر الذبائح أو في أمر الدين (فقل الله أعلم بما ~~تعملون) [68] فيجازيكم. ### || [سورة الحج (22): آية 69] # الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون (69) # وبين ذلك بقوله (الله يحكم بينكم) أي يقضي بالحق، يعني بالثواب والعقاب ~~(يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) [69] من أمر الذبيحة أو الدين. ### || [سورة الحج (22): آية 70] # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (70) # (ألم تعلم) يا محمد (أن الله يعلم ما في السماء والأرض) من الخلق ~~وأعمالهم (إن ذلك) أي العلم (في كتاب) أي مكتوب في اللوح المحفوظ (إن ذلك) ~~أي العلم (على الله يسير) [70] هين حفظه وكتابته لا يفوت عنه شيء. ### || [سورة الحج (22): آية 71] # ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما ~~للظالمين من نصير (71) # قوله (ويعبدون من دون الله) نزل لبيان جهالة المشركين بعبادتهم ما ليس ~~بمستحق لها «3» (ما لم ينزل به سلطانا) أي حجة لهم بذلك (وما ليس لهم به ~~علم) أي علم معقول ولا عذر مقبول (وما للظالمين من نصير) [71] بمنعهم من ~~العذاب. ### || [سورة الحج (22): آية 72] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا وبئس المصير (72) # (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي واضحات يفهمونها (تعرف) يا محمد (في ~~وجوه الذين كفروا المنكر) أي الإنكار والكراهة «4» (يكادون) أي يقربون ~~(يسطون) أي يهمون «5» ويثبتون بالضرب والبطش بالشدة لو قدروا (بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا) أي القرآن وهم أصحاب النبي عليه السلام معه (قل أفأنبئكم) أي ~~أخبركم (بشر من ذلكم) أي بأسوأ وأشد من ضربكم وبطشكم أو غيظكم على تالي ~~القرآن هو (النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير) [72] وقيل: «النار» ~~مبتدأ، خبره «وعدها» «6». ### || [سورة الحج (22): آية 73] # يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله ms1137 لن يخلقوا ~~ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب ~~والمطلوب (73) # قل «7» (يا أيها الناس ضرب مثل) أي بين شبه (فاستمعوا له) إنما سماه ~~«مثلا»، وهو ليس بمثل بل صفة أو قصة مستحسنة، لأن الصفة إذا كانت مستغربة ~~عندهم شبهوها ببعض الأمثال التي يساربها ويشتهروا، والمراد منه قطع جدالهم ~~بآيات الله وإيقاع عيوب آلهتهم في أسماعهم وتبيين جهالتهم الفاحشة فقال (إن ~~الذين تدعون) أي تعبدونهم (من دون الله) من الآلهة (لن يخلقوا ذبابا) أي لن ~~يقدروا على خلق ذباب من الذباب (ولو اجتمعوا له) أي على تخليقه، الجملة في ~~محل النصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوه مشروطا عليهم اجتماعهم ~~لخلقه، ثم ذكر من أمر الهتهم ما هو أضعف من خلق الذباب بقوله (وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا) من حلي الأصنام مع ضعف الذباب (لا يستنقذوه منه) لعجزهم، روي: ~~أن الكفار كانوا يطلون أصنامهم بالعسل والزعفران، فاذا جف سلبه الذباب ~~فتعجز الأصنام وعابدوها عن أخذه منه «8» (ضعف الطالب) أي PageV03P139 # العابد (والمطلوب) [73] أي المعبود. ### || [سورة الحج (22): آية 74] # ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # قوله (ما قدروا الله حق قدره) أي ما عظموه حق عظمته حيث أشركوا به غيره ~~أو ما عرفوه حق معرفته حيث لم يعلموا ربوبيته ولم يشكروا نعمه، نزل في حق ~~اليهود الذين قالوا خلق الله السماء والأرض في ستة أيام، ثم استلقى فاستراح ~~ووضح إحدى رجليه على الأخرى وكذب أعداء الله في وصفه تعالى «1» (إن الله ~~لقوي) في أمره وخلقه ليس كمعبودهم بلا قوة (عزيز) [74] أي منيع في ملكه ~~ومنتقم ممن لا يوحده. ### || [سورة الحج (22): آية 75] # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) # (الله يصطفي) أي يختار (من الملائكة رسلا) إلى خلقه كجبرائيل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت والحفظة الكتبة، قوله (ومن الناس) عطف على «الملائكة»، ~~أي يختار منهم رسلا كمحمد وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح عليهم السلام أرسلهم ~~إلى خلقه ليدعوهم إلى دينه، ففيه بيان أن رسل ms1138 الله على ضربين ملائكة وبشر ~~(إن الله سميع) لمقالتهم (بصير) [75] لمن يصلح للرسالة فيختاره ويجعله ~~رسولا رد لقول الوليد بن المغيرة حين قال أأنزل عليه الذكر من بيننا. ### || [سورة الحج (22): آية 76] # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) # (يعلم ما بين أيديهم) أي من أمر الآخرة (وما خلفهم) من أمر الدنيا (وإلى ~~الله ترجع الأمور) [76] أي الأمر كله إليه لا يسأل عما يفعل في حكمه ~~وتدبيره واختيار رسله عواقب أمور العباد في الآخرة من الثواب والعقاب. ### || [سورة الحج (22): آية 77] # يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون (77) # (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) أي صلوا بالركوع والسجود وإنما ~~أمرهم بذلك، لأنهم أول ما أسلموا كانوا يسجدون بغير ركوع (واعبدوا) أي ~~وحدوا (ربكم) وأطيعوه بالصوم والزكوة والحج والجهاد (وافعلوا الخير) أي ~~افعلوا سائر الخيرات وأكثروها ما استطعتم (لعلكم تفلحون) [77] أي افعلوا ~~راجين الفلاح من عذاب الله من غير اعتماد على أعمالكم، روي عن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنه: «فضلت سورة الحج بسجدتين» «2»، وفي رواية: «إن لم ~~تسجدهما فلا تقرأهما» «3»، وهو حجة للشافعي رضي الله عنه في إثبات ~~السجدتين، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هي سجدة صلوة بدليل اقترانها ~~بالركوع، فمعناه: اركعوا واسجدوا في الصلوات المفروضة وفي صلوة التطوع. ### || [سورة الحج (22): آية 78] # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو ~~مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78) # (وجاهدوا في الله) أي اعملوا لله (حق جهاده) أي حق عمله وهو أن تؤدي جميع ~~ما أمرك الله به وتجتنب ما نهاك الله عنه وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة ~~الآخرة، والإضافة «4» إلى ضميره تعالى كانت بأدنى ملابسة، لأن الجهاد مفعول ~~لأجل الله، والأصل أن يقول «5» حق الجهاد، قيل للنبي عليه السلام: أي ~~الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة ms1139 عدل عند السلطان» «6»، وقيل «حق جهاده» جهاد ~~الكفار «7»، وقيل: «جهاد النفس وهو PageV03P140 # الأكبر» «1» (هو) أي الله تعالى (اجتباكم) أي اختاركم لدينه ونصرته (وما ~~جعل) الله (عليكم في الدين من حرج) أي من ضيق «2»، بل فتح عليكم باب التوبة ~~إن أجرمتم وأذنبتم وفسح بأنواع الرخص وبالكفارات إن عجزتم، المعنى: أنه ~~جعله واسعا من غير كلفة فرخص الإفطار في السفر وفي الحضر بالمرض وفي القعود ~~في الصلوة عند العلة والإيماء فيها عن الضرورة، قوله (ملة أبيكم) نصب على ~~الاختصاص، أي أعني بالدين ملة أبيكم أو اتبعوا ملة أبيكم (إبراهيم) بدل من ~~«أبيكم»، لأنه ملة سمحة سهلة لا عسرة فيها، ولم يكن أبا لكل الأمة، بل كان ~~أبا للنبي «3» عليه السلام، فكان أبا لأمته، لأن أمته في حكم أولاده (هو) ~~أي الله تعالى (سماكم المسلمين) أي إبراهيم، والأول أصح بدليل قوله (من ~~قبل) أي قبل القرآن، يعني في الكتب المتقدمة (وفي هذا) أي القرآن أيضا، ~~والجملة بدل من قوله «اجتباكم»، وإنما سماكم الله «4» بهذا الاسم الأعز ~~(ليكون الرسول) أي محمد صلى الله عليه وسلم (شهيدا) أي شاهدا (عليكم) بأنه ~~بلغكم وبأنكم صدقتموه (وتكونوا شهداء على الناس) أي على سائر الأمم أن ~~الرسل قد بلغتهم الرسالة (فأقيموا الصلاة) أي أتموها في مواقيتها (وآتوا ~~الزكاة) أي أدوها عن طيبة نفس (واعتصموا بالله) أي ثقوا به في كل الأمور ~~واعبدوه لما خصكم بهذه الكرامة (هو مولاكم) أي الله ناصركم في الدين فلا ~~تطلبوا النصرة من غيره ولا الولاية منه (فنعم المولى) هو، أي المتولي عليكم ~~هو الله تعالى ينجيكم من بأس الأعداء (ونعم النصير) [78] ينصركم فلا يغلبه أحد. PageV03P141 ### | سورة المؤمنون # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المؤمنون (23): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) # عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أنزلت ~~علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة» «1»، أي عمل بها، ثم قرأ (قد أفلح ~~المؤمنون) [1] إلى قوله «هم فيها خالدون»، أفلح أي دخل في الفلاح وهو ms1140 الظفر ~~بالمراد الصالح، و«قد» فيه لإثبات المتوقع و«لما» نقيضة «قد»، أي لنفيه ولا ~~شك أن المؤمن يتوقع هذه البشارة وهي الأخبار بثبوت الفلاح لهم، والمؤمن هو ~~الناطق بالشهادتين بالإخلاص. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 2] # الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) # قوله (الذين هم في صلاتهم خاشعون) [2] وصفهم الذي به يستحقون الفلاح، أي ~~الذين هم في صلوتهم خاضعون متواضعون لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، قيل: ~~الخشوع في الصلوة خشية القلب «2» و«إلزام البصر موضع السجود» «3»، وأضيفت ~~الصلوة إلى المؤمنين دون الله، لأن المصلي هو المنتفع بها وحده لكونها ~~ذخيرته، والمصلى له غني عن الحاجة إليها والانتفاع بها. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 3] # والذين هم عن اللغو معرضون (3) # (والذين هم عن اللغو) أي عن كل باطل (معرضون) [3] لا يلتفتون إليه، قيل: ~~«كل كلام أو عمل لا يحتاج إليه فهو لغو» - «4» ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 4 الى 6] # والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) # (والذين هم للزكاة) المفروضة في أموالهم (فاعلون) [4] أي مؤدون (والذين ~~هم لفروجهم حافظون) [5] عن الحرام (إلا على أزواجهم) الأربع (أو ما ملكت ~~أيمانهم) من السراري، ولم يقل «من» «5» مكان «ما»، لأنه قد يجري بعض ~~العقلاء كغير العقلاء وهم الإناث في كثير من الأشياء (فإنهم غير ملومين) ~~[6] عن إتيانهن في المأتي المشروع، لأنه حلال لهم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 7] # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) # (فمن ابتغى) أي طلب (وراء ذلك) أي بعد ذلك مع فسحته وهو إباحة أربع من ~~الحرائر ومن الإماء ما شاؤا (فأولئك هم العادون) [7] أي المعتدون من الحلال ~~إلى الحرام. PageV03P142 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 8] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) # (والذين هم لأماناتهم) جمع أمانة وقرئ بها «1»، وهي كل ما يؤتمن عليه ~~كأموال وأسرار (وعهدهم) وهو المعاهد عليه من جهة الله أو من جهة الخلق ~~(راعون) [8] أي حافظون من الخيانة وبالوفاء، قيل: الراعي هو القائم على ~~الشيء بحفظ وإصلاح «2»، وأمانة السر أولى بالحفظ. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 9] # والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) # (والذين هم على ms1141 صلواتهم) وقرئ بالجمع «3» (يحافظون) [9] أي يداومون ~~برعاية أوقاتها وباتمامها من غير سهو عنها، والمراد من الصلوة: هو المفروضة ~~والنوافل الراتبة وأصحابها الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ~~وكررت لأنها أعظم العبادات بعد الإيمان. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 10 الى 11] # أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) # ثم بين ثوابهم فقال (أولئك هم الوارثون) [10] أي (الذين يرثون الفردوس) ~~أي منازل الكفار من الجنة، لأن لكل واحد من المؤمن والكافر منزلين، منزل في ~~الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن يرث منزل الكافر من الجنة والكافر يرث منزل ~~المؤمن من النار، و«الفردوس» هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر بناؤه ~~لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر، قيل: لم يكن أحد من ~~أهل الجنة إلا وله نصيب في الفردوس «4»، لأن فيه بساتين كثيرة وأشجارا ~~كثيرة عليها حيطان (هم فيها) أي في الفردوس، وأنثه بتأويل الجنة (خالدون) ~~[11] لا يخرجون عنها. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 12] # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) # (ولقد خلقنا الإنسان) أي آدم (من سلالة) أي خلاصة سلت «من» لابتداء ~~الغاية، أي أخذت من بين الكدر من جميع الأرض، فقوله (من طين) [12] بيان ل ~~«سلالة»، والسلالة: الماء الذي انسل من بين الأصابع إذا عصر الطين، وقيل: ~~«الإنسان ابن آدم، لأنه من نطفة سلت من طين، والطين هو آدم» «5»، فقوله «من ~~طين» صفة ل «سلالة» و«من» للابتداء. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 13] # ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) # (ثم جعلناه) أي ابن آدم (نطفة) يعني جعل الله جوهر الإنسان أولا طينا ثم ~~جعل جوهره نطفة (في قرار مكين) [13] أي في مستقر مكنت فيه هي وهو الرحم، أي أحرزت. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 14] # ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا ~~العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) # (ثم خلقنا النطفة علقة) أي حولناها قطعة دم (فخلقنا العلقة مضغة) أي ~~حولناها مضغة لحم (فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما) ف «خلقنا» هنا ~~بمعنى صيرنا، ولذلك عدي ms1142 إلى مفعولين، واتيان الفاء في المواضع الثلاثة لكون ~~الأول سببا للثاني فيترتب ترتب السبب على المسبب، فأفاد معنى التعقيب فيها ~~(ثم أنشأناه خلقا آخر) أي حيوانا بنفخ الروح فيه بعد الجماد وناطقا بعد ~~البكم وسميعا بعد الصمم وبصيرا بعد كونه أكمه (فتبارك الله) أي تعاظم ~~وتعالى عن الشريك (أحسن الخالقين) [14] أحسن المقدرين تقديرا وتفصيلا، ~~والمراد PageV03P143 # تفصيل خلق الإنسان وترك ذكر المميز وهو تقدير لدلالة الخالقين عليه، وهو ~~تمييز أفعل التفضيل لا تأكيد، لأنه ينصب اسما منكرا على التمييز خاصة، ~~و«أحسن» بدل من «الله» وليس بصفة، لأنه نكرة وإن أضيف، لأن المضاف إليه عوض ~~من كلمة «من»، روي: «أن عبد الله بن أبي السرح كاتب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تكلم بذلك قبل إملائه، فقال له رسول الله عليه وسلم: اكتبه هكذا ~~أنزلت، فقال عبد الله إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى إلي فلحق ~~بمكة مرتدا، ثم أسلم بعد الفتح» «1»، وقيل: هذه الرواية غير صحيحة لأن هذه ~~الاية مكية وارتداده كان بالمدينة «2». ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 15 الى 16] # ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) # (ثم إنكم بعد ذلك) أي بعد تمام خلقكم (لميتون) [15] أي تموتون عند انقضاء ~~آجالكم (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) [16] أي تحيون بعد الموت فلا تكونوا ~~منكرين بذلك كما لا تنكرون ابتداء خلقكم وذكر الحيوتين لا ينفي الثالثة وهي ~~حيوة القبر. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 17] # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) # (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) هذا ذكر قدرة خلق هو أعظم من خلقهم ~~ليستدلوا به أنه قادر على بعثهم بعد الموت، أي خلقنا سبع سموات مع ما فيها ~~من النيرات التي تطلع وتغرب، وسميت «طرائق» لتطارق بعضها فوق بعض، وكل شيء ~~فوقه مثله فهو طريقة كطارقة النعل أو هي طرق الملائكة أو الكواكب، لأن ~~سيرها فيها، قيل: «كل سماء غلظها مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء كذلك» ~~«3» (وما كنا عن الخلق غافلين) [17] أي لا نغفل عن ms1143 خلق السموات وحفظهن من ~~أن يقع عليهم أو الخلق الناس، أي إنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الارزاق وما ~~ينفعهم من أنواع المنافع. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 18] # وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) # (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) أي بتقدير ووزن يأمنون معه من المضرة ~~ويصلون إلى المنفعة، أي بمقدار يكفيهم في مصالحهم ومعاشهم، قيل: «ليست سنة ~~بأمطر من سنة ولكن الله يصرفه حيث يشاء» «4» (فأسكناه) أي فأدخلنا ذلك ~~الماء (في الأرض) فأخرجنا منه ينابيع، قيل: منه الغدران والركايا «5» وكل ~~ماء في الأرض من السماء (وإنا على ذهاب به) أي على إزالته (لقادرون) [18] ~~بأن يغور في الأرض فلا يقدر عليه فيموتون مع دوابهم عطشا فيجب عليهم أن ~~يستعظموا نعمة الماء بشكر منعمه دائما ويخافوا بغارها إذا لم يشكروه عليها. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 19] # فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) # (فأنشأنا لكم به) أي بالماء (جنات) أي بساتين (من نخيل وأعناب لكم فيها ~~فواكه كثيرة) أي أنواعها سوى النخيلة والأعناب (ومنها تأكلون) [19]. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 20] # وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) # قوله (وشجرة) نصب عطف على «جنات» (تخرج من طور سيناء) بكسر السين وفتحها ~~«6»، هو جبل فلسطين أو جبل بين مصر وأيلة، ومنه نودي موسى، وأضيف طور إلى ~~بقعة تسمى بسيناء وبسينين وتلك الشجرة شجرة الزيتون، وخص الأنواع الثلاثة ~~النخل والعنب والزيتون بالذكر، لأنها أكثر الأشجار نفعا عندهم (تنبت ~~بالدهن) بضم التاء وكسر الباء من الإنبات، فالباء زائدة فيه ليدل على ~~ملازمة الإنبات للدهن، PageV03P144 # وبفتح التاء وضم الباء من النبات «1»، قوله (وصبغ للآكلين) [20] بالجر ~~عطف على «بالدهن»، وهو الإدام وهو ما يؤكل بالخبز وإن لم يصبغ اللقمة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 21] # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون (21) # (وإن لكم في الأنعام) أي في الإبل والبقر والغنم (لعبرة) أي لعظة لمن ~~يعتبر بها (نسقيكم) بضم النون وفتحها «2» (مما في بطونها) ms1144 أي من ألبانها ~~التي تخرج من بين فرث ودم (ولكم فيها منافع كثيرة) أي في ظهورها من الأصواف ~~والأشعار (ومنها تأكلون) [21] من لحومها وأولادها وألبانها. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 22 الى 23] # وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) # (وعليها وعلى الفلك تحملون [22] ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) كما أرسلناك ~~إلى قومك (فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) [23] أي ~~اتقوه ووحدوه. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 24 الى 25] # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن ~~هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) # (فقال الملأ الذين كفروا) أي أشرافهم (من قومه) أي من قوم نوح (ما هذا ~~إلا بشر مثلكم) يأكل ويشرب كما تأكلون وتشربون (يريد أن يتفضل عليكم) ~~بالرسالة ويترأس (ولو شاء الله) أي يرسل إلينا رسولا (لأنزل ملائكة ما ~~سمعنا بهذا) أي بالتوحيد الذي يدعونا إليه (في آبائنا الأولين [24] إن) أي ~~ما (هو إلا رجل به جنة) أي جنون (فتربصوا) أي انتظروا (به) ليتبين لكم أمره ~~(حتى حين) [25] أي حتى يموت أو يفيق من جنونه فننجو منه، فلما لم يؤمنوا به ~~دعا عليهم بعد العلم به. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 26] # قال رب انصرني بما كذبون (26) # (قال رب انصرني) أي أعني عليهم باهلاكهم (بما كذبون) [26] أي بسبب ~~تكذيبهم إياي. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 27] # فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) # (فأوحينا إليه) أي إلى نوح (أن اصنع الفلك بأعيننا) أي بمنظر منا، يعني ~~بحفظنا، لأنه كان يعمل في الفلك ولا يخطئ في عملها ولا يفسد عليه مفسد ~~عمله، وهو نصب على الحال (ووحينا) أي بالهامنا إليك، كيف تصنع أو ms1145 بأمرنا ~~(فإذا جاء أمرنا) أي عذابنا (وفار التنور) أي نبع الماء من أسفله وهو لنوح ~~أو كان لآدم فصار إلى نوح، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته (فاسلك ~~فيها) أي ادخل في السفينة (من كل) بالتنوين وبغيره «3»، أي من كل أمتي ~~(زوجين) من كل حيوان (اثنين) الذكر والأنثى، روي: أنه لم يحمل إلا ما يلد ~~ويبيض «4» (وأهلك) أي وادخل أهل بيتك (إلا من سبق عليه) أي وجب (القول ~~منهم) أي العذاب، قرن ب «على» السبق الضار كما قرن باللام السبق النافع في ~~قوله سبقت لهم من الحسنى «5»، قيل: هو ابنه كنعان «6» (ولا تخاطبني) أي لا ~~تراجعني بالدعاء (في الذين ظلموا) أنفسهم بترك الإيمان (إنهم مغرقون) [27] ~~بالطوفان، وإنما نهاه عن الدعاء لهم النجاة PageV03P145 # لحكمة اقتضت إغراقهم وهي علم المفسدة في استبقائهم لكونهم ظالمين بعد ~~لزوم الحجة البالغة عليهم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 28] # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين (28) # ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أنفع له فقال (فإذا استويت) أي ركبت (أنت ومن ~~معك) من أهل الإيمان (على الفلك فقل) ولم يقل فاذا استويتم فقولوا لأنه ~~نبيهم فكان قوله قولهم مع الإشعار بفضل النبوة (الحمد لله الذي نجانا من ~~القوم الظالمين) [28] أي المفسدين بالشرك والمعصية. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 29] # وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) # (وقل) إذا نزلت من الفلك إلى البر أو إذا دخلت فيها (رب أنزلني منزلا) ~~بالكسر مع الفتح بطن الفلك، وبالفتح مع الضم مصدر «1»، أي إنزالا (مباركا) ~~وبركته النجاة فيها (وأنت خير المنزلين) [29] بكسر الزاء وبعد إغراق ~~الكافرين وإنجاء المؤمنين. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 30 الى 31] # إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) # قال (إن في ذلك) أي في هلاك قوم نوح ونجاته مع المؤمنين (لآيات) أي ~~لعبرات لمن بعدهم (وإن كنا لمبتلين) [30] أي وقد كنا لمختبرين الناس ~~بالطاعة والمعصية أو كنا مهلكين قوم نوح بالبلاء ليعتبر من بعدهم (ثم ~~أنشأنا من ms1146 بعدهم قرنا آخرين) [31] وهم قوم عاد. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 32 الى 33] # فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~(32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) # (فأرسلنا فيهم) ولم يقل إليهم مع أن حق الإرسال أن يعدى ب «إلى»، لأن ~~الأمة أو القرية جعلت موضعا للرسالة مجازا فقرنت ب «في» لا أن حقه التعدى ب ~~«في»، أي بعثنا فيهم (رسولا) أي هودا (منهم أن اعبدوا الله) أي قال لهم ~~اعبدوه ووحدوه (ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) [32] أي اتقوا وآمنوا به ~~عطف على قوله «نوح» بقوله (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء ~~الآخرة) أي بالبعث (وأترفناهم) أي أنعمنا عليهم بنعم كثيرة (في الحياة ~~الدنيا) قوله (ما هذا) مقول القول، أي قالوا ما هود (إلا بشر مثلكم يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) [33] منه. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 34] # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) # (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون) [34] «إذن» جواب شرط محذوف، أي ~~إنكم إن أطعتموه إذن تخسرون عقولكم وتغبنون آراءكم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 35] # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) # (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم) أي صرتم (ترابا وعظاما أنكم) كرر للتأكيد ~~المستحسن لوقوع الفصل بالظرف بين الأول والثاني (مخرجون) [35] خبر عن ~~الأول، أي أيعدكم بأنكم مخرجون من قبوركم إذا متم ودفنتم في الأرض. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 36] # هيهات هيهات لما توعدون (36) # (هيهات هيهات) أي بعد جدا، اسم فعل، فاعله مضمر فيه، أي بعد التصديق (لما ~~توعدون) [36] من البعث «2»، وقيل: الفاعل «ما» واللام زائدة لبيان ~~المستبعد، فلا محل ل «هيهات» من الإعراب على تقدير الفعل «3»، PageV03P146 # وقيل: بمعنى المصدر «1»، تقديره: البعد لما توعدون فهو مبتدأ وخبر، روي: ~~هيهات بالفتح والضم بتنوين وغيره وبالسكون على الوقف «2». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 37] # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) # (إن ms1147 هي إلا حياتنا) أي ما الحيوة إلا الحيوة (الدنيا نموت ونحيا) أي نحيى ~~ونموت بعد الحيوة (وما نحن بمبعوثين) [37] بعد الموت كما تزعم يا هود. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 38] # إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) # ثم قالوا «3» (إن هو) أي «4» ما هود (إلا رجل افترى على الله كذبا وما ~~نحن له بمؤمنين) [38] أي بمصدقين بالبعث. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 39 الى 40] # قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) # (قال) هود (رب انصرني) على إهلاكهم (بما كذبون [39] قال) الله تعالى (عن ~~ما قليل) أي عن زمان قليل، و«ما» زائدة لتأكيد قلة المدة (ليصبحن) أي ~~ليصيرن على تكذيبهم (نادمين) [40] واللام في جواب القسم المحذوف. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 41] # فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) # (فأخذتهم الصيحة) أي صيحة جبرائيل (بالحق) أي العذاب الواجب الوقوع ~~(فجعلناهم) أي صيرناهم (غثاء) أي يابسا أو هلكى كغثاء السيل لا ينتفع به ~~وهو ما يحمله السيل على وجهه من الزبد والورق والعود، قوله (فبعدا للقوم ~~الظالمين) [41] مصدر منصوب بفعل وجب حذفه، لأنه من المصادر التي وضعت مواضع ~~أفعالها، ومعناه: بعدا بعدوا، أي هلكوا من رحمة الله، يعني فأهلكناهم ~~بالعذاب في الدنيا. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 42] # ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) # (ثم أنشأنا) أي خلقنا (من بعدهم قرونا آخرين) [42] كقوم صالح ولوط وشعيب. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 43] # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) # (ما تسبق) أي تتقدم (من أمة) أي أمة (أجلها) يعني لا تموت قبل أجلها ~~المكتوب لها، وهو الوقت الذي عين لهلاكها (وما يستأخرون) [43] بعد أجلها ساعة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 44] # ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا ~~وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) # (ثم أرسلنا رسلنا تترا) منونا، مصدر من المواترة، وهي التعاقب في موضع ~~الحال، أي متواترين واحدا بعد واحد، وقرئ «تترى» بغير تنوين بمعنى المنون، ~~فألفه بدل من التنوين، والتاء بدل من الواو «5»، لأنه فوعل لا تفعل، إذ لا ~~وجود ms1148 له اسما في الكلام، وقيل: هو فعلى «6»، أي وترى من تواتر الخبر فألفه ~~للتأنيث، لأن الرسل جماعة، والمعنى: أرسلنا الرسل إلى أممهم تابعا بعضهم ~~بعضا (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا) القرون (بعضهم بعضا) في الهلاك ~~(وجعلناهم) بعد إهلاكهم (أحاديث) يتحدث بها الناس بعدهم للتعجب والعبرة، PageV03P147 # قيل: «لو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث» «1»، والأحاديث جمع أحدوثة ~~كالأعجوبة، وقيل: اسم جمع للحديث لمعنى الخبر «2» (فبعدا لقوم لا يؤمنون) ~~[44] أي أهلكناهم جميعا. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 45 الى 46] # ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45) إلى فرعون وملائه ~~فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) # (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا) التسع (وسلطان مبين) [45] أي بحجة ~~ظاهرة كالعصا والحية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وغير ذلك (إلى ~~فرعون وملائه فاستكبروا) أي تعظموا عن الإيمان والطاعة (وكانوا قوما عالين) ~~[46] أي متكبرين. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 47] # فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) # (فقالوا أنؤمن) أي أنصدق (لبشرين مثلنا) في البشرية ووصف بالمثل الاثنان، ~~لأنه بمعنى المصدر (وقومهما لنا عابدون) [47] أي والحال أنهم، يعني بني ~~إسرائيل مسخرون ذليلون لنا. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 48] # فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) # (فكذبوهما) أي موسى وهرون (فكانوا) أي صار قوم فرعون (من المهلكين) [48] ~~في البحر بالغرق. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 49] # ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) # (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التورية (لعلهم يهتدون) [49] أي قوم موسى ~~بالتورية، يعني بالعمل بشرائعها ومواعظها. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 50] # وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) # (وجعلنا ابن مريم) أي عيسى آية (وأمه آية) أي عبرة لبني إسرائيل بعد ~~موسى، لأن عيسى تكلم في المهد وأحيى الموتى، ومريم ولدته من غير مسيس، وهما ~~آيتان قطعا، فيكون هذا من قبيل الاكتفاء بذكر إحديهما (وآويناهما) أي ~~أنزلناهما (إلى ربوة) بفتح الراء وضمها «3»، أي إلى مكان مرتفع، هو بيت ~~المقدس، قيل: إنه كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا «4» (ذات ~~قرار) أي أرض سهلة مستوية يستقر عليها ساكنوها (ومعين) [50] أي ذات ماء جار ~~ظاهر ms1149 على وجه الأرض، من المعن وهو الإسراع أو من عانه إذا أدركه بعينه، ~~فالميم زائدة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 51] # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) # (يا أيها الرسل) قيل: هو خطاب لمحمد «5» صلى الله عليه وسلم وأمته على ~~سبيل التغليب «6»، وقيل: خطاب للمرسلين «7»، أي قلنا لكل منهم ذلك ليتبعهم ~~الأمم، وفيه إعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصي به، فحقيق أن يؤخذ ~~به ويعمل عليه (كلوا من الطيبات) أي من الحلالات «8» وقيل: الطيبات من ~~الرزق هي الحلال والصافي والقوام، أي الذي لا يعصى الله فيه والذي لا ينسى ~~ذكره والذي يحفظ العقل والبدن «9» (واعملوا صالحا) أي عملا خالصا (إني بما ~~تعملون عليم) [51] أي قبل أن تعملوا، قيل: إن عيسى عليه السلام كان يأكل من ~~غزل أمه، وكان رزق نبينا عليه السلام من الغنائم وهو أطيب الطيبات «10»، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» «11». PageV03P148 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 52] # وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) # قوله (وإن) عطف على «كلوا»، قرئ بكسر «إن» على الابتداء، وبالفتح على ~~ولأن متعلقا ب «فاتقون»، وب «أن» مخففة من الثقيلة «1»، أي ولأن الشأن (هذه ~~أمتكم) يعني هذه الملة وهي دين الإسلام (أمة واحدة) حال، أي دينا واحدا ~~عليه جميع الأنبياء والمؤمنون بهم (وأنا ربكم) أي إلهكم الذي شرعته لكم ~~(فاتقون) [52] أي خافوا عذابي وأطيعوني. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 53] # فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) # (فتقطعوا) أي تفرقوا «2»، يعني الأتباع (أمرهم) أي دينهم الذي أمرتهم به ~~(بينهم زبرا) بفتح الباء وضمها «3»، أي قطعا، يعني جعلوا دينهم أديانا ~~مختلفة فتحزبوا (كل حزب بما لديهم) من الدين (فرحون) [53] أي راضون بباطلة ~~معتقدون على أنه الحق. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 54] # فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) # ثم سلى نبيه عليه السلام وهددهم بقوله (فذرهم) أي اتركهم (في غمرتهم) أي ~~في جهلهم وعمايتهم (حتى حين) [54] أي حتى يقتلوا أو يموتوا على الباطل، ~~وفيه نهي للنبي ms1150 عليه السلام عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 55 الى 56] # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا ~~يشعرون (56) # (أيحسبون) أي أيظنون (أنما نمدهم) أي أن الذي نعطيهم إياه ونزيدهم (به من ~~مال وبنين [55] نسارع لهم في الخيرات) أي في الطاعات وجملة «نسارع» خبر ~~«أن» و«ما» موصولة اسمها والراجع من خبر «إن» إلى اسمها محذوف، تقديره: ~~نسارع به بمعنى لا نسارع لهم به فيما «4» فيه نفع وإكرام (بل لا يشعرون) ~~[56] أي لا يعقلون كالبهائم أن ذلك استدراج ومكر لزايادة الإثم، ولكنهم ~~يتوهمون أن تعجيلنا ذلك لرضانا عنهم. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 57 الى 59] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) # ثم أخبر عن المسرعين في الخيرات والأعمال الصالحات من المؤمنين فقال (إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون) [57] أي من عذابه خائفون (والذين هم بآيات ~~ربهم) أي بالقرآن «5» (يؤمنون) [58] أي يصدقون (والذين هم بربهم لا يشركون) ~~[59] معه غيره، أي يوحدونه ويعبدونه بالإخلاص. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 60 الى 61] # والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # (والذين يؤتون ما آتوا) أي يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات (وقلوبهم) ~~أي والحال أن قلوبهم (وجلة) أي خائفة أن لا يقبل منهم «6» (أنهم) أي لأنهم ~~(إلى ربهم راجعون) [60] يعني يوقنون بعثهم بعد الموت للحساب والجزاء، وخبر ~~«إن الذين» (أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات (يسارعون في الخيرات) أي في ~~الأعمال الصالحة ويرغبون فيها أشد الرغبة خوفا عن فوتها، وقيل: التسارع في ~~الخيرات التقلل من الدنيا وترك الاهتمام بها «7» (وهم لها سابقون) [61] أي ~~لأجل الخيرات فاعلون السبق لنيلها في الدنيا والآخرة نزل منزلة اللازم بلا ~~تقدير المفعول، وقيل: سابقون الناس لأجلها بتقدير المفعول «8». PageV03P149 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 62] # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) # (ولا نكلف نفسا إلا وسعها) أي لا نظلم منهم أحدا بل نأمر ms1151 كل نفس بقدر ~~طاقتها وإن لم تبلغ السابقين (ولدينا كتاب) أي عندنا كتاب حاضر هو اللوح ~~(ينطق بالحق) بما سطر فيه من الأعمال والأقوال (وهم لا يظلمون) [62] أي لا ~~يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 63] # بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) # (بل قلوبهم) أي قلوب أهل مكة (في غمرة) أي في غفلة (من هذا) أي من ~~الإيمان «1» أو من الذي أعد لهم من العذاب أو من الوصف الذي ذكرنا للمؤمنين ~~(ولهم) أي للمؤمنين (أعمال من دون ذلك) أي سوى ما عملوا من الخيرات (هم لها ~~عاملون) [63] بعد فيثابون، لأنها صارت عادة لهم فلا يفطمون عنها فيأتيهم ~~الله بالعذاب. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 64 الى 65] # حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم ~~منا لا تنصرون (65) # قوله (حتى إذا أخذنا) «حتى» فيه هي التي يبتدأ بها الكلام وهو الجملة ~~الشرطية (مترفيهم) أي متنعميهم (بالعذاب) وهو قتلهم بالسيف يوم بدر أو ~~بالجوع حين دعا عليهم النبي عليه السلام، وهم أهل قريش حين قال: «اللهم ~~اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف عليه السلام» «2»، فقحطوا ~~حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة (إذا هم يجأرون) [64] جواب «إذا» ~~الشرطية، و«إذا» فيه بمعنى الفاء الجزائية، أي يصيحون ويتضرعون إلى الله ~~استغاثة حين نزل بهم العذاب قلنا (لا تجأروا) أي لا تصرخوا (اليوم إنكم منا ~~لا تنصرون) [65] من عذابنا. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 66] # قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) # (قد كانت آياتي تتلى عليكم) أي القرآن يعرض عليكم (فكنتم على أعقابكم ~~تنكصون) [66] أي ترجعون إلى شرككم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 67] # مستكبرين به سامرا تهجرون (67) # (مستكبرين به) أي متعظمين بالبيت العتيق «3»، واستكبارهم به أنهم كانوا ~~يقولون لا يغلب أحد علينا، لأنا أهل بيت الله ويفتخرون به ولم يسبق ذكر ~~البيت لكونه معلوما عندهم أو الضمير في «به» للقرآن أو لمحمد عليه السلام، ~~أي مكذبين به، لأنهم إذا سمعوا القرآن أو ms1152 رأوا محمدا عليه السلام كذبوهما ~~وازدادوا كبرا، قوله (سامرا) حال بعد حال، قيل: هو اسم جمع كالحاضر «4»، ~~والسمر الحديث بالليل، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وطعنه حول البيت بالليل، ~~وكذا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطعنه بتسميته شاعرا أو ساحرا، وقوله ~~(تهجرون) [67] حال أخرى، من هجر إذا ترك، أي تهجرون الإيمان بالله والقرآن، ~~والهجر بالفتح الهذيان وهو ترك الصواب وبالضم الفحش في المنطق. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 68] # أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) # (أفلم يدبروا القول) أي القرآن، والتدبر إحضار القلب للفهم، يعني أفلم ~~يحضروا قلوبهم في القرآن ليعلموا أنه الحق فيؤمنوا به وبمن جاء به (أم ~~جاءهم) أي بل أجاءهم من الأمان من العذاب (ما لم يأت آباءهم الأولين) [68] ~~أي الأمم المتقدمة، ولذلك أنكروه، والمعنى: بل أجاءهم من الأمر الشديد ما ~~لم يأت أباءهم الأولين كابراهيم وإسمعيل وأولاده حين خافوا الله وآمنوا به ~~وبكتبه ورسله وأطاعوه، فان هؤلاء من عدنان وقحطان. PageV03P150 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 69] # أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) # (أم لم يعرفوا رسولهم) بل ألم يعرفوا نسب رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمانته وخلقه (فهم له منكرون) [69] أي جاحدون حسدا وهو استفهام توبيخ ~~وإنكار عليهم لإعراضهم عنه بعد معرفة إياه بصحة نسبه وصدقه وعقله واتسامه ~~بأنه خير فتيان قريش. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 70] # أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) # (أم يقولون به جنة) أي جنون وهم يعلمون أنه بريء منها (بل جاءهم بالحق) ~~أي القرآن والرسالة من عند الله أن لا يعبدوا إلا الله وما فيه من الشرائع ~~للإسلام وهو يخالف أهواءهم (وأكثرهم للحق كارهون) [70] أي جاحدون وأقلهم لا ~~يكرهونه، لأن فيهم من ترك الإيمان استنكافا من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ ~~وترك دين آبائه. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 71] # ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون (71) # (ولو اتبع الحق) أي الله أو القرآن (أهواءهم) بأن شرعت الشرائع أو نزل ~~القرآن بمراداتهم (لفسدت السماوات ms1153 والأرض ومن فيهن) أي لانقلبت باطلا لا ~~قوام لها، لأنه لم يكن إلها يقدر أن يمسكهما من أن تزولا أو لهلكت بالشرك ~~ولم تؤخر بمجيء الله بيوم القيامة (بل أتيناهم بذكرهم) أي بما يذكرهم ~~ويخوفهم وهو القرآن ليؤمنوا به (فهم عن ذكرهم) أي وعظهم بالقرآن (معرضون) ~~[71] بترك الإيمان به. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 72] # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) # (أم تسألهم خرجا) أي أتدعوهم يا محمد إلى الباطل أم تسألهم جعلا يمتنعون ~~لذلك عن الإيمان (فخراج ربك) أي ثوابه (خير) أو رزقه من الحلال خير من ~~جعلهم، قرئ في الموضعين «خراجا» ف «خراج» و«خرجا» ف «خرج» و«خرجا» ف «خراج» ~~«1»، والفرق بينهما أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه (وهو خير ~~الرازقين) [72] أي أفضل المعطين الرزق لأهله. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 73] # وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) # (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) [73] وهو دين الإسلام لا عوج فيه. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 74] # وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) # (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي البعث (عن الصراط لناكبون) [74] أي ~~عادلون عن الدين المستقيم. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 75] # ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) # قوله (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) أي من قحط وجوع، نزل حين جاء أبو ~~سفيان إلى النبي عليه السلام وسأل منه أن يدعو ربه ليرفع القحط عن قريش، ~~فقال ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: # بلى، فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فدع ربك ليدفع عنهم ~~الضر، فأراد النبي عليه السلام أن يدعو الله ليكشف الضر عنهم، فقال الله ~~تعالى لو رحمناهم وكشفنا عنهم الضر ووجدوا الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه ~~من الاستكبار وعداوة الرسول والمؤمنين «2»، فقوله (للجوا) جواب «لو»، أي ~~لتمادوا (في طغيانهم) وكفرهم (يعمهون) [75] أي يتحيرون ويترددون. PageV03P151 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 76] # ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # (ولقد أخذناهم) أي الكفار (بالعذاب) أي الأسر والقتل ببدر (فما استكانوا) ~~من استفعل من الكون، ومعنى «استكان» ms1154 انتقل من كون إلى كون، أي ما انتقلوا ~~من حالهم وما خضعوا (لربهم وما يتضرعون) [76] أي لم يتضرعوا وعادوا إلى ~~كفرهم، ولم يقل «وما تضرعوا» كقوله «فما استكانوا» ليدل على أن من عادتهم ~~أن لا يتضرعوا. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 77] # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) # (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد) كالجوع الذي هو أشد من القتل ~~ببدر والأسر (إذا هم فيه مبلسون) [77] أي آيسون من كل خير ورزق، وقيل: ~~الإبلاس السكوت مع التحير «1». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 78] # وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) # ثم ذكر ما ينبههم به على الاستدلال العقلي ليؤمنوا بالله ويوحدوه من قوله ~~(وهو الذي أنشأ لكم) أي خلق (السمع والأبصار والأفئدة) لتعرفوا هذه النعم ~~وتشكروا ربكم، وإنما خص هذه الثلاثة لتعلق أكثر المنافع الدينية والدنيوية ~~بها، فمن لم يعملها فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها (قليلا ما تشكرون) [78] ~~أي لم تشكروه لا قليلا ولا كثيرا. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 79] # وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) # (وهو الذي ذرأكم) أي خلقكم (في الأرض وإليه تحشرون) [79] في الآخرة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 80] # وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) # (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار) أي ذهابه ومجيؤه بأمره ~~(أفلا تعقلون) [80] صنع ربكم فتوحدوه وتؤمنوا بالبعث الذي أخبركم عنه ~~بالقرآن. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 81 الى 82] # بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون (82) # (بل قالوا مثل ما قال الأولون [81] قالوا أإذا متنا وكنا) أي صرنا (ترابا ~~وعظاما أإنا لمبعوثون) [82] أي انبعث بعد ما كنا ترابا وعظاما. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 83] # لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) # (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا) الوعد (من قبل) أي قبل محمد صلى الله عليه ~~وسلم (إن) أي ما (هذا) القول (إلا أساطير الأولين) [83] أي أحاديث «2» ~~بالكذب. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 84] # قل لمن الأرض ومن فيها إن ms1155 كنتم تعلمون (84) # (قل) يا محمد لكفار مكة (لمن الأرض) تحت السماء (ومن فيها) من أنواع ~~الخلق (إن كنتم تعلمون) [84] أن أحدا يفعل ذلك غير الله. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 85] # سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) # (سيقولون لله) لا غير (قل أفلا تذكرون) [85] أي ألا تتعظون فتذكرون ~~الأدلة الدالة على الصانع فتؤمنون بأنه قادر على إعادة الخلق بعد الموت. PageV03P152 ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 86 الى 87] # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون (87) # (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم [86] سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون) [87] أي أفلا تخافونه فلا تشركوا به ولا تعصوا رسله. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 88] # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) # (قل من بيده ملكوت كل شيء) أي خزائنه وقدرة خلقه (وهو يجير) أي يغيث ~~ويؤمن من العذاب (ولا يجار عليه) أي لا يغاث عليه أو هو يقضي ولا يقضى عليه ~~(إن كنتم تعلمون) [88] ذلك. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 89] # سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) # (سيقولون لله قل فأنى تسحرون) [89] أي تخدعون بالشيطان والهوى وتصرفون عن ~~الإيمان بالحق، قرئ «لله» باللام دون الألف وهو مطابق لقوله «لمن الأرض»، ~~وقوله «الله» مطابق قوله «من رب السماوات» وكذا قوله «الله» الأخير مطابق ~~لقوله «من بيده»، وقرئ الآخيران «1» باللام أيضا حملا على المعنى، لأنك إذا ~~قلت من رب هذا فكأنك قلت لمن هذا، فالجواب باللام ليوافق الجواب السؤال. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 90 الى 91] # بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90) ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) # (بل أتيناهم بالحق) أي بالتوحيد أو بالقرآن (وإنهم لكاذبون) [90] في ~~ادعائهم الشريك لله وتكذيب الرسل، وأكد كذبهم بقوله (ما اتخذ الله من ولد ~~وما كان معه من إله) أي من شريك «2»، قوله (إذا) يدخل على جواب وجزاء وهو ~~(لذهب كل إله بما خلق) ولم يتقدمه شرط لكن قوله «وما كان معه ms1156 من إله» يدل ~~على شرط محذوف، تقديره: ولو كان معه آلهة لانفرد كل إله بما خلق واستبد به ~~دون الإله الآخر (ولعلا) أي لغلب (بعضهم على بعض) كما ترون حال ملوك الدنيا ~~ولاختل نظام العالم بالتماس بعضهم قهر بعض وبطلب الجمع إلى أمر نفسه كل ما ~~خلق بالاستيلاء، فحيث لم يختل، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء ~~(سبحان الله) وتعالى، أي تنزيها له (عن ما يصفون) [91] له من الشريك ~~والولد. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 92] # عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92) # (عالم الغيب والشهادة) أي عالم السر والعلانية (فتعالى) أي تنزه (عن ما ~~يشركون) [92] به مما لا يعلم شيئا من الغيب والشهادة، قرئ «عالم» بالجر نعت ~~لله في قوله «سبحان الله» وبالرفع «3» خبر المبتدأ المحذوف. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 93 الى 94] # قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) # (قل رب إما تريني) بزيادة «ما» والنون المؤكدتين أو إن تريني (ما يوعدون) ~~[93] من العذاب، فأمر نبيه عليه السلام أن يطلب أن لا يقارنه معهم في ~~العذاب بعد علمه بالوعد أنه تعالى يفعله بهم، يعني إن تريني عذابهم البتة ~~في الدنيا أو في الآخرة (رب فلا تجعلني) معذبا (في القوم الظالمين) [94] ~~بعذابهم، وكرر «رب» لفضل تضرع له وإنما أمره بهذا الدعاء مع أنه معصوم هضما ~~لنفسه وإظهارا لعبوديته. PageV03P153 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 95] # وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) # (وإنا على أن نريك ما نعدهم) من العذاب (لقادرون) [95] وقد رآه ببدر وفتح ~~مكة وغيرهما. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 96] # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) # (ادفع) أمر من الله لنبيه عليه السلام بالعفو عنهم أي ادفع (بالتي هي ~~أحسن السيئة) أي بالخصلة التي هي أحسن الخصال، أي بحلمك جهلهم والإغضاء ~~والصفح عن إساءتهم أو بالسلام إذا لقيتهم، وقيل: ادفع بقول لا إله إلا الله ~~السيئة «1»، أي الشرك منهم، وهذه منسوخة بآية السيف «2»، ثم هددهم بقوله ~~(نحن أعلم بما يصفون) [96] لنا من الشريك والولد فلا تعجل أنت. ### || [سورة المؤمنون ms1157 (23): آية 97] # وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97) # (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) [97] أي من وساوسهم التي يحثون الناس ~~بها على المعاصي. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 98 الى 99] # وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) # (وأعوذ) أي وأعتصم (بك رب) أي يا ربي (أن يحضرون) [98] أي من أن يحضروني ~~مطلقا أو عند تلاوة القرآن أو عند الصلوة، وأصله يحضرونني، فحذف إحدى ~~النونين بأن، ثم حذف ياء المتكلم اكتفاء بالكسر، (حتى إذا جاء أحدهم الموت) ~~أي إنهم لا يزالون يشركون بالله إلى وقت مجيء الموت إليهم، ف «حتى» متعلق ب ~~«يصفون»، وما بينهما اعراض لتأكيد إغضائه عنهم مستعينا بالله من أن يستزله ~~الشيطان عن الحلم أو تقديره: أمهلهم في كفرهم حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~كافرا (قال رب ارجعون) [99] خطاب لله تعالى بلفظ الجمع للتعظيم، أي الكافر ~~يقول: ردوني إلى الدنيا، وقيل: خطاب لملك الموت وأعوانه «3». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 100] # لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون (100) # (لعلي أعمل صالحا) أي خالصا (فيما تركت) من الإيمان في الدنيا، يعني لعلي ~~اؤمن وأعمل فيه عملا صالحا يرضى به ربي، روي عن النبي عليه السلام أنه قال: ~~«إذا عاين المؤمن الملائكة قالت له نرجعك إلى الدنيا، فيقول إلى دار ~~الأحزان والهموم، بل قدوما إلى الله تعالى، وأما الكافر فيقول رب ارجعوني ~~إلى الدنيا» «4»، فقال تعالى (كلا) وهو ردع له عن طلب الرجعة واستبعاد ~~لذلك، أي إنه لا يرد إلى الدنيا أبدا (إنها) أي مقالته وهي «لعلي أعمل ~~صالحا» (كلمة هو قائلها) تحسرا على تفريطه، قيل: لا يخليها ولا يسكت عنها ~~لاستيلاء الحسرة عليه أو هو قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه «5» ~~(ومن ورائهم برزخ) الضمير للجماعة، أي من أمامهم حاجز يصدهم عن الرجوع وهو ~~القبر (إلى يوم يبعثون) [100] يعني لا يرجعون أبدا وهو إقناط كلي لهم عن ~~الرجوع لما علم أنه لا رجعة بعد البعث إلا ms1158 إلى الآخرة، والبرزخ ما بين ~~النفختين. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 101] # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) # (فإذا نفخ في الصور) وهي النفخة الأخيرة (فلا أنساب بينهم) أي لا ينفعهم ~~النسب (يومئذ) يعني إذا بعث الناس فلا أنساب بينهم يتواصلون بها أو ~~يتفاخرون، إذ الأنساب ينقطع بينهم يوم القيامة حيث يتفرقون للعقاب أو ~~للثواب إلا نسب الدين لزوال التراحم والتعاطف بين الأقارب لشدة اليوم، لأنه ~~«يوم يفر المرء من PageV03P154 # أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه» «1» (ولا يتساءلون) [101] أي لا يسأل ~~حميم حميما ولا يشكل هذا بقوله «وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» «2»، لأن ~~للساعة مواطن لا يتساءلون في موطن، إذ كل مشغول عن سؤال صاحبه بحاله لشدة ~~الهول فلا يتعارفون، وفي موطن يقفون فيتساءلون، لأنهم فيه يتعارفون. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 102] # فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) # (فمن ثقلت موازينه) أي أعماله الصالحة على الأعمال السيئة (فأولئك هم ~~المفلحون) [102] أي الناجون من العذاب في الآخرة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 103] # ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) # (ومن خفت موازينه) المذكورة، أي ثقلت أعماله السيئة على الأعمال «3» ~~الصالحة (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) قوله (في جهنم خالدون) [103] أي ~~دائمون بدل من «خسروا أنفسهم»، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأن الصلة لا ~~محل لها من الإعراب، قيل: الكفار يأتون يوم القيامة بأعمال كجبال تهامة ~~«4»، فاذا وزنوها لم تزن شيئا كقوله «فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» «5». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 104] # تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) # (تلفح) من لفحته النار أو السموم إذا تغير منه لون البشرة، يعني تنفخ ~~وتحرق (وجوههم النار وهم فيها) أي في النار (كالحون) [104] أي عابسون بادية ~~أسنانهم كما ترى الرؤوس المشوية، والكلوح أن تتقلص «6» الشفتان وتتشمر «7» ~~عن الأسنان، روي عن النبي عليه السلام: «أن النار تشويه فتقلص شفته العليا ~~حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» «8». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 105] # ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) # ثم يقال لهم (ألم تكن آياتي تتلى عليكم) ms1159 أي ألم يقرأ القرآن الذي فيه ~~بيان هذا اليوم وشدته (فكنتم بها) أي بالآيات «9» (تكذبون) [105] أي ~~تنكرون. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 106 الى 108] # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) # (قالوا) أي أجابوا بقولهم (ربنا غلبت علينا) أي ملكتنا (شقوتنا) وقرئ ~~«شقاوتنا» «10»، أي سوء العاقبة الذي كتب علينا في اللوح المحفوظ (وكنا) أي ~~صرنا (قوما ضالين) [106] عن الهداية، فعند دخولهم النار يقولون (ربنا ~~أخرجنا منها) أي من النار (فإن عدنا) أي إن رجعنا «11» إلى الكفر أو ~~خالفناك (فإنا ظالمون) [107] فلا يجابون مدة الدنيا مرتين (قال) أي ثم يقول ~~لهم ملك (اخسؤا فيها) أي ابعدوا في جهنم أذلاء، PageV03P155 # والخسؤ زجر الكلب وإبعاده (ولا تكلمون) [108] في رفع العذاب عنكم فلا ~~سبيل إليه فانقطع رجاؤهم، ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير والعواء ~~كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 109 الى 110] # إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) # قوله (إنه كان فريق من عبادي) وهم المؤمنون تعليل لاستحقاقهم ذلك العذاب، ~~أي لأن الشأن كان جماعة من المؤمنين (يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا ~~وأنت خير الراحمين [109] فاتخذتموهم سخريا) قرئ «1» بضم السين من التسخير ~~والخدمة، أي سخرتموهم واستبعدتموهم، وبالكسر بمعنى الهزء «2»، يؤكده قوله ~~«وكنتم منهم تضحكون»، يعني استهزأتموهم (حتى أنسوكم) أي أنساكم استهزاؤكم ~~بهم (ذكري) أي ذكركم إياي والخوف مني والعمل بطاعتي (وكنتم منهم تضحكون) ~~[110] في الدنيا وهم جماعة من المسلمين كبلال وعمار وسلمان وصهيب، كان ~~المشركون يسخرون بهم وباسلامهم ويؤذونهم. ### || [سورة المؤمنون (23): الآيات 111 الى 113] # إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) # (إني جزيتهم اليوم بما صبروا) أي النعيم المقيم بصبرهم على أذاكم (أنهم ~~هم الفائزون) [111] بمطلوبهم، قرئ بكسر «إن» وبفتحها «3» على أنه مفعول ~~الجزاء، ثم قرئ ms1160 «4» (قال) أي الله وهو يسألهم و«قل» أمرا لمالك أن يسألهم ~~(كم لبثتم في الأرض عدد سنين) [112] في الدنيا أو في القبر فاستقصروا مدة ~~لبثهم وشكوا فيها و(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) قرئ بالهمز وتركه قوله ~~«5» (فسئل العادين) [113] أي الملائكة المحصين أعمال الخلق وأعمارهم ونحن ~~لا نعلم عن عدد تلك السنين، لأنا مشغولون عن ذلك بما بنا من شدة العذاب، قيل: # «أنساهم ما كانوا فيه من العذاب ما بين النفختين» «6». ### || [سورة المؤمنون (23): آية 114] # قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) # (قال) أي المالك (إن لبثتم) في الدنيا أو في القبر (إلا) لبثا (قليلا) ~~لأن أيام السرور قليلة وأيام المحنة طويلة (لو أنكم كنتم تعلمون) [114] مدة ~~لبثكم لما أجبتم بهذا الجواب. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 115] # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) أي نخلقكم عابثين أو للعبث، أي لتلعبوا ~~وتكونوا كالبهائم بل لحكمة اقتضت ذلك، وهي أن تعرفونا وتعبدونا، المعنى: ~~أفحسبتم أنكم تهملون فلا تؤمرون ولا تنهون (وأنكم إلينا لا ترجعون) [115] ~~عطف على «أنما»، يعني أظننتم لا ترجعون إلينا في الآخرة فنجازيكم، قرئ بفتح ~~التاء وكسر الجيم وبضم التاء وفتح الجيم مجهولا «7». PageV03P156 ### || [سورة المؤمنون (23): آية 116] # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) # (فتعالى الله) أي تعاظم عن الخلق بالبعث (الملك الحق) أي الذي لا يزول ~~ذاته ولا ملكه، لأنه لا يخلق إلا لأمر كائن بالحق لا بالباطل (لا إله إلا ~~هو رب العرش الكريم) [116] أي السرير الذي ينزل منه الرحمة والبركة. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 117] # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا ~~يفلح الكافرون (117) # (ومن يدع) أي ومن يعبد (مع الله إلها آخر) شرط، وقوله (لا برهان له به) ~~أي بدعائه معه ذلك تأكيد ل «إلها آخر» كيطير بجناحيه، يعني صفة لازمة له، ~~لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، وقوله (فإنما حسابه عند ~~ربه) جواب «من يدع» (إنه ms1161 لا يفلح الكافرون) [117] بيان للجزاء، أي أنه لا ~~يفلح من عذابه ووضع «الكافرون» موضع الضمير، لأن «من يدع» في معنى الجمع أو ~~حسابه عند ربه عدم الفلاح. ### || [سورة المؤمنون (23): آية 118] # وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) # قوله (وقل رب اغفر وارحم) أمر للنبي عليه السلام بأن يسأل المغفرة ~~والرحمة لنفسه وللمؤمنين تعريضا للكفار، أي يا رب تجاوز عني وعن جميع من ~~آمن بي (وأنت خير الراحمين) [118] أي أنت أرحم من غيرك وإنما جمع بين ~~المغفرة والررحمة، لأنه قد يوجد مغفرة بلا رحمة كما لأصحاب الأعراف ما ~~داموا فيها. PageV03P157 ### | سورة النور # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النور (24): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) # قوله (سورة) خبر مبتدأ محذوف، أي ما أوحينا إليك سورة أو مبتدأ محذوف ~~الخبر، و(أنزلناها) صفة لها، أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها وإنما ~~اختصت بذكر السورة لارتفاعها بذكر الأحكام العظام (وفرضناها) بالتخفيف، أي ~~ألزمناكم العمل بما فيها من الفروض، وبالتشديد «1»، أي فصلنا أحكامها التي ~~فيها (وأنزلنا فيها) أي في هذه السورة (آيات) أي بالأمر والنهي (بينات) أي ~~بلغتكم (لعلكم تذكرون) [1] أي لكي تتعظوا فتؤمنوا. ### || [سورة النور (24): آية 2] # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) # (الزانية والزاني) مبتدآن، خبرهما محذوف عند سيبويه، أي فيما فرضنا عليكم ~~الزانية والزاني، أي جلدهما أو الخبر (فاجلدوا) وأدخلت فيه الفاء لكون ~~الألف واللام بمعنى الذي، وهو متضمن بمعنى الشرط، كأنه قيل من زنا فاجلدوه ~~وهو حكم من ليس بمحصن فان حكم المحصن الرجم لا يقال أنه عام يتناول المحصن ~~وغيره فيقتضي تعليق الحكم بهما جميعا، لأنا نقول الزانية والزاني يدلان على ~~معنى الجنسية وهو قائم في الكل والبعض، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه ~~كالمشترك يعني اضربوا (كل واحد منهما مائة جلدة) وقدم الزانية على الزاني ~~هنا لكونها مادة الجناية الناشئة عنها، ومائة نصب ms1162 على المصدر، والجلد ضرب ~~الجلد كقولك بطنه وظهره ورأسه، وشرائط الإحصان ست عند أبي حنيفة رحمه الله: ~~الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والنكاح الصحيح والدخول، فلا إحصان عند فقد ~~واحد منها، وعند الشافعي رحمه الله ليس الإسلام شرطا، لأن النبي عليه ~~السلام رجم يهوديين، وحجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: «من أشرك ~~بالله فليس بمحصن» «2»، وأجيب بأن المراد منه أنه ليس بمحصن باحصان الزنا ~~(ولا تأخذكم بهما رأفة) قرئ بالهمز بلا مد وبهما وبمجرد المد «3»، وهي ~~المرحمة والشفقة، أي لا يأخذكم اللين والميل في استيفاء حدود الله منهما ~~ولكن تصلبوا (في دين الله) أي في حكمه اقتداء بالنبي عليه السلام أنه قال: ~~«لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» «4»، قوله (إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر) تهييج وإلهاب للغضب لله ولدينه في الحديث: «يؤتى بوال نقص من ~~حد سوطا، فيقال «5» لم نقصت فيقول رحمة PageV03P158 # لعبادك، فيقال له أنت أرحم مني فانطلقوا به إلى النار ويؤتى بمن زاد سوطا ~~فيقال له «1» لم زدت فيقول لينتبهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار» «2»، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ~~ليلة» «3»، فيجلد الرجل مجردا قائما ليس عليه إلا إزاره جلدا وسطا لا مبرحا ~~ولا هينا مفرقا على الأعضاء كلها إلا الوجه والرأس والفرج، والمرأة تجلد ~~قاعدة ولا تنزع من ثيابها إلا الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة ~~رضي الله عنه على أن الجلد حد غير المحصن بلا تغريب، واحتج الشافعي رضي ~~الله عنه على وجوب التغريب لقوله عليه السلام: «البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام» «4»، قيل: إنه محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب «5» ~~(وليشهد) أي ليحضر (عذابهما) أي حدهما (طائفة من المؤمنين) [2] أقلهم واحد ~~أو اثنان أو أربعة أو عشرة على الاختصاص ليكون ردء للإمام إن احتاج إليهم ~~ولأنه أبلغ في الزجر وأفضح. ### || [سورة النور (24): آية 3] # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك ms1163 على المؤمنين (3) # قوله (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) نزل حين استأذن أصحاب الصفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكحوا الزواني في المدينة، وكانت لهن ~~علامات يعرفن بها، وكن أكثر أهل المدينة خيرا والمدينة غالية السعر وقد ~~أصابهم الجهد والفاقة، وقالوا إذا جاء الله بالخير نطلقهن وننكح المسلمات ~~«6»، فمنعهم الله تعالى عن ذلك بهذه الاية، ومعناها أن الزاني لا يرغب في ~~نكاح الصالحة من النساء، وإنما يرغب في فاسقة زانية من شكله أو في مشركة ~~(والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) أي وكذا لا يرغب في نكاحها الصالح من ~~الرجال وينفر عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين، ~~فمعنيا الجملتين أمران متغايران، أحدهما صفة الزاني والآخر صفة الزانية، ~~وقدم الزاني على الزانية فيها، لأن الرجل أصل في النكاح من حيث إنه هو ~~الطالب ومنه يبدأ الخطبة (وحرم ذلك) أي نكاح الزانية ورغبته فيها (على ~~المؤمنين) [3] الممدوحين عند الله لما فيه من التشبيه بالفساق وحضور مواقع ~~التهمة والغيبة، قيل: كان التحريم في أول الإسلام ثم نسخ بقوله «وأنكحوا ~~الأيامى منكم» «7»، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين «8»، عن ابن مسعود أنه ~~كان يحرمه ويقول: «إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان» «9»، وقيل: نسخه ~~الإجماع «10». ### || [سورة النور (24): آية 4] # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) # (والذين يرمون) الآية نزلت في حسان بن ثابت حين تاب مما قال في عائشة رضي ~~الله عنها «11»، أي الذين يقذفون (المحصنات) أي العفائف (ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء) يشهدون بالقذف (فاجلدوهم ثمانين جلدة) إن كان القاذف حرا، ~~وأربعين إن كان عبدا، والمراد القذف بالزنا لذكره أربعة شهود فان القذف ~~بغيره يكفي فيه شاهدان وإن كان المقذوف زانيا عزر القاذف ولم يحد إلا أن ~~يكون المقذوف مشهورا بما قذف به فلا حد ولا تعزير، ومعنى القذف بالزنا أن ~~يقول الحر البالغ لمحصنة: يا زانية أو لمحصن يا زاني يا ابن ms1164 الزاني يا ابن ~~الزانية، والقذف بغير الزنا أن يقول يا آكل الربوا يا شارب الخمر، فعليه ~~التعزير ولا يبلغ أدنى الحد، أي حد العبد وهو أربعون، بل ينقص منه، وشرط ~~إحصان القذف خمسة: الحرية والبلوغ والعقل والإسلام والعفة واجتماع PageV03P159 # الشهود في الشهادة شرط عند أبي حنيفة رحمه الله، ويجوز أن يحضروا متفرقين ~~عند الشافعي رحمه الله، ولا يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحدا منهم عنده ~~خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ويجلد القاذف كما يجلد الزاني إلا أنه لا ينزع ~~عنه من الثياب إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو والقاذفة أيضا في ~~كيفية الجلد مثل الزانية، قوله (ولا تقبلوا لهم) أي للقاذفين (شهادة أبدا) ~~عطف على قوله «فاجلدوهم»، فرد بعضهم شهادة القاذف المحدود مؤبدا وإن تاب ~~وحسنت حاله بهذه الآية لكن اسم الفسق يزول عنه إذا استأنف، قوله (وأولئك هم ~~الفاسقون) [4] أي العاصون عند ربهم. ### || [سورة النور (24): آية 5] # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) # ثم استثنى منه (إلا الذين تابوا من بعد ذلك) أي بعد القذف وحده عن القذف ~~(وأصلحوا) حالهم بالعمل الصالح فيكون المستثنى منصوبا، لأنه من كلام موجب، ~~وإن جعل الاستثناء من قوله «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا» فلا وقف على «أبدا» ~~ويكون المستثنى مجرورا بدلا من «هم» في «لهم»، فيقبل شهادة القاذف المحدود ~~إذا تاب وحسنت حاله عند جماعة، منهم الشافعي رضي الله عنه ومالك رحمه الله ~~فعندهما يتعلق رد الشهادة بنفس القذف، فاذا تاب عن القذف عاد مقبول ~~الشهادة، وعند أبي حنيفة رحمه الله يتعلق الرد باستيفاء الحد فاذا شهد قبل ~~الحد أو قبل استيفائه قبلت شهادته، وإذا استوفى لم تقبل وإن تاب وتمسك الكل ~~بالآية، فأبو حنيفة رحمه الله جعل جزاء الشرط الجلد ورد الشهادة عقيب الجلد ~~على التأبيد، فكان القاذف مردود الشهادة في مدة حيوته، وجعل قوله وأولئك ~~الآية كلاما مستأنفا غير داخل في حيز الجزاء، كأنه حكاية حال الرامين عند ~~الله و«إلا الذين» استثناء من «الفاسقين»، ويدل ms1165 عليه (فإن الله غفور رحيم) ~~[5] يغفر ذنوبهم فلا ينسبون إلى الفسق بعد الجلد ورد الشهادة عنهم، ~~والشافعي رحمه الله جعل جزاء الشرط الجملتين أيضا غير أنه صرف الأبد إلى ~~مدة كونه قاذفا، وهي تنتهي بالتوبة عن القذف وجعل الاستثناء متعلقا بالجملة ~~الثانية، وظاهر النص يدل على أن الجمل الثلاث جواب الشرط بالعطف، تقديره: ~~من قذف المحصنات فاجلدوه وردوا شهادته وفسقوه، فتكون الجملة الثالثة في ~~معنى الأمر ليصح العطف على ما قبله، واعلم أن الكافر إذا قذف، فتاب عن ~~الكفر يقبل شهادته بالإجماع، لأن المسلمين لا يعبأون بسب الكفار، لأنهم ~~شهروا بالعداوة والطعن بالباطل لأهل الإسلام فلا يلحق المقذوف عار وشين ~~بقذفهم، قيل: لا يجوز العفو عن القاذف بعد ثبوت الحد لا للإمام ولا للمقذوف ~~ولا يصلح بمال ولا يورث الحد عند أبي حنيفة رحمه الله وإذا تاب قبل ثبوته ~~قبل وسقط الحد «1»، قيل: أمثل الضرب التعزير ثم ضرب الزنا ثم ضرب شرب الخمر ~~ثم ضرب القاذف «2»، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب وإنما عوقب صيانة ~~للإعراض. ### || [سورة النور (24): آية 6] # والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) # (والذين يرمون) أي يقذفون (أزواجهم ولم يكن لهم شهداء) يشهدون بالقذف ~~(إلا أنفسهم) بالرفع صفة ل «شهداء»، أي غير أنفسهم (فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله) والباء يتعلق ب «شهادات» لا ب «شهادة» لئلا يفصل بينهما ~~بالخبر، وقرئ «أربع» «3» بالنصب بفعل مضمر، وخبر المبتدأ محمذوف، تقديره: ~~فشهادة أحدهم واجب أن يشهد أربع شهادات بالله ليدرأ عنه الحد إن لم يكن ~~الاعتراف، ومعمول «شهادات» قوله (إنه لمن الصادقين) [6] واللام في الخبر ~~يمنع فتح «إنه». PageV03P160 ### || [سورة النور (24): آية 7] # والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) # (والخامسة) أي الشهادة الخامسة (أن لعنت الله عليه) بتشديد «أن» ونصب ~~الاسم، وبتخفيفه ورفع الاسم «1»، أي أن يلعن الزوج نفسه (إن كان من ~~الكاذبين) [7] فيما قذف زوجته به من الزنا، فاذا لاعنها الزوج وجب عليها الحد. ### || [سورة النور (24): آية 8] # ويدرؤا ms1166 عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) # (ويدرؤا عنها العذاب) أي يدفع حد الزنا (أن تشهد أربع شهادات) ف «أن» مع ~~ما بعدها فاعل «يدرؤا»، وقوله (بالله) يتعلق ب «تشهد»، وقوله (إنه لمن ~~الكاذبين) [8] فيما قذفها به نصب ب «تشهد». ### || [سورة النور (24): آية 9] # والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) # (والخامسة) بالرفع وبالنصب «2»، أي الشهادة الخامسة من المرأة إن تشهد ~~(أن غضب الله عليها إن كان) الزوج (من الصادقين) [9] فيما قذفها به من ~~الزنا، وتخصيص عضب الله بالمرأة في الخامسة للتغليظ عليها، لأنها منبعة ~~الفجور، وأصله كما مر من قبل، قيل: قاذف أمرأته إذا كان مسلما حرا بالغا ~~عاقلا غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة صح اللعان بينهما إذا قذفها ~~بصريح الزنا وهو أن يقول لها يا زانية أو زنيت أو نحو ذلك ولا يصح إلا عند ~~الحاكم أو نائبه، وينبغي للحاكم أن يلقن الرجل كلمات اللعان فيقول قل أشهد ~~بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا، ويقول الزوج كما يلقنه ~~الحاكم ويقول في الخامسة على لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به ~~فلانة، وإذا أتى بكلمة منها بلا تلقين الحاكم لم يحسب، فاذا فرغ من اللعان ~~وقعت الفرقة بينهما وحرمت عليه أبدا وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف ~~ووجب عليها الرجم إن كانت محصنة، والجلد والتغريب إن لم يكن محصنة عند ~~الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة لا تقع الفرقة إلا بتفريق الإمام لا بنفس ~~اللعان ويدرأ عنها الحد إذا لاعن الزوج بأن تشهد أربع شهادات بالله أن زوجي ~~لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة وغضب الله علي إن كان من ~~الصادقين فيما رماني به ويكون ذلك بتلقين الحاكم، وإذا لاعن الزوج وامتنعت ~~الزوجة حبست حتى تلاعن أو تعترف، ومن صحت يمينه صح لعانه حرا كان أو عبدا، ~~مسلما كان أو كافرا، وعند أبي حنيفة رحمه الله لا لعان إلا بين مسلمين حرين ~~غير محدودين، ويقام ms1167 الرجل قائما حتى يشهد، والمرأة قاعدة وتقام المرأة ~~والرجل قاعد حتى تشهد والفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة رحمه ~~الله لا يتأبد حكمها فاذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحد جاز أن يتزوجها، ~~وعند الشافعي رحمه الله فرقة بغير طلاق يتأبد حكمها ليس لهما أن يجتمعا بعد ~~ذلك بوجه «3»، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في هلال بن أمية وامرأته حين ~~وجد معها رجلا «4»، وقيل: في أمية بن هلال حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ~~فلاعن بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «5». ### || [سورة النور (24): آية 10] # ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) # (ولو لا فضل الله عليكم ورحمته) أي لو لا تفضل الله ونعمته عليكم (و) لو ~~لا (أن الله تواب حكيم) [10] حكم بينكم بالملاعنة لعذبكم وهو جواب «لو لا». PageV03P161 ### || [سورة النور (24): آية 11] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) # قوله (إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم) نزل في شأن قذفة عائشة رضي الله ~~عنها بصفوان «1»، الإفك الافتراء، والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ~~وهي خبر «إن» و«منكم» صفته (لا تحسبوه) أي الإفك أيها المقذوفون (شرا لكم ~~بل هو خير لكم) بأن تثابوا (لكل امرئ منهم) أي من الآفكين وهم عبد الله بن ~~أبي وزيد بن رفاعة ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم ~~(ما اكتسب من الإثم) أي العقوبة بقدر ما شرع فيه، لأن بعضهم تكلم بالإفك ~~وبعضهم ضحك وبعضهم سكت ولم ينههم (والذي تولى كبره) أي كبر الإفك والكبر ~~بكسر الكاف وضمتها معظم الشيء «2»، أي الذي تحمل معظم الإفك (منهم) أي ~~الآفكين وهو حسان أو ابن أبي (له عذاب عظيم) [11] أما حسان فعمى بعد ذلك ~~وأما ابن أبي فمات منافقا، وكان رأس النفاق. ### || [سورة النور (24): آية 12] # لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك ms1168 ~~مبين (12) # (لو لا) أي هلا (إذ سمعتموه) أي الإفك وهو قذف عائشة رضي الله عنها ~~بصفوان ظننتم كما (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم) أي بأمهاتهم وأهل دينهم ~~(خيرا) لأنهم كنفس واحدة، يعني هلا ظننتم كظنهم وقلتم كقولهم، فيه التفات، ~~والأصل أن يقال ظننتم بأنفسكم الخطاب، وإنما عدل عنه ليبالغ في التوبيخ ~~بطريق الالتفات ويشير به إلى أن الإيمان يقتضي ذلك، فاذا سمع مؤمن أو مؤمنة ~~قالة في حق أخيه أو أخته يبني الأمر فيها على ظنه به الخير كما هو شأن ~~المومنين (وقالوا) بملء الفم (هذا) أي هذا القذف (إفك مبين) [12] أي ظاهر. ### || [سورة النور (24): آية 13] # لو لا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون (13) # ثم بين الحكم في القذف فقال (لو لا جاؤ عليه) بلفظ الماضي والمراد ~~المستقبل، أي هلا يجيئون على القذف (بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون) [13] في قولهم، يعني اطلبوا منهم أربعة ~~شهداء، فان لم يأتوا بها فأقيموا عليهم الحد على ما بيناه. ### || [سورة النور (24): آية 14] # ولو لا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) # (ولو لا فضل الله عليكم) أيها الكاذبون بالإمهال لأن تتوبوا (ورحمته) بأن ~~يترحم عليكم (في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم) أي خضتم (فيه) من حديث ~~الإفك (عذاب عظيم) [14] أي دائم في الآخرة «ولو لا» هذه هي الامتناعية، ~~والأولى بمعنى «هلا». ### || [سورة النور (24): الآيات 15 الى 16] # إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم (15) ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم (16) # قوله (إذ تلقونه) ظرف ل «أفضتم» بأو لمسكم، أي إذ يأخذ الإفك بعضكم من ~~بعض (بألسنتكم) برواية البعض عن البعض (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به ~~علم) ومعنى «بأفواهكم» مع أن القول لا يكون إلا بالفم هو أن المعلوم من ~~الشيء يكون علمه في القلب أولا، ثم يجري على ms1169 اللسان، وهذا الإفك ليس إلا قولا PageV03P162 # يجري على ألسنتكم من غير علم به في القلب (وتحسبونه) أي ذلك القول (هينا) ~~أي صغيرة (وهو عند الله عظيم) [15] كثير الوزر، أي كبيرة. # (ولو لا إذ سمعتموه قلتم) فصل بين «لو لا» و«قلتم» بالظرف اتساعا، إذ ~~الظروف تتنزل من الأشياء منزلة أنفسها، لأنها محال لها لا ينفك عنها وإنما ~~قدم الظرف للاهتمام بالتحامي عن التكلم بالإفك أول السماع (ما يكون) أي لا ~~ينبغي (لنا أن نتكلم بهذا) الإفك (سبحانك هذا بهتان عظيم) [16] فيه بيان ~~فضل عائشة رضي الله عنها، لأن الله نزهها بلفظ نزه نفسه وهو قوله «سبحانك»، ~~أي سبحان الله أن يكون زوجة النبي عليه السلام زانية. ### || [سورة النور (24): آية 17] # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) # (يعظكم الله) أيها الخائضون في أمر عائشة ينهاكم الله عنه (أن تعودوا) أي ~~كراهة أن تعودوا (لمثله) أي الخوض (أبدا إن كنتم مؤمنين) [17] بالله ~~وبرسوله وباليوم الآخر. ### || [سورة النور (24): آية 18] # ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) # (ويبين الله لكم الآيات) أي آيات الأمر والنهي (والله عليم) يعلم أحوال ~~الخلق (حكيم) [18] يحكم بينهم بالحق. ### || [سورة النور (24): آية 19] # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا ~~والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) # قوله (إن الذين يحبون) نزل في ابن أبي وأصحابه الذين يريدون «1» (أن تشيع ~~الفاحشة) أي الزنا (في الذين آمنوا) كعائشة وصفوان رضي الله عنهما (لهم ~~عذاب أليم) وهو (في الدنيا) الجلد (و) في (الآخرة) النار (والله يعلم) ~~براءة عائشة وكذب الخائضين (وأنتم لا تعلمون) [19] ذلك. ### || [سورة النور (24): آية 20] # ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) # ونزل في مسطح من المهاجرين «2» (ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ~~رؤف رحيم) [20] والجواب لعذبكم، وفي تكرير «ولو لا فضل الله عليكم» وحذف ~~الجواب زيادة مبالغة يفي المنة عليكم والتوبيخ لهم. ### || [سورة النور (24): آية 21] # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ms1170 ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) # (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) أي تزيينه في قذف عائشة ~~وصفوان وسائر المؤمنين (ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه) أي الشيطان (يأمر ~~بالفحشاء) أي بالقبيح بالإفراط (والمنكر) وهو ما لا يعرف شرعا وتنفر عنه ~~النفوس، قوله «فإنه» أقيم مقام الجواب، أي وقع في الفحشاء والمنكر، لأن ~~الشيطان يأمر بهما (ولو لا فضل الله عليكم) أيها المؤمنون (ورحمته) بكم في ~~الدارين (ما زكى) أي ما طهر من دنس إثم الإفك (منكم من أحد أبدا) و«من» ~~زائدة و«أحد» فاعل «زكى» (ولكن الله يزكي) أي يطهر التائبين بقبول توبتهم ~~إذا أخلصوها (من يشاء والله سميع) لقولهم (عليم) [21] بضمائرهم. PageV03P163 ### || [سورة النور (24): آية 22] # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم (22) # قوله (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) نزل في أبي بكر رضي الله عنه حين حلف ~~أن يقطع نفقته عن مسطح ابن خالته لخوضه في عائشة، وكان فقيرا بدريا مهاجرا ~~ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه «1»، من الائتلاء وهو الحلف، أي لا يحلف ~~أولوا الفضل منكم (والسعة) في المال (أن يؤتوا) أي على أن لا يعطوا «2» ~~ويحسنوا إلى المستحقين للإحسان لجناية اقترفوها، ومفعول «يؤتوا» (أولي ~~القربى) أي ذوي القربى (والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا) أي ~~ليتجاوزوا عن خطئهم (وليصفحوا) أي ليعرضوا عن ذنوبهم، فالمعنى: لا يحلفوا ~~على أن لا يحسنوا إليهم ولا يقصروا فيه فليعودوا عليهم بالعفو والصفح (ألا ~~تحبون أن يغفر الله لكم) إذا عفوتم فقال أبو بكر رضي الله عنه: «بلى أحب أن ~~يغفر الله لي ورد إلي مسطح نفقته» «3» (والله غفور رحيم) [22] أي يغفر ذنوب ~~المؤمنين ويرحمهم. ### || [سورة النور (24): آية 23] # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم ~~عذاب عظيم (23) # قوله (إن الذين ms1171 يرمون المحصنات) نزل في شأن قذف ابن أبي عائشة رضي الله ~~عنها «4»، وإنما قال بالجمع لأنها أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من ~~نساء الأمة الموصوفات بالإحسان أو لأن من قذف واحدة من نساء النبي عليه ~~السلام فكأنه قذف جميعها، أي إن الذين يقذفون المحصنات وهي العفائف عن ~~الفواحش (الغافلات) عن الاهتمام بالفحشاء (المؤمنات) أي السليمات القلوب ~~التي ليس فيهن مكر النساء وحيلهن (لعنوا في الدنيا والآخرة) أي جعل القذفة ~~ملعونين في الدارين جميعا (ولهم عذاب عظيم) [23] أي دائم في الآخرة أو ليس ~~لهم توبة، فالمراد من «المحصنات» زوجات النبي عليه السلام، أن من قذف مؤمنة ~~غيرهم فقد جعل الله له توبة. ### || [سورة النور (24): آية 24] # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) # (يوم) أي اذكر يوم (تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون) [24] من الإفك والزنا وغيرهما. ### || [سورة النور (24): آية 25] # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) # قوله (يومئذ) نصب بقوله (يوفيهم) أي يوفرهم (الله دينهم الحق) بالنصب صفة ~~الدين، وبالرفع صفة «الله» «5»، يعني يتمم جزاءهم الواجب الذي يجازون على ~~أعدل الجزاء يوم القيامة (ويعلمون أن الله هو الحق المبين) [25] أي لا ~~يشكون في أنه هو العادل الظاهر لا ظلم في حكمه ومن هذا وصفه فحق مثله أن ~~يتقي ويجتنب محارمه. ### || [سورة النور (24): آية 26] # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) # (الخبيثات) أي الأعمال الخبيثات تعد (للخبيثين) من الناس (والخبيثون) ~~منهم (للخبيثات و) كذا تعد PageV03P164 # (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) وإنما كررت الصيغتان لقصد التأكيد ~~والإيذان بأن كل واحد من أفرادهما لا يصلح إلا لصاحبه، ويجوز أن يراد ب ~~«الخبيثات» و«الطيبات» النساء، أي الزناة يتزوجن «1» الزواني وبالعكس، ~~وكذلك أهل الطيب، أي العفائف للعفيفين وبالعكس (أولئك) أي الطيبون والطيبات ~~أو عائشة وصفوان، لأن أقل الجمع اثنان (مبرؤن) أي منزهون (مما يقولون) أي ~~الخبيثون والخبيثات فيهم من القذف (لهم) أي للطيبين والطيبات (مغفرة) من ~~ذنوبهم لأجل الافتراء ms1172 عليهم (ورزق كريم) [26] أي الجنة. ### || [سورة النور (24): آية 27] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) # ثم قال الله تعالى تعليما للأدب ودفعا للتهمة عن أهل الإيمان (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم) أي لا تدخلوا غير بيوتكم (حتى ~~تستأنسوا) ف «حتى» غاية لنهي الدخول، أي حتى تستأذنوا من الاستئناس الذي هو ~~الاستعلام، ويجوز أن يكون من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش، لأن من يطرق ~~باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فاذا ~~أذن له استأنس، وعن النبي عليه السلام في معنى الاستئناس حين سئل عنه فقال: ~~«هو أن يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت» ~~«2» (وتسلموا على أهلها) والتسليم أن يقول: السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات، ~~فان أذن له وإلا رجع (ذلكم) أي الاستئذان والتسليم (خير لكم) من تركه ومن ~~تحية الجاهلية وهي حييتم صباحا وحييتم مساء ومن دخول البيت بلا إذن، لأنه ~~إذا دخل بلا إذن فربما صادف الرجل مع امرأته في ثوب واحد، فنهوا عن ذلك ~~بهذه الآية، قال بعضهم: إن رأى إنسانا قدم التسليم وإن لم يره قدم ~~الاستئذان ثم يسلم، روي: «أن رجلا قال يا رسول الله أأستأذن على أمي؟ قال: ~~نعم، فقال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها؟ قال: أتحب أن تراها عريانة، ~~قال: لا، قال: فاستأذن» «3» (لعلكم تذكرون) [27] أي تتعظون. ### || [سورة النور (24): آية 28] # فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) # (فإن لم تجدوا فيها) أي في البيوت (أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) في ~~الدخول (وإن قيل لكم) عند الاستئذان للدخول (ارجعوا فارجعوا) ولا تلحوا في ~~الدخول (هو) أي الرجوع (أزكى لكم) أي أطهر لقلوبكم من الريبة والدخول بغير ~~إذن، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين، لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في ~~قلوب الناس، وإذا ms1173 نهي عن ذلك لأدائه إلى الكراهية وجب الانتهاء عن مقدماته ~~من قرع الباب بعنف والتصييح لصاحب الدار وغير ذلك من العادات مما يستكره ~~عندهم، فان عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره ~~جاز الدخول بغير إذن، لأنه مستثنى بالدليل (والله بما تعملون عليم) [28] من ~~خير وشر. ### || [سورة النور (24): آية 29] # ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون (29) # ونزل في الخانات والبيوت على ظهر طريق لا يناكر فيها قوله «4» (ليس عليكم ~~جناح أن تدخلوا بيوتا غير PageV03P165 # مسكونة فيها متاع) أي منفعة (لكم) كالاستكنان من الحر والبرد وحفظ ~~الأمتعة (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) [29] أي ما تظهرون وما تسرون. ### || [سورة النور (24): الآيات 30 الى 31] # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) # (قل للمؤمنين يغضوا) أي يكفوا (من أبصارهم) «من» تبعيض، لأن المراد المنع ~~من النظر إلى ما لا يحل، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إليها، وكذلك ~~الجواري المستعرضات (ويحفظوا فروجهم) عن الزنا ولم يدخل فيه من، لأن أمر ~~الفرج مضيق، إذ لا رخصة للزنا فيه بوجه ما بخلاف أمر النظر، فانه أوسع ~~لجواز النظر إلى صدور المحارم وأيديها وأقدامها، كذا الجواري الأخبية، ~~ويجوز أن يراد من حفظ الفرج سترها عن النظر إليها (ذلك) أي غض البصر وحفظ ~~الفرج (أزكى لهم) أي أطهر لقلوبهم (إن الله خبير بما ms1174 يصنعون [30] وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) عن النظر إلى الحرام (ويحفظن فروجهن) عن الزنا، ~~وقدم «غض البصر» عليه، لأن النظر يريد الزنا (ولا يبدين زينتهن) أي لا ~~يظهرن الأشياء التي من الزينة المستترة كالسوار والخلخال والقلادة لمن لا ~~يحل له النظر إليها ونهيه عن كشف الزينة تحريض على الحفظ التام لمواضع ~~الزينة (إلا ما ظهر منها) أي من الزينة التي لا تستر غالبا كالثياب والخاتم ~~والكحل والخضاب، فانه لا بأس باظهاره للإجابة لما في النهي عن النظر إليها ~~حرج (وليضربن بخمرهن) جمع خمار وهو ما يستر به كمقنعة ونقاب (على جيوبهن) ~~أي صدورهن (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) أي أزواجهن (أو آبائهن أو آباء ~~بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني ~~أخواتهن) فيجوز النظر لهؤلاء كلهم من النسب والرضاع إلى الزينة الباطنة ولا ~~ينظرون إلى ما بين السرة والركبة إلا الزوج، ويكره له النظر إلى ذات الفرج، ~~قيل: ولم يذكر الأعمام والأخوال لئلا يصفها العم عند ابنه وكذا الخال «1» ~~(أو نسائهن) أي نساء دينهن، يعني لا يبدين زينتهن إلا للنساء الحرائر ~~والإماء المسلمات، فيجوز نظر المسلمة إلى المسلمة سوى ما بين السرة ~~والركبة، ولا يجوز للمسلمة أن تنكشف للكافرة، لأنها ليست من نسائهن «2»، ~~ويجوز كشف بدنها إلى أمة مشركة لها (أو ما) أي إلا الذي (ملكت أيمانهن) من ~~العبيد إذا كان عفيفا، فيجوز له النظر إلى بدن مولاته سوى ما بين السرة ~~والركبة لظاهر الآية، وقيل: المراد من الآية الصغار منهم «3»، وقيل: الإماء ~~دون العبيد فحولا كانوا أو غيرهم «4» (أو التابعين) أي إلا للتابعين للخدمة ~~(غير أولي الإربة من الرجال) بالنصب استثناء من «التابعين» وهم الذين ~~يتبعونكم لأجل طعامكم أو حال، وبالجر «5» صفة «التابعين» أو بدل منه، ~~والإرب والإربة الحاجة، والمراد من «غير أولي الإربة» غير ذوي الحاجة إلى ~~النساء بأن لا يطيق غشيانهن ولا يشتهيهن ولا يشتهينه، لأنهم بله لا يعرفون ~~شيئا من أمرهن أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهن أو ms1175 يكون PageV03P166 # بهم غنة (أو الطفل) أي الأطفال (الذين لم يظهروا) أي لم يطلعوا (على ~~عورات النساء) أي لا يعرفون ما العورة كما يعرفها البالغ، قوله (ولا يضربن ~~بأرجلهن) نزل نهيا عن الإعلام بالخلخال إذا كانت المرأة تضرب إحدى رجليها ~~بالأخرى «1» (ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي ليعرف أنها ذات خلخالين، قوله ~~(وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) [31] وصية لجميع ~~المؤمنين بالتوبة ورجاء الفلاح بعدها من كل ما وقع التقصير منهم في الأمر ~~والنهي باعتبار ضعف قدرة العبد على رعاية الأمر والنهي، إذ لا يخلو عن ~~تقصير ما، قرئ بضم الهاء وفتحها «2». ### || [سورة النور (24): آية 32] # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) # (وأنكحوا الأيامى منكم) أي زوجوا من لا زوج له من الرجال والنساء بكرا ~~كان أو ثيبا، جمع أيم وأصلها أيائم فقلبت قلبا مكانيا فصار أيامى، وهو أمر ~~ندب لقوله عليه السلام: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي» «3»، وهي النكاح وعنه ~~عليه السلام: «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة ~~والعزلة والترهب على رؤوس الجبال» «4»، روي عن الشافعي أن التخلي للعبادة ~~أفضل، وعند أبي حنيفة رحمه الله النكاح أفضل (و) انكحوا (الصالحين من ~~عبادكم وإمائكم) أي ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وهو القيام ~~بحقوق النكاح وإنما خص «الصالحين» بالإنكاح ليحصن دينهم به ويحفظ عليهم ~~صلاحهم (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) أي من رزقه، وفيه دليل على أن ~~للعبد ملكا، عن النبي عليه السلام: «التمسوا الرزق بالنكاح» «5» (والله ~~واسع) أي غني ذو سعة (عليم [32] يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ### || [سورة النور (24): آية 33] # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ~~الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) # (وليستعفف) أي ms1176 ليطلب العفة عن الزنا (الذين لا يجدون نكاحا) أي قدرة ~~النكاح أو سبب النكاح من مهر ونفقة (حتى يغنيهم الله من فضله) أي حتى يوسع ~~عليهم من رزقه وهو وعد وترجية للمستعفين ليكون انتظاره ربطا على قلوبهم ~~ولطفا لهم في استعفافهم إلى أن يرزقوا الوسعة فيه (والذين يبتغون) أي ~~يطلبون (الكتاب) أي المكاتبة (مما ملكت أيمانكم) وهو أن يقول الرجل لمملوكه ~~كاتبتك على كذا درهما تؤدي ذلك في نجمين أو أكثر مؤجلا، ولا يجيزه الشافعي ~~رحمه الله حالا ولا على نجم واحد، وجوزه أبو حنيفة رحمه الله حالا ومؤجلا ~~منجما وغير منجم، وإذا أديت إلى ذلك فأنت حر، ويقبله العبد فاذا أداه عتق ~~وملك كسبه ويتبعه أولاده الحاصلة في حال الكتابة في العتق وولاؤه لمولاه، ~~فان عجز عن الأداء فلمولاه فسخ الكتابة PageV03P167 # ورده إلى الرق، قوله (فكاتبوهم) أمر ندب عند الأكثرين (إن علمتم فيهم ~~خيرا) أي صدقا وأداء أمانة، قوله (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) أمر ~~للمؤمنين على وجه الندب، وقيل: على وجه الوجوب باعانة المكاتبين «1»، وقيل: ~~هو إيجاب على الموالي أن يحطوا لهم عن مال الكتابة، وإن لم يفعلوا أجبروا ~~عليه، وهو مذهب الشافعي رحمه الله «2»، وعن علي رضي الله عنه: «يحط له ~~الربع» «3»، وعن ابن عباس رضي الله عنه: # «يرضخ له من كتابته شيئا» «4» (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) أي ~~جواريكم على الزنا (إن أردن) أي إذا طلبن (تحصنا) أي امتناعا عن الزنا، ~~وإنما فسر «إن» ب «إذا» لأن إكراههن على الزنا، لا يجوز إن لم يردن التحصن، ~~وإنما أورد «إن» موقع إذا ليؤذن أن الجواري الزانية كن يفلعن ذلك بطوع ~~ورغبة غالبا، وقيل: هو شرط مقحم ليحصل المبالغة في النهي عن الإكراه، لأن ~~الإكراه لا يتأتي إلا مع إرادة التحصن، إذ آمر الطيعة للبغاء لا يسمى مكرها ~~ولا آمره إكراها «5»، ويختار بعضهم الوقف على «البغاء» ويبتدئ بالشرط ~~بتقدير الجواب وهو «إن أردن تحصنا» في الدين، وقيل: الشرط يتعلق بقوله ~~«وأنكحوا الأيامى» «6»، واللام في (لتبتغوا عرض الحياة ms1177 الدنيا) يتعلق بقوله ~~«لا تكرهوا»، أي لا تجبروهن على الزنا لتطلبوا أموالها بكسبهن وبيع أولادهن ~~(ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) [33] لهن ولهم إن تابوا ~~وأصلحوا، قيل: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنا غير ~~آثمة، أجيب بأن المغفرة هنا بيان عدم الإثم لهن بالإكراه، وأما الرجل فلا ~~يحل له الزنا بالإكراه عليه، لأن الفعل من جهته ولا يتأتى إلا برغبة منه ~~فكان كالقتل بغير حق لا يبيحه الإكراه بحال «7». ### || [سورة النور (24): آية 34] # ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة ~~للمتقين (34) # (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) أي موضحات الحلال والحرام أو مفصلات ~~بهما من الأحكام والحدود، قرئ بالكسر والفتح في جميع القرآن «8» (ومثلا) أي ~~أنزلنا مثلا (من) أمثال (الذين خلوا) أي مضوا (من قبلكم) يعني قصة عجيبة من ~~قصصهم كقصة يوسف ومريم فقصة عائشة منها (وموعظة للمتقين) [34] أي وأنزلنا ~~ما وعظ به المتقون من الآيات نحو «ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله» «9»، ~~وقوله «لو لا إذ سمعتموه» «10» الآيتين. ### || [سورة النور (24): آية 35] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) # (الله نور السماوات والأرض) أي الله ناشر الحق فيهما وهو كالنور في بيانه ~~وظهوره أو هو منورهما بنور الشمس ونور القمر أو الله هادي من فيهما بنوره ~~(مثل نوره) أي صفة نور الله الحق في الإضاءة في قلب النبي أو المؤمن ~~(كمشكاة) أي كصفة مشكوة، وهي االكوة في الجدار غير النافذة (فيها مصباح) أي ~~سراج ثاقب (المصباح في زجاجة) أي في قنديل من زجاج، لأن الضوء في الزجاج ~~أظهر، ثم شبهه بالكوكب في PageV03P168 # زهرته فقال (الزجاجة كأنها كوكب دري) بضم الدال بلا همز ومع همز، وبكسر ~~الدال مع همز ms1178 «1»، وهو من الكواكب الدراري وهي الكواكب المشهورة كالمشتري ~~والزهرة والمريخ، ونسب الكوكب إلى الدر بالضم لفرط ضيائه، أي أبيض متلألئ، ~~فوزنه فعلى، وهو مع المد والهمز من الدرء وهو الدفع، لأن الكوكب يدفع ~~الظلمة بضيائه، فوزنه فعيل، وكذلك مع كسر الدال فيهما (يوقد) أي الزجاجة أو ~~المصباح إذا قرئ بالتاء أو الياء مخففا مجهولا، وقرئ بفتح التاء والقاف ~~مشددا مع ضم الدال «2»، أصله تتوقد معلوما بلفظ التأنيث، أي تتوقد الزوجاجة ~~(من شجرة) أي من زيت شجرة (مباركة) كثيرة الخير والنفع، لأن زيتها إدام ~~وفاكهة ومصحة للباسور وهي الدمل في المقعد وحواليه، قوله (زيتونة) بدل من ~~«شجرة» متصفة بقوله (لا شرقية ولا غربية) لأنها بين الشجر لا يصيبها الشمس ~~فهي ناعمة غضة أو هي في خط الاستواء بين المشرق والمغرب، فلا يوصف بأحد ~~منهما فلا يصل لها حر ولا برد مضرين، قوله (يكاد زيتها) صفة ل «زيتونة»، أي ~~يقرب زيتها لصفائه (يضيء ولو لم تمسسه نار) فكأنه لفرط ضيائه (نور على نور) ~~أي نور المصباح على نور الزجاجة، يعني هو نور متضاعف تناصر فيه المشكوة ~~والمصباح والزجاجة والزيت، لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع للضوء ~~بخلاف الواسع، لأنه ينتشر فيه والقنديل أعون على زيادة الإنارة، وكذا الزيت ~~بصفائه وتلألئه. # وهذا تمثيل للحق مع النبي عليه السلام الذي هو ضد الباطل، شبهه بالنور في ~~ظهوره وبيانه كقوله «الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور» ~~«3»، فالمشكوة صدر النبي عليه السلام والزجاجة قلبه والمصباح نور النبوة ~~فيه، ومن شجرة مباركة شجرة النبوة يكاد زيتها يضيء، أي يكاد أمر النبي عليه ~~السلام يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم بالحق كما يكاد ذلك الزيت، يضيء ~~ولو لم تمسسه نار أو هو تمثيل لنور المعرفة في قلب المؤمن المخلص، فالمشكوة ~~صدره والزجاجة قلبه والمصباح نور المعرفة والشجرة المباركة كلمة الإخلاص ~~الثابتة فيه التي ليس بقدرية ولا جبرية، وقيل: تمثيل للقرآن، فالمصباح ~~القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكوة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة ms1179 ~~الوحي يكاد زيتها يضيء، أي حجة القرآن تظهر وإن لم يقرأ نور على نور، أي ~~نور من الله على خلقه مع ما أتاهم من الدلائل قبل نزول القرآن فبذلك ~~ازدادوا نورا «4» (يهدي الله لنوره) أي لهذا النور الثاقب (من يشاء) من ~~عباده، أي يوفقه لإصابة الحق بنور البصيرة (ويضرب الله) أي يبين (الأمثال ~~للناس) منة عليهم ليفهموا فيؤمنوا، لأن المثل كالمرآة يظهر عنده الحق ~~(والله بكل شيء عليم) [35] أي لا يخفى عليه شيء ما من ضرب الأمثال وغيره. ### || [سورة النور (24): الآيات 36 الى 38] # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ~~(36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) # (في بيوت) يتعلق بمحذوف، أي سبحوا فيها أو يتعلق ب «يسبح» بعده أو بما ~~قبله من قوله «يوقد»، أي مثل نوره كما يرى يتوقد في بيوت هي المساجد من نور ~~القناديل أو ب «كمشكاة» أو ب «المصباح»، أي كمشكوة في بيوت أو المصباح في ~~بيوت (أذن الله أن ترفع) أي تعظم أو تبنى والمراد بال «أذن» الأمر (ويذكر ~~فيها اسمه) وهو PageV03P169 # عام في كل ذكر، وقيل: «يتلى فيها كتابه» «1»، وقيل: يوحد فيها ذاته تعالى ~~«2»، قيل: هي المساجد كلها لقول ابن عباس رضي الله عنه: «المساجد بيوت الله ~~في الأرض يضيء لأهل السماء كما يضيء النجوم لأهل الأرض» «3»، وقيل: «هي ~~أربعة، مكة بناها إبراهيم، والمقدس بناه سليمان وداود، ومسجد المدينة ومسجد ~~قباء بناهما نبينا محمد عليه وعليهم الصلوة والسلام أجمعين» «4» (يسبح له ~~فيها بالغدو والآصال) [36] على البناء للمفعول وله القائم مقام الفاعل، ~~و(رجال) مرفوع بما دل عليه المجهول وهو «يسبح» المعلوم، وقرئ «يسبح» معلوما ~~«5» و«رجال» فاعله، و«الآصال» جمع أصل وهو العشي، أي يسبحه بالبكر ~~والعشايا، وقيل: التسبيح هنا الصلوات المفروضة «6»، فالمراد ب «الغدو» ~~الصبح وب «الآصال» الظهر والعصر والعشاءان (لا تلهيهم ms1180 تجارة) أي بيع وشراء ~~كما هو وصف التاجر الرابح أو التجارة الشراء لقوله (ولا بيع) بعده، يعني لا ~~يشتغلون بشيء (عن ذكر الله) حقيقة أو عن الصلوة المكتوبة (و) لا عن (إقام ~~الصلاة) لوقتها (و) لا عن (إيتاء) أي إعطاء (الزكاة) لمستحقها عند وجوبها ~~(يخافون يوما) وهو يوم القيامة (تتقلب فيه القلوب والأبصار) [37] أي تنتقل ~~عن أماكنها لهول ذلك اليوم (ليجزيهم) يتعلق ب «يسبح» أو ب «يخافون»، ~~المعنى: كان تسبيحهم أو خوفهم ليثيبهم (الله أحسن ما عملوا) أي أحسن الثواب ~~(ويزيدهم من فضله) على الثواب وهو العطاء الخاص لا لعمل (والله يرزق من ~~يشاء) ما يتفضل به (بغير حساب [38] وأما الثواب فله حساب لكونه على حسب ~~الاستحقاق. ### || [سورة النور (24): آية 39] # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) # (والذين كفروا أعمالهم كسراب) وهو ما يخيل للإنسان من بعيد أنه ماء جار ~~(بقيعة) وهي المنبسطة من الأرض (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه) أي السراب ~~(لم يجده شيئا) أي ماء فيزداد عطشه فكذا الكافر يحسب أن عمله ينفعه يوم ~~البعث فيغلبه الرجاء إليه، فاذا جاءه لم يجد ما رجاه فيزداد انقطاعه (ووجد ~~الله) أي قدرته (عنده) أي عند السراب (فوفاه حسابه) أي جزاء كفره فيأخذه ~~الزبانية فيلقونه في النار، شبه الأعمال الصالحة التي يحسبها الكافر تنفعه ~~عند الله وتنجيه من عذابه بسراب يراه العاطش بالمفازة فيحسبه ماء فيأتيه ~~فلا يجده، فغلبه العطش ولم ينفعه سعيه إليه (والله سريع الحساب) [39] أي ~~إنه تعالى قادر إذا حاسب، فحسابه سريع لا يحتاج إلى كتب يد ولا حفظ صدر، ~~قيل: إذا حاسب الخلق يوم القيامة يحاسبهم جميعا دفعة فيظن كل واحد أنه ~~يحاسبه خاصة «7». ### || [سورة النور (24): آية 40] # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) # ثم ms1181 ضرب للكافر مثلا آخر بقوله (أو كظلمات) أي أو أعمال الكفار مشبهة ~~بأعمال أصحاب الظلمات (في بحر لجي) أي عميق، واللج معظم الماء، والياء ~~للنسبة (يغشاه) أي يعلو بالبحر (موج من فوقه موج) آخر يركب بعضه بعضا ~~لكثرته (من فوقه) أي من فوق الموج (سحاب ظلمات) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي ~~هي ظلمات «8» (بعضها فوق بعض) أي ظلمة الموج على ظلمة البحر وظلمة الموج ~~على الموج وظلمة السحاب على الموج، فشبهت أعمال الكفار واغترارهم بها بسراب ~~يغتر به من طلبه، ثم شبهت ثانيا في ظلماتها PageV03P170 # وسوادها لكونها باطلة خالية عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر ~~والأمواج والسحاب، وشبه قلب الكافر بالبحر وما يغشى قلبه من الشرك بالموج ~~والختم على قلبه بالسحاب، وقرئ «ظلمات» بالجر «1» بدل من «كظلمات»، أو ~~لإضافة «سحاب» إليها إذا لم ينون (إذا أخرج) الرجل من البحر (يده لم يكد ~~يراها) فيه مبالغة حيث لم يقل لم يرها، أي لم يقارب أن يراها فضلا عن أن ~~يراها، لأن «كاد» بمعنى قرب هنا، وإذا نفي القرب كان هو لنفي الرؤية أنفى، ~~وقيل: «كاد» بمعنى النفي وإذا دخل عليه نفي وقع الفعل، لأن نفي النفي ~~إيجاب، وإذا لم يدخل لم يقع، وهذا هو المشهور، فحينئذ يجوز أن يراها بعد ~~بطؤ لشدة الظلمة «2» (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) [40] أي من ~~لم يهده الله إيمانا في الدنيا لم يهتد في الآخرة إلى الجنة، وقيل: من لم ~~يعطه نور توفيقه فهو في ظلمة الباطل، هذا من باب الكناية عن الأول، لأن ~~إعطاء نور التوفيق من لوازم الإيمان والعمل الصالح «3»، قيل: نزلت في عتبة ~~بن ربيعة كان يطلب الدين ويتعبد ويلبس المسوح فلما جاءه الإسلام كفر «4». ### || [سورة النور (24): الآيات 41 الى 43] # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف ms1182 بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) # (ألم تر أن الله يسبح له) تسبيحا حقيقة يعلمه الله تعالى (من في السماوات ~~والأرض والطير) بالرفع عطف على «من» قوله (صافات) حال من الطير، أي باسطات ~~أجنحتهن في الهواء يصففن بها وهو تسبيحها عند البعض (كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه) أي كل من المسبحين والمصلين علم عبادته، ويجوز أن يكون الضمير في ~~«علم» و«صلاته» و«تسبيحه» لله تعالى، ويجوز أن يراد بالصلوة الدعاء ولا ~~يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمه سائر مصالحه (والله عليم ~~بما يفعلون [41] ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير) [42] أي ~~المرجع في الآخرة (ألم تر) أي ألم تعلم بطريق الوحي (أن الله يزجي) أي يسوق ~~(سحابا) أي غيما (ثم يؤلف) أي يضم (بينه) أي بين أجزاء الغيم فيصل بعضه إلى ~~بعض «5» (ثم يجعله ركاما) أي متراكما بعضه فوق بعض (فترى الودق) أي المطر ~~(يخرج من خلاله) أي من فتوقه ومخارجه، جمع خلل كجبال في جبل (وينزل من ~~السماء من جبال فيها من برد) «من» الأولى ابتداء والثانية تبعيض والثالثة ~~بيان أو زائدة بمعنى ينزل البرد من السحاب من جبال فيها، فعلى هذا مفعول ~~«ينزل من برد»، وعلى تقدير عدم الزيادة مفعول «ينزل من جبال»، فيجوز أن ~~يكون في السماء جبال برد كما في الأرض جبال حجر أو يكون الثانية زائدة ~~والهاء في «فيها» للأرض، و«في» بمعنى على، لأن الإنزال على الأرض غالبا، ~~فيكون تقديره: ينزل من السماء بردا كالجبال على الأرض فبذكر الجبال يريد ~~كثرة البرد كما يقال فلان يملك جبالا من ذهب، وقد يراد السحاب من السماء ~~(فيصيب به) أي فيهلك بالبرد (من يشاء) من عباده إذا كان في مفازة كاهلاك ~~ماله من الزرع وغيره (ويصرفه عمن يشاء) فلا يضره (يكاد سنا برقه) أي ضوءه ~~(يذهب بالأبصار) [43] أي يختطفها من شدة نوره. ms1183 ### || [سورة النور (24): آية 44] # يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # (يقلب الله الليل والنهار) أي يذهب بأحدهما ويجيء بالآخر أو ينقص من ~~أحدهما ويزيد في الآخر (إن PageV03P171 # في ذلك) أي في التقليب (لعبرة لأولي الأبصار) [44] أي لأصحاب العقول. ### || [سورة النور (24): آية 45] # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45) # (والله خلق كل دابة) وقرئ «خالق كل دابة» بالإضافة «1»، أي الله خلق كل ~~ذي روح سوى الملك والجن (من ماء) مختص بها وهو النطفة وهي تعم العقلاء ~~وغيرهم، لكنه غلب العقلاء فكأن الدواب كلهم مميزون، فلذلك جاء ب «من» ~~للعقلاء في قوله (فمنهم من يمشي على بطنه) كالحيات ويسمى الزحف على البطن ~~مشيا للاتساع، لأنه يقوم مقام المشي أو للمشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين ~~(ومنهم من يمشي على رجلين) كالأناسي والطير (ومنهم من يمشي على أربع) ~~كالبهائم ولم يذكر الماشي على أكثر منها، لأنه كالماشي على أربع في رأي ~~العين أو هو يمشي على أربع منها في الحقيقة، وقدم من هذه الأجناس الثلاثة ~~ما هو أعرف في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي، ثم الماشي على رجلين ثم ~~الماشي على أربع، وفي خلقه من الماء تعجيب للناس وإظهار لقدرته بالباهرة ~~ليعرفوه ويوحدوه، لأن الخلق من الماء أعجب من كل فعل بينهم لشدة طوعه ~~للفاعل، ثم قال (يخلق الله ما يشاء) من ألوان الخلق (إن الله على كل شيء ~~قدير) [45] فهو المستحق للعبادة والإطاعة له. ### || [سورة النور (24): آية 46] # لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) # (لقد أنزلنا آيات مبينات) أي يبين للناس دينهم (والله يهدي) أي يرشد (من ~~يشاء) أي من كان أهلا لدينه (إلى صراط مستقيم) [46] أي إلى دين الإسلام. ### || [سورة النور (24): آية 47] # ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) # قوله (ويقولون آمنا ms1184 بالله وبالرسول وأطعنا) أمر الرسول (ثم يتولى) أي ~~يعرض عن طاعتهما (فريق منهم من بعد ذلك) أي بعد قولهم آمنا بالله وبالرسول، ~~نزل في بشر المنافق ويهودي كان بينهما حكومة في أرض، فطلب بشر الحكومة إلى ~~كعب ابن الأشرف وطلب اليهودي إلى النبي عليه السلام، فقال بشر: أن محمدا ~~يحيف علينا «2» (وما أولئك بالمؤمنين) [47] حقيقة بدليل الإعراض عن حكمه. ### || [سورة النور (24): آية 48] # وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) # (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) أي إلى حكمهما (ليحكم بينهم) بالقرآن (إذا ~~فريق) أي طائفة (منهم معرضون) [48] عن الاتيان خوفا أن يحكم عليهم. ### || [سورة النور (24): آية 49] # وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) # (وإن يكن لهم الحق) أي إن يعلموا أن الحكم لهم (يأتوا إليه مذعنين) [49] ~~أي منقادين بسرعة، والإذعان الإسراع بالطاعة. ### || [سورة النور (24): آية 50] # أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك ~~هم الظالمون (50) # (أفي قلوبهم مرض) أي كفر (أم ارتابوا) أي شكوا في نبوته، يعني هم كذلك ~~فالاستفهام للتقرير (أم يخافون) أي بل يخافون (أن يحيف) أي يجور (الله ~~عليهم ورسوله) في الحكم، ثم أبطل ذلك بقوله (بل أولئك هم الظالمون) [50] ~~باعراضهم عن الحق وطلبهم ما ليس لهم لا النبي عليه السلام. PageV03P172 ### || [سورة النور (24): آية 51] # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) # (إنما كان قول المؤمنين) بنصب «قول» خبر «كان» (إذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم) واسمها (أن يقولوا) وقرئ برفع «قول» اسم «كان» و«أن يقولوا» ~~خبرها «1»، أي إنما كان قولهم وقت دعائهم إلى الله ورسوله أن يقولوا ~~(سمعنا) قولك (وأطعنا) أمرك (وأولئك) أي القائلون هذا القول (هم المفلحون) [51]. ### || [سورة النور (24): آية 52] # ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52) # قوله (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه) بكسر الهاء وسكون القاف ~~تخفيف تشبيها لتقه بكتف، وبكسر القاف والهاء مع وصل يائها وبغير وصلها ~~بسكون ms1185 الهاء شرط «2»، أي ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش الله ~~على ما اقترف من الذنوب ويتقه فيما يستقبل جزاؤه (فأولئك هم الفائزون) [52] ~~أي الذين فازوا بالجنة لجمعهم أسباب الفوز. ### || [سورة النور (24): آية 53] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة ~~إن الله خبير بما تعملون (53) # (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) نصب على الحال، أي جاهدين أيمانهم وهو أن ~~يقسم الرجل بالله، قال ابن عباس رضه الله عنه: «من قال أقسم بالله فقد جهد ~~يمينه» «3»، المعنى: أقسم اليهود بالله (لئن أمرتهم) يا محمد بالخروج إلى ~~الغزو أو من أموالهم (ليخرجن) فلم يصدقوا فأنت (قل) لهم (لا تقسموا) بالله ~~بأفواهكم وقلوبكم على خلافها «4» ما أمرتم به (طاعة معروفة) شرعا بنية ~~خالصة أو طاعة معروفة بنية خالصة خير لكم من قسمكم باللسان لعدم صدقكم في ~~القسم، ف «طاعة» خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر (إن الله خبير) أي ~~عالم بما في ضمائركم و(بما تعملون) [53] في الظاهر فيجازيكم به. ### || [سورة النور (24): آية 54] # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما ~~حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) # (قل أطيعوا الله) في الفرائض (وأطيعوا الرسول) في السنن، ثم قال تعالى ~~«5» (فإن تولوا) أي تتولوا خطاب ملتفت من الغيبة لقصد المبالغة في التبكيت ~~على معنى فان تعرضوا عن طاعة الرسول فما ضررتموه بل ضررتم أنفسكم (فإنما ~~عليه ما حمل) أي ما كلفه الله من أداء الرسالة وقد أداه (وعليكم ما حملتم) ~~أي ما كلفكم من الطاعة والقبول (وإن تطيعوه) أي الرسول (تهتدوا) أي تحرزوا ~~نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهداية، وإن لم تطيعوه فقد عرضتم نفوسكم ~~لسخط الله وعذابه، فالنفع والضر لكم (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) ~~[54] أي التبليغ الظاهر بالحجة، ووصفه ب «المبين» لكونه مقرونا بالآيات ~~والمعجزات. ### || [سورة النور (24): آية 55] # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ms1186 الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) PageV03P173 # قوله (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) نزل حين اشتد خوف ~~الصحابة واستبطؤا النصر «1»، فخاطب الرسول عليه السلام و«الذين آمنوا منكم» ~~للبيان تسلية لهم كأنه قال وعدهم الله وأقسم (ليستخلفنهم في الأرض) أي أرض ~~مكة بأن يجعلهم خلفاء يسكنون فيها بعدهم بنصر الإسلام على الشرك وتورثهم ~~أرضهم وهم الخلفاء الراشدون (كما استخلف الذين من قبلهم) معلوما، أي الله ~~تعالى استخلف داود وسليمان بني إسرائيل في أرض الجبارين بعد إهلاكهم، وقرئ ~~مجهولا «2» (وليمكنن) أي وليظهرن (لهم دينهم الذي ارتضى لهم) وهو دين ~~الإسلام بأن يظهره على جميع الأديان، وتمكينه تثبيته (وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم) الذي كانوا عليه (أمنا) في نفوسهم، قوله (يعبدونني لا يشركون بي ~~شيئا) حال من ضمير الفاعل في «وليبدلنهم»، فأظهر الله تعالى دينهم ونصرهم ~~وبدل لهم من بعد خوفهم أمنا، قيل: مكث الرسول عليه السلام وأصحابه رضي الله ~~عنهم بمكة عشر سنين خائفين ولما هاجروا إلى المدينة يصبحون ويمسون في ~~السلاح حتى قال رجل منهم ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تغبرون إلا زمانا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ ~~العظيم محتبيا ليس فيه حديدة» «3»، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة ~~العرب كلها «4» (ومن كفر) أي كفران النعمة (بعد ذلك) أي بعد الأمن والتمكين ~~(فأولئك هم الفاسقون) [55] أي الكاملون في الفسق. ### || [سورة النور (24): آية 56] # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) # قوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) [56] ~~عطف على قوله «وأطيعوا الله والرسول» قبل وكررت طاعة الرسول تأكيدا ~~لوجوبها. ### || [سورة النور (24): آية 57] # لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) # قوله (لا تحسبن) بالتاء خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وبالياء «5» ~~والفاعل ضميره أو (الذين كفروا) والمفعول الأول محذوف، أي أنفسهم والثاني ~~(معجزين) أي لا يحسبن الكافرون أنفسهم فائتين الله (في ms1187 الأرض) بأن لا يقدر ~~عليهم فيها (ومأواهم النار) لا محالة، والمراد منهم هم المقسمون جهد ~~أيمانهم (ولبئس المصير) [57] أي بئس المرجع النار. ### || [سورة النور (24): آية 58] # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) # قوله (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) نزل حين أرسل ~~الرسول عليه السلام مدلج بن عمرو وكان غلاما أنصاريا وقت الظهر إلى عمر رضي ~~الله عنه ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر رضي ~~الله عنه لوددت أن الله ينهى أباءنا وأبناءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه ~~الساعات، PageV03P174 # ثم انطلق معه إلى النبي عليه السلام فوجده «1»، وقد أنزلت عليه هذه ~~الآية، فأمر بأن يستأذن العبيد والإماء (و) الأطفال (الذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم) من الأحرار في الدخول عليهم (ثلاث مرات) أي في ثلاثة أوقات في اليوم ~~والليلة، قوله (من قبل) بيان ل «ثلاث مرات» أو بدل منه، أي ليستأذنوا قبل ~~(صلاة الفجر) لأنه وقت القيام من المضاجع (وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة) ~~أي وقت الظهر للقيلولة (ومن بعد صلاة العشاء) لأن وقت التجرد من ثياب ~~اليقظة والالتحاف بثياب النوم، فالاستئذان مشروع لهؤلاء في هذه الأوقات ~~الثلاث ولغيرهم في جميع الأوقات (ثلاث عورات لكم) بالنصب بدل من «ثلاث ~~مرات»، أي أوقات ثلاث عورات، وبالرفع «2»، أي هذه أوقات ثلاث عورات، ~~والعورة الخلل، ويسمى هذه الأوقات بها، لأنه يختل تستر الناس وتحفظهم فيها ~~(ليس عليكم ولا عليهم جناح) محله رفع إذا رفع «ثلاث عورات» صفة له، وإذا ~~نصب فلا محل له، بل هو كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة ~~(بعدهن) أي بعد هذه الأوقات، يعني بعد الاستئذان فيها، أي لا إثم عليكم ولا ~~على المذكورين في الدخول بغير استئذان، ثم ms1188 عذرهم في ترك الاستئذان عدا هذه ~~الأوقات، فقال هم (طوافون عليكم) للخدمة وهو وجه العذر، يعني أن بكم وبهم ~~حاجة إلى المداخلة بينكم لأنكم تطوفون عليهم للاستخدام وهم عليكم للخدمة، ~~فلو أوجب الاستئذان في كل وقت لأدى إلى الحرج، قوله (بعضكم على بعض) مبتدأ ~~وخبر، أي بعضكم طائفة على بعض، دل عليه السياق، وهذه الجملة مؤكدة مبينة ~~لما قبلها، قيل: هذه الآية منسوخة «3»، وقيل: محكمة «4» حتى أوجب الاستئذان ~~على الأم والأخت (كذلك) أي مثل هذا البيان (يبين الله لكم الآيات) أي أحكام ~~القرآن (والله عليم حكيم) [58] أي يعلم بصلاح الناس ويحكم بالاستئذان ليدخل ~~بعضهم على بعض بغير إذن. ### || [سورة النور (24): آية 59] # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك ~~يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) # (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) أي الاحتلام، والمراد الأحرار من الغلمان ~~(فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم) وهم من بلغ قبلهم من الأحرار، أي ~~كالرجال واعتبار البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة للغلام، وسبع عشرة سنة ~~للجارية عند أبي حنيفة رحمه الله، وبخمس عشرة سنة فيهما عند الأكثرين «5» ~~(كذلك) أي كهذا البيان (يبين الله لكم آياته) أي أحكامه من الأمر والنهي ~~(والله عليم) بصلاح الخلق (حكيم) [59] يحكم بالاستئذان وعدمه بالحكمة. ### || [سورة النور (24): آية 60] # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ~~ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) # قوله (والقواعد) مبتدأ، جمع القاعد بلا هاء، و(من النساء اللاتي لا يرجون ~~نكاحا) بيان للقاعد، وهي التي قعدت، أي آيست عن الحيض والولد لكبر السن، ~~وخبر المبتدأ (فليس عليهن جناح أن يضعن) أي بوضعهن (ثيابهن) من الجلباب ~~والإزار فوق الثياب والقناع فوق الخمار، ودخل الفاء في «فليس» لكون الألف ~~واللام في «القواعد» بمعنى «التي»، وفيه معنى الشرط (غير متبرجات بزينة) ~~نصب على الحال من فاعل «يضعن»، أي غير مظهرات زينة خفية كالسوار والخلخال ~~والقلادة، لكن لطلب التخفيف جاز الوضع لهن، قوله (وأن يستعففن خير لهن) ms1189 ~~مبتدأ وخبر، أي طلبهن العفة عن التبرج ووضع الثياب خير لهن من تركه (والله PageV03P175 # سميع) لما تقول «1» العجائز إذا وضعن جلبابهن وتطهرن زينتهن من قول من ~~يرغب فينا (عليم) [60] بنياتهن وأفعالهن. ### || [سورة النور (24): آية 61] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) # قوله (ليس على الأعمى حرج) نزل حين طلب ذوو العاهات الجهاد أو كرهوا ~~مواكلة الأصحاء لئلا ينغصوا عليهم طعامهم أو كان الأصحاء يذهبون إلى الجهاد ~~ويتركون مفاتحهم عند ذوي العاهات مع الإذن لهم في الأكل من بيوتهم فيتحرجون ~~«2»، فقال تعالى: ليس على الأعمى حرج (ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) أي بيوت أولادكم لقوله عليه ~~السلام: «أنت ومالك لأبيك» «3» أو بيوت الزوجات، لأنها كبيوتهم (أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم ~~أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم) أي لا بأس لكم أن تأكلوا ~~من بيوت هؤلاء بغير إذنهم (أو) من بيوت (ما ملكتم مفاتحه) أي خزائنه التي ~~في أيديكم وحفظكم، فالمراد من «آبائك» «4» قيم الرجل أو وكيله الذي يحفظ ~~أمواله، فله أن يأكل من زرعه وضرعه إن احتاج ولا يدخر، أو المراد من «ما ~~ملكتم مفاتحه» العبيد، لأن السيد يملك بيوت عبيده (أو) من بيوت (صديقكم) ~~وهو من صدقكم في مودته، فان الأكل من بيته وماله من غير إذنه جائز عند ~~الحسن وقتادة رضي الله عنهما إذا كان بينهما انبساط كما بين الأب والابن ~~والأخوين «5»، والصديق يستعمل للواحد والجمع كالعدو ms1190 والخليط، قوله (ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) نزل في بني ليث بن عمرو بن كنانة ~~وكل من تحرج عن الأكل وحده «6»، أي ليس عليكم إثم في الأكل مجتمعين أو ~~متفرقين بعد قوله عليه السلام: «شر الناس من أكل وحده» «7»، وكان الرجل قعد ~~ينتظر نهاره إلى الليل، فان لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة (فإذا دخلتم بيوتا) ~~من هذه البيوت للأكل وغيره (فسلموا على أنفسكم) أي فابدءوا بالسلام على من ~~فيها من دينكم، وقيل: المراد بيوتكم حقيقة «8»، فقيل: «إذا دخلت على أهلك ~~وعيالك فسلم عليهم، فهم أحق بذلك وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه أو المسجد فقل ~~السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله الصالحين» «9» أو المراد المساجد من ~~البيوت، قوله (تحية) مصدر «فسلموا» من غير لفظه، أي تحية مشروعة (من عند ~~الله مباركة) كثيرة الخير (طيبة) أي ذات رزق حلال، وإنما وصفت بهما لأن ~~التحية دعاء مؤمن لمؤمن يرجا بها من الله زيادة الخير والطيب لما فيها من ~~الأجر والثواب، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت قائما عند النبي ~~عليه السلام أصب الماء على يديه فرفع رأسه، فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال ~~تنتفع بها، فقلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، قال: متى لقيت من أمتي أحدا ~~فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير PageV03P176 # بيتك، وصل صلوة الضحى، فانها صلوة الأوابين» «1» (كذلك) أي مثل هذا ~~البيان (يبين الله لكم الآيات) أي آيات الأمر والنهي في الطعام والشراب ~~وغيرهما (لعلكم تعقلون) [61] أي تفهمونها وتعملون «2» بها. ### || [سورة النور (24): آية 62] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور ~~رحيم (62) # قوله (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) نزل حين جمع النبي عليه ~~السلام المسلمين يوم الجمعة ليستشيرهم في أمر الغزو، وكان يثقل المقام ms1191 على ~~البعض عنده فيخرج بغير إذنه، فجعل الله عدم الخروج من عنده بغير إذنه ثالث ~~الإيمان بالله وبرسوله تغليظا عليهم واستعظاما لجنايتهم لئلا يخالفوا أمره ~~«3»، فقال إنما المصدقون حقيقة هم الذين صدقوا بالله في أمره وبرسوله في ~~سنته (وإذا كانوا معه) أي مع النبي عليه السلام (على أمر جامع) أي على أمر ~~جمعهم له وعليه كغزو وصلوة أو خطب جليل، لا بد لرسول الله فيه من اجتماع ~~ذوي الآراء والقوى (لم يذهبوا) أي لم يتفرقوا عنه عليه السلام (حتى ~~يستأذنوه) في الانصراف، وقيل: قوله «وإذا كانوا معه» تأكيد لحصر الإيمان ~~بالله ورسوله، وقوله (إن الذين يستأذنونك) زيادة تأكيد وتشديد، حيث أعاده ~~على أسلوب آخر وجعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين وعرض بحال المنافقين ~~وتسللهم لواذا «4»، وقيل: نزلت هذه الآية في حفر الخندق وكان قوم يتسللون ~~بغير إذن «5»، فيها بيان حفظ الأدب بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من ~~أمور الإسلام لا يرجعوا عنه إلا باذنه، قوله (أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله) خبر «إن» (فإذا استأذنوك) في الانصراف (لبعض شأنهم) أي لبعض ~~حوائجهم (فأذن لمن شئت منهم) لا اعتراض عليك (واستغفر لهم الله) إن خرجوا ~~باذنك لخروجهم عنك (إن الله غفور رحيم) [62] لمن تاب وأطاع ولا تأذن لمن ~~شئت منهم إذا لم يكن لهم حاجة في الانصراف كالمنافقين. ### || [سورة النور (24): آية 63] # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) # قوله (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم) بيان توقير النبي عليه السلام ~~وتعظيمه، لأنه كان معلم الخير «6»، ففيه إيذان لمعرفة «7» حق كل معلم العلم ~~والخير، أي لا تجعلوا أيها المؤمنون دعاءه إياهم إلى الإيمان (كدعاء بعضكم ~~بعضا) لا تلتفتون إليه «8»، بل آمنوا مسرعين أو دعاءه لأمر مهم عنده كذلك، ~~فأجيبوه بالتفخيم والتعظيم ولا تتفرقوا إلا باذنه أو لا تجعلوا دعاءه عليكم ~~كدعائكم على إخوانكم بل احذروه، فانه مستجاب الدعوة أو لا تجعلوا نداءه ~~بينكم، ms1192 وتسميته كما يسمي بعضكم بعضا باسمه الذي سماه أبواه، فلا تقولوا يا ~~محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض ~~والتواضع (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم) أي يخرجون بخفية قليلا قليلا، ~~قوله (لواذا) نصب على الحال وهو أن يستتر الشخص بغيره أي ملاوذين، و«قد» ~~فيه للتحقيق وتأكيد علمه (فليحذر الذين يخالفون) أي يميلون معرضين (عن ~~أمره) أي عن أمر الله تعالى أو أمر محمد عليه السلام، وقيل: «عن» زائدة ~~«9»، قوله (أن تصيبهم فتنة) مفعول «يحذر»، والفتنة المحنة PageV03P177 # في الدنيا (أو يصيبهم عذاب أليم) [63] في الآخرة، وقيل: ال «فتنة» القتل ~~«1» أو زلازل أو مصائب «2». ### || [سورة النور (24): آية 64] # ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه ~~فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) أي جميعه له يختص به خلقا وملكا ~~وعلما فلا يخفى عليه حال من ينافق رسوله وإن اجتهد في الستر (قد يعلم ما ~~أنتم عليه) من أحوال الإيمان والنفاق والأعمال من الخير والشر، و«قد» فيه ~~كما مر، وقيل: للتكثير في الموضعين «3»، والخطاب في قوله «ما أنتم عليه» ~~عام (ويوم يرجعون إليه) للمنافقين، وقيل: يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين ~~على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة «4»، والعامل فيه (فينبئهم) أي ~~يخبرهم يوم يرجعون إلى الله في الآخرة (بما عملوا) أي بما أبطنوا من سوء ~~أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم (والله بكل شيء عليم) [64] أي علمه محيط بجميع ~~الأشياء، فكيف يخفى عليه أحوال الناس وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون ~~وإخفائها. PageV03P178 ### | سورة الفرقان # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفرقان (25): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) # (تبارك) أي تزايد خيره أو تعظم وتقدس في صفاته وأفعاله (الذي نزل ~~الفرقان) أي القرآن بجرائيل، مصدر، فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، ~~والقرآن يفصل بين الحق والباطل (على عبده) محمد صلى الله عليه وسلم (ليكون) ~~الله أو ms1193 عبده (للعالمين نذيرا) [1] أي منذرا، يعني مخوفا للعالمين من الإنس ~~والجن في زمانهم. ### || [سورة الفرقان (25): آية 2] # الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ~~وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2) # قوله (الذي) بدل من «الذي» قبل ولم يمنعه الفصل لكون «ليكون» تعليلا لصلة ~~الموصول المبدل منه فيكون من تمامها (له ملك السماوات والأرض) أي لله ~~جزائنهما ونفاذ الأمر فيهما (ولم يتخذ ولدا) ليرث ملكه، لأنه حي لا يموت ~~(ولم يكن له شريك في الملك) لينازعه فيه (وخلق) أي أحدث (كل شيء) ينبغي أن ~~يوحد (فقدره) أي فسواه وهيأه لما يصلح له في بابي الدين والدنيا (تقديرا) ~~[2] أي تسوية محكمة للبقاء إلى أمد معلوم مقسوم عنده تعالى. ### || [سورة الفرقان (25): آية 3] # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) # ثم أخبر أن الذين خلقهم لعابدته آثروا عبادة غيره على عبادته بقوله ~~(واتخذوا من دونه) تعالى (آلهة) يعبدونهم من الأصنام وغيرها كعيسى (لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون) أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء لأنهم عجزة ~~(ولا يملكون) أي لا يستطيعون (لأنفسهم ضرا) أي دفع ضر منها (ولا نفعا) أي ~~جلب نفع إليها (ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) [3] أي لا يقدرون على ~~إمامة أحد ولا على إحيائه ولا على بعث الأموات، لأنهم أعجز فكيف يعبدونهم. ### || [سورة الفرقان (25): آية 4] # وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ~~ظلما وزورا (4) # (وقال الذين كفروا) أي كفار مكة (إن هذا) أي ما القرآن (إلا إفك) أي كذب ~~(افتراه) محمد (وأعانه عليه) أي على اختلاقه (قوم آخرون) أي اليهود، وقيل: ~~عداس مولى حويطب بن عبد العزى وجبر ويسار وهم كانوا بمكة «1» (فقد جاؤ ~~ظلما) أي كفرا (وزورا) [4] أي كذبا بينا لنسبتهم القرآن إلى غير قائله. PageV03P179 ### || [سورة الفرقان (25): آية 5] # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) # (وقالوا) أي المشركون ms1194 القرآن (أساطير الأولين) أي ما سطره المتقدمون من ~~نحو أحاديث رستم وإسفنديار، جمع أسطورة كأحدوثة (اكتتبها) أي انتسخها محمد ~~من جبر وأصحابه وأخذها لنفسه، وهو حال ب «قد» مقدرة، أي أساطير مكتتبة، ~~قيل: أصل النظم أن يقال أمليت عليه فهو يكتبها، أجيب بأن المعنى أنه طلب من ~~يكتبها له «1»، لأنه لم يكن يحسن الكتابة (فهي تملى) أي تقرأ (عليه بكرة ~~وأصيلا) [5] أي غدوة وعشيا، يعني دائما. ### || [سورة الفرقان (25): آية 6] # قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) # (قل) يا محمد (أنزله الذي يعلم السر) أي كل سر خفي (في السماوات والأرض) ~~فلو تقوله عليه لعلمه فيعاقبه بأشد العقاب ومن جملته ما تسرون من الكيد ~~لرسوله مع أن قولكم باطل وزور في حقه، فيجازيكم عليه (إنه كان غفورا رحيما) ~~[6] يمهل ولا يعاجل مع استحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا، وقيل: معناه ~~ارجعوا عن القول بالباطل وتوبوا فانه يعلم السر ويغفر لمن تاب ويرجم لمن ~~أطاع ويقدر على العقوبة، إذ لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر عليها «2». ### || [سورة الفرقان (25): آية 7] # وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا (7) # (وقالوا) أي الكافرون سخرية (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق) مثلنا لطلب المعاش والرسالة تنافيه، فالاستفهام بمعنى الإنكار ~~يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، وهو جهل، أما ~~أكله الطعام فلأنه بشر وأما مشيه في الأسواق فلقضاء حاجته تواضعا، وهما لا ~~ينافيان الرسالة، ثم نزلوا عن اقتراحهم كونه ملكا إلى كونه إنسانا معه ملك ~~فقالوا (لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) [7] يصدقه بنصب «فيكون» جواب ~~حرف التحضيض وهو «لو لا» بمعنى هلا. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 8 الى 9] # أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) # (أو يلقى إليه) بالرفع عطف على «أنزل»، أي لو لا ms1195 يلقى عليه (كنز) لينفقه ~~في مصالحه (أو) لو لا (تكون له جنة) أي بستان (يأكل منها) بالتاء والنون ~~«3»، المعنى: أنه ليس ملكا ولا ملكا ولا غنيا نتبعه فهو دوننا فكيف نتبعه ~~(وقال الظالمون) أي المشركون (إن تتبعون) أي ما تطيعون يا أصحاب محمد (إلا ~~رجلا مسحورا) [8] أي مغلوب العقل أو ذا سحر وهي «4» الرئة أو مخدوعا، فقال ~~تعالى يا محمد (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) أي قالوا فيك تلك الأقوال ~~والصفات النادرة كالأمثال (فضلوا) أي بقوا متحيرين ضلالا عن الهدى (فلا ~~يستطيعون سبيلا) [9] إليه. ### || [سورة الفرقان (25): آية 10] # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا (10) # (تبارك) أي تكاثر خير (الذي إن شاء جعل لك) أي وهب لك في الدنيا (خيرا من ~~ذلك) أي مما قالوا وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من (جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا) [10] في الدنيا أو في الآخرة، بالجزم عطف ~~على جواب الشرط، وبالرفع عطف على «جعل» «5»، لأن الشرط ماض فجاز الوجهان في ~~جزائه الجزم والرفع، عن النبي عليه السلام: «عرض لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، PageV03P180 # فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فاذا جعت تضرعت إليك وذكرتك ~~وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» «1». ### || [سورة الفرقان (25): آية 11] # بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) # (بل كذبوا) أي ما صدقوك بل كذبوا (بالساعة) أي بيوم القيامة وهو أعجب من ~~ذلك كله، فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب الذي هو تعجيل مثل ما وعدك في الآخرة ~~وهم لا يؤمنون بها (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) [11] أي نارا شديدة ~~الاشتعال. ### || [سورة الفرقان (25): آية 12] # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) # قوله (إذا رأتهم من مكان بعيد) صفة «سعيرا»، أي إذا كانت السعير منهم ~~بمرأى النظر في البعد، قيل: # هو مسيرة خمسمائة سنة «2» (سمعوا لها) أي منها (تغيظا) أي غليانا، يعني ~~صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر طلبا للانتقام منهم ms1196 (وزفيرا) ~~[12] وهو أول صوت الحمار. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 13 الى 14] # وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) # (وإذا ألقوا منها) أي من السعير وهو حال من (مكانا ضيقا) أي في مكان جهنم ~~يضيق عليهم إذا لقوا فيها كما يضيق الزج في الرمح، فيكون أشد لعذابهم ~~(مقرنين) أي وهم مع ذلك مقرنون مع شياطينهم في السلاسل، روي: أن كل كافر ~~يقرن معه شيطانه في سلسلة «3» (دعوا هنالك ثبورا) [13] أي هلاكا، يعني ~~يقولون واثبوراه، أي تعالى يا ثبور، فهذا حينك فيقال لهم (لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا) لأن عذابكم ألوان كثيرة لا يفني (وادعوا ثبورا كثيرا) [14] ~~لأنكم وقعتم في عذابكم لا يكفي فيه ثبور واحد. ### || [سورة الفرقان (25): آية 15] # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) # (قل) يا محمد لكفار قريش (أذلك) أي المذكور من صفة النار (خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون) من الشرك وعذابه إياها (كانت) الجنة (لهم) معدة في ~~علمه تعالى (جزاء ومصيرا) [15] أي ثوابا ومقرا، وهو مدح للثواب نحو نعم ~~الثواب وحسنت مرتفقا. ### || [سورة الفرقان (25): آية 16] # لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) # (لهم فيها) أي في الجنة (ما يشاؤن) أي يحبون (خالدين) فيها حال من ضمير ~~«يشاؤن» (كان على ربك) ما وعدوا به من النعيم (وعدا مسؤلا) [16] أي مطلوبا ~~للمؤمنين بقولهم ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 17 الى 18] # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم ~~هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) # (ويوم يحشرهم) أي نجمعهم (وما يعبدون من دون الله) «ما» عام يعم العقلاء ~~وغيرهم كالأصنام، لكن المراد هنا العقلاء من الملائكة وعيسى وعزير والجن ~~(فيقول) الله تعالى للمعبودين لإثبات الحجة على العابدين، قرئ «نحشرهم»، ~~«فنقول» بالنون فيهما وبالياء فيهما ms1197 وبالنون في الأول «4» وبالياء في ~~الثاني «5»، ومقول القول (أأنتم PageV03P181 # أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل) [17] أي عن السبيل بحذف الجار، ~~يعني هم بأنفسهم أخطأوا الطريق المستقيم، وفائدة هذا السؤال بعد سبق علمه ~~فالمسؤل عنه أن يجيبوا بما أجابوا تبكيتا لعابديهم بتكذيبهم إياهم حيث ~~(قالوا) أي قال الملائكة والأنبياء وغيرهم من العقلاء متبرين منهم (سبحانك ~~ما كان ينبغي) أي ما يجوز (لنا أن نتخذ من دونك) قوله (من أولياء) مفعول ~~أول للاتخاذ بزيادة «من» لتأكيد النفي، و«من دونك» مفعول ثان، فنزهوا الله ~~تعالى وأنفسهم عن عبادة غيره (ولكن متعتهم) أي أجلتهم بالتمتيع في الدنيا ~~(وآباءهم حتى نسوا الذكر) أي القرآن والإيمان به (وكانوا) أي صاروا (قوما ~~بورا) [18] أي هلكى، جمع بائر من البور الهلاك. ### || [سورة الفرقان (25): آية 19] # فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه ~~عذابا كبيرا (19) # (فقد كذبوكم) أي معبودوكم من الملائكة وغيرهم أيها المشركون (بما تقولون) ~~أي بقولكم إنهم آلهة (فما تستطيعون) بالياء غيبة، أي الكفار، وبالتاء ~~للخطاب «1»، أي لا تستطيعون أنتم ولا معبودوكم (صرفا) للعذاب عنكم (ولا) ~~تستطيعون (نصرا) من العذاب فظهر عجز كلكم عن جلب نفع و«2» دفع ضر (ومن يظلم ~~منكم) أي من يكذب منكم محمدا والقرآن الذي أنزل إليه (نذقه عذابا كبيرا) ~~[19] وهو عذاب النار، والخطاب عام، إذ العذاب الكبير لاحق بكل من ظلم، ~~والشرك ظلم لقوله تعالى «إن الشرك لظلم عظيم» «3». ### || [سورة الفرقان (25): آية 20] # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # قوله (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق) بكسر «إن» لأجل اللام في الخبر، وقرئ بالفتح على زيادة اللام «4»، ~~والجملة صفة لموصوف محذوف، المعنى: وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين إلا ~~آكلين الطعام وماشين في الأسواق، وجاز حذفه اكتفاء بقوله «من المرسلين»، ~~وقيل: الجملة حال، تقديره: إلا وهم يأكلون «5»، نزل حين أنكروا على النبي ~~عليه السلام أكله الطعام ومشيه ms1198 في الأسواق «6»، قوله (وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة) أي محنة واختبارا تصبير لرسول صلى الله عليه وسلم على ما قالوه من ~~أكله الطعام ومشيه في الأسواق، أي جرت عادتي وحكمتي على ابتلاء بعضكم أيها ~~الناس ببعض وطلب الصبر الجميل منكم على الأذى والعداوة والأقوال الشنيعة من ~~أعدائكم كما قال المستهزؤون من قريش انظروا أتباع محمد موالينا وأراذلنا ~~فكيف نؤمن به ونتبعه معهم، فقال تعالى للمؤمنين (أتصبرون) على البلاء وهو ~~في معنى الأمر، أي اصبروا فاني ابتليت بعضكم ببعض، الفقير بالغني والوضيع ~~بالشريف (وكان ربك بصيرا) [20] فيجازي كلا بعمله فلا يضيق صدرك ولا ~~يستخلفنك أقاويلهم، فان في صبرك عليها سعادتك في الدارين. ### || [سورة الفرقان (25): آية 21] # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) # (وقال الذين لا يرجون) أي لا يأملون (لقاءنا) بالخير أو لا يخافون لقاءنا ~~بالشر، وهم كفار مكة (لو لا) أي هلا (أنزل علينا الملائكة) فتخبرنا بأن ~~محمدا صادق حتى نصدقه (أو نرى ربنا) جهرة فيأمرنا بتصديقه واتباعه فقال ~~تعالى (لقد استكبروا في أنفسهم) بالكفر والعناد، أي باضماره في قلوبهم مع ~~اعتقاده (وعتوا) أي تجاوزوا الحد في الظلم (عتوا كبيرا) [21] أي بالغين ~~أقصى العتو، واللام فيه جواب قسم محذوف. PageV03P182 ### || [سورة الفرقان (25): آية 22] # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) # (يوم يرون) أي اذكر يوم يرى الكفار (الملائكة لا بشرى) أي لا يبشرون ~~(يومئذ) أي يوم القيامة، وكرر «اليوم» تأكيدا لنفي البشارة عنهم يومئذ، ~~وقيل: هو خبر «لا بشرى»، فعامله محذوف، وقوله (للمجرمين) أي للكافرين بيان، ~~وقيل: الخبر «للمجرمين» «1»، وعامل «يومئذ» المتعلق بلام المجرمين، ~~فالمعنى: أن الملائكة تخص البشارة للمؤمنين دون المجرمين (ويقولون) أي ~~الملائكة (حجرا محجورا) [22] الحجر بمعنى الحرام، مصدر منصوب بفعل متروك ~~إظهاره نحو معاذ الله، ووصف ب «المحجور» لتأكيد معنى الحجر في الثبوت كما ~~يقال موت مائت في تحققه، أي حرم حراما محرما علينا أن نبشر بالجنة غير ~~المؤمنين، وقيل: إن المجرمين قالوا ms1199 للملائكة حجرا «2»، أي كفوا عنا، فقال ~~تعالى للملائكة محجورا عليكم ان تكفوا «3» عنهم. ### || [سورة الفرقان (25): آية 23] # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) # ثم قال تعالى (وقدمنا) أي عزمنا وقصدنا من غير قدوم حقيقي (إلى ما عملوا) ~~أي الكفار (من عمل) في الدنيا من أعمال الخير كصدقة وصلة رحم وفك أسير، ~~وقرى ضيف وغير ذلك من محاسنهم، يعني نظرنا في أعمالهم فلم نجد فيها خيرا ~~(فجعلناه هباء) وهو ما يرى في ضوء الشمس من الغبار في الكوى (منثورا) [23] ~~أي مفرقا لا ينتفع الكفار به. ### || [سورة الفرقان (25): آية 24] # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) # ثم قال تعالى (أصحاب الجنة يومئذ) أي يوم يستقرون فيها (خير مستقرا) وهو ~~المكان الذي يتجالسون فيه ويتحدثون (وأحسن مقيلا) [24] وهو المكان الذي ~~يأوون إليه للاستراحة إلى أزواجهم من القيلولة، وهي الاستراحة نصف النهار ~~في الحر وإن لم يكن نوم، لأنه لا نوم في الجنة ولا في النار، قيل: يفرغ من ~~الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل، أي يقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار «4». ### || [سورة الفرقان (25): آية 25] # ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) # (ويوم) أي اذكر يوم (تشقق السماء بالغمام) بتشديد الشين وتخفيفها «5»، ~~وهو الغمام الذي مر في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة «6»، قوله «بالغمام»، أي بطلوع الغمام منها فيكون الباء ~~للسببية فكأن الغمام شقها، وقيل: بمعنى عن «7»، أي تنشق «8» السماء عن ~~الغمام لشدة ذلك اليوم، وهو الغيم الأبيض الرقيق فوق سبع سموات، والمعنى: ~~أن السماء تنفخ بغمام يخرج منها، وفيه الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف ~~أعمال العباد، وهو المراد قوله (ونزل الملائكة تنزيلا) [25] بنونين إخبارا ~~عن الله تعالى، و«نزل» مجهولا مثقلا «9» و«الملائكة» مرفوع به. ### || [سورة الفرقان (25): آية 26] # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) # (الملك يومئذ) مبتدأ (الحق) صفته، وخبره (للرحمن) أي الملك حقا ثم هو ملك ~~الرحمن لا شريك له فيه ولا يزول عنه ولا يدعي الملك أحد ms1200 ثمه (وكان) ذلك ~~اليوم (يوما على الكافرين عسيرا) [26] أي شديدا صعبا PageV03P183 # وعلى المؤمنين يسيرا حتى يكون أخف عليهم من صلوة مكتوبة صلوها في الدنيا. ### || [سورة الفرقان (25): آية 27] # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) # قوله (ويوم يعض الظالم) نزل حين صد ومنع عقبة بن أبي معيط أبي بن خلف عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم «1»، فالظالم هو أبي الكافر، يعني اذكر ~~يوم يعض (على يديه) أي يندم على تفريطه في جنب الله تعالى، يجوز أن يكون ~~«على» زائدة ويكون العض حقيقة، روي: «أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم ~~تنبتان ثم يأكل هكذا يوم القيامة تحسرا» «2»، وهو (يقول يا ليتني اتخذت) في ~~الدنيا (مع الرسول) محمد عليه السلام (سبيلا) [27] أي طريقا إلى الجنة وهو ~~الإيمان. ### || [سورة الفرقان (25): آية 28] # يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) # (يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا) أي عقبة (خليلا) [28] يعني صديقا، والخلة ~~هي أن لا يكون لطمع لا لخوف بل في الدين. ### || [سورة الفرقان (25): آية 29] # لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (29) # (لقد أضلني عن الذكر) أي الإيمان أو القرآن (بعد إذ جاءني) وهذا آخر كلام ~~الظالم، وقيل: الظالم هو عقبة صده أبي عن الإيمان، وكان سبب ذلك أن عقبة ~~يكثر مجالسة الرسول عليه السلام فاتخذ يوما ضيافة، فدعا إليها رسول الله ~~فأبى أن يأكل من طعامه حتى يشهد بأنه رسول الله، ففعل وكان أبي صديقه ~~فعاتبه، وقال: # صبأت يا عقبة؟ قال: لا ولكني شهدت له ليأكل من طعامي، والشهادة ليست في ~~نفسي، فقال: ما أرضى عنك حتى تشتمه وتبزق في وجهه، ففعل ذلك، فنزلت هذه ~~الآية «3»، وقيل: الآية عامة في كل متحابين اجتمعا في معصية الله تعالى ~~«4»، قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من ~~يخالل» «5» (وكان الشيطان للإنسان) المطيع له (خذولا) [29] يخذله ويهينه ~~يوم القيامة بتبرئه منه، هذا من كلام الله تعالى أو من كلام الظالم ~~والشيطان خليله، لأنه ms1201 أضله كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في ~~العاقبة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 30] # وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30) # قوله (وقال الرسول) بيان شكاية النبي عليه السلام إلى الله تعالى من ~~قومه، أي قال محمد صلى الله عليه وسلم (يا رب إن قومي) أي قريشا (اتخذوا ~~هذا القرآن مهجورا) [30] أي متروكا لا يلتفتون ولا يؤمنون به، عن النبي ~~عليه السلام: «من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه ~~جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا ~~اقض بيني وبينك» «6»، وقيل: هو من الهجر وهو الهزيان، أي جعلوه مهجورا فيه ~~«7» كقوله «والغوا فيه» «8». ### || [سورة الفرقان (25): آية 31] # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) # قوله (وكذلك) تعزية للنبي عليه السلام وإخبار من الأنبياء قبله، أي ~~كجعلنا لك عدوا من المشركين (جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) أي المشركين ~~(وكفى بربك هاديا ونصيرا) [31] المعنى: أنك كالأنبياء قبلك في PageV03P184 # البلاء وأنا ناصركم وهاديكم فاصبر أنت على أذاهم كما صبروا. ### || [سورة الفرقان (25): آية 32] # وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا (32) # (وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه) أي هلا أنزل على محمد (القرآن جملة ~~واحدة) أي دفعة في وقت واحد كما أنزل الكتب الثلاثة وما له أنزل على ~~التفاريق، والقائلون قريش، وقيل: اليهود، وهذا القول فضول ومماراة بما لا ~~طائل تحته، لأن أمر الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرقا «1»، وفي ~~الحقيقة هو اعتراض حيرة وعجز، لأنهم تحدوا بالاتيان بسورة من مثله فعجزوا ~~عن ذلك حتى بذلوا المهج والأموال دون الاتيان بها، قوله (كذلك لنثبت به ~~فؤادك) بيان لعلة نزوله نجوما، أي قال تعالى كذلك أنزلناه مفرقا لتزداد به ~~بصيرة وتعيه وتحفظه، لأن العلم لا يحفظه المتلقن إلا شيئا بعد شيء، فلو ~~أنزل عليه جملة واحدة لتعيأ بحفظه، وحال الرسول فارقت حال موسى وداود وعيسى ~~عليهم السلام حيث كان ms1202 أميا لا يقرأ ولا يكتب، وهم كانوا قارئين كاتبين فلم ~~يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزل عليه منجما في عشرين سنة، وقيل في ثلاث ~~وعشرين سنة ولأنه كان ينزل على حسب الحوادث وجوابات السائلين «2»، وهو ~~يقتضي الإنزال مفرقا، قوله (ورتلناه ترتيلا) [32] أي بيناه بيانا بتثبت ~~وتمكث عطف على فعل تعلق به «كذلك»، كأنه قال كذلك فرقناه ورتلناه ترتيلا، ~~أي قدرناه آية بعد آية ووقفة وبعد وقفة في مدة طويلة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 33] # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) # (ولا يأتونك) يا محمد، أي لا يجيئك الكفار (بمثل) أي بسؤال عجيب من ~~أسولتهم الباطلة، كأنه مثل في البطلان (إلا جئناك بالحق) أي بالمثل الحق، ~~يعني بالجواب الحق الذي يبطل ما جاؤوك به (وأحسن تفسيرا) [33] أي معنى ~~ومؤدى من سؤالهم، يقال ما تفسير هذا الكلام، أي ما معناه. ### || [سورة الفرقان (25): آية 34] # الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) # (الذين يحشرون) مبتدأ، أي الذين يسحبون يوم القيامة (على وجوههم إلى ~~جهنم) وخبر المبتدأ (أولئك شر مكانا) أي مصيرا في الآخرة (وأضل سبيلا) [34] ~~أي أخطأ طريقا في الدنيا، قيل: يحشر الناس على ثلاثة 34 أصناف، صنف على ~~الدواب وصنف على الأقدام وصنف على وجوههم «3». ### || [سورة الفرقان (25): آية 35] # ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) # ثم قال تعالى لتهديد كفار مكة (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التورية بعد ~~هلاك فرعون وقومه (وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا) [35] أي في أول نبوته. ### || [سورة الفرقان (25): آية 36] # فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) # (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا) وهم القبط، أي اذهبا إليهم ~~فأنذرا، فذهبا فأنذرا فكذبوهما (فدمرناهم) أي أهلكناهم بتكذيبهم (تدميرا) ~~[36] أي إهلاكا استأصلهم. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 37 الى 39] # وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين ~~عذابا أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ~~ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) # (وقوم نوح) أي دمرناهم (لما كذبوا الرسل) ms1203 أي نوحا، لأن من كذب رسولا ~~واحدا فقد كذب جميع الرسل، قوله (أغرقناهم) بيان لتدميرهم، أي أغرقناهم ~~(وجعلناهم) أي المغرقين (للناس آية) أي عبرة لمن بعدهم يتعظون بها (وأعتدنا ~~للظالمين) المغرقين (عذابا أليما) [37] أي وجيعا دائما فأظهروا في صورة ~~العموم، PageV03P185 # والأصل أعتدنا لهم (و) أهلكنا (عادا وثمود وأصحاب الرس) وهو بئر أو قرية، ~~وكانوا قوما من عبدة الأصنام وأصحاب مواش، فأرسل إليهم شعيب فدعاهم إلى ~~الإسلام وكانوا حول البئر، فكذبوه وآذوه فخسف بهم وبمنازلهم وأموالهم ~~وانهارت بئرهم، قيل: إنما سموا أصحاب الرس، لأنهم قتلوا نبيا من الأنبياء ~~ورسوه في بئر لهم «1»، أي ستروه وهي بئر أنطاكية بالشام «2» (وقرونا بين ~~ذلك) أي أهلكنا قرونا بين عاد وأصحاب الرس إهلاكا (كثيرا [38] وكلا) أي كل ~~واحد من المهلكين (ضربنا له الأمثال) أي بينا له القصص العجيبة من قصص ~~الأولين ووصفنا له تكذيبهم الأنبياء ونزول العذاب عليهم من الله وتدميره، ~~وبينا البراهين على الإيمان (وكلا) منهم بعد التكذيب (تبرنا) أي أهلكنا ~~وكسرنا (تتبيرا) [39] أي تفتيتا، ونصب «كلا» الأول بما دل عليه «ضربنا له ~~الأمثال» وهو أنذرنا، والثاني بفعله بعده، لأنه فارغ له، المعنى: إنا ~~أهلكناهم بالإنذار والتخويف بالحجج لا بغيره، لأنه خارج عن الحكمة. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 40 الى 41] # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا ~~لا يرجون نشورا (40) وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله ~~رسولا (41) # (ولقد أتوا) أي كفار مكة في متاجرهم إلى الشام (على القرية) أي قرية سدوم ~~(التي أمطرت مطر السوء) أي أهلكت بالحجارة من السماء وهي من قرى لوط، ~~فالمراد ب «مطر السوء» الحجارة، فانهم فعلوا الفاحشة فهلكوا بالحجارة من ~~السماء (أفلم يكونوا يرونها) أي ألم يبصر آثار عذاب الله قريش عند سفرهم ~~إلى الشام للتجارة فيتفكرون فيؤمنون (بل) هم (كانوا لا يرجون نشورا) [40] ~~أي لا يخافون بعثا، فلذلك لا يؤمنون أو لا يأملون البعث للوصول إلى ثواب ~~أعمالهم كما يأمله المؤمنون، لأنهم كافرون. # (وإذا رأوك) أي أهل مكة يا ms1204 محمد (إن يتخذونك إلا هزوا) أي ما يقولون فيك ~~إلا سخرية بينهم (أهذا الذي بعث الله رسولا) [41] إلينا قالوه بالاستفهام ~~استهزاء للنبي عليه السلام، أي ابعثه رسولا ليثبت الحجة علينا. ### || [سورة الفرقان (25): آية 42] # إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لو لا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا (42) # (إن كاد ليضلنا) أي ما يقرب منا ليصرفنا (عن) عبادة (آلهتنا) لفرط جهاده ~~في الدين ودعوته بعرض الآيات وإظهار المعجزات (لو لا أن صبرنا عليها) جواب ~~«لو لا» محذوف بدلالة ما قبلها وهو لصرفنا عن عبادتها ولأدخلنا في دينه، ~~قيل: هو من قول أبي جهل لعنه الله «3»، قوله (وسوف يعلمون) وعيد لهم ودلالة ~~على أنهم لا يفوتونه (حين يرون العذاب) أي حين نزول العذاب عليهم (من أضل ~~سبيلا) [42] هم أم المؤمنين، وهو مفعول «يعلمون» وكالجواب من قولهم «إن كاد ~~ليضلنا». ### || [سورة الفرقان (25): آية 43] # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) # (أرأيت) أي أخبرني يا محمد (من اتخذ إلهه هواه) قدم المفعول الثاني على ~~الأول لفضل العناية به، والأصل اتخذ هواه إلها، وهذا توبيخ لكل من يعبد غير ~~الله أو لكل من يتبع هواه لعصيانه، روي: أن الرجل منهم كان يعبد الحجر، ~~فاذا رأى أحسن منه رمي به وأخذ آخر لحسنه «4»، فليست الهداية بيدك حتى ~~تهديه وتمنعه عن اتباع الهوى (أفأنت تكون عليه وكيلا) [43] أي حافظا تحفظه ~~عن ارتكاب هواه وعبادة ما يهويه، يعني لست كذلك انما أنت منذر فأنذرهم. PageV03P186 ### || [سورة الفرقان (25): آية 44] # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) # قوله (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) أم فيه منقطعة، أي بل أتحسب ~~أنهم يسمعون الهدى أو يعقلونه ليعرفوا ربهم فيوحدوه (إن هم) أي ما كفار مكة ~~في الجهل والضلالة (إلا كالأنعام) لأنهم لا يصغون إلى ما ينذرون به بل ~~همتهم من العمر هو الأكل والشرب، ثم فضل الأنعام عليهم فقال (بل هم أضل ~~سبيلا) [44] من الأنعام، لأنها تنفر ms1205 من ضرها وتطلب نفعها، وهم يفرون من ~~نفعهم ويطلبون ضرهم وإنما قال أكثرهم، لأن بعضهم منعه حب الرياسة عن ~~الإيمان. ### || [سورة الفرقان (25): آية 45] # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) # ثم دل إلى كمال قدرته وإظهار نعمته على خلقه ليعرفوه فيوحدوه بقوله (ألم ~~تر إلى ربك كيف مد الظل) أي ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته كيف جعل الظل يمتد ~~وينبسط فينتفع به الناس (ولو شاء لجعله ساكنا) أي دائما، أي لاصقا بكل مظل ~~من بناء وشجر وجبل غير منبسط فلم ينتفع به الناس، والظل: ما نسخته الشمس ~~وهو من الطلوع إلى الزوال، والفيء: ما نسخ الشمس وهو من الزوال إلى الغروب ~~(ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) [45] إذ لو لا الشمس لما عرف الظل، وذلك بأن ~~الله يبسط الظل بعد الانفجار «1» إلى طلوع الشمس، ثم بطلوعها يظهر الظل ~~تابعا لها في الزيادة والنقصان والامتداد والتقلص، لأن الأشياء تعرف ~~بأضدادها، ومعنى كونها دليلا عليه أنهم يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها ~~على أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان أو زائلا في مكان ومتسعا ومتقلصا ~~فيبنون حاجاتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب الاستدلال بها بأحوالها. ### || [سورة الفرقان (25): آية 46] # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) # (ثم قبضناه) أي جمعنا المنبسط من الظل (إلينا قبضا يسيرا) [46] على مهل ~~لحكمة نعلمها، قيل: هي أنه لو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر منافع الناس ~~بالظل والشمس جميعا «2»، إذ في القبض اليسير شيئا فشيئا من المنافع ما لا ~~يعد ولا يحصى، ومعنى «قبضه إليه» أن ينسخه بنور الشمس الذي هو الضوء ~~المنقطع الواقع على الأرض، وقيل: معنى «القبض» أن الشمس إذا غربت عاد الظل ~~الأول، ثم يقبضه الله قبضا خفيا شيئا فشيئا ثم يحدث الظلام بعده «3»، وإنما ~~جاء ب «ثم» بين هذه الجمل لبيان تفاضل ما بين الأمور، إذ الثاني أعظم من ~~الأول والثالث أعظم من الثاني. ### || [سورة الفرقان (25): آية 47] # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل ms1206 النهار نشورا (47) # (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا) أي سترا لتسكنوا فيه، فيه تشبيه حال ظلام ~~الليل الساتر للأشياء باللباس الساتر للبدن (و) جعل (النوم سباتا) أي راحة ~~لأبدانكم من السبت وهو القطع، لأنه يقطعكم عن أعمالكم وبعضهم فسر السبات ~~بالموت، لأن النشور في مقابلته في قوله (وجعل النهار نشورا) [47] أي ~~للنشور، يعني ينتشرون فيه لطلب الرزق. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 48 الى 49] # وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ~~(48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) # (وهو الذي أرسل الرياح بشرا) بالباء المضمومة مع ضم الشين والسكون ~~للتخفيف جمع بشير وبشور وبشرى، لأن الرياح تبشر بالمطر، وقرئ بالنون كذلك ~~جمع نشور «4»، أي ناشرة للمطر أو للسحاب (بين يدي PageV03P187 # رحمته) أي قدام المطر (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) [48] أي بليغا في ~~طهارته، لأنه مطهر لغيره بعد كونه طاهرا في نفسه، وذكر الطهور لإكرام ~~الأناسي وتتميم المنة عليهم بسقيهم منه ويزيل اسم الطهور عن الماء تيقن ~~مخالطة النجاسة أو غلبة ظنها أو استعماله في البدن لأداء عبادة، وعلل ~~إنزاله بقوله (لنحيي به) أي بالماء (بلدة) أي بلدا (ميتا) كقوله «إلى بلد ~~ميت» «1»، أي قفر لا نبات فيه (ونسقيه) أي الماء (مما خلقنا أنعاما) مفعول ~~«نسقيه» و«مما خلقنا» حال من «أنعاما»، وذكر الأنعام من بين الحيوان الشارب ~~لكونها قنية الأناسي في الانتفاع بها وكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم ~~كالإنعام عليهم بالسقي (وأناسي كثيرا) [49] جمع إنسان، أصله أناسين فأبدلت ~~النون ياء وأدغمت الياء فيها، وقدمت الأرض على الأنعام والأناسي لأن حيوة ~~الأرض سبب لحيوتهما، ووصف الأناسي بالكثرة لأن عيش أكثرهم بما ينزل الله ~~عليهم من السماء من الماء وللقليل منهم غنية عنه لمنابع الماء والأنهار ~~الجارية. ### || [سورة الفرقان (25): آية 50] # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) # (ولقد صرفناه) أي فرقنا المطر (بينهم) في البلدان المتفرقة والأزمان ~~المختلفة، قيل: «ما عام أمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض» «2» أو معنى ~~«التصريف» أنه صرف ms1207 ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر في القرآن وفي سائر الكتب ~~(ليذكروا) أي ليتفكروا ويعرفوا حق نعمته عليهم فيشكروا (فأبى) أي امتنع من ~~التوحيد (أكثر الناس إلا كفورا) [50] أي جحودا للنعمة وهو قولهم مطرنا بنوء ~~كذا، والنوء النجم، ولا يذكرون صنع الله ورحمته. ### || [سورة الفرقان (25): آية 51] # ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) # (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية) في زمانك (نذيرا) [51] أي رسولا ولكن ~~بعثناك رسولا إلى كل القرى اختصاصا لك بالرسالة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 52] # فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) # (فلا تطع الكافرين) فيما يريدونك من ترك الإبلاغ لأنهم يجتهدون في توهين ~~أمرك، فقابلهم باجتهادك بما تغلبهم به (وجاهدهم به) أي بالقرآن (جهادا ~~كبيرا) [52] أي شديدا تعلوهم. ### || [سورة الفرقان (25): آية 53] # وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا (53) # (وهو الذي مرج البحرين) المرج الخلط، أي أرسلهما وخلاهما متجاورين ~~متلاصقين في مجاريهما، والله تعالى يفصل بينهما بقدرته ويمنعهما التمارج ~~(هذا) أي أحدهما (عذب فرات) أي شديد العذوبة (وهذا) أي الآخر (ملح أجاج) أي ~~شديد الملوحة، والمراد بهما بحرا فارس والروم (وجعل بينهما برزخا) أي حاجزا ~~وكل برزخ حاجز لئلا يختلط أحدهما بالآخر وأن لا يتغير طعمهما (وحجرا ~~محجورا) [53] أي كلمة استعاذة يقولها المتعوذ وقد وقعت هنا على سبيل المجاز ~~كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه، ويقول له حجرا محجورا لئلا يجور ~~أحدهما على الآخر بالممازجة، يعني حرم على العذب أن يملح وحرم على المالح ~~أن يعذب بالاختلاط. ### || [سورة الفرقان (25): آية 54] # وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) # (وهو الذي خلق من الماء بشرا) أي النطفة إنسانا (فجعله نسبا) أي ذا نسب ~~بأن يقال له يا فلان بن فلان (وصهرا) أي ذا صهر وهو الختن، يعني قسم البشر ~~قسمين، ذوي نسب، أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر، أي أناثا يصاهر، أي يخالط ~~بهن، قال علي رضي الله عنه: «النسب ما لا يحل نكاحه من القرابة، PageV03P188 # والصهر ms1208 ما يحل نكاحه من القرابة وغيرها» «1»، وقال الخليل: «يقال لأهل ~~بيت الرجل الأختان ولأهل بيت المرأة الأصهار» «2» (وكان ربك قديرا) [54] ~~حيث خلق من ماء واحد وهو المني بشرا نوعين ذكرا وأنثى، فعلى كلا النوعين أن ~~يعبد خالقهما دون غيره. ### || [سورة الفرقان (25): آية 55] # ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) # (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم) إن عبدوه (ولا يضرهم) إن تركوا ~~عبادته (وكان الكافر على ربه ظهيرا) [55] أي معينا بطاعته الشيطان والشرك، ~~قيل: المراد منه أبو جهل أو الجنس «3». ### || [سورة الفرقان (25): آية 56] # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) # (وما أرسلناك إلا مبشرا) بالجنة لمن آمن وأطاع الله (ونذيرا) [56] بالنار ~~لمن كفر وعصاه. ### || [سورة الفرقان (25): آية 57] # قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) # (قل ما أسئلكم) يا كفار مكة (عليه) أي على القرآن (من أجر) أي جعلا (إلا ~~من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا) [57] استثناء منقطع، أي لا أطلب جعلا على ~~التبليغ من أموالكم لنفسي لكن من شاء أن يتخذ عند ربه مرجعا صالحا وهو ~~الجنة فليؤمن أو من شاء أن ينفق من ماله لوجه الله في سبيله فلا أمنعه. ### || [سورة الفرقان (25): آية 58] # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) # قوله (وتوكل) نزل حين دعي إلى ملة آبائه «4»، أي دعهم وتوكل (على الحي ~~الذي لا يموت) لأنه حقيق أن يتوكل عليه في كل الأمور دون غيره (وسبح بحمده) ~~حقيقة أو صل شكرا على نعمه (وكفى به بذنوب عباده) أي كفى الله بها، فالباء ~~في «به» زائدة، والباء في «ذنوب» يتعلق بقوله (خبيرا) [58] أي عالما ~~بأحوالهم كافيا في جزاء أعمالهم، ونصبه على الحال أو التمييز. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 59 الى 60] # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ~~أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) # قوله ms1209 (الذي) بدل من الضمير في «به»، أي كفى بالذي (خلق السماوات والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام) أي خلقها في مدتها، إذ لم يكن ثمه شمس ولا قمر، ~~والداعي إلى هذا العدد هو داعي حكمة لا يعلمها إلا هو، وقيل: خلقها في ستة ~~أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت «5» (ثم ~~استوى) أي استولى (على العرش الرحمن) برفع «الرحمن» بدل من ضمير «استوى» أو ~~مبتدأ، خبره (فسئل) والفاء زائدة، ويجوز أن يكون فاعل «استوى»، و«فسئل» ~~جواب شرط محذوف، أي إن شككت فاسأل، ويكون الخطاب للنبي عليه السلام والمراد ~~غيره، و(به) صلة (خبيرا) [59] أي اسأل رجلا عالما به وبرحمته، وهو من أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى يخبرك من الرحمن، يؤيده قوله (وإذا قيل لهم) أي ~~للمشركين (اسجدوا للرحمن) ربكم (قالوا وما الرحمن) استفهام إنكار، لأنهم لم ~~يكونوا سمعوا يذكره، أي أي شيء هو أو من هو نحن لم نعرف إلا رحمان اليمامة، ~~أي مسيلمة الكذاب، فالسؤال يحتمل أن يكون سؤالا عن معنى الاسم، لأنه لم يكن ~~مستعملا عندهم وأن يكون سؤالا عن المسمى به، لأنهم لم يعرفوه بهذا الاسم، ~~والسؤال عن المجهول بما فالمراد به أنا لا نسجد لما لا نعرفه (أنسجد لما ~~تأمرنا) بالياء على الغيبة، وبالتاء على الخطاب «6» لمحمد عليه السلام، أي ~~لأمرك لنا بالسجود يا محمد ف «ما» مصدرية أو للذي تأمرنا سجوده وهو الرحمان الكذاب PageV03P189 # ف «ما» موصول (وزادهم) الأمر له بالسجود (نفورا) [60] أي تباعدا عن ~~الإيمان. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 61 الى 63] # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) # قوله (تبارك الذي جعل في السماء بروجا) بيان ل «الرحمن»، أي هو الذي خلق ~~فيها نجوما عظاما أو قصورا مرتفعة، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة، ~~الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان وغيرها العقرب ms1210 ~~والقوس والجدي والدلو والحوت، سميت بالبروج وهي القصور العالية لأنها لهذه ~~الكواكب كالمنازل لسكانها أو لظهورها، لأن اشتقاق البرج من التبرج وهو ~~الظهور (وجعل فيها سراجا) وهو الشمس، وقرئ «سرجا» «1»، جعل كل جزء منها ~~سراجا لوجود ضوءها في مكان دون مكان (و) جعل فيها (قمرا منيرا [61] وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة) أي خليفة يخلف كل منهما صاحبه بعد ذهابه، وهي ~~مفعول ثان ل «جعل» أو هي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار، تقديره: ~~جعلهما ذوي خلفة، أي يخلف كل واحد منهما الآخر وما نقص من هذا زاد في ذلك ~~(لمن أراد أن يذكر) أي يتعظ باختلافهما بفتح الذال والكاف مشددا من التذكر، ~~وبضم الكاف مع سكون الذال من الذكر «2»، أي لمن أراد أن يستدل بذلك على ~~عظيم «3» قدرته فيعرف ما نسي من توحيده (أو أراد شكورا) [62] أي شكر النعمة ~~فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار أو جعلهما ليكونا وقتين للمتذكرين ~~والشاكرين، وجيء ب «أو» دون الواو، لأنه إما كافر يتفكر فيهما وإما مؤمن ~~يشكر لمن آمن به، وزاد في البيان بقوله (وعباد الرحمن) مبتدأ وخبره أولئك ~~يجزون الغرفة بما صبروا «4»، ويجوز أن يكون الخبر (الذين يمشون على الأرض) ~~وإنما أضاف ال «عباد» إلى «الرحمن» تفضيلا لهم، قوله «هونا» حال، أي يمشون ~~ذوي سكينة ووقار ولين لا يسفهون وإن سفه عليهم. # (وإذا خاطبهم الجاهلون) بما يكرهون (قالوا سلاما) [63] أي تسلما منكم ~~وتحملا لا نجاهلكم، يعني نتسلم منكم تسلما أو سدادا من القول يسلمون فيه من ~~الأذاء والإثم أو يسلمون عليهم إذا سفهوا عليهم، قيل: هذه الآية محكمة «5»، ~~لأن الحلم عن السفيه مندوب إليه، وقيل: منسوخة بآية السيف «6». ### || [سورة الفرقان (25): آية 64] # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) # قوله (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) [64] بيان لوصفهم ليلا بعد بيان ~~وصفهم نهارا، ومعنى بات فلان دخل عليه الليل نام أو لم ينم، قال ابن عباس: ~~«من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات لله ساجدا وقائما» «7» أو من قرأ شيئا ~~من القرآن في صلوة وإن ms1211 قل فقد بات ساجدا وقائما، والظاهر أنه وصف لهم ~~باحياء الليل جميعه أو أكثره. ### || [سورة الفرقان (25): الآيات 65 الى 66] # والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما (66) # (والذين يقولون) أي عباد الرحمان (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما [65] أي هلاكا PageV03P190 # وخسرانا لازما، ومنه الغريم لإلزامه وإلحاحه غريمه في طلب حقه منه، قيل: ~~يجوز أن يكون أن عذابها و(إنها) أي إن جهنم (ساءت) الآيتان من كلام القوم ~~وإن تكونا من كلام الله تعالى «1»، أي بئست (مستقرا ومقاما) [66] هي وهو ~~المخصوص بالذم، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقرا بتأويل الدار ليوافق ~~المفسر المفسر، ورابط الجملة باسم «إن» للخبرية هو الضمير المحذوف المخصوص بالذم. ### || [سورة الفرقان (25): آية 67] # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) # (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) بفتح الياء وضم التاء، قيل: ~~الإسراف مجاوزة الحد في النفقة وإن قلت «2»، والقتر التضييق، ضد الإسراف، ~~وقرئ «لم يقتروا» من أقتر و«يقتروا» بالتشديد من قتر مشددا «ويقتروا» بفتح ~~الياء وكسر التاء من قتر مخففا «3» (وكان) الإنفاق (بين ذلك) الإسراف ~~والإقتار (قواما) [67] أي وسطا وهو العدل بين الشيئين في الخير لاستقامة ~~الطريق وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وقيل: # المعنى انهم لم يسرفوا فينفقوا في معصية الله ولم يقتروا فيمسكوا عن طاعة ~~الله «4»، وسمع رجل رجلا يقول لا خير في الإسراف فقال لا إسراف في الخير، ~~ولذا قيل: «لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهبا فأنفقه في سبيل الله لم يكن ~~مسرفا ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا» «5». ### || [سورة الفرقان (25): آية 68] # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) # (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) أي لا يشركون بالله (ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق) أي باحدى الخصال الثلاث، وهي الردة وزنا ~~بالإحصان والقصاص (ولا يزنون) بالاستحلال، قيل: نزلت ms1212 فيمن أقدم على المعصية ~~مع الشرك وأراد التوبة «6»، قوله «إلا بالحق» متعلق بال «قتل» المحذوف، أي ~~حرم الله قتلها إلا بالحق، وقيل: ب «لا يقتلون» «7»، والقتل بغير حق يدخل ~~فيه الوأد وغيره، وصفهم أيضا بنفي هذه المستنكرات العظام عن الموصوفين بتلك ~~الخلال العظيمة في الدين للتعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش ~~وغيرهم (ومن يفعل ذلك) أي من تلك المذكورات شيئا (يلق أثاما) [68] أي جزاء ~~الإثم على حذف المضاف وهي العقوبة، وقيل: ال «أثام» بئر فيها جهنم يسيل في ~~صديد أهل النار «8». ### || [سورة الفرقان (25): آية 69] # يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) # قوله (يضاعف) بالجزم بدل من «يلق»، وبالرفع استئناف أو حال وبحذف الألف ~~مشددا، أي يضعف (له العذاب يوم القيامة ويخلد) بالجزم والرفع كذلك «9»، أي ~~يتزايد له العذاب ويقيم (فيه) بالإشباع وعدمه «10» (مهانا) [69] يهان في ~~العذاب دائما، ومعنى المضاعفة في العذاب أن المشرك يعذب على شركه وعلى ~~المعاصي جميعا، فيضاعف عذابه بتضاعف جنايته في حال الشرك. PageV03P191 ### || [سورة الفرقان (25): آية 70] # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان ~~الله غفورا رحيما (70) # (إلا من تاب) من ذنبه (وآمن) بالله ورسوله (وعمل عملا صالحا) بعد توبته ~~بينه وبين ربه (فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات) بأن يمحوها بالتوبة ويثبت ~~مكانها الإيمان والطاعة والتقوى أو يبدلون بسيئاتهم حسنات في الآخرة، قيل: ~~نزلت الآية في شأن الوحشي قاتل حمزة «1» (وكان الله غفورا) لما فعلوا قبل ~~التوبة (رحيما) [70] بهم بعد التوبة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 71] # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) # (ومن تاب) من الشرك والمعاصي (وعمل صالحا) بعد التوبة (فإنه يتوب إلى ~~الله متابا) [71] مرضيا عنده مكفرا للخطايا محصلا للثواب وكرر التوبة ~~ترغيبا فيها. ### || [سورة الفرقان (25): آية 72] # والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) # (والذين لا يشهدون الزور) أي الشرك أو الكذب أو شهادة الزور على حذف ~~المضاف أو اللهو والغناء، قيل: المعنى أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ~~ومجالس الخطائين، فلا يحضرونها تنزها عن ms1213 مخالطة الشر وأهله وصيانة لدينهم ~~عما ينقصه ولئلا يكونوا شركاء فاعليه «2»، قال عيسى عليه السلام: «إياكم ~~ومجالسة الخطائين» «3» (وإذا مروا باللغو) أي بكل باطل ينبغي أن يلغي ويترك ~~(مروا كراما) [72] أي منزهين نفوسهم عما يدنسها بالتوقف والخوض مع أهل ~~اللغو، لأن في الحضور والمشاهدة دليلا على الرضا بذلك. ### || [سورة الفرقان (25): آية 73] # والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) # (والذين إذا ذكروا) أي وعظوا (بآيات ربهم) أي القرآن (لم يخروا) أي لم ~~يقعوا (عليها صما) لا يسمعون (وعميانا) [73] لا يبصرون وليس المراد منه نفي ~~الخرور، بل إثبات له ونفي الصمم والعمى، والمعنى: أنهم إذا وعظوا بالقرآن ~~أقبلوا على الواعظ به بآذان سامعة وقلوب واعية مصدقين لا كالمنافقين. ### || [سورة الفرقان (25): آية 74] # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما (74) # (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا) جمعا ومفردا «4»، الأول ~~باعتبار المعنى، لأن لكل واحد منهم ذرية، والثاني لقصد الجنس، قوله (قرة ~~أعين) مفعول «هب»، و«من أزواجنا» بيان للقرة، ويجوز أن يكون «من» ابتدائية، ~~أي من جهتهم، قيل: إنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وذرية عمالا لله تعالى ~~يسرون بهم وتقر أعينهم «5»، وإنما قال «أعين» دون عيون، لأنه أراد عين ~~المتقين وهي قليلة (واجعلنا للمتقين إماما) [74] أي أئمة اكتفى بالواحد عن ~~الجمع لعدم اللبس أو لإرادة الجنس، أي اجعل كل واحد منا إماما يقتدي به ~~المؤمنون فيهتدون. ### || [سورة الفرقان (25): آية 75] # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) # (أولئك يجزون الغرفة) أي الغرفات وهي العلالي في الجنة، قيل: «أراد به ~~غرف الدر والياقوت والزبرجد» «6» (بما صبروا) أي بسبب صبرهم على الطاعات ~~وعلى أذى الكفار وعلى الفقر وعن الشهوات، PageV03P192 # واطلاقه للتعميم (ويلقون) بالتشديد والتخفيف «1» (فيها) أي في الجنة ~~(تحية) أي دعاء بالتعمير (وسلاما) [75] أي دعاء بالسلامة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 76] # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) # (خالدين فيها) أي في الجنة، يعني الملائكة يحيون ويسلمون عليهم أو يعطون ~~التبقية والتخليد مع السلامة عن كل آفة في ms1214 الجنة أو يسلم بعضهم على بعض ~~(حسنت) الغرفة (مستقرا ومقاما) [76] أي موضع قرار وإقامة. ### || [سورة الفرقان (25): آية 77] # قل ما يعبؤا بكم ربي لو لا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) # (قل ما يعبؤا بكم ربي) العبء هو الاعتداد بالشيء، هذا بيان أنه تعالى ~~أنما يعبأ ويعتد بالعباد لعبادتهم وحدها لا لمعنى آخر كما عبأ بالمذكورين ~~قبل وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم لأجل عبادتهم، فأمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يصرح لأهل مكة أو للناس كلهم، ويجزم لهم القول بأن الاعتبار ~~والاكتراث لهم البتة عند ربهم أنما هو للعبادة، فقال يا أهل مكة ما يعتبر ~~بكم ربي (لو لا دعاؤكم) أي توحيدكم وطاعتكم أو لو لا دعاؤكم إياه في ~~الشدائد أو لو لا دعاؤه إياكم إلى توحيده وعبادته ليغفر لكم ذنوبكم ويعطي ~~ثواب أعمالكم، وقيل: معناه لا يعاقبكم ربي يوم القيامة لو لا شرككم به غيره ~~هنا «2»، قوله (فقد كذبتم) أنتم حكمي بالقرآن ورسولي جزاء شرط محذوف، أي ~~إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتبر لعبادي إلا لتوحيدهم وطاعتهم فقد ~~خالفتموه بتكذيبكم (فسوف يكون) العذاب (لزاما) [77] أي ذا لزام أو ملازما ~~لكم، يعني سوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار، قيل: فقتلوا ببدر ~~وعجل بأرواحهم إلى عذاب النار «3». PageV03P193 ### | سورة الشعراء # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) # قيل (طسم) [1] قسم «1» أو اسم للسورة «2»، وقيل: «عجز العلماء عن تفسيره» «3». # قوله (تلك) إشارة إلى آيات هذه الحروف المؤلفة من الحروف المبسوطة، أي ~~آيات الحروف المؤلفة (آيات الكتاب المبين) [2] أي الظاهر إعجازه أو الظاهر ~~أنه من عند الله تعالى يقينا، والمراد به السورة أو القرآن. ### || [سورة الشعراء (26): آية 3] # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) # (لعلك باخع نفسك) أي مهلك غما، والبخع أن يبلغ بالذبح البخاع بالباء وهو ~~عرق مستبطن في الفقار، وذلك أقصى حد الذبح، قيل: في «لعل» معنى الإشفاق ~~«4»، أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك ms1215 من إسلام قومك، قوله ~~(ألا يكونوا مؤمنين) [3] مفعول له، أي خيفة أن لا يؤمنوا بالقرآن، نزل حين ~~كذبه أهل مكة فحزن بذلك «5»، أي ليس عليك سوى التبليغ فلا تقتل نفسك إن لم ~~يؤمنوا. ### || [سورة الشعراء (26): آية 4] # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) أي علامة قاسرة على الإيمان (فظلت) أي ~~فصارت، عطف على «ننزل» الذي هو جزاء الشرط، أي فتظلل (أعناقهم) أي رؤساؤهم ~~(لها) أي للآية (خاضعين) [4] أي ذوي هوان وذلة بعد عزة وصعوبة، ولما وصفت ~~الأعناق بالخضوع جمعت جمع العقلاء الذكور. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 5 الى 6] # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) # (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث) نزوله وهو القرآن، المعنى: ما يأتيهم ~~شيء من موعظة وتذكير من القرآن (إلا كانوا عنه) أي عن الإيمان به (معرضين ~~[5] فقد كذبوا) بالحق عقيب الإعراض وهو القرآن لما جاءهم، أي أنكروه حين ~~نزل بهم فاستهزؤا به واستخفوا قدره عقيب الإنكار (فسيأتيهم) يقينا (أنبؤا) ~~أي أخبار (ما كانوا به يستهزؤن) [6] أي سيعلمون إذا مسهم عذاب الله يوم بدر ~~أو يوم القيامة ما الشيء الذي استهزؤا واستخفوا به وما أحواله التي كانت ~~خافية عليهم وهو القرآن. PageV03P194 ### || [سورة الشعراء (26): آية 7] # أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) # (أولم يروا إلى الأرض) أي ألم ينظروا إلى عجائب الأرض ويتفكروا فيها (كم ~~أنبتنا فيها) «كم» مفعول الإنبات و(من كل زوج كريم) [7] أي من كل نوع حسن ~~نفعا، في محمل النصب على الحال و«من» للبيان، أي أنبتنا في الأرض نباتا ~~كثيرا من كل صنف نافعا حسنا، إذ النبات نوعان، نافع وضار، فذكر النافع ~~لكثرته وخلى الضار لقلته أو كل النبات نافع باقتضاء حكمة الحكيم وإن غفل ~~عنها العاقلون، والكريم وصف لكل ما يرضي به ويحمد في بابه وجمع بين «كم» ~~و«كل»، لأن «كم» تدل على كثرة أفراد كل ms1216 زوج و«كل» تدل على إحاطة جميع ~~الأزواج، هي الأصناف من النبات. ### || [سورة الشعراء (26): آية 8] # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) # (إن في ذلك) أي في «1» الإنبات أو في كل زوج من الأزواج (لآية) أي آية ~~(وما كان أكثرهم مؤمنين) [8] أي موحدين في سابق علمنا أو «كان» زائدة. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 9 الى 10] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) # (وإن ربك لهو العزيز) أي المنتقم لمن لم يؤمن (الرحيم) [9] لمن تاب وآمن. # (و) اذكر (إذ نادى ربك موسى أن ائت) تفسير «نادى»، أي اذهب (القوم ~~الظالمين) [10] بالكفر واستعباد بني إسرائيل والتذبيح. ### || [سورة الشعراء (26): آية 11] # قوم فرعون ألا يتقون (11) # (قوم فرعون) عطف بيان ل «الظالمين» كأنهما عبارتان عن مؤدى واحد، قوله ~~(ألا يتقون) [11] أي ألا يخافون مني لعبادتهم غيري يحتمل استئناف كلام، ~~أتبعه الله تعالى إرساله موسى عليه السلام إليهم للإنذار تعجيبا لموسى من ~~حالهم الشنيعة في الظلم العظيم وأمنهم العاقبة، ويحتمل كونه حالا من الضمير ~~في «الظالمين»، أي يظلمون غير متقين الله وعقابه وهمزة الإنكار لا تنافي ~~الحال، وإنما تنافيها همزة الاستفهام لتصدرها. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 12 الى 13] # قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) # (قال) موسى (رب إني أخاف أن يكذبون) [12] أي ينكروا نبوتي، (ويضيق صدري) ~~بتكذيبهم إياي في رسالتك (ولا ينطلق لساني) بالعقدة فيه أو لمهابته، ~~الفعلان مرفوعان معطوفان على خبر «إن» (فأرسل إلى هارون) [13] جبرائيل ~~واجعله معي رسولا يعينني في الرسالة إلى فرعون وقومه. ### || [سورة الشعراء (26): آية 14] # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) # (ولهم علي ذنب) وهو قتلي القبطي (فأخاف أن يقتلون) [14] به قودا، وطلبه ~~هرون للحرص على التبليغ لا للتعليل في امتثال أمر الله تعالى. ### || [سورة الشعراء (26): آية 15] # قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) # (قال) الله (كلا) أي ارتدع عن ظنك وخوفك فاني أجيب سؤلك من موازرة أخيك ~~هرون، فأجابه بقوله (فاذهبا) عطف على معنى «كلا» من الفعل، أي اذهب ms1217 «2» أنت ~~وهرون (بآياتنا إنا معكم) بالنصر (مستمعون) [15] أي سامعون فأنصركم عليه ~~ولا يوصف الله بالاستماع، لأنه الإصغاء إلى الحديث، ويوصف بالسمع، لأنه علم ~~بالمسموع، فعبر بالاستماع عن السمع لكونه سببا لهذا. PageV03P195 ### || [سورة الشعراء (26): آية 16] # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) # (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين) [16] ولم يقل رسولا رب ~~العالمين، لأن موسى كان الأصل وهرون التبع «1» له أو هو من قبيل الاكتفاء ~~أو لاتحادهما في الرسالة وصفا بالواحد، وقيل: جنس يطلق على الجمع كما يقال ~~خير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر «2». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 17 الى 18] # أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين (18) # قوله (أن أرسل معنا بني إسرائيل) [17] بمعنى أرسلهم معنا إلى فلسطين ~~وكانت مسكنهما، ف «أن» مفسرة لتضمن الرسول الإرسال، وفيه معنى القول كما في ~~المناداة، روي: أنهما ذهبا إلى باب فرعون وأخبر البواب أن ههنا إنسانا يزعم ~~أنه رسول رب العالمين «3»، قيل: إن موسى ضرب عصاه على بابه ففزع من ذلك ~~فقال إيذن له حتى نضحك منه فأديا إليه الرسالة فعرف فرعون موسى «4»، فثم ~~(قال ألم نربك فينا وليدا) أي صبيا صغيرا (ولبثت فينا من عمرك سنين) [18] ~~قيل: ثماني عشرة سنة «5»، وقيل: ثلاثون سنة «6»، وقيل: أربعون سنة «7». ### || [سورة الشعراء (26): آية 19] # وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) # (وفعلت فعلتك التي فعلت) أي المرة الواحدة وهي قتله القبطي بالوكز، فوبخه ~~بقتل خبازه وتربيته وقال (وأنت من الكافرين) [19] لذلك، والواو فيه للحال ~~أو أنت كافر بنعمتي وإحساني إليك، لأنك جازيت نعمتي بما فعلت من الفعل ~~الشنيع فحكم عليه بالكفران بنعمه. ### || [سورة الشعراء (26): آية 20] # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) # (قال) موسى في جواب فرقون على سبيل التسليم نعم (فعلتها إذا) أي قتلة ~~القبطي إذ فعلت مجازيا لك بذلك الجزاء (وأنا من الضالين) [20] أي الجاهلين ~~أو الناسين، يعني إذ فعلتها كانت تلك القتلة «8» صادرة مني بالجهل والنسيان ~~لا بالعلم والقصد فخفت من ذلك الفعل السوء. ### || [سورة الشعراء (26): آية 21] # ففررت منكم ms1218 لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) # (ففررت منكم لما خفتكم) خاطبه بالجمع، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه ~~وحده ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله (فوهب لي ربي حكما) أي نبوة وعلما ~~(وجعلني من المرسلين) [21] إليكم. ### || [سورة الشعراء (26): آية 22] # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) # (وتلك نعمة) أي أتلك بالاستفهام للإنكار، يعني كيف تكون تلك نعمة (تمنها ~~علي) فهي إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، وتفسيرها (أن عبدت بني إسرائيل) [22] ~~أي استعبدتم وهو عطف بيان ل «تلك»، والمعنى: # أتعبيدك قومي نعمة تمنها علي حيث لم تستعبدني مثلهم بين أن سبب حصوله ~~عندهم وتربيته له كان تعبيد قومه وأذاءهم وهو نقمة لا نعمة يريد أنه لو لا ~~ذلك لما ألقيت في اليم فلا تمن علي بشيء أنت سببه. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 23 الى 24] # قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) # (قال) له (فرعون) إذ قال موسى أنا رسول رب العالمين إنكارا عليه أن يكون ~~رب سواه (وما رب العالمين) [23] أي أي شيء صفته، إذ لا سبيل إلى معرفة ~~حقيقة ذاته تعالى لغيره ولو أراد التعين لقال ومن رب، PageV03P196 # وقيل: إن فرعون أخطأ في حقيقة السؤال، فموسى أجاب بحقيقة الجواب «1»، ~~و(قال) هو (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) [24] بشيء قط أو ~~بايقان يؤدي إليه النظر الصحيح أنه خالقهما فتؤمنوا. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 25 الى 26] # قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) # ثم (قال) فرعون عاجزا عن الجواب (لمن حوله) أي لأشراف قومه، وكانوا ~~خمسمائة رجل عليهم الأساور (ألا تستمعون) [25] قوله، فقال قوم فرعون ما ~~تقول يا موسى إنكارا لقوله رب العالمين فأكده موسى ثانيا، و(قال ربكم ورب ~~آبائكم الأولين) [26] عمم أولا بذكر السموات والأرض وما بينهما، ثم خصص ~~العام للبيان أنفسهم وآباءهم، لأن أقرب المنظر فيه ما العامل نفسه ومن ولد ~~منه فعلم فرعون أنه مغلوب، فنسب موسى إلى الجنون. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 27 الى 28] # قال ms1219 إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهما إن كنتم تعقلون (28) # (قال) أي فرعون لجلسائه (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) [27]، و(قال) ~~موسى مؤكدا ثالثا هو (رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) [28] ~~أي أصحاب عقول تستدلون بها بالنظر فيما أقول لكم فتعرفون ربكم، وهذا الجواب ~~لزيادة بيان وتدريج في الاستدلال، إذ الطلوع والغروب على تقدير مستقيم في ~~فصول السنة من أظهر ما يستدل به العاقل على توحيد الله تعالى وهو معارضه ~~«2» في مقابلة قوله «إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون». ### || [سورة الشعراء (26): آية 29] # قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) # (قال) فرعون لموسى لازدياد عجزه مائلا إلى العقوبة كالجبابرة (لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) [29] وهو أبلغ من «لأسجننك» وإن كان أحضر، ~~لأن معناه لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني، ففيه زيادة تهديد، إذ ~~كان سجنه أشد من القتل. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 30 الى 31] # قال أولو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) # (قال) موسى (أولو جئتك بشيء مبين) [30] أي أتفعل ذلك ولو جئتك المعجزة، ~~والواو للحال، أي جائيا بشيء مبين، أي برهان واضح يستبين لك أمري به. # (قال) فرعون (فأت به) أي أرناه (إن كنت من الصادقين) [31] في دعواك أتيت ~~به، فحذف الجزاء بدلالة ما قبله من الأمر. ### || [سورة الشعراء (26): آية 32] # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) # (فألقى) موسى (عصاه) من يده (فإذا هي ثعبان مبين) [32] أي حية عظيمة ظاهر ~~الثعبانية لا أنها شيء يشبه الثعبان صورة بالسحر أو بغيره فقصدت إلى فرعون، ~~روي: أنها ارتفعت في السماء قدر ميل «3»، فقال بالذي أرسلك إلا أخذتها ~~فأخذها فعادت عصا فقال فرعون: هل غيرها. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 33 الى 35] # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ~~(34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فما ذا تأمرون (35) # (ونزع يده) أي أخرجها من جيبه (فإذا هي بيضاء) أي ذات نور (للناظرين) ~~[33] يكاد يغشي نورها الأبصار ويسد ms1220 الأفق. PageV03P197 # (قال) فرعون (للملإ حوله) أي للأشراف كائنين حوله ظرف لفظا، عامله المقدر ~~فيه، وحال محلا، العامل فيها «قال» (إن هذا لساحر عليم) [34] أي حاذق سحره ~~وهو قول من بهت وغلب. # (يريد أن يخرجكم من أرضكم) أي أرض مصر (بسحره فما ذا تأمرون) [35] أي ~~تشيرون من المؤامرة وهي المشاورة، ومحل «ماذا» نصب، مفعول به ل «تأمرون». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 36 الى 38] # قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) ~~فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) # (قالوا أرجه وأخاه) أي أخرهما عنك وأحبسهما «1» (وابعث في المدائن) أي في ~~مدائنك (حاشرين) [36] أي جماعة يحشرون السحرة لك (يأتوك بكل سحار عليم [37] ~~فجمع السحرة) وهم اثنان وسبعون في رواية «2»، وسبعون ألفا في رواية أخرى ~~«3» (لميقات يوم معلوم) [38] والمراد ب «يوم معلوم» يوم الزينة وب ~~«الميقات» وقت الضحى، لأنه هو الوقت الذي وعده موسى بقوله «وأن يحشر الناس ضحى». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 39 الى 41] # وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ~~(40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) # (وقيل للناس) أي لأهل مصر (هل أنتم مجتمعون) [39] وهو حث للناس على ~~الاجتماع بالاستعجال. # (لعلنا نتبع) أي لكي نقتدي (السحرة) في دينهم دون موسى في دينه (إن كانوا ~~هم الغالبين) [40] لموسى. # (فلما جاء السحرة) إلى الميقات (قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا) أي جعلا (إن ~~كنا نحن الغالبين) [41] على موسى. ### || [سورة الشعراء (26): آية 42] # قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) # (قال نعم) لكم على جعل (وإنكم إذا) أي إذ غلبتم موسى (لمن المقربين) [42] ~~عندي في المجلس، وأول من يدخل علي وآخر من يخرج مع ذلك قوله «وإنكم» بجملته ~~عطف على قوله «نعم»، لأنه في معنى قوله «إن لكم أجرا». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 43 الى 46] # قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة ~~فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) ~~فألقي السحرة ساجدين (46) # (قال لهم موسى ألقوا) أي اطرحوا ms1221 (ما أنتم ملقون [43] فألقوا) أي السحرة ~~(حبالهم وعصيهم وقالوا) حالفين (بعزة فرعون) وهو طريق قسم أهل الجاهلية ~~(إنا لنحن الغالبون) [44] على موسى وهرون. # (فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون) [45] أي تبتلع ما يزورون أن ~~حبالهم وعصيهم حيات بالتخييل والتسحير. # (فألقي السحرة) أي ألقاهم الله أو إيمانهم به (ساجدين) [46] لله تعالى. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 47 الى 48] # قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) # (قالوا) أي قائلين (آمنا برب العالمين [47] رب موسى وهارون) [48] ف «رب» ~~عطف بيان ل «رب العلمين»، ومعنى إضافته إليهما أنه الذي يدعو إليه هذان ~~الرجلان بما أجري على أيديهما من المعجزة، فكأن الله ألقاهم بما رأوا من ~~المعجزة الباهرة، فأصبحوا سحرة وأمسوا مؤمنين شهداء. PageV03P198 ### || [سورة الشعراء (26): آية 49] # قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) # (قال) فرعون للسحرة (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه) أي إن موسى (لكبيركم ~~الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون) ماذا أصنع بكم من العذاب (لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين) [49] على شاطئ البحر. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 50 الى 54] # قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) # (قالوا لا ضير) أي لا ضرر علينا بما تصنع بنا (إنا) أي لأنا (إلى ربنا ~~منقلبون) [50] أي راجعون فيثيبنا بايماننا به. # (إنا) أي لأنا (نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) من شركنا وسحرنا (أن) أي ~~لأن (كنا أول المؤمنين) [51] من قومك بموسى في زماننا. # (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أي بني إسرائيل (إنكم متبعون) [52] أي ~~يتبعكم فرعون وجنوده. # (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين) [53] أي جامعين الناس لقتال موسى قائلا. # (إن هؤلاء لشرذمة) أي طائفة أو عصبة (قليلون) [54] منقطعة، وكانوا ستمائة ~~وسبعين ألفا وعدد آل فرعون لا يحصى. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 55 الى 56] # وإنهم ms1222 لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) # (وإنهم لنا لغائظون) [55] أي غابضون بشدة، فيفعلون أفعالا فاسدة تغيظنا، ~~ومن عادتنا الحذر والإسراع إلى حسم فساد المفسدين، والغيظ أشد الغضب. # (وإنا لجميع حاذرون) [56] بالألف وبغيرها «1»، أي المستعدون بآلة الحرب ~~أقوياء، والحاذر في الأصل السمين القوي، والحذر المستيقظ فاجتمع جمع كثير ~~ليقاتلوا موسى وبني إسرائيل ويستأصلوهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 57 الى 58] # فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) # (فأخرجناهم) أي فرعون وقومه (من جنات وعيون [57] وكنوز ومقام كريم) [58] ~~أي المنازل الحسنة أو السرر في الحجال أو الكراسي، روي: أن فرعون كان يجلس ~~في سريره ويضع بين يديه ثلثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها أشراف قومه «2». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 59 الى 61] # كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) # (كذلك) أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم (وأورثناها) أي الأموال والمنازل ~~الحسنة (بني إسرائيل) [59] لأنهم ردوا بعد هلاك فرعون إلى مصر، ولما أسرى ~~موسى ببني إسرائيل خرج فرعون وجنوده في طلبهم من مصر. # (فأتبعوهم) أي لحقوا موسى وأصحابه (مشرقين) [60] أي داخلين في الشروق وهو ~~وقت طلوع الشمس. # (فلما تراءا الجمعان) أي تقابل بنو إسرائيل والقبط (قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون) [61] أي سيدرك كلنا بالهلاك في أيديهم. PageV03P199 ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 62 الى 63] # قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) # (قال) موسى (كلا) أي ارتدعوا عن ظنكم فانهم لن يدركونا (إن معي ربي) ~~بعلمه وحفظه إياي (سيهدين) [62] إلى طريق النجاة ولما وصل موسى إلى البحر ~~جاء بموج كالجبال فقال يوشع: يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون والبحر ~~أمامنا قال ههنا مشيرا إلى البحر ولا يدري ما يصنع فخاض يوشع الماء ~~(فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر) وضرب بعصاه البحر (فانفلق) ماء ~~البحر فرقا (فكان كل فرق كالطود) أي كالجبل (العظيم) [63] المرتفع في ~~السماء وهو بحر إساف من وراء مصر، وقيل: بحر قلزوم «1»، فدخلوا فقال موسى ~~عند ذلك يا من ms1223 كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 64 الى 66] # وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا ~~الآخرين (66) # (وأزلفنا ثم) أي قربنا (الآخرين) [64] وهم القبط من بني إسرائيل أو ~~جمعناهم حيث انفلق البحر وأدخلناهم فيه حتى لا ينجو منهم أحد. # (وأنجينا موسى ومن معه) من الغرق (أجمعين [65] ثم أغرقنا الآخرين) [66] ~~أي القبط. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 67 الى 70] # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(68) واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) # (إن في ذلك) أي في إهلاك القبط وإنجاء موسى ومن معه (لآية) أي لغبرة ~~للمعتبرين فيما صنعنا (وما كان أكثرهم مؤمنين) [67] قيل: لم يكن بينهم مؤمن ~~إلا ثلاث أنفس، خزقيل وأسية امرأة فرعون ومريم بنت ناموسا، وهي دلت موسى ~~على عظام يوسف عليه السلام في البحر «2». # (وإن ربك لهو العزيز) أي المنتقم من أعدائه (الرحيم) [68] بأوليائه. # (واتل عليهم) أي على كفار مكة (نبأ) أي خبر (إبراهيم [69] إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون) [70] سؤال عن المعبود فحسب. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 71 الى 75] # قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) ~~أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) # (قالوا نعبد أصناما) ولم يكتفوا بذكرها بل زادوا في الجواب نعبد افتخارا ~~بعبادتها، ولذلك عطفوا على قولهم «نعبد» (فنظل لها عاكفين) [71] أي مقيمين ~~وإنما قالوا «فنظل» لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. # (قال) إبراهيم (هل يسمعونكم) أي يسمعون دعاءكم (إذ تدعون [72] أو ~~ينفعونكم) أي عبدتموهم (أو يضرون) [73] إن تركتم عبادته وأجابوه بجواب ~~المقلدين لعجزهم عن البرهان الصحيح. # (قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون) [74] فقلدناهم. # (قال أفرأيتم) أي أأعلمكم بالاستفهام للتقرير (ما كنتم تعبدون) [75] أي ~~الذين تعبدونهم من دون الله. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 76 الى 79] # أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي ~~خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) # (أنتم وآباؤكم الأقدمون ms1224 [76] فإنهم) أي الأصنام التي تعبدونها أنتم ~~وآباؤكم (عدو لي) على معنى فكرت في أمري فعلمت أن عبادتها عبادة للعدو ~~فاجتنبتها، وقال عدو لي دون لكم لزيادة نصح لهم وتأدب، لأنه PageV03P200 # نصح به أولا نفسه وبنى عليه تدبير أمره لينظروا فيقولوا ما أردنا لنا إلا ~~ما أراد لنفسه ليكون أدعاهم إلى القبول وابعث على الاستماع منه ليؤمنوا ~~«1»، أي هم أعدائي (إلا رب العالمين) [77] استثناء منقطع، أي لكن رب ~~العالمين هو (الذي خلقني فهو يهدين) [78] إلى «2» صلاح الدارين «3»، وجاء ~~بالفاء في «فهو» بعد خلقني للإيذان أن هدايته وجدت عقيب خلقه ونفخ الروح ~~فيه فهدى إلى «4» الاهتداء بدم الحيض في البطن امتصاصا، ثم هداه إلى معرفة ~~الثدي عند الولادة وهداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك من المصالح الدينية ~~والدنيوية. # (والذي هو يطعمني ويسقين) [79] أي هو الذي يحييني بطعامه ويربيني بشرابه. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 80 الى 81] # وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) # (وإذا مرضت فهو يشفين) [80] من المرض وإنما أضاف المرض إليه ولم يقل ~~أمرضني تأدبا مع ربه أو لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان ~~في الطعام والشراب وغيرهما. # (والذي يميتني) في الدنيا (ثم يحيين) [81] في الآخرة. ### || [سورة الشعراء (26): آية 82] # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) # (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي) وهي ما يندر منه من الصغائر (يوم الدين) ~~[82] أي يوم الجزاء وهي مكفرة له لكنه قال ذلك تواضعا لله، لأن استغفار ~~الأنبياء تواضع لربهم وهضم لأنفسهم، وعلق المغفرة ب «يوم الدين» وإن وجدت ~~هنا لأن فائدتها تظهر ثم، وقيل: المراد من الخطيئة قوله: «إني سقيم» «5» ~~و«بل فعله كبيرهم» «6» للصنم، وهي أختي لسارة، وهذا ربي للكوكب «7»، وقيل: ~~الكلمات المذكورة من التعريض بهم وبأحوالهم لأن الأنبياء معصومون من ~~الخطايا «8». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 83 الى 86] # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) # (رب هب لي حكما) أي الحكم بالحق بين الناس، وقيل: ms1225 نبوة «9»، لأن النبي ذو ~~حكم بين عباد الله (وألحقني بالصالحين) [83] أي وفقني لعمل الصالحين انتظم ~~به في جملتهم أو ألحقني بآبائي المرسلين. # (واجعل لي لسان صدق) أي ذكرا جميلا وثناء حسنا (في الآخرين) [84] أي في ~~الأمم بعده، فكل الأمم يتوالاه ويحبه. # (واجعلني) وارثا (من ورثة جنة النعيم [85] واغفر لأبي) أي وفقه (إنه كان ~~من الضالين) [86] عن طريق الهداية. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 87 الى 89] # ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى ~~الله بقلب سليم (89) # (ولا تخزني) أي لا تفضحني (يوم يبعثون) [87] أي يوم يبعث العباد من ~~قبورهم لما علموا أنه مغفور، ويجوز أن يكون الضمير ل «الضالين»، أي لا ~~تخزني يوم يبعث الضالون وأبي منهم وقد استغفرت له. # قوله (يوم لا ينفع مال) بدل من «يوم يبعثون» (ولا بنون [88] إلا من «أتى ~~الله بقلب سليم») [89] استثناء منقطع، تقديره: لكن حال من «أتى الله بقلب ~~سليم» تنفعه وهي سلامة القلب وليست من الجنس الأول وإنما PageV03P201 # وجب تقدير المضاف ليتحصل به معنى الاستثناء وهو الحال أو متصل فيحمل ~~الكلام على المعنى بأن يجعل «المال والبنون» في معنى الغني، كأنه قيل يوم ~~لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم ولأن غنى الرجل في دينه بسلامة ~~قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه، ويجوز أن يكون «من» مفعولا ل ~~«ينفع»، أي لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا «1» أتى الله بقلب سليم بأن يصرف ~~المال في الطاعة وبأن يرشد البنين إلى الصلاح فانه ينتفع بهما سليم القلب، ~~والقلب السليم هو الفارغ عن آفات المعاصي والكفر وفتنة المال والبنين. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 90 الى 93] # وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما ~~كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) # ثم قال تعالى (وأزلفت الجنة) أي قربت (للمتقين) [90] لأن الجنة تكون «2» ~~قريبة من موقف السعداء يوم القيامة ينظرون إليها. # (وبرزت الجحيم) أي كشفت (للغاوين) [91] أي للضالين عن الإسلام، لأن النار ~~تكون بارزة للأشقياء ms1226 بمرأى منهم يتحسرون على أنهم يساقون إليها. # (وقيل) أي يقال (لهم أين ما) أي أين الذي (كنتم تعبدون) [92] في الدنيا. # (من دون الله هل ينصرونكم) أي ينفعونكم بنصرهم لكم (أو ينتصرون) [93] أي ~~هل ينفعون أنفسهم بانتظارهم، لأن العابد والمعبود كلهم وقود النار. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 94 الى 98] # فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها ~~يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) # (فكبكبوا) أي جمعوا (فيها هم) أي الآلهة (والغاوون) [94] أي العبدة، يعني ~~يلقون فيها منكبين على رؤوسهم مرة بعد مرة حتى يستقروا في قعرها، ويدل عليه ~~تكرير الكب وهي الكبكبة. # (وجنود إبليس أجمعون) [95] أي أتباعه العاصون من الناس أو شياطينه من جنسه. # (قالوا) أي الداخلون فيها، والواو للحال في (وهم فيها يختصمون) [96] أي ~~يخاصم بعضهم بعضا، ويقول العابدون للمعبودين (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) ~~[97] أي بين، قيل: «إن» مخففة «3»، أي إنا كنا في ضلالة بينة بعبادتكم، ~~وقيل: «إن» نافية واللام بمعنى «إلا» «4». # قوله (إذ نسويكم برب العالمين) [98] ظرف ل «مبين»، أي إذ نجعلكم مثله في ~~العبادة. ### || [سورة الشعراء (26): آية 99] # وما أضلنا إلا المجرمون (99) # (وما أضلنا إلا المجرمون) [99] الذين اقتدينا بهم كإبليس وقابيل القاتل ~~لأخيه، لأنه أول من سن القتل وعمل بالمعاصي وسائر الشياطين فيومئذ يشفع ~~الأنبياء والملائكة والمؤمنون في أصدقائهم فيقول المشركون تأسفا. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 100 الى 104] # فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (104) # (فما) أي فليس (لنا من شافعين) [100] كما نرى للمؤمنين شفعاء من النبيين ~~والملائكة (ولا) من (صديق حميم) [101] كما نرى لهم أصدقاء، والصديق من يهمه ~~ما أهمك بشرط الدين، والحميم هو القريب الخاص، وإنما جمع الشافعين ووحد ~~الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، ويجوز أن يراد ب «الصديق» الجمع، PageV03P202 # فلما يئسوا من الشفاعة قالوا (فلو أن لنا كرة) أي رجعة إلى الدنيا ~~(فنكون) بالنصب على أن «لو» ms1227 ههنا بمعنى التمني، كأنه قيل فليت لنا كرة فأن ~~نكون (من المؤمنين) [102] أي فنؤمن فيشفع لنا. # (إن في ذلك لآية) أي لعبرة لعابدي غير الله حيث لا ينفعهم معبودهم بل ~~يتبرأ منهم (وما كان أكثرهم مؤمنين) [103] بأنبيائهم. # (وإن ربك لهو العزيز) لمن كفر (الرحيم) [104] من آمن. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 105 الى 110] # كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني ~~لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (109) # فاتقوا الله وأطيعون (110) # (كذبت قوم نوح المرسلين) [105] أي نوحا وإنما جمع، لأن من كذب رسولا ~~واحدا فقد كذب جميع الرسل (إذ قال لهم أخوهم نوح) في النسب لا في الدين، ~~وإنما أنث «كذبت»، لأن القوم مؤنثة وتصغيرها قويمة (ألا تتقون) [106] أي ~~اتقوا وآمنوا. # (إني لكم رسول أمين) [107] بينكم وبين ربكم (فاتقوا الله وأطيعون) [108] ~~فيما أمركم به (وما أسئلكم عليه) على الإيمان (من أجر) أي جعلا (إن أجري) ~~أي ما جعلي وثوابي (إلا على رب العالمين [109] فاتقوا الله وأطيعون) [110] ~~فيما أمركم به، وكررت لتوكيد التقوى والطاعة في نفوسهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 111 الى 112] # قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) # (قالوا أنؤمن لك) إنكارا (واتبعك الأرذلون) [111] من الرذالة وهي الدناءة ~~والخسة والضعف، والواو للحال و«قد» بعدها مضمرة، وإنما سموهم بالأرذلين ~~لاتضاع حرفتهم كالحجامة والحياكة وقلة مالهم، وهذا لا يضر الإيمان. # (قال) نوح (وما علمي بما كانوا يعملون) [112] أي وأي شيء علمي بأعمالهم ~~من الصناعات فأزدريهم لأجلها وإنما أطلب منهم الإيمان وإنما قال هذا، لأنهم ~~قد طعنوا مع استرذالهم «1» في إيمانهم، أي لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما ~~آمنوا بهوى وغفلة، أو المعنى: نفي علمه باخلاصهم «2» في العمل لله والاطلاع ~~على سر أمرهم، أي ما على إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش عن أسرارهم والشق ~~عن قلوبهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 113 الى 116] # إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن ~~أنا إلا نذير مبين (115) قالوا ms1228 لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) # (إن حسابهم إلا على ربي) أي ما جزاؤهم إلا عليه وإن كان لهم عمل سيء، ~~لأنه يعلم أسرارهم (لو تشعرون) [113] ذلك ولكنكم تجهلون، إذ لو علمتم لما ~~عبتموهم. # (وما أنا بطارد المؤمنين) [114] باتباع شهواتكم وتطييب نوسكم بطردهم لصحة ~~إيمانهم عندي (إن أنا إلا نذير مبين) [115] بلغة تفهمونها وببيان يتميز به ~~الحق من الباطل ثم أنتم أعلم بشأنكم. # (قالوا لئن لم تنته) عن هذه الدعوة (يا نوح لتكونن من المرجومين) [116] ~~أي المقتولين بالحجرة. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 117 الى 121] # قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد ~~الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) # (قال) نوح داعيا عليهم (رب إن قومي كذبون) [117] وهذا ليس باخبار له عن ~~تكذيبهم، إذ لا يخفى عليه PageV03P203 # شيء في الأرض ولا في السماء ولكنه أراد أني لا أدعوك عليهم لما آذوني، ~~وإنما أدعوك لأجل دينك. # (فافتح بيني وبينهم) أي احكم (فتحا) بينا، لأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك ~~(ونجني ومن معي من المؤمنين [118] فأنجيناه) أي نوحا (ومن معه في الفلك ~~المشحون) [119] أي في السفينة المملوة من الرجال والنساء والخيل وغيرها من ~~كل حيوان زوجين ذكر وأنثى. # (ثم أغرقنا بعد الباقين) [120] أي بعد من أنجيناهم في السفينة من بقي ممن ~~لا يركب السفينة، و «بعد» مبني على الضم بعد حذف المضاف إليه مع النية. # (إن في ذلك لآية) أي لعبرة لمن استكبر عن قبول الحق (وما كان أكثرهم ~~مؤمنين) [121] بنوح من قومه، قيل: من آمن به منهم ثمانون نفسا من الرجال ~~والنساء «1». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 122 الى 128] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم ~~أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ~~ريع آية تعبثون (128) # (وإن ربك لهو العزيز الرحيم [122] كذبت عاد المرسلين) [123] أي ms1229 هودا ومن ~~قبله من الرسل. # (إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون [124] إني لكم رسول أمين [125] فاتقوا ~~الله وأطيعون [126] وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~[127] أتبنون بكل ريع) أي بكل طريق أو الجبل، وال «ريع» المكان المرتفع ~~بفتح الراء وكسرها لغتان (آية) أي علامة (تعبثون) [128] أي تسخرون وتلعبون ~~لمن مر بكم وهو حال من ضمير «تبنون»، وقيل: «بنوا بروج الحمام ولعبوا بها» «2». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 129 الى 130] # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) # (وتتخذون مصانع) أي مآخذ الماء، جمع مصنعة، وقيل: «كالقصور العالية» «3»، ~~أي الحصون «4» (لعلكم تخلدون) [129] أي ترجون الخلود في الدنيا. # (وإذا بطشتم) أي أخذتم بشدة أحدا (بطشتم) أي عاقبتم بسيف أو سوط فكان ذلك ~~ظلما وعلوا، ولذا قال بطشتم (جبارين) [130] قيل: الجبار الذي يقتل ويضرب ~~على الغضب ولا يتفكر في العاقبة «5». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 131 الى 135] # فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم ~~بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) # (فاتقوا الله وأطيعون [131] واتقوا الذي أمدكم) أي أعطاكم (بما تعلمون) ~~[132] أي ما تعرفون من كل خير، فيه مبالغة في تنبيههم على نعم الله تعالى ~~حيث أجملها، ثم فصلها وعددها عليهم بقوله (أمدكم بأنعام وبنين) [133] وإنما ~~قرنهم بالأنعام، لأن البنين هم الذين يعينونهم على حفظها. # (وجنات وعيون) [134] لمصالحكم ومنافعكم فعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون ~~من نعمه، أي فهو قادر على الثواب والعقاب كما قدر على التفضل عليكم بهذه ~~النعم فاتقوه. # قوله (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) [135] زيادة تهديد لهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 136 الى 137] # قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق ~~الأولين (137) # (قالوا سواء علينا أوعظت) أي خوفتنا بالعذاب (أم لم تكن من الواعظين) ~~[136] أي المخوفين به، فلا PageV03P204 # نصدقك وهو أبلغ من «أم لم تعظ» في قلة اعتدادهم «1» لوعظه، إذ المعنى ~~سواء علينا وعظك أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه. # (إن هذا إلا خلق الأولين) [137] بفتح الخاء وإسكان اللام ms1230 مصدر، أي ما ~~خلقنا إلا كخلق من تقدمنا في الموت والحيوة فلا بعث ولا حساب أو الخلق ~~بمعنى الاختلاق، أي ما هذا الاختلاق والافتراء إلا كاختلاق المتقدمين ~~وافترائهم، وبضم الخاء واللام أو بسكونه «2» اسم للعادة، أي ما هذا الذي ~~نحن عليه من الموت والحيوة إلا عادة الناس لا يزالون عليها في قديم الدهر ~~أو ما هذا الذي نعتقد من الدين إلا عادة الأولين الذين كانوا يدينونها ونحن ~~بهم مقتدون. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 138 الى 139] # وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (139) # (وما نحن بمعذبين [138] فكذبوه) أي هودا (فأهلكناهم) بالريح الشديدة (إن ~~في ذلك لآية) أي لعبرة لمن يعمل عمل الجبارين (وما كان أكثرهم مؤمنين) ~~[139] فلو كان أكثرهم مؤمنين لما أهلكناهم، والآية تخويف لهذه الأمة كيلا ~~يعملوا عمل هؤلاء. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 140 الى 145] # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم ~~أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) # (وإن ربك لهو العزيز) لمن عصاه (الرحيم) [140] لمن تاب وأطاعه. # (كذبت ثمود المرسلين) [141] أي صالحا ومن قبله من الرسل (إذ قال لهم ~~أخوهم صالح ألا تتقون [142] إني لكم رسول أمين [143] فاتقوا الله وأطيعون ~~[144] وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) [145]. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 146 الى 148] # أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها ~~هضيم (148) # قوله (أتتركون) إنكار لأن يكنوا مخلدين (في ما) أي في الخير الذي هو ثابت ~~(هاهنا) يعني في الحيوة الدنيا (آمنين) [146] من الموت والزوال والعذاب، ~~وفسر الخير بقوله (في جنات وعيون [147] وزروع) وهذا أيضا إجمال وتفصيل، ~~وإنما عطف (ونخل) على «جنات» مع أن الجنة تعم النخل وغيره تفضيلا له (طلعها ~~هضيم) [148] أي حملها طري ينحل في الفم ويتفتت، قيل: الطلع ما يطلع ويخرج ~~من النخل كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو «3»، وهو من التمر كالعنقود من ~~العنب ووصفه ms1231 بال «هضيم» لأنه يهضم الطعام أو للعطف، لأن الهضيم هو اللطيف ~~الضامر وطلع أناث النخل فيه لطف وفي طلع ذكوره جفاء وطلع البرني ألطف من ~~طلع اللون، وقيل: طلع النخل ما يبدو من الكم، والهضيم اللين النضيج «4»، ~~كأنه قال ونخل قد أرطب تمره. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 149 الى 152] # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) # (وتنحتون من الجبال) أي تنقبون منها (بيوتا فارهين) [149] وقرئ «فارهين» ~~«5»، والفراهة النشاط، أي ناعمين وفرحين. PageV03P205 # (فاتقوا الله وأطيعون) [150] أي أطيعوا أمري، فان في طاعة أمري طاعة الله ~~(ولا تطيعوا أمر المسرفين) [151] أي المشركين (الذين يفسدون في الأرض) ~~بالمعاصي والشرك (ولا يصلحون) [152] وهم تسعة رهط منهم لا يوجد منهم صلاح ~~ما، بل فسادهم فساد مصمت لا خير فيه، ولهذا ذكره بعد قوله يفسدون. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 153 الى 155] # قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) # (قالوا إنما أنت من المسحرين) [153] أي من الذين «1» سحروا مرارا وغلب ~~على عقلهم فوعظهم صالح فلم يؤمنوا وطلبوا آية على صدقه وهي خروج ناقة عشراء ~~من هذه الصخرة فتلد سقبا، أي ولدا، وأبدل من جمل «إنما» قوله (ما أنت إلا ~~بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين) [154] أنك رسول الله، فخرج ناقة ~~عشراء كأعظم ما يكون وولدت ولدا مثلها في العظم، قيل: «كان مصدرها ستين ~~ذراعا» «2»، ثم (قال) صالح (هذه ناقة لها شرب) أي نصيب من الماء تشربه ~~وكانت تشرب جميع الماء (ولكم شرب يوم معلوم) [155] لا تشرب فيه الماء. ### || [سورة الشعراء (26): آية 156] # ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) # (ولا تمسوها بسوء) أي بضرر أو بعقر (فيأخذكم عذاب يوم عظيم) [156] أي في ~~يوم عظيم، وإنما وصف اليوم بالعظم، لأنه إذا عظم الوقت لحلول العذاب فيه ~~كان موقعه في النفس من العظم أشد، روي: أن مسطعا رماها بسهم في مضيق في ms1232 شعب ~~فأصاب رجلها فسقطت، ثم ضربها قدار «3»، وروي أيضا: أن عاقرها قال لا أعقرها ~~حتى ترضوا أجمعين، فاستؤذن رجالهم ونساؤهم وصبيانهم فرضوا «4». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 157 الى 159] # فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159) # (فعقروها فأصبحوا نادمين) [157] على عقرها لا ندامة توبة، بل ندامة خوف ~~من نزول العذاب بهم أو ندموا عند معاينة العذاب وهو ليس بتوبة. # (فأخذهم العذاب) المعهود وهو عذاب يوم عظيم (إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم) أي أكثر قوم صالح (مؤمنين) [158] به. # (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [159] بالنقمة والتوبة. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 160 الى 165] # كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني ~~لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (164) # أتأتون الذكران من العالمين (165) # (كذبت قوم لوط المرسلين [160] إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون [161] إني ~~لكم رسول أمين) [162] فيما بين الله وبينكم من الوحي (فاتقوا الله وأطيعون ~~[163] وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين [164] أتأتون ~~الذكران من العالمين) [165] استفهم منهم لوط عليه السلام استفهام إنكار، ~~وأراد من «العالمين» الناس ومن الاتيان الفاحشة، أي أتطئون الذكور من بين ~~أولاد آدم عليه السلام مع غلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة أو أنتم مختصون ~~بهذه الفاحشة ولا يفعلها غيرهم، فعلى هذا «العالمون» كل ما ينكح من ~~الحيوان، أي يطأ. PageV03P206 ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 166 الى 168] # وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم ~~تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) # (وتذرون) أي تتركون (ما خلق لكم ربكم) قوله (من أزواجكم) تبيين لما خلق ~~لكم أو تبعيض فيراد بما خلق لكم العضو المباح منهن، وهو محل الحرث، لأنهم ~~كانوا يفعلون هذا الفعل أيضا من نسائهم (بل أنتم قوم عادون) [166] أي ~~متجاوزون الحلال إلى الحرام وهذا الفعل منه. # (قالوا لئن لم تنته ms1233 يا لوط) عن الإنكار علينا (لتكونن من المخرجين) [167] ~~من قريتنا. # (قال إني لعملكم من القالين) [168] أي المبغضين، والقلى البغض الشديد وهو ~~صفة لخبر محذوف ل «إن»، أي إني لعملكم، قال «1» من القالين ولو جعل هذا خبر ~~العمل «القالين» في «لعملكم» فلزم تقديم الصلة على الموصول. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 169 الى 173] # رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في ~~الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر ~~المنذرين (173) # (رب نجني وأهلي مما يعملون) [169] من الفواحش (فنجيناه وأهله أجمعين) ~~[170] من العذاب (إلا عجوزا في الغابرين) [171] أي الباقين في العذاب وهو ~~صفة ل «عجوزا» وهي امرأته، أي إلا عجوزا مقدرا غبورها مع قومها، وإنما ~~استثناها لأنها كانت معينة على الفواحش راضية بها والمستثنى منه هو الأهل، ~~لأن الزوجة من الأهل (ثم دمرنا الآخرين) [172] أي أهلكناهم (وأمطرنا عليهم) ~~أي على شذاذهم، وهم الذين كانوا خارجين من بلادهم حين ائتفكت بهم (مطرا) أي ~~حجارة من السماء (فساء مطر المنذرين) [173] أجمعين ولم يرد قوما بأعيانهم، ~~والمخصوص بالذم محذوف، أي مطرهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 174 الى 176] # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم ~~(175) كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) # (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) [174] بلوط (وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم [175] كذب أصحاب الأيكة المرسلين) [176] «الأيكة» علم لبلد أو شجر، ~~روي: أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وهو شجر الدوم «2»، وقرئ «ليكة» ~~بلا ألف ولام «3»، فمن قرأ «ليكة» أراد بها البلد فلا ينصرف للتعريف ~~والتأنيث. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 177 الى 178] # إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) # قوله (إذ قال لهم شعيب ألا تتقون) [177] ظرف لقوله «كذب»، قيل: لم يكن ~~شعيب من أصحاب الأيكة، ولذا لم يقل أخوهم بل كان من أصحاب مدين «4»، عن ~~النبي عليه السلام: «ان شعيبا أخا مدين أرسل إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة» ~~«5»، ولذا قال في موضع آخر «إلى مدين أخاهم شعيبا» «6»، وكان أصحاب الأيكة ~~يطففون فأمرهم بتقوى الله ms1234 وإطاعة نفسه، ونهاهم عن التطفيف بقوله (إني لكم ~~رسول أمين) [178] بينكم وبين ربكم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 179 الى 182] # فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم (182) # (فاتقوا الله وأطيعون [179] وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين [180] أوفوا الكيل) أي PageV03P207 # أتموه (ولا تكونوا من المخسرين) [181] أي الناقصين الكيل والوزن عند ~~الأخذ والعطاء. # (وزنوا بالقسطاس المستقيم) [182] بكسر القاف وضمه «1»، أي بميزان العدل. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 183 الى 184] # ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي ~~خلقكم والجبلة الأولين (184) # (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) أي حقوقهم، والبخس النقص بالظلم وهو يدل على ~~أن أصحاب الأيكة أهل مدين، لأنه قال فيهم كما قال هنا (ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين) [183] أي لا تسعوا فيها بالمعاصي، والعثي هو الفساد والهلاك وكذا ~~العيث، يقال عثي وعاث، أي فسد وهو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع. # (واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين) [184] هي الخلقة، أي ذوي الجبلة، ~~يعني اتقوا الذي خلقكم وخلق من تقدمكم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 185 الى 186] # قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين (186) # (قالوا إنما أنت من المسحرين [185] وما أنت إلا بشر مثلنا) فاثبتوا له ~~شيئين كلاهما مناف للرسالة عندهم، أحدهما التسحير والآخر البشرية، وقصدوا ~~أن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا ولا بشرا، وقالوا (وإن نظنك لمن الكاذبين) ~~[186] أي ما نظنك إلا من الكاذبين، ويجوز أن كون «إن» مخففة دخلت في فعل ~~الظن الذي يدخل على المبتدأ والخبر واللام في ثاني مفعوليه لكونه خبرا في ~~المعنى. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 187 الى 188] # فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما ~~تعملون (188) # (فأسقط علينا كسفا) بالسكون والحركة «2» جمع كسفة وهي القطعة (من السماء) ~~أي السحاب، والمراد العقوبة (إن كنت من الصادقين) [187] أنك نبي فادع ربك ~~أن يسقط علينا كسفا من السماء. # (قال) شعيب (ربي أعلم ms1235 بما تعملون) [188] أي إليه الحكم والمشية وهو أعلم ~~بعملكم من نقصان الكيل والوزن وبما تستحقون من العقاب إن يرد يسقطه وإن يرد ~~يعذبكم بعذاب آخر. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 189 الى 191] # فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) # (فكذبوه) أي شعيبا بالعذاب (فأخذهم عذاب يوم الظلة) وهو ان أصابهم حر ~~شديد بستة أيام متوالية فأخذهم بأنفاسهم حيث لم ينفعهم ظل ولا ماء، فاضطروا ~~إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة فدخلوا تحتها، لأنهم وجدوا فيها ~~بردا ونسيما، فأمطرت عليهم نارا محرقة فاحترقوا بها (إنه) أي إن عذاب يوم ~~الظلة (كان عذاب يوم عظيم [189] إن في ذلك لآية) لمن نقص في الكيل والوزن ~~(وما كان أكثرهم مؤمنين) [190] به. # (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) [191] أي للعاصي والمطيع وإنما كرر هذه ~~القصص في القرآن تقريرا للمعاني في النفوس وتثبيتا لها في الصدور، لأنه ~~أثبت للذكر وأبعد للنسيان وليكون أبلغ في الوعظ والزجر. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 192 الى 194] # وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون ~~من المنذرين (194) # (وإنه لتنزيل رب العالمين [192] أي إن القرآن لمنزل «3» إله الخلق كلهم. PageV03P208 # (نزل به الروح الأمين) [193] أي جبريل، لأنه أمين على الوحي وهو بالرفع ~~فاعل «نزل» على قراءة التخفيف، وقرئ «نزل» مشددا ونصب «الروح» «1»، ومعناه: ~~جعل الله الروح الأمين نازلا به، ومحل الجملة نصب على الحال. # (على قلبك) أي على قدر قلبك حفظا وفهما، يعني حفظه قلبك وفهمك إياه على ~~مرادك وأثبته فيك إثبات ما لا ينسى (لتكون من المنذرين) [194] أي المخوفين. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 195 الى 196] # بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) # (بلسان عربي مبين) [195] قيل: إن علقت الباء في «بلسان» ب «المنذرين» كان ~~المعنى من الذين أنذروا بهذا اللسان وهو لغة قريش وهم خمسة، هو وصالح وشعيب ~~وإسمعيل ومحمد عليهم الصلوة والسلام أجمعين، وإن علقت الباء فيه ب «نزل» ~~كان معناه نزله بلغة العرب لتنذر به، ms1236 ولو نزله بلغة العجم لقالوا كيف نؤمن ~~بما لا نفهمه، وتعذر الإنذار به، لأن الرجل إذا كلم بلغة لقنها أولا ونشأ ~~عليها كان قلبه متوجها إلى معاني الكلام دون ألفاظه، وإن كلم بغير تلك ~~اللغة وإن كان عارفا بها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها، فهذا ~~تقرير قوله «نزل به على قلبك» «2». # (وإنه) أي ذكر القرآن (لفي زبر الأولين) [196] أي لمثبت في كتبهم وهم ~~الأنبياء قبلك. ### || [سورة الشعراء (26): آية 197] # أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) # قوله (أولم يكن لهم آية) بالرفع، فيجوز أن يكون (أن يعلمه) بدلا من «آية» ~~إذا كان «كان» تامة و«آية» فاعلها أو هي الناقصة واسمها ضمير الشأن، و«آية» ~~مبتدأ خيره «أن يعلمه»، أي القرآن أو محمدا صلى الله عليه وسلم وهما خبر ~~«كان»، هذا إذا قرئ «لو لم تكن» بالتاء مؤنثا ولو قرئ بالياء مذكرا فنصب ~~«آية» «3» خبر «كان» واسمها «أن يعلمه»، نزل حين أرسلوا إلى يهود المدينة ~~رسولا يسألهم عن نعت النبي عليه السلام، فقال هذا زمان خروجه ونعته كذا ~~«4»، فقال تعالى بالاستفهام للتقرير أيشكون «5» فيه ولم يكن لهم علامة أن ~~يعلمه (علماء بني إسرائيل) [197] ابن سلام وأصحابه كانوا يخبرون بنعت «6» ~~النبي عليه السلام في كتبهم وكان أخبارهم أية على صدقه. ### || [سورة الشعراء (26): آية 198] # ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) # (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) [198] جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح، أي لا ~~يبين الكلام بعجمة في لسانه، والأعجمي مثله والياء فيه لزيادة التأكيد وهو ~~ياء النسبة، أي لو نزلناه على غير عربي اللسان. ### || [سورة الشعراء (26): آية 199] # فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) # (فقرأه عليهم) أي على العرب، وجواب «لو» (ما كانوا به مؤمنين) [199] لعدم ~~فهمهم كلامه ولا نفوا من اتباعه، فلذا لم يفعل الله ذلك، قيل: هذا منة من ~~الله حيث كلمهم بلغتهم ليفهموه فيؤمنوا به «7». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 200 الى 201] # كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) # (كذلك سلكناه) أي مثل ذلك السلك الذي ms1237 وضعناه على الأعجمين من تنزيل ~~القرآن عليهم فرضا ومن PageV03P209 # عدم إيمانهم به سلكناه (في قلوب المجرمين) [200] من العرب، أي أدخلنا ~~الشك والشرك في قلوبهم من نزوله، لأنا قررنا القرآن في قلوبهم ومكناه بلسان ~~عربي مبين فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وإنه معجز لا يعارض بكلام مثله، فلم ~~يتغيروا عما هم عليه من جحوده فهم (لا يؤمنون به) أي بالقرآن (حتى يروا ~~العذاب الأليم) [201] في الدنيا أو في الآخرة وهذه الجملة وقعت مقررة ~~لمضمون «سلكناه» في قلوب المجرمين من التكذيب بالقرآن. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 202 الى 204] # فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا ~~يستعجلون (204) # (فيأتيهم) العذاب (بغتة وهم لا يشعرون) [202] به فيتمنون الرجوع والإمهال ~~(فيقولوا هل نحن منظرون) [203] أي مؤخرون من التعذيب. # قوله (أفبعذابنا يستعجلون) [204] تبكيت لهم بانكار وتهكم، نزل حين ~~استبطؤا العذاب بعد الوعد به «1». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 205 الى 208] # أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) # ثم قال تعالى (أفرأيت إن متعناهم سنين [205] ثم جاءهم ما كانوا يوعدون) ~~[206] من العذاب (ما أغنى عنهم) أي ما ينفعهم (ما كانوا يمتعون) [207] في ~~الدنيا، المعنى: إن طال تمتعهم سنين كثيرة بنعيم الدنيا فانهم لا ينتفعون ~~به عند مجيء العذاب بعد إقامة الحجة عليهم، يدل عليه قوله (وما أهلكنا من ~~قرية إلا لها منذرون) [208] أي رسل ينذرونهم، وإنما تركت الواو بعد إلا ~~ههنا لأن الأصل أن تعزل الواو إذا وقعت الجملة صفة ل «قرية» حذرا عن شبهة ~~العطف، وإذا زيدت كانت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 209 الى 211] # ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لهم ~~وما يستطيعون (211) # قوله (ذكرى) مصدر أو مفعول له، أي إلا لها منذرون يذكرون ذكرى أو لأجل ~~الموعظة والتذكر، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هذه ذكرى، أي تذكرة ~~لهم (وما كنا ظالمين) [209] فنهلك قوما بالظلم، أي من غير إقامة الحجة ~~بارسال الرسل إليهم. # قوله ms1238 (وما تنزلت به الشياطين) [210] نزل حين قال المشركون إن محمدا كاهن ~~وما ينزل عليه من جنس ما يتنزل به على الكهنة من الشيطان «2»، فكذبهم الله ~~تعالى بقوله (وما ينبغي) أي ما جاز (لهم) النزول بالقرآن (وما يستطيعون) ~~[211] أي لا يتسهل لهم ذلك. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 212 الى 213] # إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ~~المعذبين (213) # (إنهم) أي لأنهم (عن السمع) أي استماع كلام أهل السماء (لمعزولون) [212] ~~أي لمحجوبون لاحتراقهم بالشهب. # قوله (فلا تدع مع الله إلها آخر) نزل حين دعي إلى دين آبائه «3» أو خطاب ~~له صلى الله عليه وسلم والمراد غيره (فتكون من المعذبين) [213] وإن كنت ~~كريما عليه فكيف بغيرك. ### || [سورة الشعراء (26): آية 214] # وأنذر عشيرتك الأقربين (214) # (وأنذر عشيرتك الأقربين) [214] أي الأقرب فالأقرب من قومك ولا تحابهم في ~~الإنذار، روي: أنه عليه السلام لما نزلت جمع قومه وقال: «يا بني عبد المطلب ~~يا بني هاشم يا بني عبد مناف افتدوا أنفسكم من النار، فاني لا أغني عنكم من ~~الله شيئا»، ثم قال: «يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد PageV03P210 # ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار، فاني لا أغني عنكن من الله ~~شيئا» «1». ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 215 الى 216] # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون (216) # (واخفض جناحك) أي ألن جانبك وتواضع (لمن اتبعك من المؤمنين) [215] الذين ~~يشارفون الدخول في الإيمان أو المؤمنين باللسان مطلقا بعد الإنذار عشيرتك ~~وغيرهم (فإن عصوك) أي خالفك الأقربين ولم يتبعوك (فقل إني بريء مما تعملون) ~~[216] من الشرك «2» وغيره من المعاصي، فالفاء للجزاء. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 217 الى 218] # وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يراك حين تقوم (218) # قرئ بالواو عطفا على الجزاء وبالفاء «3» بدلا عنه قوله (وتوكل على العزيز ~~الرحيم) [217] أي ثق به وفوض أمرك إليه فانه يكفيك شر من يعصيك منهم ومن ~~غيرهم، والتوكل تفويض الرجل أمره إلى مالك الأمور كلها القادر على النفع ~~والضر، والعزيز هو القادر ms1239 للأعداء، والرحيم هو الناصر للأولياء برحمته ~~و(الذي يراك) وصف واتباع للرحيم بما هو سبب الرحمة، وهو ذكر ما يفعله في ~~جوف الليل من قيامه للتهجد، أي الذي يراك (حين تقوم) [218] متهجدا أو إلى ~~جميع مهامك. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 219 الى 220] # وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) # (و) يري (تقلبك) من قيام وركوع وسجود (في الساجدين) [219] أي المصلين إذا ~~كنت إماما لهم في الصلوة أو المراد ب «الساجدين» وتقلبه فيهم المتهجدون من ~~أصحابه وتصفح أحوالهم ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون كيف يعبدون الله وكيف ~~يعملون لآخرتهم (إنه هو السميع) بقولك (العليم) [220] بفعلك ونيتك. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 221 الى 222] # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) # قوله (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) [221] نزل حين قالوا أن الشياطين ~~تلقي السمع على محمد «4»، و«من» كلمة تضمنت الاستفهام ودخل عليها حرف الجر، ~~وحق الاستفهام أن يصدر في الكلام فيقال أعلى زيد مررت ولا يقال على أزيد ~~مررت، ولكن تضمنته ليس بمعنى أنه اسم فيه معنى الحرف، بل معناه: أن الأصل ~~أمن، فحذف حرف الاستفهام واستعمل على حذفه كما يقال في «هل» أصله أهل، ~~ومعناه: أقد فاذا دخلت حرف الجر على من فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك، ~~كأنك تقول أعلى من تنزل (تنزل على كل أفاك أثيم) [222] أي كذاب فاجر، وهم ~~الكهنة الذين كانت تسترق الجن السمع فتلقيه إليهم. ### || [سورة الشعراء (26): آية 223] # يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) # (يلقون السمع) أي يقذف الجن إلى الكهنة ما يستمعون عن استراق السمع وهو ~~في محل النصب على الحال أو في محل الجر صفة لكل أفاك، لأنه في معنى الجمع، ~~ويجوز أن يكون مستأنفا، أي هم يلقون السمع (وأكثرهم) أي الكهنة أو الشياطين ~~(كاذبون) [223] لأنهم يخلطون معه كذبا كثيرا، عن النبي عليه السلام: # «الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة» ~~«5»، وإنما قال «أكثرهم» لأن البعض قد يصدق. PageV03P211 ### || [سورة الشعراء (26): آية 224] # والشعراء يتبعهم الغاوون (224) # قوله (والشعراء يتبعهم ms1240 الغاوون) [224] بالتخفيف والتشديد «1»، نزل فيمن ~~كان يقول الشعر ويقول نحن نقول كما يقول محمد «2»، واتبعهم غواة على ذلك ~~والغاوون هم المشركون أو الشياطين أو السفهاء والشطار، وهم شعراء قريش مثل ~~عبد الله بن الزبعري وأبو عزة الجمحي ومسافع بن عبد مناف، كانوا يهجعون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع الأعراب من قومهم عليهم لاستماع أشعارهم. ### || [سورة الشعراء (26): الآيات 225 الى 226] # ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) # (ألم تر أنهم في كل واد) من أودية الكلام وفنونه (يهيمون) [225] من هام ~~الرجل أو البعير إذا ذهب على وجهه لا يدري أين يذهب، أي يمضون عن الحد ~~مدحوا أو هجوا، لأنهم لقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق يفضلون أجبن الناس ~~وأبخلهم ويهجون أشرف الناس وأجودهم. # (وأنهم) أي أن الشعراء «3» (يقولون) في أشعارهم فعلنا وصنعنا (ما لا ~~يفعلون) [226] ونفعل ونصنع تخرصا وكذبا. ### || [سورة الشعراء (26): آية 227] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) # قوله (إلا الذين آمنوا) نزل حين نزل «والشعراء يتبعهم الغاوون» لاستثناء ~~المؤمنين منهم كحسان وابن رواحة وكان غالب شعرهم توحيدا «4»، وذكر الله ~~فقالوا يا رسول الله قد نزلت هذه الآية والله يعلم أنا شعراء، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه وإن الذي ترمونهم ~~به نضح النبل» «5»، وكان يقول لحسان: «قل وروح القدس معك» «6»، أي ناصرك ~~إلا الذين صدقوا الله ورسوله (وعملوا الصالحات) بالإخلاص (وذكروا الله ~~كثيرا) في جميع الأحوال أو في أشعارهم من توحيده وثنائه وتنزيهه وحكمته ~~وموعظته ومدح أنبيائه وأوليائه (وانتصروا) أي هجوا الكفار اقتصاصا (من بعد ~~ما ظلموا) أي هجوا، لأن الكفار بدؤوهم بالهجا، ولا شك أن الشعر كلام فحسنه ~~كحسنه وقبيحه كقبيحه، ولا بأس الشعر بما هو الحق مدحا كان أو ذما، ثم أوعد ~~شعراء الكفار وهددهم بما هم أهيب وأهول فقال (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون) [227] أي أي مرجع يرجعون مع الخسران إلى النار، ms1241 فان فيه وعيدا ~~بليغا للمتأملين بقوله «سيعلم» وبقوله «ظلموا» وإطلاقه، وبقوله «أي منقلب ~~ينقلبون» وبابهامه، وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويخافون شدتها، قوله ~~«أي منقلب» صفة مصدر محذوف منصوب بفعل بعده لا ب «يعلم» لأنه استفهام، ~~تقديره: ينقلبون انقلابا أي منقلب، قالوا: إن من عمل سيئة فهو من الذين ~~ظلموا، وتفسير الظلم بالكفر ليس بتحقيق، لأنه يفضي إلى أمن الظالم وزيادة ظلمه. PageV03P212 ### | سورة النمل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النمل (27): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) # (طس تلك) أي هذه الآيات التي في هذه السورة هي (آيات القرآن وكتاب مبين) ~~[1] أي مظهر وهو اللوح، ولا فرق بينه وبين قوله «آيات الكتاب وقرآن مبين» ~~«1»، لأن الواو لا تقضي الترتيب فهو من باب توسعة الكلام وإبانته أنه خط ~~فيه كل ما هو كائن فيبينه للناظر فيه أو الكتاب «2» المبين السورة أو ~~القرآن، كرر للتأكيد وإبانتهما أنهما يبينان «3» ما أودعاه من العلوم ~~والأحكام، والعطف فيه كعطف إحدى الصفتين على الأخرى للتأكيد نحو «غافر ~~الذنب وقابل التوب» «4»، وإضافة ال «آيات» إليهما على سبيل التفخيم بها، ~~لأن المضاف يكسب التعظيم من العظيم المضاف إليه، ونكر الكتاب المبين ليبهم ~~بالتنكير للتفهيم له. ### || [سورة النمل (27): آية 2] # هدى وبشرى للمؤمنين (2) # قوله (هدى وبشرى) نصب على الحال أو هادية (للمؤمنين) [2] من الضلالة ~~بالعمل بها ومبشرة لهم بالجنة، والعامل فيها ما في «تلك» من معنى الإشارة ~~أو رفع خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ال «آيات» أو خبر بعد خبر، والأكثر قرأ ~~«بشرى» بالتفخيم لا بالإمالة «5». ### || [سورة النمل (27): آية 3] # الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) # قوله (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) أي يعطونها (وهم) أي الموصوفون ~~بهذه الصفات (بالآخرة) أي بالبعث والجزاء «6» (هم يوقنون) [3] «7» حق ~~الإيمان، لأنهم الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، والجملة معطوفة على الصلة. ### || [سورة النمل (27): آية 4] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) # (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي بالبعث (زينا لهم أعمالهم) بأن متعناهم ms1242 ~~بطول العمر وسعة الرزق مجازاة لكفرهم فاتبعوا شهواتهم واعتقدوا أعمالهم ~~القبيحة حسنة فيفروا عن التكاليف الشاقة لا أنا أمرناهم «8» بالفواحش ~~وحسناها إليهم (فهم يعمهون) [4] أي يتحيرون في الضلالة، العمه التحير ~~والتردد كما هو حال الضال عن الطريق. ### || [سورة النمل (27): آية 5] # أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) # (أولئك) أي الموصوفون بهذا الوصف (الذين لهم سوء العذاب) أي القتل أو ~~الأسر يوم بدر (وهم في PageV03P213 # الآخرة هم الأخسرون) [5] أي أشد الناس خسرانا، لأنهم لو آمنوا لكانوا من ~~الشهداء على جميع الأمم ولاستحقوا «1» النجاة والثواب. ### || [سورة النمل (27): آية 6] # وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) # ثم قال تعالى (وإنك لتلقى القرآن) الموصوف بالهداية والبشارة (من لدن ~~حكيم عليم) [6] أي إنك يا محمد لتلقنه من عند الله الحكيم في أمره العليم ~~بأعمال خلقه تمهيدا لما يسوقه من الآيات بعد. ### || [سورة النمل (27): آية 7] # إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم تصطلون (7) # قوله (إذ قال موسى) نصب ب «اذكر» مقدرة (لأهله) أي لزوجته ومن معها عند ~~مسيره من مدين إلى مصر (إني آنست) أي رأيت (نارا سآتيكم منها بخبر) أي بخير ~~الطريق على قوة الرجاء، لأنه قد ضل عنها، وقيل: لم يكن مع موسى غير امرأته ~~إلا أنه لما عبر عنها بالأهل خاطب بلفظ الجمع «2» (أو آتيكم بشهاب قبس) ~~الشهاب الشعلة، والقبس النار المقبوسة، كلاهما بالتنوين صفة وموصوف ~~وبالإضافة «3» كاضافة ثوب جز (لعلكم تصطلون) [7] أي تدفعون البرد بحرها. ### || [سورة النمل (27): آية 8] # فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) # (فلما جاءها) أي موسى النار (نودي) موسى (أن بورك) «أن» تفسير، لأن في ~~النداء معنى القول، أي قيل له بورك، ولا يجوز أن يكون مخففة، لأنه لا بد من ~~«قد»، ولا يجوز إضمارها، لأنها علامة لا تحذف، قوله (من في النار) محله رفع ~~ب «بورك»، أي من يقرب من النار (و) بورك (من حولها) أو المكان محذوف فيهما، ~~أي ms1243 بورك من في مكان النار ومن حول مكانها وهو البقعة التي ظهرت النار فيها، ~~ومعنى قوله تعالى «بورك من في النار» بشارة بقضاء أمر عظيم ينتشر منه ~~البركة في أرض الشام كلها، وتلك البركة هي حدوث أمر ديني من تكليم الله ~~موسى عليه السلام وإظهار المعجزات عليه فيها وإرساله إلى أباعد تلك البقعة ~~لنشر بركة ذلك الخير فيها بنصر الله تعالى إياه، والمراد ب «النار» هنا ~~النور وهو نور رب العزة، قيل: المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة ~~الحاضرون، والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي ~~وحواليها من أرض الشام «4»، وإنما قال سآتيكم بالسين إيذانا لأهله بعوده ~~إليهم وإن أبطأ، وإنما قال أو آتيكم ب «أو» دون الواو رجاء على أنه إن لم ~~يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم إحديهما ثقة بالله الكريم إما هداية الطريق أو ~~اقتباس النار، لأنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، قوله (وسبحان الله ~~رب العالمين) [8] من جملة ما نودي تعجيبا له. ### || [سورة النمل (27): آية 9] # يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) # (يا موسى إنه) أي الشأن (أنا الله) أو مكلمك يا موسى أنا والله بيان أو ~~بدل و(العزيز الحكيم) [9] صفتان له تعالى، قيل: هذا جواب قول موسى من الذي ~~يكلمني هنا حين سمع الخطاب ولم ير أحدا «5». ### || [سورة النمل (27): الآيات 10 الى 11] # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) # قوله (وألق عصاك) من يدك، عطف على أن بورك فألقاها فصارت حية (فلما رآها) ~~أي العصا (تهتز) أي تتحرك، حال من هاء «رآها» (كأنها جان) أي حية خفيفة ~~أهلية، وصارت عند فرعون ثعبانا وهي الحية الكبيرة الغير الأهلية، وهي أيضا ~~حال من ضمير «تهتز» (ولى مدبرا) أي رجع موسى على ظهره هاربا (ولم يعقب) أي ~~لم يلتفت بعد هربه خوفا من الحية، فقيل له (يا موسى ms1244 لا تخف) من الحية (إني ~~لا يخاف لدي المرسلون) [10] PageV03P214 # أي لا ينبغي أن يخافوا عندي، لأنهم آمنون من عذابي، وإنما خاف موسى لأنه ~~ظن أن ذلك لأمر أريد به (إلا من ظلم) أي لكن من ظلم من المرسلين نفسه بذنب ~~صدر منه كآدم ويونس وداود وإخوة يوسف صلوات الله عليهم أجمعين، فانه خاف ~~مني (ثم بدل) أي فعل (حسنا بعد سوء) أي توبة بعد ذنب (فإني غفور رحيم) [11] ~~أغفر له وأرحمه. ### || [سورة النمل (27): آية 12] # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين (12) # (وأدخل يدك في جيبك) أي في جيب درعك ثم أخرجها (تخرج بيضاء من غير سوء) ~~أي من غير برص، قوله (في تسع آيات) كلام مستأنف متعلق بمحذوف «1»، أي اذهب ~~في تسع آيات (إلى فرعون وقومه) ويجوز أن يتعلق بما قبله بتقدير مرسلا إلى ~~فرعون في تسع آيات، ويجوز أن يكون «في» بمعنى «2» مع فيكون الآيات إحدى ~~عشرة، اليد والعصا والتسع وهي الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والطمسة على أموالهم والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم (إنهم ~~كانوا قوما فاسقين) [12] أي عاصين. ### || [سورة النمل (27): آية 13] # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) # (فلما جاءتهم آياتنا) أي جاءهم موسى بآياتنا التسع (مبصرة) حال من ~~الآيات، أي ظاهرة بينة جعل الأبصار للآيات مجازا وهي في الحقيقة لمن ~~يتأملها (قالوا هذا سحر مبين) [13] أي بين. ### || [سورة النمل (27): آية 14] # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (14) # (وجحدوا بها) أي بالآيات بعد المعرفة، قوله (واستيقنتها أنفسهم) بتقدير ~~«قد» حال من ضمير «جحدوا»، أي لما جاءتهم آياتنا واضحات أنكروها حال كونهم ~~مستيقنين صدقها وإنها من الله تعالى (ظلما) أي شركا (وعلوا) أي تكبرا عن ~~الإيمان بموسى يتعلقان ب «جحدوا»، والاستيقان أبلغ من الإيقان (فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين) [14] في الأرض بالكبر والمعاصي وكفران نعم الله تعالى ~~بالجهل والغفلة عنه، وهي الغرق في البحر. ### || [سورة النمل (27): آية 15] # ولقد آتينا ms1245 داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) # (ولقد آتينا داود وسليمان علما) أي طائفة من العلم وهو علم القضاء ومنطق ~~الطير (وقالا) قيل: # الأوجه فقالا لقولهم أعطيته فشكر لكن فيه حذفا، تقديره: آتيناهما علما ~~فعملا به «3»، وقالا (الحمد لله الذي فضلنا) بالنبوة والكتاب وتسخير الجن ~~والإنس والشياطين وكلام الطير والبهائم والملك (على كثير من عباده ~~المؤمنين) [15] وهم الذين لم يؤتوا علما وعملا مثل عملهما، وفي الآية دليل ~~على شرف العلم، وإنه من أجل النعم وإن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من ~~عباد الله. ### || [سورة النمل (27): آية 16] # وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء ~~إن هذا لهو الفضل المبين (16) # (وورث سليمان داود) أي نبوته وعلمه دون المال من بين بنيه وكانوا تسعة ~~عشر ابنا (وقال) أي نادى (يا أيها الناس علمنا منطق الطير) وأراد بنون ~~التكلم نفسه وأباه تشهيرا لنعمة الله واعترافا بها ودعاء للناس إلى التصديق ~~بذكر المعجزة التي هي علم المنطق، قيل: أعطي سليمان ما أعطي داود، وزيد له ~~تسخير الجن والريح وفهم نطق الطير «4»، والمنطق كل ما يصوت به من المفرد ~~والمؤلف المفيد وغير المفيد، وما علم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم «5» ~~بعضه من بعض من معانيه وأغراضه (وأوتينا من كل شيء) أي مما يؤتي الأنبياء ~~والملوك، PageV03P215 # و«كل» هنا بمعنى التكثير لا للإحاطة (إن هذا) أي الذي ذكرناه من النعم ~~الكثيرة التي أعطاناها الله تعالى (لهو الفضل المبين) [16] أي الظاهر على ~~ما أعطي غيرنا وهو وارد على سبيل الشكر والثناء لا على سبيل الفخر. ### || [سورة النمل (27): آية 17] # وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) # (وحشر) أي جمع (لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير) في مسير كان له ~~(فهم يوزعون) [17] أي يساقون ويجمعون، يعني يوقف ويمنع أولهم حتى يلحقهم ~~آخرهم ليكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة، من الوزع ~~وهو الكف، قيل: إن سليمان يستعمل جنيا عليهم يرد ms1246 أولهم إلى آخرهم هكذا عادة ~~القوافل والعساكر، وكان معسكره مائة فرسخ في فرسخ، وكان له بساط من ذهب ~~وفضة وإبريسم نسجت له الجن فرسخا في فرسخ وفي وسطه يوضع منبره من ذهب وحوله ~~ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد هو والأنبياء على كراسي الذهب والعلماء ~~على كرسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطير ~~بأجنحتها لدفع حر الشمس عنه وترفع البساط ريح الصبا بأمره فتسير به مسيرة ~~شهر، وزيد في ملكه أنه لا يتكلم أحد إلا حملت الريح كلامه إليه، فبينما ~~يسير هو رآه وجنده حراث، فقال أوتي آل داود ملكا عظيما فنزل ومشى إليه، ~~وقال له لا تتمن ما لا تقدر عليه والله لتسبيحه واحدة يتقبلها الله خير مما ~~أوتي آل داود ويتعلق بالوزع «1». ### || [سورة النمل (27): آية 18] # حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) # (حتى إذا أتوا على واد النمل) هي بالطائف أو الشام كثيرة النمل، وإنما ~~عدي «أتوا» ب «على» لا ب «إلى»، لأنهم لما أتوا قريبا من الوادي من فوق ~~أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي فخافوا حطمهم، لأنهم ما دامت الريح ~~تحملهم لا يخاف حطمهم (قالت نملة) هي كانت ملكة النمل لما رأت جند سليمان ~~(يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) أي ثقوبكم، وإنما جعل الله خطابهم خطاب ~~العقلاء حيث لم يقل أدخلن لما سمع لها قول كقولهم، قوله (لا يحطمنكم) ~~بالتشديد نهي مستأنف لأجل نون التأكيد، لأن جواب الشرط لا يأتي بنون ~~التأكيد إلا قليلا أو بدل من الأمر بمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم على ~~طريقة قولك لا أي أرينك هنا «2»، وأصل الحطم الكسر، والمراد هنا الإهلاك، ~~أي لا يهلكنكم (سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) [18] بهلاككم، قالته لما علمت ~~إن سليمان ملك عادل لا بغي فيه ولا فخر، ولئن علم بها لم توطأ وسمعه سليمان ~~من ثلاثة أميال لرفع الريح صوتها إليه. ### || [سورة النمل (27): آية 19] # فتبسم ضاحكا من قولها ms1247 وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) # (فتبسم ضاحكا) حال مقدرة، لأن التبسم مبدأ الضحك، أي تبسم شارعا في الضحك ~~أو مؤكدة المعنى ضحك متعجبا (من قولها) وسببه شيئان «3» دلالة قولها على ~~ظهور رحمته وشفقة جنوده وسروره بما أعطاه الله من إدراكه لسمعه ما تكلم به ~~الحكل ما لا يسمع له صوت من جنس الحيوان (وقال رب أوزعني) أي ألهمني (أن ~~أشكر نعمتك) وهو طلب التوفيق لزيادة العمل الصالح والتقوى والإيزاع من ~~الوزع، وهو الكف والربط، أي اجعلني أزع شكر نعمتك (التي أنعمت علي وعلى ~~والدي) وأربطه عندي لا ينفلت «4» عني حتى أكون لك PageV03P216 # شاكرا دائما، وإنما أدرج ذكر والديه لأن النعمة على الولد نعمة على ~~الوالدين خصوصا إذا كان تقيا، فانه ينفعهما بدعائه وشفاعته (وأن أعمل صالحا ~~ترضاه) أي تقبله مني (وأدخلني) في الجنة (برحمتك في عبادك الصالحين) [19] ~~أي اجعلني معهم فيها، فوقف سليمان وجنوده بمكانهم ليدخل النمل مساكنهم ثم ~~مضى بهم. ### || [سورة النمل (27): الآيات 20 الى 21] # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) # (وتفقد) أي سليمان (الطير) والتفقد عدم الوجدان بعد الطلب، أي تطلب جملة ~~الطير ليرى الهدهد الذي هو رئيس الهداهد فلم يره فيهم (فقال ما لي) بسكون ~~الياء وفتحها «1» (لا أرى الهدهد) في جملة الطير ثم أدركه الشك في غيبته ~~فقال (أم كان من الغائبين) [20] والميم صلة أو «أم» بمعنى بل، لأنه لاح له ~~أنه غائب، فأضرب عن ذلك، فلما تحقق غيبته قال والله (لأعذبنه عذابا شديدا) ~~بنتف ريشه وذنبه وحبسه مع ضده ورميه في الشمس، فلا يمتنع عن الهوام، وإنما ~~جاز له تعذيب الهدهد لأنه إذا سخر له الطير والتسخير لا يتم إلا بالتأديب ~~والسياسة باذن الله تعالى (أو لأذبحنه) أي لأقتلنه كيلا يبقى له نسل (أو ~~ليأتيني بسلطان مبين) [21] أي برهان ظاهر على عذره، قرئ بنون واحدة ms1248 مع ~~التشديد للتأكيد في القسم، وبنون الإضافة معها ففيه ثلاث نونات في الحقيقة ~~«2»، قيل: كيف صح حلفه على فعل الهدهد من أين علم أنه يأتي بسلطان مبين؟ ~~أجيب بأنه يجوز أن يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه سيأتيه بسلطان ~~مبين «3». ### || [سورة النمل (27): الآيات 22 الى 23] # فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني ~~وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) # (فمكث) بفتح الكاف وضمها «4»، أي أبطأ في غيبته وقتا يسيرا (غير) زمان ~~(بعيد) ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وإنما ~~طلبه سليمان لأن الهدهد كان قنقنه، وهو الدليل الهادي والبصير بالماء تحت ~~الأرض كما يرى الماء في الزجاجة واسمه يعفور، وكان سليمان عليه السلام إذا ~~احتاج إلى الماء دل الهدهد على موضع الماء فتجيء الشياطين فتستخرجونه له. # روي: أنا لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج بجنوده فأقام بمكة ما شاء، ~~ثم عزم إلى صنعاء فرأى مكانا أعحبته خضرته فنزل ليتغدى ويصلي الظهر في ~~وقعتها، فأمر الهدهد بأن يرتفع وينظر في طول السماء وعرضها، فارتفع فرأى ~~هدهدا واقعا فانحط إليه واسمه عنقير، فوصف له يعفور ملك سليمان وما سخر له ~~من كل شيء، وذكر له صحابه ملك بلقيس وعظمه، وقال: ما أظن ملك سليمان أعظم ~~من ملكها فهل أنت منطلق معي تنظر ملكها؟ # فقال أخاف أن يفقدني سليمان وقت الصلوة إذا احتاج إلى الماء، فقال يسر ~~صاحبك أن تأتيه خبر هذه الملكة، فانطلق معه فنظر ملكها فمكث لذلك، وقد جاء ~~وقت الصلوة وأراد سليمان أن يصلي الظهر فلم يجد ماء فطلب الهدهد ليدل على ~~الماء ويستخرج الشياطين الماء من تحت الأرض فتفقده لذلك، فقال لسيد الطير ~~وهو العقاب علي به فارتفع فنظر، فاذا هو مقبل فقصد به فقال بحق الذي قواك ~~علي إلا رحمتني فتركه وقال إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال وما استثنى، قال ~~بلى إن لم تأت بسلطان مبين، قال نجوت إذن ms1249 فجاء العقاب سليمان بالهدهد، فلما ~~قرب منه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان، فأخذ برأسه ~~وجذبه إليه بشدة وتهدده، فقال يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد ~~سليمان وعفا عنه ولطف به خوفا من الله «5». PageV03P217 # (فقال) الهدهد (أحطت بما لم تحط به) أي أني أطلعت على قوم وعرفت من ~~بلادهم وأحوالهم ما لا تعلمه أنت ولا أحد من جندك (وجئتك من سبإ) اسم بلدة ~~أو قبيلة لا تنصرف بالفتح لتعريفه وتأنيثه، وقرئ بالجر مع التنوين «1» ~~منصرف اسم لحي، قوله (بنبإ يقين) [22] متعلق بالمجيء، وال «نبأ» الخبر الذي ~~له شأن، وال «يقين» العلم الذي لا يشوبه الشك والشبهة، فبينه بقوله (إني ~~وجدت امرأة تملكهم) أي تملك قومها واسمها بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك ~~أرض اليمن كلها ولم يكن له ولد غيرها فغلبت على الملك وأمها جنية لأنه ما ~~كان يرى التزوج من الإنس (وأوتيت) تلك المرأة (من كل شيء) يليق بها من ~~أسباب الدنيا من الأموال والجنود وغيرها (ولها عرش عظيم) [23] أي سرير كبير ~~بالنسبة إلى أبناء جنسها، قيل: في وصف عرشها كان ثمانين ذراعا في ثمانين ~~وسمكه ثمانين «2» أو ثلاثين «3»، وكان من ذهب وفضة مكللا بالدر والزمرد ~~والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وكانت «4» قوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ~~وزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. ### || [سورة النمل (27): آية 24] # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل فهم لا يهتدون (24) # ثم أخبر عن دينها بقوله (وجدتها وقومها) مجوسا (يسجدون للشمس) أي ~~يعبدونها (من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة (فصدهم عن ~~السبيل) أي عن طريق الهدى وهو الإسلام (فهم لا يهتدون) [24] أي لا يعرفون ~~دين الحق، وإنما خفي حالها على سليمان مع قربه منها لمصلحة رآها الله كما ~~أخفي عن يعقوب مكان يوسف، وإنما أنكر الهدهد سجودهم للشمس واهتدى إلى معرفة ~~الله تعالى ووجوب السجود له، لأنه ألهمه الله ذلك كما يلهم سائر الطيور ~~والحيوانات المعارف اللطيفة التي ms1250 لا يكاد العقلاء يهتدون بها «5». ### || [سورة النمل (27): آية 25] # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما ~~تعلنون (25) # (ألا يسجدوا) بالتشديد «6»، «أن» فيه ناصبة بدل من أعمالهم أو مفعول ~~«يهتدون» و «لا» زائدة، أي لا يهتدون أن يسجدوا أو تقديره: لئلا يسجدوا ~~متعلقا بقوله «فصدهم السبيل أو ب «زين»، ومن قرأ بالتخفيف فمعناه: أن ~~الهدهد قال عند ذلك لهم ألا يسجدوا، «ألا» حرف التنبيه، و «يا» حرف النداء ~~والمنادى محذوف، أي ألا يا قوم اسجدوا (لله الذي يخرج الخبء) أي المخبوء ~~وهو ما غاب من الثلج والمطر والنبات والأشجار (في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون) [25] أي يعلم سر أهلهما وجهرهم، قرئ فيهما بتاء الخطاب ~~وبياء الغيبة «7». ### || [سورة النمل (27): آية 26] # الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) # قوله (الله) خبر مبتدأ محذوف، أي الذي يعلم ذلك الله (لا إله إلا هو) أي ~~هو المستحق للعبادة لا غير، قيل: # من «أحطت» إلى قوله (رب العرش العظيم) [26] من قول الهدهد «8»، والتخفيف ~~والتشديد في «ألا يسجدوا» PageV03P218 # سواء في وجوب السجود لأن التخفيف أمر به والتشديد ذم على تركه، والزجاج ~~أوجبه مع التخفيف دون التشديد «1». ### || [سورة النمل (27): آية 27] # قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) # (قال) «2» سليمان (سننظر) أي نتأمل «3» (أصدقت) فيما أخبرتنا به (أم كنت ~~من الكاذبين) [27] فيه، والنظر هو التأمل والتصفح، ثم دلهم الهدهد على ~~الماء فاستخرجوا تواضؤا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابا إلى بلقيس، فقال فيه من ~~عبد الله سليمان بن داود إلى ملكة سبأ بلقيس «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~«السلام على من اتبع الهدى» «4» أما بعد ف «لا تعلوا علي وأتوني مسلمين» ~~«5»، ثم ختمه بخاتمه وطبعه بالمسك. ### || [سورة النمل (27): آية 28] # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون (28) # ثم قال للهدهد (اذهب بكتابي هذا فألقه) بسكون الهاء للوقف أو هو لغة ~~صحيحة، وبكسرها ليدل على الياء المحذوفة، وبياء في الوصل «6» (إليهم) بلفظ ~~الجمع، أي إلى بلقيس وقومها، لأنه ذكرهم معها ms1251 في قوله وجدتها وقومها (ثم ~~تول) أي انصرف (عنهم) بعد إلقاء الكتاب وقف قريبا منهم (فانظر ما ذا ~~يرجعون) [28] أي ما يردون من الجواب فأخذ الكتاب وأتى بلقيس فوجدها راقدة ~~في قصرها بمأرب، وقد غلقت الأبواب وضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة ~~وألقى الكتاب على نحرها وهي مستلقية، وقيل: نقرها فانتبهت فزعة وكانت قارئة ~~كاتبة عربية من نسل تبع الحميري، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت خوفا من ~~الخاتم لما فيه ملك سليمان، ثم تأخر الهدهد يسيرا، ثم جلست مع أشراف قومها ~~وكانوا اثني عشر ألفا أو مائة ألف قائد مع كل قائد مائة ألف «7». ### || [سورة النمل (27): الآيات 29 الى 31] # قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم ~~الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين (31) # و(قالت يا أيها الملأ) أي الأشراف (إني ألقي إلي كتاب كريم) [29] أي ~~مختوم، قال صلى الله عليه وسلم: «كرامة الكتاب ختمه» «8» أو شريف لتصدره ~~بالبسملة، ثم قرأت عليهم ما في الكتاب وهو المذكور في المصحف لا غير في ~~رواية مقاتل رضي الله عنه من قوله «9» (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم [30] ألا تعلوا) «أن» فيه مفسرة للكتاب بدل منه، ومعناه لا تتكبروا ~~(علي) كالملوك وردوا جواب كتابي (وأتوني مسلمين) [31] أي طائعين منقادين. ### || [سورة النمل (27): آية 32] # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) # (قالت) المرأة لقومها راجعة إلى استشارتهم واستطلاع آرائهم وتطييب قلوبهم ~~واختبارهم باقامتهم معها في المعاونة (يا أيها الملأ أفتوني في أمري) أي ~~أشيروا علي فيه (ما كنت) أي لست (قاطعة) أي فاصلة (أمرا حتى تشهدون) [32] ~~أي تحضروني «10». PageV03P219 ### || [سورة النمل (27): الآيات 33 الى 35] # قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين ~~(33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك ~~يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) # (قالوا نحن أولوا قوة) في الأجساد والآلات والعدد (وأولوا بأس شديد) أي ms1252 ~~شجاعة وبلاء في الحرب (والأمر إليك) أي ومع ذلك هو موكول إليك، ونحن مطيعون ~~لك لا حكم لنا عليك (فانظري ما ذا تأمرين) [33] أي مرينا بأمرك نتبع أمرك ~~ولا نخالفك، فلما أحست منهم الميل إلى المحاربة رأت هي الميل إلى المصالحة ~~وزيفت قولهم وأرتهم الخطأ فيه بأن (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية) بالقهر ~~(أفسدوها) بالتخريب (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) ليستقيم أمورهم فذكرت لهم ~~عاقبة الحرب، قوله (وكذلك يفعلون) [34] تصديق من الله لقولها أو هو من كلام ~~بلقيس أرادت أن هذه عادتهم المستمرة التي لا تتغير فأرادت أن تدفعه عن ~~ملكها فقالت (وإني مرسلة إليهم بهدية) اختبارا بذلك إن كان سليمان ملكا من ~~ملوك الدنيا أخذ الهدية وانصرف، وإن كان نبيا لم يأخذها ولم نأمنه على ~~بلادنا (فناظرة بم يرجع المرسلون) [35] أي أنظر بأي شيء يرجع رسلي من قبول ~~الهدية أو ردها وما يقال لهم فأهدت أربع لبنات من الذهب، كل لبنة مائة رطل ~~مع هدايا كثيرة مذكورة في التفاسير المطولة مع المنذر بن عمرو من قومها ~~بكتاب فيه نسخة الهدايا، وقالت له انظر إليه فان نظر إليك نظر غضب فاعلم ~~أنه ملك، وإن رأيته بشا لطيفا، فاعلم أنه نبي كريم فتفهم قوله ورد الجواب ~~كما سمعت فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد نحو سليمان مسرعا يخبره ~~الخبر فأمر سليمان أن يضربوا لبنات الذهب والفضة وأن يبسطوها من موضعه الذي ~~هو فيه إلى تسعة فراسخ وأن يجعلوا الميدان حائطا من الذهب والفضة، وجلس هو ~~في الميدان وحوله الجن والإنس والشياطين والطير والوحش، فلما دنا الرسل ~~ونظروا إلى ما نظروا وبهتوا ورأوا الدواب تروث على اللبن من الذهب والفضة ~~الذي بسطوه في طريقهم فرموا بما معهم من أربع لبنات حياء مما رأوا «1». ### || [سورة النمل (27): آية 36] # فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون (36) # (فلما جاء) الرسول ومن معه (سليمان) نظر إليهم بوجه حسن وقال ما وراءكم ~~فأخبر الخبر وأعطى كتابها فنظر فيه وعرف الهدايا ms1253 وأروه إياها (قال) سليمان ~~(أتمدونن بمال) أي أتزادونني بشيء حقير عندي، وهو متاع الدنيا الدنية، قرئ ~~بنون واحدة مشددة مع الياء، وبنونين بالتخفيف مع الياء في الوصل والوقف، ~~وبغيرها فيهما وبها في الأول «2» (فما آتاني الله) من النبوة والملك والغنا ~~والوسع (خير مما آتاكم) من الدنيا لأنكم تفتخرون بزخارفها فرد الهدية عليهم ~~وذكر الفاء دون الواو دليل على أن بلقيس لم تعرف ما آتاه الله سليمان من ~~النبوة والملك، قوله (بل أنتم بهديتكم تفرحون) [36] إضراب عن الإنكار عليهم ~~ببيان سبب حملهم على إمداده بمال أن أنتم تفرحون بشيء من الدنيا وتحزنون ~~عليه، ولا حاجة لي إليه بل حاجتي إلى إيمان قومكم وترك المجوسية، والهدية ~~اسم للشيء المعطى بالرفق والتلطف، تضاف تارة إلى المهدي وتارة إلى المهدى إليه. ### || [سورة النمل (27): آية 37] # ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم ~~صاغرون (37) # ثم قال لأمير المرسلين إليه «3» (ارجع إليهم) «4» بالهدية فان لم يحضروني ~~«5» مسلمين (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم PageV03P220 # بها) أي لا مقابلة ولا مقاومة لهم بها إن لم يأتوني مسلمين (ولنخرجنهم ~~منها) أي من مدينة سبأ (أذلة وهم صاغرون) [37] الذل ذهاب العز والملك، ~~والصغار الأسر والاستعباد، فلما رجع الرسول إليها بخبر سليمان عرفت أنه ليس ~~بملك وجعلت سريرها داخل سبعة أبواب وأغلقت الأبواب وجعلت عليها حرسا ~~وارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل ألوف كثيرة، وجلس ~~سليمان يوما قبل قدومها على سريره فرأى على فرسخ عنه جمعا كثيرا يجيئون، ~~فقال ما هذا السواد؟ قالوا: بلقيس بجنودها. ### || [سورة النمل (27): آية 38] # قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) # (قال) لجلسائه (يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) ~~[38] أراد أن يأخذ سريرها قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ ~~مالها، وقيل: أراد أن يطلعها على عظيم قدرة الله في يده وعلى ما يشهد ~~لنبوته فتصدقها فتسلم «1». ### || [سورة النمل (27): آية 39] # قال عفريت من الجن أنا آتيك به ms1254 قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) # (قال عفريت من الجن) أصله عفري زيدت التاء فيه للمبالغة، وهو الفائق منهم ~~وهو الخبيث المارد الذي يعفر أقرانه، والعفر التراب وكان اسمه كوذى يضع ~~قدمه عند منتهى طرفه (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) أي من مجلس قضائك، ~~وكان يجلس «2» إلى نصف النهار أو قبل أن تصل بلقيس إليك إن شئت (وإني عليه) ~~أي على حمله واتيانه إليك (لقوي أمين) [39] على ما فيه من الجواهر وغيرها ~~كما هو من غير تبديل بغيره، فقال سليمان «3» أريد أسرع من ذلك. ### || [سورة النمل (27): آية 40] # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) # (قال الذي عنده علم من الكتاب) المنزل وهو علم الوحي، وقيل: هو اللوح ~~والقائل جبرائيل عند المعتزلة «4»، وقال أهل السنة: هو آصف بن برخيا كاتب ~~سليمان وكان صديقا عالما يعلم اسم الله الأعظم «5»، وهو «يا حي يا قيوم» ~~«6»، وقيل: «يا ذا الجلال والإكرام «7»، وكان بينه وبين عرشها مقدار شهرين ~~(أنا آتيك به) أي بعرشها (قبل أن يرتد إليك طرفك) وهو النظر، وفي الأصل ~~تحريك الأجفان فوضع في موضعه، والمعنى: أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده ~~أبصرت العرش بين يديك، فقال له سليمان لقد أسرعت إن فعلت ذلك، فقال آصف: ~~أرسل طرفك فنظر نحو اليمن فدعا آصف فغار الكرسي تحت الأرض وظهر عند مجلس ~~سليمان بالشام بقدرة الله تعالى قبل أن يرجع إليه طرفه (فلما رآه) أي رأى ~~سليمان السرير (مستقرا عنده) أي ثابتا بلا شبهة لديه، وقيل: انعدم في مكانه ~~ثم حدث عند سليمان مثله باذن الله تعالى «8» (قال) سليمان (هذا من فضل ربي) ~~أي حصول مرادي من إحسانه إلي (ليبلوني) أي ليختبرني (أأشكر) على مجيء ~~السرير إلي «9» (أم أكفر) بنعمته علي (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) ms1255 لأن نفع ~~شكره عائد إليه (ومن كفر) بترك الشكر على نعمته (فإن ربي غني) عن شكره ~~(كريم) [40] بالإنعام على الشاكر والكافر. PageV03P221 ### || [سورة النمل (27): آية 41] # قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) # (قال) سليمان للملأ (نكروا) أي غيروا عن هيئته (لها عرشها) بأن تجعلوا ~~أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره ومكان الأخضر الأحمر وبالعكس (ننظر أتهتدي) ~~لمعرفته «1» (أم تكون من الذين لا يهتدون) [41] فغيروا عرشها لاختبار عقلها ~~بتنكير ذلك العرش واتخذ صرحا ليتعرف ساقها ورجلها، لأن الجن قالوا إنها ~~شعراء الساقين وحافرها كحافر الحمار خوفا من أن تفشي سرهم إلى سليمان «2»، ~~لأن أمها كانت جنية «3» ومن أن يتزوجها فتلد له ولدا فلا ينفكون من التسخير ~~فأراد أن يعرف حقيقة ذلك بتنكير العرش واتخاذ الصرح وليريها ملكا أعظم من ~~ملكها، فتسلم فأمر سليمان الشياطين ببناء زجاج كأنه الماء في البياض، وجعل ~~صحن الدار قوارير، من رآه ظن ماء حقيقة، فلما تم أمره وضع سريره في صدر ~~الصحن وجلس عليه وعكفت عليه الطير والإنس والجن. ### || [سورة النمل (27): آية 42] # فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين (42) # (فلما جاءت) بلقيس (قيل) لها، أي قال سليمان (أهكذا عرشك قالت كأنه هو) ~~ولم تقل «4» نعم لئلا تكذب وقد عرفته وهذا من استقامة عقلها، وإنما قيل ~~هكذا ولم يقل أهذا لئلا يكون تلقينا، قوله (وأوتينا العلم) يحتمل أن يكون ~~من كلام بلقيس، يعني لما رأت عرشها عند مجلسه علمت أن مجيئها آية من الله ~~دالة على نبوة سليمان قالت «وأوتينا العلم»، أي أعطينا العلم بنبوته وفضله ~~بأخبار رسولنا المنذر من علاماتهما (من قبلها) أي من قبل ظهور هذه الآية ~~العجيبة (وكنا مسلمين) [42] أي طائعين له حين أخبرنا رسولنا من براهين ~~نبوته وفضله عاطفة بعض كلامها على بعض، ويحتمل أن يكون من كلام سليمان ~~عاطفا له على جوابها، لأنها لما أجابت عند سؤاله عن عرشها بما أجابت اقتضى ~~المقام أن يقول هو وقومه قد أصابت في جوابها، كأنه هو ms1256 بسبب أنها قد رزقت ~~بعقلها الراجح الإسلام والعلم بقدرة الله وصحة النبوة بآيات أخبرها رسولها ~~المنذر وبأمر عرشها، فعطفوا على ذلك قولهم وأوتينا العلم بالله وبقدرته ~~وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها أو أوتينا العلم بالله وبقدومها من قبلها، ~~أي من قبل وصولها وكنا شاكرين لله على فضلنا عليها وسبقنا إلى العلم بالله ~~والإسلام قبلها. ### || [سورة النمل (27): آية 43] # وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) # ثم قال تعالى (وصدها) أي منعها الله أو سليمان عن عبادة (ما كانت تعبد) ~~«5» وهو الشمس، ف «ما» مفعول «6» «صد» بتقدير عن أو صدها معبودها (من دون ~~الله) أي حبه قبل قدومها عن التقدم إلى الإسلام، لأنها نشأت في عبادته ولم ~~تعرف غيره، فالفاعل ما كانت (إنها كانت من قوم كافرين) [43] يعبدون الشمس. PageV03P222 ### || [سورة النمل (27): آية 44] # قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ~~ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (44) # (قيل لها ادخلي الصرح) أي في الصرح وهو القصر، وقيل: صحن الدار «1» (فلما ~~رأته حسبته لجة) أي ماء عظيما (وكشفت عن ساقيها) وروي بالهمز «2»، والمعنى: ~~أنها رفعت ثيابها حتى بدت رجلاها فرآها سليمان أحسن الناس قدما، لكن وجد ~~عليهما «3» شعرا فصرف وجهه عنها، ثم (قال) سليمان (إنه صرح ممرد) مملس (من ~~قوارير) وليس بماء حقيقة، ودعاها إلى الإسلام فأجابت بأن (قالت رب إني ظلمت ~~نفسي) بعبادة غيرك (وأسلمت مع سليمان) أي على يده أو أخلصت ديني معه ~~بالتوحيد (لله رب العالمين) [44] وأراد أن يتزوجها فكره شعر ساقها فعملت ~~لها الشياطين بأمره النورة، وهو سبب اتخاذ النورة فأزالته فتزوجها وأحبها ~~حبا شديدا وأقرها على ملكها، روي: «أنها ولدت له داود بن سليمان بن دواد» ~~«4»، وهي من أزواج سليمان في الجنة «5». ### || [سورة النمل (27): آية 45] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) # ثم عطف على قوله «ولقد آتينا داود وسليمان» قوله (ولقد ms1257 أرسلنا إلى ثمود ~~أخاهم صالحا أن اعبدوا الله) أي بأن وحدوه وأطيعوه (فإذا هم فريقان) أي ~~خصمان فريقان مؤمن وكافر، قيل: المراد صالح وقومه الذين لم يؤمنوا به «6» ~~(يختصمون) [45] وصف ل «فريقان» واختصامهم قول كل واحد منهما الحق معي. ### || [سورة النمل (27): آية 46] # قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لو لا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) # (قال) صالح (يا قوم لم تستعجلون بالسيئة) أي بالعقوبة التي وعدتم بها ~~(قبل الحسنة) أي التوبة، وإنما قال ذلك لهم لاعتقادهم من الجهل أن التوبة ~~تنفعهم «7» عند نزول العذاب فيصرون على الكفر لأنه محتمل، فأشار صالح إلى ~~جهلهم وخطئهم فيما اعتقدوا وقالوا بقوله (لو لا) أي هلا (تستغفرون الله) من ~~كفركم قبل نزول العذاب بكم (لعلكم ترحمون) [46] فيرفع العذاب عنكم إذا نزل بكم. ### || [سورة النمل (27): آية 47] # قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) # (قالوا اطيرنا) أي تشأمنا (بك وبمن معك) من المؤمنين لأنه أصابنا القحط ~~بسببكم (قال) صالح (طائركم) أي ما يصيبكم من القحط وغيره (عند الله) يعني ~~لا يأتي بالخير والشر إلا هو، وسمي العذاب طائرا لسرعة نزوله (بل أنتم قوم ~~تفتنون) [47] أي تعذبون بذنوبكم أو «8» يفتنكم الشيطان بوسوسته. ### || [سورة النمل (27): آية 48] # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) # قوله (وكان في المدينة تسعة رهط) بيان لسبب نزول العذاب، والمدينة هي ~~الحجر والرهط ما دون العشرة ليس فيهم امرأة، وهو جمع لا واحد له ولذا أضيف ~~إليه التسعة وميزت به بمنزلة تسعة رجال (يفسدون في الأرض) أي يعملون «9» ~~بأنواع المعاصي (ولا يصلحون) [48] أصلا، أي شأنهم الإفساد، وهم الذين سعوا ~~في عقر الناقة، وفيهم قدار بن سالف عاقر الناقة ومصداع بن دهر، وكانا قد ~~قعدا لها فلما مرت بهما رماها مصداع بسهم وعقرها قدار ثم سلخوها واقتسموا ~~لحمها، فأوعد لهم صالح الهلاك وبين لهم العلامة بتغير ألوانهم، فاجتمع ~~التسعة وتحالفوا «10» على فتك صالح وقومه. PageV03P223 ### || [سورة النمل (27): آية 49] # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ms1258 ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون (49) # (قالوا تقاسموا) يحتمل أن يكون أمرا بينهم أو خبرا في محل الحال بتقدير ~~«قد» بمعنى متقاسمين، أي قالوا متحالفين (بالله) على إهلاك صالح وأتباعه من ~~المؤمنين، فان سئلنا عنهم قلنا لا نعلم حالهم وهو معنى قوله (لنبيتنه) أي ~~صالحا (و) لنبيتن (أهله) يعني لنقتلنهم ليلا بغتة (ثم لنقولن) بنونين في ~~الفعلين إخبارا عن أنفسهم، وبالتاء فيهما خطاب بعضهم لبعض ثم بضم التاء ~~الثانية من الفعل الأول وضم اللام الثانية من الفعل الأول، وضم اللام ~~الثانية من الفعل الثاني «1»، أي يأمر بعضهم بعضا التحالف على إهلاك صالح ~~وأهله ليلا، من البيات وهو المباغتة بالعدو ليلا، ويقولون بعد الإهلاك ~~(لوليه) أي لولي الدم (ما شهدنا) أي ما حضرنا (مهلك أهله) 2 أي أهل صالح ~~(وإنا لصادقون) [49] في قولنا، قرئ «مهلك» بفتح الميم واللام وبسكر اللام ~~وبضم الميم وفتح اللام «2»، يحتمل المصدر والزمان والمكان. ### || [سورة النمل (27): آية 50] # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) # (ومكروا مكرا) وهو قتل صالح بغتة (ومكرنا مكرا) أي جازيناهم جزاء مكرهم ~~(وهم لا يشعرون) [50] مكرهم، لأنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا أن يكونوا ~~كاذبين بل سووا حيلة للصدق في خبرهم لئلا ينسبوا إلى الكذب بذكر أحد ~~البياتين وهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما فقط، فبذلك كانوا صادقين، وفي ~~هذا دليل على أن الكذب قبيح عند الكفار أيضا بدون علم الشرع أو لا يشعرون ~~جزاء مكرهم. ### || [سورة النمل (27): آية 51] # فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) # (فانظر) يا محمد (كيف كان) أي على أي حال وقع (عاقبة مكرهم) أي أمرهم ~~السوء، قوله (أنا دمرناهم) بالفتح مرفوع على أنه بدل من ال «عاقبة» أو خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هي تدميرهم أو مجرور باللام بتقدير لأنا أو منصوب على أنه ~~خبر «كان»، أي كان عاقبة مكرهم «3» الدمار، وبالكسر استئناف «4»، والمعنى ~~«5»: أولئك التسعة أرادوا الفتك بصالح وأهله فأهلكناهم (وقومهم أجمعين) ~~[51] باسقاط الجبل عليهم أو بصيحة جبرائيل أو باحراقهم بالنار الخارجة من ~~تحت الأرض. ms1259 ### || [سورة النمل (27): آية 52] # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) # (فتلك) أي الحزبة المشار إليها (بيوتهم خاوية) أي خالية (بما ظلموا) أي ~~بسبب شركهم وعصيانهم، و«خاوية» بالنصب حال والعامل فيها ما في تلك من معنى ~~الإشارة (إن في ذلك) أي في إهلاكهم «6» (لآية لقوم يعلمون) [52] أي يعقلون. ### || [سورة النمل (27): آية 53] # وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) # (وأنجينا الذين آمنوا) بصالح ورسالته (وكانوا يتقون) [53] الشرك وهم ~~أربعة آلاف نجوا مع صالح من العذاب، وقيل: إنهم جاؤا بالليل شاهري سيوفهم ~~«7»، وقد أرسل الله ملائكة ملء دار صالح، فدمغوا قومه بالحجارة وهم لا يرون راميا. PageV03P224 ### || [سورة النمل (27): آية 54] # ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) # (و) أرسلنا (لوطا) نصب بالعطف على «صالحا» (إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة) ~~أي المعصية وهي اللواطة (وأنتم تبصرون) [54] أي تعلمون أنها فاحشة أو ينظر ~~بعضكم إلى بعض برضا بلا إنكار عليه، أي ب «تصبرون» آثار العصاة قبلكم ولا ~~تنتهون عن المعصية. ### || [سورة النمل (27): آية 55] # أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) # (أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) أي لتجامعون الرجال بشهوة منكم ~~وتتركون النساء التي خلقن لحرثكم (بل أنتم قوم تجهلون) [55] عاقبة فعلكم، ~~ومحل «تجهلون» بالتاء مرفوع بأنه صفة قوم ولفظه لفظ الغائب، فالظاهر أنه ~~ليس بينهما مطابقة، فالوجه أن يقال إذا اجتمعت الغيبة والمخاطبة غلبت ~~المخاطبة لكونها أقوى من الغيبة. ### || [سورة النمل (27): الآيات 56 الى 58] # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا ~~عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) # (فما كان جواب قومه) نصب الجواب خبر «كان» واسمها (إلا أن قالوا أخرجوا ~~آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) [56] أي يتنزهون من عملنا. # (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها) أي تركناها (من الغابرين) [57] أي ~~مع الباقين في الهلاك. # (وأمطرنا عليهم مطرا) أي الحجارة (فساء مطر المنذرين) [58] أي الذين ~~أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا فأمطرت «1» بهم الحجارة. ms1260 ### || [سورة النمل (27): آية 59] # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون (59) # قوله (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) أي اختارهم لعبادته أمر ~~الله تعالى نبيه محمدا عليه السلام بحمده وبالسلام على خير خلقه، وهم ~~الأنبياء والصالحون السابقون إلى محمد عليه السلام واللاحقون به توطئة لما ~~يتلوه بعد من الدلالة على الوحدانية والقدرة العظيمة، وهو تعليم حسن لمن ~~أراد أن يشرع في بيان كل علم مفاد وعظة وخطبة أو في كل حادثة وأمر ذي خطر ~~أن يتبرك بالذكرين، وهما التحميد والسلام للاستظهار بمكانهما على قبول ما ~~يلقى إلى السامعين، ثم قال مستفهما تجهيلا لهم في فعلهم واستهزاء بحالهم ~~(آلله خير أما) أي أم الذي (يشركون) [59] به من الآلهة بالياء «2»، ومعلوم ~~أن لا خير فيما أشركوه، لكنه إلزام لهم وتبكيت وتهكم بهم، لأنهم آثروا ~~عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ولا يؤثر عاقل شيئا من ذلك على ما هو ~~خالق كل خير ومالكه فما آثروهم لزيادة الخير، بل آثروهم من هدى وعبث، ~~والمعنى: آلله أنفع لمعابديه أم الأصنام لعابديها، استفهام على سبيل ~~الإنكار والزجر، و«أم» فيه متصلة، ثم عدد الله الخيرات والمنافع التي هي ~~آثار رحمته كما عددها في موضع آخر. ### || [سورة النمل (27): آية 60] # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) # ثم قال هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء بقوله (أمن خلق السماوات ~~والأرض) «أم» فيه منفصلة بمعنى «بل» والهمزة، تقديره: الله خير بل أمن خلق ~~السموات خير تقريرا لهم، فهو بدل من «آلله» أو أمن خلقهما خير أم ما ~~يشركون، و«أم» فيه متصلة لأحد الأمرين، أي أيهما خير (وأنزل لكم من السماء ~~ماء فأنبتنا به حدائق) جمع حديقة وهو البستان عليه حائط (ذات بهجة) أي حسن، ~~والنقل عن الغيبة إلى التكلم في الإخبار عن ذاته تعالى يدل على تأكيد معنى ~~اختصاص الفعل ms1261 بذاته تعالى بدليل قوله (ما كان لكم) أي ما PageV03P225 # انبغى وما صلح «1» لكم ولمعبوديكم جميعا (أن تنبتوا شجرها) أي أشجار ~~الحدائق ونباتها لاستحالته من غيره تعالى (أإله) أي أيقرأ (مع الله) غيره ~~ويجعل شريكا له (بل هم قوم يعدلون) [60] عن الحق الذي هو التوحيد. ### || [سورة النمل (27): آية 61] # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين ~~حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) # (أم من جعل الأرض قرارا) أي مستقرا يستقر عليها أهلها (وجعل خلالها) أي ~~في وسطها (أنهارا وجعل لها رواسي) أي جبالا ثوابت (وجعل بين البحرين) أي ~~العذب والملح (حاجزا) أي سترا مانعا أن يختلط أحدهما بالآخر (أإله مع الله) ~~يعينه على صنعه (بل أكثرهم لا يعلمون) [61] توحيده فلا يؤمنون به. ### || [سورة النمل (27): آية 62] # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون (62) # (أمن يجيب المضطر) أي يستجيب في البلاء دعاءه (إذا دعاه) أي تضرع بالدعاء ~~إليه والمضطر هو الذي أحوجه مرض أو فقر أو حادثة إلى التضرع إلى الله ~~والالتجاء به، قال صلى الله عليه وسلم: «يرفع دعاء المؤمن فوق الحجاب ويقول ~~الرب تعالى: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» «2»، وهو ليس على العموم، بل ~~الإجابة موقوفة على كون المدعو به مصلحة (و) من «3» (يكشف السوء) أي الضر ~~(ويجعلكم خلفاء الأرض) أي السكان فيها بعد هلاك من قبلكم (أإله مع الله ~~قليلا ما تذكرون) [62] بالياء والتاء بالتخفيف فيهما والتشديد «4»، و«ما» ~~زائدة فيه والمراد نفي التذكر، إذ القلة تستعمل في النفي. ### || [سورة النمل (27): الآيات 63 الى 64] # أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن ~~يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) # (أمن يهديكم) أي يرشدكم (في ظلمات البر والبحر) بالنجوم في السماء ~~والعلامات في الأرض، أي ليلا ونهارا في البر والبحر (ومن يرسل ms1262 الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته) أي قدام المطر (أإله مع الله تعالى الله عن ما يشركون [63] ~~أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده) في الآخرة، وإنما سألوا عن بدء الخلق وإعادته مع ~~أنهم منكرون للإعادة لتقدم البراهين الدالة على ذلك من إنزال الماء وإنبات ~~النبات، فأزيحت علة الإنكار منهم وتمكنت علة المعرفة والإقرار فلم يبق لهم ~~عذر في الإنكار (ومن يرزقكم من السماء) المطر (و) من (الأرض أإله مع الله ~~قل هاتوا برهانكم) بأن غير الله صنع شيئا من هذا (إن كنتم صادقين) [64] أن ~~مع الله إلها، والاستفهام للتوبيخ في الآيات المذكورة لا للاسترشاد «5». ### || [سورة النمل (27): آية 65] # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) # ثم أمر نبيه عليه السلام بقوله (قل) لكفار مكة (لا يعلم من في السماوات ~~والأرض) أي أهلمها من الملك والإنس والجن (الغيب) أي الأمر الخفي من قيام ~~الساعة وغيره (إلا الله) بالرفع، قيل: الاستثناء منقطع «6» والرفع يجوز فيه ~~على لغة بني تميم بدل من «من»، لأنه فاعل «يعلم»، أي لا يعلم إلا الله ~~الغيب في السموات والأرض، فيتعلق الظرف ب «الغيب»، لأن الله متعال عن الظرف ~~«7» (وما يشعرون أيان) أي متى (يبعثون) [65] فكيف PageV03P226 # يعلمون الغيب، وقيل: نزلت الآية حين سئل النبي عليه السلام عن الساعة ~~«1»، ولهذه الآية قالت عائشة رضي الله عنها: «من زعم أن محمدا يعلم ما في ~~غد فقد أعظم على الله الفرية» «2». ### || [سورة النمل (27): آية 66] # بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) # قوله (بل ادارك علمهم في الآخرة) «بل» فيه بمعنى «هل» و«أدرك» بمعنى لحق ~~و«في» بمعنى الباء، أي هل تكامل ولحق علمهم بحدوث الآخرة متى يكون وهو ~~استفهام إنكار وتوبيخ، وقرئ «إدراك» بالإدغام «3»، أصله تدارك، أي بل تلاحق ~~علمهم بحدوث الآخرة بأسباب النظر على أن القيامة كائنة لا ريب فيها، ومكنوا ~~من معرفته لكنهم جاهلون لا يوقنون به أو تتابع ظنونهم في علمها، فيقولون ~~تارة يكون وتارة لا يكون فليس ms1263 منهم من اختص بشيء من علمها وهو معنى قوله ~~(بل هم في شك منها بل هم منها) أي من الساعة «4» (عمون) [66] جمع عم من عمى ~~القلب والإضرابات تنزيل لأحوالهم من الأسوء إلى الأسوء وتكرير لجهلهم ومن ~~شكهم وعماهم. ### || [سورة النمل (27): آية 67] # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) # (وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا) عطف على ضمير «كنا» للفصل ~~والعامل في «إذا» «نخرج» المقدر فيه، دل عليه (أإنا لمخرجون) [67] من ~~قبورنا أحياء، والتواكيد مبالغة في كفرهم واستهزائهم به صلى الله عليه وسلم. ### || [سورة النمل (27): آية 68] # لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) # (لقد وعدنا هذا نحن) أي البعث الذي يعدنا «5» (وآباؤنا من قبل) وتقديم ~~«هذا» على «نحن» إيذان بأن اتخاذ البعث هو المقصود لأن الكلام سيق لأجله، ~~وتقديم «نحن» و«آباؤنا» في موضع آخر «6» على «هذا» إيذان بأن اتخاذ المبعوث ~~مقصود به (إن) أي ما (هذا) الذي يقول محمد (إلا أساطير الأولين) [68] أي ~~كذبهم المسطور بأيديهم. ### || [سورة النمل (27): آية 69] # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) # (قل سيروا في الأرض فانظروا) أي اعتبروا (كيف كان عاقبة المجرمين) [69] ~~أي الكافرين، وإنما عبر عن الكفر بلفظ الأجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك ~~الجرائم وتخوف عاقبتها. ### || [سورة النمل (27): آية 70] # ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) # (ولا تحزن عليهم) لأنهم لم يسلموا فلم يسلموا وهم قومه قريش (ولا تكن في ~~ضيق) أي في حرج صدر (مما يمكرون) [70] أي من مكرهم وكيدهم بك، فان الله ~~يعصمك من الناس وينصرك عليهم. ### || [سورة النمل (27): الآيات 71 الى 72] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض ~~الذي تستعجلون (72) # (ويقولون متى هذا الوعد) أي الموعود من العذاب (إن كنتم صادقين) [71] بأن ~~العذاب واقع بنا. # (قل) في جوابهم (عسى أن يكون) الشأن (ردف لكم) اللام فيه زائدة، أي قرب ~~منكم ولحقكم (بعض الذي تستعجلون) [72] من العذاب وهو يوم بدر. ### || [سورة النمل (27): الآيات ms1264 73 الى 75] # وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما ~~تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ~~مبين (75) PageV03P227 # (وإن ربك لذو فضل على الناس) بتأخير العذاب عنهم بمعاصيهم (ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون) [73] بذلك حتى يتوبوا «1». # (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) من الكفر من أكن إذا أخفى، والمراد منه ~~عداوة النبي عليه السلام (وما يعلنون) [74] من الكفر باللسان. # (وما من غائبة) وهي اسم لكل مستتر من العذاب وغيره على العباد (في السماء ~~والأرض إلا في كتاب مبين) [75] أي في اللوح المحفوظ، يعني قد أحاط به الله ~~تعالى لا يخفى عليه شيء في الوجود، لأنه أثبته في ذلك الكتاب، والمبين ~~البين للناظر فيه من الملائكة. ### || [سورة النمل (27): آية 76] # إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) # (إن هذا القرآن يقص) أي يبين (على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) ~~[76] فيما بينهم، وهو نزل حين اختلف أهل الكتاب في دينهم وفي المسيح عليه ~~السلام فتحزبوا فيه أحزابا ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن ~~بعضهم بعضا، وقد نزل القرآن ببيان أكثر ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به ~~وأسلموا «2»، وبنو إسرائيل هم الذين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى. ### || [سورة النمل (27): آية 77] # وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) # (وإنه) أي القرآن (لهدى) لمن اتبعه من الضلالة (ورحمة للمؤمنين) [77] من ~~العذاب ولمن أنصف وآمن من بني إسرائيل ومن غيرهم. ### || [سورة النمل (27): آية 78] # إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) # (إن ربك يقضي بينهم) أي بين بني إسرائيل أو بين المؤمن والكافر بالقرآن ~~(بحكمه) أي بعدله فسمي المحكوم به وهو عدله حكما لأنه لا يقضي إلا بالعدل ~~(وهو العزيز) الغالب فلا يرد حكمه (العليم) [78] بما يحكم وبمن «3» يقضى ~~عليه وله. ### || [سورة النمل (27): آية 79] # فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) # (فتوكل على الله) أي فوض أمرك إليه وثق به ولا تخف منهم فانه ms1265 ناصرك عليهم ~~(إنك على الحق المبين) [89] أي على الدين الواضح الذي لا يتعلق به الشك وهو ~~الإسلام، فيجب الوثوق على صاحب الحق بنصرة الله إياه. ### || [سورة النمل (27): آية 80] # إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) # (إنك لا تسمع الموتى) أي الكفار المعاندين لأن سماعهم كلا سماع لعدم ~~انتفاعهم به كالموتى (ولا تسمع الصم الدعاء) «4» إلى الإيمان بآيات القرآن، ~~وشبهوا بالصم لأنه ينعق بهم فلا يسمعون، فقوله (إذا ولوا مدبرين) [80] أي ~~انصرفوا معرضين عن الحق بالتكذيب تأكيد حال الأصم، لأنه إذا أدبر عن داعي ~~الحق كان أبعد عن سماع الحق. ### || [سورة النمل (27): آية 81] # وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) # (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) وقرئ «تهدي» «5»، أي أنت لا تهدي الذين ~~«6» عميت أبصارهم PageV03P228 # عن آيات القرآن عن الشرك إلى الإيمان ولكن عليك الدعوة والله يهدي من ~~يشاء، فالمعنى: أنهم لا ينتفعون بأسماعك القرآن إياهم فكأنهم فقدوا آذان ~~السماع ولا يهتدون الطريق الواضح حيث يضلون عن سبيل الهداية، فكأنهم نزعت ~~الأبصار عنهم (إن) أي ما (تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) أي من يصدق القرآن أنه ~~من الله (فهم مسلمون) [81] أي مخلصون في إيمانهم. ### || [سورة النمل (27): آية 82] # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) # (وإذا وقع القول عليهم) وهو ما وعد به الناس من قيام الساعة والعذاب، ~~وسماه قولا مع كونه متصورا في النفس قبل ظهوره لأنه يؤدي بالقبول، ومعنى ~~وقوعه حصوله، والمراد ظهور أشراط الساعة وعلاماتها حين لا ينفع التوبة ~~(أخرجنا لهم دابة) أي الجساسة (من الأرض) قال صلى الله عليه وسلم: «تخرج من ~~الصفا أول ما يبدو رأسها فيبلغ السحاب فيراه أهل المشرق والمغرب» «1»، ~~وإنها ذات وبر وريش لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وقيل: من تهامة «2»، ~~وقيل: «من بحر سدوم» «3»، روي: أنها تخرج ثلاث خرجات، خرجة بأقصى اليمن ثم ~~تمكن زمانا ثم تخرج من مكة ثم تمكن دهرا ms1266 طويلا ثم تخرج من ناحية المسجد ما ~~بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم فيهولهم هذا الخروج فيهرب قوم ويقف قوم ~~ينظرون إليها «4» (تكلمهم) بلسان العربية تقول «5» (أن الناس) بكسر «إن» ~~وفتحها «6» (كانوا بآياتنا لا يوقنون) [82] أي بخروجي لأنه ما الآيات وتقول ~~«7» ألا لعنة الله على الظالمين وقولها حكاية لقول الله تعالى أو التقدير: ~~بآيات ربنا فتدخل عليهم وهم يفرون عنها إلى المساجد، فتقول: # أترون أن المساجد تنجيكم «8» مني، وقيل: «تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين ~~الإسلام» «9»، وقرأ ابن عباس «تكلمهم» «10»، أي تجرحهم وتأكلهم من الكلم ~~وهو الجرح «11»، وقيل: جرحها قولها للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر «12»، ~~وروي: «أنها تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام فتجلو وجه ~~المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم» «13»، فيكون الجرح وسما لهما ثم ~~عادت إلى مكانها ثم تزلزلت الأرض في ذلك اليوم في ست ساعات فيمسون خائفين، ~~فاذا أصبحوا جاءهم الصريخ لأن الدجال قد خرج. ### || [سورة النمل (27): آية 83] # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) # (ويوم نحشر) أي اذكر يوم نجمع للحشر (من كل أمة فوجا) أي جماعة كثيرة، ~~والمراد الرؤساء (ممن يكذب بآياتنا) أي القرآن و«من» الأولى تبعيض والثانية ~~تبيين، لأن جميع الكفار مكذبون (فهم يوزعون) [83] أي الرؤساء يجمعون ~~ويسارعون بين أيدي أممهم إلى الموقف. ### || [سورة النمل (27): آية 84] # حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم تعملون (84) # (حتى إذا جاؤ) مكان الحساب (قال) الله تعالى تهديدا لهم (أكذبتم بآياتي ~~و) الحال أنكم (لم تحيطوا بها) أي بآياتي (علما) وهو نصب على التمييز، ~~والمعني من الاستفهام التقرير والمراد به المناقشة في الحساب، أي أنكم ~~كذبتم بها بادئ الرأي من غير نظر وفكر يؤدي إلى إحاطة العلم بأنها حقيقة ~~بالصدق أو بالكذب، قوله PageV03P229 # (أم ما ذا كنتم تعملون) [84] أي أي عمل منعكم عن الإيمان ولم تعملوا سوى ~~التكذيب بآياتي ورسلي مكان الإيمان بهما متصل بما قبله، لأنه استفهام على ~~سبيل التوبيخ وتبكيت بالحجة وإعلام لهم أنه ms1267 عالم بأنهم لم يعملوا في الدنيا ~~إلا تكذيب الآيات والكفر بها فلا يقدرون أن يقولوا صدقنا بآياتك فتعين ~~التكذيب. ### || [سورة النمل (27): آية 85] # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) # (ووقع القول) أي نزل العذاب (عليهم بما ظلموا) من ترك الإيمان (فهم لا ~~ينطقون) [85] بحجة واعتذار، لأن العذاب الموعود شغلهم عن النطق «1» أو لختم ~~«2» أفواههم وهذا قبل كبهم في النار. ### || [سورة النمل (27): آية 86] # ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات ~~لقوم يؤمنون (86) # (ألم يروا) أي ألم ينظر أهل مكة نظر اعتبار (أنا جعلنا الليل ليسكنوا ~~فيه) سكون راحة (و) جعلنا (النهار مبصرا) أي ليبصروا به طرق التجارة ~~والكسب، ففي المعنى روعي التقابل في التعليل، وقيل: معنى «مبصرا» واضحا ~~يبصر فيه الأشياء، جعل الإبصار للنهار وهو لأهله «3» (إن في ذلك لآيات) أي ~~لعبرات (لقوم يؤمنون) [86] أي يصدقون بصحة الاعتبار. ### || [سورة النمل (27): آية 87] # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين (87) # (ويوم ينفخ في الصور ففزع) أي خاف من هيبته ولم يقل فيفزع لكون الفعل ~~المستقبل من الله متيقن الوقوع كتيقن الماضي من غيره، وقيل: المراد من ~~الفزع فزع الصعق وهو الموت «4»، أي مات من شدة النفخة الأولى جميع الخلائق، ~~يعني (من في السماوات ومن في الأرض) والثانية للقيام لرب العالمين (إلا من ~~شاء الله) أي إلا من ثبت الله قلبه، وهم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم أو ~~الملائكة المقربون وهي الأربعة المشهورة ثم يموتون بعد ذلك، وقيل: «حملة ~~العرش وخزنة الجنة والنار والحور» «5»، وقيل: «موسى عليه السلام، لأنه صعق ~~مرة» «6»، فاكتفي بها (وكل أتوه) بالقصر (داخرين) [87] أي جميع الخلائق ~~جاؤا أمر الله وأجابوه صاغرين، والجمع بالنظر إلى معنى ال «كل» وقرئ «آتوه» ~~بالمد وضم التاء «7» جمع اسم الفاعل مع الإضافة، ومعنى الاتيان حضورهم ~~الموقف بعد النفخة الثانية. ### || [سورة النمل (27): آية 88] # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ~~إنه ms1268 خبير بما تفعلون (88) # (وترى الجبال تحسبها جامدة) أي غير زائلة عن مكانها في عين الناظر حال عن ~~«الجبال»، قوله (وهي تمر مر السحاب) حال ثانية من «ها» في «تحسبها» لا من ~~«جامدة» لفساد المعنى، لأنها لا تكون جامدة مارة أي إذا رأيت الجبال وقت ~~النفخة الأولى ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمتها، وهي منقلعة من الأرض إلى ~~السماء تسير حقيقة سيرا سريعا كسير السحاب لا تكاد «8» تتبين حركتها، قوله ~~(صنع الله) مصدر عامله «صنع» بدلالة مرورها كمر السحاب، أي صنع ذلك صنعا ~~الله (الذي أتقن) أي أحكم (كل شيء) أي خلقه «9» بعلمه وحكمته فيكون متقنا ~~لا واهيا، قيل: مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه ~~للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على مقتضى الحكمة «10» (إنه خبير بما ~~تفعلون) [88] بالتاء والياء «11»، أي عالم بما يفعل العباد وبما PageV03P230 # يستوجبون عليه من الجزاء. ### || [سورة النمل (27): آية 89] # من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) # ولخص ذلك بقوله (من جاء بالحسنة) أي كلمة الشهادة (فله خير منها) ثوابا ~~بالتضاعف (وهم من فزع يومئذ آمنون) [89] بالتنوين «1» وهو خوف العذاب ~~الشديد وهو النار، فالتنوين للتعظيم أو للقلة، أي من فزع ما أو بالإضافة ~~للتخصيص كما مر من خزي «2» يومئذ في هود. ### || [سورة النمل (27): آية 90] # ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) # (ومن جاء بالسيئة) بالشرك بالله (فكبت) أي ألقيت (وجوههم) الوجه يعبر عن ~~الجملة كالرأس والرقبة والكب الإلقاء، أي ألقوا (في النار) منكوسين فيقال ~~تبكيتا لهم (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) [90] من المعاصي كالشرك وغيره. ### || [سورة النمل (27): آية 91] # إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من ~~المسلمين (91) # ثم أمر الله رسوله بأن يقول ترغيبا في التوحيد ونفي الشرك بقوله «3» ~~(إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) أي أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ ~~له شريكا كما فعلتم يا قريش، والمراد بهذه البلدة مكة، قوله (الذي حرمها) ~~نعت ms1269 «رب» المضاف، أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم الإنسان ولا يظلم أحد ~~ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاؤها، أي لا يقطع نباتها ولا يعضد شجرها ~~والملتجئ إليها آمن (وله كل شيء) أي شيء داخل تحت ملكوته وربوبيته كدخول ~~مكة تحتهما، يعني كل شيء في حكمه وإرادته يفعله كيف يشاء ويحكم عليه كيف ~~يريد (وأمرت أن أكون) واحدا (من المسلمين) [91] عابدا له. ### || [سورة النمل (27): آية 92] # وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين (92) # (وأن أتلوا القرآن) عليكم وأتبع ما أنزل علي من الوحي (فمن اهتدى) ~~باتباعه إياي في الإسلام والتوحيد وتلاوة القرآن والعمل به (فإنما يهتدي ~~لنفسه) أي فثوابه لها (ومن ضل) أي من لم يتبعني في ذلك (فقل) لا علي، لأنه ~~قال لي قل (إنما أنا من المنذرين) [92] أي رسول منذر وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين «4»، قيل: نسخ بآية السيف «5». ### || [سورة النمل (27): آية 93] # وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) # (وقل الحمد لله) أي أمر لي أن أحمد الله ما رزقني من نعمة النبوة التي لا ~~يقابلها نعمة وأن أقول (سيريكم) الله (آياته) التي تلجئكم إلى المعرفة ~~والإقرار بأنها آيات الله حين لا تنفعهم «6» المعرفة والتوبة، يعني في ~~الآخرة أو في الآفاق أو في أنفسكم كانشقاق القمر والدخان وما حل بهم من ~~النقمات في الدنيا كالقحط والنقل أو فتح مكة (فتعرفونها) أي ستعرفون «7» ~~دلائل الوحدانية ثم صدق نبوتي هنا، قوله (وما ربك بغافل عن ما تعملون) [93] ~~بالتاء والياء «8»، وعيد للظالم وتعزية للمظلوم، أي يعلم الله كل عمل ~~تعملون لا يغفل عنه، لأن الغفلة والسهو لا يجوزان على العالم بالذات. PageV03P231 ### | سورة القصص # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القصص (28): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) # (طسم) [1] تقدم الكلام في معناه. # قوله (تلك) إشارة إلى الآيات فيها وهي (آيات الكتاب المبين) [2] أي البين ms1270 ~~ما فيه من أمر الله ونهيه. # (نتلوا) أي نقص (عليك من نبإ موسى وفرعون) أي خبرهما (بالحق) حال من فاعل ~~«نتلوا»، أي محقين نحن (لقوم يؤمنون) [3] أي لمن سبق في علمنا أنه يؤمن ~~لأنهم هم المنتفعون به. ### || [سورة القصص (28): آية 4] # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # قوله (إن فرعون) تفسير للخبر المجمل، كأن القائل يقول كيف كان نبؤهما؟ ~~فقال: إن فرعون (علا) أي تجاوز الحد في الظلم للعباد (في الأرض) أي في أرض ~~«1» مصر ومملكته (وجعل أهلها) أي أهل مصر (شيعا) أي فرقا مختلفة يشيع بعضهم ~~بعضا، أي يتبعه في طاعته وخدمته، قوله (يستضعف) أي يستقهر (طائفة منهم) أي ~~من أهل مصر، يعني بني إسرائيل حال من ضمير «جعل»، وقوله (يذبح أبناءهم) حال ~~من ضمير «يستضعف» أو بدل منه أو تفسير له (ويستحيي نساءهم) عطف عليه، أي ~~يتركهن «2» أحياء ويستخدمهن، قوله (إنه كان من المفسدين) [4] بيان أن القتل ~~ظلما من عمل المفسدين فحسب سواء صدق الكاهن أو كذب، إذ لا طائل تحته وكان ~~سبب قتل الأبناء قول كاهن له سيولد من بني إسرائيل مولود يذهب ملكك على ~~يده، وفيه دليل بين على «3» ثخانة حمق فرعون، لأنه إن صدق الكاهن لا يدفه ~~القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل. ### || [سورة القصص (28): آية 5] # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) # قوله (ونريد أن نمن) بالنجاة (على الذين استضعفوا في الأرض) وهم بنو ~~إسرائيل عطف على قوله «إن فرعون»، لأنه أيضا تفسير لنبأ موسى وفرعون، ويجوز ~~أن يكون «ونريد» حالا من «يستضعف» بتقدير «نحن ليصير» جملة اسمية، ويكون ~~الواو في موضعها ولا يبعد، لأن منة الله عليهم بالنجاة كانت قريبة الوقوع ~~فجعلت إرادة وقوعها مقارنة لاستضعافهم، وهو جواب لمن يسأل أن الله إذا أراد ~~شيئا كان بلا توقف إلى وقت آخر فكيف تجتمع «4» إرادته المنة واستضعافهم إذا ~~كان حالا (ونجعلهم أئمة) أي قادة يقتدى بهم ms1271 في الخير (ونجعلهم الوارثين) ~~[5] يرثون أملاك فرعون وقومه. PageV03P232 ### || [سورة القصص (28): آية 6] # ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) # (ونمكن لهم) أي لبني إسرائيل (في الأرض) في «1» أرض مصر والشام، ومعنى ~~«مكن له» جعل له مكانا يقعد عليه أو يرقد، والمراد تسليطهم وإطلاق أيديهم ~~عليها بالحكم والغلبة، قوله (ونري) بضم النون ونصب الياء «2» عطف على «أن ~~نمن»، أي نريد أن نرى نحن (فرعون وهامان وجنودهما منهم) أي من بني إسرائيل ~~(ما كانوا يحذرون) [6] أي الذي يخافونه و«منهم» متعلق ب «نري» لا ب ~~«يحذرون» لئلا يتقدم صلة «ما» على الموصول، أي نظهر نحن للقبط من بني ~~إسرائيل ما كانوا يخافونه من ذهاب ملكهم على يد مولود منهم، وقرئ بالياء، ~~أي يري قرعون وقومه ذلك. ### || [سورة القصص (28): آية 7] # وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) # (وأوحينا) أي ألهمنا «3» إلهاما أو مناما (إلى أم موسى أن أرضعيه) وهو ~~تفسير الوحي (فإذا خفت عليه) من القتل بصياحه وبكائه (فألقيه في اليم) أي ~~في البحر «4»، والمراد بحر النيل (ولا تخافي) عليه من الغرق ولا الضيعة ~~(ولا تحزني) على فراقه ووقوعه في خطر، والفرق بين الخوف والحزن ظاهر، إذ ~~الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع يأتي، والحزن غم يلحقه لواقع قد أتى، قوله ~~(إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) [7] وعد من الله لها بما يسليها ~~ويطمئن قلبها ويسرها من رده إليها للتربية وجعله من المرسلين. # قيل: لما خافت من عيون فرعون لفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لما طاش ~~من عقلها فطلبوا فلم يلقوا شيئا فخرجوا وهي لا تدري مكانه فسمعت بكاءه من ~~التنور، فانطلقت إليه فوجدته يلعب بأصبعه في الأرض، وقد جعل الله النار ~~عليه بردا وسلاما فأخرجته من التنور، فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى ~~الله إليها في المنام، فألقته في اليم بتابوت مطلى بالقار من داخله، وكان ~~لفرعون ابنة يحبها وبها برص فوصف ms1272 لها ريق حيوان يشبه الإنسان يخرج من النيل ~~يوم كذا عند طلوع الشمس تلطخ وجهها فتبرأ، فأقبل التابوت على وجه الماء ~~فقال فرعون علي به «5». ### || [سورة القصص (28): آية 8] # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين (8) # (فالتقطه آل فرعون) أي أخذوه (ليكون لهم عدوا) عاقبة، فاللام لام العاقبة ~~لا للتعليل، لأنهم لم يأخذوه ليكون لهم عدوا يقتل رجالهم (وحزنا) بضم الحاء ~~وسكون الزاء وبفتحهما «6»، يستعبد نساءهم (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين) [8] في كل شيء لا في تربية عدوهم فحسب أو كانوا مذنبين مجرمين، ~~فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم على أيديهم ففتحت آسية التابوت فوجدت فيه ~~صغيرا، نوره بين عينيه وهو يمص إبهامه لبنا ولعابه يسيل، فالتطخت ابنته ~~بلعابه فبرأت فأحبه فرعون وابنته وآسية حبا شديدا، فقال الغواة من قومه هو ~~الصبي الذي تحذر منه فهم بقتله. ### || [سورة القصص (28): آية 9] # وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وهم لا يشعرون (9) # (وقالت امرأت فرعون) أي آسية هذا الغلام (قرت عين لي ولك لا تقتلوه) فانه ~~أتانا به الماء من مصر آخر فاستوهبته من فرعون فوهبها إياه (عسى أن ينفعنا) ~~في مهامنا فان فيه مخائل اليمن ودلائل النفع (أو نتخذه ولدا) PageV03P233 # أي نتبناه «1» لأنه أهل للتبني، ولم يكن له ولد ذكر (وهم لا يشعرون) [9] ~~أنه يهلكهم أو أنهم على خطأ عظيم في التقاطه، وهو حال من «آل فرعون»، وقوله ~~«إن فرعون» الآية اعتراض واقع بين المعطوف عليه والمعطوف لتأكيد معنى ~~خطئهم، وهما: «فالتقطه آل فرعون» و«قالت امرأت فرعون». ### || [سورة القصص (28): آية 10] # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين (10) # (وأصبح فؤاد أم موسى) أي صار قلبها (فارغا) أي خاليا من عقلها من فرط ~~الجزع والدهش لما علمت أن فرعون قد التقطه وقد نسيت وعد الله تعالى بسلامته ~~أو فارغا من كل شيء إلا ذكر موسى أو فارغا من الهم ms1273 حين سمعت أن فرعون تبناه ~~(إن كادت لتبدي به) أي أنها قربت تظهر سرها بأمر موسى وقصته وإنه ولدها، ~~لأنها لم تملك نفسها قرحا بما «2» سمعت (لو لا أن ربطنا على قلبها) أي ~~شددنا عليه السكينة وسكنا قلقه (لتكون من المؤمنين) [10] أي المصدقين ~~بوعدنا لها بأنا رادوه إليك لباحت به. ### || [سورة القصص (28): آية 11] # وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) # (وقالت لأخته) أي لبنتها وهي أخت موسى (قصيه) أي ابتغي أثره، يعني امشي ~~بجنبه في الجد وهو في الماء «3» وانظري فيه لتعلمي خبره (فبصرت به) أي نظرت ~~إليه مستخفية (عن جنب) أي عن بعد أو عن جانب (وهم لا يشعرون) [11] أنها ~~أخته وإنه عدو لهم. ### || [سورة القصص (28): آية 12] # وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون (12) # (وحرمنا عليه) أي منعنا على موسى (المراضع) جمع مرضعة وهي المرأة التي ~~ترضع الولد أو جمع مرضع بمعنى «4» مرضع أرضاع وهو الثدي، يعني منعناه من ~~شرب لبن امرأة غير أمه (من قبل) أي من قبل أن تقصي «5» أخته أثره أو من «6» ~~قبل مجيء أمه إليه (فقالت) أخته بعد ما أخذه آل فرعون ولم يقبل رضاع أحد ~~(هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم) أي على من يكفله ويربيه بالضمان لكم ~~(وهم له ناصحون) [12] أي مخلصون في تربيته من شائبة الفساد، قالوا نعم ~~فجاءت بأمها وهو يصيح فلما شم ريحها قبل ثديها، فقال فرعون من أنت حتى قبل ~~ثديك دون غيرك، قالت إني طيبة الريح واللبن لا أوتي بصبي إلا قبلني فأجري ~~أجرتها عليها وذهبت به إلى بيتها، وإنما أخذت الأجرة على إرضاع ولدها لأنها ~~مال حربي أخذته على وجه الاستباحة لا على وجه الأجرة. ### || [سورة القصص (28): آية 13] # فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (13) # (فرددناه) أي أنجز الله وعده في رده (إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله) الذي ms1274 وعد به (حق) ثابت مراد (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ~~[13] أنه حق، يعني أهل مصر فمكث عندها إلى أن فطمته ورده إلى فرعون فتبناه ~~آسية وفرعون. ### || [سورة القصص (28): آية 14] # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) # (ولما بلغ أشده) أي المبلغ الذي لا يزاد عليه وهو ثلاث وثلاثون سنة ~~(واستوى) أي اعتدل في شبابه واستحكم وقوى وهو أربعون سنة، روي: أنه لم يبعث ~~نبي إلا على رأس أربعين سنة «7» (آتيناه) قبل نبوته (حكما) أي حكمة ~~الأنبياء وهي سنتهم فكان لا يفعل فعلا يستجهل فيه (وعلما) أي علم مصالح ~~الدارين (وكذلك نجزي المحسنين) [14] أي المؤمنين. ### || [سورة القصص (28): آية 15] # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) PageV03P234 ### || [سورة القصص (28): آية 15] # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) # (ودخل) موسى (المدينة) هي مصر أو قرية «1» قريبة منها (على حين غفلة) أي ~~وقت غرة مستخفيا (من أهلها) وهم مشتغلون فيه بلهوهم وعيدهم (فوجد فيها) أي ~~في المدينة (رجلين) قبطيا وإسرائيليا (يقتتلان هذا من شيعته) أي أتباعه، ~~يعني من بني إسرائيل (وهذا) الآخر (من عدوه) أي من القبط يستوي في الواحد ~~والجمع، وكان القبطي يأمره أن يحمل حزمة الحطب إلى دار فرعون وهو لا يمتثل ~~أمره، ومحل «هذا» إلى آخر الجملة في محل النصب صفة «رجلين» (فاستغاثه) أي ~~طلب منه الغوث (الذي من شيعته) أي من قوم موسى (على الذي من عدوه) من قوم ~~فرعون وكان موسى أعطي شدة عظيمة (فوكزه موسى) أي ضربه في صدره بأطراف ~~أصابعه أو بجمع كفه (فقضى عليه) أي فقتله من غير قصد فندم فدفنه وكان خبازا ms1275 ~~لفرعون، و(قال) موسى (هذا) القتل (من عمل الشيطان) أي بوسوسته، لأنه هيج ~~غضبه فضربه (إنه عدو مضل مبين) [15] أي ظاهر العداوة لخلق الله. ### || [سورة القصص (28): الآيات 16 الى 17] # قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب ~~بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) # ثم استغفر الله تعالى (قال رب إني ظلمت نفسي) بقتل القبطي، وإنما سمي قتل ~~الكافر ظلما لأنه ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر به (فاغفر لي) ذنبي (فغفر له ~~إنه هو الغفور الرحيم) [16] أي يغفر ذنوب عباده ويرحمهم، ثم أكد توبته ~~و(قال) يا (رب بما أنعمت علي) الباء للقسم وجوابه محذوف، أي أقسم بما أنعمت ~~علي من المغفرة والقوة لأتوبن (فلن أكون ظهيرا) أي عونا (للمجرمين) [17] أي ~~الكافرين، لأن الإسرائيلي كان كافرا، وهو تفسير للجواب المحذوف أو عونا لمن ~~صرت مجرما بسبب مظاهرته وهو الإسرائيلي، يعني آثما بالقتل الذي لم يحل لي، ~~قيل: إنه لم يستثن حين قال «فلن أكون ظهيرا للمجرمين» بقول إن شاء الله ~~فابتلى به مرة أخرى من الغد، وكان لا يعرف أنه قتله «2». ### || [سورة القصص (28): الآيات 18 الى 19] # فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له ~~موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) # (فأصبح) موسى (في المدينة خائفا) على نفسه (يترقب) أي ينتظر بأن يستفاد ~~فطلب ولي الدين من فرعون حقه، وهو طلب منه بينة على قاتله (فإذا الذي ~~استنصره) أي استنصر موسى (بالأمس يستصرخه) أي يستغيثه وهو الإسرائيلي على ~~قبطي آخر يقاتله (قال له) أي للإسرائيلي (موسى إنك لغوي مبين) [18] وإنما ~~وصفه بالغي، لأنه كان سبب قتل رجل أمس وهو يقاتل آخر اليوم وقد غضب له موسى ~~غضبا شديدا، ثم ترحمه بعد ما عاتبه (فلما أن أراد أن يبطش بالذي ms1276 هو عدو ~~لهما) أي القبطي لأنه كافر اعتقد الإسرائيلي أنه يريد قتل نفسه (قال يا ~~موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض) أي قتالا بالظلم من غير نظر في العاقبة (وما تريد أن تكون من ~~المصلحين) [19] أي من المطيعين لله، قاله خوفا من أن يقتله، وقيل: كان ذلك ~~إبليس في صورة الإسرائيلي ليظهر أمر موسى لفرعون وقومه، ولما قال هذا أفشي ~~على موسى فانتشر الحديث بالمدينة فوصل ذلك إلى فرعون وقومه فهموا بقتله «3». PageV03P235 ### || [سورة القصص (28): آية 20] # وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~فاخرج إني لك من الناصحين (20) # (وجاء رجل) قيل: هو مؤمن من آل فرعون وهو ابن عم فرعون اسمه حزقيل «1» ~~(من أقصى المدينة) أي من وسطها (يسعى) أي يسرع ويشتد في مشيه (قال يا موسى ~~إن الملأ) أي أشراف أهل مصر (يأتمرون بك) أي يتشاورون في أمرك (ليقتلوك ~~فاخرج) من المدينة (إني لك من الناصحين) [20] أي المريدين الخير. ### || [سورة القصص (28): آية 21] # فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) # (فخرج) موسى (منها) أي من المدينة (خائفا يترقب) الطلب والتعرض له في ~~الطريق، فخرج خائفا هاربا بلا زاد ولا ظهر وحده مسيرة ثمانية أيام يعيش ~~بورق الشجر «2» (قال رب نجني من القوم الظالمين) [21] أي المشركين. ### || [سورة القصص (28): آية 22] # ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) # (ولما توجه تلقاء مدين) أي نحوها وهي قرية شعيب عليه السلام (قال عسى ربي ~~أن يهديني سواء السبيل) [22] أي وسطه ومعظم نهجه، قيل: جاءه ملك على فرس ~~بيده عنزة، أي حربة فانطلق معه إلى مدين «3». ### || [سورة القصص (28): آية 23] # ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) # (ولما ورد ماء مدين) وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم، ووروده مجيئه ~~والوصول إليه (وجد عليه) أي ms1277 على جانب البئر (أمة) أي جماعة كثيرة العدد (من ~~الناس يسقون) أنعامهم وهم الرعاء، وإنما ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا ~~المفعول (ووجد من دونهم) أي في مكان أسفل من مكانهم (امرأتين تذودان) أي ~~تكفان غنمهما لئلا يختلط أغنامهما بأغنامهم لضعفهما عن السقي معهم أو ~~تذودان النظر عن وجوههما حياء وتسترا (قال) موسى لهما (ما خطبكما) أي ما ~~شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس بل تذودانها من البئر (قالتا لا نسقي) ~~غنمنا معهم لعجزنا (حتى يصدر) أي يرجع (الرعاء) جمع راع بالكسر وهو القياس، ~~وقرئ بضم الراء اسم جمع «4»، أي حتى يذهب الرعاء بمواشيهم عن الماء، وقرئ ~~«يصدر» «5» من أصدر، فالمفعول محذوف، أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم من الماء ~~(وأبونا شيخ كبير) [23] أي كبير السن لا يقدر على رعي الغنم، وليس لنا راع ~~فرحهما فقام إلى بئر أخرى عليها صخرة لا يرفعها إلا عشرة رجال أو أربعون ~~رجلا فنحاها، وقيل: دفع الأمة عن البئر. ### || [سورة القصص (28): آية 24] # فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) # (فسقى لهما) غنمهما حتى صدرت رواء مع ضعفه وسقوط خف قدمه وجوعه طلبا ~~للثواب وإعانة للملهوف، وإنما جوز نبي الله شعيب أن تسقي بنته الماشية لأن ~~الحال كانت حالة ضرورة ولأن الدين لا يأباه إذا كانت العادات متباينة (ثم ~~تولى) أي انصرف بعد سقي الغنم (إلى الظل) أي ظل شجرة هي سمرة وهو جائع ~~(فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) [24] أي يا رب إني محتاج إلى فلقة ~~خبز أقيم بها صلبي لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين وهو العلم والحكمة ~~بالبصيرة، وقيل: هو النجاة من الظالمين لأنه كان عند فرعون في ملك PageV03P236 # وثروة، وقال ذلك رضا بالبدل السني وفرحا به «1»، فلما رجعتا إلى أبيهما ~~قبل الناس ووجد أبوهما أغنامهما حفلا وبطانا، قال: ما أعجلكما؟ قالتا: ~~رحمنا رجل صالح فسقى غنمنا فقال لإحديهما اذهبي فأدعيه لي. ### || [سورة القصص (28): آية 25] # فجاءته إحداهما تمشي على استحياء ms1278 قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) # (فجاءته إحداهما) وهي صفراء (تمشي على استحياء) منه، أي واضعة كم درعها ~~على وجهها حياء (قالت) له يا رجل (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) ~~قيل: «لما سمع موسى كلامها أراد ان لا يذهب ولكن كان جائعا فأجابها فمشت ~~بين يديه نحو بيتها فجعلت الريح تصف ردفها وتكشف ساقها فقال امشي خلفي ~~ودليني على الطريق ففعلت» «2» (فلما جاءه) أي جاء موسى شعيبا قال له اجلس ~~فتعش، فقال معاذ الله فقال شعيب ألست جائعا؟ فقال بلى، ولكن أخاف أن يكون ~~عوضا مما سيقت لهما وأنا أهل بيت النبوة، لأنه كان من أولاد يعقوب لا نطلب ~~على عمل الآخرة عوضا من الدنيا، فقال شعيب: لا والله يا شاب ولكن الضيافة ~~عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام، فأكل فعلم من قول موسى ذلك ~~القول أن مشيه معها لم يكن لشدة جوعه، وعلم من مشيه بخبرها جواز العمل بخبر ~~الواحد والمشي مع الأجنبية كما يعمل في الأخبار بقول الواحد حر أو عبد ذكر ~~أو أنثى في مثل هذا الحال مع ذلك الاحتياط والتورع، فلما أكل الطعام أخبر ~~شعيبا بحاله (وقص عليه القصص) أي المقصوص وهو خوفه من فرعون (قال) شعيب ~~عليه السلام (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) [25] لأنه لا حكم لفرعون علينا. ### || [سورة القصص (28): الآيات 26 الى 27] # قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال ~~إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت ~~عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) # (قالت إحداهما) وهي كبراهما صفراء والصغري صفيراء (يا أبت استأجره) أي ~~اتخذه أجيرا يرعى غنمنا (إن خير من استأجرت القوي الأمين) [26] هو تحريض ~~على الاستئجار لقوته «3» وأمانته فأخبرت بهما لأبيهما «4» حين سألها عنهما ~~بقوله «وما علمك بقوته وأمانته»، فثم (قال إني أريد ms1279 أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين) صفراء وصفيراء، وفيه دليل على أنه كان له غيرهما (على أن تأجرني) أي ~~تصير أجيرا لي، وهو شرط لإنكاحها فيكون محله حالا، أي مشروطا بذلك، قيل: ~~كان قوله «إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي» وعدا له بالإنكاح لا عقدا حيث لم ~~يقل أنكحته ولأنه لم يميز بينهما، وجوز الشافعي رحمه الله التزوج على ~~الإجارة لبعض الأعمال والخدمة وكان ذلك مهرا ومنعه أبو حنيفة رحمه الله، ~~ولعل ذلك كان جائزا في شريعة شعيب عليه السلام «5»، وقيل: يجوز النكاح ~~والمهر مهر المثل أو قيمة العمل عنده «6» (ثماني حجج) أي ثماني «7» سنين ~~وهو ظرف للأجر (فإن أتممت عشرا) أي خدمة عشر سنين (فمن عندك) أي فالتمام من ~~عندك تبرع لا إلزام مني (وما أريد أن أشق عليك) باستخدامي بأن تقسم فكرك ~~باثنين بأن يقول مرة أطيقه ومرة لا أطيقه (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) ~~[27] أي من الوافين بالشرط، وقوله «ذلك» يدل على أن شعيبا وعده المسامحة ~~والمساهلة من نفسه، وإنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، أي لا ~~أفعل بك كما يفعل المستأجرون «8» المعاشرون من المناقشة وإلزام أتم الأجلين ~~وإيجابه، وذلك عادة الأنبياء عليهم السلام أو أراد بالصلاح حسن المعاملة ~~ولين الجانب. PageV03P237 ### || [سورة القصص (28): آية 28] # قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول ~~وكيل (28) # (قال) موسى (ذلك) أي ما عاهدتك عليه (بيني وبينك أيما الأجلين) «أي» شرط ~~و«ما» زائدة تأكيدا لإبهام «أي» في شياعها، ف «الأجلين» جر باضافة «أي» ~~إليه، والمعنى: أي أجل (قضيت) من الأجلين أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما ~~الذي «1» هو الثماني (فلا عدوان) أي لا يعتدى (علي) بطلب الزيادة على ~~أحدهما، إذ التتمة موكولة إلى رأيي إن شئت أتيت بها وإلا لم أجبر عليها ~~(والله على ما نقول) من الشروط وغيرها (وكيل) [28] حفيظ، وال «وكيل» هو ~~الذي وكل إليه الأمر واستعمل في موضع الشاهد فلذا عدي ب «علي»، روي: أن ~~موسى عليه السلام تزوج ms1280 كبراهما صفراء «2»، وحكي أن شعيبا عليه السلام كان ~~كثير البكاء فقال تعالى ما هذا البكاء أشوقا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ ~~قال: لا يا رب ولكن شوقا إلى لقائك فأوحى الله إليه إن يكن ذلك فهنيئا لك ~~لقائي يا شعيب فلذلك استخدمتك موسى كليمي. ### || [سورة القصص (28): آية 29] # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا ~~إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) # (فلما قضى موسى الأجل) أي الأجل المشروط بينهما (وسار بأهله) نحو مصر بعد ~~مكثه عند شعيب أحد الأجلين، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأجلين ~~قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وتزوج صفراهما» «3»، وهذا خلاف الرواية السابقة ~~(آنس من جانب الطور نارا) أي رأى نارا عظيما (قال لأهله امكثوا) أي قفوا ~~مكانكم (إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر) أي بخبر الطريق (أو جذوة) ~~بكسر الجيم وضمها وفتحها «4» لغات كلها في قطعة من الجمر (من النار لعلكم ~~تصطلون) [29] من البرد فتركهم في البرية فذهب إليها. ### || [سورة القصص (28): آية 30] # فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ~~يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) # (فلما أتاها نودي من شاطئ) أي من جانب (الواد الأيمن) بالنسبة إلى موسى ~~(في البقعة المباركة) بالضم والفتح «5» لغتان في قطعة من الأرض بلا شجرة ~~ووصفت بالمباركة، لأن الله كلم فيها موسى، قوله (من الشجرة) بدل من «شاطئ»، ~~قيل: هي كانت عنابا «6» أو عوسجا «7»، و«من» فيهما لابتداء الغاية، أي أتاه ~~النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة، قوله (أن) مفسرة لأن النداء قول، أي ~~نودي بأن (يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [30]. ### || [سورة القصص (28): آية 31] # وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ~~ولا تخف إنك من الآمنين (31) # قوله (وأن ألق عصاك) عطف على «أن يا موسى»، فألقاها على الأرض (فلما رآها ~~تهتز) أي تتحرك (كأنها جان ولى مدبرا) ms1281 وقد مر تفسيره (ولم يعقب) أي لم ~~يلتفت خوفا من الحية فقال تعالى (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) ~~[31] من الحية. ### || [سورة القصص (28): آية 32] # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) # (اسلك) أي ادخل (يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك) أي ~~يدك، قيل: المراد PageV03P238 # منه ضم اليد اليمنى إلى نفسه، وفي قوله «واضمم يدك إلى جناحك» «1» هو ضم ~~اليد اليسرى إليه «2» (من الرهب) بفتح الهاء وسكونه بعد الفتح وسكونه بعد ~~الضم «3» الخوف، أي إذا خفت شيئا فضم يدك إليك لأن اليد للإنسان كالجناح ~~للطير، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، قال ~~مجاهد رضي الله عنه: # «من فزع فرد جناحه إليه ذهب عنه الخوف» «4»، روي: أنه رأى بياض يده فخاف ~~فأمر بذلك فعادت كحالها «5»، وقيل: ضم الجناح استعارة للتجلد والتثبت «6»، ~~أي أنه أمر بالثبات والصبر (فذانك) بالتخفيف والتشديد «7»، أي الاثنان ~~المشار إليهما وهما اليد والعصا (برهانان) أي حجتان (من ربك) مرسلا بهما ~~(إلى فرعون وملائه) وسميت الحجة برهانا لوضوحها من قولهم امرأة برهرهة ~~بتكرير العين واللام، وهي البيضاء الشابة التي كأنها ترعد رطوبة (إنهم ~~كانوا قوما فاسقين) [32] أي عاصين الله تعالى بعبادة غيره. ### || [سورة القصص (28): آية 33] # قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) # (قال) موسى يا (رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) [33] أي أن ~~يقتلون نفسي به. ### || [سورة القصص (28): آية 34] # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) # (وأخي هارون هو أفصح) أي أبين وألحن (مني لسانا) وكان في لسان موسى عقدة ~~من النار التي أدخلها في فيه (فأرسله معي ردءا) بالهمز وبغيره للتخفيف «8»، ~~أي معينا لي رسالتك (يصدقني) بزيادة البيان، قرئ «يصدقني» بالرفع صفة أو ~~حال بعد حال، وبالجزم «9» جواب ل «أرسله»، ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه ~~في محمل ms1282 النظر والمجادلة إن احتاج إليه لاثبات دعواه لا أن يقول له صدقت أو ~~للجماعة صدقوه أو هو صدق يدل عليه قوله «هو أفصح مني لسانا»، لأنه هذا يقدر ~~عليه الفصيح وغيره (إني أخاف أن يكذبون) [34] أي فرعون وقومه. ### || [سورة القصص (28): آية 35] # قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون (35) # (قال) الله تعالى (سنشد عضدك) أي سنقويك ونعينك (بأخيك) لأن الرجل يقوى ~~بأخيه كقوة اليد بعضدها، والعضد ما بين المرفق والكتف (ونجعل لكما سلطانا) ~~أي برهانا وهو اليد والعصا أو غلبة وتسلطا (فلا يصلون إليكما) قوله ~~(بآياتنا) متعلق ب «نجعل» أو ب «لا يصلون» لا ب «الغالبون» لامتناع تقوم ~~الصلة على الموصول، المعنى يمتنعون منكما بآياتنا يعني لا يقدرون على ~~قتلكما، وقيل: بمحذوف، أي اذهبا إلى فرعون بآياتنا «10» (أنتما ومن ~~اتبعكما) بالإيمان (الغالبون) [35] على القبط بالحجة. ### || [سورة القصص (28): الآيات 36 الى 37] # فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) # (فلما جاءهم موسى بآياتنا) أي بعلاماتنا (بينات) أي واضحات في الدلالة ~~على ربوبيتنا، روي: أنه أراهم PageV03P239 # العلامة من الله وقال إني رسول من رب العالمين «1» (قالوا ما هذا) أي ليس ~~الذي جئت به وهو ما عاينوه من معجزة موسى (إلا سحر مفترى) أي مختلق اختلقته ~~(وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين [36] وقال موسى) بالواو مصاحف غير مكة ~~للعطف بين القولين والموازنة في المناظرة وبغير الواو «2» كما في مصاحف ~~مكة، لأنه استئناف جواب لسؤال «3» (ربي أعلم) منكم (بمن جاء بالهدى) أي ~~بحال من أهله الله للفلاح الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى (من عنده) أي ~~من عند الله ووعده حسنى العقبى يعني نفسه ولو كان كما تزعمون كاذبا ساحرا ~~لما أهله لذلك، لأنه غني حكيم (و) اعلم أيضا بحال (من تكون له) بالياء ~~والتاء «4» (عاقبة الدار) وهي العاقبة المحمودة، ms1283 والمراد ب «الدار» الدنيا ~~وعاقبتها ان يختم للعبد بالرحمة والرضوان وبشارة الملائكة عند الموت (إنه) ~~أي إن الشأن (لا يفلح الظالمون) [37] بالكذب والسحر والكفر وغيرها من ~~الفساد من عقابه. ### || [سورة القصص (28): آية 38] # وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على ~~الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38) # (وقال فرعون) لأهل مصر (يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) أراد نفي ~~وجوده بنفي العلم عن نفسه، أي ما لكم من إله غيري في الوجود فلا تطيعوا ~~موسى (فأوقد لي) نارا (يا هامان على الطين) أي على اللبن ليصير آجرا وهو ~~أول من عمل به (فاجعل لي صرحا) أي قصرا عاليا طويلا (لعلي أطلع إلى إله ~~موسى) أي أصعد عليه فأقتله (وإني لأظنه من الكاذبين) [38] في أن له إلها ~~غيري قاله تمويها على قومه، قيل: بناه وجعله طويلا بحيث لا يقدر الباني أن ~~يقوم على رأسه، وكان طوله خمسة آلاف ذراع وعرضه ثلاثة آلاف ذراع فصعده ~~فرعون فرمى بنشابه فعادت بالدم فتنة لفرعون، فقال قتلت إله موسى فضرب ~~جبرائيل الصرح بجناحه فقطعه ثلاث قطع وقعت قطعة على عسكره فقتلت ألف ألف ~~رجل وأخرى في البحر وأخرى في المغرب «5». ### || [سورة القصص (28): آية 39] # واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) # (واستكبر هو) أي فرعون (وجنوده) عن الإيمان بموسى (في الأرض) أي في أرض ~~مصر (بغير الحق) أي بلا حجة (وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) [39] بالموت، قرئ ~~معلوما ومجهولا «6». ### || [سورة القصص (28): الآيات 40 الى 41] # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (40) ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) # (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) أي عاقبناهم في البحر (فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين [40] وجعلناهم) أي خذلناهم وصيرناهم، يعني قوم فرعون (أئمة) ~~أي رؤساء (يدعون) الجهال (إلى) عمل كالكفر والمعاصي من أعمال أهل (النار) ~~في الدنيا (ويوم القيامة) هم (لا ينصرون) ms1284 [41] من العذاب. ### || [سورة القصص (28): آية 42] # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) # (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) أي طردا وإبعادا من الرحمة (ويوم القيامة ~~هم من المقبوحين) [42] أي المطرودين المبعدين، يعني المعذبين المهلكين، ~~يقال قبحه الله إذا أهلكه. ### || [سورة القصص (28): آية 43] # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون (43) PageV03P240 # ثم قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ~~بصائر) جمع بصيرة وهو نور القلب الذي يستبصر به كالعين في الرأس، وهي حال ~~من «الكتاب»، أي آتيناه التورية بعد هلاك من تقدمه من القرون أنوارا ~~(للناس) أي معارف لقلوبهم، لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقا من ~~الباطل (وهدى) من الضلالة لمن آمن به (ورحمة) لمن عمل بما فيه، لأنهم لو ~~علموه وعملوا به لأبصروا الطريق ووصلوا إلى نيل الرحمة (لعلهم يتذكرون) ~~[43] أي لإرادة تذكيرهم شبهت الإرادة بالترجي واستعير لها أو المراد به ~~ترجى موسى لتذكرهم. ### || [سورة القصص (28): آية 44] # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (44) # ثم خاطب النبي عليه السلام بقوله (وما كنت) يا محمد (بجانب) المكان ~~(الغربي) من موسى وهو المكان الذي فيه ميقات موسى من الطور (إذ قضينا) أي ~~عهدنا (إلى موسى الأمر) بالرسالة إلى فرعون (وما كنت من الشاهدين) [44] أي ~~من الحاضرين «1» ثمه وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات حتى تختبر بالمشاهدة ~~على ما جرى من أمر موسى عليه السلام إلى عهدك وكتبة التورية له في اللوح. ### || [سورة القصص (28): آية 45] # ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا ~~عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) # قوله (ولكنا أنشأنا قرونا) استدراك متصل بما قبله من الكلام من جهة ~~المعنى، أي لم تكن حاضرا في عهد موسى حتى تخبر أهل مكة وغيرهم بما شاهدت من ~~أمر موسى بلا وحي، ولكنا أحدثنا وخلقنا قرونا كثيرة بعد عهد «2» وحي موسى ~~إلى عهدك (فتطاول عليهم العمر) أي أمد ms1285 انقطاع الوحي على آخرهم وهو القرآن ~~الذي أنت فيهم فنسوا ما عهد إليهم من الإيمان بمحمد عليه السلام واندرست ~~العلوم فوجب إرسالك إليهم فأرسلناك نبيا عالما بقصص الأنبياء وقصة موسى ~~إليهم فبذلك تخبرهم، قيل: ذكر الله تعالى سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة، ~~ودل به على المسبب على عادته تعالى في اختصار الكلام «3» (وما كنت ثاويا) ~~أي مقيما (في أهل مدين) وهم شعيب والمؤمنون به (تتلوا) أي تقرأ (عليهم) أي ~~على أهل مكة (آياتنا) التي فيها قصة شعيب وقومه تعلما منهم (ولكنا كنا ~~مرسلين) [45] إليك، أي لكنا أرسلناك وعلمناكها من غير مشاهدة فتخبر بها أهل ~~مكة اخبار المتقدمين. ### || [سورة القصص (28): آية 46] # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) # (وما كنت بجانب الطور) أي الجبل (إذ نادينا) موسى ليلة المناجاة وتكليمه ~~أن «خذ الكتاب بقوة» «4» الآية (ولكن) علمناك و«5» رحمناك (رحمة من ربك) أو ~~أرسلناك للرحمة من ربك بالقرآن (لتنذر قوما) يعني أهل مكة (ما أتاهم من ~~نذير من قبلك) لأنه لم يجئ «6» نذير قبل محمد عليه السلام إلى أهل مكة ~~(لعلهم يتذكرون) [46] فيؤمنون وكان بين الرسول وبين عيسى زمان الفترة وهو ~~خمسمائة وخمسون سنة، فهذه الأخبار كلها منك علامات لنبوتك، إذ لم تكن حاضرا ~~هناك ولم تكن نقرأ الكتب لنخبرهم بها عن الأنبياء قبلك. ### || [سورة القصص (28): آية 47] # ولو لا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) # (ولو لا أن تصيبهم مصيبة) أي عقوبة (بما قدمت أيديهم) من المعاصي، «لو ~~لا» هذه امتناعية جوابها PageV03P241 # محذوف وهو لعذبوا في الدنيا قبل الإنذار وإن تصيبهم «مصيبة» مبتدأ محذوف ~~الخبر، وقوله (فيقولوا ربنا) عطف على المبتدأ بتقدير «أن»، وقوله (لو لا) ~~أي هلا (أرسلت إلينا رسولا) ينذرنا مقولهم و«لو لا» هذه تحضيضية، جوابها ~~(فنتبع آياتك) بالنصب والفاء يدخل جوابا للأمر، إذ في التحضيض معنى الأمر ~~(ونكون من المؤمنين) [47] بالنصب عطف ms1286 على «فنتبع» والذي قصد أن يكون سببا ~~لإرسال الرسل هو قولهم «لو لا أرسلت» الآية لا إصابة العقوبة لهم لكن ~~إصابتها لهم سبب لقولهم، فجعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، ~~فأدخلت «لو لا» عليها وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى ~~السببية، فالمعنى: لو لا قولهم هذا الذي فيه معنى الاحتجاج علينا بترك ~~الإرسال إليهم إذا أصابتهم مصيبة منا لما أرسلنا رسولا إليهم للإنذار ~~ولعاجلناهم بالعقوبة والإهلاك لكنا فعلنا الإرسال لدفع قولهم، وإزالة حجتهم ~~علينا نحو لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ### || [سورة القصص (28): آية 48] # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) # (فلما جاءهم) أي أهل «1» مكة (الحق) وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز ~~(من عندنا قالوا لو لا) أي هلا (أوتي) هذا الرسول (مثل ما أوتي موسى) من ~~الآيات كالعصا واليد وفلق البحر والتورية جملة واحدة فقال تعالى (أولم ~~يكفروا) توبيخا لهم بكفرهم، أي ألم يكفر أبناء جنسهم في زمان موسى ومذهب ~~هؤلاء كمذهب أولئك وعنادهم كعنادهم فهم مثلهم في الكفر، ولذا قال مسندا ~~إليهم الكفر أو لم يكفروا في عهد موسى (بما أوتي موسى) من التورية (من قبل) ~~أي من قبل «2» القرآن بأن (قالوا) موسى وهرون (سحران تظاهرا) أي تعاونا ~~وقرئ «ساحران» «3»، والمراد التورية والإنجيل أو الترية والقرآن، وذلك حين ~~بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد عليه السلام ~~فأخبرهم أنه نعته، وإنه في كتابهم فرجعوا إليهم وأخبروهم بقول اليهود، ~~فقالوا عند ذلك: ساحران تظاهرا، أي موسى ومحمد عليهما السلام (وقالوا إنا ~~بكل) منهم ومن كتبهم (كافرون) [48]. ### || [سورة القصص (28): الآيات 49 الى 50] # قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن ~~لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) # قوله (قل فأتوا بكتاب من عند ms1287 الله) أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقول فأتوا بكتاب (هو أهدى منهما) أي مما أنزل على موسى ومما أنزل ~~علي (أتبعه) أنا (إن كنتم صادقين) [49] في قولكم، وفيه تهكم لهم إذ لا شك ~~أن اتيانهم بذلك محال، ولما كان الأمر الاتيان يقتضي الإجابة قال (فإن لم ~~يستجيبوا لك) أي دعاءك إلى الاتيان بكتاب أهدى بحذف المفعول وزيادة اللام ~~والذي يدل على حذف المفعول الذي هو الدعاء قوله «فأتوا بكتاب»، لأنه أمر ~~بالاتيان وهو دعاء إلى الفعل، أي إن لم يجيبوا دعاءك إلى الاتيان بكتاب ~~(فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) في كفرهم (ومن أضل) استفهام للإنكار، أي لا ~~أحد أضل (ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) أي مخذولا مطبوعا على قلبه (إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين) [50] أي لا يلطف بالقوم الثابتين على ظلمهم، ~~يعني لا يرشدهم إلى دينه الحق. ### || [سورة القصص (28): آية 51] # ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) # (ولقد وصلنا لهم القول) أي بينا للكفار القرآن وأحكامه متتابعا متواصلا ~~وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا PageV03P242 # ومواعظة ونصائح (لعلهم يتذكرون) [51] أي إرادة أن يتذكروا فيؤمنوا ~~فيفلحوا. ### || [سورة القصص (28): آية 52] # الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) # قوله (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) أي من قبل «1» القرآن (هم به) أي ~~بمحمد عليه السلام أو القرآن (يؤمنون) [52] لأنه مذكور في كتبهم، نزل في ~~أهل الكتاب من المؤمنين «2»، وقيل: في أربعين من مسلمي الإنجيل «3». ### || [سورة القصص (28): آية 53] # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) # (وإذا يتلى) أي القرآن (عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ~~قبله) أي قبل نزول القرآن (مسلمين) [53] أي مؤمنين بمحمد عليه السلام ~~والاستئناف الأول بأنه تعليل للإيمان «4» والثاني بانا «5» بيان لقوله ~~«آمنا به». ### || [سورة القصص (28): آية 54] # أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ~~ينفقون (54) # (أولئك يؤتون أجرهم) أي يعطون ثوابهم (مرتين) في موضع المصدر، والمراد من ~~المرة الضعف، أي يضعف لهم ms1288 أجرهم ضعفين لإيمانهم بالكتاب الأول وبالآخر (بما ~~صبروا) أي بصبرهم على العمل بالكتابين والإيمان بهما أو بصبرهم على أذى ~~المشركين وأهل الكتاب (ويدرؤن) أي يدفعون (بالحسنة) وهي شهادة أن لا إله ~~إلا الله (السيئة) أي الشرك أو يدفعون بالطاعة المعصية المتقدمة أو بالحلم ~~الأذى (ومما رزقناهم) من الأموال (ينفقون) [54] في الطاعة. ### || [سورة القصص (28): آية 55] # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ~~لا نبتغي الجاهلين (55) # قوله (وإذا سمعوا اللغو) أي الشتم والأذى من المشركين (أعرضوا عنه ~~وقالوا) للاغين (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم) سلام توديع ومتاركة ~~لا نعارضكم في شيء لأنا (لا نبتغي الجاهلين) [55] أي لا نريد مخالطتهم ~~وصحبتهم، نزل فيمن أسلم فأوذي «6»، ونسخ بآية السيف «7». ### || [سورة القصص (28): آية 56] # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) # ونزل حين حرص النبي عليه السلام على إيمان أبي طالب قوله «8» (إنك لا ~~تهدي) كل (من أحببت) لأنك لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره «9» لأنك عبد ~~لا تعلم الغيب (ولكن الله يهدي من يشاء) فيدخله في الإسلام، لأنه عالم ~~الغيب يميز المطبوع القلب عن غيره، وهو معنى قوله (وهو أعلم بالمهتدين) ~~[56] أي القابلين بالهدى من غيرهم. ### || [سورة القصص (28): آية 57] # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) # قوله (وقالوا إن نتبع الهدى معك) شرط، جزاؤه (نتخطف) أي نسلب «10»، نزل ~~فيمن لم يسلم خوفا من PageV03P243 # الكفار «1»، أي نحن قليلون أن نتبع الهدى يتخطفونا (من أرضنا) مكة ووبخهم ~~الله بقوله (أولم نمكن لهم) أي أو لم ننزلهم مكة (حرما آمنا) أي في الحرم ~~الذي آمنه بحرمة البيت وآمن سكانه بحرمته، وكانت العرب في الجاهلية ~~يتناحرون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون من السبي والقتل وهم يعبدون غيري، ~~فكيف يخافون لو أسلموا (يجبى) بالياء والتاء «2» (إليه) أي إلى الحرم يجمع ~~(ثمرات كل شيء) أي كل لون من ألوان ms1289 الثمرات من كل ناحية (رزقا من لدنا) أي ~~من عندنا، مفعول له، أو حال بمعنى مرزوقا من ثمرات متخصصة بالإضافة (ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون) [57] أن ذلك رزق من لدنا، ولو علموا ذلك لعلموا أن الخوف ~~والأمن من عند الله. ### || [سورة القصص (28): آية 58] # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين (58) # قوله (وكم أهلكنا من قرية) تخويف لأهل مكة من سوء العاقبة لتبديلهم الكفر ~~بالشكر، أي أهلكنا قرية كثيرة (بطرت معيشتها) أي فرحت من معيشتها بنزع ~~الخافض أو ظرف، أي أيام معيشتها، وأصل البطر دهش يعتري من سوء احتمال ~~النعمة والقيام بحقها، وهو أن لا يحفظ حق الله في النعمة، لأنهم أكلوا رزق ~~الله وعبدوا غيره من الأصنام فأهلكهم الله بالعذاب في الدنيا (فتلك ~~مساكنهم) أي بيوتهم انظروا إليها واعتبروا فيها بقيت خالية (لم تسكن من ~~بعدهم إلا) سكونا (قليلا) وهو ساعة أو يوم للمسافرين (وكنا نحن الوارثين) ~~[58] لتلك المساكن من ساكنيها، أي تركناها على حال لا يسكنها أحد. ### || [سورة القصص (28): آية 59] # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) # (وما كان ربك مهلك القرى) أي لم يعذب أهلها في كل زمان (حتى يبعث في ~~أمها) أي في أم القرى «3»، يعني مكة أو أكبرها، قرئ بضم الألف وكسرها «4» ~~(رسولا) وهو محمد صلى الله عليه وسلم أو عام في كل رسول، وأم القرى هي التي ~~يسكن «5» فيها الأشراف، لأن الرسول أنما يبعث غالبا إلى الأشراف (يتلوا ~~عليهم آياتنا) أي القرآن ترغيبا وترهيبا، وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم ~~لأنه أعلم بكمال فضله، إن عادته ليست أن يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك ~~بظلمهم ولا يهلكهم إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسول، ولذا أردفه ~~بقوله (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) [59] بالشرك. ### || [سورة القصص (28): آية 60] # وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى ~~أفلا تعقلون (60) # (وما ms1290 أوتيتم من شيء) أي الذي أعطيتم من مال في الدنيا (فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها) أي فهو ما تنتفعون به أيام حياتكم وتتزينون به ولا يبقى ~~دائما، يعني أنتم وما أوتيتم من أسباب التمتع في الدنيا إلى فناء (وما عند ~~الله) أي والذي وعد لكم من الأجر والفضل الثابت عنده تعالى (خير) في نفسه ~~من ذلك (وأبقى) لأنه دائم لا يفني (أفلا تعقلون) [60] أن الباقي خير من ~~الفاني فتؤمنون «6»، بالتاء والياء «7». ### || [سورة القصص (28): آية 61] # أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين (61) # قوله (أفمن وعدناه وعدا حسنا) أي الجنة أو النصر (فهو لاقيه) أي مصيبه، ~~نزل في النبي عليه السلام وأبي PageV03P244 # جهل «1» أو في كل مؤمن وكافر «2»، وهو استفهام إنكار للتسوية، والفاء في ~~«أ فمن» للتعقيب، والفاء في «فهو» للتسبب، أي أفذلك الذي وعد بالوعد الحسن ~~الذي يلاقيه (كمن متعناه متاع الحياة الدنيا) وهو خبر «أ فمن» المبتدأ، ~~يعني أبعد هذا التفاوت الظاهر بينهما يساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة (ثم ~~هو) أي أهل الدنيا (يوم القيامة من المحضرين) [61] أي الذين أحضروا النار، ~~و«ثم» فيه لتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع لا لتراخي وقته عن وقته ~~لتحققهما في وقت واحد هنا. ### || [سورة القصص (28): آية 62] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) # (و) اذكر (يوم يناديهم) أي يدعوهم (فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) ~~[62] أي تزعمونهم شركائي بحذف المفعولين. ### || [سورة القصص (28): آية 63] # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ~~تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) # (قال الذين حق) أي وجب (عليهم القول) أي مقتضى قوله «لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين» «3»، وهم رؤساء الكفر أو رؤساء الشياطين وهو العذاب ~~الدائم، ومقول «قال» (ربنا هؤلاء) أي السفلة أو الأتباع، مبتدأ، و(الذين ~~أغوينا) أي أغويناهم بمعنى أضللناهم صفته، والعائد إلى «الذين» محذوف، وخبر ~~المبتدأ (أغويناهم) بعده، والكاف في (كما غوينا) صفة مصدر محذوف، أي ~~أغويناهم فغووا غيا مثل ما ms1291 غوينا، أي أضللناهم كما ضللناهم لم نكرههم على ~~الغي، إنما غووا باختيارهم مع تسويلنا لهم ووسوستنا لا بالقسر والإلجاء فلا ~~فرق بين غينا وغيهم (تبرأنا إليك) منهم ومن كفرهم وعبادتهم فصاروا «4» ~~أعداءلنا، وكذبوا علينا (ما كانوا) أي لم يكونوا (إيانا يعبدون) [63] إنما ~~كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم. ### || [سورة القصص (28): آية 64] # وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا ~~يهتدون (64) # (وقيل) أي قال للكفار والحزنة (ادعوا شركاءكم) أي الأصنام لتخلصكم «5» من ~~العذاب وهو توبيخ وتهديد لمن يعبد الأصنام (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) أي لم ~~يجيبوهم بنفع ما (و) عند ذلك (رأوا العذاب) الموعود لهم ثم أخبر تعالى (لو ~~أنهم كانوا يهتدون) [64] في الدنيا، شرط جوابه محذوف وهو لما رأوا العذاب ~~أو لما اتبعوهم في الدنيا أو المعنى: لما رأوا العذاب تمنوا لو كانوا ~~مهتدين كاهتداء المسلمين ف «لو» حينئذ للتمني. ### || [سورة القصص (28): آية 65] # ويوم يناديهم فيقول ما ذا أجبتم المرسلين (65) # (ويوم يناديهم) أي اذكر يوم يسألهم الله تعالى تبكيتا لهم بالاحتجاج ~~عليهم بارسال الرسل وإزاحة العلل يوم القيامة (فيقول ما ذا أجبتم المرسلين) ~~[65] في التوحيد. ### || [سورة القصص (28): آية 66] # فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) # (فعميت عليهم الأنباء) أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا من الهول، ~~يعني التبست عليهم الحجج وانسدت طرق الأخبار فلا يهتدى إليهم ليخبروا ~~بالاعتذار (يومئذ فهم لا يتساءلون) [66] بل يسكتون حيرة وانقطاعا لا يسأل ~~بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات في الدنيا ليلقن السائل الحجة، ~~لأنهم تساووا في العجز عن الجواب ثم، والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب المرسل ~~إليه رسوله. PageV03P245 ### || [سورة القصص (28): آية 67] # فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) # (فأما من تاب) من الكفر (وآمن) بالله ورسوله (وعمل صالحا) أي عملا مرضيا ~~عند الله (فعسى أن يكون من المفلحين) [67] أي الناجين من العذاب وبدخول ~~الجنة، فانظر كيف جمع بين الإيمان والعمل الصالح لرجاء الفلاح. ### || [سورة القصص (28): الآيات 68 الى 69] # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ms1292 الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) # قوله (وربك يخلق ما يشاء ويختار) نزل لما قيل «لو لا نزل هذا القرآن على ~~رجل من القريتين عظيم» «1»، أي وربك لا يبعث الرسل بأخبار المرسل إليهم بل ~~يختار بالرسالة لمن يشاء، ونفى اختيارهم بقوله (ما كان لهم الخيرة) أي ~~الاختيار، يعني ليس لهم أن يختاروا شيئا ما، ف «ما» نفي على هذا، ويجوز أن ~~يكون موصولا مفعول «يختار»، والعائد محذوف، أي يختار الذي لهم فيه الخيرة ~~وصلاحهم فالخيرة التخير (سبحان الله وتعالى عن ما يشركون) [68] أي الله ~~بريء من إشراكهم وجرأتهم على الله باختيارهم ما لا يختار. # (وربك يعلم ما تكن) أى تضمر (صدورهم وما يعلنون) [69] من القول. ### || [سورة القصص (28): آية 70] # وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون (70) # (وهو الله لا إله إلا هو) أي المعبود بالحق هو الله لا غير (له الحمد في ~~الأولى والآخرة) أي هو مستحقه في الدارين، والتحميد على وجه اللذة في ~~الآخرة وفي الدنيا على وجه الكلفة، وحمد الآخرة قولهم: الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن، الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله رب العالمين (وله الحكم) ~~أي القضاء بين عباده (وإليه ترجعون) [70] في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. ### || [سورة القصص (28): آية 71] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) # قوله (قل أرأيتم) نبه فيه على اختصاص الربوبية له تعالى بصنعة الليل ~~والنهار لمصلحة الخلق ليعتبروا به فينتهوا عن عبادة غيره ويوحدوه، فقال: قل ~~يا محمد لكفار مكة أخبروني (إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) أي متصلا (إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء) تطلبون فيه بعض معاشكم، وإنما ~~لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قال بليل تسكنون فيه بعد لأن الضياء ضوء ~~الشمس، وله فوائد كثيرة سوى التصرف في المعاش ليست في النهار لتبصر تلك به ~~لأنه لأجل التصرف في المعاش ms1293 وحده، والظلام أيضا ليس بتلك المنزلة، فذكر ~~الضياء أبلغ من ذكر النهار ولذلك قرن السمع بالضياء بقوله (أفلا تسمعون) ~~[71] أي المواعظ سماع تدبر لأن السمع يدرك ما لا يدرك البصر من ذكر منافع ~~الضياء ووصف فوائده. ### || [سورة القصص (28): آية 72] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) # (قل أرأيتم) أي أخبروني (إن جعل الله عليكم النهار سرمدا) أي دائما (إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون) أي تستقرون وتستريحون ~~(فيه أفلا تبصرون) [72] قدرة الله فتؤمنون به، وقرن الإبصار بسكون الليل ~~لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه فلا حاجة إلى ~~تقرير فوائد الظلام لتذكر السماع. PageV03P246 ### || [سورة القصص (28): آية 73] # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) # ثم قال (ومن رحمته) أي من رحمة الله ونعمته (جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه) أي في الليل (ولتبتغوا) أي لتطلبوا (من فضله) أي من رزقه في ~~النهار، يعني أن الله زاوج بين الليل والنهار لثلاثة أغراض للسكنى في الليل ~~ولطلب الرزق في النهار ولإرادة الشكر منكم مطلقا، دل عليه قوله (ولعلكم ~~تشكرون) [73] أي في كل وقت. ### || [سورة القصص (28): آية 74] # ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) # (ويوم يناديهم) أي اذكر يوم يدعوهم (فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) ~~[74] أنهم لي شركاء، كررت هذه الآية لزيادة توبيخ الكفار وللإيذان بأن لا ~~شيء أجلب لغضب الله من الشرك به كالتوحيد في مرضاته. ### || [سورة القصص (28): آية 75] # ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون (75) # (ونزعنا) أي أخرجنا (من كل أمة شهيدا) وهو نبيهم يشهد عليها، لأن ~~الأنبياء يشهدون عليهم بما كانوا عليه من الشرك وعدم قبول رسالتهم (فقلنا ~~هاتوا برهانكم) أي حجتكم أن لله شريكا فعجزوا (فعلموا) حينئذ (أن الحق) أي ~~التوحيد في الألوهية (لله وضل) أي غاب (عنهم ما ms1294 كانوا يفترون) [75] أي ~~يدعون من الكذب والباطل وهو ألوهية غير الله تعالى. ### || [سورة القصص (28): آية 76] # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) # ثم زاد النصح والعبرة بقوله (إن قارون كان من قوم موسى) آمن به أو ابن ~~عمه أو خالته ولم ينصرف لعجمته وتعريفه وكان يلقب بالمنور لحسن صوته، وكان ~~يقرأ التورية من قبله ولكنه نافق كما نافق السامري وكان عاملا لفرعون (فبغى ~~عليهم) أي فظلم «1» على بني إسرائيل من البغي وهو الكبر، أي تكبر عليهم ~~وبظلمه وكفره وكثرة ماله وتكبر على موسى بتكذيبه ومخالفة أمره (وآتيناه) أي ~~أعطيناه (من الكنوز ما) أي الذي (إن مفاتحه) جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح ~~به، وقيل: هي الخزائن «2»، جمع مفتح بالفتح (لتنوأ) أي لتثقل (بالعصبة) وهي ~~الجماعة الكثيرة، أي تثقلهم، والباء للتعدية، من أناءه إذا أثقله حتى ~~أماله، وقيل: هو مقلوب «3»، أي لتنوء بها العصبة من ناء بكذا نهض به مثقلا، ~~قوله (أولي القوة) صفة «العصبة»، أي كانت خزائنه كثيرة أو مفاتيحها كثيرة ~~تثقل الأمة القوية، وهي ما بين العشرة إلى السبعين، قيل: «كانت تحمل مفاتيح ~~خزائنه ستون بغلا، لكل خزانة مفتاح ولا يزيد المفتاح على إصبع وكانت من ~~جلود» «4» (إذ قال له قومه) أي بنو إسرائيل (لا تفرح) بحطام الدنيا (إن ~~الله لا يحب الفرحين) [76] أي البطرين بالمال ولم يشكروا على ما أعطوا. ### || [سورة القصص (28): آية 77] # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) # (وابتغ) أي اقصد (فيما آتاك الله) من الغنا والثروة (الدار الآخرة) بأن ~~تخرج الأموال في الطاعة هنا فتنال «5» الأجر ثم (ولا تنس نصيبك) «6» ما ~~تحتاج إليه (من الدنيا) تأخذه وتخرج «7» الباقي (وأحسن) إلى عباد الله PageV03P247 # فيما افترض عليك (كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد) أي لا ms1295 تعص بالبغي ~~والظلم (في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) [77] وقيل: إن القائل هو موسى ~~عليه السلام «1». ### || [سورة القصص (28): آية 78] # قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) # (قال) قارون (إنما أوتيته) أي المال (على علم عندي) هما ظرفان، الأول حال ~~والثاني صفة له، أي أوتيته مستحقا لما في من العلم، قيل: كان قارون اعلم ~~بني إسرائيل بالتورية «2»، وقيل: هو علم الكيمياء «3»، وقيل: # العلم بوجوه التجارة والكسب «4»، قوله (أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون) توبيخ لقارون لأنه كان عالما بحال من تقدمه وهلاكه بغناه ~~وقوته لما قرأ التورية وأخبر به موسى، أي أو لم يعتبر بهلاك من تقدمه بكثرة ~~المال حتى لا يغتر ولا يفتخر بقوته وكثرة ماله، ومحل (من هو أشد) أي أقوى ~~وأغنى (منه) أي من قارون (قوة) بالعدد والعدد (وأكثر جمعا) للمال كنمرود ~~وغيره، نصب، مفعول «أهلك»، ويجوز أن يكون قوله «أ ولم يعلم» نفيا لعلمه، ~~لأنه ادعى العلم ولم يعلم علما يصون عن نفسه الهلاك، وهو العلم النافع الذي ~~نفى النفوس عن مصارع الهالكين والعلم الذي ادعاه خلاف «5» ذلك (ولا يسئل عن ~~ذنوبهم المجرمون) [78] أي الله عالم بحال المجرمين فلا يسأل عن ذنوبهم يوم ~~القيامة بل تعاقبهم بالنار بلا حساب، ووجه اتصاله بما قبله ظاهر، لأنه لما ~~ذكر قارون أنه ممن أهلك من القرون المجرمين ذكره بعده على سبيل التهديد له، ~~أي الله مطلع على ذنوبهم خبير بأعمالهم لا يحتاج إلى سؤالهم «6» عنها بل ~~يأمرهم إلى النار بلا توقف، وقيل: لا يسأل عن ذنوبهم سؤال النجاة بل يسألون ~~سؤال التعذيب «7». ### || [سورة القصص (28): آية 79] # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ~~ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) # (فخرج) قارون يوما (على قومه في زينته) للعرض على بغلة بيضاء، عليها سرج ~~ذهب ومعه أربعة آلاف على ms1296 زيه، وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن ~~يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهم الحلي والديباج «8» ~~(قال الذين يريدون الحياة الدنيا) من المسلمين متمنين مثل ما له على سبيل ~~الرغبة في اليسار كعادة البشر، وقيل: «متمنين إياه ليتقربوا به إلى الله ~~وينفقوه في سبيل الخير» «9» (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون) من المال وهذا ~~هو الغبطة، وقيل: كانوا كفارا «10» (إنه لذو حظ) أي بخت (عظيم) [79] في ~~الدنيا. ### || [سورة القصص (28): آية 80] # وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا ~~يلقاها إلا الصابرون (80) # (وقال الذين أوتوا العلم) وهم الزاهدون في الدنيا العارفون الأشياء كما ~~هي (ويلكم) بالنصب مفعول به، عامله محذوف دعاء بالهلاك في الأصل، استعمل في ~~الزجر والردع عما لا يرتضى، أي نلزمكم ويحكم إن لم ترتدعوا (ثواب الله) على ~~الطاعة «11» (خير) أي أفضل (لمن آمن وعمل صالحا) مما أوتي قارون ومثله في ~~الدنيا (ولا يلقاها) أي لا يوفق الكلمة التي تكلم بها العلماء أو الثواب ~~لأنه بمعنى الجنة أو السيرة الحسنة، وهي الإيمان والعمل الصالح (إلا ~~الصابرون) [80] على الطاعة عن الشهوات. PageV03P248 ### || [سورة القصص (28): آية 81] # فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين (81) # (فخسفنا به) أي بقارون (وبداره الأرض) قيل: كان قارون يؤذي موسى عليه ~~السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكوة، ~~فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، فجمعها فرآها ~~عظيمة فمنعها من البخل لأنه استكثرها بعد الحساب، وقال لبني إسرائيل: أن ~~موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقال: أنت كبيرنا فمربنا ما شئت، فقال: نبرطل ~~فلانة البغية حتى ترميه بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل فجاؤا بها وجعل قارون ~~لها ألف دينار، فأجابتهم فجمع قارون الناس يوم عيدلهم، وقال لموسى: مرهم ~~وانههم فقام موسى وقال: من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير ~~محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه، فقال قارون: وإن ms1297 كنت أنت قال إن كنت أنا فقال ~~إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال: # ادعوها فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التورية أن تصدق ~~فتداركها الله ووفقها، فقالت: # بل كذبوا أن قارون جعل جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، ~~وقال: يا رب إن كنت نبيا فاغضب لي فأوحى الله إليه أن مر الأرض بما شئت ~~فانها مطيعة لك، فقال موسى: من كان مع قارون فليثبت معه ومن كان معي ~~فليعتزل قارون، فاعتزلوه كلهم إلا رجلين، فقال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ~~الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى ~~الأعناق، والحال أن قارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه بالله ~~وبالرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم ~~«1»، وهو معنى قوله «فخسفنا به وبداره الأرض»، يعني بداره وأمواله فهو ~~يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة (فما كان له من فئة) أي ~~لم يكن لقارون جند (ينصرونه) أي يمنعونه (من دون) أي من دون عذابه فأوحى ~~الله إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم وعزتي لو دعوني ~~مرة واحدة لوجدوني مجيبا (الله وما كان من المنتصرين) [81] الممتنعين من ~~عذابنا النازل به. ### || [سورة القصص (28): آية 82] # وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~من عباده ويقدر لو لا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) # (وأصبح) أي حين رآه الناس كذلك تعجب (الذين تمنوا مكانه) أي منزلته من ~~الدنيا (بالأمس) أي بالوقت القريب منهم استعير له من اليوم الذي قبل يومك، ~~وتنبهوا على خطئهم فأصبحوا (يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر) أي يضيق، «وي» كلمة تعجب، تنبه على الخطأ يدخل على كان مخففة ~~ومثقلة مفصولة من الكاف على الأصح، والكاف للتشبيه أي تنبهنا على خطئنا ما ~~أشبه الحال بأن الله يبسط الرزق ويقدر (لو لا أن من الله) أي لو لا من ms1298 الله ~~(علينا) بالإيمان (لخسف بنا) معلوما ومجهولا «2»، فندموا على ما قالوه «يا ~~ليت لنا» الآية، ثم قالوا (ويكأنه لا يفلح الكافرون) [82] تأكيد للندامة، ~~أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح كقارون وأصحابه. ### || [سورة القصص (28): آية 83] # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين (83) # قوله (تلك الدار الآخرة) تعظيم للجنة وتفخيم لشأنها أي التي سمعت وصفها، ~~مبتدأ، خيره (نجعلها للذين لا يريدون علوا) أي بغيا وتكبرا عن الإيمان (في ~~الأرض ولا فسادا) أي عملا بالمعاصي، قيل: «نزل في أهل التواضع» «3»، يعني ~~من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة (والعاقبة) أي عاقبة ~~الأمر وهي الاستقرار في الجنة (للمتقين) [83] الذين يتواضعون لله ويعملون ~~عملا صالحا. PageV03P249 ### || [سورة القصص (28): آية 84] # من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا ~~السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) # (من جاء بالحسنة فله خير منها) ثوابا (ومن جاء بالسيئة) أي بالمعصية (فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات) وضع موضع الضمير، أي فلا يجزون (إلا ما كانوا ~~يعملون) [84] أي مثله، وهذا من فضله العظيم أن لا يجزى السيئة ولا بمثلها ~~ويجزى الحسنة بعشرة أمثلها أو أزيد. ### || [سورة القصص (28): آية 85] # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) # قوله (إن الذي فرض عليك القرآن) نزل بعد خروجه صلى الله عليه وسلم من ~~الغار وجاء جحفة فاشتاق مكة، لأنها مولده وموطنه وبها عشيرته وحرم إبراهيم ~~عليه السلام «1»، أي إن الذي أوجب عليك تلاوة القرآن والعمل بما فيه ~~وإبلاغه (لرادك إلى معاد) عظيم أي إلى مكة بالغلبة والقهر لأنه قد أخرج ~~منها أو لرادك إلى الجنة لأن آدم كان فيها فأخرج فرد ولده إليها، ولما وعد ~~صلى الله عليه وسلم بالعود إلى مكة بعد قول المشركين له إنك لفي ضلال مبين ~~حال كونه خارجا عنها نزل «2» (قل ربي أعلم من جاء بالهدى) يعني نفسه (ومن ~~هو في ضلال مبين) ms1299 [85] يعني الكفار فيجازي كلا بعمله. ### || [سورة القصص (28): آية 86] # وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) # ثم أكد وعده بعوده إلى مكة بقوله (وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب) أي ~~القرآن (إلا رحمة من ربك) أي لرحمة منه، فهو قادر على أن يردك إلى مكة ~~لرحمة منه، ف «إلا رحمة» استثناء متصل حملا على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي ~~إليك الكتاب إلا رحمة، أي ما ألقي إليك لوجه إلا لوجه الرحمة، وقيل: # منقطع و«إلا» بمعنى «لكن»، أي لكن الله رحمك «3»، وأعطاك القرآن فاعمل به ~~(فلا تكونن ظهيرا) أي ناصرا (للكافرين) [86] بالعمل بقولهم ارجع إلى دين أبائك. ### || [سورة القصص (28): آية 87] # ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من ~~المشركين (87) # (ولا يصدنك) أي لا يصرفنك (عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك) أي بعد وقت ~~إنزاله، و«إذ» يضاف إليه اسم الزمان كيومئذ وحينئذ (وادع) الخلق (إلى ربك) ~~أي إلى توحيده (ولا تكونن من المشركين) [87] أي معهم في شركهم. ### || [سورة القصص (28): آية 88] # ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون (88) # ثم أكد النهي عن الشرك ووحد نفسه فقال (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله ~~إلا هو) أي لا خالق ولا رازق غيره فلا يستحق العبادة إلا هو (كل شيء) في ~~الدنيا (هالك) أي يجوز عليه الهلاك والفناء فيهلك قطعا (إلا وجهه) أي إلا ~~ذاته عز وعلا، فانه باق لا يفني والوجه يعبر عن الذات، وقيل معناه «إلا ما ~~أريد به وجه الله» «4» من العمل لا يفني لأن ثوابه باق (له الحكم) أي حكم ~~كل شيء (وإليه ترجعون [88] في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. PageV03P250 ### | سورة العنكبوت # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) # قيل: نزل في أناس من أصحاب النبي ms1300 عليه السلام، قد جزعوا من المشركين ~~كعمار وياسر وصهيب وكانوا يعذبون في الله «1» (الم [1] أحسب الناس) وقيل: ~~عير المشركون وأهل الكتاب المسلمين حين أصيبوا في أحد، فشق ذلك عليهم «2»، ~~فقال تعالى على سبيل العموم أظن الناس (أن يتركوا) أي يهملوا (أن يقولوا) ~~أي لأن يقولوا (آمنا) بالله (وهم لا يفتنون) [2] بالتعذيب والقتل والأمر ~~والنهي، أي والحال أنهم لا يمتحنون بما يظهر إيمانهم، يعني لا بد من ~~امتحانهم، ومفعولا «حسب» صلة «أن» الأولى التي اشتملت على مسند ومسند إليه ~~بمنزلة المفعولين، قالوا إذا أحب الله عبدا جعله للبلاء غرضا، والفتنة ~~الامتحان بشدائد التكليف بالمجاهرة والمجاهدة بأنفسهم وأعدائهم وسائر ~~العبادات وهجر الشهوات والفقر والقحط وأنواع المصائب وبمصابرة الكفار على ~~أذاهم وكيدهم وضرارهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 3] # ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) # (ولقد فتنا) أي اختبرنا (الذين من قبلهم) أي من قبل هذه الأمة كالأنبياء ~~والأولياء ببلايا، فمنهم من قتل بالعذاب ومنهم من نشر بالمنشار ومنهم من ~~عذب بأنواع العذاب كالمشط بأمشاط الحديد فلم يعدل عن دينه (فليعلمن الله ~~الذين صدقوا) أي فليظهرن الله في الوجود بعد علمه في العدم بالامتحان ~~الصادقين في إيمانهم (وليعلمن الكاذبين) [3] فيه فيثيب الصادقين ويعاقب ~~الكاذبين. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 4] # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) # (أم حسب الذين يعملون السيئات) أي أظن المسيئون (أن يسبقونا) أي أنهم ~~يفوتوننا فلا نقدر على الانتقام منهم (ساء ما يحكمون) [4] أي بئس حكما ~~يحكمونه حكمهم وهو المخصوص بالذم. ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 5 الى 6] # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) # قوله (من كان يرجوا لقاء الله) نزل في جميع المسلمين «3»، أي من يأمل ~~ثوابه ويخشى عقابه وحسابه (فإن أجل الله) أي فليعلم أن أجل الله المضروب ~~للثواب والعقاب (لآت) فليعمل لأجله قبل الفوت (وهو السميع العليم) [5] ~~بأقوالكم وأعمالكم أو نزل في علي وحمزة وعبيد بن الحارث رضي الله ms1301 عنهم حين ~~بارزوا يوم بدر PageV03P251 # عتبة وشيبة والوليد بن عتبة «1»، وكذا نزل فيهم «2» (ومن جاهد) جهاد حرب ~~أو جهاد نفس بأن يمنعها عما تأمر به ويحملها على ما تأباه من الطاعات ~~(فإنما يجاهد لنفسه) حسب، لأن ثواب جهاده راجع إليه، وإنما أمر الله ونهى ~~رحمة لعباده (إن الله لغني عن العالمين) [6] وعن طاعاتهم، لأنه «3» لا ~~يحتاج إلى شيء ما. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 7] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون (7) # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم) باسقاط عقابها بثواب ~~الحسنات (ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) [7] أي أحسن جزاء أعمالهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 8] # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) # (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) أي عهدناه وأمرناه بأن يفعل بهما «4» فعلا ~~ذا حسن وحكم وصي حكم أمر في التصرف لأن تعديته «5» بالباء، ومعناه الإلزام، ~~يقال وصيته بأن يفعل خيرا كما يقال أمرته بأن يفعل (وإن جاهداك) أي وقلنا ~~له إن جاهداك (لتشرك بي ما ليس لك به علم) أي لا علم لك بالألوهية (فلا ~~تطعهما) في ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون) [8] أي إلى رجوع من آمن منكم ومن أشرك فأخبركم بأعمالكم ~~فأجازيكم حق جازائكم، قيل: نزلت آية الوصية في سعد بن أبي وقاص وأمه حين ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعرفت أمه إيمانه فامتنعت من الأكل والشرب ~~ليكفر ويرتد، فقال والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما كفرت بمحمد ~~عليه السلام «6». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 9] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي المؤمنون الصالحون (لندخلنهم في) مدخل ~~(الصالحين) [9] أي الجنة، والصالحون هم الأنبياء والأولياء وكل من صلحت ~~سريرته مع الله تعالى. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 10] # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن ms1302 إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) # قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله) نزل فيمن ارتد بعد الإيمان، وهم ~~أناس آمنوا بألسنتهم فاذا مسهم أذى من المشركين صرفهم عن الإيمان كما أن ~~عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر «7» (فإذا أوذي في الله) أي في طاعته أو ~~الإسلام (جعل فتنة الناس) أي عذابهم إياه هنا (كعذاب الله) ثمه، المعنى: ~~أنه ساوى بين العذابين فخاف من العاجل وأهمل الآجل، وفيه تنبيه لكل مسلم أن ~~يصبر على الأذى في الله تعالى (ولئن جاء نصر) أي دولة للمؤمنين كالغلبة ~~والغنيمة (من ربك ليقولن) أي المرتدون (إنا كنا معكم) أي تابعين لكم في ~~دينكم فأعطونا نصيبا من المغنم، فقال تعالى مخبرا عن كذبهم (أ) يقولون ذلك ~~(وليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) [10] من الإيمان والكفر، وهذا ~~اطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه من الكفر. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 11] # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) # ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين بقوله (وليعلمن الله الذين آمنوا) حقيقة ~~(وليعلمن المنافقين) [11] في إيمانهم، فانهم «8» لم يصبروا على الأذى ~~وارتدوا. PageV03P252 ### || [سورة العنكبوت (29): آية 12] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) # (وقال الذين كفروا) وهم أبو سفيان وأصحابه (للذين آمنوا) أي لعمر بن ~~الخطاب وأصحابه (اتبعوا سبيلنا) أي ديننا (ولنحمل خطاياكم) أي لنرفع عنكم ~~إثم خطاياكم يوم القيامة، وهو أمر معطوف على «اتبعوا»، وقيل: # هو بمعنى الجزاء للشرط معنى، أي إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم «1»، ~~فقال تعالى (وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء) وهو مفعول «الحامل» بزيادة ~~«من» و «من خطاياهم» حال من «شيء» تقدم عليه لتنكره، وهذا طريق بعض الجهلة ~~حتى يقول لمثله أفعل هذا وإثمه في عنقي (إنهم لكاذبون) [12] فيما يزعمون من ~~قولهم إنا وأنتم لا نبعث ولئن بعثنا لنحملن آثامكم عنكم، وقيل: هذا قول ~~صناديد قريش لأتباعهم «2»، وإنما سماهم كاذبين مع أنه إنشاء الضمان وليس ~~باخبار لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون على ms1303 ذلك فهو إخبار في المعنى على خلاف ~~الواقع، ففيه تشبيه حال ضمانهم مع علمهم بعدم الوفاء بالكذب الذي هو إخبار ~~لا على ما عليه المخبر عنه. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 13] # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون (13) # (وليحملن أثقالهم) أي أوزارهم بسبب كفرهم ومعاصيهم (وأثقالا) من أوزار ~~أتباعهم الذين كانوا سببا في ضلالتهم (مع أثقالهم) غير الخطايا التي ضمنوا ~~للمؤمنين حملها لأن المؤمنين لم يقبلوا هذا القول منهم ولم يعملوا تلك ~~الخطايا، فكيف يتصور حملها منهم (وليسئلن) سؤال توبيخ (يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون) [13] أي يختلقون من الأباطيل على الله. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 14] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون (14) # ثم ذكر قصة نوح عليه السلام وطول مصابرته مع ذكر سائر الأنبياء بعده ~~ومصابرتهم على أذى قومهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله (ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه) للدعوة إلى الإيمان (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما) ينذرهم ويخوفهم لا يلتفتون إليه، وكان عمره ألفا وخمسين سنة وبعث على ~~رأس أربعين سنة وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وإنما لم يقل تسع مائة وخمسين ~~عاما ليكون ذكر ال «ألف» أولا أفخم في أذن السامعين، ثم أخرج منها الخمسين ~~إيضاحا لمجموع العدد وتكميله لتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، وذكر ال ~~«سنة» أولا وال «عام» ثانيا للمميز فرارا من تكرير اللفظ الواحد في البلاغة ~~لا لغرض للمتكلم، والفاء للتسبب «3» في قوله (فأخذهم الطوفان) وهو الماء ~~الكثير الذي أطاف وأحاط بكثرة وغلبة من سيل، أي وعظهم ولم يتعظوا فاستحقوا ~~الأخذ بالطوفان المحيط بالماء، ويطلق الطوفان على الظلام المحيط والقتل ~~الذريع والموت الكثير أيضا، قوله (وهم ظالمون) [14] أي والحال أنهم مشركون ~~بيان سبب أخذهم الطوفان، فان نوحا لما نصحهم في هذه المدة وهم يؤذونه أذن ~~له في الدعاء عليهم فغرقوا بالطوفان بسبب ظلمهم لأنفسهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 15] # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) # (فأنجيناه) أي نوحا من الطوفان (وأصحاب ms1304 السفينة) قيل: كانوا ثمانية ~~وسبعين نفسا، نصفهم ذكور ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ~~ونساؤهم «4» (وجعلناها) أي السفينة أو الواقعة (آية للعالمين) [15] أي عبرة ~~لهم، يعني لمن رآها ولمن لم يرها بسماع خبرها. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 16] # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) # (وإبراهيم) أي اذكر إبراهيم (إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم) أي ~~العمل بالتقوى (خير لكم) من PageV03P253 # الكفر والمعصية (إن كنتم تعلمون) [16] ذلك فتومنون. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 17] # إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) # (إنما تعبدون من دون الله) أي ما تعبدون من دونه إلا (أوثانا) أي أصناما ~~(وتخلقون إفكا) أي تختلقون كذبا وهو تسميتهم الأوثان الهة وشركاء لله (إن ~~الذين تعبدون من دون الله) أي الأصنام (لا يملكون لكم رزقا) أي لا يقدرون ~~أن يعطوكم رزقا قليلا (فابتغوا) أي اطلبوا (عند الله) أي من الله (الرزق) ~~أي جميع الرزق، لأنه هو الرزاق وحده (واعبدوه) أي وحدوه (واشكروا له) فيما ~~ينعم عليكم من الرزق (إليه ترجعون) [17] أي إلى الله مصيركم بعد الموت ~~فيجازيكم بأعمالكم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 18] # وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) # (وإن تكذبوا) رسولي (فقد كذب أمم من قبلكم) رسلهم فأهلكتهم فكان ضرر ~~تكذيبهم الرسل لأنفسهم (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) [18] أي البلاغ ~~الذي ظهر صدقه وزال معه الشك باقترانه بآيات الله ومعجزاته. ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 19 الى 20] # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله ~~على كل شيء قدير (20) # (أولم يروا) أي ألم ينظروا ولم يروا، يعني كفار مكة (كيف يبدئ الله ~~الخلق) يخلقه ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم شخصا سويا ثم يميته (ثم ~~يعيده) حيا ms1305 وقت البعث وهو معطوف على جملة قوله «أ ولم يروا كيف يبدئ»، لأنه ~~في معنى تحقق أن الله يبدئ الخلق لأن الاستفهام التقريري خبر في الحقيقة ~~(إن ذلك) أي البدء والإعادة بعد الموت (على الله يسير [19] قل) يا محمد ~~لأهل مكة (سيروا) أي سافروا (في الأرض) لتعتبروا أمر البعث (فانظروا) أي ~~فاعتبروا (كيف بدأ الخلق) أي خلقه ابتداء على غير مثال (ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة) بالمد والقصر «1»، أي البعث للجزاء، وإنما أظهر الله فيه ~~بعد إضماره في بدء الخلق للتنبيه على أن الذي علموه بادئ الخلق باسم الله ~~هو معيدهم المسمى بالله لا يعجزه شيء (إن الله على كل شيء) من أمر البعث ~~وغيره (قدير) [20] المعنى: إذا قدر على بدء الخلق أو لا فهو على إنشائه ~~وإحيائه بعد الموت أقدر. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 21] # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) # (يعذب من يشاء) بالكفر وبسيئات «2» الأمر (ويرحم من يشاء) بالإيمان وجمع ~~الشمل كما يشاء «3» لا معترض ولا مفترض عليه تعالى (وإليه تقلبون) [21] أي ~~تردون فيجازيكم بأعمالكم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 22] # وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير (22) # (وما أنتم بمعجزين) أي فائتين من الله وحكمه وإن هربتم منه (في الأرض) ~~الفسيحة (ولا في السماء) التي هي أفسح من الأرض وأبسط لو كنتم فيها، يعني ~~لا مخلص لكم من الله أينما تكونوا (وما لكم من دون الله) أي من دون عذابه ~~(من ولي) أي من قريب (ولا نصير) [22] أي مانع يمنعكم من عذابه. ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 23 الى 24] # والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من ~~النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) # قوله (والذين كفروا بآيات الله) أي القرآن (ولقائه) أي البعث (أولئك ~~يئسوا من رحمتي) وعيد لهم، أي PageV03P254 # يئسون يوم القيامة، لأنهم كافرون بالله وينبغي للمؤمن أن يكون راجيا لله ms1306 ~~خائفا على كل حال، قالوا إن جعلت قوله «وإن تكذبوا» إلى قوله (وأولئك لهم ~~عذاب أليم) [23] من كلام إبراهيم فالمراد من الأمم قبلهم قوم شيث وإدريس ~~ونوح وغيرهم ويكون قوله «قل سيروا في الأرض» من كلام الله تعالى، حكاه ~~إبراهيم عليه السلام لقوله، وإن جعلت هذه الآيات إنذارا لقريش فهي اعتراض ~~في قصة إبراهيم لإرادة التنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسلية ~~له بأن إبراهيم خليل الله كان مبتلا بنحو ما ابتلى به رسوله من شرك قومه ~~وعبادتهم الأوثان فاعترض بقوله «وإن تكذبوا» يا معشر قريش محمدا فقد كذب ~~إبراهيم قومه وكل أمة نبيها. # ثم عقبها سائر الآيات لبيان التوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده ~~وصفة قدرة الله وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه. # ثم رجع من هذا الاعتراض إلى جواب قوم إبراهيم في حقه بقوله (فما كان جواب ~~قومه) أي ما أجاب قوم إبراهيم حين دعاهم إلى الإيمان (إلا أن قالوا) أي قال ~~بعضهم لبعض أو قال واحد منهم ورضي الباقون به، فكأنهم قالوا جميعا (اقتلوه ~~أو حرقوه فأنجاه الله من النار) فلم تحرقه (إن في ذلك) أي في إنجائه من تلك ~~النار (لآيات) أي لعبرات (لقوم يؤمنون) [24] بالله توحيده، روي: أنه لم ~~ينتفع الناس في ذلك اليوم الذي ألقي إبراهيم في النار بالنار التي عندهم ~~وذلك لذهاب حرها «1». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 25] # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (25) # (وقال) إبراهيم (إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم) بنصب «مودة» ~~وإضافتها إلى «بين» على الاتساع، أي إنما اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم ~~على تقدير حذف المضاف، فنصب «مودة» مع الإضافة وغيرها مفعول ثان ل «اتخذ»، ~~و«ما» كافة أو مفعول له، أي لتوادوا فمن نون ال «مودة» نصب «بينكم» على ~~الظرفية، وقرئ بالرفع «2»، لأنه خبر «إن» بمعنى المفعول واسمها «ما» بمعنى ~~الذي والعائد محذوف و«أوثانا» مفعول ثان أو حال، ms1307 أي إن الذي اتخذتموه من ~~دون الله أوثانا مودة، أي مودود بينكم أو هي خبر مبتدأ محذوف، أي هي مودة ~~تتوادون لها وتتواصلون (في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض) ~~أي تتبرأ «3» الأصنام والرؤساء من عابديها وأتباعها (ويلعن بعضكم بعضا) أي ~~الأتباع الرؤساء (ومأواكم) أي مقركم (النار) أيها العابد والمعبود والتابع ~~والمتبوع (وما لكم من ناصرين) [25] بالشفاعة أو القوة يوم القيامة. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 26] # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) # (فآمن له) أي لإبراهيم (لوط) لما رأى النار لم تحرقه وهو أول من آمن به ~~«4»، وكان لوط ابن أخت إبراهيم (وقال إني مهاجر) من كوثى وهي من سواد ~~الكوفة إلى حران، ثم منها إلى فلسطين من الشام «5» وهو أول من هاجر ومعه ~~لوط وسارة، وهاجر وهو ابن خمس وستين سنة أو سبعين، ومن ثم قالوا لكل نبي ~~هجرة ولإبراهيم هجرتان (إلى ربي) أي إلى حيث أمرني بالهجرة إليه أو مهاجر ~~إلى ربي بقهر النفس وحسن الطاعة (إنه هو العزيز) «6» الذي يمنعني من عدوي ~~(الحكيم) [26] الذي لا يأمرني إلا بما هو مصلحتي. PageV03P255 ### || [سورة العنكبوت (29): آية 27] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) # (ووهبنا له) أي لإبراهيم بعد الهجرة إكراما له (إسحاق ويعقوب) ولم يذكر ~~إسمعيل، لأنه قد دل عليه بقوله (وجعلنا في ذريته النبوة) فانه لم يبعث نبي ~~من بعد إبراهيم إلا من ذريته وإسمعيل منهم، وكفى الدليل لشهرة أمره وعلو ~~قدره (والكتاب) أراد به الجنس ليدخل تحته ما نزل على ذريته من التورية ~~والزبور والإنجيل والفرقان (وآتيناه) أي إبراهيم (أجره في الدنيا) أي ~~الثناء الحسن والولد الصالح والصلوة عليه في آخر الزمان، وقيل: # أري له مكانه في الجنة «1» وهو في الدنيا (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ~~[27] أي هو مبعوث في زمرتهم وهم الأنبياء وأممهم التابعون لهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 28] # ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد ms1308 من العالمين (28) # (ولوطا) عطف على «إبراهيم»، أي واذكره (إذ قال لقومه إنكم) بالإخبار على ~~وجه التعيير وبالاستفهام على وجه التفخيم (لتأتون الفاحشة) أي الفعلة ~~البالغة في القبح (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) [28] مقررة لقبح ~~الفاحشة، أي لم يقدم أحد قبلكم عليها لإفراط قبحها وأنتم أقدمتم عليها ~~لخباثة طبيعتكم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 29] # أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) # (أإنكم لتأتون الرجال) بالاستفهام على وجه التوبيخ (وتقطعون السبيل) قيل: ~~المراد من قطع السبيل عمل قطاع الطريق من قتل الأنفس وأخذ الأموال «2»، ~~وقيل: هو قطع طريق المارة بالفاحشة «3»، وقيل: قطع النسل باتيان ما ليس ~~بحرث «4» (وتأتون في ناديكم المنكر) النادي، والندى مجلس القوم ما داموا ~~فيه، و«المنكر» مجامعة بعضهم بعضا في المجالس، وقيل: الخذف بالحصى والرمي ~~بالبنادق وشرب الخمر والصفير والفرقعة ومضغ العلك والسباب واللعب بالحمام ~~«5»، قال الجنيد: «كل شيء يجتمع عليه الناس منكر إلا الذكر» «6» (فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله) أي بالعذاب الموعود لنا من الله ~~(إن كنت من الصادقين) [29] فيما تعدنا من نزول العذاب. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 30] # قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) # (قال رب انصرني) بنزول العذاب (على القوم المفسدين) [30] لحملهم الناس ~~على ما لا يجوز شرعا طوعا وكرها، وذكر «المفسدين» في دعائه لإرادة اشتداد ~~غضب الله عليهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 31] # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) # (ولما جاءت رسلنا) وهم الملائكة (إبراهيم بالبشرى) أي ببشارة إسحاق ~~ويعقوب (قالوا) أي الرسل (إنا مهلكوا أهل هذه القرية) يعني قرية سدوم التي ~~قيل: فيها أجور من قاضي سدوم «7»، الإضافة في «مهلكوا» إضافة تخفيف، إذ ~~المعنى الاستقبال (إن أهلها كانوا ظالمين) [31] أي استمر منهم الظلم وهو ~~كفرهم وألوان معاصيهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 32] # قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغابرين (32) # فثم قال ms1309 (قال) إبراهيم للرسل مجادلا في شأن لوط (إن فيها لوطا) لا مخبرا ~~بكونه «8» فيها لأنهم «9» لما عللوا PageV03P256 # إهلاكها «1» بظلمهم اعترض عليهم بأن فيها من هو بريء من الظلم إظهارا ~~للشفقة عليه والتحزن لأخيه المؤمن (قالوا نحن أعلم بمن فيها) أي أعلم منك ~~بحال لوط وحال قومه وامتيازه منهم (لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين) [32] أي الباقين في الهلاك. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 33] # ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن ~~إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) # (ولما أن جاءت رسلنا لوطا) «أن» زائدة بعد «لما» لتأكيد وجود الفعلين ~~بترتب وجود أحدهما على الآخر في وقتين مجاورين لا فاصل بينهما (سيء بهم) أي ~~اغتم غما شديدا عقيب إحساسه لمجيئهم، لأنه لم يعرف أنهم ملائكة خوفا أن ~~يتعرض قومه بهم بالفاحشة (وضاق بهم ذرعا) أي قصر ذراعه عن تحمل ما لا يطاق، ~~وهو مثل في العجز عن فعل شيء (وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا ~~امرأتك كانت من الغابرين) [33] أي الهالكين «2». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 34] # إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) # (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا) أي عذابا (من السماء) وهو الحجارة ~~من ارتجز إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب (بما كانوا يفسقون) ~~[34] أي بعصيانهم أمر الله تعالى، قرئ «لننجينه» «3» و «منجوك» «4» و ~~«منزلون» «5» بالتشديد والتخفيف والمعنى واحد. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 35] # ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) # (ولقد تركنا منها) أي من قرى لوط (آية بينة) أي علامة ظاهرة يعتبر بها ~~وهي آثار منازلهم الخربة أو بقية الحجارة التي أدركها أوائل هذه الأمة، ~~وقيل: ظهور الماء الأسود على وجه الأرض «6» حين خسف بهم (لقوم يعقلون) [35] ~~أي تركنا لقوم ذوي عقل يعتبرون به. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 36] # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) # (وإلى مدين أخاهم شعيبا) أي أرسلناه نبيا إليها ms1310 (فقال يا قوم اعبدوا ~~الله) أي وحدوه (وارجوا اليوم الآخر) أي افعلوا ما ترجون به العاقبة، وقيل: ~~الرجاء بمعنى الخوف «7» (ولا تعثوا) أي لا تعملوا الفساد (في الأرض مفسدين) ~~[36] بنقص الكيل والوزن كيلا تعذبوا. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 37] # فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) # (فكذبوه) أي شعيبا في خبره «8» العذاب (فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة ~~الشديدة أو صيحة جبرائيل لأن القلوب ترجف لها (فأصبحوا) أي صاروا (في ~~دارهم) أي في بلدهم وأرضهم (جاثمين) [37] أي باركين على الركب ميتين. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 38] # وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين (38) PageV03P257 # (وعادا وثمود) أي أهلكناهما يدل عليه قوله «1» «فأخذتهم الرجفة» (وقد ~~تبين لكم) أي ظهر لكم يا كفار مكة نزول العذاب عليهم (من مساكنهم) إذا ~~نظرتم إليها في أسفاركم، يعني ظهر لكم آية في هلاكهم فاتقوا الله من عذابه ~~ولا تشركوا به شيئا (وزين لهم الشيطان أعمالهم) أي ضلالتهم (فصدهم عن ~~السبيل) أي صرفهم عن الدين (وكانوا مستبصرين) [38] أي والحال أن عادا وثمود ~~وقومهما كانوا ذوي بصيرة عقلاء متمكنين من النظر والافتكار، ولكنهم لم ~~يفعلوا بل جحدوا فهلكوا أو كانوا مستبصرين معجزين في نفوسهم بدينهم ويحسبون ~~أنهم مهتدون وهم مبطلون. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 39] # وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما ~~كانوا سابقين (39) # (وقارون وفرعون وهامان) أي أهلكناهم (ولقد جاءهم موسى بالبينات) أي ~~بالعلامات الواضحة (فاستكبروا في الأرض) عن الإيمان (وما كانوا سابقين) ~~[39] أي فائتين عذابنا، لأن أمرنا أدركهم فلم يفوتوه. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 40] # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (40) # (فكلا أخذنا بذنبه) لا بذنب غيره، نصب ب «أخذنا» مقدرة قبله (فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا) يعني قوم لوط وهي ريح عاصف فيها حصباء، أي حجارة، وقيل: ~~ملك كان يرميهم بها «2» (ومنهم من أخذته الصيحة) وهي كانت لمدين وثمود ~~(ومنهم ms1311 من خسفنا به الأرض) والخسف كان لقارون وأتباعه (ومنهم من أغرقنا) ~~والغرق كان لقوم «3» نوح وفرعون (وما كان الله ليظلمهم) أي لم يعذبهم بلا ~~جرم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [40] بجرمهم ليستوجبوا العقوبة. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 41] # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) # قوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت) «4» مثل ~~للأصنام وعابديها، شبه الأصنام ببيت العنكبوت وحال عابديها، وهي اتخاذهم ~~عبادة الأصنام معتمدا عليه في دينهم بحال العنكبوت في الوهن وضعف القوة وهي ~~نسجها وعدم النفع، أي كما لا ينفع العنكبوت بيتها من حر وبرد لا ينفع عابدي ~~الأصنام تلك ثم، قوله (اتخذت بيتا) نصب على الحال من «العنكبوت»، ويجوز أن ~~يكون وصفا لها بزيادة الألف واللام فيها، وليس المراد تشبيه ذواتهم ~~بالعنكبوت بدليل «5» مقطع التشبيه بعده، وهو قوله (وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت) فلو أريد تشبيه الذوات لقال «6» وإن أوهن الحيوانات لنفس ~~العنكبوت (لو كانوا يعلمون) [41] الظاهر أنه نفي لعلمهم أن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت مع أن كل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت، ولكن في الحقيقة نفي ~~لمعلومهم في زعمهم أن دينهم خير الأديان، أي إذا صح أن أوهن البيوت بيت ~~العنكبوت فقد ظهر أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون ذلك، وقيل: معناه ~~لا يعلمون أن هذا الاتخاذ مثلهم «7». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 42] # إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) # (إن الله يعلم ما يدعون) بالياء وبتاء الخطاب باضمار القول «8»، أي قل ~~لهم إن الذي تعبدونه (من دونه) أي من غير الله (من شيء) بيان ل «ما» وهو ~~الآلهة، أي الله مطلع عليكم وعلى أعمالكم فيجازيكم، وفيه تهديد PageV03P258 # لهم، قوله (وهو العزيز الحكيم) [42] في تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشيء، ~~لأنه جماد لا علم له ولا قدرة أصلا وتركوا عبادة العالم القادر القاهر على ~~كل شيء، «الحكيم» الذي لا يفعل شيئا إلا بحكمة وتدبير. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 43] # وتلك ms1312 الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) # (وتلك الأمثال نضربها) أي نبينها (للناس وما يعقلها) أي ما يفهم فائدة ~~ضربها (إلا العالمون) [43] بالله والعاملون بطاعته وهو نفي قول السفهاء من ~~قريش «أن محمدا يضرب المثل بالذباب والعنكبوت» ويضحكون من ذلك. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 44] # خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) # ثم بين أنه ما خلق شيئا باطلا بقوله (خلق الله السماوات والأرض) وما ~~بينهما (بالحق) أي بالغرض الصحيح الذي هو الحق لا الباطل وهو كونهما مساكن ~~عباده ودلائل على وحدانيته وعظم قدرته، فلذا قال بعده (إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) [44] أي لعبرة لهم لأنهم ينتفعون بها. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 45] # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) # (اتل ما أوحي إليك من الكتاب) أي القرآن واعمل بما فيه (وأقم الصلاة) أي ~~أتمها في مواقتيها (إن الصلاة) المعروفة وهي الصلوة التي تصلي بالخشوع ~~والتقوى بعد التوبة النصوح (تنهى عن الفحشاء والمنكر) وهما ما لا يجوز شرعا ~~من الكبائر والصغائر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم تنهه صلوته عن ~~الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» «1»، وروي عن الحسن أنه قال ~~لرجل: «إذا لم تنه صلوتك عن الفحشاء فلست بمصل» «2»، وقيل: يا رسول الله إن ~~فلانا يصلي بالليل كله فاذا أصبح سرق، فقال «ستنهاه صلوته فانتهى» «3»، ~~وقيل: المعنى إن الصلوة إذا صليت صادرة عمن يراعيها كما ينبغي نهته عن ~~المنكر، وهذا اللفظ ليس بعام بل المراد منه أن هذه الخصلة موجودة فيه ~~وحاصلة منه من غير اقتضاء العموم، أي لا بد أن يكون مراعي الصلوة أبعد من ~~الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها «4» (ولذكر الله) إياكم بالرحمة (أكبر) من ~~ذكركم إياه بالطاعة. # يل: «ذكر الله أشد نهيا عن الفحشاء والمنكر إذا دوام عليه من نهي الصلوة» ~~«5» أو القرآن عنهما «6»، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخير ~~أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في ms1313 درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب ~~والفضة والورق وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: ~~وما ذلك يا رسول الله؟ قال: # ذكر الله» «7»، وقيل: المراد أن تذكر الله تعالى ناظرا إلى جلالته وعظمته ~~وقدرته وتنزيهه عن كل شيء سواه «8»، وقيل: المراد بذكر الله الصلوة، ووصفها ~~بالكبر ليستقل بالتعليل كأنه قال والصلوة أكبر من كل عمل لأنها ذكر الله ~~«9» (والله يعلم ما تصنعون) [45] من الخير والطاعة فيثيبكم أحسن الثواب. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 46] # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) # (ولا تجادلوا أهل الكتاب) أي الذين «10» لم ينصبوا الحرب (إلا بالتي هي ~~أحسن) أي الخصلة الحسنى كمقابلة PageV03P259 # الخشونة باللين والغضب بالحلم، وقيل: هي كلمة الشهادة «1» أو الكف عنهم ~~إذا بذلوا الجزية «2» أو بالحجة القاطعة على توحيد الله (إلا الذين ظلموا ~~منهم) بنصب الحرب ومنع الجزية وإثبات الشريك والولد لله تعالى، فلا ~~تناظروهم بالحسنى بل بالغلظة أو لا تناظروا الظالمين البتة بل مكنوا السيف ~~منهم لفرط عنادهم فلا ينفعهم الرفق، قوله (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم) أي القرآن والتورية (وإلهنا وإلهكم واحد) وهو خالق كل شيء ~~(ونحن له مسلمون) [46] مخلصون بالتوحيد بيان للكلمة التي هي أحسن، قيل: نزل ~~حين قال بعض المسلمين يا رسول الله إن اليهود قد يقرؤون التورية بالعبرية ~~ويفسرونها بالعربية أنصدقهم أم نكذبهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا «آمنا» إلى آخر الآية «3»، أي أخبروهم أنكم ~~تؤمنون بالله وجميع كتبه وإنه ربنا وربكم، قيل: نسخت هذه الآية مع ما قبلها ~~بقوله «4» «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله وهم صاغرون» «5». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 47] # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) # (وكذلك) أي مثل هذا الإنزال (أنزلنا إليك الكتاب) مصدقا لسائر الكتب ~~السماوية وهو تحقيق لقوله «وقولو آمنا» الآية (فالذين آتيناهم الكتاب) أي ~~التورية كعبد الله ms1314 بن سلام وأصحابه من قبل النبي عليه السلام من أهل الكتاب ~~(يؤمنون به ومن هؤلاء) أي من أهل مكة (من يؤمن به) أي القرآن (وما يجحد ~~بآياتنا إلا الكافرون) [47] مع ظهورها وزوال الشبهة عنها وهم كعب بن الأشرف ~~وأصحابه. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 48] # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) # (وما كنت تتلوا من قبله) أي قبل القرآن (من كتاب) يعني أنت أمي، ما عرفك ~~قط أحد بتلاوة كتاب ما (ولا) خط (تخطه بيمينك) وذكر اليمين وهي الجارحة ~~التي يداول «6» بها الخط لزيادة تصوير لنفي كونه كاتبا ألا يرى أنه يقال ~~فلان يكتب بيمينه إذا أريد كونه متوليا للكتابة حقيقة (إذا لارتاب) أي لشك ~~(المبطلون) [48] يعني لو كنت تعرف شيئا من القراءة والكتابة لارتاب مشركو ~~مكة في نبوتك ولقالوا تعلمه من أحد أو كتبه بيده، وإن النبي المبعوث «7» ~~عندنا لا يحسن الكتابة فليس هذا، ومعنى كونهم مبطلين أنهم كفروا به وهو أمي ~~بعيد من الريب، ولو لم يكن أميا لارتابوا أشد الريب، فحين ليس بكتاب وقارئ ~~فلا وجه لارتيابهم فيكونون قائلين بالبطلان. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 49] # بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا ~~الظالمون (49) # (بل هو) أي القرآن (آيات بينات) أي بينات الإعجاز يقينا (في صدور الذين ~~أوتوا العلم) به، أي حفظوه وعلموه، وكونه معجزا محفوظا في الصدور من خصائص ~~القرآن، لأن من تقدم كانوا لا يقرؤون كتبهم إلا نظرا، فاذا أطبقوه لم ~~يعرفوا منه شيئا سوى الأنبياء ولم يكن معجزات (وما يجحد بآياتنا) الواضحة ~~(إلا الظالمون) [49] أي المتوغلون في الظلم المكابرون وهم اليهود أو ~~المشركون. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 50] # وقالوا لو لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين (50) # (وقالوا لو لا) أي هلا (أنزل عليه آيات) مفردا (من ربه) أي علامة «8» منه ~~تعالى كما أنزلت على من قبله من الآية، وقرئ جمعا «9» (قل إنما الآيات عند ~~الله) نزل حين قالوا هلا نزل ms1315 عليه آية على صدقه كالناقة والعصا PageV03P260 # والمائدة «1»، فأمره أن يقول إنما الآيات في قدرته ينزلها إذا شاء كيف ~~شاء «2» وليس بيدي شيء (وإنما أنا نذير مبين) [50] كلفت الإنذار وإبانته ~~بالدلائل الواضحة وليس لي أن أقول الله أنزل علي آية كذا دون آية. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 51] # أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى ~~لقوم يؤمنون (51) # (أولم) أي أيطلبون «3» آية على صدقك ولم (يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب) ~~أي القرآن (يتلى عليهم) يصدقك ويثبت حجتك وهو أعظم الآيات يغني عن سائر ~~الآيات، لأنه ثابت على مرور الأيام وغيره من الآيات انعدمت (إن في ذلك) أي ~~القرآن الموجود في كل مكان وزمان إلى آخر الدهر (لرحمة) أي لنعمة عظيمة ~~(وذكرى) أي تذكرة (لقوم يؤمنون) [51] به، وقيل: نزلت هذه الآية في أناس من ~~المسلمين أتوا بمكتوب فيه بعض ما يقول اليهود، فلما نظر النبي عليه السلام ~~إليه ألقاه وقال: «كفى حماقة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء ~~به غير نبيهم» «4». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 52] # قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) # (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) نزل حين لم يصدق أهل مكة وكعب بن ~~الأشرف من اليهود وكان قدم مكة من الطائف، وقالوا من يشهد لك أنك رسول الله ~~بالقرآن إن لم نشهد لك «5»، فأمره الله تعالى بأن يقول «كفى بالله» إلى ~~آخره، أي يشهد الله لي بالبلاغ والتصديق وعليكم بالتكذيب عند التبليغ ~~(يعلم) الله (ما في السماوات والأرض) فهو مطلع على أمري وأمركم وعالم بحقي ~~وباطلكم (والذين آمنوا بالباطل) منكم، أي بالأصنام (وكفروا بالله) أي جحدوا ~~بتوحيده (أولئك هم الخاسرون) [52] أي المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر ~~بالإيمان. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 53] # ويستعجلونك بالعذاب ولو لا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون (53) # ونزل حين قالوا ائتنا بعذاب الله قوله «6» (ويستعجلونك بالعذاب ولو لا ~~أجل مسمى) في اللوح، أي لو ms1316 لا الوقت الذي عين أنهم يعذبون فيه وهو الموت أو ~~في بدر أو يوم القيامة (لجاءهم العذاب) الذي استعجلوا مجيئه استهزاء منهم ~~(وليأتينهم) العذاب في الأجل المسمى (بغتة) أي فجأة (وهم لا يشعرون) [53] ~~بمجيئه. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 54] # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) # (يستعجلونك بالعذاب) أي بنزوله (و) الحال (إن جهنم لمحيطة بالكافرين) ~~[54] أي سيحيط بهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 55] # يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) # (يوم يغشاهم العذاب) أي محيطة بهم في الدنيا لاستحقاقهم إياه بسبب ~~معاصيهم فيكون «يوم» منصوبا ب «محيطة»، ويجوز قطع الكلام بالكافرين فيكون ~~«يوم» منصوبا بمضمر على هذا، أي يوم يغشيهم العذاب كان كيت وكيت (من فوقهم) ~~أي يحيط بهم بعد البعث من فوقهم (ومن تحت أرجلهم) كقوله «لهم من فوقهم ظلل ~~من النار ومن تحتهم ظلل» «7» (ويقول) بالنون والياء «8»، أي يقول الله لهم ~~(ذوقوا ما كنتم تعملون) [55] أي عقوبته. PageV03P261 ### || [سورة العنكبوت (29): آية 56] # يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (56) # قوله (يا عبادي الذين آمنوا) بفتح الياء وسكونها «1»، نزل فيمن كان يؤذى ~~بمكة ويخشى الجوع إن خرج منها فضاقت عليه «2»، أي اخرجوا فاني رازقكم حيث ~~كنتم أو إذا عمل بالمعاصي في أرض ولا تستطيعون «3» منعها أو أمرتم بفعلها ~~فاهربوا منها (إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) [56] أي فان لم تتمكنوا من ~~العبادة بكثرة المعاصي بأرض فاعبدوني بغيرها «4»، قيل: يجب على كل من كان ~~بأرض يعمل فيها بالمعاصي ولا يقدر على تغييرها أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له ~~العبادة «5»، فالفاء في «فإياي فاعبدون» جواب شرط محذوف كما قدرناه، ثم حذف ~~الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادته معنى الاختصاص، وأدخل الفاء ~~الذي كان في الشرط في هذا المفعول المقدم، وأما الفاء الذي كان في الجزاء ~~فمقدرة في الجزاء العامل في «إياي»، والفاء الثالث لتكرير الجزاء، تقديره: ~~فاياي فاعبدوا فاعبدون. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 57] # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) # قوله (كل نفس ذائقة الموت) نزل حين كانوا يخافون ms1317 على أنفسهم بالخروج «6»، ~~أي هاجروا ولا تخافوا من الموت فان الموت ملاقيكم أينما كنتم (ثم إلينا ~~ترجعون) [57] بالياء والتاء «7»، فهذا تشجيع للمهاجر عن بلده بعد الأمر له ~~بالحرص على العبادة وطلبه لها أوفق البلاد، أي كل نفس واجدة مرارة الموت ~~وكربه البتة كما يجد الذائق طعم المذوق، فهي إذا تيقنت الموت سهل عليها ~~مفارقة وطنها، فالواجب عليه التزود والاستعداد للوصول إلى الجزاء. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 58] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي الخيرات، ومنها الهجرة لأنها كانت ~~فريضة في ذلك الوقت (لنبوئنهم) بالباء، أي لننزلنهم من التبوئة وهي النزول، ~~وقرئ بالثاء «لنثوئنهم» «8»، إفعال من الثواء وهو الإقامة، وثوى إذا تعدى ~~بهمزة النقل يتعدى إلى مفعول واحد، وهنا تعدى إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف ~~حملا على ننزلنهم «9» أو على «لنبوئنهم» أو على حذف الجار وإيصال الفعل، أي ~~إلى الغرف، يعني لننزلنهم (من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها نعم أجر العاملين) [58] أي ثوابهم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 59] # الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) # (الذين صبروا) أي هم الذين صبروا على الشدائد ومفارقة الأوطان للدين وأذى ~~المشركين (وعلى ربهم يتوكلون) [59] في الرزق وغيره. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 60] # وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) # قوله (وكأين) رفع على الابتداء، أي وكم (من دابة) يعني من حيوان يدب في ~~الأرض ومن طير في الهواء PageV03P262 # (لا تحمل رزقها) معها ضعفا عن حمله وكسبه، والجملة المنفية صفة ل «دابة»، ~~وخبر المبتدأ (الله يرزقها وإياكم) أي لا يرزق تلك الدواب إلا الله ولا ~~يرزقكم أيضا أيها المطيقون لحمل أرزاقكم وكسبها إلا هو إن هاحرتم إلى ~~المدينة (وهو السميع) لقولكم نخشى الفقر الضيعة (العليم) [60] بما في ~~صدوركم. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 61] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون (61) # (ولئن سألتهم) أي أهل مكة (من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله) أي ms1318 اعترفوا بذلك فقل (فأنى يؤفكون) [61] أي فكيف يصرفون عن ~~طاعته تعالى وتوحيده مع هذا الاعتراف. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 62] # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) # (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) أي يضيق لمن يشاء، قيل: ~~الظاهر أن الضمير في «له» يرجع إلى «من يشاء» فيلزم أن يكون بسط الرزق ~~وقدره لشخص واحد وهو ليس بمراد، فالوجه أن يقال الأصل كان أن يقول ويقدر ~~لمن يشاء، فوضع الضمير موضع من يشاء فكان الضمير مبهما مثله، لأن «من يشاء» ~~غير معين في الناس، وقيل يجوز أن يريد تعاقب الأمرين لواحد فيكون معينا «1» ~~(إن الله بكل شيء عليم) [62] من البسط والتقتير. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 63] # ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) # (ولئن سألتهم) أي أهل مكة (من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها) أي بعد يبسها «2» (ليقولن الله قل الحمد لله) على ثبوت الحجة عليكم ~~وإقراركم بها، ولم ينفعكم إقراركم بعدم «3» خلوصكم فيه «4»، ثم قال الله ~~تعالى (بل أكثرهم لا يعقلون) [63] أي لا يفهمون فهم العقلاء ما يقولون، ~~لأنهم يشركون مع إقرارهم بذلك أو لا يعقلون ما تريد بقولك «الحمد لله» عند ~~مقالتهم ذلك، أي الحمد لله على أنه لم يجعل إقرارنا كاقرار المشركين. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 64] # وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون (64) # قوله (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) ازدراء للدنيا وتصغير «5» ~~لأمرها، لأنه لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها ليست إلا كما يلعب الصبيان ~~ساعة ثم يتفرقون (وإن الدار الآخرة) أي حياتها (لهي الحيوان) أي الحيوة ~~المستمرة البقاء بلا زوال، وسميت الحيوان لأن فيه مبالغة على الحيوة لما في ~~بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب لا في بناء الحيوة، أي كأنها في ذاتها ~~حيوة (لو كانوا يعلمون) [64] ذلك يقينا لم يؤثروا ms1319 الدنيا على الآخرة. ### || [سورة العنكبوت (29): الآيات 65 الى 66] # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا ~~هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) # قوله (فإذا ركبوا في الفلك) عطف على مقدر، وهو هم متصفون بالشرك في البر ~~دائما، فاذا ركبوا في السفن في البحر وخافوا الغرق (دعوا الله مخلصين له ~~الدين) أي كائنين في صورة من يخلص «6» الدين لله من المؤمنين حيث لا يذكرون ~~غيره لعلمهم أنه لا ينجيهم إلا الله (فلما نجاهم إلى البر) وخلصوا «7» من ~~الغرق (إذا PageV03P263 # هم يشركون) [65] أي عادوا إلى الشرك به تعالى، واللام في (ليكفروا) يحتمل ~~أن يكون لام «كي» وكذلك «ليتمتعوا»، أي إنهم يعودون إلى الشرك ليكونوا ~~كافرين (بما آتيناهم) من نعمة النجاة (وليتمتعوا) أي ليعيشوا بها ويتلذذوا ~~لأعين لا على ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة من أن يشكروا نعمة ~~الله إذا أنجاهم الله، فيستحقون المزيد لشكرهم «1»، ويحتمل أن يكون لام ~~الأمر ويكون الأمر من الله بالكفر والتمتع خذلانا لهم وتخلية وتهديدا بدليل ~~قوله (فسوف يعلمون) [66] عند نزول العذاب عليهم كقوله اعملوا ما شئتم إنه ~~بما تعملون بصير «2». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 67] # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون (67) # قوله (أولم يروا) أي أهل مكة توبيخ لهم بأنهم مؤمنون بالباطل لا بالحق، ~~وذلك أن العرب حول مكة كانوا يتناهب بعضهم بعضا ويتغاورون وأهل مكة قارون ~~آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله تعالى هذه النعمة ~~الخاصة الظاهرة «3» ليتفكروا ويفهموا أن هذه من النعم التي لا يقدر عليها ~~إلا الله وحده وهو مكفور عندهم، يعني ألم يعلموا (أنا جعلنا حرما آمنا) ~~يأمنون فيه (ويتخطف) أي يؤخذ (الناس) ويسلبوا (من حولهم أفبالباطل يؤمنون) ~~وهو الصنم أو الشيطان (وبنعمة الله) أي بالقرآن والإسلام ومحمد «4» عليه ~~السلام (يكفرون) [67] أي يجحدون «5». ### || [سورة العنكبوت (29): آية 68] # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم ~~مثوى ms1320 للكافرين (68) # (ومن أظلم ممن افترى) أي اختلق (على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه) ~~فافتراؤه زعمه الشريك والولد لله وتكذيبه بما جاء به من الحق كفره بالرسول ~~وبالكتاب الذي أنزل معه لما جاءه «6» من غير توقف عنادا (أليس في جهنم ~~مثوى) أي مقام (للكافرين) [68] أي للمكذبين، والاستفهام تقرير لإقامتهم في ~~جهنم، وحقيقته أن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي صار إيجابا وهو معنى ~~التقرير، أي كيف لا يستوجبون الخلود في جهنم وقد افتروا مثل هذا الافتراء ~~على الله، وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب أو المعنى: ألم يصح عندهم أن في ~~جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤا على هذا التكذيب والإشراك. ### || [سورة العنكبوت (29): آية 69] # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) # قوله (والذين جاهدوا) تعريض للكفار، أي الذين جاهدوا (فينا) أي في حقنا ~~ولوجهنا خالصا أعداء الدين والشيطان المضل والنفس الأمارة بالسوء، وحذف ~~المفعول للتعميم (لنهدينهم سبلنا) أي لنزيدنهم «7» هداية إلى طرق الخيرات، ~~وقيل: «الذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم الطريق إلى العمل به» «8»، ~~وقيل: «والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا» «9»، قيل: ~~«أفضل الجهاد جهاد النفس» «10»، وهو بذل النفس في رضا الحق وذلك بمخالفة ~~الهواء وصدق المجاهدة الانقطاع إلى الله من كل شيء سواه (وإن الله لمع ~~المحسنين) [69] أي العاملين بالإحسان في جميع أحوالهم النصر والعصمة وهو ~~تحريض لهم في المجاهدة. PageV03P264 ### | سورة الروم # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الروم (30): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) # قوله (الم [1] غلبت الروم) [2] بضم الغين وسيغلبون بفتح الباء وهو ~~القراءة المشهورة «1» (في أدنى الأرض) أي أقربها إلى عدوهم وهي أرض العرب، ~~لأنها هي المعهودة عندهم من الأرض، والتعريف للعهد وهي أطراف الشام (وهم من ~~بعد غلبهم) أي الروم بعد أن غلبوا من فارس (سيغلبون) [3] فارس. ### || [سورة الروم (30): الآيات 4 الى 5] # في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر ~~الله ينصر من يشاء ms1321 وهو العزيز الرحيم (5) # (في بضع سنين) نزل حين احتربت الروم وفارس بين أذرعان وبصرى، فغلبت فارس ~~الروم فبلغ الخبر مكة فشق ذلك على النبي عليه السلام وأصحابه، لأن فارس ~~مجوس لا كتاب لهم والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وعيروا المسلمين بأنكم ~~والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون، فظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن نحن ~~عليكم، فسمع أبو بكر رضي الله عنه قولهم وقال لا يقرر الله أعينكم فو الله ~~ليظهرن الروم على فارس فراهنه أبي بن خلف على عشر قلائص من كل واحد منهما ~~وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~فقال بعد نزول الآية، إنما البضع ما بين الثلث إلى التسع فزائده في الخطر ~~وهو ما يتراهن عليه وماده في الأجل فجعل المراهنة على مائة قلوص إلى تسع ~~سنين، فمات أبي من طعنة النبي عليه السلام ثم غلبت الروم فارس يوم الحديبية ~~أو بدر فأخذ أبو بكر الرهن من ورثة أبي وكان هذا قبل تحريم القمار «2» (لله ~~الأمر) أي أمر الغالبية والمغلوبية لله، أي بقضائه ومشيته (من قبل) أي من ~~قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين (ومن بعد) أي من بعد «3» كونهم ~~مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين، فلما حذف المضاف إليه منهما بنيا على الضم ~~(ويومئذ) أي يوم تغلب «4» الروم فارس (يفرح المؤمنون [4] بنصر الله) الروم ~~على فارس وتغليبه «5» (ينصر من يشاء) من أهل الكتاب والأميين تارة وتارة ~~(وهو العزيز) بالانتقام من الأعداء (الرحيم) [5] بنصر الأولياء. ### || [سورة الروم (30): آية 6] # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) # قوله (وعد الله) مصدر مؤكد، أي وعد الله ذلك وعدا لأن ما تقدم ذكره في ~~معنى «وعد» (لا يخلف الله وعده) بنصره الروم على فارس (ولكن أكثر الناس) أي ~~الكفار (لا يعلمون) [6] أي لا يصدقون. PageV03P265 ### || [سورة الروم (30): آية 7] # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) # قوله (يعلمون) بدل من قوله «1» «لا يعلمون»، وفي هذا الإبدال إيذان بأن ~~لا فرق ms1322 بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا ~~(ظاهرا من الحياة الدنيا) إيذان بأنهم منخدعون بظاهر الحيوة الدنيا، يعني ~~التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ~~ظاهرا واحدا من ظواهرها (وهم عن الآخرة) أي عن عملها وهو باطن الحيوة ~~الدنيا، يعني ما يتزود منها إلى الآخرة كالإيمان والأعمال الصالحة (هم ~~غافلون) [7] أي لاهون، و«هم» الأول مبتدأ، و«غافلون» خبره، و«هم» الثاني ~~تكرير للأول يفيد أنهم معدن الغفلة عن الآخرة. ### || [سورة الروم (30): آية 8] # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) # (أولم يتفكروا في أنفسهم) أي ألم يحدثوا التفكر الصالح في قلوبهم الفارغة ~~من الفكر فيكون «في أنفسهم» ظرفا للتفكر أو المعنى: ألم يتفكروا في أنفسهم ~~التي هي أقرب إليهم وهم أعرف بأحوالها وما أودعت من غرائب الحكم الدالة على ~~المطلوب منهم وعلى خالقهم فيكون «في أنفسهم» صلة للتفكر، قوله (ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما) متعلق بالقول المحذوف، تقديره: أو لم يتفكروا ~~فيقولوا هذا القول، وقيل: معناه فيعلموا، لأن التفكر يدل عليه «2» (إلا ~~بالحق) أي إلا ملتبسا بالحق، يعني ما خلقها باطلا وعبثا بلا غرض صحيح وحكمة ~~بالغة (وأجل مسمى) أي إلا بأجل معلوم لا بد أن ينتهي الأشياء المذكورة ~~إليه، وهو قيام الساعة للحساب والثواب والعقاب، يعني كلها ينعدم عنده (وإن ~~كثيرا من الناس) وهم الجاهلون بالله (بلقاء ربهم) أي بالبعث والجزاء ~~(لكافرون [8] أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ~~أي ألم يسافروا في البلاد فيعتبروا آثار المهلكين من عاد وثمود وغيرهم من ~~الآمم العاتية «3». ### || [سورة الروم (30): آية 9] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات ~~فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) # ثم وصف لهم أحوالهم بأنهم (كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض) أي ms1323 حرثوها ~~(وعمروها أكثر مما عمروها) أي مما عمرها المكيون فأهلكوا، فما الظن بأهل ~~مكة وهم دونهم في القوة وفي دنياهم، يعني هم «4» في حال الضعف من قوة الجسد ~~وقلة المال، لأنهم أهل واد غير ذي زرع لا يثيرون أرضا ولا يعمرونها ~~ليتباهوا وليستظهروا بذلك كما هو حال أهل الدنيا مع أمر الدهقنة (وجاءتهم ~~رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحات فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى (فما كان ~~الله ليظلمهم) أي ما كان «5» إهلاكه تعالى إياهم ظلما لهم، لأن نعته العدل ~~والظلم ينافيه (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) [9] حيث عملوا سبب إهلاكهم. ### || [سورة الروم (30): آية 10] # ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (10) # (ثم كان) أي أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم كان (عاقبة الذين أساؤا) ~~أي أشركوا بوضع المظهر موضع المضمر، أي عاقبتم (السواى) وهي جهنم التي هي ~~أسوء العقوبات، وهو تأنيث الأسوء وهو الأقبح، قرئ «عاقبة» بالرفع اسم «كان» ~~والخبر «السواى» بالنصب وبالعكس «6»، وعلل المعنى بقوله «7» (أن كذبوا) أي لأن PageV03P266 # كذبوا (بآيات الله) أي القرآن ومحمد «1» عليه السلام (وكانوا بها) أي ~~بآيات الله (يستهزؤن) [10] وينكرون البعث. ### || [سورة الروم (30): آية 11] # الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) # (الله يبدؤا الخلق ثم يعيده) أي يحييهم بعد موتهم (ثم إليه ترجعون) [11] ~~أي إلى ثوابه وعقابه. ### || [سورة الروم (30): آية 12] # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) # (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) [12] أي ييأس ويسكت متحيرين المشركون ~~من كل خير لا كلام ولا حجة لهم ثمه. ### || [سورة الروم (30): آية 13] # ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) # (ولم يكن لهم) أي لا يكون لهم يوم القيامة (من شركائهم) الذين عبدوها «2» ~~دون الله (شفعاء) من الملائكة أو من الأصنام (وكانوا) أي المشركون ~~(بشركائهم كافرين) [13] أي جاهدين، يعني كل واحد منهم يتبرأ من الآخر. ### || [سورة الروم (30): آية 14] # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) # (ويوم تقوم الساعة يومئذ) أي بعد الحساب (يتفرقون) [14] أي المسلمون ~~والكافرون فرقة لا اجتماع بعدها، يعني يصيرون فريقين، فريق للنار وفريق للجنة. ### || [سورة ms1324 الروم (30): آية 15] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) # قوله (فأما الذين آمنوا) بيان لحال الفريقين ثمه، أي الذين آمنوا (وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة) أي بستان مخضرة في غاية النضارة مع جري مائه ~~(يحبرون) [15] أي ينعمون ويكرمون، وأصل الحبور السرور، وقيل: «هو السماع في ~~الجنة» «3»، روي: «أن أهل الجنة إذا أخذوا في السماء لم تبق في الجنة شجرة ~~إلا وردت وليس أحد أحسن صوتا من إسرافيل، فاذا أخذوا في السماع قطع أهل سبع ~~سموات تسبيحهم وصلوتهم» «4». ### || [سورة الروم (30): آية 16] # وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) # (وأما الذين كفروا) بمحمد عليه السلام (وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة) أي ~~القرآن والبعث (فأولئك في العذاب) أي في عذاب «5» جهنم (محضرون) [16] أي لا ~~يغيبون عنه فيعذبون دائما. ### || [سورة الروم (30): آية 17] # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) # قوله (فسبحان الله) ترغيب للعقلاء المميزين كلهم على التنزيه في ~~مواقيتها، وأراد من التسبيح الصلوة (حين تمسون) أي حين «6» تدخلون في ~~المساء وهي صلوة «7» المغرب والعشاء (وحين تصبحون) [17] وهو صلوة الصبح. ### || [سورة الروم (30): آية 18] # وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (18) # (وله الحمد في السماوات والأرض) اعتراض بينه وبين (وعشيا) وهي صلوة العصر ~~لتأكيد وجوب الطاعة على أهلهما «8» باختصاص الحمد والثناء له تعالى فيهما ~~(وحين تظهرون) [18] أي تدخلون في الظهيرة وهي صلوة الظهر، يعني صلوا في هذه ~~الأوقات الخمسة، فانها توصل إلى الوعد وتنجي من الوعيد، واختلفوا في PageV03P267 # أن الخمس فرضت «1» بمكة أو بالمدينة، القول الأكثر أنها فرضت بمكة، وعن ~~عائشة رضي الله عنها: «فرضت الصلوة ركعتين فلما قدم رسول الله عليه السلام ~~بالمدينة أقرت صلوة السفر وزيدت في الحضر» «2»، وقيل: # المراد من التسبيح في هذه الأوقات ظاهره الذي هو تنزيه الله عن السوء ~~والثناء عليه بالخير لما يتجدد من نعمة الله الظاهرة «3»، قيل لابن عباس ~~رضي الله عنه: هل تجد الصلوت الخمس في القرآن؟ قال: نعم وقرأ هاتين الآيتين «4». ### || [سورة الروم (30): آية 19] # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ms1325 الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون (19) # (يخرج الحي من الميت) أي الطائر من البيضة (ويخرج الميت من الحي) أي ~~البيضة من الطائر (ويحي الأرض) بالمطر وإخراج النبات (بعد موتها) أي بعد ~~يبسها (وكذلك) أي مثل ذلك الإخراج (تخرجون) [19] من القبور وتبعثون فآذن ~~بذلك أن الإبداء والإعادة في قدرته سواء، وعن النبي عليه السلام: «من قال ~~حين يصبح فسبحان الله إلى قوله «وكذلك تخرجون» أدرك ما فاته من يومه، ومن ~~قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» «5». ### || [سورة الروم (30): آية 20] # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) # (ومن آياته) أي من دلائله الدالة على القدرة والوحدانية (أن خلقكم) أي ~~خلق أصلكم وهو آدم (من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) [20] «إذا» للمفاجأة، ~~أي فأجاء تم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض. ### || [سورة الروم (30): آية 21] # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) # (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم) أي من شكل أنفسكم وجنسها (أزواجا) لا ~~من جنس آخر للألف والسكون لما بين الجنسين المختلفين من التنافر أو من حواء ~~من أنفسكم، لأنها خلقت من ضلع آدم «6»، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ~~(لتسكنوا إليها) أي لتميلوا وتأووا إلى أزواجكم (وجعل بينكم مودة) أي محبة ~~(ورحمة) أي تراحما بعصمة الازدواج من غير قرابة بعد أن لم يكن بينكم سابقة ~~معرفة ولا لقاء، وقيل: # ال «مودة» كناية على الجماع، وال «رحمة» عن الولد «7»، فبرحمة الله ~~تتعاطفون ويرزق بعض بعضا (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [21] في صنعه ~~فيستدلون به على قدرته وعظمته فيؤمنون به ويعبدونه. ### || [سورة الروم (30): آية 22] # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين (22) # (ومن آياته خلق السماوات والأرض) وأنتم تعلمون ذلك وتقرون به «8» ~~(واختلاف ألسنتكم) المراد من الألسنة اللغات أو أشكالها من الفصاحة واللكنة ~~وملاذ النغمات (وألوانكم) أي ألوان صوركم من أبيض وأسود وغيرهما وهم من ms1326 أب ~~واحد وأم واحدة «9»، ولاختلاف ذلك وقع التعارف والتمايز وإلا فلو اتفقت ~~الأشكال وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة (إن ~~في ذلك لآيات للعالمين) [22] بكسر اللام جمع عالم وهو ذو العلم، وخص ~~العلماء لأنلهم أهل الاستدلال دون الجهلاء وبفتح اللام «10» جمع عالم وهو ~~الخلق، والمعنى: أن الآيات ظاهرة ظهورا يمكن أن يستدل بها جميع الخلائق ~~فتكون «11» حجة على كل مخلوق. PageV03P268 ### || [سورة الروم (30): آية 23] # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون (23) # (ومن آياته منامكم بالليل والنهار) أي فيهما (وابتغاؤكم من فضله) أي من ~~رزقه فيهما أو المعنى: أنه جعل الليل للسكنى والنهار لطلب المعاش، والأول ~~أظهر (إن في ذلك لآيات) أي لعبرات (لقوم يسمعون) [23] سماع تدبر. ### || [سورة الروم (30): آية 24] # ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض ~~بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) # (ومن آياته يريكم البرق) مبتدأ وخبر بتقدير «أن» المصدرية من باب تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه، وإنما حذف «أن» ليدل الفعل على الحال ظاهرا ~~(خوفا) من الصاعقة (وطمعا) في الغيث وانتصبا مفعولا لهما، أي لإرادة خوف ~~وإرادة طمع أو حالان «1»، أي خائفين وطامعين (وينزل من السماء ماء فيحيي به ~~الأرض) بالنبات (بعد موتها) أي بعد يبسها (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) ~~[24] أي يفهمون عن الله فيوحدونه. ### || [سورة الروم (30): آية 25] # ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون (25) # (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض) فوقكم وتحتكم لا يزيلهما شيء وأراد ~~بقيامهما دوام قيامهما إلى أجلهما بلا عمد (بأمره) أي بقوله كونا قائمتين ~~(ثم إذا دعاكم دعوة) أي بعد قيام السماء والأرض للبعث (من الأرض) أي من ~~قبوركم، يعني إذا دعاكم إسرافيل على صخرة بيت المقدس دعوة واحدة يا أهل ~~القبور أخرجوا (إذا أنتم تخرجون) [25] بسرعة من غير توقف، قرئ معلوما ~~ومجهولا «2»، والجملة جواب الشرط، و«إذ» نائبة عن الفاء و«من الأرض» صفة ~~«دعوة» ms1327 ومتعلق ب «دعاكم»، وعطف «إذا دعاكم» على قيام السماء والأرض ب «ثم» ~~على تأويل ومن آياته قيامهما ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم بقوله ~~«أخرجوا» فيخرجون بلا توقف بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على ~~مثله بلا إباء كقوله «ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» «3». ### || [سورة الروم (30): آية 26] # وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) # (وله) أي لله (من في السماوات والأرض) من الخلق، يعني هو موجدهما وربهم ~~(كل له قانتون) [26] أي مطيعون ومنقادون لوجود أفعاله تعالى فيهم لا ~~يمتنعون عليه. ### || [سورة الروم (30): آية 27] # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (27) # (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده) أي خلق آدم ومنه خلقهم ولم يكونوا شيئا ~~ثم يعيد الخلق أحياء من قبورهم يوم القيامة (وهو أهون عليه) أي البث أسهل ~~على الله فيما تقتضيه عقولكم، لأن من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه ~~وإن كان في نفسه عظيما أو هو أهون على الخلق لأن قيامهما بصيحة واحدة أسهل ~~من كونهم نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى تكميل خلقهم (وله المثل) أي الوصف ~~(الأعلى) الذي ليس لغيره مثله (في السماوات والأرض) وهو أنه منزه عن صفات ~~المحدثين أو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما (وهو ~~العزيز الحكيم) [27] أي هو القاهر لكل مقدور والجاري فعله على قضية حكمته ~~وعلمه، وقيل: «المثل الأعلى» هو الوصف بالوحدانية يدل عليه قوله بعده في ~~وصف التشريك «4». ### || [سورة الروم (30): الآيات 28 الى 29] # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ~~وما لهم من ناصرين (29) PageV03P269 # (ضرب لكم مثلا من أنفسكم) «من» فيه ابتدائية، كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه ~~من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم، و«من» ms1328 في قوله «1» (هل لكم مما ملكت أيمانكم) ~~تبعيض، أي من عبيدكم وإمائكم، و«من» في (من شركاء) زائدة لتأكيد الاستفهام ~~الذي يجري مجرى النفي، أي هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم وإماءكم ~~أمثالكم بشر أن يشارككم بعضكم (في ما رزقناكم) من الأموال وغيرها تكونون ~~أنتم وهم فيه على السواء من غير تفصلة بين حر وعبد ويقاسمونكم كما يقاسم ~~الحر شريكه الحر، وجوابهم أن يقولوا لا فيقول فاذا لم ترضوا «2» بذلك ~~لأنفسكم فكيف ترضون أن تجعلوا معبوديكم شركائي في الألوهية والعبادة وهم ~~عبيدي (فأنتم) وعبيدكم (فيه) أي في المال الذي بأيديكم (سواء) أي متساوون ~~وهو جواب الاستفهام، أي هل لكم مال فتستوي أنتم وعبيدكم فيه، وقوله ~~(تخافونهم) حال من فاعل «سواء» داخلة تحت الاستفهام الإنكاري، تقديره: ~~أفأنتم تساووا خائفين من مواليكم خيفة (كخيفتكم أنفسكم) أي بعضكم بعضا من ~~الأحرار الأقارب والأباعد (كذلك) أي مثل هذا التفصيل «3» (نفصل الآيات) أي ~~آيات الأمثال نبينها (لقوم يعقلون) [28] لأن التمثيل بمنزلة التصوير بكشف ~~المعاني لأهلها وهم العقلاء، فلما لم يمتنعوا من كفرهم وكذبهم أضرب عنهم ~~فقال (بل اتبع الذين ظلموا) أي أشركوا (أهواءهم) بعبادة الأوثان (بغير علم) ~~أي جاهلين (فمن يهدي) أي فمن يقدر أن يرشد (من أضل الله) أي أضله وخذله ولم ~~يلطف به بالتوفيق (وما لهم من ناصرين) [29] أي مانعين «4» من العذاب، وهو ~~دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان. ### || [سورة الروم (30): آية 30] # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) # (فأقم) أي عدل وقوم يا محمد من غير التفات يمينا وشمالا (وجهك للدين) ~~يعني أقبل على الدين واستقم بالعمل بأمره ونهيه (حنيفا) أي مخلصا، حال من ~~الضمير في «أقم»، قوله (فطرت الله) نصب بمحذوف، أي اتبع يا محمد أو الزموا ~~فطرة الله (التي فطر الناس عليها) والفطرة الخلقة وهي القابلية للتوحيد ~~ودين الإسلام من غير إباء عنه وإنكار له أو المراد العهد المأخوذ عليهم ~~بقوله «أ لست بربكم» «5»، فعلى هذا ms1329 كل مولود يولد ابتداء على التوحيد، لو ~~لم يعرض له ما يصده عنه لدام عليه لوجود حسن التوحيد وصحته عقلا، يدل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه» ~~«6» (لا تبديل لخلق الله) أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير (ذلك) أي ~~التوحيد الذي خلق الناس عليه هو (الدين القيم) أي المستقيم (ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون) [30] ذلك. ### || [سورة الروم (30): الآيات 31 الى 32] # منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # قوله (منيبين إليه) أي منصرفين إلى الله من غيره بالتوحيد والطاعة حال من ~~ضمير «الزموا» الناصبة لفطرة أو من فاعل «فأقم»، لأنه جمع في المعنى لأنه ~~خطاب للرسول عليه السلام والمراد أمته، وإنما أفرد ثم جمع لما في الإفراد ~~من التعظيم للإمام، وفي الجمع من البيان والتلخيص (واتقوه) بامتثال أمره ~~ونهيه (وأقيموا الصلاة) أي في مواقيتها (ولا تكونوا من المشركين) [31] أي ~~على دينهم، وهذه الأوامر بيان للإنابة إليه، وعطف على «الزموا» المقدر قوله ~~(من الذين) بدل من «المشركين»، أي لا تكونوا من الذين (فرقوا دينهم) ~~بالتشديد، أي جعلوه فرقا PageV03P270 # وأديانا مختلفة وهم اليهود والنصارى، وقرئ «فارقوا» بالأف «1» بمعنى ~~تركوه (وكانوا شيعا) أي طوائف مختلفة كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها، ~~قيل: افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة والنصارى اثنين وسبعين والمسلمون ~~ثلاثة وسبعين «2» (كل حزب بما لديهم) من الدين (فرحون) [32] أي مغرورون ~~يحسبون باطلهم حقا. ### || [سورة الروم (30): آية 33] # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) # (وإذا مس الناس ضر) أي شدة كمرض وقحط (دعوا ربهم) أي يلجئون إلى الله ~~تعالى (منيبين) أي مقبلين بالدعاء (إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة) أي نعمة ~~وخصبا من مطر وصحة (إذا فريق منهم بربهم يشركون) [33]. ### || [سورة الروم (30): الآيات 34 الى 35] # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم ms1330 سلطانا ~~فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) # ثم هددهم بلام الأمر بقوله (ليكفروا بما آتيناهم) أي بسبب ما أعطيناهم من ~~النعم، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب وهو (فتمتعوا) هذا «3» نظير اعملوا ~~ما شئتم «4» (فسوف تعلمون) [34] ما يفعل بكم من الجزاء ثم (أم أنزلنا) ~~بالاستفهام وزيادة الميم، والمراد النفي، أي لم ننزل (عليهم) من السماء ~~(سلطانا) أي برهانا أو كتابا (فهو يتكلم) مجاز، لأن البرهان لا يتكلم ولكنه ~~لما جاء دليلا على الإيمان فكأنه متكلم (بما كانوا به) أي بكونهم (يشركون) ~~[35] بالله. ### || [سورة الروم (30): آية 36] # وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون (36) # (وإذا أذقنا الناس) أي الكفار (رحمة) أي خصبا وكفاية (فرحوا بها وإن ~~تصبهم سيئة) أي قحط وضيق وبلاء (بما قدمت أيديهم) من الأعمال الخبيثة (إذا ~~هم يقنطون) [36] بفتح النون وكسرها «5»، أي يئسون من رحمة الله تعالى. ### || [سورة الروم (30): الآيات 37 الى 38] # أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (37) فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) # ثم أنكر عليهم نصحا لهم بقوله (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر) أي يوسعه ويضيقه، يعني أنهم قد علموا أن الله هو الباسط للرزق ~~والقابض له فما لهم يقنطون من رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من ~~المعاصي التي عوقبوا بها حتى يعيد إليهم رحمته (إن في ذلك) البسط والتقتير ~~(لآيات لقوم يؤمنون) [37] بالله ولما ذكر أن السيئة تصيبهم بما قدمت ~~أيديهم، أي بشؤمه عقبه بذكر ما يمدحون بفعله ويذمون بتركه فقال بالفاء (فآت ~~ذا القربى حقه) أي تبره وتصله (والمسكين وابن السبيل) من الصدقة والإعانة ~~(ذلك) أي صلة القرابة وغيرها (خير للذين يريدون وجه الله) أي يقصدون ~~بمعروفهم ذاته خالصا أو يقصدون به جهة التقرب إليه تعالى لا جهة أخرى ~~(وأولئك هم المفلحون) [38] أي الناجون في الآخرة بدخول الجنة يحتج أبو ~~حنيفة رحمه ms1331 الله بهذه الآية على وجوب النفقة لذوي الأرحام المحارم عند ~~الاحتياج، ولا يوجبها الشافعي رحمه الله إلا على الولد والوالدين لوجود ~~الولاد دون سائر القرابات ويقيسهم على ابن العم لأنه لا ولاد بينهم «6». ### || [سورة الروم (30): الآيات 39 الى 40] # وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من ~~زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما ~~يشركون (40) PageV03P271 # (وما آتيتم) بالمد من الإعطاء وبالقصر من المجيء، أي الذي أعطيتم أو جئتم ~~به (من ربا) أي عطية أكلة الربوا (ليربوا) أي ليزداد (في أموال الناس فلا ~~يربوا) أي لا ينمو ولا يضاعف تلك العطية في أموالهم (عند الله) قيل: المراد ~~منه منع الربوا، لأن الله يمحقه ولا يبارك فيه «1» أو ما أعطيتم للذين ~~يمنون عليكم بهبتهم لكم ليستكثروا بها من ربوا ليربو في أموالهم، أي ليزيد ~~فلا يزكو عند الله ولا يبارك فيه، يعني لا يثيب لكم بتلك الزيادة على ~~العوض، لأنها لغير الله ولا إثم على الآخذ (وما آتيتم من زكاة) أي صدقة ~~(تريدون) أي تقصدون به (وجه الله) خالصا لا مكافاة ولا رياء ولا سمعة ~~(فأولئك هم المضعفون) [39] أي ذوو الأضعاف من الحسنات، يعني تضاعف حسناتهم ~~فيعطون بالحسنة عشرة أضعافها، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة تعظيما ~~لهم، قوله (الله الذي خلقكم) مبتدأ وخبر وهو بيان لصنعه البيع تحريضا على ~~توحيده، أي الله خلقكم ولم تكونوا شيئا (ثم رزقكم) أي أطعمكم ما عشتم في ~~الدنيا (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) بعد الموت للحساب ~~والجزاء، نزل للإيماء إلى عجز آلهتهم «2»، يعني الله هو فاعل هذه الأفعال ~~الخاصة التي لا يقدر على شيء منها أحد غيره (هل من شركائكم) وهم الذين ~~اتخذوهم أندادا لله من الأصنام وغيرها (من يفعل من ذلكم من شيء) أي لا يفعل ~~أحد شيئا قط من تلك الأفعال حتى يصح ما ms1332 ذهبتم إليه ثم استبعد ونزه حاله من ~~حال شركائهم حين عجزوا من الجواب بقوله (سبحانه وتعالى عن ما يشركون) [40] ~~به من المعبودين. ### || [سورة الروم (30): آية 41] # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا ~~لعلهم يرجعون (41) # ثم بين سبب عقوبتهم في الدنيا والآخرة ليرجعوا عن معاصيهم تائبين بقوله ~~(ظهر الفساد) كالجدب ونقص المعاش بقلة الربح في التجارات والريع في ~~الزراعات ووقوع الموتان في الناس والدواب وكثرة المضار وقلة المنافع ومحق ~~البركات من كل شيء، وقيل: ظهر الشرور والفتن «3» (في البر) أي في البوادي ~~والمفاوز (والبحر) أي في القرى على الماء، يعني امتلاء الضلالة والمعاصي ~~فأثرت بها فيهما، وقيل: «المراد حقيقة البحر» «4»، لأنه إذا انقطع المطر ~~عميت دواب البحر وخلت الأصداف على اللؤلؤ، لأن الصدف إذا جاء المطر صعد على ~~وجه الماء منفتحا فيقع فيه المطر فينطبق عليه فيصير لؤلؤا (بما كسبت أيدي ~~الناس) أي بسبب ذنوبهم ومعاصيهم فيهما واللام في (ليذيقهم) لام «كي»، أي ~~أفسد الله أسباب دنياهم ومحقها ليذيقهم أي ظهر الشرور والمعاصي بسببهم ~~فاستوجبوا به أن يذيقهم، قرئ بالياء والنون «5»، أي لنذيقهم نحن (بعض الذي ~~عملوا) أي وبال أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة (لعلهم ~~يرجعون) [41] عما هم عليه. ### || [سورة الروم (30): آية 42] # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) # قوله (قل سيروا) أي سافروا (في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبل) أي آخر أمر من كان قبلهم من الأمم تأكيد لتسبب المعاصي لغضب الله ~~ونكاله حيث أمرهم بالسير في الأرض والنظر إلى حال من أهلكهم الله من الأمم ~~العاتية وأذاقهم سوء العاقبة بمعاصيهم ودل بقوله (كان أكثرهم مشركين) [42] ~~على أن الشرك وحده لم يكن «6» سبب إهلاكهم بل ما دونه كان سببا لذلك أيضا. PageV03P272 ### || [سورة الروم (30): آية 43] # فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ ~~يصدعون (43) # (فأقم) أي عدل (وجهك للدين القيم) أي الدين «1» البليغ الاستقامة ms1333 الذي لا ~~يأتي «2» فيه عوج، يعني أثبت عليه (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له) هو يوم ~~القيامة، أي لا يرده أحد (من الله) بعد مجيئه ولا رد له من جهته، وال «مرد» ~~مصدر بمعنى الرد (يومئذ يصدعون) [43] أي يتصدعون بمعنى يتفرقون، فريق إلى ~~الجنة وفريق إلى النار. ### || [سورة الروم (30): آية 44] # من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) # قوله (من كفر فعليه كفره) أي وبال كفره إيماء إلى غناه عنهم (ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون) [44] أي يسوون لأنفسهم في الجنة مضاجعهم، ونسب ذلك ~~إليهم مع أن الملائكة يسوون لهم ذلك لأن أعمالهم الصالحة صارت سببا لذلك ~~كقوله «إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها» «3»، وقدم الظرف في ~~الموضعين ليدل التقديم على أن الضرر والنفع لا يعود إلا على صاحبه. ### || [سورة الروم (30): آية 45] # ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) # قوله (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) تعليل ل «يمهدون» (من فضله) أي ~~من طاعته بعد توفيقه الواجب من الثواب و(إنه لا يحب الكافرين) [45] تصريح ~~بعد التضمين، لأن ما قبله من آية المؤمنين يتضمن أن الكافرين لا يحبهم الله تعالى. ### || [سورة الروم (30): آية 46] # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) # (ومن آياته أن يرسل الرياح) أي رياح الرحمة وهي الصبا والجنوب والشمال ~~وأما الدبور فريح العذاب (مبشرات) تبشر لخلقه بالمطر النافع (وليذيقكم) عطف ~~على معنى «مبشرات»، تقديره: يرسل الرياح ليبشركم وليذيقكم (من رحمته) وهي ~~نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه (ولتجري الفلك) أي السفن (بأمره) بارسال ~~الرياح (ولتبتغوا من فضله) أي لتطلبوا من رزقه يريد به تجارة البحر (ولعلكم ~~تشكرون) [46] أي لتشكروا نعمة الله فيها وتوحدوه. ### || [سورة الروم (30): آية 47] # ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين ~~أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) # (ولقد أرسلنا من قبلك) يا محمد (رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات) أي ~~الآيات الواضحات فكذبوهم (فانتقمنا) بالعذاب (من ms1334 الذين أجرموا) أي كذبوا ~~الآيات بذنوبهم (وكان حقا) أي واجبا (علينا نصر المؤمنين) [47] بانجائهم من ~~العذاب وهو تعظيم للمؤمنين ورفع شأنهم حيث جعلهم الله مستحقين عليه أن ~~ينصرهم ويظفرهم. ### || [سورة الروم (30): آية 48] # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) # (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) أي ترفع غيما (فيبسطه) متصلا تارة ~~(في السماء) أي نحوها (كيف يشاء) من قلة وكثرة وبسط «4» وسمك مسيرة يوم أو ~~أكثر (ويجعله كسفا) أي قطعا متفرقة تارة (فترى الودق) أي المطر (يخرج من ~~خلاله) أي من وسطه في حال البسط والتفرق (فإذا أصاب به) أي بالمطر (من يشاء ~~من عباده) يعني أصاب به أراضيهم وبلادهم (إذا هم يستبشرون) [48] أي يفرحون فجأة. PageV03P273 ### || [سورة الروم (30): آية 49] # وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) # (وإن كانوا) أي الخلق (من قبل أن ينزل عليهم) المطر، قوله (من قبله) من ~~باب التأكيد وهو الدلالة على بعد عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم منه فكان ~~استبشارهم على قدر اغتمامهم بذلك، قوله (لمبلسين) [49] خبر «كان»، أي آيسين. ### || [سورة الروم (30): آية 50] # فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى ~~وهو على كل شيء قدير (50) # (فانظر إلى آثار رحمت الله) جمع الأثر، وقرئ به «1»، أي انظر إلى تأثيرات ~~المطر نظر عبرة (كيف يحي) الله (الأرض بعد موتها) أي يبسها (إن ذلك) أي ~~محييها بعد موتها (لمحي الموتى) للجزاء وهو الله تعالى (وهو على كل شيء ~~قدير) [50] أي هو قادر على كل مقدور من الإنشاء والإعادة. ### || [سورة الروم (30): آية 51] # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) # (ولئن أرسلنا) اللام لتوطئة القسم دخلت على حرف الشرط، أي والله لئن ~~أرسلنا على زرعهم (ريحا) فأفسدته (فرأوه) أي الزرع (مصفرا) بعد خضرته «2» ~~(لظلوا) جواب القسم والشرط، أي لصاروا (من بعده) أي بعد اصفراره (يكفرون) ~~[51] بالله وبنعمته، المعنى: أنهم ms1335 يفرحون عند السعة ويكفرون عند الضيق، ~~وكان عليهم أن يتوكلوا على الله وفضله على كل حال فيشكروه على نعمته ~~ويصبروا على بلائه. ### || [سورة الروم (30): آية 52] # فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) # (فإنك) يا محمد (لا تسمع الموتى) أي الكفار الذين هم كالموتى إذا دعوتهم ~~إلى الإيمان (ولا تسمع) أيضا (الصم الدعاء) إليه وهم الذين يتصاممون عن ~~سماع الدعاء (إذا ولوا مدبرين) [52] أي إذا أعرضوا عن الحق مكذبين. ### || [سورة الروم (30): آية 53] # وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) # (وما أنت بهاد العمي) أي الذين عميت بصائرهم عن آياتنا، يعني لا يرشدهم ~~إلا «3» بالتوفيق (عن ضلالتهم) أي عن طريق الضلالة إلى طريق الهدى وهو ~~الإيمان والطاعة والله يهدي، أي يوفق من يشاء ولكن عليك الدعاء إلى الهدى ~~(إن) أي ما (تسمع إلا من يؤمن) أي من يصدق «4» (بآياتنا) أي القرآن (فهم ~~مسلمون) [53] أي مخلصون في إيمانهم به. ### || [سورة الروم (30): آية 54] # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) # ثم دل على قدرته بأظهر الدليل فقال (الله الذي خلقكم من ضعف) بالضم ~~والفتح «5»، أي من ذي ضعف وهو النطفة إلى ضعف الطفولة أو المراد من حال ~~الطفولة إلى الاحتلام (ثم جعل من بعد ضعف قوة) أي بعد ضعف الطفولة قوة ~~الشباب إلى الاكتهال (ثم جعل من بعد قوة) أي قوة الشباب (ضعفا وشيبة) أي ~~ضعف الشيخوخة «6» والهرم وهذا الترديد في الأحوال المختلفة أعدل شاهد على ~~الصانع الكامل بالعلم والقدرة (يخلق ما يشاء) من الدواب والصور كما يشاء ~~(وهو العليم) بخلقه (القدير) [54] بتحويله من حال إلى حال. PageV03P274 ### || [سورة الروم (30): آية 55] # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) # (ويوم تقوم الساعة) أي القيامة (يقسم) أي يحلف (المجرمون) أي المشركون ~~(ما لبثوا) في الدنيا أو في القبور (غير ساعة) إلا ساعة فيكذبون ويفتضحون، ms1336 ~~وسمي يوم القيامة ساعة لأنه تقوم بغتة في ساعة واحدة (كذلك كانوا يؤفكون) ~~[55] أي مثل ذلك الصرف عن الصدق كانوا يصرفون عن الحق في الدنيا. ### || [سورة الروم (30): آية 56] # وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ~~فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) # (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) أي يقول الملائكة ثمه أو الأنبياء ~~والمؤمنون في جوابهم (لقد لبثتم في كتاب الله) أي في حكمه وقضائه أو في ~~اللوح (إلى يوم البعث) فردوا قولهم وحلفهم وأطلعوهم على حقيقة الحال، ~~وقالوا على سبيل التقريع أن شككتم في طلب الحق «1» في يوم البعث (فهذا يوم ~~البعث) الذي أنكرتموه، فالفاء فيه هي الفصيحة لما أبهم قبلها (ولكنكم كنتم) ~~في الدنيا (لا تعلمون) [56] صحة ذلك الآن لتفريطكم في طلب الحق واتباعه. ### || [سورة الروم (30): آية 57] # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # (فيومئذ لا ينفع) بالتاء والياء «2» (الذين ظلموا معذرتهم) أي اعتذارهم ~~(ولا هم يستعتبون) [57] يقال استعتبني فلان فأعتبته، أي استرضاني فأرضيته، ~~أي لا يطلب منهم العتبى وهو استرضاء الله تعالى، يعني لا يقال هم ارضوا ~~ربكم بتوبة وطاعة تنفع «3» لكم. ### || [سورة الروم (30): آية 58] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) # (ولقد ضربنا) أي وصفنا «4» وبينا كل صفة وقصة عجيبة الشأن (للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل) كصفة المبعوثين يوم القيامة وقصتهم وما يقولون وما يقال ~~لهم وما ينفع من معذرتهم وما لا يسمع من استعتابهم كأنها مثل في غرابتها ~~(ولئن جئتهم) يا محمد (بآية) منا كما سألوا (ليقولن الذين كفروا) أي أهل ~~مكة (إن أنتم) أي ما أنتم (إلا مبطلون) [58] أي كاذبون، يعني أنهم لقسوة ~~قلوبهم عن الميل إلى الحق إذا جئتهم «5» بآية من آيات القرآن، قالوا ما ~~جئتنا إلا بزور وباطل. ### || [سورة الروم (30): آية 59] # كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) # (كذلك) أي مثل ذلك الطبع وهو الختم (يطبع الله على قلوب ms1337 الذين لا يعلمون) ~~[59] التوحيد ولا يصدقون الرسل. ### || [سورة الروم (30): آية 60] # فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # (فاصبر) على أذاهم وعداوتهم (إن وعد الله) «6» بنصرتك وإظهار دينك على ~~الدين كله (حق) أي لا بد من إنجازه والوفاء به (ولا يستخفنك) أي لا يحملنك ~~على الخفة والقلق جزعا (الذين لا يوقنون) [60] بالبعث بما يقولون ويفعلون، ~~يعني لا يخدعنك بسلب عقلك منك بحلاوة الكلام وإظهار التملق فيعظمون عندك ~~مكان المؤمنين أو بما يغضبونك فيضيق صدرك فانهم ضالون مضلون ليس ذلك ببدع ~~منهم فاحذرهم فانهم أصحاب فتنة ومكر. PageV03P275 ### | سورة لقمان # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة لقمان (31): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) # (الم) [1] أي هذه السورة (تلك آيات الكتاب الحكيم) [2] يجوز أن يكون ~~«الحكيم» وصف «الكتاب»، أي ذي الحكمة أو وصف قائله، والأصل الحكيم قائله، ~~حذف القائل وأضمر المضاف إليه في الصفة المشبهة مرفوعا. ### || [سورة لقمان (31): الآيات 3 الى 4] # هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم يوقنون (4) # (هدى ورحمة) بالنصب على الحال من ال «آيات» والعامل ما في تلك من معنى ~~الإشارة، وبالرفع «1» على أنه خبر مبتدأ محذوف (للمحسنين) [3] أي للذين «2» ~~يحسنون العمل بالنية الخالصة وهم (الذين يقيمون الصلاة) أي يتمونها (ويؤتون ~~الزكاة) أي يؤدونها (وهم بالآخرة) أي بالبعث والجزاء فيه (هم يوقنون) [4] ~~أي بوقوعه وإنما خص ذكر هذه الثلاث لفضل اعتداد بها. ### || [سورة لقمان (31): آية 5] # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) # (أولئك على هدى) أي توفيق (من ربهم) بتبيينه طريقه «3» المستقيم لهم هنا ~~(وأولئك هم المفلحون) [5] من النار والفوز بالخير ثمه. ### || [سورة لقمان (31): آية 6] # ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ~~أولئك لهم عذاب مهين (6) # (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) وهو السمر بالأساطير والتحدث بالكلمات ~~المستملحة والمضاحيك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل شرى المغنيات ~~ولا بيعهن وأثمانهن حرام» «4»، قال ابن عباس رضي الله عنه: «لهو ms1338 الحديث ~~الغناء» «5»، وقيل: كلام سوى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وسيرة الصالحين فهو لهو «6»، وقيل: نزل في النضر بن الحارث كان يشتري أخبار ~~رستم وإسفنديار ليقرأها على قريش ويمنعهم عن استماع القرآن «7» (ليضل عن ~~سبيل الله) بالضم، أي ليصد الناس عن استماع القرآن والدخول في الإسلام، ~~وبالفتح «8»، أي ليصير آخر PageV03P276 # أمره إلى الضلال (بغير علم) أي يشتري بغير علم التجارة وبغير بصيرة بها ~~حيث يستبدل الضلال بالهدى من غير ربح (ويتخذها) بالنصب، أي وليتخذ السبيل ~~أو الآيات (هزوا) أي استهزاء، وقرئ بالرفع «1» عطفا على «يشتري» (أولئك لهم ~~عذاب مهين) [6] أي يهانون فيه. ### || [سورة لقمان (31): آية 7] # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم (7) # (وإذا تتلى عليه آياتنا) أي القرآن (ولى مستكبرا) أي أعرض عن الإيمان ~~بالقرآن وبمحمد عليه السلام متكبرا لا يعبأ بها فحاله في ذلك (كأن لم ~~يسمعها) أي كحال من لم يسمعها وهو سامع، قوله (كأن في أذنيه وقرا) بدل من ~~«كأن لم يسمعها»، وال «وقر» الثقل، ومحل جملتي «كأن» و«كأن» نصب على الحال ~~الأولى من الضمير في «مستكبرا»، والثانية من ضمير الفاعل في «لم يسمعها»، ~~وأصل «كأن» كأنه، والضمير ضمير الشأن (فبشره بعذاب أليم) [7] أي مؤلم. ### || [سورة لقمان (31): آية 8] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) # (إن الذين آمنوا) بالقرآن (وعملوا الصالحات) أي الأعمال المرضية (لهم ~~جنات النعيم) [8] في الآخرة. ### || [سورة لقمان (31): آية 9] # خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) # (خالدين فيها وعد الله حقا) مصدران للتأكيد، الأول مؤكد لنفسه والثاني ~~مؤكد لغيره، لأن معنى «لهم جنات النعيم» وعدهم بها، فأكد معنى الوعد ~~بالوعد، و«حقا» يدل على الثبات، أكد به معنى الوعد فيكون تأكيدا لغيره (وهو ~~العزيز) «2» الذي لا يغلبه شيء (الحكيم) [9] «3» الذي لا يشاء إلا ما توجبه ~~الحكمة. ### || [سورة لقمان (31): آية 10] # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها ~~من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا ms1339 فيها من كل زوج كريم (10) # (خلق السماوات بغير عمد ترونها) أي خلقها بغير عمد مرئية، فقوله «ترونها» ~~في محل الجر صفة ل «عمد»، فيجوز أن يكون لها عمد لكنها لا ترى، ويجوز أن لا ~~يكون لها عمد أصلا، بل يمسكها الله بقدرته (وألقى في الأرض) أي وضع فيها ~~(رواسي) أي جبالا مرتفعة (أن تميد) أي كراهة أن تضطرب (بكم وبث فيها) أي ~~بسط في الأرض (من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها) أي في الأرض ~~(من كل زوج كريم) [10] أي حسن. ### || [سورة لقمان (31): آية 11] # هذا خلق الله فأروني ما ذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) # (هذا) أي ما ذكر من المخلوقات (خلق الله) أي مخلوقه (فأروني ما ذا خلق ~~الذين من دونه) أي من دون الله وهم آلهتهم، تبكيب لهم بأن الله خلق هذه ~~الأشياء العظيمة، فأي شيء «4» خلق آلهتكم حتى يستوجبوا العبادة عندكم، قوله ~~(بل الظالمون في ضلال مبين) [11] إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم ~~بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال وهو الخسران الدائم. ### || [سورة لقمان (31): آية 12] # ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) # (ولقد آتينا لقمان الحكمة) أراد بلقمان بن باعور بن أخت أيوب، قيل: إنه ~~أدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم وعاش ألف سنة «5»، وأكثر الأقاويل ~~أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، والحكمة هي العقل والعلم والعمل، روي: أن رجلا ~~قال له ألست راعي فلان فبما بلغت ما بلغت قال بصدق الحديث وأداء الأمانة ~~وترك ما لا PageV03P277 # يعنيني «1» (أن اشكر لله) «أن» مفسرة، لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، ~~أي قلنا له اشكر لله على ما أعطاك من الحكمة (ومن يشكر فإنما يشكر) أي ثواب ~~شكره (لنفسه ومن كفر) نعمة ربه (فإن الله غني) عن خلقه وعن شكره (حميد) ~~[12] أي مستحق أن يحمد في صنعه وإن لم يحمده أحد. ### || [سورة لقمان (31): آية 13] # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا ms1340 بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) # (و) اذكر (إذ قال لقمان لابنه) وهو لقمان بن باعور، وقيل: «كان لقمان ~~عبدا حبشيا لرجل من بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام فأعتقه» «2» (وهو ~~يعظه) أي يأمر ابنه بالطاعة وينهاه عن المعصية (يا بني) بالتصغير والإضافة ~~إلى ياء المتكلم بالنصب والكسر «3»، وكان اسم ابنه أنعم، وكان هو وأمه ~~كافرين فما زال لقمان يعظهما حتى أسلما (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) ~~[13] لأنه لا يغفر ويغفر ما دون ذلك أو لأنه تسوية بين خالق كل نعمة وغيرها ~~وبين العاجز عن كل شيء، وهو ظلم لا غاية له. ### || [سورة لقمان (31): آية 14] # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك إلي المصير (14) # ثم قال تعالى بالاعتراض في أثناء وصية «4» لقمان تأكيدا لما فيها من ~~النهي لابنه عن الشرك (ووصينا الإنسان بوالديه) أي وصيناه بهما كما وصى ~~لقمان ابنه بالتوحيد والطاعة، يعني وصيناه الإحسان لوالديه (حملته أمه وهنا ~~على وهن) أي حال كونها تضعف ضعفا على ضعف، يعني يتزايد ضعفها بأزدياد الحمل ~~وثقله (وفصاله) أي مدة فطامه (في عامين) فلا يثبت حرمة الرضاع بعدهما لأن ~~هذه المدة هي الغاية التي لا يتجاوزوا لأمر فيما دونها موكول إلى اجتهاد ~~الأم في الفطام والرضاع، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، وعند أبي حنيفة رحمه ~~الله مدة الرضاع ثلاثون شهرا، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين المفسر والمفسر ~~تذكيرا لحق الوالدة الذي هو أعظم من حق الوالد على الإنفراد والمفسر «5» ~~قوله (أن اشكر) فانه تفسير لقوله «ووصينا»، ويجوز أن يكون منصوبا به، أي ~~وصينا الإنسان أن اشكر (لي ولوالديك) أي بشكري وشكر والديك (إلي المصير) ~~[14] قيل: # من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد ~~شكر والديه «6»، قال الرسول عليه السلام لمن قال: «من أبر أمك ثم أمك ثم ~~أمك» ثم قال بعد ذلك: «ثم أباك» «7». ### || [سورة لقمان (31): الآيات 15 الى 16] # وإن جاهداك على أن تشرك ms1341 بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) # (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) أراد بنفي العلم به نفيه، ~~أي لا تشرك بي ما ليس بشيء وهو الأصنام (فلا تطعهما) في الشرك (وصاحبهما في ~~الدنيا) صحابا (معروفا) حسنا بخلق جميل، أي بالبر والصلة وحسن العشرة ~~(واتبع سبيل من أناب) أي أقبل (إلي) بطاعتي وهي سبيل المؤمنين في دينك ولا ~~تتبع سبيلهما أو إن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما (ثم إلي مرجعكم) أي مرجعك ~~«8» ومرجعهما (فأنبئكم بما كنتم تعملون) [15] أي فأجازيك وأجازيهما على ~~كفرهما، قيل: نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه «9»، PageV03P278 # وقد مرت القصة «1»، ثم قال لقمان لابنه حين قال «يا أبي»: «إن عملت ~~الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟» «2» (يا بني إنها) أي إن ~~الخطيئة التي تعمل أو الهنة وهي الشيء اليسير من العمل أي عمل كان (إن تك ~~مثقال حبة) بالنصب ف «كان» ناقصة، أي إن تك السيئة أو الحسنة قدر مثقال حبة ~~(من خردل) أي زنة حبة من حب الخردل، والرفع ف «كان» تامة «3»، وأنث ال ~~«مثقال» لإضافتها إلى الحبة أو بمعنى الحسنة أو السيئة، خاطب به ابنه ~~للتهديد فقال: يا بني لو كان عملك أصغر شيء كحبة الخردل (فتكن في صخرة) أي ~~في أخفى موضع كجوف صخرة ما في الماء لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في ~~الماء أو في الصخرة التي هي تحت الأرض، وهي السجين فيها كتب أعمال الكفار ~~(أو في السماوات أو في الأرض) أي في العالم العلوي أو السفلي (يأت بها) أي ~~بتلك الهنة «4» (الله) يوم القيامة فيجازى بها عاملها (إن الله لطيف) يتوصل ~~علمه إلى كل خفي (خبير) [16] أي عالم بكنهه وبمكانه لا ms1342 يفوته شيء. ### || [سورة لقمان (31): آية 17] # يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور (17) # (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف) أي بالخير (وانه عن المنكر) أي عن ~~الشرك وابدأ بنفسك (واصبر على ما أصابك) من الأذى ممن تأمره بالمعروف ~~وتنهاه عن المنكر، ويجوز أن يكون عاما في كل ما يصيبه من المحن (إن ذلك) أي ~~الذي ذكر من الأوامر (من عزم الأمور) [17] أي مما عزمه الله عزم إيجاب ~~وإلزام، يعني قطعه قطع الفرض والوجوب، يقال هذا عزمة الملك إذا لم يكن ~~للمعزوم عليه بد من فعله، أي لم يجز تركه. ### || [سورة لقمان (31): آية 18] # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) # (ولا تصعر خدك للناس) بالتشديد وبالألف مع التخفيف «5»، أي لا تعرض عن ~~الناس وجهك تجبرا، من الصعر وهو داء يصيب البعير يلوي به عنقه، المعنى: ~~أقبل على الناس بوجهك تواضعا ولا تولهم بشق وجهك عند السلام وغيره كما ~~يفعله المتكبرون (ولا تمش في الأرض مرحا) أي مشي مرح أو مصدر في موضع ~~الحال، أي مرحا أشرا أو مفعول له، أي لأجل المرح، يعني لا يكن غرضك البطر ~~والأشر كمشي أصحابك لبطالة لا لكفاية مهم ديني أو دنيوي (إن الله لا يحب كل ~~مختال) أي متبختر في مشيته (فخور) [18] على الناس. ### || [سورة لقمان (31): آية 19] # واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19) # (واقصد) أي اعدل (في مشيك) حتى يكون مشيا بين مشيين، أي بين الإسراع ~~والدبيب، يعني لا تمش كمشي الشطار ولا كمشي الزاهد المتماوت، وعليك الوقار ~~والسكينة (واغضض) أي انقص (من صوتك) واخفضه، في محل الخطاب ولا تجهر به إلا ~~في الإرهاب للعدو، قوله (إن أنكر الأصوات) من باب ضرب المثل بما هو المعروف ~~بين الناس، أي أوحشها وأقبحها (لصوت الحمير) [19] المعروف بالقبح عندكم، ~~لأن أوله زفير وآخره شهيق كصوت أهل النار وذكر الحمير فيه مبالغة في الذم ~~والتهجين ms1343 «6» والترغيب عن رفع الصوت وتنبيه على أنه مما يكرهه الله تعالى ~~أشد كراهة، والمراد بصوت الحمير صوت هذا الجنس لا صوت كل أحد من آحاد هذا ~~الجنس حتى يجمع. ### || [سورة لقمان (31): آية 20] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (20) PageV03P279 # (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات) أي الشمس والقمر والنجوم ~~والسحاب وغير ذلك (وما في الأرض) من البحار والأنهار والمعادن والدواب وغير ~~ذلك مما لا يحصى، يعني ذلل لكم منافعها (وأسبغ) أي أفضل وأسبل (عليكم نعمه) ~~جمعا لكثرتها ومفردا لإرادة الجنس «1»، والنعمة هي ما قصد به الإحسان ~~والنفع، والله جل وعلا خلق العالم كله نعمة لنفع غيره لأنه غني لا يحتاج ~~إلى المنافع ولا لغرض آخر لأنه عبث، وهو عليه محال، قوله (ظاهرة وباطنة) ~~حالان للنعمة، والنعمة الظاهرة ما يعلم بالمشاهدة كحسن الصوت وامتداد ~~القامة وتسوية الأعضاء أو هي البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة ~~والنعمة الباطنة المعرفة وما لا يعلم إلا بدليل أو ما لا يعلم أصلا وينتفع ~~به «2»، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ولا يهتدى إلى العلم بها ~~كالستر والقلب والعقل والفهم والروح وما أشبه ذلك، وقيل: الظاهرة الإعراض ~~عن الدنيا والباطنة التوكل والثقة بالله «3» (ومن الناس من يجادل في الله) ~~أي في دينه (بغير علم) أي بالجهل وهو النضر بن الحارث (ولا هدى) أي لا ~~ببيان من الله (ولا كتاب منير) [20] أي مضيء له بالحجة. ### || [سورة لقمان (31): آية 21] # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) # (وإذا قيل لهم) أي لكفار مكة (اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا) فقال تعالى (أولو كان) أي أيتبعون «4» ولو كان (الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير) [21] وهو في موضع الحال من ضمير الفاعل، أي في حال ms1344 ~~دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. ### || [سورة لقمان (31): آية 22] # ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله ~~عاقبة الأمور (22) # (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي من يجعل ذاته سالما لله، أي خالصا له (وهو ~~محسن) في عمله، والمراد التوكل عليه والتفويض إليه (فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى) أي فقد اعتصم بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه، والمراد العهد ~~المحكم وهو قول «لا إله إلا الله» (وإلى الله عاقبة الأمور) [22] أي هي ~~صائرة إليه فيجزي كلا جزاءه. ### || [سورة لقمان (31): آية 23] # ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم ~~بذات الصدور (23) # (ومن كفر فلا يحزنك كفره) أي لا يهمنك كيده للإسلام فانا ندفع كيده في ~~نحره ونعاقبه على عمله (إلينا مرجعهم) أي رجوعهم يوم القيامة (فننبئهم) أي ~~نخبرهم ونجازيهم (بما عملوا) في الدنيا من الجحود والمعاصي (إن الله عليم ~~بذات الصدور) [23] أي يعلم ما في صدور عباده فيفعل بهم على حسبه. ### || [سورة لقمان (31): آية 24] # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) # (نمتعهم) زمانا (قليلا) بدنياهم (ثم نضطرهم) أي نلجئهم (إلى عذاب غليظ) ~~[24] أي شديد لا يقدر على الانفكاك منه، والغلظ يستعار من الأجرام الغليظة، ~~والمراد الشدة والثقل على المعذب. ### || [سورة لقمان (31): آية 25] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم ~~لا يعلمون (25) # (ولئن سألتهم) أي أهل مكة (من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) أي ~~ليقرون أن الله خلقهما، قوله (قل الحمد لله) إلزام لهم «5» على إقرارهم بأن ~~خالقهما هو الله وحده، وحقيق بأن يحمد «6» ويشكر له لا لغيره (بل PageV03P280 # أكثرهم لا يعلمون) [25] التوحيد ووجوبه عليهم ولا يتنبهون إذا نبهوا عليه. ### || [سورة لقمان (31): آية 26] # لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) # (لله ما في السماوات والأرض) أي له ما فيهما من الخلق لا شريك له فيه (إن ~~الله هو الغني) عن عبادة خلقه (الحميد) [26] في فعاله. ### || [سورة لقمان (31): آية 27] # ولو أن ما في الأرض من شجرة ms1345 أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) # قوله (ولو أن ما في الأرض) الاية نزل جوابا لليهود لما قالوا قد أوتينا ~~التورية وفيها كل الحكمة فلا نحتاج إلى ما أنزل عليك «1»، وقيل: نزل حين ~~قال المشركون الوحي كلام سينفد «2»، أي سيفني وينقطع، قوله (من شجرة) ~~بالتنكير والإفراد، أي من كل فرد من جنس الشجر حتى لا يبقى منه واحدة إلا ~~وقد برئت أقلاما حال من «ما» التي هذ اسم «أن» و(أقلام) خبر «أن» (والبحر) ~~بالنصب عطف على «ما»، وبالرفع «3» عطف على محل اسم «أن» أو مبتدأ، وخبره ~~(يمده) والجملة حال على معنى ولو أن جميع الأشجار أقلام في حال كون البحر ~~ممدودا سبعة أبحر، أي وينصب في البحر (من بعده) أي من خلقه (سبعة أبحر) ~~ومياهها مداد فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد (ما نفدت كلمات الله) أي ~~متعلقات علمه بالكتبة ونفدت الأقلام والمداد، قيل: أصل الكلام أن يقال ولو ~~أن الشجرة أقلام والبحر مداد لكن ذكر «يمده» أغنى عن ذكر المداد لأنه من ~~قولك مد الدواة إذا صب فيها مدادها «4»، وإنما لم يقل كلم الله إيذانا بأن ~~القليل من كلامه تعالى لا تفي بكتبته البحار فكيف بالكثير لا يقال لا ضمير ~~في جملة الحال لأنا نقول المعنى وبحرها والضمير للأرض أو هي من الأحوال ~~التي حكمها حكم الظروف كقولهم جئتك والشمس طالعة (إن الله عزيز) لا يعجزه ~~شيء (حكيم) [27] لا يخرج من علمه شيء فلا ينفد كلماته وهي حكمه «5». ### || [سورة لقمان (31): آية 28] # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) # (ما خلقكم ولا بعثكم) مع كثرتكم (إلا كنفس) أي كخلق نفس (واحدة) وبعثها ~~بحذف المضاف، أي سواء في قدرته القليل والكثير لأنه لا يشغله شأن عن شأن ~~(إن الله سميع) يسمع كل صوت (بصير) [28] يبصر كل مبصر لا يشغله إدراك بعضها ~~عن إدراك «6» بعض، فكذلك الخلق والبعث. ### || [سورة لقمان (31): آية 29] # ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج ms1346 النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) # (ألم تر أن الله يولج) أي يدخل (الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ~~أو ينقص كل واحد منهما بصاحبه (وسخر الشمس والقمر) أي ذللهما لابن آدم ~~فالله تعالى دل به على عظم قدرته وحكمته فقال مخاطبا لمحمد عليه السلام ~~والمراد غيره، يعني ألم تعلم «7» أن الله يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذاك ~~بمغيب الشمس ويدخل ضياء ذاك في مكان ظلمة «8» هذا بطلوع الشمس أو يزيد ~~أحدهما وينقص الآخر وسخر النيرين في فلكيهما (كل يجري إلى أجل مسمى) أي إلى ~~مدة معلومة لا يتجاوزها فجميع ذلك على تقدير وحساب، فدل بذكر «إلى» على ~~الانتهاء، وإذا قصد الاختصاص يذكر باللام فيكون معنى يجري لأجل مسمى لإدراك ~~أجل معلوم، فالجري PageV03P281 # مختص بالإدراك حينئذ (وأن الله بما تعملون) بالتاء والياء «1» (خبير) ~~[29] أي بجميع أعمالكم فتؤمنون به وتعبدونه وحده. ### || [سورة لقمان (31): آية 30] # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (30) # (ذلك) أي المذكور من الدلالة على عظم قدرته (بأن الله هو الحق) الذي لا ~~يجوز أن يعبد إلا هو بالألوهية (وأن ما يدعون من دونه) من الآلهة هو ~~(الباطل) أي باطل في الألوهية «2» (وأن الله هو العلي) الشأن (الكبير) [30] ~~السلطان أو العلي الكبير عن أن يشرك به. ### || [سورة لقمان (31): آية 31] # ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور (31) # (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله) أي برحمته وإحسانه (ليريكم ~~من آياته) أي دلائله على الوحدانية (إن في ذلك لآيات لكل صبار) على طاعته ~~وبلائه (شكور) [31] لنعمه وهما صفتا المؤمن العاقل. ### || [سورة لقمان (31): آية 32] # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) # (وإذا غشيهم) أي غطى المشركين (موج كالظلل) لأن الموج يرتفع ويتراكب ms1347 ~~فيعود مثل الظلل وهي السحب، والظلة كل ما أظلك من سحاب أو جبل أو غيرهما ~~(دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر) أي إلى موضع القرار ~~(فمنهم مقتصد) أي متوسط في الظلم والكفر، يعني انزجر بعض الانزجار فانحط عن ~~علوه أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه من الخوف في البحر ثابت على ما ~~عاهد عليه الله فيه (وما يجحد بآياتنا) الدالة على قدرتنا (إلا كل ختار) أي ~~غدار خداع، والختر أشد الغدر (كفور) [32] للإحسان إليه. ### || [سورة لقمان (31): آية 33] # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو ~~جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور (33) # (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما) أي عذاب يوم (لا يجزي) فيه، أي ~~لا يغني (والد عن ولده ولا مولود) أي الولد (هو جاز عن والده شيئا) مما ~~عليه من الدين أو العذاب، وإنما جاء بالمعطوف جملة اسمية والمعطوف عليه ~~جملة فعلية لأن الاسمية آكد من الفعلية، إذ المقام مقام التوكيد، قيل: هذا ~~في الكفار خاصة، وأما المؤمن فانه ينفع لقوله تعالى «ألحقنا بهم ذريتهم» ~~«3»، أي بشرط الإيمان، إذ لا ينفع المؤمن والده ولا ولده اللذين قبضا على ~~الكفر بالشفاعة لهما «4» (إن وعد الله) أي البعث (حق) كائن لا خلف فيه (فلا ~~تغرنكم الحياة الدنيا) أي زينتها لاطمئنان بها وترك العمل للآخرة (ولا ~~يغرنكم بالله الغرور) [33] أي الشيطان المضل عن سبيل الله بتزيين «5» ~~أعمالكم الخبيثة لكم، قيل: الغرة بالله أن يتمادى الرجل في المعصية ويتمنى ~~على الله المغفرة «6». ### || [سورة لقمان (31): آية 34] # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ما ذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34) # قوله (إن الله عنده علم الساعة) الآية نزل حين سأل الحارث بن عمرو رسول ~~الله أخبرني عن الساعة، متى قيامها؟ وإني زرعت الأرض فمتى تمطر السماء، وعن ~~امرأتي ms1348 أن ما في بطنها ذكر أو أنثى وإني علمت PageV03P282 # ما عملت أمس فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد عرفته فأين أموت؟ فقال صلى الله ~~مفاتح الغيب خمس وتلا هذه الآية «1»، أي علم قيام الساعة عنده (و) هو (ينزل ~~الغيث) إذا شاء (و) هو (يعلم ما في الأرحام) على أي وصف كان من سواد وبياض ~~وذكر وأنثى وغير ذلك (وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا) من خير وشر (وما تدري ~~نفس بأي أرض) أي بأي مكان (تموت) من بر أو بحر أو سهل أو حزن، قيل: لا شيء ~~أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته فاذا لم يكن له طريق إلى معرفتهما كان من ~~معرفة ما عداهما أبعد «2» (إن الله عليم) بحقيقة كل أمر (خبير) [34] بحاله ~~فهو المختص بعلم هذه الأشياء لا غير. PageV03P283 ### | سورة السجدة # مكية وتسمى سورة المضاجع # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة السجده (32): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) # (الم) [1] خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ بناء على أنه اسم السورة، خبره ~~(تنزيل الكتاب) قيل: الأوجه أن يكون «تنزيل» مبتدأ «1»، قوله (لا ريب فيه) ~~اعتراض بين المبتدأ وخبره وهو (من رب العالمين) [2] فلا محل له من الإعراب، ~~والضمير في «فيه» راجع إلى مضمون الجملة، أي لا شك عند العاقل في أنه منزل ~~من رب الخلق وكونه أوجه بشهادة. ### || [سورة السجده (32): آية 3] # أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يهتدون (3) # قوله (أم يقولون افتراه) أي اختلق القرآن محمد لأنه إنكار لكونه من رب ~~العالمين، ويؤكده قوله (بل هو الحق) أي القرآن حق ثابت (من ربك) لأنه إضراب ~~عن الإنكار وتقرير لأنه من عند الله (لتنذر قوما) هم العرب (ما أتاهم من ~~نذير) أي لم يأتهم نذير (من قبلك) لأن العرب لم يبعث إليهم أحد قبل النبي ~~عليه السلام فلم يلزمهم الحجة بالرسالة التي توجب الشرائع، بل يلزمهم الحجة ~~بالدلالة العقلية على معرفة ms1349 الله وتوحيده، لأنهم كانوا عقلاء ومعهم أدلة ~~العقل الموصلة إلى ذلك في كل زمان (لعلهم يهتدون) [3] أي لإرادة اهتدائهم ~~فيستعار لفظ الترجي للإرادة. ### || [سورة السجده (32): آية 4] # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # (الله) رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف وهو هو، أي رب العالمين الله (الذي خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما) من السحاب وغير ذلك (في ستة أيام) ليدل على ~~التأني ولو شاء لخلقها في ساعة واحدة (ثم استوى على العرش) أي علا فوق ~~العرش من غير استقرار عليه (ما لكم من دونه) أي دون عذابه (من ولي) أي ناصر ~~ينصركم (ولا شفيع) يشفع لكم إذا خالفتموه أو المعنى: أن الله ناصركم ~~وشفيعكم، أي معينكم بطريق المجاز إذا أطعتموه (أفلا تتذكرون) [4] أي ألا ~~تتعظون بما ذكره من صنعه فتوحدونه. ### || [سورة السجده (32): آية 5] # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) # (يدبر الأمر) أي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة وغير ذلك وينزله ~~أو ينزل الوحي المدبر (من السماء إلى الأرض) بالملك وهو جبرائيل (ثم يعرج ~~إليه) أي يرجع إلى مقره منها (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) [5] من ~~أيامكم لأن المسافة فيه مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود بتعدادكم، لأن ما ~~بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام وهو يوم من أيامكم لسرعة جبرائيل ~~بتقويتنا ولا يشكل ب «يوم كان مقداره PageV03P284 # خمسين ألف سنة» «1»، لأن المراد به ما بين العرش أو سدرة المنتهى إلى ~~الأرض السفلي، فان الملك يسيره في قدر يوم هبوطا وصعودا كما سيأتي في سورة ~~المعارج، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض كل يوم وليلة إلى قيام ~~الساعة ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله «2»، أي يرجع إليه ويكتب في صحف ملائكته ~~ليحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة وهو يوم القيامة. ### || [سورة السجده (32): آية 6] # ذلك عالم ms1350 الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) # (ذلك) المدبر في الحقيقة (عالم الغيب والشهادة) أي عالم الظاهر والباطن ~~وهو (العزيز) في ملكه (الرحيم) [6] بخلقه. ### || [سورة السجده (32): آية 7] # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) # (الذي أحسن كل شيء خلقه) بسكون اللام ونصب القاف بدل من «كل»، أي أحسن ~~خلق كل شيء وأتقنه على ما تقتضيه الحكمة، وبفتح اللام «3» فعل صفة «كل»، أي ~~كل شيء خلقه فقد أحسنه وقومه بعلمه وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن (وبدأ خلق ~~الإنسان) أي آدم (من طين) [7] أي من أديم الأرض. ### || [سورة السجده (32): آية 8] # ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) # (ثم جعل نسله) أي ذريته (من سلالة) أي من نطفة، لأنها تنسل، أي تنفصل منه ~~وتستل «4» من صلبه، أي تخرج (من ماء مهين) [8] أي ضعيف وهو المني، و«من» ~~فيه للبيان. ### || [سورة السجده (32): آية 9] # ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون (9) # (ثم سواه) أي قوم خلق آدم وعدله (ونفخ فيه من روحه) أي جعل فيه من الشيء ~~الذي اختص هو بعلمه، ولذلك أضافه إلى ذاته، فقال من روحه كقوله ويسئلونك عن ~~الروح «5» الآية فصار آدم «6» بسبب ذلك الشيء حيا حساسا بعد أن كان جمادا ~~لا أن ثم حقيقة نفخ (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) لتصرفوا كلها في ~~طاعة ربكم (قليلا ما تشكرون) [9] رب هذه النعم، أي لا تشكرونه. ### || [سورة السجده (32): آية 10] # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون (10) # (وقالوا) القائل أبي بن كعب لإنكار البعث (أإذا ضللنا في الأرض) أي أئذا ~~غبنا فيها وصرنا ترابا نبعث وهو عامل في الظرف، يدل عليه قوله (أإنا لفي ~~خلق جديد) ولا يجوز أن يعمل فيه جديد لأن «ما» بعد «إن» لا يعمل فيما ~~قبلها، قوله (بل هم بلقاء ربهم) إضراب عن كفرهم بالإنشاء إلى ما هو أبلغ من ~~الكفر، أي أنهم (كافرون) [10] بجميع ما يكون في العاقبة لا بالإنشاء وحده. ### || [سورة السجده (32): آية 11] # قل ms1351 يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) # (قل يتوفاكم) أي يقبض أرواحكم (ملك الموت الذي وكل بكم) بقبض أرواحكم، ~~قيل: «حويت الأرض لملك الموت وجعلت له كطست لديه يتناول منه ما يشاء» «7»، ~~وقيل: ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها «8»، ثم خاطبهم ~~الله بالرجوع إلى ربهم بعد توفي ملك الموت أرواحهم بقوله (ثم إلى ربكم ~~ترجعون) [11] بعد الموت احياء للحساب والجزاء وهذا معنى لقاء الله عز وجل. PageV03P285 ### || [سورة السجده (32): الآيات 12 الى 13] # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ~~نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) # (ولو ترى) يا محمد (إذ المجرمون) أي المشركون (ناكسوا رؤسهم) أي مطأطئوها ~~حياء وخجلا وندما (عند ربهم) يوم القيامة لرأيت أمرا عظيما لا يدرك وصفه، ~~ويجوز أن يكون «لو» للتمني، أي ليتك تراهم على تلك الحالة الردية الفظيعة ~~من الخزي والغم لتشمت بهم أو هو خطاب عام، فثم يقولون (ربنا أبصرنا) ~~معاصينا (وسمعنا) قول الرسل (فارجعنا) إلى الدينا (نعمل) عملا (صالحا) فيها ~~(إنا موقنون) [12] بما أنكرنا ثمه من البعث، وقيل معناه: قد آمنا وأيقنا ~~بالقيامة ولكن لا ينفعهم «1»، فقال تعالى (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ~~أي رشدها على طريق القسر والإلجاء ولكنا بنينا الأمر على الاختيار دون ~~الاضطرار فاستحبوا العمى على الهدى (ولكن حق) أي وجب (القول) بالوعيد على ~~أهل العمى (مني) وهو (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) [13] أي من ~~كفارهما. ### || [سورة السجده (32): آية 14] # فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون (14) # (فذوقوا) أي قلنا لهم يوم القيامة ذوقوا العذاب (بما نسيتم) أي بسبب ~~نسيانكم وذهولكم بالشهوات عن تذكر العاقبة أو النسيان بمعنى الترك، أي بسبب ~~ترككم (لقاء يومكم هذا) يعني يوم القيامة والاستعداد له (إنا نسيناكم) أي ~~جازيناكم جزاء نسيانكم وتركناكم في النار كما تركتم العمل بطاعتنا لهذا ~~اليوم (وذوقوا عذاب الخلد) ms1352 أي الدائم في جهنم (بما كنتم تعملون) [14] من ~~الكفر والمعاصي الموبقة. ### || [سورة السجده (32): آية 15] # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) # ثم قال تعالى مخبرا عن حال المخلصين من عباده (إنما يؤمن بآياتنا الذين ~~إذا ذكروا) أي وعظوا (بها) أي بتلك الآيات (خروا سجدا) في الصلوة أو سجدوا ~~تواضعا لله وخشوعا وشكرا على ما رزقهم من الإسلام (وسبحوا بحمد ربهم) أي ~~نزهوا الله من نسبة القبائح إليه واثنوا عليه حامدين أو صلوا بأمره (وهم لا ~~يستكبرون) [15] عن الإيمان والطاعة. ### || [سورة السجده (32): آية 16] # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) # قوله (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) نزل في المتهجدين «2»، أي تبعد وترتفع ~~جنوبهم عن الفرش والوساد لترك النوم (يدعون) أي داعين (ربهم) يعني عابدين ~~له (خوفا وطمعا) أي لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته أو خوفا من القطيعة ~~وطمعا في الوصل (ومما رزقناهم ينفقون) [16] أي يتصدقون طوعا. ### || [سورة السجده (32): آية 17] # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم) «ما» استفهام، مبتدأ و«أخفي لهم» مجهولا ~~خبره، والضمير في «أخفي» راجع إلى «ما»، والجملة في محل النصب ب «تعلم» سد ~~مسد المفعولين، وقرئ «ما أخفي» بسكون اللام «3» على البناء للفاعل مستقبلا ~~وهو الله تعالى، و«ما» بمعنى الذي عامله «تعلم» أو بمعنى أي شيء، عامله ~~«أخفي» (من قرة أعين) «4» هي ما تقر به أعينهم وتسكن إليه أنفسهم في محل ~~النصب حال من فاعل «أخفي»، والمعنى: لا تعلم نفس ما من ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل أي نوع من الثواب ادخر الله لأولئك واخفاه «5» من جميع خلائقه ثم PageV03P286 # لا يعلمه إلا هو (جزاء بما كانوا يعملون) [17] من الخير هنا، قال صلى ~~الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: «اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» «1». ### || [سورة السجده (32): آية 18] # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ms1353 لا يستوون (18) # قوله «2» (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) الإفراد فيه محمول «3» على لفظ ~~«من»، وقوله (لا يستوون) [18] جمع، محمول على معناها، أي لا يستوون عند ~~الله، وفيما أعد لهم يوم القيامة. ### || [سورة السجده (32): آية 19] # أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) # ثم بين التفاوت «4» بينهما فقال (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم) ~~استحقاقا وتكرما من الله تعالى (جنات المأوى) سميت به لأن أرواح الشهداء ~~تأوي إليها، نزل في علي رضي الله عنه والوليد بن عقبة لما قال لعلي: اسكت ~~فانك صبي حين وقع بينهما كلام في بدر، وقال: أنا أجلد منك جلدا وأحد منك ~~سنانا وأشجع منك جنانا وأدرب منك لسانا، فقال علي: اسكت فانك فاسق «5»، ~~فعمهما ومن في مثل حالهما قوله (نزلا) مصدر، والمراد ما يعد للضيف عند ~~نزوله ثم صار عاما للعطاء (بما كانوا يعملون) [19] أي بسبب أعمالهم ~~الصالحة. ### || [سورة السجده (32): الآيات 20 الى 21] # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) # (وأما الذين فسقوا) أي أشركوا بالله (فمأواهم النار) مكان جنة المأوى ~~للمؤمنين (كلما أرادوا أن يخرجوا منها) أي من النار (أعيدوا فيها) أي ~~تضربهم الزبانية بمقامع من نار فتهوي بهم إلى قعرها (وقيل) أي يقولون (لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به) أي بعذابها (تكذبون [20] ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى) أي الأقرب وهو عذاب الدنيا من القتل والأسر والجدب سبع سنين ~~والأمراض (دون) أي قبل (العذاب الأكبر) وهو عذاب النار أو الأدنى عذاب ~~القبر والأكبر النار، والمعنى: إنا نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى ~~عذاب الآخرة (لعلهم يرجعون) [21] أي يتوبون على الكفر باختيارهم إذا أراد ~~الله ذلك أو من بقي منهم. ### || [سورة السجده (32): آية 22] # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) # (ومن أظلم ممن ذكر) أي وعظ (بآيات ربه ثم أعرض عنها) ms1354 أي عن الآيات، وجيء ~~ب «ثم» للإيذان أن الإعراض عن الآيات بعد وضوحها وإرشادها إلى السبيل ~~مستبعد في العقل (إنا من المجرمين) كلهم (منتقمون) [22] أي منتصرون ولم يقل ~~إنا منه، لأنه لما جعله أظلم الظلمة ثم توعد للمجرمين عامة بالانتقام فقد ~~دل على أن نصيب الأظلم من الانتقام هو النصيب الأوفر منه فلو قال منه لم ~~يفد هذه الفائدة. ### || [سورة السجده (32): آية 23] # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل (23) # (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التورية (فلا تكن) يا محمد (في مرية) أي في ~~شك (من لقائه) أي من لقاء «6» الكتاب، المعنى: آتينا موسى الكتاب «7» ~~ولقيناه فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله من الوحي لا من غيره أو لا تشك يا ~~محمد من لقاء موسى التورية فانا ألقينا عليه التورية ولقناه تلك كلها ~~(وجعلناه) أي جعلنا «8» الكتاب المنزل على موسى (هدى) لقومه، أي جعل (لبني ~~إسرائيل) [23] خاصة دون بني إسمعيل، لأنهم كانوا على دين إبراهيم دون موسى. PageV03P287 ### || [سورة السجده (32): آية 24] # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) # (وجعلنا منهم أئمة) أي قادة (يهدون) أي يدعون الناس إلى ما في التورية من ~~دين الله وشرائعه (بأمرنا لما صبروا) بالتشديد، أي جعلوا أئمة حين صبروا ~~على نصرة الدين وثبتوا على ذلك فلم يرجعوا عنه، وقرئ «لما صبروا» بالتخفيف ~~وكسر اللام «1»، أي جعلوا «2» أئمة لصبرهم على ذلك (وكانوا بآياتنا يوقنون) ~~[24] أي يصدقون بما أعطي موسى من المعجزات. ### || [سورة السجده (32): آية 25] # إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) # (إن ربك هو يفصل بينهم) أي يقضي بين الأنبياء وأممهم أو بين المؤمنين ~~والمشركين فيميز المحق في دينه من المبطل (يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون) [25] من الدين هنا. ### || [سورة السجده (32): آية 26] # أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك ~~لآيات أفلا يسمعون (26) # ثم هددهم بقوله (أولم يهد لهم) عطف على مقدر، أي ألم ms1355 يبعث الله إلى أهل ~~مكة محمدا ولم يهد، أي ولم يعرفهم (كم أهلكنا من قبلهم) كعاد وثمود وغيرهما ~~(من القرون) فالفاعل «الله» والمفعول «كم أهلكنا»، ويجوز أن يكون الفاعل ما ~~دل عليه «كم أهلكنا»، أي أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون (يمشون) أي أهل ~~مكة (في مساكنهم) أي يمرون في متاجرهم على ديارهم بعد هلاكهم (إن في ذلك ~~لآيات) أي لعبرات (أفلا يسمعون) [26] المواعظ فيتعظون. ### || [سورة السجده (32): آية 27] # أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) # (أولم يروا أنا نسوق الماء) بالسحاب أو بالأنهار (إلى الأرض الجرز) أي ~~التي قطع نباتها لعدم المطر أو لغيره فيستدلوا على قدرتنا فيؤمنوا (فنخرج ~~به) أي بالماء (زرعا تأكل منه أنعامهم) كالتبن والأوراق (وأنفسهم) كالحبوب ~~والفواكه (أفلا يبصرون) [27] ذلك فيؤمنون. ### || [سورة السجده (32): الآيات 28 الى 29] # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) # (ويقولون متى هذا الفتح) أي الحكم علينا بالنار أو الفصل بين المؤمنين ~~وأعدائهم أو فتح مكة، نزل حين قال الكفار للمؤمنين: متى قيام الساعة؟ فيقضي ~~بيننا وبينكم «3» (إن كنتم صادقين) [28] في الوعد وهو سؤال استعجال منهم ~~على وجه الاستهزاء والتكذيب، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم ~~بقوله (قل) لهم لا تستعجلوا ولا تستهزؤا فان (يوم الفتح لا ينفع الذين ~~كفروا إيمانهم) وهو يوم القيامة أو فتح مكة أو يوم بدر، والمراد المقتولون ~~منهم (ولا هم ينظرون) [29] أي يمهلون بل يعذبون بالقتل فلا ينفعهم إيمانهم ~~في حال القتل كما لم ينفع إيمان فرعون له يوم الغرق. ### || [سورة السجده (32): آية 30] # فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # (فأعرض عنهم وانتظر) النصرة عليهم لصدق وعدي (إنهم منتظرون) [30] هلاكك ~~وإنك أحق أن تنتظر هلاكهم، والملائكة في السماء ينتظرونه لأنهم هالكون لا محالة. PageV03P288 ### | سورة الأحزاب # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأحزاب (33): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ms1356 والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) # قوله (يا أيها النبي اتق الله) أي واظب على ما أنت عليه من التقوى، نزل ~~حين قدم أبو سفيان ومن تابعه من أهل الشرك على النبي عليه السلام فقالوا له ~~وكانت بينه وبينهم موادعة ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع ونحن ندعك ~~وربك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهموا بقتل ~~أولئك «1»، فمنعهم الله تعالى بقوله «يا أيها النبي اتق الله» وأراد ~~بالخطاب النبي عليه السلام وأصحابه، أي اتقوه في نقض العهد ونبذ المواعدة ~~(ولا تطع الكافرين) من أهل مكة (والمنافقين) من أهل المدينة فيما طلبوا ~~إليك، وإنما لم يقل يا محمد بصريح اسمه تشريفا له، وأما قوله «محمد رسول ~~الله» «2» ونحوه فلتعليم الناس بأنه رسول الله وتنبيههم على اتباعه، ~~المعنى: # لا تطع الكافرين والمنافقين رأيا ومشورة واحترس منهم، فانهم أعداء الله ~~وأعداء المؤمنين لا يريدون إلا المضارة (إن الله كان عليما) بالصواب من ~~الخطأ (حكيما) [1] لا يفعل شيئا ولا يأمر به إلا بالحكمة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 2] # واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) # (واتبع ما يوحى إليك من ربك) وهو القرآن واعمل به لا برأي الكافرين ~~والمنافقين (إن الله كان بما تعملون خبيرا) [2] بالياء، أي بما يعمل الكفار ~~من كيدهم لكم، وبالتاء «3»، أي بما يصلح به أعمالكم فلا حاجة بكم إلى ~~الاستماع من الكفار. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 3] # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) # (وتوكل على الله) أي اسند أمرك إليه (وكفى بالله وكيلا) [3] أي كفى هو لك ~~حافظا ومدبرا كل أمر لك. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 4] # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو ~~يهدي السبيل (4) # قوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) نزل حين قال الكفار أن لمحمد ~~قلبين، قلب معنا وقلب مع أصحابه «4»، و: قيل نزل في معمر بن أسد الفهري، ms1357 ~~وكان لبيبا حافظا بين العرب للوقائع والأخبار التي يسمعها، وقال: أن لي ~~قلبين، أفهم بأحدهما أكثر ما يفهم محمد، فانهزم مع المشركين يوم بدر وإحدى ~~نعليه بيده والأخرى في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت به «5»، وفائدة ~~ذكر «في جوفه» كالفائدة في «تعمى PageV03P289 # القلوب التي في الصدور» «1»، وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور ليكون ~~أسرع إلى الإنكار لجوف مشتمل على قلبين (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن أمهاتكم) ومعنى ظاهر من امرأته قال لها أنت علي كظهر أمي، أي علي حرام ~~كبطن أمي، يعني كفرجها عبر به لقربه من الفرج وكني بالبطن عن الظهر، لأنه ~~قوام البنية وعمودها، والمعنى: ما جعل الله نساءهم اللاتي تقولون لهن «2» ~~هذا القول أمهاتكم لكنه قول منكر تجب «3» به عليكم كفارة ذكرت في سورة ~~المجادلة مع سبب نزولها «4»، ووجه تعدية «تظاهرون» ب «من» تضمنه معنى ~~البعد، لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية وكانوا يتجنبون المرأة المظاهر ~~منها كما يتجنبون المطلقة، وقرئ «تظهرون» بتشديدين و«تظاهرون» بتشديد واحد ~~مع الأف «5»، قوله (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) نزل في شأن زيد بن حارثة حين ~~تبناه النبي عليه السلام «6»، فعم، وال «أدعياء» جمع دعي، فعيل، بمعنى ~~مفعول وهو الذي يدعى ولد أو جمعه على أفعلاء شاذ، لأن القياس أن يجمع عليه ~~ما كان من فعيل بمعنى فاعل كتقي وأتقياء دون رمي ونحوه، أي لم يجعل الله ~~الدعي ابنا حقيقة في الحكم والحرمة والنسب كما لم يجعل لرجل من قلبين في ~~جوفه، فنسخ التبني بهذه الآية «7»، لأنه كان في الجاهلية أن الرجل إذا ~~أعجبه عقل ولد وكياسته وظرافته ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من ~~أولاده من ميراثه فكان ينسب إليه (ذلكم) أي النسب (قولكم بأفواهكم) هذا ~~ابني لا حقيقة له (والله يقول الحق) أي لا يقول إلا ما هو الحق ظاهرا ~~وباطنا (وهو يهدي السبيل) [4] أي الله لا يهدي إلا سبيل الحق وكان زيد يدعى ~~بابن محمد فقال الله ما هو الحق وهدى إلى «8» سبيل ms1358 الحق. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 5] # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) # (ادعوهم) أي انسبوهم (لآبائهم هو) أي دعاؤهم بآبائهم (أقسط) أي أعدل (عند ~~الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم) أي فهم إخوانكم، يعني ادعوهم إخوانا ~~(في الدين ومواليكم) أي أولياؤكم، يعني إذا جهل نسبه قل يا أخي يا مولاي ~~تريد الأخوة والموالاة في الدين (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) من ~~التسمية قبل النهي أو النسبة إلى غير أبيه (ولكن ما تعمدت قلوبكم) فيه ~~الجناح، أي لا إثم عليكم إذا قلتم يا بني لولد غيركم على سبيل الخطأ ولكن ~~الإثم «9» إذا قلتموه متعمدين، قيل: إن كان معروف النسب لا يثبت نسبه به ~~وإن كان عبدا له عتق وإن كان مجهول النسب وأصغر منه سنا ثبت نسبه منه وكذا ~~إن كان عبدا له ثبت نسبه «10» مع العتق، وإن كان «11» أكبر سنا يعتق عند ~~أبي حنيفة رحمه الله ولم يثبت النسب وعند غيره لا يعتق ولا يثبت النسب «12» ~~(وكان الله غفورا رحيما) [5] لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 6] # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) # (النبي أولى بالمؤمنين) في كل شيء من أمور الدين والدنيا، أي أرحم بهم ~~(من أنفسهم) فيحكم فيهم بما PageV03P290 # يشاء «1» وينفذ حكمه عليهم من حكم أنفسهم، لأنه أشفق عليهم وأحب إليهم من ~~أنفسهم، فاذا رأى لهم رأيا، فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم فيجب أن يجعلوها ~~فداءه إذا أعضل خطب ويتبعوا إلى ما دعاهم إليه ولا يتبعوا إلى ما تدعوهم ~~«2» إليه أنفسهم، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في ~~الدنيا والآخرة» «3»، أي في الشفقة والمرحمة من أنفسهم ومن آبائهم «4»، ~~وقيل: من لم ير نفسه ms1359 في ملك الرسول لم يذق حلاوة سنته «5» (وأزواجه ~~أمهاتهم) أي أزواج النبي عليه السلام مثل أمهاتهم في تحريم نكاحهن وحرمتهن ~~دون النظر والخلوة والميراث، فانهن في ذلك كالأجنبيات، ولذلك لم يتعد هذا ~~التحريم إلى بناتهن فلا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن ~~إخوان المؤمنين ولا خالاتهن، وأيضا هن أمهات الرجال لا أمهات النساء لقول ~~عائشة رضي الله عنها «لست بأم نسائكم وإنما أنا أم الرجال» «6»، قوله ~~(وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) نزل حين كان النبي عليه السلام يؤاخى بين ~~الرجلين، فاذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله «7»، وطال ذلك ~~ما شاء الله، ثم نسخ بذلك «8»، أي ذووا القرابات أحق بالميراث (في كتاب ~~الله) أي في اللوح أو فيما أوحى الله إلى النبي عليه السلام وهو هذه الآية، ~~وقوله (من المؤمنين والمهاجرين) جاز أن يكون بيانا ل «أولي الأرحام»، أي ~~الأقرباء من هؤلاء بعضهم «9» أولى «10» بأن يرث بعضا من الأجانب وجاز أن ~~يتعلق ب «أولى»، ويكون «من» لابتداء الغاية، أي وأولو الأرحام بحق القرابة ~~«11» أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين ومن المهاجرين بحق ~~الهجرة، قوله (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم) أي إلا أن توصلوا إلى الذين ~~يوالونكم ويؤاخونكم من المؤمنين والمهاجرين للولاية في الدين (معروفا) ~~استثناء منقطع لإباحة الوصية للأجانب، أي الأقارب أحق بالميراث من الأجانب، ~~لكن فعل الوصية أولى للأجانب من الأقارب لأنه لا وصية لوارث، والمراد من ~~المعروف الوصية بثلث المال لا بما زاد عليه (كان ذلك) أي المذكور في ~~الآيتين جميعا (في الكتاب) أي في اللوح (مسطورا) [6] ويجوز أن يكون المشار ~~إليه نسخ الميراث بالهجرة والمؤاخاة «12». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 7] # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن ~~مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) # (وإذ أخذنا) أي اذكر حين أخذنا (من النبيين) عند إخراجهم من ظهر آدم ~~كأمثال الذر (ميثاقهم) أي عهدهم بأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته ~~ويصدق بعضهم بعضا، ثم خص محمدا عليه السلام بالذكر مع جماعة من ms1360 الأنبياء، ~~وقدمه تشريفا له ولبيان أنه أفضل الأنبياء، لأنهم أهل الشرائع عليهم السلام ~~فقال (ومنك ومن نوح) أي وأخذنا منك ومن نوح (وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [7] أي جليل الشأن وعظيمه في بابه وهو العهد ~~القديم الذي بعث عليه نوح ومن بعده وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء، وقيل: هو ~~اليمين بالله على الوفاء بما حملوا «13»، وإنما قدم نبينا على نوح ومن بعده ~~عليهم السلام لبيان أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 8] # ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) # قوله (ليسئل الصادقين عن صدقهم) تعليل لأخذ ميثاقهم، أي أخذ الله ميثاقهم ~~«14» عند الخطاب السابق PageV03P291 # بقوله «أ لست بربكم قالوا بلى» «1» ليسأل الأنبياء عليهم السلام «2» عن ~~تبليغ الرسالة وصدقهم فيها إثباتا للحجة على الكفار، قوله (وأعد للكافرين) ~~عطف على «أخذنا» بطريق الالتفات من «اعتدنا» أو على من دل عليه ليسأل ~~الصادقين، أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين (عذابا أليما) [8] أي مؤلما. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 9] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # ثم أخبر عمن نقض العهد فأهلك به عبرة للمؤمنين ومنة عليهم بقوله (يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم) في الدفع عنكم يوم الأحزاب وهو يوم ~~الخندق (إذ جاءتكم جنود) هم أحزاب من قريش ومن تبعهم من غيرهم كبني قريظة ~~وبني النضير اللذين عاهدوا النبي عليه السلام على أن لا يكونوا عليه ولا ~~معه، فنقضوا عهودهم فجاؤا إلى المدينة لقتال النبي عليه السلام مع قريش ~~وغيرهم، وهم كانوا عشرة آلاف، نزلوا قريبا من الغابة والنبي عليه السلام في ~~ثلاثة آلاف، فخندق النبي عليه السلام حول المدينة خندقا برأي سلمان يحول ~~بين المسلمين والكافرين فأحصر المؤمنون بضع عشرة ليالي، وقيل: عشرين «3» ~~(فأرسلنا عليهم ريحا) ليلا وهي ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» «4» (وجنودا) أي ~~وأرسلنا جنودا وهم ألف ملك (لم ms1361 تروها) فكبرت الملائكة في جانب عسكرهم وقلعت ~~أوتاد خيامهم، وقذف الله في قلوبهم الرعب وماجت الخيل بعضها في بعض، فقال ~~طلحة بن خويلد: أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا، أي السرعة السرعة ~~«5» من سحر محمد فارتحلوا ليلا منهزمين من غير قتال «6» (وكان الله بما ~~تعملون بصيرا) [9] أي عالما بأعمالكم يوم الخندق حين خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين ~~القوم، وأمر بالذراري والنساء في الحصون، واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن، ~~وظهر النفاق من المنافقين بقولهم كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا ~~نقدر أن نذهب إلى الغائط. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 10] # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) # قوله (إذ جاؤكم) بدل من «إذ جاءتكم» أو عامله مقدر، أي اذكر إذ جاء بنو ~~غطفان (من فوقكم) أي من أعلى الوادي من قبل المشرق (و) جاء (من أسفل منكم) ~~أي من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا، وقالوا سنكون جملة واحدة حتى ~~نستأصل محمدا (وإذ زاغت الأبصار) أي مالت وتحيرت خوفا لكثرة العدد والعدد ~~(وبلغت القلوب الحناجر) جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب، ~~وهو تمثيل لشدة الخوف (وتظنون بالله الظنونا) [10] بالألف وصلا ووقفا على ~~إشباع الفتحة، وبحذف الألف على ترك الإشباع وهو القياس، وبحذفها وصلا على ~~الأصل وإثباتها وقفا إشباعا «7»، والمعنى: أنكم أيها المؤمنون ظننتم ظنونا ~~مختلفة، إذ المؤمنون باللسان أي المنافقون ظنوا أن المسلمين يستأصلون وظن ~~المخلصون أنهم يبتلون وينصرون. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 11] # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) # (هنالك) أي ثمه (ابتلي المؤمنون) الذين هم ثبتوا «8» القلوب والأقدام في ~~الإيمان (وزلزلوا) أي حركوا PageV03P292 # وأزعجوا بالخوف (زلزالا شديدا) [11] أي أشد الإزعاج. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 12] # وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) # (وإذ يقول المنافقون) أي الذين «1» لم يوجد منهم الإيمان إلا باللسان ~~(والذين في قلوبهم مرض) أي الذين في قلوبهم ms1362 ضعف الإيمان (ما وعدنا الله ~~ورسوله إلا غرورا) [12] أي وعدا غرورا، وقائله معتب حين رأى الأحزاب قال ~~يعدنا محمد فتح فارس والروم ولا نقدر على الخروج إلى البراز خوفا، ما هذا ~~الوعد إلا غرورا لنا. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 13] # وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم ~~النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) # (وإذ قالت طائفة منهم) أي من المنافقين (يا أهل يثرب) اسم المدينة لا ~~ينصرف للتعريف وزنة الفعل (لا مقام لكم) بالضم وبالفتح «2»، أي لا قرار لكم ~~ههنا ولا مكان تقيمون فيه (فارجعوا) إلى المدينة أمروهم بالهرب من عسكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ارجعوا إلى الكفر واتركوا محمدا وإلا ~~فليست يثرب لكم بمكان القرار (ويستأذن فريق منهم النبي) هم بنو سلمة وبنو ~~حارثة (يقولون إن بيوتنا عورة) أي ذات عورة، يعني ذات خلل يخاف منه العدو ~~والسارق، أي غير محرزة ولا محصنة فاستأذنوه ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فقال ~~تعالى (وما هي بعورة) الواو للحال (إن يريدون إلا فرارا) [13] من القتال ~~فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون، وإنما يريدون الفرار. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 14] # ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا (14) # (ولو دخلت عليهم من أقطارها) أي لو دخلت المدينة أو بيوتهم، يعني لو دخل ~~الأحزاب على المنافقين من نواحيها (ثم سئلوا الفتنة) أي ثم سألوهم الشرك ~~والردة ومقاتلة المسلمين (لآتوها) بالمد وبالقصر «3»، أي لجاؤها وفعلوها ~~(وما تلبثوا بها) أي ما توقفوا بالمدينة عن إجابة الكفار (إلا) بشارا ~~(يسيرا) [14] وهو مقدار السؤال والجواب فقط أو المعنى: أنهم ما لبثوا ~~بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا، أي قليلا حتي يعذبوا لفرارهم عن نصرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «4». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 15] # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا (15) # (ولقد كانوا عاهدوا الله) أي لقد كان بنو حارثة هموا أن يفشلوا مع بني ~~سلمة ببدر، فلما ms1363 نزل فيهم ما نزل قالوا للنبي عليه السلام اشترط لربك ~~ولنفسك ما شئت، فقال اشترط لربي أن لا تشركوا به شيئا وتعبدوه ولنفسي أن ~~تمنعوا مني ما منعتموه من أنفسكم وأولادكم، فقالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ ~~قال لكم النصرة في الدنيا والجنة في الآخرة، فقالوا قد فعلنا ذلك وهو معنى ~~قوله «عاهدوا الله» (من قبل) أي قبل حفر الخندق أو حلفوه ليقاتلن و(لا ~~يولون الأدبار) منهزمين أو هم غابوا عن وقعة بدر، فلما رأوا ما أعظى الله ~~البدريين من الكرامة قالوا لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن (وكان عهد الله ~~مسؤلا) [15] أي يسأل يوم القيامة من نقضه أو هو يطلب ويقتضى حتى يوفى به. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 16] # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) # (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون) أي لا ~~تؤجلون «5» (إلا قليلا) [16] أي يسيرا لكون الدنيا قليلة لا محالة، المعنى: ~~لا يغنيكم الفرار مما لا بد لكم من نزوله بكم بقضاء الله من حتف أنف أو قتل ~~وإن نفعكم مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع «6» إلا زمانا قليلا. PageV03P293 ### || [سورة الأحزاب (33): آية 17] # قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا ~~يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) # (قل من ذا الذي يعصمكم) أي يمنعكم (من) قضاء (الله إن أراد بكم سوءا) ~~كالقتل «1» وغيره (أو) من يصيبكم بسوء إن (أراد) الله (بكم رحمة) أي خيرا ~~كالعافية والنصرة، وهذا من اختصار الكلام نحو قوله يتقلد سيفا أو رمحا ~~بمعنى حاملا رمحا (ولا يجدون لهم من دون الله وليا) أي قريبا (ولا نصيرا) ~~[17] أي مانعا. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 18] # قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا (18) # قوله (قد يعلم الله المعوقين) أي المانعين من القتال «2» (منكم والقائلين ~~لإخوانهم) أي لأوليائهم (هلم إلينا) وهو كلمة يشترك فيها الواحد وغيره، نزل ~~فيمن ms1364 كان يصد الناس ويثبطهم عن القتال مع النبي عليه السلام وهم المنافقون ~~كانوا يقولون لإخوانهم: هلموا إلينا وخلوا محمدا وأصحابه وهم قليلون، أي ~~قربوا أنفسكم إلينا فكلوا واشربوا ودعوا القتال معهم وكانوا يحضرون القتال، ~~فاذا غفل النبي عليه السلام عنهم دخلوا بيوتهم «3»، فلذلك قال (ولا يأتون ~~البأس) أي الحرب (إلا) اتيانا (قليلا) [18] وهو خروجهم مع المؤمنين، ثم لا ~~يرونهم في القتال أو يقولون إن لنا شغلا فيرجعون إلى المدينة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 19] # أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى ~~عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم ~~يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) # قوله (أشحة عليكم) حال من فاعل «يأتون»، أي لا يأتون الحرب إلا بخلاء ~~بالظفر للمسلمين وبما يصل إليهم من الغيبة (فإذا جاء الخوف) أي خوف العدو ~~(رأيتهم ينظرون إليك) في تلك الحالة (تدور أعينهم) في رؤوسهم خوفا (كالذي ~~يغشى عليه من الموت) أي دورانا كدوران أعين المغشى عليه من سكرات الموت ~~جبنا وحذرا ولواذا بك، فان من قرب من الموت ذهب عقله وشخص بصره فلا يطرف ~~(فإذا ذهب الخوف سلقوكم) أي آذوكم بالغيبة والفحش (بألسنة حداد) أي سليطة، ~~وقيل: «بسطوا ألسنتهم فيكم عند قسمة الغنيمة واجترؤا عليكم وضربوكم ~~بألسنتهم وقالوا: وفروا قسمتنا فانا قد شاهدنا القتال معكم وبنا نصرتم على ~~أعدائكم» «4»، قوله (أشحة) أي أضناء بكم حال من فاعل «سلقوكم»، أي مشاحين ~~المؤمنين عند القسمة حرصا (على الخير) وهو المال والغنيمة ونسوا تلك الحالة ~~الأولى (أولئك لم يؤمنوا) حقا (فأحبط الله أعمالهم) أي أبطل جهادهم ~~لنفاقهم، وفيه إيذان أن كل عمل يوجد من المنافق باطل لا ثواب له وإيمانه ~~كلا إيمان، فلا يظن أن الإيمان باللسان يجدي عليه على أن الأعمال بلا تصحيح ~~المعرفة كالبناء على الماء، فهو هباء منثورا عند الله وبعث للمؤمن أن يحكم ~~أساس عمله وهو الإيمان الصحيح (وكان ذلك) أي الإحباط (على الله يسيرا) [19] ~~يعني أن أعمالهم حقيقة وخليقة ms1365 بالإحباط لا يصرف عنه صارف. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 20] # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) # (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) أي يحسب المنافقون لجبنهم المفرط لم ينهزموا ~~فانصرفوا إلى المدينة عن الخندق لذلك (وإن يأت الأحزاب) كرة ثانية إلى ~~المدنية (يودوا) أي يتمنوا (لو أنهم بادون في الأعراب) أي خارجون عن ~~المدينة إلى البدو وحاصلون بين الأعراب لئلا يقاتلوا (يسئلون عن أنبائكم) ~~أي عن أخباركم وعما جرى عليكم (ولو كانوا فيكم) أي في الخندق ولم يرجعوا ~~إلى المدينة وكان قتال (ما قاتلوا إلا قليلا) [20] أي PageV03P294 # رياء وسمعة ورميا بالحجارة والنبال ليقيموا عذرهم. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 21] # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا (21) # ثم قال تعالى (لقد كان لكم) أيها المنافقون (في رسول الله) أي في نفسه ~~(أسوة حسنة) بضم الألف وكسرها «1»، أي قدوة من حقها أن يؤتسى بها ويقتدى ~~وهي المواساة لأنه واساكم في القتال بنفسه حتى كسرت رباعيته وجرح وجهه فلم ~~لا تقتدون به وبفعله ولا تصبرون معه، قوله (لمن كان يرجوا الله) بدل من ~~«لكم»، أي يرجو فضل الله أو يخاف حسابه (و) يرجو (اليوم الآخر) الذي هو يوم ~~الله ورحمته (وذكر الله) ذكرا (كثيرا) [21] في جميع أوقاته وأحواله باللسان ~~والقلب. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 22] # ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) # (ولما رأ المؤمنون الأحزاب) واجتماعهم عليهم، ثم رأوا تزلزلهم واضطرابهم ~~وخوفهم الشديد ورحيلهم منهزمين (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) في سورة ~~البقرة (وصدق الله ورسوله) من النصر ودخول الجنة لقوله تعالى «أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة» إلى قوله «ألا إن نصر الله قريب» «2»، فأيقنوا بالجنة والنصر ~~(وما زادهم) الخوف عن مجيء الأحزاب (إلا إيمانا) بالله وبمواعيده (وتسليما) ~~[22] لقضائه وقدرته. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 23] # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ms1366 فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ~~ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) # قوله (من المؤمنين رجال صدقوا) الآية نزل في رجال من الصحابة نذروا ~~وعاهدوا الله ليقاتلن ولينصرن دينه إذا لقوا حزبا وهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتي يستشهدوا، وهم عثمان وطلحة وسعيد وأنس وحمزة ومصعب «3»، ~~فوفوا (ما عاهدوا الله) أي فيما عاهدوا (عليه) يقال صدقك فلان إذا وفى بما ~~عاهد عليك وكذبك فلان إذا نكث عهده (فمنهم من قضى نحبه) أي مات كحمزة ومصعب ~~وأنس (ومنهم من ينتظر) الموت كعثمان وطلحة، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة» «4»، ~~والنحب النذر في الأصل ثم استعملوا للموت، لأن كل حي لا بد له منه فكأنه ~~نذر لازم في رقبته فاذا مات فكأنه وفى نذره، وقيل: قضى نحبه يحتمل موته ~~شهيدا ويحتمل وفاءه بنذره الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» (وما ~~بدلوا) أي ما أظهروا تغييرا لعهدهم لا المستشهد ولا المنتظر للشهادة، وفيه ~~تعريض لمن بدلوا من أهل النفاق والشك (تبديلا) [23] أي تغييرا ما. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 24] # ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن ~~الله كان غفورا رحيما (24) # (ليجزي الله الصادقين) لام كي يتعلق بقوله «وما بدلوا» (بصدقهم) أي بجزاء ~~وفائهم بالعهد (ويعذب المنافقين) أي ليعذبهم (إن شاء) إذا لم يتوبوا (أو ~~يتوب عليهم) إذا تابوا فيهديهم إلى الإيمان (إن الله كان غفورا رحيما) [24] ~~لمن تاب عن الكفر والنفاق وأطاعه ورسوله. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 25 الى 26] # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ~~وكان الله قويا عزيزا (25) وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ~~وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) PageV03P295 # (ورد الله الذين كفروا) أي الأحزاب يوم الخندق (بغيظهم) أي ملتبسين ~~بالغيظ (لم ينالوا) أي لم يصيبوا (خيرا) من الظفر والغنيمة، يعني رجعوا ~~خائبين غير ظافرين بمطلوبهم من المسلمين، وهما حالان بتداخل وتعاقب ms1367 أو ~~الثانية بيان للأول (وكفى الله المؤمنين القتال) بالريح الشديدة والملائكة ~~(وكان الله قويا) بقهر أعدائه (عزيزا) [25] بنصر أوليائه وبعد زهاب الأحزاب ~~إلى بلادهم، رجع النبي عليه السلام إلى المدينة بالمسلمين وشرع يغسل رأسه ~~فجاءه جبرائيل عليه السلام صبيحة الليل التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه ~~الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، وقال يا رسول الله إن الملائكة ~~لم تصنع السلاح منذ أربعين ليلة وأنتم وضعتم أسلحتكم أن الله يأمركم بالسير ~~إلى بني قريظة، وإني مزلزل حصونهم وإن الله جعلهم لكم طعمة فأذن في الناس ~~أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من ~~الناس العصر إلا بعد العشاء الأخيرة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذلك، وبعضهم صلوا العصر قبل ذلك مخافة خروج الوقت ورضي النبي عليه السلام ~~بما فعل الفريقان، واللواء يومئذ في يد علي رضي الله عنه، فجاء به وغرزه ~~عند حصي بني قريظة فحاصرهم النبي عليه السلام خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم ~~الحصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا إخوة القردة والخنازير ~~أنزلوا على حكم الله وحكم رسوله»، فأبوا فقال على حكم سعد بن معاذ فرضوا ~~به، فقال سعد لهم: «أنزلوا من حصنكم»، فلما نزلوا قال حكمت فيهم أن يقتل ~~مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم فكبر النبي عليه السلام وقال: «لقد ~~حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»، ثم استنزلهم خندق وضربت أعناقهم فيه ~~وكانوا سبعمائة فنزل فيهم قوله تعالى «1» (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب) أي عاونوا الأحزاب (من صياصيهم) أي من حصونهم، والصيصية كل ما ~~يتحصن به الحيوان من المخلب للديك والقرن للثور أو جبل أو مفازة (وقذف في ~~قلوبهم الرعب) أي رمي في قلوب بني قريظة الخوف (فريقا تقتلون) منهم وهم ~~الرجال وكانوا أربعمائة وخمسين (وتأسرون فريقا) [26] منهم وهم النساء ~~والذراري وكانوا ستمائة وخمسين. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 27] # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء ~~قديرا (27) # (وأورثكم ms1368 أرضهم وديارهم) أي جعل مزارعهم ومنازلهم للمهاجرين دون الأنصار ~~(و) قسم (أموالهم) من العروض والحيوانات (و) أورثكم سواها (أرضا لم تطؤها) ~~قيل: إنها خيبر «2» أو مكة «3»، وقيل: فارس والروم «4»، وقيل: كل أرض تفتح ~~إلى يوم القيامة «5» (وكان الله على كل شيء قديرا) [27] من قهر الأعداء ~~وفتح بلادهم وغير ذلك. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 28] # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) # قوله (يا أيها النبي قل لأزواجك) الآية نزل حين أوذي عليه السلام من ~~نسائه بميلهن إلى الدنيا وطلب زيادة النفقة ولبس الثياب «6»، وكانت تسعا ~~فصعد إلى غزوة له فمكث فيها ولم يخرج إلى أصحابه، أي قل لهن (إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين) أي جئن إلى ما أعرض عليكن (أمتعكن) بشيء من ~~الدنيا (وأسرحكن PageV03P296 # سراحا جميلا) [28] أي أطلقكن باحسان من غير قصد سوء بكن، يعني لا أراجعكن ~~حتى تبن بالعدة، قيل: # المتعة واحبة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد عند أبي ~~حنيفة، ولسائر المطلقات مستحبة وتجب لكل مطلقة إلا لمطلقة قبل الدخول، وقد ~~سمي لها مهرا فان الواجب لها نصف المهر عند الشافعي «1». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 29] # وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن ~~أجرا عظيما (29) # (وإن كنتن تردن الله ورسوله) أي رضاهما (والدار الآخرة) أي الجنة (فإن ~~الله أعد للمحسنات) أي للمطيعات أمرهما (منكن أجرا عظيما) [29] أي ثوابا ~~جزيلا في الجنة، فأخبر بذلك عائشة رضي الله عنها وكانت أحبهن وخيرها، وقرأ ~~القرآن عليها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة ففرح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك، ثم اختارت جميعهن كذلك فشكر لهن الله فأنزل «لا يحل لك ~~النساء من بعد» «2» الآية «3»، قيل: حكم التخيير في الطلاق أن الزوج إذا ~~قال لها اختاري فقالت أخترت نفسي وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة إذا كان ~~ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض وطلقة رجعية عند ~~الشافعي واعتبر اختيارها على الفور ms1369 «4». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 30] # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك ~~على الله يسيرا (30) # ثم قال تعالى تهديدا لهن (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) بفتح ~~الياء وكسرها «5»، أي بمعصية ظاهرة من نشوز أو غيره مما يضيق به ذرعه ويغتم ~~لأجله (يضاعف لها العذاب ضعفين) وقرئ «يضعف» بالياء مجهولا بالتشديد ~~وبالنون معلوما به، ونصب «العذاب» «6»، أي نحن نضعفه لها مثلي عذاب غيرها ~~وإنما ضوعف عذابهن، لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، لأنهن نساء ~~النبي عليه السلام، والذنب يعظم بعظم جانيه وعمله ولذلك ذم العالم العاصي ~~أشد من ذم الجاهل العاصي (وكان ذلك) أي عذابها (على الله يسيرا) [30] أي ~~هينا، وفيه إيذان بأن كونهن نساء النبي عليه السلام ليس بمغن عنهن شيئا بل ~~هو سبب مضاعفة العذاب. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 31] # ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها ~~رزقا كريما (31) # (ومن يقنت منكن لله ورسوله) أي من يطع لأمر الله «7» ورسوله (وتعمل صالحا ~~نؤتها) أي نعطها (أجرها مرتين) أي مثلي أجر غيرها لطلبها «8» رضاه بحسن ~~الخلق وطلب المعاشرة والقناعة والتقوى، قال مقاتل رضي الله عنه: «نعطها ~~بالحسنة عشرين» «9» (وأعتدنا لها رزقا كريما) [31] أي حسنا هو الجنة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 32] # يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) # (يا نساء النبي لستن كأحد) وهو يعم الذكر والأنثى والواحد والجماعة بخلاف ~~الواحد فانه للمفرد المذكر، أي ليس قدركن عندي كقدر غيركن في الفضل ~~والسابقة (من النساء إن اتقيتن) أي إن تردن أن تكن متقيات من المعاصي ~~ومطيعات لله ورسوله (فلا تخضعن بالقول) أي لا تقلن قولا لينا خنثا مثل كلام ~~النساء الموقعات PageV03P297 # في الريب (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي ريبة وفجور (وقلن قولا معروفا) ~~[32] أي عفيفا سليما من الريب واللين أو بعيدا من طمع الفاجر بجد وخشونة ~~بمقتضى الإسلام. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 33] # وقرن في بيوتكن ms1370 ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا (33) # (وقرن) بكسر القاف «1» من وقر يقر ثبت، وأصله أو قرن حذف الواو واستغني ~~عن الهمز أو من قر في المكان يقر، والقرار السكون، وأصله أقررن بالكسر فيمن ~~قرأ به أو أقررن بالفتح فيمن قرأ به، نقلت حركة الراء فيهما إلى القاف فحذف ~~الراء واستغني عن الهمز، والمعنى: اثبتن واسكن (في بيوتكن) بالوقار (ولا ~~تبرجن) أي لا تظهرن زينتكن شهوة للرجال (تبرج الجاهلية الأولى) أي كاظهار ~~الجاهلية القديمة وهي زمان ولادة إبراهيم عليه السلام، كانت المرأة تلبس ~~الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال والجاهلية الأخرى ~~ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقيل: «الأولى» جاهلية الكفر قبل ~~الإسلام، والأخرى جاهلية الفسق في الإسلام، فكان المعنى: لا تحدثن بالتبرج ~~جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر «2» (وأقمن الصلاة) أي ~~الصلوات الخمس (وآتين الزكاة) إن كان لكن مال (وأطعن الله ورسوله) فيما ~~يأمركن وينهاكن (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) أي كل ذنب يا (أهل ~~البيت) والمراد زوجات النبي عليه السلام وإنما قال «عنكم» دون عنكن لكونه ~~عليه السلام بينهن فغلب أو فاطمة وزوجها وابناها (ويطهركم تطهيرا) [33] من ~~التلوث بالأرجاس. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 34] # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) # (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله) أي احفظن ما يقرأ عليكن من ~~القرآن بالوحي فيها ولا تنسين في ذلك، فانها تدل على صدق النبوة باعجاز ~~نظمها (و) من (الحكمة) أي شرائع الدين وعلومها لإرشاد الخلق ودفع الضلالة ~~عنهم (إن الله كان لطيفا) يلطف بكم بانزاله عليكم (خبيرا) [34] حين علم ما ~~ينفعكم وما يصلحكم في دينكم. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 35] # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ms1371 (35) # قوله (إن المسلمين والمسلمات) الآية نزل حين قالت أم سلمة يا رسول الله ~~ذكر الله الرجال بخير فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة ~~«3»، فقال تعالى إن المسلمين من الرجال أو المسلمات من النساء المسلم ~~الداخل في السلم بعد الحرب المنقاد الذي لا يعاند (والمؤمنين) من الرجال ~~(والمؤمنات) من النساء والمؤمن المصدق بالله ورسوله وبما جاء به (والقانتين ~~والقانتات) والقانت القائم بالطاعة الدائم عليها (والصادقين والصادقات) ~~والصادق الذي يصدق في قوله وعلمه ونيته (والصابرين والصابرات) والصابر الذي ~~يصبر على الطاعة وعن المعصية (والخاشعين والخاشعات) والخاشع المتواضع لله ~~بقلبه وجوارحه (والمتصدقين والمتصدقات) والمتصدق الذي يزكي ماله ولا يخل ~~بالنوافل، قيل: من تصدق بدرهم في كل أسبوع فهو من المتصدقين «4» (والصائمين ~~والصائمات) والصائم الذي يصوم الفرض، وقيل: من صام البيض من كل شهر PageV03P298 # فهو من الصائمين «1» (والحافظين فروجهم والحافظات) والحافظ لفرجه الذي ~~يحفظه عما لا يحل له، وأراد ب «الحافظات» الحافظاتها (والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات) والذاكر كثيرا الذي لا يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو ~~بهما والاشتغال بالعلم النافع وتلاوة القرآن والدعاء من الذكر، قيل: من صلى ~~الصلوات الخمس فهو من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات «2» (أعد الله لهم) ~~خبر «إن» والعطف بالواو وبين الذكور والإناث كالعطف بين الضدين إذا اشتركا ~~في حكم واحد، وأما عطف الزوجين على الزوجين فمن عطف الصفة على الصفة بحرف ~~الجمع، وكان المعنى: أن الله أعد للجامعين والجامعات لهذه الطاعات العشرة ~~(مغفرة) لذنوبهم (وأجرا عظيما) [35] هو الجنة. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 36 الى 37] # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان ms1372 أمر ~~الله مفعولا (37) # قوله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) نزل حين خطب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زينب بنت جحش على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله «3»، ~~أي ما كان لمؤمن وهو عبد الله ولا مؤمنة وهي زينب (إذا قضى) أي حكم (الله ~~ورسوله أمرا) وهو خطبتها لزيد (أن يكون لهم الخيرة) وهي الاختيار، والأصل ~~أن يقال له الخيرة بتوحيد الضمير لكن المؤمن والمؤمنة لما وقعا «4» تحت ~~النفي عما «5» كل مؤمن و«6» مؤمنة فرجع الضمير إلى معنى الجمع فقال لهم ~~الخيرة، أي ليس لهم أن يختاروا (من أمرهم) شيئا بل الحق أن يريد، وأما أراد ~~الله ورسوله ويجعلوا اختيارهم تبعا لاختياره واختيار رسوله (ومن يعص الله ~~ورسوله) في حكمهما (فقد ضل ضلالا مبينا) [36] أي بينا فهو وعيد لهم فرضيت ~~زينب وأخوها فأنكحها إياه وساق عن قبل زيد إليها مهرها «7» ستين درهما ~~وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر وبقيت ~~بالنكاح «8» معه مدة، فجاء النبي عليه السلام يوما إلى بيت زيد فرآها ~~فأعجبته فقال سبحان الله مقلب القلوب وانصرف فجاء زيد وأخبرته بذلك فألقى ~~الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجاء النبي عليه السلام فقال أريد طلاق صاحبتي، فقال ما لك «9» أرابك شيء ~~منها، قال: لا والله ما رأيت إلا الخير ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني، ~~فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله، ثم طلقها زيد بعد فنزل «10» (وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه) بالإسلام الذي هو أجل النعم (وأنعمت عليه) بعتقه ~~ومحبته (أمسك عليك زوجك) يعني زينب (واتق الله) فلا تفارقها الطلاق، وقصد ~~عليه السلام بذلك «11» نهي تنزيه لا تحريم، لأن الأولى لا أن لا يطلق ~~(وتخفي في نفسك ما الله مبديه) أي الذي الله مظهره والواو للحال يعني تقول ~~لزيد أمسكها مخفيا في نفسك إرادة أن لا يمسكها لتعلق قلبه بها (وتخشى ~~الناس) أي وتخفي خاشيا مقالة الناس (والله) أي والحال أن الله ms1373 (أحق أن ~~تخشاه) لئلا يجتمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس، وهذا عتاب شديد ~~له عليه PageV03P299 # السلام في ستر ما أراد الله وهو في نفسه مباح لا عيب فيه عند الله لحكمة ~~يعلمها، قالت عائشة رضي الله عنها: «لو أن رسول الله كتم شيئا مما أنزل ~~عليه لكتم هذه الآية» «1»، فطلقها زيد، فلما انقضت عدتها قال عليه السلام ~~لزيد: أنت أوثق بي من غيرك اذهب إليها فاخطبها علي، قال زيد فانطلقت فاذا ~~هي تخمر عجينها فلم أستطع أن أنظر إليها لرسول الله فوليت ظهري، وقلت يا ~~زينب أبشري إن رسول الله يخطبك ففرحت، وقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ~~ربي فقامت إلى مسجدها فنزل قوله تعالى «2» (فلما قضى) أي أتم (زيد منها ~~وطرا) أي حاجة (زوجناكها) فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها ~~وما أو لم على امرأة من نسائه ما أو لم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز ~~واللحم حتى امتد النهار (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) أي ضيق من تزوج ~~زوجة الابن المتبنى لهم، واللام زائدة في «لكي»، لأن كي تكفي «3» للتعليل، ~~يعني فلعنا ذلك لدفع الحرج عنهم (في أزواج أدعيائهم) أي الذين تبنوهم (إذا ~~قضوا منهن وطرا) يعني ليعلم أن نكاح زوجة المتبنى حلال بخلاف زوجة الابن ~~الصلبي وكانت زينب تفتخر على أزواج النبي عليه السلام، وتقول أنتن زوجكن ~~آباؤكن وأما أنا فرب العرش زوجني من رسوله «4» (وكان أمر الله) الذي يريد ~~أن يكونه وهو تزوج النبي عليه السلام إياها (مفعولا) [37] أي مكونا لا محالة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 38] # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل ~~وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) # (ما كان على النبي من حرج) «من» زائدة بعد النفي، و«حرج» اسم «كان» ~~الناقصة، والخبر (فيما فرض الله له) أي فيما أوجب وقسم (سنة الله) أي سن ~~ذلك سنة (في) الأنبياء (الذين خلوا) أي مضوا (من قبل) أي من قبلك وهي ~~الإباحة ms1374 والتوسيع عليهم في باب النكاح بلا حرج ومؤاخذة، فانهم كانوا أكثر ~~منك نساء كداود وسليمان، فان له كانت ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية ولأبيه ~~ثلثمائة سرية ومائة امرأة «5»، قوله (وكان أمر الله قدرا مقدورا) [38] أي ~~قضاء مقضيا، يعني حكما مبتوتا. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 39] # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله ~~حسيبا (39) # قوله (الذين يبلغون رسالات الله) محله من الإعراب يحتمل الجر على الوصف ~~للأنبياء والرفع والنصب على المدح حملا على «هم» أو أعني، قوله (ويخشونه ~~ولا يخشون أحدا إلا الله) تعريض بعد التصريح في قوله «وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه»، أي الأنبياء متصفون بأنهم لا يخشون إلا الله (وكفى بالله ~~حسيبا) [39] أي كافيا للمخاوف أو محاسبا على الصغيرة والكبيرة، فيجب أن ~~يكون حق الخشية من مثله. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 40] # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما (40) # (ما كان) أي لم يكن (محمد أبا أحد من رجالكم) أي من الذين لم يلدهم فلا ~~يحرم عليه نكاح زوجة من تبناه بعد افتراقها وانقضاء عدتها، وقوله «من ~~رجالكم» موضح لذلك حيث لم يقل من رجاله ودخل الحسن والحسين في جملة بنيه، ~~لأنهما من رجاله لا من رجالكم «6» فلا يكون أبا حقيقة لمن تبناه (ولكن) كان ~~(رسول الله) وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم ~~والشفقة والنصيحة لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، ~~والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير فزيد كذلك من رجالكم ~~الذي ليسوا بأولاده حقيقة، وكان حكمه حكمهم (وخاتم النبيين) بالنصب، أي ~~وكان خاتم النبيين، وبالرفع على PageV03P300 # هو «1» خاتم النبيين، فلو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال «2» لكان نبيا، ~~وروي أنه قال في إبراهيم حين توفي: «لو عاش لكان نبيا» «3» بعده فلا نبي ~~بعده وإن نزل عيسى بعده فهو ينزل بشريعته ويصلي إلى قبلته فكأنه من أمته، ~~وقرئ «خاتم» بفتح التاء كالطابع، أي ختم به الأنبياء وبكسرها اسم فاعل «4»، ~~أي ms1375 ختم هو بنفسه الأنبياء فلا بعده، أي لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبئ ~~قبله (وكان الله بكل شيء عليما) [40] أي بكل من يصلح للنبوة وغيرها. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 41] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) # (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله) أي أثنوا عليه بما هو أهله من ضروب ~~الثناء كالتكبير والتهليل والتقديس والتمجيد (ذكرا كثيرا) [41] أي ذكرا ~~دائما على كل حال إلا أن تكونوا مغلوبي العقل، روي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # «تصدأ هذه القلوب كما يصدأ الحديد، قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟ قال: ~~تلاوة القرآن وكثرة ذكر الله وذكر الموت» «5»، وروي أيضا: «ليس شيء من ~~العبادات أفضل من ذكر الله، لأنه لم يقدر له مقدارا وأمر بكثرته» «6». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 42] # وسبحوه بكرة وأصيلا (42) # (وسبحوه) أي قولوا له التسبيح باللسان كسبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قيل: هذه ~~الكلمات يقولها الطاهر والجنب «7»، وقيل: معناه صلوا له «8» (بكرة) في ~~الصبح (وأصيلا) [42] أي في الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 43] # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) # (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) فصلوته مغفرته ورحمته لخلقه، وصلوة ~~الملائكة الدعاء والاستغفار للمؤمنين (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي ~~يفعل ذلك بكم ليخركم من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة أو من الكفر إلى ~~الإيمان أو من النار إلى الجنة برحمته ودعاء ملائكته (وكان) الله ~~(بالمؤمنين) أي الموحدين (رحيما) [43] بادخالهم الجنة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 44] # تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) # قوله (تحيتهم) مصدر، مضاف إلى المفعول، أي تحية الله إياهم (يوم يلقونه ~~سلام) فيعظمهم بسلامه عليهم يوم القيامة، وقيل: «عند قبض أرواحهم يقول ملك ~~الموت الله يقرئك السلام» «9»، وقيل: يسلم الله عليهم عند دخول الجنة أو ~~يسلمون على الله فيها أو يسلم عليهم الملائكة عند خروجهم من القبور أو يسلم ~~بعضهم على بعض في الجنة استبشارا «10» (وأعد لهم) ms1376 أي للمؤمنين (أجرا كريما) ~~[44] هو الجنة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 45] # يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) # (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) حال مقدرة من كاف «أرسلناك» لأنه لا ~~شهادة له عليهم وقت الإرسال، أي مقدرا شهادتك على أمتك والرسل بالبلاغ ~~(ومبشرا) بالجنة (ونذيرا) [45] بالنار. PageV03P301 ### || [سورة الأحزاب (33): آية 46] # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) # (وداعيا إلى الله) أي مأذونا لك في الدعاء إلى طاعته (بإذنه) أي بتيسيره ~~استعير الإذن له، لأنه قد حصل بقوله «وداعيا إلى الله» ضمنا، وإنما استعير ~~له لأن الدخول في حق المالك متعذر فاذا أذن تسهل وتيسر فوضع الإذن موضعه ~~لأنه سببه، وذلك أن دعاء أهل الشرك إلى التوحيد أمر في غاية الصعوبة ~~والتعذر فاذا كان باذن اله تسهل (وسراجا منيرا) [46] وصفه بالإنارة، لأن من ~~السرج ما لا يضيء لفتوره، أي يهتدى بك في الدين كما يهتدى بالسراج المنير ~~في الظلام. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 47] # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) # (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) [47] أي فضلا عظيما على سائر ~~الأمم وهو ما يتفضل به عليهم زيادة على الثواب، قيل: إذا ذكر المتفضل به ~~بالتعظيم فما ظنك بالثواب يكون الثواب أعظم «1». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 48] # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48) # (ولا تطع الكافرين والمنافقين) أي أرسلناك لدعوتهم إلى طاعة الله فدم ~~واثبت على ما أنت عليه، ولا تطعهم فيما يخالف شريعتك ولا في نقض عهد (ودع ~~أذاهم) أي اصبر على ما يؤذونك به ولا تجازهم عليه حتى تؤمر، ونسخ هذا بآية ~~السيف «2» (وتوكل على الله) لأن من توكل عليه تيسر كل عسر عليه (وكفى بالله ~~وكيلا) [48] أي هو كافيك عن جميع خلقه مفوضا إليه أمرك. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 49] # يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) # ثم خاطب المؤمنين فقال (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم) أي إذا عقدتم ms1377 على ~~(المؤمنات) عقد النكاح (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وقرئ «تماسوهن» «3»، ~~أي تطؤهن (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) أي تستوفون عددها بالإقراء، محل ~~الفعل جر صفة «عدة»، هذا دليل على العدة حق واحب للرجال على النساء، وفائدة ~~«ثم» نفى توهم تفاوت الحكم بين أن يطلقها الزوج وهي قريبة العهد من النكاح ~~وبين أن يبعد عهدها به ثم يطلقها، المعنى: أنكم إذا طلقتموهن قبل المسيس ~~(فمتعوهن) أي أعطوهن متعة إذا لم يكن ثمه صداق مسمى لهن وإن كان فنصفه بلا ~~متعة، وهذه المتعة واحبة بالاتفاق، وإذا سمي لهم مهر ففيها اختلاف، فبعض ~~على الندب وبعض على الوجوب (وسرحوهن) أي خلوا سبيلهن (سراحا جميلا) [49] من ~~غير إضرار بهن ولا منع واجب وحكم الخلوة الصحيحة حكم المساس وإنما خص ~~المؤمنات بالذكر، لأن نكاح الكتابيات لم يكن مباحا في ذلك الوقت، فلما أجل ~~الله نكاحهن صار حكمهن كحكم المؤمنات. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 50] # يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) # ثم خاطب النبي عليه السلام بقوله (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت) أي أعطيت أو فرضت في العقد لبيان المباحات له عليه السلام ~~أفضلها وأطيبها (أجورهن) أي مهورهن التي سميت في العقد، PageV03P302 # فانها أفضل من ترك التسمية وإن وقع العقد جائزا (وما ملكت يمينك) «1» من ~~الإماء (مما أفاء) أي رد (الله عليك) من الكفار كصفية، فانه أطيب من سبي ما ~~كان له عهد فانه سبي خبثة لا سبي طيبة وهو ما سبي من أهل الحرب، ولذا قال ~~«مما أفاء الله عليك»، لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب، ثم عطف على ~~«أزواجك» قوله (وبنات ms1378 عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك) أي أحللنا ~~لك (اللاتي هاجرن معك) من مكة إلى المدينة «2» منهن ولم تحل من لم تهاجر ~~معك، وقد نسخ شرط الهجرة بقوله «3» (وامرأة مؤمنة) أي أحللنا لك امرأة ~~مؤمنة دون المشركة (إن وهبت نفسها للنبي) ولا تطلب مهرا منك من النساء ~~المؤمنات (إن أراد النبي أن يستنكحها) أي يطلب نكاحها بغير صداق، وإنما عدل ~~عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي للإيذان بأن هذا الحكم مما خص به لأجل ~~النبوة، وتكريره تفخيم له، قوله (خالصة لك) حال مؤكدة من ضمير «وهبت»، أي ~~حلت لك إذا وهبت نفسها خاصة بلفظ الهبة بلا مهر لك (من دون المؤمنين) أي لا ~~تحل لهم فعلى هذا المعنى يكون «خالصة» متعلق بالإحلال الأخير، وقيل: ~~«خالصة» مصدر مؤكدة بمعنى خلص خلوصا «4»، أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك من ~~أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها فعلي هذا تعلق بالإحلالات الأربع ~~ورد في أثرها لتأكيدها، قيل: الواهبة نفسها أم شريك بنت جابر «5» أو ميمونة ~~بنت الحارث «6» أو خولة بنت حكيم «7»، قوله «إن وهبت نفسها» إن أراد النبي ~~شرطان اعترض أحدهما الآخر فيلزم أن يكون الشرط المؤخر لفظا مقدما معنى، ~~وكذلك حكم جميع الشروط المعترضة قالوا عقد النكاح بلفظ الهبة سواء فيه ~~الرسول وأمته عند أبي حنيفة، وقال الشافعي رحمه الله: لا يصح وقد خص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعا «8» متمسكا بالآية ~~وينعقد نكاحه بلا شهود ولا مهر، والأولى وله الزيادة على الأربع (قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم) أي على المؤمنين (في أزواجهم) من الأحكام بأن لا يتزوجوا ~~بأكثر من أربع (و) كذا في (ما ملكت أيمانهم) من الإماء، أي أنها مباحة لهم ~~فوق أربع زوجات، هذه الجملة اعتراض، وقوله (لكيلا يكون عليك حرج) متصل ب ~~«خالصة لك من دون المؤمنين»، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية: أن الله قد علم ~~ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء وعلى أي حد وصفه يجب أن يفرض ~~عليهم ففرضه وعلم ms1379 المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~اختصه به ففعل وفعله ليس بعبث، ومعنى قوله «لكيلا» يكون تعليل للإحلال، أي ~~أحللنا لك أزواجك المذكورات والواهبة نفسها لك لئلا يضيق نفسك في دينك ~~(وكان الله غفورا) للواقع للحرج إذا تاب (رحيما) [50] بالتوسعة على عباده. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 51] # ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) # قوله (ترجي) بالهمزة وتخفيفه «9» (من تشاء منهن) نزل حين أراد أن يفارق ~~نساءه لطلبهن زيادة النفقة والقسم بينهن «10»، فأباح الله لرسوله أن يكون ~~الاختيار في يده، فيفعل بهن ما يشاء من الطلاق وترك القسم وغيرهما فقال ~~ترجئ، أي تؤخر من تشاء منهن عنك بطلاق وغيره (وتؤوي) أي وتجمع (إليك من تشاء) PageV03P303 # منهن، يعني تترك مضاجعة من تشاء وتضاجع من تشاء أو تطلق من تشاء وتمسك من ~~تشاء منهن أو تقسم لمن شئت أو لا تقسم لأيتهن شئت أو تترك تزوج من شئت من ~~نساء أمتك وتتزوج من شئت أو تعزل من شئت منهن بلا طلاق، وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا خطب امرأة تحرم على غيره خطبتها حتى يتركها، وهذا كله من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم (ومن ابتغيت) أي التي طلبتها «1» (ممن عزلت) أي تركتها ~~(فلا جناح عليك) أي لا إثم في فعلك بنسائك بلا تحديد عقد (ذلك) أي التفويض ~~إلى مشيتك (أدنى) أي أقرب إلى رضاهن (أن تقر أعينهن) أي تطمئن قلوبهن ~~بتخييرهن (ولا يحزن) بترك القسم لهن أو بمخالفة «2» الطلاق (ويرضين بما ~~آتيتهن) من عزل وإيواء لعلمهن أن هذا التفويض من عند الله وبوحيه، قوله ~~(كلهن) بالرفع تأكيد لفاعل «يرضين» وحقه التقديم، وروي النصب «3» تأكيدا ~~للمفعول «4» في «آتيتهن» (والله يعلم ما في قلوبكم) من الميل إلى بعض ~~نسائكم دون بعض وقلوبهن من عدم الرضا منهن بما دبر الله من التفويض إلى ~~مشية رسوله، ms1380 وفيه وعيد لمن لم يرض بذلك وبعث على تواطئ القلوب على طلب رضاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكان الله عليما) بما في الصدور (حليما) ~~[51] لا يعاجل بالعقوبة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 52] # لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ~~ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52) # (لا يحل لك النساء) بالياء والتاء «5» من المسلمات والكتابيات (من بعد) ~~أي من بعد نسائك المسلمات اللاتي خيرتهن فاخترنك ورضين بمرادك أو من بعد ~~التسع لأنه نصابك من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمتك منهن (ولا أن تبدل) ~~أي يحل لك أن تستبدل (بهن) غيرهن (من أزواج) أي أزواجا أخر، وذلك كرامة لهن ~~من الله على ما اخترن رسول الله صلى الله عليه وسلم «6»، و«من» زائدة ~~لتأكيد النفي وهن التسع اللاتي مات عنهن عائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم ~~سلمة وصفية وميمونة وزينب وجويرية، والمعنى: لا يجوز لك أن تطلق إحدى نسائك ~~المخيرات ولا نكاح غيرهن (ولو أعجبك حسنهن) نصب على الحال من فاعل «تبدل»، ~~أي مفروضا إعجابك بهن، وقيل: معناه ليس لك أن تعطي غيرك زوجك وتأخذ زوجته ~~كما كان ذلك في الجاهلية «7» (إلا ما ملكت يمينك) من السريات، محله نصب ~~استثناء من النساء أو رفع بدل منها (وكان الله على كل شيء رقيبا) [52] أي ~~حفيظا وهو وعيد لمن تخطي حلاله إلى حرامه، روي عن عائشة رضي الله عنها: «ما ~~مات رسول الله حتى أحل له النساء» «8»، تعني أن الآية قد نسخت فحينئذ أن ~~يكون الناسخ السنة أو يكون قوله «أحللنا لك أزواجك» الآية، وترتيب النزول ~~ليس على ترتيب المصحف «9»، لأن الناسخ في المحصف مقدم. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 53] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا ~~سألتموهن متاعا فسئلوهن من ms1381 وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما (53) # ثم قال تعالى نهيا للمؤمنين عن الدخول في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل إذنه (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) أي ~~وقت أن يؤذن لكم (إلى طعام) فهو ظرف في المعنى، قوله (غير ناظرين) حال من ~~فاعل «تدخلوا»، أي لا تدخلوا إلا غير ناظرين (إناه) أي وقت الطعام، يعني ~~وقت نضجه أو إدراكه PageV03P304 # وتهيأه للأكل، المعنى: اجتنبوا دخول بيته إذا لم تدعوا، نزل حين كانوا ~~يتحينون طعام رسول الله فيدخلون بيته ويقعدون منتظرين نضجه تأديبا لهم «1» ~~(ولكن إذا دعيتم) للأكل (فادخلوا فإذا طعمتم) أي فرغتم منه (فانتشروا) عن ~~الطعام خارجين عن البيت (ولا مستأنسين) جر عطف على «ناظرين» أو نصب عطف «2» ~~على ولا تدخلوها «3» مستأنسين (لحديث) نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس ~~بعضهم بعضا لأجل حديث يديرونه بينهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كثير الحياء لا يمنعهم عن ذلك فقال الله (إن ذلكم) أي الاستئناس بعد الأكل ~~(كان يؤذي النبي فيستحيي منكم) أن يأمركم بالخروج (والله لا يستحيي من ~~الحق) أي لا يمتنع عن تعريفكم الحق والصواب حياء منكم (وإذا سألتموهن) ~~الضمير لنساء النبي عليه السلام ولم يذكرن لدلالة الحال عليهن (متاعا) أي ~~حاجة (فسئلوهن) المتاع (من وراء حجاب) أي من خلف الحجاب (ذلكم) أي السؤال ~~من وراء حجاب (أطهر لقلوبكم وقلوبهن) من الريبة، قيل: كان النبي عليه ~~السلام يطعم ومعه بعض أصحابه في بيته فأصابت يد رجل منهم يد عائشة فكره ~~النبي عليه السلام ذلك فنزلت آية الحجاب «4» قوله (وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله) بشيء ما (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده) أي بعد موته وبعد ~~تحريمهن قبل الموت (أبدا) نزل حين قال بعضهم وهو طلحة بن عبد الله: «أننهى ~~أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء الحجاب؟ لئن مات محمد ms1382 لأتزوجن عائشة»، فأعلم ~~الله تعالى أن ذلك محرم عليكم «5»، أي ما صح لكم إيذاء رسول الله ولا نكاح ~~أزواجه من بعده لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، لأن المرأة لآخر أزواجها، ~~كذا روي عن حذيفة رضي الله عنه وسئل رسول الله عليه السلام إذا كان للمرأة ~~زوجان في الدنيا لأيهما تكون في الآخرة؟ قال: «إنها تخير فتختار أحسنهما ~~خلقا معها» «6» (إن ذلكم) أي المذكور (كان عند الله عظيما) [53] أي عظيم ~~العقوبة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 54] # إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) # (إن تبدوا شيئا) من نكاحهن على ألسنتكم (أو تخفوه) أي في صدوركم (فإن ~~الله كان بكل شيء عليما) [54] أي يعلم ذلك كله فيعاقبكم به. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 55] # لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا (55) # قوله (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن) نزل حين نزلت آية الحجاب، وقال ذوو المحارم يا ~~رسول الله نحن أيضا لا نكلمهن إلا من وراء حجاب؟ «7» فرخص الدخول على نساء ~~ذوات محرم بغير حجاب، أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من المذكورين ولم ~~يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين (ولا نسائهن) أي في المسلمات ~~فيحرم دخول الكتابيات أو المراد جنس النساء فيحل دخولهن أيضا عليهن (ولا ما ~~ملكت أيمانهن) أي لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن من مماليكهن من الإماء ~~والعبيد، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب ليدل على فضل تشديد وتهديد فقال ~~(واتقين الله) فيما أمرتن به من الاحتجاب «8» والستر واحفظن طريقة التقوى ~~في الأمر والنهي (إن الله كان على كل شيء) من السر والعلن وظاهر الحجاب ~~وباطنه (شهيدا) [55] أي رقيبا لا يتفاوت في علم الأحوال. PageV03P305 ### || [سورة الأحزاب (33): آية 56] # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) # ثم نزل تعظيما للنبي ms1383 عليه السلام «1» (إن الله وملائكته) أي الله يصلي ~~وملائكته (يصلون على النبي) صلى الله عليه وسلم «2» حذف الخبر لدلالة ~~«يصلون» عليه، وصلوة الله الرحمة، وصلوة الملائكة الاستغفار، وصلوة ~~المؤمنين الدعاء، فمعنى قوله (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه) ادعوا له ~~ليترحم عليه الله (وسلموا تسليما) [56] ليسلمه الله بقولكم الصلوة والسلام ~~على رسول الله، قيل: سئل رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد» «3»، وقال: «صلوا علي، فان الصلوة علي زكوة لكم» ~~«4»، فبعض أوجبها كلما ذكر لقوله عليه السلام: «من ذكرت بين يديه فلم يصل ~~علي دخل النار» «5»، وبعض أوجبها مرة في المجلس وإن كرر ذكره كسجدة التلاوة ~~وتشميت العاطس، وبعض أوجبها في العمر مرة، وكذا الخلاف في الشهادتين، ~~والأفضل أن يصلى عليه كلما ذكر صلى الله عليه وسلم ثم الصلوة عليه في ~~الصلوة ليست بشرط عند أبي حنيفة والشافعي قد جعلها شرطا، وأما الصلوة على ~~غير النبي فجائزة على سبيل التبع، إفراد غيره بها مكروه، لأنها شعار لذكر ~~رسول الله ولأنه يفضي إلى الاتهام بالرفض «6». ### || [سورة الأحزاب (33): آية 57] # إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا (57) # قوله (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية نزل حين نسب اليهود والنصارى ~~إلى الله تعالى ما لا يليق به كالشريك والولد، وإلى رسوله بالكذب والسحر ~~وغيرهما «7»، أي إن من يؤذي الله بنسبة الولد والشريك إليه والمعصية عليه ~~وهو منزه عن الأذي بفعل ما يكرهه ويسخطه، ويؤذي رسوله بتكذيبه وشج وجهه ~~وكسر رباعيته (لعنهم الله في الدنيا) بالقتل (والآخرة) بالنار (وأعد لهم ~~عذابا مهينا) [57] أي عذابا يهانون به أبدا. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 58] # والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا (58) # ثم نزل نهيا عن أذى المؤمنين ظلما «8» (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات ~~بغير ما اكتسبوا) أي بغير استحقاقهم للأذى، وقيل: نزل في المنافقين الذين ~~يؤذون عليا رضي الله عنه ويسمعونه «9»، وقيل: في زناة يتبعون النساء وهن ~~كارهات «10» (فقد احتملوا) أي ms1384 تحملوا (بهتانا وإثما مبينا) [58] أي بينا. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 59] # يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ~~ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) # قوله (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين) نزل حين كانت ~~النساء أول الإسلام غير صائنات أنفسهن كما في الجاهلية تبرز المرأة في درع ~~وخمار لا فصل بين الحرة والأمة، وكان أهل الشطارة يتعرضون إذا خرجن بالليل ~~إلى مقاضي حوائجهن في النخيل والغيطان، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، ~~وكانوا يقولون حسبتها أمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بستر الوجوه ~~والرؤوس ولبس الأردية والملاحف «11»، فقال PageV03P306 # قل للمذكورات أدنين أزركن واستترن، قوله (يدنين) مقول القول أي يرخين ~~(عليهن من جلابيبهن) جمع جلباب وهو الثوب الذي تشتمل به المرأة، و«من» ~~للتبعيض، يعني قل لكل واحدة منهن أن ترخي بعض جلبابها على رأسها ووجهها إلا ~~عينا واحدة حتى تتميز من الأمة (ذلك) الفعل (أدنى) أي أقرب إلى (أن يعرفن ~~فلا يؤذين) بتعرض ذي ريبة ونفاق لهن (وكان الله غفورا) لمن تاب عما سلف ~~(رحيما) [59] له بالجنة. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 60] # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (60) # ثم خوفهم لينزجروا عن النفاق والعمل السوء فقال (لئن لم ينته المنافقون) ~~عن نفاقهم وفجورهم (والذين في قلوبهم مرض) وهم قوم فيهم ضعف إيمان وقلة ~~ثبات عليه (والمرجفون في المدينة) وهم ناس كانوا يرجفون، أي يزلزلون قلوب ~~المسلمين بالأخبار السوء يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون هزموا ~~وقتلوا، من الرجفة وهي الزلزلة، ومن الإرجاف وهو الإخبار بالشيء على غير ~~حقيقته، أي لئن لم ينته المذكورون عما يقولون ويفعلون (لنغرينك بهم) أي ~~لنسلطنك عليهم بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسؤوهم وتضطرهم إلى طلب الجلاء ~~عن المدينة (ثم لا يجاورونك) جواب آخر للقسم المتقدم في «لنغرينك» عطف عليه ~~ب «ثم» لبعد حاله عن حال المعطوف عليه، أي لا يساكنونك (فيها) أي في ms1385 ~~المدينة (إلا) زمانا (قليلا) [60] حتى يخرجوا منها ربما يرتحلون عنك أذلاء. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 61] # ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) # قوله (ملعونين) نصب حال من فاعل «لا يجاورونك»، وقيل: نصب على الشتم «1» ~~(أين ما ثقفوا) أي وجدوا (أخذوا وقتلوا تقتيلا) [61] أي قتلا كثيرا كما قتل ~~أهل بدر. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 62] # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) # (سنة الله) أي سن الله سنة (في الذين خلوا) أي مضوا (من قبل) وهم الذين ~~نافقوا الأنبياء أن يقتلوا حيث ما أدركوا (ولن تجد لسنة الله تبديلا) [62] ~~أي مبدلا ومغيرا، يعني استمر هذا الحكم فيهم من غير تبديل. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 63] # يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون ~~قريبا (63) # قوله (يسئلك الناس عن الساعة) نزل حين كان المشركون يسألون عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة استعجالا على سبيل الهزء، واليهود ~~يسألونه عنها امتحانا، لأن الله عمى وقتها في التورية وغيرها من الكتب، ~~فأمر رسول الله بقوله «2» (قل إنما علمها عند الله) أن يجيبهم بأن علم ~~الساعة عند الله، أي هو مختص به لا يطلع عليه ملكا ولا نبيا، ثم أومى إلى ~~قربها فقال (وما يدريك) بها (لعل الساعة تكون) شيئا (قريبا) [63] تهديدا ~~للمستعجلين وإسكاتا للممتحنين. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 64 الى 65] # إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا (65) # (إن الله لعن) أي عذب (الكافرين) وهم المكيون بالقتل ببدر (وأعد لهم ~~سعيرا) [64] أي نارا هي الشديدة الإيقاد في الآخرة. # (خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا) أي قريبا ينفعهم (ولا نصيرا) [65] ~~يمنعهم من العذاب. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 66 الى 67] # يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~(66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) # قوله (يوم تقلب وجوههم في النار) ظرف لقوله «لا يجدون»، ومعنى تقليب ~~وجوههم تصريفها في PageV03P307 # الجهات كما ترى البضعة تدور في القدر ms1386 إذا غلب، والمراد بالوجوه أربابها، ~~أي ترفعهم النار إلى أعلاها ثم تخفضهم إلى أسفلها دائما، قوله (يقولون) ~~حال، أي يقول التابع والمتبوع (يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا [66] ~~وقالوا) أي الأتباع (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا) في الكفر وهم مقدموهم ~~«1» ورؤساؤهم الذين لقنوهم الشرك وزينوه لهم (فأضلونا السبيلا) [67] أي ~~أخطؤا بنا طريق الهداية. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 68] # ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) # (ربنا آتهم ضعفين من العذاب) أي عذبهم مثلي عذاب غيرهم وارفع عنا العذاب ~~واحمله عليهم، لأنهم أضلونا (والعنهم لعنا كبيرا) [68] بالباء «2» من الكبر ~~من الكثرة، أي عذبهم عذابا «3» عظيما أو دائما، وزيادة الألف في «الرسولا» ~~و«السبيلا» كما في «الظنونا» «4» لإطلاق الصوت، وفائدتها الوقف والدلالة ~~على قطع الكلام واستئناف ما بعده. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 69] # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ~~وكان عند الله وجيها (69) # (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا) في إيذاء النبي عليه السلام (كالذين ~~آذوا موسى) بأن رموه بالأدرة وهي مرض الانثيين وبالبرص في جسده، فاطلعهم ~~الله على أنه بريء منه، روي: أنه وضع ثوبه على الحجر ليتوضأ ويغتسل فهرب ~~الحجر بثوبه حتى وقف «5» بين يدي «6» ملأ بني إسرائيل، فأدركه فضربه ثنتي ~~عشرة ضربة، فرأوه أحسن الناس جسدا «7»، وهو معنى قوله (فبرأه الله مما ~~قالوا) أي من العيب «8» في حقه، ف «ما» موصولة، أي من الذي قالوه، ويجوز أن ~~يكون مصدرية، أي من قولهم، والمراد مضمونه وهو الأمر المعيب (وكان) موسى ~~«9» (عند الله وجيها) [69] أي ذا قربة ووجاهة فكيف يوصف بعيب ونقيصة؟ وقيل: ~~قالت السفهاء في حقه أنه قتل هرون ودفنه، وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات ~~هناك فحملته الملائكة، ومروا به عليهم ميتا فأبصروه حتى عرفوا أنه غير ~~مقتول أو أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى عن قتله «10»، وقيل: هو اتهامهم ~~بالمراد الفاجرة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها «11»، فالمعنى: أنكم لا ~~تؤذوا رسول الله كما آذت بنو إسرائيل موسى فهلكوا بالخوض في حديث زينب ~~وأمثاله من ms1387 غير سداد بالقول وصدقه وأكد النهي عن إيذاء الأنبياء وغيرهم. ### || [سورة الأحزاب (33): آية 70] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) # قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي عظموه بالصدق (وقولوا قولا ~~سديدا) [70] أي قولا قاصدا إلى الحق والعدل، فالغرض من الآيتين النهي عن ~~الخوض فيما لا يعنيهم والبعث على حفظ اللسان في كل باب، فانه رأس الخير ~~كله، والمعنى: راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم. ### || [سورة الأحزاب (33): الآيات 71 الى 73] # يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ~~عظيما (71) إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # (يصلح لكم أعمالكم) أي يوفقكم الله في اتيان الأعمال الصالحة المرضية ~~(ويغفر لكم ذنوبكم) أي يكفر PageV03P308 # عنكم سيئاتكم (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [71] أي نال عنده ~~غاية مطلوبه، ولما قال ومن يطع الله ورسوله وعلق بالطاعة الفوز العظيم ~~أتبعه قوله (إنا عرضنا الأمانة) وهي الطاعة فعظم أمرها وفخم شأنها، وقيل: ~~الأمانة كل ما افترض على العباد من صلوة وصيام وزكوة وأداء دين وكتم ~~الأسرار «1»، وقيل: # الوفاء بالعهود «2»، فعرضت الأمانة بما فيها على هذه الأجرام العظام يعني ~~(على السماوات والأرض والجبال) عرض تخيير فقلن مستفهمات وما فيها، فقيل: إن ~~أحسنتن جوزيتن بالثواب وإن عصيتن عوقبتن «3»، وقيل: # إنه تمثيل والممثل به في الآية مفروض لا محقق والمفروضات يتخيل في الذهن ~~كالمحققات، يعني مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو ~~عرضت على هذه الأجرام العظام الجمادات «4» (فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) ~~لعظم ذلك التكليف وثقل محمله مع جماديتها (وحملها الإنسان) فيكون العرض ~~والإباء والإشفاق مجازا من فرض إرادة التكليف منها وامتناعها من صعوبته ~~وتجهيلا للإنسان حيث عرضت الأمانة عليه وحملها مع ضعفه من غير وفاء لها، ~~والمراد منه آدم أو الكافر أو الجنس (إنه) أي إن ms1388 الإنسان (كان ظلوما) لنفسه ~~عاصيا لربه لكونه تاركا لأداء الأمانة التي تحملها من ربه (جهولا) [72] لما ~~افترض عليه ولعاقبة تركه مخطئا عما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها مع كونه ~~حيوانا عاقلا صالحا للتكليف، وقيل: إن هذه الأجرام العظام عند الأمانة ركب ~~فيها عقل فاقتضى حالها ذلك «5»، وقيل: أريد منها أهلها فلا يكون تمثيلا ~~ويكون الإباء والإشفاق حقيقة «6»، واللام في (ليعذب الله) تعليل لعرض ~~الأمانة، أي عرضها للإنسان ليعذب الله (المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات) وهم الذين خانوا الأمانة ولم يفوا بها (ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات) أي وليتوب على من وفى بها من أهل الإيمان، يعني يقبله ويثيب ~~عليه، فالمعنى: أن عرض الأمانة منه تعالى ليظهر شقاوة هؤلاء وسعادة هؤلاء ~~(وكان الله غفورا) لمن تاب (رحيما) [73] لمن أطاع. PageV03P309 ### | سورة سبأ # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة سبإ (34): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) # (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) أي له الحمد على نعم ~~الدنيا، لأن كل ما في السماء «1» والأرض نعمة من الله لأهلها، فيجب الحمد ~~والثناء عليها (وله الحمد في الآخرة) أي على نعم الآخرة التي هي الثواب وهو ~~وإن لم يكن واجبا لأنه ليس يتعبد لكنه تتمة سرور أهل الإيمان والتقوى «2» ~~والتذاذهم به التذاذ المتعطش بالماء البارد (وهو الحكيم) أي المحكم لما في ~~داريه (الخبير) [1] أي العالم المحيط بكل كائن يكون. ### || [سورة سبإ (34): آية 2] # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ~~وهو الرحيم الغفور (2) # قوله (يعلم ما يلج) بيان لما يحيط به علمه، أي يعلم ما يدخل (في الأرض) ~~كماء الغيث وحيوان ونبات وأموات وكنوز (و) يعلم (ما يخرج منها) كماء العيون ~~والدواب والنبات والأشجار والأحجار من جواهر الأرض والأموات عند البعث (و) ~~يعلم (ما ينزل من السماء) من المطر والثلج والبرد والصاعقة والبركة في ~~الرزق والملائكة والمقادير (و) ms1389 يعلم (ما يعرج) أي يصعد (فيها) كالملائكة ~~وأعمال العباد (وهو الرحيم الغفور) [2] للمفرطين في أداء مواجب شكر نعمه ~~لخوف أهوال الساعة. ### || [سورة سبإ (34): الآيات 3 الى 4] # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا ~~في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق ~~كريم (4) # (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) استهزاء وإنكارا للبعث، فقال تعالى ~~لرسوله عليه السلام (قل) مقسما (بلى وربي لتأتينكم) أي الساعة البتة فأوجب ~~ما بعد النفي ب «بلى» على معنى ليس الأمر إلا اتيان الساعة، وأكده باليمين ~~بربه، ثم زاد التأكيد على اتيان الساعة، وصف المقسم به بعلم الغيب على وجه ~~الاختصاص بقوله (عالم الغيب) رفع على المدح، أي هو عالم كل غيب، وقرئ بالجر ~~«3» بدلا من «ربي» وعلام الغيب للمبالغة في وصفه بالعلم (لا يعزب عنه) أي ~~لا يبين ولا ينفصل عن الله تعالى (مثقال ذرة) وهي النملة الصغيرة أو ما يرى ~~في الشعاع «4» (في السماوات ولا في الأرض) والواو في (ولا أصغر) للابتداء ~~لا للعطف لفساد المعنى، لأنه يلزم منه أن يعزب عنه أصغر من مثقال ذرة في ~~كتاب مبين وهو باطل، والمراد أنه لا أصغر (من ذلك) المثقال (ولا PageV03P310 # أكبر) منه (إلا في كتاب مبين) [3] أي إلا وهو مسطور في اللوح، وإذا ثبت ~~بهذا الوصف أن شيئا من الخفيات لا يفوت من علمه اندرج تحته علمه بوقت قيام ~~الساعة الذي هو من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية وأسرعها إلى القلب إذا ~~قيل إنه عالم الغيب فصح ثبوت ما أنكروه بأبلغ وجه وآكده، ثم لم يقتصر على ~~ذلك، بل عقبه بذكر تعليل إثباتها قطعا، لأن الله تعالى وضع في العقول وجوب ~~الجزاء للمحسن والمسيء لما سنذكره، فاللام في (ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) يتعلق بقوله «لتأتينكم»، أي ليثيب المؤمنين الصالحين (أولئك) أي ~~المؤمنون (لهم مغفرة ورزق كريم) [4] أي الجنة، وهذا ms1390 التعليل عقلي، لأن ~~العقل يقتضي جزاء كل عامل على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإلا لزم أن ~~يكون الله ظالما، تعالى عنه علوا كبيرا. ### || [سورة سبإ (34): آية 5] # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) # (والذين سعوا في آياتنا) أي في القرآن (معاجزين) أي معاندين، وقرئ ~~«معجزين» بالتشديد «1»، أي مثبطين عن الإيمان بها وإرادته (أولئك لهم عذاب ~~من رجز) أي سوء العذاب (أليم) [5] بالجر، أي مؤلم، وقرئ برفعه «2» نعتا لل ~~«عذاب». ### || [سورة سبإ (34): آية 6] # ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد (6) # قوله (ويرى) عطف على «ليجزي»، أي ليعلم (الذين أوتوا العلم) وهم أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين ~~أسلموا ككعب الأحبار وعبد الله بن سلام، قوله (الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق) بالنصب فيهما مفعولان ل «يرى» وهو فصل بينهما، والمعنى: أن اتيان ~~الساعة ليعلم أولوا العلم عنده أنه الحق عالما لا يزاد عليه في الإيقان ~~ويحتجوا به على المكذبين، وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه الحق فيزدادوا ~~حسرة وغما (ويهدي) عطف على «الحق» فيكون في تقدير المفعول، أي يرون المنزل ~~إليك حقا وهاديا (إلى صراط العزيز الحميد) [6] أي الرب المنتقم المحمود في فعاله. ### || [سورة سبإ (34): آية 7] # وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي ~~خلق جديد (7) # (وقال الذين كفروا) وهم قريش قال بعضهم بعضا «3» سخرية بينهم متجاهلين به ~~وبأمره وقد كان النبي عليه السلام مشهورا في قريش وأنباؤه شائعا عندهم (هل ~~ندلكم على رجل) هو محمد (ينبئكم) أي يخبركم بأعجوبة من أعاجيب لتضحكوا بها ~~أنكم (إذا مزقتم) أي تفرقت أجزاؤكم (كل ممزق) مصدر، أي كل تفرق وتبدد أو ~~مكان، لأنهم يمزقون بالموت في كل مكان في بطون الطير والسباع والجبال ~~والبراري وقعر البحر، ومر بهم السيل، فذهب بهم كل مذهب وكذا الريح، فطرحتهم ~~كل مطرح (إنكم لفي ms1391 خلق جديد) [7] هو جواب «إذا» والعامل فيه مدلوله وهو ~~تبعثون، أي أنكم تبعثون وتنشؤون خلقا جديدا بعد أن تكونوا «4» ترابا. ### || [سورة سبإ (34): آية 8] # أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد (8) # (أفترى) بفتح الألف، أصله أافترى بهمزة الاستفهام الداخلة على همزة الوصل ~~للإنكار والتعجب أو أاختلق محمد (على الله كذبا) فيما ينسب إليه من ذلك (أم ~~به جنة) أي جنون يلقيه على لسانه من غير قصد عنه، فبرأه الله مما قالوا ~~بالإضراب بقوله (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي بالبعث واقعون (في العذاب) ~~فيما يؤديهم إليه (والضلال البعيد) [8] عن الهدى وهم غافلون عن ذلك، ~~و«البعيد» صفة الضال إذا بعد عن الجادة فيكون وصف الضلال بالبعد مجازا. PageV03P311 ### || [سورة سبإ (34): آية 9] # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم ~~الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # (أفلم يروا) أي أعموا فلم ينظروا (إلى ما بين أيديهم) أي أمامهم (وما ~~خلفهم من السماء والأرض) فانهما أمامهم وخلفهم حيث ما كانوا وساروا محيطتان ~~بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما «1» وأن يخرجوا من ملكوت الله ولم ~~يخافوا أن يعذبهم (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم) بالنون وبالياء في ~~الثلاثة «2» (كسفا) بفتح السين وسكونها «3»، أي قطعة (من السماء) لتكذيبهم ~~الآيات وكفرهم بالرسول عليه السلام وبما جاء به كما فعلنا بقارون وأصحاب ~~الأيكة (إن في ذلك) أي النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان ~~عليه من عظم قدرته ووحدانيته (لآية) أي لعبرة (لكل عبد منيب) [9] أي راجع ~~إلى ربه مطيع له. ### || [سورة سبإ (34): آية 10] # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) # ثم أورد قصة داود وسليمان ليعتبر من يسمعها منها فقال (ولقد آتينا داود ~~منا فضلا) أي ملكا ونبوة أو حسن الصوت والقوة وتليين الحديد وقلنا (يا جبال ~~أوبي) أي رجعي (معه) التسبيح، من الأوب ms1392 وهو الرجوع وسمي التسبيح تأويبا، ~~لأن المسبح يسبح مرة بعد مرة، وكان داود عليه السلام إذا سبح سمع تسبيح ~~الجبال ويعقل معناه معجزة له كما سمع موسى النداء من الشجرة وعقل معناه، ~~وكل ذلك بخلق الله تعالى فيهما، قوله (والطير) بالنصب عطف على محل ال ~~«جبال» بمعنى يا طير أوبي وكانت الطير تؤب «4» معه التسبيح بأصواتها، وفي ~~ذلك من الفخامة من جعل الجبال والطير بمنزلة العقلاء يقبل الطاعة إذا أمروا ~~والإجابة له «5» إذا دعوا أو كان داود ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وتسعده ~~الجبال بأصداءها والطير بأصواتها (وألنا له الحديد) [10] أي جعلناه «6» له ~~لينا كالشمع فلا يحتاج إلى نار ومطرقة ويصرفه بيده كيف يشاء، وقيل: لان ~~الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة «7». ### || [سورة سبإ (34): آية 11] # أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) # (أن اعمل) أي قلنا له اعمل (سابغات) أي دروعا واسعات، ف «أن» تفسيرية، ~~وهو أول من عملها وكانت قبل صفائح (وقدر في السرد) وهو نسج الدروع وتأليفها ~~على قدر الحاجة بلا مجاوزة للحد في شيء منها، أي لا تجعل المسامير دقاقا ~~فيقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق، قال صلى الله عليه وسلم: «كان داود لا يأكل ~~إلا من كسب يده «8»، وكان يعمل كل يوم درعا ثم كان يبيع الدرع بأربعة آلاف ~~درهم فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء، ثم خاطب الله وأهله ~~بقوله (واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) [11] أي عالم بعملكم فأجازيكم ~~به كيف يكون. ### || [سورة سبإ (34): آية 12] # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) # ثم عطف على داود بتقدير «آتينا» قوله (ولسليمان الريح) بالنصب، أي وسخرنا ~~له الريح، وقرئ بالرفع «9»، أي «10» ولسليمان الريح مسخرة (غدوها شهر) أي ~~جريها بالغداة مسيرة شهر (ورواحها شهر) أي PageV03P312 # وجريها بالعشي كذلك (وأسلنا له عين القطر) وهو النحاس المذاب من القطران ~~والمراد من ms1393 «عين القطر» معدن النحاس، ولكنه أسأله كما ألان الحديد لداود ~~عليه السلام فنبع كما ينبع الماء، فكان من باب «إني أراني أعصر خمرا» «1»، ~~قيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام «2»، وكل ما يعمل الناس اليوم مما أعطي ~~لسليمان (ومن الجن من يعمل) أي سخرنا له من الجن من يعمل (بين يديه بإذن ~~ربه) أي بأمره (ومن يزغ) أي يمل (منهم) أي من الجن (عن أمرنا) الذي أمرناه ~~به من طاعة سليمان (نذقه من عذاب السعير) [12] أي النار وهو عذاب الآخرة، وقيل: # «كان معه ملك بيده سوط من نار فمن استعصى منهم عن طاعته ضربه به من حيث ~~لا يراه الجني» «3». ### || [سورة سبإ (34): آية 13] # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) # (يعملون له ما يشاء من محاريب) أي الأماكن الشريفة كالقصور والحصون، ~~وقيل: المساجد وإنما سميت محاريب لأنه يحارب عليها ويلتجأ إليها في الشدة ~~«4» (وتماثيل) أي وصورا من زجاج ونحاس وصفر ورخام ليراها الناس فيفرحوا بها ~~فيعبدوا الله كما يعبده أربابها، فان الشياطين كانوا يعملون في المساجد صور ~~الملائكة والأنبياء والصالحين من هذه الأجسام لاقتداء الناس بهم في ~~العبادة، وكان ذلك جائزا في شريعته عليه السلام، لأنه ليس من مقبحات العقل، ~~قوله «5» (وجفان كالجواب) بالياء في الوصل والوقف أو في الوصل وبغير الياء ~~فيهما «6»، وال «جفان» جمع جفنة وهي القصعة العظيمة، و«الجوابي» جمع ~~الجابية وهي الحوض الكبير لأن الماء يجبى فيه، أي يجمع، قيل: كان يقعد على ~~الجفنة ألف رجل للأكل منها «7» (وقدور راسيات) أي ثابتات عاليات على ~~الأثافي لا تنزل عنها لعظمها وكان يصعد عليها بالسلاليم، قوله (اعملوا آل ~~داود) حكاية ما قيل لداود وآله، أي وقلنا اعملوا يا آل داود عملا لله ~~(شكرا) أي على وجه الشكر لنعمائه أو اشكروا شرا لله أو اعملوا شاكرين له ~~«8» (وقليل من عبادي الشكور) [13] وهو من يرى عجزه عن الشكر، وقيل: هو ~~الباذل وسعه في أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا ms1394 واعترافا «9». ### || [سورة سبإ (34): آية 14] # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما ~~خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # (فلما قضينا عليه الموت) أي لما مات سليمان (ما دلهم) أي ما دل الشياطين ~~(على موته إلا دابة الأرض) وهي الأرضة دويبة تأكل الخشبة من الأرض بالحركة ~~والسكون مصدر وهو فعلها فأضيفت إليه، فقيل: دابة الأرض بمعنى دابة الأكل ~~يقال أرضت الخبشة أرضا إذا أكلتها الأرضة «10» (تأكل منسأته) أي عصاه لأنه ~~ينسأ بها ويطرد ويؤخر (فلما خر) أي سقط سليمان ميتا (تبينت الجن) أي ظهر ~~أمرهم للإنس، وكانت الإنس تزعم أن الجن تعلم الغيب، قوله (أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [14] بدل من «الجن» بدل اشتمال، ~~أي ظهر للإنس أن الجن لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب الشديد وهو ~~التسخير والمشاق مدة موت سليمان، لأنهم كانوا يعملون الأعمال الشاقة في ~~مماته كحياته. # روي: أنه دخل بيت المقدس متحنثا يوما وقال: اللهم عم موتي على الجن حتى ~~تعلم الإنس أن الجن لا تعلم الغيب، وكانت الجن تسرق السمع ويموهون على ~~الإنس أنهم يعلمون الغيب وكانت الجن تعمل أعمالها كما PageV03P313 # كانت تعمل قبل دخوله بيت المقدس، وكان لمحرابه كوى تنظر الجن إليه منها، ~~فقام مصليا معتمدا على عصاه فمات قائما ولم تعرف الجن موته قائما، وعملوا ~~له بعد موته سنة فمر به شيطان مرارا فلم يسمع صوته فرفع رأسه فرآه ميتا، ~~وكان لا ينظر إليه في حياته أحد منهم إلا احترق، ففتحوا الباب فرأوه ميتا ~~ورأوا عصاه قد أكلته الأرضة فوضعوا الأرضة على العصا يوما وليلة ليعرفوا ~~وقت موته فأكلت، فحسبوا على ذلك وعلموا أنه مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين ~~يديه ويحسبونه حيا فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب ~~سنة «1». ### || [سورة سبإ (34): الآيات 15 الى 16] # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له ms1395 بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) # قوله (لقد كان لسبإ) الآية نزل ليعتبر الناس بحال من تقدمهم ممن لم ~~يؤمنوا ولم يشكروا على نعم الله تعالى فأهلكوا «2»، قيل: سبأ اسم قبيلة ~~بمأرب من اليمن «3» (في مسكنهم) بفتح الكاف وكسرها موضع سكناهم وهو بلدهم ~~الذي كانوا مقيمين فيه وقرئ «مساكنهم» «4» (آية) أي عبرة لأهل العقل ~~و(جنتان) بدل من «آية» أو خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما الآية؟ فقال: ~~الآية جنتان، ومعنى كونهما آية قصتهما وإعراض أهلهما عن شكر الله عليهما ~~فخربهما وأبدلهم عنهما الخمط والأثل ليتعظوا فيؤمنوا، والمراد بال «جنتان» ~~جماعتان من البساتين (عن يمين) من بلدهم (وشمال) منه وفيهما أشجار كثيرة ~~وثمار طيبة وأنهار عذبة تجري فيهما (كلوا) أي قال لهم الأنبياء المبعوثون ~~إليهم كلوا (من رزق ربكم) الذي خلقكم ورزقكم وطلب شكركم (واشكروا له بلدة) ~~أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة (طيبة) لم تكن بسبخة «5» وليس بها بعوض ~~ولا برغوث ولا ذباب ولا عقرب ولا حية، وكانت أخصب البلاد تخرج المرأة وعلى ~~رأسها مكتل وتسير بين أشجار البساتين فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من ~~أنواع الثمر (ورب) أي هو رب (غفور) [15] لمن آمن وشكر، وكان الأنبياء ~~المبعوثون «6» إليهم ثلاثة عشر يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم ~~فكذبوهم فسلط عليهم الخلد وهو فأرة أعمى فنقب سدهم من أسفله فغرق أموالهم ~~وفرقهم وهو معنى قوله (فأعرضوا) عن الإيمان وقالوا من الذي يأخذ منا هذه ~~النعم (فأرسلنا عليهم سيل العرم) وهو السيل الذي لا يطاق أو المطر الشديد ~~أو اسم الوادي (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) أخريين (ذواتي أكل خمط) باضافة ~~«أكل» إلى ال «خمط»، أي أكل من خمط، والأكل الثمر بضم الكاف والسكون «7»، ~~والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك وأكل خمط بالتنوين على أن أصله ذواتي ~~أكل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم «8» المضاف إليه مقامه أو على وصف الأكل ~~بالخمط، أي ذواتي أكل بشع لأنه أخذ ms1396 طعما من مرارة لا يمكن أكله أو أنه عطف ~~بيان لل «أكل»، أي بين أنه من أي الشجر، قوله (وأثل) عطف على «أكل» وهو شجر ~~يشبه الطرفاء (وشيء من سدر قليل) [16] وهو شجر النبق وهو أيضا عطف عليه، ~~لأنه لا أكل لهما وإلا لعطف على «خمط»، وإنما قلل السدر لأنه أعز ما بدلوا ~~وأكرمه، وتسمية البدل ب «جنتين» لأجل المشاكلة، وفيه ضرب من التهكم. PageV03P314 ### || [سورة سبإ (34): آية 17] # ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) # (ذلك) أي الجزاء (جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) [17] بضم ~~الياء وفتح الزاء ورفع «الكفور»، أي لا يستحق مثل ذلك الجزاء إلا الكافر ~~وهو العقاب العاجل، وبالنون المضمومة والزاء المكسورة ونصب «الكفور» «1» ~~مفعولا إخبار منه تعالى عن نفسه، فالمجازاة هنا بمعنى المعاقبة لا بمعنى ~~المعادلة. # روي: أن بلقيس لما ملكت على سبأ واختصم القوم على ماء واديهم، وكان ~~يأتيهم السيل من بعيد فيؤذيهم سدت بلقيس ما بين الجبلين بسد فيه أبواب ~~بعضها فوق بعض، وجعلت بركة لها اثنا عشر مخرجا كعدد أنهارهم التي يسقون بها ~~بساتينهم فأخصبت بلادهم وكثرت نعمهم، فماتت بلقيس وهم في ذلك الخير فبعث ~~إليهم الأنبياء، فذكروهم نعم الله عليهم وخوفوهم عقابه، فقالوا ما نعرف ~~علينا نعمة فجاء الخلد ودخل بين الحجرتين فخرب السد من داخله وهم لا يعلمون «2». ### || [سورة سبإ (34): آية 18] # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير ~~سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) # قوله (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها) نزل للإخبار عن حالهم ~~الثانية وهي حال توبتهم «3»، يعني لما هلكت أموالهم قالوا نحن نتوب إلى ~~الله ويرد علينا خيرنا فرد الله عليهم خيرا كثيرا من ذلك فكفروا نعمته ~~ثانيا فعذبهم الله ثانيا أشد من ذلك فأخبر بقوله «وجعلنا بينهم»، وهم أهل ~~اليمن وبين القرى التي باركنا فيها وهي قرى الشام بالمياه والأشجار والثمار ~~والخصب (قرى ظاهرة) لأعين الناظرين متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها ~~(وقدرنا فيها السير) أي سيرهم على قدر مقيلهم ومبيعهم، ms1397 أي كان الغادي يقيل ~~في قرية والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يحتاجون إلى ماء ولا ~~زاد، وقلنا لهم (سيروا فيها) لمصالحكم (ليالي وأياما) أي إن شئتم بالليل ~~وإن شئتم بالنهار لا تفاوت في سيركم باختلاف الأوقات «4» أو المعنى: سيروا ~~وإن تطاولت مدة سفركم أياما وليالي (آمنين) [18] من العدو والجوع والعطش ~~والسباع، ولا قول ثمه حقيقة ولكن التمكين للسير حاصل لهم بتسوية أسبابه ~~لهم، فكأنهم أمروا به فطغوا بسبب كثرة النعمة وملوا العافية فطلبوا التعب والكد. ### || [سورة سبإ (34): آية 19] # فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ~~ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) # (فقالوا ربنا باعد) بالألف، وقرئ «بعد» بالتشديد «5» (بين أسفارنا) أي ~~اجعل بيننا وبين الشام مفاوز، قيل: # تمنوا ذلك ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد فعجل الله لهم بالإجابة ~~«6» (وظلموا أنفسهم) بترك شكر نعمة الله وجحدها (فجعلناهم أحاديث) لمن ~~بعدهم يتحدثون بهم ويتعجبون من أحوالهم (ومزقناهم كل ممزق) أي فرقناهم ~~تفريقا في أقطار الأرض بحيث لا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد (إن في ذلك) ~~أي في تفريقهم وإهلاكهم (لآيات لكل صبار) على الطاعات وعن المعاصي و«7» ~~(شكور) [19] للنعم. PageV03P315 ### || [سورة سبإ (34): آية 20] # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) # (ولقد صدق) بالتشديد (عليهم إبليس ظنه) بالنصب فهو مفعوله «1»، أي حقق ~~عليهم إبليس ظنه الذي ظنه فيهم، وهو كفرهم واتباعهم له بقوله «لأضلنهم ~~ولأغوينهم»، وبالتخفيف ف «ظنه» ظرفه، أي صار صادقا في ظنه حيث خيل إليه أن ~~بني آدم يتبعونه، والضمير في «عليهم» لأهل سبأ «2»، وقيل: لكل الناس «3» ~~(فاتبعوه) أي اتبعه الناس بتزيينه ووسوسته (إلا فريقا من المؤمنين) [20] ~~وقللهم، لأنهم قليل النسبة إلى الكفار، والمراد جميع المؤمنين، لأنهم لم ~~يتبعوه في أصل الدين، وقيل: هم المطيعون منهم «4». ### || [سورة سبإ (34): آية 21] # وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك ~~وربك على كل شيء حفيظ (21) # (وما كان له) أي لم يكن للشيطان (عليهم ms1398 من سلطان) أي تسلط بالقهر سوى ~~الوسوسة والتزيين (إلا لنعلم من يؤمن) أي إلا لنظهر المؤمن (بالآخرة) ~~ونميزه (ممن هو منها في شك) أي من الشك فيها وعلل التسليط بالعلم بقوله ~~«إلا لنعلم»، والمراد ما تعلق به العلم، أي لنميز من يصدق بالبعث من الشاك ~~من قيام الساعة (وربك على كل شيء) مما يكون منهم وما كان (حفيظ) [21] أي ~~عالم يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها. ### || [سورة سبإ (34): آية 22] # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) # (قل ادعوا الذين) أي قل للمشركين من قومك نادوا الذين (زعمتم) أنهم ~~آلهتكم (من دون الله) فيشفعون لكم ويكشفون عنكم ما نزل بكم من القحط وهم ~~الأصنام والملائكة الذين سميتموهم باسم الله فتعبدونهم كما تعبدون الله ~~وتستجيبون لهم لدعائكم كما تستجيبون له تعالى، وحذف مفعولا «زعمتم» الأول ~~ضمير الموصول والثاني آلهة، أي زعمتموهم آلهة، قوله (لا يملكون مثقال ذرة) ~~جواب لهم، أي آلهتكم لا يملكون شيئا ما من خير وشر (في السماوات ولا في ~~الأرض وما لهم) أي للآلهة (فيهما من شرك) أي شركة مع الله تعالى (وما له) ~~أي لله تعالى (منهم) أي من آلهتكم (من ظهير) [22] أي معين يعينه على تدبير ~~خلقه يريد أنهم عجزة عن كل شيء فلا يصح للربوبية كما يصح هو تعالى لها ~~يكونون شركاء له تعالى. ### || [سورة سبإ (34): آية 23] # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) # (ولا تنفع الشفاعة) أي شفاعة الشافع (عنده) أي عند الله (إلا) كائنة (لمن ~~أذن له) قرئ معلوما ومجهولا «5»، أي أذن الله أن يشفع لغيره أو أذن لغيره ~~أن يشفع له أو يكون معنى «له» لأجله، أي إلا لمن وقع الأذن للشفيع لأجله، ~~فاللام الثانية بمنزلة لعمرو في قولك أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، قوله (حتى ~~إذا فزع) بالتشديد مجهولا ms1399 ومعلوما «6» والفاعل الله، أي كشف (عن قلوبهم) ~~يتعلق بمفهوم الكلام قبله وهو الانتظار والتوقف، لأن «حتى» غاية تدل على أن ~~ثمه توقعا وانتظارا لإذن الشفعاء وخوفا هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ولا يطلق ~~الإذن إلا بعد ملي من الزمان، أي يتوقفون خائفين زمانا حتى إذا كشف الفزع ~~وأزيل عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق ~~الإذن في الشفاعة، فاذا أذن فيها فرحوا وسأل بعضهم بعضا استبشارا (قالوا PageV03P316 # ما ذا قال ربكم) في الشفاعة (قالوا) قال (الحق) أي القول الحق وهو الإذن ~~في الشفاعة لمن ارتضى، وقيل: «إذا انكشف عن قلوب الكفار عند الموت أو يوم ~~القيامة إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ ~~فيقولون: قال الحق فاعترفوا حين لا ينفع الاعتراف لهم» «1» (وهو العلي ~~الكبير) [23] أي ذو العلو والكبرياء ليس لأحد «2» أن يتكلم من الأنبياء ~~وغيرهم ذلك اليوم إلا باذنه وأن يشفع إلا لمن ارتضى أو هو أعلى وأكبر من أن ~~يكون له شريك. ### || [سورة سبإ (34): آية 24] # قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين (24) # (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) أي من المطر والنبات أمر الله نبيه ~~عليه السلام بأن يقررهم بقوله «من يرزقكم»، ثم أمر بأن يجيبهم بقوله (قل ~~الله) يرزقكم تنبيها لهم على الإقرار بذلك ليعبدوا رازقهم ويعرضوا عن عبادة ~~من لا يقدر على الرزق (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) [24] أي ~~وإن أحد الفريقين من الموحدين الله الرازق الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما ومن المشركين به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة لعلى هدى أو في ضلال ~~بين «3»، وهذا غاية الإنصاف حيث لم يصرح كونهم على الضلالة يقينا تأدبا، ~~فان كل من سمعه يقول لمن خوطب بمثل هذا الكلام المنصف قد أنصفك صاحبك، وهذا ~~النوع أدعى إلى الإيمان، قوله «أو إياكم» عطف على اسم «إنا» قبله، وخبره ~~محذوف لدلالة خبر «إن» عليه وهو «لعلى ms1400 هدى»، وقوله «أو في ضلال» عطف على ~~الخبر، وحقيقة معناه: إنا راكبون على الهداية يقينا لأنا عارفون رازقنا ~~بالتوحيد وأنتم منغمسون في الضلالة يقينا لجهلكم وإشراككم به غيره. ### || [سورة سبإ (34): آية 25] # قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25) # ثم أوضح ذلك المعنى الحقيقي بقوله (قل لا تسئلون عن ما أجرمنا) أي ~~اكتسبنا من الذنوب هي الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن (ولا نسئل عن ~~ما تعملون) [25] من الكفر والكبائر، بل كل مطالب بعمله، وقيل: هذا نسخ بآية ~~السيف «4». ### || [سورة سبإ (34): آية 26] # قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) # (قل يجمع بيننا ربنا) يوم القيامة (ثم يفتح بيننا) أي يقضى بيننا وبينكم ~~(بالحق) أي بالعدل (وهو الفتاح) أي الحاكم بالعدل (العليم) [26] بما يحكم ~~على الخلق، قيل: فتحه بينهم حكمه أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار «5». ### || [سورة سبإ (34): آية 27] # قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) # (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) أي أشركتموهم مع الله تعالى في ~~العبادة، وإنما أمره بأن يقول أروني شركاءكم والحال أن النبي عليه السلام ~~كان يرى شركاءهم ويعرفهم، لأنه أراد من طلب «6» إراءتهم تلك إظهار خطئهم ~~العظيم في إلحاق الشركاء بالله وعبادتهم مع جمادتهم وعجزهم وأن يطالعهم ~~بأعينهم على إحالة القياس، أعنى قياس الأصنام إليه تعالى والإشراك به، قوله ~~(كلا) ردع لهم عن مذهبهم بعد إبطال قياسهم، وقوله (بل هو الله العزيز ~~الحكيم) [27] تنبيه على تفاحش غلطهم في القياس حيث لم يقدروا الله حق قدره، ~~فكأنه قال أين شركاؤكم بالله من هذه الصفات العظام، قوله «هو» يرجع إلى ~~الله وحده أو «هو» ضمير الشأن كما في «قل هو الله أحد» «7»، أي هو العزيز ~~في ملكه لا شريك له فيه الحكيم في أمره لا معقب لحكمه «8». PageV03P317 ### || [سورة سبإ (34): آية 28] # وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) # (وما أرسلناك إلا كافة للناس) أي إرسالة عامة لهم، وقيل معناه: «أرسلناك ~~جامعا للناس ms1401 في الإنذار والإبلاغ» «1»، فيكون حالا من الكاف والتاء فيها ~~للمبالغة كتاء راوية، ومن جعله حالا من المجرور بعده فقد أخطأ لاستحالة ~~تقدم المجرور على الجار وهو تابع له «2» أو المعنى: إلا لتكف الناس عن ~~المعاصي فيكون علة للإرسال، قوله (بشيرا) بالجنة (ونذيرا) بالنار حالان من ~~المفعول (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [28] أي لا يصدقون برسالتك أو لا ~~يؤمنون بالجنة والنار. ### || [سورة سبإ (34): آية 29] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) # (ويقولون) أي الكافرون استهزاء للمؤمنين (متى هذا الوعد) أي البعث (إن ~~كنتم صادقين) [29] في وقوعه. ### || [سورة سبإ (34): آية 30] # قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) # (قل) على طريق التهديد الله قادر اليوم على عذابكم ولكن (لكم ميعاد يوم) ~~أي يوم البعث أو الموت مكتوب لكم في اللوح المحفوظ فلذا يؤخركم، وال ~~«ميعاد» ظرف الوعد من مكان أو زمان والمراد هنا «3» الزمان، والإضافة ~~للتبيين كبعير سانية وهي الناقة التي تسقي البساتين (لا تستأخرون عنه) أي ~~عن الميعاد (ساعة ولا تستقدمون) [30] أي إن طلبوا التقدم عليه لا يتقدمون ~~وإن طلبوا التأخر عنه لا يتأخرون. ### || [سورة سبإ (34): آية 31] # وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا لو لا أنتم لكنا مؤمنين (31) # (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه) أي بالتورية ~~والإنجيل، قيل: إن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن النبي عليه السلام ~~فأخبروهم بأنهم يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم فأغضبهم ~~ذلك فكفروا بكتب الله جميعا «4»، وقيل: المراد «بالذي بين يديه» يوم ~~القيامة «5»، والمعنى: أنهم جحدوا كون القرآن من الله وكل ما دل عليه من ~~الإعادة للجزاء، ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال للنبي عليه السلام أو للمخاطب ~~(ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول) أي يرد ~~إليه الجواب حال الخصومة بينهم، يعني لو ترى في الآخرة ms1402 توقفهم محبوسين ~~وتراجعهم القول وتلاعنهم لرأيت العجب، فحذف الجواب تفخيما لشأنه، ثم بين ~~القول بقوله (يقول الذين استضعفوا) وهم الأتباع (للذين استكبروا) وهم ~~الرؤساء (لو لا أنتم لكنا مؤمنين) [31] أي أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ~~ورسوله والقرآن. ### || [سورة سبإ (34): آية 32] # قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) # (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا) إنكارا عليهم (أنحن صددناكم) أي ~~أنحن «6» منعناكم (عن الهدى) أي عن الإيمان (بعد إذ جاءكم) الهدى، أي لم ~~نصدكم عن الإيمان نحن (بل كنتم مجرمين) [32] أي مختارين الشرك بصحة نياتكم ~~في اختياره لا لقولنا وجبرنا. ### || [سورة سبإ (34): آية 33] # وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن ~~نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال ~~في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) PageV03P318 # (وقال الذين استضعفوا) أي الضعفاء ردا للجواب (للذين استكبروا) أي ~~للرؤساء (بل مكر الليل والنهار) وهو إبطال من المستضعفين قول المستكبرين ~~ورفع «مكر الليل» لكونه خبر مبتدأ محذوف، أي سبب صدودنا عن الإيمان مكركم ~~بنا، يعني احتيالكم بالدعوة إلى الشرك في الليل والنهار فأجري الظرف مجرى ~~المفعول به، فأضيف ال «مكر» إليهما اتساعا أو جعلا ماكرين مجازا لكثرة وقوع ~~المكر فيهما، المعنى: أنا أشركنا بسبب مكركم (إذ تأمروننا أن نكفر بالله) ~~أي بتوحيده (ونجعل له أندادا) أي أمثالا (وأسروا) الضمير للجنس المشتمل على ~~الفريقين من المستكبرين والمستضعفين، أي أخفوا أو أظهروا (الندامة) أي ~~الحسرة من الإضلال والضلال والاتباع للمضلين (لما رأوا العذاب وجعلنا) أي ~~ونجعل يوم القيامة (الأغلال في أعناق الذين كفروا) من الرؤساء والأتباع في ~~النار ويقال استهزاء بهم يومئذ (هل يجزون) أي ما يثابون «1» (إلا ما كانوا ~~يعملون) [33] وجيء بالواو في قوله «وقال الذين استضعفوا» دون قوله «قال ~~الذين استكبروا»، لأنه تقدم كلامهم المعطوف عليه في الأول فعطف، ولم يتقدم ~~لهم كلام في الثاني ليعطف عليه وإنما هو جواب كلام المستضعفين على سبيل ~~الاستئناف. ### || [سورة سبإ ms1403 (34): آية 34] # وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) # (وما أرسلنا في قرية من نذير) أي رسولا «2» ينذرهم (إلا قال مترفوها) أي ~~رؤساؤها المتكبرون المتنعمون في الدنيا «3» لرسلهم (إنا بما أرسلتم به) من ~~الكتاب والتوحيد (كافرون) [34] أي جاحدون. ### || [سورة سبإ (34): الآيات 35 الى 36] # وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) # (وقالوا) أي الكافرون المفتخرون بزخارف الدنيا على الفقراء وبكثرة ~~الأموال والأولاد (نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [35] يوم ~~القيامة لأنا أكرم على الله من أن يعذبنا في الآخرة نظرا إلى أحوالنا في ~~الدنيا، وقد أبطل الله ظنهم بأن الرزق فضل منه يعطيه لمن يشاء فلا تفتخروا ~~بالمال، فأمر نبيه عليه السلام بقوله (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر) أي يقسمه كيف يشاء فربما يوسع على العاصي ويضيق على المطيع وبالعكس ~~فأمر الثواب لا يقاس عليه (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [36] أن البسط ~~والتقتير من الله تعالى. ### || [سورة سبإ (34): آية 37] # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) # (وما أموالكم) أي ليس جماعة أموالكم (ولا أولادكم) أي ولا جماعة أولادكم ~~(بالتي) أي الأشياء التي (تقربكم عندنا زلفى) أي قربى، مصدر من غير لفظ ~~فعله بمعنى تقربكم قربة ك «أنبتكم من الأرض نباتا» «4» (إلا من آمن) بالله ~~وبما جاء من عنده استثناء من المفعول، أي الأموال لا تقرب أحدا إلا من آمن ~~(وعمل صالحا) منكم، أي إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، وكذا ~~«5» الأولاد لا يقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقههم «6» في الدين ورباهم ~~بالصلاح والطاعة (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) أي تضاعف «7» لهم ~~حسناتهم الواحدة عشرا إلى سبعمائة وإلى ما لا يحصي وهو من إضافة المصدر إلى ~~المفعول، أي لهم أن يجازوا الضعف (وهم في الغرفات) أي في قصور ms1404 الجنة ~~(آمنون) [37] من الموت والهرم والمرض والعدو وغير ذلك، وقرئ في «الغرفة» ~~«8» أيضا وهي كل بناء فوق سفل، والجمع غرف وغرفات. PageV03P319 ### || [سورة سبإ (34): آية 38] # والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) # (والذين يسعون في آياتنا معاجزين) أي دافعين الناس عن الإيمان بآيات ~~القرآن، وقرئ «معجزين» «1» (أولئك في العذاب محضرون) [38] أي مجتمعين لا ~~ينفكون عنه. ### || [سورة سبإ (34): آية 39] # قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين (39) # (قل) يا محمد تأكيدا لبطلان زعمهم أنهم أكرم «2» على الله لما رزقهم في ~~الدنيا (إن ربي يبسط) أي يوسع (الرزق لمن يشاء من عباده) ابتلاء منه ~~(ويقدر) أي يضيقه (له) نظرا عليه لكي يعطيه في الجنة بدله (وما أنفقتم من ~~شيء) أي ما تصدقتم في طاعة الله (فهو) أي فالله (يخلفه) أي يعوضه هنا ~~بالمال وثمه بالثواب أو يعوضه بالقناعة التي هي كنز لا يفنى (وهو خير ~~الرازقين) [39] أي أعلاهم هو تعالى، لأن كل من «3» رزق غيره من سلطان جنده ~~أو سيد عبده أو رجل عياله فهو من رزق الله أجراه على أيدي هؤلاء. ### || [سورة سبإ (34): آية 40] # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) # (ويوم يحشرهم جميعا) أي الملائكة ومن عبدهم (ثم يقول للملائكة) يوم ~~القيامة إثباتا للحجة على الكفار وتقريعا لهم (أهؤلاء) أي الكافرون (إياكم ~~كانوا يعبدون) [40] يا ملائكتي. ### || [سورة سبإ (34): آية 41] # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) # (قالوا سبحانك) أي تنزيها لك من الشرك (أنت ولينا) الذي نتولاه ونحبه ~~ونلتجئ إليه (من دونهم) أي دون الكفار، أي ما كانوا يعبدوننا فانا براء ~~منهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم وهي ضد المعاداة، فبينوا باثبات موالاة ~~الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم (بل كانوا يعبدون الجن) أي ~~يعنون الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، وقيل: صورت الشياطين صور ~~قوم من الجن وقالوا هذه صور الملائكة فاعبدوها «4»، وقيل: كانوا يدخلون ms1405 في ~~أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها «5» (أكثرهم) أي الكفار (بهم) أي ~~بالجن وبقولهم من الكذب (مؤمنون) [41] أي مصدقون. ### || [سورة سبإ (34): آية 42] # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) # (فاليوم) أي يقول الله تعالى لهم اليوم (لا يملك بعضكم لبعض نفعا) أي ~~شفاعة (ولا ضرا) أي دفع العذاب عنكم (ونقول) يوم القيامة (للذين ظلموا) أي ~~للمشركين في الدنيا (ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون) [42] أنها كائنة. ### || [سورة سبإ (34): آية 43] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما ~~كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) # ثم أخبر عن أفعالهم في الدنيا بالنبي عليه السلام والقرآن بقوله (وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات) أي واضحات بالأمر والنهي والحلال والحرام (قالوا ~~ما هذا) به أشاروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عن ما كان يعبد آباؤكم) أي يصرفكم عن عبادة الأصنام، قوله (وقالوا ما ~~هذا إلا إفك مفترى) إشارة إلى القرآن، أي ما هو إلا كذب مختلق (وقال الذين ~~كفروا للحق) أي لأمر النبوة ودين الإسلام (لما جاءهم) من الله PageV03P320 # (إن هذا) أي ما الحق (إلا سحر مبين) [43] فهم بتوا الحكم بهذا القول على ~~أنه سحر بين، أي ظاهر لكل عاقل إن تأمله سماه سحرا لفرط عنادهم. ### || [سورة سبإ (34): آية 44] # وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) # (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) أي يقرؤونها فيعلمون بذلك صحة الشرك بالله ~~(وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) [44] ينذرهم بالعقاب أن لا يشركوا، ~~والمراد منهم هم العرب الذين بعث النبي إليهم لا من تقدمهم من العرب، لأن ~~إسمعيل عليه السلام كان مبعوثا قبله إليهم. ### || [سورة سبإ (34): آية 45] # وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير (45) # (وكذب الذين من قبلهم) تهديد ms1406 لهم على تكذيبهم بالنبي عليه السلام، أي قد ~~كذب الذين تقدموهم من الأمم والقرون الخالية رسلهم كما كذبك هؤلاء (وما ~~بلغوا) أي أهل مكة (معشار ما آتيناهم) أي بعض ما آتينا أولئك من طول ~~الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال (فكذبوا رسلي) عنادا، أي «1» لم يؤمنوا ~~بهم (فكيف كان نكير) [45] أي إنكاري عليهم بالتدمير والاستئصال، ولم ينفعهم ~~استظهارهم بتلك الأحوال التي يتوقعون الاستظهار بها «2» فما بال هؤلاء بجنب ~~أولئك، وال «معشار» بمعنى العشر كالمرباع بمعنى الربع «3»، يعني ما بلغ ~~كفار مكة عشر ما آتينا الأمم المتقدمة قبلهم من أسباب الاستظهار، قوله ~~«فكذبوا رسلي» بعد قوله «وكذب الذين من قبلهم» مع كونه مستغنى عنه به بيان ~~بأنه مسبب عن الأول، لأن إقدامهم على التكذيب سبب لتكذيب الرسل. ### || [سورة سبإ (34): آية 46] # قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # (قل) لكفار مكة ترحما بهم (إنما أعظكم بواحدة) أي بخصلة واحدة إن ~~فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي (أن تقوموا لله) أي لوجه الله خالصا وهو ~~بدل من «واحدة» (مثنى) أي اثنين اثنين (وفرادى) أي فردا فردا (ثم تتفكروا) ~~في شأن محمد عليه السلام وما جاء به حتى يظهر لكم شأنه وتعلموا (ما بصاحبكم ~~من جنة) أي ليس بمحمد الذي أرسل إليكم جنون كما تزعمون، بل هو عاقل صادق في ~~قوله بل علمتموه أرجح الناس عقلا وأثقبهم ذهنا وأصدقهم قولا وأرزنهم حلما، ~~فكان مظنة لأن تظنوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب فحينئذ ~~كفاكم بأن يأتيكم «4» آية على قوله، فاذا أتى بها تبين أنه نذير مبين، ~~ويجوز أن يكون ما بصاحبكم كلاما مستأنفا تنبيها من الله على طريقة النظر في ~~أمر الرسول عليه السلام وأراد بالقيام منهم الاهتمام بالمطلوب لا حقيقة ~~القيام، وإنما قيده بالاثنين والفرادى لأن الاثنين إذا نظرا فيه نظر ~~متصادقين متناصفين لا يميل بها أتباع هوى هجم بهما الفكر الصحيح على جادة ~~الحق وسننه، ms1407 وكذا الواحد إذا تفكر في نفسه بعدل وإنصاف على عادة العقلاء ~~متجردا عن الهوى والتعند يهدي به إلى الحق وأما الجمع فمما يقل فيه الإنصاف ~~غالبا ويكثر فيه الخلاف وتشوش الخاطر وغيرها مما يمنع الفكر الصحيح، ثم ~~أثبت صدقه بالنفي والاستثناء بعد قوله «ما بصاحبكم من جنة» بقوله (إن هو ~~إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [46] وهو عذاب النار. ### || [سورة سبإ (34): آية 47] # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) # قوله (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) شرط وجزاء، أي أي شيء سألتكم من أجر ~~على إنذاري وتبليغي الرسالة فهو لكم، يعني لا أسألكم شيئا، وهذا من قبيل ~~قولهم ما لي في هذا فهو لك، أي ليس لي فيه شيء (إن أجري إلا على الله) فهو ~~يثيبني ويحفظني وينصرني (وهو على كل شيء شهيد) [47] أي شاهد بأني نذير مبين ~~ليس بي جنون أو حفيظ عالم بأني لا أطلب الأجر منكم على الدعوة والنصيحة. PageV03P321 ### || [سورة سبإ (34): آية 48] # قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) # (قل إن ربي يقذف بالحق) أي يرمي ويتكلم بالوحي على الأنبياء أو يرمي ~~بالحق على الباطل فيدمغه، قوله (علام الغيوب) [48] صفة لاسم «إن» أو بدل من ~~ضمير «يقذف»، أي هو عالم بكل غيب وهو الخفي الذي لا يعلمه ابتداء إلا هو من ~~القول والفعل وغيرهما في السماء والأرض. ### || [سورة سبإ (34): آية 49] # قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) # (قل جاء الحق) أي القرآن أو الإسلام النافع (وما يبدئ الباطل وما يعيد) ~~[49] أي وهلك الباطل وهو الكفر الضار، و«ما» فيهما بمعنى لا، روي: «أنه صلى ~~الله عليه وسلم دخل مكة وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود ~~ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» «1»» «2»، أي هلك، يقال فلان لا يبدئ ولا ~~يعيد مثلا في الهلاك، وقيل: # معناه إن الباطل قد بطل بمجيء الحق فلا يلتفت إليه «3»، لأنه يقال فلان ~~لا يبدئ ولا يعيد إذا لم يلتفت إليه، ms1408 وقيل: # «لا يبدئ الباطل لأهله خيرا ولا يعيده» «4»، أي لا ينفعهم في الدنيا ~~والآخرة أو الباطل الشيطان «5»، لأنه صاحب الباطل ولا يخلق شيئا ولا يبعثه، ~~وقيل: هو أصنامهم «6»، لأنهم عجزة لا تحيي ولا تميت. ### || [سورة سبإ (34): آية 50] # قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع ~~قريب (50) # (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) أي فانما وزر ضلالي علي لا عليكم (وإن ~~اهتديت) إلى الحق من الإسلام والقرآن (فبما يوحي إلي ربي) أي فهدايتي بفضل ~~ربي ووحيه فلا منة لغيره فهو في معنى فنفعه لنفسي (إنه سميع قريب) [50] ~~منهم يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله، ولا يفوته شيء ما من القول والفعل أو ~~قريب بالإجابة ممن دعاه. ### || [سورة سبإ (34): آية 51] # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) # (ولو ترى إذ فزعوا) أي خافوا وهو وقت البعث وقيام الساعة أو وقت الموت أو ~~يوم بدر (فلا فوت) أي لا يفوتون الله، وجواب «لو» محذوف، أي لرأيت أمرا ~~عظيما، وقيل: نزلت الآية في عسكر قصدوا الكعبة ليخربوها فخسف بهم إذا دخلوا ~~البيداء «7» (وأخذوا من مكان قريب) [51] أي من الموقف إلى النار إذا بعثوا ~~أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم هنا أو المراد يوم بدر وحيث كانوا فهو قريب ~~من الله تعالى، وعطف «أخذوا» على معنى «فلا فوت»، أي لم يفوتوا وأخذوا أو ~~على «فزعوا، أي فزعوا وأخذوا فلا فوت. ### || [سورة سبإ (34): آية 52] # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) # (و) عند حلول العذاب بهم (قالوا آمنا به) أي بالبعث أو بمحمد لتقدم ذكره ~~بقوله «ما بصاحبكم» (وأنى لهم التناوش) بالهمز من النأش وهو الحركة ببطء، ~~أي من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم، وبالواو «8»، أي التناول ~~والأخذ بسهولة، يقال تناقش وتناول إذا مد يده إلى شيء يصل إليه (من مكان ~~بعيد) [52] أي من الآخرة إلى الدنيا وهو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ~~ينفعهم إيمانهم عند نزول ms1409 العذاب بهم كما نفع «9» المؤمنين إيمانهم في ~~الدنيا، فمثلت حالهم بحال من يريد أن يصل الشيء من غلوة وهي مقدار رمية. PageV03P322 ### || [سورة سبإ (34): آية 53] # وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) # (وقد كفروا به من قبل) أي كيف لهم تناول التوبة والحال أنهم قد كفروا في ~~الدنيا بما آمنوا به وقت العذاب، فالتوبة لا تنفع التائب حين لا متاب، قوله ~~(ويقذفون بالغيب) عطف على «كفروا» على حكاية الحال الماضية، أي وكانوا ~~يتكلمون في الدنيا بالغيب كذبا ويأتون به (من مكان بعيد) [53] أي من حيث لا ~~يعلمون لعدم تحققهم صدق ما يقولون من أنه شاعر ساحر كاهن، وهذا تكلم بالغيب ~~بعيد من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم، و«الغيب» بمعنى الغائب، ~~وقيل: «هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار» «1». ### || [سورة سبإ (34): آية 54] # وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك ~~مريب (54) # (وحيل) أي فعل حائل (بينهم وبين ما يشتهون) من نفع الإيمان يومئذ والنجاة ~~به من النار والفوز بالجنة أو الرجوع إلى الدنيا (كما فعل بأشياعهم) أي ~~بأشباههم (من قبل) أي فعل بمن كان قبلهم من كفرة الأمم ومن مذهبه مذهبهم من ~~الحائل، يعني منعوا وحجبوا من الإيمان والتوبة عند شدة البأس، وال «أشياع» ~~جمع شيع وهو جمع شيعة، وهي فرقة يتقوى الإنسان بهم (إنهم كانوا في شك مريب) ~~[54] من أراب الرجل إذا صار ذا شك، أي إنهم كانوا في الدنيا في شك ذي شك من ~~قبيل قولهم شعر شاعر للمبالغة، والمراد: أن تزايد الشك فيهم أوقعهم في ~~العذاب الأليم الأبدي. PageV03P323 ### | سورة الملائكة (فاطر) # مكية أنزلت لرفع شكهم ودفع شركهم «1» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة فاطر (35): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) # (الحمد لله فاطر السماوات والأرض) باضافة الصفة التي للمضي إلى المفعول، ~~أي منشئهما ومبدعهما ms1410 قبل فيكون إضافة حقيقة، وكذلك (جاعل الملائكة) صفة بعد ~~صفة، قوله (رسلا) مفعول ثان ل «جاعل» عند البعض أو بفعل مقدر دل عليه ~~«جاعل»، أي جعلهم رسلا، وقيل: «جاعل» بمعنى خالق، و«رسلا» حال من ~~«الملائكة» «2»، وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وكرام كاتبون ~~عليهم الصلوة والسلام، قوله (أولي) صفة ل «رسلا»، أي الملائكة ذوي (أجنحة) ~~و«أولوا» اسم جمع ل «ذو» كما أن «أولاء» اسم جمع ل «ذا»، قوله (مثنى وثلاث ~~ورباع) صفات ل «أجنحة» وهي لا تنصرف لتكرر العدل فيها، لأنها عدلت عن ألفاظ ~~الأعداد إلى صيغ أخر وعن تكرير إلى غير تكرير، وقيل: للوصفية والعدل «3»، ~~والمعنى: أن من الملائكة ما له جناحان وهو الأصل للطيران في أمر من أمور ~~الله تعالى بمنزلة اليدين وثلاثة أجنحة الثالث في ظهره يتقوى به وأربعة ~~الرابع لغير الطيران وهو لف الوجه به حياء من الله تعالى (يزيد في الخلق ما ~~يشاء) من الملائكة وغيرها، روي: أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبرائيل ليلة ~~المعراج وله ستمائة جناح «4»، وقيل: الزيادة في الخلق حسن الوجه والصوت ~~والخط «5» أو المعرفة بالله والمراقبة له، وقيل: كل زيادة محمودة في خلق ~~وخلق «6» (إن الله على كل شيء قدير) [1] مما لا يحيط به الوصف. ### || [سورة فاطر (35): آية 2] # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ~~وهو العزيز الحكيم (2) # (ما يفتح الله) أي أي شيء يرسل (للناس من رحمة) أي من كل خير كرزق ومطر ~~وصحة وأمن (فلا PageV03P324 # ممسك لها) أي لا أحد يقدر على إمساكها وحبسها (وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده) أي أي شيء يمسك بالله فلا أحد يقدر على إرساله من بعد إمساكه، وتأنيث ~~الضمير وتذكيره في الموضعين للحمل على اللفظ وعلى المعنى (وهو العزيز) أي ~~الغالب القادر على الإرسال والإمساك (الحكيم) [2] الذي يرسل ويمسك باقتضاء ~~الحكمة. ### || [سورة فاطر (35): آية 3] # يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله ms1411 إلا هو فأنى تؤفكون (3) # (يا أيها الناس) أي يا أهل مكة (اذكروا) أي احفظوا (نعمت الله عليكم) ~~بشكرها وهو معرفة حقها وطاعة مولاها حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من عدادة جميع ~~العالم، وقيل: المراد من «الناس» العموم «1» (هل من خالق غير الله) بالجر ~~والرفع «2» نعت ل «خالق» لفظا أو محلا، قوله (يرزقكم) خبر من «خالق» لأنه ~~مبتدأ، و«من» زائدة، ويجوز أن يكون صفة ل «خالق» والخبر محذوف، أي موجود، ~~ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ بعد قوله «هل من خالق غير الله»، أي هو يرزقكم ~~(من السماء) المطر (والأرض) النبات والغرض نفي للغير، أي لا رازق لكم سواه، ~~ثم استأنف مشيرا إلى توحيده بقوله (لا إله إلا هو) في الخلق والرزق (فأنى ~~تؤفكون) [3] أي فكيف تصرفون عن التوحيد إلى الكفر. ### || [سورة فاطر (35): آية 4] # وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل) أي رسل ذو عدد كثير وأولو آيات ونذر (من قبلك) ~~شرط وجزاء، وحق الجزاء أن يتعقب الشرط وهو سابق عليه معنى، قيل: وجه صحته ~~أن الجواب محذوف وهو فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع «فقد كذبت» موضع ~~الجواب استغناء بالسبب عن المسبب «3» (وإلى الله ترجع) أي تصير (الأمور) ~~[4] أي عواقبها بالبعث والجزاء لا إلى غيره تعالى. ### || [سورة فاطر (35): آية 5] # يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (5) # ثم خاطب أهل مكة بقوله (يا أيها الناس إن وعد الله) أي البعث وما تعلق به ~~«4» (حق) أي ثابت لا شك فيه (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) أي فلا يخدعنكم ~~الدنيا بزخارفها (ولا يغرنكم بالله) أي لا يخدعنكم بذكر مغفرته لكم ~~(الغرور) [5] أي الشيطان بوسوسته، يعني لا يغوينكم بقوله لكم اعملوا ما ~~شئتم «5»، فان الله غفور يغفر لكل «6» كبيرة وخطيئة. ### || [سورة فاطر (35): آية 6] # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير (6) # (إن الشيطان لكم عدو) أي عدو قوي في عداوته (فاتخذوه عدوا) أي لا تطيعوه ms1412 ~~وحاربوه في سركم وجهركم (إنما يدعوا حزبه) أي أتباعه (ليكونوا من أصحاب ~~السعير) [6] أي من أهل الشقاوة والهلاك. ### || [سورة فاطر (35): آية 7] # الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~كبير (7) # قوله (الذين كفروا) مبتدأ، خبره (لهم عذاب شديد) أي كفرهم سبب لذلك، قوله ~~(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) مبتدأ، خبره (لهم مغفرة وأجر كبير) [7] أي ~~إيمانهم سبب لذلك. PageV03P325 ### || [سورة فاطر (35): آية 8] # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) # ثم قال لنبيه عليه السلام (أفمن زين له سوء عمله) من هذين الفريقين كأبي ~~جهل، أي لبس عليه وسلب تمييزه لكونه مغلوب العقل بوسوسة الشيطان (فرآه ~~حسنا) أي جميعا، وجوابه محذوف وهو كمن هداه الله لدلالة قوله (فإن الله يضل ~~من يشاء ويهدي من يشاء) وقيل: الجواب ذهبت نفسك عليه حسرة لدلالة قوله «1» ~~(فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وهي مفعول له، أي للحسرات، و«عليهم» متعلق ب ~~«تذهب» لا ب «حسرات»، لأن صلة المصدر لا يتقدم عليه، والمعنى: لا تهلك نفسك ~~غما بعد غم عليهم بتركهم الإيمان أو بهلاكهم في العذاب، قوله (إن الله عليم ~~بما يصنعون) [8] وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. ### || [سورة فاطر (35): آية 9] # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) # (والله الذي أرسل الرياح فتثير) أي تهيج (سحابا) لإنزال المطر، وإنما قال ~~«فتثير» على المضارعة ليحكى الحال التي يقع فيها إثارة الرياح السحاب ~~للدلالة على القدرة الربانية بالصورة الحاضرة (فسقناه) أي نسوقه (إلى بلد ~~ميت فأحيينا به الأرض) أي صيرناها خضراء بالنبات (بعد موتها) أي بعد «2» ~~يبسها (كذلك النشور) [9] أي خروجكم من القبور مثل خروج النبات من الأرض من ~~غير عسر علينا، روي: أنه تعالى يحيي الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني ~~الرجال، تنبت به أجساد الخلق عند النفخة الثانية كما ينبت الأرض من الندى «3». ### || [سورة فاطر (35): آية ms1413 10] # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) # ونزل حين كان الكفار يتعززون بأصنامهم أو المنافقون كانوا يتعززون ~~بالمشركين قوله «4» (من كان يريد العزة) فليطلبها من الله من يطلبها وذلك ~~بالإيمان والعمل الصالح، قوله (فلله العزة جميعا) وضع موضع الجواب استغناء ~~به عنه لدلالته عليه، لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه (إليه يصعد الكلم ~~الطيب) وهو قول لا إله إلا الله (والعمل الصالح يرفعه) أي يرفع الكلم الطيب ~~فكان التوحيد انما قبل بسبب الطاعة، إذ التوحيد مع العصيان لا ينفع، أي لا ~~يمنع من العقاب، وقيل: «الكلم الطيب» يرفع العمل الصالح، لأن الطاعة لا ~~تقبل إلا بالتوحيد «5»، وقيل: «الكلم الطيب» كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل ~~ودعاء واستغفار وتلاوة القرآن «6»، وقيل: قول الرجل سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء ~~فحيا بها وجة الرحمن، فاذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه «7»، والمراد من ~~«العمل الصالح» فرائض الله فمن ذكره ولم يؤد فرائضه رد كلامه (والذين ~~يمكرون السيئات) نصب بأنه صفة للمصدر المنصوب، أي المكرات السيئات لأن يمكر ~~لازم (لهم عذاب شديد) هنا وثم، والمراد مكرات قريش حين اجتمعوا في دار ~~الندوة بمكره صلى الله عليه وسلم باحدى ثلاث مكرات إما بقتله أو باخراجه أو ~~باثباته وهو الجرح بجراحة لا يتحرك «8» معها (ومكر PageV03P326 # أولئك) أي الكفار الماكرين (هو يبور) [10] أي يبطل ويفسد هو خاصة دون مكر ~~الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر وحقق فيهم قوله ~~ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين «1». ### || [سورة فاطر (35): آية 11] # والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (11) # (والله خلقكم من تراب) أي خلق أصلكم منه ms1414 وهو آدم (ثم من نطفة ثم جعلكم ~~أزواجا) أي أصنافا أو ذكرانا وإناثا (وما تحمل من أنثى) أي لا تحمل «2» ~~أنثى، و«من» فيه زائدة (ولا تضع إلا بعلمه) نصب على الحال، أي ليس حملها ~~ووضعها إلا ملابسا بعلم الله تعالى بوقته ووصفه (وما يعمر) أي لا يطول عمر ~~«3» (من معمر) أي طويل العمر، والمراد به من أحد وسمي معمرا بما هو صائر ~~إليه (ولا ينقص من عمره) بسكون الميم وضمه «4»، أي من عمر المعمر المذكور ~~(إلا) هو (في كتاب) وهو اللوح بأن كتب فيه أن عمر فلان أربعون سنة إن حج ~~وستون سنة إن حج وتصدق، فاذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر، وإذا أفرد ~~أحدهما فبلغ الأربعين بلا تجاوز عنه فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو ~~الستون (إن ذلك) المكتوب في اللوح حفظه (على الله يسير) [11] بغير حسبان ~~وكتابة، لأنه العالم بالذات لا يتعذر تعلق علمه بمعلوم ما. ### || [سورة فاطر (35): آية 12] # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون (12) # (وما يستوي البحران هذا عذب فرات) أي حلو لذيذ (سائغ شرابه) أي سلس ~~الدخول في الحلق (وهذا) أي والآخر منهما (ملح أجاج) أي شديد الملوحة، وقيل: ~~هو مثل للمؤمن والكافر «5» (ومن كل) أي كل واحد منهما (تأكلون لحما طريا) ~~وهو السمك (وتستخرجون) من الملح خاصة (حلية تلبسونها) وهي اللؤلؤ والمرجان، ~~ولم يقل منه هنا كما في النحل «6» لأنه معلوم (وترى الفلك فيه) أي في كل ~~واحد منهما (مواخر) من المخر وهو الشق، أي تمخر الماء بجريها، يعني تشقه ~~«7» مقبلة ومدبرة بريح واحدة وفعل ذلك (لتبتغوا من فضله) أي لتطلبوا من رزق ~~الله، فالضمير لله وإن لم يذكر لدلالة المعنى عليه (ولعلكم تشكرون) [12] أي ~~ولتشكروا رب هذه النعم، استعير «لعل» للإرادة ولذا عطف على «لتبتغوا». ### || [سورة فاطر (35): آية 13] # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ms1415 كل يجري ~~لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير (13) # ثم أخبر بأنه (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر) أي ذلل ~~لكم (الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) أي إلى أقصى منازلهما في الغروب أو ~~يجريان إلى يوم القيامة (ذلكم الله ربكم له الملك) «ذلكم» مبتدأ، والباقي ~~أخبار مترادفة، أي هذا الذي فعل تلك الأشياء البديعة خالقكم ورازقكم له ملك ~~السموات والأرض، فاعرفوه ووحدوه فادعوه في حاجاتكم ليستجيب لكم ولا تدعوا ~~غيره (والذين تدعون) من الأصنام آلهة (من دونه) أي من دون الله (ما يملكون ~~من قطمير) [13] أي لا يقدرون على أن ينفعوكم مقدار القطمير وهو القشر ~~الرقيق الملتف على النواة. PageV03P327 ### || [سورة فاطر (35): آية 14] # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة ~~يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # (إن تدعوهم) أي الأوثان (لا يسمعوا دعاءكم) لأنهم جماد (ولو سمعوا) فرضا ~~(ما استجابوا لكم) لعجزهم فيما تدعون لهم من الألوهية أو ما نفعوكم (ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم) إياهم مع الله وعبادتكم يقولون ما كنتم إيانا ~~تعبدون (ولا ينبئك) أي لا يخبرك يا محمد بحال الأوثان وعبادة المشركين ~~إياها وعاقبتها أو بأمر الدنيا والآخرة مخبر (مثل خبير) [14] أي عالم بذلك ~~على الحقيقة لا كسائر المخبرين به وهو الله تعالى. ### || [سورة فاطر (35): آية 15] # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) # ثم خاطب الناس بالعموم تنبيها لهم على ضعفهم بالخلقة فقال (يا أيها الناس ~~أنتم الفقراء إلى الله) بكل حال وعرفه لبيان أنهم هم الفقراء لا غير لشدة ~~افتقارهم إليه وإن كانت المخلوقات كلها مفتقرة إليه تعالى، ولو نكر لكان ~~المعنى: أنتم بعض الفقراء إلى الله (والله هو الغني) عن كل خلقه (الحميد) ~~[15] أي المحمود في صنعه بغناه، وقيد «الغني» به ليعلمهم أنه ينفعهم بغناه ~~إذ ليس كل غني نافعا بغناه. ### || [سورة فاطر (35): الآيات 16 الى 17] # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله ms1416 بعزيز (17) # (إن يشأ يذهبكم) باهلاككم (ويأت بخلق جديد) [16] بدلكم. # (وما ذلك على الله بعزيز) [17] أي بمممتنع وهذا أغضب عليهم بشركهم ونسبة ~~الولد إليه. ### || [سورة فاطر (35): آية 18] # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ~~ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) # (ولا تزر وازرة) من وزره إذا حمله، أي لا تحمل نفس حاملة (وزر أخرى) أي ~~حمل نفس حاملة أخرى، يعني لا تؤخذ نفس بذنب غيرها يوم القيامة (وإن تدع ~~مثقلة) أي نفس حاملة الأثقال (إلى حملها) «1» الذي عليها من الأوزار ~~الثقيلة أحدا ليحمل بعض أوزاره (لا يحمل منه) أي من حملها (شيء) بالطوع ~~(ولو كان) المدعو (ذا قربى) أي ذا قرابة من أب وأم وأخ وولد، وترك المدعو ~~في الكلام للتعميم بدلالة «وإن تدع» لاقتضائه المدعو، قيل: الفرق بين ~~الجملة الأولى وهي قوله «ولا تزر» وبين الثانية وهي «وإن تدع»، إن الأولى ~~للدلالة على عدل الله في حكمه والثانية لبيان أن لا غياث يومئذ لمن استغاث ~~«2»، قوله (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) تسلية لنبيه عليه السلام، ~~ووجه اتصاله بما قبله أن الله لما غضب عليهم من قوله «إن يشأ يذهبكم» أتبعه ~~الإنذار بذكر القيامة وأهوالها لهم ثم لما لم ينفعهم قال «إنما تنذر»، أي ~~لا تنذر إلا الذين يخافون الله وهم ما رأوه، وقيل: معنى «بالغيب» في السر ~~«3» (وأقاموا الصلاة) أي يتمونها وإنما خص الخاشعين بالإنذار، لأنه لا ينفع ~~إلا لهم، وهذه صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن غيرهم أصحاب ~~التمرد والعناد (ومن تزكى) أي تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي (فإنما ~~يتزكى) أي «4» يتطهر (لنفسه) يعني صلاحه نافع له والله غني عن خلقه وعملهم، ~~قوله (وإلى الله المصير) [18] وعد للمتطهرين بالثواب ووعيد لغيرهم بالعقاب. ### || [سورة فاطر (35): الآيات 19 الى 21] # وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا ~~الحرور (21) # (وما يستوي الأعمى والبصير) [19] أي ms1417 الكافر والمؤمن أو الصنم والحق تعالى ~~(ولا الظلمات ولا النور) [20] PageV03P328 # أي ولا الباطل والحق والكفر والإيمان (ولا الظل) أي الجنة (ولا الحرور) ~~[21] أي النار، وقيل: «الظل» سواد الليل و«الحرور» سموم النهار «1». ### || [سورة فاطر (35): آية 22] # وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في ~~القبور (22) # (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) أي العلماء والجهال أو الذين شرحوا ~~صدورهم للإسلام والذين قست قلوبهم بالكفر، و«لا» زائدة بعد «2» النفي في ~~جميع ما مر (إن الله يسمع من يشاء) أي يسمع الإنذار منك إسماع هداية من ~~يشاء هدايته فيسلم وخذل من لم يشأ هدايته فيكفر، لأنه عالم بمن ينفعه ~~الهداية وبمن لا ينفعه (وما أنت بمسمع من في القبور) [22] أي أنت لست بمسمع ~~الإنذار من قلبه مطبوع، لأنه كالمقبور تحت الأرض في عدم الانتفاع فلا تحرص ~~على هدايته لأنه لا ينفعه قولك. ### || [سورة فاطر (35): آية 23] # إن أنت إلا نذير (23) # (إن أنت إلا نذير) [23] أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر لا أن تجبر عليها، ~~قيل: نسخ هذا بآية السيف «3». ### || [سورة فاطر (35): الآيات 24 الى 25] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن ~~يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب ~~المنير (25) # (إنا أرسلناك بالحق) أي إرسالا مصحوبا بالحق، يعني بالقرآن (بشيرا ~~ونذيرا) بالجنة والنار، ويجوز أن يكون «بالحق» حالا من أحد الضميرين بمعنى ~~محقا أو محقين (وإن من أمة) أي ما جماعة كثيرة (إلا خلا) أي مضى (فيها ~~نذير) [24] ينذر من عذاب الله وذكره من قبيل الاكتفاء به عن بشير لدلالته ~~عليه لكونهما ذكرا من قبل، وأما فترة عيسى عليه السلام فلم يزل فيها من هو ~~على دينه فكأنه لم يخل من نذير إلى أن تندرس آثار النذارة ثم بعث محمد «4» ~~صلى الله عليه وسلم (وإن يكذبوك) أي كفار قريش (فقد كذب الذين من قبلهم) أي ~~كذب من تقدم عليهم وقد (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالشواهد على صحة النبوة ~~وهي المعجزات ms1418 أو بالأمر والنهي (وبالزبر) أي بالصحف (وبالكتاب المنير) [25] ~~أي التورية والإنجيل والزبور. ### || [سورة فاطر (35): الآيات 26 الى 27] # ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ~~ألوانها وغرابيب سود (27) # (ثم أخذت) أي عاقبت (الذين كفروا) أي جحدوا بها (فكيف كان نكير) [26] أي ~~إنكاري وتعييري عليهم، وفيه تسلية للنبي عليه السلام. # ثم بين خلقه وقدرته ليعتبروا به فيؤمنوا بقوله (ألم تر) أي ألم تعلم (أن ~~الله أنزل من السماء ماء) أي المطر (فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها) من ~~أخضر وأصفر وأحمر إلى غيرها أو المراد بال «ألوان» اختلاف الأجناس من ~~الرمان والتين والتفاح والعنب وغيرها مما لا يصحى (ومن الجبال جدد) جمع جدة ~~وهي طريق في الجبل وغيره، مبتدأ وخبر على حذف المضاف، أي ومن الجبال ذو جدد ~~(بيض) صفة بيان ال «جدد» (وحمر) عطف عليه و(مختلف ألوانها) صفة بعد صفة ل ~~«جدد» (وغرابيب سود) [27] معطوف على «بيض» أو على «جدد»، وهو جمع غربيب وهو ~~الشديد السواد تأكيد لسود مقدر يدل عليه سود مذكورة، لأن PageV03P329 # حق التأكيد في تأدية المعنى «1» أن يتبع المؤكد، تقديره: سود غرابيب سود ~~حذف الأول وأبقي «2» الثاني ليدل عليه وإنما فعل ذلك لزيادة التأكيد في ~~تأدية المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعا، والمعنى: # من الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود شديد السواد والغرض بيان اختلاف ألوان ~~الجبال كاختلاف ألوان الثمرات. ### || [سورة فاطر (35): آية 28] # ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء إن الله عزيز غفور (28) # (ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه) أي ومنهم بعض مختلف ألوانه ~~فالموصوف محذوف (كذلك) أي كاختلاف ألوان الجبال والثمرات، محله نصب صفة ~~مصدر محذوف، أي اختلافا كذلك، فمن أدرك آثار صنعه واعتبر به وعرف خالقه ~~وعظم قدره يخشاه بالاستدلال بها عليه وعلى صفاته، فلذلك أتبعه قوله (إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء) أي العلماء بالله دون غيرهم وهم الذين ms1419 علموه ~~بصفاته وعدله وتوحيده وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه حق عظمته وخشوه حق ~~خشيته، فمن ازداد علمه به ازداد خوفه منه، قال صلى الله عليه وسلم: # «أعلمكم بالله أشدكم خشية» «3»، قيل: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وقد ~~ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه «4»، وتقديم اسم الله وتأخيره العلماء يدل ~~على أن الذين يخشون الله من عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا انعكس انقلب ~~المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله وهو خلاف الأول، قوله (إن الله عزيز ~~غفور) [28] تعليل لوجوب الخشية، أي عزيز على قهر عصاته غفور لذنوب مطيعيه ~~فحقه أي يخشى. ### || [سورة فاطر (35): آية 29] # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) # (إن الذين يتلون كتاب الله) أي يديمون على تلاوة القرآن ويعملون بما فيه ~~(وأقاموا الصلاة) في مواقيتها (وأنفقوا مما رزقناهم) في طاعة الله (سرا ~~وعلانية) قوله (يرجون تجارة) خبر «إن»، وال «تجارة» طلب الثواب بالطاعة (لن ~~تبور) [29] أي لن تهلك تلك التجارة في سبيل الله. ### || [سورة فاطر (35): آية 30] # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) # قوله (ليوفيهم) متعلق ب «لن تبور»، أي لا تكسد بل تنفق «5» عند الله ~~ليوفيهم بنفاقها عنده (أجورهم) وهي ثواب التلاوة والعمل بها سرا وعلانية ~~(ويزيدهم من فضله) سوى ثوابها (إنه غفور) لهم ذنوبهم (شكور) [30] أي مثيب ~~لأعمالهم. ### || [سورة فاطر (35): آية 31] # والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير (31) # (والذي أوحينا إليك من الكتاب) أي القرآن (هو الحق مصدقا) حال مؤكدة (لما ~~بين يديه) أي لما تقدمه من الكتب (إن الله بعباده لخبير بصير) [31] أي إنه ~~عالم بحقيقة حالك بصير بأفعالك فرآك أهلا من بين العباد بوحي هذا الكتاب ~~المعجز الشاهد على سائر الكتب. ### || [سورة فاطر (35): آية 32] # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) # (ثم أورثنا) أي أعطينا ms1420 (الكتاب) أي القرآن بعد الوحي إليك (الذين اصطفينا ~~من عبادنا) هم أمتك PageV03P330 # المسلمون يا محمد إكراما لهم بمعنى نورثه لهم إلى يوم القيامة، لأن الله ~~اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطا، أي خيارا عدلا للشهادة على غيرهم ~~من الأمم (فمنهم ظالم لنفسه) وهو المجرم المرجاء لأمر الله، وقدم ال «ظالم» ~~للإيذان بكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم (ومنهم مقتصد) وهو الذي خلط عملا ~~صالحا وآخر سيئا وهم قليل بالنسبة إليهم (ومنهم سابق بالخيرات) وهو الذي ~~سبق إلى الجنة بالأعمال الصالحة (بإذن الله) أي بتوفيقه وتيسيره وهم أقل من ~~القليل (ذلك) أي السبق بالخيرات (هو الفضل الكبير) [32] من الله تعالى. ### || [سورة فاطر (35): آية 33] # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) # قوله (جنات عدن) بدل من «الفضل الكبير» الذي هو السبق بالخيرات وهو سبب ~~في نيل الثواب، فنزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب وإلا لما جاز الإبدال ~~منه، لأنهما جنسان مختلفان وفي ذكر ثواب السابقين بعد التقسيم والسكوت عن ~~الآخرين ما فيه من وجوب الحذر عليهما، فليحذر المقتصد وليهلك الظالم لنفسه ~~حذرا وعليهما بالتوبة النصوح قبل أن يحال بينهما وبينها، ويجوز أن يكون ~~«جنات» مبتدأ، خبره (يدخلونها) معلوما ومجهولا «1» (يحلون فيها) أي يلبسون ~~في الجنة من حليت المرأة فهي حال (من أساور) «من» فيه تبعيض، وقوله (من ~~ذهب) بيان، أي يحلون بعض أساور من ذهب (ولؤلؤا) بالجر وبالنصب «2» عطفا على ~~محل «من أساور»، روي: أن ذلك الذهب يكون في صفاء اللؤلؤ «3» هذه حليتهم ~~(ولباسهم فيها) أي في الجنة (حرير) [33] محرم على الرجال في الدنيا. ### || [سورة فاطر (35): آية 34] # وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) # (وقالوا) بعد دخولهم الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) وهو حزن ~~المتقين من سوء العاقبة، أي أزال عنا كل شيء يوجب الحزن لمعاد ومعاش كالنار ~~والجوع وهم قوت من حلال وخوف الموت ووسوسة الشيطان وغير ذلك، روي عن النبي ~~عليه السلام أنه قال «4»: «ليس على أهل لا إله ms1421 إلا الله وحشة في قبورهم ولا ~~في محشرهم ولا في مسيرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ~~ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» «5»، ~~قوله (إن ربنا لغفور شكور) [34] يدل على أن أهل الجنة كثير والحسنات. ### || [سورة فاطر (35): آية 35] # الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) # ثم وصف الله بوصف آخر فقال (الذي أحلنا) أي أنزلنا (دار المقامة) أي دار ~~الإقامة، مفعول ثان ل «أحلنا» لا ظرف لكونها محدودة (من فضله) أي بكرمه ~~وتفضله (لا يمسنا) أي لا يصيبنا (فيها نصب) أي تعب ومشقة (ولا يمسنا فيها ~~لغوب) [35] أي إعياء وفتور، وفيه زيادة مشقة لأنه نتيجة التعب. ### || [سورة فاطر (35): آية 36] # والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) # ثم بين حال الكافرين بتوحيد الله بقوله (والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم) بالموت (فيموتوا) جواب النفي ونصبه باضمار «أن»، أي فلا ~~يموتون، فموتهم دخل في حكم النفي (ولا يخفف عنهم من PageV03P331 # عذابها) محل «عنهم» رفع بأنه فاعل «يخفف» (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء (نجزي ~~كل كفور) [36] معلوما مع نصب «كل»، أي نعاقب كل كافر بالله، وقرئ مجهولا ~~ورفع «كل» «1»، أي يعذب الكافرون عذابا شديدا. ### || [سورة فاطر (35): آية 37] # وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) # (وهم يصطرخون فيها) أي يستغيثون في جهنم بالصياح مع شدة يقولون (ربنا ~~أخرجنا) منها (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) وفائدة الوصف بقوله «غير الذي ~~كنا نعمل» زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به لا أنهم ~~يعملون عملا صالحا آخر غير ما عملوه من العمل الصالح، ولأنهم كانوا يحسبون ~~أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى وهم يحسبون أن يحسنون صنعا «2»، ثم ~~أجابهم الله بقوله توبيخا (أولم نعمركم ms1422 ما يتذكر فيه من تذكر) أي ألم نطل ~~أعماركم وقتا يتذكر، أي يتعظ فيه ويتوب من تذكر وتاب، وهو ثماني عشرة سنة ~~«3» أو سبع عشرة «4» أو ما بين البلوغ إلى الستين «5» (و) قد (جاءكم ~~النذير) وهو القرآن أو محمد أو الشيب، وهو معطوف على معنى «أ ولم نعمركم»، ~~أي قد عمرناكم وجاءكم النذير (فذوقوا) العذاب (فما للظالمين) أي الكافرين ~~(من نصير) [37] يدفعه. ### || [سورة فاطر (35): آية 38] # إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) # (إن الله عالم غيب السماوات والأرض) أي كل ما فيهما فيعلم أنهم لو ردوا ~~إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، قوله (إنه عليم بذات الصدور) [38] ~~كالتعليل، لأنه لو علم ما في الصدور علم كل غيب في العالم، لأن ذلك أخفى ما ~~يكون والمراد «بذات الصدور» مضمراتها وهي تأنيث ذو بمعنى الصاحب، يعني تصحب ~~المضمرات الصدور وهي القلوب فهي معها. ### || [سورة فاطر (35): آية 39] # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) # (هو الذي جعلكم خلائف) وهي جمع خليف، أي قل يا محمد لكفار مكة الله الذي ~~يخلف بعضكم بعضا وينزل منزله بعد موته (في الأرض) أو المعنى: أنه جعلكم ~~خلفاء في أرضه تملكون التصرف فيها، وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد ~~والطاعة أو جعلكم خلفاءه لإقامة دينه (فمن كفر فعليه كفره) أي وباله (ولا ~~يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم) بطول عمرهم في الدنيا (إلا مقتا) أي بغضا ~~شديدا (ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا) [39] أي خسار الآخرة الذي ليس ~~بعده خسار وهو الغبن. ### || [سورة فاطر (35): آية 40] # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض ~~أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) # (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون) أي تعبدون (من دون الله) يعني الأصنام، ~~وقوله (أروني) بدل من «أ رأيتم»، لأنه معنى «أ ms1423 رأيتم» أخبروني، كأنه قال ~~أخبروني من هؤلاء الشركاء (ما ذا خلقوا من الأرض) أي أي جزء من أجزاء الأرض ~~استبدوا بخلقه دون الله، والمراد من الاستفهام نفي ذلك كله (أم لهم شرك) مع ~~الله (في) PageV03P332 # خلق (السماوات) يعينونه فيه (أم آتيناهم كتابا) أي أم معهم كتاب أتيناه ~~إياهم ينطق بأنهم شركاؤه (فهم على بينة منه) أي على حجة وبرهان من ذلك ~~الكتاب يريد أنهم ليسوا عل بيان منه (بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا) أي ما ~~يعد الرؤساء الأتباع (إلا غرورا) [40] أي باطلا أو ما يعد الشيطان الكافرين ~~من شفاعة الأصنام لهم إلا باطلا. ### || [سورة فاطر (35): آية 41] # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده إنه كان حليما غفورا (41) # (إن الله يمسك) أي يأخذ بقدرته (السماوات والأرض أن تزولا) أي كراهة أن ~~تزولا أو معنى «يمسك» يمنع، أي يمنعها أن تزولا (ولئن زالتا) أي والله لئن ~~زالت السموات والأرض من مقرهما (إن أمسكهما من أحد من بعده) أي ما يقدر أحد ~~أن يمسكهما أحد من بعد إمساكه، «من» الأولى زائدة والثانية ابتدائية، ~~والجملة المنفية سدت مسد جواب القسم والشرط (إنه كان حليما غفورا) [41] أي ~~غير معاجل بالعقوبة حيث أمسكهما متجاوزا عن سيئاتهم بأن تابوا. ### || [سورة فاطر (35): آية 42] # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) # قوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) نزل حين بلغ قريشا قبل مبعث النبي عليه ~~السلام أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم ~~الرسل فكذبوهم، والله لئن آتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث ~~النبي عليه السلام كذبوه فأخبره الله تعالى بذلك «1»، ومعنى «أقسموا» حلفوا ~~كفار مكة (لئن جاءهم نذير) أي رسول ينذرهم (ليكونن أهدى) أي أطوع (من إحدى ~~الأمم) من اليهود والنصارى وليس المراد منه إحدى الأمتين دون الأخرى، بل ~~المراد هما جميعا لشيوع إحدى فيهما وإنما لم يقل من الأمتين أو ms1424 من الأمم ~~ليعم جميع أفراد الأمتين، لأن «إحدى» تأنيث أحد، فيكون المعنى أهدى من كل ~~واحد من الأمم، فلو ترك «إحدى» لجاز أن يراد بعض الأمم (فلما جاءهم نذير) ~~أي محمد صلى الله عليه وسلم (ما زادهم) مجيئه (إلا نفورا) [42] عن الإيمان. ### || [سورة فاطر (35): آية 43] # استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) # (استكبارا) أي علوا (في الأرض) ونصبه على الحالية أو العلية أو البدلية ~~من «نفورا»، قوله (ومكر السيئ) بكسر الهمزة أو بسكونها منصوب عطف على ~~«استكبارا» أو على «نفورا» أو إضافة ال «مكر» إلى «السيئ» «2» للاتساع ~~لكونه وصفا للمفعول المطلق أجري مجرى المفعول به، أصله أن مكروا السيء ~~بمعنى المكر السيء على الوصف، ثم أضيف ال «مكر» إلى «السيئ» الذي هو وصف ~~المفعول المطلق، فقيل: مكر السيئ فهو منقول من المكر السيء «3»، وهو كل عمل ~~قبيح أو الشرك أو إرادة إهلاكه صلى الله عليه وسلم (ولا يحيق) أي لا PageV03P333 # يحل ولا ينزل (المكر السيئ إلا بأهله) أي بالماكر، قال صلى الله عليه ~~وسلم: «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا» «1» (فهل ينظرون إلا سنت الأولين) ~~أي لا ينتظر هؤلاء إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن قبلهم من الكفار ~~الذين كذبوا رسلهم (فلن تجد لسنت الله) في نزول العذاب بهم (تبديلا) من ~~العذاب إلى الرحمة (ولن تجد لسنت الله تحويلا) [43] وهو نقل العذاب من ~~المستحق إلى غير مستحقه، المعنى: أن الله يفعل ما يشاء بعلمه ويحكم ما يريد ~~بحكمته فلا يقدر أحد أن يغير فعله وحكمه. ### || [سورة فاطر (35): آية 44] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد ~~منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان ~~عليما قديرا (44) # ثم وعظهم ليعتبروا بقوله (أولم يسيروا) أي مشركو مكة (في الأرض) من ~~ديارهم إلى الشام والعراق واليمن للتجارة وغيرها (فينظروا ms1425 كيف كان عاقبة ~~الذين) مضوا (من قبلهم) بمشاهدة آثار ديارهم «2» وهلاكهم لما كذبوا الرسل ~~(و) قد (كانوا) هم (أشد منهم قوة) فمع ذلك أهلكوا (وما كان الله ليعجزه) أي ~~ليفوته (من شيء) أي شيء بزيادة «من» للتأكيد، يعني لا يقدر أحد أن يهرب من ~~عذابه (في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما) بخلقه (قدير أ) [44] عليهم ~~بالعقوبة. ### || [سورة فاطر (35): آية 45] # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم ~~إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) أي بما عملوا من المعاصي (ما ترك على ~~ظهرها) أي ظهر الأرض (من دابة) أي نسمة تتحرك عليها، والمراد بنو آدم (ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة (فإذا جاء أجلهم) الموعود لهم (فإن ~~الله كان بعباده) أي بأعمالهم (بصيرا) [45] فيجازيهم بها وهو وعيد شديد ~~بالجزاء للعباد. PageV03P334 ### | سورة يس # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة يس (36): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) # قيل (يس) [1] معناه يا إنسان «1» أو يا محمد «2» أو من فواتح السورة ~~يفتتح به كلام رب العزة «3»، قرئ الياء بين الكسر والفتح وبالإمالة ~~وبالفتح، وقرئ يس (والقرآن) بادغام النون في الواو مع الغنة وباظهارها «4» ~~والواو فيه «5» واو القسم «6»، أقسم الله بالقرآن (الحكيم) [2] أي ذو ~~الحكمة أو المحكم من العيب «7» أو الحاكم بالحق على جميع الكتب المنزلة من قبله. ### || [سورة يس (36): الآيات 3 الى 5] # إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) # قوله (إنك لمن المرسلين) [3] يا محمد جواب القسم، وجواب لقولهم لست ~~مرسلا، قوله (على صراط مستقيم) [4] جواب آخر أو صلة ل «المرسلين» أو خبر ~~بعد خبر، وهو طريق الإسلام وذكره بعد ذكر «المرسلين» الدال عليه لتعظيم ~~شرعه يدل عليه تنكيره (تنزيل العزيز الرحيم) [5] بالرفع، أي القرآن منزل ~~العزيز، أي المنتقم ممن لم يصدقه، الرحيم لمن صدقه وعمل بما فيه، وبالنصب ~~«8»، أي نزله تنزيلا. ### || [سورة يس (36): آية 6] # لتنذر قوما ما ms1426 أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) # (لتنذر) أي لتخوف بالقرآن (قوما ما أنذر آباؤهم) ف «ما» نفي، لأن قريشا ~~لم يبعث إليهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فالمراد آباؤهم الأدنون، ~~فتقديره: قوما غير منذر أباؤهم على الوصف، وقيل: «ما» مصدرية أو PageV03P335 # موصولة، تقديره: قوما إنذار آبائهم أو قوما الذي أنذر به آباؤهم من ~~العذاب «1» (فهم غافلون) [6] عن الرشد بسبب عدم إنذارهم أو غافلون عما أنذر ~~آباؤهم. ### || [سورة يس (36): آية 7] # لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) # (لقد حق القول) أي وجب القول بالعذاب وهو قوله «لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين» «2»، لأنه علم موتهم على الكفر (على أكثرهم) وهم الكفار في ~~علمه تعالى (فهم لا يؤمنون) [7] بالقرآن. ### || [سورة يس (36): آية 8] # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) # قوله (إنا جعلنا في أعناقهم) نزل لما حلف أبو جهل من بني مخزوم لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأدمغنه، فأتاه وهو يصلي فرفع الحجر ليضربه فيبست يده على عنقه، ~~ورجع إلى أصحابه فخلصوا الحجر من يده، ثم جاء رجل من بني المغيرة ليقتله ~~فطمس الله على بصره ولم ير النبي عليه السلام «3»، فقال الله إنا جعلنا في ~~أعناقهم (أغلالا) أي جعلنا أيديهم ممسكة بأعناقهم كالأغلال (فهي) أي تلك ~~الأغلال مجتمعة (إلى الأذقان) أي مع الأذقان، يعني ملزوقة «4» فمنعت رؤوسهم ~~من الانخفاض (فهم مقمحون) [8] أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم، لأن عمود ~~الغل في عنق المغلول يدخل تحت ذقنه فيمنع خفض رأسه. ### || [سورة يس (36): آية 9] # وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # ثم قال (وجعلنا من بين أيديهم سدا) أي ظلمة بالعمي (ومن خلفهم سدا) كذلك، ~~قرئ بفتح السين والضم فيهما «5» (فأغشيناهم) أي غطينا أبصارهم بالظلمة (فهم ~~لا يبصرون) [9] محمدا عليه السلام حيث أرادوه بالسوء، وقيل: معنى «إنا ~~جعلنا في أعناقهم أغلالا» إلى قوله «لا يبصرون» إنا منعنا أيديهم ممسكة عن ~~كل خير وقلوبهم عن الإيمان مجازاة لكفرهم «6»، وجعلنا من بين أيديهم حائلا ~~وهو طول الأمل ومن ms1427 خلفهم حائلا وهو الغفلة عن سابق الجنايات، فأعمينا ~~بصائرهم عن الهدى فهم لا يبصرون سبيل الهداية وهو الإسلام. ### || [سورة يس (36): آية 10] # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) # (وسواء عليهم أأنذرتهم) أي خوفتهم (أم لم تنذرهم) أي أو لم تخوفهم (لا ~~يؤمنون) [10] أي لا يصدقون بالقرآن، قيل: نزلت الآية في شأن الذين ماتوا أو ~~قتلوا على الكفر «7». ### || [سورة يس (36): آية 11] # إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) # (إنما تنذر) أي تخوف وينفع إنذارك غيرهم وهو (من اتبع الذكر) أي القرآن ~~وعمل بما فيه (وخشي الرحمن بالغيب) أي أطاعه في الغيب (فبشره بمغفرة) في ~~الدنيا (وأجر كريم) [11] في الآخرة وهو الجنة. ### || [سورة يس (36): آية 12] # إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) # (إنا نحن نحي الموتى) أي نبعثهم يوم القيامة (ونكتب ما قدموا) أي نكتب في ~~اللوح ما أسلفوا من أعملاهم ليجازوا به (وآثارهم) أي ونكتب آثارهم وهي ما ~~سنوا وعملوا من سنة خير كصدقة وحج وتصنيف PageV03P336 # كتاب وإصلاح بين الناس أو من سنة شر كزنا وسرقة وقتل نفس بغير حق، فاقتدى ~~بهم من بعدهم ولهم مثل أجورهم أو عليهم مثل أوزارهم، قال صلى الله عليه ~~وسلم: «من سن سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها وأجر من عمل بها من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيئا» «1» الحديث، وقيل: الآثار خطأهم إلى المساجد ~~«2»، روي: «أنه ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له بها حسنة أو سيئة» «3» (وكل ~~شيء أحصيناه) أي حفظناه (في إمام مبين) [12] أي في اللوح المحفوظ. ### || [سورة يس (36): آية 13] # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) # (واضرب لهم) أي بين (مثلا) أي شبها للمشركين (أصحاب القرية) أي مثل أصحاب ~~القرية وهي أنطاكية، و«إذ» بدل من «أحصاب» و«إذ» الثانية بدل من الأولى في ~~قوله (إذ جاءها المرسلون) [13] وهم رسل عيسى عليه السلام. ### || [سورة يس (36): آية 14] # إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم ms1428 مرسلون (14) # (إذ أرسلنا إليهم اثنين) أي إلى أنطاكية ليدعوهم إلى الإسلام وهما ثومان ~~وبالوس، فلما قربا منها رأيا شيخا وهو حبيب النجار فأخبراه خبرهما، وكان ~~يرعى غنما له فقال: هل من آية لكما؟ فقالا: نبرئ الأكمه والأبرص والمريض، ~~وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فقام صحيحا فآمن حبيب، فبلغ الخبر إلى ~~ملك أنطاكية فدعاهما فقال لهما: لم جئتما؟ قالا: ندعوك إلى عبادة الرحمن ~~فقال: ألنا رب غير آلهتنا؟ # قالا: نعم هو من أوجدك وآلهتك فمن آمن به دخل الجنة وأمن من العذاب ومن ~~لم يؤمن به ومات دخل النار وعذب فيها أبدا فقال: قوما حتى انظر في أمركما ~~فذهبا عنه فتبعهما الناس «4» (فكذبوهما) فضربوهما وحبسوهما (فعززنا) ~~بالتخفيف، أي غلبنا أهل أنطاكية، وبالتشديد «5» بمعنى قوينا المرسلين ~~(بثالث) أي برسول ثالث وإنما ترك ذكر المفعول به، لأن الغرض ذكر المعزز به ~~وهو شمعون بعثه عيسى عليه السلام بعد بعث الرسولين تقوية لهما، فدخل منكرا ~~وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، وكان يدخل معهم إلى الصنم فيصلي ويتضرع ~~مثلهم ويحسبون أنه منهم ورفعوا خبره إلى الملك فآنس به، فقال له شمعون: ~~بلغني أنك حبست رجلين يدعوانك إلى إله غير إلهك فهل لك أن تدعوهما فأسمع ~~كلامهما وأخاصمهما عنك فدعاهما وأقيما بين يدي الملك، فقال شمعون: من ~~أرسلكما؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، قال: # ما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك فدعا بغلام ولد أعمى فدعوا الله تعالى ~~فأبصر الأعمى، فقال له شمعون: # أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع مثل هذا فيكون لك وله شرف، قال: ليس لي عنك ~~سر أن إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، ثم قال شمعون لهما: إن قدر ~~إلهكما على إحياء ميت آمنا به فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فحيى وقام ~~فقال: فتحت أبواب السماء فرأيت شابا أحسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال ~~الملك: من هم؟ قال: شمعون وهذان فتعجب الملك، فلما رأى شمعون أن قول الغلام ~~أثر فيه نصحه فآمن ms1429 وآمن معه قوم من أصحاب، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبرائيل ~~عليه السلام صيحة فهلكوا «6» (فقالوا) أي رسل عيسى عليه السلام بعد تقويتهم ~~الثالث (إنا إليكم) يا أهل أنطاكية (مرسلون) [14] من الله فآمنوا به. PageV03P337 ### || [سورة يس (36): آية 15] # قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (15) # (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أو الرسول لا يكون من الآدميين (وما أنزل ~~الرحمن من شيء) على بشر (إن أنتم إلا تكذبون) [15] أنكم رسل الله. ### || [سورة يس (36): آية 16] # قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) # (قالوا) أي الرسل (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) [16] أرسلنا عيسى بأمر ~~الله تعالى، قوله «ربنا يعلم» جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك علم الله ~~وشهد الله، وزيد اللام في «لمرسلون» دون الأول، لأنه جواب إنكار والأول ~~ابتداء إخبار. ### || [سورة يس (36): آية 17] # وما علينا إلا البلاغ المبين (17) # (وما علينا إلا البلاغ المبين) [17] أي التبليغ الظاهر المكشوف بالآيات ~~الشاهدة على صحته. ### || [سورة يس (36): الآيات 18 الى 19] # قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # (قالوا) أي قال «1» أهل أنطاكية (إنا تطيرنا بكم) أي تشأمنا لحبس المطر ~~عنا بسببكم (لئن لم تنتهوا) عن مقالتكم (لنرجمنكم) أي لنقتلنكم بالحجارة ~~(وليمسنكم منا عذاب أليم [18] قالوا) أي الرسل (طائركم معكم) أي شؤمكم وهو ~~كفركم ومعاصيكم معكم، وقيل: ما أصابكم مكتوب في أعناقكم «2» (أإن ذكرتم) ~~بهمزتين استفهام وشرط، وبهمزة واحدة مع الكسر «3»، أي ائن وعظتم بالله ~~تشأمتم بنا أو كفرتم بالله (بل أنتم قوم مسرفون) [19] أي مشركون به تعالى ~~أو متمادون في ضلالتهم حيث تشأمون برسل الله. ### || [سورة يس (36): الآيات 20 الى 22] # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا ~~من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) # (وجاء من أقصا المدينة) أي من أوساطها (رجل) وهو حبيب النجار (يسعى) أي ~~يشتد عدوا ليعلم الرسل أن أهلها ms1430 أرادوا قتلهم ثم (قال) أي حبيب «4» لقومه ~~(يا قوم اتبعوا المرسلين) [20] أي دينهم ثم قال حبيب للرسل: هل تسألون على ~~هذا «5» الإنذار أجرا؟ قالوا: لا فقال لقومه (اتبعوا من لا يسئلكم أجرا) ~~على الإنذار والإيمان (وهم مهتدون [21]) أي هم في دين الحق ينبغي أن ~~تتبوعوه، فقالوا له تبرأت عن ديننا واتعبت دين غيرنا وكان حبيب يكتم ~~إيمانه، فقال لهم عاتبا على نفسه وناصحا لها وهو يريد نصحهم بالتلطف ~~والمداراة لأنه أدخل في إمخاض النصيحة حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه ~~(وما لي) بسكون الياء وبالفتح «6»، أي أي شيء كان لي (لا أعبد الذي فطرني) ~~أي خلقني للعباد (وإليه ترجعون) [22] بعد الموت فيجازيكم، فوضع PageV03P338 # مكان قوله وما لكم لا تعبدون الذي فطركم «وما لي لا أعبد الذي فطرني»، ~~ألا ترى إلى قوله «وإليه ترجعون» ولو لا قصده ذلك لقال وإليه أرجع. ### || [سورة يس (36): آية 23] # أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون (23) # ثم قال حبيب بالاستفهام الإنكاري (أأتخذ من دونه) أي من دون الله (آلهة) ~~أي أصناما (إن يردن الرحمن بضر) أي ببلاء إن فعلت ذلك (لا تغن عني شفاعتهم) ~~أي شفاعة الأصنام (شيئا) يعني لا يقدرون أن يدفعوا عني الضر (ولا ينقذون) ~~[23] من مكروه ما. ### || [سورة يس (36): الآيات 24 الى 25] # إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) # (إني إذا) أي حينئذ (لفي ضلال مبين) [24] أي إني لو عبدت غير الله لكنت ~~في خسران بين (إني آمنت بربكم فاسمعون) [25] أي فشهدوني أو اسمعوا قولي، ~~فامنوا أنتم به بقول لا إله إلا الله كما آمنت به. ### || [سورة يس (36): الآيات 26 الى 27] # قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين (27) # (قيل ادخل الجنة) استئناف كلام، كأن قائلا قال سائلا عن حاله عند لقاء ~~ربه بعد ذلك التصلب في نصر دينه كيف كان لقاء ربه، فقيل: «قيل ادخل الجنة» ~~ولم يقل «قيل له»، لأن الغرض ذكر ms1431 المقول به لا المقول له «1»، روي: «أنهم ~~رجموه وهو يقول رب اهد قومي» «2»، وقيل: «أدخله الله الجنة حيا يرزق فيها» ~~«3»، وقيل: # «مات فذهب بروحه إلى الجنة» «4»، فقيل لها ادخلي الجنة فدخلها و(قال يا ~~ليت قومي يعلمون [26] بما غفر لي ربي) أي بماذا غفرلي أو بمغفرتي أو بالذي ~~غفرلي (وجعلني من المكرمين) [27] ليؤمنوا، أي لو علموا لآمنوا بالرسل. ### || [سورة يس (36): آية 28] # وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) # ثم قال تعالى (وما أنزلنا على قومه) أي قوم حبيب (من بعده) أي من «5» بعد ~~موت حبيب (من جند من السماء) أي الملائكة لهلاكهم (وما كنا منزلين) [28] أي ~~ما كان في حكمتنا أن ننزل ملائكة لتعذيب أحد من قومه بعد هلاكهم. ### || [سورة يس (36): آية 29] # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) # (إن كانت) أي ما كانت عقوبتهم وهلاكهم (إلا صيحة واحدة) وهي «6» صيحة ~~جبرائيل عليه السلام (فإذا هم خامدون) [29] أي ميتون لا يتحركون من خمود ~~النار «7» وهو طفؤ لهبها، يعني ما عذبناهم كتعذيبنا المكذبين قبلهم، وإنما ~~أنزل الملائكة يوم بدر والخندق مع كفاية صيحة من جبرائيل لتفضيل محمد عليه ~~السلام على كبار الأنبياء بكل شيء من أسبابه، يعني وما كنا منزلين جندا من ~~السماء لغيرك وإنما يؤهل له مثلك. ### || [سورة يس (36): آية 30] # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) # قوله (يا حسرة على العباد) بيان حال استهزائهم بالرسل، أي يقال يوم ~~القيامة يا حرسة وندامة على الكفار حيث لم يؤمنوا برسلهم، ونصب «حسرة» ~~بالنداء، أي يا حسرة أحضري فهذا وقتك، وقيل: يقول الكفار يا PageV03P339 # شدة ندامتنا على الرسل حيث لم نؤمن بهم «1» (ما يأتيهم من رسول) في ~~الدنيا (إلا كانوا به يستهزؤن) [30] وهو تفسير لسبب الحسرة النازلة لهم. ### || [سورة يس (36): آية 31] # ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) # قوله (ألم يروا) وعيد للمشركين في مكة بمثل عذاب الأمم الماضية ليعتبروا، ~~أي ألم يعلموا (كم أهلكنا قبلهم من ms1432 القرون) الماضية وهو معلق عن العمل لفظا ~~في «كم» استفهاما كانت أو خبرا، بل العامل فيها «أهلكنا» إلا أنه مؤثر في ~~الجملة معنى «2»، أي ألم يروا كثرة المكذبين (أنهم إليهم) أي إلى المكيين ~~(لا يرجعون) [31] بعد هلاكهم أفلا يعتبرون ف «أنهم» بدل من «كم أهلكنا» على ~~المعنى لا على اللفظ. ### || [سورة يس (36): آية 32] # وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) # (وإن كل لما جميع) أي ما كل الخلائق إلا مجتمعون (لدينا محضرون) [32] ~~للحساب، وجمع بين «كل» و«جميع»، لأن كلا يفيد الإحاطة دون الاجتماع. ### || [سورة يس (36): آية 33] # وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) # قوله (وآية لهم الأرض الميتة) تذكير لهم كي يعتبروا في صنعه فيعرفوا ~~توحيده، أي علامة وحدانية الله تعالى لهم الأرض اليابسة (أحييناها) بالماء ~~فتنبت «3» (وأخرجنا منها حبا) أي الحبوب كلها كالحنطة (فمنه) أي من الحب ~~(يأكلون) [33] وذكر الحب دون غيره، لأنه أكثر المطالب من نبات الأرض عندهم. ### || [سورة يس (36): آية 34] # وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) # (وجعلنا فيها) أي خلقنا في الأرض (جنات) أي بساتين (من نخيل وأعناب ~~وفجرنا فيها) أي أجرينا في الأرض (من العيون) [34] أي الأنهار الخارجة من ~~العيون. ### || [سورة يس (36): آية 35] # ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) # (ليأكلوا من ثمره) أي من ثمر النخيل الحاصل بالماء أو من ثمر الله (وما ~~عملته) أي لم تعمله (أيديهم) لأنهم لا يقدرون على خلقه، ف «ما» نفي أو الذي ~~عملته أيديهم من الغرس والإصلاح إلى أو ان أكله ف «ما» موصولة، وقرئ بحذف ~~الهاء «4» (أفلا يشكرون) [35] نعم الله تعالى عليهم ويوحدونه. ### || [سورة يس (36): آية 36] # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) # (سبحان الذي خلق الأزواج) أي أصناف (كلها مما تنبت الأرض) من الثمار ~~والنبات والحبوب (ومن أنفسهم) من الذكور والإناث والألوان المختلفة (ومما ~~لا يعلمون) [36] من الأشياء المخلوقة العجيبة التي لم يطلعهم الله عليها من ~~الجماد والحيوان، إذ علمها لا ينبغي لهم في ms1433 دينهم ودنياهم. ### || [سورة يس (36): آية 37] # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) # (وآية لهم الليل) أي وعلامة أخرى لهم في علم وحدانية الله تعالى الليل ~~(نسلخ) أي نكشط ونخرج (منه النهار) يعني نميزه «5» منه كتمييز جلد الشاة ~~عنها (فإذا هم مظلمون) [37] أي داخلون في الظلمة. PageV03P340 ### || [سورة يس (36): آية 38] # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) # (والشمس تجري لمستقر لها) أي تسير في منازلها كل يوم حتى تنتهي إلى ~~مستقرها لا تتجاوز عنه، لأنه أقصى منازلها وهو أبعد مغاربها ثم ترجع، وفيه ~~وجه آخر وهو ما قيل: إنها تسير كل سنة من أول منازلها إلى أقصاها فاستقرت ~~فيه ثم ترجع إلى أول منازلها «1»، ووجه آخر ما روي عن أبي ذر رضي الله عنه ~~أنه قال: # «كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس فقال: يا أبا ~~ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تغرب وتذهب حتى ~~تسجد تحت العرش وتستأذن ويؤذن لها ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن حتى تستشفع ~~وتطلب، فاذا طال عليها قيل لها اطلعي مكانك» «2»، والمراد مكان الغروب ~~فمستقرها تحت العرش أو الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة ~~(ذلك) أي المذكور من أمر الليل والنهار والشمس أو سير الشمس (تقدير العزيز) ~~بالنقمة (العليم) [38] بما قدر وخلق. ### || [سورة يس (36): آية 39] # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) # (والقمر قدرناه منازل) أي ذا منازل بنصب «القمر» بفعل يفسره ما بعده، أي ~~قدرنا القمر ذا منازل، وقرئ بالرفع «3» وهي ثمانية وعشرون منزلا فينزل كل ~~ليلة منزلا من منازله ويصعد في منزل منها حتى ينتهي إلى مستقر له، ثم يعود ~~إلى أدنى منزله ويسير سيرا غير متفاوت ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين ~~أو ليلة إن كان تسعة وعشرين، فاذا قطع منازله دق في رأي العين وتقوس (حتى ~~عاد كالعرجون القديم) [39] أي كعذق النخلة اليابس العتيق، إذ العذق بالكسر ~~من النخلة إذا عتق دق واصفر وتقوس فيصير القمر آخر ms1434 الشهر مشابها به في عين ~~الناظر من ثلاثة أوجه وهو كالعنقود من العنب. ### || [سورة يس (36): آية 40] # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون (40) # (لا الشمس ينبغي لها) أي لا يسهل للشمس (أن تدرك القمر) أي أن تطلع في ~~فلك القمر لأن فلكه غير ذلك الفلك «4»، وقيل: للشمس سلطان بالنهار وللقمر ~~سلطان بالليل فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل «5» (ولا الليل سابق النهار) ~~أي لا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على ضوءه، فالمراد من السبق هنا ~~الغلبة، المعنى: أنهما «6» لا يزالان يتعاقبان ولا يجتمعان إلا عند إبطال ~~الله تعالى هذا التأليف وتطلع الشمس من مغربها ويجتمع معها القمر، وذلك من ~~أشراط الساعة، وإنما ذكر الإدراك للشمس والسبق للقمر لأن الشمس بطئ سيرها ~~عن «7» سير القمر، إذ هو يقطع فلكه في شهر وهي في سنة فالقمر أحق بالوصف ~~بالسبق لسرعة سيره، والشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لبطؤ سيرها (وكل في فلك ~~يسبحون) [40] أي كل واحد في فلكه يسير ويدور الانبساط لا مزاحم له كمن يسبح ~~في البحر، قيل: الأفلاك كثيرة مختلفة في السير تقطع الشمس فلكها كل سنة مرة ~~والقمر يقطع في ثمانية وعشرين يوما مرة «8»، وقيل: الفلك واحد وجريها مختلف ~~«9»، وهو خلاف الظاهر. PageV03P341 ### || [سورة يس (36): آية 41] # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) # (وآية لهم) أي وعلامة أخرى للكفار «1» على علم توحيد الله تعالى (أنا ~~حملنا ذريتهم) جمعا ومفردا «2»، أي آباءهم الأقدمين وهم في أصلابهم، وقيل: ~~المراد من الذرية آباؤهم، لأن الذرية من الذرء وهو الخلق يتناول الآباء ~~والصبيان والنساء «3» (في الفلك المشحون) [41] أي المملو وهو سفينة نوح ~~عليه السلام. ### || [سورة يس (36): الآيات 42 الى 44] # وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ~~ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) # (وخلقنا لهم) أي للذرية (من مثله) أي مثل فلك نوح (ما يركبون) [42] في ~~البحر من السفن المعمولة على شكله صغارا كانت أو كبارا، وقيل: «المراد ms1435 من ~~«مثله» الإبل يركب عليها في البر كما يركب السفن في البحر» «4»، والأصح ~~الأول بدليل قوله (وإن نشأ نغرقهم) في الماء (فلا صريخ) أي لا مغيث لهم إذا ~~وقعوا في الغرق (لهم ولا هم ينقذون) [43] أي ينجون من الغرق. # (إلا رحمة منا) أي لكن لرحمة «5» منا لهم لا نغرقهم، قوله (ومتاعا إلى ~~حين) [44] عطف على «رحمة»، أي لتمتيعا إياهم بلذاتهم لم نغرقهم إلى انقضاء ~~آجالهم. ### || [سورة يس (36): الآيات 45 الى 46] # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) # (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم) من أمر الآخرة فاعملوا لها (وما ~~خلفكم) من أمر الدنيا فلا تغتروا بها (لعلكم ترحمون) [45] أي لكي ترحموا ~~فلا تعذبوا يوم القيامة، وجواب «إذا» محذوف وهو أعرضوا بدليل قوله «معرضين» ~~في قوله (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم) كانشقاق القمر (إلا كانوا عنها ~~معرضين) [46] أي تاركين لها غير مصدقين بها. ### || [سورة يس (36): آية 47] # وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم ~~من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) # (وإذا قيل لهم) أي للمشركين (أنفقوا) على المساكين (مما رزقكم الله) من ~~الأموال التي أعطاكم الله (قال الذين كفروا للذين آمنوا) استهزاء بهم ~~(أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) لا اعتقادا بدليل قوله (إن أنتم إلا في ضلال ~~مبين) [47] أي في خطأ بين بقولكم لنا أنفقوا من مالكم. ### || [سورة يس (36): الآيات 48 الى 49] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون (49) # (ويقولون متى هذا الوعد) الذي تعدوننا به وهو يوم البعث (إن كنتم صادقين) ~~[48] بأنا نبعث وهو خطاب للنبي عليه السلام وأصحابه فقال الله تعالى (ما ~~ينظرون) بالعذاب (إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم PageV03P342 # يخصمون) [49] بالتخفيف، أي يختصم «1» بعضهم بعضا في الحجة في أنهم لا ~~يبعثون، والتشديد «2»، أصله يختصمون، أي يتجادلون في مبايعهم غافلين عن ~~الصيحة. ### || [سورة ms1436 يس (36): آية 50] # فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) # (فلا يستطيعون توصية) أي وصية، يعني أن يوصوا بشيء (ولا إلى أهلهم ~~يرجعون) [50] أي لا يرجعون من الأسواق إلى منازلهم، بل يموتون من ساعتهم ~~عند مجيئها لهم، روي عن النبي عليه السلام: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ~~ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه» «3». ### || [سورة يس (36): الآيات 51 الى 52] # ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) # (ونفخ في الصور) وهي النفخة الأخيرة وبينهما أربعون سنة «4»، وقيل: أكثر ~~من ذلك «5»، ورفع العذاب عن الكفار بينهما، فكأنهم رقدوا في قبورهم، فاذا ~~نفخ فيها (فإذا هم من الأجداث) أي من القبور (إلى ربهم ينسلون) [51] أي ~~يخرجون أحياء فحينئذ (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) أي من أيقظنا من ~~نومنا أو من مكاننا الذي كنا فيه راقدين، فاذا بعثوا قالوا (هذا ما وعد ~~الرحمن) قيل: معناه الحقيقي بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث فطابق الجواب ~~السؤال وكلاهما مقولهم «6»، ف «هذا» مبتدأ، خبره «ما وعد»، أي هذا هو الذي ~~وعده الله لنا من البعث (وصدق) فيه (المرسلون) [52] فأقروا حين لا ينفعهم ~~الإقرار، وقيل: «هذا» صفة ل «مرقدنا» «7»، أي من مرقدنا الذي نحن فيه وما ~~وعده خبر مبتدأ محذوف، أي هذا ما وعد عليكم «8»، وقيل: مبتدأ خبره محذوف ~~«9»، أي ما وعد الرحمن حق عليكم، وقيل: «هذا ما وعد الرحمن» جواب لهم من ~~الملائكة أو من المؤمنين «10». ### || [سورة يس (36): آية 53] # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) # (إن كانت) أي ما كانت النفخة الأخيرة (إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون) [53] للحساب في الآخرة، وقيل: يجاء بهم «في بيت المقدس» «11». ### || [سورة يس (36): آية 54] # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) # قوله (فاليوم لا تظلم) الآية حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم، يعني يوم ~~القيامة لا تنقص «12» (نفس) مؤمنة ولا كافرة من أعمالهم (شيئا ولا تجزون) ms1437 ~~أي لا تثابون (إلا ما كنتم تعملون) [54] من خير أو شر. PageV03P343 ### || [سورة يس (36): آية 55] # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) # (إن أصحاب الجنة اليوم) هو أيضا مما يقال لهم يوم القيامة، وقوله (في ~~شغل) بسكون الغين وضمها «1» خبر «إن»، أي إن أصحاب الجنة اليوم مشغولون ~~فيها بافتضاض الأبكار وبلذاتهم عما فيه أهل النار، قوله (فاكهون) [55] خبر ~~بعد خبر ل «إن»، أي هم فيها ناعمون أو معجبون بما هم فيه من الكرامة ~~والنعيم. ### || [سورة يس (36): آية 56] # هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) # (هم وأزواجهم في ظلال) وقرئ «في ظلال» جمع ظل، أي هم مع أزواجهم الحور ~~العين في ظلال الأشجار والعرش أو في القصور لا تصيبهم «2» الشمس فيها (على ~~الأرائك) جمع أريكة وهي السرير في الحجلة (متكؤن) [56] أي ناعمون، لأن ~~الناعم يكون متكئا. ### || [سورة يس (36): آية 57] # لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) # (لهم فيها) أي في الجنة (فاكهة) من كل نوع (ولهم) فيها (ما يدعون) [57] ~~أي ما يتمنون، من ادع علي ما شئت، بمعنى تمنه علي. ### || [سورة يس (36): الآيات 58 الى 59] # سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) # قوله (سلام) بدل من «ما يدعون»، أي لهم سلام يقال لهم (قولا من رب رحيم) ~~[58] أي إن «3» الله يسلم عليهم بلا واسطة تعظيما لهم أو بواسطة الملائكة ~~وذلك متمناهم لا يمنعونه (و) إذا كان يوم القيامة ينادي مناد من قبل الرحمن ~~(امتازوا اليوم أيها المجرمون) [59] أي انفردوا عن المؤمنين الصالحين ~~وكونوا في ناحية عنهم اليوم أيها العاصون ويقال لهم ذلك حين يحشر الناس ~~ويختلط المؤمن والكافر والمنافق والمخلص، ثم يسار بالمخلصين إلى الجنة ~~وبالجنة وبالكافرين إلى النار، قيل: «لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا ~~يرى ولا يرى» «4»، فمعنى «وامتازوا» أمر لهم أن يمتاز بعضهم عن بعضهم. ### || [سورة يس (36): آية 60] # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) # قوله (ألم أعهد إليكم) خطاب للكفار والمنافقين بعد امتيازهم إلى النار، ~~أي ألم آمركم ms1438 وأبين لكم في القرآن (يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان) أي لا ~~تطيعوه وهو إبليس (إنه لكم عدو مبين) [60] أي ظاهر العداوة. ### || [سورة يس (36): آية 61] # وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) # (وأن اعبدوني) أي أطيعوني ووحدوني (هذا صراط مستقيم) [61] أي هذا العهد ~~إليكم وهو دين الإسلام صراط لا عوج فيه بليغ في الاستقامة وهو طريق الجنة. ### || [سورة يس (36): الآيات 62 الى 63] # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم ~~توعدون (63) # (ولقد أضل) الشيطان (منكم جبلا) أي خلقا (كثيرا) جمع جبلة بالتشديد ~~وكسرتين أو جمع جبل إن PageV03P344 # قرئ بالتخفيف وضمتين أو بالضم وسكون الياء «1» بمعنى الخلق أيضا (أفلم ~~تكونوا تعقلون) [62] ما حل لمن كان قبلكم فتعتبرون وتؤمنون «2»، فلما دنوا ~~إلى باب النار «3» قال لهم الخزنة (هذه جهنم التي كنتم توعدون) [63] في ~~الدنيا وما صدقتم بها. ### || [سورة يس (36): الآيات 64 الى 65] # اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) # (اصلوها) أي ادخلها (اليوم بما كنتم تكفرون) [64] أي بشرككم بالله في ~~الدنيا، فعند ذلك يقولون ما كنا مشركين فيقول الله تعالى (اليوم نختم على ~~أفواههم) فلا يقدرون على النطق (وتكلمنا أيديهم) بعملها (وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون) [65] أي بما صدر منهم من كسب الشرك والمعاصي. ### || [سورة يس (36): آية 66] # ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) # قوله «4» (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) أي أعميناها «5» ومحوناها وكانت ~~ممسوخة كسائر الجسد، من الطمس وهو المحو بالكلية، تهديد لكفار مكة ~~(فاستبقوا الصراط) أي ابتدروه «6» ذاهبين (فأنى يبصرون) [66] أي فكيف ~~يبصرون الطريق إلى مقاصدهم حين لا عين لهم للابصار، المعنى: أنا نقدر على ~~أن نمسح أعينهم بحيث لو شاؤا الذهاب في طريقهم المستقيم كعادتهم لعجزوا كما ~~فعلنا بقوم لوط. ### || [سورة يس (36): آية 67] # ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) # (ولو نشاء لمسخناهم) أي لجعلناهم حجارة (على مكانتهم) وقرئ «مكانتهم» ~~«7»، أي في منازلهم ليس فيها أرواح أو جعلناهم قردة وخنازير كما فعلنا ms1439 بقوم ~~موسى (فما استطاعوا مضيا) أي ذهابا «8» إلى مقاصد لهم (ولا يرجعون) [67] عن ~~مكانتهم إلى غيرها، أي لا يتقدمون «9» ولا يتأخرون. ### || [سورة يس (36): آية 68] # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) # (ومن نعمره) أي من أطلنا عمره في الدنيا (ننكسه في الخلق) بالتشديد من ~~التنكيس، وبالتخفيف «10» من النكس «11» وهو جعل أعلى الشيء أسفله، أي نرده ~~بعد كمال عقله إلى أرذل العمر وهو مثل حال صغره فلا يعقل فيه كعقله الأول ~~(أفلا يعقلون) [68] بالياء والتاء «12»، أي لا يفهمون أن فاعل ذلك هو الله ~~الخالق فيوحدوه ويقروا على أنه قادر على البعث وليس لمعبوديهم قدرة على ذلك. PageV03P345 ### || [سورة يس (36): آية 69] # وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) # قوله (وما علمناه الشعر) نزل حين قال المشركون عند قراءته القرآن عليهم ~~إن محمدا لشاعر «1»، أي علمناه القرآن لينجي «2» به الناس من العذاب وما ~~علمناه الشعر (وما ينبغي له) أي لا يتسهل له عمل الشعر ولا إنشاؤه موزونا ~~عمدا لنفي الطعن فيه، وأما ما روي عنه موزونا كقوله «أنا النبي لا كذب أنا ~~ابن عبد المطلب» «3» فليس بشعر عند أربابه وإن اتفق كاتفاق أشياء كثيرة من ~~الخطب والرسالات (إن هو إلا ذكر) أي الكلام الموحى إليه ليس إلا عظة ~~(وقرآن) من الله (مبين) [69] أي كلام يبين «4» الحق من الباطل. ### || [سورة يس (36): آية 70] # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) # (لينذر) أي ليخوف «5» محمد عليه السلام (من كان حيا) أي مؤمنا حي القلب ~~أو عاقلا فلذلك منعناه من الشعر (ويحق القول) أي وليجب العذاب (على ~~الكافرين) [70] بالقرآن والقول هو «لأملأن جهنم» «6». ### || [سورة يس (36): آية 71] # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) # (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا) أي قوتنا وقدرتنا بلا واسطة، ~~يعني ألم ينظروا بنظر الاعتبار أنا خلقنا لهم (أنعاما) أي الإبل والبقر ~~والغنم (فهم لها مالكون) [71] أي متصرفون تصرف الملاك مختصون بالانتفاع ~~بها، يعني بما في بطونها من الألبان والنتائج. ### || [سورة ms1440 يس (36): آية 72] # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) # (وذللناها) أي سخرناها (لهم) فيحملون عليها ويسوقونها حيث شاؤا (فمنها ~~ركوبهم) بفتح الراء، أي مركوبهم (ومنها يأكلون) [72] أي اللحم والودك. ### || [سورة يس (36): آية 73] # ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) # (ولهم فيها) أي في الأنعام (منافع) كثيرة من الأصواف والأوبار والأشعار ~~(ومشارب) أي من «7» ألبانها جمع مشرب وهو الشرب (أفلا يشكرون) [73] رب هذه ~~النعم، فيؤمنون به وبما جاء من عنده. ### || [سورة يس (36): آية 74] # واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) # (واتخذوا من دون الله آلهة) أي هم تركوا عبادة الله الذي هو رب هذه النعم ~~وعبدوا من دونه آلهة (لعلهم ينصرون) [74] أي يمنعون من عذابه بشفاعتهم في ظنهم. ### || [سورة يس (36): آية 75] # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) # (لا يستطيعون نصرهم) أي لا يقدر آلهتهم نصر عابديهم، يعني منعهم «8» من ~~العذاب (وهم لهم) أي الكفار للأصنام (جند محضرون) [75] بين يدي الأصنام ~~يعبدون ويخدمونهم هنا ليشفعوا لهم يوم القيامة أو كلمهم محضرون في النار إن ~~لم يؤمنوا. PageV03P346 ### || [سورة يس (36): آية 76] # فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) # (فلا يحزنك) يا محمد (قولهم) أي تكذيبهم إياك وكفرهم (إنا) بكسر «إن» على ~~الاستئناف، أي لقد «1» (نعلم ما يسرون) من التكذيب (وما يعلنون) [76] من ~~العداوة لك. ### || [سورة يس (36): آية 77] # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) # قوله (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) أي من مني، نزل حين أتى أبى ~~ابن خلف إلى النبي عليه السلام بعظم رميم ففته عنده وقال يا محمد أتعدنا ~~أنا إذا متنا وكنا ترابا مثل هذا بعثنا فكيف يحيي الله هذا بعد ما رم وصار ~~ترابا، فقال صلى الله عليه وسلم نعم ويدخلك النار «2» (فإذا هو خصيم) أي ~~جدال شديد الخصومة بالباطل (مبين) [77] أي بين الخصومة فيما يخاصم بعد ما ~~كان ماء مهينا ألم يستدل بخلقه على أن البعث ممكن. ### || [سورة يس (36): آية 78] # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) # (وضرب ms1441 لنا مثلا) أي شبها في أمر العظام بفته العظم ونسبتنا إلى العجز ~~(ونسي خلقه) من المني وهو أغرب من إحياء العظم (قال من يحي العظام وهي ~~رميم) [78] أي بالية من رم الثوب إذا بلى ولم يؤنث «رميم»، لأنه اسم لما ~~بلى من العظام وليس بصفة بمعنى الفاعل أو المفعول، وإنما سماه مثلا لأنه في ~~غاية الغرابة النسبة إلى قدرته تعالى فيسار به كما يسار بالأمثال. ### || [سورة يس (36): آية 79] # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) # (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) أي خلقها ولم تك «3» شيئا (وهو بكل خلق ~~عليم) [79] مجملا ومفصلا، ابتداء وانتهاء، أي بخلقهم في الدنيا وإحيائهم في ~~الآخرة. ### || [سورة يس (36): آية 80] # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) # (الذي جعل لكم) هذا إخبار عن صنعه لهم باحداث شيء غريب من غير جنسه ~~ومنافيه ليعتبروا في البعث، أي جعل لكم (من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم ~~منه) أي من الشجر (توقدون) [80] أي تقدحون، قيل: «كل شجر يقدح منه النار ~~إلا شجر العناب فمن ذلك يدق القصاب عليه الثوب» «4». ### || [سورة يس (36): آية 81] # أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق ~~العليم (81) # قوله (أوليس الذي خلق السماوات والأرض) وهو أعظم خلقا (بقادر على أن يخلق ~~مثلهم) في الآخرة، أي مثل الأناسي في الصغر استفهام بمعنى التقرير، أي لا ~~يعجز خالقهما شيء من أن يبعثهم بعد موتهم (بلى) إنه قادر على ذلك (وهو ~~الخلاق) أي الكثير الخلق (العليم) [81] بالإنشاء أول مرة، وبالبعث في ~~الآخرة. ### || [سورة يس (36): آية 82] # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) # (إنما أمره) أي شأن الله (إذا أراد شيئا) من البعث وغيره (أن يقول له كن ~~فيكون) [82] بالنصب عطف على «يقول»، وبالرفع «5» جملة من مبتدأ وخبر، ~~تقديره: فهو يكون معطوفة على مثلها وهي أمره أن يقول له كن، PageV03P347 # والمعنى: أنه القادر العالم بالذات لا يعجز عن مقدور، أراد كونه بلا ~~افتقار شيء من ms1442 الآلات وغيرها كما يعجز عباده، إنما أمره أن يخلص داعي حكمته ~~إلى تكوينه فيكون لا محالة فمثله لا يعجز عن البعث والجزاء، قيل: هذا مجاز ~~من الكلام وتمثيل به يشير إلى سرعة تكون الشيء بأمره تعالى من غير تعب في ~~الإيجاد والإعدام «1». ### || [سورة يس (36): آية 83] # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون (83) # (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء) أي ملكه وتصرفه بمشيته وقضائه بالحكمة ~~من البعث وغيره (وإليه ترجعون) [83] بتاء الخطاب «2»، أي بعد الموت ~~فيجازيكم بأعمالكم من الخير والشر، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس، فمن قرأها يريد به وجه الله غفر له ~~وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثني عشر مرة» «3»، وفي رواية «اثنين ~~وعشرين مرة» «4»، وقال أيضا: «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر ~~لمستمعها، ألا وهي يس» «5». PageV03P348 ### | سورة الصافات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الصافات (37): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) # (والصافات صفا) [1] هو قسم، أقسم الله تعالى به والمراد منها طوائف ~~الملائكة الذين يصفون نفوسهم في العبادة أو يصفون أجنحتهم في الهواء منتظرة ~~لأمر الله أو المراد طوائف المسلمين الصافين في الصلوة أو في الجهاد. ### || [سورة الصافات (37): آية 2] # فالزاجرات زجرا (2) # (فالزاجرات زجرا) [2] هي الملائكة الذين يزجرون السحاب ويسوقونه إلى ~~البلد الذي أمطر أو المسلمون الزاجرون خيولهم في المعترك «1» على حرب ~~الكفار أو هي زواجر القرآن والتورية والإنجيل والزبور وما كان من الله من ~~كتب الأولين. ### || [سورة الصافات (37): آية 3] # فالتاليات ذكرا (3) # (فالتاليات ذكرا) [3] هي الملائكة الذين يتلون الوحي على الأنبياء عليهم ~~السلام كما يتلو جبرائيل عليه السلام القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ~~أو القرآن من المؤمنين الذين يتلون آيات الله ويدرسون شرائعه أو الذاكرون ~~الله ذكرا كثيرا والذاكرات، وجاء بالفاء للدلالة على أن القسم لمجموع ~~المذكورات لا لكل «2» منها، والواو لا يفيده، وقيل: للترتيب في الصفات أو ~~في الموصوفات «3». ### || [سورة الصافات (37): آية 4] # إن إلهكم لواحد (4) # (إن إلهكم لواحد) [4] جواب القسم رد لقول المشركين، ms1443 أي ربكم وخالقكم ~~لواحد لا شريك له. ### || [سورة الصافات (37): آية 5] # رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) # (رب السماوات والأرض وما بينهما) أي خالق كل شيء (ورب المشارق) [5] أي ~~مشارق الشمس ومغاربها، حذفه اكتفاء بذكر المشارق، لأن للشمس كل يوم مشرقا ~~ومغربا، وقيل: أراد مشارق الصيف والشتاء ومغاربهما «4». ### || [سورة الصافات (37): آية 6] # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) # (إنا زينا السماء الدنيا) أي القربى، لأنها أقرب إلى الأرض (بزينة ~~الكواكب) [6] بالجر لا بتنوين «زينة» لإضافتها إلى «الكواكب»، ومعناه بضوء ~~الكواكب وبتنوين «زينة» ونصب «الكواكب» فال «زينة» بمعنى PageV04P005 # التزيين، أي بتزييننا الكواكب أو بجر الكواكب بدلا من «زينة» «1»، أي ~~زينا السماء الدنيا بزينة بالكواكب، قيل: # «الكواكب في السماء معلقة كالقناديل» «2»، وقيل: مكوكبة عليها كالمسامير ~~على الصناديق «3». ### || [سورة الصافات (37): آية 7] # وحفظا من كل شيطان مارد (7) # قوله (وحفظا) منصوب بمحذوف، أي وحفظنا السماء حفظا بالشهب (من كل شيطان ~~مارد) [7] أي عات وهو الخارج عن الطاعة. ### || [سورة الصافات (37): آية 8] # لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) # (لا يسمعون) بالتشديد، أصله «يتسمعون» و«يسمعون» بالتخفيف «4» وهو كلام ~~مبتدأ لاقتصاص ما عليه حال المسترقة للسمع وليس بصفة لكل شيطان ولا استئناف ~~بمعنى جواب عن سؤال مقدر لفساد المعنى وهو ظاهر، أي حفظناها منهم كيلا ~~يصغوا (إلى الملإ الأعلى) وهم الكتبة وصفوا بالعلو لسكونهم في السموات ~~العلى (ويقذفون) أي يرمون (من كل جانب) [8] أي ناحية، يعني من كل جهة صعدوا ~~للاستراق. ### || [سورة الصافات (37): آية 9] # دحورا ولهم عذاب واصب (9) # (دحورا) أي طردا من السماء وكانوا من قبل يسمعون إلى كلام الملائكة (ولهم ~~عذاب واصب) [9] أي دائم في الآخرة لا ينقطع. ### || [سورة الصافات (37): آية 10] # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) # (إلا من خطف الخطفة) «من» بدل من واو «يسمعون»، أي لا يسمع جماعة ~~الشياطين إلا الشيطان الذي 8 خطف، أي اختلس الخطفة أي المرة الواحدة، يعني ~~كلمة واحدة من كلام الملائكة (فأتبعه شهاب) أي كوكب مضيء (ثاقب) [10] يثقب، ~~أي يحرق الجني فيقتله أو يخبله، روي: «ان الله تعالى ms1444 إذا قضى أمرا يسبحه ~~حملة العرض وأهل السماء السابعة، يقولون ما ذا قال ربكم فيخبرونهم فيستخبر ~~أهل كل سماء أهل السماء حتى ينتهي الخبر إلى السماء الدنيا، فيختطف الجن ~~فيرمون فما جاؤا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه ويكذبون» «5»، قيل: ~~«كان ذلك في الجاهلية أيضا ولكن غلظ المنع وشدد حين بعث النبي عليه السلام» «6». ### || [سورة الصافات (37): آية 11] # فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) # قوله (فاستفتهم) خطاب للنبي عليه السلام والضمير لمشركي مكة، أي استخبرهم ~~توبيخا (أهم أشد خلقا أم من خلقنا) من الملائكة والسموات والأرضين والكواكب ~~والمشارق والمغارب والشهب الثواقب والشياطين المردة، وجيء ب «من» تغليبا ~~للعقلاء على غيرهم، والاستفهام على معنى الرد لإنكارهم البعث، يعني من هان ~~عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق البشر ابتداء ~~وانتهاء عليه أهون لضعفهم، لأن من خلق من ضعيف فهو ضعيف، قوله (إنا خلقناهم ~~من طين لازب) [11] بيان لضعف خلقهم، أي خلقنا أصلهم وهو آدم وهم من نسله من ~~طين لاصق يلصق باليد، وقيل: هو الطين المنتن «7»، وهم يعلمون أنهم مخلوقون ~~منه فكيف يجادلون الرسل ويتكبرون على الله الذي خلقهم من ضعف فهلاكهم عليه يسير. PageV04P006 ### || [سورة الصافات (37): آية 12] # بل عجبت ويسخرون (12) # قوله (بل عجبت) بفتح التاء خطاب للنبي عليه السلام و «بل» هنا لابتداء ~~الكلام، أي إنك عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك وتركهم الإيمان به بعد ~~قيام البراهان (و) هم (يسخرون) [12] منك ومن تعجبك ويكذبونك حين سمعوه منك ~~وبضم التاء «1» حكاية من الله تعالى، والمعجب منه بمعنى الإنكار الشديد ~~لقولهم وفعلهم والاستفهام لهما «2»، وقد يكون العجب منه بمعنى الإحسان في ~~قوله عليه السلام: «إن الله ليعجب من الشاب ليس له صبوة» «3». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 13 الى 14] # وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) # (وإذا ذكروا) أي وعظوا بالقرآن (لا يذكرون) [13] أي لا يتعظون (وإذا رأوا ~~آية) أي علامة كانشقاق القمر يدل على صدقك (يستسخرون) [14] أي يستهزؤن بك ~~«4» أو ms1445 يطلب بعضهم السخرية بك من بعض. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 15 الى 18] # وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) # (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين) [15] أي بين (أإذا متنا) أي قالوا أإذا ~~متنا (وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون) [16] بعد الموت (أوآباؤنا الأولون) ~~[17] بهمزة الاستفهام وب «أ و» العاطفة، أي أنبعث نحن ويبعث آباؤنا ~~الأقدمون، قالوا ذلك استبعادا للبعث، لأن آباءهم أقدم فبعثهم أغرب فقال ~~تعالى (قل) يا محمد (نعم) تبعثون (وأنتم داخرون) [18] أي صاغرون. ### || [سورة الصافات (37): آية 19] # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) # (فإنما هي زجرة) أي إذا أمر الله بالبعث فما نفخة البعث إلا صيحة (واحدة) ~~أي لا يحتاج إلى الأخرى (فإذا هم) أي الخلائق كلهم أحياء (ينظرون) [19] ما ~~يفعل بهم أو ينظرون إلى السماء كيف غيرت وإلى الأرض كيف بدلت. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 20 الى 23] # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~(21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) # (وقالوا) أي قال الكافرون إذا عاينوا بالبعث (يا ويلنا هذا يوم الدين) ~~[20] أي يوم الحساب فيقول لهم الملائكة (هذا يوم الفصل) أي القضاء بين ~~الخلائق (الذي كنتم به تكذبون) [21] أي كنتم تقولون «5» أنه لا يكون، ثم ~~ينادي مناد للملائكة (احشروا الذين ظلموا) أي أشركوا أو كل ظالم (وأزواجهم) ~~أي أتباعهم وأعوانهم (وما كانوا يعبدون من دون الله) [22] أي احشروهم مع ~~إبليس وجنوده الذين اتبعوهم وأضلوهم من الشيطان ومع معبوديهم «6» من ~~الأوثان (فاهدوهم) أي عرفوهم طريق النار ليسلكوها أو سوقوهم (إلى صراط ~~الجحيم) [23] وهي ما عظم من النار. ### || [سورة الصافات (37): آية 24] # وقفوهم إنهم مسؤلون (24) # (وقفوهم) أي إذا ذهبوا بهم إلى النار أرسل الله إليهم ملكا فيقول قفوهم، ~~يعني احبسوهم (إنهم مسؤلون) [24] عن ترك قول لا إله إلا الله أو عن جميع ~~أفعالهم «7» وأقوالهم. PageV04P007 ### || [سورة الصافات (37): الآيات 25 الى 26] # ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم ms1446 مستسلمون (26) # (ما لكم لا تناصرون) [25] أي لم لا ينصر بعضكم بعضا اليوم لدفع العذاب ~~عنه كما كنتم فاعلين في الدنيا (بل هم اليوم مستسلمون) [26] أي منقادون ~~عاجزون عن نصرة «1» ذليلون. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 27 الى 28] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) # (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) [27] أي يتلاومون بالخصومة، يعني الأتباع ~~والمتبوعين، (قالوا) أي الأتباع للمتبوعين (إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) ~~[28] أي عن جهة الحلف بأنكم على الحق فصدقناكم أو عن جهة قوتكم وقهركم لنا ~~فاتبعناكم خوفا منكم أو المراد ب «اليمين» جميع الجوانب، واكتفى بذكره عن ~~غيره لشرفه وقوته، قيل: من أتاه الشيطان من جهة اليمين أتاه من قبل الدين ~~لتلبيس الحق عليه، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، ومن أتاه ~~من بين يديه أتاه من قبل تكذيب القيامة، ومن أتاه من خلفه أتاه من قبل ~~تخويفه بالفقر على نفسه وعلى من بعده فلم يصل رحما ولم يؤد زكوة «2». ### || [سورة الصافات (37): آية 29] # قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) # (قالوا) أي قال لهم المتبوعون (بل لم تكونوا مؤمنين) [29] أي بل أبيتم ~~الإيمان وقبوله، يعني أعرضتم عنه مع تمكنهم منه ولم نقهركم على الكفر. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 30 الى 31] # وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون (31) # (وما كان لنا عليكم من سلطان) أي من تسلط نسلبكم به اختياركم وقوتكم (بل ~~كنتم قوما طاغين) [30] أي عاصين أمر ربكم فقالوا جميعا (فحق) أي وجب (علينا ~~قول ربنا) بالعذاب وهو «لأملأن جهنم» «3» (إنا لذائقون) [31] جميعا العذاب ~~في النار. ### || [سورة الصافات (37): آية 32] # فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) # (فأغويناكم) أي أضللناكم عن الهدى (إنا كنا غاوين) [32] أي ضالين فعدلوا ~~به عن الخطاب إلى التكلم بذلك عن أنفسهم لعلمهم بحالهم واستحقاقهم العقوبة ~~بها «4». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 33 الى 37] # فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا لتاركوا ~~آلهتنا لشاعر ms1447 مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) # (فإنهم يومئذ) أي إن المتبوعين يوم القيامة (في العذاب مشتركون) [33] ~~لاشتراكهم في الغواية فقال تعالى (إنا كذلك نفعل بالمجرمين) [34] أي إنا ~~نجمع بين المشركين ومضليهم «5» في العذاب (إنهم كانوا) في الدنيا (إذا قيل ~~لهم) قولوا (لا إله إلا الله يستكبرون) [35] فلا يقولونها (ويقولون أإنا ~~لتاركوا آلهتنا) أي أنترك عبادة الأصنام (لشاعر) أي لأجل قول شاعر (مجنون) ~~[36] يعنون محمدا عليه السلام فرد الله عليهم، فقال (بل جاء بالحق) أي ~~بالقرآن الحق (وصدق المرسلين) [37] الذين جاؤا قبله كقوله «مصدقا لما بين ~~يديه» «6». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 38 الى 41] # إنكم لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا ~~عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) # (إنكم) أي العابد والمعبود (لذائقوا العذاب الأليم) [38] أي الوجيع ~~الدائم (وما تجزون إلا ما كنتم PageV04P008 # تعملون) [39] أي بسبب عملكم القبيح (إلا عباد الله المخلصين) [40] ~~استثناء منقطع، أي لكنهم (أولئك لهم رزق معلوم) [41] أي لأهل الجنة رزق ~~معروف مقدر حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 42 الى 45] # فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف ~~عليهم بكأس من معين (45) # ثم بين الرزق فقال (فواكه) بالرفع بيان ل «رزق «1» معلوم» أو بدل منه ~~«2»، جمع فاكهة وهي ما تؤكل من الثمار تلذذا لا لحفظ الصحة لاستغنائهم عن ~~حفظ الصحة بالغذاء في الجنة (وهم مكرمون) [42] أي منعمون بالثواب (في جنات ~~النعيم [43] على سرر متقابلين) [44] لا ينظر بعضهم إلى قفا بعضهم لدوران ~~الأسرة بهم (يطاف عليهم) صفة «مكرمون» أو استئناف، أي يطوف عليهم خدمهم ~~(بكأس من معين) [45] أي بقدح خمر جار من معين على وجه أرض الجنة كأنهار ~~الماء والكأس هو القدح بشرابه وإلا فهو قدح. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 46 الى 47] # بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) # قوله (بيضاء) صفة الشراب، أي بخمر بيضاء أشد بياضا من اللبن (لذة) أي ~~شهية طيبة (للشاربين [46] لا فيها غول) أي ليس فيها ما يغتال عقولهم من نوم ~~ولا سكر ولا ms1448 وجع في الرأس أو في البطن كما كان في خمور الدنيا أو لا إثم في ~~شربها، والغول البعد والذهاب والهلاك (ولا هم عنها ينزفون) [47] بضم الياء ~~وكسر الزاء من أنزف، أي ذهب عقله أو فرغ شرابه، يعني لا يذهب عقولهم بشربها ~~أو لا ينفذ شرابهم أبدا، وبفتح الزاء «3» معناه: أنهم لا يسكرون من الشرب. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 48 الى 49] # وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # (وعندهم) أي وعند المخلصين مع ذلك (قاصرات الطرف) أي زوجات مانعات ~~أبصارهن عن النظر إلى غير أزواجهن لحسنهم عندهن وبهم يقنعن ولا يطلبن بدلا ~~بهم (عين) [48] أي حسان الأعين وعظامها، يعني يكون شدة البياض في شدة ~~السواد فيكون السواد أكثر من البياض مع كون كل واحدة من العين كبيرة مستوية ~~(كأنهن) أي كأن القاصرات (بيض) للنعام «4»، أي شبيهة في البياض ببيض النعام ~~والعرب تشبه النساء ببيضه (مكنون) [49] أي مستو بريش النعام لا يصل إليه ~~غبار، أي لم تنله الأيدي. ### || [سورة الصافات (37): آية 50] # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) # (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) [50] عطف على «يطاف عليهم»، أي يشربون ~~بكأس فيتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه في الدنيا وعما وصلوا إليه ~~في الآخرة. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 51 الى 54] # قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) # (قال قائل منهم) أي قال بعضهم لبعض (إني كان لي قرين) [51] أي صاحب ينكر ~~البعث وهو الأخ «5» الكافر الذي له جنتان في قوله «جعلنا لأحدهما جنتين» ~~«6»، والأخ الآخر مؤمن صرف ماله في طريق الخير إلى الآخرة (يقول) أى يقول ~~لي ذلك الكافر (أإنك لمن المصدقين) [52] بالعبث بقوله له في الدنيا تبكيتا ~~وإنكارا (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون) [53] أي لمحاسبون ~~مجزيون، (قال) المؤمن لأصحاب الجنة (هل أنتم مطلعون) [54] في النار حتى ~~تنظروا إلى حاله وإلى منزله، قاله لأصحابه تأدبا معهم لئلا يستبد بشيء ~~دونهم، يعني هل تحبون PageV04P009 # الاطلاع والنظر معي إلى قريني، فيقولون ms1449 له اطلع أنت فانك أعرف به فانظر إليه. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 55 الى 61] # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولو لا ~~نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى ~~وما نحن بمعذبين (59) # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) # (فاطلع) أي نظر في النار (فرآه في سواء الجحيم) [55] أي في وسطها، فلما ~~رأى قرينه أسود الوجه مزرق العين (قال) متشمتا به (تالله إن كدت لتردين) ~~[56] أي والله لقد قاربت لتغويني وتضلني أو تهلكني، والردي الموت والهلاك ~~(ولو لا نعمة ربي) على الإيمان والإسلام (لكنت من المحضرين) [57] معك في ~~النار، ثم أقبل المؤمن على أصحابه في الجنة فقال يا أهل الجنة (أفما نحن ~~بميتين) [58] أي أنحن منعمون مخلدون فما نحن بميتين في الجنة (إلا موتتنا ~~الأولى) أي بعدها في الدنيا، فالمراد بالاستفهام النفي، والغرض تحدثه بنعم ~~الله تعالى وتلذذه بها، فيقال له لا نموت أبدا سوى الموتة الأولى وذلك حين ~~يذبح الموت فيأمنون من الموت (وما نحن بمعذبين) [59] أي لم تكن ممن يعذبهم ~~الله مثل عذاب أهل النار فيقول (إن هذا لهو الفوز العظيم) [60] أي النجاة ~~الوافرة (لمثل هذا فليعمل العاملون) [61] أي لمثل هذا الثواب الدائم ~~فليبادر العاملون، قاله لهم تطييبا لقلوبهم واغتياطا بحاله وتوبيخا لقرينه ~~المستمع لقوله ليزيد به عذابه وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزاجرا، وقيل: ~~هو قول الله تعالى «1»، أي فازوا بالجنة ونجوا من العذاب بعملهم الصالح. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 62 الى 65] # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) # (أذلك) أي الرزق المعلوم للمؤمنين «2» في الجنة (خير نزلا) تميير وهو ما ~~يعد للضيف (أم شجرة الزقوم) [62] للكافرين في النار وهي شجرة مرة من أخبث ~~الشجر يكون بتهامة يعرفها المشركون (إنا جعلناها) أي ذكر الشجرة في النار ~~(فتنة) أي بلاء (للظالمين) [63] أي المشركين، قيل: ذكرها زادهم تكذيبا، ~~فقالوا يخبركم محمد إن في النار شجرة والنار تحرق الشجرة ms1450 «3» أو قالوا ~~الزقوم هو الزبد والتمر بلغة بربر، فأطعمهم ذلك أبو جهل وقال «4»: هذا ما ~~يتوعدكم به محمد فنزل في وصف الشجرة قوله تعالى «5» (إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم) [64] أي في قعر جهنم خلقت من النار وعذب بها وأغصانها مرتفعة إلى ~~درك النار (طلعها) أي ثمر تلك الشجرة (كأنه رؤس الشياطين) [65] وهي شجرة في ~~البادية قبيحة منتنة تسمى رؤس الشياطين، وقيل: شبهت برؤوس الشياطين في قبح ~~المنظر «6»، فان العرب إذا وصفت الشيء بالقبح تقول كأنه شيطان «7» أو ~~المراد الحيات «8». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 66 الى 67] # فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من ~~حميم (67) # (فإنهم) أي الكفار (لآكلون منها) أي من ثمرها مع قبحها (فمالؤن) أي ~~يملئون (منها البطون) [66] بحيث لا تحمل شيئا لشدة جوعهم وهي حارة تحرق ~~بطونهم وتعطشهم (ثم إن لهم عليها) أي على الزقوم (لشوبا) أي لخلطا (من ~~حميم) [67] أي من ماء حار في جهنم فتختلط في أجوافهم بشربهم إياه لزيادة ~~عقوبة لهم، «ثم» فيه لتراخي «9» حال الشراب عن حال الطعام، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «أيها الناس اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فلو أن ~~قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتها، فكيف لمن هو ~~طعامه وشرابه وليس له PageV04P010 # طعام غيره» «1». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 68 الى 70] # ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على ~~آثارهم يهرعون (70) # قوله (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [68] فيه دليل على أن الحميم خارج ~~الجحيم، فاذا أكلوا الزقوم في النار بالشبع غلبهم العطش فسيقوا إلى الحميم ~~فشربوه مع كراهية، قوله (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) [69] سبب لما بستوحبون ~~العقوبة به، أي هم وجدوا آباءهم ضالين عن طريق الهدى (فهم على آثارهم ~~يهرعون) [70] أي يسرعون ويتبعون سنتهم في مثل «2» أعمالهم آبائهم، من أهرع ~~إذا أسرع شديدا. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 71 الى 74] # ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف ~~كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) # (ولقد ضل قبلهم) ms1451 أي قبل قومك قريش (أكثر الأولين) [71] أي أضلهم إبليس ~~وأتباعه (ولقد أرسلنا فيهم منذرين) [72] أي رسلا ينذرونهم كما أرسلناك إلى ~~قومك فكذبوهم كما كذبوك فعذبهم الله تعالى في الدنيا (فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين) [73] أي الذين أنذروا وحذروا، يعني أهلكوا جميعا بالعذاب (إلا ~~عباد الله المخلصين) [74] فانهم لم يعذبوا لإخلاصهم الإيمان بالله بتوفيقه. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 75 الى 77] # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) # ثم زاد إنذارهم بذكر نوح عليه السلام ودعائه إياه حين أيس من إيمان قومه ~~فقال (ولقد نادانا نوح) أي دعانا على قومه للانتصار بقوله «إني مغلوب ~~فانتصر» (فلنعم المجيبون) [75] أي فو الله لنعم المجيبون نحن (ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم) [76] وهو الغرق (وجعلنا ذريته هم الباقين) [77] مدة ~~الدنيا، لأن جميع الناس من أولاد سام وحام ويافث، وهم الذين نجوا من الغرق ~~في السفينة، قيل: «سام أبو العرب وفارس وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم ~~ويأجوج ومأجوج والترك» «3». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 78 الى 81] # وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) # (وتركنا) أي أبقينا (عليه) أي على نوح ذكرا حسنا (في الآخرين) [78] من ~~الأمم (سلام على نوح) أي البركة والسعادة عليه (في العالمين) [79] أي بين ~~العالمين لكرامته علينا، فهو دعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وقيل: ~~«سلام على نوح» مفعول «تركنا» «4»، أي جعلنا هذا اللفظ يقال له بعد موته ~~لذلك (إنا كذلك) أي جزائنا نوحا (نجزي المحسنين [80] إنه من عبادنا ~~المؤمنين) [81] أي المتصدقين بالتوحيد. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 82 الى 83] # ثم أغرقنا الآخرين (82) وإن من شيعته لإبراهيم (83) # (ثم أغرقنا الآخرين) [82] من قومه الكافرين (وإن من شيعته) أي ممن شايع، ~~يعني تابع نوحا على أصل الدين ومنهاجه (لإبراهيم) [83] وإن اختلفت الشرائع ~~وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 84 الى 85] # إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون (85) # [85] (إذ جاء ربه) ظرف لمعنى المتابعة ms1452 في الشيعة، أي ممن شايع نوحا ~~إبراهيم وقت مجيئه ربه (بقلب سليم) [84] PageV04P011 # من الشك والشرك، والمراد من مجيئه إقباله على طاعة الله، أي إذ أقبل على ~~طاعته بقلب مخلص، قوله (إذ قال) بدل من «إذ جاء»، أي قال (لأبيه وقومه) ~~توبيخا (ما ذا تعبدون) [85] وهو لا يصلح لأن يعبد. ### || [سورة الصافات (37): آية 86] # أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) # (أإفكا) مفعول به لفعل بعده و(آلهة) بدل منه (دون الله) صفتها، وذلك ~~الفعل (تريدون) [86] أي أتريدون كذبا آلهة كائنة دون الله، يعني أتعبدون ~~غير الله بالإفك لا بالحق. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 87 الى 93] # فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) ~~فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) # ما لكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) # (فما ظنكم برب العالمين) [87] الذي استحق عليهم عبادته، إذا لقيتموه ~~أيعاقبكم أم يترككم، إذ عبدتم غيره، قيل: كان قوم إبراهيم نجامين خرجوا إلى ~~عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم للتبرك عليه بزعمهم، فاذا رجعوا أكلوه ~~وقالوا لإبراهيم اخرج معنا إلى العيد «1» (فنظر) إبراهيم (نظرة في النجوم) ~~[88] أي في حسابها إيهاما لهم أنه يعتمد على علم النجوم (فقال إني سقيم) ~~[89] أي مريض بمرض «2» الطاعون وهم يتطيرون من ذلك أو كان أغلب الاسقام ~~عليهم، وإنما جاز الكذب منه عليه السلام مع أنه حرام على كل حال، لأنه نوى ~~بالتعريض من الكلام أن من في عنقه الموت سقيم، وقيل: معناه إني سقيم النفس ~~من كفركم «3» (فتولوا) أي أعرضوا (عنه مدبرين) [90] يعني هربوا من إبراهيم ~~بالادبار مقبلين إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد (فراغ) أي ~~مال (إلى آلهتهم) أي إلى أصنامهم وبين أيديهم الطعام (فقال ألا تأكلون) ~~[91] استهزاء بهم فلم ينطقوا فقال (ما لكم لا تنطقون [92] فراغ عليهم) أي ~~أقبل إليهم يضرب (ضربا) أو مصدر بمعنى الحال، يعني ضاربا (باليمين) [93] أي ~~بيمينه الجارحة أو بقسمه أنه ليكيدن أصنامهم فسمعوا ذلك أو بقوته، لأن ~~القوة في اليمين. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 94 الى 95] # فأقبلوا إليه ms1453 يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) # (فأقبلوا إليه يزفون) [94] بضم الياء وفتحها «4»، أي يسرعون في مشيتهم ~~وكان بعض رآه يكسرها فسأله من لم يره يكسرها، من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال: ~~ذلك إبراهيم، ثم قال له جميعهم: نحن نعبدها وأنت تكسرها (قال) توبيخا لهم ~~(أتعبدون ما تنحتون) [95] من الحجارة وغيرها بأيديكم أصناما. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 96 الى 97] # والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) # (والله خلقكم و) خلق (ما تعملون) [96] أي الذي تصنعونه من منحوتكم ~~وتعبدون غيره الذي لا ينفعكم ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله، ~~قيل: الشيء الواحد لا يكون مخلوقا لله معمولا لهم، أجيب بأن إيجاد جوهره من ~~الله والتصوير من الصانع كما يريد الله «5» (قالوا) أي قال «6» الكفار ~~بينهم (ابنوا له) أي لإبراهيم (بنيانا) أي منجنيقا (فألقوه في الجحيم) [97] ~~أي في النار الشديدة. ### || [سورة الصافات (37): آية 98] # فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) # (فأرادوا به كيدا) «7» بالقائه في النار وحرقه بها (فجعلناهم الأسفلين) ~~[98] أي المقهورين الأذلين وعلاهم إبراهيم فخرج من النار. PageV04P012 ### || [سورة الصافات (37): آية 99] # وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) # (وقال إني ذاهب إلى ربي) أي إلى أمره الذي أمرني بالهجرة إليه وهو الشام، ~~يعني من أرض حران إلى بيت المقدس لطاعة ربه (سيهدين) [99] أي سيرشدني إلى ~~مهاجري أو إلى ما فيه صلاح ديني. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 100 الى 101] # رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) # ثم قال (رب هب لي) ولدا (من الصالحين) [100] أي من المرسلين، (فبشرناه ~~بغلام حليم) [101] في كبره عليم في صغره. ### || [سورة الصافات (37): آية 102] # فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ~~ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) # (فلما بلغ) الغلام (معه السعي) أي صلح أن يمشي مع أبيه إلى مهامه وآنس به ~~وأحبه وهو ابن سبع سنين، قيل: هو إسمعيل «1»، وقيل: اسحق «2»، والأول أظهر ~~لما يجيء ولفظ «معه» للبيان، يعني لما بلغ حد ms1454 السعي، قيل: مع من؟ فقال: مع ~~أبيه، ولا يتعلق بالسعي لامتناع تقدم صلة المصدر عليه ولا ب «بلغ» لفساد ~~بلوغهما معا حد السعي «3»، روي: أنه لما بشر بالولد قال هو إذن لله ذبيح، ~~فلما بلغ معه السعي قيل له أوف بنذرك في نومه «4» (قال) لولده (يا بني إني ~~أرى في المنام) أي رأيت فيه (أني أذبحك) قربانا لله (فانظر ما ذا ترى) أي ~~رأيت رأيك، وإنما كان ذلك بالمنام دون اليقظة للدلالة على كونه صادقا في ~~الحالتين فيكون ذلك كرؤية يوسف في المنام سجود أبويه وإخوته ودخول رسول ~~الله عليه السلام المسجد الحرام في المنام وما سوى ذلك من مقامات «5» ~~الأنبياء عليهم السلام «6» (قال يا أبت افعل ما تؤمر) به (ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين) [102] على ما أمرت به من الذبح، وإنما شاوره في أمر من ~~الله ليهون عليه البلاء، ويصبره ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل ~~نزوله، فلما عزما على الذبح قال يا أبت أوصيك بثلاثة أشياء: أن تربط يدي كي ~~لا أضطرب فأوذيك وأن تجعل وجهي إلى الأرض كيلا تنظر إلى وجهي وترحمني وان ~~تذهب بقميصي إلى أمي تذكرة لها مني وتسلم عليها وتقول لها اصبري على أمر ~~الله، فقال: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. ### || [سورة الصافات (37): آية 103] # فلما أسلما وتله للجبين (103) # (فلما أسلما) أي استسلما وانقادا لأمر الله تعالى بالإخلاص منهما (وتله ~~للجبين) [103] أي صرعه على شقه فوضع إحدى جبينيه وهما جانبا الجبهة على ~~الأرض، وكان ذلك «7» بمنى عند الصخرة تواضعا لله على مباشرة الأمر بصبر ~~وجلد ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان، وجواب «لما» محذوف، أي لما أسلما وتله ~~للجبين. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 104 الى 105] # وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) # (وناديناه أن يا إبراهيم [104] قد صدقت الرؤيا) استبشرا وشكرا لله تعالى ~~على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله وما حصل لهما من ~~الثواب ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب، وقيل: الجواب «ناديناه» بزيادة ~~الواو ms1455 «8»، ومعنى «صدقت الرؤيا» جئت بما رأيت في نومك بأنك فعلت ما أمكنك ~~من أمر الذبح، روي: PageV04P013 # أنه وضع السكين على حلقه فلم يعمل فشحذه مرارا ووضعه عليه فمنعه القدرة ~~الإلهية «1»، فكان ذلك بمنزلة الذبح الصادق (إنا كذلك نجزي المحسنين) [105] ~~أي المطيعين بأمرنا وهو تعليل لإعطائهما الفرج بعد الشدة. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 106 الى 107] # إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) # (إن هذا لهو البلاء المبين) [106] أي هذا الذبح هو الاختبار البين ~~لإبراهيم وولده الذبيح وأمه (وفديناه) أي خلصنا الذبيح ببدل من الذبح ~~(بذبح) بالكسر، أي بكبش (عظيم) [107] من الجنة وهو اسم ما يذبح، وبالفتح ~~مصدر، وأسند الفداء إلى السبب الممكن من الفداء بهبته فكأن الفادي إبراهيم ~~عليه السلام حقيقة لا الله، لأنه المفتدي منه لكونه آمرا بالذبح فلا يكون ~~فاديا، والكبش هو الذي قربه هابيل وكان عظيم الجسم فلما ذبحه قال جبرائيل ~~الله أكبر، فقال الذبيح لا إله إلا الله والله أكبر فقال إبراهيم الله أكبر ~~ولله الحمد، فبقي سنة، والفائدة في وضع ذبح الكبش مقام حقيقة الذبح في نفس ~~إسمعيل أن يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 108 الى 110] # وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) # (وتركنا عليه في الآخرين) [108] أي أبقينا على إبراهيم الثناء الحسن وهو ~~(سلام على إبراهيم) [109] في الأمم الباقين بعده (كذلك نجزي المحسنين) ~~[110] وإنما ترك «إنا» ههنا اكتفاء بذكره مرة. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 111 الى 112] # إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) # (إنه) أي إبراهيم (من عبادنا المؤمنين) [111] أي المصدقين بالتوحيد، ~~(وبشرناه بإسحاق) أي بوجوده بعد ما أمرناه بذبح إسمعيل وكان أكبر من إسحق ~~بثلاث عشرة سنة، قوله (نبيا) حال مقدرة من «إسحاق»، والعامل فيها الوجود ~~المقدر، أي يوجد نبيا لا فعل البشارة لأنه لم يكن نبيا حينئذ، قوله (من ~~الصالحين) [112] حال ثانية ذكره لزيادة «2» مبالغة في مدحه، إذ كل نبي ~~صالح، قيل: ومما يدل على أن الذبيح إسمعيل دون إسحق، قوله ms1456 «فبشرناها ~~بإسحاق» «3» وقوله «ومن وراء إسحاق يعقوب» «4»، فلو كان الذبيح إسحق لكان ~~خلفا للوعد في يعقوب. ### || [سورة الصافات (37): آية 113] # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) # (وباركنا عليه) أي على إبراهيم بتكثير ذريته وأمواله (وعلى إسحاق) ولده ~~وبركته جعله تعالى أكثر العلماء من نسله (ومن ذريتهما محسن) أي مؤمن كموسى ~~وهرون وداود وسليمان وعيسى ومن آمن من أهل الكتاب (وظالم لنفسه مبين) [113] ~~أي بين الظلم وهو من كفر بآيات الله ولقائه. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 114 الى 122] # ولقد مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~(115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) ~~وهديناهما الصراط المستقيم (118) # وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهارون (120) إنا كذلك ~~نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) # (ولقد مننا) أي أنعمنا (على موسى وهارون) [114] بالنبوة (ونجيناهما ~~وقومهما) بني إسرائيل (من الكرب العظيم) [115] أي من الغرق والاستعباد ~~(ونصرناهم) أي بني إسرائيل (فكانوا هم الغالبين) [116] بالجنة على فرعون ~~وقومه (وآتيناهما) أي موسى وهرون (الكتاب المستبين) [117] أي المتناهي في ~~بيان الأحكام من الحلال والحرام (وهديناهما الصراط المستقيم) [118] أي ~~ثبتناهما عليه (وتركنا عليهما في الآخرين) [119] أي في PageV04P014 # الباقين (سلام على موسى وهارون) [120] أي الثناء الحسن (إنا كذلك نجزي ~~المحسنين [121] إنهما من عبادنا المؤمنين) [122] أي المرسلين. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 123 الى 124] # وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) # (وإن إلياس) بقطع الهمزة مع الكسر وبوصلها «1» (لمن المرسلين) [123] إلى ~~بني إسرائيل. # قيل: إنه إدريس نبي من أنبياء بني إسرائيل «2»، وقيل: هو إلياس صاحب ~~الخضر وكان الخضر في الجزائر وإلياس في البراري ويجتمعان كل سنة في يوم ~~عرفة بعرفات «3»، روي: أن ملك بعلبك كان يعبد صنما من ذهب اسمه بعل، طوله ~~عشرون أو ثلاثون ذراعا وكان له امرأة قتلت جارها وأخذت بستانه فغضب الله ~~تعالى على الملك فبعث إليه إلياس، وقال قل له فتردن بستانه على ورثته وإلا ~~لتهلكن «4»، فأخبر تعالى عنه فقال اذكر (إذ قال لقومه ألا تتقون) [124] ~~الله، أي اتقوه وردوه البستان إلى الورثة. ### || [سورة ms1457 الصافات (37): الآيات 125 الى 126] # أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) # ثم وبخهم فقال (أتدعون) أي أتعبدون (بعلا) أي الصنم (وتذرون أحسن ~~الخالقين) [125] أي تتركون عبادته وهو خالقكم، قوله (الله) بالنصب بدل من ~~«أحسن» و(ربكم) صفته (ورب آبائكم الأولين) [126] عطف عليه ويقرأ بالرفع «5» ~~على أنه مبتدأ و«ربكم» خبره. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 127 الى 132] # فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في ~~الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي المحسنين (131) # إنه من عبادنا المؤمنين (132) # (فكذبوه) أي إلياس (فإنهم لمحضرون) [127] أي هم وأصنامهم في النار (إلا ~~عباد الله المخلصين) [128] فانهم لا يحضرون النار لإيمانهم به بالإخلاص ~~(وتركنا عليه) أي على إلياس (في الآخرين [129] سلام على إل ياسين) [130] ~~وقرئ «آل ياسين» بالإضافة «6»، أي سلام على إلياس ومن آمن به من قومه ~~وجمعوا معه كقولهم إدريسين لإدريس وقومه، قيل: غضب الملك غضبا شديدا على ~~إلياس وهم بقتله فدعا الله أن يريحه منهم فرفعه الله إلى السماء وأهلك ~~الملك وقومه بالقحط «7» (إنا كذلك نجزي المحسنين [131] إنه من عبادنا ~~المؤمنين) [132] أي المخلصين في إيمانه وطاعته. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 133 الى 136] # وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في ~~الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) # (وإن لوطا لمن المرسلين) [133] إلى قومه فكذبوه فأرادوا إهلاكه فقال: رب ~~نجني وأهلي مما يعملون، فنجاه PageV04P015 # الله وأهله فذلك قوله (إذ نجيناه وأهله أجمعين [134] إلا عجوزا في ~~الغابرين) [135] أي امرأته في الباقين للهلاك (ثم دمرنا الآخرين) [136] أي ~~أهلكنا الباقين. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 137 الى 138] # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) # (وإنكم لتمرون) يا أهل مكة (عليهم) أي على آثار قوم لوط إذا سافرتم ~~(مصبحين) [137] أي بالنهار (وبالليل أفلا تعقلون) [138] أي أليس لكم فهم ~~الإنسانية لتدركوا به ما حل بمن قبلكم فتعتبروا فتؤمنوا. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 139 الى 146] # وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان ~~من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلو لا أنه كان من ~~المسبحين (143) # للبث في بطنه إلى ms1458 يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) # (وإن يونس لمن المرسلين [139] إذ أبق) أي هرب (إلى الفلك المشحون) [140] ~~أي المملوء حين لم ينزل العذاب على قومه، فغضب منه فجاء إلى البحر وركب ~~مركبا، فلما لحجوا في البحر وقفت السفينة فقال الملاحون هنا عبد آبق ~~(فساهم) أي قارع أهل السفينة من الآبق (فكان) يونس (من المدحضين) [141] أي ~~المقروعين «1» المغلوبين، والمدحض هو المغلوب في الحجة، وأصله من الدحض وهو ~~زلة القدم من مكانها فألقوه أو ألقى نفسه في البحر (فالتقمه الحوت) أي ~~ابتلعه (وهو مليم) [142] أي يلوم نفسه باتيان ما يلام عليه (فلو لا أنه كان ~~من المسبحين) [143] أي الذاكرين في بطن الحوت (للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون) [144] أي لصار بطن الحوت له قبرا إلى يوم البعث (فنبذناه) أي ~~ألقيناه من بطن الحوت من يومه أو بعد ثلاثة أيام أو أزيد (بالعراء) أي ~~بالساحل أو بالفضاء (وهو سقيم) [145] أي عليل كهيئة الطفل لا قوة له ~~(وأنبتنا عليه) أي فوقه بعد خروجه (شجرة) مظلة (من يقطين) [146] وهو القرع ~~ليستظل بظلها وكانت وعلة تجيئه ويشرب «2» من لبنها صباحا ومساء حتى اشتد ~~لحمه ونبت شعره وتقوى، فنام نومة فاستيقظ وقد يبست الشجرة فأصابته الشمس ~~فبكى فأوحى إليه ربه أتحزن على شجرة يبست ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون ~~أرسلناك إليهم لتنجيهم من العذاب، فلم يتبعوك وأردت هلاكهم وهم في يد ~~الكافر الذي منعهم عن الاتباع بك. ### || [سورة الصافات (37): آية 147] # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) # ثم أخبر عنه بقوله (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) [147] أي كما ~~أرسلناه من «3» قبل الحوت إليهم «4» إرسالا ثانيا إليهم «5» بعد الحوت أو ~~إلى غيرهم، روى: أنهم أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى، لأن النبي إذا ~~هاجر لم يرجع إليهم مقيما فيهم «6»، وهم أهل نينوى بأرض الموصل وهم كانوا ~~مائة ألف أو يزيدون في مرأى العين، أي إذا رآها الرائى قال هي مائة ألف أو ~~أكثر، والغرض الوصف بالأكثر، وقيل: «أو» بمعنى الواو «7»، وكانت ms1459 الزيادة ~~عشرين ألفا «8» أو ثلاثين «9». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 148 الى 152] # فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) ~~أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~ولد الله وإنهم لكاذبون (152) # (فآمنوا) عند نزول العذاب بهم وصرفناه عنهم (فمتعناهم) أي أبقيناهم (إلى ~~حين) [148] أي إلى وقت انتهاء آجالهم متمتعين بأموالهم (فاستفتهم) أي ~~فاستخبر أهل مكة توبيخا لهم (ألربك البنات ولهم PageV04P016 # البنون) [149] أي أتجعلون أوضع الجنسين له وأرفعهما لكم مع قدرته عليه، ~~ففيه تفضيل لأنفسكم على ربكم، وهذا مما لا يقبله سليم العقل، ثم زادهم ~~التوبيخ فقال (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون) [150] أي حاضرون حين ~~خلقهم «1» إناثا فيجترؤون على ما يقولون، وإنما خصهم بعلم المشاهدة استهزاء ~~بهم وتجهيلا لهم، أي ليس باخبار صادق ولا باستدلال صحيح فصرح بكذبهم بقوله ~~(ألا إنهم من إفكهم) أي من أجل كذبهم (ليقولون [151] ولد الله) بزعمهم ~~الملائكة بنات الله (وإنهم لكاذبون) [152] في قولهم لله ولد الولد يعم ~~الذكر والأنثى، وفيه تجسيم له تعالى علوا كبيرا، لأن الولادة مختصة ~~بالأجسام، وفي جعلهم الملائكة الذين هم أكرم خلق الله «2» إناثا استهانة ~~شديدة ولو قيل لأدناهم فيك أنوثة لتمزقت نفسه من الغيظ لقائله. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 153 الى 158] # أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون ~~(155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) # قوله (أصطفى البنات) استفهام بمعنى الزجر والإنكار، والأصل أاصطفى، حذفت ~~همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، أي أاختار الله تعالى بالبنات ~~(على البنين [153] ما لكم كيف تحكمون) [154] هذا الحكم الفاسد ارتدعوا عنه ~~فانه جور، ومن قرأ بكسر الهمزة «3» جعله بدلا من قول الكفار ولد الله (أفلا ~~تذكرون) [155] أي أفلا تتعظون فتمتنعوا عن ذلك القول (أم لكم سلطان مبين) ~~[156] أي حجة واضحة أن لله ولدا أو لكم عذر «4» بين في كتاب منزل إليكم ~~(فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) [157] في مقالتكم (وجعلوا بينه) أي جعل ~~مشركو مكة بين الله تعالى ms1460 (وبين الجنة) وهم حي من الملائكة يقال لهم الجن ~~ومنهم إبليس (نسبا) أي نسبة جامعة له وللجنة بقولهم إنهم بنات الله تعالى ~~(ولقد علمت الجنة) أي الملائكة الذين قالوا لهم البنات (إنهم لمحضرون) ~~[158] النار ومعذبون فيها بما يقولون. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 159 الى 160] # سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) # قوله (سبحان الله) أي تنزيها له (عن ما يصفون) [159] بأن له ولدا اعتراض ~~«5» بين الاستثناء وبين ما وقع منه، قوله (إلا عباد الله المخلصين) [160] ~~استثناء منقطع من «محضرون»، أي لكن عباد الله المخلصين من الشرك ناجون من ~~النار، قيل: هذه الآيات المتوالية في بطلان قولهم أن لله ولدا صدرت عن سخط ~~عظيم واستبعاد شديد له ونطقت بتسفيه أحلام قريش واستركاك عقولهم مع استهزاء ~~وتهكم بهم «6». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 161 الى 163] # فإنكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) # (فإنكم وما تعبدون) [161] أي مع «7» معبودكم يا أهل مكة (ما أنتم عليه) ~~أي على الله (بفاتنين) [162] أي بمضلين أحدا من الناس، من فتن فلان على ~~فلان امرأته، أي أفسدها عليه (إلا من هو صال الجحيم) [163] أي سيصلي النار ~~في سابق علمه تعالى مفردا، أصله صالى من الصلى وهو الدخول في النار. ### || [سورة الصافات (37): آية 164] # وما منا إلا له مقام معلوم (164) # ثم أخبر جبرائيل أن لكل واحد منهم مقاما مختصا به بقوله (وما منا إلا له ~~مقام معلوم) [164] أي قال الله تعالى لجبرائيل بعد قولهم الملائكة بنات ~~الله تكذيبا لهم قل يا جبرائيل لمحمد نحن معاشر الملائكة ما منا أحد إلا له PageV04P017 # مقام معلوم في السماء يعبد فيه ولا يتجاوزه إلا باذن، أي لا نستطيع أن ~~نزل عنه ظفرا خشوعا لعظمته أذلاء بين يديه فكيف يكون جنسية بيننا وبينه ~~تعالى كما روي: فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه «1». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 165 الى 169] # وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون ~~(167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) # (وإنا لنحن الصافون) ms1461 [165] أقدامنا للصلوة خاشعين خاضعين أو الصافون حول ~~العرش (وإنا لنحن المسبحون) [166] أي نسبح الله تعالى عما لا يليق بجلاله ~~ونمجده كما يجب على العباد لربهم فلا نكون مناسبين لرب العزة أصلا، قوله ~~(وإن كانوا) «إن» مخففة من الثقيلة واللام في (ليقولون) [167] هي الفارفة ~~بينها وبين «إن» النافية، نزل حين قال كفار مكة لو كان لنا كتاب مثل اليهود ~~والنصارى لكنا نؤمن مخلصين «2»، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن كفروا فأخبر تعالى بأنهم كانوا يقولون (لو أن عندنا ذكرا) أي كتاب ~~(من) كتب (الأولين) [168] الذين نزل عليهم التورية أو الإنجيل (لكنا عباد ~~الله المخلصين) [169] أي لأخلصنا العبادة لله. ### || [سورة الصافات (37): آية 170] # فكفروا به فسوف يعلمون (170) # (فكفروا به) أي بالقرآن وهو سيد الأذكار والكتب، إذ هو معجز من بينها ~~(فسوف يعلمون) [170] عاقبة كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من الانتقام في ~~الدنيا والآخرة. ### || [سورة الصافات (37): الآيات 171 الى 173] # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن ~~جندنا لهم الغالبون (173) # (ولقد سبقت كلمتنا) أي عدتنا بالنصر (لعبادنا المرسلين) [171] والكلمة ~~التي هي العدة، قوله (إنهم لهم المنصورون [172] وإن جندنا لهم الغالبون) ~~[173] أي المؤمنون منهم الغالبون على الكفار بالحجة في الدنيا والعزة في ~~الآخرة وإن انهزموا وغلبوا في بعض المشاهد «3» في أثناء الحال. ### || [سورة الصافات (37): آية 174] # فتول عنهم حتى حين (174) # (فتول عنهم) أي أعرض عن كفار مكة وعن أذاهم (حتى حين) [174] أي حين تؤمر ~~فيه «4» بالقتال، فنسخت بآية القتال «5». ### || [سورة الصافات (37): الآيات 175 الى 182] # وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم ~~فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) # سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله ~~رب العالمين (182) # (وأبصرهم) إذا نزل بهم العذاب هنا من القتل والأسر والعقوبة في الآخرة ~~(فسوف يبصرون) [175] أي يبصرونك وما يقضى لك من النصرة والغلبة والثواب في ~~العاقبة وفي الأمر للنبي عليه السلام بأبصارهم على الحال الموعودة الدلالة ~~على أنها كائنة لا محالة وتسلية له، وفي «سوف يبصرون» تهديد شديد لهم ms1462 ~~ليتوبوا، فثم قال الكفار متى ينزل العذاب بنا يا محمد استهزاء واستعجالا ~~فنزل «6» (أفبعذابنا يستعجلون) [176] لزيادة التخويف، أي أفبعذاب مثلي وأنا ~~رب العزة يستعجلون (فإذا نزل بساحتهم) أي العذاب بقربهم وحضرتهم (فساء) أي ~~يقال بئس (صباح المنذرين) [177] أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب وكذب ~~به فلم يؤمن، روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بقرب خيبر قال: ~~«الله أكبر هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح PageV04P018 # المنذرين» «1» (وتول عنهم حتى حين [178] وأبصر فسوف يبصرون) [179] كررها ~~تهديدا لهم وتسلية بعد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتأكيدا لوقوع الوعد ~~إلى تأكيد، وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معا عن التقييد بالمفعول ~~لتعميم المبصر منهما مما لا يحيط به الوصف من المسرة للنبي عليه السلام ومن ~~المساءة للمنذرين، وقيل: كرر للإيذان بأن المراد بأحدهما عذاب الدنيا ~~وبالآخرة عذاب الآخرة «2». # قوله (سبحان ربك) الآية حطاب للنبي عليه السلام وتعليم له ولمن تابعه من ~~المؤمين أن يقولوا ذلك من غير إخلال به وتساهل من مضموناتها منها تنزيه ~~ذاته عما وصفه به المشركون بقوله «سبحان ربك» (رب العزة) باضافة «رب» إلى ~~«العزة» لتفيد «3» اختصاصه بها، أي ما من عزة لأحد إلا هو مالكها فهو منزه ~~(عن ما يصفون) [180] من اتخاذ الولد والشريك ومنها التسليم على الأنبياء ~~بقوله (وسلام على المرسلين) [181] أي الذين يبلغون رسالات الله إلى الأمم، ~~ومنها التمجيد لرب العالمين على كل حال بقوله (والحمد لله رب العالمين) ~~[182] على إهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين، روي عن علي رضي الله عنه: «من ~~أحب أن يكتال له بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا ~~قام من مجلسه «سبحان ربك» إلى آخر السورة» «4». PageV04P019 ### | سورة ص # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة ص (38): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) # قرئ (ص) بالسكون، أي الله صادق في قوله، وبالكسر «1» أمر للنبي عليه ~~السلام من المصاداة وهي المعارضة، أي عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره ~~وانته عن نواهيه، وقيل: هو ms1463 خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم السورة «2» التي ~~أعجزت العرب «3»، قوله (والقرآن) قسم (ذي الذكر) [1] أي ذي الشرف أو ذي ~~العظة أو فيه ذكر ما يحتاج إليه من الشرائع وغيرها من الوعد والوعيد وقصص ~~الأنبياء قبلك، وجواب القسم محذوف لدلالة التحدي عليه، تقديره: والقرآن ذي ~~الذكر انه لكلام معجز منزل بالحق، فحقه أن يؤمن الناس به. ### || [سورة ص (38): آية 2] # بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) # (بل الذين كفروا) من أهل مكة (في عزة) أي في حمية واستكبار عن الاعتراف ~~بالحق والإيمان به (وشقاق) [2] أي في خلاف وعداوة وتكذيب لله ولرسوله، ~~والتنكير في الكلمتين «4» للدلالة على شدتهما. ### || [سورة ص (38): آية 3] # كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) # قوله (كم أهلكنا) وعيد لذي العزة والشقاق، أي كم أهلكنا بالعذاب (من ~~قبلهم من قرن) أي من أمة من الأمم (فنادوا) أي استغاثوا في الدنيا ليخلصوا ~~«5» من العذاب، فقيل لهم (ولات حين مناص) [3] بنصب «حين»، أي ليس الحين حين ~~فرار، ف «لا» بمعنى ليس ذيد عليها تاء التأنيث للتأكيد كما يزاد في «رب» ~~و«ثم» للتأكيد واسمها محذوف و«حين مناص» خبرها، قيل: «كانت العرب إذا ~~قاتلوا يقول بعضهم لبعض مناص مناص» «6»، والمراد المنجأ فينجو من نجا ويهلك ~~من هلك فلما أتاهم العذاب قالوا مناص مثل ما كانوا يقولون، فقال الله تعالى ~~لهم ولات حين مناص ونزل حين قال لهم النبي عليه السلام إن إلهكم إله واحد ~~وهو الله فوحدوه بقول «لا إله إلا الله» فتعجبوا ونفروا من التوحيد ولا ~~يتعجبون من الشرك إظهارا لجهلهم «7». ### || [سورة ص (38): الآيات 4 الى 5] # وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) # (وعجبوا أن جاءهم منذر) أي رسول مخوف (منهم) أي من أنفسهم وهو محمد عليه ~~السلام (وقال الكافرون) بالإظهار ولم يقل وقالوا إيذانا بشدة الغضب عليهم ~~لقولهم (هذا ساحر كذاب) [4] أي يكذب على PageV04P020 # الله أنه رسوله «1»، ثم قالوا (أجعل) بزعمه (الآلهة إلها واحدا) في القول ~~كيف ms1464 يتسع إله واحد لحاجاتنا «2» (إن هذا) أي الذي يقوله محمد (لشيء عجاب) ~~[5] أي بليغ في العجب. ### || [سورة ص (38): آية 6] # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) # (وانطلق الملأ منهم) أي ذهب أشراف قريش عن مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب الحاضر عنده، وقد جاؤا إلى أبي طالب ~~في مرضه للشكاية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يسب أصنامنا فسأله ~~كيف تشتم لأصنامهم با ابن أخي؟ قال: يا عم إني أدعوهم على كلمة واحدة ~~يملكون بها العرب ويؤدي إليهم العجم الجزية، فقال: وما هي؟ قال: «لا إله ~~إلا الله»، فقاموا عن مجلسه وانطلقوا نافرين عنها قائلين، أي قائلا بعضهم ~~لبعض (أن امشوا واصبروا على) عبادة (آلهتكم) فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد ~~(إن هذا) الأمر (لشيء يراد) [6] أي يريده الله ويمضيه ولا ينفع فيه إلا الصبر. ### || [سورة ص (38): آية 7] # ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) # (ما سمعنا بهذا) أي بهذا التوحيد كائنا (في الملة الآخرة) قالوه استهزاء ~~بالتوحيد، يعني لم نسمع من أهل الكتاب اليهود والنصارى ولا من الكهنة أنه ~~يحدث في الملة الآخرة توحيد الله (إن هذا) أي ما القول بالتوحيد (إلا ~~اختلاق) [7] أي كذب اختلقه محمد من تلقاء نفسه. ### || [سورة ص (38): آية 8] # أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) # (أأنزل عليه الذكر من بيننا) أي قالوا حسدا يغلي في صدورهم على ما أوتي ~~من بينهم أأنزل على محمد القرآن من بين أشرافنا ورؤسائنا، يعني أخص بشرف ~~النبوة ونزول الكتاب عليه من بيننا ونحن أحقاء به فقال تعالى (بل هم في شك) ~~أي لم يصدقوا برسولي، بل هم مستمرون في ريب (من ذكري) أي من القرآن الذي ~~أنزلته عليه حسدا منهم، قوله (بل لما يذوقوا عذاب) [8] أي عذابي تهديد لهم، ~~يعني لم يذوقوه بعد، فاذا ذاقوه زال عنهم الشك والحسد وصدقوه مضطرين إلى ms1465 ~~التصديق وحينئذ لا يرحمون. ### || [سورة ص (38): آية 9] # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) # (أم عندهم خزائن رحمة ربك) أي أهم «3» يملكون خزائن الرحمة من النبوة ~~وغيرها حتى يخصوا بها من يشاؤنه ويصرفوها عمن يشاؤنه كقوله تعالى «أ هم ~~يقسمون رحمت ربك» «4» (العزيز) أي القاهر على خلقه (الوهاب) [9] أي الكثير ~~المواهب المصيب بها من يشاء على ما يقتضيه حكمته. ### || [سورة ص (38): آية 10] # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) # (أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما) ليختاروا النبوة بعض صناديدهم ~~ويرفعوها «5» عن محمد عليه السلام وإنما يختار الذي يملك الرحمة خزائنها ~~وهو الله تعالى، قوله (فليرتقوا) جزاء شرط محذوف بدلالة ما قبله، أي إن ~~كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة رحمة ربك فليرتقوا، أي ~~ليصعدوا (في الأسباب) [10] أي المعارج والطرق الموصلة إلى السماء فيأتوا ~~بالوحي إلى من يختارون وهو بيان لعجزهم وتهكم شديد بهم. ### || [سورة ص (38): آية 11] # جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) # ثم سلى نبيه عليه السلام بقوله (جند ما هنالك مهزوم) أي مكسور ومغلوب عن ~~قريب (من الأحزاب) [11] أي المتحزبين على الرسل فلا يضيق صدرك ولا تبال بما ~~يقولون فاني ناصرك و«ما» في «جند ما» زائدة بمعنى القلة وهو مبتدأ «6»، ~~خبره «مهزوم»، وهنالك إشارة إلى مكان قولهم العظيم ومعاداة الرسول أو «7» ~~إلى يوم بدر وهو PageV04P021 # استحقار لهم وخساءة عن قولهم العظيم. ### || [سورة ص (38): الآيات 12 الى 13] # كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب ~~الأيكة أولئك الأحزاب (13) # ثم ذكر المتحزبين على الرسل فقال (كذبت قبلهم) أي قبل قريش (قوم نوح ~~وعاد) أي لك يا محمد أسوة حسنة باخوتك من الأنبياء في تكذيبهم أقوامهم ~~وصبرهم عليه (و) كذب أيضا (فرعون ذو الأوتاد) [12] أي ذو بناء محكم أو «1» ~~ذو الملك الثابت الشديد أو ذو الجنود التي تثبته كالأوتاد للخيام، وقيل: ~~كان يتد بأربعة أوتاد من يغضب عليه ويعذبه بأنواع العذاب حتى يموت «2» (و) ~~كذبت أيضا (ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة) أي الغيضة ms1466 وهم قوم شعيب (أولئك) ~~أي المذكورون هم (الأحزاب) [13] الذين جعلوا الجند المهزوم كمشركي قريش ~~الذين وجد منهم التكذيب، وإنما سموا أحزابا لأنهم تحزبوا على أنبيائهم أي ~~تجمعوا. ### || [سورة ص (38): الآيات 14 الى 16] # إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها ~~من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) # (إن كل إلا كذب الرسل) لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، أي ~~ما كل واحد من الأحزاب إلا كذب رسلي (فحق) أي وجب لذلك (عقاب) [14] أي أن ~~أعاقبهم حق العذاب. # (وما ينظر هؤلاء) أي قومك يا محمد (إلا صيحة واحدة) وهي النفخة الأولى ~~(ما لها من فواق) [15] أي من «3» توقف مقدار فواق بالفتح والضم «4»، وهو ما ~~بين حلبتي الحالب وهو عبارة عن الزمان اليسير. # (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا) أي صحيفة أعمالنا ننظر فيها «5» (قبل يوم ~~الحساب) [16] أي في الدنيا، وأصل ال «قط» القطع وهو النصيب، قالوا ذلك ~~استهزاء لقول النبي عليه السلام حين قال لقريش: «من لم يؤمن بالله أعطي ~~كتابه بشماله» «6»، وقيل: قالوا ذلك لما نزل «وأما من أوتي كتابه» «7» ~~الآية «8». ### || [سورة ص (38): آية 17] # اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) # ثم عزى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله (اصبر على ما يقولون) ~~يا محمد فيك مما يؤذيك واترك الشكوى فاني ناصرك، قوله (واذكر عبدنا داود) ~~الآية أمر الله نبيه بذكر داود بعد ما أمره بالصبر على تكذيبهم، أي صن نفسك ~~أن تزل فيما كلفت من تحمل أذاهم واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زل ~~تلك الزلة اليسيرة فلقي ما لقي من توبيخ الله إياه ونسبته إلى البغي والظلم ~~(ذا الأيد) أي ذا القوة في العبادة، لأنه كان يصوم يوما ويفطر يوما وينام ~~من الليل النصف الأول ويقوم ثلثه وينام سدسه مع سياسة الملك (إنه أواب) ~~[17] أي رجاع إلى مرضاة الله بالتوبة مما يكره. ### || [سورة ص (38): الآيات 18 الى 20] # إنا سخرنا الجبال ms1467 معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له ~~أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) # (إنا سخرنا الجبال) بيان لفضله تعالى (معه) أي إنا ذللناها (يسبحن) ولم ~~يقل مسبحات للدلالة على حدوث تسبيح الجبال مع دواد (بالعشي والإشراق) [18] ~~أي في أول النهار وآخره، قيل: «العشي» وقت العشاء و«الإشراق» وقت إضاءة ~~الشمس وهو صفاء نورها وذهاب صفرتها «9». PageV04P022 # قوله (والطير) نصب عطف على «الجبال»، وقوله (محشورة) نصب على الحال، أي ~~مجموعة (كل له) أي كل واحد من الجبال والطير لأجل داود وتسبيحه (أواب) [19] ~~أي رجاع بصوته، يعني كان داود إذا سبح سبحت الجبال وجمعت له الطير مسبحات ~~معه لله تعالى. # (وشددنا) أي قوينا (ملكه) بالعدل أو بالحفظ عليه والحراسة يحرسه كل ليلة ~~ثلاثة وثلاثون ألف رجل أو بهيبة وضعت له في قلوب الناس، روي: أن غلاما ادعى ~~على رجل بقرة عنده فلطم الغلام لطمة وعجز الغلام عن إقامة البينة فأوحى ~~الله إليه أن اقتل المدعى عليه فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا أتقتل ~~رجلا للغلام؟ # فقال: هذا أمر الله تعالى بذلك فأخبر المدعى عليه، فقال الرجل: صدقت يا ~~نبي الله قتلت أباه اغتيالا فقتله فعظمت هيبته في قلوب الناس، وقالوا: لا ~~نعمل شيئا إلا علمه «1» (وآتيناه الحكمة) أي النبوة أو التكلم بالحق (وفصل ~~الخطاب) [20] أي البيان الشافي في كل قصد أو القضاء بالبينة على المدعي ~~واليمين على المدعى عليه، لأنه يقطع الخصام بين الناس أو قول الشخص بعد حمد ~~الله، أما بعد ثم ذكره ما يريد لأنه يفصل بين كلامين. ### || [سورة ص (38): الآيات 21 الى 23] # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا ~~إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال ~~أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) # قوله (وهل أتاك) ظاهر «2» الاستفهام للدلالة على أن هذا الخبر العجيب مما ~~يشتهر ويفشى لكل أحد ويشوق إلى استماعه والمراد تحقيقه، ولذلك ms1468 قيل «هل» ~~بمعنى «قد» (نبأ الخصم) أي خبر الخصوم «3»، مفرد يعم القليل والكثير والذكر ~~والأنثى، والمراد هنا الملكان اللذان وقع التحاكم بينهما ومن يصحبهما من ~~الملائكة. # وقد روي: أنهما جبرائيل وميكائيل جاءا داود عليه السلام بعد ما دخل ~~بامرأة أوريا لينبهاه على زلته بتلك المرأة، وذلك «4» أنه قيل يوما عنده هل ~~يأتي على الإنسان يوم لا يذنب فيه، فأضمر في نفسه أنه يطيق ذلك فابتلي بتلك ~~المرأة، وذلك أنه دخل في محرابه متعبدا وأغلق عليه بابه فجاءه الشيطان في ~~صورة طير من ذهب ووقع بين رجليه فأراد أن يأخذه فذهب إلى كوة هناك فأراد ~~أخذه فذهب فنظر من الكوة، فاذا بامرأة جميلة تغتسل فعجب منها فالتفتت ~~فابصرت ظله فنقضت شعرها فغطى جميع بدنها فازداد عجبا، فسأل عنها فقيل هي ~~امرأة أوريا فأحب أن يموت زوجها ليتزوج بها وكان زوجها مع ابن أخت دواد في ~~جيش، فأرسل إليه أن قدمه قدام التابوت وكان من تقدم قدامه لا يحل له الرجوع ~~حتى يفتح عليه ويقتل، فقدمه فقتل فتزوجها داود بعد انقضاء عدتها وهي أم ~~سليمان عليه السلام «5»، وبعضهم أنكر هذا النقل لتنزه الأنبياء عن مثل هذا ~~العمل «6». # (إذ تسوروا المحراب) [21] أي صعد جبرائيل وميكائيل بمن معهما حائط ~~المحراب بعد أن منعوا الدخول من الباب، و«إذ» ظرف ل «نبأ الخصم» على تقدير ~~نبأ تحاكم الخصم، لأنه لا يجوز أن يتعلق ب «أتاك»، لأن اتيان PageV04P023 # الخبر الرسول «1» لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بنفس النبأ، لأن ~~النبأ الواقع في عهد داود لا يصح اتيانه الرسول عليه السلام فلابد من ~~التقدير «2» المذكور، و«إذ» في (إذ دخلوا) بدل من «إذ» قبله، أي قد وصل ~~إليك يا محمد خبر جبرائيل وميكائيل إذ صعدوا سور المحراب إذ دخلوا (على ~~داود) من غير الباب (ففزع منهم قالوا لا تخف) أي لسنا ممن يخاف منه، إنما ~~نحن (خصمان بغى بعضنا على بعض) أي ظلم قالوه فرضا وتصويرا للمسألة في ~~أنفسهم وكانوا في صورة الأناسي (فاحكم بيننا ms1469 بالحق) أي اقض بالعدل بيننا ~~«3» (ولا تشطط) أي لا تجر في الحكم، من أشط جار (واهدنا إلى سواء الصراط) ~~[22] أي أرشدنا إلى أعدل الطريق والصواب، ثم قال لهما تكلما فقال أحدهما ~~(إن هذا أخي) أي على ديني وهو بدل من «هذا»، وخبر «إن» (له تسع وتسعون ~~نعجة) أي شاة، يطلق على الذكر والأنثى، استعيرت للمرأة من حيث التوالد ~~والتناسل (ولي) بفتح الياء وسكونها «4» (نعجة واحدة فقال أكفلنيها) أي ~~ملكنيها «5» أو ضمها إلي واجعلني كافلها (وعزني في الخطاب) [23] أي غلبني ~~في الخطبة وهي الكلام أو الجدال وإن كان الحق لي لضعفي فبعد اعتراف المدعى عليه. ### || [سورة ص (38): الآيات 24 الى 25] # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب (25) # (قال) داود (لقد ظلمك) خصمك (بسؤال نعجتك) ليضمها (إلى نعاجه وإن كثيرا ~~من الخلطاء) جمع الخليط «6» من الخلطة، وهي الشركة في المال، يعني من ~~الشركاء الذين خلطوا أموالهم (ليبغي بعضهم على بعض) أي ليظلم، واللام في ~~جواب قسم محذوف، قيل: الخلطة قد غلبت في الماشية، واعتبرها الشافعي فاذا ~~كانت للخليطين أربعون شاة فعليهما واحدة للزكوة على حسب مالهما، ولا شيء ~~عند أبي حنيفة رحمه الله «7»، قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ~~فانهم لا يظلمون استثناء من بعضهم (وقليل ما هم) «ما» زائدة لتأكيد القلة، ~~أي الذين لا يظلمون من الصالحين قليلون، فلما اعترف المدعى عليه قال له ~~داود: لم تسأل نعجته إلى نعاجك؟ # قال: لأكمل نعاجي مائة، فقال له داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وأشار ~~إلى طرف الأنف والجبهة، فقال المدعى عليه: أنت أحق بذلك حيث أضفت امرأة ~~أوريا إلى نسائك فصعدا إلى السماء حيال وجهه ويقولا قضى الرجل على نفسه ~~فاغتم لذلك «8»، وإنما جاءت القصة على طريقة التعريض دون التصريح ليكون ~~أبلغ في التوبخ بالتأمل المؤدي إلى ms1470 علم المعرض به فيكون أوقع في النفس ~~وأدعى إلى التنبيه على الخطأ فيه وإنما جاءت على وجه التحاكم إليه ليحكم ~~بما حكم به حتى يكون محجوجا بحكمه ومعترفا على نفسه بظلمه. # وأشار إلى ذلك بقوله (وظن داود) أي أيقن (أنما فتناه) بالتشديد، أي ~~اختبرناه بالملكين ونبهناه على خطئه (فاستغفر ربه) أي سأل مغفرة ذنبه من ~~ربه (وخر راكعا) أي سقط على وجهه ساجدا عبر بالراكع عن الساجد لأنه ينحني ~~كالساجد، وتمسك به أبو حنيفة على أن الركوع يقوم مقام السجود في سجدة ~~التلاوة، والسجدة هنا واجبة عند أبي حنيفة، وسجدة الشكر عند الشافعي ليست ~~من عزائم السجود (وأناب) [24] أي رجع عن جميع المخالفات إلى طاعة الله ~~بالتوبة، روي: «أن داود مكث أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه إلا لصلوة أو ~~لحاجة ضرورية باكيا حتى نبت العشب من دمعه «9». # (فغفرنا له ذلك) أي ذنبه الذي استغفر منه (وإن له عندنا لزلفى) أي لزيادة ~~في القربة (وحسن مآب) [25] PageV04P024 # أي حسن المرجع في الاخرة. ### || [سورة ص (38): آية 26] # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ~~يوم الحساب (26) # (يا داود إنا جعلناك خليفة) أي ذا خلافة (في الأرض) تدبر الناس وتصلحهم ~~وهي النبوة، وإنما عبرت بالخلافة لأنه أقيم مقام الخلفاء الذين قبله وكان ~~قبله النبوة في سبط والملك في سبط آخر فأعطاهما الله تعالى لداود، وقال ~~(فاحكم بين الناس بالحق) أي بالعدل (ولا تتبع الهوى) أي هوى النفس فتقضي ~~بغير عدل (فيضلك) الهوى (عن سبيل الله) أي عن دين الله (إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب) [26] أي بما تركوا العمل ~~ليوم القيامة ويوم الحساب متعلق بنسيانهم أو بقوله «لهم عذاب». ### || [سورة ص (38): آية 27] # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار (27) # (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) ms1471 أي خلقا باطلا لا لغرض صحيح ~~أو مبطلين عابثين في موضع الحال من ضمير «خلقنا» (ذلك) أي خلقها «1» باطلا ~~(ظن الذين كفروا) أي مظنونهم مع أنهم مقرون بأن خالقهما هو الله، لأنهم ~~أنكروا البعث والحساب والثواب والعقاب، فأدى إلى أنهم جعلوا كأنهم ظنوا أن ~~خلقها عبث وباطل ولم يعلموا أن العالم أنما خلق لحكمة سبقت من ربهم، وهي ~~إرادة البعث والجزاء، فمن جحد الحكمة من أصلها فقد نسب الخالق إلى السفه ~~(فويل للذين كفروا) أي جحدوا البعث (من النار) [27]. ### || [سورة ص (38): الآيات 28 الى 29] # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب (29) # قوله (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات) جواب لظنهم خلقها باطلا، أي ~~بل أنجعل المؤمين الصالحين (كالمفسدين في الأرض) أي كالمشركين «2» في ~~الثواب (أم نجعل المتقين كالفجار) [28] أي أنجعل المتقين من الشرك كالضالين ~~بالكفر، يعني مستوين فلا ثواب ولا عقاب لأحد منهم، يعني لو بطل البعث ~~والجزاء كما يظن الكفار لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ~~ومن سوى بينهما كان سفيها ولم يكن حكيما عليما والله منزه عن ذلك، وفيه ~~وعيد شديد للكافرين ليتعظوا به ويؤمنوا، وأكد ذلك بقوله (كتاب أنزلناه) أي ~~القرآن كتاب منزل منا (إليك مبارك) لمن سمعه وآمن به ولمن قرأه وعمل به ~~ولمن عظمه واتعظ به كثير الخير دائم البركة لمن تكفر وأحضر قلبه فيه ~~أنزلناه إليك بجبرائيل (ليدبروا آياته) أي لينظروا في معانيها ويفهموا من ~~الله أوامره ونواهيه ويحفظوا آدابه وشرائعه وأدركوا ما المراد منه ~~(وليتذكر) أي وليتعظ بالقرآن (أولوا الألباب) [29] أي ذووا العقول من الناس ~~بعظاته، واللب جوهر العقل وأولو الألباب هم الذين يأخذون من كل قشر لبابه ~~ويطلبون من ظاهر الحديث سره. ### || [سورة ص (38): الآيات 30 الى 31] # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) # (ووهبنا) أي أعطينا (لداود سليمان نعم العبد) لنا سليمان (إنه أواب) [30] ~~أي مقبل إلى ms1472 الله بطاعته معرض عن مخالفته أو رجاع في الذكر والتسبيح كل وقت ~~(إذ عرض عليه بالعشي) أي على سليمان في آخر النهار، و«العشي» ما بعد الزوال ~~(الصافنات) جمع صافنة، وهي القائمة على ثلث باقامة الأخرى على طرف الحافر ~~(الجياد) [31] جمع جواد وهو السابق من الخيل، وإنما وصفها بالصفون والجودة ~~ليجمع بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، وكان له ألف فرس عراب فعرضت ~~عليه بعد أداء صلوة الظهر يريد جهادا، وجعل ينظر إليها ويتعجب من حسنها ~~ويمسحها بيده إعجابا بها حتى شغلته عن صلوة العصر وغربت الشمس فتنبه لصلوة PageV04P025 # العصر بعد الغروب فندم. ### || [سورة ص (38): آية 32] # فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) # (فقال) اعترافا بذنبه (إني أحببت حب الخير) أي الخيل وسميت به، لأن الخير ~~معقود بنواصي الخيل، قوله (عن ذكر ربي) يتعلق ب «أحببت» بتضمين فعل يتعدى ~~«1» ب «عن»، أي اشتغلت حب الخيل عن ذكر ربي، يعني صلوة العصر (حتى توارت) ~~الشمس (بالحجاب) [32] أي غابت، وفي إضمار الشمس دليل في الكلام، وهو ذكر العشي. ### || [سورة ص (38): آية 33] # ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) # قوله (ردوها علي) استئناف، تقديره: فماذا حال سليمان عند فوت الصلوة ~~باشتغال الدنيا في حال كونه نبيا من أنبياء الله؟ فأجيب به وهو يتعلق ~~بمحذوف، أي قال سليمان لخدمه ردوا الخيل إلي فردت عليه (فطفق) يمسح (مسحا) ~~بالسيف (بالسوق والأعناق) [33] جمع الساق والعنق، أي يضربها ويقطعها به، ~~قيل: ذبحها للأكل صدقة، وإنما قطع أرجلها لأن ذلك كان مباحا في ذلك الوقت، ~~وفعله استهانة بمال الدنيا لمكان فرض الله تعالى «2»، روي: أنه قتل منها ~~تسعمائة فرس وهي التي عرضت عليه وبقي مائة لم تعرض عليه، فجميع خيل الدنيا ~~من تلك المائة «3». ### || [سورة ص (38): آية 34] # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) # (ولقد فتنا سليمان) أي ابتليناه بعد ما غزا صيدون مدينة حصينة كانت في ~~البحر وقتل ملكها وأخذ بنتها الجرادة فاصطفاها لنفسه لحسنها وكانت لا يرقأ ~~دمعها حزنا على أبيها، فعملت تمثال ms1473 أبيها في بيتها باذن سليمان وكانت تسجد ~~له مع جواريها بكرة وعشيا أربعين يوما فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة ~~وعاقب المرأة، ثم خرج إلى الخلاء للطهارة ووضع خاتمه عند أم ولد له اسمها ~~أمينة كما كانت عادته من قبل، وكان ملكه في خاتمه فأتاها صخر الجني في صورة ~~سليمان فأعطته الخاتم فلبسه وجلس على كرسي سليمان يحكم بين الناس، وعكف ~~عليه الطير والجن والإنس، وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم ~~فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته وكان يدور على البيوت يتكفف، ~~وإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب، ثم جاء إلى الصيادين يخدمهم كل يوم ~~بسمكتين يشتري خبزا بالواحدة ويأكله بالأخرى، فيوما شق بطن إحديهما فوجد ~~فيه الخاتم الذي ألقاه الجني في البحر، لأن علماء بني إسرائيل أنكروا حكم ~~الجني لما سمعوا من نساء سليمان أنه يدخل بهن حالة الحيض ولا يغتسل من ~~جنابته فأحدقوا به وقرأوا التورية فطار الجني وألقى الخاتم في البحر ~~وابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان، فلما تختم به وقع ساجدا لله ورجع ~~إليه ملكه وجاب صخرة لصخر الجني فجعله فيها وأوثقها بالحديد والرصاص وقذفه ~~في البحر، وكانت فتنته بعد عشرين سنة من ملكه وملك بعدها عشرين سنة «4»، ~~فالمعنى: اختبرنا سليمان بزوال ملكه (وألقينا على كرسيه جسدا) وهو صخر ~~الجني حاكما بين الناس والجسد في اللغة بالبدن الذي لا يأكل ولا يشرب، ~~وقيل: نفذ حكمه في PageV04P026 # كل شيء إلا في نساء سليمان «1»، وروي: أنه ولد لسليمان ولد، فخاف عليه من ~~الشياطين فجعله في السحاب وجعل من الغذاء يغذوه فيه فعاتبه الله تعالى على ~~ذلك وألقاه على كرسيه ميتا «2»، وقيل: كان له ابن عنده فجاء ملك الموت ~~ليزور سليمان فرآه ابنه فخافه وتغير لونه، فأمر سليمان الريح أن تحمل ابنه ~~فوق السحاب وقد دنا أجله فقبض ابنه وألقي على كرسيه فتنبه على خطئه في عدم ~~توكله على ربه في شأن ابنه فاستغفر ربه «3» (ثم أناب) [34] أي رجع إلى الله ~~وطاعته ولما تاب ms1474 الله عليه طلب دلالة على قبول توبته وإظهار معجزته على ~~نبوته لا بخلا على غيره لأن النبي منزه عن البخل بما في يده من حطام الدنيا ~~فضلا عما يملك بعد عدمه. ### || [سورة ص (38): الآيات 35 الى 37] # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص (37) # (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي) أي لا يكون (لأحد من بعدي) أي من ~~دوني حتى يكون معجزة لي وآية لنبوتي فلم يكن ذلك حسدا وبخلا، وقيل: سأل ذلك ~~شفقة على غيره من المؤمنين «4»، لأن كثرة الدنيا تشغل عن الله تعالى فلا ~~يقوم لسياسة الملك مع القيام بحقوق ربه، وقيل: هب لي ملكا لا أسلبه ولا ~~يقوم فيه غيري مقامي كما سلبته من قبل وقام فيه غيري مقامي «5» (إنك أنت ~~الوهاب) [35] أي أنت المعطي الملك لمن يسأل «6» ولمن لا يسأل فزيد في ملكه ~~الريح والشياطين فقال تعالى (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء) أي تجري ~~بأمر سليمان لينة مطيعة (حيث أصاب) [36] أي أراد (و) سخرنا له (الشياطين) ~~وأبدل منها (كل بناء وغواص) [37] منهم وكانوا يبنون الأبنية العجيبة له ~~ويغوصون في البحر ويستخرجون اللؤلؤ من البحر له. ### || [سورة ص (38): آية 38] # وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) # قوله (وآخرين) عطف على «كل بناء، أي سخرنا شياطين آخرين (مقرنين) أي ~~مشدودين موثقين (في الأصفاد) [38] أي في الأغلال، جمع صفد وهو القيد فكان ~~«7» يأخذه مردة الشياطين ويجمع أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع وهي الأغلال ~~ويتركهم كذلك للكف عن الفساد. ### || [سورة ص (38): الآيات 39 الى 40] # هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # ثم قال تعالى له (هذا عطاؤنا) الذي لا يقدر عليه غيرنا من الملك والمال ~~والبسط (فامنن) أي أعط منه من شئت (أو أمسك) عن الإعطاء إن شئت (بغير حساب) ~~[39] أي لا حساب عليك في ذلك من الإعطاء والمنع فكان إن أعطي أجر وإن ms1475 منع ~~لم يأثم بخلاف غيره، ويجوز أن يتعلق «بغير حساب» بقوله «هذا عطاؤنا»، أي ~~عطاؤنا كثير لا يقدر أحد، أي يحصيه ويحسبه، (وإن له) أي لسليمان (عندنا ~~لزلفى) أي لقربى (وحسن مآب) [40] أي حسن «8» مرجع. ### || [سورة ص (38): آية 41] # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) # (واذكر عبدنا أيوب) هو عطف بيان، أمر الله نبيه عليه السلام بأن يذكر ~~أيوب وصبره على أنواع محنه وبلائه بعد ذكر سليمان وشكره على وفور نعمه ~~وآلائه ليتأسي بهما الصابرون والشاكرون، قوله (إذ نادى ربه) بدل من «أيوب» ~~بدل اشتمال، أي إذ دعا ربه (أني) أي بأني (مسني الشيطان) أي أصابني (بنصب) ~~أي بعناء وبلاء وهو الأمراض (وعذاب) [41] وهو هلاك المال والولد. # وقد راعى الأدب في ذلك فنسب المس إلى الشيطان ولم ينسبه إلى الله وإن كان ~~كل شيء منه تعالى، لأنه PageV04P027 # كان بسببه حيث سلطه الله عليه بقوله سلطني عليه لحسده كمال عبادته مع ~~كثرة أمواله وأولاده كما ذكر قصته في سورة الأنبياء. ### || [سورة ص (38): آية 42] # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) # قوله (اركض برجلك) جواب لدعاء أيوب في كشف البلاء عنه، أي قال له جبرائيل ~~اضرب برجلك الأرض وهي أرض الجابية بلد في الشام من إقطاع أبي تمام فركض ~~فنبعت عين ماء، فقيل (هذا مغتسل) أي ما يغتسل به وكان ماء حارا فاغتسل به ~~وهو الذي ضربه برجله اليمنى، ثم خرج من المغتسل صحيحا وركض برجله اليسرى ~~فخرجت عين ماء «1» بارد فشرب منها ماء عذبا باردا، فزال عنه كل ألم بظاهره ~~وباطنه، قوله (بارد وشراب) [42] خبر مبتدأ محذوف، أي ماء بارد يشرب منه، ~~والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. ### || [سورة ص (38): آية 43] # ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43) # (ووهبنا له) أي لأيوب (أهله ومثلهم معهم) وقد مر تفسيره «2»، قوله (رحمة ~~منا وذكرى لأولي الألباب) [43] مفعول لهما لقوله «ووهبنا له»، أي وهبنا له ~~أهله وماله لرحمة من لدنا ولتذكير أولي العقل، لأنهم إذا سمعوا إنعامنا له ~~لصبره ms1476 على البلاء رغبهم في الصبر على الشدائد وعاقبة الصابرين من الرحمة لهم. ### || [سورة ص (38): آية 44] # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44) # (وخذ بيدك ضغثا) وهو الحزمة من الكلأ أو العيدان (فاضرب به) زوجتك لتبر ~~عن يمينك (ولا تحنث) فيها أي لا تدع الضرب فتحنث فأخذ مائة عود من الإذخر ~~فضربها بها ضربة واحدة، وكان السبب في يمينه أنها سألته أن يقرب للشيطان ~~بعناق ليبرئ من مرضه وهو الأنثى من أولاد المعز فحلف في مرضه ليضربن امرأته ~~مائة إذا برئ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ~~ورضاه عنها (إنا وجدناه صابرا) أي علمناه صابرا على البلاء وشكايته إلى ~~الله لا يمنع وصفه بالصبر «3» لأنه تمنى العافية من الله ودعاه بكشف «4» ما ~~به من الضر فلا يسمى «5» ذلك جزعا، ثم أكد ذلك بقوله (نعم العبد) أيوب (إنه ~~أواب) [44] أي رجاع إلى الله بالتوبة والاستغفار. ### || [سورة ص (38): آية 45] # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45) # (واذكر عبادنا) أي صبرهم (إبراهيم) عطف بيان (وإسحاق ويعقوب) عطفان عليه، ~~قرئ «عبدنا» «6» وهو إبراهيم، ثم أضمر واذكر في قوله «إسحاق ويعقوب» ولم ~~يذكر إسمعيل معهم لأنه لم يبتل كابتلائهم (أولي الأيدي والأبصار) [45] أي ~~أولي القوة في العبادة وأولي البصائر في دين الله، قيل: أكثر الأعمال تباشر ~~بالأيدي فلذلك غلبت في كل عمل ويقال هذا مما عملت أيدينا «7». ### || [سورة ص (38): آية 46] # إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) # (إنا أخلصناهم) أي اخترناهم (بخالصة) أي بخصلة خالصة لا شوب فيها، ثم ~~فسرها بقوله (ذكرى الدار) [46] فهو عطف بيان لها أو بدل منها، أي بأن ~~يذكروا الدار الآخرة بالخلوص في العمل لها وانتفاء الكدورة عنها، وقرئ ل ~~«خالصة ذكرى الدار» بالإضافة «8» من إضافة الشيء إلى ما يبينه، لأن الخالصة ~~تكون «9» ذكرى وغير ذكرى فالإضافة بمعنى «من»، أي بما خلص من ذكرى الدار لا ~~يشوبون ذكرها بهم آخر وهو ذكر PageV04P028 # الدنيا أو اصطفيناهم بسبب تذكرهم الآخرة والاعتداد لها وترغيب الناس ms1477 فيها ~~وتزهيدهم في الدنيا كما هو شأن الأنبياء. ### || [سورة ص (38): آية 47] # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) # (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) [47] أي المختارين للرسالة، جمع ~~مصطفى و«الأخيار» جمع خير وهم رؤساء أهل الجنة. ### || [سورة ص (38): الآيات 48 الى 49] # واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين ~~لحسن مآب (49) # (واذكر إسماعيل) ابن إبراهيم لقومك وصدق وعده (واليسع) وهو خليفة إلياس ~~(وذا الكفل) وهو الذي كفل مائة نبي أطعمهم وكساهم وكتمهم من الأعداء (وكل) ~~أي كل واحد منهم كان (من الأخيار [48] هذا ذكر) أي ذكر الأنبياء ذكر جميل ~~يذكرون به في الدنيا (وإن للمتقين لحسن مآب) [49] أي مرجع. ### || [سورة ص (38): الآيات 50 الى 51] # جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ~~وشراب (51) # قيل: لما أتم ذكر الأنبياء أراد أن يذكر على عقبه بابا آخر مناسبا لذكرهم ~~«1» وهو ذكر الجنة وأهلها بقوله (جنات عدن) وهو عطف بيان ل «حسن مآب»، وال ~~«عدن» الخلد والإقامة، قوله (مفتحة لهم الأبواب) [50] حال من «جنات عدن» ~~و«لهم» صلة الحال و«الأبواب» فاعلها والرابط محذوف، أي مفتحة الأبواب منها ~~لهم، يعني يفتح لهم الأبواب من جنات عدن ليدخلوها، وإذا دخلوها جلسوا على ~~الأرائك بالاتكاء فلذا قال (متكئين فيها) أي في الجنات وهو حال من المجرور ~~في «لهم» (يدعون فيها) أي يبطلون في الجنة (بفاكهة كثيرة) أي متنوعة ~~(وشراب) [51] متنوع. ### || [سورة ص (38): آية 52] # وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) # (وعندهم قاصرات الطرف) أي غاضات الأعين عن غير أزواجهن (أتراب) [52] جمع ~~ترب، أي وهم وهن على سن واحد فكأن التراب قد مسهم عند الولادة في وقت واحد ~~ليكون المودة بينهما أثبت والمعاشرة أطيب. ### || [سورة ص (38): الآيات 53 الى 55] # هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54) هذا ~~وإن للطاغين لشر مآب (55) # (هذا ما توعدون) بالتاء للخطاب «2»، أي يقال لهم هذا ما توعدون في الدنيا ~~(ليوم الحساب) [53] أي لأجله. # (إن هذا) أي ما ذكرنا من الثواب (لرزقنا) أي لعطاؤنا للمتقين (ما له من ms1478 ~~نفاد) [54] الجملة حال من الرزق، أي لا يكون له انقطاع وفناء. # (هذا) أي هذا المذكور وهو المعد للمتقين، ثم ذكر ما هو المعد للطاغين ~~فقال (وإن للطاغين) أي للضالين بالكفر (لشر مآب) [55] أي مرجع في الآخرة. ### || [سورة ص (38): الآيات 56 الى 57] # جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) # قوله (جهنم) بدل من «شر مآب» وبيان لمرجعهم (يصلونها) أي يدخلونها (فبئس ~~المهاد) [56] أي موضع القرار. # قوله (هذا) مبتدأ، خبره محذوف، أي هذا العذاب لهم، وقيل: خبره «3» ~~(فليذوقوه) والفاء زائدة، وقيل: # خبره «4» (حميم وغساق) [57] و«فليذوقوه» اعتراض لاهتمام التهديد، وال ~~«حميم» الماء الحار الذي انتهى حره، PageV04P029 # وال «غساق» الماء البارد الذي انتهى برده، وقيل: ما يسيل من جلود أهل ~~النار «1»، من غسق إذا سال. ### || [سورة ص (38): آية 58] # وآخر من شكله أزواج (58) # (وآخر من شكله) بالإفراد، أي ولهم عذاب آخر مثل العذاب الأول، وبالجمع ~~«2»، أي مذوقات اخر من مثل الشراب المذكور في الشدة والفظاعة، قوله (أزواج) ~~[58] صفة «آخر» جمعا ومفردا، والمراد الضروب أو يكون صفة للثلاثة وهي «حميم ~~وغساق وأخر من شكله»، أي هم يعذبون بأنواع مختلفة من العذاب الأليم. ### || [سورة ص (38): آية 59] # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) # (هذا فوج مقتحم) أي يقول الخزنة للقادة إذا دخلوا النار مشيرين إلى ~~الاتباع هذا جمع داخل (معكم) النار بالشدة مقترنين بكم في النار كما كانوا ~~مقترنين بكم في الضلالة، والاقتحام الدخول بالشدة، قيل: «يضرب الزبانية ~~المتبوعين والأتباع معا بالمقامع فيسقطون في النار» «3»، فثم دعا المتبوعون ~~على أتباعهم قالوا (لا مرحبا بهم) أي لا سعة عليهم في عيشهم (إنهم صالوا ~~النار) [59] أي داخلوها معكم «4» بالاستحقاق وهو تعليل كلام الرؤساء فردت ~~الأتباع للمتبوعين. ### || [سورة ص (38): الآيات 60 الى 61] # قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ~~ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) # (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم) يريدون أنتم أحق بهذا الدعاء لا نحن، ~~وعللوا ذلك بقولهم (أنتم قدمتموه) أي دين الكفر، أي ms1479 سبقتموه (لنا) يعني ~~بدأتم بالكفر قبلنا أو زينتموه وشرعتموه لنا أو الضمير للعذاب، أي قدمتم ~~العذاب لنا بعمل السوء فاتبعناكم أرادوا أنهم كانوا السبب في إغوائهم (فبئس ~~القرار) [60] أي بئس موضع القرار النار فثم (قالوا) أي قال «5» الأتباع ~~(ربنا من قدم لنا هذا) أي دين الكفر أو العذاب (فزده عذابا ضعفا) أي مضاعفا ~~(في النار) [61] ولما دخل الكفار النار وقعوا في التحير. ### || [سورة ص (38): الآيات 62 الى 63] # وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم ~~زاغت عنهم الأبصار (63) # (وقالوا ما لنا لا نرى) في النار (رجالا كنا نعدهم) في الدنيا (من ~~الأشرار) [62] وعنوا بهم فقراء المسلمين كعمار وبلال وصهيب، وقالوا ~~(أتخذناهم سخريا) بقطع الهمزة «6» للاستفهام بدلالة «أم» بعده موبخين ~~أنفسهم على استهزائهم المؤمنين في الدنيا مع إنكارهم الاستسخار بالفقراء ~~على أنفسهم، فلما لم يروهم في النار قالوا نحن لم نرهم لعدم دخولهم فيها ~~(أم زاغت) أي مالت (عنهم الأبصار) [63] أي أبصارنا، يعني حارت عنهم ولم ~~نرهم وبهمزة الوصل صفة «رجالا»، أي رجالا أخذناهم سخريا بالضم وهو ~~الاستحقار، وبالكسر «7» هو التسخر، يعني كنا نسخر منه، و «أم» في «أم زاغت» ~~بمعنى بل ويتصل بقوله «ما لنا لا نرى»، أي لا نراهم في النار كأنهم ليسوا ~~فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها فقسموا أمرهم بين كونهم من ~~أهل الجنة وبين كونهم من أهل النار إلا أنه خفي عليهم مكانهم، وقيل: جاز أن ~~يتصل ب «اتخذنا» سواء كانت متصلة أو منقطعة بعد مضى «أتخذناهم سخريا» على ~~الخبر أو الاستفهام وتقدر همزة الاستفهام محذوفة فيمن قرأ بغير همزة «8»، ~~لأن «أم» يدل عليها فلا فرق بين القراءتين في معنى «أم». PageV04P030 ### || [سورة ص (38): آية 64] # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) # (إن ذلك) أي الذي حكينا عنهم من التكالم (لحق) أي لواجب وقوعه يوم ~~القيامة، ثم بين ما هو فقال (تخاصم أهل النار) [64] وهو بدل من ال «حق» أو ~~من «ذلك» شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب ms1480 بما يجري بين ~~الخصمين من مثله. ### || [سورة ص (38): الآيات 65 الى 67] # قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65) رب السماوات ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) # ثم أمر الرسول عليه السلام أن يقول لمشركي مكة تخويفا من عقابه بترك ~~التوحيد بقوله (قل) يا محمد (إنما أنا منذر) أي رسول أنذركم بعذاب الله ~~تعالى فوحدوه لتأمنوا منه (وما من إله إلا الله الواحد القهار) [65] أي أنه ~~قاهر لخلقه هو (رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز) بالنقمة (الغفار) ~~[66] لمن تاب وآمن به (قل هو نبأ) أي القرآن خبر «1» (عظيم) [67] لأنه نازل ~~من رب العالمين أنذركم به. ### || [سورة ص (38): آية 68] # أنتم عنه معرضون (68) # (أنتم عنه معرضون) [68] أي تاركون الاستدلال به على صدقي فتؤمنون ولو مما ~~لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة. ### || [سورة ص (38): الآيات 69 الى 70] # ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما ~~أنا نذير مبين (70) # قوله (ما كان لي) بفتح الياء وسكونها «2» (من علم بالملإ الأعلى) احتجاج ~~من النبي عليه السلام لصحة نبوته بأن ما ينبئ عن الملأ الأعلى الذين هم ~~أصحاب القصة من الملائكة وآدم وإبليس وعن تقاولهم في السماء واختصاصهم ~~بالوحي من الله تعالى لا عن علم يؤخذ من أهل العلم أو من قراءة الكتب، أي ~~لم يكن لي علم بالملائكة (إذ يختصمون) [69] في شأن آدم ويتكلمون حين قال ~~الله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل من يفسد فيها «3»، وإنما ~~علمت ذلك بالوحي من الله تعالى لا يقال يلزم من هذا أن يكون الله من ~~الملائكة الأعلى، لأن التقاول كان بين الله وبينهم لأنا نقول إن مقاولة ~~الله كانت بواسطة ملك فلا يلزم ذلك (إن يوحى) «إن» نافية، أي ما يوحى (إلي ~~إلا أنما أنا نذير مبين) [70] يعني لم يوح إلي إلا أنما أنا نذير، أي ~~للإنذار فحذف اللام واتصل به الفعل، فمحله نصب، ويجوز أن يكون رفعا، أي ما ~~يوحى إلي ms1481 إلا هذا وهو أن أنذر وأبلغ فحسب ولم أومر بغيره وأبدل من «إذ ~~يختصمون». ### || [سورة ص (38): آية 71] # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) # قوله (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين) [71] وهو آدم، وفيه ~~إشارة إلى أنهم كانوا يعلمون البشر قبل خلق آدم لوصفه تعالى إياه لهم بقوله ~~إنه خلق من نعته كذا وكذا فاختصر على الاسم حين حكاه. ### || [سورة ص (38): الآيات 72 الى 74] # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) # (فإذا سويته) أي أتممت خلقه (ونفخت فيه من روحي) فأحييته (فقعوا له ~~ساجدين) [72] أمرهم بالوقوع للسجدة لآدم (فسجد الملائكة كلهم) للإحاطة ~~(أجمعون) [73] للاجتماع، أي سجدوا جميعا في وقت واحد وهو سجود التبجيل لا ~~سجود العبادة (إلا إبليس استكبر) أي أبى عن السجود (وكان من الكافرين) [74] ~~أي صار منهم ولم يكن كافرا قبل ذلك أو كان كافرا في علمه تعالى، والاستثناء ~~متصل نظرا إلى التغليب عليه فاستثنى كواحد منهم لطول الصحبة معهم. PageV04P031 ### || [سورة ص (38): الآيات 75 الى 77] # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين ~~(75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها ~~فإنك رجيم (77) # (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) بالتشديد والفتح تثنية ~~«1»، والمراد بارادتي وحكمتي، لأنه تعالى منزه عن الجارحة، وقيل: معنى ~~«خلقت بيدي» أي بغير واسطة «2» (أستكبرت) بهمزة الاستفهام للتوبيخ، أي أبيت ~~عن السجود متكبرا الآن (أم كنت من العالين) [75] أي ممن علوت وتكبرت قديما، ~~ومعنى الهمزة التقرير و«أم» بمعنى بل. # (قال) إبليس (أنا خير منه) «3» وعلله بقوله (خلقتني من نار وخلقته من ~~طين) [76] فكيف أسجد لمن هو دوني، لأن النار تغلب الطين وتأكله وقد علم ~~فساد قول إبليس وقياسه من قبل. # (قال) تعالى (فاخرج منها) أي من الجنة (فإنك رجيم) [77] أي مرجوم وهو ~~المطرود، لأن من طرد رمي بالحجارة على أثره. ### || [سورة ص ms1482 (38): الآيات 78 الى 81] # وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) ~~قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) # (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) [78] أي يوم الجزاء ولا يتوهم منه أن ~~لعنة إبليس تنقطع ثمه لقوله تعالى «فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين» «4»، لكن لعنة تنزل عليه تنسى «5» عنده اللعنة الأولى فكأنها ~~انقطعت. # (قال رب فأنظرني) أي أمهلني (إلى يوم يبعثون [79] قال فإنك من المنظرين) ~~[80] أي الممهلين (إلى يوم الوقت المعلوم) [81] أي عند الله تعالى لا ~~يستقدم ولا يستأخر، وقيل: هو الوقت الذي يقع فيه النفخة الأولى ويومه اليوم ~~الذي وقعت النفخة جزء من أجزائه «6». ### || [سورة ص (38): الآيات 82 الى 85] # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق ~~والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) # (قال فبعزتك) هو أقسام من إبليس بعزة الله وهي «7» سلطانه وقهره ~~(لأغوينهم أجمعين [82] إلا عبادك منهم المخلصين [83] قال) الله تعالى ~~(فالحق والحق) بالرفع والنصب «8» في الأول، أي أنا الحق أو الحق قسمي وأحق ~~الحق، واتفقوا في نصب الثاني بالفعل الذي بعده، أي والحق (أقول) [84] وجواب ~~القسم (لأملأن جهنم منك) يا إبليس (وممن تبعك) في دينك من ذريتك (منهم) أي ~~من الناس، قوله (أجمعين) [85] تأكيد للضمير في «منهم»، ويجوز أن يكون ~~تأكيدا للكاف في «منك» مع من تبعك، أي من جميع المتبوعين والتابعين. ### || [سورة ص (38): الآيات 86 الى 87] # قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) # (قل) يا محمد (ما أسئلكم عليه) أي لا أطلب «9» على الذي أنبئكم به من ~~القرآن (من أجر وما أنا من المتكلفين [86]) شيئا من تلقاء نفسي (إن هو) أي ~~ما هو القرآن (إلا ذكر للعالمين) [87] أي عظة للجن والإنس. ### || [سورة ص (38): آية 88] # ولتعلمن نبأه بعد حين (88) # (ولتعلمن نبأه) أي خبر القرآن وصدقه يا كفار مكة (بعد حين) [88] أي بعد ~~مدة، يعني «10» يوم بدر أو يوم الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام ms1483 ~~في الدنيا. PageV04P032 ### | سورة الزمر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الزمر (39): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) # قوله (تنزيل الكتاب) مضاف إلى المفعول، مبتدأ، خبره (من الله) أي تنزيل ~~جبرائيل القرآن من عند الله (العزيز) المنتقم ممن لا يصدقه (الحكيم) [1] في ~~أمره لا كما يقوله المشركون أن محمدا تقوله «1» من تلقاء نفسه. ### || [سورة الزمر (39): آية 2] # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2) # قوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق) أي ملابسا بالصدق على أنه من عند ~~الله بيان لما في الكتاب المصدر كالعنوان للكتاب، أي أنزلنا إليك جبرائيل ~~بالكتاب (فاعبد الله مخلصا له الدين) [2] أي وحد الله ممحضا له الدين من ~~الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. ### || [سورة الزمر (39): آية 3] # ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار (3) # (ألا لله الدين الخالص) من الهوى والشرك ومن كل شائبة كدر ليقبله لاطلاعه ~~على الغيوب والأسرار قاطبة وأراد به قومه، أي وحدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا واعبدوه مخلصين له الدين لتتقربوا «2» به إليه رحمة لكم لا لأن به ~~حاجة إلى إخلاص عبادتكم، قوله (والذين اتخذوا) مبتدأ، خبره قالوا مضمرا قبل ~~«ما نعبدهم»، أي الكفار الذين اتخذوا (من دونه أولياء) أي الهة كالأصنام ~~وعيسى وعزير والملائكة للعبادة قالوا (ما نعبدهم إلا ليقربونا) بالشفاعة ~~(إلى الله زلفى) أي تقريبا، ويجوز أن يكون المراد من الذين المعبودين، ~~والعائد إليه محذوف، والضمير في «اتخذوا» للعابدين وإن لم يجز ذكرهم لكونه ~~مفهوما، وتقديره: والذين اتخذهم الكفار آلهة من دون الله قالوا «ما نعبدهم» ~~الآية، لأنهم كانوا إذا سئلوا لم تعبدون غير الله من الأصنام وعيسى وغيره ~~قالوا إنما نعبدهم ليشفعوا لنا ويقربونا عند الله (إن الله يحكم بينهم) أي ~~بين العابدين والمعبودين أو بين المسلمين والكافرين (في ما هم فيه يختلفون) ~~من الدين فيدخل المسلمين ms1484 والكافرين النار (إن الله لا يهدي) أي لا يرشد إلى ~~دينه وهو الإسلام (من هو كاذب) في أن آلهته تقربه وتشفع له (كفار) [3] ~~بالله لعبادته غيره، وقيل: بسبب نسبة الولد إليه تعالى «3». ### || [سورة الزمر (39): آية 4] # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله ~~الواحد القهار (4) # ثم نزه الله نفسه عن الولد فقال (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى) أي ~~لاختار (مما يخلق ما يشاء) من خلقه، أي من أشرف «4» خلقه عنده ولم يخص مريم ~~ولا عيسى بذلك (سبحانه هو الله الواحد) أي لا شريك PageV04P033 # له (القهار) [4] لجميع خلقه فهو منزه عن الصاحبة والولد كما هو منزه عن ~~الشريك لانتفاء المجانسة بينه وبين غيره. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 5 الى 7] # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من ~~نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) # (خلق السماوات والأرض بالحق) أي للحق لا للباطل وهو إشارة إلى توحيده لأن ~~المخلوقين عاجزون عنه (يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل) أي ~~يلف أحدهما على الآخر بتغييبه فيه أو بنقص أحدهما والزيادة في الآخر فيلف ~~عليه كما يلف اللباس على اللابس «1» (وسخر الشمس والقمر) لمصالح العباد ~~(كل) منهما (يجري لأجل مسمى) وهو مدة الدنيا أو إلى أقصى منازله (ألا هو ~~العزيز) في ملكه (الغفار) [5] لخلقه بتأخير العذاب فيجب أن يعبد لذلك ولأنه ~~(خلقكم من نفس واحدة) وهي آدم (ثم جعل منها زوجها) حواء، «ثم» فيه لترتيب ~~الخبر لفظا لا لمعنى التراخي فيه، ms1485 إذ هما آيتان من آيات الواحدانية إلا أن ~~إحديهما كانت أغرب وأدخل في كونها آية، إذ لم يجر في العادة خلق انثى غير ~~حواء من قصيرى رجل «2»، فعطفها «3» على الآية الأولى ب «ثم» للدلالة على ~~مزيتها وتراخيها عنها في كونها آية عجيبة فهو من التراخي في الحال لا من ~~التراخي في الوجود (وأنزل) أي أحدث (لكم من الأنعام ثمانية أزواج) أي أصناف ~~كما ذكر تفسيره في سورة الأنعام «4» (يخلقكم) أي الله يخلقكم وينشئكم (في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق) آخر «5» يعني يجعلكم نطفا ثم علقا ثم مضغا ~~ثم عظاما ثم يكسوها لحما ثم خلقا سويا، أي طفلا (في ظلمات ثلاث) أي «6» ~~ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، وهي وعاء الولد في الرحم (ذلكم ~~الله) أي خالق هذه الأشياء هو الله (ربكم له الملك) أي له «7» ملك السموات ~~والأرض (لا إله إلا هو) أي لا معبود سواه (فأنى تصرفون) [6] أي كيف يعدل ~~بكم عن عبادته إلى عبادة غيره بعد ما علمتم أنه خالق تحتاجون إليه في كل ~~حال ولا حاجة به إليكم، وبين ذلك بقوله (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) أي ~~عن إيمانكم وعبادتكم (ولا يرضى لعباده الكفر) رحمة لهم، لأنه يوقعهم في ~~العذاب والهلاك (وإن تشكروا) أي إن تؤمنوا به وتعبدوه «8» (يرضه) بسكون ~~الهاء وضمها مع المد والقصر «9»، أي يرض الشكر (لكم) لأنه سبب فلاحكم ~~وفوزكم، لا لأن «10» منفعة إيمانكم ترجع «11» إليه، لأن الغني الذي لا يجوز ~~عليه الحاجة (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا يؤاخذ أحد بذنب غيره (ثم إلى ~~ربكم مرجعكم) أي مصيركم في الآخرة (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) ~~من خير وشر (إنه عليم بذات الصدور) [7] أي بما في القلوب. PageV04P034 ### || [سورة الزمر (39): آية 8] # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان ~~يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك ~~من أصحاب النار (8) # (وإذا مس الإنسان ضر) أي إذا ms1486 أصاب الكافر شدة في جسده أو في ماله وولده ~~(دعا ربه منيبا إليه) أي مقبلا إليه بدعائه معرضا عن أصنامه (ثم إذا خوله) ~~أي أعطاه ربه (نعمة منه) أي عافية مكان الشدة (نسي) أي ترك (ما كان يدعوا ~~إليه من قبل) ليكشف ضره وهو الله (وجعل لله أندادا) أي أمثالا وشركاء ~~(ليضل) أي ليصد غيره (عن سبيله) أي عن «1» دينه وهو الإسلام، وقرئ بفتح ~~الياء «2»، أي ليترك دين الله (قل) يا محمد للكافر (تمتع بكفرك) أي عش ~~زمانا (قليلا) مع كفرك (إنك من أصحاب النار) [8] أي من أهلها. ### || [سورة الزمر (39): آية 9] # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) # (أمن هو قانت آناء الليل) بالتشديد ف «أم» منقطعة أو متصلة حذف أحد ~~المستويين، تقديره: الكافر خير أم من هو قانت، أي مطيع، وقرئ بالتخفيف «3» ~~فالهمزة للنداء، فمعناه: يا من قانت «قل هل يستوي» الآية، وقيل: للاستفهام ~~و«من» مبتدأ، خبره محذوف، تقديره: أمن هو قانت كغيره، حذف لدلالة ذكر ~~الكافر قبله عليه «4»، و«آناء الليل» ساعات، قوله (ساجدا وقائما) حالان من ~~ضمير «قانت»، أي هو في الصلوة آناء الليل (يحذر الآخرة) أي عذابها (ويرجوا ~~رحمة ربه) أي مغفرته ونجاته بالجنة، قيل: نزلت الآية في أبي بكر «5» أو عمر ~~أو عثمان «6» أو سلمان «7» أو في كل مؤمن قانت، ثم بين أن لا مساواة بين ~~المطيعين والطاغين بقوله (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) وهو ~~وارد على سبيل التشبيه، أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون، كذلك لا يستوي ~~القانتون والعاصون، قيل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة «8» ~~(إنما يتذكر) أي يعتبر ويتعظ (أولوا الألباب) [9] أي أصحاب الفهوم والأذهان ~~في صنعي وقدرتي. ### || [سورة الزمر (39): آية 10] # قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) # (قل يا عباد الذين آمنوا) أي قل ms1487 يا محمد لأصحابك (اتقوا ربكم) في الأمور ~~كلها واثبتوا على توحيده (للذين أحسنوا) أي عملوا طاعة الله (في هذه الدنيا ~~حسنة) أي الجنة، والظرف متعلق ب «أحسنوا» لا ب «حسنة»، والسدي علقه ب ~~«حسنة» وفسرها بالصحة «9»، وكان حق الظرف أن يتأخر ليكون صفة ل «حسنة» إلا ~~أنه يقدم ليكون بيانا لمكانها (وأرض الله واسعة) نزل لحث المفرطين في ~~الإحسان على الهجرة عن أرض لا يتمكنون فيها من صرف الهمم إليه لموانع ~~يمنعهم منه «10»، أي لا عذر لهم فيه لأن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، ~~فينبغي أن يهاجروا ولا يقيموا فيها بالعجز وهم يشاهدون فيها بالمنكرات ~~والمعاصي ولا يعتلون بأهل ولا مال اقتداء بالأنبياء والصالحين، ويصبرون على ~~ترك المألوفات، قال ابن جبير رضي الله عنه: «من أمر بالمعاصي فليهرب» «11»، ~~وقيل: هو للذين كانوا في بلد المشركين كمكة فأمروا بالمهاجرة عنه إليه ~~المدينة «12»، أي انتقلوا إليها PageV04P035 # واعملوا لآخريكم (إنما يوفى الصابرون) على ترك الأهل والمال والأوطان ~~وتلقي البلاء والشدة منه (أجرهم) في الآخرة (بغير حساب) [10] أي بغير مكيال ~~هو حال من ال «أجر»، يعني موفرا. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 11 الى 12] # قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين (12) # (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) [11] أي التوحيد (وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين) [12] في زماني أو من أهل بلدي، وقيل: مقدمهم وسابقهم في ~~الدنيا والآخرة «1»، وجاز العطف بين الأمرين مع اتحاد اللفظ لاختلاف ~~جهتيهما، لأن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء آخر والأمر به ليكون المأمور أسبق ~~في الدين شيء آخر «2» فلا يكونان واحدا يمنع العطف. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 13 الى 15] # قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني ~~(14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) # (قل إني أخاف إن عصيت ربي) أي إن أشركته (عذاب يوم عظيم) [13] أي من أن ~~ينزل علي عذاب يوم القيامة، ثم أمره ms1488 أن يهددهم بقوله (قل الله أعبد) قدم ~~المفعول لإفادة التخصيص (مخلصا له ديني) [14] أي توحيدي من الشرك والرياء، ~~فاقتدوا بي في هذا الإخلاص وإن لم تقتدوا بي (فاعبدوا ما شئتم من دونه) من ~~الآلهة وفي تخييرهم توبيخ وتهديد شديد لهم، قيل: منسوخ بآية السيف «3»، لا ~~يقال في القولين تكرير «4»، أي في قوله «قل الله أعبد» الآية وقوله من قبل ~~«قل إني أمرت أن أعبد الله» الآية، لأنه في الأول مأمور من الله باحداث ~~عبادته بالإخلاص وفي الثاني إخبار عن نفسه أنه يخص الله بعبادته دون غيره ~~فلا تكرير، إذ الكلام أولا واقع في نفس الفعل وثانيا فيمن يفعل الفعل ~~لأجله، ولذا رتب عليه قوله «فاعبدوا ما شئتم من دونه»، ونزل حين قال ~~المشركون للنبي عليه السلام خسرت بأن خالفت دين آبائك «5» (قل) يا محمد (إن ~~الخاسرين) أي الكاملين في الخسران (الذين خسروا أنفسهم) بفوات الجنة ودخول ~~النار (و) خسروا (أهليهم) وهم المعدون لهم في الجنة من الحور والولدان لو ~~آمنوا بعدم وصولهم إليهم (يوم القيامة ألا ذلك) أي الخسران (هو الخسران ~~المبين) [15] أي الظاهر في غاية الفظاعة حيث خسروا أهليهم في الجنة. ### || [سورة الزمر (39): آية 16] # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد ~~فاتقون (16) # (لهم من فوقهم ظلل) أي أطباق (من النار ومن تحتهم ظلل) أي فرش من النار ~~(ذلك) أي الذي ذكرت من العذاب (يخوف الله به عباده) المؤمنين ليتقوه ~~واجتنبوا مما يوقعهم في ذلك العذاب، ويدل عليه قوله (يا عباد فاتقون) [16] ~~أي لا تتعرضوا لما يوجب سخطي. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 17 الى 18] # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر ~~عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب (18) # ونزل في أبي ذر وسلمان وزيد بن عمرو وفي كل موحد في الجاهلية «6» (والذين ~~اجتنبوا) أي امتنعوا وبعدوا عن عبادتهم (الطاغوت) وهو الوثن، قوله (أن ~~يعبدوها) بدل من «الطاغوت» (وأنابوا إلى الله) أي ms1489 رجعوا إلى عبادة الله، ~~وقوله (لهم البشرى) خبر المبتدأ وهو «الذين» والبشري البشارة بالثواب عند ~~حضور الموت وحين يحشرون (فبشر عباد [17] الذين يستمعون القول) من الله ~~بالياء وتركها «7» أراد من هؤلاء العباد الذين PageV04P036 # اجتنبوا الطاغوت وأنابوا إلى الله لا غيرهم، لأنه تعالى يريد أن يكونوا ~~مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة فوضع الظاهر موضع المضمر، وأراد «1» أن ~~يكونوا نقادا في الدين من حيث التمييز بين الحسن والأحسن، أي إذا اعترضهم ~~أمران واحد ومندوب اختاروا الواجب وكذا المباح والمندوب حرصا على ما هو ~~أقرب عند الله وأكثر ثوابا، والمراد من «القول» القرآن وغيره، أي ~~يستمعونهما (فيتبعون أحسنه) أي القرآن أو يستمعون القرآن فيتبعون أحسن ما ~~فيه من أحكامه نحو القصاص والعفو فيأخذون العفو لقوله «وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى» «2» (أولئك الذين هداهم الله) أي وفقهم الله لأخذ عزائم القرآن، ~~وهي أحسن من المندوبات وهذه أحسن من المباحات (وأولئك هم أولوا الألباب) ~~[18] أي ذووا العقول الكاملة. ### || [سورة الزمر (39): آية 19] # أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) # (أفمن حق) أي وجب (عليه) من الكفار (كلمة العذاب) وهي «لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين» «3»، و«من» شرط والفاء عطف على مقدر والهمزة للإنكار، ~~تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب على معنى الشرط، وجزاؤه محذوف ~~وهو فأنت تهديه بدلالة قوله (أفأنت تنقذ من في النار) [19] وقيل: جزاؤه «أ ~~فأنت تنقذ»، وكررت الهمزة لتأكيد معنى الإنكار والاستبعاد ووضع «من في ~~النار» موضع الضمير جعل استحقاقهم النار كأنهم فيها في الدنيا «4»، وجعل ~~إنذار النبي عليه السلام إياهم كانقاذهم منها، والمعنى: أنت لا تقدر على ~~هداية الكفار المستحقين دخول النار بتحصيل للإيمان فيهم. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 20 الى 21] # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ~~ثم يجعله حطاما إن في ms1490 ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) # ثم ذكر حال المتقين بعد ذكر حال الكافرين فقال (لكن الذين اتقوا ربهم) أي ~~وحدوه وأطاعوه (لهم غرف) أي علالي (من فوقها غرف) في الجنة (مبنية) كبناء ~~المنازل في الأرض بعضها فوق بعض (تجري من تحتها) أي من «5» تحت الغرف ~~الفوقانية والتحتانية (الأنهار) من غير تفاوت بين العلو والسفل، قوله (وعد ~~الله) مصدر مؤكد، أي وعده الله وعدا في القرآن (لا يخلف الله الميعاد [20] ~~ألم تر أن الله أنزل من السماء) أي من السماء (ماء) وهو المطر (فسلكه) أي ~~أدخله (ينابيع) عيونا ومجاري (في الأرض) فكل ماء في الأرض من السماء (ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه) من أخضر وأحمر وأصفر وغيرها (ثم يهيج) أي يتم ~~ويشتد (فتراه مصفرا) أي يابسا بعد خضرته أو متغيرا عن حاله (ثم يجعله) أي ~~ثم ترى يجعله (حطاما) أي فتاتا متكسرا (إن في ذلك) أي فيما ذكر من صنع الله ~~(لذكرى) أي لعظة (لأولي الألباب) [21] أي لذوي العقول. ### || [سورة الزمر (39): آية 22] # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22) # (أفمن شرح الله) أي وسع الله «6» (صدره) أي قلبه (للإسلام) أي لقبول ~~التوحيد (فهو على نور) أي على هدى وشريعة واضحة (من ربه) وجواب الشرط محذوف ~~وهو كمن قسا قلبه وطبع عليه وتقدير الهمزة للإنكار وفاء العطف: أاستوى ~~المؤمن والكافر «فمن شرح الله صدره» الآية (فويل للقاسية قلوبهم) أي العذاب ~~الشديد لمن قست ويبست قلوبهم (من ذكر الله) أي من سماع القرآن، لأن الكفار ~~كانوا إذا سمعوا القرآن وإنذاره ازدادوا كفرا وإعراضا عن ذكر الله (أولئك) ~~أي أهل هذه الصفة (في ضلال مبين) [22] أي في خطأ ظاهر. PageV04P037 ### || [سورة الزمر (39): آية 23] # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ~~ومن يضلل الله فما له من هاد (23) # روي: أن المومنين قالوا لمن ms1491 آمن من أهل الكتاب أخبرنا عن التورية، فان ~~فيها علم الأولين والآخرين فنزل «1» (الله نزل أحسن الحديث) وقيل ملت ~~الصحابة ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا حديثا فنزل ذلك «2»، أي أنزل إليكم ~~القرآن وهو أحسن من سائر الكتب، لأنها نسخت به «3»، قوله (كتابا) بدل من ~~«أحسن» أو حال منه (متشابها) أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والنظم والصحة ~~والحكم، يعني لا يختلف ولا ينتقض بعضه ببعض، قوله (مثاني) صفة «متشابها»، ~~جمع مثنى، أي ثني فيه، يعني كرر الوعد والوعيد والأمر والنهي والثواب ~~والعقاب والقصص، وفائدة التكرير أن النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ~~فما لم يتكرر عليها لم يعمل عملها «4» ولم يرسخ فيها أو لأنه يثنى في ~~التلاوة فلا يمل، وإنما صح وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب ذو فضول من سور ~~وآيات وأحكام ومواعظ وقصص وأمثال كما أن الإنسان ذو عظام وعروق وأعصاب، ~~قوله (تقشعر) وصف ثالث ل «الكتاب»، والاقشعرار الرعدة في الجلود والأعضاء ~~من الخوف، المعنى ترتعد وتنقبض (منه) أي من سماع القرآن وآيات وعيده (جلود ~~الذين يخشون ربهم) خوفا وإجلالا لله تعالى، قيل: إنما ذكرت الجلود وحدها، ~~لأن ذكر الخشية هنا أغنى عن ذكر القلوب لكونها محل الخشية، وإنما قرنت ~~القلوب بها في قوله (ثم تلين) أي تطمئن وتسكن (جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله) ورحمته لزوال الخشية ومجيء الرجاء في قلوبهم مكانها بعد الاقشعرار ~~«5»، يعني تقشعر جلودهم عند الوعيد بآية العذاب وتلين عند الوعد بآية ~~الرحمة والمغفرة وإنما اقتصر بذكر الله من ذكر الرحمة لما تحقق أن رحمته ~~سابقة على غضبه، فاذا ذكر الله لم يخطر بالبال من صفاته إلا كونه رحيما، ~~قيل: «هذا الوصف نعت أولياء الله تعالى» «6» (ذلك) أي الكتاب الذي ذكر (هدى ~~الله) أي سبب توفيقه (يهدي به) أي بالقرآن (من يشاء) إلى دينه (ومن يضلل ~~الله) عن دينه (فما له من هاد) [23] أي من «7» موفق يهديه بعد خذلان الله تعالى. ### || [سورة الزمر (39): آية 24] # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ms1492 ما كنتم ~~تكسبون (24) # (أفمن يتقي) روي: أن الكفار إذا كان يوم القيامة غلت أيديهم إلى أعناقهم ~~فألقوا في النار منكوسين فلا يستطيعون أن يدفعوا النار إلا بوجوههم وهو ~~اتقاؤهم «8»، أي أيستوي الآمن من النار والمعذب فيها «9» فمن يدخل النار ~~فيتقي (بوجهه سوء العذاب) أي أشده كمن أمن منه بدخول الجنة لأنه لا يصل ~~النار إلى وجهه، يعني ليسا سواء (يوم القيامة وقيل) أي قال الخزنة ~~(للظالمين) أي للعاصين (ذوقوا ما كنتم تكسبون) [24] أي جزاءه من الكفر ~~والمعاصي. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 25 الى 26] # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله ~~الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) # (كذب الذين من قبلهم) أي من قبل أهل مكة من الكافرين أنبياءهم (فأتاهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون) [25] أي من جهة لا يتوهمون أن العذاب يأتيهم منها ~~لشدة غفلتهم (فأذاقهم الله الخزي) أي الذل من القتل والمسخ وغيرهما (في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر) أي أشد مما عذبوا في الدنيا (لو كانوا ~~يعلمون) [26] ولكنهم ما علموا. PageV04P038 ### || [سورة الزمر (39): آية 27] # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) # (ولقد ضربنا) أي بينا (للناس في هذا القرآن من كل مثل) أي من كل شبه بين، ~~بعضه مفسرا وبعضه مبهما (لعلهم يتذكرون) [27] أي لكي يتعظوا. ### || [سورة الزمر (39): آية 28] # قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) # قوله (قرآنا عربيا) حال مؤكدة من الكتاب أو بدل منه أو نصب ب «يتذكرون» ~~(غير ذي عوج) أي غير ذي اختلاف فيه ولا تناقض ولكنه مستقيم (لعلهم يتقون) ~~[28] أي لكي يتقوا الشرك. ### || [سورة الزمر (39): آية 29] # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) # (ضرب الله) للكافرين «1» (مثلا) أي شبها يعبد آلهة له (رجلا) بدل من ~~«مثلا»، أي بين رجلا (فيه شركاء متشاكسون) أي متنازعون لسوء أخلاقهم يأمره ~~«2» بعضهم بأمر وينهاه الآخر منه «3»، يقال تشاكس إذا اختلف وتنازع (ورجلا) ~~أي وبين ms1493 له أيضا رجلا (سلما) أي خالصا (لرجل) واحد لا ينازعه أحد فيه، وقرئ ~~«سلما» بفتح اللام «4»، أي ذا سلامة من الشرك، المعنى: أن الله ضرب مثلا ~~عبدا بين موالي مخلتفين يتنازعون بالأمر والنهي وعبدا خالصا لرجل لا شركة ~~له لأحد (هل يستويان) في صفة العبودية والرجولية (مثلا) وهو تمييز ميز ~~بالواحد دون مثلين لإرادة الجنس، والاستفهام للإنكار، أي لا يستويان لأن ~~الكافر كعبد له موال «5» وهم آلهته اشتركوا فيه، فعرضت لكل واحد منهم إليه ~~حاجة في وقت واحد «6» فهو متحير لا يدري أي مواليه يرضى، والمؤمن كعبد له ~~مولى واحد فهو قائم بصدد خدمته لا يتحير في إرضائه بخدمته (الحمد لله) أي ~~قولوا الحمد لله على تفضيل من اختاره لنفسه على من شغله بعبودية ما دونه ~~(بل أكثرهم) من الكفار (لا يعلمون) [29] أي عبادة رب واحد خير من عبادة ~~آلهة شتى. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 30 الى 31] # إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) # قوله (إنك ميت وإنهم ميتون) [30] نزل حين قال كفار مكة نتربص بمحمد حتى ~~يموت «7»، فقال تعالى إنك ستموت وإنهم سيموتون فلا شماتة بالموت، وإنما ~~سماهم «ميتين» لأن كل واحد يموت لا محالة فهم الآن في حساب الأموات (ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم) بعد البعث (تختصمون) [31] أي تتحاكمون وتتكلمون ~~بحججكم الكافر مع المؤمن والظالم مع المظلوم، قال صلى الله عليه وسلم: «من ~~كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم ~~القيامة» «8»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الخصومة بين الناس حتى ~~الروح والجسد» «9»، فالاية محمولة على اختصام الجميع ولا يشكل بقوله تعالى ~~لا تخصموا لدي «10» لأن في القيامة ساعات كثيرة وأحوالا مختلفة مرة يختصمون ~~ومرة لا يختصمون «11»، وقيل: قوله تعالى «لا تختصموا لدي» «12» PageV04P039 # في حق المشركين وقوله ثم إنكم عند ربكم تختصمون في أهل القبلة في مظالم ~~كانت بينهم «1». ### || [سورة الزمر (39): آية 32] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم ms1494 مثوى ~~للكافرين (32) # (فمن) أي أي رجل (أظلم ممن كذب على الله) بنسبة الولد والشريك إليه (وكذب ~~بالصدق) أي بالقرآن (إذ جاءه) يعني لا أحد أظلم منه (أليس في جهنم مثوى) أي ~~منزل (للكافرين) [32] به. ### || [سورة الزمر (39): آية 33] # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) # (والذي جاء بالصدق) أي بالقرآن وهو محمد عليه السلام (وصدق به) أي والذي ~~أقر بصدق ما جاء به «2» محمد عليه السلام، وهو كل من آمن به واتبعه، حذف ~~«الذي» من الثاني بدلالة الأول (أولئك) أي هولاء المصدقون بالقرآن (هم ~~المتقون) [33] من الشرك والمعاصي. ### || [سورة الزمر (39): آية 34] # لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) # (لهم ما يشاؤن) أي ما يريدون (عند ربهم) أي في الجنة (ذلك جزاء المحسنين) ~~[34] أي ثواب المطيعين بالإخلاص. ### || [سورة الزمر (39): آية 35] # ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) # (ليكفر الله) أي قال الله تعالى ذلك ليكفر الله أي يمحو (عنهم) ويغفر لهم ~~(أسوأ الذي عملوا) أي أقبح أعمالهم (ويجزيهم أجرهم) أي ثوابهم (بأحسن الذي ~~كانوا يعملون) [35] أي يجزيهم بأحسن أعمالهم ولا يجزيهم بأسوئها، كأنهم ~~ليسوا ذوي زلل وخطايا، وإضافة ال «اسوء» وال «أحسن» ليست للتفضيل بل من باب ~~إضافة الشيء إلى ما هو بعضه، يعني أن العقاب والثواب لأجل الأسوء والأحسن ~~من الأعمال والباقي تبع لهما. ### || [سورة الزمر (39): آية 36] # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من ~~هاد (36) # قوله (أليس الله بكاف عبده) نزل حين قال كفار قريش يا محمد لا تزال تطعن ~~آلهتنا فاحذر كيلا يصيبك منها سوء «3»، فقال تعالى أليس الله بكاف عبده ~~محمدا من شر كل ذي شر فلا تخف (و) هم (يخوفونك) يا محمد (بالذين) أي ~~بالآلهة الذين يعبدونهم (من دونه) أي من دون الله تعالى، وهي الأصنام ~~بقولهم لك لعلها تقتلك أو تخبلك، المعنى: أن الأنبياء قبلك قصدوا بالسوء ~~فكفاهم الله ذلك ويكفيك من كل سوء كما كفاهم (ومن يضلل الله فما له من هاد) ms1495 ~~[36] أي مرشد يرشده. ### || [سورة الزمر (39): آية 37] # ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) # (ومن يهد الله فما له من مضل) أي خاذل يخذله (أليس الله بعزيز) في ملكه ~~(ذي انتقام) [37] من عدوه. ### || [سورة الزمر (39): آية 38] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ~~ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) # (ولئن سألتهم) أي كفار مكة (من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) أي ~~خلقهما الله (قل أفرأيتم ما تدعون) أي ما تعبدون (من دون الله) من الآلهة ~~(إن أرادني الله بضر) أي ببلاء ومرض في جسدي وضيق في معيشتي أو بعذاب في ~~الآخرة، وإنما فرض الإرادة في نفسه بقوله «إن أرادني» دونهم بقوله إن ~~إرادكم لأنهم خوفوه بمضرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم أولا بأن خالق ~~العالم هو الله تعالى وحده، ثم يقول لهم تبكيتا فان أرادني خالق العالم ~~الذي أقررتم به بضر من الفقر والمرض وغيرهما من النوازل (هل هن) أي الأصنام PageV04P040 # (كاشفات) أي مزيلات عني (ضره أو أرادني) الله (برحمة) أي بنعمة وباحسان ~~(هل هن) أي الأصنام (ممسكات رحمته) عني بالإضافة وتركها فيها وفي «كاشفات ~~ضره» «1»، أي مانعاتها عني، يعني لا تقدر أصنامكم على شيء ما من الكشف ~~والإمساك، وفيه توبيخ لهم وتعجيز، لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله (قل حسبي ~~الله) أي يكفيني من شركم وشر آلهتكم (عليه يتوكل المتوكلون) [38] أي عليه ~~يثق الواثقون فأنا متوكل أتوكل عليه. ### || [سورة الزمر (39): آية 39] # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) # (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم) أي على قدر طاقتكم وقوتكم (إني عامل) في ~~هلاككم ولم يقل إني عامل على مكانتي للاختصاص، ولأن في ذلك زيادة الوعيد ~~وقوته لأن الله ناصره ومظهره على الدين كله، وقوله (فسوف تعلمون) [39] من ~~هلك ونجا، رد لقولهم له إن لم تسكت عن آلهتنا نعمل ms1496 في إهلاكك. ### || [سورة الزمر (39): آية 40] # من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) # (من يأتيه عذاب) أي عذاب الله (يخزيه) أي يهلكه (ويحل) أي ويجب (عليه ~~عذاب مقيم) [40] أي دائم لا ينقطع. ### || [سورة الزمر (39): آية 41] # إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها وما أنت عليهم بوكيل (41) # (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق) أي القرآن بالصدق لتدعو الناس إلى ~~التوحيد والعمل بما فيه (فمن اهتدى) أي وحد وعمل بما فيه فانما يهتدي ~~(فلنفسه) أي ثواب هداه «2» راجع لها (ومن ضل) أي أعرض ولم يوحد ولم يعمل به ~~(فإنما يضل عليها) أي جزاء ضلالته على نفسه (وما أنت عليهم بوكيل) [41] أي ~~بحفيظ تحفظهم عن الضلالة. ### || [سورة الزمر (39): آية 42] # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) # (الله يتوفى الأنفس) أي يقبضها (حين موتها) أي وقت موتها لانقضاء أجلها ~~(و) يقبض النفس (التي لم تمت) أي لم يحكم بموتها لعدم انقضاء أجلها (في ~~منامها) أي يقبضها وقت نومها بأن تخرج عن جسدها وهي نفس التمييز ويبقى فيه ~~نفس الحيوة، إذ النائم يتحرك ويتنفس بها «3» (فيمسك التي قضى عليها الموت) ~~بعد القبض فلا يردها إلى جسدها (ويرسل الأخرى) أي يرد النفس التي لم يحكم ~~عليها بالموت إلى جسده (إلى أجل مسمى) أي إلى وقت موتها فللإنسان نفسان، ~~نفس الحيوة وهي الروح يفارق «4» بالموت، ونفس التمييز يفارق «5» بالنوم، ~~ويبقى نفس الحيوة والنسبة بينهما كالنسبة بين الشمس وشعاعها (إن في ذلك) أي ~~في إمساك من شاء وإرسال من شاء من الأنفس (لآيات) أي لعلامات (لقوم ~~يتفكرون) [42] فيستدلون ويعلمون أن القادر على ذلك قادر على البعث والجزاء. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 43 الى 44] # أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ~~(43) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) # (أم اتخذوا من دون الله) ms1497 أي أاتخذوا من غير إذن الله (شفعاء) حيث قالوا ~~هؤلاء شفاعاؤنا عند الله فلذلك PageV04P041 # نعبدهم، والهمزة للإنكار على قريش لاعتقادهم بشفاعة الأصنام، والميم ~~زائدة (قل) يا محمد (أ) يشفعون (ولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون) [43] ~~شيئا، إذ لا ملك لهم ولا عقل لأنهم جماد، وأكد ذلك بقوله (قل لله الشفاعة ~~جميعا) أي لا يشفع أحد من الملائكة والأنبياء والعلماء والمؤمنين إلا باذنه ~~تعالى، وشفعاء المشركين ممنوعون عن الإذن في الشفاعة، لأن الله (له ملك ~~السماوات والأرض) اليوم وما بينهما فيحصى أعمالهم في الدنيا (ثم إليه ~~ترجعون) [44] في الآخرة فيجازيكم ويحاسبكم فيها فلا يكون الملك في ذلك ~~اليوم إلا له فكيف يطلب الشفاعة ممن لا يملك شيئا مع عجزه في الدنيا ~~والآخرة. ### || [سورة الزمر (39): آية 45] # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين ~~من دونه إذا هم يستبشرون (45) # (وإذا ذكر الله وحده) أي إذا قيل لهم قولوا «لا إله إلا الله»، يعني ~~قولوا بتوحيد الله (اشمأزت) أي انقبضت (قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) أي ~~قلوب المشركين عن التوحيد (وإذا ذكر الذين من دونه) أي من دون الله تعالى ~~وهم آلهتهم معه (إذا هم) أي المشركون (يستبشرون) [45] بذلك الشرك، والعامل ~~في «إذا» معنى المفاجاة، أي وقت أن يذكر الذين من دونه فأجاؤا وقت ~~الاستبشار بشركهم، وذلك حين قرأ عليه السلام سورة النجم وذكر آلهتهم. ### || [سورة الزمر (39): آية 46] # قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك ~~في ما كانوا فيه يختلفون (46) # (قل اللهم فاطر السماوات والأرض) أي يا خالقهما (عالم الغيب والشهادة) أي ~~عالم السر والعلانية (أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون) [46] ~~«1» من أمر الدين. ### || [سورة الزمر (39): آية 47] # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) # (ولو أن للذين ظلموا) أي كفروا بالله (ما في الأرض جميعا) أي جميع ما ~~فيها من الأموال ms1498 وغيرها (ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب) أي من شدته ~~«2» (يوم القيامة) وهو جواب «لو» لفظا وفي المعنى لا يقبل منهم فداؤه (وبدا ~~لهم من الله) أي ظهر لهم وقت البعث (ما لم يكونوا يحتسبون) [47] في الدنيا، ~~إنه نازل بهم من العذاب بدل ما يحتسبون من الثواب لأن أعمالهم مع كثرتها لا ~~ينفعهم مع شركهم. ### || [سورة الزمر (39): آية 48] # وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) # (وبدا لهم سيئات ما كسبوا) أي جزاؤها عند عرض كتبهم (وحاق) أي نزل (بهم ~~ما كانوا به يستهزؤن) [48] من البعث والجزاء أو «3» بالرسول والقرآن ~~والمسلمين، يعني ينزل بهم عقوبة استهزائهم يوم القيامة. ### || [سورة الزمر (39): آية 49] # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على ~~علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) # قوله (فإذا مس الإنسان ضر) عطف على «وإذا مس الإنسان» قبل، وسبب عطف هذه ~~الآية بالفاء وتلك بالواو وهو وقوع هذه الآية مسببة عن قوله «وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت» على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر آلهتهم، ~~فاذا مس الإنسان، أي إذا أصاب الكافر المشمئز عن ذكر الله شدة، قيل: هو أبو ~~جهل أو كل كافر «4» (دعانا) أي أخلص في الدعاء لنا دون غيرنا ممن استبشر ~~بذكره (ثم إذا خولناه) أي أعطيناه «5» PageV04P042 # (نعمة منا) كعافية أو وسعة في الرزق (قال) «1» الكافر (إنما أوتيته) أي ~~الأنعام (على علم) منه تعالى عندي، إني مستحق لذلك أو على علم مني بالدعاء ~~أو بوجوه المكاسب ولم يشكر الله تعالى (بل هي) أي تلك النعمة أو مقالته، ~~فذكر الضمير ثم أنثه حملا على المعنى أولا وعلى اللفظ آخرا، ولأن الخبر لما ~~كان مؤنثا جاز تأنيث المبتدأ وذلك الخبر (فتنة) أي بلية يبتلى بها العبد ~~ليشكر أو يكفر (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [49] كونها فتنة. ### || [سورة الزمر (39): آية 50] # قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) # (قد قالها) أي قال تلك المقالة وهي «انما ms1499 أوتيته على علم عندي» (الذين من ~~قبلهم) من الأمم كقارون وفرعون ونمرود (فما أغنى) أي لم ينفع (عنهم ما ~~كانوا يكسبون) [50] من الأموال والمعاصي. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 51 الى 52] # فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ~~وما هم بمعجزين (51) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52) # (فأصابهم سيئات) أي جزاء سيئات (ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء) أي من ~~«2» كفار قريش (سيصيبهم سيئات ما كسبوا) أي جزاؤها مثل ما أصاب الأمم ~~المتقدمة (وما هم بمعجزين) [51] أي «3» فائتين من عذاب الله تعالى فقتل ~~رؤساؤهم ببدر وقحطوا سبع سنين، وبعد ذلك وسع الله عليهم الرزق ليعلموا «4» ~~أن الموسع والمضيق هو الله تعالى فأخبر تعالى (أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يقتر على من يشاء، يعني علموا ذلك فلم يؤمنوا (إن ~~في ذلك) أي في البسط والقتر (لآيات) أي لعلامات لوحدانيتي «5» (لقوم ~~يؤمنون) [52] أي يصدقون بتوحيدي. ### || [سورة الزمر (39): آية 53] # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) # قوله (قل يا عبادي) بفتح الياء وسكونها «6» (الذين أسرفوا) الآية نزل ~~فيمن أسرف على نفسه بالكفر وكثرة المعاصي من القتل وغيره «7»، قيل: هو في ~~شأن الوحشي قتل حمزة في كفره ثم ندم «8»، وقيل: في شأن جماعة المشركين ~~الذين أصابوا ذنوبا عظاما وكانوا يخافون أن لا يغفر لهم لو آمنوا «9»، ~~فدعاهم الله بهذه الآية إلى الإيمان، أي يا عبادي المسرفين (على أنفسهم) ~~بكثرة المعاصي (لا تقنطوا) أي لا تيأسوا (من رحمة الله) أي من مغفرته وقبول ~~التوبة إذا تبتم (إن الله يغفر الذنوب جميعا) أي الكبائر وغيرها «10» (إنه ~~هو الغفور) لمن تاب عن الذنب (الرحيم) [53] لمن أطاع بالثواب، قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه: «أرجى آية في كتاب الله هذه الآية» «11». ### || [سورة الزمر (39): آية 54] # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ms1500 (54) # (وأنيبوا إلى ربكم) أي ارجعوا إليه عن الذنب تائبين (وأسلموا له) أي ~~أخلصوا العمل لوجهه (من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) [54] أي لا ~~تمنعون عن العذاب إن لم تتوبوا قبل نزوله، قيل: هذه نصيحة لإتمام التوبة ~~وتحصيل المغفرة به «12». ### || [سورة الزمر (39): آية 55] # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم ~~لا تشعرون (55) # (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) من القرآن (من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة) أي يفجأكم وقته PageV04P043 # (وأنتم لا تشعرون) [55] اتيانه لشدة غفلتكم عنه لاشتغالكم بأمور دنياكم ~~وعدم إيمانكم بالآخرة. ### || [سورة الزمر (39): آية 56] # أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) # قوله (أن تقول) يجوز أن يكون بدلا من «أن يأتيكم العذاب»، ويجوز أن يكون ~~مفعولا له لفعل مقدر، أي أنذرناكم كراهة أن تقول (نفس) بالتنكير لأن المراد ~~بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر (يا حسرتى) أي يا حسرتي قلبت ياء المتكلم ~~ألفا لمد الصوت، يعني يا ندامتي (على ما فرطت) أي قصرت (في جنب) «1» طاعة ~~(الله وإن كنت) أي وإني كنت (لمن الساخرين) [56] بالأنبياء أو بالعلماء، ~~يعني فرطت في حال سخريتي بهم. ### || [سورة الزمر (39): آية 57] # أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) # (أو تقول لو أن الله هداني) بالوحي أو بالمغفرة أو بالطاعة لأفرق بين ~~الحق والباطل (لكنت من المتقين) [57] أي من الموحدين العاملين بالتقوى. ### || [سورة الزمر (39): الآيات 58 الى 59] # أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد ~~جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59) # (أو تقول حين ترى العذاب) عيانا في القيامة (لو أن لي كرة) أي رجعة إلى ~~الدنيا (فأكون من المحسنين) [58] أي من «2» الموحدين المخلصين ويحمله تحيره ~~وندامته على هذا القول حين لا ينفعه، قوله (بلى قد جاءتك آياتي) رد عليه ~~يوم القيامة، قوله «لو أن الله هداني» بمعنى ما هداني ولذلك جاء ب «بلى» في ~~الرد، لأنه لا ms1501 يستعمل جوابا إلا للمنفي «3» قبله، أي بلى قد جاءتك آيات ~~القرآن التي هي سبب الهداية لا يقال إن «بلى» جواب لقول «لو أن الله هداني» ~~فلم لم يقرن «4» بما هو جواب له لأنا نقول الصواب أن يحكي أقوال النفس على ~~نظمها وترتيبها، ثم يجاب من بيتها عما اقتضى الجواب، أي بلى هديته (فكذبت ~~بها واستكبرت وكنت من الكافرين) [59] بها. ### || [سورة الزمر (39): آية 60] # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى ~~للمتكبرين (60) # (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) بنسبة الولد والشريك إليه، قوله ~~«5» (وجوههم مسودة) جملة اسمية في موضع الحال، لأن الرؤية في «ترى» بالعين ~~لا بالقلب وكان سواد الوجه حقيقة فيهم، ولو كانت بالقلب لكان سواد الوجه ~~كناية عن الفضاحة والخجالة فيهم، فيكون الجملة مفعولا ثانيا ل «ترى» (أليس ~~في جهنم مثوى) أي مقام (للمتكبرين) [60] عن الإيمان. ### || [سورة الزمر (39): آية 61] # وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) # (وينجي الله الذين اتقوا) من الشرك (بمفازتهم) أي بمكان الجنة من جهنم أو ~~بفوزهم وفلاحهم أو بأعمالهم الحسنة (لا يمسهم السوء) أي العذاب (ولا هم ~~يحزنون) [61] في الآخرة، الجملة حال أو تفسير لل «مفازة» فلا محل له من ~~الإعراب. ### || [سورة الزمر (39): آية 62] # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) # (الله خالق كل شيء) أي خالق الأشياء كلها (وهو على كل شيء وكيل) [62] أي ~~حفيظ يحفظ أحوال الأشياء كلها فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين منها ~~وما يستحقون عليها من الجزاء. ### || [سورة الزمر (39): آية 63] # له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) # (له مقاليد السماوات والأرض) أي مفاتيحهما جمع مقليد وهو المفتاح، ~~ومفاتيح السموات المطر بأنواعه ومفاتيح الأرض النبات بأنواعه، وقيل: ~~مفاتيحهما الكلمات التي يوحد بها ويمجد ويفتح بها خير السموات PageV04P044 # والأرض من تكلم بها من المتقين أصاب خيرهما «1»، وهو منازل الرحمة ~~والمغفرة وهي لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، وبحمده واستغفر ~~الله، ولا حول ولا ms1502 قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده ~~الخير، يحيي ويميت «2»، وهو على كل شيء قدير، قوله (والذين كفروا بآيات ~~الله) متصل بقوله «وينجي الله الذين اتقوا»، والمراد بآيات الله كلمات ~~توحيده ورسوله (أولئك هم الخاسرون) [63] أي المغبونون من خير السموات ~~والأرض. ### || [سورة الزمر (39): آية 64] # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64) # قوله (قل أفغير الله تأمروني أعبد) نزل حين قال له المشركون استلم بعض ~~آلهتنا ونؤمن بالهك «3»، فأمره الله أن يقوله إنكارا لقولهم، وتنصب «أ فغير ~~الله» ب «تأمروني» بنونين وبواحدة «4» وتبدل منه «أعبد» بدل اشتمال، وقيل: ~~«أفغير» منصوب بفعل محذوف يفسره «أعبد» أو بنفسه و«تأمروني» حال معترضة ~~«5»، المعنى: أتضلوني فتأمروني بعبادة غير الله (أيها الجاهلون) [64] أي ~~الجاحدون بالتوحيد. ### || [سورة الزمر (39): آية 65] # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين (65) # (ولقد أوحي إليك) يا محمد (وإلى الذين من قبلك) من الأنبياء، أي إلى كل ~~واحد منهم، والموحى قوله (لئن أشركت) بالله فرضا كفرض المحال (ليحبطن عملك ~~ولتكونن من الخاسرين) [65] في الآخرة بسبب حبوط عملك وإن كنت كريما علي أو ~~تكون من جملة الخاسرين إن مت على الردة، ويجوز أن يكون الخطاب للنبي عليه ~~السلام ويريد به تنبيها على أمته، لأن الله يعلم أنه صلى الله عليه وسلم لا ~~يشرك بالله شيئا، واللام في «لئن» موطئة للقسم المحذوف وفي «ليحبطن» لام ~~الجواب، والحواب ساد مسد الجوابين، جواب القسم والشرط. ### || [سورة الزمر (39): آية 66] # بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) # ثم رد ما أمروه به من استلام بعض آلهتهم بقوله (بل الله فاعبد) أي لا ~~تعبد ما أمرك الكفار بعبادته بل الله أعبد ولا تعبد غيره، والفاء زائدة، ~~وقيل: هي في جواب شرط محذوف أقيم المفعول مقامه «6»، تقديره: لا تعبد غير ~~الله بل إن عبدت فاعبد الله (وكن من الشاكرين) [66] له تعالى لتفضيل عليك. ### || [سورة الزمر (39): آية 67] # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) # ثم ms1503 أشار إلى غاية غباوتهم وجهالتهم في شأن خالقهم العظيم بقوله (وما ~~قدروا الله) أي ما عرفوه (حق قدره) أي حق معرفته (والأرض جميعا) الواو ~~للحال، أي الأرضون السبع (قبضته) بالفتح، أي مقبوضته (يوم القيامة) يعني في ~~ملكه وتصرفه يتصرف فيها كيف يشاء بلا مزاحم مع سهولة، أي هن بعظمتهن ~~بالنسبة إلى قدرته ليست إلا قبضة واحدة وكذا الواو في (والسماوات مطويات) ~~أي مجموعات (بيمينه) أي بقدرته أو مفنيات بقسمه، لأنه تعالى أقسم بعزته ~~وجلاله أنه يفنيها، وفيه تنبيه للناس على عظمته ليعرفوه حق معرفته ويعظموه ~~حق عظمته ولا يصفوه كما وصفه اليهود والمشركون بنسبة الولد إليه والشريك ~~(سبحانه وتعالى عما يشركون) [67] أي نزه نفسه «7» تنزيها وتعظم عما يصفون ~~له مما لا يليق بذاته وصفاته، قيل: فيه معنى التعجب «8»، أي ما أبعد من هذه ~~قدرته وعظمته وما أعلاه عن إضافة الشريك إليه. PageV04P045 ### || [سورة الزمر (39): آية 68] # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ ~~فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) # (ونفخ في الصور) هو قرن، عظم دارته مثل ما بين السموات والأرض فينفخ «1» ~~في النفخة الأولى (فصعق) أي «2» مات (من في السماوات ومن في الأرض) أي ~~أهلهما (إلا من شاء الله) من الحور والولدان وغيرهما مما في الجنة أو ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت أو أرواح الشهداء حول العرش متقلدين ~~سيوفهم (ثم نفخ فيه أخرى) وهي النفخة الثانية، يجوز في «أخرى» الرفع على ~~تقدير نفخ نفخة أخرى لكونها قائمة مقام الفاعل، والنصب على قراءة من قرأ ~~نفخة واحدة مفعول مطلق والقائم مقام الفاعل هو فيه، أي في ذلك القرن «3» ~~(فإذا هم قيام ينظرون) [68] أي فاذا جميع الخلائق يقومون من قبورهم وينظرون ~~أهوال يوم القيامة، يعني ينظرون إلى السماء كيف غيرت وإلى الأرض كيف بدلت ~~إلى الداعي كيف يدعوهم وإلى الأقرباء كيف ذهبت شفقتهم عنهم واشتغلوا ~~بأنفسهم وإلى الخصماء ما ذا يفعلون بهم. ### || [سورة الزمر (39): آية 69] # وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ms1504 وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) # (وأشرقت الأرض) أي أضاءت (بنور ربها) أي بتنويره لأنه لا ظلام يومئذ أو ~~بنور الجنة وثوابها (ووضع الكتاب) أي كتاب أعمالهم للحساب في أيمانهم ~~وشمائلهم (وجيء بالنبيين والشهداء) يشهدون للرسل بالتبليغ وهم أمة محمد ~~عليه السلام أو الحفظة أو الذين قتلوا في سبيل الله (وقضي بينهم بالحق) أي ~~بالعدل بين الظالم والمظلوم وبين الرسل وأممهم (وهم لا يظلمون) [69] أي لا ~~ينقصون من ثواب أعمالهم ولا يزادون في عذابهم. ### || [سورة الزمر (39): آية 70] # ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) # (ووفيت) أي وفرت (كل نفس ما عملت) من خير وشر، أي جزاء ما عملت (وهو) أي ~~الله تعالى «4» (أعلم بما يفعلون) [70] من الأعمال لا يحتاج إلى شهادة ~~الشهداء عليها لكن الإشهاد لتأكيد الحجة على ما عملوا. ### || [سورة الزمر (39): آية 71] # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) # (وسيق) أي يساق (الذين كفروا إلى جهنم زمرا) جمع زمرة بمعنى أمة، أي فوجا ~~فوجا سوقا سريعا إهانة لهم (حتى إذا جاؤها فتحت) بالتخفيف والتشديد «5» ~~(أبوابها) السبعة عند مجيئهم ولم يفتح قبله لبقاء حرها (وقال لهم خزنتها) ~~أي الزبانية توبيخا لهم (ألم يأتكم رسل منكم) أي من جنسكم تفهمون كلامهم ~~(يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم) أي يخوفونكم (لقاء يومكم هذا) باضافة ال ~~«يوم» إليهم، أي لقاء وقتكم الشديد عليكم وهو وقت دخولهم النار إن لم ~~يؤمنوا بها لا يوم القيامة، وقد جاء استعمال اليوم والأيام في أوقات الشدة ~~(قالوا) أي قال «6» الكفار جوابا لهم (بلى) أي بلى قد جاؤنا فيقرون بذلك ~~حين لا ينفعهم الإقرار (ولكن حقت) أي وجبت (كلمة العذاب) في علم الله وهي ~~«لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين» «7» (على الكافرين) [71] فوجبت لنا النار. ### || [سورة الزمر (39): آية 72] # قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) # (قيل) أي قال ms1505 لهم الخزنة (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين) [72] أي بئس منزل من PageV04P046 # تكبر عن الإيمان جهنم. ### || [سورة الزمر (39): آية 73] # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) # ثم بين حال المؤمنين المطيعين بقوله (وسيق الذين اتقوا) عن الشرك ~~والمعاصي (ربهم إلى الجنة زمرا) حال، أي جماعة جماعة «1» في تفرقة بعضهم ~~قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب اليسير وبعضهم بعد الحساب الشديد بحسب ~~مراتبهم (حتى إذا جاؤها) جواب «إذا» محذوف، أي اطمأنوا عند مجيئهم الجنة ~~(وفتحت أبوابها) الواو للحال، أي وقد فتحت أبوابها بدلالة قوله تعالى جنات ~~عدن مفتحة لهم الأبواب «2»، وقيل: هو جواب «إذا» والواو للإيذان بأنها كانت ~~مفتحة قبل مجيئهم تكرمة لهم «3»، وقيل: يساق الكفار سريعا إلى النار طردا ~~وإهانة لهم ويساق المؤمنون إلى الجنة سريعا ليصلوا إلى المعد لهم فيها ~~تكرمة لهم بدار الكرامة والرضوان «4» (وقال لهم خزنتها) أي «5» يسلم عليهم ~~الخزنة وتقول (سلام عليكم طبتم) أي طهرتم من دنس «6» الذنوب أو طابت لكم ~~الجنة (فادخلوها خالدين) [73] حال مقدرة فاذا دخلوها ورأوا ما أعد لهم فيها ~~أعجبوا سريعا. ### || [سورة الزمر (39): آية 74] # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين (74) # (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) أي أنجز لنا على لسان رسله وعده ~~(وأورثنا) أي أعطانا وأنزلنا (الأرض) أي أرض الجنة (نتبوأ) أي ننزل (من ~~الجنة حيث نشاء) أي حيث نشتهي قوله «نتبوأ» حال من ضمير المتكلم في ~~«أورثنا»، و«حيث نشاء» إشارة إلى سعة الأرض والزيادة على قدر الحاجة لا أن ~~أحدا ينزل في غير منزله، وقيل: يدخل هذه الأمة أولا الجنة فتنزل حيث تشاء ~~منها ثم يدخل سائر الأمم «7» (فنعم أجر العاملين) [74] الجنة. ### || [سورة الزمر (39): آية 75] # وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق ~~وقيل الحمد لله رب العالمين (75) # (وترى الملائكة حافين) أي محدقين (من حول العرش) أي من كل جانب «8»، قوله ~~(يسبحون ms1506 بحمد ربهم) حال من ضمير «حافين»، أي ينزهونه تعالى ويحمدونه تلذذا ~~لا تعبدا، لأنه لا تكليف فيها (وقضي بينهم) أي حكم الله بين الخلائق يوم ~~القيامة (بالحق) أي بالعدل فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ويجوز أن ~~يرجع الضمير إلى «الملائكة» على أن ثوابهم وإن كانوا معصومين جميعا لا يكون ~~على سنن واحد ولكن يفاضل «9» بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم «10»، ~~وقيل: يقضي الملائكة بين أهل الجنة باعطاء كل منهم منزلته «11» (وقيل) أي ~~قال أهل الجنة أو الملائكة لما ميزوا من الكفار أو لما قضي بينهم بالحق ~~(الحمد لله رب العالمين) [75] الذي نجانا من القوم الكافرين أو الذي قضى ~~بيننا بالحق بانزال كل منا منزلته التي هي حقه. PageV04P047 ### | سورة غافر (المؤمن) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة غافر (40): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) # (حم) [1] قيل: هو قسم أقسم الله به «1»، أي بحم، وهو اسم من أسماء القرآن ~~«2»، وقيل: هو اسم الله الأعظم «3» ومعناه بالحي الحقيوم (تنزيل الكتاب) أي ~~لتنزل القرآن (من الله العزيز) في سلطانه (العليم) [2] بمصالح عباده ~~وبأعمالهم. ### || [سورة غافر (40): آية 3] # غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) # (غافر الذنب) لمن تاب وآمن (وقابل التوب) ممن أخلص في توبته (شديد ~~العقاب) لمن أشرك وكفر (ذي الطول) أي ذي الفضل والأنعام الواسع للموحدين ~~العاملين، قيل: إضافة «غافر الذنب وقابل التوب» محضة، لأن المراد دوام ~~الفعل منه تعالى فيكونان معرفتين، وإضافة «شديد العقاب» لفظية في تقدير ~~الانفصال، أي شديد عقابه «4»، وتوسط الواو بين «غافر» و«قابل» يفيد الجمع ~~للمذنب التائب بين رحمتين المغفرة والقبول بأن يحصل توبته طاعة من طاعاته ~~وكفارة لذنوبه، قوله (لا إله إلا هو) بيان لتوحيده ليوحدوه ولا يشركوا به ~~شيئا، قوله (إليه المصير) [3] بيان لرجوعهم إليه في الآخرة ليجازيهم ~~بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال صلى الله عليه وسلم: # «من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم» - «5» ### || [سورة غافر ms1507 (40): الآيات 4 الى 5] # ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) ~~كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) # (ما يجادل) أي ما يخاصم «6» (في آيات الله) أي القرآن ومعجزات الرسول «7» ~~بالتكذيب والباطل (إلا الذين كفروا) بها (فلا يغررك) الفاء فيه للسبب «8»، ~~يعني أن كفرهم الموجب للشقاوة الأبدية سبب أن لا يخدعك يا محمد (تقلبهم) أي ~~ذهابهم ومجيئهم (في البلاد) [4] أي في أسفارهم بكثرة الأموال وزخارف الدنيا ~~للتجارات مع سلامتهم في تمتعهم بها، فانهم ليسوا من الدين على شيء وهم ~~يعذبون في الآخرة لتكذيبهم إياك وكتابك كما (كذبت قبلهم قوم نوح) نوحا ~~(والأحزاب) الذين تحزبوا على رسلهم (من بعدهم) أي بعد قوم نوح وكفروا بهم ~~وبكتبهم (وهمت) أي قصدت (كل أمة) كافرة (برسولهم ليأخذوه) للأسر والقتل ~~والتعذيب PageV04P048 # (وجادلوا بالباطل) أي بالشرك والتكذيب (ليدحضوا به) أي ليبطلوا بالباطل ~~(الحق) أي الإسلام (فأخذتهم) أي عاقبتهم (فكيف كان عقاب) [5] أي إنذاري، ~~يعني وجدوا ما عملوا حقا وأنت قد رأيته وعلمته وهو تهديد لكفار مكة، لأنهم ~~كانوا يمرون على آثار من قبلهم في تقلبهم لتجاراتهم. ### || [سورة غافر (40): آية 6] # وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) # (وكذلك) أي مثل ذلك العذاب (حقت) أي وجبت (كلمة ربك على الذين كفروا) بك ~~من أهل مكة (أنهم أصحاب النار) [6] محله رفع بدل من كلمة «ربك» أو نصب بحذف ~~اللام للتعليل وبيان استحقاقهم ذلك العذاب. ### || [سورة غافر (40): آية 7] # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم (7) # قوله (الذين يحملون العرش) مبتدأ، وخبره «يسبحون»، وهم الذين ما بين كعب ~~أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم وهم أشد ~~خوفا من أهل السماء السابعة، وكل أهل سماء «1» أشد خوفا من أهل سماء تحتها، ~~قوله (ومن حوله) ms1508 عطف على «الذين»، أي ومن حول العرش من الملائكة وهم ~~الكروبيون سادة الملائكة المقربين وهم سبعون ألف صف يطوفون حوله (يسبحون ~~بحمد ربهم) أي حامدين ربهم (ويؤمنون به) تعالى ببصائرهم، لأنهم محجوبون عن ~~إدراكه بأبصارهم، ووصفهم بالإيمان لإظهار شرف الإيمان وفضله واللترتيب فيه ~~(ويستغفرون للذين آمنوا) به يقولون في دعائهم لهم (ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما) تمييزان، أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فتعلم أعمالهم وأحوالهم وتقدر ~~أن ترحمهم وتغفر لهم (فاغفر للذين تابوا) أي علمت منهم الرجوع إليك بالعمل ~~الصالح فرجعوا عن الشرك والمعاصي (واتبعوا سبيلك) أي دين الإسلام (وقهم ~~عذاب الجحيم) [7] أي ادفعه عنهم ويقولون. ### || [سورة غافر (40): آية 8] # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم (8) # (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) على لسان الرسل (و) ادخلها (من صلح) ~~أي وحد الله (من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) معهم (إنك أنت العزيز) في ملكه ~~(الحكيم) [8] في أمرك. ### || [سورة غافر (40): آية 9] # وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9) # (وقهم السيئات) أي احفظهم من عذاب معاصيهم في الآخرة وادفعه «2» عنهم ~~برحمتك الواسعة (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته) ويجوز أن يراد بالسيئات ~~الكفر والنفاق والرياء، ويكون «يومئذ» في التقدير مؤخرا، أي ومن تق السيئات ~~في الدنيا فقد رحمتك يومئذ يقولون هذا الدعاء وإن كان الله قد وعد المؤمنين ~~المغفرة والرحمة بتوبتهم فاستغفارهم لهم وشفاعتهم زيادة الكرامة والثواب ~~وتنبيه على شرفهم وإيذان أن الاشتراك في الإيمان يوجب الشفقة والنصيحة وإن ~~اختلفت الأجناس كالملك والإنس (وذلك هو الفوز العظيم) [9] أي وقايتك إياهم ~~من العذاب هو النجاة الوافرة. ### || [سورة غافر (40): آية 10] # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) # (إن الذين كفروا) روي: «أن الكفار لما عاينوا النار ودخلوها بعد رؤيتهم ~~أعمالم الخبيثة في كتبهم ومقتوا أنفسهم» «3»، أي لاموها وغضبوا عليها ~~(ينادون) أي تناديهم خزنة جهنم (لمقت الله) أي غضبه وسخطه على أنفسكم (أكبر ms1509 ~~من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان) بألسنة الرسل في الدنيا (فتكفرون) ~~[10] أي تجحدون PageV04P049 # فتثبتون على الكفر. ### || [سورة غافر (40): آية 11] # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل (11) # (قالوا ربنا أمتنا اثنتين) أي إماتتين (وأحييتنا اثنتين) أي إحياءتين، ~~قيل: هذا طلبهم حيلة الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحا «1»، أي قال الكفار ~~في جهنم كنا أمواتا نطفا في أصلاب آبائنا فأحييتنا قرب الخروج من البطن، لا ~~يقال كيف يصح أن يسمي خلقهم أمواتا إماتة، لأن المراد من هذا الخلق الإنشاء ~~على هذا الوصف ثم أمتنا عند انقضاء آجالنا ثم أحيينا اليوم وهو إحياء ~~بالبعث، وهذا كقوله تعالى «كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم» «2»، ~~ولما علموا أن الله قادر على الإعادة كقدرته على الإنشاء قالوا أيقنا «3» ~~(فاعترفنا) أي أقررنا (بذنوبنا) أي بكفرنا بالرسل والآيات وبالبعث وتبين ~~لنا أن البعث حق (فهل إلى خروج) من النار والرجوع إلى الدنيا (من سبيل) ~~[11] أي طريق لنطيع أمرك. ### || [سورة غافر (40): آية 12] # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي ~~الكبير (12) # (ذلكم) أي يقال لهم ذلك العذاب الذي أنتم فيه وخلوده (بأنه إذا دعي الله ~~وحده) أي بسبب أنه إذا قيل لكم قولوا لا إله إلا الله (كفرتم) به، أي ~~بتوحيده (وإن يشرك به) أي بالله معبودكم (تؤمنوا) بالشرك وتصدقوه (فالحكم ~~لله العلي) أي القضاء فيكم بهذا «4» العذاب لله الرفيع الغالب فوق خلقه ~~(الكبير) [12] بالقدرة القاهرة لهم بانفاذ حكمه فيهم. ### || [سورة غافر (40): آية 13] # هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) # (هو الذي يريكم آياته) أي دلائله على وحدانيته كالسموات والأرض والشمس ~~والقمر والليل والنهار، ذكر بعد ما أخبر لهم عما يصيبكم من العذاب يوم ~~القيامة تنبيها لأهل مكة ليستدلوا بتلك الدلائل فيؤمنوا فيفلحوا من ذلك ~~العذاب (وينزل لكم من السماء رزقا) أي سببه وهو المطر لتتعظوا (وما يتذكر) ~~أي ما يتعظ بالقرآن (إلا من ينيب) [13] أي إلا من يرجع ms1510 من الشرك ويقبل إلى ~~الله الذي يفعل ذلك بالتوحيد والطاعة. ### || [سورة غافر (40): آية 14] # فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14) # ثم أمرهم بعابدته بالإخلاص فقال (فادعوا الله) أي اعبدوه (مخلصين له ~~الدين) أي دين الإسلام (ولو كره الكافرون) [14] أي الجاحدون به. ### || [سورة غافر (40): آية 15] # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق (15) # (رفيع الدرجات) أي هو عظيم الصفات أو خالق طبقات السموات بعضها فوق بعض ~~أو رافع درجات المؤمنين في الجنة، قوله (ذو العرش) نعت ل «رفيع»، أي رب ~~العرش (يلقي الروح) أي ينزل جبرائيل (من أمره) أي بوحيه (على من يشاء من ~~عباده) من الأنبياء وهو محمد عليه السلام (لينذر) أي «5» الملقى إليه (يوم ~~التلاق) [15] أي يوم يلتقي الخلائق من أهل السماء والأرض، يعني الملائكة ~~والإنس والجن والظالم والمظلوم. ### || [سورة غافر (40): آية 16] # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار (16) # ثم أبدل من «يوم التلاق» قوله (يوم هم بارزون) أي ظاهرون وخارجون من ~~قبورهم (لا يخفى) أي لا يستر (على الله منهم شيء) في الدارين، لأنه خلقهم ~~وأعمالهم بعلم منه تعالى فكيف يخفى عليه شيء منهم، قوله (لمن الملك اليوم) ~~حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب، ومعناه: أن الله يجمع الخلائق ~~يوم القيامة PageV04P050 # في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة «1» فضة لم يعص الله فيها قط فأول ~~ما يتكلم به أن ينادي مناد لمن الملك اليوم، وقيل: إنه تعالى يقول بعد فناء ~~الخلق بين النفختين لمن الملك اليوم فلا يجيبه أحد فيقول لنفسه «2» (لله ~~الواحد القهار) [16] وقيل: ينادي مناد به فيجيبه أهل المحشر «3». ### || [سورة غافر (40): آية 17] # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17) # ثم يقول الله تعالى (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) أي ما «4» عملت في ~~الدنيا من خير أو شر (لا ظلم اليوم) أي الظلم مأمون فيه، لأن الله ليس ~~بظلام للعبيد ms1511 (إن الله سريع الحساب) [17] أي يحاسبهم في وقت واحد، لأنه لا ~~يشغله حساب عن حساب، وهذه الآية نتيجة قوله (الملك لله الواحد القهار) لأنه ~~لا حكم لأحد في ذلك اليوم ليحاسبه ويجزي لنفس واحد، عن ابن عباس رضي الله ~~عنه: «إذا أخذ الله في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا ~~فيها» «5»، أشار به إلى سرعة الحساب. ### || [سورة غافر (40): آية 18] # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ~~ولا شفيع يطاع (18) # (وأنذرهم) أي خوفهم يا محمد (يوم الآزفة) أي بيوم الساعة القريبة، من أزف ~~الرجل إذا قرب، وقيل: # بوقت مشارفتهم دخول النار «6»، قوله (إذ القلوب) بدل من «يوم الآزفة»، أي ~~القلوب في ذلك اليوم (لدى الحناجر) من الخوف، أي ترتفع من مكانها إلى ~~الخنجرة ولا يعود إلى مكانها من هول القيامة، قوله (كاظمين) حال من أصحاب ~~القلوب، أي مغمومين جارعين الغيظ لا يظهرونه خوفا يتردد في أجوافهم (ما ~~للظالمين من حميم) أي من قريب مشفق ينفعه (ولا شفيع يطاع) [18] له الشفاعة ~~فيهم، والمراد نفي الشفاعة والطاعة معا، لأن الشافعين أولياء الله وهم لا ~~يحبون إلا من أحبه الله فلم يشفعوا لهم. ### || [سورة غافر (40): آية 19] # يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) # (يعلم خائنة الأعين) أي الله تعالى خائنة «7» الأعين بالنظر إلى محرم ~~والغمزة إلى ما لا يحل كفعل أهل الريب وهو خبر من أخبار هو في قوله «هو ~~الذي يريكم آياته» «8» (وما تخفي الصدور) [19] أي ويعلم ما تخفيه القولب. ### || [سورة غافر (40): آية 20] # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع ~~البصير (20) # (والله يقضي) أي يحكم (بالحق) أي بالعدل لأنه مستغن عن الظلم فيما يأمر ~~وينهى (والذين يدعون من دونه) بالياء والتاء «9»، أي تعبدونهم من دون الله ~~وهم الأصنام (لا يقضون بشيء) لعجزهم وعدم عقلهم (إن الله هو السميع) ~~لمقالتكم (البصير) [20] بأعمالكم. ### || [سورة غافر (40): آية 21] # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ms1512 ~~هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله ~~من واق (21) # (أولم يسيروا في الأرض فينظروا) أي ألم يعتبروا (كيف كان عاقبة الذين ~~كانوا من قبلهم) أي من تقدمهم من الأمم، و«هم» فصل في قوله (كانوا هم أشد ~~منهم قوة) أي بأسا وأجسادا وحقه أن يدخل بين المعرفتين، لكن «أشد منهم» قد ~~شابه المعرفة في أنه لا يدخل الألف واللام فأجري مجراه (وآثارا في الأرض) ~~يعني أكثر أعمالا وأعمارا وأحصن «10» قصورا ومنازل، فكفروا (فأخذهم الله) ~~أي عاقبهم (بذنوبهم وما كان لهم من الله PageV04P051 # من واق) [21] أي مانع يمنعهم من العقاب. ### || [سورة غافر (40): آية 22] # ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد ~~العقاب (22) # (ذلك) أي العذاب النازل بهم (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانت) القصة (تأتيهم ~~رسلهم بالبينات) أي بالأوامر والنواهي (فكفروا) بهم وببيناتهم (فأخذهم ~~الله) تعالى بهلاك الاستئصال (إنه) أي إن الله (قوي) أي قادر على أخذهم ~~بالعقوبة (شديد العقاب) [22] لمن عاقبه. ### || [سورة غافر (40): الآيات 23 الى 24] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب (24) # (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي بعلاماتنا التسع (وسلطان مبين) [23] أي ~~حجة بينة (إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا) هذا (ساحر كذاب) [24] أي لم ~~يصدقوا به. ### || [سورة غافر (40): آية 25] # فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا ~~نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) # (فلما جاءهم بالحق) أي لما جاء موسى فرعون وقومه بالرسالة (من عندنا ~~قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) أي أعيدوا القتل عليهم (واستحيوا ~~نساءهم) ولا تقتلوهن، فأعيد القتل عليهم عند بعث موسى كالقتل الذي كان من ~~قبله خيفة أن يولد الصبي الذي قال الكهنة لأجله إنها يهلك فرعون وقومه (وما ~~كيد الكافرين إلا في ضلال) [25] أي في هلاك وخطأ، يعني لم يجد عليهم. ### || [سورة غافر (40): الآيات 26 الى 27] # وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض ms1513 الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن ~~بيوم الحساب (27) # (وقال فرعون) لقومه (ذروني أقتل موسى) لأنهم كانوا يمنعونه عن قتله ~~بقولهم «1» إنه ليس الذي تخافه (وليدع ربه) ليمنعه مني (إني أخاف أن يبدل) ~~أي يغير (دينكم) فتتبعونه «2» (أو أن يظهر في الأرض الفساد) [26] أي فساد ~~دينكم ودنياكم من أظهر، ونصب «الفساد» ومن ظهر ورفعه، وقرئ بالواو للجمع ~~بين الأمرين «3»، و«أو» لشك المتكلم أو لقصده أحدهما ولما سمع موسى تهديد ~~فرعون استعاذ بالله (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر) أي منكر ~~يتكبر عن الإيمان (لا يؤمن) أي لا يصدق (بيوم الحساب) [27] لجهله وتكبره. ### || [سورة غافر (40): آية 28] # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم ~~بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) # (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم) أي يستر (إيمانه) بموسى عن فرعون وقومه ~~وقد آمن سرا منهم وهو ابن عم فرعون اسمه حزبيل (أتقتلون رجلا) ظلما (أن ~~يقول) أي لأن يقول (ربي الله وقد جاءكم بالبينات) أي بالبراهين (من ربكم) ~~وهي العصا واليد وغيرهما، ثم فصل شأن موسى بقوله (وإن يك) موسى (كاذبا ~~فعليه كذبه) أي وباله فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة (وإن يك صادقا) في قوله ~~(فكذبتموه) (يصبكم بعض الذي يعدكم) به من العذاب عاجلا وبذلك القدر تهلكون ~~فجاء في المناصحة «4» بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم وقبولهم وهو البعض، ~~وقيل: «البعض بمعنى الكل» «5»، أي جميع الذي يعدكم، والأول غاية الإنصاف وأدعى PageV04P052 # إلى الإيمان، ثم قال (إن الله لا يهدي) أي لا يرشد إلى دينه (من هو مسرف) ~~أي متجاوز على الحد في فعله (كذاب) [28] في قوله، أي جاعل الكذب عادة لنفسه. ### || [سورة غافر (40): آية 29] # يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ~~قال فرعون ما أريكم إلا ms1514 ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) # ثم زادهم إنصافا فقال (يا قوم لكم الملك اليوم) أي ملك مصر (ظاهرين) أي ~~غالبين (في) هذه (الأرض فمن ينصرنا) أي من يمنعنا (من بأس الله) أي من ~~عذابه (إن جاءنا) على تقدير قتلكم موسى فلما سمع فرعون قول المؤمن لانت ~~عريكته فثم (قال فرعون) إضرابا عن مجادلة المؤمن (ما أريكم) من الهدى ~~والصواب (إلا ما أرى) منه لنفسي وهو قتل موسى، من الرأي يتعدى إلى مفعولين ~~أحدهما «كم» والثاني «ما أرى» (وما أهديكم) أي ما أدعوكم (إلا سبيل الرشاد) ~~[29] أي طريق الفلاح. ### || [سورة غافر (40): الآيات 30 الى 31] # وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) # (وقال الذي آمن) لهم (يا قوم إني أخاف عليكم) من تكذيبهم موسى (مثل يوم ~~الأحزاب) [30] أي مثل أيامهم، لأنه كان لكل حزب يوم، وبينه بقوله (مثل دأب ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) هو عطف بيان ل «مثل يوم الأحزاب»، أي ~~مثل عادتهم فيحل بكم من العذاب مثل ما حل بهم بتكذيبهم رسولهم (وما الله ~~يريد ظلما للعباد) [31] أي لا يعذبهم بغير ذنب، لأنه عادل وهو أنفى للظلم ~~من قوله «وما ربك بظلام للعبيد» ظاهرا لدلالة التنكير على القلة، لأنه إذا ~~نفى إرادة ظلم ما فقد نفى الظلم رأسا. ### || [سورة غافر (40): آية 32] # ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) # (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) [32] وهو أن ينادى كل شخص بأعمالهم، ~~فيقال ألا إن فلان بن فلان سعد سعدة لا يشقي بعدها أبدا وألا إن فلان بن ~~فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا أو ينادي أهل الجنة أهل النار «أن قد ~~وجدنا ما وعدنا ربنا حقا» «1» الآية، و (ينادي أهل النار أهل الجنة أن ~~أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) «2» الآية. ### || [سورة غافر (40): آية 33] # يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل ms1515 الله فما له من هاد (33) # (يوم تولون مدبرين) أي تصرفون «3» هاربين من النار إذا لحقكم زفيرها أو ~~ذاهبين عن موقف الحساب إلى النار (ما لكم من الله) أي من عذابه (من عاصم) ~~أي مانع يمنعكم (ومن يضلل الله) عن الهدى (فما له من هاد) [33] أي مرشد ~~يرشده إلى الهدى. ### || [سورة غافر (40): آية 34] # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) # (ولقد جاءكم يوسف) أي يوسف النبي ابن يعقوب (من قبل) أي من «4» قبل موسى ~~(بالبينات) أي بالدلالات الواضحة على صدقه منها تأويل الأحاديث وهو تعبير ~~الرؤيا قاله المؤمن من آل فرعون لهم (فما زلتم في شك مما جاءكم به) من ~~البينات (حتى إذا هلك) أي مات (قلتم) تخرصا من غير حجة (لن يبعث الله من ~~بعده رسولا) مع تكذيبكم يوسف لئلا تؤمنوا، المعنى: أنكم لن تزالوا كافرين ~~بيوسف وغيره (كذلك) أي كهذا الإضلال (يضل الله من هو مسرف) في إشراكه ~~(مرتاب) [34] أي ذو شك في توحيده تعالى. PageV04P053 ### || [سورة غافر (40): آية 35] # الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند ~~الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) # ثم وصفهم بالغيبة مستأنفا بقوله «1» (الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان) أي بغير برهان (أتاهم كبر مقتا) أي عظم جدالهم بغضا (عند الله) أي ~~من عند الله (وعند الذين آمنوا) ف «الذين» مبتدأ، خبره «كبر» باضمار جدالهم ~~فاعلا له، وفي «كبر» ضرب من التعجب والاستعظام، قيل: يجوز أن يكون «الذين ~~يجادلون» بدلا من «من هو مسرف» «2»، لأنه في معنى الجمع، والضمير في «كبر» ~~ضمير «من هو مسرف» (كذلك) أي مثل ذلك الجدال (يطبع) أي «3» يختم (الله) ~~بالكفر (على كل قلب متكبر) عن طاعته بالإضافة وتركها (جبار) [35] أي متسلط ~~على الخلق بالحكم عليهم بما يشاء من القتل وغيره من غير خوف من الله، وإنما ~~أسند ms1516 التكبر إلى القلب، لأنه إذا تكبر القلب تكبر صاحبه فهو مركزه. ### || [سورة غافر (40): الآيات 36 الى 37] # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات ~~فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) # (وقال فرعون) لوزيره (يا هامان ابن لي صرحا) أي قصرا عاليا (لعلي أبلغ ~~الأسباب) [36] أي الأبواب، ثم أبدل منها (أسباب السماوات) تفخيما لشأنها، ~~لأنه أبهمها ثم أوضحها ليشوق إليه نفس هامان ويتعجب منها (فأطلع) بالرفع ~~عطف على «أبلغ»، وبالنصب جواب «لعل» «4»، لأنه هنا بمعنى التمني، أي لعلي ~~أبلغ ما يوصلني إلى السماء فأطلع (إلى إله موسى) لأعلم ما هو (وإني لأظنه) ~~أي موسى (كاذبا) في أن له إلها غيري، قال له تمويها على قومه لا تحقيقا ~~(وكذلك) أي مثل ما زين له سوء قوله (زين لفرعون سوء عمله) أي قبحه (وصد عن ~~السبيل) مجهولا ومعلوما «5»، أي صرف عن سبيل الهدى (وما كيد فرعون) أي مكره ~~(إلا في تباب) [37] أي في هلاك وخسار في الآخرة. ### || [سورة غافر (40): آية 38] # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) # (وقال الذي آمن) وهو حزبيل (يا قوم اتبعون) أي أطيعوني (أهدكم سبيل ~~الرشاد) [38] أي أرشدكم دين الصواب. ### || [سورة غافر (40): الآيات 39 الى 40] # يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من ~~عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40) # (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) أي شيء قليل يتمتع به ويشغل عن ~~الفلاح مع زواله (وإن الآخرة) أي الجنة (هي دار القرار) [39] أي الإقامة لا ~~زوال لها فليعتد لها لأنه (من عمل سيئة) أي شركا ومعصية (فلا يجزى إلا ~~مثلها) يوم القيامة وهو النار إن لم يتب (ومن عمل صالحا) أي من تاب وأطاع ~~(من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير ms1517 حساب) [40] ~~أي بغير مقدار، يعني رزقا واسعا بلا تبعة، لأن الحسنات تتضاعف عند الله. ### || [سورة غافر (40): آية 41] # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41) # (ويا قوم) كرر النداء لزيادة تنبيه لهم وإيقاظهم عن سنة الغفلة وزيادة ~~الواو في النداء الثالث، لأن النداء الثاني داخل على كلام هو تفسير للمجمل ~~الذي هو كلام النداء الأول الداخل تحت القول، والثالث ليس كذلك PageV04P054 # بل هو ابتداء كلام آخر، عطف على ما قبله من النداء، أي قال لهم حزبيل يا ~~قوم (ما لي أدعوكم إلى النجاة) من النار بالتوحيد (وتدعونني إلى النار) ~~[41] أي إلى عمل أهل النار. ### || [سورة غافر (40): آية 42] # تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز ~~الغفار (42) # ثم بين ذلك فقال (تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم) أي حجة ~~بأن له شريكا، يعني ما ليس باله ولا يصح أن يكون إلها (وأنا أدعوكم إلى ~~العزيز) أي المنتقم من المشرك (الغفار) [42] لمن تاب من الشرك وآمن. ### || [سورة غافر (40): آية 43] # لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) # قوله (لا جرم) اسم مبني على الفتح نحو لا بد لفظا ومعنى، أي لا بد ولا ~~انقطاع فيفيد معنى الوجوب، يعني وجب وحق (أنما) أي أن الذي (تدعونني إليه) ~~من الأصنام (ليس له دعوة) إلى نفسه قط بالعبادة لكونه جمادا ومن حق المعبود ~~بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، ثم يعبد العباد من دعاهم إظهارا لدعوة ~~ربهم، أي ليس له دعوة (في الدنيا) لعجزه (ولا في الآخرة) لأنه إذا أحياه ~~الله تعالى تبرأ من عبدته (وأن مردنا) أي لا جرم أن مرجعنا (إلى الله) لا ~~إلى غيره في الآخرة (وأن المسرفين) أي المشركين (هم أصحاب النار) [43] أبدا. ### || [سورة غافر (40): آية 44] # فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) # (فستذكرون) أي فستعرفون (ما أقول لكم) من ms1518 أن نصيحتي لكم حق فتندمون ~~(وأفوض أمري) أي أرد أمر نفسي (إلى الله) معتمدا عليه قاله حين أراد وأقتله ~~لأجل دعوته إياهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة الأصنام فهرب فبعث فرعون في ~~طلبه فلم يقدروا عليه (إن الله بصير بالعباد) [44] أي عالم بأعمالهم ~~وبجزائهم عليها. ### || [سورة غافر (40): آية 45] # فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45) # (فوقاه) أي حفظه (الله) ودفع عنه (سيئات ما مكروا) أي شر ما أرادوا ~~تدبيره ليقتلوه فنجا مع موسى (وحاق) أي نزل (بآل فرعون) من مكرهم بالمسلمين ~~(سوء العذاب) [45] وهو الغرق في الدنيا والنار في الآخرة ويكفي في الحيق ما ~~يقع عليه اسم السوء ولا يشترط أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه. ### || [سورة غافر (40): آية 46] # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب (46) # ثم بين حالهم بعد غرقهم بقوله (النار يعرضون عليها) أي يحرقون بها (غدوا ~~وعشيا) أي كل يوم مرتين، قيل: «أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوى إلى ~~قناديل معلقة بالعرش، وأرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو وتروح على النار ~~ما دامت الدنيا» «1»، فذلك عرضها ودلت الآية على إثبات عذاب القبر لأن ~~المراد من العرض التعذيب (ويوم تقوم الساعة أدخلوا) بفتح الألف «2» خطاب ~~للخزنة، أي يقال لهم ادخلوا (آل فرعون أشد العذاب) [46] وهو أسفله في النار ~~فيعاد عليهم الإحراق مرة بعد مرة دائما أو يعذبون ألوان العذاب دائما، ومن ~~قرأ بوصل الهمزة وضم الخاء جعله أمرا ل «آل فرعون» بالدخول فيكون «آل ~~فرعون» منادى بحرف النداء المحذوف، أي يا آل فرعون. ### || [سورة غافر (40): آية 47] # وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) # (وإذ يتحاجون) أي اذكر يا محمد وقت تخاصم الضعفاء والروساء (في النار ~~فيقول الضعفاء للذين PageV04P055 # استكبروا) أي تكبروا عن الإيمان وهم الرؤساء (إنا كنا لكم تبعا) أي ~~تائبين، جمع تابع، يعني كنا نطيعكم في الدنيا فيما أمر تمونا من الدين (فهل ms1519 ~~أنتم مغنون) أي دافعون (عنا نصيبا) أي جزء (من النار) [47] وهو العذاب الذي ~~علينا منها. ### || [سورة غافر (40): آية 48] # قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) # (قال الذين استكبروا) أي الرؤساء للضعفاء (إنا كل) أي نحن وأنتم (فيها) ~~أي «1» في النار معذبين على قدر حصصنا من الذنوب لا يغني أحد أحدا (إن الله ~~قد حكم بين العباد) [48] أي قضى بجزاء أعمالهم فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار. ### || [سورة غافر (40): آية 49] # وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) # (وقال الذين في النار) أي قال الكافرون في جهنم إذا اشتد عليهم العذاب ~~(لخزنة جهنم) ولم يقل لخزنتها، لأن في ذكر «جهنم» تهويلا (ادعوا ربكم) أي ~~سلوه شافعين لنا (يخفف عنا يوما) أي قدر يوم (من العذاب) [49] حتى نستريح «2». ### || [سورة غافر (40): آية 50] # قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (50) # (قالوا) أي الخزنة لهم ردا عليهم وتوبيخا لهم (أولم تك) القصة (تأتيكم ~~رسلكم بالبينات) أي ألم يخبركم رسلكم بالدلائل الواضحة أن عذاب جهنم إلى ~~الأبد (قالوا بلى) أخبرونا بها (قالوا) أي قال لهم الخزنة تهكما بهم ~~(فادعوا) أنتم ما شئتم فانا لا نشفع للكافر (وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال) [50] أي في هلاك، لأنه لا ينفعهم، يعني لا يستجاب لكم لكفركم. ### || [سورة غافر (40): آية 51] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) # (إنا لننصر رسلنا) أي لننصرهم (والذين آمنوا) أي المؤمنين بهم على ~~أعدائهم (في الحياة الدنيا) بثبوت الحجة والغفلة في العاقبة لمحمد عليه ~~السلام وبالاقتصاص لهم بعدهم كيحيى اقتص له بختنصر (و) نعذب أعداءهم في ~~النار (يوم يقوم الأشهاد) [51] جمع شاهد وهم الملائكة الحفظة فيشهدون للرسل ~~بالبلاغ لأممهم وعلى الكفار بتكذيبهم رسلهم، وقيل: الأشهاد الأنبياء ~~والمؤمنون من أمة محمد عليه السلام «3»، يشهدون الرسل بالبلاغ. ### || [سورة غافر (40): آية 52] # يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) # قوله (يوم لا ينفع) بدل ms1520 من «يوم يقوم»، أي يعذبون يوم لا ينفع (الظالمين) ~~أي الكافرين (معذرتهم) أي اعتذارهم، لأنه لا يقبل منهم (ولهم اللعنة) أي ~~سخط الله وطرده (ولهم سوء الدار) [52] أي سوء الآخرة وهو شدة عذابها في جهنم. ### || [سورة غافر (40): الآيات 53 الى 54] # ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي ~~الألباب (54) # (ولقد آتينا موسى الهدى) أي النبوة أو التورية التي فيها هدى من الضلالة ~~(وأورثنا) أي أعطينا بعد موسى (بني إسرائيل الكتاب) [53] أي التورية على ~~لسان الرسل (هدى) أي إرشادا (وذكرى) أي تذكرة (لأولي الألباب) [54] أي ~~العقلاء دون الأغمار الذين لا عقل لهم. ### || [سورة غافر (40): آية 55] # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) # (فاصبر) يا محمد على أذى المشركين (إن وعد الله حق) بنصر أوليائه وقهر ~~أعدائه (واستغفر لذنبك) أي لذنب أمتك أو لذنبك ليستن بك (وسبح) أي صل (بحمد ~~ربك) أي ملتبسا بشكر منعمك (بالعشي PageV04P056 # والإبكار) [55] أي دائما، قيل: هي «الصلوات الخمس» «1»، وقيل: «صلوة ~~العصر وصلوة الفجر» «2» أو قل سبحان الله والحمد لله في أول النهار وآخره. ### || [سورة غافر (40): آية 56] # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ~~هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) # (إن الذين يجادلون) أي يخاصمون (في آيات الله) أي في القرآن، وقيل: في ~~الدجال، لأنه آية من آيات الله حين قال اليهود والنصارى يبعث الدجال صاحبنا ~~في آخر الزمان بسلطان، أي بحجة وهي أنه يخوض البحر «3»، فيخرج فيسير مع ~~الأنهار وكان ذلك كرامة له ويرد علينا الملك وهو جدال (بغير سلطان) أي بغير ~~برهان (أتاهم) من الله (إن في صدورهم) أي ما في قلوبهم (إلا كبر) أي غلبة ~~بالطمع أن يقطع غلبتهم على محمد ودينه (ما هم ببالغيه) أي بواصلي ذلك الكبر ~~الذي في قلوبهم بأن الدجال ينصرهم «4» (فاستعذ) يا محمد إن خفت من كبرهم ~~الذي حملهم على عداوتك أو فاستعذ (بالله) «5» من فتنة الدجال فانه فتنة ~~عظيمة (إنه) أي ms1521 إن الله (هو السميع) لقولهم في إنكار البعث (البصير) [56] ~~أي العالم بما يضمرون في شأن الدجال يرد فتنتهم وفتنة الدجال عنك. ### || [سورة غافر (40): آية 57] # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) # قوله (لخلق السماوات والأرض) رد لإنكارهم البعث بسبب مجادلتهم في آيات ~~الله «6»، أي إن خلقهما ابتداء (أكبر) أي أعظم (من خلق الناس) بعد موتهم ~~وهو الإعادة (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [57] ذلك وهم الكفار، لأنهم لا ~~يتأملون في صنعنا لغلبة الغفلة عليهم ولذلك لا يصدقون به. ### || [سورة غافر (40): آية 58] # وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ~~ما تتذكرون (58) # (وما يستوي الأعمى) أي الكافر (والبصير) أي المؤمن (والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات) أي ولا المحسن (ولا المسيء قليلا ما تتذكرون) [58] أي تتعظون. ### || [سورة غافر (40): آية 59] # إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59) # (إن الساعة لآتية لا ريب فيها) أي في قيامها عند المؤمنين (ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون) [59] أي لا يصدقون باتيانها. ### || [سورة غافر (40): آية 60] # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين (60) # (وقال ربكم) لأهل الإسلام (ادعوني أستجب لكم) أي وحدوني واعبدوني أثبكم ~~أو سلوني أعطكم إذا لم يكن سوء لكم في معصية وإن لم يعجل ثوابه هنا أخر إلى ~~الآخرة أو ندفع عن السائل مثله من الشر لمصلحة نعلمها نحن ولا يعلمها هو ~~(إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [60] أي صاغرين بفتح ~~الياء وضم الخاء وبالعكس «7». ### || [سورة غافر (40): آية 61] # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) # (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) أي خلقه لكم فتقروا فيه وتستريحوا ~~(و) جعل لكم (النهار مبصرا) أي مضيئا لطلب الرزق فيه، قرن «الليل» بالمفعول ~~له و«النهار» بالحال فلم يراع التقابل بينهما لفظا لأنه اكتفي PageV04P057 # بالتقابل المعنوي، لأن الحال في معنى لتبصروا فيه (إن الله لذو فضل) أي ~~فضل ms1522 (على الناس) بتأخير العذاب عنهم أو بخلق الليل والنهار لمصالحهم (ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون) [61] لربهم في فضله وإنعامه فيوحدونه ويطيعونه، وفي ~~تكريره «1» زيادة توبيخ لهم على عدم شكرهم. ### || [سورة غافر (40): آية 62] # ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) # (ذلكم الله) أي الذي خلق هذا من غير شرك هو الله (ربكم خالق كل شيء) ~~وخالقكم (لا إله إلا هو) أي واحد في الخلق لا شريك له (فأنى تؤفكون) [62] ~~أي كيف تصرفون عن التوحيد والعبادة مع قيام البرهان عليهما إلى التشريك ~~والاستكبار عن العبادة. ### || [سورة غافر (40): آية 63] # كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) # (كذلك) أي مثل انصرافهم عن الحق وتكذيبهم به (يؤفك) أي يصرف (الذين ~~كانوا) قبل كفار مكة من المشركين (بآيات الله يجحدون) [63] أي ينكرون بآيات ~~الله التي أتتهم رسلنا بها. ### || [سورة غافر (40): آية 64] # الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم ~~من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) # قوله (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا) أي موضع قرار، فيه زيادة بيان في ~~دعوتهم إلى الإيمان وترك الشرك (و) جعل (السماء بناء) أي سقفا مرفوعا فوقكم ~~(وصوركم فأحسن صوركم) أي أشكالكم، يعني خلق ابن آدم قائما معتدلا يأكل ~~ويشرب بيده لا كالبهائم (ورزقكم من الطيبات) أي من الحلالات أو المستلذات ~~لا كرزق الدواب (ذلكم الله) أي هذا الذي خلق هذه الأشياء هو الله (ربكم ~~فتبارك الله) أي تعاظم عن الشريك والولد أو تزايد خيره وبركته (رب ~~العالمين) [64] أي خالقهم ورازقهم. ### || [سورة غافر (40): آية 65] # هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) # (هو الحي) أي هو الحي الذي لا يموت ويميت الخلائق ثم يحييها (لا إله إلا ~~هو) أي لا شريك له في الخلق والعبادة (فادعوه) أي اعبدوه (مخلصين له الدين) ~~أي الطاعة (الحمد لله رب العالمين) [65] أي من قال لا إله إلا الله فليقل ~~الحمد لله الذي هو مالك العالمين وصانعهم. ### || [سورة ms1523 غافر (40): آية 66] # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) # قوله (قل إني نهيت) نزل حين طلب الكفار من النبي عليه السلام عبادة ~~الأوثان «2»، فقال الله تعالى قل يا محمد إني نهيت، أي نهاني ربي (أن أعبد ~~الذين تدعون) أي تعبدون (من دون الله) وهم الأصنام (لما جاءني البينات من ~~ربي) أي دلائل التوحيد الواضحات من القرآن والمعجزات سوى الأدلة العقلية ~~التي كانت في تقوية لها وتأكيدا (وأمرت) أي أمرني ربي (أن أسلم لرب ~~العالمين) [66] أي بأن أستقيم على التوحيد أو المراد غيره لأنه كان مسلما ~~له تعالى. ### || [سورة غافر (40): آية 67] # هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم ~~تعقلون (67) # (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا) أي أطفالا ~~(ثم لتبلغوا أشدكم) أي يبقيكم لتصلوا كمال قوتكم، فاللام يتعلق بمحذوف وهو ~~يبقيكم، وعطف عليه قوله (ثم لتكونوا شيوخا) أي PageV04P058 # لتعيشوا إلى أن تصيروا شيوخا (ومنكم من يتوفى من قبل) أي من «1» قبل ~~الأشد والشيوخة (و) يبقيكم (لتبلغوا أجلا مسمى) أي وقتا معلوما لكم وهو وقت ~~انقضاء الأجل (ولعلكم تعقلون) [67] أي ويفعل ذلك كله بكم من أطوار الخلق ~~إلى الموت لكي تعقلوا دلائل التوحيد فتؤمنوا. ### || [سورة غافر (40): الآيات 68 الى 69] # هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ألم تر ~~إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69) # (هو الذي يحيي) في الأرحام (ويميت) لانقضاء الأجل (فإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون) [68] بلا توقف، أي إذا أراد إيجاد شيء ما وجد عقيب ~~إرادته تعالى بلا إباء لا أن ثمه خطابا بالشيء سيوجد حقيقة (ألم تر إلى ~~الذين يجادلون في آيات الله) أي في القرآن أنه ليس منه (أنى يصرفون) [69] ~~أي كيف يعدلون عن الحق. ### || [سورة ms1524 غافر (40): آية 70] # الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70) # ثم وصفهم بقوله (الذين كذبوا) وهو عطف بيان ل «الذين يجادلون» أو بدل منه ~~(بالكتاب) أي جحدوا بالقرآن (وبما أرسلنا به رسلنا) وهو التوحيد (فسوف ~~يعلمون) [70] ما «2» ينزل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة وهو «3» تهديد ~~للمكذبين. ### || [سورة غافر (40): الآيات 71 الى 72] # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار ~~يسجرون (72) # قوله (إذ الأغلال) ظرف ل «يعلمون» بمعنى إذا للاستقبال وإنما عبر به لصدق ~~وعده تعالى فكأنه وجد لتيقنه وهو بيان لما ينزل بهم، أي يعلمون وقت يجعل ~~أيمانهم (في أعناقهم والسلاسل) في أرجلهم (يسحبون) [71] أي يجرون (في) ~~الماء (الحميم) وهو ماء قد انتهى حره (ثم في النار يسجرون) [72] أي يوقدون ~~في نار جهنم فصاروا وقود النار. ### || [سورة غافر (40): الآيات 73 الى 74] # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) # (ثم قيل لهم) أي يقول لهم الخزنة بعد الإحراق تبكيتا (أين ما) أي أين ~~الذي (كنتم تشركون [73] من دون الله) وهو الأوثان (قالوا ضلوا) أي غابوا ~~(عنا) فلم نرهم وذلك لشدة ما بهم من العذاب لم يعرفوهم والحال أنهم يقرنون ~~مع آلهتهم ثم يندمون على إقرارهم وينكرون ويقولون (بل لم نكن ندعوا من قبل ~~شيئا) أي في الدنيا فلم يبق لهم حجة ثم (كذلك) أي مثل ضلال آلهتهم عنهم ~~(يضل الله الكافرين) [74] عن آلهتهم أو عن الحجة. ### || [سورة غافر (40): آية 75] # ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) # ثم قيل لهم (ذلكم) أي العذاب الذي أنتم فيه (بما كنتم تفرحون) أي بسبب ~~فرحكم بالشرك (في الأرض) أي في أرض الدنيا وتتكبرون فيها (بغير الحق وبما ~~كنتم تمرحون) [75] أي بسبب عصيانكم الحق واستهزائكم بالمؤمنين تفاخرا ~~بدينكم الباطل. ### || [سورة غافر (40): آية 76] # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) # ثم قيل لهم (ادخلوا أبواب جهنم) أي في دركاتها (خالدين) ms1525 أي مقدرين الخلود ~~(فيها فبئس مثوى) أي مقام (المتكبرين) [76] عن الإيمان بالحق، والقياس أن ~~يقال مدخل المتكبرين لكن الدخول المقدر بالخلود في معنى الثواء فاستقام ~~قياس التكلم حينئذ «4» فيكون ذكر «مثوى» على القياس. PageV04P059 ### || [سورة غافر (40): آية 77] # فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا ~~يرجعون (77) # (فاصبر) يا محمد على أذى الكفار (إن وعد الله حق) أي كائن لا محالة (فإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم) شرط جوابه محذوف، أي نرك بعض الموعود لهم من العذاب ~~في حيوتك كما في بدر فذاك (أو نتوفينك) أي إن نمتك قبل بدر ولم نعذبهم ~~(فإلينا يرجعون) [77] فنعذبهم أشد العذاب في الآخرة. ### || [سورة غافر (40): آية 78] # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما ~~كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر ~~هنالك المبطلون (78) # قوله (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) حث للنبي عليه السلام على الصبر على أذى ~~قومه كما صبر الرسل على أذى قومهم (منهم من قصصنا عليك) أي ذكرنا لك خبرهم ~~وأنت عرفتهم بأسمائهم وأحوالهم (ومنهم من لم نقصص عليك) أي لم نخبرك بهم ~~ولم نسمهم وكلهم صبروا على أذى قومهم فاصبر أنت على أذى قومك كما صبروا، ~~روي: «أن الله أرسل نبيا أسود وهو ممن لم يقصصه الله» «1»، وإنه تعالى «2» ~~بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر ~~الناس، قوله (وما كان لرسول) نزل حين اقترحوا الآيات على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنادا «3»، أي لم يكن لرسول من القدرة (أن يأتي بآية) يقترح ~~عليه (إلا بإذن الله) أي بأمره لأنهم عبيد مربوبون، قوله (فإذا جاء أمر ~~الله) وعيد لهم عقيب الاقتراح بالآيات، أي إذا جاء عذابه على الكفار بعد ~~قيام المعجز أو يوم القيامة (قضي) بين الرسول ومكذبيه (بالحق) أي عذبوا ~~بالعدل ولم يظلموا (وخسر هنالك المبطلون) [78] أي المجادلون بالباطل. ### || [سورة غافر (40): آية 79] # الله الذي جعل لكم الأنعام ms1526 لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) # (الله الذي جعل لكم الأنعام) أي خلق الإبل والبقر والغنم (لتركبوا منها ~~ومنها تأكلون) [79] إذا ذبحت باسم الله. ### || [سورة غافر (40): آية 80] # ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) # (ولكم فيها) أي في الأنعام (منافع) من شعورها وجلودها وألبانها وظهورها ~~(ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) أي في قلوبكم من بلد إلى بلد، وأورد بلام ~~الغرض في الركوب والبلوغ دون غيرهما لتعلق إرادة الحكم بهما من الأغراض ~~الدينية غالبا بخلاف الأكل وإصابة المنافع، فانه من جنس المباح الذي لا ~~يتعلق به إرادته (وعليها) في البر (وعلى الفلك) في البحر (تحملون) [80] في ~~السفر وإنما قال «على» دون في ليطابق قوله «عليها» ويزاوجه. ### || [سورة غافر (40): الآيات 81 الى 82] # ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) # (ويريكم آياته) أي علاماته العجيبة ودلائله الواضحة أنها من الله (فأي ~~آيات الله تنكرون) [81] بأنها ليست منه (أفلم يسيروا) أي ألم يسافروا (في ~~الأرض فينظروا) بنظر الاعتبار (كيف كان عاقبة الذين) كانوا (من قبلهم) ~~بتكذيب رسلهم (كانوا أكثر منهم) أي من قومك في العدد (وأشد قوة) من قومك ~~(وآثارا في الأرض) أي أملاكا وقصورا وأعمارا طويلة (فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون) [82] وهو نتيجة قوله «كانوا أكثر منهم»، ف «ما» الأولى نافية ~~والثانية موصولة، أي فلم ينفعهم الذي عملوا في الدنيا من الآثار الكثيرة ~~حين نزل بهم العذاب. PageV04P060 ### || [سورة غافر (40): آية 83] # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزؤن (83) # (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات) من الأمر والنهي وخبر الوعد والوعيد وهو ~~كالبيان لقوله «فما أغنى» (فرحوا) أي الكفار رضوا (بما عندهم من العلم) ~~بأنهم لا يعذبون ولا يحاسبون ولا يبعثون يوم القيامة ولم يلتفتوا إلى العلم ~~الحاصل من البينات التي جاءتهم رسلهم بها (وحاق) أي نزل (بهم ما) أي الذي ms1527 ~~(كانوا به يستهزؤن) [83] ويقولون إنه غير نازل بهم. ### || [سورة غافر (40): آية 84] # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) # (فلما رأوا بأسنا) أي عذابنا في الدنيا بعد مجيء الرسل وإنكارهم البينات ~~(قالوا) بألسنتهم (آمنا بالله وحده وكفرنا) أي تبرأنا (بما كنا به مشركين) ~~[84] من الأصنام فقال تعالى مخبرا عن قولهم «آمنا». ### || [سورة غافر (40): آية 85] # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده ~~وخسر هنالك الكافرون (85) # (فلم يك ينفعهم إيمانهم) أي تصديقهم باللسان، أي فلم يصح أن ينفعهم وهو ~~أبلغ من فلم ينفعهم (لما رأوا بأسنا) أي عذابنا، قوله (سنت الله) نصب على ~~المصدر المؤكد، أي سننا لهم «1» سنة الله (التي قد خلت) أي مضت (في عباده) ~~إن الإيمان لا ينفع الكفار وقت نزول العذاب (وخسر هنالك) أي عند العقوبة ~~(الكافرون) [85] أي الجاحدون بآيات الله تعالى، والمراد من «خسر هنالك» أن ~~الخسران تبين ثمه للجميع، إذ الكافر خاسر في كل حين لا عند العذاب فقط. PageV04P061 ### | سورة سجدة المؤمن (فصلت) # مكية # قيل: نزل أولها إلى قوله «فإن أعرضوا» «1» الآية حين قالوا يا محمد فرقت ~~قومك بأمر عظيم جئت به وعبت آلهتهم فان ترد به مالا كثيرا نعطه لك وإن ترد ~~شرفا شرفناك علينا وإن تر جنيا نداوك منه «2» فقال: # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة فصلت (41): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # (حم) [1] أي ب «حم» يا محمد (تنزيل) أي قرآن منزل (من الرحمن الرحيم [2] ~~كتاب فصلت) أي بينت (آياته) أي أحكامه من الحلال والحرام والمواعظ والقصص، ~~ف «تنزيل» مبتدأ موصف بما بعده، خبره «كتاب»، قوله (قرآنا عربيا) نصب على ~~الحال، أي فصلت آياته في حال كونه مقروؤا عربيا، أي بلسان العرب (لقوم ~~يعلمون) [3] متعلق لقول «فصلت»، أي يدركون ما فيه بلسانهم وهم العرب، لأنه ~~نزل بلغتهم فيفهمونه ولو كان غير عربي لم ms1528 يفهموه (بشيرا ونذيرا) أي قرآنا ~~بشيرا للمؤمنين بالجنة ونذيرا للكافرين بالنار (فأعرض أكثرهم) أي أكثر أهل ~~مكة (فهم لا يسمعون) [4] أي لا يقبلون. ### || [سورة فصلت (41): آية 5] # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) # (وقالوا قلوبنا في أكنة) وهو أبلغ من قوله على قلوبنا أكنة لكون القلوب ~~مظروفة، أي في أغطية لا نفقه (مما تدعونا إليه) من التوحيد (وفي آذاننا ~~وقر) أي ثقل لا نسمع (ومن بيننا وبينك حجاب) «من» فيه للابتداء يفيد ~~الإحاطة بالحجاب، أي ستر حاجز قوي يمنع الفهم وهو الخلاف في الدين (فاعمل) ~~يا محمد في إبطال أمرنا (إننا عاملون) [5] في إبطال أمرك لا نؤمن ولا نتبع دينك. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 6 الى 7] # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7) # (قل) أي قال الله تعالى للنبي عليه السلام قل لهم (إنما أنا بشر مثلكم) ~~في بالبشرية وأنا «3» فضلت عليكم من بينكم بأن (يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد) وصح ذلك بالبراهين فصح أني نبي إذ الوحي بالرسالة مختص بالأنبياء ~~فوجب عليكم اتباعي (فاستقيموا إليه) أي إلى الله بالإيمان والتوحيد ولا ~~تعدلوا عنه إلى عبادة غيره بالتعلل الكذب (واستغفروه) من الشرك (وويل ~~للمشركين [6] الذين لا يؤتون الزكاة) بأمره تعالى، بل هم «4» ينكرون بها ~~ووجه تخصيص منع الزكوة بكفرهم أن المال أحب شيء لهم فاذا بذله أحد في سبيل ~~الله بأمره فهو PageV04P062 # دليل قوي على صدق طوعه ونيته أو لا يؤتون الزكوة تطهييرا «1» لنفوسهم من ~~الشرك بقول «2» «لا إله إلا الله» (وهم بالآخرة هم كافرون) [7] أي بالبعث ~~جاحدون. ### || [سورة فصلت (41): آية 8] # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8) # (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) [8] أي غير مقطوع ~~ولا منقوص في حال ضعفهم ومرضهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 9] # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك ms1529 رب ~~العالمين (9) # (قل أإنكم لتكفرون) هذا الاستفهام لزجر الكافرين عن كفرهم بالله، أي ~~أإنكم لتجحدون (بالذي) أي بالله الذي (خلق الأرض في يومين) الأحد والاثنين ~~ففي يوم الأحد بدأ خلقها وفي يوم الاثنين بسطها (وتجعلون له أندادا) أي ~~تصفون لله شركاء في العبادة (ذلك) أي خالق الأرض في يومين (رب العالمين) ~~[9] أي مالك جميع الخلائق، قيل: لو أراد الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل ~~لكنه أراد أن يبصر الخلق وجه الإناءة والقدرة على خلقها في لحطة واحدة وفي ~~أيام بكثرة سواء له تعالى «3». ### || [سورة فصلت (41): آية 10] # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ~~سواء للسائلين (10) # قوله (وجعل فيها) استئناف، إذ لا يجوز عطفه على صلة الذي للفصل بينهما ~~بقوله «وتجعلون» الآية، أي هو جعل في الأرض (رواسي) أي جبالا ثوابت فيها ~~كالأوتاد (من فوقها) لا من تحتها كالأساطين أو المسامير المركوزة فيها، بل ~~جعلها فوق الأرض ليكون المنافع حاضرة في الجبال لطالبيها (وبارك فيها) ~~بكثرة «4» المياه والأشجار والنبات (وقدر) أي قسم (فيها) أي في الأرض ~~(أقواتها) أي أرزاقها جمع القوت، يعني أقوات الأناسي والبهائم وغيرها، قوله ~~(في أربعة أيام سواء) فذلكة لحساب ما تقدم، ومحله رفع خبر مبتدأ محذوف، أي ~~كل ذلك، يعني خلق الأرض وما فيها مما ذكر في أربعة أيام كاملة مستوية بلا ~~زيادة ولا نقصان، ونصب «سواء» على المصدر، أي استوت سواء، يعني استواء، ~~قوله (للسائلين) [10] يتعلق بمحذوف، أي انحصرت المدة فيها لأجل السائلين عن ~~خلقها بما فيها ولم يقل هنا في يومين كما قال في خلق الأرض «في يومين» ~~لفائدة ليست في يومين، وهي الدلالة على كون الأيام الأربعة كاملة، ولو قال ~~في يومين لجاز أن يراد أكثرهما في الأولين والآخرين، إذ قد يطلق اليومان ~~على أكثرهما. ### || [سورة فصلت (41): آية 11] # ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين (11) # (ثم استوى إلى السماء) أي صعد أمره إلى خلقها وهو قوله «كن» (وهي ms1530 دخان) ~~أي السماء كانت بخارا كهيئة الدخان فخلقها منه، روي: أن العرش كان على ~~الماء قبل خلق السماء والأرض، فألقى الله الحرارة على الماء فارتفع من ~~الماء البخار وألقى الريح على الماء فزبد الماء فخلق الأرض من الزبد ~~والسماء من البخار «5» (فقال لها) أي السماء (وللأرض ائتيا) أي جئنا إلى ما ~~أريد منكما من كون السماء مقرا لأهلها سقفا لأهل الأرض وكون الأرض قرارا ~~ومهادا لهم (طوعا أو كرها) أي اختيارا أو اضطرابا، وهما مصدران في موضع ~~الحال طائعتين أو كارهتين، وهو مثل للزوم تأثير قدرته فيهما واستحالة ~~امتناعهما من ذلك التأثير أو هو حقيقة في علمه وقدرته، روي: «أنه قال تعالى ~~للسماء أخرجي شمسك وقمرك ونجومك، وللأرض أخرجي نباتك وثمارك، فان فعلتما ~~ذلك طوعا وإلا ألجأتكما إلى أن تفعلا ذلك كرها» «6» (قالتا) أي السماء ~~والأرض (أتينا) بما فينا (طائعين) [11] غير PageV04P063 # كارهين وإنما جمعا «1» جمع العقلاء، لأنه لما جعلهما في محل الخطاب ~~والإجابة جمعهما جمع العقلاء الذكور فقال طائعين ولم يقل طائعتين على اللفظ ~~أو طائعات على المعنى، لأنهما سموات وأرضون. ### || [سورة فصلت (41): آية 12] # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12) # (فقضاهن) أي تمم خلق السماء بمعنى السموات (سبع سماوات) نصب على الحال أو ~~بدل من «هن»، أي قضى سبع سموات (في يومين) الخميس والجمعة، وفرغ منها في ~~آخر ساعة منه وخلقه تعالى السماء في أقل من يومين تبرز فائدة قوله في أربعة ~~أيام سواء (وأوحى) أي أمر بالوحي (في كل سماء) أي أهلها (أمرها) أي بالذي ~~أمرهم به من الأوامر كما أراد منهم أن تطيعوه أو ما دبره من الأمور مثل خلق ~~الملائكة والنيرات (وزينا السماء الدنيا بمصابيح) أي بالنجوم (وحفظا) أي ~~وحفطناها حفظا عن استراق السمع بالشهب التي تصدر عن النجوم (ذلك) أي الذي ~~ذكره من صنعه (تقدير العزيز) في ملكه (العليم) [12] بخلقه. ### || [سورة فصلت (41): آية 13] # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) # (فإن ms1531 أعرضوا) أي أعرض كفار مكة عن الإيمان بما جئتم به (فقل أنذرتكم) أي ~~خوفتكم (صاعقة) أي عذابا (مثل صاعقة عاد وثمود) [13] يعني أنه يصيبكم مثل ~~ما أصابهم كما شاهدتم في سفركم إلى الشام من آثارهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 14] # إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو ~~شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) # قوله (إذ جاءتهم) ظرف لمضاف «صاعقة» بتقدير الحذف، أي أنذرتكم وقوع صاعقة ~~إذ جاءتهم (الرسل من بين أيديهم) أي من قبل عاد وثمود كهود وصالح جاءا ~~داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل (ومن خلفهم) أي من بعد عاد وثمود ~~مكان الرسل قد جاؤوهم ودعوهم إلى الإيمان أو جاؤوهم من كل جانب للإنذار ~~حرصا على إيمانهم أو خوفوهم بعذابي الدنيا والآخرة بقولهم «2» (ألا تعبدوا ~~إلا الله) أي أن لا تطيعوا غيره في التوحيد، ف «أن» هي المفسرة أو مخففة، ~~أصله بأنه لا تعبدوا غيره فأجابهم قوم عاد وثمود (قالوا) استهزاء برسلهم ~~(لو شاء ربنا) هدايتنا (لأنزل ملائكة) فآمنا بهم لا آدميا (فإنا بما أرسلتم ~~به كافرون) [14] لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فالخطاب يكون بجميع ~~الرسل تغليبا للحاضرين على الغائبين. ### || [سورة فصلت (41): آية 15] # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) # (فأما عاد) الفاء هي الفاء الفصيحة، لأن الله يريد أن يبين هلاك قوم عاد ~~وثمود فقال أما عاد، أي قومه (فاستكبروا) أي تعظموا عن الإيمان (في الأرض) ~~بالاستيلاء على أهلها (بغير الحق) أي ظلما بقوتهم وعظم أجسادهم (وقالوا من ~~أشد منا قوة) أي نحن ندفع العذاب عنا لو نزل بنا حين خوفوا به فقال تعالى ~~(أولم يروا) أي ألم يعلموا (أن الله الذي خلقهم) وقواهم وأرسل عليهم العذاب ~~(هو أشد منهم قوة) وهي الصلابة في البنية، وتستعمل القدرة في الله ونقيضها ~~الضعف في العبد فكيف يكذبون (وكانوا بآياتنا) أي ببراهيننا التي ms1532 آتاهم بها ~~هود (يجحدون) [15] أنها من الله. ### || [سورة فصلت (41): آية 16] # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) # (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا) أي باردة محرقة ببردها كالنار بحرها (في أيام ~~نحسات) أي مشؤمات PageV04P064 # بكسر الحاء جمع نحس اسم فاعل، وقرئ بسكونها «1» مصدر نحس أو تخفيف نحس، ~~قوله (لنذيقهم) يتعلق ب «أرسلنا»، أي لنعذبهم (عذاب الخزي) أي الذل (في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة) أي عذابهم فيها (أخزى) أي أشد من عذابهم في ~~الدنيا (وهم لا ينصرون) [16] أي لا يمنعون من عذاب الله لا في الدنيا ولا ~~في الآخرة. ### || [سورة فصلت (41): آية 17] # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون (17) # (وأما ثمود) أي قومه (فهديناهم) أي بيناهم طريقي الهدى والضلال (فاستحبوا ~~العمى) أي اختاروا الضلال «2» وهو الكفر (على الهدى) وهو الإيمان (فأخذتهم ~~صاعقة العذاب الهون) أي المهين المذل (بما كانوا يكسبون) [17] من الكفر ~~والمعاصي. ### || [سورة فصلت (41): آية 18] # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (18) # (ونجينا الذين آمنوا) بصالح النبي عليه السلام (وكانوا يتقون) [18] من ~~عذابنا أو من عقر الناقة أو من الشرك. ### || [سورة فصلت (41): آية 19] # ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) # قوله (ويوم يحشر) بيان لأحوال الكفار يوم القيامة، أي اذكر يوم يجمع ~~(أعداء الله) وهم المشركون والمنافقون (إلى النار فهم يوزعون) [19] أي ~~يجمعون بحبس أولهم ليلحق بهم آخرهم، من وزع الشيء إذا كفه «3». ### || [سورة فصلت (41): آية 20] # حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) # (حتى إذا ما جاؤها) «ما» زائدة، أي إذا جاؤا النار (شهد عليهم سمعهم) أي ~~آذاهم بما سمعت (وأبصارهم) بما نظرت (وجلودهم) أي جوارحهم (بما كانوا ~~يعملون) [20] أي بجميع ما عملوا في الدنيا، وذلك حين قال لهم الخزنة إذا ~~عاينوا النار أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء الله؟ فقالوا عند ~~ذلك والله ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتستنطق «4» جوارحهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 21] # وقالوا لجلودهم لم ms1533 شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) # (وقالوا) أي الكفار (لجلودهم) أي لجوارحهم توبيخا (لم شهدتم علينا) فعنكن ~~نناضل، يعني ندافع (قالوا) أي الجلود معتذرين «5» (أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء) ذي نطق (وهو خلقكم أول مرة) أي في الدنيا (وإليه ترجعون) [21] أي ~~رجعتم في الآخرة فليس إنطاقنا بعجب من قدرة الله الذي قدر على خلقكم أول ~~مرة وعلى إعادتكم ورجعكم إلى جزائه وعلى إنطاق كل شيء من الحيوان كما أراد به. ### || [سورة فصلت (41): آية 22] # وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم ~~أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) # (وما كنتم تستترون) أي ولم تكونوا تمتنعون بالحجب عند ارتكاب الفواحش في ~~الدنيا (أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) أي مخافة شهادة ~~جوارحكم عليكم في الآخرة، لأنكم ما أبقيتم بالبعث (ولكن ظننتم) عند ~~استتاركم بالحجب والحيطان (أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون) [22] من ~~الخفيات من قبائح PageV04P065 # أعمالكم. ### || [سورة فصلت (41): آية 23] # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) # (وذلكم) أي ذلك الظن (ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) أي أهلككم، لأنه سوء ~~الظن لا حسنه، قال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله تعالى: «أنا عند ظن ~~عبدي بي فليظن بي ما شاء» «1»، قيل: «إن المؤمن أحسن الظن بالله فأحسن ~~العمل وإن المنافق أساء الظن فأساء العلم» «2» (فأصبحتم) أي صرتم (من ~~الخاسرين) [23] أي المغبونين. ### || [سورة فصلت (41): آية 24] # فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # قوله (فإن يصبروا) جواب لقول بعضهم «3» بعضا عند دعوة الرسول إياهم إلى ~~التوحيد اصبروا على آلهتكم، يعني إن يصبروا على ذلك (فالنار مثوى) أي مأوى ~~(لهم وإن يستعتبوا) أي إن يطلبوا العتبى، يعني الرجوع عن الإساءة وطلب ~~الرضا يوم القيامة أو «4» الرجوع إلى «5» الدنيا لإصلاح العمل (فما هم من ~~المعتبين) [24] أي المجابين إلى الرجوع. ### || [سورة فصلت (41): آية 25] # وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ms1534 خلفهم وحق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) # (وقيضنا لهم) أي لما صمموا على الكفر في الدنيا خذلناهم وسلطنا عليهم ~~(قرناء) أي الشياطين وألزمناهم (فزينوا لهم ما بين أيديهم) أي رغبوهم إلى ~~الدنيا واتباع الشيطان (و) زينوا (ما خلفهم) من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ~~ولا حساب كما كان آباؤهم عليه (وحق) أي وجب (عليهم القول) بالعذاب وهو ~~«لأملأن جهنم» «6»، قوله (في أمم) حال، أي وجب العذاب عليهم كائنين في جملة ~~أمم (قد خلت) أي مضت بالهلاك (من قبلهم) أي من «7» قبل مشركي مكة (من الجن ~~والإنس إنهم) أي جميعهم (كانوا خاسرين) [25] بالعقوبة الأبدية. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 26 الى 27] # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) ~~فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) # قوله (وقال الذين كفروا) نزل في أبي جهل وأصحابه «8»، أي قال الكافرون ~~(لا تسمعوا لهذا القرآن) أي لا تنصتوا إلى قراءته إذا تلا محمد عليه السلام ~~«9» وأصحابه القرآن (والغوا فيه) أي عارضوا «10» باللغو وهو كلام لا يفهم، ~~يعني أكثروا الصياح بالهذيان وارفعوا الأصوات بالأشعار (لعلكم تغلبون) [26] ~~محمدا على قراءته فيسكت، فقال تعالى (فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا) هو ~~القتل ببدر وعذاب النار في الآخرة (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون) [27] ~~أي أقبح جزاء أعمالهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 28] # ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون (28) # (ذلك) أي العذاب الشديد (جزاء أعداء الله) قوله (النار) عطف بيان لل ~~«جزاء» (لهم فيها) أي في النار (دار الخلد) أي الإقامة، ومعنى ظرفية النار ~~ل «دار الخلد» وهي دار الخلد أنها في نفسها دار الخلد كقوله تعالى «لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة» «11»، أي في نفس رسول الله بمعنى أنه صلى الله عليه ~~وسلم هو أسوة حسنة لا غير (جزاء) أي يجزون جزاء (بما كانوا بآياتنا يجحدون) ~~[28] أي بالقرآن ينكرون فيغلبون فيه. PageV04P066 ### || [سورة فصلت (41): آية 29] # وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين ms1535 أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين (29) # (وقال الذين كفروا) في النار (ربنا أرنا الذين) أي بصرنا الصنفين «1» ~~اللذين (أضلانا من الجن والإنس) أي إبليس وقابيل، لأنهما سنا الكفر ~~والمعاصي أو شيطان الجن وشيطان الإنس (نجعلهما تحت أقدامنا) في النار ~~(ليكونا من الأسفلين) [29] فيها جزاء لإضلالهما إيانا. ### || [سورة فصلت (41): آية 30] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) # (إن الذين قالوا) من المؤمنين (ربنا الله) أي عرفوه وأقروا بوحدانيته (ثم ~~استقاموا) على المعرفة والإقرار أو على طاعته بالإخلاص سرا وجهرا، فلم ~~يروغوا روغان الثعلب ولا يخافون ولا يرجون أحدا دونه، قال سفيان بن عبد ~~الله قلت يا رسول الله: أخبرني بأمر أعتصم به، قال عليه السلام: «قل ربي ~~الله ثم استقم» «2»، أي اخلص العلم (تتنزل عليهم الملائكة) عند الموت ~~بالبشرى أو عند الخروج من القبر (ألا تخافوا) أي بأنه لا تخافوا، والهاء ~~ضمير الشأن أو يقولون لا تخافوا أمامكم من العذاب الذي تقدمون عليه فانا ~~نؤمن منكم منه ونغفر ذنوبكم (ولا تحزنوا) على ما خلفتم من أمر الدنيا فنحن ~~نخلفكم فيه بالحفظ (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) [30] في الدنيا. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 31 الى 32] # نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ~~ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا من غفور رحيم (32) # (نحن أولياؤكم) أي أحباؤكم (في الحياة الدنيا) بايمانكم بربكم «3» (وفي ~~الآخرة) باعترافكم بالبعث، روي: أن ملكا ينزل من السماء فيقول للمؤمن ~~أتعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا الذي كتبت عملك وبشره بالجنة «4» (ولكم ~~فيها ما تشتهي أنفسكم) أي ما تتمنى قلوبكم في الجنة بحسن أعمالكم (ولكم ~~فيها ما تدعون) [31] أي ما «5» تطلبون (نزلا) أي رزقا مهيئا (من غفور) ~~للمذنبين (رحيم) [32] للمطيعين، ونصب «نزلا» حال من (ما تدعونه) وإن كان ~~مصدرا، أي معدا أو مفعول مطلق، أي أنزلنا إنزالا و«من غفور» نعته. ### || [سورة فصلت (41): آية 33] # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ms1536 وقال إنني من المسلمين (33) # (ومن) استفهام على سبيل التقرير والتحريض على دعوة الخلق إلى الإسلام، أي ~~ليس رجل (أحسن قولا ممن دعا إلى الله) قيل: نزل في المؤذنين «6» أو في كل ~~مؤمن أجاب دعوة الله ودعا إليه «7» (وعمل صالحا) بينه وبين الله بالعلم ~~(وقال إنني من المسلمين) [33] أي معتقدين الإسلام، لأنه لا يقبل طاعة بغير ~~دين الإسلام. ### || [سورة فصلت (41): آية 34] # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم (34) # قوله (ولا تستوي الحسنة) أي الإيمان (ولا السيئة) و«لا» زائدة، أي الشرك ~~أو لا تستوي الطاعة والمعصية، فيه ترغيب وترهيب، قوله (ادفع) فيه زيادة ~~ترغيب بما هو استئناف كلام، كان قائلا قال كيف أصنع؟ فقيل: # ادفع (بالتي) أي بالخصلة التي (هي أحسن) من غيرها السيئة، أي «8» بالصبر ~~الغضب وبالحلم الجهل وبالعفو PageV04P067 # الإساءة، قيل: وضع «أحسن» موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع، لأن من دفع ~~بالأحسن هان عليه بما هو دونه «1» (فإذا) هي للمفاجاة، والفاء في جواب شرط ~~محذوف و(الذي) مبتدأ، خبره «كأنه»، أي إذا صنعت ذلك فاذا الرجل الذي كان ~~(بينك وبينه عداوة) من جهله صار (كأنه ولي) أي صديق (حميم) [34] أي قريب، ~~المعنى: إذا فعلت ذلك الدفع صار العدو كالصديق القريب في محنته وخلوصه، ~~قيل: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوا موذيا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فصار وليا صادقا «2». ### || [سورة فصلت (41): آية 35] # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) # (وما يلقاها) أي ما يعطي التي هي أحسن، يعني هذه الخصلة الحسنى المقابلة ~~بالإساءة لا يعطاها «3» (إلا الذين صبروا) على أمر الله ونهيه (وما يلقاها ~~إلا ذو حظ) أي ذو ثواب (عظيم) [35] وهو الجنة، كرر وما يلقاها باستثنائه ~~لزيادة الترغيب. ### || [سورة فصلت (41): آية 36] # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) # (وإما ينزغنك) أي إن يصرفك (من الشيطان نزغ) أي نازغ بوسوسته عما وصيت به ~~من الدفع بالإحسان الأساءة (فاستعذ بالله) ms1537 من شره ولا تطعه فهو يعصمك (إنه) ~~أي الله (هو السميع) بالاستعاذة (العليم) [36] بوسوسة الشيطان فيدفعه عنك. ### || [سورة فصلت (41): آية 37] # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) # (ومن آياته) أي ومن علامات وحدانيته تعالى لمن يستدل عليها بصنعه تعالى ~~(الليل والنهار والشمس والقمر) فاعرفوه ربا لكم بذلك واعبدوه (لا تسجدوا ~~للشمس) أي لا تعبدوها (ولا) تسجدوا (للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن) وأطيعوه ~~(إن كنتم إياه تعبدون) [37] بعبادتهما فلا تعبدوا غيره ولا تسجدوا، والضمير ~~في «خلقهن» باعتبار الآيات أو بأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الإناث. ### || [سورة فصلت (41): آية 38] # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (38) # (فإن استكبروا) أي تكبروا عن امتثال أمره في ترك السجود لغيره (فالذين ~~عند ربك) أي الملائكة (يسبحون له) أي يصلون لله (بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون) [38] أي لا يملون عن التسبيح والعبادة والذكر، وهو محل السجدة عند ~~أبي حنيفة رحمه الله، لأنه تمام المعنى، وتعبدون عند الشافعي رحمه الله ~~لذكر لفظ السجدة قبلها. ### || [سورة فصلت (41): آية 39] # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن ~~الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير (39) # (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) أي يابسة لأنبت فيها فذلت بفقده وفقد ~~المطر (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت) أي تحركت بالنبات (وربت) أي علت ~~لإرادة أن تنبت (إن الذي أحياها) بعد موتها، أي بعد «4» يبسها (لمحي ~~الموتى) «5» للبعث في الآخرة (إنه على كل شيء قدير) [39] من الإبداء ~~والإعادة. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 40 الى 41] # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) # (إن الذين يلحدون في آياتنا) أي يميلون في أدلتنا عن الحق بالتكذيب (لا ~~يخفون) أي لا يستترون (علينا) PageV04P068 # ولا يهربون ms1538 منا، قوله (أفمن يلقى في النار) معذبا (خير أم من يأتي آمنا ~~يوم القيامة) نزل في أبي جهل وأصحابه ومحمد عليه السلام ومؤمنيه وعيدا ~~ووعدا «1»، ثم قال لكفار مكة توبيخا وتهديدا (اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير) [40] أي عالم أي عالم بعملكم من الخير والشر فيجازيكم به، ~~وأبدل من «إن الذين يلحدون» (إن الذين كفروا بالذكر) أي بالقرآن من قومك، ~~وخبر «إن» طعنوا به محذوفا، وقوله (لما جاءهم) ظرف له، أي طعنوا به حين ~~جاءهم (وإنه) أي والحال أن القرآن (لكتاب عزيز) [41] محمى بحماية الله ~~تعالى عن الاختلاف والتناقض والباطل. ### || [سورة فصلت (41): آية 42] # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) # (لا يأتيه الباطل) أي لا يصل إليه شيء يبطله أو يغيره (من بين يديه ولا ~~من خلفه) أي من كل وجه، وهو مثل في أن الباطل لا يجد إليه سبيلا من جهة من ~~الجهات حتى يتصل إليه، وأما من تأوله من المبطلين فقد قيض الله قوما من ~~العلماء عارضوه «2» بابطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، وهذا كقوله «إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» «3»، فلم تزده «4» معارضتهم إلا إعجازا، لأنه ~~(تنزيل) أي منزل (من حكيم) أي من عليم بأمره (حميد) [42] أي محمود في فعله ~~فلا طعن فيه أحد إلا محق وهلك. ### || [سورة فصلت (41): آية 43] # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) # (ما يقال) أي ما يقول (لك) كفار قومك يا محمد من التكذيب بما جئتهم به ~~والطعن (إلا) مثل (ما قد قيل للرسل من قبلك) من التكذيب والطعن (إن ربك لذو ~~مغفرة) لمن تاب عن ذلك (وذو عقاب أليم) [43] لمن لم يتب عنه. ### || [سورة فصلت (41): آية 44] # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياتهءأعجمي وعربي قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد (44) # قوله (ولو جعلناه) نزل حين قالوا حسدا هلا نزل ms1539 القرآن بلغة العجم «5»، ~~فقال تعالى لو جعلناه، أي القرآن (قرآنا أعجميا) بلسان العبرانية مثلا ~~(لقالوا لو لا فصلت آياته) أي بينت ولخصت بلسان نفهمه، أي بالعربية ~~(ءأعجمي) أي القرآن (وعربي) أي والرسول أو المرسل إليه عربي وهو جماعة ~~العرب فكان تكذيبهم أشد، قرئ بهمزتين، إحديهما استفهام، أي لا يستفهموا ~~منكرين وبهمزة واحدة «6» إخبارا بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه ~~عربي، فبأي طريقة جاءتهم الآيات أنكروا وطعنوا، لأنهم تابعون أهواءهم لا ~~الحق، وقيل: ال «أعجمي» بسكون العين من لا يفصح، أي لا يفهم كلامه وإن كان ~~عربيا وليس بنسبة «7»، والياء لتأكيد معنى الصفة كأحمري في أحمر (قل) يا ~~محمد (هو) أي القرآن (للذين آمنوا هدى) من الضلالة (وشفاء) لما في الصدور، ~~أي القلوب من الشكوك والجهل، قوله «8» (والذين لا يؤمنون) عطف على قوله ~~«للذين آمنوا»، أي هو للذين لا يصدقون به (في آذانهم وقر) أي ثقل منه لا ~~يسمعونه ولا يقبلونه، ويجوز أن يكون في محل الرفع مبتدأ، وخبره «في آذانهم ~~وقر» بتقدير منه (وهو) أي القرآن (عليهم) أي على الذين لا يؤمنون به (عمى) PageV04P069 # أيضا، يعني ذو عمى وهو عمى القلب، أي عميت قلوبهم عنه لا يبصرونه ولا ~~يفهمونه (أولئك ينادون من مكان بعيد) [44] في الآخرة إلى النار بأقبح ~~أسمائهم يا كافر يا فاجر يا منافق هلموا إلى النار ذليلين. ### || [سورة فصلت (41): آية 45] # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) # (ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التورية (فاختلف فيه) أي قال بعضهم صدق ~~وبعضهم كذب كما اختلف في القرآن (ولو لا كلمة سبقت من ربك) بتأخير العذاب ~~(لقضي بينهم) أي لحكم «1» بين العباد هنا ولهلك المكذبون كما هلك من قبلهم ~~(وإنهم) أي قومك (لفي شك منه) أي من العذاب بعد البعث (مريب) [45] أي موقع ~~الريبة أو ظاهر الشك. ### || [سورة فصلت (41): آية 46] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46) # (من عمل صالحا فلنفسه) أي ثوابه ms1540 لها (ومن أساء فعليها) أي عذابه عليها ~~(وما ربك بظلام للعبيد) [46] أي لا يعذبهم بلا ذنب. ### || [سورة فصلت (41): آية 47] # إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك ما منا من شهيد (47) # قوله (إليه) أي إلى الله (يرد علم الساعة) نزل حين سئل «2» النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الساعة «3»، أي إليه علمها متى تكون، لا يعرفه «4» غيره ~~(وما تخرج من ثمرات) بالجمع والإفراد «5»، أي وإليه علم ما يخرج، أي تطلع ~~ثمرة (من أكمامها) أي من أوعيتها، جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الثمر (وما ~~تحمل من أنثى) أي لا تحمل انثى حملا (ولا تضع إلا بعلمه) تعالى فيعمله «6» ~~على أي وصف خلق في الرحم وعلى أي وصف وجد في كل زمان ومكان، وكم أجله وما ~~رزقه وما عاقبته من الرحمة والثواب لمن آمن وأطاع ومن الجزاء والعذاب لمن ~~أشرك وأصر (ويوم يناديهم) أي اذكر يا محمد يوم ينادي الله الكفار «7» وهو ~~يوم القيامة (أين شركائي) بزعمكم (قالوا آذناك) أي أعلمناك (ما منا من ~~شهيد) [47] يشهد أن لك شريكا، قيل: «آذناك» يدل على سبق الإخبار بالإيذان ~~فلم سئلوا؟ أجيب بأنه يجوز أن يعاد عليهم أين شركائي إعادة للتوبيخ، ويجوز ~~أن يكون إنشاء للإيذان لا إخبارا عنه بمعنى نعلمك «8». ### || [سورة فصلت (41): آية 48] # وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص (48) # (وضل) أي غاب يومئذ (عنهم ما كانوا يدعون من قبل) أي يعبدونه في الدنيا ~~وهي الأصنام (وظنوا) أي أيقنوا أو علموا (ما لهم من محيص) [48] أي مخلص ~~ومفر من النار. ### || [سورة فصلت (41): الآيات 49 الى 50] # لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه ~~رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت ~~إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من ~~عذاب غليظ (50) # (لا يسأم الإنسان) قيل: ms1541 هذا أيضا من صفة الكافر «9»، أي لا يمل الكافر ~~(من دعاء الخير) أي من سؤاله وهو PageV04P070 # العافية في الجسد والسعة في الرزق (وإن مسه الشر) أي إن «1» أصابه الفقر ~~والشدة (فيؤس قنوط) [49] أي هو يقطع الرجاء ويظهر أثره عليه من رحمة الله ~~ولا ييأس من رحمته إلا الكافرون، ويوضح ذلك قوله (ولئن أذقناه) أي آتيناه ~~(رحمة) أي سعة وعافية (منا من بعد ضراء مسته) أي شدة أصابته (ليقولن هذا ~~لي) أي أنا مستحق له بعلمي وعملي أو هذا لي لا يزول عني البتة (وما أظن ~~الساعة قائمة) كزعم محمد (ولئن رجعت إلى ربي) فرضا (إن لي عنده للحسنى) أي ~~الجنة، يقوله استهزاء بالبعث فقال تعالى (فلننبئن الذين كفروا) أي لنخبرنهم ~~(بما عملوا) من الأعمال الخبيثة (ولنذيقنهم) أي لنجزينهم (من عذاب غليظ) ~~[50] أي شديد لا يفتر عنهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 51] # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) # (وإذا أنعمنا على الإنسان) أي على الكفار (أعرض) عن شكرنا وطاعتنا (ونأى ~~بجانبه) قرئ بالهمز قبل الألف وبالعكس «2»، أي باعد جانبه، أي نفسه أو ~~عطفه، أي حرفه عن دعائنا، يعني تكبر واستغنى عنا (وإذا مسه الشر) أي الشدة ~~والفقر (فذو دعاء) أي فهو ذو دعاء (عريض) [51] أي طويل أو كثير، قيل: هذا ~~في شأن رجل وهو الوليد بن المغيرة «3»، وقوله فيؤس قنوط في شأن رجل آخر وهو ~~أحد الصاحبين في سورة الكهف. ### || [سورة فصلت (41): آية 52] # قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) # (قل أرأيتم) أي أخبروني (إن كان) القرآن (من عند الله ثم كفرتم به) عنادا ~~قبل التأمل الصحيح (من أضل) إذا نزل العذاب بكم هنا أو يوم القيامة (ممن هو ~~في شقاق) أي في خلاف (بعيد) [52] عن الحق، يعني أعلموني من أضل منكم ~~لإهلاككم أنفسكم بتكذيب القرآن، فأوقع «ممن هو في شقاق بعيد» موقع منكم ~~إظهارا لعلة ضلالتهم وتوبيخا لهم مع رجاء إسلامهم. ### || [سورة فصلت (41): آية 53] # سنريهم ms1542 آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف ~~بربك أنه على كل شيء شهيد (53) # (سنريهم آياتنا) أي علاماتنا الدالة على قدرتنا (في الآفاق) أي في «4» ~~آفاق الأرض بقهر العرب والعجم، وفتحها بنصر محمد عليه السلام ومن آمن به ~~وفتح القرى كالخلفاء من بعده «5» ونصار دينه في آفاق الدنيا (وفي أنفسهم) ~~بفتح مكة بسهولة (حتى يتبين لهم أنه) أي القرآن أو الإسلام (الحق) أي الصدق ~~الذي لا يحيد عنه إلا مكابر عقله، وقيل: سنريهم في الآفاق بامساك المطر ~~والنبات، وفي أنفسهم بالمصائب ومدخل الغذاء والماء ومخرجهما «6»، فان كلها ~~يدل على أن الله واحد لا شريك له وإن محمد رسول الله ينطق بالوحي فيما يقول ~~(أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) [53] أي ألم يكف بربك «7» شاهدا أن ~~القرآن حق لأنه على كل شيء شهيد أو ألم يكفهم أن ربك لا يغيب عنه شيء ما ~~فانه بدل من ربك. ### || [سورة فصلت (41): آية 54] # ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54) # (ألا إنهم) أي اعلم يا محمد أنهم (في مرية) أي في شك (من لقاء ربهم) ~~لأنهم ينكرون البعث (ألا إنه) أي اعلم أن ربك (بكل شيء محيط) [54] علما ~~وقدرة فيعلم أعمالهم وأحوالهم فيجازيهم بكفرهم وبأعمالهم، والإحاطة إدراك ~~الشيء بكماله من الظاهر والباطن. PageV04P071 ### | سورة عسق وتسمى الشورى # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الشورى (42): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) # (حم) [1] أي يا محمد بحق «حم» وبحق (عسق) [2] أي بعلوي وسنائي وقدرتي ~~ليبعثن الخلائق بعد الموت ولينبئن بما عملوا يوم القيامة. ### || [سورة الشورى (42): آية 3] # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) # (كذلك) أي «1» مثل ذلك الوحي، أي وحي المعاني التي في هذه السورة أو مثل ~~هذا «2» القرآن (يوحي إليك وإلى الذين من قبلك) من الأنبياء بتكرير المعاني ~~والألفاظ في القرآن وفي كتبهم لغرض صحيح (الله العزيز) أي المنتقم الغالب ~~على من لم يؤمن بالوحي إلى الأنبياء (الحكيم) [3] في ms1543 أمره من الخلق ~~والإماتة والبعث والثواب والعذاب، ف «الله» رفع بأنه فاعل «يوحي» معلوما، ~~وقرئ مجهولا «3» ف «الله» فاعل فعل محذوف، يدل عليه ذلك، أي يوحيه الله، ~~ويجوز أن يكون مبتدأ و«العزيز الحكيم» صفتان له. ### || [سورة الشورى (42): آية 4] # له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # و«4» (له) أي لله (ما في السماوات وما في الأرض) خبره، أي كله ملكه لا ~~شريك له فيه (وهو العلي) عن الشريك والولد (العظيم) [4] في ذاته وصفاته لا ~~شيء أعظم منه في القدرة والحكم على الخلق. ### || [سورة الشورى (42): آية 5] # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) # (تكاد السماوات يتفطرن) أي يتشققن «5» (من فوقهن) أي من فوق الأرضين ~~السبع، يعني يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية التي هي جهة العرش والكرسي ~~وصفوف الملائكة الناطقة التسبيح والتقديس الدالة على الجلال والعظمة بسبب ~~قول الكفار أن له شريكا أو اتخذ ولدا أو بسبب الهيبة من جلاله وكبريائه ~~(والملائكة) أي الملائكة الذين هم ملء السموات السبع وحافون حول العرش ~~(يسبحون بحمد ربهم) أي يداومون على عبادته حامدين له خضوعا لعظمته (و) هم ~~(يستغفرون لمن في الأرض) من المؤمنين يدل عليه ويستغفرون للذين آمنوا خوفا ~~عليهم من سخطه (ألا إن الله هو الغفور) لذنوبهم بالتوبة (الرحيم) [5] بهم ~~بالرزق والثواب. PageV04P072 ### || [سورة الشورى (42): آية 6] # والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) # (والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي شركاء فعبدوها (الله حفيظ) أي رقيب ~~(عليهم) أي على أعمالهم وأحوالهم فيجازيهم (وما أنت عليهم بوكيل) [6] أي ~~بحفيظ عن الكفر فيؤمنوا بالخبر منك، إنما أنت منذر فحسب وهذا قبل أن يؤمر ~~بالقتال. ### || [سورة الشورى (42): آية 7] # وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع ~~لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) # (وكذلك أوحينا إليك) الكاف مفعول به ل «أحينا» و(قرآنا عربيا) حال من ~~المفعول به، أي مثل ذلك الإيحاء البين ms1544 المفهم، أوحينا إليك قرآنا عربيا ~~بلسانك لتفهم ثم (لتنذر) أي بالقرآن (أم القرى) أي مكة (ومن حولها) من ~~العرب (وتنذر) هم (يوم الجمع) أي بيوم القيامة، وسمي ب «يوم الجمع» لأنه ~~يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو يجمع فيه الخلائق من السماء والأرض أو ~~يجمع بين كل عامل وعمله (لا ريب فيه) أي لا شك بأنه كائن فيتفرق الخلائق ~~يومئذ بعد الجمع في الموقف منهم (فريق في الجنة) وهم المؤمنون (و) منهم ~~(فريق في السعير) [7] وهم الكافرون. ### || [سورة الشورى (42): آية 8] # ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما ~~لهم من ولي ولا نصير (8) # (ولو شاء الله) مشية قسر وقدرة (لجعلهم أمة واحدة) أي على ملة الإسلام ~~(ولكن) شاء مشية حكمة واختيار، فبني «1» أمرهم على ما يختارون ولذلك (يدخل ~~من يشاء في رحمته) أي في جنته أو في دين الإسلام (والظالمون) أي الكافرون ~~(ما لهم من ولي) أي صديق يشفع لهم (ولا نصير) [8] يمنعهم من عذابه تعالى. ### || [سورة الشورى (42): آية 9] # أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء ~~قدير (9) # (أم اتخذوا من دونه أولياء) أي شركاء عبدوها من دون الله، والاستفهام ~~للإنكار (فالله هو الولي) أي إذا أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بحق لا ~~ولي سواه، فيجب أن يتولي وحده ويعتقد أنه المولى والسيد لأنه خالقهم ~~ورازقهم (وهو يحي الموتى) بعد إماتتهم يوم القيامة (وهو على كل شيء قدير) ~~[9] من الخلق والرزق والإماتة والإحياء بعد الموت. ### || [سورة الشورى (42): آية 10] # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) # قوله (وما اختلفتم فيه من شيء) أي من أمر الدين وغيره خطاب للمؤمنين، أي ~~ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين (فحكمه) أي حكم ذلك المختلف ~~فيه مفوض (إلى الله) أي إلى علمه وقضائه فيثيب المحقين ويعاقب المبطلين، ~~ولا يجوز أن يراد من الاختلاف اختلاف المجتهدين في أحكام الشريعة، لأن ~~الاجتهاد لا ms1545 يجوز بحضرة الرسول عليه السلام، والأصح جوازه بدليل حكم سعد بن ~~معاذ في يهود بني قريظة عند النبي عليه السلام واستحسانه (ذلكم الله) أي ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وصف لكم بالحكم بينكم هو الله ~~(ربي عليه توكلت) في رد كيد أعداء الدين (وإليه أنيب) [10] أي أرجع في ~~كفاية شرهم أو أقبل إليه بالطاعة. ### || [سورة الشورى (42): آية 11] # فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) # (فاطر السماوات والأرض) أي خالقهما (جعل) أي خلق (لكم من أنفسكم) أي من ~~جنسكم من الناس PageV04P073 # (أزواجا) ذكرا وأنثى (ومن الأنعام) أيضا من أنفسها (أزواجا) ذكرا وأنثى ~~إكراما لكم (يذرؤكم فيه) هذا خطاب للناس والأنعام على تغليب المخاطبين ~~العقلاء على غير العقلاء، أي يخلقكم «1» ويكثركم بالتزويج في البطن أو في ~~هذا التدبير والجعل (ليس كمثله) الكاف زائدة وهو خبر «ليس» و(شيء) اسمه، أي ~~لا يماثله شيء «2» في ذات ولا في «3» صفات، وقيل: هذه الآية من باب الكناية ~~«4»، أي من قولهم مثلك لا يبخل بمعنى أنت لا تبخل أو المثل بمعنى الصفة، أي ~~ليس كصفته شيء فلا تكون زائدة (وهو السميع) لمقالة الأعداء (البصير) [11] ~~بأعمالهم. ### || [سورة الشورى (42): آية 12] # له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) # (له مقاليد السماوات والأرض) أي مفاتحهما من المطر والنبات (يبسط) أي ~~يوسع (الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يقتره على من يشاء لعلمه بمصالحهم (إنه بكل ~~شيء عليم) [12] من التوسيع والتقتير، فاذا علم أن التوسيع خير للعبد أغناه ~~وإلا أفقره. ### || [سورة الشورى (42): آية 13] # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) # (شرع لكم من الدين) أي بين لكم من دين الإسلام شرعة مشتركة بين الرسل ~~الكبار للتوحيد وهي (ما وصى) أي ms1546 «5» الذي وصى (به نوحا) أي ما أمره بعد ~~الطوفان (والذي أوحينا إليك) يا محمد (وما وصينا) أي والذي وصينا (به) من ~~بينك وبين نوح من الأنبياء عليهم السلام (إبراهيم وموسى وعيسى) قوله (أن ~~أقيموا الدين) بيان للمشروع المشترك فيه بينهم، يعني وصينا جميعهم أن ~~أقيموا دين الإسلام (ولا تتفرقوا فيه) أي في هذا القدر المشترك من التوحيد ~~والإيمان برسله وكتبه والبعث والجزاء وسائر ما يكون المكلف مسلما باقامته، ~~وليس المراد بذلك المشروع هو الشرائع التي هي مصالح الأمم، لأنها مختلفة ~~بحسب اختلاف أحوالهم لقوله تعالى «6» «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» «7»، ~~ومحل «أن أقيموا الدين» نصب، بدل من «ما وصى» أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو أن ~~أقيموا الدين ولا تختلفوا فيه (كبر على المشركين) أي ثقل على مشركي مكة (ما ~~تدعوهم إليه) يا محمد وهو دين الإسلام (الله يجتبي) أي يختار (إليه) أي إلى ~~دينه (من يشاء) أي من كان أهلا له (ويهدي) أي يرشد (إليه من ينيب) [13] أي ~~يرجع عن الكفر ويقبل إلى الإيمان. ### || [سورة الشورى (42): آية 14] # وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولو لا كلمة سبقت من ~~ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه ~~مريب (14) # (وما تفرقوا) أي أهل الكتاب بعد أنبيائهم (إلا من بعد ما جاءهم العلم) في ~~كتابهم بأن ما «8» جاء به محمد حق أو بأن التفرق ضلال (بغيا) أي حسدا ~~(بينهم) لأنه كان من العرب (ولو لا كلمة سبقت من ربك) بتأخير العذاب ~~والجزاء (إلى أجل مسمى) أي إلى يوم القيامة (لقضي) أي لحكم (بينهم) ~~بالهلاك، أي بين المؤمنين والكافرين (وإن الذين أورثوا) أي أعطوا (الكتاب) ~~أي التورية والإنجيل وهم اليهود والناصارى (من بعدهم) أي بعد أنبيائهم كنوح ~~وإبراهيم وعيسى عليهم السلام (لفي شك منه) أي من القرآن أو من كتابهم ~~(مريب) [14] أي ظاهر الشك. PageV04P074 ### || [سورة الشورى (42): آية 15] # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب ms1547 وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) # (فلذلك) أي فلأجل ذلك الشك أو الافتراق (فادع) يا محمد المتفرقين «1» في ~~الدين إلى ما وصى به الأنبياء من الاتفاق في الدين (واستقم) على دينهم وعلى ~~الدعوة إليه (كما أمرت) من الله (ولا تتبع أهواءهم) أي لا تعمل بأهواء ~~الضالين، قوله (وقل آمنت) نزل حين دعاه كفار إلى ملة آبائه «2»، فقال تعالى ~~قل آمنت (بما أنزل الله من كتاب) منزل علي وعلى من تقدم قبلي من الأنبياء ~~(وأمرت لأعدل بينكم) في الحكم إذا تخاصمتم وتحاكمتم إلى (الله ربنا وربكم) ~~أي خالقنا واحد لا أحيف لكم بأكثر مما «3» افترض عليكم، وهو قول «لا إله ~~إلا الله»، فلم يقبلوا منه فقال (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم) أي لنا ديننا ~~ولكم دينكم، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، وفيه دليل على أن الرجل إذا رأى ~~منكرا أو سمعه فأنكر ولم يقبل منه لا يجب عليه أكثر من ذلك، وهو يحفظ مذهبه ~~ويترك مذهب من خالفه (لا حجة) أي لا خصومة (بيننا وبينكم) في الدين، لأن ~~الحق قد ظهر وانقطع الكلام بيننا، وليس ترك الخصومة للضعف لتحقق القتال ~~وتخريب البيوت والإجلاء بعد ذلك، بل المراد ترك الجدال في مواقف المقاولة ~~لا المقاتلة (الله يجمع بيننا) يوم القيامة فينتقم منكم (وإليه المصير) ~~[15] أي الرجوع في الآخرة. ### || [سورة الشورى (42): آية 16] # والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم ~~غضب ولهم عذاب شديد (16) # (والذين يحاجون) أي يخاصمون (في الله) أي في «4» توحيده مع أوليائه (من ~~بعد ما استجيب) أي أطيع (له) أي لله بدعوة محمد عليه السلام إلى الإسلام ~~(حجتهم داحضة) أي خصومتهم باطلة (عند ربهم) لا ينفعهم (وعليهم غضب) من الله ~~لأجل مكابرتهم عقولهم يوم القيامة (ولهم عذاب شديد) [16] فيه بقبح أعمالهم ~~في الدنيا. ### || [سورة الشورى (42): آية 17] # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) # (الله الذي أنزل الكتاب) أي ms1548 القرآن (بالحق) أي لبيان الحق (و) أنزل ~~(الميزان) للعدل والتناصف في كتبه المنزلة وهو الأمر بالوفاء والنهي عن ~~المنكر فاعدلوا به قبل أن يفاجئكم يوم الحساب ويوزن فيه أعمالكم، قوله (وما ~~يدريك) نزل حين سئل النبي عليه السلام عن الساعة متى تكون «5»، فقال تعالى ~~وما يعلمك يا محمد (لعل الساعة) أي البعث «6» (قريب) [17] ولم يؤنث نظرا ~~إلى المعنى. ### || [سورة الشورى (42): آية 18] # يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) # (يستعجل بها) أي بالساعة استهزاء بكم (الذين لا يؤمنون بها) أي بقيامها ~~(والذين آمنوا) بها (مشفقون) أي خائفون (منها) أي من قيامها وشدائدها ~~(ويعلمون أنها الحق) أي أن «7» قيامها لواقع «8» بلا شك (ألا إن الذين ~~يمارون) أي يجادلون عنادا (في) مجيء (الساعة لفي ضلال بعيد) [18] عن الحق، ~~لأن القرآن المعجز قد صرح بقيامها ولأن العقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء. PageV04P075 ### || [سورة الشورى (42): آية 19] # الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) # ثم وصف الله بما يوجب الإيمان به فقال «1» (الله لطيف) أي ساتر للعيوب ~~«2» كأنه لم يرها وغافر للذنوب كأنها لم يعلمها بار (بعباده) من البر ~~والفاجر ومن لطفه بهم أنه (يرزق من يشاء) ما يشاء في الوقت الذي يشاء من ~~أصناف البر فيظهر لبعضهم صنف من البر لم يظهر مثله لآخر على حسب اقتضاء ~~الحكمة، فاندفع به سؤال من قال «يرزق من يشاء» يناقض قوله (الله لطيف ~~بعاده) بناء على أن المفهوم من الأول البعض ومن الثاني الجميع (وهو القوي) ~~أي القادر المتين على كل شيء من إيصال الرزق إلى جميع خلقه وغيره (العزيز) ~~[19] أي «3» المنيع الذي لا يغلبه أحد. ### || [سورة الشورى (42): آية 20] # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وما له في الآخرة من نصيب (20) # (من كان يريد حرث الآخرة) أي يريد بعمله ثواب الآخرة (نزد له في حرثه) أي ~~في ثواب ms1549 حرثه بتضعيف الحسنة إلى العشرة وإلى ما شاء الله (ومن كان يريد حرث ~~الدنيا) أي يريد بعمله ثواب الدنيا (نؤته منها) ما قسم له بلا تضعيف (وما ~~له في الآخرة من نصيب) [20] لأنه لم يعمل لله تعالى، قيل: حرث الدنيا ~~القناعة وحرث الآخرة الرضا «4». ### || [سورة الشورى (42): آية 21] # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولو لا كلمة الفصل ~~لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) # (أم لهم شركاء) الاستفهام للإنكار، أي ألهم آلهة دون الله (شرعوا) أي ~~بينوا شريعة (لهم من الدين) الفاسد وهو الشرك وإنكار البعث وعمل الدنيا دون ~~الآخرة (ما لم يأذن به الله) أي ما لم يأمر به فانه منزه عن أن يأذن في عمل ~~الباطل (ولو لا كلمة الفصل) أي كلمة الحكم السابق بتأخير العذاب عن هذه ~~الأمة (لقضي بينهم) بالعذاب (وإن الظالمين) أي المشركين (لهم عذاب أليم) ~~[21] في الآخرة. ### || [سورة الشورى (42): آية 22] # ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) # (ترى الظالمين) أي المشركين يوم القيامة (مشفقين) أي خائفين (مما كسبوا) ~~في الدنيا من القبائح (وهو) أي جزاء كسبهم (واقع) أي نازل (بهم والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) أي صدقوا بالقرآن وأدوا الفرائض والسنن «5» (في ~~روضات الجنات) أي في بساتينها (لهم ما يشاؤن عند ربهم) من الكرامة (ذلك) أي ~~الثواب (هو الفضل الكبير) [22] أي المن العظيم من الله. ### || [سورة الشورى (42): آية 23] # ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه ~~أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور ~~شكور (23) # ذلك صلى الله عليه وسلم أي الذي أعد لهم في الجنة هو (الذي يبشر الله ~~عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات) في الدنيا قرئ «يبشر» بضم الياء ~~والتشديد وبفتح الياء والتخفيف «6»، قوله (قل لا أسئلكم) نزل حين سأل ~~المشركون أيبتغي محمد على تبليغ الرسالة أجرا من ms1550 الناس «7» أو نزل حين حاءت ~~الأنصار ببعض أموالهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا PageV04P076 # استعن بهذا المال في سبيل الله ودينه «1»، فقال الله تعالى قل لا أسألكم ~~(عليه) أي على ما جئت به من الحق (أجرا إلا المودة في القربى) منكم، أي أن ~~تؤدوا قرابتي وتصلوها وتكفوا عن الأذى، ولم يقل إلا المودة للقربى باللام، ~~لأنهم جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها للمبالغة والقربى بمعنى القرابة ~~كالبشرى بمعنى البشارة، روي: أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك ~~هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: «علي وفاطمة وابناهما» «2»، ويدل عليه ~~ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حسد الناس في فقال أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنة ~~أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف ~~أزواجنا؟» «3»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي ~~وآذاني في عترتي» «4» (ومن يقترف) أي يكتسب (حسنة) أي طاعة (نزد له) أي يزد ~~الله تعالى (فيها حسنا) بالتضعيف، أي للواحدة عشرا (إن الله غفور) لمن تاب ~~عن السيئة (شكور) [23] يقبل اليسير ويعطي الجزيل. ### || [سورة الشورى (42): آية 24] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) # (أم يقولون) أي المشركون والميم صلة بعد ألف الاستفهام (افترى) أي اختلق ~~محمد (على الله كذبا) بنسبة القرآن إليه تعالى، فنزل تسلية لنبيه عليه ~~السلام «5» (فإن يشإ الله يختم) أي يربط (على قلبك) بالصبر فلا يدخل فيه ~~الحزن ولا يضيق من أذاهم (و) من عادته أنه (يمح الله الباطل) أي الشرك وهو ~~كلام مستأنف غير معطوف على «يختم»، وسقوط الواو كسقوطها في «ويدع الإنسان ~~بالشر» «6» على أنها ثابتة في بعض المصاحف (ويحق) أي و «7» يثبت (الحق) أي ~~الإسلام (بكلماته) أي بآياته المنزلة على الأنبياء بوحيه وحكمه بالنصر ~~للمرسلين كقوله ان لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون ms1551 «8» (إنه عليم ~~بذات الصدور) [24] أي بما يضمره بالقلوب فيجازي كلا بعمله. ### || [سورة الشورى (42): آية 25] # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) # (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات) قبل التوبة (ويعلم ما ~~تفعلون) [25] من الخير والشر فلا تغفلون عنه، قرئ بالياء والتاء «9». ### || [سورة الشورى (42): آية 26] # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب ~~شديد (26) # (ويستجيب) أي يجيب دعاء (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي سؤالهم من ~~المغفرة والرحمة (ويزيدهم) على أعمالهم (من فضله) أي من الثواب أكثر مما ~~سألوا (والكافرون لهم عذاب شديد) [26] أي دائم لا يفتر عنهم. ### || [سورة الشورى (42): آية 27] # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه ~~بعباده خبير بصير (27) # (ولو بسط الله الرزق لعباده) أي لو وسعه عليهم (لبغوا) أي لطغوا (في ~~الأرض) بطلبهم منزلة بعد منزلة وملبسا بعد ملبس ومركبا بعد مركب ونحو ذلك، ~~قيل: قد ترى الناس يبغي بعضهم على بعض وهو مبسوط له الرزق وقد يكون البغي ~~بدون البسط، فلا معنى للشرط أجيب بأن الحكم للغالب، فإن البغي مع الفقر أقل ومع PageV04P077 # البسط أكثر «1» (ولكن ينزل) من أرزاقهم (بقدر) أي بتقدير (ما يشاء) مصلحة ~~(إنه بعباده خبير) أي عالم بصلاح كل واحد منهم (بصير) [27] بعمله من الصلاح ~~والفساد فيفقر ويغني ويبسط ويقبض بالحكة. ### || [سورة الشورى (42): آية 28] # وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد (28) # (وهو الذي ينزل الغيث) أي المطر (من بعد ما قنطوا) أي يئسوا منه (وينشر ~~رحمته) أي مطره على أي بلد أراد أن ينشره (وهو الولي) أي مولى المطر ~~ومتصرفه (الحميد) [28] أي المحمود في صنعه لا قبح فيه، لأنه بالحكمة. ### || [سورة الشورى (42): الآيات 29 الى 30] # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) # (ومن آياته) أي ومن علامات وحدانيته (خلق السماوات والأرض و) ms1552 خلق (ما بث) ~~أي نشر (فيهما من دابة) أي مما يتحرك على وجه الأرض من الحيوانات وقال ~~فيهما وإن كان في أحدهما، لأنه من قبيل نسبة الشيء إلى جميع المذكور وإن ~~كان ملتبسا ببعضه كما قال: «يخرج منهما اللؤلؤ»، أي «2» من أحدهما (وهو على ~~جمعهم) أي الله «3» على إحيائهم (إذا يشاء قدير) [29] وما أصابكم من مصيبة) ~~أي من مرض وشدة وهلاك وتلف في أنفسكم وأموالكم (فبما كسبت أيديكم) من ~~الذنوب بالفاء وبتركها «4»، قيل: هذا يختص بالمذنبين وأما غيرهم كالأنبياء ~~والأطفال والمجانين إلا أصابهم شيء من ألم أو غيره فلرفع درجاتهم ولمصالحهم ~~«5» (ويعفوا عن كثير) [30] أي ما عفا الله عنه فهو كثير، روي: «أنه ما تعلم ~~رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب وهو أعظم المصائب» «6». ### || [سورة الشورى (42): آية 31] # وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) # (وما أنتم بمعجزين) أي بفائتين (في الأرض) من عذاب الله حتى يجزيكم به ~~(وما لكم من دون الله) أي عذابه (من ولي) أي صديق يشفع (ولا نصير) [31] أي ~~مانع يمنع من عذابه تعالى. ### || [سورة الشورى (42): آية 32] # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) # (ومن آياته الجوار) بالياء وبغيره «7»، أي السفن الجارية (في البحر ~~كالأعلام) [32] أي كالجبال الرواسي. ### || [سورة الشورى (42): آية 33] # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) # (إن يشأ) الله (يسكن الريح فيظللن) أي يصرن (رواكد) أي ثوابت وسواكن (على ~~ظهره) أي على ظهر الماء في البحر (إن في ذلك لآيات) أي لعلامات لوحداينته ~~(لكل صبار) يصبر على طاعة الله (شكور) [33] لنعمه. ### || [سورة الشورى (42): آية 34] # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) # قوله (أو يوبقهن) عطف على جواب الشرط وهو «يسكن»، أي إن يشأ الله يهلكهن، ~~أي السفن بالإغراق (بما كسبوا) أي بسبب كسبهم من الشرك والمعاصي (ويعف) عطف ~~على «يوبقهن»، أي يتجاوز (عن كثير) [34] فلا يجازيهم، ومعنى إدخال العفو في ~~حكم الإيباق بالجزم أنه إن شاء يهلك ناسا بذنوبهم وينج ناسا ms1553 على طريق العفو عنهم. PageV04P078 ### || [سورة الشورى (42): آية 35] # ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) # قوله (ويعلم) بالنصب عطف على تعليل محذوف وهو كثير في القرآن، تقديره: ~~لينتقم منهم وليعلم (الذين يجادلون في آياتنا) أي في القرآن بالتكذيب (ما ~~لهم من محيص) [35] أي مهرب من عذابنا، وبرفعه استئناف «1». ### || [سورة الشورى (42): آية 36] # فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) # قوله (فما أوتيتم من شيء) شرط، جزاؤه (فمتاع الحياة الدنيا) أي ما أعطيتم ~~من شيء من أموال الدنيا فهو زينة الحيوة الدنيا ويتمتع به زمانا يسيرا ثم ~~يزول (وما عند الله) أي في الآخرة من الثواب (خير) من حطام الدنيا (وأبقى) ~~أي أدوم (للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) [36] أي يفوضون أمورهم إليه. ### || [سورة الشورى (42): آية 37] # والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) # (والذين يجتنبون) عطف على المؤمنين، وكذلك ما بعده للمدح بجمع الصفات ~~العظام، أي وللذين يجتنبون (كبائر الإثم) أي الشرك وغيره من النفاق والرياء ~~(والفواحش) وهي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة (وإذا ما ~~غضبوا) على أحد (هم يغفرون) [37] أي يتجاوزون عنه، وجعل «هم يغفرون» جملة ~~اسمية وقعت جوابا ل «إذا» لإفادة التخصيص، أي هم الأحقاء بالغفران في حال الغضب. ### || [سورة الشورى (42): آية 38] # والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون (38) # (والذين استجابوا لربهم) أي أطاعوه فيما يدعوهم إليه من الإيمان به ~~والأمر والنهي (وأقاموا الصلاة) أي الصلوات الخمس في مواقيتها (و) الذين ~~(أمرهم شورى) أي ذو شورى مصدر بمعنى التشاور، يعني لا ينفرد واحد منهم برأي ~~دون صاحبه، وكانوا قبل مقدم رسول الله عليه السلام المدينة إذا كان بينهم ~~أمر اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم بذلك وهم طائفة الأنصار (بينهم ومما ~~رزقناهم ينفقون) [38] أي يتصدقون في سبيل الله. ### || [سورة الشورى (42): آية 39] # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) # (والذين إذا أصابهم البغي) أي الظلم الذي يؤدي إلى الفساد (هم ينتصرون) ~~[39] أي ينتقمون ms1554 من المشركين ولا يعتدون عما أمرهم الله به من الانتقام، ~~وهذه الآية لا تنافي آية «يغفرون» «2»، لأن ذلك عند الاقتدار على الانتقام ~~مع عدم الفساد، روي: «أنهم قوم كانوا يكرهون أن يستذلوا ويحبون العفو إذا ~~قدروا» «3». ### || [سورة الشورى (42): آية 40] # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) # (وجزاء سيئة سيئة) أي عقوبة مظلمة صادرة من ظالم عقوبة به (مثلها) أي مثل ~~مظلمته، يعني يجب إذا قوبلت الإساءة أن يقابل بمثلها من غير زيادة، سميت ~~الثانية سيئة للمشاكلة (فمن عفا) أي من تجاوز عن مظلمته (وأصلح) الود بينه ~~وبين خصمه بالعفو (فأجره) أي ثوابه (على الله إنه لا يحب الظالمين) [40] أي ~~البادين بالظلم، روي: «أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على ~~الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا» «4»، فيقال له ادخل الجنة باذن الله. PageV04P079 ### || [سورة الشورى (42): الآيات 41 الى 42] # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) # (ولمن انتصر) أي اقتص (بعد ظلمه) أي ظلم الظالم إياه أو بعد ظلم المظلوم ~~(فأولئك) أي المنتصرون (ما عليهم من سبيل) [41] أي عيب ولا طعن (إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس) أي يبدونهم بالظلم (ويبغون) أي يطلبون «1» ~~(في الأرض) تكبرا (بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم) [42] أي وجيع. ### || [سورة الشورى (42): آية 43] # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور (43) # (ولمن صبر) عن مظلمة ولم يقتص من صاحبه (وغفر) أي تجاوز عنه وفوض أمره ~~إلى الله (إن ذلك) أي صبره وتجاوزه عنه (لمن عزم الأمور) [43] أي من ~~معزوماتها التي أمر الله بها على سبيل الندب، قيل: العفو مندوب إليه لكن قد ~~ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو إليه وذلك إذا احتج إلى قطع ~~مادة الأذى «2». ### || [سورة الشورى (42): آية 44] # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد ms1555 من سبيل (44) # (ومن يضلل الله) أي يخذله الله عن الهدى (فما له من ولي) أي نصير أو قريب ~~يمنعه عنه ويرشده إلى دينه (من بعده) أي بعد خذلانه تعالى إياه (وترى ~~الظالمين) أي المشركين والعاصين (لما رأوا العذاب) أي النار في الآخرة ~~(يقولون هل إلى مرد) أي رجوع إلى الدنيا (من سبيل) [44] أي من حيلة فنؤمن ~~ونطيع ولا نعصي. ### || [سورة الشورى (42): آية 45] # وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في ~~عذاب مقيم (45) # (وتراهم يعرضون عليها) أي على النار (خاشعين) أي خاضعين مما يلحقهم (من ~~الذل) حياء (ينظرون) إلى النار (من طرف خفي) أي بعين ضعيفة خوفا كنظر ~~المقتول إلى السياف (وقال الذين آمنوا) أي المظلومون منهم (إن الخاسرين ~~الذين خسروا) أي يخسرون (أنفسهم) بظلمهم غيرهم في الدنيا (وأهليهم) وهم ~~الحور والولدان وما يتعلق بهم في الجنة من الثواب لو آمنوا ولم يظلموا أحدا ~~حتى صارت حساناتهم للمظلوم، وهم دخلوا النار مكانه (يوم القيامة) قيل: هذا ~~قول المؤمنين لهم في الدنيا «3»، وقيل: في الآخرة حين رأوا الظالمين يدخلون ~~النار «4»، فقال تعالى تصديقا لمقالتهم (ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) ~~[45] أي دائم لا يزول. ### || [سورة الشورى (42): آية 46] # وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من ~~سبيل (46) # (وما كان لهم) أي للظالمين يوم القيامة (من أولياء ينصرونهم) أي يمنعونهم ~~من العذاب (من دون الله) أي من قبله (ومن يضلل الله) عن الهدى (فما له من ~~سبيل) [46] إلى الهدى. ### || [سورة الشورى (42): آية 47] # استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ ~~يومئذ وما لكم من نكير (47) # (استجيبوا لربكم) أي أجيبوا ربكم أيها الناس في الإيمان وفيما أمركم به ~~من الطاعة (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي لا رجعة له إذا جاء، ~~يعني لا يرد الله ذلك اليوم بعد ms1556 حكمه بوقوعه، ف «من الله» صلة «لا مرد له»، ~~ويجوز أن يكون صلة «يأتي»، أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر على رده ~~أحد (ما لكم من ملجإ يومئذ) أي حرز يحرزكم من عذابه (وما لكم من نكير) [47] ~~أي إنكار لأعمال خبيثة صدرت عنكم لأنكم تعترفون ثمه «5» بذنوبكم. PageV04P080 ### || [سورة الشورى (42): آية 48] # فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا ~~الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) # (فإن أعرضوا) عن إنذارك يا محمد وعن الإيمان بك (فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا) أي «1» تحفظ إيمانهم وأعمالهم بالجبر (إن) أي ما (عليك إلا البلاغ) ~~أي تبليغ الرسالة فحسب، نسخ هذا بآية السيف «2» (وإنا إذا أذقنا الإنسان) ~~يعني أبا جهل أو الجنس (منا رحمة) أي نعمة من الصحة والغنا والأمن (فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة) كالمرض والشدة والقحط (بما قدمت أيديهم) أي بعملهم المعاصي ~~(فإن الإنسان كفور) [48] أي يكفر بنعم الله، يعني «3» يشكو من ربه عند ~~المصيبة ولا يكره عند النعمة. ### || [سورة الشورى (42): آية 49] # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) # (لله ملك السماوات والأرض) أي له الحكم فيهما والقدرة على أهلهما باذاقة ~~الرحمة وإصابة البلية متى شاء وكيف أراد (يخلق ما يشاء) أي على أي صورة ~~وصفة يشاء (يهب لمن يشاء إناثا) أي أولادا إناثا كلوط النبي عليه السلام ~~(ويهب لمن يشاء الذكور) [49] أي الأولاد الذكور كابراهيم النبي عليه ~~السلام. ### || [سورة الشورى (42): آية 50] # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير (50) # (أو يزوجهم) أي يقرن الأولاد حال كونهم (ذكرانا وإناثا) لمن يشاء كيعقوب ~~النبي عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم قدم الإناث هنا ليدل على أنه ~~فاعل لما يشاءه ولا «4» لما يشاؤنه، ثم عرف الذكور بيانا لشهرتهم عندهم ثم ~~قدم ما هو الأصل في التقديم من الجنسين كما في قوله «من ذكر وأنثى» «5» ~~(ويجعل من يشاء عقيما) ms1557 لا يلد ولدا كيحيى وعيسى عليهما السلام (إنه) أي ~~الله تعالى (عليم) أي عالم بالحكمة، يعطي ما يصلح لكل واحد من العباد ~~(قدير) [50] أي قادر على تكوين ما يصلح لهم. ### || [سورة الشورى (42): آية 51] # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) # قوله (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) نزل حين قال اليهود للنبي ~~عليه السلام إن كنت نبيا كلم الله وانظر إليه لنؤمن بك كموسى، فقال صلى ~~الله عليه وسلم لم ينظر موسى إلى الله تعالى «6»، أي ما صح لأحد من البشر ~~أن يكلمه الله إلا على ثلاثة أوجه، إما بوحي وهو الإلهام في القلب والرؤية ~~في المنام كأم موسى عليه السلام في التابوت وإبراهيم في الذبح (أو من وراء ~~حجاب) بأن يحجب العبد عن الله المتكلم له كموسى عليه السلام إذا سمع «7» ~~التكلم «8» من الشجرة ولم ير شخصه (أو يرسل) الله تعالى (رسولا) أي ملكا ~~كجبرائيل عليه السلام (فيوحي) أي يلقي الرسول إليه كما كلم الأنبياء غير ~~موسى (بإذنه) أي بأمر الله تعالى (ما يشاء) من الوحي (إنه) أي الله (علي) ~~أي منزه عن صفات الخلق بأن يتكلم أحدا في الدنيا مواجهة ويراه أحد عيانا ~~فيها (حكيم) [51] أي حاكم في صنعه بالحكمة من الإيحاء والتكلم بواسطة وغير ~~واسطة، قوله «أو يرسل» بالنصب عطف على محل «إلا وحيا»، تقديره: بأن يوحي أو ~~أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل أو هما مصدران في موضع الحال، وكذا «من ~~وراء حجاب» ظرف في موضع الحال أيضا، وبالرفع عطف على معنى أو هو يرسل، PageV04P081 # وقرئ «فيوحي» بالنصب باضمار أن و«يوحي» بالسكون عطفا على «يرسل» بالرفع ~~«1»، وتقدير النظم: ما يجوز أن يكلم الله أحدا إلا موحيا إليه أو مسمعا من ~~وراء حجاب أو مرسلا إليه رسولا. ### || [سورة الشورى (42): آية 52] # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن ~~جعلناه نورا نهدي به ms1558 من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) # (وكذلك) أي مثل إيحائنا إلى الرسل (أوحينا إليك روحا من أمرنا) أي ~~جبرائيل بأمرنا أو القرآن لأجل أمرنا وهو دين الإسلام يحييه كالروح للجسد، ~~قوله (ما كنت تدري) في محل النصب على الحال من كاف «إليك»، أي لم تكن تعلم ~~قبل الوحي (ما الكتاب) أي القرآن ف «ما» استفهامية (ولا) تدري ما (الإيمان) ~~الشرعي دون العقلي، لأن الأنبياء قبل الوحي كانوا مؤمنين موحدين بطريق ~~العقل والاستدلال، روي: أنه عليه السلام كان يوحد الله ويبغض الأصنام ويحج ~~ويعتمر ويتبع شريعة إبراهيم «2» (ولكن جعلناه) أي الكتاب والإيمان لأنه ~~أقرب أو كل واحد منهما (نورا) أي ضياء من العمى (نهدي) أي نرشد (به من نشاء ~~من عبادنا) ونوفقه إلى الهدى وهو أهل له (وإنك لتهدي) أي لتدعو الخلق (إلى ~~صراط مستقيم) [52] أي دين الإسلام بسبب الكتاب. ### || [سورة الشورى (42): آية 53] # صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) # قوله (صراط الله) بدل من «الصراط المستقيم»، أي «إلى صراط الله» (الذي له ~~ما في السماوات وما في الأرض) من الخلق، أي له ملكهما يتصرف فيه كيف يشاء ~~(ألا إلى الله تصير الأمور) [53] أي ترجع إليه أمور جميع الخلائق، يعني ~~عواقبها يوم القيامة. PageV04P082 ### | سورة الزخرف # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) # (حم) [1] أي بحق «حم» (والكتاب) أي وبحق القرآن (المبين) [2] أي الفارق ~~طرق الهدى من طرق الضلالة. ### || [سورة الزخرف (43): آية 3] # إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) # قوله (إنا جعلناه قرآنا عربيا) جواب القسم، أي أوجدناه قرآنا بلغة العرب ~~وليس بمفترى كما زعم بعض المشركين، وهو المراد بكونه جوابا للقسم، لأنه ~~كونه عربيا غير مشكوك فيه (لعلكم تعقلون) [3] أي إرادة أن تعقله العرب ~~ويفهموه، ولا يقولوا لو لا فصلت آياته بلساننا. ### || [سورة الزخرف (43): آية 4] # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # قوله (وإنه في أم الكتاب) عطف على جواب لتحقيق ms1559 أنه غير مفترى، أي إن ~~القرآن الذي أنزل عليهم نقل من الأصل الذي أثبت فيه الكتب المنزلة فهو مثبت ~~في أم الكتاب، أي في «1» اللوح المحفوظ (لدينا) بدل من «أم الكتاب»، أي في ~~أشرف مكان عندنا (لعلي) أي لرفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها ~~(حكيم) [4] أي ذو حكمة بالغة. ### || [سورة الزخرف (43): آية 5] # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) # (أفنضرب) الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر، أي أنهملكم فنصرف «2» ~~ونزيل (عنكم الذكر) أي القرآن، قوله (صفحا) حال، أي صافحين بمعنى معرضين ~~عنكم ولا تؤمرون ولا تنهون (أن كنتم قوما مسرفين) [5] بفتح الهمزة، أي لأن ~~كنتم قوما مشركين «3»، وبكسرها «4» شرط من الشروط المحققة يذكر تهجينا ~~للمقول له أو تجهيلا للمخاطبين بصفتهم كأنهم شاكون فيها مع وضوحها. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 6 الى 7] # وكم أرسلنا من نبي في الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزؤن (7) # قوله (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) [6] تسلية للنبي عليه السلام، أي كم ~~بعثنا من نبي في الأمم الأولين «5» كما أرسلناك نبيا في قومك (وما يأتيهم ~~من نبي إلا كانوا به يستهزؤن) [7] كاستهزاء قومك بك. ### || [سورة الزخرف (43): آية 8] # فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (8) # (فأهلكنا أشد منهم) أي من أهل مكة المسرفين (بطشا) أي قوة، وهو تمييز ~~(ومضى مثل الأولين) [8] أي PageV04P083 # ذكر «1» في مواضع من القرآن قصص الأولين في الهلاك كالمثل الذي يسار به ~~لشهوته. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 9 الى 11] # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) الذي ~~جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل من ~~السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) # (ولئن سألتهم) أي المشركين (من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز) ~~في ملكه (العليم) [9] بخلقه، فزاد الله تعالى وصفه في جوابهم ليأخذوا طريق ~~الهدى ويتركوا طريق الضلالة فقال هو (الذي جعل لكم الأرض مهدا) وقرئ ~~«مهادا» «2»، أي قرارا للخلق (وجعل لكم فيها سبلا) أي طرقا «3» (لعلكم ~~تهتدون) [10] أي إرادة ms1560 أن تعرفوا طرقها من بلد إلى بلد بلا مشقة أو إرادة ~~أن تعرفوا هذه النعم وتشكروا ربها، ثم عطف على الذي جعل قوله (والذي نزل من ~~السماء) زيادة تذكير النعم لهم، أي هو الذي أنزل من السماء (ماء بقدر) أي ~~بمقدار الحاجة ولم يكن طوفانا، ثم التفت من الغيبة إلى التكلم إظهارا لعظمة ~~نفسه وافتقارهم إليه بما لا بد لهم في معيشتهم ليؤمنوا بوحدانيته ويقروا ~~بالبعث بقوله (فأنشرنا) أي أحيينا (به) أي «4» بالمطر (بلدة ميتا) أي يابسة ~~لا نبات فيها (كذلك تخرجون) [11] من قبوركم ولا ينفعكم إنكاركم ثمه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 12] # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) # ثم زاد الوصف في ربوبيته لهم لرفع جهلهم به بقوله (و) هو (الذي خلق ~~الأزواج) أي الأصناف (كلها) من الحيوان والنبات وغير ذلك (وجعل لكم من ~~الفلك والأنعام) أي من السفن والإبل والدواب (ما تركبون) [12] عليها. ### || [سورة الزخرف (43): آية 13] # لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) # (لتستووا) أي لتثبتوا (على ظهوره) أي على ظهور ما تركبون (ثم تذكروا نعمة ~~ربكم) عليكم بألسنتكم معترفين بها في قلوبكم معظمين لها (إذا استويتم عليه) ~~أي على مركوبكم (وتقولوا) عند ذلك تحميدا وتنزيها (سبحان الذي سخر) أي ذلل ~~(لنا هذا) المركوب (وما كنا له مقرنين) [13] أي مطيعين أو ضابطين. ### || [سورة الزخرف (43): آية 14] # وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) [14] أي راجعون إليه في الآخرة، قيل: وجه ~~اتصاله بما قبله أن الركوب مباشرة أمر مخطر وسبب تلف فكان من حق الراكب أن ~~لا ينسى يوم موته فيقول ذلك بقلبه ولسانه ليكون مستعدا للقاء ربه باصلاح ~~نفسه «5»، روي عن النبي عليه السلام: «انه قال بسم الله حين وضع رجله في ~~الركاب، فلما استوى على الدابة قال «الحمد لله سبحان الذي سخر لنا» الآية، ~~ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفرلي ~~إن لا ms1561 يغفر الذنوب إلا أنت» «6»، قيل: لا ينبغي للعاقل أن يركب تلذذا ~~وتنزها «7». ### || [سورة الزخرف (43): آية 15] # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) # (وجعلوا له) أي إنهم مع اعترافهم بخالق السموات والإرض حين سئلوا عنه قد ~~جعلوا، أي حكموا PageV04P084 # أن لله «1» تعالى (من عباده جزءا) أي بعضا لقولهم الملائكة بنات الله، ~~لأن الولد جزء الوالد أو جعلوا بعض عباده شريكا له «2»، لأنهم أشركوا ~~الأصنام معه تعالى (إن الإنسان لكفور) أي لجحود لنعم ربه (مبين) [15] أي ~~بين الكفر، لأن نسبة الولد إليه كفر وهو أصل الكفران كله. ### || [سورة الزخرف (43): آية 16] # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) # قوله (أم اتخذ) أورد فيه «أم» المنقطعة «3» بتضمير الهمزة الاستفهامية ~~للإضراب والإنكار تجهيلا لهم «4»، أي بل أاتخذ تعالى «5» لنفسه حيث لم ~~يرضوا باثبات الجزء له حتى جعلوه شر الجزءين عندهم وهو الإناث (مما يخلق ~~بنات وأصفاكم) أي واختاركم (بالبنين) [16] وهو مما «6» يستحيل في صفاته، ~~قيل: هو رد على بني مليح حيث قالوا الملائكة بنات الله «7». ### || [سورة الزخرف (43): آية 17] # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) # ثم وصف كراهيتهم بالنبات بقوله (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا) أي ~~جعل له شبها من جنسه بقوله الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك، لأن الولد ~~يشبه الوالد (ظل وجهه مسودا) أي صار وجهه متغير اللون (وهو كظيم) [17] أي ~~حزين يكظم غيضه، المعنى: أنكم كيف ترضون لله من الأوصاف ما لا ترضون ~~لأنفسكم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 18] # أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) # (أومن ينشؤا) الاستفهام فيه للتوبيخ، قرئ بفتح الياء والتخفيف، وبضم ~~الياء والتشديد «8»، أي أينسب للرحمن ولد ويجعل له من الولد من هو متصف ~~بالصفة المذمومة وهو من ينشأ، أي يربي (في الحلية) أي في الزينة والنعمة ~~(وهو في الخصام) أي في الكلام إذا احتاج إلى مجاباة الخصوم (غير مبين) [18] ~~بحجة، أي ليس عنده بيان ببرهان يحج به من يخاصمه، وذلك لضعف عقله ونقصانه، ~~إذ المرأة إذا أرادت ms1562 أن تتكلم بحجتها انقلبت الحجة عليها غالبا، وفي الآية ~~إشارة إلى أن التربية في الزينة والتنعم من المذام، لأنه من صفات النساء ~~فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 19] # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون (19) # (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) أي ومن أقبح أوصافهم أنهم ~~سموا الملائكة الذين هم 43 أكرم عباد الله عليه إناثا فاسخفوا بهم ~~واحتقروهم، ثم قال بهمزة الإنكار (أشهدوا) أي أحضروا، وقرئ «أو شهدوا» ~~بهمزة الاستفهام وتخفيف همزة المجهول «9»، يعني بين الهمزة والواو ومن ~~الإشهاد وأو آشهدوا بادخال ألف بين همزة الاستفهام وهمزة الفعل المجهول وهو ~~أشهدوا، أي أآحضروا (خلقهم) أي خلق الملائكة حين خلقهم الله تعالى فعلموا ~~أنهم ذكور وإناث، وهذا استهزاء بهم وتوبيخ لهم، قوله (ستكتب شهادتهم) وعيد ~~لهم، نزل حين سأل عنهم النبي عليه السلام ما يدريكم أن الملائكة إناث؟ ~~فقالوا: سمعنا من PageV04P085 # أبائنا ونشهد بصدقهم «1»، فقال تعالى سنكتب شهادتهم على آبائهم بأنوثة ~~الملائكة في الدنيا (ويسئلون) [19] عنها يوم القيامة فيجازون عليها. ### || [سورة الزخرف (43): آية 20] # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) # (وقالوا) أي قال المشركون معتذرين استهزاء وعنادا (لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم) أي الملائكة وغيرهم «2» فقال تعالى (ما لهم بذلك) أي بذلك القول ~~(من علم) يعني ليس لهم علم بما قالوه، لأنهم لو قالوا لو شاء الرحمن ~~معتقدين ذلك لوصفوا «3» بالعلم ولمدحوا عليه، لأن المشية لله تعالى «4» في ~~كل شيء (إن هم إلا يخرصون) [20] أي ما هم إلا يقولون ذلك عن ظن وتخمين سواء ~~طابق الواقع أو خالفه. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 21 الى 22] # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) # ثم زادهم توبيخا بهمزة الإنكار فقال (أم آتيناهم) أي أعطيناهم والميم صلة ~~(كتابا من قبله) أي قبل القرآن أو قبل محمد عليه السلام فيه عبادة غير الله ~~تعالى (فهم به) ms1563 أي بذلك الكتاب (مستمسكون) [21] أي آخذون حجة وعاملون بما ~~فيه، فلما لم يجيبوا أضرب تعالى عنهم بقوله (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة) أي على طريقة تقصد وهي ملتهم (وإنا على آثارهم) أي على سننهم (مهتدون) ~~[22] أي ذاهبون مستنين. ### || [سورة الزخرف (43): آية 23] # وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) # (وكذلك) أي مثل ذلك القول الصادر لك من قومك (ما أرسلنا من قبلك في قرية ~~من نذير إلا قال مترفوها) أي جبابرتها لرسلهم (إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون) [23] أي متبعون بسننهم «5» وأعمالهم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 24] # قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (24) # (قال) وقرئ «قال» «6» (أولو جئتكم) أي قل يا محمد أتتبعون آباءكم ولو ~~جئتكم (بأهدى) أي بدين أصوب وأرشد (مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم) أي قال جبابرة أهل مكة إنا بما جئتم (به) أيها الرسل (كافرون) [24] ~~أي جاحدون عنادا وإن جئتمونا بما هو أهدى. ### || [سورة الزخرف (43): آية 25] # فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) # (فانتقمنا منهم) أي من الجاحدين بالعذاب (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) ~~[25] أي آخر أمرهم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 26] # وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (26) # (و) اذكر (إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء) مصدر بمعنى فعيل، أي ~~بريء «7»، استوى فيه القليل والكثير والذكر والأنثى (مما تعبدون) [26] أي ~~مما تعبدونه من الأصنام. ### || [سورة الزخرف (43): آية 27] # إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) # قوله «8» (إلا الذي فطرني) أي خلقني «9»، بدل من المجرور، يعني إنني بريء ~~من معبودكم إلا من الذي PageV04P086 # فطرني، وجاز ذلك لكونهم عابدين آلهتهم مع الله، ويجوز أن يكون «إلا» صفة ~~بمعنى غير ويكون «ما» في «ما تعبدون» موصوفة، أي بري من آلهة «1» غير الذي ~~فطرني، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي لكن الذي فطرني، أي «2» لا أبرأ ~~منه، قوله (فإنه سيهدين) [27] لا ينافي قوله «فهو يهدين» ms1564 «3» لكون المراد ~~بالجمع بينهما في القول استمرار الهداية في الحال والاستقبال، لأن المعنى ~~أن الله تعالى يثبتني على الهداية حالا ومئالا وهي كلمة الإخلاص، أعني «لا ~~إله إلا الله». ### || [سورة الزخرف (43): آية 28] # وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) # (وجعلها) أي وجعل إبراهيم أو الله كلمة التوحيد التي تكلم بها بالوصية ~~(كلمة باقية) تقال «4» (في عقبه) أي في ذريته ونسله من بعده (لعلهم يرجعون) ~~[28] إلى الإيمان والطاعة إذا علموا أن إبراهيم كان أوصى بذلك، قيل: «لا ~~يزال في ذرية إبراهيم عليه السلام من يعبد الله ويوحده» «5». ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 29 الى 30] # بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جاءهم الحق ~~قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) # قوله (بل متعت هؤلاء) إضراب عن حال أهل مكة، لأنه تعالى أخبر للنبي عليه ~~السلام أن قومك هؤلاء من عقب إبراهيم فلم يوحدوني بل متعتهم بالمد في العمر ~~والنعمة (وآباءهم) فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشيطان عن كلمة ~~التوحيد (حتى جاءهم الحق) أي القرآن (ورسول مبين) [29] أي ظاهر الرسالة بما ~~معه من الآيات البينة الفارقة بين الحق والباطل، ف «حتى» غاية لسبب التمتيع ~~«6» وهو اشتغالهم بالاستمتاع فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عن هذه «7» ~~الغفلة، ثم أخبر ثانيا عن حالهم عندها فقال (ولما جاءهم الحق) أي القرآن ~~(قالوا) بما هو أقبح من غفلتهم وهو (هذا) أي ما جاء به محمد عليه السلام ~~(سحر وإنا به كافرون) [30] فكذبوه فلم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم عليه ~~السلام. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 31 الى 32] # وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) # (وقالوا لو لا نزل) هذا احتكام منهم على حكمة الله في تخيير «8» محمد ~~عليه السلام من أهل زمانه للرسالة بقولهم استهزاء بالقرآن هلا نزل (هذا ~~القرآن على رجل من القريتين) أي من إحديهما ك «يخرج منهما ms1565 اللؤلؤ» «9» وهما ~~مكة والطائف، قوله (عظيم) [31] صفة «رجل»، أي رئيس بحسب الدنيا لا عظيم عند ~~الله وهو الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود بالطائف، فقال الله ~~توبيخا لهم (أهم يقسمون رحمت ربك) أي نعمته من الرسالة والنبوة فيجعلون من ~~شاؤا رسولا مع عجزهم، فالهمزة فيه للإنكار الموذن بالتجهيل، يعني ليس لهم ~~ذلك بل نحن نختار للرسالة من نشاء من عبادنا (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) ~~التي هي الرحمة الصغرى (في الحياة الدنيا) الفانية، يعني ما يعيشون «10» به ~~من المنافع حلالا كانت أو حراما بحسب القسمة، وهي أدنى من الرسالة التي هي ~~الرحمة الكبرى فلم نترك اختيارها إليهم لحكمة نعلمها، فكيف نفوض اختيار ما ~~هو أفضل منه، وهو السلم الأعلى إلى حلول دار السلام والطريق الموصل إلى ~~حيازة حظوظ السعادة الباقية PageV04P087 # (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أي فضلنا بعضهم على بعض بالغني والفقر ~~والحرية والرق في الدنيا (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) أي استهزاء، يعني ~~ليستخدم بعضهم بعضا بالاستيجار وليستعبد «1» الأحرار العبيد بالإكراه، ثم ~~أخبر أن عطاء الآخرة خير من عطاء الدنيا بقوله (ورحمت ربك) أي الجنة ~~والنبوة (خير مما يجمعون) [32] أي مما يجمع الكفار من حطام الدنيا وزينتها. ### || [سورة الزخرف (43): آية 33] # ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون (33) # (ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة) أي لو لا كراهة أن يكون الناس كافرين، ~~يعني راغبين في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم) أي عليها، فاللام بمعنى على أو «لبيوتهم» بدل من «لمن يكفر»، أي ~~لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن (سقفا) مفردا وجمعا بسكون القاف وضمها «2»، ~~وهي سماء البيت (من فضة ومعارج) أي مصاعد من فضة، جمع معرج (عليها يظهرون) ~~[33] أي يعلون إلى سطوحها. ### || [سورة الزخرف (43): آية 34] # ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) # (ولبيوتهم) أي ولجعلنا لبيوتهم (أبوابا) من فضة (وسررا) من فضة (عليها ~~يتكؤن) [34] أي يجلسون وينامون. ### || [سورة الزخرف (43): آية 35] # وزخرفا وإن كل ذلك لما ms1566 متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) # (وزخرفا) أي ذهبا أو زينة، يعني لجعلنا لهم زينة من كل شيء أو عطف على ~~محل «من فضة»، أي لجعلنا بعضها من فضة وبعضها من ذهب، المعنى: لو لا الخوف ~~على المؤمن الذي يحب الدنيا لصببت الدنيا على الكافر صبا، إذ لا حظ له شرف ~~في نعيم الآخرة (وإن كل ذلك لما) مشددا بمعنى إلا و«إن» للنفي، أي ما كل ~~ذلك إلا (متاع الحياة الدنيا) يعني يفنى ولا يبقى (والآخرة) أي الجنة (عند ~~ربك للمتقين) [35] أي للذين يتقون الشرك والمعاصي، وقرئ «لما» مخففة من ~~الثقيلة «3» و«ما» زائدة تأكيدا، قيل: لم لم يوسع على المسلمين ليرغب الناس ~~إلى الإسلام؟ أجيب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضا، لأن الدخول لأجل الدنيا ~~من دين أهل النفاق ونسيان ذكر الله تعالى «4». ### || [سورة الزخرف (43): آية 36] # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) # ثم قال (ومن يعش) أي ومن يعرض، من عشا يعشو إذا ضعف بصره بلا آفة بعينه، ~~والمراد منه التعامى، أي ومن يتعام «5» (عن ذكر الرحمن) أي القرآن بأن لا ~~يؤمن به ولا يعمل بما فيه (نقيض) أي نسيب (له شيطانا) مسلطا عليه يخذله ~~مجازاة لإعراضه عن ذكر الله (فهو) أي الشيطان (له) أي للمعرض (قرين) [36] ~~أي صاحب لا يفارقه في النار كلاهما في سلسلة واحدة أو لا يفارقه في الدنيا ~~يزين له الضلالة. ### || [سورة الزخرف (43): آية 37] # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) # (وإنهم) أي وإن الشياطين (ليصدونهم) أي ليمنعون المعرضين (عن السبيل) أي ~~طريق الهدى (ويحسبون) أي يظنون (أنهم مهتدون) [37] أي أنهم على الطريق ~~المستقيم، وإنما جمع ضمير «من يعش» وضمير ال «شيطان» في قوله «وإنهم ~~ليصدونهم» مع أنهما مفردان، لأن المراد ب «من» وال «شيطان» جنسان مبهمان PageV04P088 # فيتناول كل واحد «1» منهما الإفراد، فبذلك جاز أن يرجع إليهما بصيغة ضمير الجمع. ### || [سورة الزخرف (43): آية 38] # حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) # قوله (حتى) غاية لحسبانهم مهتدين «2» (إذا ms1567 جاءنا) مفردا، أي المعرض وقرئ ~~«جاءانا» تثنية «3»، أي المعرض وشيطانه «4» (قال) أي المعرض لشيطانه تندما ~~(يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) أي بعدا مثل بعد ما بين المشرق والمغرب ~~بتغليب المشرق، أراد به غاية تباعدهما (فبئس القرين) [38] أي قال الله ~~تعالى فبئس الصاحب معه الشيطان في النار أو قال المعرض فبئس القرين أنت يا شيطان. ### || [سورة الزخرف (43): آية 39] # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) # (ولن ينفعكم اليوم) أي يقال يوم القيامة للكافرين المعرضين عن القرآن عند ~~دخولهما النار لن ينفعكم اليوم الندم أو الاعتذار أو التمني (إذ ظلمتم) بدل ~~من «اليوم»، أي إذا أشركتم، قوله (أنكم) بالفتح تعليل لعدم النفع، أي لما ~~صح ظلمكم عندكم في الدنيا فلن ينفعكم اليوم ندمكم لأنكم (في العذاب ~~مشتركون) [39] أي حق جميعكم من التابع والمتبوع أن تكونوا في العذاب سواء ~~لاشتراككم في موجبه وهو الكفر. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 40 الى 41] # أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) فإما نذهبن بك ~~فإنا منهم منتقمون (41) # قوله (أفأنت تسمع الصم) نزل حين بالغ النبي عليه السلام في طلب إيمان أهل ~~مكة «5»، فأوحى الله تعالى إلى أن لا نافع إلا هو بقوله «أ فأنت تسمع ~~الصم»، أي تفهم من كان أصم القلب (أو تهدي) أي ترشد (العمي) أي من تعامى عن ~~الحق إلى الهدى (ومن كان في ضلال مبين) [40] أي ظاهر الضلالة في علم الله ~~تعالى فوجبت «6» عليه كلمة العذاب، والفاء في جواب شرط مقدر وهو لما يؤمنوا ~~بك وبما جئتهم «7» به من القرآن في قوله (فإما نذهبن بك) «8» بأن نميتك قبل ~~نصرتك وتعذيب الكفار هنا «9» (فإنا منهم منتقمون) [41] يوم القيامة. ### || [سورة الزخرف (43): آية 42] # أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون (42) # (أو نرينك الذي وعدناهم) من العذاب في حيوتك بأن لم يؤمنوا (فإنا عليهم) ~~أي على إهلاكهم (مقتدرون) [42] أي قادرون بلا مانع عنه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 43] # فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) # قوله (فاستمسك) خطاب له صلى الله عليه ms1568 وسلم والمراد أمته، أي خذ (بالذي ~~أوحي إليك) واعمل به وهو القرآن (إنك على صراط مستقيم) [43] أي على دين الحق. ### || [سورة الزخرف (43): آية 44] # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون (44) # (وإنه) أي القرآن (لذكر) أي لشرف «10» (لك ولقومك) أي للعرب، لأنه نزل ~~بلغتهم، وقيل: ذكر لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك «11»، أي لمتبعيك «12» ~~بالهداية (وسوف تسئلون) [44] يوم القيامة عن شكر هذا PageV04P089 # الشرف أو عن القيام بحق القرآن. ### || [سورة الزخرف (43): آية 45] # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45) # (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) أي اسئل أمم من أرسلنا من قبلك الذين ~~يقرؤون كتبهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: إن الأنبياء جمعوا ليلة ~~المعراج وصلى بهم النبي عليه السلام ببيت المقدس، فقيل له صلى الله عليه ~~وسلم سل من رسلنا قبلك «1» (أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) [45] يعني ~~«2» هل جاءهم رسول بدعوهم إلى عبادة غير الله فقال صلى الله عليه وسلم لا ~~أسألهم قد اكتفيت بعلمي ويقيني بما في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 46] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين (46) # (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي باليد والعصا (إلى فرعون وملائه فقال إني ~~رسول رب العالمين) [46] على سبيل التعريض. ### || [سورة الزخرف (43): آية 47] # فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) # (فلما جاءهم) موسى (بآياتنا) أي بعلاماتنا (إذا هم منها يضحكون) [47] أي ~~يسخرون ويعجبون، قيل: # كيف جاز أن يجاب «لما» ب «إذا» للمفاجاة وهو ليس بفعل ليعمل في «لما» ~~بمعنى حين؟ أجيب بأن «إذا» متضمن لفعل المفاجاة وهو عامل النصب في محل ~~«إذا» على المفعولية، تقديره: فلما جاءهم بآياتنا فأجاؤا وقت ضحكهم «3». ### || [سورة الزخرف (43): آية 48] # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) # (وما نريهم) أي القبط (من آية) كالطوفان والجراد والضفادع (إلا هي أكبر) ~~أي أعظم (من أختها) أي من الآية التي كانت قبلها ليكون العذاب أعظم وأشد ~~فلم يؤمنوا ms1569 بشيء منها (وأخذناهم بالعذاب) أي عاقبناهم بهذه العقوبات (لعلهم ~~يرجعون) [48] عن كفرهم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 49] # وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) # (وقالوا) أي قال القبط لموسى تعظيما له عند مجيء موسى بالآيات عاجزين ~~ذليلين (يا أيها الساحر) بفتح الهاء وضمها «4»، أي العالم الكامل قالوا به ~~استعظاما لعلم السحر (ادع لنا ربك بما عهد عندك) أي بحق ما أمرك به ربك إن ~~تدعو لله فتستجاب ليكشف العذاب عمن اهتدى (إننا لمهتدون) [49] أي مؤمنون بك ~~وموحدون ربك. ### || [سورة الزخرف (43): آية 50] # فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) # (فلما كشفنا عنهم العذاب) بدعاء موسى (إذا هم ينكثون) [50] أي ينقضون ~~عهودهم كفرا. ### || [سورة الزخرف (43): آية 51] # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) # (ونادى فرعون) بنفسه أو أمر بالنداء (في قومه) أي في مجامعهم وأسواقهم ~~افتخارا (قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار) أي أنهار النيل، ~~ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر تنيس ونهر دمياط (تجري من تحتي) ~~الواو للحال، أي تجري من تحت قصوري وسرري وبين يدي وفي بساتيني (أفلا ~~تبصرون) [51] عظمتي وفضلي على موسى. PageV04P090 ### || [سورة الزخرف (43): آية 52] # أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) # (أم أنا خير) الهمزة للتقرير والميم صلة كأنه قال اثبت عندكم وهذه حالتي، ~~إنني أنا خير (من هذا الذي هو مهين) أي ضعيف حقير، يعني موسى (ولا يكاد) أي ~~لا يقرب (يبين) [52] أي يفصح كلامه لعية فيه أراد لثغته التي حدثت «1» بسبب ~~الجمرة، فلا يصلح للرياسة والسياسة ليؤمن به الناس ويقتدوه وأنا فصيح ~~الكلام وبليغ الحجة أفلا تنظرون فضلي عليه في كل شيء. ### || [سورة الزخرف (43): آية 53] # فلو لا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) # (فلو لا ألقي عليه أسورة) أي هلا أعطي أسوة وقرئ «أساورة» «2» (من ذهب) ~~إن كان صادقا في مقالته وحقا في رسالته فيكون حاله خيرا «3» من حالي، وكان ms1570 ~~آل فرعون إذا سودوا رجلا ألبسوه أسورة ذهب وطوقوه طوق ذهب (أو جاء معه ~~الملائكة مقترنين) [53] أي متتابعين يشهدون بصدقه. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 54 الى 55] # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم فأغرقناهم أجمعين (55) # (فاستخف قومه) أي استذلهم (فأطاعوه) أي انقادوا له فيما يريد (إنهم كانوا ~~قوما فاسقين) [54] أي عاصين الله ورسوله بنقض العهد. # (فلما آسفونا) أي أغضبونا (انتقمنا منهم) أي عاقبناهم (فأغرقناهم أجمعين) ~~[55] أي لم نبق أحدا منهم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 56] # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) # (فجعلناهم سلفا) بضمتين جمع سليف وبفتحتين جمع سالف «4»، ومعنى الكل ~~الماضي والمتقدم، أي فأهلكناهم وجعلناهم متقدمين عبرة (ومثلا للآخرين) [56] ~~بعدهم من الكفار يتمثلون بحالهم فلا يفعلون مثل أفعالهم. ### || [سورة الزخرف (43): آية 57] # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) # قوله (ولما ضرب ابن مريم) الآية نزل حين قال ابن الزبعري للنبي عليه ~~السلام بعد نزول قوله تعالى «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم» «5» ~~رضينا أن يكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة، لأنهم عبدوا دون الله ففرح ~~قومه بذلك وضحكوا استهزاء ورفعوا أصواتهم تعجبا وأعرضوا عن النبي عليه ~~السلام، فقال تعالى ولما ضرب، أي وصف ابن مريم (مثلا) يعني ممثلا به (إذا ~~قومك) أي كفار مكة (منه) أي من أجل المثل (يصدون) [57] بالضم، أي يعرضون عن ~~الحق، وبالكسر «6»، أي يضجون ويرفعون أصواتهم تعجبا. ### || [سورة الزخرف (43): آية 58] # وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) # (وقالوا أآلهتنا خير أم هو) يعنون عيسى فنرضي أين يكون آلهتنا معه في ~~النار على تقدير أن يكون هو فيها (ما ضربوه) أي هذا المثل وهو آلهتنا خير ~~أم هو (لك) يا محمد، يعني ما عارضوك بهذه المعارضة (إلا جدلا) أي مجادلين ~~بالباطل أو لأجل الجدل في القول لا لطلب الحق وترك الباطل (بل هم قوم ~~خصمون) [58] أي شديد و«7» الخصومة دأبهم اللجاج. PageV04P091 ### || [سورة الزخرف (43): آية 59] # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) # (إن هو) ms1571 أي ما عيسى (إلا عبد) مربوب فلا يجوز أن يكون إلها لكن (أنعمنا ~~عليه) بالنبوة (وجعلناه مثلا لبني إسرائيل) [59] أي دليلا وعبرة يستدلون ~~بوجوده من غير أب على قدرة الله تعالى كما خلقنا آدم من غير أب وأم لذلك. ### || [سورة الزخرف (43): آية 60] # ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون (60) # (ولو نشاء) لقدرتنا على عجائب الأمور (لجعلنا) أي ولدنا (منكم) يا بني ~~آدم (ملائكة في الأرض يخلفون) [60] بعدكم كما يخلقكم أولادكم كما ولدنا ~~عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن ~~الملائكة أجسام لا تتولد إلا من الأجسام، وذات الله القديم متعالية عن ذلك. ### || [سورة الزخرف (43): آية 61] # وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) # (وإنه) أي نزول عيسى عليه السلام (لعلم للساعة) بكسر العين، أي ما يعلم ~~به قرب الساعة وبفتح العين «1» واللام رواية، أي علامة لقيام الساعة (فلا ~~تمترن) أي لا تشكن (بها) أي في الساعة والبعث من المرية الشك (واتبعون) أي ~~اتبعوا صراطي وهو التوحيد (هذا) أي الذي آمركم به من التوحيد (صراط مستقيم) ~~[61] لا اعوجاج له. ### || [سورة الزخرف (43): آية 62] # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) # (ولا يصدنكم) أي لا يصرفنكم (الشيطان) عن هذا الصراط وهو طريق الهدى (إنه ~~لكم عدو مبين) [62] أي ظاهر العداوة. ### || [سورة الزخرف (43): آية 63] # ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) # (ولما جاء عيسى بالبينات) أي بالمعجزات والشرائع (قال قد جئتكم بالحكمة) ~~أي بالنبوة وشرائع الإنجيل (و) بعثت (لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) من ~~أمر الدين دون بعض الذي تختلفون فيه من غيره، إذ لا تعبد فيه (فاتقوا الله) ~~من المخالفة (وأطيعون) [63] فيما آمركم من أمر التحيد. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 64 الى 65] # إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) # (إن الله هو ربي وربكم) أي هو «2» خالقي وخالقكم (فاعبدوه) أي وحدوه ~~وأطيعوه ms1572 (هذا صراط مستقيم [64] فاختلف الأحزاب) أي الجماعات المتحزبة في ~~أمر عيسى (من بينهم) أي من «3» بين النصارى الذين بعث عيسى إليهم بالنبوة، ~~فقال لهم إني قد «4» جئتكم بالحكمة، وهم النسطورية واليعقوبية والملكائية، وقيل: # هم اليهود والنصارى «5» تفرقوا في أمر عيسى، فقالت اليهود إنه ولد الزنا، ~~وقالت النصارى إنه ابن الله واختلفوا في قتله (فويل للذين ظلموا) أي أشركوا ~~(من عذاب يوم أليم) [65] أي وجيع. ### || [سورة الزخرف (43): آية 66] # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) # (هل ينظرون إلا الساعة) أي ما ينتظرون إذ لم يؤمنوا إلا (أن تأتيهم) ~~الساعة (بغتة) أي فجأة (وهم لا يشعرون) [66] بها يعني غافلون عنها ~~لاشتغالهم بالدنيا، ويجوز أن تأتي الناس بغتة وهم يظنون كالمؤمنين PageV04P092 # بالوحي، ومحل «1» «أن تأتيهم» نصب بدل من «الساعة» و«بغتة» مع ما بعدها ~~حالان «2» منها. ### || [سورة الزخرف (43): آية 67] # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) # قوله (الأخلاء) مبتدأ، أي الأصدقاء بسبب المعصية (يومئذ) أي يوم القيامة ~~(بعضهم لبعض عدو) خبر، أي يعادي بعضهم بعضا، ف «يومئذ» ظرف ل «عدو» (إلا ~~المتقين) [67] أي إلا الأصدقاء في الله أو إلا المجتنبين أخلاء السوء، قيل: ~~كل وصلة أخوة منقطعة إلا ما كان في الله فانها في كل وقت باقية مزدادة قوة ~~إذا رأوا ثواب التحاب في الله والتباغض في الله «3»، والآية نزلت في أبي بن ~~خلف وعقبة بن أبي معيط «4». ### || [سورة الزخرف (43): آية 68] # يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) # (يا عباد) بياء الإضافة وتركها «5»، أي ينادي به يومئذ المتقون المتحابون ~~في الله (لا خوف عليكم اليوم) من العذاب (ولا أنتم تحزنون) [68] مما عملتم ~~في الدنيا من الذنوب. ### || [سورة الزخرف (43): آية 69] # الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) # (الذين آمنوا) منصوب المحل صفة ل «عباد»، أي الذين صدقوا (بآياتنا وكانوا ~~مسلمين) [69] أي مخلصين وجوههم لنا ولطاعتنا. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 70 الى 71] # ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) # (ادخلوا الجنة ms1573 أنتم وأزواجكم تحبرون) [70] أي تسرون، والحبرة المبالغة في ~~السرور، يعني تكرمون إكراما بليغا يظهر أثره على وجوههم، ثم أخبر أنهم إذا ~~دخلوا الجنة واستقروا فيها (يطاف عليهم بصحاف) أي بقصاع (من ذهب وأكواب) ~~جمع كوب وهو إناء يشرب منه لا عروة له ليشرب الشارب من حيث شاء (وفيها) أي ~~في الجنة (ما تشتهيه الأنفس) بهاء الضمير وتركها «6» تلذذا (وتلذ الأعين) ~~أي تلتذ به نظرا (وأنتم فيها خالدون) [71] أي «7» لا تخرجون ولا تموتون. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 72 الى 73] # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون (73) # (وتلك الجنة) أي «8» وهي الجنة (التي أورثتموها بما) أي بسبب وارثه (كنتم ~~تعملون) [72] من الأعمال الحسنة، يعني دخلت الجنة في ملككم كدخول الميراث ~~في ملك وارثه (لكم فيها) أي في الجنة (فاكهة كثيرة) أي ينقطع (منها) أي من ~~تلك الفاكهة (تأكلون) [73] متى شئتم. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 74 الى 76] # إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) ~~وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) # (إن المجرمين) أي الكافرين (في عذاب جهنم خالدون [74] لا يفتر عنهم) أي ~~لا يخفف العذاب طرفة عين عنهم (وهم فيه مبلسون) [75] أي آيسون من رحمة ~~الله، قيل: «يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يردم عليه فيبقى فيه خالدا لا ~~يرى ولا يرى» «9». PageV04P093 # (وما ظلمناهم) أي لا نعذبهم بغير ذنب (ولكن كانوا هم الظالمين) [86] ~~باستكبارهم عن الإيمان. ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 77 الى 78] # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ~~ولكن أكثركم للحق كارهون (78) # (ونادوا) عند شدة العذاب وطول مكثهم فيها أو لغلبة الجوع الملقى عليهم ~~(يا مالك) أي يا خازن جهنم ادع لنا ربك (ليقض) أي ليحكم (علينا ربك) بالموت ~~فيجيبهم مالك بعد أربعين سنة أو ألف سنة (قال إنكم ماكثون) [77] دائما في ~~العذاب، قيل: كيف قال «ونادوا يا مالك» بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ أجيب بأن ~~تلك أزمنة ممتدة فيختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس وينادون ~~أوقاتا لشدة ms1574 ما بهم من العذاب «1»، ثم يقال لهم توبخا (لقد جئناكم) على ~~لسان رسلي (بالحق) أي القرآن والتوحيد في الدنيا (ولكن أكثركم للحق كارهون) ~~[78] أي جاحدون. ### || [سورة الزخرف (43): آية 79] # أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) # (أم أبرموا) أي أأحكم أهل مكة (أمرا) في كيد محمد عليه السلام واتفقوا ~~عليه (فإنا مبرمون) [79] أي محكومون كيدنا لإهلاكهم كما أبرموا كيدهم له، ~~وذلك نزل حين اجتمعوا في دار الندوة ودخل إبليس عليهم لتقوية مكرهم «2»، ~~وقد مر بيانه في سورة الأنفال، قيل: المبرم هو المفتول على طاقين «3». ### || [سورة الزخرف (43): آية 80] # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) # (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم) أي بل يظنون أنا لا نعلم ما خطر ببالهم ~~(ونجواهم) أي ما يتناجون بينهم جهرا وهم الذين كانوا يتناجون خلف الكعبة، ~~ويقولون لا يسمع رب محمد مقالتنا هنا فقال تعالى (بلى) نسمع نحن ذلك ~~(ورسلنا) أي الحفظة من الملائكة (لديهم يكتبون) [80] ما يسرون وما يعلنون. ### || [سورة الزخرف (43): آية 81] # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) # قوله (قل إن كان للرحمن ولد) نزل حين قالوا الملائكة بنات الله تبكيتا ~~«4»، أي قل يا محمد إن كان للرحمن ولد فرضا (فأنا أول العابدين) [81] لذلك ~~الولد، وهذا غاية التوحيد والمبالغة في نفي الولد، لأنه تعليق بالمحال لما ~~ثبت ببرهان صحيح عقلي وحجة واضحة أن لا ولد له فانتفت عبادته لانتفائه، لأن ~~المعلق بالمحال محال مثله، وفيه إيماء إلى الإنصاف في الجدال وإثبات للحجة ~~عليهم في نفي الولد عنه تعالى، وقيل: أنا أول الجاحدين لقولكم باضافة الولد ~~إليه «5»، وقيل: «إن» نافية، أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين لله ~~بنفي ذلك «6». ### || [سورة الزخرف (43): الآيات 82 الى 83] # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) # وتكذيب قولكم قوله (سبحان رب السماوات والأرض رب العرش) تنزيه لنفسه ~~تعالى (عن ما يصفون) [82] أي يقولون من الكذب بأن لله ولدا (فذرهم) أي اترك ~~كفار مكة (يخوضوا) أي يشرعوا ms1575 في باطلهم (ويلعبوا) في دنياهم (حتى يلاقوا) ~~أي يعاينوا (يومهم الذي يوعدون) [83] وهو يوم القيامة «7». ### || [سورة الزخرف (43): آية 84] # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) # (وهو الذي في السماء إله) أي معبود فيها بدون الاستقرار (وفي الأرض إله) ~~أي معبود فيها كذلك، يعني PageV04P094 # ليس حالا فيهما أو في أحدهما (وهو الحكيم) في أمره (العليم) [84] بخلقه ~~وقولهم وفعلهم، فيه نفي الآلهة التي تعبد في الأرض وتخصيص الألوهية له تعالى. ### || [سورة الزخرف (43): آية 85] # وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون (85) # ثم عظم نفسه ونزه بقوله (وتبارك) أي تعاظم وتعالى عما يقولون (الذي له ~~ملك السماوات والأرض) أي خزائنهما أو نفاذ الأمر فيهما (و) له (ما بينهما) ~~من الخلق (وعنده علم الساعة) أي علم قيامها (وإليه) أي إلى حكمه (ترجعون) ~~[85] بالتاء والياء «1». ### || [سورة الزخرف (43): آية 86] # ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) # (ولا يملك الذين يدعون) أي لا يقدر الآلهة الذين يعبدونهم (من دونه) أي ~~من دون الله (الشفاعة) لأحد كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، وهم الملائكة ~~وعزير وعيسى (إلا من شهد بالحق) أي إلا لمن قال كلمة الإخلاص من المؤمنين ~~فهو استثناء متصل أو لكن من شهد بالحق وهو توحيد الله (وهم يعلمون) [86] ~~أنه الحق عن بصيرة وإخلاص، «هم» خبر «لكن» الذين يملكون الشفاعة فهو ~~استثناء منقطع. ### || [سورة الزخرف (43): آية 87] # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) # (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) أي ليعترفون «2» بخالقهم وهم كفار ~~قريش (فأنى يؤفكون) [87] أي كيف يصرفون بعد الاعتراف والتصديق. ### || [سورة الزخرف (43): آية 88] # وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) # قوله (وقيله) جر بلفظ حرف القسم، أي أقسم بقول النبي عليه السلام وندائه ~~(يا رب) شكاية لهم وجواب القسم (إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) [88] وقرئ بالنصب ~~«3» أيضا على تقدير يعلم قيام الساعة ويعلم قيله، وقيل: الجر والنصب يجوزان ~~لكون العطف على لفظ الساعة وعلى محلها «4»، وفيه ms1576 بعد معنى ولفظا، أما معنى ~~فلعدم معنى التخصيص فيه وأما لفظا فللفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. ### || [سورة الزخرف (43): آية 89] # فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # قوله (فاصفح) جواب شرط محذوف، أي إذا لم يجئ منهم إيمان فأعرض (عنهم) أي ~~عن دعوتهم أو فاعف، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال (وقل سلام) أي قل لهم قولا ~~تسلم به من شرهم وهو سلام لكم سلام متاركة لا سلام دعاء (فسوف يعلمون) [89] ~~بالخطاب وهو وعيد لهم منه تعالى، وقرئ بالياء «5» على معنى الخبر عنهم. PageV04P095 ### | سورة الدخان # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الدخان (44): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (3) # (حم) [1] أي يا محمد بحق الحي القيوم (والكتاب المبين) [2] أي وبحق ~~القرآن الفارق بين الحق والباطل، جواب القسم (إنا أنزلناه) أي القرآن (في ~~ليلة مباركة) هي ليلة القدر من اللوح المحفوظ من السماء السابعة إلى السماء ~~الدنيا دفعة واحدة في بيت العزة إلى السفرة الكرام الذين أمروا باستنساخه ~~من اللوح في ليلة القدر، ثم نزل به جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله عليه ~~السلام في عشرين سنة متفرقا أو هي ليلة نصف شعبان، وسماها ليلة مباركة ~~لكثرة خيرها وبركتها على العاملين فيها الخير من المغفرة وفضيلة العبادة ~~ونزول الرحمة على المؤمنين في هذه الليلة، روي: أنه تعالى يغفر لجميع ~~المسلمين فيها إلا لكاهن أو ساحر أو مدمن خمر أو عاق للولدين أو مصر على ~~الزنا «1»، وروي: «أنه من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ~~ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون ~~عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان» «2»، وروي أنه عليه ~~السلام قال: «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب» ~~«3»، قوله (إنا كنا منذرين) [3] مع ما بعده تفسير لجواب القسم، أي أنزلناه ~~لإنذارنا وتحذيرنا الكافرين من العقاب. ### || [سورة الدخان (44): آية 4] # فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # (فيها) أي في ليلة ms1577 القدر أو نصف شعبان (يفرق) أي يفصل ويكتب (كل أمر ~~حكيم) [4] أي محكوم بوقوعه «4» من خير وشر وأجل ورزق وكل ما هو كائن من هذه ~~الليلة إلى الليلة الآخرى من السنة القابلة من أم الكتاب. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 5 الى 6] # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) # (أمرا) أي يفرق فرقا وقضاء (من عندنا) أي بأمرنا من عندنا، فصار نصبا ~~بنزع الخالفض، قوله (إنا كنا مرسلين) [5] بدل من «إنا كنا منذرين»، أي كنا ~~مرسلين الرسل إلى الخلق أو الملائكة في هذه الليلة (رحمة) أي لرحمة ~~للمؤمنين (من ربك إنه هو السميع) لمقالتهم «5» (العليم) [6] بهم وبأعمالهم، ~~قيل: يبدأ استنساخ كل أمر محكوم بوقوعه من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ~~ويقع الفراغ في ليلة القدر، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب ~~والزلازل والخسف والصواعق إلى جبرائيل، ونسخة المصائب إلى ملك الموت، ونسخة ~~الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا «6». PageV04P096 ### || [سورة الدخان (44): آية 7] # رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) # (رب السماوات) بالجر بدل من «ربك»، وبالرفع «1»، أي هو رب السموات ~~(والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) [7] أي مؤمنين بتوحيد الله الذي يقرون ~~بأنه رب السموات والأرض. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 8 الى 9] # لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك ~~يلعبون (9) # (لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم) أي خالقكم ورازقكم (ورب آبائكم الأولين) ~~[8] أي خالقهم ورازقهم لا غيره «2» مما تعبدون. # قوله (بل هم في شك يلعبون) [9] جواب لقوله «إن كنتم موقنين»، أي لا ~~يوقنون حقيقة أن للسموات والأرض ربا بل هم في شك من القرآن وقيام الساعة ~~يلعبون، أي يستهزؤون بك يا محمد. ### || [سورة الدخان (44): آية 10] # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) # قوله (فارتقب) نزل حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش فقال ~~اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فاستجيب دعاؤه حتى هلكوا ~~وأكلوا الميتة، وكان واحدهم يرى كهيئة الدخان بين السماء والأرض من ms1578 شدة ~~الجوع، فجاء أبو سفيان النبي عليه السلام وقال يا محمد تأمر بصلة الرحم وإن ~~قومك قد هلكوا فادع لهم ليكشف عنهم الجوع، فأراد النبي عليه السلام أن يدعو ~~لهم ليكشف عن القحط، فقال تعالى ارتقب، أي انتظر يا محمد عذابهم «3» (يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين) [10] أي ظاهر لا شك فيه، يعني القحط، وسمي دخانا ~~ليبس الأرض من النبات وارتفاع الغبار مشبها بالدخان، وقيل: «هو دخان يأتي ~~من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس أحدهم كرأس ~~الحنيذ» «4»، وقيل: «ينتفخ الكافر حتى يصير كالجمل فيأخذ المؤمن منه كهيئة ~~الزكام» «5». ### || [سورة الدخان (44): الآيات 11 الى 13] # يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى ~~لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين (13) # (يغشى الناس) أي يشمل أهل مكة الدخان فاذا أغشيهم قالوا (هذا عذاب أليم) ~~[11] مشيرين إلى الجوع (ربنا اكشف عنا العذاب) أي الجوع أو دخان العذاب ~~(إنا مؤمنون) [12] أي نؤمن أن كشف عنا العذاب وهو موعدة منهم بالإيمان ~~فيقال لهم حينئذ (أنى لهم الذكرى) أي كيف يتذكرون الإيمان ويفون «6» بما ~~وعدوا عند نزول العذاب، يعني لا ينفعهم تذكرهم شيئا (وقد جاءهم رسول مبين) ~~[13] أي مظهر ما يوجب الأذكار من الآيات والمعجزات فلم تذكروا، وهو أعظم في ~~وجوب الإيمان من كشف الدخان. ### || [سورة الدخان (44): آية 14] # ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) # (ثم تولوا عنه) أي أعرضوا عما جاء به فلم يصدقوه (وقالوا) للرسل (معلم) ~~أي «7» يعلمه القرآن غيره كجبر ويسار و«8» (مجنون) [14] لا اعتبار لقوله، ~~يعني «9» بهتوه بتعليم غيره إياه ونسبوه إلى الجنون. ### || [سورة الدخان (44): آية 15] # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) # قوله (إنا كاشفوا العذاب) خطاب لأهل مكة، أي إنا كنا نكشف العذاب الذي هو ~~الجوع عنكم زمانا (قليلا) ثم (إنكم عائدون) [15] أي تعودون إلى شرككم لا ~~تلبثون عقيب الكشف، فكشف الجوع عن قريش PageV04P097 # بدعاء النبي عليه السلام فعادوا إلى الكفر فانتقم منهم يوم بدر وإن أريد ~~بالدخان الذي قبل يوم القيامة، فكشف العذاب عنهم ms1579 انما يستقيم بما روي: أن ~~الكفار والمنافقين إذا رأوا الدخان يأتي من السماء غوثوا، وقالوا ربنا اكشف ~~عنا العذاب انا مؤمنون، أي منيبون إليك فكشف الله عنهم بعد أربعين يوما ~~فريثما يكشفه عنهم يرتدون عقيب ذلك «1». ### || [سورة الدخان (44): آية 16] # يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) # (يوم نبطش) أي اذكر يوم نأخذ (البطشة) أي بقوة البطشة (الكبرى) أي يوم ~~بدر أو يوم القيامة (إنا منتقمون) [16] أي ننتقم منهم في ذلك اليوم. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 17 الى 19] # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلي عباد الله ~~إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين (19) # (ولقد فتنا) أي ابتلينا (قبلهم) أي قبل قريش (قوم فرعون) بالإمهال وكثرة ~~المال فارتكبوا المعاصي (وجاءهم رسول كريم) [17] على الله وهو موسى وهرون ~~(أن أدوا إلي عباد الله) «أن» مفسرة لأن مجيء الرسول المرسل إليهم متضمن ~~معنى القول، لأنه بشير ونذير، أي أرسلوا معي بني إسرائيل ولا تعذبوهم لا ~~ذنب بهم إلى الشام (إني لكم رسول أمين) [18] غير متهم ائتمنه الله على وحيه ~~ورسالته فاتبعوني وأطيعوا أمري (وأن لا تعلوا) أن هذه كالأولى، أي لا ~~تتعظموا (على الله) باستهانة رسوله ووحيه أو لا تخالفوا أمره ولا تعملوا ~~بالفساد «2» (إني آتيكم بسلطان مبين) [19] أي دليل واضح على رسالتي كاليد ~~والعاصا. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 20 الى 21] # وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) # (وإني عذت بربي وربكم) أي أتعوذ به من (أن ترجمون) [20] أي تقتلوني ~~وكانوا يتوعدونه من الرجم (وإن لم تؤمنوا لي) أي إن لم تصدقوني (فاعتزلون) ~~[21] أي فاعتزلوا أذائى فانه ليس بجزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم ذلك ~~«3» فلم يؤمنوا به. ### || [سورة الدخان (44): آية 22] # فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) # (فدعا ربه) أي دعا موسى ربه عليهم (أن) أي بأن (هؤلاء قوم مجرمون) [22] ~~أي مشركون لم يطيعوني. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 23 الى 27] # فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ms1580 ~~(24) كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين (27) # قوله (فأسر بعبادي) أي ببني إسرائيل، الفاء فيه جواب شرط محذوف، أي قال ~~الله تعالى إن كان الأمر كما تقول فأسر بهم (ليلا إنكم متبعون) [23] أي ~~ندبر أن يتبعكم فرعون وقومه ليقتلوكم، ونحن ننجيكم ونهلكهم فاذهب موسى بني ~~إسرائيل إلى البحر بأمره تعالى، فضرب عصاه البحر فصار طريقا يبسا، فلما ~~جاوز موسى مع بني إسرائيل البحر عاد «4» موسى بضرب البحر بعصاه ليلتئم لئلا ~~يدركه بالقبط فقال تعالى لموسى (واترك البحر رهوا) أي ساكنا منفرجا كحاله ~~حتى يدخله القبط (إنهم جند مغرقون) [24] أي سيغرقون فدخل فرعون وقومه ~~فأغرقهم الله تعالى وبقيت بيوتهم وقصورهم وبساتينهم خاوية، فقال تعالى (كم ~~تركوا) وهو متضمن بمعنى الإخراج، أي كم أخرجناكم (من جنات وعيون) [25] أي ~~بساتين وأنهار جارية (وزروع) أي وحروث (ومقام كريم) [26] أي مساكن حسنة ~~(ونعمة) بالفتح من التنعم، أي وكم تركوا من نعيم (كانوا فيها فاكهين) [27] ~~أي معجبين. PageV04P098 ### || [سورة الدخان (44): آية 28] # كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) # (كذلك) أي تركا كذلك أو الأمر كذلك، يعني الأمر كما أجر جناهم من تلك ~~النعمة والمسرة والسعة في العيش (وأورثناها) أي جعلنا أموال القبط ميراثا ~~(قوما آخرين) [28] أي لبني إسرائيل. ### || [سورة الدخان (44): آية 29] # فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) # (فما بكت عليهم السماء والأرض) أي أهلهما ترحما لهم لكفرهم وهذا تعظيم ~~لمهلكهم أو ما بكت السماء والأرض بعينهما لما روي: أن المؤمن إذا مات بكت ~~عليه السماء والأرض أربعين صباحا «1»، وهذا ممكن قدرة (وما كانوا منظرين) ~~[29] أي مؤخرون عن نزول العذاب. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 30 الى 31] # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) # (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) [30] أي الشديد أو الهوان وهو ~~قتل الأبناء واستحياء النساء. # قوله (من فرعون) بدل من «العذاب»، أي من عذاب فرعون (إنه كان عاليا) أي ~~متكبرا عاصيا (من المسرفين) [31] أي من «2» المشركين وهو خبر ثان ل «كان». ### || [سورة الدخان (44): الآيات ms1581 32 الى 33] # ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا ~~مبين (33) # (ولقد اخترناهم) أي بني إسرائيل (على علم) منا بحالهم التي هذ أحقاء بها ~~يختاروا أو بما يصدر منهم من الفرطات في بعض الأوقات (على العالمين) [32] ~~أي عالمي زمانهم. # (وآتيناهم) أي أعطيناهم (من الآيات) أي من العلامات الربانية كفلق البحر ~~والمن والسلوى وغيرها (ما فيه بلؤا مبين) [33] أي اختبار ظاهر، فان الله ~~يختبر بالنعم كاختباره بالنقم. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 34 الى 35] # إن هؤلاء ليقولون (34) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) # (إن هؤلاء ليقولون) [34] أي إن كفر مكة قالوا جوابا لما «3» قيل لهم إنكم ~~تموتون ثم تحيون بعد الموت للحساب والجزاء كما تقدمتكم موتة بعدها حيوة (إن ~~هي) أي ما الموتة التي بعدها اليوة (إلا موتتنا الأولى) التي تقدمت لا ~~الموتة التي نموتها بعد ثم نحيى (وما نحن بمنشرين) [35] أي مبعوثين بعد الموت. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 36 الى 37] # فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (37) # (فأتوا بآبائنا) إحياء (إن كنتم صادقين) [36] أنا نبعث بعد الموت، قالوا ~~ذلك للنبي عليه السلام وأصحابه، ثم تهددهم الله باهلاك قوم كانوا أقرب إلى ~~أهل مكة بالاستكبار عن الإيمان فقال (أهم خير) أي يا محمد أكفار مكة خير، ~~أي أشد قوة ومنعة (أم قوم تبع) الحميري وهو كان نبيا مبعوثا إليهم أو رجلا ~~صالحا وقومه كافرين (والذين من قبلهم) أي قبل قوم تبع عطف على «قوم تبع» ~~(أهلكناهم) أي إنا أهلكنا قوم تبع ومن تقدمهم من الكفار المستكبرين عن ~~الإيمان، وكلهم كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض (إنهم كانوا مجرمين) ~~[37] أي عاصين وجاحدين. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 38 الى 39] # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلا بالحق ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) # (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما) أي وما بين الجنسين (لاعبين) ~~[38] أي بلا حكمة حال من فاعل «خلقنا». PageV04P099 # قوله (ما خلقناهما) بيان للجملة قبلها، أي ما ms1582 خلقنا السموات والأرض (إلا ~~بالحق) أي إلا لأمر كائن وهو الاستدلال على الوحدانية، وقيل: لمنفعة الخلق ~~«1»، وقيل: للأمر والنهي والترغيب والترهيب «2» (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ~~[39] أي لا يفقهون ذلك ولا يصدقون. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 40 الى 42] # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) # (إن يوم الفصل) أي يوم القضاء بين الخلق وهو يوم القيامة (ميقاتهم) أي ~~ميعادهم (أجمعين) [40] أي الأولين والآخرين. # قوله (يوم لا يغني) بدل من «يوم الفصل»، أي يوم لا ينفع (مولى عن مولى) ~~أي ولي عن ولي قريبا كان أو أجنبيا (شيئا) من الشفاعة أو من دفع العذاب ~~(ولا هم ينصرون) [41] أي يمنعون مما نزل بهم من العذاب. # قوله (إلا من رحم الله) من المؤمنين، فانه يشفع له ويشفع بدل من ضمير ~~«ينصرون» (إنه هو العزيز) للكافرين بالانتقام (الرحيم) [42] بالمؤمنين ~~بالفضل والثواب. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 43 الى 47] # إن شجرة الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي ~~الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم (47) # (إن شجرة الزقوم [43] طعام الأثيم) [44] أي الكثير «3» الإثم وهو أبو جهل ~~والوليد وأصحابهما (كالمهل) أي كالصفر المذاب أو كدري الزيت (يغلي في ~~البطون) [45] بتاء التأنيث، أي الشجرة، وقرئ بياء التذكير «4»، أي المهل، ~~والتشبيه في الذوب لا في الغليان (كغلي الحميم) [46] أي الماء الحار الذي ~~انتهى حره فيؤمر بالقاء الكافر في النار فيقال للزبانية (خذوه فاعتلوه) بضم ~~التاء وكسرها «5»، أي جروه بجفوة وغلظة شديدة (إلى سواء الجحيم) [47] أي وسطها. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 48 الى 49] # ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) # (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم) [48] ولم يقل من الحميم ليكون أهول ~~وأهيب، ويقول له الملائكة استهزاء به «6» (ذق) العذاب (إنك) بكسر الهمزة ~~وفتحها «7» (أنت العزيز الكريم) [49] في زعمك، لأنه كان يقول في الدنيا ~~للنبي عليه السلام أنا أعز أهل الوادي وأمنعهم فو الله لن تستطيع أنت ولا ~~ربك أن تفعلاني شيئا. ms1583 ### || [سورة الدخان (44): الآيات 50 الى 52] # إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات ~~وعيون (52) # (إن هذا) أي العذاب (ما كنتم به تمترون) [50] أي تشكون في الدنيا أو ~~تجادلون فيها بالباطل (إن المتقين) أي الذين وحدوا الله وأطاعوه (في مقام) ~~بضم الميم وفتحها «8» (أمين) [51] أي في مكان ذي أمانة لمن نزله لا خيانة ~~له، لأن المكان المخيف كأنه يخون لنازله لما يلقى فيه من الخوف، قوله (في ~~جنات وعيون) [52] بدل من «من مقام أمين». ### || [سورة الدخان (44): آية 53] # يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) # (يلبسون من سندس وإستبرق) الجملة حال من ضمير فاعل «في جنات»، أي لابسين ~~من الجنسين، يعني PageV04P100 # مما لطف من الديباج ومما ثخن منه وغلظ، وال «إستبرق» معرب من استبره، ~~وجاز وقوع اللفظ العجمي في القرآن العربي، لأنه إذا عرب خرج من أن يكون ~~عجميا يتصرف فيه تصرف اللفظ العربي من غير فرق، قوله (متقابلين) [53] حال ~~بعد حال، أي متواجهين لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 54 الى 55] # كذلك وزوجناهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) # (كذلك) أي مثل ما ذكرت لهم ثابت في الجنة أو أثبناهم كذلك (وزوجناهم) أي ~~قرناهم (بحور عين) [54] أي حسان الوجوه عظام العيون، (يدعون فيها) أي ~~يطلبون في الجنة منا وهو حال مقدرة من فاعل «زوجنا»، أي مقدرين طلبهم فيها ~~منا (بكل فاكهة آمنين) [55] من انقطاعها ومضرتها أو من الموت أو من كل مخوف. ### || [سورة الدخان (44): الآيات 56 الى 57] # لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ~~ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) # (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي سوى الموتة الأولى أو ~~بعدها، والمعنى: لا يذوقون فيها البتة، لأن ذوق الموت الماضي غير ممكن في ~~المستقبل، فهذا من باب التعليق بالمحال (ووقاهم) أي يصرفهم عنهم (عذاب ~~الجحيم [56] فضلا) أي أعطى لهم هذا الثواب فضلا (من ربك ذلك) أي الفضل (هو ~~الفوز العظيم) [57] أي النجاة الوافرة. ### || [سورة الدخان ms1584 (44): الآيات 58 الى 59] # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # (فإنما يسرناه) الفاء فيه «1» للعطف على مقدر، أي ذكرهم بالكتاب المبين ~~فانما يسرناه، أي سهلنا القرآن (بلسانك) أي لتقرأ بلغتك لتفهمه العرب عنك ~~(لعلهم يتذكرون) [58] أي يتعظون به فيؤمنون وإن لم يؤمنوا. # (فارتقب) أي انتظر هلاكهم (إنهم مرتقبون) [59] هلاكك، لأنهم يرتقبون، أي ~~ينتظرون بك دائرة السوء. PageV04P101 ### | سورة الجاثية # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) # (حم) [1] أي بحق «حم» يا محمد (تنزيل الكتاب) أي القرآن (من الله العزيز ~~الحكيم) [2] ف «تنزيل» مبتدأ، وخبره الظرف «1». ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 3 الى 5] # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة ~~آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من ~~رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) # (إن في السماوات والأرض) أي في خلقهما أو في الذي فيهما من الشمس والقمر ~~وغيرهما من النيرات والجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها من العجائب ~~(لآيات) أي لدلالات واضحات (للمؤمنين) [3] أي للمصدقين بتوحيده (وفي خلقكم) ~~وتغيركم من حال إلى حال (و) في (ما يبث) عطف على المضاف دون المضاف إليه ~~لقبحه من غير إعادة الجار ولو أكد، أي وفي الذي ينشر الله (من دابة) مختلفة ~~في الأرض (آيات) أي دلائل (لقوم يوقنون) [4] بالبعث (و) في (اختلاف الليل ~~والنهار) أي في سواده وبياضه أو في ذهاب أحدهما ومجيء الآخر (و) في (ما ~~أنزل الله من السماء من رزق) أي مطر (فأحيا به الأرض بعد موتها) أي بعد «2» ~~يبسها (و) في (تصريف الرياح) مرة رحمة ومرة عذابا أو في جهات مختلفة (آيات ~~لقوم يعقلون) [5] الدليل والاستدلال به فيؤمنون ويطيعون، ف «آيات» الأولى ~~«3» مبتدأ وفي خلقكم خبره، و«آيات» الثانية مبتدأ و«اختلاف الليل» خبره، ~~لأنه مجرور ب «في» مقدرة كما مر هذا إذا رفعتهما استئنافا، فلو نصبت أو ~~رفعت عطفا لكان من العطف على معمولي عاملين، ms1585 وهما «إن و«في»، لأنك إذا نصبت ~~أقيمت الواو مقامهما فتعمل الجر في «اختلاف الليل» وفي «آيات» النصب، وإذا ~~رفعت كان العاملان الابتداء وفي فيعمل الواو الرفع في «آيات» والجر في ~~«اختلاف الليل» وهذا على مذهب الأخفش دون سيبويه، فانه لم يجوزه وتخرج ~~الآية عنده على إضمار «في» بدليل تقدم ذكره في الآيتين قبلها. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 6 الى 7] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ~~ويل لكل أفاك أثيم (7) # (تلك) أي الآيات المذكورة (آيات الله) أي آيات وحدانيته (نتلوها) أي ~~نقرأها (عليك) يا محمد (بالحق) أي بالصدق أو بأمر الحق (فبأي حديث بعد ~~الله) أي بعد كتابه (وآياته) أي معجزات أنبيائه (يؤمنون) [6] بالياء والتاء ~~«4»، أي يصدقون. PageV04P102 # (ويل لكل أفاك) أي كذاب (أثيم) [7] أي كثير الإثم وهو النضر بن الحارث. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 8 الى 9] # يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ~~(8) وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) # (يسمع آيات الله) صفة «أثيم» (تتلى) أي تقرأ (عليه ثم يصر) أي يقيم ~~(مستكبرا) أي معرضا متكبرا عن الإيمان بعد سمعه وفهمه، و«ثم» فيه ~~للاستبعاد، يعني ليس شأن آيات القرآن العظيم أن يصره من يسمعها على الضلالة ~~(كأن لم يسمعها) أي كأنه، يعني كأن الشأن لم يسمع تلك الآيات من القرآن، ~~فان ذلك مستبعد في العقول، وهو في محل النصب على الحال، أي يصر على كفره ~~مثل غير السامع (فبشره) يا محمد (بعذاب أليم [8] وإذا علم من آياتنا) أي ~~إذا سمع من آيات القرآن (شيئا) وعلمه (اتخذها) أي اتخذ جميع الآيات (هزوا) ~~أي سخرية لمبالغته في كفره «1» ويقول هذا مثل حديث رستم وإسفنديار (أولئك) ~~أي هو وأمثاله الأفاكون (لهم عذاب مهين) [9] يهانون فيه. ### || [سورة الجاثية (45): آية 10] # من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) # (من ورائهم) أي أمامهم (جهنم) أي من بعدهم جهنم، والوراء ما ms1586 توارى «2» ~~عنك من خلف أو قدام (ولا يغني) أي لا ينفع (عنهم ما كسبوا) من الأموال ~~(شيئا ولا) ينفعهم أيضا (ما اتخذوا من دون الله) أي من «3» الأصنام (أولياء ~~ولهم عذاب عظيم) [10] في الآخرة. ### || [سورة الجاثية (45): آية 11] # هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) # (هذا) أي هذا «4» القرآن (هدى) أي بيان من الضلالة أو سبب الهداية أو ~~كامل فيها (والذين كفروا بآيات ربهم) أي آيات القرآن (لهم عذاب من رجز ~~أليم) [11] بالرفع والجر «5»، أي من أشد العذاب الوجيع في الآخرة. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 12 الى 13] # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (13) # قوله (الله الذي سخر) أي ذلل (لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره) أي باذنه ~~من الله لنعمه للناس لعلهم يعتبرون فيؤمنون (ولتبتغوا من فضله) أي لتطلبوا ~~من رزقه (ولعلكم تشكرون) [12] هذه النعم (وسخر) أي ذلل (لكم ما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا منه) وهو نصب على الحال بعد الحال، أي كائنة من رحمته ~~وقدرته لصلاحكم ومنفعتكم كنور الشمس والقمر والنجوم والبر «6» والبحر ~~والجبال والمياه والدواب والنبات (إن في ذلك) أي فيما ذكر (لآيات) أي ~~لدلائل واضحات (لقوم يتفكرون) [13] فيوحدونه ويعتبرون في صنعه. ### || [سورة الجاثية (45): آية 14] # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون (14) # (قل للذين آمنوا يغفروا) أي قل لهم اغفروا يغفروا (للذين لا يرجون أيام ~~الله) أي وقائعه بهم، يعني لا يخافون عقوبات أيام الأمم الماضية قبلهم كعاد ~~وثمود وفرعون، المعنى: قل للمؤمنين أن يكفوا عن أذى المشركين، وذلك حين شتم ~~رجل من كفار قريش عمر رضي الله عنه بمكة فهم عمر رضي الله عنه والأصحاب أن ~~يعاقبوه فأمره الله أن يتجاوز عنه وكان ذلك أن يؤمر النبي عليه السلام ~~بالقتال (ليجزي) بالياء معلوما، أي PageV04P103 # ليجزي الله، وبالنون «1»، أي لنجزي نحن (قوما بما ms1587 كانوا يكسبون) [14] أي ~~بأعمالهم في الآخرة. ### || [سورة الجاثية (45): آية 15] # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) # (من عمل صالحا فلنفسه) أي فثوابه لها (ومن أساء فعليها) أي فعوقبته عليها ~~(ثم إلى ربكم ترجعون) [15] جميعا فيجازي كلا بعمله من الإحسان والإساءة. ### || [سورة الجاثية (45): آية 16] # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على العالمين (16) # (ولقد آتينا بني إسرائيل) أي أولاد يعقوب (الكتاب) وهو التورية والزبور ~~والإنجيل (والحكم) أي الحكم بالكتاب بين الناس أو العلم والفهم (والنبوة) ~~أي جعلنا النبوة فيهم وكان منهم ألف نبي في رواية «2» (ورزقناهم من ~~الطيبات) أي الحلالات الصرفة كالمن والسلوى من الرزق أو أورثناهم أموال ~~فرعون وقومه (وفضلناهم على العالمين) [16] أي عالمي زمانهم بالإسلام. ### || [سورة الجاثية (45): آية 17] # وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) # (وآتيناهم بينات) أي دلالات (من الأمر) أي من «3» أمر الدين من الحلال ~~والحرام وبيان ما كان قبلهم (فما اختلفوا) في الدين أو في شأن محمد عليه ~~السلام وكفروا (إلا من بعد ما جاءهم العلم) «4» بالدين وبمحمد عليه السلام ~~(بغيا) أي لبغي حدث (بينهم) يعني حسدا وعداوة لمحمد عليه السلام (إن ربك ~~يقضي) أي يحكم بالعدل «5» (بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) [17] ~~أي في الدين والكتاب. ### || [سورة الجاثية (45): آية 18] # ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (18) # (ثم جعلناك على شريعة) أي على مذهب وملة (من الأمر) أي من «6» أمر الدين ~~من الفرائض والأحكام والحدود (فاتبعها) أي أثبت عليها (ولا تتبع أهواء ~~الذين لا يعلمون) [18] أي لا يعترفون بالتوحيد وهم رؤساء قريش. ### || [سورة الجاثية (45): آية 19] # إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين (19) # قوله «7» (إنهم) في معنى التعليل، أي لأنهم (لن يغنوا عنك) أي لا يمنعونك ~~(من الله) أي من عذابه (شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض) ms1588 بالنصرة في ~~دينهم الباطل (والله ولي المتقين) [19] أي ناصر الموحدين المخلصين. ### || [سورة الجاثية (45): آية 20] # هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) # (هذا) أي القرآن وآياته (بصائر) أي معالم ودلائل كالبصائر في القلوب ~~(للناس) يتبصرون بها دينهم ما لهم وما عليهم (وهدى) من الضلالة (ورحمة) من ~~العذاب (لقوم يوقنون) [20] أي يصدقون بالكتاب والرسول وبالبعث. ### || [سورة الجاثية (45): آية 21] # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (21) # (أم حسب) أي أظن (الذين اجترحوا السيئات) أي اكتسبوها «8» (أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا PageV04P104 # الصالحات) في الرحمة والرضوان والهمزة في «أم حسب» لإنكار الحسبان (سواء) ~~بالنصب بدلا من المفعول الثاني ل «نجعلهم» وهو الكاف بمعنى مستويا، وارتفاع ~~(محياهم ومماتهم) على الفاعلية له وكان مفردا غير جملة، والمعنى: أن ~~المحسنين والمسيئين ليسا مساويين محيا ومماتا، لأن المحسنين عاشوا على ~~القيام بالطاعات والمسيئين على ركوب المعاصي ومات هؤلاء على البشرى بالرحمة ~~من الله والوصول «1» إلى ثوابه وأولئك ماتوا على اليأس من رحمة الله ~~والوصول إلى أشد العذاب، وقرئ «سواء» «2» بالرفع فيكون كلاما مستأنفا على ~~معنى أن المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه ~~«3»، والكافر في الدنيا والآخرة يموت على كفره ويبعث على كفره «4»، فكل ~~يموت على حسب ما عاش عليه (ساء ما يحكمون) [21] أي يقضون لأنفسهم حين ~~يعتقدون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين فيها، نزلت الآية حين قال كفار مكة ~~إنا نعطي في الآخرة من الخير أفضل ما يعطي المؤمنون فيها «5»، فأنكر الله ~~عليهم ذلك. ### || [سورة الجاثية (45): آية 22] # وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) # (وخلق الله السماوات والأرض بالحق) أي بالعدل فلا يقتضي التساوى بين ~~الفريقين، وقيل: معنى «بالحق» ليدل على صدق قدرته ولذلك عطف عليه قوله «6» ~~(ولتجزى كل نفس بما كسبت) من خير وشر (وهم لا يظلمون) [22] أي لا ينقصون من ~~ثواب أعمالهم ولا يزادون على عذاب سيئاتهم. ### || [سورة الجاثية (45): آية 23] # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ms1589 وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) # قوله (أفرأيت) نزل توبيخا لمن عبد الأصنام بهوى نفسه وترك عبادة ربه وعصى ~~أمره «6»، أي أنظرت فرأيت (من اتخذ إلهه هواه) لأنه يعمل ذلك بهواه ولا ~~يخاف الله (وأضله الله) عن طريق الهداية (على علم) من الله بأنه من أهل ~~النار، ومحله حال (وختم على سمعه) فلم يستدل على طريق الهداية (وقلبه) أي ~~وختم على قلبه فلا يرغب في الحق (وجعل على بصره غشاوة) وقرئ «غشوة» «7»، أي ~~غطاء لئلا ينظر ويعتبر في آيات الله (فمن يهديه) استفهام على سبيل الإنكار، ~~أي من يرشده إلى طريق الهداية (من بعد الله) أي بعد إضلال الله إياه (أفلا ~~تذكرون) [23] أي لا تتعظون أن من لا يقبل إلى الله بالتوبة لا يكرمه ~~بالهدى. ### || [سورة الجاثية (45): آية 24] # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) # (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما الحيوة إلا حيوتنا في الدنيا لا ~~حيوة بعد الموت في الآخرة (نموت ونحيا) أي يموت بعضنا ويحيى بعضنا كأولادنا ~~أو نحيى ونموت «8» لأن الواو للجمع لا للترتيب (وما يهلكنا) أي لا يميتنا ~~(إلا الدهر) أي مضي الأيام والليالي وانقضاء الآجال (وما لهم بذلك) أي بما ~~يقولون (من علم) أي برهان قطعي بل يتكلمون عن جهل (إن هم) أي ما القائلون ~~بذلك (إلا يظنون) [24] به ظنا بلا تحقيق، لأنهم ينكرون ملك الموت وقبضه ~~الأرواح بأمر الله وينسبون الحوادث إلى الدهر ولا يعلمون أن خالق الدهر هو ~~الآتي بالحوادث لا الدهر والزمان. PageV04P105 ### || [سورة الجاثية (45): آية 25] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) # (وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي آيات القرآن (بينات) أي واضحات ببيان الحلال ~~والحرام والبعث والجزاء (ما كان حجتهم) أي جوابهم بالنصب خبر «كان»، اسمه ~~(إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا) أي أحيوا ms1590 لنا آباءنا (إن كنتم صادقين) [25] ~~بأنا نموت «1» ونحيى بعد الموت وسماه حجة على سبيل التهكم لما ساقوه مساقها ~~عن جهل. ### || [سورة الجاثية (45): آية 26] # قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون (26) # ثم ألزموا بعد إنكارهم البعث وتكذيبهم «2» الرسل بقول باطل جوابا لهم بما ~~يقرون به من الخالق بقوله (قل الله يحييكم) في الدنيا (ثم يميتكم) عند ~~انقضاء آجالكم (ثم يجمعكم) أولكم وآخركم يوم النفخة الثانية (إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه) عند المؤمنين وهو القادر على اتيان آبائكم (ولكن أكثر ~~الناس) أي أهل مكة (لا يعلمون) [26] البعث بعد الموت لكفرهم. ### || [سورة الجاثية (45): آية 27] # ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) # (ولله ملك السماوات والأرض) أي خزائنهما ونفاذ الأمر فيهما (ويوم تقوم ~~الساعة) ظرف و(يومئذ) تأكيد له والعامل في الظرف (يخسر المبطلون) [27] أي ~~يومئذ يظهر خسرانهم بتكذيبهم. ### || [سورة الجاثية (45): آية 28] # وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) # (وترى كل أمة جاثية) أي باركة على الركب مجتمعة للحساب لدى الحاكم عليهم ~~(كل أمة تدعى إلى كتابها) أي إلى ما في كتابها من خير وشر، فيقال لهم ~~(اليوم تجزون ما كنتم تعملون) [28] في الدنيا من حسنة أو سيئة. ### || [سورة الجاثية (45): آية 29] # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) # (هذا كتابنا) أي يقول الله يومئذ هذا، أي ديوان الحفظة كتابنا الذي كتبوه ~~بأمرنا، وإضافة الكتاب الواحد إلى الشيئين للملابسة على الوجهين، فوجه ~~إضافته إلى الأمة أن أعمالهم مثبتة فيه، ووجه إضافته إلى الله أنها مالكه ~~والآمر لملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده، ومحل (ينطق) حال من الكتاب، أي ~~يشهد (عليكم بالحق) أي بالصدق من غير نقص وزيادة، يعني أنتم تقرؤنه فيذكركم ~~ما عملتم في الدنيا فكأنه ينطق عليكم (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) [29] ~~أي نثبت فيه نسخة أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا لا نهمل شيئا منها ~~خيرا أو ms1591 شرا. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 30 الى 31] # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين (31) # (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته) أي في جنته ~~(ذلك هو الفوز المبين) [30] أي النجاة الظاهرة. # (وأما الذين كفروا) جوابه فيقال لهم تهديدا (أفلم تكن) أي ألم يأتكم رسلي ~~فلم تكن (آياتي تتلى عليكم) في الدنيا بالإنذار على لسان رسلي (فاستكبرتم) ~~عن الإيمان (وكنتم قوما مجرمين) [31] أي كافرين بالرسل وبما جاؤكم به. ### || [سورة الجاثية (45): الآيات 32 الى 33] # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن (33) # (وإذا قيل) أي إذا قال لكم رسلنا في الدنيا (إن وعد الله حق) أي واقع لا ~~خلف فيه (والساعة) بالرفع PageV04P106 # والنصب «1» (لا ريب فيها قلتم ما ندري) أي ما نعرف (ما الساعة) أي أي شيء ~~القيامة والبعث (إن نظن) أي ما نظن بالبعث والجزاء (إلا ظنا) غير يقين، ~~والأصل نظن ظنا، ومعناه مجرد إثبات الظن لهم فأدخل «2» فيه حرف النفي وإلا ~~ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه، ثم قال (وما نحن بمستيقنين) [32] بأنها ~~كائنة تأكيدا للاستثناء. # (وبدا) أي ظهر (لهم سيئات ما عملوا) أي عقوباته (وحاق) أي نزل (بهم ما ~~كانوا به يستهزؤن) [33] وهو العذاب بعد الموت، لأنهم استهزؤا أنه غير نازل بهم. ### || [سورة الجاثية (45): آية 34] # وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين (34) # (وقيل) أي قالت الخزنة لهم (اليوم ننساكم) أي كما نترككم في النار كالشيء ~~المنسي لا يلتفت إليه (كما نسيتم) أي كما تركتم العمل (لقاء يومكم هذا) أي ~~لحضوره في هذا اليوم، وإضافة ال «لقاء» إلى ال «يوم» كاضافة مكر الليل ~~والنهار، يعني كما نسيتم لقاء الله في يومكم هذا (ومأواكم النار) أي مثويكم ~~ومقركم نار ms1592 جهنم (وما لكم من ناصرين) [34] يدفعون عنكم العذاب. ### || [سورة الجاثية (45): آية 35] # ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون (35) # (ذلكم) أي هذا العذاب النازل بكم (بأنكم) أي بسبب أنكم (اتخذتم آيات ~~الله) أي القرآن (هزوا) أي سخرية فلم تؤمنوا بها (وغرتكم الحياة الدنيا) أي ~~زينتها (فاليوم لا يخرجون) بضم الياء مجهولا وفتحها معلوما «3» (منها) أي ~~من النار (ولا هم يستعتبون) [35] أي لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالطاعة ~~لعدم التوبة ثمه والرجوع إلى الدنيا. ### || [سورة الجاثية (45): آية 36] # فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (36) # (فلله الحمد) أي فيقول المؤمنون عند ذلك لله جميع المحامد وآثار الحمد ~~والثناء (رب السماوات ورب الأرض) بدل من «الله» (رب العالمين) [36] بدل آخر ~~لتقرير الحمد له تعالى بمعنى أن مثل هذه الربوبية يوجب الحمد والثناء على ~~كل مربوب. ### || [سورة الجاثية (45): آية 37] # وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # (وله) أي ولله (الكبرياء) أي العظمة والسلطان (في السماوات والأرض) حال ~~من «الكبرياء» بمعنى أن آثار كبريائه فيهما فحقه أن يكبروا ويعظم بالطاعة ~~(وهو العزيز) في ملكه (الحكيم) [37] في أمره، قال النبي عليه السلام مخبرا ~~عن الله تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ~~أدخلته ناري» «4». PageV04P107 ### | سورة الأحقاف # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) # (حم [1] تنزيل الكتاب) أي بحق «حم» تنزيل القرآن (من الله العزيز الحكيم) ~~[2] لا من غيره. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 3] # ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون (3) # (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما) من النيرات والنباتات والجبال ~~والمياه والرياح (إلا بالحق) أي ملتبسا بالصدق والحكمة لا بالعبث واللهو ~~(وأجل مسمى) أي وبأجل معلوم ينتهي إليه خلقهن وهو يوم القيامة فاذا انقضى ~~الأجل انعدمنا والذين آمنوا به يستعدون لهول ذلك اليوم (والذين كفروا) به ~~(عن ما أنذروا) به من العذاب (معرضون) ms1593 [3] وعن الاستعداد لهول ذلك اليوم ~~الذي لا بد لكل خلق أن يصل وينتهي إليه. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 4] # قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # (قل أرأيتم) أي أخبروني (ما تدعون) أي الذي تعبدونه (من دون الله) من ~~الآلهة (أروني ما ذا خلقوا من الأرض) كالذي خلق الله تعالى إن كانوا آلهة ~~(أم لهم شرك) أي مشاركة «1» مع الله تعالى (في السماوات) أي في خلقها ~~(ائتوني بكتاب) أي بكتاب منزل من الله (من قبل هذا) القرآن يشهد بصحة قولكم ~~ودعويكم في عبادتكم الآلهة (أو أثارة) أي أو ائتوني باثارة، أي رواية «2» ~~(من علم) يورث ويروى من الأنبياء والعلماء على شرككم (إن كنتم صادقين) [4] ~~أن اله أمركم بعبادة ما لم يجب دعاء أحد. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 5] # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) # ثم قال (ومن أضل) أي من أشد كفرا (ممن يدعوا) أي ينادي لحاجته (من دون ~~الله) أي غير الله من الأصنام (من لا يستجيب له) أي لا يجيبه وإن دعاه (إلى ~~يوم القيامة وهم) أي الأصنام (عن دعائهم) أي عن إجابة دعاء عابديهم ~~(غافلون) [5] لأنهم جماد لا يعقلون. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 6] # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6) # ثم بين حالهم وإجابتهم يوم القيامة فقال (وإذا حشر الناس كانوا) أي ~~الأصنام (لهم) أي لعابديها (أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) [6] أي جاحدين ~~متبرئين منها. PageV04P108 ### || [سورة الأحقاف (46): آية 7] # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) # (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي واضحات فيها حلال وحرام (قال الذين ~~كفروا للحق) أي للقرآن (لما جاءهم هذا سحر مبين) [7] يعني لما سمعوا القرآن ~~من النبي عليه السلام قالوا هذا سحر ظاهر لا شبهة فيه. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 8] # أم يقولون افتراه قل إن ms1594 افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما ~~تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) # (أم يقولون افتراه) أي اختلق محمد القرآن (قل إن افتريته) أي اختلقته ~~فرضا مع إرادتي «1» التنصح لكم بذلك والصد عن الشرك يعذبني الله عليه (فلا ~~تملكون لي) أي لا تمنعون عني (من الله) أي من عذابه «2» (شيئا هو) أي الله ~~(أعلم بما تفيضون) أي تخوضون (فيه) أي في القرآن من الكذب والقدح (كفى به) ~~أي كفى الله، والباء صلة (شهيدا) أي عالما (بيني وبينكم وهو الغفور) لمن ~~تاب (الرحيم) [8] لمن أطاع أو الغفور الرحيم لكم حيث لم يعاجلكم بالعقوبة ~~في الدنيا بتكذيبكم. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 9] # قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) # (قل ما كنت بدعا) أي ذا بدع (من الرسل) يعني لست أولهم بل أنا واحد منهم، ~~روي: أن النبي عليه السلام رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر ~~فأخبر أصحابه فحسبوا أنه وحي أوحي إليه فاستبشروا ومكثوا بذلك ما شاء الله ~~فلم يروا شيئا مما قال لهم فسألوه عن تلك الرؤية، فقال إنها رؤيا رأيتها ما ~~يراها بشر ولم يأتني وحي من الله وما أدري أيكون أم لا يكون ذلك فنزل «3» ~~(وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) أدخل لا على بكم لكون الكلام قبله مشتملا ~~على النفي، و«ما» في «ما يفعل» موصولة أو استفهامية، أي لا أعلم أن الله ~~يخرجني معكم أو يتركني معكم أو يرحمني وإياكم أو يعذبني وإياكم فقال ~~المشركون لم تتبعون رجلا مسحورا لا يدري ما يفعل به ولا بكم، فنخست هذه ~~الآية بعد ما قدم النبي عليه السلام المدينة بقوله تعالى «4» «إنا فتحنا ~~لك» «5» إلى قوله «وما تأخر» «6» (إن) أي ما (أتبع إلا ما يوحى إلي) من ~~القرآن، يعني أنا لا أعلم الغيب بل أتيتكم بما أوحي إلي واتبعته كما أتي به ~~الرسل ms1595 لأممهم من قبلي (وما أنا إلا نذير مبين) [9] أي مخوف لكم «7» بلغة ~~بينة تعرفها. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 10] # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) # (قل أرأيتم إن كان) «8» القرآن نازلا (من عند الله) والواو في (وكفرتم ~~به) للعطف على فعل الشرط بمعنى المقارنة وجواب الشرط محذوف، أي ألستم ~~ظالمين بدلالة قوله «إن الله لا يهدي القوم الظالمين» بعد عليه، والواو في ~~(وشهد شاهد من بني إسرائيل) أنه رسول الله وهو عبد الله بن سلام (على مثله) ~~أي على مثل شهادة القرآن أن محمدا رسول الله عليه وسلم للعطف على الشرط وما ~~بعده، روي: أن عبد الله لما رأى النبي عليه السلام قال أشهد أنك رسول الله ~~كشهادة القرآن في قوله «محمد رسول الله» «9» هذا على قول من قال إنها نزلت ~~بالمدينة، وإن قيل إنها نزلت بمكة فالشاهد بنيامين وكان ابن أخ عبد الله بن ~~سلام «10» أو جواب الشرط «تؤمنون» PageV04P109 # بدلالة «1» (فآمن) عليه، أي شهد شاهد من بني إسرائيل فآمن بمحمد أو ~~بالقرآن والواو في (واستكبرتم) أي تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان للعطف على ~~«شهد» بمعنى المقارنة أيضا، يعني إن كان القرآن من عند الله مع كفركم به ~~وشهادة أعلم بني إسرائيل على مثل شهادة القرآن أن محمدا رسول الله مع ~~استكباركم عنه وعن الإيمان به ألستم أضل الناس وأظلمهم (إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين) [10] أي الجاحدين. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 11] # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هذا إفك قديم (11) # (وقال الذين كفروا) أي رؤساء المشركين من أهل مكة (للذين آمنوا) أي لأجل ~~ضعفاء المسلمين «2» كعمار وصهيب وابن مسعود رضي الله عنهم (لو كان) الإيمان ~~أو دين الإسلام (خيرا) أي حقا (ما سبقونا إليه) أي إلى الإيمان ولم يعلموا ~~أن الله يختص برحمته من يشاء (وإذ لم يهتدوا به) أي إذ لم يؤمنوا بالقرآن ~~كما ms1596 اهتدى به أصحاب النبي عليه السلام «3» لقولهم «4» الباطل للمؤمنين، ~~وعامل الظرف محذوف لدلالة الكلام عليه، أي ظهر عناد القائلين للمؤمنين ذلك ~~القول وقت عدم إيمانهم بالقرآن (فسيقولون هذا) أي القرآن (إفك) أي كذب ~~(قديم) [11] من محمد. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 12] # ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ~~ظلموا وبشرى للمحسنين (12) # (ومن قبله) أي قبل القرآن (كتاب موسى) أي التورية أنزل (إماما) يقتدى به ~~(ورحمة) لمن آمن به من العذاب «5» (وهذا) القرآن (كتاب مصدق) للكتب قبله ~~(لسانا عربيا) أي بلسان عربي بلغتهم ليفهموا ما فيه، ونصبه حال من ضمير ~~«كتاب» في «مصدق» أو مفعول «مصدق» أو القرآن مصدق لسان محمد وهو عربي ~~(لينذر الذين ظلموا) وهم مشركو مكة بالقرآن (وبشرى) أي، وليبشر بشرى بالجنة ~~(للمحسنين) [12] أي للموحدين المطيعين. ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 13 الى 14] # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) ~~أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (14) # (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على العمل بموجب الإقرار ~~بالتوحيد (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [13] في الآخرة (أولئك أصحاب ~~الجنة) أي الذين أقروا بالله واستقاموا على العمل بما أمر به أهل الجنة ~~(خالدين فيها) حال مقدرة (جزاء) مصدر، فعله محذوف «وهم» حال ثانية، أي ~~جوزوا جزاء (بما كانوا يعملون) [14] من الحسنات. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 15] # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) # (ووصينا الإنسان) أي أمرناه وألزمناه (بوالديه) أي بأن يحسن إليهما ~~(إحسانا) وقرئ «حسنا» بضم الحاء وسكون السين «6» اسما بمعنى الإحسان، ثم ~~أشار إلى حق الوالدين بقوله (حملته أمه كرها) بالفتح والضم «7»، أي PageV04P110 # حملا ذا كره، يعني مشقة (ووضعته كرها) أي وضعا ذا كره أو حال ذات كره فيه ~~إيماء ms1597 إلى علة وجوب زيادة الإحسان إليها على الإحسان إلى الأب (وحمله) أي ~~ومدة حمل الولد في بطن أمه (وفصاله) أي رضاعه لا فطامه عن الرضاع (ثلاثون ~~شهرا) لكن لما كان الرضاع يليه الفصال وينتهي إليه، سمي به بهذه الملابسة، قيل: # أقل مدة الحمل ستة أشهر وغاية مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا لقوله تعالى ~~«1» «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين» «2»، وروي عن وكيع أنه قال: ~~«إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر لم يلزم الولد للزوج ويفرق بينهما» «3»، ~~ولا رضاع بعد الفصال وتحريم به، ونزلت الآية في أبي بكر ووالديه «4»، قوله ~~(حتى إذا بلغ أشده) يتعلق بفعل مقدر يدل عليه «ووصينا الإنسان»، أي أخذ ما ~~وصيناه حتى إذا بلغ كمال قوته وعقله، أقله ثلاث وثلاثون سنة وأكثره أربعون ~~سنة فلذا قال (وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني) أي ألهمني (أن أشكر نعمتك) ~~أي ما أؤدي به شكر نعمتك (التي أنعمت علي وعلى والدي) بها وهي دين الإسلام ~~(وأن أعمل) عملا (صالحا ترضاه) أي تقبله مني وهو الصلوات الخمس وغيرها من ~~الفرائض التي علي (وأصلح لي) أي هب لي الصلاح (في ذريتي) أراد جعل ذريته ~~موقعا للصلاح ومظنة له، يعني أكرمهم بالإسلام والعمل الصالح فأسلم جميع ~~أولاده، روي: «أنه لم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالداه وأولاده غير أبي ~~بكر رضي الله عنه» «5» (إني تبت) أي توجهت (إليك) بالتوبة على العصيان ~~(وإني من المسلمين) [15] أي الموحدين المخلصين في دينهم. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 16] # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ~~وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) # (أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفة، يعني أبا بكر ووالداه وذريته ومن كان ~~مثلهم فيها (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) هنا (ونتجاوز عن سيئاتهم) ~~التي فعلوها قبل التوبة، وقرئ الفعلان بنون المتكلم وبياء مضمومة فيهما ~~مجهولين ورفع «أحسن» «6»، قوله (في أصحاب الجنة) حال، أي كائنين فيهم أو ~~خبر مبتدأ محذوف، أي هم في عداد أهل الجنة (وعد الصدق) مصدر مؤكد، أي وعدهم ms1598 ~~الله وعدا صدقا لا خلف فيه، وقيل: وعد الثواب (الذي كانوا يوعدون) [16] وهو الجنة. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 17] # والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما ~~يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) # (والذي قال لوالديه) المراد منه الجنس وهو مبتدأ، خبره «أولئك الذين» ~~الآية، أي الذي قال لأبويه (أف لكما) قرئ بالتنوين وبغيره «7»، وهو صوت ~~لعلم به تضجر الإنسان، أي بي تضجر منكما (أتعدانني أن أخرج) من قبري بعد ~~الموت (وقد خلت القرون) أي مضت (من قبلي وهما) أي والحال أن والديه ~~(يستغيثان الله) تعالى، أي يدعوانه له بالهدى ويقولان لولدهما (ويلك آمن) ~~أي ويحك أسلم وصدق بالبعث (إن وعد الله حق) أي إنه كائن لا محالة (فيقول) ~~الولد (ما هذا) القرآن «8» (إلا أساطير الأولين) [17] يعني أنتما كاذبان «9». ### || [سورة الأحقاف (46): آية 18] # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين (18) PageV04P111 ### || [سورة الأحقاف (46): آية 18] # أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين (18) # (أولئك) أي أهل هذه الصفة (الذين حق) أي وجب «1» (عليهم القول) منه تعالى ~~بتعذيبهم (في أمم قد خلت) أي «2» في عداد أمم قد مضت (من قبلهم من) كفار ~~(الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين) [18] في الآخرة بالعقوبة، وما قيل: من أن ~~الآية في شأن عبد الرحمن ابن أبي بكر فاسد «3»، لأنه أسلم وحسن أرسلامه. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 19] # ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) # (ولكل) أي لكل واحد من جنس الكافر والمؤمن (درجات مما عملوا) أي منازل في ~~الثواب والعقاب وذكر ال «درجات» على سبيل التغليب لأنها تذكر في الثواب ~~حقيقة والدركات للعقاب (وليوفيهم أعمالهم) أي جزاء أعمالهم من الثواب ~~والعقاب (وهم لا يظلمون) [19] «4» شيئا من حقوقهم، واللام في «ليوفيهم» ~~تعليل لفعل محذوف، يدل عليه سياق الكلام، أي وقدر جزاؤهم على مقادير ~~أعمالهم بالدرجات والدركات أثابهم أو عاقبهم ms1599 ليوفيهم أعمالهم. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 20] # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) # قوله (ويوم يعرض الذين كفروا على النار) نصب على الظرف بالقول المضمر قبل ~~(أذهبتم) أي يوم يكشف لهم الغطاء عن النار فينظرون إليها فيقول لهم الخزنة ~~أخذهم (طيباتكم) فلم يبق لكم شيء منها أكلتم ثواب حسناتهم (في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم) أي انتقمتم (بها) في الدنيا (فاليوم) أي إذا كان كذلك ~~فاليوم (تجزون عذاب الهون) أي الهون وهو العذاب الشديد (بما كنتم تستكبرون) ~~عن الإيمان (في الأرض بغير الحق) أي ظلما (وبما كنتم تفسقون) [20] أي ~~تخرجون من أمر الله وتعصونه، عن عمر رضي الله عنه: «لو شئت لكنت أطيبكم ~~طعاما وأحسنكم لباسا ولكني أستبقي طيباتي» «5». ### || [سورة الأحقاف (46): آية 21] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) # (واذكر) لأهل مكة (أخا عاد) وهو هود النبي عليه السلام (إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف) وهو موضع سمي به، وقيل: جمع حقف بكسر الحاء وهو المستطيل من ~~الرمل «6»، وقيل: «واد بمهرة بخضر موت وإليه ينسب المهرية» «7» (وقد خلت ~~النذر) أي مضت (من بين يديه) أي قبل هود (ومن خلفه) أي بعده فخوف قومه وهم ~~بهذا المكان بقوله (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) ~~[21] يعني اذكر هودا ومن مضى من الأنبياء قبل هود ومن بعث منهم بعده كلهم ~~مثله في الإنذار بهذا القول. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 22] # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) # (قالوا) لهود (أجئتنا لتأفكنا) أي لتصرفنا (عن) عبادة (آلهتنا فأتنا بما ~~تعدنا) من العذاب (إن كنت من الصادقين) [22] في نزول العذاب بنا. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 23] # قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) # (قال) هود بجواب الاستعجال منهم بالعذاب (إنما العلم) ms1600 أي إنما «8» علم ~~مجيء العذاب (عند الله) لا PageV04P112 # عندي و«1» أنتم تستعجلون به (و) أنا (أبلغكم ما أرسلت به) أي ليس علي إلا ~~تبليغ الرسالة لكم بالإنذار والتبشير لا إجابة اقتراحكم ولا سؤالي من الله ~~سوى ما أذن لي فيه (ولكني أراكم قوما تجهلون) [23] باستعجالكم العذاب وترك ~~الإيمان بما قيل لكم. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 24] # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم ~~به ريح فيها عذاب أليم (24) # (فلما رأوه) أي العذاب (عارضا) نصبه حال، أي سحابا يعرض في أفق السماء ~~(مستقبل أوديتهم) وكانت السحابة إذا جاءت من قبل ذلك الوادي مطروا (قالوا ~~هذا عارض) أي سحاب (ممطرنا) أي يمطر حروثنا بعد أن كان المطر حبس عنهم، ~~فقيل لهم (بل هو ما استعجلتم به) أي العذاب وهو (ريح فيها عذاب أليم) [24] ~~ورفع «ريح» بدل من «ما». ### || [سورة الأحقاف (46): آية 25] # تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم ~~المجرمين (25) # (تدمر) أي جاءتهم الريح فجعلت تدمر، أي تهلك (كل شيء) من رجالهم ونسائهم ~~وأموالهم بالتطيير بين السماء والأرض (بأمر ربها) أي بارادته تعالى، وإضافة ~~ال «رب» إلى الريح للدلالة على أن الريح مأمورة من جهته وللشهادة لعظم ~~قدرته، لأنها من أكابر جنوده لا يتحرك إلا باذنه (فأصبحوا) أي صاروا من ~~العذاب بحال (لا يرى إلا مساكنهم) أي بقيت مساكنهم وهلكت أنفسهم وأموالهم، ~~قرئ «لا يرى» بغيبة المجهول و«لا ترى» بخطاب المعلوم «2»، أي لا ترى أيها ~~المخاطب لو كنت حاضرا إلا مساكنهم (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء والعقاب (نجزي ~~القوم المجرمين) [25] أي المشركين المكذبين. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 26] # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) # (ولقد مكناهم) أي قوم هود وهم عاد، يعني أعطيناهم من الملك والتمكن ~~(فيما) أي الذي (إن مكناكم فيه) أي ما لم نعطكم ولم نمكن لكم ms1601 فيه من قوة ~~الأجساد وكثرة العدد والعدد وطول الأعمار يا أهل مكة، ف «إن» نافية (وجعلنا ~~لهم سمعا) ليسمعوا المواعظ (وأبصارا) لينظروا في الدلائل الموصلة إلى ~~التوحيد (وأفئدة) ليتفكروا في صنع الله تعالى (فما أغنى عنهم) أي لم ينفعهم ~~(سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء) من العذاب، لأنهم لم يسمعوا الهدى ~~ولم ينظروا في الدلائل ولم يتفكروا في صنعه (إذ كانوا) ظرف يفيد التعليل، ~~أي لأنهم كانوا (يجحدون بآيات الله) أي بدلائله، والعامل في «إذ» «أغنى» ~~قبل، قيل: الظرف كيف يفيد معنى التعليل؟ أجيب بأن ذلك لاستواء معنى التعليل ~~والظرف في الفهم في قولك ضربته إذ أساء وضربته لإساءته، لأنك إذا ضربته في ~~وقت إساءته فقد ضربته لكون إساءته فيه إلا أن إذ وحيث غلبتا في ذلك من بين ~~الظروف باستعمال العرب «3» (وحاق) أي نزل (بهم ما كانوا به يستهزؤن) [26] ~~من العذاب. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 27] # ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون (27) # قوله (ولقد أهلكنا) إشارة إلى زيادة تهديد لكفار مكة، أي أهلكنا قبلكم يا ~~كفار مكة بالعذاب (ما حولكم من القرى) أي من أهلها كثمود وعاد وقوم لوط ~~(وصرفنا الآيات) أي بينا لهم العلامات بالإنذار بالعذاب (لعلهم يرجعون) ~~[27] عن كفرهم قبل أن يهلكوا. PageV04P113 ### || [سورة الأحقاف (46): آية 28] # فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون (28) # (فلو لا نصرهم) أي هلا منعهم من العذاب (الذين اتخذوا) أي اتخذوهم (من ~~دون الله قربانا آلهة) أي أصناما للعبادة، و«قربانا حال»، أي حال كونهم ~~يتقربون بها إلى الله لأجل الشفاعة حيث قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأحد ~~مفعول ي «تخذوا» محذوف والثاني «آلهة»، ولا يصح أن يكون «قربانا» مفعولا ~~ثانيا و«آلهة» بدلا منه لفساد المعنى، إذ المنكر اتخاذهم آلهة لا اتخاذهم ~~قربانا (بل ضلوا) أي غابوا عند نزول العذاب بهم (عنهم) أي عن نصرتهم (وذلك) ~~أي اتخاذهم إياها آلهة (إفكهم) أي أثر إفكهم وكذبهم وثمرة شركهم، قوله (وما ~~كانوا يفترون) ms1602 [28] عطف على «إفكهم»، أي وافتراؤهم على الله الكذب من كونه ~~ذا شركاء، فقوله «وذلك إفكهم» إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم ~~عنهم، لأنه لو كان صدقا لنصروهم. ### || [سورة الأحقاف (46): الآيات 29 الى 30] # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا ~~فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل ~~من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) # (وإذ صرفنا) أي اذكر إذا قابلنا (إليك) يا محمد (نفرا من الجن) وهو دون ~~العشرة والجمع أنفار، قيل: # كانوا سبعة «1» أو تسعة من جن نصيبين «2» في اليمن (يستمعون القرآن) من ~~النبي عليه السلام ليلا قائما بنخلة يصلي صلاة الفجر وذلك عند مصرفه من ~~الطائف حين خرج إليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى مطلوبه (فلما حضروه) أي ~~القرآن، يعني قربوا منه بحيث يسمعون (قالوا) أي قال بعضهم لبعض (أنصتوا) أي ~~أصغوا لاستماع القرآن (فلما قضي) أي فرغ من قراءته والصلوة (ولوا) أي رجعوا ~~(إلى قومهم منذرين) [29] أي مخوفين قومهم العذاب «3» إن لم يؤمنوا بأمر ~~النبي عليه السلام لا من تلقاء أنفسهم وكان الذي قرأ عليهم سورة الرحمن، ~~روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لم يحضر مع النبي عليه السلام ليلة الجن ~~غيره قال: «فخط لي خطا ثم أمرني بالجلوس فيه، وقال لا تخرج منه حتى أعود ~~إليك، فانك إن خرجت لن تراني إلى يوم القيامة» «4»، فلما رأوا قومهم ~~(قالوا) أي قال الجن التي سمعت القرآن وكانوا من اليهود فلذلك قالوا (يا ~~قومنا إنا سمعنا كتابا) هو القرآن (أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه) ~~أي موافقا لما قبله من الكتاب وهو التورية، وقالوا من بعد موسى، لأنهم لم ~~يعلموا بعيسى (يهدي) أي يدعو ويرشد (إلى الحق) أي إلى الإسلام (وإلى طريق ~~مستقيم) [30] وهو العمل به الموصل إلى الله. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 31] # يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم (31) # (يا قومنا ms1603 أجيبوا داعي الله) أي النبي عليه السلام إلى الإيمان (وآمنوا ~~به) أي صدقوه (يغفر) أي ليغفر (لكم من ذنوبكم) أي بعض ذنوبكم إن آمنتم به ~~وبعضها لا يغفر إلا برضا أربابها كالمظالم (ويجركم) أي يؤمنكم (من عذاب ~~أليم) [31] وهو عذاب النار، واختلف في الجن، فعند أبي حنيفة رحمه الله لا ~~ثواب لهم إلا النجاة من النار لقوله «ويجركم من عذاب أليم»، وعند غيره ثواب ~~ونجاة من النار، لأنهم في حكم بني آدم في الثواب والعقاب لكونهم مكلفين «5» ~~بالعمل بالأمر والانتهاء بالنهي ولقوله «ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان» «6». PageV04P114 ### || [سورة الأحقاف (46): آية 32] # ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك ~~في ضلال مبين (32) # (ومن لا يجب داعي الله) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدعو إليها ~~من الإيمان بالقرآن (فليس بمعجز في الأرض) أي ليس له «1» مهرب من عذاب الله ~~(وليس له من دونه) أي من دون الله تعالى (أولياء) أي أنصار يمنعونه من ~~عذابه (أولئك في ضلال مبين) [32] أي خطأ بين، روي: أنهم جاؤا بعد هذا ~~الإنذار إلى النبي عليه السلام بمكة فلقيهم بالبطحاء فقرأ عليهم القرآن ~~فأمرهم ونهاهم وسألوه الرزق فأعطاهم عظما رزقا لهم ولدوابهم روثا رزقا لها «2». ### || [سورة الأحقاف (46): آية 33] # أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن ~~يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (33) # (أولم يروا) أي ألم يعتبر أهل مكة ولم يتفكروا أو لم يخبروا (أن الله ~~الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن) أي لم يعجز عنه، من عيي بالشيء ~~إذا لم يعرف وجهه (بقادر) الباء زائدة و«قادر» رفع خبر «أن»، وجاز زيادة ~~الباء فيه لاشتمال النفي في «أ ولم يروا» على «أن» ومدخولها، كأنه قيل أليس ~~الله بقادر (على أن يحيي الموتى) أي على إحيائهم، وأكد تقرير القدرة عليه ~~بقوله (بلى إنه على كل شيء قدير) [33] من الإحياء والبعث. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 34] # ويوم يعرض الذين ms1604 كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) # (ويوم يعرض الذين كفروا) أي يقال لهم يوم يجاء بهم (على النار) وينظرون ~~إليها (أليس هذا) أي التعذيب (بالحق) وكنتم به تكذبون في الدنيا (قالوا) أي ~~قال الكفار فرعون (بلى) إنه الحق (وربنا) قسم، أي والله فيقرون حين لا ~~ينفعهم إقرارهم (قال) الله تعالى (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) [34] أي ~~تكذبون الحق. ### || [سورة الأحقاف (46): آية 35] # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) # (فاصبر) يا محمد على أذى كفار مكة وتكذيبهم (كما صبر أولوا العزم) أي ~~أولوا الثبات والصبر على الشدائد (من الرسل) «من» فيه تبيين وهم «3» نوح ~~وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم سوى آدم صلوات الله عليهم ~~أجمعين لقوله تعالى «ولم نجد له عزما» «4» وسوى يونس لقوله تعالى «ولا تكن ~~كصاحب الحوت» «5» (ولا تستعجل لهم) «6» بنزول العذاب بهم، فانه نازل بهم لا ~~محالة (كأنهم) أي يكون حالهم في ظنهم (يوم يرون ما يوعدون) من شدة العذاب ~~بمثابة أنهم (لم يلبثوا إلا ساعة) في الدنيا أو في القبر فاستقصروا مدة ~~لبثهم فظنوها ساعة (من نهار) في الدنيا (بلاغ) أي هذا القرآن تبليغ الرسول ~~من الله إلى الناس، وفيه كفاية لهم للإنذار والموعظة أو هذا البعث أجل ~~مبلوغ إليه، فاذا بلغوا ذلك الأجل (فهل يهلك) فيه العذاب، أي ما يهلك (إلا ~~القوم الفاسقون) [35] أي الخارجون عن الاتعاظ والعمل بمواجبه. PageV04P115 ### | سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة محمد (47): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) # قوله (الذين كفروا) مبتدأ، أي الذين جحدوا بتوحيد الله وبالقرآن (وصدوا) ~~أي صرفوا نفوسهم وغيرهم من الناس (عن سبيل الله) أي عن دينه أو عن الجهاد، ~~والخبر (أضل) أي أبطل الله (أعمالهم) [1] لأنها كانت لغيره تعالى، وهي ~~الحسنات التي ms1605 عملوها في الدنيا، والآية نزلت في المطعمين على حرب النبي ~~عليه السلام «1» أو في جماعة كانوا يصدقون الناس عن الدخول في الإسلام «2». ### || [سورة محمد (47): آية 2] # والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (2) # قوله (والذين آمنوا) مبتدأ، أي صدقوا بالله تعالى (وعملوا الصالحات) أي ~~أدوا الفرائض والسنن (وآمنوا بما نزل على محمد) صلى الله عليه وسلم وهو ~~القرآن الذي أنزله جبرائيل عليه السلام وأكد ذلك بقوله (وهو الحق من ربهم) ~~أي ليس بمفترى ولا باطل ولا تناقض فيه، وخبر المبتدأ (كفر عنهم سيئاتهم) أي ~~محا عنهم ذنوبهم التي عملوها في الشرك عند توبتهم بايمانهم بمحمد عليه ~~السلام وطاعتهم الله تعالى فيما يأمرهم من الجهاد وغيره (وأصلح بالهم) [2] ~~أي حالهم بتوفيقه بأن عصمهم أيام حيوتهم ليدخلوا الجنة. ### || [سورة محمد (47): آية 3] # ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) # (ذلك) أي الواقع من الإبطال والتكفير للفريقين (بأن) أي بسبب أن (الذين ~~كفروا اتبعوا الباطل) أي الشيطان وشهوات النفوس (و) بسبب (أن الذين آمنوا) ~~أي أصحاب النبي عليه السلام (اتبعوا الحق) أي القرآن المنزل (من ربهم) ~~وعملوا به (كذلك) أي مثل ذلك الضرب، أي البيان (يضرب الله) أي يبين (للناس ~~أمثالهم) [3] أي صفة أعمالهم من اتباع الحق للمؤمنين واتباع الباطل ~~للكافرين، يعني يضرب أعمال القريقين لأجل الناس كي يعتبروا. ### || [سورة محمد (47): آية 4] # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) # (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) أي إذا لقيتم الكافرين في الحرب ~~فاضربوا رقابهم ضربا بالسيف، حذف الفعل وأضيف المصدر إلى المفعول للاختصار ~~مع التأكيد، والمراد ب «ضرب الرقاب» القتل وقيده ب «ضرب الرقاب»، لأنه أغلظ ~~وأشد من لفظ القتل، المعنى: إذا لقيتموهم ms1606 فاقتلوهم (حتى إذا أثخنتموهم) PageV04P116 # بالجراح، أي أوهنتموهم وقهرتموهم قتلا وأسرا (فشدوا الوثاق) وهو بفتح ~~الواو اسم لما يوثق به وقد جاء بكسر الواو لغة، أي احتاطوا في شدهم بشد ~~أيديهم من خلفهم لئلا يفلتوا، ولما قوى الإسلام نزل (فإما منا بعد) أي ~~تمنون عليهم منا باطلاقهم بعد الأسر (وإما فداء) أي تفادونهم أنفسهم ~~بأموالهم، يعني أنتم مخيرون في ذلك (حتى تضع الحرب) أي أصحاب الحرب ~~(أوزارها) أي سلاحها أو المراد ب «الحرب» المحاربون، أي حتى «1» تضع ~~المحاربون أوزارهم، أي «2» آثامهم من الشرك والمعاصي بالإسلام، و«حتى» ~~متعلقة بال «ضرب» وال «شد» أو بال «من» وال «فداء»، أي إلى أن لا يبقى حرب ~~مع المشركين لضعفهم «3» أو لإسلامهم «4» أو لنزول عيسى عليه السلام، فان ~~الملك كلها تبقي على الإسلام حينئذ، والآية محكمة عند الشافعي وجماعة ~~لإطلاق النبي عليه السلام ثمامة ثم أسلم بعد اليوم الثالث ولفدائه رجلا من ~~عقيل كان أسيرا عند ثقيف «5» برجلين كانا من ثقيف أسيرين عنده عليه السلام، ~~ومنسوخة عند أبي حنيفة وجماعة لقوله تعالى «اقتلوا المشركين» «6»، فانه ~~عليه السلام قتل يوم الفتح ابن خطل بعد ما وقع في منعة المسلمين فهو ~~كالأسير ولا يجوز أن يفتدى بمال أصلا إلا عند الضرورة، لأن رد الأسير إلى ~~دار الحرب قوة لهم في الحرب فيكره كما يكره بيع السلاح لهم وإن يفتد بأسير ~~من المسلمين فلا بأس به، فعلى ما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله عنه لو علق ~~«حتى» بالضرب والشد فالمعنى عنده أنهم يقتلون ويؤسرون إلى أن تضع الحرب ~~أوزارها لضعف المشركين، ولا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا ~~حربا للمسلمين ولو علق بالمن والفداء كان المعنى يمن عليهم ويفادون حتي تضع ~~حرب بدر أوزارها، لأنه قال نزلت الآية في المن والفداء يوم بدر ثم نسخت، ~~وأما المعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي فهو أنهم لا يزالون على ذلك ~~أبدا إلى أن لا يبقى للكفار شوكة حرب مع المسلمين «7»، قوله (ذلك) يجوز في ~~محله الرفع والنصب، ms1607 أي الحكم فيهم ذلك أو افعلوا ذلك (ولو يشاء الله لانتصر ~~منهم) أي لانتقم بغير الأمر بقتال باهلاكهم (ولكن) أمركم بالقتال (ليبلوا) ~~أي ليختبر (بعضكم ببعض) بالقتال، يعني ليختبر المؤمنين بالكافرين وبالعكس ~~ليظهر لكم منكم الطائع والعاصي (والذين قتلوا في سبيل الله) مجهولا لا ~~مخففا أو معلوما «8» أو قاتلوا (فلن يضل) الله (أعمالهم) [4] أي لن يبطل ~~ثوابها. ### || [سورة محمد (47): الآيات 5 الى 6] # سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) # (سيهديهم) أي سيثبتهم على الهدى (ويصلح بالهم) [5] أي حالهم أيام حيوتهم ~~بالعصمة (ويدخلهم الجنة) في الآخرة (عرفها) أي طيبها (لهم) [6] أو اعلم ~~منزلهم فيها لهم عند دخولهم الجنة، روي عن النبي عليه السلام: «إذا أذن ~~لأهل الجنة في دخولها لأحدهم أعرف بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في ~~الدنيا» «9»، يعني يكون المؤمن أهدى إلى منزله وزوجته وخدمه في الجنة منه ~~في الدنيا وقد طيب وحدد، أي أفرز عن غيره. ### || [سورة محمد (47): الآيات 7 الى 9] # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم (9) # ثم حث المؤمنين على الجهاد بقوله (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله) ~~بقتال الكفار (ينصركم) بالغلبة عليهم (ويثبت أقدامكم) [7] في المعترك فلا ~~تزول في الحرب. PageV04P117 # (والذين كفروا) مبتدأ، خبر ه «تعسوا»، يدل عليه (فتعسا) أي هلاكا وخيبة ~~في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار (لهم) من تعس فلان إذا عثر وسقط (وأضل ~~أعمالهم) [8] عطف على الفعل الناص ب «تعسا»، أي فقال تعسا لهم وأضل، أي ~~أبطل الله ثواب حسناتهم. # (ذلك) أي التعس والإضلال (بأنهم) أي بسبب أنهم (كرهوا ما أنزل الله) من ~~القرآن والأحكام (فأحبط) أي أبطل (أعمالهم) [9]. ### || [سورة محمد (47): آية 10] # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها (10) # ثم شرع في تخويفهم ليعتبروا فيؤمنوا بقوله (أفلم يسيروا في الأرض) أي في ~~البلاد (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم) أي ms1608 أهلك ~~أنفسهم وأموالهم وأولادهم بالعذاب (وللكافرين) أي ولكافري قريش وغيرهم من ~~هذه الأمة (أمثالها) [10] أي أمثال عاقبة المدمر عليهم وعذابهم إن لم ~~يؤمنوا». ### || [سورة محمد (47): آية 11] # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (11) # (ذلك) أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين (بأن الله مولى الذين آمنوا) أي ~~وليهم وناصرهم بالغلبة على عدوهم (وأن) أي بأن (الكافرين لا مولى) أي لا ~~ناصر (لهم) [11] يعني لا تنصرهم آلهتهم من العذاب النازل بهم «1» ولا ~~يناقضه قوله «فردوا إلى الله مولاهم الحق» «2»، فانه أثبت لهم المولى، لأن ~~المولى هنا بمعنى الرب والمالك دون الناصر. ### || [سورة محمد (47): آية 12] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) # ثم بين مستقر الصالحين ومستقر الغافلين بقوله (إن الله يدخل الذين آمنوا) ~~بالبعث (وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) إدخالا لا إخراج بعده ~~(والذين كفروا) أي جحدوا وغفلوا عن البعث «3» (يتمتعون) أي يعيشون بما ~~أعطوا في الدنيا (ويأكلون كما تأكل الأنعام) أي ليس لهم هم إلا الأكل ~~والشرب والجماع في الدنيا ولا يتفكرون في مآلهم (والنار مثوى لهم) [12] أي ~~منزلا لإقامتهم. ### || [سورة محمد (47): آية 13] # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13) # (وكأين من قرية) أي كم من أهل قرية (هي أشد قوة) أي منعة وأكثر عدة وأوفر ~~مالا (من قريتك التي أخرجتك) أي أهل مكة الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة ~~(أهلكناهم) أي عذبناهم عن التكذيب (فلا ناصر لهم) [13] أي لم يكن مانع ~~يمنعهم من نزول العذاب بهم، فهذا تخويف آخر لهم، قيل: إن عذابهم أمر قد ~~مضى، فكيف قال «فلا ناصر لهم»؟ أجيب بأن مجراه مجرى الحال المحكية كقولك ~~إنا أهلكناهم فهم لا ينصرون «4». ### || [سورة محمد (47): آية 14] # أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم (14) # ثم أشار إلى جهلهم وعدم تمييزهم بقوله (أفمن كان على بينة) أي حجة واضحة ms1609 ~~(من ربه كمن زين له سوء عمله) أي قبحه فرآه حسنا وهم مشركو مكة (واتبعوا ~~أهواءهم) [14] بعادة غير الله، فهو إنكار للمساواة بين المهتدي والضال في ~~الثواب. ### || [سورة محمد (47): آية 15] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (15) PageV04P118 ### || [سورة محمد (47): آية 15] # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (15) # (مثل) أي صفة (الجنة التي وعد المتقون) أي الذين يتقون الشرك والمعاصي ~~وهم أمة محمد عليه السلام وهو مبتدأ، خبره قوله (فيها أنهار من ماء غير ~~آسن) بالمد وغيره «1»، أي غير متغير الريح والطعم (وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه) إلى الحموضة كلبن الدنيا (وأنهار من خمر لذة) أي لذيذة (للشاربين) من ~~غير تصديع للرأس ولا تنزيف للعقل بخلاف خمر الدنيا، فانها كريهة الطعم ~~وتصدع وتنزف وتبعد من الرحمن (وأنهار من عسل مصفى) لا شمع فيه ولا كدر ~~(ولهم فيها) أي في الجنة مع ذلك (من كل الثمرات) أي من كلها أصناف (و) لهم ~~(مغفرة من ربهم) أي رضوان منه عنهم مع ما أعطاهم، قوله (كمن هو خالد في ~~النار) خبر مبتدأ محذوف الاستفهام الإنكاري بدلالة «أ فمن كان على بينة»، ~~قيل تقديره: أحال من كان مكرما في الجنة الموصوفة خالدا كحال من كان هو في ~~النار خالدا «2»، وقيل: «مثل الجنة» مبتدأ بتقدير الاستفهام الإنكاري ~~والخبر «كمن هو خالد»، تقديره: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار ~~وإنما حذف حرف الإنكار لزيادة تصوير لمكابرة المسوي بين المتمسك بالبينة ~~والتابع لهواه وإنه بمنزلة من يسوي بين الجنة التي ms1610 لهم فيها نعيم وبين التي ~~يسقي أهلها الحميم فعلى هذا قوله «فيها أنهار» داخل في حكم الصلة أو هو ~~حال، أي مستقرة فيها أنهار «3»، قوله (وسقوا ماء حميما) عطف على صلة من ~~وجمع من اعتبار للمعنى، أي كالذين سقوا ماء شديد الحر يسقط فروة الوجه عند ~~الشرب (فقطع أمعاءهم) [15] أي ما في بطونهم من الحوايا فخرجت من أدبارهم. ### || [سورة محمد (47): آية 16] # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ما ~~ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) # (ومنهم) أي ومن الكافرين من أهل النفاق (من يستمع إليك) ولا يحفظون كلامك ~~(حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم) من الصاحابة رضي الله ~~عنهم كعبد الله بن مسعود استهزاء (ما ذا قال) محمد (آنفا) أي الساعة، ونصبه ~~ظرف، أي وقتا يقرب منا وذلك حين خطب النبي عليه السلام يوم الجمعة للناس ~~وعاب «4» في خطبته بعض المنافقين فقال تعالى (أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم) مجازاة لنفاقهم (واتبعوا أهواءهم) [16] في كفرهم والعمل بما تهوي ~~أنفسهم فلا يؤمنوا. ### || [سورة محمد (47): آية 17] # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) # (والذين اهتدوا) أي أحسنوا الاستماع إليك (زادهم) الله تعالى (هدى) أي ~~بصيرة وعلما في دينهم وتصديقا لنبيهم وشكرا لربهم (وآتاهم تقواهم) [17] أي ~~أعطاهم الله علم ما يتقون منه «5»، وقيل: ألهمهم العمل بالناسخ وترك ~~المنسوخ «6». ### || [سورة محمد (47): آية 18] # فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم (18) # (فهل ينظرون) أي كفار قريش ما ينتظرون لأن يؤمنوا (إلا الساعة) أي ~~القيامة (أن تأتيهم بغتة) أي فجأة، بدل من «الساعة» بدل اشتمال، قوله (فقد ~~جاء أشراطها) كالتعليل لاتيانها، أي قد ظهرت علاماتها وهي بعث النبي عليه ~~السلام وانشقاق القمر والدخان، ومنها أن يعظم رب المال وأن يرفع العلم ~~ويكثر الجهل ويظهر أهل المنكر على الحق (فأنى) أي من أين (لهم إذا جاءتهم) ~~الساعة (ذكراهم) [18] أي تذكرهم واتعاظهم، والفاء في «فأنى» جواب الشرط، ~~تقديره: ms1611 إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، يعني لا ينفعهم الذكرى والتوبة ~~حيئذ وقد فرطوا فيها بالإنكار. PageV04P119 ### || [سورة محمد (47): آية 19] # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) # قوله (فاعلم أنه لا إله إلا الله) في جواب الشرط المحذوف، أي إذا علمت ~~عاقبة الأمر من سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين فاثبت على العلم بتوحيد ~~الله يا محمد والمراد أمته أو فاثبت على إظهار قول «لا إله إلا الله» لدعوة ~~الناس إليه (واستغفر لذنبك) ليستن بك غيرك (وللمؤمنين والمؤمنات) ليغفر لهم ~~ذنوبهم (والله يعلم متقلبكم) بالنهار في أحوالكم ومعاشكم (و) يعلم (مثواكم) ~~[19] أي مقركم ومنزلكم بالليل، وقيل: # متقلبكم في حيوتكم ومثويكم في قبوركم أو في الآخرة من الجنة والنار ~~فاحذروه «1». ### || [سورة محمد (47): آية 20] # ويقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) # (ويقول الذين آمنوا) وهم الذين آنسوا بالوحي واستوحشوا بابطانه (لو لا) ~~أي هلا (نزلت سورة) اشتياقا إلى الوحي بها، وقيل: المراد ب «الذين» آمنوا ~~باللسان «2»، فقال تعالى (فإذا أنزلت سورة محكمة) أي غير منسوخة الأحكام من ~~الجهاد وغيره (وذكر) أي فرض (فيها القتال) فرح المؤمنون المخلصون و(رأيت ~~الذين في قلوبهم مرض) أي شك وهم المنافقون (ينظرون إليك نظر المغشي عليه) ~~أي نظرا مثل نظر المغشي عليه، يعني الذي أصابته الغشية أي الحيرة (من ~~الموت) إذا نزل به وعاين الملائكة خوفا منك وكراهية نزول القرآن بذلك، عن ~~قتادة: «كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة» «3»، وهي أشد القرآن على ~~المنافقين، وقيل: لها محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال قد ~~نسخ ما كا من الصفح والصلح وهو غير منسوخة إلى يوم القيامة «4»، قوله ~~(فأولى) مبتدأ، خبره (لهم) [20] أي العذاب الأولى لهم بسبب نفاقهم وهو ~~تهديد لهم من الولي وهو القرب، ومعناه الدعاء عليهم. ### || [سورة محمد (47): آية 21] # طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ms1612 الله لكان خيرا لهم (21) # قوله (طاعة) مبتدأ (وقول معروف) عطف عليه، والخبر محذوف وهو خير لهم، أي ~~طاعتهم لما أنزل من القرآن، وقول مرضي في حقه وشأن محمد عليه السلام خير ~~لهم ثوابا من إنكارهم واستهزائهم به (فإذا عزم) أي وجب (الأمر) بالقتال ~~وجاء وقته، وجواب «إذا» محذوف وهو كرهوا ذلك وكذبوا في قولهم (فلو صدقوا ~~الله) في أمره بالقتال وعزمهم الحرص فيه أو صدقوا نبي الله في إظهار ~~الإيمان به والطاعة فيما جاء به (لكان) «5» الصدق (خيرا لهم) [21] من ~~النفاق والكراهة والكذب. ### || [سورة محمد (47): آية 22] # فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) # قوله (فهل عسيتم) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب مبالغة في التوبيخ، ~~وقرئ بكسر السين «6»، أي هل تريدون وترجون يا أهل مكة بعد الإيمان (إن ~~توليتم) أي أعرضتم عن دين الإسلام (أن تفسدوا في الأرض) بالمعاصي كما كنتم ~~تفسدون في الجاهلية (وتقطعوا أرحامكم) [22] يعني بسفك الدم والعقوق ودفن ~~البنات وعصيان الرحمن، وقيل: نزلت في حق الأمراء والولاة «7»، أي إن صرتم ~~متولين على أمورنا الناس يقع منكم الإفساد والظلم وتقطيع الأرحام بسبب ~~التولية. ### || [سورة محمد (47): آية 23] # أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) # (أولئك) أي أهل هذه الصفة (الذين لعنهم الله) أي طردهم من رحمته (فأصمهم) ~~عن استماع الحق (وأعمى أبصارهم) [23] عن طريق الهدى. PageV04P120 ### || [سورة محمد (47): آية 24] # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) # (أفلا يتدبرون) أي ألا يستمعون (القرآن) فلا يتفكرون فيه من وعده ووعيده ~~فيعرفون الحق فيؤمون به (أم على قلوب أقفالها) [24] «أم» فيه بمعنى بل ~~وهمزة التقرير، أي بل أعلى قلوبهم أقفالها، أي أغطيتها من وصول الذكر إليها ~~بشؤم أعمالهم القبيحة، فلذلك لا يتدبرونه ولا يعونه وأراد بها قلوب ~~المنافقين وأعداء الدين، قيل: # نكر ال «قلوب» إما للدلالة على بعض القلوب وإما لأن يراد بها قلوب قاسية ~~مبهم أمرها في ذلك وإما أضيفت ا ل «أقفال» إليها لإرادة الأقفال المختصة ~~بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت لا تنفتح «1». ### || [سورة محمد (47): آية 25] # إن ms1613 الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم ~~وأملى لهم (25) # قوله (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) نزل في المنافقين «2» أو اليهود ~~الذين عرفوا نعت النبي عليه السلام فكفروا به «3»، أي إن الذين رجعوا إلى ~~الكفر سرا (من بعد ما تبين لهم الهدى) أي ظهر لهم حقية الإسلام فنافقوا أو ~~ظهر لهم في التورية أن محمدا عليه السلام حق ودينه حق، فرجعوا إلى الإنكار ~~بعد العرفان، قوله (الشيطان) مبتدأ، خبره (سول) أي زين (لهم) أعمالهم ~~السوء، وهما في محل الرفع خبر «إن الذين» (وأملى لهم) [25] معلوما ومجهولا ~~«4»، أي مد الله في عمرهم، يعني أمهلهم في ارتكاب معاصيهم، ثم أخذهم أو ~~الإملاء للشيطان بأن قال لهم لا جنة ولا نار ولا حساب أو خيل لهم تطويل مدة ~~العمر والبقاء فارتكبوا المعاصي وتركوا الهدى. ### || [سورة محمد (47): آية 26] # ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله ~~يعلم إسرارهم (26) # (ذلك) أي الإضلال والخذلان (بأنهم) أي بسبب أن المرتدين (قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله) أي القرآن وهم المشركون من بني قريظة والنضير (سنطيعكم ~~في بعض الأمر) أي أمر لمعاونة على عداوة النبي عليه السلام وتثبيط الناس عن ~~الجهاد معه، فانهم قالوا ذلك سرا فأظهره الله تعالى بدلالة قوله (والله ~~يعلم إسرارهم) [26] فيما بينهم، قرئ بالفتح جمعا وبالكسر مصدرا «5». ### || [سورة محمد (47): آية 27] # فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) # ثم خوفهم الله تعالى بقوله (فكيف إذا توفتهم) أي كيف يكون حالهم إذا قضيت ~~(الملائكة) أرواحهم حال كونهم (يضربون وجوههم وأدبارهم) [27] أي ظهورهم ~~بمقامع الحديد عند قبض الأرواح، قال ابن عباس رضي الله عنه: «لا يتوفى أحد ~~على معصية إلا يضرب الملائكة» - أي ملك الموت وأعوانه- وجهه ودبره» «6»، ~~وقيل: يضربون ذلك في النار يوم القيامة «7». ### || [سورة محمد (47): آية 28] # ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) # (ذلك) أي الضرب في الموت أو في النار (بأنهم اتبعوا ما أسخط الله) من ~~الكفر وتكذيب محمد عليه السلام (وكرهوا) ms1614 أي أبغضوا (رضوانه) أي العمل بما ~~يرضيه (فأحبط) أي أبطل الله (أعمالهم) [28] أي ثوابها. ### || [سورة محمد (47): آية 29] # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) # (أم حسب الذين في قلوبهم مرض) أي أظن المنافقون (أن لن يخرج) أي لن يظهر ~~(الله أضغانهم) [29] أي أحقادهم وهي بعضهم ونفاقهم وعداوتهم المؤمنين ~~والنبي عليه السلام. PageV04P121 ### || [سورة محمد (47): آية 30] # ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم (30) # (ولو نشاء لأريناكهم) أي لعرفناك المنافقين (فلعرفتهم بسيماهم) أي ~~بعلاماتهم الخبيثة، كررت اللام الداخلة في جواب «لو» مبالغة في التعريف، ~~واللام في (ولتعرفنهم) جواب قسم محذوف، أي والله لستعرفنهم «1» يا محمد (في ~~لحن القول) أي في محاورة الكلام بعد هذا اليوم، من لحن كلامه بفتح الحاء ~~إذا أمال عن وجهه، وبكسرها بمعنى غني فيه، قيل: «ما خفي على النبي عليه ~~السلام شيء من أمر المنافقين بعد ما أنزل هذه الآية» «2»، ثم التفت إلى ~~الخطاب تهويلا لهم بقوله (والله يعلم أعمالكم) [30] أي احذروا أيها ~~المنافقون من الله، فان الله يعلم أعمالكم، يعني قبل أن تعملوها فكيف لا ~~يعلم بعد ما عملتم. ### || [سورة محمد (47): آية 31] # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) # (ولنبلونكم) أي لنختبرنكم عند القتال (حتى نعلم) أي نميز (المجاهدين منكم ~~و) نميز (الصابرين) على القتال عن غيرهم (ونبلوا) أي نختبر (أخباركم) [31] ~~أي أخبار أعمالكم بين الناس وهي جمع خبر وهو خبر العمل والصبر، يعني ~~لنبلونكم حتي يظهر ما يخبر به عنكم من أفعالكم من جهاد وصبر وغيرهما، فان ~~الخبر بين الناس على حسب المخبر عنه إن حسنا فحسن وإن قبيحا فقبيح، قرئ في ~~الأفعال الثلاثة بالنون لإضافة الفعل إلى نفسه وبالياء غيبة «3» لإسنادها ~~إلى الله تعالى. ### || [سورة محمد (47): آية 32] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ~~الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) # (إن الذين كفروا وصدوا) أي صرفوا الناس (عن سبيل الله) أي عن دين الإسلام ~~(وشاقوا الرسول) أي خالفوه ms1615 (من بعد ما تبين لهم الهدى) أي حقية «4» الإسلام ~~وأمر النبي عليه السلام أنه الحق (لن يضروا الله) أي لن ينقصوا من ملكه ~~(شيئا وسيحبط أعمالهم) [32] أي يبطل ثوابها في إسلامهم أو يبطل مكائدهم ~~التي نصبوها في مشاقة الرسول فلا يصلون إلى أغراضهم في كفرهم، قيل: هم بنو ~~قريظة والنضير «5»، وقيل: هم رؤساء قريش «6» والمطعمون يوم بدر «7». ### || [سورة محمد (47): آية 33] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) # ثم زاد النصح لهم بقوله (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) في السر كما ~~تطيعونه في العلانية (وأطيعوا الرسول) فيما يأمركم من أمر الجهاد (ولا ~~تبطلوا أعمالكم) [33] أي حسناتكم بالرياء والسمعة وبفساد النية والعجب، ~~قيل: نزلت الآية في الذين قال تعالى فيهم: «يمنون عليك أن أسلموا» «8»، ~~روي: «أن أصحاب النبي عليه السلام كانوا يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ~~كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت «ولا تبطلوا أعمالكم» فكانوا يخافون ~~الكبائر على أعمالهم» «9». ### || [سورة محمد (47): الآيات 34 الى 35] # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم (35) # قوله (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار) أي وهم كفار ~~مكة (فلن يغفر الله لهم) [34] PageV04P122 # نزل حين جاء رجل وسأل عن والده، إنه كان محسنا في كفره، قال هو في النار ~~فولى الرجل يبكي فدعاه فقال له والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار فسكت ~~«1»، وقيل: نزل في رؤساء أهل بدر «2» (فلا تهنوا) الفاء فيه في جواب شرط ~~محذوف، أي إذا جاهدتم الكفار فلا تهنوا، أي لا تضعفوا عن عدوكم (وتدعوا) أي ~~لا تدعوا (إلى السلم) أي الصلح، لأنه في حكم النهي، يعني لا تطلبوا من ~~الكفار الصلح ابتداء (وأنتم الأعلون) أي والحال أنكم الأغلبون الأقهرون ~~(والله معكم) بالعون والنصرة وهذا نهي للمسلمين عن طلب صلح الكافرين ويدهم ~~عالية عليهم، لأن فيه ترك الجهاد (ولن يتركم) أي ms1616 لن ينقصكم (أعمالكم) [35] ~~أي ثوابها أو لن يترككم منفردين بلا عمل، من وترت الرجل، أي قتلت حميمه ~~وتركته منفردا، ومنه قوله عليه السلام: «من فاتته صلوة العصر فكأنما وتر ~~أهله وماله» «3»، أي أفرد عنهما قتلا ونهبا. ### || [سورة محمد (47): آية 36] # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم ~~أموالكم (36) # (إنما الحياة الدنيا لعب) أي باطل (ولهو) أي فرح (وإن تؤمنوا) أي إن ~~تستقيموا على التوحيد (وتتقوا) النفاق (يؤتكم أجوركم) أي ثواب أعمالكم (ولا ~~يسئلكم أموالكم) [36] أي شيئا من أموالكم، يعني لا يأمركم بالإيمان يسأل ~~أموالكم، بل ليثيبكم بالإيمان أو لا يسألكم الرسول على تبليغ الرسالة أجرا ~~وجعلا أو لا يسألكم جميع أموالكم بل يسألكم الزكوة المفروضة وهي أيضا ~~لأجلكم في الآخرة. ### || [سورة محمد (47): آية 37] # إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) # (إن يسئلكموها) أي جميعها (فيحفكم) أي فيبالغ في طلبها، من أحفى إذا ألح ~~وبالغ في طلب شيء (تبخلوا) بالرفع (ويخرج) أي الله أو البخل (أضغانكم) [37] ~~أي أحقادكم وبغضكم لدين يذهب بأموالكم. ### || [سورة محمد (47): آية 38] # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم (38) # (ها أنتم هؤلاء) قرئ بالمد والهمزة وبمد طويل بغير همزة ف «ها» تنبيه، ~~وبهمزة بغير مد «4» ف «ها» بدل من همزة الاستفهام في «أأنتم»، و«أولاء» ~~موصول بمعنى الذين، أي اعلموا أيها المخاطبون أنتم الذين (تدعون لتنفقوا) ~~أي لتتصدقوا (في سبيل الله) ما فرض عليكم من الزكوة أو لتنفقوا في الغزو ~~للضعفاء منكم (فمنكم من يبخل) بالنفقة في سبيل الله من الصدقة أو الفرض ~~(ومن يبخل) في سبيله (فإنما يبخل) أي يمنع الثواب (عن نفسه) أي جزاء بخله ~~مختص بنفسه (والله الغني) عنكم وعن نفقتكم، يعني لا يأمركم به لحاجته إليه ~~لاستحالتها عليه، وإنما يأمر به لحاجتكم ومنفعتكم (وأنتم الفقراء) إلى ما ~~عند الله من الثواب والمغفرة والنعمة (وإن تتولوا) أي إن تعرضوا عن ms1617 أمره ~~وطاعته (يستبدل قوما غيركم) أي يهلككم ويأت قوما آخرين خيرا وأطوع منكم وهم ~~الأنصار أو أهل اليمن (ثم لا يكونوا أمثالكم) [38] أي أشباهكم في المعصية ~~والمخالفة، وقيل: هم الملائكة «5»، روي: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~هؤلاء الآخرين وعنده سلمان الفارسي فوضع النبي عليه السلام يده عليه وقال: ~~«هذا وقومه»، يعني أبناء فارس، ثم قال: «لو كان الإيمان معلقا بالثريا ~~ليناله رجل من أبناء فارس» «6». PageV04P123 ### | سورة الفتح # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفتح (48): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) # قوله (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) [1] قيل: نزل بعد نزول قوله وما أدري ما ~~يفعل ما بي ولا بكم «1»، وقال المشركون لم تتبعون رجلا لا يدري ما يفعل به ~~ولا بمن تابعه، فلما قدم المدينة غيرهم المنافقون بذلك أيضا «2»، فعلم الله ~~ما في قلوب المؤمنين من الحزن وما في قلوب الكافرين من الفرح، فجاء جبرائيل ~~بذلك والفتح الظفر بالخير بعد انغلاقه، أي قضينا لك الظفر بالبلد عنوة أو ~~صلحا بحرب أو غيره قضاء بينا أو هو فتح مكة أو صلح الحديبية، لأنه كان سبب ~~الفتح كما يجيء. ### || [سورة الفتح (48): آية 2] # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما (2) # (ليغفر) أي فتحنا لك ليغفر (لك الله ما تقدم من ذنبك) في الجاهلية (وما ~~تأخر) بعدها إلى وقت نزول هذه الآية أو الصغائر عند من جوزها على الأنبياء ~~عليهم السلام أو يغفر بسببك ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء وما تأخر من ~~ذنوب أمتك (ويتم نعمته عليك) بالرسالة إلى العرب والعجم، وبالشفاعة المطاعة ~~ودخول الجنة والمحل الأدنى وهو القرب الأعلى (ويهديك صراطا مستقيما) [2] أي ~~يثبتك طريق الأنبياء. ### || [سورة الفتح (48): آية 3] # وينصرك الله نصرا عزيزا (3) # (وينصرك الله) على أعداء الدين (نصرا عزيزا) [3] باظهار الإسلام وقوته ~~بحيث لا يكون بعده ضعف ولا ذل، قيل: كيف أوقع فتح مكة علة للمغفرة وهو فعل ~~الله تعالى؟ أجيب بأنه انما أوقع فتح مكة ms1618 علة لاجتماع ما عدد من الأمور ~~الأربعة لا للمغفرة فقط، لأنها متقدمة عليه بمعنى يسرنا لك فتح مكة ليجتمع ~~لك هذه الأمور التي هي عز الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون فتح مكة سببا ~~للمغفرة من حيث إنه جهاد للعدو «3». ### || [سورة الفتح (48): آية 4] # هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله ~~جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # وأكد الفتح بقوله (هو الذي أنزل السكينة) أي الوقار والطمأنينة، يعني ~~التمكن والسكون من غير اضطراب في الدين والبيعة (في قلوب المؤمنين) بسبب ~~الصلح والأمن بفتح مكة أو بسبب ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الشرائع (ليزدادوا إيمانا) أي يقينا (مع إيمانهم) الذي هم عليه وهو ~~التوحيد، فكلما نزلت فريضة بعد شهادة أن «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله» ازدادوا يقينا مع يقينهم، لأنهم لما صدقوه زادهم الصلوة PageV04P124 # ثم الزكوة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد (ولله جنود السماوات والأرض) أي ~~جميع ما فيهما من الملائكة والجن والإنس وغيرها جنود الله يسلط بعضها على ~~بعض كما تقتضيه «1» حكمته فلو شاء أن ينصر دينه بغيركم لفعل (وكان الله ~~عليما) بخلقه (حكيما) [4] في أمره وصنعه حيث حكم النصرة للمؤمنين. ### || [سورة الفتح (48): آية 5] # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) # (ليدخل المؤمنين) أي ليعرفوا نعمة الله في ذلك ويشكروها فيدخلهم، كرر لام ~~التعليل، لأن الفتح علة غائية للمغفرة علة غائية للإدخال بمعنى لأجله، أي ~~فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين (والمؤمنات) في (جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ويكفر) أي يمحو بالتجاوز (عنهم سيئاتهم وكان ذلك) أي ~~دخولهم الجنة والتجاوز عن سيئاتهم (عند الله) أي في الآخرة (فوزا عظيما) ~~[5] أي نجاة وافرة من العذاب. ### || [سورة الفتح (48): آية 6] # ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ~~عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) # قوله (ويعذب) عطف على ms1619 «ليدخل»، أي الفتح والمغفرة لك لعذب (المنافقين ~~والمنافقات) من أهل المدينة (والمشركين والمشركات) منهم، والمراد من ظن ~~(الظانين بالله ظن السوء) ظنهم ترك الإيمان بالله ورسوله مخافة أن لا ينصرف ~~محمد عليه السلام (عليهم دائرة) المذمة «2» (السوء) بالضم والفتح «3»، أي ~~عاقبة العذاب الشديد والهزيمة، قيل: «السوء» بالفتح غالب فيما يراد ذمه من ~~كل شيء، «والسوء» بالضم الشر الذي هو نقيض الخير «4» (وغضب الله عليهم) أي ~~انتقم منهم بالهزمية (ولعنهم) في الدنيا بالقتل والطرد من الرحمة (وأعد لهم ~~جهنم) جهنم في الآخرة (وساءت) جهنم (مصيرا) [6] أي مرجعا ومقاما لهم يصيرون ~~إليه في الآخرة. ### || [سورة الفتح (48): آية 7] # ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما (7) # (ولله جنود السماوات والأرض) أي له الملك والسلطان والغلبة لا لغيره ~~(وكان الله عزيزا) أي غالبا بالانتقام على من لم يؤمن به وبنبيه «5» عليه ~~السلام كافرا كان أو منافقا (حكيما) [7] أي حاكما في صنعه بالنصرة لنبيه ودينه. ### || [سورة الفتح (48): آية 8] # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) # (إنا أرسلناك) أي بعثناك يا محمد (شاهدا) تشهد بواحدانيتنا أو ببلاغ ~~الرسالة على أمتك (ومبشرا) لمن أطاعنا بالجنة (ونذيرا) [8] أي مخوفا لمن ~~خالفنا بالنار. ### || [سورة الفتح (48): آية 9] # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) # (لتؤمنوا) بتاء الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته في هذه ~~الأفعال كلها، أي أرسلناك لتؤمن أنت وأمتك (بالله ورسوله) فيما يأمركم ~~وينهاكم (وتعزروه) أي تنصروا الله في دينه على عدوه بالسيف (وتوقروه) أي ~~تعظموه بالخشوع في طاعته (وتسبحوه) بقول سبحان الله (بكرة وأصيلا) [9] أي ~~بالغداء والعشي أو تصلوا لله بكرة الفجر وأصيل الظهر والعصر، وقرئ الجميع ~~بالياء على الغيبة «6». PageV04P125 ### || [سورة الفتح (48): آية 10] # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) # (إن الذين يبايعونك) أي بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة، وخبر «إن» ~~(إنما يبايعون الله) أي كانما يبايعون الله، لأنها بأمره تعالى نحو من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ms1620 أو يبايعون لله، أي لأجله وطلب رضوانه وكانت الشجرة ~~أم غيلان «1» أو السمرة «2»، وهم يومئذ ألف وخمسمائة وأربعون رجلا، قوله ~~(يد الله) مبتدأ، خبره (فوق أيديهم) أي يده بالنصرة فوق أيديهم بالطاعة ~~(فمن نكث) أي نقض العهد والبيعة (فإنما ينكث) أي يرجع وبال نقضه (على نفسه ~~ومن أوفى بما عاهد عليه الله) «3»، من البيعة «4» بضم الهاء وكسرها في ~~«عليه» «5»، أي أتمه بحفظه ولم ينقضه (فسيؤتيه) بالنون والياء «6» (أجرا ~~عظيما) [10] أي الجنة فما فوقها. ### || [سورة الفتح (48): آية 11] # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) # قوله (سيقول لك المخلفون) نزل حين أراد النبي عليه السلام أن يسير من ~~المدينة إلى مكة عام الحديبية لزيارة الكعبة، وطلب ناسا من الأعراب ~~ليرتحلوا معه، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة فتخلوا عنه جبنا واعتلوا ~~بالأموال والأولاد «7»، فأخبر الله رسوله قبل ذلك أنه إذا رجع إليهم ~~استقبلوه بالعذر وهم كاذبون بقوله «سيقول لك المخلفون» (من الأعراب) عن ~~الحديبية إذا رجعت إليهم (شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي خفنا عليهم الضيعة ~~(فاستغفر لنا) الله في التخلف ليغفر لنا تخلفنا عنك (يقولون) أي يظهرون ~~(بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) لأنهم لا يبالون باستغفارك استغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم وهم كاذبون في اعتذارهم (قل) يا محمد (فمن يملك لكم من الله ~~شيئا) أي من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئا (إن أراد بكم ضرا) بفتح ~~الضاد وضمها «8»، أي قتلا وهزيمة (أو أراد بكم نفعا) أي نصرة وغلبة، ~~المعنى: لا يقدر على دفع ضر ولا جلب نفع إلا الله تعالى (بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا) [11] أي عالما بتخلفكم عني وبنياتكم «9». ### || [سورة الفتح (48): آية 12] # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في ~~قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) # (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول) ms1621 أي منعكم من السير معه أنكم ظننتم أن لن ~~يرجع الرسول (والمؤمنون) من الحديبية (إلى أهليهم) بالمدينة (أبدا وزين ~~ذلك) أي زين الشيطان التخلف (في قلوبكم) وحسنه (وظننتم ظن السوء) أي حسبتم ~~الظن القبيح (وكنتم) أي وصرتم (قوما بورا) [12] أي هلكى بتخلفكم فأكذبهم ~~الله تعالى في اعتذارهم، و«بورا» جمع بائر وهو الهالك. ### || [سورة الفتح (48): آية 13] # ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا (13) # (ومن لم يؤمن بالله ورسوله) في السر والعلانية معا (فإنا أعتدنا) أي ~~هيأنا (للكافرين سعيرا) [13] أي نارا مسعرة، يعني موقدة. PageV04P126 ### || [سورة الفتح (48): آية 14] # ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما (14) # (ولله ملك السماوات والأرض) أي له نفاذ الأمر فيهما (يغفر لمن يشاء) على ~~الذنب الكبير لمن تاب (ويعذب من يشاء) على الذنب الصغير لمن أصر (وكان الله ~~غفورا) لمن تاب (رحيما) [14] لمن أطاع. ### || [سورة الفتح (48): آية 15] # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) # (سيقول المخلفون) عن الحديبية (إذا انطلقتم إلى مغانم) أي إلى «1» غنائم ~~خيبر (لتأخذوها ذرونا) أي اتركونا (نتبعكم) في هذا الغزو «2» (يريدون) حال ~~من «المخلفون»، أي يقصدون (أن يبدلوا) أي يغيروا (كلام الله) أي ما قال ~~الله لرسوله وهو لا تأذن لهم في غزوة أخرى لغنائم خيبر أو قوله لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا (قل لن تتبعونا) في السير إلى خيبر (كذلكم) ~~أي كقولي لكم (قال الله من قبل) أي قبل عودنا من الحديبية (فسيقولون) ~~للمؤمنين لم ينهكم الله عن ضمنا معكم في السير إلى غزوة أخرى (بل تحسدوننا) ~~على ما نصيب معكم من الغنائم، فلذلك قلتم هذا القول ففي هذا الإضراب رد كون ~~حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد للمؤمنين، فقال الله تعالى (بل كانوا ~~لا يفقهون) أي لا يعقلون من الدين (إلا قليلا) [15] منهم وهم «3» المخلصون، ~~وفي ms1622 هذا الإضراب إعراض «4» عن وصفهم بنسبة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم ~~بشيء هو أكبر من ذلك وهو الجهل في الدين. ### || [سورة الفتح (48): آية 16] # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما (16) # ثم أمر نبيه عليه السلام أن يخبر بعده لهم بما «5» سيقع منهم من الإطاعة ~~والعصيان بقوله (قل للمخلفين) عن الحديبية (من الأعراب) اختيارا مخافة ~~القتال (ستدعون إلى قوم أولي بأس) أي حرب (شديد) قيل: هم بنو حنيفة «6» أو ~~أهل فارس «7» أو هوازن «8»، قاتلهم أبو بكر بعد النبي عليه السلام، قوله ~~(تقاتلونهم) حال مقدرة وعطف عليه (أو يسلمون) أي ينقادون للإسلام بترك ~~الشرك وهو معطوف على «تقاتلونهم»، والمراد أحدهما إما المقاتلة منكم أو ~~الإسلام منهم، أي من مشركي العرب لا الصلح معهم، والمعنى: انكم تقاتلونهم ~~أو هم يدخلون في دين الله ولم تأخذوا منهم الجزية (فإن تطيعوا) أيها ~~المخلفون، أي إن تحسنوا القتال وتخلصوا لله تعالى في ذلك الحرب (يؤتكم الله ~~أجرا حسنا) في الآخرة (وإن تتولوا) أي تعرضوا عن الجهاد (كما توليتم) أي ~~أعرضتم عن الإجابة (من قبل) أي حين دعيتم إلى الحديبية (يعذبكم عذابا ~~أليما) [16] أي مؤلما دائما. ### || [سورة الفتح (48): آية 17] # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) # قوله (ليس على الأعمى حرج) نزل في شأن الضعفاء والعجزة عن الجهاد، إذ ~~قالوا كيف إذا دعينا إلى قتال الكفار ولا نستطيع الخروج فيعذبنا الله تعالى ~~لقوله «وإن تتولوا» الآية «9»، فقال ليس على الأعمى حرج، أي إثم في التخلف ~~(ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله) في السر ~~والعلانية PageV04P127 # (يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول) أي ومن يعرض عن طاعة الله ~~ورسوله بالتخلف (يعذبه عذابا أليما) [17] قرئ بالنون وبالياء «1». ### || [سورة الفتح (48): آية 18] # لقد ms1623 رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18) # (لقد رضي الله عن المؤمنين) أي الذين نزلوا معكم في الحديبية (إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة) يعني السمرة، فانه بايعهم تحتها بعد ما أرسل عثمان ~~إلى مكة ليستأذن منهم حتى يخلوا «2» بينه وبين بيت الله، ثم سمع النبي عليه ~~السلام أن عثمان قد قتل في مكة حين ذهب إليها رسولا من النبي عليه السلام ~~على أن يحاربوا قريشا وأن لا يفروا وعلى الموت، وقال عليه السلام: «إن ~~عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله وحاجة المؤمنين»، ثم وضع إحدى يديه على ~~الأخرى وقال «هذا بيعة عثمان» «3» (فعلم) الله (ما في قلوبهم) من الصدق ~~والوفاء (فأنزل) الله (السكينة) أي الطمأنينة (عليهم) أي على قلوبهم بسبب ~~الصلح (وأثابهم) أي أعطاهم جزاء عن ذلك (فتحا قريبا) [18] يعني فتح خيبر ~~بعد انصرافه من مكة، ثم صالحهم النبي عليه السلام حين أتاه عثمان بالصلح ~~وانصرف إلى خيبر بعد أن نحر بالحديبية وحلق. ### || [سورة الفتح (48): آية 19] # ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) # (ومغانم) أي وأثابهم مغانم (كثيرة) من أموال اليهود (يأخذونها) أي ~~يغتنمونها بعد القتل والأسر وكانت ذات عقار وأشجار فقسمها عليهم (وكان الله ~~عزيزا) بالنقمة من الأعداء (حكيما) [19] يحكم بالقتل والأسر وأخذ الغنيمة ~~للمؤمنين من الكافرين. ### || [سورة الفتح (48): آية 20] # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ~~ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) # (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) أي تغتنمونها وهي ما أصابوا مع رسول ~~الله وبعده إلى يوم القيامة (فعجل لكم هذه) أي غنيمة خيبر (وكف أيدي الناس ~~عنكم) بالصلح وهو صلح النبي عليه السلام بأهل مكة لينفعكم بها (ولتكون) هذه ~~«4» الكفة أو الغنيمة المعجلة من فتح خيبر (آية) أي عبرة (للمؤمنين) على ~~صدقك إذا وجدوا وعد الله بها صادقا، لأن صدق الاخبار عن الغيب معجزة على ~~صدقه، لأن المسلمين كانوا ثمانية آلاف وأهل خيبر كانوا سبعين ألفا ~~(ويهديكم) أي يثبتكم (صراطا مستقيما) ms1624 [20] أي على دين الإسلام بصدق وعده. ### || [سورة الفتح (48): آية 21] # وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) # قوله (وأخرى) مبتدأ و(لم تقدروا عليها) صفته و(قد أحاط الله بها) خبره، ~~ويجوز أن يكون عطفا على «مغانم كثيرة» أو على «هذه»، أي وعدكم الله غنيمة ~~أخرى لم تقدروا عليها، يعني ما ملكتموها بعد وهي فتح مكة أو غنائم هوازن قد ~~علم الله أنها ستكون لكم بالفتح ومعلومه واقع ضرورة (وكان الله على كل شيء ~~قديرا) [21] من أمر الفتح وغيره. ### || [سورة الفتح (48): آية 22] # ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) # (ولو قاتلكم الذين كفروا) أي كفار مكة يوم الحديبية ولم يصالحوا أو أسد ~~وغطفان من اليهود في معاونة PageV04P128 # أهل خيبر (لولوا الأدبار) أي لانصرفوا منهزمين (ثم لا يجدون وليا) أي ~~قريبا ينفعهم (ولا نصيرا) [22] أي ناصرا يمنعهم من الهزيمة. ### || [سورة الفتح (48): آية 23] # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) # (سنة الله التي قد خلت) أي مضت (من قبل) أي قبلك، يعني سن الله غلبة رسله ~~«1» سنة وهي قوله «لأغلبن أنا رسولي» «2» (ولن تجد لسنة الله تبديلا) [23] ~~أي تغييرا. ### || [سورة الفتح (48): آية 24] # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~وكان الله بما تعملون بصيرا (24) # (وهو الذي كف) أي منع (أيديهم) أي أيدي المشركين من أهل مكة (عنكم ~~وأيديكم عنهم) أي عن أهل مكة (ببطن مكة) أي بالحديبية أو بالتنعيم (من بعد ~~أن أظفركم عليهم) لأنه كان صلى الله عليه وسلم قد هبط عليه قوم خرجوا من ~~مكة يوم الحديبية متسلحين يريدون غرته، فدعا عليهم فأخذت أبصارهم فأخذوا ~~سلما، وخلى النبي عليه السلام سبيلهم بأمره تعالى، وقيل: جاؤا ورموا ~~المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوا بيوت مكة «3» (وكان الله بما ~~تعملون بصيرا) [24] أي بحرب بعضكم بعضا، قرئ بالياء والتاء «4». ### || [سورة الفتح (48): آية 25] # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ms1625 يبلغ محله ولو ~~لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير ~~علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما (25) # (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام) أي منعوكم عن دخوله والتطوف به ~~(والهدي) أي وصدقوا الهدي وهو ما يهدى إلى البيت لينحر في محله وهو الحرم ~~(معكوفا) حال من «الهدي»، أي محبوسا عن دخول مكة وهي سبعون بدنة، قوله (أن ~~يبلغ محله) بدل من «الهدي» بدل اشتمال، أي صدوا أن يبلغ الهدي محله، أي ~~مكان حلوله ووجوبه كمحل الدين، يعني مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو منى ~~للحاج والصفا للمعتمر، قيل: إن النبي عليه السلام قد نحر بالحديبية، لأن ~~محل هدي المحصر حيث أحصر، وعليه الشافعي رحمه الله، وقيل: بعض الحديبية من ~~الحرم، فمحل هديه الحرم لكنه ليس بمعهود للنحر، وبذلك تمسك أبو حنيفة رحمه ~~الله على أن المحصر محل هديه الحرم «5» (ولو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) ~~بمكة (لم تعلموهم) صفة «رجال» و«نساء»، وقوله (أن تطؤهم) بدل اشتمال من ~~«رجال» و«نساء» والوطئ الإهلاك بغفلة، قوله (فتصيبكم) بالنصب عطف على ~~«تطؤهم»، أي فتلزمكم (منهم) أي لأجل قتلهم (معرة) أي مشقة وإثم ودية (بغير ~~علم) أي بغير معرفة منكم بهم أو يصيبكم منهم تعيير من المشركين بذلك القتل، ~~المعنى: لو لا جماعة مؤنون مختلطون بالمشركين بمكة لا تعرفونهم ولا ~~تميزونهم من الكافرين فتقتلونهم معهم فيلزمكم بذلك إثم وكفارة ودية، وقول ~~المشركين أنهم قتلوا أهل دينهم كما قتلونا من غير تمييز، وجواب «لو لا» ~~محذوف وهو لما كف الله أيديكم عنهم لدلالة الكلام السابق عليه ولكن منعناكم ~~عن دخول مكة خوفا على المؤمنين، قوله (ليدخل الله) تعليل لمعنى «6» الآية ~~السابقة الدالة عليه كأنه قال كان الكف والمنع من التعذيب ليدخل الله (في ~~رحمته) أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة لمؤمنيهم «7» أو ليدخل في ~~الإسلام من مشركيهم (من يشاء) الله ممن رغب فيه منهم، ثم أكد مضمون ذلك ~~بقوله (لو تزيلوا) ms1626 أي لو تميز بعضهم من بعض، يعني PageV04P129 # المؤمنين «1» من الكافرين (لعذبنا الذين كفروا) بالسيف (منهم عذابا ~~أليما) [25] أي وجيعا. ### || [سورة الفتح (48): آية 26] # إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان ~~الله بكل شيء عليما (26) # (إذ جعل الذين كفروا) أي اذكر وقت جعل الكافرين يعني أهل مكة (في قلوبهم ~~الحمية) أي الأنفة وأبدل منها (حمية الجاهلية) حيث قالوا حين نزل النبي ~~عليه السلام بالحديبية برسالة جماعة منهم إليه قتل محمد آباءنا وإخواننا ثم ~~أتانا ليدخل علينا في منازلنا، والله لا ندخله علينا لئلا يقول المسلمون ~~دخلنا البيت على رغم أنفهم فليرجع عنا من هذا العام على أن نخلي بينه وبين ~~البيت من العام القابل ثلاثة أيام، فسمع ذلك منهم رسول الله عليه السلام أو ~~هي إنكارهم رسالته ومنعهم من كتابة «2» «بسم الله الرحمن الرحيم» في كتاب ~~المصالحة حيث قال عليه السلام لعلي رضي الله عنه: «اكتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم، هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة»، فقالوا: لو كنا نعلم أنك ~~رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب باسمك اللهم هذا ما ~~صالح محمد بن عبد الله، فقال عليه السلام: «اكتب ما يريدون»، فهم المسلمون ~~أن يمنعوا ذلك «3» (فأنزل الله سكينته) أي طمأنينته (على رسوله وعلى ~~المؤمنين) أي لم يلحقهم الحمية، يعني حمية الإسلام، بل حلموا وتوقروا ~~وسكنوا، لأنه تعالى أراد ذلك منهم لحكمة يعلمها (وألزمهم) أي ألهمهم (كلمة ~~التقوى) وهي الوفاء بالعهد وأضافها إلى التقوى، لأنه سبب التقوى وأساسها ~~(وكانوا) أي كان المسلمون (أحق بها) أي بكلمة التقوى، يعني يحفظ العهد من ~~كفار مكة (و) كانوا (أهلها) أي أهل هذه الكلمة في علم الله تعالى (وكان ~~الله بكل شيء عليما) [26] أي بمن كان أهلا للإيمان وغيره. ### || [سورة الفتح (48): آية 27] # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما ms1627 لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا (27) # قوله (لقد صدق الله) نزل حين رأى النبي عليه السلام في النوم قبل الخروج ~~إلى الحديبية أنه يدخل مع أصحابه المسجد الحرام محلقين ومقصرين، فأخبر ~~الناس بذلك فاستبشروا وظنوا أن يكون في ذلك العام، فلما صدهم المشركون من ~~دخول مكة قال المنافقون منهم ابن أبي والله ما دخلنا وما حلقنا وما قصرنا ~~ولا رأينا المسجد الحرام «4»، فحقق الله تعالى ذلك بقوله لقد صدق الله ~~(رسوله الرؤيا) التي رآها في المنام (بالحق) أي ملتبسة «5» بالوقوع وهو ~~يتعلق ب «صدق» أو ب «الرؤيا» حالا منها، يعني لم تكن أضغاث أحلام لتكذب، ~~وتفسيرها (لتدخلن) أي والله لتدخلن أيها المؤمنون (المسجد الحرام) في العام ~~الثاني (إن شاء الله) أي باذنه، والاستثناء في خبر الله لتعليم العباد لأن ~~يقولوا في عداوتهم مثله اقتداء بسنة الله وتأدبا بأدبه، ويجوز أن يريد ~~لتدخلن جميعا إن شاء الله ولم يمت منكم أحد «6» (آمنين) من العدو (محلقين ~~رؤسكم) أي جميع شعورها «7» (ومقصرين) أي بعض شعورها (لا تخافون) أبدا من ~~العدو (فعلم) الله تعالى من الحكمة والصواب (ما لم تعلموا) أنتم منه «8» ~~وهو أن الخير «9» في الصلح وتأخير الدخول وقوعه في السنة الثانية فلذلك وقع ~~في أنفسكم ما وقع (فجعل من دون ذلك) أي قبل دخول مكة (فتحا قريبا) [27] وهو ~~فتح خيبر في ذلك العام، فواعد لهم هذا الفتح لنفعهم ثم دخول مكة فتحققت ~~الرأيا في العام القابل. PageV04P130 ### || [سورة الفتح (48): الآيات 28 الى 29] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما (29) # (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي بالتوحيد وهو شهادة أن «لا ms1628 إله إلا الله» ~~(ودين الحق) وهو دين الإسلام (ليظهره على الدين كله) قبل أن تقوم «1» ~~الساعة فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام (وكفى بالله شهيدا) [28] أي ~~شاهدا بأن محمدا رسول الله وإن لم يشهد كفار مكة وهو جواب لقولهم إنا لا ~~نعرف أنك رسول الله ولا نشهد، وذلك حين أراد أن يكتب هذا ما صالح عليه محمد ~~رسول الله ومنعوه فقال تعالى (محمد رسول الله والذين معه) أي المؤمنون ~~الذين مع محمد عليه السلام (أشداء) لله (على الكفار) بالغلظة لا يرحمونهم ~~لأنهم أعداء الله (رحماء) أي متحابون في الله (بينهم تراهم ركعا سجدا) أي ~~يكثرون الصلوة لله تعالى (يبتغون) أي حال كونهم يطلبون (فضلا من الله) أي ~~ثوابه في الآخرة (ورضوانا) أي ورضاه عنهم (سيماهم) أي علامتهم هنا (في ~~وجوههم) يعني ثابتة في وجوههم (من أثر السجود) في الدين وهو استنارتها من ~~كثرة الصلوة وسهر الليل، وقيل: هو صفرة الوجوه «2» بلا آفة وقبول طباع ~~المسلمين أو غلظة جلد الجبهة التي يحدث من وضعها على الأرض من غير رياء ~~ونفاق نعوذ بالله منه أو في الآخرة، فالأثر نور وبياض يعرفون به فيها (ذلك ~~مثلهم) أي المذكور صفتهم (في التوراة) قوله (ومثلهم في الإنجيل) مبتدأ، ~~خبره (كزرع) ويجوز أن يكون عطفا على «مثلهم في التوراة»، و«كزرع» خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هم كزرع (أخرج شطأه) وهو فراخ الزرع وسنبله (فآزره) مدا وقصرا ~~«3»، أي قواه وأعانه (فاستغلظ) أي صار من الرقة إلى الغلظة (فاستوى) أي ~~استقام (على سوقه) أي على أصوله وهي جمع ساق وهو قصبة الزرع، المعنى: أن ~~فراخ الزرع إذا قوى فساوى الزرع ارتفاعا (يعجب) ذلك الزرع (الزراع) الذين ~~زرعوه إذا نظروا إلى زرعهم، فكذلك النبي عليه السلام تبعه أبو بكر رضي الله ~~عنه بزرع حبة الإيمان في أرض قلبه ثم تبعه واحد بعد واحد من الصحابة كذلك ~~حتى كثروا بعد أن كانوا قليلا وقووا بعد أن كانوا ضعفاء، ففرح رسول الله ~~عليه السلام بذلك، قوله (ليغيظ بهم الكفار) تعليل ms1629 لكثرتهم وتقويهم، لأن أهل ~~مكة كانوا يكرهون ما رأوا من كثرة المسلمين وقوتهم، قوله (وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات) زيادة لغيظهم بما أعد للمؤمنين في الآخرة مع هذه ~~العزة في الدنيا، قوله (منهم) يجوز أن يكون «من» في لبيان الجنس، ويجوز أن ~~يكون بمعنى اللام متعلقا ب «مغفرة»، أي لهم وهم أصحاب محمد عليه السلام، أي ~~وعد لهم (مغفرة) لذنوبهم (وأجرا عظيما) [29] أي ثوابا وافرا في الجنة، روي ~~عن قتادة فيهم أنه قال: «مكتوب في الإنجيل يخرج قوم يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر» «4»، وعن عكرمة رضي الله عنه: «أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر ~~فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضي الله عنهم أجمعين» «5». PageV04P131 ### | سورة الحجرات # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحجرات (49): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) # نزل قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا) في قوم ذبحوا قبل أن يصلي ~~النبي عليه السلام صلوة العيد «1»، أي يوم النحر فأمرهم النبي عليه السلام ~~أن يذبحوا آخر، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله إلا أن تزول الشمس فانه لا ~~ذبح بعد الزوال، بل يعطى للفقراء حيا، وعند الشافعي رحمه الله يجوز الذبح ~~إذا قضى من الوقت مقدار الصلوة «2» أو هو عام في كل قول وفعل في مجلس النبي ~~عليه السلام أن لا يسبقوه بالجواب والسؤال والعمل قبل إذنه عليه السلام، ~~يعني أيها المؤمنون لا تعجلوا بتقديم أمر (بين يدي الله ورسوله) وهو مجاز، ~~أي بين يدي أمرهما، يعني لا تفعلوا أمرا إذا أمرتم به قبل الوقت الذي أمرتم ~~به فيه ولم يذكر المفعول ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم فيه منهيا ~~عنه، وقيل: «قدم» بمعنى تقدم «3»، أي لا تسبقوا في فعل المأمور به قبل ~~إذنهما (واتقوا الله) في مخالفة أمر الله ورسوله (إن الله سميع) لقولكم ~~(عليم) [1] بحالكم. ### || [سورة الحجرات (49): آية 2] # يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ms1630 ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا) نزل فيمن رفع صوته لدى النبي عليه ~~السلام، وهو ثابت بن قيس وكان في أذنه وقر وكان إذا تكلم رفع صوته، وربما ~~كان يكلم رسول الله عليه السلام فيتأذى بصوته «4»، وقيل: نزل فيمن كان يرفع ~~صوته من المنافقين «5»، فخاطب المؤمنين بالنهي ليندرج المنافقون تحت النهي ~~ليكون الأمر أغلظ وأشق عليهم، أي لا تعلوا (أصواتكم فوق صوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم) إذا نطق ونطقتم، بل اخفضوا الصوت لديه ولا تجاوزوا الحد الذي ~~يبلغه صوته (ولا تجهروا له بالقول) أي لا تدعوا له باسمه (كجهر بعضكم لبعض) ~~أي كما يدعو بعضكم بعضا باسمه، ولكن عظموه وقولوا يا رسول الله ويا نبي ~~الله، ولا تقولوا يا محمد ويا أحمد، وقيل معناه: لا تجهروا له بالقول إذا ~~كان صامتا ولكن تعمدوا في مخاطبته القول اللين كمخاطبة المهيب المعظم ولا ~~تبلغوا به الجهر الدائر بينكم «6» (أن تحبط) أي خافة أن تبطل (أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون) [2] أن ذلك يحبطها لاستخفاف النبي عليه السلام لأن مستخفه ~~يكفر به، فقوله «أن تحبط» مفعول له يتعلق بالنهي الثاني عند البصري مقدرا ~~إضماره في الأول، وبالعكس عند الكوفي، وأيا ما كان يرجع المعنى إلى أن ~~الرفع والجهر يؤدي إلى حبوط العمل. PageV04P132 ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 3 الى 4] # إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون (4) # قوله (إن الذين يغضون) نزل مدحا فيمن خفض صوته عند النبي عليه السلام ~~مخافة أن يحبط عمله، وهو ثابت بن قيس لأنه كان يرفع الصوت لديه عليه السلام ~~«1»، أي أن الذين يخفضون (أصواتهم عند رسول الله) إجلالا له (أولئك الذين ~~امتحن) أي جرب وحقق (الله) باختباره بالمحن والشدائد والاصطبار عليها «2» ~~(قلوبهم للتقوى) أي كائنة لها مختصة بها، واللام للاختصاص أو «امتحن» بمعنى ~~أخلص، من امتحن الذهب إذا ms1631 أذابه ليتميز إبريزه من خبيثه، يعني أخلص قلوبهم ~~ونقاها من الشهوات إظهارا للتقوى وهي صد النفس عن مرادها السوء واللام ~~للتعليل (لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر عظيم) [3] أي ثواب وافر في الجنة، روي: ~~أن وفد بني تميم أتوا رسول الله عليه السلام قوت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ~~ينادونه يا محمد اخرج إلينا فاستيقظ فخرج فانزعج بهم، فسئل رسول الله عليه ~~السلام عنهم فقال: «هم حفاة بني تميم لو لا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور ~~الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» فنزل ذما «3» (إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات) أي من خلفها، جمع حجرة وهي أرض يحجر عليها بحائط ونحوه، ~~والمراد حجرات نساء النبي عليه السلام، فكل من جاءه من الأعراب ينادي من ~~خلف حجرة منها، وجمعت تعظيما لشأنه عليه السلام و«من» لابتداء الغاية وخبر ~~«إن» (أكثرهم لا يعقلون) [4] حرمة النبوة، لأنهم نادوه من ظاهر الدار بجفاء ~~وغلظة، ففيه تنبيه على قدره والتأدب معه عليه السلام لكل حال وهو أن يجلسوا ~~على بابه ولا يدقوا عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احتراما له عليه ~~السلام. ### || [سورة الحجرات (49): آية 5] # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) # (ولو أنهم صبروا) أي لو ثبت صبرهم (حتى تخرج إليهم لكان) الصبر (خيرا ~~لهم) وأحسن لأدبهم ويعلم من «حتى» الدالة على الغاية المضروبة لصبرهم أن ~~ليس لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليها (والله غفور) لمن تاب عن النداء ~~من خلف الحجرة (رحيم) [5] لمن أطاع الأمر، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن ~~النبي عليه السلام بعث أسامة بن زيد إلى قبيلة بني العنبر ليغزوها فأغار ~~عليهم وسبى ذراريهم، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراءهم، فنادوه من وراء ~~الحجرات بغلظة وكان وقت الظهيرة، أي وقت القيلولة وهو راقد، فلما خرج النبي ~~عليه السلام كلموه في أمر الذراري فقال لواحد منهم احكم أنت فقال حكمت أن ~~تخلي نصف الذراري وتبيع النصف منا، ففعل النبي عليه السلام كذلك فنزل الآية ~~تنبيها على أنهم لو صبروا ms1632 لكان خيرا لهم «4»، يعني لو لم ينادوه لكان النبي ~~عليه السلام يعتقهم كلهم. ### || [سورة الحجرات (49): آية 6] # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) # قوله (يا أيها الذين آمنوا) نزل حين بعث النبي عليه السلام الوليد بن ~~عقبة إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليعظموه فخشي منهم لما ~~كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فرجع إلى النبي عليه السلام هاربا وقال ~~إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتلي، فهم رسول الله عليه السلام أن يبعث لقتالهم ~~فجاؤا إلى المدينة وقالوا: يا رسول الله لما بلغ خبر قدوم رسولك إلينا ~~خرجنا أن نتلقاه بالتعظيم، فرجع عنا ونحن خشينا أن يكون رده كتاب أتاه منك، ~~وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاغتم النبي عليه السلام بما فعل ~~الوليد وأرسل إليهم بعد PageV04P133 # عودهم إلى بلادهم خالدا، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير فأخبر النبي عليه ~~السلام بذلك «1»، أي يا أيها المؤمنون (إن جاءكم فاسق بنبإ) أي بخبر كذب ~~(فتبينوا) «2»، من التبين «3»، وقرئ «فتثبتوا» «4» من التثبت وهو طلب ~~الثبات، أي تعرفوا صدقه من كذبه ولا تعجلوا (أن تصيبوا) أي مخافة أن تصيبوا ~~(قوما بجهالة) أي جاهلين بحالهم، حال من ضمير «تصيبوا» (فتصبحوا) أي ~~فتصيروا (على ما فعلتم) من الخطأ بالقوم (نادمين) [6] والندم ضرب من الغم ~~وهو غم يصحب الإنسان يتمنى أن ما وقع منه لم يقع، وإنما قال «إن جاءكم» ~~بحرف الشك دون إذا ليدل على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا على هذه الصفة ~~لئلا يطمع فاسق في مكالمتهم بكذب ما. ### || [سورة الحجرات (49): آية 7] # واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون (7) # (واعلموا أن فيكم رسول الله) فعظموه وعظموا أمره بالموافقة (لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر) الذي تخبرونه أو يختارونه، فان بعضهم اجتهدوا أن يعملوا ~~بقول الفاسق وحرضوا النبي عليه السلام على إرسالهم ms1633 لقتال نبي المصطلق ~~ونهبهم «5» (لعنتم) أي لأثمتم ولهلكتم، من عنت البعير إذا انكسرت رجله، ~~وإنما قال «يطيعكم» دون أطاعكم كما اقتضاه «لو» ليدل على أنه كان في ~~إرادتهم استمرار علمه على ما يستصوبونه، لأن المضارع قد يدل على الاستمرار، ~~ثم استدرك عمن هو ضعيف الإيمان وقليل الموافقة لأمر النبي عليه السلام من ~~الصحابة «6» بقوله (ولكن) «7» وهي كلمة الاستدراك يقتضي مخالفة ما بعدها ~~لما قبلها نفيا وإثباتا، وهي حاصلة هنا من حيث المعنى دون اللفظ، أي ما وفق ~~الله هؤلاء الذين أرادوا أن يخالفوا أمر النبي عليه السلام بأن ينقادوا له ~~ويطيعوه ولكن (الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) أي ثبته وحسنه فيها ~~بالآيات الواضحة والبراهين القاطعة فقبلتم ورضيتهم وشكرتم على هذه النعمة ~~العظيمة التي لا نعمة فوقها (وكره) أي بغض (إليكم الكفر) أي تغطية نعم الله ~~بالجحود (والفسوق) أي الخروج عن الطاعة بالكذب وغيره (والعصيان) أي ترك ~~الانقياد لأمر الشارع (أولئك) أي أهل هذه الصفة (هم الراشدون) [7] أي ~~المستقيمون على طريق الحق «8». ### || [سورة الحجرات (49): آية 8] # فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) # (فضلا من الله) أي كان ذلك التحبيب والتزيين والتكريه رحمة من الله لهم ~~(ونعمة) أي وكرما منه تعالى، فنصبهما ب «كان» المحذوفة «9»، وقيل: مفعولا ~~لهما بمعنى الإفضال والإنعام لفعل التحبيب والتزيين والتكريه، وقوله «أولئك ~~هم الراشدون» اعتراض بينهما «10» (والله عليم) بأحوال المؤمنين وما بينهم ~~من التفاضل والتمايز (حكيم) [8] أي حاكم يحكم بالإفضال والإنعام بالتوفيق ~~على أفاضلهم. ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 9 الى 10] # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) # قوله (وإن طائفتان) نزل حين ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وأتى ~~إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من أمور PageV04P134 # لا دين، فكلمهم فبال الحمار فقال عبد الله بن أبي المنافق إليك عني فقد ~~آذاني ms1634 نتن حمارك، فقال بعض الأنصار وهو ابن رواحة والله لبول حمار النبي ~~عليه السلام أطيب ريحا منك، فاقتتل قوم ابن رواحة وهم الأوس وقوم عبد الله ~~بن أبي وهم الخزرج بالأيدي والنعال وأغصان النخلة «1»، فقال الله تعالى وإن ~~طائفتان، أي إن اقتتل طائفتان (من المؤمنين) حذف الفعل من «إن» الشرطية ~~بدلالة (اقتتلوا) عليه وجمع نظرا إلى المعنى، لأن كل طائفة جماعة وثني في ~~قوله (فأصلحوا بينهما) نظرا إلى اللفظ، فكره بعضهم الصلح فنزل «2» (فإن بغت ~~إحداهما) أي إن ظلمت إحدى الطائفتين واستطالت (على الأخرى فقاتلوا) الطائفة ~~(التي تبغي) أي تظلم (حتى تفيء) أي ترجع (إلى أمر الله) أي إلى الصلح (فإن ~~فاءت) أي رجعت عن البغي (فأصلحوا بينهما بالعدل) أي بالإنصاف (وأقسطوا) أي ~~اعدلوا في الحكم بين الفريقين ولا تميلوا (إن الله يحب المقسطين) [9] أي ~~العادلين، من أقسط إذا أزال الجور، وقسط بمعنى جار، فهمزته للسلب، وإنما ~~قرن العدل بالإصلاح الثاني دون الأول لأن العدل في تضمين الجنايات ~~والمتلفات لا في سلب الضغائن، فالمراد بالأول إصلاح ذات البين من الاقتتال ~~وتسكين الحقد والغضب منهما ونفي الشبهة فقط إلا إذا أصرتا فحينئذ يجب ~~المقاتلة ولا يتجه الضمان، والمراد بالثاني هو الإصلاح من البغي والتعدى ~~بالضمان «3» يتجه فيه بطريق العدل والإصلاح مختص بالمؤمنين، يوضح ذلك قوله ~~(إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) أي بين المتنازعين منكم، وثني لأن ~~النزاع لا يكون إلا بين اثنين أولا ثم يتعدى إلى الجماعة، وقيل: المراد بال ~~«أخوين» الأوس والخزرج «4» (واتقوا الله) أي لا تعصوه (لعلكم ترحمون) [10] ~~فلا تعذبوا، ودلت الآية على أن البغي لا يزيل الإيمان، لأنهم سموا مؤمنين ~~مع وجود البغي بالاقتتال «5». ### || [سورة الحجرات (49): آية 11] # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ~~بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم) نزل حين ms1635 سخر وفد تميم من فقراء ~~المسلمين كعمار وصهيب «6»، أي لا تستهزئ «7» جماعة الرجال (من قوم) أي من ~~جماعة مثلهم والقوم مخصوص بالرجال يوضحه قوله «ولا نساء من نساء»، وإنما ~~نهي السخرية عن الجمع لأن السخرية تكون «8» غالبا بين جمع، قوله (عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم) أي أفضل وأكرم على الله من الساخرين علة للنهي الأول، ~~وعطف على «قوم» (ولا نساء من نساء) أي لا تستهزئ امرأة من امرأة (عسى أن ~~يكن خيرا منهن) أي أفضل عند الله «9» قدرا من الساخرات علة للنهي الثاني، ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه: «البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن ~~أحول كلبا» «10»، وإنما لم يقل امرأة من رجل ولا بالعكس للإشعار بأن مجالسة ~~الرجل والمرأة مستقبح شرعا، لأن الإنسان انما يسخر ممن يلابسه غالبا (ولا ~~تلمزوا أنفسكم) أي لا تعيبوا إخوانكم المسلمين، لأنهم كأنفسكم ولا عليكم أن ~~تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، قال عليه السلام: ~~«اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس» «11»، أي لا تعيبوا إخوانكم ~~المسلمين لأنهم كأنفسكم (ولا تنابزوا بالألقاب) أي لا تسموا ولا تلقبوا ~~بالألقاب القبيحة كالفاسق والكاذب والكافر، من النبز وهو اللقب، واللقب ما ~~يسمى به الإنسان بعد اسمه PageV04P135 # العلم من لفظ يدل على المدح أو الذم لمعنى فيه والمنهي عن التقليب ما ~~يستكرهه المدعو به لكونه ذما له وشينا، وأما ما يحبه مما يزينه فلا بأس به، ~~قال عليه السلام: «من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه» «1» ~~(بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) أي بئس الاسم الذي سمي به الملقب اسم ~~الفسوق بعد إيمانه كزيد اليهودي وعمرو الناصراني أو «بعد» بمعنى مع، لأنه ~~نهي عن الجمع بين الفسق والإيمان، أي لا تفسقوا بعد ما آمنتم، قيل: نزلت ~~الآية في أبي مالك كان على المقاسم، فقال لعبد الله السلمي يا أعرابي، فقال ~~له عبد الله يا يهودي، فأمرهما رسول الله عليه وسلم أن لا يدخلا عليه حتى ~~يظهر توبتهما «2» (ومن لم يتب) ms1636 من السخرية واللمز والنبز (فأولئك هم ~~الظالمون) [11] أي العاصون بالله ورسوله فأوثق أبو مالك وعبد الله أنفسهما ~~حتى قبلت توبتهما. ### || [سورة الحجرات (49): آية 12] # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ~~ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم (12) # (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا) أي أبعدوا عنكم (كثيرا من الظن) وهو ظنكم ~~بأهل الخير سوء، أي تحققوه (إن بعض الظن إثم) أي معصية يستحق عليها العقاب، ~~وذلك البعض كثير لأنه ظن السوء بالمؤمنين، قيل: إن كان المؤمن موسوما ~~بالصلاح يحتاط في ظن السوء به وإن كان فاجرا يظن به مثل الذي ظهر منه، وأما ~~ظن الخير والصلاح بالصلحاء والعلماء بالله فمندوب إليه «3»، وقيل: «الظن ~~ظنان، ظن إثم وهو أن يظن ويتكلم به وظن ليس بإثم وهو أن يظن ولا يتكلم به» ~~«4»، فلذلك قال إن بعض الظن إثم، أي لا جميعه (ولا تجسسوا) أي لا تطلبوا ~~ولا تتبعوا عورات الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تفتنوا المسلمين ولا ~~تتبعوا عوراتهم، فان من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع ~~الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله- وفي رواية- ولو في جوف بيته» «5»، وما ~~روي عنه عليه السلام: «احترسوا من الناس بسوء الظن» «6» فانه محمول على حفظ ~~المال في حرزه أو على سوء ظنكم بأنفسكم (ولا يغتب بعضكم بعضا) أي لا يذكر ~~أحدكم أخاه بظهر الغيب مما يسوءه وهو فيه والغيبة من الاغتياب وهو ذكر ~~السوء في الغيبة، سئل رسول الله عليه السلام عن الغيبة فقال: «أن تذكر أخاك ~~بما يكره فان كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» «7»، أي قلت ~~عليه ما لم يفعله (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) حال من اللحم أو من ~~الأخ (فكرهتموه) عطف على مقدر، أي إن عرض عليكم فكرهتموه أو هي الفاء ~~الفصيحة بمعنى فقد كرهتموه واستقر ذلك فيكم، يعني فكما كرهتم أكل لحمه ميتا ms1637 ~~فكذلك اجتنوبوا ذكره بالسوء وهو غائب، فان هذا نظير ذلك، قيل: نزلت الآية ~~في شأن زيد بن ثابت حين ذكر نفر فيه شيئا «8»، وقيل: في شأن سلمان وكان في ~~سفر مع أبي بكر وعمر وكان يطبخ لهما فنزلوا منزلا فلم يتهيأ له أن يصلح ~~لهما أمر الطعام لعدم الماء، ثم بعثناه إلى النبي عليه السلام لطلب الطعام ~~منه، فقال له أسامة لم يبق عند النبي شيء من الطعام، فرجع سلمان إليهما ~~فقالا إنه لو ذهب إلى بئر كذا ليبس ماؤها «9»، الميت بالتخفيف «10» كالميت ~~بالتشديد مثل ضيق وضيق (واتقوا الله) في الغيبة، يعني توبوا إليه (إن الله ~~تواب) أي قابل التوب (رحيم) [12] بكم بعد توبتكم. PageV04P136 ### || [سورة الحجرات (49): آية 13] # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) # قوله (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) أي من آدم وحواء، يعني ~~نسبة أحدكم إلى آدم وحواء كنسبة الآخر إليهما سواء بسواء فلا وجه للتفاضل ~~والتفاخر في النسب، نزل حين أمر النبي عليه السلام بلالا ليؤذن بعد فتح مكة ~~فقال حارث بن هشام أما وجد رسول الله سوى هذا الغراب «1»، يعني بلالا ~~(وجعلناكم شعوبا) أي رؤوس «2» القبائل، جمع شعب وهو اسم للقبيلة التي تتشعب ~~منها القبائل كمضر وربيعة وخزيمة، فانها شعوب القبائل (و) جعلناكم (قبائل) ~~أي الأفخاذ كهاشم وبني عامر وبني سعد، المعنى: خلقناكم من أصل واحد ثم ~~فرقناكم (لتعارفوا) أي ليعرف بعضكم بعضا ويعطيه حقه لا للتفاخر، ثم بين ما ~~هو سبب الفخر فقال (إن أكرمكم) أي أشرفكم وأعزكم (عند الله أتقاكم) أي ~~أخوفكم وأخشاكم وإن كان عبدا حبشيا مثل بلال لا أنسبكم للتفاخروا بالأنساب، ~~قيل: المتقي من انقطع عن الأكوان إلى الله تعالى خشية منه «3»، وقال عليه ~~السلام: # «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله» «4» (إن الله عليم) بأتقاكم ~~(خبير) [13] بافتخاركم. ### || [سورة الحجرات (49): آية 14] # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ms1638 ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) # قوله (قالت الأعراب آمنا) نزل في جماعة من الأعراب أظهروا الإسلام ~~ليأمنوا به على نفوسهم وأموالهم، وقيل قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا ~~الشهادة ومنوا بذلك على النبي عليه السلام وهم بنو أسد جاؤا مع أهاليهم ~~وذراريهم يطلبون الصدقة، وقالوا يا رسول الله نحن آمنا طوعا فأعطنا من ~~الغنيمة أكثر مما يعطي غيرنا «5»، فقال الله (قل) يا محمد (لم تؤمنوا) ~~حقيقة بمعنى كذبتم في إيمانكم (ولكن قولوا أسلمنا) أي دخلنا في الإسلام ~~مخافة، والمراد منه لانقياد، قيل: نظم الكلام يقتضي أن يقال: قل لا تقولوا ~~آمنا ولكن قولوا أسلمنا أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، وإنما عدل عنه ليفيد ~~هذا النظم تكذيب دعويهم الإيمان ودفع نسبة نفوسهم إليه وقد روعي في هذا ~~النوع أدب حسن حيث لم يلفظه فلم يقل كذبتم ووضع «لم تؤمنوا» موضعه «6»، ثم ~~بين عدم إيمانهم فقال (ولما) بمعنى لم، أي لم (يدخل الإيمان في قلوبكم) أي ~~حبه وفي ذكر «لما» لمعنى التوقيع إيذان بأنه قد وجد من بعضهم إيمان فلذا لم ~~يقل لم يدخل، قيل: ذكر «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» بعد قوله «لم تؤمنوا» ~~تكرير من غير فائدة، أجيب بأن فائدة قوله «لم تؤمنوا» تكذيب دعويهم، وفائدة ~~قوله «ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» توقيت لما أمروا به أن يقولوه، كأنه ~~قيل لهم ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطاة قلوبكم لألسنتكم، لأن قوله ~~«ولما يدخل الإيمان في قلوبكم» في موقع الحال من ضمير «قولوا»، ففيه معنى ~~التوقيت «7» (وإن تطيعوا الله ورسوله) في السر كما تطيعونه في العلانية (لا ~~يلتكم) أي لا ينقصكم (من أعمالكم) أي من ثوابها (شيئا) بل يوفرها لكم، من ~~لات يليت، أي نقص، وقرئ بالهمز الساكن «8» من ألت يألت، أي أبطل (إن الله ~~غفور رحيم) [14] إن صدقتم بقلوبكم. PageV04P137 ### || [سورة الحجرات (49): الآيات 15 الى 17] # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله ms1639 أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين (17) # ثم بين المصدقين بقلوبهم من المؤمنين فقال (إنما المؤمنون) أي الكاملون ~~في الإيمان (الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) أي لم يشكوا في ~~إيمانهم باعتراضهم الشيطان من الإنس والجن، وعطف ب «ثم» التي هي كلمة ~~التراخي على الإيمان مع وجوب كون عدم الارتياب مقارنا للإيمان إشعارا ~~باستقراره «1» في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضبا جديدا (وجاهدوا) ~~الأعداء (بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي في طاعته (أولئك هم الصادقون) ~~[15] في إيمانهم وبعد نزوله أتوا النبي عليه السلام فحلفوا بالله أنهم ~~لمؤمنون في السر كما في العلانية، فقال تعالى يا محمد (قل) لهم (أتعلمون ~~الله بدينكم) الذي أنتم عليه (والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) أي ~~سر أهلهما (والله بكل شيء عليم) [16] من التصديق في قلوبكم وغيره، فقالوا ~~يا رسول الله جئناك بأهالينا وأولادنا للإسلام فأمر الله تعالى نبيه عليه ~~السلام أن ينفي منة الأعراب عليه فقال تعالى «2» (يمنون عليك أن أسلموا قل ~~لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن) أي يعتد (عليكم أن هداكم) أي وفقكم ~~(للإيمان) على ما زعمتم أنكم أرشدتم إليه (إن كنتم صادقين) [17] أي مخلصين ~~في قلوبكم ذلك الادعاء، لأنكم إذا أخلصتم في الإيمان اعترفتم أن المنة لله ~~ورسوله عليكم بالإيمان لا لكم. ### || [سورة الحجرات (49): آية 18] # إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (18) # (إن الله يعلم غيب السماوات والأرض) أي يعلم سر أهلهما من الصدق والكذب ~~وغيرهما فلا يخفى عليه ما في ضمائركم وظواهركم (والله بصير بما تعملون) ~~[18] بالياء والتاء «3»، أي بأعمالكم الحسنات والسيئات فيجازيكم عليها، ~~وفيه تهديد شديد. PageV04P138 ### | سورة ق # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة ق (50): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) # قوله (ق) بمعنى قف وتبصر أو قسم الله تعالى به ms1640 «1»، أي بحق القائم بالقسط ~~أو «جبل محدق بالدنيا من زبرجدة خضراء لكل بلد وقرية منها عرق وملك موكل ~~عليها واضع كفه به، فاذا أراد الله إهلاك قوم حرك عرقه فخسف بهم» «2»، يعني ~~بحق «ق» (و) بحق (القرآن المجيد) [1] أي الشريف على غيره من الكتب، والجواب ~~محذوف، أي لتبعثن يوم القيامة، لأن أهل مكة أنكروا البعث ولم يؤمنوا بمحمد ~~عليه السلام وما جاءهم «3» به من الآيات. ### || [سورة ق (50): الآيات 2 الى 3] # بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا ~~وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) # (بل عجبوا أن جاءهم منذر) أي من «4» مجيء نذير (منهم) أي من أهل مكة ~~(فقال الكافرون هذا) «5» أي أمر محمد (شيء عجيب) [2] وهو كونه رسولا من ~~الله مخبرا بالبعث بعد الموت وهو من نسبهم وقالوا (أإذا متنا وكنا ترابا) ~~أي أنرجع بعد الموت إلى الحيوة (ذلك) أي الرجع بعد الموت (رجع بعيد) [3] في ~~غاية من الوهم والعادة، أي لا يكون أبدا بعدما صرنا ترابا، فناصب الظرف ~~محذوف وهو أنرجع بدلالة ما بعده. ### || [سورة ق (50): آية 4] # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # (قد علمنا ما تنقص الأرض) أي تأكل (منهم) أي من لحومهم وعروقهم وما بقي ~~منهم، قال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب» «6»، أي ~~عجزه، والعجب بسكون الجيم عظم يبقى من البدن فاذا أراد الله الإعادة ركب ~~على ذلك العظم سائر البدن وإحيائه (وعندنا كتاب حفيظ) [4] أي حافظ لما كتب ~~فيه من البدن أو العود والجزاء والحساب وغيرها أو هو محفوظ أن يناله بسوء ~~وهو اللوح. ### || [سورة ق (50): آية 5] # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) # (بل كذبوا) إضراب آخر للدلالة على أن تكذيبهم أمر محمد الثابت بالمعجزات ~~أفظع من تعجبهم «7» أن جاءهم نذير منهم، أي لم يعترف أهل مكة بأمر «8» ~~البعث وأمر محمد والقرآن بل كذبوا (بالحق) أي بما هو حق واقع لا PageV04P139 # شك فيه «1»، لأنه واضح بالدلائل القطعية والمراد منه ms1641 نبوته أو القرآن ~~(لما جاءهم) أي حين مجيئه إياهم (فهم) أي قريش في شأن محمد والقرآن (في أمر ~~مريج) [5] أي في قول مضطرب، لأنهم قالوا مرة هو ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن ~~ومرة مجنون وللقرآن شعر وسحر وكهانة، المعنى: أنهم لم يثبتوا على حال في ~~شأنهما. ### || [سورة ق (50): آية 6] # أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) # (أفلم ينظروا) أي أنكروا البعث فلم ينظروا (إلى) خلق (السماء) الذي يدل ~~على قدرته على البعث «2» بعد الموت، وهو أعظم خلقه فيعتبرون حين أنكروه، ~~قوله (فوقهم) ظرف ل «ينظروا» أو حال من «السماء» (كيف بنيناها) بلا عمد ~~(وزيناها) بالكواكب (وما لها من فروج) [6] أي من شقوق وخلل، يعني هي سليمة ~~من كل عيب. ### || [سورة ق (50): الآيات 7 الى 8] # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) ~~تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) # (والأرض مددناها) أي بسطناها على وجه الماء منصوب بفعل يفسره ما بعده ~~(وألقينا فيها رواسي) أي الجبال الثوابت (وأنبتنا فيها من كل زوج) أي صنف ~~(بهيج) [7] أي حسن يسر به من الثمار والنبات. # قوله (تبصرة) مفعول له، أي خلقها الله تعالى للاعتبار بالبصيرة (وذكرى) ~~أي لعظة (لكل عبد منيب) [8] أي رجاع إلى توحيد الله وطاعته. ### || [سورة ق (50): الآيات 9 الى 11] # ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) والنخل ~~باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) # (ونزلنا من السماء ماء مباركا) أي كثير الخير والبركة، لأنه يحيى به كل ~~شيء (فأنبتنا به جنات) أي بساتين (وحب الحصيد) [9] أي حب الزرع والنبت الذي ~~من شأنه أن يحصد كالحنطة والشعير. # (والنخل باسقات) أي أنبتنا به النخل حال كونها طوالا في السماء مواقير ~~بالحمل (لها طلع) أي ثمر كثير أو الكفرى وهي أول ما يخرج من النخل مثل لسان ~~البقر فيه ثمر (نضيد) [10] أي نضد وركب بعضه فوق بعض. # (رزقا للعباد) مفعول له، أي ليكون طعاما للخلق (وأحيينا به) أي بالماء ms1642 ~~(بلدة ميتا) أي يابسة لا نبات فيها، فهذا كله بيان بركات المطر، قوله ~~(كذلك) مرفوع المحل خبر المبتدأ وهو (الخروج) [11] من القبر، يعني مثل ذلك ~~الإحياء يخرجون من القبور، روي: أنهم لما ماتوا بقيت الأرض خالية ميتة ~~فأمطرت السماء أربعين ليلة كمني الرجال يدخل في الأرض فينبت لحومهم وعروقهم ~~وعظامهم، ثم يحييهم ويخرجهم من تحت الأرض «3». ### || [سورة ق (50): الآيات 12 الى 14] # كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) # قوله (كذبت قبلهم) الآية فيه تسلية للنبي عليه السلام ليصبر على أذى كفار ~~قريش، أي كذبت قبل قريش (قوم نوح وأصحاب الرس) وهو بئر قريب من اليمامة «4» ~~(وثمود [12] وعاد وفرعون وإخوان لوط) [13] أي قومه. # (وأصحاب الأيكة) أي قوم شعيب (وقوم تبع) وهو تبع الحميري وكان رجلا صالحا ~~يعبد الله تعالى وترك دين قومه، وقيل: كان اسمه أسعد وكنيته أبو كرب «5» ~~(كل) أي كل قوم المذكورين (كذب الرسل) كما كذبك PageV04P140 # قريش (فحق وعيد) [14] بكسر الدال «1»، أي وجب عليهم عذابي فلا يضيق صدرك. ### || [سورة ق (50): آية 15] # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) # (أفعيينا بالخلق الأول) أي أعجزنا عن الخلق الأول ابتداء فنعجز عن ~~إعادته، يعني كما لم نعجز عن ابتداء خلقهم ولم يكونوا شيئا كما علموه فلا ~~نعجز عن إحيائهم بعد إماتتهم، لأنه أيسر في رأي العين من الابتداء، فلما لم ~~«2» يؤمنوا قال تعالى (بل هم في لبس) أي في شك (من خلق جديد) [15] له شأن ~~عظيم بعد الموت، يعني هم مقيمون على شكهم من البعث الذي حقه أن يهتم به كل ~~من سمع ويخاف ويبحث عنه. ### || [سورة ق (50): آية 16] # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) # قوله (ولقد خلقنا الإنسان) فيه دلالة لهم على قدرته الباهرة على كل شيء ~~من البعث وغيره، أي لقد خلقنا كل إنسان (و) الحال أنا (نعلم ما توسوس) أي ~~تحدث (به نفسه) أي قلبه ms1643 ويتفكر فيه (ونحن أقرب إليه) أي إلى الإنسان في ~~القدرة عليه (من حبل الوريد) [16] وال «حبل» هو العرق و«الوريد» العرق الذي ~~يرد من الرأس داخل العنق، وإضافة ال «حبل» إليه إضافة البيان كبعير سانية ~~وللإنسان وريدان يكتنفان لصفحتي «3» العنق وسمي وريدا لورود الروح فيه. ### || [سورة ق (50): آية 17] # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) # قوله (إذ يتلقى) ظرف ل «أقرب»، أي إذ يتلقن «4» ويأخذ بالحفظة «5» ~~والكتبة (المتلقيان) أي الملكان الموكلان بالإنسان، قوله (عن اليمين وعن ~~الشمال) خبر المبتدأ وهو (قعيد) [17] وأراد قعيدان، أي عن يمين ابن آدم وعن ~~شماله قعيدان، لأنه يعم القليل والكثير أو هو من قبيل الاكتفاء بأحدهما، ~~يعني عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد يكتبان عمله ومنطقه ونحن أقرب إليه من ~~كل قريب وقت كتابة ملكين ما عليه من فعل «6» وقول. ### || [سورة ق (50): آية 18] # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) # (ما يلفظ) الإنسان (من قول إلا لديه) أي عنده (رقيب) يرقب قوله، أي حافظ ~~يحفظه عليه (عتيد) [18] أي حاضر معه وأراد رقيبين عتيدين فاكتفي بأحدهما عن ~~الآخر، قيل: «هما يكتبان عليه كل شيء يصدر عنه حتى أنينه في مرضه» «7»، ~~وقيل: «لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يوزر به» «8»، ويدل عليه قوله على ~~السلام: «كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمير على كاتب السيئات، فاذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا ~~عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر» ~~«9»، وقيل: «إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه» «10». ### || [سورة ق (50): آية 19] # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) # (وجاءت سكرة الموت) أي غمرته وشدته (بالحق) أي ملتبسة «11» بالصدق ~~والحقيقة لك أيها الإنسان أو أحضرتك سكرة الموت حقيقة ما أخبرت به رسلنا ~~(ذلك) أي الموت (ما كنت) أي الذي كنت (منه) في الدنيا PageV04P141 # (تحيد) [19] أي تميل وتهرب منه وتحسب «1» أنه لا ينزل عليك لمحبتك الحيوة ~~الدنيا. ### || [سورة ق (50): آية 20] # ونفخ ms1644 في الصور ذلك يوم الوعيد (20) # (ونفخ في الصور) أي وكذلك ينفخ في الصور وهو النفخة الأخيرة للبعث بعد ~~الموت (ذلك) أي وقت النفخ (يوم الوعيد) [20] أي اليوم الذي كان الكفار ~~يوعدون بالعذاب فيه. ### || [سورة ق (50): آية 21] # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) # (وجاءت) أي وكذلك تجيء (كل نفس) يوم القيامة (معها) ملك (سائق) يسوقها ~~إلى المحشر (وشهيد) [21] أي وملك يشهد عليها بعملها ثم يقضي عليها إما «2» ~~إلى الجنة أو إلى النار أو ملك واحد جامع بين الأمرين. ### || [سورة ق (50): آية 22] # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) # (لقد كنت) أي يقال للكافر إذا رأى أهوال القيامة لقد كنت (في غفلة) أي في ~~غطاء (من هذا) أي من هذا اليوم فلم تؤمن بربك وبرسوله (فكشفنا) أي أزلنا ~~(عنك غطاءك) وهو الغفلة هنا فقد ظهر عندك بالمعاينة ما كنت مكذبا به في ~~الدنيا (فبصرك اليوم حديد) [22] أي حاد ناقد تدرك به الأشياء التي كنت ~~تنكرها. ### || [سورة ق (50): آية 23] # وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) # (وقال قرينه) بواو العطف على «جاءت»، أي وقال الشيطان الذي قيض له، أي ~~وكل به للإغواء، يعني يقول قرينه يومئذ (هذا ما لدي عتيد) [23] أي هذا ~~الرجل شيء حاضر لدي، يعني في ملكي قد اعتقدته لجهنم باغوائى في الدنيا، ف ~~«ما» موصولة و«عتيد» صفتها و«لدي» معمول «عتيد»، والموصوف مع الصفة ~~والمعمول في محل الرفع خبر المبتدأ وهو «هذا» أو «ما» موصولة مبتدأ و«لدي» ~~صلتها و«عتيد» خبرها، والجملة خبر «هذا» أو الموصول مع الصلة بدل من «هذا». ### || [سورة ق (50): الآيات 24 الى 26] # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع ~~الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) # قوله (ألقيا) خطاب من الله للملكين السائق والشهيد «3»، وقيل: خطاب ~~للواحد بتكرير الأمر للتأكيد، أي ألق ألق «4» (في جهنم كل كفار عنيد) [24] ~~أي كل جاحد بتوحيد الله مستكبر عن الإيمان. # (مناع للخير) أي يمنع الزكوة من ماله (معتد) أي ظالم لغيره (مريب) ms1645 [25] ~~أي شاك في دين الله تعالى. # (الذي جعل مع الله إلها آخر) يعني أشرك بالله وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط، ~~جوابه (فألقياه في العذاب الشديد) [26] من النار. ### || [سورة ق (50): آية 27] # قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) # (قال قرينه) بلا واو، لأنه استئناف الكلام الواقع في حكاية التقاول بين ~~الكافر والشيطان، أي قال شيطانه حين ألقي الكافر في النار قال رب هو أطغاني ~~(ربنا ما أطغيته) أي ما جعلته طاغيا، إذ لا قوة لي أن أضله (ولكن كان) أي ~~ولكنه طغى ووقع (في ضلال بعيد) [27] عن الحق والإيمان به. ### || [سورة ق (50): آية 28] # قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) # (قال) أي يقول الله للكافر وشيطانه (لا تختصموا لدي) أي عندي، لأن الخصام ~~لا ينفع بين أهل النار (وقد قدمت) في محل النصب على الحال من «لا تختصموا»، ~~وهذا يقضي التقديم في الدنيا والخصومة في الآخرة، PageV04P142 # والحال يقتضي أن يكون العامل في مقارنا في الوجود وقد أولوه بأن المعنى ~~لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد «1» فحينئذ يجتمع صحة ذلك ~~عندهم في الآخرة مع الخصومة كما هو مقتضى الحال، أي والحال أنكم عرفتم ~~تقديمي (إليكم) في الدنيا (بالوعيد) [28] والباء زائدة فيه أو «قدم» بمعنى ~~تقدم، فيكون متعدية «2»، يعني أخبرتكم وخوفتكم بالكتاب والرسل فيها، أي بما ~~أعددت لكم من العذاب هنا إن لم يؤمنوا «3» ولا بد منه، لأنه مقضي. ### || [سورة ق (50): آية 29] # ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) # (ما يبدل القول) أي ما يغير حكمي (لدي) بالثواب أو بالعقاب «4» (وما أنا ~~بظلام للعبيد) [29] أي لا أعذب أحدا بغير ذنب ما، لأنه إفراط في الظلم عن ~~العدل بالحق فنفى ذلك عنه، وقيل: أطلق الظلام في العرف باعتبار جماعة ~~المظلومين وأطلق الظالم باعتبار الواحد «5». ### || [سورة ق (50): آية 30] # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) # (يوم نقول) أي اذكر يوم نقول (لجهنم هل امتلأت) بمن ألقي فيك، والاستفهام ~~لوفاء الوعد بقوله «لأملأن جهنم» «6» وتوبيخ لداخليها ms1646 «7» (وتقول) أي جهنم ~~(هل من مزيد) [30] أي من يزاد فيكون اسم مفعول كالمبيع أو مصدر، أي هل من ~~زيادة من الإنس والجن، وإنما طلبت الزيادة تغيظا لداخليها «8»، روي: «أنه ~~لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يمملأها شيء فتقول جهنم أقسمت يا رب لتملأني ~~فيضع فيها قدمه- بفتح القاف، أي قدم صدقه- ورحمته فتقول جهنم يا رب قط قط- ~~بالسكون، أي حسبي حسبي، وفي رواية بكسر القاف- وهو أقوام سالفة فتمتلأ بهم» ~~«9»، وقيل: معنى قوله «هل من مزيد» قد امتلأت فلم يبق في موضع يمتلئ «10»، ~~فيكون ردا للمزيد. ### || [سورة ق (50): الآيات 31 الى 32] # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) # (وأزلفت الجنة) أي قربت (للمتقين غير بعيد) [31] نصب على الظرف، أي مكانا ~~لا يبعد عنهم فينتطرون إليها قبل دخولها فاذا شاهدوا الجنة وما فيها يقال ~~لهم (هذا) أي المشاهد (ما توعدون) من الجزاء في الدنيا، قوله (لكل أواب) ~~قيل: بدل من «للمتقين» «11»، والجملة بينهما اعتراضية، وقيل: خبر مبتدأ ~~محذوف «12»، أي ذلك لكل رجاع عن الكفر والعصيان إلى التوحيد والطاعة (حفيظ) ~~[32] أي حافظ لأمر الله وحدوده جدا. ### || [سورة ق (50): الآيات 33 الى 35] # من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ~~(34) لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) # قوله (من خشي) بدل بعد بدل أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو من خشي (الرحمن) ~~خشية ملتبسة (بالغيب) منه تعالى أو بسبب الغيب الذي أوعده من عذابه، وإنما ~~قرن اسمه الدال على سعة الرحمة بالخشية للثناء البليغ على الخاشي وهو خشية ~~مع علمه أنه الواسع الرحمة كما أثني عليه بأنه خاش مع أن المخشي عليه غائب، ~~يعني من يخافه ويعمل بأمره ونهيه وهو في غيب منه (وجاء) إليه (بقلب منيب) ~~[33] أي «13» مقبل على طاعته مخلصا، وإنما وصف القلب بالإنابة، لأن ~~الاعتبار منها لما ثبت في القلب فيقال لهم (ادخلوها) أي الجنة (بسلام) حال، PageV04P143 # أي بسلامة من العذاب والموت ومن كل مخوف أو يسلم الله تعالى عليهم أو ~~بعضهم بعضا (ذلك يوم ms1647 الخلود) [34] أي الدخول يوم الدوام في الجنة لا خروج منها. # (لهم ما يشاؤن) أي يتمنون (فيها ولدينا مزيد) [35] أي زيادة فوق ما عملوا ~~«1» من التحف والكرامات، وقيل: هو رؤية الله تعالى «2». ### || [سورة ق (50): آية 36] # وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) # (وكم أهلكنا قبلهم) أي قبل كفار مكة (من قرن) أي أهلكنا قرونا كثيرة (هم ~~أشد منهم) أي من كفار مكة (بطشا) أي أخذا وقوة (فنقبوا) الفاء للسببية، أي ~~بطشوا بطشا شديدا فبذلك نقبوا، يعني طافوا وتقلبوا في أسفارهم وتجاراتهم ~~(في البلاد) أو «3» فتشوا فيها، فقيل (هل من محيص) [36] أي ملجأ، يعني لم ~~يجد وافيها مفرا لهم ولغيرهم من عذاب الله تعالى وإهلاكه. ### || [سورة ق (50): آية 37] # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) # (إن في ذلك) أي فيما فعل بهم (لذكرى) أي لعظة (لمن كان له قلب) أي قلب ~~حاضر مع الله تعالى أو عقل يعقل بالقلب ولا يغفل، لأن من لا يعي قلبه فكأنه ~~لا قلب له (أو ألقى السمع) أي أنصت إلى استماع القرآن ومواعظه (وهو شهيد) ~~[37] أي والحال أنه حاضر بقلبه غير غائب عنه، يعني غير غافل عن فهمه. ### || [سورة ق (50): آية 38] # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) # قوله (ولقد خلقنا السماوات والأرض) نزل تكذيبا لليهود حين قالوا إن الله ~~لما خلق السموات والأرض وفرغ منه استراح يوم السبت واستلقى على العرش «4»، ~~أي لقد خلقناهما (وما بينهما في ستة أيام) أولها الأحد وآخرها الجمعة (وما ~~مسنا) أي ما أصابنا «5» (من لغوب) [38] أي تعب وإعياء، وإنما يستريح من ~~يتعب ويعيى ونحن منزهون عن صفات المخلوقين. ### || [سورة ق (50): آية 39] # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) # (فاصبر) يا محمد (على ما يقولون) أي اليهود أو المشركون من التشبيه ~~والتكذيب والإيذاء، ونسخ بآية السيف، وقيل: محكم، لأن الصبر مأمور به في كل ~~حال «6» (وسبح ms1648 بحمد ربك) أي صل لله حامدا له (قبل طلوع الشمس) أي صلوة ~~الفجر (وقبل الغروب) [39] وهي الظهر والعصر. ### || [سورة ق (50): آية 40] # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) # (ومن الليل فسبحه) أي صل له صلوة المغرب والعشاء (وأدبار السجود) [40] ~~بكسر الهمزة مصدر أدبر، أي صل له وقت انقضاء السجود، والمراد ركعتا المغرب، ~~وبفتح الهمزة «7» جمع دبر، أي وقت أدبارها وهي أعقاب الفرائض، والمراد ~~النوافل المسنونات أو المراد حقيقة التسبيح في هذه الأوقات. ### || [سورة ق (50): آية 41] # واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) # (واستمع) أي أحضر سمعك يا محمد بما أخبرك به من حال يوم القيامة، وفيه ~~تهويل وتعظيم لشأن المخبر به، قوله (يوم يناد المناد) ظرف لفعل مقدر، يدل ~~عليه ما بعده من يوم الخروج، أي يخرجون من القبور يوم PageV04P144 # ينادي إسرافيل (من مكان قريب) [41] «1» إلى السماء أقرب من جميع الأرض ~~بثمانية عشر ميلا، وهو صخرة بيت المقدس وهي وسط الأرض نافخا في الصور أيتها ~~العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة أن ~~الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. ### || [سورة ق (50): آية 42] # يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) # قوله (يوم يسمعون الصيحة) بدل من «يوم يناد»، أي يخرجون يوم يسمعون ~~النفخة الأخيرة من الصحرة، وقيل: من تحت أقدامهم أو من منابت شعورهم يسمع ~~من كل شعرة ذلك النداء «2» (بالحق) أي بالبعث (ذلك) أي يوم النداء (يوم ~~الخروج) [42] من القبور. ### || [سورة ق (50): آية 43] # إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير (43) # (إنا نحن نحيي ونميت) في الدنيا (وإلينا المصير) [43] في الآخرة بعد ~~الإحياء من الموت لا يفوت منا أحد منهم. ### || [سورة ق (50): آية 44] # يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) # قوله (يوم تشقق) بتشديد واحد وبتشديدين «3» ظرف ل «المصير» أو بدل من ~~«يوم» قبل، أي يوم تصدع (الأرض عنهم) فيخرجون من القبور (سراعا) أي مسرعين ~~إلى إجابة الداعي من غير التفات يمينا وشمالا (ذلك) أي الخروج (حشر علينا ~~يسير) [44] أي هين سهل. ### || [سورة ق (50): آية 45] # نحن أعلم بما يقولون وما أنت ms1649 عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # قوله (نحن أعلم بما يقولون) في البعث والتكذيب تهديد لهم وتسلية للنبي ~~عليه السلام (وما أنت) يا محمد (عليهم بجبار) أي بمسلط تقهرهم على الإسلام ~~بل عليك بالبلاغ فقط، نسخت بآية القتال «4» (فذكر) أي عظهم (بالقرآن) أي ~~بمواعظه وخوفهم بالعذاب الذي ذكر فيه (من يخاف وعيد) [45] أي وعيدي بعقابي ~~في الآخرة أو وعيدي بالهلاك في الدنيا دون المصر على كفره. PageV04P145 ### | سورة الذاريات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) # قوله (والذاريات) قسم أقسم الله بالرياح التي تذرو التراب وغيره (ذروا) ~~[1] مصدر، عامله «الذاريات» (فالحاملات) أي السحب التي تحمل الماء (وقرا) ~~[2] أي ثقلا، مفعول به (فالجاريات) وهي السفن التي تجري على الماء (يسرا) ~~[3] أي بسهولة في موضع الحال، يعني ميسرة. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 4 الى 6] # فالمقسمات أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) # (فالمقسمات) وهي الملائكة التي تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد ~~والبلاد (أمرا) [4] مفعول به، أي أمر العباد أو حال، أي مأمورة بالتقسيم أو ~~مفعول له، أي لأجل أمره تعالى لها، والفاء في هذه الكلمات للتعقيب لاختلاف ~~المعطوف والمعطوف عليه بالذات، أي أقسم بالرياح فبالسحاب التي تسوقه ~~فبالفلك الجارية بهبوبها فبالملائكة التي تقسم الأطار لتصريف الرياح ~~السحاب، وقيل: أقسم بها والمراد ربها، وجواب القسم «1» (إنما توعدون) أي إن ~~الذي توعدونه من البعث والحساب (لصادق) [5] أي لوعد صادق (وإن الدين) أي إن ~~المجازاة على الأعمال (لواقع) [6] أي كائن لا محالة. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 7 الى 8] # والسماء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) # قوله (والسماء) قسم آخر أقسم الله بها (ذات الحبك) [7] أي صاحبة الطرق، ~~جمع حبيكة كالطرق في الرمل إذا هبت عليه الريح أو حبكها النجوم التي ~~تزينها، قوله (إنكم) جواب القسم، أي إنكم يا كفار قريش (لفي قول مختلف) [8] ~~أي متناقض بمعنى مصدق ومكذب في شأن محمد عليه السلام والقرآن أو مختلف بأن ~~تقولوا شاعر ساحر كاهن، وشعر سحر ms1650 كهانة، وهذا من التحير الشديد والجهل ~~الغليظ فيكم. ### || [سورة الذاريات (51): آية 9] # يؤفك عنه من أفك (9) # (يؤفك) أي يصرف (عنه) أي عن الإيمان بمحمد عليه السلام (من أفك) [9] أي ~~من صرف في علمه تعالى عن الهداية بأن حقت «2» عليه الشقاوة، وذلك أن ~~المشركين كانوا يصرفون الناس عن النبي عليه السلام والإيمان به، ويجوز أن ~~يعود الضمير في «عنه» إلى «ما توعدون» أو إلى «الدين». ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 10 الى 11] # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) # (قتل الخراصون) [10] أي لعن الكذابون (الذين هم في غمرة) أي في جهله ~~تغمرهم وتغشاهم عن أمر الآخرة (ساهون) [11] أي غافلون عن المراد بهم وهو ~~الإيمان والطاعة. PageV04P146 ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 12 الى 13] # يسئلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) # (يسئلون) أي الكفار يسألون استهزاء (أيان يوم الدين) [12] أي أي وقت وقوع ~~يوم الحساب بحذف المضاف عن ال «يوم»، فأخبر الله تعالى عن ذلك اليوم بقوله ~~(يوم هم على النار يفتنون) [13] أي يعذبون بالإحراق، و«يوم هم» منصوب بمضمر ~~دل عليه السؤال أو مفتوح محله نصب كذلك، أي يقع الوقوع يومهم أو خبر مبتدأ ~~محذوف، فمحله رفع، وبني على الفتح لفظا لإضافته إلى الجملة بعده. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 14 الى 17] # ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون (14) إن المتقين في جنات وعيون ~~(15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين (16) كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون (17) # (ذوقوا فتنتكم) أي يقال لهم إذا عذبوا ذوقوا جزاء تكذيبهم (هذا) أي ~~العذاب الواقع بكم، مبتدأ، خبره (الذي كنتم به تستعجلون) [14] على وجه ~~الاستهزاء، ثم بين حال المصدقين بالبعث بقوله (إن المتقين في جنات وعيون) ~~[15] أي في بساتين وأنهار (آخذين) حال منهم، أي قابلين وراضين بسرور (ما ~~آتاهم) أي أعطاهم (ربهم) من الثواب، يعني ليس فيه ما يرد، لأنه في غاية ~~الجودة (إنهم كانوا قبل ذلك) أي في الدنيا (محسنين) [16] في أعمالهم، وبين ~~ذلك بقوله (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) [17] أي ينامون، و«ما» زائدة ~~و«قليلا» صفة مصدر محذوف، ms1651 أي هجوعا قليلا، و«يهجعون» خبر «كان»، يعني ~~يذكرون ويصلون أكثر الليل، وينامون أدناه ولا يصح أن يكون «ما» نافية، ~~ويكون المعنى: كانوا يحيون الليل كله، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها ~~فيما قبلها. ### || [سورة الذاريات (51): آية 18] # وبالأسحار هم يستغفرون (18) # (وبالأسحار هم يستغفرون) [18] من سيئاتهم، قيل: يا رسول الله كيف ~~الاستغفار؟ قال: «قولوا اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم» «1». ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 19 الى 20] # وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) وفي الأرض آيات للموقنين (20) # (وفي أموالهم حق) أي نصيب (للسائل) أي الذي يستجدي (والمحروم) [19] أي ~~المتعفف الذي لا يسأل فيحرم لتعففه، لأنه يحسب غنيا (وفي الأرض آيات) أي ~~علامات ودلائل على التوحيد (للموقنين) [20] أي للموحدين السالكين طريق ~~الهدى الناظرين بعيون باصرة، فكلما رأوا آية من آيات الأرض كالبحار ~~والأنهار والجبال والأشجار وغير ذلك عرفوا وجه تأملها فازدادوا يقينا مع ~~يقينهم في إيمانهم. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 21 الى 22] # وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء رزقكم وما توعدون (22) # (وفي أنفسكم) أي وفي خلق أنفسكم آيات أيضا تنقلها من حال إلى حال إلى ~~الزوال، وفي ظواهرها وبواطنها من عجائب الفطر وبدائع الخلق ما تتحير فيه ~~العقول والأفهام (أفلا تبصرون) [21] صنع الله فتستدلون به على صانعه ~~فتعلمون أنه قادر على أن يبعثكم بعد موتكم (وفي السماء رزقكم) أي المطر ~~الذي جعل سببا له (وما توعدون) [22] من الثواب والعقاب، قيل: «الجنة والنار ~~في السماء» «2»، وقيل: معناه أن الموعود كله مقدر مكتوب في السماء «3». ### || [سورة الذاريات (51): آية 23] # فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (23) # (فو رب السماء والأرض) أقسم الله بنفسه (إنه) أي إن ما ذكر من الآيات ~~والرزق وأمر النبي عليه السلام (لحق) أي لصدق «4» لا ريب فيه (مثل ما أنكم ~~تنطقون) [23] أي مثل نطقكم، ونصب «مثل» صفة مصدر PageV04P147 # محذوف، أي لحق حقا مثل نطقكم، ورفعه صفة «لحق»، لأنه نكرة لكثرة المماثل ~~و «ما» مزيدة. ### || [سورة الذاريات (51): آية 24] # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) # (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ms1652 المكرمين) [24] أي أكرمهم الله تعالى كقوله ~~«بل عباد مكرمون» «1»، أي بالعصمة والتأييد أو إكرامهم بأن إبراهيم خدمهم ~~بنفسه وأخدمهم امرأته وعجل لهم القرى، الاستفهام فيه تفخيم للحديث وتنبيه ~~على أنه بالوحي لا من علم النبي عليه السلام. ### || [سورة الذاريات (51): آية 25] # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) # قوله (إذ دخلوا عليه) نصب ب «المكرمين» أو باذكر مقدرة، وهم كانوا اثني ~~عشر ملكا منهم جبرائيل وميكائيل أو عشرة مع جبرائيل أو ثلاثة هو وميكائيل ~~وملك آخر، وسماهم ضيفا لأنه أضافهم بحسبانه كذلك (فقالوا) أي فعند دخولهم ~~قالوا (سلاما) أي سلموا عليه سلاما، فمعنى «قالوا» سلموا أو قالوا نسلم ~~عليكم سلاما بالنصب المشعر على الفعل ليدل على التجدد المناسب لحال إبراهيم ~~(قال) إبراهيم في رد السلام عليهم الجملة الاسمية ليدل على الثبات المناسب ~~لوصفهم وليكون أحسن السلام كما أمر الله تعالى (سلام) بالرفع «2» مبتدأ، ~~خبره «عليكم»، فنكرهم من سلامهم الذي لم يكن علم الإسلام فقال لهم ~~بالاستفهام أنتم (قوم منكرون) [25] لي فعرفوني من أنتم. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 26 الى 28] # فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) ~~فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم (28) # (فراغ) أي فمال (إلى أهله) سرا للتأدب (فجاء بعجل سمين) [26] أي مشوى. # (فقربه إليهم) ليأكلوه فتركوه (قال) إنكارا عليهم بالهمزة أو حثا لهم على ~~الأكل (ألا تأكلون) [27] فقالوا نحن لا نأكل بغير ثمن، فقال كلوه وأعطوا ~~الثمن فقالوا ما ثمنه قال بسم الله في أول الأكل والحمد لله في أخره فعجبت ~~الملائكة لقوله فلما رآهم «3» لا يأكلون ولم يتحرموا بطعامه. # (فأوجس) أي أضمر في نفسه (منهم خيفة) أي خوفا، لأنه ظنهم أعداء لعدم ~~أكلهم ولغرابة شكلهم (قالوا لا تخف) روي: «أن جبرائيل عليه السلام مسح ~~العجل بجناحه فقام يمشي خلف أمه» «4» (وبشروه بغلام عليم) [28] قيل: هو ~~إسحق «5» أو إسمعيل «6». ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 29 الى 31] # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذلك قال ~~ربك إنه هو الحكيم العليم ms1653 (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) # (فأقبلت امرأته في صرة) أي صيحة وهو حال، يعني فجاءت امرأته سارة تعجبا ~~من البشارة بالولد (فصكت وجهها) أي ضربت بيدها خديهما (وقالت) أنا (عجوز ~~عقيم) [29] أي عاقر فكيف ألد (قالوا) أي قال جبرائيل لها (كذلك) أي مثل ~~قولنا لك (قال ربك) يعني يكون لك ولد (إنه هو الحكيم) في أمره يحكم بالولد ~~بعد الكبر (العليم) [30] بسر خلقه ووقت الولادة، فلما علم إبراهيم أنهم «7» ~~ملائكة (قال) لهم (فما خطبكم أيها المرسلون) [31] أي ما شأنكم ولماذا جئتم. PageV04P148 ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 32 الى 35] # قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) ~~مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) # (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) [32] وهم قوم لوط (لنرسل عليهم حجارة ~~من طين) [33] مطبوخ بالنار (مسومة) من السومة وهي العلامة، أي معلمه عليها ~~باسم من يرمى بها (عند ربك) أي جاءت الحجارة من عند ربك (للمسرفين) [34] ~~الذين لم يقنعوا بما أبيح لهم من النسوان للحرث بل أتوا الذكران فاغتم ~~إبراهيم عليه السلام لأجل لوط فيهم فقال تعالى (فأخرجنا من كان فيها) أي في ~~قرى لوط (من المؤمنين) [35] ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 36 الى 37] # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون ~~العذاب الأليم (37) # (فما وجدنا فيها غير بيت) أي إلا بيتا (من المسلمين) [36] وهو بيت لوط ~~وأهله وكانوا ثلاثة عشر، وصفوا بالإيمان والإسلام لأنهما صفتا مدح، وفيه ~~دليل أن الإيمان والإسلام واحد أو إشارة إلى أنهم جمعوا بين الوصفين لا إلى ~~أنهما واحد (وتركنا فيها آية) أي عبرة (للذين يخافون العذاب الأليم) [37] ~~من بعد إهلاكهم. ### || [سورة الذاريات (51): آية 38] # وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) # قوله (وفي موسى) عطف على قوله «وتركنا فيها آية»، أي وجعلنا في موسى، ~~يعني في شأن، وخبره «آية»، قوله (إذ أرسلناه) ظرف ل «تركنا» (إلى فرعون ~~بسلطان مبين) [38] حال من «موسى»، أي ملابسا بحجة واضحة كاليد والعصا. ms1654 ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 39 الى 40] # فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ~~وهو مليم (40) # (فتولى) أي أعرض فرعون (بركنه) أي بجنوده عن الإيمان، وسماهم ركنا لأنهم ~~له كالركن للبناء في التقوية (وقال) فرعون لموسى هو (ساحر أو مجنون [39] ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم) أي طرحناهم (في اليم) أي في البحر، يعني أغرقناهم ~~أجمعين (وهو) أي فرعون (مليم) [40] أي والحال أنه يلوم نفسه بذنبه وكفره ~~ويلومه الناس به من قولهم ألام الرجل إذا أتى بذنب يلام عليه، وهو تكذيب ~~الرسل ودعوى الألوهية، واللوم يقع على الصغيرة والكبيرة. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 41 الى 43] # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) # (وفي عاد) أي تركنا في إهلاك عاد آية (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) ~~[41] أي التي لا خير فيها لأنها ريح الهلاك. # (ما تذر) أي ما يترك (من شيء) أي من أنفسهم وأموالهم (أتت) أي مرت (عليه ~~إلا جعلته) أي صيرته (كالرميم) [42] أي كالورق البالي المتفتت، من رم إذا ~~تفتت من البلي كالعظم والنبات. # (وفي ثمود) أي «1» وتركنا في إهلاك ثمود آية وهم قوم صالح (إذ قيل لهم) ~~أي قال نبيهم صالح (تمتعوا) أي عيشوا (حتى حين) [43] أي إلى انقضاء آجالكم ~~وهي ثلاثة أيام. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 44 الى 46] # فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (44) فما استطاعوا من قيام ~~وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين (46) # (فعتوا) أي تكبروا (عن) امتثال (أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة) أي النار ~~النازلة التي تحرق (وهم PageV04P149 # ينظرون) [44] إليها نهارا يعاينوها (فما استطاعوا من قيام) أي ما قدروا ~~على النهوض عن نزول العذاب حتى أهلكوا (وما كانوا منتصرين) [45] أي ممتنعين ~~ممن أهلكهم بدفع عذابه. # قوله (وقوم نوح) بالجر عطف على «وفي ثمود» وبالنصب «1» بمضمر، أي أهلكنا ~~قوم نوح (من قبل) أي قبل إهلاك هؤلاء المذكورين (إنهم كانوا قوما فاسقين) ~~[46] أي عاصين أمر ربهم. ### || [سورة ms1655 الذاريات (51): آية 47] # والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) # ثم بين لأهل مكة قدرته الباهرة ليعتبروا فيؤمنوا بقوله (والسماء بنيناها) ~~أي خلقناها (بأيد) أي بقوة وقدرة (وإنا لموسعون) [47] أي قادرون على أن ~~نوسع ما بين السماء والأرض أو نوسع الرزق بالمطر لمن بينهما. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 48 الى 49] # والأرض فرشناها فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) # (والأرض فرشناها) أي بسطناها مسيرة خمسمائة عام من تحت الكعبة (فنعم ~~الماهدون) [48] نحن (ومن كل شيء) من الحيوان (خلقنا زوجين) ذكرا وأنثى أو ~~من كل شيء صنفين كالسماء والأرض، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والشمس ~~والقمر، والليل والنهار، والدنيا والآخرة، والأسود الأبيض، فكل اثنين زوج ~~والله فرد (لعلكم تذكرون) [49] أي فعلنا ذلك كله لعلكم تتعظون فتعرفون ~~الخالق فتوحدونه وتطيعونه. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 50 الى 51] # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ~~إني لكم منه نذير مبين (51) # (ففروا) أي فقل يا محمد توبوا (إلى الله) من الذنوب أو فروا من عذابه إلى ~~رحمته (إني لكم منه) أي من الله (نذير مبين) [50] أي مخوف بالنار المحرقة ~~(ولا تجعلوا مع الله إلها آخر) أي لا تشركوا به شيئا (إني لكم منه نذير ~~مبين) [51] وكرره حرصا على هدايتهم. ### || [سورة الذاريات (51): آية 52] # كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) # قوله (كذلك) الآية تعزية للرسول «2» صلى الله عليه وسلم، أي مثل ما قال ~~كفار قريش في شأنك من الأوصاف المذمومة والتكذيب (ما أتى) لم يجئ (الذين من ~~قبلهم) أي قبل كفار مكة من الأمم الماضية (من رسول) أي لم يأتهم رسول و«من» ~~زائدة (إلا قالوا) لرسولهم هو (ساحر أو مجنون) [52]. ### || [سورة الذاريات (51): آية 53] # أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) # ثم قال بالاستفهام الإنكاري مبالغة في تكذيبهم رسولهم (أتواصوا) أي ~~الأولون والآخرون (به) أي بالقول الذي قالوه من الوصف والتكذيب فجعلوا ~~كلمتهم كلمة واحدة، فقال تعالى لم يتواصوا به (بل هم قوم طاغون) [53] أي لم ~~يقع تكذيبهم توصية ms1656 منهم لبعد الزمان بل جمعهم على ذلك العلة الواحدة وهي ~~كونهم طاغين أي عاتين في معصية الله. ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 54 الى 55] # فتول عنهم فما أنت بملوم (54) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) # (فتول عنهم) أي أعرض عن إنذارهم (فما أنت بملوم) [54] لأنك بلغت الرسالة ~~فلا تلام على ذلك (وذكر) أي عظ بالقرآن (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) [55] أي ~~من علم تعالى أنه يؤمن أو تزيد التذكرة إيمان المؤمن. ### || [سورة الذاريات (51): آية 56] # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) # (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [56] أي ليعرفون، وهذا الكلام خاص ~~بمؤمني «3» الفريقين أو عام، ومعنى «يعبدون» يوحدون ويطيعون، أي لم أخلقهم ~~إلا لأجل العبادة باختيارهم لينالوا الشرف والكرامة عندي ولم أقسرهم عليها، ~~إذ لو قسرتهم عليها لوجدت منهم وأنا غني عنهم وعن عبادتهم. PageV04P150 ### || [سورة الذاريات (51): الآيات 57 الى 58] # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين (58) # (ما أريد منهم من رزق) لي ولا لأنفسهم وغيرهم بالتكليف (وما أريد أن ~~يطعمون) [57] بكسر النون، أي أحدا من خلقي بالتكليف، لأن الخلق عيال الله ~~فمن أطعم عيال رجل فكأنما أطعمه (إن الله هو الرزاق) لجميع خلقه (ذو القوة ~~المتين) [58] أي الشديد الغالب على أعدائه، فاشتغلوا بما أمرتكم به تفلحوا ~~وتسعدوا، فإني لم أكلفكم ما يصدكم عن تحصيل ذلك. ### || [سورة الذاريات (51): آية 59] # فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (59) # (فإن للذين ظلموا) أنفسهم بالشرك والمعصية (ذنوبا) أي نصيبا من العذاب ~~(مثل ذنوب) أي نصيب (أصحابهم) الهالكين قبلهم والذنوب في الأصل هو الدلو ~~الكبير، فاستعير للنصيب (فلا يستعجلون) [59] بالعذاب نهي عن الاستعجال به ~~والنون للوقاية. ### || [سورة الذاريات (51): آية 60] # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # (فويل) أي شدة العذاب (للذين كفروا) ولم يؤمنوا (من يومهم الذي يوعدون) ~~[60] فيه بالهلاك في الدنيا أو بالعذاب يوم القيامة كالنضر بن الحارث، فانه ~~استعجل بالعذاب فأهلك يوم بدر. PageV04P151 ### | سورة الطور # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الطور (52): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم ms1657 # والطور (1) # قوله (والطور) [1] قسم وهو جبل في اللغة السريانية، والمراد به الجبل ~~الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام بمدين واسمه زبير. ### || [سورة الطور (52): الآيات 2 الى 3] # وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) # (وكتاب مسطور) [2] أي مكتوب (في رق) أي جلد (منشور) [3] أي مفتوح يقرأ ~~وهو القرآن أو الذي كتب لموسى من التورية أو اللوح المحفوظ أو الذي كتب فيه ~~أعمال بني آدم «1» يقرؤنه يوم القيامة مفتوحا. ### || [سورة الطور (52): آية 4] # والبيت المعمور (4) # (والبيت المعمور) [4] وهو البيت الذي في السماء الثالثة حيال الكعبة ~~معمور بالملائكة، لأنه يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه أبدا، ~~وقيل: هو الكعبة لعمارتها بالحجاج والعمار والمجاورين «2»، وقيل: # كان بيت أنزله الله تعالى بمكة من ياقوتة يطوف به آدم وذريته من بعده إلى ~~زمان الطوفان، فرفع إلى السماء وهو البيت المعمور وطوله كما بين السماء ~~والأرض «3». ### || [سورة الطور (52): الآيات 5 الى 8] # والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ~~دافع (8) # (والسقف المرفوع) [5] وهو العرش أو السماء، (والبحر المسجور) [6] أي ~~المحمى بالنار، من سجرت التنور إذا أحميته أو المملو تحت العرش وهو بحر ~~الحيوان يمطر منه على الموتى بعد النفخة الأخيرة فينبتون في قبورهم، وواو ~~القسم ما في «والطور»، والباقي للعطف، وجواب القسم (إن عذاب ربك لواقع) [7] ~~أي نازل (ما له من دافع) [8] أي ليس له من يدفعه إذا نزل بمستحقه. ### || [سورة الطور (52): آية 9] # يوم تمور السماء مورا (9) # قوله (يوم تمور) ظرف ل «واقع» أو ل «دافع»، أي في يوم تدور (السماء) ~~بأهلها (مورا) [9] أي دورا بحيث يموج بعضهم في بعض «4» من الخوف. ### || [سورة الطور (52): الآيات 10 الى 11] # وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) # (وتسير الجبال) عن أماكنها (سيرا) [10] بحيث تصير هباء منثورا على وجه ~~الأرض لهول ذلك اليوم (فويل) أي شدة العذاب (يومئذ للمكذبين) [11] الرسل. PageV04P152 ### || [سورة الطور (52): الآيات 12 الى 14] # الذين هم في خوض يلعبون (12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون (14) # ثم وصفهم بقوله (الذين هم في ms1658 خوض) أي في اندفاع في الباطل (يلعبون) [12] ~~استهزاء بالرسول «1» (يوم يدعون) ظرف للقول المقدر، أي يقال لهم تبكيتا يوم ~~يدفعون بعنف (إلى نار جهنم دعا) [13] أي دفعا عنيفا بأن يجمع أيديهم إلى ~~أعناقهم ونواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون في النار، والمقول لهم (هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون) [14] في الدنيا. ### || [سورة الطور (52): آية 15] # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) # (أفسحر هذا) أي العذاب الذي ترون لأنفسكم، لأنهم قالوا للرسل قولهم سحر ~~(أم أنتم لا تبصرون) [15] النار، والاستفهام للتقريع، أي أأنتم عمي عن هذا ~~«2» المخبر عنه كما كنتم عمياء عن خبره. ### || [سورة الطور (52): آية 16] # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) # (اصلوها) أي ادخلها (فاصبروا) عليها (أو لا تصبروا) قوله (سواء) خبر ~~مبتدأ محذوف، أي صبركم وعدمه سواء (عليكم) لأن صبركم لا ينفعكم لعدم النجاة ~~لكم منها أبدا (إنما تجزون ما كنتم تعملون) [16] في الدنيا من «3» الشرك ~~والتكذيب فلا منفعة للصبر. ### || [سورة الطور (52): الآيات 17 الى 18] # إن المتقين في جنات ونعيم (17) فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم (18) # قوله (إن المتقين) بيان لحال المتقين من الشرك والتكذيب، أي إنهم يوم ~~القيامة (في جنات ونعيم) [17] أي تنعم بأنواع النعم (فاكهين) أي متلذذين ~~فرحين (بما آتاهم ربهم) في الجنة من الكرامة، قوله (ووقاهم) عطف على «في ~~جنات» أو على «آتاهم»، أي حفظهم ودفع عنهم (ربهم عذاب الجحيم) [18] أي النار. ### || [سورة الطور (52): آية 19] # كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (19) # ثم يقال لهم (كلوا واشربوا) من ألوان الطعام والشراب (هنيئا) أي هنأكم ~~الأكل والشرب، لأنه لا تنغيص فيه ولا خوف من الآفات كما كان في الدنيا. # قوله (بما كنتم تعملون) [19] متعلق ب «هنيئا» أو متعلق ب «كلوا واشربوا»، ~~أي بسبب أعمالكم التي عملتم في الدنيا. ### || [سورة الطور (52): الآيات 20 الى 21] # متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما ~~كسب رهين (21) # قوله (متكئين) حال ms1659 من ضمير «في جنات» عائد إلى «المتقين» (على سرر ~~مصفوفة) أي قد صف بعضها إلى جنب بعض (وزوجناهم) أي قرناهم (بحور عين) [20] ~~أي ببيض «4» حسان الأعين وعظامها. # (والذين آمنوا) أي وبالرفقاء والجلساء الذين صدقوا بالرسل والبعث، يعني ~~يتلذذون تارة بمصاحبة الحور وتارة بموانسة الإخوان المؤمنين (واتبعتهم ~~ذريتهم) وقرئ «ذرياتهم» بضم التاء فيهما فاعلا و«أتبعناهم» بقطع الهمزة ~~وسكون التاء والعين مع جمع «ذرياتهم» «5»، وكسر التاء فيه مفعولا ثانيا ل ~~«أتبعناهم» (بإيمان) بالرسل والبعث إن كانوا كبارا، فالتنوين فيه للتقليل ~~أو بايمان آبائهم إن كانوا صغارا، فالتنونين للتعظيم (ألحقنا بهم PageV04P153 # ذريتهم) مفردا وجمعا «1»، أي أدخلناهم مع آبائهم الجنة، قيل: إن الولد ~~الصغير يحكم باسلامه تبعا لأحد ألأبوين، والولد الكبير المسلم ألحق بأبيه ~~الصالح في درجته بايمان نفسه وإن لم يبلغ عمله عمله تكرمة لأبيه «2» (وما ~~ألتناهم) بفتح اللام وكسرها «3»، أي ما نقصناهم (من عملهم) أي «4» من ثواب ~~عمل الآباء بسبب الأبناء (من شيء) أي شيئا، ف «من» زائدة (كل امرئ بما كسب) ~~من عمله الخير (رهين) [21] أي مرهون نفسه عند الله بعمله الصالح الذي هو ~~دين عليه إن أداه كما هو المطلوب منه فكه «5» من الرهن وإلا أوبقه أو ~~المعنى: أن المرء يوم القيامة محبوس بعمله الخير والشر ومطالب لأجل الجزاء به. ### || [سورة الطور (52): الآيات 22 الى 23] # وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ~~ولا تأثيم (23) # قوله (وأمددناهم) عطف على قوله «وما ألتناهم»، أي زدناهم في وقت بعد وقت ~~(بفاكهة ولحم مما يشتهون) [22] وإن لم يصرحوا بطلبه. # (يتنازعون) أي يتعاطون بينهم (فيها) أي في الجنة (كأسا) أي قدح الخمر (لا ~~لغو فيها) أي لا باطل من القول في شربها (ولا تأثيم) [23] بالفتح والرفع ~~فيهما «6»، أي لا عمل لهم فيها يوجب الإثم بسبب شرب الخمر كشاربي خمر ~~الدنيا، لأنها لا تزيل العقول. ### || [سورة الطور (52): آية 24] # ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) # (ويطوف) أي يدور (عليهم) مع ذلك التنعم للخدمة (غلمان) أي أرقاء (لهم) ~~مخصوصون «7» بهم (كأنهم) حسنا ولطافة ms1660 (لؤلؤ مكنون) [24] أي مصون في الصدف ~~لم تمسه الأيدي، قال عليه السلام: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي ~~الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» «8». ### || [سورة الطور (52): آية 25] # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) # (وأقبل بعضهم على بعض) بعد اجتماعهم ودوران الكأس عليهم (يتساءلون) [25] ~~أي يسأل في الجنة بعضهم بعضا تلذذا واعترافا بالنعمة العظيمة عن سبب الوصول إليها. ### || [سورة الطور (52): الآيات 26 الى 27] # قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم (27) # (قالوا) أي أجابوا عن ذلك بقوله (إنا كنا قبل) أي في الدنيا (في أهلنا ~~مشفقين) [26] أي «9» خائفين من عذابه تعالى بعصيانه (فمن الله) أي تفضل ~~(علينا) بالرحمة والمغفرة (ووقانا عذاب السموم) [27] أي دفعه عنا، ~~و«السموم» اسم من أسماء جهنم. PageV04P154 ### || [سورة الطور (52): آية 28] # إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) # (إنا كنا من قبل) أي قبل البعث (ندعوه) أي نعبده بالتوحيد (إنه) بالفتح، ~~أي لأنه، وبالكسر استئناف «1»، أي إن الله (هو البر) أي المحسن الصادق في ~~وعده (الرحيم) [28] أي العظيم الرحمة. ### || [سورة الطور (52): آية 29] # فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) # (فذكر) أي دم يا محمد على تذكير المشركين بالقرآن وإن لم يصدقوك ولا تبال ~~عن قولهم لك ساحر شاعر كاهن مجنون، لأنه قول متناقض (فما أنت بنعمة ربك) ~~الباء للسببية، أي بأنعامه عليك بصدق النبوة ورجاحة «2» العقل (بكاهن ولا ~~مجنون) [29] الباء زائدة للتأكيد في النفي. ### || [سورة الطور (52): آية 30] # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) # قوله (أم يقولون شاعر) «أم» فيه بمعنى بل وكذلك في الباقي إلا أن ما بعد ~~بل متيقن وما بعد «أم» مشكوك فيه مسؤول عنه، تقديره: بل أيقولون هو شاعر ~~(نتربص) أي ننتظر (به ريب المنون) [30] أي ما يقلق النفوس من حوادث الدهر ~~فيهلك كما يهلك غيره من الشعراء أو ال «ريب» بمعنى الرائب، أي القالع ~~و«المنون» الموت، من المن وهو القطع، لأن الموت قطوع، يعني ننتظر موته كما ~~مات أبوه شابا. ### || [سورة الطور (52): الآيات 31 ms1661 الى 32] # قل تربصوا فإني معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم ~~طاغون (32) # (قل) يا محمد (تربصوا) أي انتظروا موتي (فإني معكم من المتربصين) [31] ~~هلاككم فعذبوا بالسيف يوم بدر (أم تأمرهم أحلامهم) أي عقولهم وتدلهم (بهذا) ~~أي بهذا القول الباطل المتناقض «3» وهو ساحر شاعر كاهن، إذ الكل يفتقر إلى ~~دقة نظر مع قولهم له مجنون وهو مغلوب العقل عن دقة النظر (أم) أي بل (هم ~~قوم طاغون) [32] أي عاتون في عصيان الله. ### || [سورة الطور (52): الآيات 33 الى 34] # أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) # (أم) أي بل «4» (يقولون تقوله) أي اختلق القرآن محمد «5» (بل لا يؤمنون) ~~[33] أي لم يمتنعوا عن الإيمان بالقرآن، لأنه «6» مختلق بل لا يؤمنون لفرط ~~تكبرهم، فان كان القرآن ما زعموا مختلقا (فليأتوا بحديث) مختلق (مثله) أي ~~مثل القرآن (إن كانوا صادقين) [34] في قولهم إنه مختلق. ### || [سورة الطور (52): آية 35] # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) # (أم خلقوا من غير شيء) أي احدثوا على هذا الشكل من غير محدث أو من غير أب ~~وأم، فهم جماد لا يعقلون أو خلقوا لغير شيء من الأمر والنهي (أم هم ~~الخالقون) [35] أنفسهم والكل مستحيل فلا بد للخلق من خالق وهو الله، فهلا ~~يوحدون خالقهم ويؤمنون بأنه يبعثهم يوم القيامة. ### || [سورة الطور (52): آية 36] # أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون (36) # (أم خلقوا السماوات والأرض) فلذلك لا يعبدون خالقهما (بل لا يوقنون) [36] ~~أي إنهم لا ينكرون عند السؤال عنهم من خالقهما يقولون هو الله بل لا يوقنون ~~فيما يقولون، لأنهم شاكون فيه «7»، فلذا يشركون به. PageV04P155 ### || [سورة الطور (52): آية 37] # أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) # (أم عندهم خزائن) أي مفاتح خزائن (ربك) من الرزق والنبوة وغيرهما فيخصوا ~~من شاؤا بما شاؤا «1» كقولهم أألقي الذكر عليه من بيننا (أم هم المسيطرون) ~~[37] أي المسلطون الجبارون على الناس فيجبرونهم على ما يشاؤن بل الله يختار ~~من يشاء منهم، قرئ بالسين والصاد «2». ### || [سورة الطور (52): آية 38] # أم لهم سلم ms1662 يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) # (أم لهم سلم) أي سبب منصوب يرتقون عليه إلى السماء (يستمعون فيه) الوحي ~~من الله أو من الملائكة فيقولون ما شاؤا، فان كان كذلك (فليأت مستمعهم) ~~فرضا على دعواه (بسلطان مبين) [38] أي بحجة واضحة. ### || [سورة الطور (52): آية 39] # أم له البنات ولكم البنون (39) # قوله (أم له البنات) بزعمكم (ولكم البنون) [39] تقريع بالخطاب وبيان لفرط ~~جهلهم وغاية حماقتهم بأنهم جعلوا لله ما كرهوا لأنفسهم. ### || [سورة الطور (52): آية 40] # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) # (أم تسئلهم أجرا) يا محمد على الإنذار (فهم من مغرم) أي من غرم وهو ما ~~يجب أداؤه، يعني من أجله (مثقلون) [40] أي يثقل عليهم فلا يؤمنون لأجل ~~الأجر، يعني لا عذر لهم أصلا في الامتناع من الإيمان. ### || [سورة الطور (52): آية 41] # أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) # (أم عندهم الغيب) أي اللوح المحفوظ فيعلمون منه أن محمدا يكذب وإنه يموت ~~قبلهم (فهم يكتبون) [41] من اللوح المحفوظ ويخبرون الناس أن لا بعث ولا ~~جزاء أو معنى «يكتبون» يحكمون بذلك. ### || [سورة الطور (52): آية 42] # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) # (أم يريدون كيدا) أي مكرا بك ليهلكوك به وهو كيدهم في دار الندوة بك ~~وبالمؤمنين (فالذين كفروا هم المكيدون) [42] أي المغلوبون المهلكون جزاء ~~كيدهم كما أهلكوا يوم بدر. ### || [سورة الطور (52): آية 43] # أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون (43) # (أم لهم إله) يستحق العباد (غير الله) أو يمنعهم من عذابنا فلذلك «3» ~~أشركوا به تعالى (سبحان الله) أي تنزيها لله تعالى (عما يشركون) [43] به من ~~الآلهة والاستفهام في جميع هذه الأقوال مع علمه تعالى بأحوالهم للتقبيح ~~عليهم والتوبيخ «4» لهم، وقيل: للزجر والوعيد «5». ### || [سورة الطور (52): آية 44] # وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) # ثم قال تجهيلا لهم (وإن يروا كسفا) أي قطعا (من السماء ساقطا) عليهم ~~ليعذبوا به (يقولوا) عنادا وجهلا هذا (سحاب مركوم) [44] أي متراكب بعضه على ~~بعض لنرتوي «6» به بعد، قالوا لا نؤمن بك حتى تسقط علينا كسفا من السماء ~~فلا يؤمنون من ms1663 قساوة قلوبهم لو فعلنا ذلك. PageV04P156 ### || [سورة الطور (52): آية 45] # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) # (فذرهم) أي دعهم يخوضوا ويلعبوا (حتى يلاقوا) أي يعاينوا (يومهم الذي فيه ~~يصعقون) [45] أي يموتون أو يعذبون وهو يوم القيامة، قرئ معلوما ومجهولا «1». ### || [سورة الطور (52): آية 46] # يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون (46) # قوله (يوم لا يغني) بدل من «يومهم»، أي يوم لا ينفع (عنهم كيدهم شيئا ولا ~~هم ينصرون) [46] أي يمنعون من العذاب النازل بهم. ### || [سورة الطور (52): آية 47] # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) # (وإن للذين ظلموا عذابا) أي القتل ببدر أو عذاب القبر (دون ذلك) أي قبل ~~عذاب النار (ولكن أكثرهم لا يعلمون) [47] بذلك. ### || [سورة الطور (52): آية 48] # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) # (واصبر) يا محمد (لحكم ربك) فيهم بالإمهال أو بما أمرك به ونهاك عنه أو ~~اصبر على تكذيبهم وآذاهم (فإنك بأعيننا) رعاية فنحن نحفظك (وسبح بحمد ربك) ~~أي قل سبحان الله وبحمده (حين تقوم) [48] من منامك أو من مجلسك ليكون كفارة ~~لكلام الدنيا فيه أو صل صلوة الفجر والظهر والعصر. ### || [سورة الطور (52): آية 49] # ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # (ومن الليل فسبحه) أي فصل «2» صلوة المغرب والعشاء أو المراد حقيقة ~~التسبيح، قوله (وإدبار) بالكسر مصدر، وبالفتح «3» جمع دبر ظرف للتسبيح ~~المقدر، أي سبح عقيب غروب (النجوم) [49] حقيقة أو صل الركعتين اللتين «4» ~~قبل الفجر عند غروب النجوم. PageV04P157 ### | سورة النجم # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النجم (53): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) # (والنجم) أي أقسم بالقرآن أو الثريا أو بجميع النجوم، والعامل في (إذا ~~هوى) [1] أقسم، أي إذا نزل نجوما في عشرين سنة أو إذا غاب وسقط (ما ضل) أي ~~لم يعدل (صاحبكم) أي محمد عن طريق الهداية (وما غوى) [2] أي ما انهمك في ~~الباطل، نزل السورة حين قال قريش يا محمد تركت دين آبائك وتنطق من تلقاء ~~نفسك «1»، فقال تعالى ما ترك دين ms1664 أبيه إبراهيم. ### || [سورة النجم (53): الآيات 3 الى 4] # وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) # (وما ينطق عن الهوى) [3] أي عن «2» هوى نفسه، لأنه كلف باظهار التوحيد ~~ورفع الشرك ونشر شريعة ربه (إن هو) أي ما نطقه بالقرآن (إلا وحي يوحى) [4] ~~إليه من السماء لا يتكلم من تلقاء نفسه كزعمكم. ### || [سورة النجم (53): الآيات 5 الى 7] # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) # (علمه) أي علم محمدا الموحى ملك (شديد القوى) [5] جمع القوة وهي الطاقة، ~~أي شديد قواه وهو جبرائيل عليه السلام وهي قلعه قرى قوم لوط من الماء ~~الأسود بجناحه إلى السماء وتقليبها وصيحته صيحة بثمود فأهلكوا ونفخه «3» ~~إبليس بجناحه وإلقاؤه في أقصى جبل في الهند لما رأى «4» أنه يكلم مع عيسى ~~عليه السلام (ذو مرة) أي صاحب منظر حسن عري عن الآفات أو ذو قوة لا يضعف عن ~~اتيانه بالوحي من السماء إلى الأرض، لأن نزوله وصعوده في أسرع وقت من رجعة ~~الطرف ثم طلب رؤيته (فاستوى) [6] أي استقام جبرائيل عليه السلام على صورته ~~الحقيقية فرآه محمد (وهو) أي جبرائيل (بالأفق الأعلى) [7] أي أفق الشمس أو ~~سدرة المنتهى، قيل: كان ينزل بالوحي في صورة دحية، ثم أحب رسول الله عليه ~~السلام أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستقر بالأفق فملأها حتى يراه وما ~~يراه أحد من الأنبياء في تلك الصورة إلا محمد، فانه رآه مرتين في الأرض قد ~~ملأ بين المشرق والمغرب ومرة في السماء لما أسري به عند سدرة المنتهى «5». ### || [سورة النجم (53): الآيات 8 الى 9] # ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # (ثم دنا) أي قرب جبرائيل إلى محمد عليهما السلام من الأفق الأعلى فكلما ~~دنا منه انتقص صورته (فتدلى) [8] أي تعلق عليه في الهواء أو زاد في القرب ~~حتى إذا قرب منه ولم يشك أنه جبرائيل عليه السلام (فكان) أي مقدار مسافة ~~قربه منه مثل (قاب قوسين) أي مقدارهما في القرب، والقوس الذراع، لأنه يقاس به PageV04P158 # أو قوس السهم، وقدر بقوسين لأن ms1665 الحليفين إذا عقد الصفا بينهما ألصقا بين ~~قوسيهما (أو أدنى) [9] أي أقرب منه في رأي العين، وقيل: «أو» بمعنى بل «1»، ~~في الحديث: «لقاب قوس أحدكم وموضع قده خير من الدنيا وما فيها» «2»، والقد السوط. ### || [سورة النجم (53): آية 10] # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) # (فأوحى) أي الله (إلى عبده) محمد صلى الله عليه وسلم بجبرائيل عليه ~~السلام (ما أوحى) [10] وأبهم الموحى تفخيما له، قيل: هو أن الجنة محرمة على ~~الأنبياء حتى تدخلها أنت «3» وعلى الأمم حتى يدخلها أمتك «4»، وقيل: إنك ~~القاسم بين الجنة والنار «5»، وقيل: كن آيسا من الخلق فليس بأيديهم شيء ~~واجعل صحبتك معي، فان مرجعك إلي ولا تجعل قلبك معلقا بالدنيا بأني ما خلقتك ~~لها «6». ### || [سورة النجم (53): آية 11] # ما كذب الفؤاد ما رأى (11) # (ما كذب الفؤاد) بالتخفيف والتشديد «7»، أي لم يكذب قلب محمد عليه السلام ~~(ما رأى) [11] ببصره مما يعجز عنه الأفكار ويحار فيه الأبصار من عجائب قدرة ~~الله وعظم سلطانه أو من رؤية جبرائيل عليه السلام كما هو هو «8» أو من رؤية ~~الله بقلبه، لأنه لما سئل النبي عليه السلام هل رأيت ربك؟ قال: «رأيته ~~بفؤادي ولم أره يعيني» «9». ### || [سورة النجم (53): الآيات 12 الى 13] # أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) # قوله (أفتمارونه) أي أفتجادلونه من المراء وهو النزاع والجدال، وقرئ ~~«أفتمرونه» «10»، أي أتجحدونه وتغلبونه (على ما يرى) [12] خطاب للمشركين، ~~لأنهم أنكروا إسراءه عليه السلام ومشاهدته جبرائيل فأكذبهم الله تعالى ~~بقوله (ولقد رآه) أي محمد جبرائيل على صورته الحقيقية (نزلة) أي رؤية ~~(أخرى) [13] وإنما عبر الرؤية بالنزلة، لأنه نزل عليه نزلة أخرى فرآه بها. ### || [سورة النجم (53): الآيات 14 الى 15] # عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) # (عند سدرة المنتهى) [14] «11» حين أسري به إلى السماء السابعة أو السادسة ~~وهي طوبى أو شجرة نبق عن يمين العرش فوق السماء السابعة يخرج أنهار الجنة ~~من أصلها وسميت بسدرة المنتهى، لأن الملائكة تنتهون إليها ولا يتجاوزونها ~~أو علم كل أحد ينتهي إليها ولا يدري ما فوقها (عندها جنة المأوى) [15] ~~وسميت بها، لأن أرواح ms1666 الشهداء أو المتقين أو الملائكة تأوي إليها، أي تنزل. ### || [سورة النجم (53): آية 16] # إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) # قوله (إذ يغشى السدرة) ظرف ل «ما زاغ» بعده، أي في الوقت الذي يغطي ~~السدرة (ما يغشى) [16] أي ما يغطيها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى ~~وجلاله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت على كل ورقة من أوراقها PageV04P159 # ملكا قائما يسبح الله تعالى» «1»، وقيل: يغشاها رفرف من طير خضر «2» أو ~~نور مثل جراد من ذهب «3» أو فراش من ذهب «4». ### || [سورة النجم (53): الآيات 17 الى 18] # ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) # (ما زاغ البصر) أي لم يمل بصر محمد عليه السلام عما رأى (وما طغى) [17] ~~أي ما جاوز عنه إلى غيره، يعني اثبت ما رآه إثباتا مستيقنا صحيحا من غير أن ~~يعدل عنه بصره إلى غيره فلا يكذب في أخباره عما رأى والله (لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى) [18] أي من عظماها «5» حين أصعد إلى السماء فأري عجائب الملكوت ~~من السموات وطوائف الملائكة وسدرة المنتهى وجنة المأوى وما في الجنان لأهل ~~الإيمان وما في النيران لأهل الطغيان والحجب والبحار والظلم والأنوار. ### || [سورة النجم (53): الآيات 19 الى 20] # أفرأيتم اللات والعزى (19) ومناة الثالثة الأخرى (20) # (أفرأيتم اللات) أي أكفرتم بالله فرأيتم اللات من لوى إذا أقام، لأنهم ~~كانوا يلوون، أي يقيمون عليها للعبادة (والعزى) [19] تأنيث الأعز في الأصل، ~~سمي بها صنم (ومناة الثالثة الأخرى) [20] وقرئ «مناءة» «6» بالهمزة وسمي ~~بها صنم، لأن دماء النسائك كانت تمنى، أي تراق عليها، أي ثالثة الأصنام ~~مستحقة للعبادة التي لا ينفعكم في الآخرة واللات أول الأصنام صنم ثقيف ~~بالطائف ثم العزى صنم قريش وكان نخلة يعبدونها، فبعث النبي عليه السلام ~~خالد بن الوليد فقطعها فخرجت من أصلها امرأة تجر شعرها على الأرض فقتلها ~~«7»، ثم مناة صنم الأنصار وهذيل وخزاعة «8» وهي من حجارة يعبدونها، وقيل: ~~كان كل الأصنام من الحجارة داخل الكعبة تعبد «9»، فوصف مناة بالثالثة لأنها ~~ثالثة الصنمين ووصفها ب «الأخرى» وصف ذم، أي ms1667 المناة «10» الحقيرة، لأن ~~«الأخرى» تستعمل في الضعفاء كقوله تعالى «قالت أخراهم لأولاهم» «11»، أي ~~ضعفاؤهم لرؤسائهم، المعنى: ألهذه الآلهة قدرة على شيء ما فتعبدونها دون ~~الله تعالى. ### || [سورة النجم (53): آية 21] # ألكم الذكر وله الأنثى (21) # قوله (ألكم الذكر وله الأنثى) [21] نزل حين قال بنو مليح: الملائكة بنات ~~الله نعبدها لتشفعن لنا «12»، فقال تعالى ألكم الذكر وله الأنثى، أي كيف ~~تجعلون لكم البنين ولله تعالى البنات وأنتم لها كارهون. ### || [سورة النجم (53): آية 22] # تلك إذا قسمة ضيزى (22) # (تلك إذا) أي جعلكم البنات له ولكم البنين (قسمة ضيزى) [22] بالهمز وغيره ~~«13»، أي جائرة أو ناقصة، والمصدر ضأز أو ضوز وأصلها ضوزى بضم الضاد كطوبى، ~~لأن فعلى بكسر الفاء في الصفات قليل كسرت الضاد «14» فقلبت الواو ياء كما ~~فعل ببيض. PageV04P160 ### || [سورة النجم (53): آية 23] # إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) # (إن هي) أي ما الأصنام (إلا أسماء سميتموها) أي سميتم بها (أنتم وآباؤكم) ~~آلهة تخرصا فلا حقيقة تحتها من نفع أو ضر (ما أنزل الله بها) أي بتلك ~~الأسماء (من سلطان) أي حجة على تسميتهم (إن) أي ما (يتبعون) في عبادتها ~~وتسميتها بها (إلا الظن) أي على غير يقين أنها آلهة (وما تهوى الأنفس) أي ~~تتبعون ما تشتهي أنفسهم الجهولة من عبادتها وترك دين الله تعالى (ولقد ~~جاءهم من ربهم الهدى) [23] أي التوحيد على لسان الرسل بالكتاب. ### || [سورة النجم (53): الآيات 24 الى 25] # أم للإنسان ما تمنى (24) فلله الآخرة والأولى (25) # قوله (أم للإنسان) استفهام للإنكار، أي للإنسان الكافر (ما تمنى) [24] من ~~شفاعة الأصنام له (فلله الآخرة والأولى) [25] يحكم فيهما ما يريد لا حاكم ~~سواه فلا يكون له ما يتمناه. ### || [سورة النجم (53): آية 26] # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشاء ويرضى (26) # قوله «1» (وكم من ملك في السماوات لا تغني) أي لا تنفع (شفاعتهم شيئا) إن ~~شفعوا، رد لقولهم إنهم يشفعون لنا ms1668 ثم استثنى فقال (إلا) أي لا يشفعون إلا ~~(من بعد أن يأذن الله لمن يشاء) أن يشفع له (ويرضى) [26] عنه وهو من كان ~~معه التوحيد. ### || [سورة النجم (53): آية 27] # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) # قوله (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) [27] أي ~~باسم النبات، فيه تنبيه للمؤمنين بالآخرة لئلا يقولوا مثل قولهم. ### || [سورة النجم (53): آية 28] # وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) # (وما لهم به) أي بذلك القول (من علم) أي يقين أو حجة عليه (إن) أي ما ~~(يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) [28] أي لا ينفع ظنهم أن ~~شفاعة الآلهة تدفع «2» عنهم العذاب. ### || [سورة النجم (53): آية 29] # فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا (29) # (فأعرض) يا محمد (عمن تولى) أي عن إبلاغ من انصرف (عن ذكرنا) أي عن ~~الإيمان بالقرآن والعمل به (ولم يرد) بعمله «3» (إلا الحياة الدنيا) [29] ~~أي منفعتها لا منفعة الدار الآخرة، نسخ بآية السيف «4». ### || [سورة النجم (53): آية 30] # ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (30) # (ذلك) أي إرادتهم الحيوة الدنيا (مبلغهم من العلم) أي غاية وصول علمهم ~~ولا يعلمون شيئا «5» من أمر الآخرة لغفلتهم عنه (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله) أي بمن ترك «6» طريق الهداية (وهو أعلم بمن اهتدى) [30] أي بمن تمسك ~~بالتوحيد وسلك طريق الهداية. ### || [سورة النجم (53): آية 31] # ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) # (ولله ما في السماوات وما في الأرض) من الخلق فله الأمر فيهما «7» ~~(ليجزي) أي ليعاقب (الذين أساؤا بما PageV04P161 # عملوا) من الشرك والمعاصي (ويجزي) أي ليثيب «1» (الذين أحسنوا بالحسنى) ~~[31] أي بسبب الأعمال الحسنى أو بالجنة. ### || [سورة النجم (53): آية 32] # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو ~~أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة ms1669 في بطون أمهاتكم فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) # قوله (الذين يجتنبون) رفع أو نصب على المدح أو وصف للذين أحسنوا أي ~~ينتهون (كبائر الإثم) أي الكبائر من الإثم وهي الذنوب التي لا يسقط عقابها ~~إلا بالتوبة (والفواحش) من الذنوب أيضا وهي ما فحش من الكبائر كالزنا ~~والقتل بغير حق، كأنه قال والفواحش منها خاصة ذكرها لتصريح زيادة قبحها، وقيل: # كبائر الإثم الشرك بالله والفواحش المعاصي «2» (إلا اللمم) أي الصغائر من ~~الذنوب كالغمرة والنظرة واللمسة والقبلة، فانها تغفر بلا توبة من الصلوة ~~إلى الصلوة ومن الجمعة إلى الجمعة، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا أو صفة ~~كقوله «لو كان فيهما آلهة إلا الله» «3»، أي غير الله (إن ربك واسع ~~المغفرة) للذين يجتنبون الكبائر بالتوبة لصغائرهم (هو أعلم بكم) أي بحالكم ~~منكم (إذ أنشأكم) أي خلقكم (من الأرض) أي من ترابها أو خلق آدم عليه السلام ~~وأنتم من ذريته (وإذ أنتم أجنة) جمع جنين، أي كنتم صغارا (في بطون أمهاتكم) ~~كان هو أعلم بحالكم فيها وهو أعلم بكم في الحال أيضا (فلا تزكوا) من الذنوب ~~(أنفسكم) بنسبتها إلى الصلاح أو لا تمدحوها أو لا يمدح بعضكم بعضا في وجهه ~~ولا يمدحه أيضا في غيبته وهو يعلم أنه يبلغ ممدوحه (هو) أي الله (أعلم بمن ~~اتقى) [32] أي بمن تزكى بالعمل الصالح أو تطهر من الذنوب أولا وآخرا، قيل: ~~نزلت الآية حين قال ناس من الصالحين صلاتنا وصيامنا وحجنا كذا وكذا «4»، ~~فنهوا عن القول به قالوا هذا إذا كان على سبيل الإعجاب والرياء، فأما من ~~اعتقد وعلم أن كل عمله الصالح بتوفيق الله وتأييده لا من عنده ولم يقصد به ~~التمدح لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر. ### || [سورة النجم (53): آية 33] # أفرأيت الذي تولى (33) # (أفرأيت الذي تولى) [33] أي أعرض عن الحق وهو الإسلام، يعني الوليد بن ~~مغيرة ومثله ممن أعرض عنه بعد ميله إليه أو أمال غيره منه بسبب المال. ### || [سورة النجم (53): آية 34] # وأعطى قليلا وأكدى (34) # (وأعطى قليلا) من ms1670 ماله (وأكدى) [34] أي وبخل بعده، فانه أنفق أصحاب النبي ~~عليه السلام نفقة قليلة، ثم انتهى عن ذلك وأكدى، من الكدية وهي أرض صلبة ~~تمنع حافر البئر من النفوذ. ### || [سورة النجم (53): الآيات 35 الى 37] # أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم ~~الذي وفى (37) # (أعنده علم الغيب) أي علم اللوح المحفوظ (فهو يرى) [35] أي يعلم ما له ~~وما عليه (أم لم ينبأ) أي ألم يخبر «5» (بما) بين الله (في صحف موسى) [36] ~~أي في التورية أو هي عشر صحائف قبل التورية (و) في صحف (إبراهيم) وهي عشر ~~صحائف، قوله (الذي وفى) [37] أي تمم ما أمر به صفة «إبراهيم». ### || [سورة النجم (53): آية 38] # ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) # قوله (ألا تزر وازرة وزر أخرى) [38] محله جر بدل من «ما» في قوله «بما في ~~صحف» أو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو أن لا تزر، يعني لا تحمل حاملة حمل ~~نسمة أخرى، روي: أن الوليد قال لعثمان رضي الله PageV04P162 # عنه: تنفق مالك في سبيل الله، فعن قريب تفتقر، قال عثمان: إن لي ذنوبا، ~~فقال الوليد: ادفع إلي بعض المال حتى أرفع عنك ذنوبك فدفع إليه وأشهد عليه ~~وأمسك من الخطأ فنزلت الآية «1». ### || [سورة النجم (53): آية 39] # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) # قوله (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [39] عطف على قوله أن لا تزر أي ليس ~~للإنسان في الآخرة نافعا إلا ما نوى وأخلص في عمله ولا يشكل بأن المؤمن له ~~أجر ما سعى وأجر ما سعي له، وله فضل من الله سوى عدله «2»، لأن ذلك لنفع ~~عمله له فكأنه سعى «3» نفسه لكونه تابعا له، وكذلك إلحاق الأبناء بالآباء ~~لصلاحهم، وقيل: # الآية نازلة في شأن الكافر «4»، يعني ليس للكافر من الخير إلا ما عمل ~~فيثاب به هنا ولا يبقى له أجر في الآخرة. ### || [سورة النجم (53): الآيات 40 الى 41] # وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) # قوله (وأن سعيه) عطف على أن لا تزر أي ومما كتب في صحف موسى ms1671 وإبراهيم أن ~~سعى الإنسان (سوف يرى) [40] أي ثواب عمله في الآخرة (ثم يجزاه) أي يجزي ~~الإنسان المؤمن جزاء سعيه، والهاء لل «سعي» بتقدير الجزاء، قوله (الجزاء ~~الأوفى) [41] بدل من الهاء في «يجزاه»، أي الجزاء الأكمل. ### || [سورة النجم (53): الآيات 42 الى 44] # وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) # (وأن إلى ربك المنتهى) [42] أي ومنه أن مرجع الخلائق كلهم بعد الموت إلى ~~الله تعالى فيجازيهم بأعمالهم و«المنتهى» بمعنى الانتهاء (وأنه) أي ومنه أن ~~الله (هو أضحك) أي خلق فيهم قوة الضحك (وأبكى) [43] أي خلق فيهم قوة البكاء ~~أو «أضحك» في الجنة أهلها و«أبكى» في النار أهلها (و) منه (أنه هو أمات) في ~~الدنيا (وأحيا) [44] في الآخرة للبعث. ### || [سورة النجم (53): الآيات 45 الى 47] # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه ~~النشأة الأخرى (47) # (وأنه خلق الزوجين) أي الصنفين (الذكر والأنثى) [45] من كل الحيوان (من ~~نطفة إذا تمنى) [46] أي تراق في الرحم (وأن عليه) أي على الله (النشأة ~~الأخرى) [47] بالمد والقصر «5»، أي الخلقة الثانية للبعث بعد الموتة ~~الأولى. ### || [سورة النجم (53): الآيات 48 الى 49] # وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) # (وأنه هو أغنى) الناس بالأموال عن غيرهم (وأقنى) [48] أي أفقرهم إلى ~~الخلق «6» في المعيشة، هما فعلان حذف مفعولهما (وأنه) أي أن الله (هو رب ~~الشعرى) [49] أي خالقها وهي كوكب خلف الجوزاء عبدتها خزاعة. ### || [سورة النجم (53): الآيات 50 الى 52] # وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52) # (وأنه) أي أن الله (أهلك عادا الأولى) [50] بالإدغام وترك الهمزة، ~~وبالتنوين مع الهمزة «7» وهي قوم هود بالعذاب (و) أهلك (ثمود) بالتنوين ~~وعدمه «8»، أي قوم ثمود وهم عاد الأخرى (فما أبقى) [51] منهم أحدا، PageV04P163 # وهذا تخويف لكفار قريش ليؤمنوا (وقوم نوح) أي أن الله أهلك قوم نوح أيضا ~~(من قبل) أي قبل عاد وثمود (إنهم كانوا هم أظلم) لنبيهم (وأطغى) [52] أي ~~أشد في كفرهم من غيرهم، لأن نوحا لبث فيهم ألفا إلا خمسين ms1672 عاما دعاهم إلى ~~الإيمان فلم يجيبوا، ومع ذلك يؤذونه ويضربونه حتى يغشى عليه، فاذا أفاق قال ~~رب اغفر لقومي أنهم لا يعلمون وكانوا يوصون الأولاد بتكذيبه وإيذائه. ### || [سورة النجم (53): آية 53] # والمؤتفكة أهوى (53) # (والمؤتفكة) نصبها (أهوى) [53] وهي مدينة قوم لوط، أي أسقطها جبرائيل ~~باذن الله مقلوبة إلى الأرض بعد أن رفعها بجناحه إلى السماء، من ائتفكت إذا ~~انقلبت إلى الأرض. ### || [سورة النجم (53): آية 54] # فغشاها ما غشى (54) # (فغشاها) أي غطاها (ما غشى) [54] أي ما غطى بعد إلقائها إلى الأرض من ~~الحجارة الممطرة من سجيل عليهم، وإنما أبهم المغشي تهويلا لشأنه. ### || [سورة النجم (53): آية 55] # فبأي آلاء ربك تتمارى (55) # (فبأي آلاء ربك) أي إذا عرفت أن هذه المذكورات من الله فبأي نعمة من ~~نعماء ربك (تتمارى) [55] أي تتجاحد أيها الإنسان بأنها ليست «1» من الله ~~الذي خلقك ورباك وتشرك به شيئا. ### || [سورة النجم (53): آية 56] # هذا نذير من النذر الأولى (56) # (هذا) أي القرآن (نذير من النذر الأولى) [56] أي إنذار من الإنذارات ~~المتقدمة قبلكم «2» أو إشارة إلى محمد عليه السلام، أي هو رسول مخوف من ~~الرسل الأولى الذين يخوفون أممهم قبلكم «3» كنوح وهود وصالح. ### || [سورة النجم (53): الآيات 57 الى 58] # أزفت الآزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) # (أزفت الآزفة) [57] أي قربت القيامة القريبة (ليس لها من دون الله) أي من ~~غيره نفس (كاشفة) [58] أي مبينة لها متى تكون، لأن علمها عند الله «لا ~~يجليها لوقتها إلا هو» «4». ### || [سورة النجم (53): الآيات 59 الى 61] # أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) # (أفمن هذا) أي أتكفرون فمن هذا (الحديث تعجبون) [59] تكذيبا (وتضحكون) ~~استهزاء (ولا تبكون) [60] بما فيه من الوعيد إذا سمعتموه، والبكاء والخشوع ~~حق عليكم، روي: أنه عليه السلام لم ير ضاحكا بعد نزولها «5» (وأنتم سامدون) ~~[61] أي لاهون أو مغنون أو معرضون استكبارا عن الإيمان به ولا تخافون من ~~العاقبة. ### || [سورة النجم (53): آية 62] # فاسجدوا لله واعبدوا (62) # (فاسجدوا لله) أي انقادوا له بالتوحيد تواضعا أو اسجدوا سجود التلاوة أو ~~صلوا الفرائض (واعبدوا) [62] له بخلوص العبادة ولا تعبدوا الآلهة. PageV04P164 ### | سورة ms1673 القمر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القمر (54): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) # (اقتربت الساعة) أي قرب قيامها وهي القيامة (و) قد (انشق القمر) [1] لأن ~~خروج النبي عليه السلام ودعواه النبوة من علامات الساعة، وعلامة صحة نبوته ~~انشقاق القمر، وذلك حين سأل كفار قريش علامة لنبوته فانشق القمر بنصفين على ~~عهده باشارته «1»، روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «رأيت جبل حراء ~~بين فلقتي القمر» «2»، والفلقة الشقة. ### || [سورة القمر (54): آية 2] # وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) # (وإن يروا) أي قريش (آية) أي علامة من علامات الله الدالة على معجزة محمد ~~عليه السلام كانشقاق القمر (يعرضوا ويقولوا) هذا (سحر مستمر) [2] أي مصنوع ~~قوي، من المرة، وهي «3» القوة أو دائم. ### || [سورة القمر (54): آية 3] # وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) # (وكذبوا) النبي عليه السلام أو الآية (واتبعوا أهواءهم) في الباطل وهو ~~الشرك (وكل أمر) من الخير والشر (مستقر) [3] بأهله، أي عمل الجنة يستقر لهم ~~وعمل أهل النار يستقر لهم أو أمر محمد عليه السلام لا بد أن يستقر على غاية ~~يظهر لهم أنه حق أو باطل. ### || [سورة القمر (54): آية 4] # ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) # (ولقد جاءهم) أي جاء «4» أهل مكة (من الأنباء) أي من أخبار الأمم ~~المتقدمة (ما) «5» أي الخبر الذي «6» (فيه مزدجر) [4] أي ازدجار بمعنى «7» ~~الزجر في نفسه موضع ازدجار، يعني مظنة «8» نهي بغلظة عن الشرك والمعصية، ~~وهو القرآن، يقال زجرته وازدجرته إذا نهيته. ### || [سورة القمر (54): آية 5] # حكمة بالغة فما تغن النذر (5) # (حكمة بالغة) بدل من «ما» أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو حكمة وثيقة وهي علم ~~كامل وبيان شاف يهدي إلى الطريق الذي يؤدي إلى رضاء الله ورحمته (فما تغن ~~النذر) [5] أي لا ينفعهم الرسل المنذرون عند نزول العذاب إذا لم يؤمنوا ~~بهذه الحكمة البالغة. PageV04P165 ### || [سورة القمر (54): آية 6] # فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) # (فتول) أي أعرض (عنهم) واتركهم بعد البلاغ وإقامة الحجة عليهم بها (يوم ~~يدع) أي اذكر يوم ms1674 يدعوهم (الداع) هو «1» إسرافيل على صخرة بيت المقدس (إلى ~~شيء نكر) [6] بضم الكاف وسكونها «2»، أي منكر تنكره النفوس لشدته وهو عذاب ~~جهنم أو هول يوم القيامة. ### || [سورة القمر (54): آية 7] # خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) # (خشعا أبصارهم) جمع خاشع، نصب على الحال من ضمير محذوف من «يدعوا» العامل ~~فيها، أي يدعوهم الداعي حال كون أبصارهم خاضعة، يعني ذليلة ضعيفة عن مشاهدة ~~العذاب، ف «أبصارهم» رفع ب «خشع»، لأنه جمع مكسر بمعنى الجماعة، وقرئ ~~«خاشعا» «3» بغير تاء لاستناده إلى الظاهر (يخرجون) أي هم يخرجون (من ~~الأجداث) أي من القبور (كأنهم جراد منتشر) [7] عن معدنهم يحول بعضهم في بعض ~~لا يدرون أين يذهبون، فمحل «كأنهم جراد» حال من ضمير «يخرجون». ### || [سورة القمر (54): آية 8] # مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) # قوله (مهطعين) أي مسرعين أو ناظرين (إلى الداع) وهو إسرافيل، حال بعد حال ~~(وهو يقول الكافرون هذا يوم عسر) [8] أي صعب علينا، فيمكثون بعد الخروج من ~~القبور واقفين أربعين سنة حتى يقولوا أرحنا من هذا ولو إلى النار، ثم ~~يؤمرون بالحساب. ### || [سورة القمر (54): الآيات 9 الى 10] # كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني ~~مغلوب فانتصر (10) # ثم قال تسلية للنبي عليه السلام (كذبت قبلهم) أي قبل قريش (قوم نوح) نوحا ~~(فكذبوا عبدنا) أي نوحا تكذيبا بعد تكذيب، يعني بالغوا فيه قرنا بعد قرن ~~(وقالوا) هو (مجنون وازدجر) [9] أي وعد بالوعيد كالضرب والخنق «4» وغيرهما ~~(فدعا) نوح (ربه) مستنصرة عليهم (أني) أي بأني (مغلوب) أي مقهور فيما بينهم ~~(فانتصر) [10] أي انتقم لي منهم. ### || [سورة القمر (54): الآيات 11 الى 12] # ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء ~~على أمر قد قدر (12) # (ففتحنا أبواب السماء) أي طرقها (بماء منهمر) [11] أي سائل ينصب انصابا ~~شديدا (وفجرنا) أي جعلنا (الأرض عيونا) منفجرة كالأنهار الجارية (فالتقى ~~الماء) أي التصق ماء السماء والأرض (على أمر) أي على حال (قد قدر) [12] في ~~اللوح المحفوظ من إهلاك قوم نوح، أي على حال قدرها ms1675 الله كيف شاء. ### || [سورة القمر (54): آية 13] # وحملناه على ذات ألواح ودسر (13) # (وحملناه) أي نوحا (على ذات ألواح) أي على سفينة اتخذت من ألواح عراض (و) ~~ذات (دسر) [13] جمع دسير، وهو المسمار يشتد به «5» الألواح. ### || [سورة القمر (54): آية 14] # تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) # قوله (تجري) محله جر صفة سفينة (بأعيننا) أي بمنظر منا وحفظنا، قوله «6» ~~(جزاء) مفعول له لفعل مقدر، يدل عليه حمل نوح عليه السلام على السفينة، أي ~~حملناه عليها وأغرقنا قومه للجزاء، يعني للإنتقام (لمن كان كفر) [14] أي ~~لأجل من جحد وهو نوح أو الله تعالى. PageV04P166 ### || [سورة القمر (54): الآيات 15 الى 16] # ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) # (ولقد تركناها) أي أبقينا السفينة بباقردى من بلد الجزيرة أو على الجودي ~~دهرا طويلا حتى أبصرها أوائل هذه الأمة (آية) أي عبرة للخلق، قيل: لم يكن ~~قبل ذلك سفينة فبرؤيتها اتخذوا سفينة في البحار «1» (فهل من مدكر) [15] أي ~~معتبر بصنع الله بقوم نوح فيؤمن ويطيع (فكيف كان عذابي ونذر) [16] أي ~~إنذاري لمن أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا. ### || [سورة القمر (54): آية 17] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) # (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه للحفظ والقراءة والاعتبار (فهل من ~~مدكر) [17] أي متعظ يتعظ به فيؤمن، روي: أن كتب الأولين كالتورية والإنجيل ~~لم يتيسر لأهلها حفظها من أولها إلى آخرها «2». ### || [سورة القمر (54): آية 18] # كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) # (كذبت عاد) رسولهم هودا (فكيف كان عذابي ونذر) [18] وهي جمع نذير بمعنى ~~الإنذار، أي كيف وقع عذابي وإنذاري لهم، يعني أليس وجدوه حقا. ### || [سورة القمر (54): الآيات 19 الى 21] # إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) # ثم بين عذابه بهم فقال (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) أي باردة شديدة ~~الهبوب (في يوم نحس) أي شؤم (مستمر) [19] أي دائم شؤمه لا يفتر عنهم سبع ~~ليال وثمانية أيام (تنزع الناس) أي تقلعهم من الأرض وتصرعهم على رؤوسهم ~~فتدق رقابهم (كأنهم أعجاز) أي ms1676 أصول (نخل منقعر) [20] أي منقلع من الأرض ~~ساقط عليها، وشبهوا بالنخل لطولهم، قيل: «كان طول واحد منهم اثني عشر ~~ذراعا» «3»، وقيل: «سبعين ذراعا» «4» (فكيف كان عذابي ونذر) [21] أي ~~إنذاري، يعني أليس وجدوه حقا. ### || [سورة القمر (54): آية 22] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) # (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي للحفظ والاتعاظ (فهل من مدكر) [22] أي متعط به. ### || [سورة القمر (54): الآيات 23 الى 24] # كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر (24) # (كذبت ثمود بالنذر) [23] أي صالحا حين أتاهم لدعوتهم إلى الإيمان (فقالوا ~~أبشرا منا واحدا) أي خلقا مثلنا (نتبعه) في أمره وليس بملك طلبوا أن يكون ~~من جنس أعلى من جنس البشر (إنا إذا) أي إن اتبعناه (لفي ضلال) أي في خطأ من ~~الهداية (وسعر) [24] أي في جنون أو بعد من الحق. ### || [سورة القمر (54): الآيات 25 الى 26] # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب ~~الأشر (26) # ثم قالوا استهزاء (أألقي الذكر) أي أأنزل الوحي (عليه من بيننا) ونحن أحق ~~به منه (بل هو كذاب) في قوله (أشر) [25] أي متكبر على الخلق حمله تعظمه على ~~ادعاء ذلك فقال تعالى (سيعلمون) بالتاء على حكاية جواب صالح لهم والياء «5» ~~(غدا) أي يوم القيامة (من الكذاب الأشر) [26] أي هم أم صالح. ### || [سورة القمر (54): آية 27] # إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) # ثم سئلوا منه بأن يخرج لهم ناقة من الحجر فدعا ربه فأوحي إليه (إنا ~~مرسلوا الناقة) أي مخرجوها من الحجر PageV04P167 # (فتنة لهم) أي بلية بهم (فارتقبهم) أي انتظر يا صالح هلاكهم (واصطبر) ~~[27] على أذاهم. ### || [سورة القمر (54): الآيات 28 الى 29] # ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) # (ونبئهم) أي أخبرهم (أن الماء قسمة) أي مقسوم (بينهم) وبين الناقة، يوم ~~لهم ويوم للناقة (كل شرب) أي كل نصيب من الماء (محتضر) [28] أي يحضره من ~~نوبته الشرب منهم دون الناقة أو الناقة بنوبتها دونهم فهموا بقتلها ~~(فنادوا) أي نادى مصدع وأتباعه (صاحبهم) أي ms1677 قدار بن سالف (فتعاطى) أي أخذ ~~السيف تشجعا (فعقر) [29] الناقة، أي قتلها بقوتهم. ### || [سورة القمر (54): الآيات 30 الى 31] # فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) # (فكيف كان عذابي ونذر) [30] أي أهلكتهم فكيف تعذيبي وإنذاري لهم (إنا ~~أرسلنا عليهم صيحة واحدة) أي صيحة جبرائيل (فكانوا) أي صاروا (كهشيم ~~المحتظر) [31] بكسر الظاء، أي كحشيش الرجل الذي يجمعه ويجعله حظيرة لغنمه ~~فداسته الغنم فتكسر من يبسه. ### || [سورة القمر (54): الآيات 32 الى 34] # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنا ~~أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) # (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي للحفظ والاتعاظ (فهل من مدكر) [32] كذبت ~~قوم لوط بالنذر) [33] أي بالرسل، لأنهم قالوا لا نؤمن بك وبمثلك فأهلكهم ~~الله تعالى، وهو «1» قوله (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) أي ريحا ترميهم بحجارة ~~دون ملء الكف وهي الحصباء (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) [34] أي وقت السحر من ~~العذاب وهم لوط وابنتاه، وصرف «سحر» لأنه نكرة ولو عرف بالقصد لمنع من ~~الصرف للعدل والتعريف، أن حقه أن يستعمل حينئذ بالألف واللام إلا أنه عدل ~~عن ذلك. ### || [سورة القمر (54): آية 35] # نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) # قوله (نعمة) مصدر أو مفعول له، أي للإنعام عليهم (من عندنا كذلك نجزي من ~~شكر) [35] «2» نعمتنا بالإيمان في الدارين. ### || [سورة القمر (54): الآيات 36 الى 38] # ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا ~~أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) # (ولقد أنذرهم) أي خوفهم لوط (بطشتنا) أي أخذتنا بالعذاب (فتماروا) أي ~~تجادلوا وكذبوا (بالنذر) [36] أي بلوط والرسل الذين أخبروهم أنه نازل بهم ~~(ولقد راودوه) أي طلبوا من لوط المخادعة (عن ضيفه) وهم الملائكة ومعهم ~~جبرائيل عليه السلام ليخبثوا بهم فصدهم وأغلق بابه على ضيفه فعالجوا فتحه، ~~فقالت «3» الملائكة خل بيننا وبينهم ففتحه فصفقهم، أي ضربهم جبرائيل بجناحه ~~صفقة (فطمسنا أعينهم) أي أذهبناها وجعلناها بلا شق فلم يروا طريقهم فأخرجهم ~~لوط من بيته (فذوقوا) أي فقلنا لهم ذوقوا ms1678 (عذابي ونذر [37] ولقد صبحهم ~~بكرة) أي أخذهم وقت الصبح (عذاب مستقر) [38] أي دائم متصل بعذاب الآخرة. ### || [سورة القمر (54): الآيات 39 الى 41] # فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) ولقد ~~جاء آل فرعون النذر (41) # (فذوقوا) أي فقيل لهم ذوقوا (عذابي ونذر) [39] ولقد يسرنا القرآن للذكر) ~~أي للحفظ والاتعاظ (فهل من مدكر) [40] أي طالب لحفظه «4» والاتعاظ به. PageV04P168 # وفائدة تكرير قوله «فذوقوا»، «ولقد يسرنا القرآن» أن يجددوا عند استماعه ~~الاتعاظ والاستيقاظ لئلا يغلبهم السهو والنسيان ولا يستولي عليهم الغفلة عن ~~تلك العبرات الملينة للقلوب المنبهة لها في كل أوان. # (ولقد جاء آل فرعون النذر) [41] أي موسى وهرون أو هما أو غيرهما من ~~الأنبياء لعرضهما عليهم ما أنذر به الرسل. ### || [سورة القمر (54): آية 42] # كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) # (كذبوا بآياتنا) أي الآيات التسع (كلها فأخذناهم) بالعذاب عند التكذيب ~~(أخذ عزيز) أي منتقم (مقتدر) [42] أي قادر على تعذيبهم لا يعجزه شيء. ### || [سورة القمر (54): آية 43] # أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (43) # (أكفاركم) يا قريش (خير) أي أشد وأعظم (من أولئكم) أي من الذين ذكرناهم ~~إياكم من قوم نوح إلى فرعون ومع شدتهم وعظمتهم أهلكناهم فكيف أنتم (أم لكم ~~براءة) أي ألكم براءة نجاة (في الزبر) [43] أي في الكتب المتقدمة أن لا ~~تعذبوا فآمنتم بتلك البراءة والمراد به الإنكار. ### || [سورة القمر (54): الآيات 44 الى 45] # أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) # (أم يقولون) بالياء، أي أيقولون جهلا منهم وعنادا (نحن جميع) أي جمع ~~(منتصر) [44] أي ممتنع يجمعنا من محمد وأصحابه أو من العذاب، والاستفهام ~~تقرير لقولهم، لأن أبا جهل قال يوم بدر إنا جمع منتصر فركب على فرسه وتقدم ~~في الصف، فقال تعالى قبل ذلك بمكة (سيهزم الجمع) أي جمع المشركين في الحرب ~~(ويولون الدبر) [45] «1» أي ينصرفون عن الحرب خلفهم منهزمين وينصر رسوله ~~فهزموا يوم بدر، فوافق الخبر الواقع فصار هذا من علامات النبوة لمحمد عليه ~~السلام. ### || [سورة القمر (54): آية 46] # بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) # (بل ms1679 الساعة) أي هم هزموا ببدر بل الساعة، أي القيامة (موعدهم) بأشد ~~العذاب (والساعة) أي وعذابها (أدهى) أي أعظم بلية، والداهية المنكر الذي لا ~~يهتدى أن يدفع (وأمر) [46] أي أوجع من عذاب الدنيا. ### || [سورة القمر (54): الآيات 47 الى 48] # إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) # (إن المجرمين) أي المشركين (في ضلال) أي في هلاك (وسعر) [47] أي في نار ~~مسعرة في الآخرة، قوله (يوم يسحبون) ظرف ل «سعر»، أي هم في سعر يوم يجرون ~~(في النار على وجوههم) ويقال لهم (ذوقوا مس سقر) [48] أي عذابها، و«سقر» ~~اسم لجهنم منعت من الصرف للعجمة والعلمية والتأنيث. ### || [سورة القمر (54): آية 49] # إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) # (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [49] حال من «كل»، أي خلقنا كل شيء مقدرا محكما ~~مرتبا على شكل يوافقه كما يقتضيه الحكمة أو مقدرا موافقا بما كتب في اللوح ~~قد علمنا حاله وزمانه قبل خلقه فنصب «كل» بفعل مقدر يفسره ما بعده. ### || [سورة القمر (54): آية 50] # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) # (وما أمرنا) بشيء أردنا إيجاده (إلا) كلمة (واحدة) وهي «كن فيكون» «2» ~~سريعا (كلمح بالبصر) [50] أي كنظر البصر ورجعه، بل هو أقرب منه فسرعة أمرنا ~~بمجيء الساعة ليست إلا كطرف العين. PageV04P169 ### || [سورة القمر (54): آية 51] # ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) # (ولقد أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم في الكفر والتكذيب ممن قبلكم من الأمم ~~حين كذبوا الرسل (فهل من مدكر) [51] أي معتبر يتعظ فيعلم أن ذلك حق ويخاف ويؤمن. ### || [سورة القمر (54): الآيات 52 الى 53] # وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) # قوله (وكل شيء فعلوه) مبتدأ، خبره (في الزبر) [52] أي كل شيء عمله العباد ~~من خير وشر ثابت في الكتاب «1»، يعني في دواوين الحفظة يحصي عليهم (وكل ~~صغير وكبير) من الذنب (مستطر) [53] أي مكتوب في اللوح المحفوظ لا يفوت منه شيء. ### || [سورة القمر (54): آية 54] # إن المتقين في جنات ونهر (54) # (إن المتقين) من الشرك والعمصية (في جنات ونهر) [54] أي في بساتين وأنهار ~~جارية، يسكنونها ويشربون ms1680 من نهرها الماء واللبن والعسل والخمر واكتفى باسم ~~الجنس لرعاية الفاصلة. ### || [سورة القمر (54): آية 55] # في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # قوله (في مقعد صدق) بدل من الخبر، أي في مسكن طيب يستحسنه القلوب ~~وترتضيه، فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة الجامعة كلها، قوله «2» (عند مليك) ~~حال، أي مقربين عند عزيز الملك واسعة (مقتدر) [55] أي قادر على الثواب ~~والعقاب وغيرهما، وتنكيرهما للتعظيم. PageV04P170 ### | سورة الرحمن # مكية أو مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) # قوله (الرحمن) [1] نزل حين قال المشركون وما الرحمن، ما نعرف الرحمن إلا ~~مسيلمة الكذاب «1»، فأخبر الله تعالى عن نفسه فقال الرحمن، وهو آية عند ~~البعض، لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي الله الرحمن أو هو مبتدأ، خبر (علم) أي ~~الرحمن الذي أنكروه علم محمدا (القرآن) [2] بانزال جبرائيل عليه السلام ~~إياه وقراءته عليه، قدم في تعديد الآية لتبكيب منكري الرحمن ما هو في أعلا ~~مراتبها في الدين وهو تنزيل القرآن وتعليمه الذي هو سبب لإنشاء الإنسان. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 3 الى 4] # خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # ثم قال (خلق الإنسان) [3] أي الذي خلق آدم أو الجنس لدينه (علمه البيان) ~~[4] أي التكلم بالحروف ليتبين ما يقول وما يقال له ويتميز به عن سائر ~~الحيوان. ### || [سورة الرحمن (55): آية 5] # الشمس والقمر بحسبان (5) # (الشمس والقمر بحسبان) [5] أي الذي الشمس والقمر كائنان بحسبانه، ~~وتقديره: يجريان في بروجهما ومنازلهما المحدودة ليعرف الإنسان بذلك الشهور ~~والسنين والحساب، إذ له فيه منافع عظيمة. ### || [سورة الرحمن (55): آية 6] # والنجم والشجر يسجدان (6) # (والنجم والشجر يسجدان) [6] وإنما وسط العاطف هنا اعتبار للتناسب بينهما ~~من حيث التفاضل بين السماوي والأرضي، أي نجوم السماء وأشجار الأرض يسجدان ~~له بكرة وعشيا سجودا يعلمه تعالى، وقيل: # سجودهما انقيادهما فيما خلقا له كانقياد المكلف فيما أمر به «2»، وقيل: ~~النجم من النبات ما لم يقم على ساق كاليقطين والشجر ما قام على ساق منها ~~كالباذنجان «3». ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 7 الى 9] # والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا ms1681 الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) # (والسماء رفعها) أي الذي رفع السماء سقفا لمصالح العباد حيث جعلها منشأ ~~أحكامه ومسكن ملائكته النازلين بالوحي على أنبيائه، وفيه تنبيه على كبرياء ~~شأنه (ووضع الميزان) [7] أي أنزله للعدل بين الناس وهو كل ما يوزن به ويكال ~~ويذرع، وذلك في زمان نوح عليه السلام ولم يكن قبل ذلك ميزان، وعلل ذلك بقوله PageV04P171 # (ألا تطغوا) أي لئلا تجوروا، ويجوز أن يكون نهيا و«أن» مفسرة والقول ~~مقدر، أي قل لهم لا تجوروا (في الميزان) [8] سواء وزنتم أو اتزنتم، وأكده ~~بقوله (وأقيموا) أي قوموا (الوزن) للناس (بالقسط) أي بالعدل (ولا تخسروا) ~~أي لا تنقصوا (الميزان) [9] أي الموزون الذي هو حق الناس، خسر بالفتح وأخسر واحد. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 10 الى 12] # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) # (والأرض وضعها) أي الذي وضع الأرض، يعني بسطها على الماء (للأنام) [10] ~~أي للناس أو للإنس والجن (فيها) أي في الأرض (فاكهة) أي ضروب مما يتفكه به ~~(و) فيها (النخل ذات الأكمام) [11] وهي أوعية ثمر النخل، الواحد كم بكسر ~~الكاف (و) فيها (الحب ذو العصف) وهو ورق الزرع، وقيل: التبن «1» (والريحان) ~~[12] أي ذو الريحان وهو الرزق أو ما يشم، وقرئ والحب ذا العصف والريحان ~~بالنصب «2» على تقدير خلق، أي وخلق الحق والريحان بدلالة وضعها، يعني خلق ~~المذكورات لهم نعمة عليهم ليوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئا. ### || [سورة الرحمن (55): آية 13] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) # قوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) [13] خطاب للثقلين بالإشارة إلى نعمه ~~عليهم بدلالة الأنام عليهما، أي فبأي نعمة من نعماء ربكما أيها الإنس والجن ~~تتجاحدان أنها ليست منه تعالى، وال «آلاء» جمع إلى كمعا وهي النعم الظاهرة ~~كالتوحيد، والنعماء النعم الباطنة كمعرفة القلب، وكررت هذه الآية في هذه ~~السورة تقريرا لنعمة الله وتذكيرا بها وتوبيخا لمنكريها، روي: أن النبي ~~عليه السلام قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال عليه السلام: «الجن ~~كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهما فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا: ms1682 ولا ~~نكذب بشيء من آلائك يا ربنا فلك الحمد» «3». ### || [سورة الرحمن (55): آية 14] # خلق الإنسان من صلصال كالفخار (14) # (خلق الإنسان) أي آدم (من صلصال) أي من طين يابس يتصوت من يبسه ولا يرد ~~عليه قوله «من حمإ مسنون» «4»، «من طين لازب» «5»، أي من تراب، لأن الكل ~~متفق في المعنى، إذ هو يفيد أنه خلقه من تراب جعله طينا ثم حمأ مسنونا ثم ~~صلصالا (كالفخار) [14] أي كما يتصوت الفخار وهو الطين المطبوخ، صفة ~~«صلصال». ### || [سورة الرحمن (55): آية 15] # وخلق الجان من مارج من نار (15) # (وخلق الجان) أي إبليس أو أبا الجن «6» (من مارج) أي من «7» لهب صاف من ~~دخان فيه، قوله (من نار) [15] نعت «مارج» للبيان، كأنه قيل من صاف من نار ~~أو مختلط من نار، وقيل: هي نار بين السماء وبين «8» الحجاب الرقيق، منها ~~يكون البرق. ### || [سورة الرحمن (55): آية 16] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) # ثم قال (فبأي آلاء ربكما تكذبان) [16] أي كيف تنكرون هذه النعمة انها ~~ليست من الله، فانه خلقكم أيها الإنسان من نفس واحدة، وخلقكم أيها الجن من ~~نفس واحدة فلا خالق لكم سواه. PageV04P172 ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 17 الى 18] # رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) # (رب المشرقين) أي هو رب مشرقي الصيف والشتاء (ورب المغربين) [17] أي رب ~~مغربيهما (فبأي آلاء ربكما تكذبان) [18] فانكم حيث كنتم من مشارق الأرض ~~ومغاربها تأكلون رزقه ويحفظكم وينصركم. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 19 الى 21] # مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (21) # (مرج البحرين) أي أرسلهما وهما الملح والعذب متجاوزين (يلتقيان) [19] أي ~~يلتصقان في رأي العين (بينهما برزخ) أي حائل من قدرته تعالى (لا يبغيان) ~~[20] أي لا يختلطان بسبب الحائل لئلا يتغير طعمهما «1»، وهو حاجز لطيف لا ~~يراه الخلق أو لا يتجاوزان حديهما ليغرقا الناس (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[21] بأنه خلق البحرين لمنافعكم وأظهر قدرته بهما لتعتبروا وتوحدوه، فكيف ~~تنكرونه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 22 الى 23] # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) # قرئ (يخرج) معلوما ومجهولا «2» (منهما اللؤلؤ والمرجان) [22] والمراد ~~الصغار ms1683 والكبار، ونسب الإخراج إلى البحرين وإن أخرج من الملح وحده لا ~~لتصاقهما في رأي العين فكأنهما واحد، قيل: «إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف ~~أفواهها، فإذا وقعت فيها قطرة صارت لؤلؤة بقدرته تعالى» «3» (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) [23] بأن هذه النعمة ليست منه تعالى. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 24 الى 25] # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (24) فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) # (وله الجوار المنشآت) بالكسر، أي لله السفن المحدثات السير، وبالفتح «4»، ~~أي أحدثها غيرها بأمره تعالى وإرادته، وقيل: هي مرفوعات الشرع «5»، وهي ~~الطرق العظيمة المرتفعة على الماء (في البحر كالأعلام) [24] أي كالجبال ~~عظما وارتفاعا، جمع علم وهو الجبل الطويل، يعني السفن التي تسير في البحر ~~مشبهة بالجبال في البر، كلاهما خلقا لمنفعة الخلق (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[25] أي فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست من الله تعالى. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 26 الى 28] # كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (28) # (كل من عليها) أي كل شيء من الإنس والجن والحيوان على الأرض (فان) [26] ~~أي يفني ولا يبقى (ويبقى وجه ربك) أي ذاته تعالى (ذو الجلال) «6» الذي ~~يجلله وينزهه الموحدون عن سمات المحدثان (و) ذو (الإكرام) [27] «7» الذي ~~يكرم عباده بأنعمه عليهم ويتجاوز عن سيئاتهم بكرمه (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) [28] أي كيف تنكرون هذا الكرم منه، إذ الغناء نعمة عظيمة يجيء ~~عقيبها وقت الجزاء. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 29 الى 30] # يسئله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن (29) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (30) # (يسئله من في السماوات) أي الملائكة القوة على عبادته (و) من في (الأرض) ~~الرزق والمغفرة وهم الإنس والجن، فكلهم يفتقرون إليه دينا ودنيا (كل يوم هو ~~في شأن) [29] أي في كل يوم لا يخلو عن إحداث أمر من الأمور وتجديد حال من ~~الأحوال، يعني يعطي ويمنع ويحيي ويميت ويعز ويذل ويثيب ويعاقب، وهو رد لقول ~~اليهود حيث قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[30] أي كيف تنركونه وأنتم تحتاجون إليه في كل ms1684 حال. PageV04P173 ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 31 الى 32] # سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما تكذبان (32) # (سنفرغ لكم أيه الثقلان) [31] بفتح الهاء وضمها «1»، هذا وعيد للإنس ~~والجن بالمبالغة لا الفراع «2» من الشغل، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ~~أي سنحفظ «3» عليكم أعمالكم فنجازيكم «4» بذلك حق الجزاء بحيث لا يكون لي ~~شغل سواه، وسموا بالثقلين لأنهم ثقل الأرض أحياء وأمواتا أو لعظم قدرهم في ~~الأرض كما في الحديث: «خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي» «5» - (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) [32] أي كيف تنكرون من هو يجازيكم بأعمالكم ويثيبكم ~~بحسناتكم. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 33 الى 34] # يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ~~فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) # (يا معشر الجن والإنس) هو كالتفسير لقوله «أيه الثقلان» (إن استطعتم) أي ~~تخرجوا (أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض) أي من جوانبهما هربا من الموت ~~أو من النار (فانفذوا) أي أخرجوا، قيل: يقال لهم هذا القول يوم القيامة ~~تعجيزا «6»، ولا نفي في قوله (لا تنفذون) أي لا تطيقون النفوذ، يعني الخروج ~~في جهة ما (إلا بسلطان) [33] أي بقوة وقهر من الله تعالى وإني لكم ذلك، ~~روي: أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق، فاذا رآهم الجنة والإنس هربوا ~~فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به «7» (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[34] أي كيف تنكرون من بين لكم أهوال يوم القيامة ولا يغيثكم أحد غيره. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 35 الى 36] # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان (36) # (يرسل عليكما) ثني هنا نظرا إلى اللفظ وجمع ف ي استعطعتم نظرا إلى معنى ~~«الثقلين»، أي يرسل عليكما يا كفار الإنس والجن إذا خرجتم من قبوركم (شواظ) ~~بضم الشين والكسر «8»، أي لهب خالص (من نار) يصب على رؤوسكما (ونحاس) ~~بالرفع عطفا على «شواظ»، وبالجر «9» عطفا على «نار»، أي الصفر المذاب ~~وتساقان إلى المحشر (فلا تنتصران) [35] أي لا تمتنعان من ذلك العذاب (فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان) [36] أي فكيف تنكرون قدرته وتوحيده ms1685 وهو يحفظكم عن ذلك ~~يومئذ فعليكم أن توحدوه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 37 الى 38] # فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان (38) # (فإذا انشقت السماء) أي انفرجت من حر جهنم بعد البعث أو من نزول الملائكة ~~(فكانت وردة) أي كلون وردة من حمرة وصفرة وبياض أو كلون فرس ورد وهو الأبيض ~~بضرب إلى الحمرة أو الصفرة، يعني يتغير لونها في كل وقت (كالدهان) [37] أي ~~كعصير الزيت وهو يتلون في ساعة واحدة ألوانا، وقيل: «الدهان» الأديم الأحمر ~~الذي يختلف ألوانه «10» أو هو دهن الورد الصافي، يعني تصير السماء من هيبة ~~ذلك اليوم ذائبة حين يصيبها حر جهنم كدهن الورد الصافي (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) [38] أي فكيف تنكرون من هو بهذه الهيبة وهو ينجيكم من شدة عذابه يومئذ. PageV04P174 ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 39 الى 40] # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) # (فيومئذ لا يسئل عن ذنبه) أي عن عمله القبيح (إنس ولا جان) [39] لأنهم ~~يعرفون بعلامة فيهم وهي سواد الوجوه وزرقة العيون كما يعرف الصالح بغرته ~~وتحجيله، يعني ببياض وجهه وبياض أرجله، قيل: يسأل للتوبيخ لا ليعلم من جهته ~~«1»، وقيل: «يسأل في بعض المواطن دون بعض» «2» (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ~~[40] أي فانه ينجيكم من شدة السؤال والحساب يومئذ فكيف تنكرونه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 41 الى 42] # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (42) # (يعرف المجرمون بسيماهم) أي بسواد وجوههم وزرقة عيونهم (فيؤخذ) المجرم ~~(بالنواصي) جمع الناصية وهي قصاص الشعر (والأقدام) [41] أي يؤخذ تارة ~~بالنواصي وتارة بالأقدام فيسحبون على وجوههم إلى النار (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) [42] أي إنه يدفع عنكم العذاب الشديد إن آمنتم به، فكيف تنكرونه ~~ويقال لهم إذا دنوا من النار: ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 43 الى 45] # هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) # (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) [43] في الدنيا، أي أنتم، ثم أخبر عن ~~حالهم في جهنم بقوله (يطوفون بينها) في محل النصب على ms1686 الحال من المجرمين، ~~أي يسعون بين الجحيم (وبين حميم آن) [44] أي ماء حار شديد الحرارة فيعذبون ~~بهما، قيل: عند الجوع يؤتى بهم إلى الزقوم النابت في جهنم الذي طلعه كرؤوس ~~الشياطين فيأخذ حلقهم إذا أكلوا، وعند العطش يؤتى بهم إلى الحميم فيشربون ~~منه فيغلي أجوافهم «3»، وفيه دليل على أن الحميم خارج من جهنم (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) [45] أي إنه ينجيكم من هذه الغصة بالإيمان به والإنذار منه ~~قبل الابتلاء بها لطفا عظيما، فكيف تنكرونه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 46 الى 47] # ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ربكما تكذبان (47) # ثم أخبر تعالى عن حال من آمن به واتقاه في الدنيا وأطاع أمره ولم يعصه ~~بقوله (ولمن خاف مقام ربه) أي لمن علم البعث فخاف قيامه لدى ربه للحساب ~~فترك المعصية وأطاعه أو ال «مقام» مقحم كما يقال أخاف جانب فلان (جنتان) ~~[46] جنة عدن وجنة النعيم أو جنة لفعل الطاعة وجنة لترك المعصية (فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان) [47] أي إنه يدخلكم الجنة كما وعد فكيف تنكرونه ولا تطيعونه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 48 الى 49] # ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) # قوله (ذواتا أفنان) [48] خبر مبتدأ محذوف، أي هما ذواتا أغصان، جمع فنن ~~وهو الغصن أو ذواتا ألوان من كل شيء جمع فن (فبأي آلاء ربكما تكذبان) [49] ~~أي إنه قدر لكم هذه النعمة الوافرة والراحة، فكيف تنكرونه. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 50 الى 53] # فيهما عينان تجريان (50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة ~~زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) # (فيهما) أي في الجنتين (عينان تجريان) [50] في الأسافل والأعالي بالماء ~~الزلال التسنيم والسلسبيل (فبأي آلاء ربكما تكذبان [51] فيهما) أي في ~~الجنتين (من كل فاكهة) في الدنيا أو من كل لون «4» من الفاكهة (زوجان) [52] ~~أي صنفان، الحلو والخامض أو المعروف والغريب (فبأي آلاء ربكما تكذبان) [53]. PageV04P175 ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 54 الى 58] # متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (56) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت ms1687 والمرجان (58) # قوله (متكئين) نصب على المدح لهم أو حال من الخائفين مقام ربهم، أي ~~ناعمين (على فرش بطائنها من إستبرق) وهو الديباج الأخضر الغليظ وظهائرها من ~~سندس وهو الديباج الرقيق (وجنى الجنتين) أي ثمرهما «1» (دان) [54] أي قريب ~~التناول للقائم والقاعد والنائم (فبأي آلاء ربكما تكذبان [55] فيهن) أي في ~~أعالي الجنتين وأسافلهما من الزوجات (قاصرات الطرف) أي نساء من الإنس والجن ~~والحور غاضات البصر عن النظر إلى غير أزواجهن (لم يطمثهن) بضم الميم وكسرها ~~«2»، من الطمث وهو الوطئ بتدمية، والمراد هنا المس والجماع، أي لم يمسسهن ~~(إنس قبلهم ولا جان) [56] فيه دليل على أن الجني يجامع، وإنما قال لم ~~يطمثهن إن أريد بهن نساء الدنيا، لأنه لم يجامعهن مذ نشأت في هذه الخلقة ~~وإن أريد بهن الحور فلأنهن خلقن في الجنة (فبأي آلاء ربكما تكذبان [56] ~~كأنهن الياقوت) في الصفاء (والمرجان) [58] في البياض، قيل: «إن الحوراء ~~تلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة ~~البضاء» «3». ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 59 الى 62] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (59) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (61) ومن دونهما جنتان (62) # (فبأي آلاء ربكما تكذبان [59] هل جزاء الإحسان) في العمل (إلا الإحسان) ~~[60] أي ما جزاء من أحسن في الدنيا «4» بالتوحيد «5»، وهو قول لا إله إلا ~~الله والعمل بما جاء به رسوله إلا أن يحسن إليه في الآخرة بالثواب وهو ~~الجنة (فبأي آلاء ربكما تكذبان [61] ومن دونهما) أي ومما قرب من الجنتين ~~المنعوتتين في الفضيلة (جنتان) [62] أخريان الأوليان للسابقين والأخريان ~~للتابعين أو ما في الأوليين من ذهب وما في الأخريين من فضة، والظاهر أن ~~الأربع لمن خاف مقام ربه فيعطى كل منهم على قدره منهن. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 63 الى 71] # فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) ~~فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما تكذبان (67) # فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) فيهن خيرات ~~حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) # (فبأي آلاء ربكما تكذبان [63] مدهامتان) [64] أي خضراوتان يضرب خضرتهما ~~إلى السواد ms1688 لشدتها، اسم فاعل من ادهام (فبأي آلاء ربكما تكذبان [65] فيهما ~~عينان نضاختان) [66] أي فوارتان بالماء لا ينقطعان (فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~[67] فيهما فاكهة ونخل ورمان) [68] خصص ذكرها بالعطف وإن كانا من الفاكهة ~~لفضلهما، وقال أبو حنيفة رحمه الله ليسا من الفاكهة، فلو حلف رجل أن لا ~~يأكل فاكهة فأكل تمرا أو رمانا لم يحنث، وكذا الحكم عنده في العنب خلافا ~~لصاحبيه وغيرهما «6» (فبأي آلاء ربكما تكذبان [69] فيهن خيرات PageV04P176 # حسان) [70] أي في الجنان كلها زوجات خيرات الأخلاق حسان الوجوه «1»، أصله ~~خيرات بالتشديد، وليس بجمع خير بمعنى أخير، لأنه لا يجمع (فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان) [71]. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 72 الى 75] # حور مقصورات في الخيام (72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان (74) فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) # قوله (حور مقصورات) بدل من «خيرات»، أي فيهن حور مستورات لا ينظرن إلى ~~غير أزواجهن (في الخيام) [72] جمع خيمة وهي لؤلؤة مجوفة «2» فرسخا في فرسخ ~~لها أربعة آلاف مصراع من ذهب في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف ~~عليهم المؤمن (فبأي آلاء ربكما تكذبان [73] لم يطمثهن) بضم الميم وكسرها ~~«3» أيضا، أي لم يجامعهن (إنس قبلهم) أي قبل أصحاب «4» الجنتين (ولا جان ~~[74] فبأي آلاء ربكما تكذبان) [75]. ### || [سورة الرحمن (55): الآيات 76 الى 78] # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك ~~اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # قوله (متكئين) نصب على الاختصاص لا على الحال لانقطاعه عما قبله، أي ~~ناعمين (على رفرف خضر) أي على وسائد على السرر، وقيل: ضرب من البسط «5» ~~(وعبقري حسان) [76] أي وعلى بسط نفيس منسوب إلى عبقري وهو بلد الجن ينسب ~~إليه كل شيء عجيب أو العبقري كل موشى ومنقش عند العرب وليس بنسبة فهو ككرسي ~~(فبأي آلاء ربكما تكذبان [77] تبارك اسم ربك) أي تعاظم ربك عن أن يكون له ~~شريك في خلق الأشياء من النعم وغيرها، وال «اسم» مقحم، قوله (ذي الجلال) ~~بالرفع صفة «اسم» وبالجر «6» صفة «ربك»، أي ذو ارتفاع القدر من سمات ~~المحدثات (و) ذو (الإكرام) ms1689 [78] أي الذي يكرم عبيده الموحدين بالتجاوز عن ~~السيئات ورفع الدرجات. PageV04P177 ### | سورة الواقعة # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) # (إذا وقعت الواقعة) [1] أي إذا قامت القيامة وسميت واقعة، لأنها تقع لا ~~محالة (ليس لوقعتها) لمجيئها (كاذبة) [2] أي نفس تكذبها، لأن كل نفس حينئذ ~~مؤمنة صادقة أو مصدر بمعنى التكذيب كالعافية، والعامل في «إذا» «ليس» أو ~~اذكر مضمرا (خافضة رافعة) [3] أي هي تخفض أقواما في النار وترفع أقواما في الجنة. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 4 الى 6] # إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) # قوله (إذا رجت الأرض) بدل من «إذا»، أي إذا «1» زلزلت (رجا) [4] أي زلزلة ~~لا تسكن حتى تلقي جميع ما في بطنها على ظهرها (وبست الجبال) أي فتتت وكسرت ~~(بسا) [5] أي فتا وكسرا (فكانت) أي فصارت (هباء) أي غبارا خفيفا (منبثا) ~~[6] أي منتشرا. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 7 الى 9] # وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب ~~المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) # (وكنتم) للاستقبال، أي وستكون في يوم وقعت القيامة (أزواجا ثلاثة) [7] أي ~~ثلاثة أصناف، اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم فسر الأزواج الثلاثة بقوله ~~(فأصحاب الميمنة) أي الذين يعطون كتابهم بإيمانهم، مبتدأ، خبره (ما أصحاب ~~الميمنة) [8] و«الميمنة» من اليمن وهو البركة، والمراد منها الطاعة، أي ما ~~تدري ما أصحاب الميمنة، يعني ما لهم من الخير والكرامة يومئذ، وهذا الضرب ~~من الكلام يجري مجرى التعجب، أي أي شيء هم في العزة والإجلال (وأصحاب ~~المشئمة) أي الذين يعطون كتابهم بشمالهم (ما أصحاب المشئمة) [9] أي لا تدري ~~ما لهم من الذل والعذاب، و«المشئمة» من الشؤم والمراد منها المعصية، وقيل: ~~يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال «2». ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 10 الى 16] # والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) ثلة من ~~الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) # على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقابلين (16) # (والسابقون) إلى الجنة أو «السابقون» الثاني تأكيد للأول المبتدأ، كرر ~~تعظيما لهم ms1690 بذكر الخبر عنهم، والخبر (السابقون [10] أولئك المقربون) [11] ~~عند الله (في جنات النعيم) [12] أي في درجاتها العلى، قوله (ثلة من الأولين ~~[13] وقليل من الآخرين) [14] تفصيل ل «السابقين» مع ذكر أوصافهم في الجنة، ~~وهي خبر مبتدأ محذوف، أي السابقون جماعة من الأولين، يعني من أول هذه الأمة ~~كالصحابة والتابعين وقليل من PageV04P178 # الآخرين، أي السابقون قليلون من آخر هذه الأمة (على سرر) أي الفريقان من ~~السابقين في الجنة على سرر (موضونة) [15] أي منسوجة بالدار والياقوت ~~والجواهر بعضها أدخل في بعض كالحصير المرمول والدرع المسرود (متكئين) أي ~~ناعمين (عليها متقابلين) [16] أي لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 17 الى 19] # يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون (19) # (يطوف عليهم ولدان مخلدون) [17] أي مبقون على سن واحد في شكل الأولاد ~~أبدا للخدمة بهم، وقيل: «أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ~~ولا سيئات فيعاقبوا عليها» «1» (بأكواب) أي يوطف عليهم ولدان بآنية لا عرى ~~لها (وأباريق) أي آنية لها عرى وخراطيم (وكأس) أي وبكأس، وهو قدح مملوء ~~تشربونه من خمر جارية (من معين) [18] أي منبع لا ينقطع أبدا (لا يصدعون ~~عنها) أي لا يصدع رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة كخمر الدنيا (ولا ينزفون) ~~[19] معلوما ومجهولا «2»، من أنزف إذا ذهب، أي لا تذهب عقولهم بشربها كما ~~كانت تذهب في الدنيا. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 20 الى 21] # وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) # قوله (وفاكهة) عطف على «بأكواب»، أي يطوف عليهم ولدان بفاكهة (مما ~~يتخيرون) [20] أي يختارون من ألوانها (ولحم طير مما يشتهون) [21] أي يتمنون ~~مشويا أو مطبوخا، قيل: «إذا خطر ذلك على قلب أحد منهم يجاء به على ما ~~اشتهى» «3» أو يقع على الصحفة «4»، أي القصعة «5»، فيأكل منه ما اشتهى ثم يطير. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 22 الى 24] # وحور عين (22) كأمثال اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) # قوله (وحور عين) [22] بالجر عطف على «أكواب»، أي يطوف عليهم ولدان مخلدون ~~بحور عين تكرمة لهم كما يجيء الجواري للملوك ms1691 بالغلمان أو الجر على المجاورة ~~والمراد الرفع وبالرفع «6» عطف على «ولدان»، أي يطوف عليهم حور حين أيضا ~~(كأمثال اللؤلؤ المكنون) [23] أي المستور في الصدف لم تمسه الأيدي (جزاء) ~~أي للجزاء (بما كانوا يعملون) [24] من الحسنات. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 25 الى 27] # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) وأصحاب ~~اليمين ما أصحاب اليمين (27) # (لا يسمعون فيها) أي في الجنة عند شرب الخمر (لغوا) أي باطلا (ولا ~~تأثيما) [25] أي ولا ما يحدث الإثم (إلا قيلا) أي قولا (سلاما سلاما) [26] ~~أي سلاما بعد سلام، يعني يسلم بعضهم بعضا بالإفشاء ويسلم الملائكة عليهم ~~فوجا فوجا بأمر الله تعالى تكرمة لهم فالاستثناء منقطع، أي لكنهم يسمعون ~~فيها قولا و«سلاما سلاما» بدل منه (وأصحاب اليمين) هذا ذكر الصنف الثاني ~~بقوله «وأصحاب اليمين»، أي الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق (ما أصحاب ~~اليمين) [27] أي لا تدري ما لهم من الخير والكرامة بسبب التوحيد والطاعة. PageV04P179 ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 28 الى 34] # في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) ~~وفاكهة كثيرة (32) # لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) # ثم بين حالهم فقال هم (في سدر مخضود) [28] أي مقطوع من الشوك مملوء الحمل ~~وهو شجر النبق ثمر معروف محبوب عند العرب (وطلح) أي هم في موز (منضود) [29] ~~أي متراكم بعضه على بعض (و) في (ظل ممدود) [30] أي دائم (وماء مسكوب) [31] ~~أي جار دائما (وفاكهة كثيرة [32] لا مقطوعة) بالزمان، أي لا تنقطع في بعض ~~الأوقات (ولا ممنوعة) [33] عنهم، يعني لا يمنعون من النظر إليها ومن الأكل ~~منها (وفرش) أي هم في فرش على الأسرة (مرفوعة) [34] بعضها فوق بعض، قال ~~عليه السلام: «ارتفاعها كما بين السماء والأرض» «1» أو المراد من الفرش ~~النساء المرفوعات على الأرائك بالفضل والجمال. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 35 الى 38] # إنا أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب ~~اليمين (38) # (إنا أنشأناهن) الضمير للنساء بدلالة الفرش عليها، أي خلقنا النساء فيها ~~وهي نساء الدنيا (إنشاء) [35] أي خلقا جديدا من غير ولادة (فجعلناهن) بعد ~~أن كن عجائز، وهن ms1692 أفضل وأحسن من حور الجنة (أبكارا) [36] أي عذارى في الجنة ~~كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا (عربا) بضم الراء وسكونها «2»، جمع عروب ~~وهي العاشقة إلى زوجها «3» والحسنة التبعل والكلام له (أترابا) [37] جمع ~~ترب مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين سنة وسن أزواجهن كذلك (لأصحاب ~~اليمين) [38] اللام يتعلق بقوله «أنشأناهن» أو خبر مبتدأ محذوف، أي هذا ~~الوصف من الكرامة لهم وهم المسلمون. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 39 الى 40] # ثلة من الأولين (39) وثلة من الآخرين (40) # روي: أنه لما نزل «وقليل من الآخرين» «4»، قيل يا رسول الله: آمنا بالله ~~ورسوله والناجي منا قليل فنزل قوله تعالى «5» (ثلة من الأولين [39] وثلة من ~~الآخرين) [40] أي أصحاب اليمين جماعة من أول هذه الأمة وجماعة من آخر هذه ~~الأمة، قال النبي عليه السلام: «ثلة من الأولين وثلة من الآخرين هما جميعا ~~من أمتي» «6». ### || [سورة الواقعة (56): آية 41] # وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) # (وأصحاب الشمال) هذا ذكر الصنف الثالث، أي أصحاب الشمال الذين كانوا على ~~شمال آدم يوم الميثاق وهم الكافرون (ما أصحاب الشمال) [41] أي لا يدرون ما ~~لهم من الشر «7» وشدة الحال يوم القيامة. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 42 الى 44] # في سموم وحميم (42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) # ثم بين حالهم بقوله (في سموم) أي هم في ريح حارة من النار تنفذ «8» في ~~المسام «9» (وحميم) [42] أي في ماء شديد الحر (وظل من يحموم) [43] أي في ~~«10» دخان شديد السواد (لا بارد) كغيره من الظلال (ولا كريم) [44] أي لا ~~حسن مقيله. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 45 الى 48] # إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) ~~وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا ~~الأولون (48) # ثم علل استحقاقهم بتلك العقوبة بقوله (إنهم كانوا قبل ذلك) أي في الدنيا ~~(مترفين) [45] أي متكبرين في PageV04P180 # ترك أمر الله تعالى مفتخرين بدنياهم (وكانوا يصرون) أي يقيمون (على الحنث ~~العظيم) [46] أي على الكذب القوى بجعل الشريك لله تعالى وإنكار البعث، وسمي ~~الكذب حنثا لأنهم كانوا يحلفون بالله مع شركهم لا يبعث الله من يموت ms1693 ~~(وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون) [57] بعد ما ~~صرنا ترابا وعظاما (أوآباؤنا الأولون) [58] ب «أ و» العاطفة وبواو العطف مع ~~همزة الاستفهام للإنكار «1»، وحسن العطف بلا تأكيد اكتفاء بالهمزة الفاصلة، ~~أي أنبعث نحن ويبعث آباؤنا الأقدمون وصاروا ترابا. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 49 الى 50] # قل إن الأولين والآخرين (49) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) # فقال تعالى (قل) يا محمد (إن الأولين والآخرين) [49] من الأمم السالفة ~~وهذه الأمة (لمجموعون) أي ليجمعون بعد البعث (إلى ميقات) أي إلى «2» وقت ~~(يوم معلوم) [50] يعني يوم القيامة. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 51 الى 55] # ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن ~~منها البطون (53) فشاربون عليه من الحميم (54) فشاربون شرب الهيم (55) # (ثم إنكم أيها الضالون) عن الحق (المكذبون) [51] بالبعث (لآكلون) شيئا ~~(من شجر) هو (من زقوم [52] فمالؤن) أي فهم مالئون (منها) أي من شجرة الزقوم ~~(البطون) [53] أي بطونهم (فشاربون عليه) أي على الزقوم، يعني على أثره ~~لعطشهم (من الحميم) [54] أي من الماء الحار (فشاربون شرب الهيم) [55] بضم ~~الشين وفتحها مصدر «3»، أي كشرب الإبل الهيم، أي العطاش جمع هيمان، أي ~~عطشان وحسن العطف هنا لاختلاف الوصفين. ### || [سورة الواقعة (56): آية 56] # هذا نزلهم يوم الدين (56) # (هذا نزلهم) أي المذكور من الزقوم والحميم رزقهم المعد لهم (يوم الدين) ~~[56] أي يوم الجزاء. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 57 الى 58] # نحن خلقناكم فلو لا تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) # (نحن خلقناكم) أي أوجدناكم عن عدم أيها الكفار (فلو لا تصدقون) [57] ~~بالبعث، فانكم إذا نظرتم النظر الصحيح علمتم أن القادر على ابتداء الخلق ~~قادر على الإعادة (أفرأيتم ما تمنون) [58] أي تريقون من المني، أي النطفة ~~في أرحام النساء. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 59 الى 61] # أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (61) # (أأنتم تخلقونه) أي المني بشرا في أرحامهن (أم نحن الخالقون) [59] أي بل ~~نحن نخلقه لا أنتم لعجزكم عنه (نحن قدرنا) بالتخفيف والتشديد «4»، أي قضينا ~~(بينكم الموت) كما نشاء، أي ms1694 في حال الصغر والكبر لا اعتراض علينا (وما نحن ~~بمسبوقين) [60] أي بعاجزين (على أن نبدل أمثالكم) أطوع منكم بعد إماتتكم ~~مكانكم (وننشئكم) أي ونخلقكم (في ما لا تعلمون) [61] أي في صور غير صور ~~الإنسان كقردة وخنازير كمن مسخ قبلكم، إذ لم يؤمنوا برسلنا. PageV04P181 ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 62 الى 64] # ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون (62) أفرأيتم ما تحرثون (63) ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) # (ولقد علمتم النشأة) أي الخلقة (الأولى) في بطون أمهاتكم (فلو لا تذكرون) ~~[62] أي هلا تتعظون فتؤمنون بالبعث (أفرأيتم ما تحرثون) [63] أي أخبروني ~~عما تثيرون الأرض وتلقون البذر فيها (أأنتم تزرعونه) أي تنبتونه «1» (أم ~~نحن الزارعون) [64] أي المنبتون، يعني بل نحن منبتون. ### || [سورة الواقعة (56): آية 65] # لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) # (لو نشاء لجعلناه) أي الزرع (حطاما) أي هالكا بعد ما بلغ لا يصلح للغذاء ~~(فظلتم) أي فصرتم (تفكهون) [65] أي تعجبون من يبسه بعد خضرته وتندمون على ~~زرعكم إياه. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 66 الى 67] # إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) # (إنا لمغرمون) [66] بهمزتين محققتين، إحديهما استفهام إنكار للعذاب ~~الواقع بهم، وبهمزة واحدة «2» إخبار باضمار القول، أي قائلين «3» إنا ~~لمغرمون، أي لملزمون غرامة ما أنفقنا، أي ضمان ما زرعنا من البذر الذي ~~أخذنا من الغير أو المغرم من ذهب ماله بلا عوض أو مهلكون لهلاك زرعنا من ~~الغرام وهو الهلاك (بل نحن محرومون) [67] أي قوم ممنوعون من البخت والحظ في الزرع. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 68 الى 69] # أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) # (أفرأيتم الماء الذي تشربون) [68] من العذاب (أأنتم أنزلتموه من المزن) ~~أي من السحاب (أم نحن المنزلون) [69] عليكم. ### || [سورة الواقعة (56): آية 70] # لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون (70) # (لو نشاء جعلناه أجاجا) أي مرا مالحا يحرق الفم بحيث لا تقدرون «4» على ~~شربه، وحذفت اللام من «جعلناه» اختصارا لدلالة الأولى عليها (فلو لا ~~تشكرون) [70] أي هلا توحدون رب هذه النعم وهلا تطيعون أمره. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 71 الى 72] # أفرأيتم النار التي تورون (71) أأنتم أنشأتم شجرتها ms1695 أم نحن المنشؤن (72) # (أفرأيتم النار التي تورون) [71] أي تخرجونها بالقدح من الزند والخشب ~~(أأنتم أنشأتم شجرتها) وهي «5» المرخ (أم نحن المنشؤن) [72] أي بل نحن ~~الخالقون لمنفعة الخلق. ### || [سورة الواقعة (56): آية 73] # نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (73) # (نحن جعلناها) أي النار (تذكرة) أي للعظة والعبرة من نار جهنم (ومتاعا) ~~أي بلغة ومنفعة (للمقوين) [73] أي للذين خلت بطونهم من الطعام، يعني ~~للمنتفعين «6» بها من الناس عند الاحتياج، من أقويت بمعنى جعت «7» أو ~~للمسافرين لنزولهم القواء وهي الأرض الخالية من العمران، من أقوى إذا نزل ~~بالقواء وهي القفر. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 74 الى 75] # فسبح باسم ربك العظيم (74) فلا أقسم بمواقع النجوم (75) # (فسبح باسم ربك العظيم) [74] أي نزه ربك العظيم عما يقول الكفار في شأنه ~~تعالى، فانهم لا يؤمنون به PageV04P182 # تعالى (فلا أقسم) أي فأقسم، ف «لا» زائدة لتأكيد القسم أو للنفي تعظيما ~~للمقسم به (بمواقع النجوم) [75] أي بمساقطها «1» لغروبها أو منازلها أو ~~بنجوم القرآن، وهو نزوله منجما، آية بعد آية أو سورة بعد سورة، وقرئ «بموقع ~~«2» النجوم»، والمراد منه الجمع كما ذكر «3». ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 76 الى 77] # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن كريم (77) # (وإنه) أي القسم بالقرآن (لقسم لو تعلمون عظيم) [76] أي لقسم عظيم لو ~~تعلمون ذلك، فقوله «4» «لو تعلمون» اعتراض بين الموصوف والصفة في اعتراض ~~بين القسم وجوابه، لأن جواب القسم (إنه لقرآن كريم) [77] أي شريف على الله ~~تعالى لكثرة ما فيه من التقديس والتنزيه والمواعظ والأحكام. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 78 الى 80] # في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العالمين (80) # قوله (في كتاب) صفة «قرآن»، أي في لوح (مكنون) [78] أي مستور من خلق الله ~~(لا يمسه إلا المطهرون) [79] صفة «كتاب»، أي لا يطلع على المكتوب في اللوح ~~إلا الملائكة المطهرون من الذنب، وهم المقربون عند الله تعالى، وإن جعل صفة ~~ل «قرآن» «5» فالمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن المكتوب في المصاحف «6» إلا ~~المطهرون من الأحداث خبر في معنى النهي (تنزيل من رب العالمين) [80] أي هو ~~منزل من الله ms1696 الذي خلق الخلق ورباهم، فوجب الإيمان به. ### || [سورة الواقعة (56): آية 81] # أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) # قوله (أفبهذا الحديث) أي بالقرآن (أنتم مدهنون) [81] أي مكذبون أو ~~متهاونون غير متصلبين في تلاوته والعمل به بالإخلاص، وأصل الدهن تليين جانب ~~الدين والملين يري أنه على دينه وليس عليه وهو المنافق. ### || [سورة الواقعة (56): آية 82] # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) # (وتجعلون رزقكم) أي شكر رزقكم، يعني المطر (أنكم تكذبون) [82] أي تجعلون ~~شكر رزقكم «7» التكذيب، نزل حين قال الكفار مطرنا بنوء كذا «8»، فنسبوا ~~المطر إلى غير رازقهم وهو النوء. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 83 الى 84] # فلو لا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) # (فلو لا) أي هلا ترجعونها، أي النفس وهي الروح، وهذا حث على رجعها إظهار ~~لعجزهم، يعني هلا ترجعون الروح إلى الجسد (إذا بلغت) «9» الروح وقت النزع ~~(الحلقوم) [83] أي الحلق (وأنتم حينئذ تنظرون) [84] إليه ولا تنفعونه «10» ~~يا حاضري الميت. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 85 الى 86] # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلو لا إن كنتم غير مدينين (86) # (ونحن أقرب إليه) أي إلى الميت (منكم) علما وقدرة أو بملائكة الموت التي ~~تقبض «11» روحه (ولكن لا تبصرون) [85] من حضر الموت أو لا تعلمون «12» ~~بقربنا إليه إن كنتم غير مدينين، «فلو لا» الثانية زيدت لتأكيد الحث في ~~قوله (فلو لا إن كنتم غير مدينين) [86] أي غير مبعوثين يوم القيامة. PageV04P183 ### || [سورة الواقعة (56): آية 87] # ترجعونها إن كنتم صادقين (87) # فقوله (ترجعونها) جواب «لو لا» الأولى، يعني هلا تردون الروح إلى الجسد ~~عند بلوغه الحلقوم بشرط كونكم غير مبعوثين في زعمكم (إن كنتم صادقين) [87] ~~فيما تدعون أن ليس - - - ثم قابض للروح «1» وباعث بعد الموت. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 88 الى 89] # فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) # قوله (فأما إن كان) بيان أحوال الأصناف الثلاثة التي ذكرت في أول السورة، ~~أي إن كان الميت (من المقربين) [88] أي السابقين إلى رحمته تعالى (فروح) أي ~~فله استراحة من كل تعب، وروي بضم الراء «2»، أي حيوة طيبة دائمة (وريحان) ~~أي رزق دائم أو هو ما يشم ms1697 بعينه، وقيل: الروح النجاة من النار والريحان ~~دخول دار القرار «3» (وجنة نعيم) [89] لا انقطاع لها. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 90 الى 92] # وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين (92) # (وأما إن كان) المتوفى (من أصحاب اليمين [90] فسلام) أي فيقال له عند ~~الموت، وفي القبر وعلى الصراط وعند الميزان سلام (لك) يا صاحب اليمين (من) ~~إخوانك (أصحاب اليمين) [91] يعني إخوانك يسلمون عليك فيكون السلام بشارة له ~~أنه من أهل الجنة (وأما إن كان من المكذبين) بالبعث (الضالين) [92] عن الهدى. ### || [سورة الواقعة (56): الآيات 93 الى 95] # فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) # (فنزل) أي فله نزل، يعني ما يعد للنازل بالمكان (من) شراب (حميم [93] ~~وتصلية جحيم) [94] أي دخولها وهي ما عظم من النار (إن هذا) أي الذي ذكر من ~~خبر القرآن (لهو حق اليقين) [95] أي لحقيقة «4» اليقين الذي هو علم بلا شك ~~لا خلف فيه. ### || [سورة الواقعة (56): آية 96] # فسبح باسم ربك العظيم (96) # (فسبح) أي فيا محمد أنت سبح (باسم ربك العظيم) [96] بقولك سبحان الله ~~العظيم أو نزهه عما يقول المشركون من الشرك والسوء، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة» «5»، ~~وعنه عليه السلام: «من قرأ سورة الواعقة ليلا ونهارا لم تصبه فاقة أبدا» ~~«6»، يعني فقرا. PageV04P184 ### | سورة الحديد # مكية أو مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحديد (57): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) # (سبح لله) عدي باللام كما عدي بنفسه، أي أوجد التسبيح لأجل عظمة الله ~~وجلاله كل (ما في السماوات والأرض) من الملائكة والنيرات والإنس والجن ~~وغيرهما، وجاء ب «ما» تغليبا للكثرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الكلام أربع: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا ~~يضرك بأيهن بدأت» «1» (وهو العزيز) الذي لا يعجز عما أراد (الحكيم) [1] في ~~أمره وفعله. ### || [سورة الحديد (57): آية 2] # له ملك السماوات ms1698 والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) # (له ملك السماوات والأرض) يتصرف فيهما «2» كيف يشاء (يحيي ويميت وهو على ~~كل شيء قدير) [2] فيقدر على البعث والحساب بعد الموت. ### || [سورة الحديد (57): آية 3] # هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم (3) # (هو الأول) أي قبل كل شيء (والآخر) أي بعد كل شيء (والظاهر) أي الغالب ~~على كل شيء (والباطن) أي العالم باطن كل شيء، يقال بطن الشيء إذا علم ~~باطنه، المعنى: ان الله هو المستمر الوجود والجامع للظهور والخفاء علما ~~وقدرة، فالصفات الأربع في الحقيقة صفتان، عطف إحديهما على الأخرى بالواو ~~الوسطى (وهو بكل شيء عليم) [3] من أمور الدنيا والآخرة. ### || [سورة الحديد (57): آية 4] # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير (4) # (هو الذي خلق السماوات والأرض) وما بينهما من السحاب والرياح وغيرهما (في ~~ستة أيام) لا في ساعة واحدة ليدل على التأني (ثم استوى على العرش) أي ~~استولى عليه لا بوصف الاستقرار (يعلم ما يلج) أي ما يدخل (في الأرض) من ~~الأموات والكنوز والماء (وما يخرج منها) من النبات والأقوات والكنوز ~~والأموات يوم البعث (وما ينزل من السماء) من المطر والثلج والبرد وغير ذلك ~~(وما يعرج) أي ما يصعد (فيها) من الملائكة والأرواح وأعمال العباد (وهو) أي ~~الله (معكم) علما بكم وبأعمالكم لا يخفى عليه شيء منكم (أين ما كنتم) في ~~الأرض (والله بما تعملون بصير) [4] فيجازيكم به ثوابا وعقابا. ### || [سورة الحديد (57): الآيات 5 الى 6] # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) # (له ملك السماوات والأرض) أي خزائنهما (وإلى الله ترجع الأمور) [5] أي ~~عواقبها (يولج الليل) أي يدخله PageV04P185 # (في) مكان (النهار) بمعنى يأتي بالليل إذا «1» ذهب النهار (ويولج النهار) ~~أي يدخله (في) مكان (الليل) يعني إذا جاء النهار ذهب ms1699 الليل، وقيل: المراد ~~منه الزيادة والنقصان «2»، أي يدخل زيادة الليل في النهار وبالعكس وبذلك ~~يظهر الصيف والشتاء (وهو عليم بذات الصدور) [6] أي بما في القلوب من ~~الإيمان والكفر. ### || [سورة الحديد (57): آية 7] # آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير (7) # ثم أمر الناس بالإيمان والإنفاق في سبيل الله بقوله (آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا) أي تصدقوا في سبيل الله (مما جعلكم) الله (مستخلفين فيه) أي ~~مالكين له من الأموال بفضله وأنتم وكلاؤه في الإنفاق في حقوقه أو جعلكم ~~وارثين لها من متقدميكم وستنقل منكم إلى من بعدكم، فاعترفوا بحالهم وأنفقوا ~~ولا تبخلوا بالإنفاق لئلا يكون وبالا عليكم (فالذين آمنوا منكم) بالله ~~ورسوله (وأنفقوا) أموالهم في الطاعات (لهم أجر كبير) [7] أي عظيم في الجنة، ~~وفي الآية حث على التصدق والإنفاق في سبيل الخيرات. ### || [سورة الحديد (57): آية 8] # وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) # (وما لكم) أي أي علة لكم بها (لا تؤمنون بالله) أي لا تصدقون بوحدانية ~~الله، ومحله حال من معنى الفعل فيما لكم، يعني ما لكم كافرين به تعالى ~~(والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم) أي لتصدقوا به (وقد أخذ) الله، وقرئ مجهولا ~~وبرفع «3» (ميثاقكم) أي عهدكم وإقراركم حين أخرجكم من صلب آدم في صورة الذر ~~«4» بالإيمان، وركب فيكم العقل فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، فآمنوا (إن ~~كنتم مؤمنين) [8] أي مصدقين بمقتضى العقل والدليل. ### || [سورة الحديد (57): آية 9] # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله ~~بكم لرؤف رحيم (9) # (هو الذي ينزل على عبده) محمد عليه السلام (آيات بينات) أي واضحات من ~~الأمر والنهي (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي من ظلمات الكفر إلى نور ~~الإيمان أو من ظلمات الجهل إلى نور العلم (وإن الله بكم لرؤف رحيم) [9] حيث ~~هداكم إلى دينه بنور القرآن ولم يبقكم في ظلمات الشرك. ### || [سورة الحديد (57): آية 10] # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث ms1700 السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) # (وما لكم) أي أي غرض لكم في (ألا تنفقوا) أموالكم (في سبيل الله) أي في ~~طاعته (ولله ميراث السماوات والأرض) بموتكم وترككم الأموال بعدكم له تعالى ~~لا وارث سواه، فيصل إليه أموالكم ويبقى وزرها عليكم، فانفقوا حتى ينفعكم ~~الإنفاق في الآخرة (لا يستوي منكم) في الفضل والثواب عند الله (من أنفق من ~~قبل الفتح) أي فتح مكة (وقاتل) العدو قبله، وهم الأنصار والمهاجرون ومن ~~أنفق بعد الفتح «5» وقاتل من غيرهم حذف للعلم به، نزلت الآية حين وقعت ~~بينهم منازعة في ذلك «6»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» «7»، أي ربعه (أولئك) أي من أنفق قبل ~~الفتح وقاتل (أعظم درجة) عند الله (من الذين أنفقوا من بعد) أي بعد الفتح ~~(وقاتلوا وكلا) بالرفع مبتدأ، خبره (وعد) أي وكلهم وعده (الله الحسنى) أي PageV04P186 # الجنة وبالنصب «1» مفعول «وعد» (والله بما تعملون خبير) [10] أي عليم بما ~~أنفقتم قبله أو بعده قليلا أو كثيرا، رياء أو إخلاصا. ### || [سورة الحديد (57): آية 11] # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) # (من ذا الذي يقرض الله) أي يعطي فقراء الله وفي سبيله من ماله (قرضا ~~حسنا) أي أعطاء مرضيا بالإخلاص وطلب ثواب الله (فيضاعفه) وقرئ «فيضفعه» من ~~التضعيف، كلاهما بالرفع والنصب «2» (له) أي للمقرض يعطيه مثل أجره ويزيده ~~أضعافا كثيرة في الحسنات (وله أجر كريم) [11] أي حسن في الآخرة، قيل: نصب ~~«فيضاعفه» جواب الاستفهام ورفعه بتقدير فهو يضاعفه «3». ### || [سورة الحديد (57): آية 12] # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم ~~اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) # قوله (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) نصب على الظرف لقوله «وله أجر كريم»، ~~أي يوم تبصرهم على الصراط (يسعى نورهم) أي نور أعمالهم، محله ms1701 نصب على ~~الحال، لأن «ترى» من رؤية العين، أي ساعيا نورهم (بين أيديهم) أي أمامهم ~~(وبأيمانهم) وشمائلهم، أي من جميع جوانبهم فهو من قبيل الاكتفاء بالبعض، ~~قوله (بشراكم اليوم) مبتدأ (جنات) خبره، أي يقول لهم الملائكة: بشارتكم ~~اليوم دخول جنات (تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك) أي دخولهم فيها ~~(هو الفوز العظيم) [12] أي النجاة الوافرة من عذاب النار. ### || [سورة الحديد (57): آية 13] # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب (13) # قوله (يوم يقول) بدل من «يوم» قبل، أي يوم يقول (المنافقون والمنافقات ~~للذين آمنوا انظرونا) بقطع الهمزة، أي أمهلونا، وبالوصل «4»، أي انظروا ~~إلينا (نقتبس) أي نأخذ قبسا (من نوركم) لنمضي معكم، وذلك إذا غشيتم ظلمة ~~على الصراط عند سرعة الملائكة بالمؤمنين على البراق إلى الجنة كالبرق ~~الخاطف وهولاء مشاة (قيل) استهزاء بهم (ارجعوا وراءكم) أي إلى الدنيا ~~(فالتمسوا) أي اطلبوا (نورا) آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أن ~~لا نور وراءهم، وإنما هو إقناط لهم من النور فرجعوا (فضرب بينهم) أي بين ~~المؤمنين والمنافقين (بسور) أي بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار وهم ~~يرونه (له باب باطنه) أي داخله أو داخل السور من قبل المؤمنين (فيه الرحمة) ~~أي الجنة (وظاهره) أي خارج السور (من قبله) أي من قبل الخارج وهو جهة ~~الكفار (العذاب) [13] أي النار. ### || [سورة الحديد (57): آية 14] # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ~~وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) # قوله (ينادونهم) حال من الضمير في «بينهم»، أي ينادونهم من خارج السور ~~على الصراط في الظلمة (ألم نكن معكم) في الدنيا على دينكم ظاهرا في الصلوات ~~الخمس والجماعات «5» في المساجد (قالوا بلى) قد كنتم معنا في الظاهر ~~(ولكنكم فتنتم) أي محنتم (أنفسكم) بالكفر في السر وهو النفاق وأهلكتموها به ~~(وتربصتم) PageV04P187 # أي انتظرتم موت نبيكم أو أخرتم التوبة بالتسويف (وارتبتم) ms1702 أي شككتم في ~~دين الإسلام والبعث (وغرتكم الأماني) أي الأحاديث الكاذبة بطول الأمل (حتى ~~جاء أمر الله) أي الموت ودخول النار يوم القيامة (وغركم بالله) أي خدعكم به ~~(الغرور) [14] أي الشيطان. ### || [سورة الحديد (57): آية 15] # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ~~وبئس المصير (15) # (فاليوم) أي في هذا اليوم (لا يؤخذ) بالياء والتاء «1» (منكم فدية) أي ~~الفداء (ولا من الذين كفروا) أي جحدوا بتوحيد الله (مأواكم) أي مصيركم أيها ~~المنافقون والكافرون (النار هو مولاكم) أي أولى بكم يتصرف فيكم تصرف المولى ~~على عبيده بما كسبتم من الذنوب (وبئس المصير) [15] أي المرجع هو. ### || [سورة الحديد (57): آية 16] # ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون (16) # ونزل عتابا للمؤمنين الذين استبطأ الله قلوبهم من الخشوع للذكر وللقرآن ~~عند قراءتهم إياه «2» (ألم يأن للذين آمنوا) أي ألم يجئ لهم حين (أن تخشع ~~قلوبهم) أي تخاف وتلين (لذكر الله) أي إذا ذكر فترق فتنيب إليه بالعمل ~~الصالح فاللام للتوقيت (وما نزل) بالتشديد والتخفيف «3»، أي وأن تخشع لما ~~نزل (من الحق) وهو القرآن بذكر الحلال والحرام، قيل: إن المؤمنين الذين ~~كانوا بمكة يقرؤون القرآن كثيرا ويعملون به وهم في حال الجدب والقحط، فلما ~~هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت الآية «4»، قوله ~~(ولا يكونوا) بالياء «5» عطف على قوله «أن تخشع»، أي ألم يأن لهم أن لا ~~تكونوا (كالذين) أي مشبهين بالذين (أوتوا الكتاب من قبل) أي قبل القرآن وهم ~~اليهود والنصارى في القسوة، قوله (فطال) بيان لحالهم، أي طال (عليهم الأمد) ~~أي الأمل أو الوقت (فقست) أي جفت (قلوبهم) بميل الدنيا والإعراض عن مواعظة ~~تعالى واتباع الشهوات، فلم يؤمنوا بالقرآن ولم يعملوا به إلا قليل منهم ~~(وكثير منهم فاسقون) [16] أي خارجون عن طاعة الله، وقيل: هذه الآية في حق ~~المؤمنين باللسان دون القلب «6»، روي عن أبي الدرداء رضي الله ms1703 عنه قال ~~استعيذوا بالله من خشوع النفاق، قيل: ما خشوع النفاق؟ قال أن ترى الجسد ~~خاشعا والقلب ليس بخاشع» «7»، وقال ابن عباس رضي الله عنه: «استبطأ الله ~~قلوب المؤمنين من الذكر والخشوع فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن» ~~«8»، يعني بهذه الآية. ### || [سورة الحديد (57): آية 17] # اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون (17) # (اعلموا) أي أنيبوا إلى الله واعلموا (أن الله يحي الأرض) أي يصلحها ~~بالمطر (بعد موتها) أي بعد يبسها حتى ينبت فكذلك يحيي القلوب ويلينها ~~بالذكر والقرآن حتى تتنور بأنوار الله تعالى بعد قسوتها وظلمتها (قد بينا ~~لكم الآيات) في القرآن (لعلكم تعقلون) [17] أي لكي تعقلوا ربكم وتوحيده ~~وقدرته على البعث بعد الموت. ### || [سورة الحديد (57): آية 18] # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) # (إن المصدقين والمصدقات) بالتخفيف، أي المؤمنين والمؤمنات، وبالتشديد ~~«9»، أي الذين تصدقوا بأموالهم PageV04P188 # من الرجال والنساء (وأقرضوا) عطف على اسم الفاعل، لأنه بمعنى الفعل، ~~واللام فيه بمعنى الذين، أي أعطوا (الله قرضا حسنا) يعني تصدقوا بطيبة نفس ~~وصحة نية على المستحقين، قوله (يضاعف لهم) خبر «إن»، أي يزاد لهم القرض ~~«1»، أي ثوابه لكل واحدة عشرة إلى سبعمائة وإلى ما لا يحصى (ولهم أجر كريم) ~~[18] أي ثواب حسن وهو الجنة. ### || [سورة الحديد (57): آية 19] # والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ~~ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (19) # (والذين آمنوا) أي المؤمنون (بالله ورسله) أي بجميعهم (أولئك هم ~~الصديقون) أي المبالغون في الصدق، يعني هم بمنزلة الصديقين عند الله ~~بتضعيفه أجورهم حتى يساوي أجور «2» الصديقين وهم أفاضل صحابة النبي عليه ~~السلام أي «3» الذين تقدموا في تصديقهم كأبي بكر رضي الله، وصدقوا في ~~أقوالهم وأفعالهم، وهو ترغيب للمؤمنين في الطاعة ليصلوا «4» إلى أقرب عباد ~~الله إليه، قوله (والشهداء) عطف على قوله «الصديقون»، أي هم (عند ربهم) ~~بمنزلة الشهداء أيضا، والجملة بعده لبيان أنهم بمنزلتهم، ويجوز أن يكون ~~مبتدأ، خبره (لهم أجرهم) أي ms1704 الذين استشهدوا في سبيل الله أو الذين يشهدون ~~للرسل بتبليغ الرسالة عند ربهم لهم أجرهم، أي ثوابهم (ونورهم) الذي في ~~أيمانهم وشمائلهم على الصراط (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي الكافرون ~~بالله والجاحدون بالقرآن (أولئك أصحاب الجحيم) [19] أي ملازموها. ### || [سورة الحديد (57): آية 20] # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) # (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب) أي عمل باطل (ولهو) أي فرح يلهي عن الله ~~(وزينة) فاسدة فانية (وتفاخر بينكم) في الحسب والنسب (وتكاثر في الأموال ~~والأولاد) فازهدوا فيها، يعني لا تميلوا إليها، فان مثلها (كمثل غيث) أي ~~مطر نزل من السماء فنبت به الزرع والنبات (أعجب الكفار) أي الجحاد بأنعم ~~الله أو الزراع (نباته) أي ما نبت بالمطر، فالضمير لل «غيث» (ثم يهيج) أي ~~ييبس ويتغير (فتراه مصفرا) أي بعد حضرته (ثم يكون حطاما) أي فتاتا هالكا، ~~فشبه حال الدنيا بذلك النبات في سرعة زوالها مع قلة نفعها لأصحابها (وفي ~~الآخرة عذاب شديد) لمن افتخر بالدنيا وزينتها «5» واختارها كالكفار (ومغفرة ~~من الله ورضوان) لمن ترك الدنيا وزينتها، واختار الآخرة عليها كالمؤمنين ~~العارفين بأحوالهما (وما الحياة الدنيا) وهي ما شغل العبد عن الآخرة (إلا ~~متاع الغرور) [20] أي كمتاع الذي يغتر به بنو آدم وهو ما يتخذ من الزجاج ~~والخزف، فانه يسرع إلى الفناء ولا يبقي. ### || [سورة الحديد (57): آية 21] # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ~~آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (21) # ثم حرض الناس إلى التوبة قبل الموت بقوله (سابقوا) أي أسرعوا (إلى مغفرة ~~من ربكم) أي إلى أسبابها وهي التوبة والطاعة (و) إلى (جنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض) أي كعرض سبع سموات وسبع أرضين أو ألصق بعضها ببعض «6» ولم ~~يذكر طولهما، لأن عرض كل شيء أقل من طوله ms1705 أو العرض السعة (أعدت) أي هيئت ~~(للذين آمنوا) أي للمؤمنين (بالله ورسله ذلك) أي الثواب الذي ذكر (فضل الله ~~يؤتيه من يشاء) من عباده وهو من أخلص في دينه (والله ذو الفضل العظيم) [21] ~~أي ذو المن الجزيل لمن أطاعه. PageV04P189 ### || [سورة الحديد (57): آية 22] # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~إن ذلك على الله يسير (22) # ثم أرشدهم إلى الإيمان بالقدر بقوله (ما أصاب من مصيبة في الأرض) كقحط ~~المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر (ولا في أنفسكم) كمرض ووجع وفقد ~~ولد وخوف عدو وجوع (إلا في كتاب) حال، أي إلا مكتوبة في اللوح (من قبل أن ~~نبرأها) أي أن نخلق النفس أو السماء والأرض، قال النبي عليه السلام: ~~«الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن» «1» (إن ذلك) التقدير في اللوح (على ~~الله يسير) [22] أي هين غير عاجز عنه. ### || [سورة الحديد (57): آية 23] # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال ~~فخور (23) # قوله (لكيلا تأسوا) تعليل لكونها مكتوبة عليكم قبل خلقكم، أي لئلا تحزنوا ~~(على ما فاتكم) تسخطا لقضائه تعالى، بل تسليما له وصبرا عليه (ولا تفرحوا) ~~فرح تكبر، بل فرح شكر واعترف (بما آتاكم) بالمد، أي بما أعطاكم من حطام ~~الدنيا، وبالقصر «2»، يعني بما جاءكم منه، فانه إلى نفاد وفناء، قيل: ~~المؤمن من جعل الفرح شكرا والمعصية صبرا «3» (والله لا يحب كل مختال) أي ~~متكبر بطر (فخور) [23] بزينة الدنيا. ### || [سورة الحديد (57): آية 24] # الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) # (الذين) أي هم الذين، ويجوز أن يكون بدلا من «مختال فخور» (يبخلون) أي ~~يمسكون أموالهم عن المسمتحقين (ويأمرون الناس بالبخل) وقرئ بالفتحتين «4»، ~~وهو أشد البخل (ومن يتول) أي من يعرض عما يجب عليه ولم يخرجه من ماله (فإن ~~الله هو الغني) بذاته عن إيمانهم ونفقتهم (الحميد) [24] في أفعاله، قرئ ~~باثبات «هو» وحذفه «5». ### || [سورة الحديد (57): آية 25] # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ms1706 الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) # (لقد أرسلنا رسلنا) أي الملائكة إلى الأنبياء (بالبينات) أي بالحجج ~~الواضحات (وأنزلنا معهم الكتاب) أي الوحي لتعليم الأمم دينهم (والميزان) أي ~~العدل أو الميزان بعينه وهو الذي أنزل على عهد نوح عليه السلام (ليقوم ~~الناس) أي ليتعاملوا بينهم (بالقسط) أي بالعدل «6» (وأنزلنا) أي أخرجنا من ~~المعادن (الحديد فيه بأس شديد) أي قوة شديدة في الحرب، وقيل: إن آدم عليه ~~السلام نزل من الجنة مع الإبرة والمطرقة والسندان والكلبتين من الحديد «7» ~~(ومنافع للناس) فيما يحتاجون إليه في معائشهم كالسكين والفأس وغيرهما ~~(وليعلم) أي وليظهر (الله) في الوجود (من ينصره) ينصر (ورسله) باستعمال ~~آلات الحرب كالسيف والرمح والسهم في مجاهدة أعداء الدين (بالغيب) أي في حال ~~غيبتهم عنه تعالى أو حال عن الله، أي غائبا عنهم (إن الله قوي) على أعدائه ~~لا يحتاج إلى النصرة (عزيز) [25] أي منتقم منهم بنفسه. ### || [سورة الحديد (57): آية 26] # ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون (26) # (ولقد أرسلنا) أي بعثنا (نوحا وإبراهيم) إلى قومهما (وجعلنا في ذريتهما ~~النبوة والكتاب) للموعظة والهداية لمن آمن به منهم وكان فيهم يوسف وموسى ~~وهرون وداود وسليمان وصالح (فمنهم) أي من ذريتهما PageV04P190 # (مهتد) أي موحد عامل بالكتاب (وكثير منهم فاسقون) [26] أي تاركون العمل ~~بالكتاب. ### || [سورة الحديد (57): آية 27] # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون (27) # (ثم قفينا) أي أتبعنا (على آثارهم برسلنا) واحدا بعد واحد (وقفينا بعيسى ~~ابن مريم) على أثرهم (وآتيناه) أي أعطيناه (الإنجيل وجعلنا في قلوب) ~~المؤمنين (الذين اتبعوه) في دينه (رأفة) أي شفقة (ورحمة) أي مودة بينهم، ~~يعني يواد ويحب بعضهم بعضا بالإيمان به لم يكونوا يهودا ولا نصارى، قوله ~~(ورهبانية) عطف على ms1707 «رحمة»، أي وجعلنا في قلوبهم زهادة منسوبة إلى الرهبان ~~وهو الخائف ويروى بضم الراء «1»، و(ابتدعوها) صفة ل «رهبانية»، ويجوز أن ~~يكون منصوبا بفعل يفسره «ابتدعوها»، أي اخترعوا تلك الرهبانية من تلقاء ~~أنفسهم (ما كتبناها) أي لم نفرضها (عليهم إلا ابتغاء رضوان الله) أي لكنهم ~~ابتدعوها لطلب رضاء الله فهو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا، أي إلا ~~ليبتغوا بها رضوان الله (فما رعوها) أي لم يحفظها المقتدون بهم بعدهم كما ~~أوجبوا على أنفسهم (حق رعايتها) أي بكمالها بل قصروا فيها ورجعوا عنها ~~ودخلوا في دين ملوكهم ولم يبق على دين عيسى إلا القليل، قيل: إن ملوكهم بعد ~~عيسى بدلوا الإنجيل والتورية وهموا بقتل علمائهم لئلا ينكروا عليهم أفعالهم ~~فهربوا واعتزلوا في الغيران ودخلوا الصوامع وطال عليهم الأمد فرجع بعضهم عن ~~دين عيسى عليه السلام فمنهم من تهود ومنهم من تنصر ومنهم من آمن بمحمد عليه ~~السلام «2» (فآتينا الذين آمنوا منهم) بمحمد، أي أعطيناهم (أجرهم وكثير ~~منهم) أي من العيسيين (فاسقون) [27] أي خارجون عن الإيمان به والرهبانية ~~ولم يتبعوهم فيها. ### || [سورة الحديد (57): آية 28] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ~~ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) # (يا أيها الذين آمنوا) بموسى وعيسى (اتقوا الله) أي أطيعوه (وآمنوا ~~برسوله) أي بمحمد عليه السلام (يؤتكم كفلين) أي نصيبين (من رحمته) أي من ~~فضله لإيمانهم بموسى وعيسى وبمحمد عليهم الصلوة والسلام (ويجعل لكم نورا ~~تمشون به) على الصراط المظلم (ويغفر لكم) ذنوبكم (والله غفور) للمذنبين بعد ~~التوبة (رحيم) [28] للمطيعين. ### || [سورة الحديد (57): آية 29] # لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) # قوله (لئلا يعلم) أي ليعلم بزيادة «لا» للتأكيد تعليل للغفران والرحمة ~~بالمؤمنين بمحمد عليه السلام من أهل الكتاب، يعني غفور رحيم بالمؤمنين ~~بمحمد عليه السلام ليعلم (أهل الكتاب) الذين كفروا بمحمد عليه السلام بعد ~~الإيمان بموسى وعيسى (ألا يقدرون) «أن» مخففة ms1708 من الثقيلة بمعنى أن الشأن هم ~~لا يقدرون (على شيء من فضل الله) أي لا ينالون شيئا من فضله تعالى من ~~الكفلين والنور ومغفرة الذنوب بدون الإيمان بمحمد عليه السلام ولا ينفعهم ~~إيمانهم بمن قبله من الأنبياء ولم يكسبهم فضلا قط (وأن الفضل بيد الله) أي ~~وليعلموا أن كل الفضل في تصرفه وملكه (يؤتيه من يشاء) أي من كان أهلا لذلك ~~لا اعتراض عليه (والله ذو الفضل العظيم) [29] أي العطاء الكبير كالنبوة ~~والمعرفة والإيمان والثواب في الآخرة، روي: أن أهل الكتاب افتخروا على ~~المسلمين وقالوا من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين، ومن لم يؤمن ~~بكتابكم فله أجر كأجركم فما فضلكم علينا فنزلت «3». PageV04P191 ### | سورة المجادلة # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المجادلة (58): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) # له (قد سمع الله) نزل حين جاءت خولة بنت ثعلبة إلى النبي عليه السلام ~~فقالت: إن زوجي ظاهر مني ثم ندم، فقال عليه السلام: «ما أراك إلا قد حرمت ~~عليه» «1»، لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فهتفت بصوتها داعية إلى الله ~~تعالى في إصلاح شأنها فقال تعالى «قد سمع الله»، ومعنى «قد» فيه التوقع، ~~لأن رسول الله عليه السلام والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتهما ~~«2»، أي قد علم وأجاب (قول التي تجادلك) أي كلام المرأة التي تخاصمك (في ~~زوجها وتشتكي) أي تتضرع المرأة (إلى الله) مخافة فرقتها من زوجها (والله ~~يسمع تحاوركما) أي مراجعتكما الكلام (إن الله سميع) بمقالتها (بصير) [1] ~~بأمرها وأمر زوجها. ### || [سورة المجادلة (58): آية 2] # الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) # قوله (الذين يظاهرون) مبتدأ، من ظاهر، وقرئ «تظاهرون» بالتشديد من تظاهر ~~و «تظهرون» بالتشديد وفتح الياء والهاء «3» من اظهر، ومعنى الجميع قال لها ~~أنت علي كظهر أمي، أي الذين يجعلون (منكم) الظهار (من نسائهم) وقوله ms1709 (ما هن ~~أمهاتهم) خبر المبتدأ و «ما» بمعنى ليس، و «أمهاتهم» بكسر التاء خبرها، ~~والتميمي لم يعمل ما فكسر التاء عنده بتقدير الباء، والمعنى: ما هن ~~كأمهاتهم في الحرمة بالظهار (إن) أي ما (أمهاتهم) في الحقيقة (إلا اللائي ~~ولدنهم) أي من قص الكتاب بأمومتهن كالمرضعات وزوجات النبي عليه السلام في ~~الحرمة (وإنهم) أي المظاهرين (ليقولون منكرا) في الشرع (من القول وزورا) أي ~~قولا منحرفا عن الحق (وإن الله لعفو) أي متجاوز «4» عما سلف من الظهار ~~(غفور) [2] لمن تاب عنه بجعل الكفارة رافعة للحرمة وعدم الحكم بالفرقة ~~بينهما. ### || [سورة المجادلة (58): آية 3] # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) # (والذين يظاهرون من نسائهم) أي يقولون لهن أنتن علينا كظهر أمنا أو ~~شبهوهن بعضو من أعضائهن التي PageV04P192 # يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والبطن (ثم يعودون لما قالوا) أي إلى ~~الجماع الذي حرموه على أنفسهم بشيء قالوه من لفظ الظهار تنزيلا للمقول ~~منزلة المقول فيه وهو الجماع، ف «ما» بمعنى شيء موصوف ب «قالوا» أو بمعنى ~~الذي أو اللام في «لما» بمعنى إلى بتقدير المضاف، أي يعودون إلى رفع ما ~~قالوه أو العود بمعنى الندم واللام بمعنى عن (فتحرير رقبة) مؤمنة أو كافرة ~~عند أبي حنيفة رضي الله عنه، ولا تجزى إلا المؤمنة عند الشافعي رضي الله ~~عنه كما في كفارة القتل، أي فكفارتهم عتق رقبة (من قبل أن يتماسا) أي من ~~قبل «1» أن يجامعها الزوج المظاهر، والجملة خبر «الذين» (ذلكم) أي الحكم ~~بالكفارة (توعظون به) لتنزجروا عن الظهار (والله بما تعملون خبير) [3] من ~~الوفاء وغيره، قال الشافعي لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله لو وضع المظاهر مكان الأم ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو ~~صهر كان ظهارا «2». ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 4 الى 5] # فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا ms1710 بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ~~(4) إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) # (فمن لم يجد) الرقبة (فصيام) أي فعليه صيام (شهرين متتابعين) أي لا يفصل ~~بينهما (من قبل أن يتماسا) أي المظاهر والمظاهر منها، فالآية دلت على أن ~~المظاهر لا يحل له أن يجامع المظاهر منها قبل الكفارة، وإنه لو أفطر يوما ~~من الشهرين بغير عذاب كالمرض وغيره أو نسي النية استأنف الشهرين (فمن لم ~~يستطع) الصيام (فإطعام) أي فعليه إطعام (ستين مسكينا) لكل مسكين مد من طعام ~~بلده الغالب للقوت عند الشافعي رضي الله عنه وهو رطل وثلاث رطل بالبغدادي، ~~وعند أبي حنيفة رضي الله عنه نصف صاع من بر وصاع من غيره، فلو شرع المظاهر ~~في صيام الشهرين، ثم جامع فيهما ليلا فالشافعي رضي الله عنه لا يستأنف ~~الشهرين، وأبو حنيفة يستأنفهما سواء كان عمدا أو نسيانا، قيل: لو امتنع ~~المظاهر من الكفارة جاز للمرأة أن ترافعه وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر ~~وأن يحبسه حتى يوفي «3»، قيل: إنما لم يذكر من قبل أن يتماسا عند الكفارة ~~بالإطعام للدلالة على أن التكفير به قبل الجماع وبعده سواء بخلاف الأولين، ~~فان التكفير يجب تقديمه على الجماع فيهما «4» (ذلك) أي المذكور من أمر ~~الكفارة لذنوبكم (لتؤمنوا بالله ورسوله) أي لإيمانكم بوحدانية الله ونبوة ~~رسوله وتصديقكم بأمرهما (وتلك حدود الله) أي هذه فرائض الله وأحكامه التي ~~لا يجوز تعديها (وللكافرين) بهما وبأحكامهما (عذاب أليم [4] إن الذين ~~يحادون الله ورسوله) أي الذين يشاقونهما في أحكامهما (كبتوا) أي أخذوا ~~وأهلكوا (كما كبت الذين من قبلهم) من الأمم وهما المعادون الله ورسوله، من ~~الكبت وهو الغيظ والإهلاك والإذلال (وقد أنزلنا) أي ذلوا وغلبوا والحال ~~«أنزلنا» (آيات بينات) تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به وهو القرآن فلم ~~يؤمنوا به (وللكافرين) بهذه الآيات (عذاب مهين) [5] يذهب بعزهم وكبرهم. ### || [سورة المجادلة (58): آية 6] # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه ms1711 الله ونسوه والله على كل ~~شيء شهيد (6) # قوله (يوم يبعثهم) ظرف ل «مهين» أو نصب بأذكر مضمرا لتعظيم اليوم، أي ~~اذكر يوم يبعث (الله) الخلائق (جميعا) من قبورهم من الأولين والآخرين ~~(فينبئهم بما عملوا) من خير وشر ليعلموا ثبوت الحجة عليهم (أحصاه) أي حفظ ~~(الله) عليهم عملهم (ونسوه) أي وهم نسوا عملهم لتهاونهم به (والله على كل ~~شيء شهيد) [6] أي عالم بأعمالهم جميعا. PageV04P193 ### || [سورة المجادلة (58): آية 7] # ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) # (ألم تر) أي ألم تعلم (أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض) أي ~~سرهما (ما يكون من نجوى ثلاثة) من «كان» التامة، أي ما يقع تناجي ثلاثة ~~أنفس وهو التكلم بالسر فيما بينهم بالسوء (إلا هو) أي الله (رابعهم) أي ~~عالم بما يقولون (ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى) أي ولا أقل (من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم) أي عالم بهم وبأحوالهم (أين ما كانوا) من الأرض (ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) من خير وشر، قيل: نزل ذلك حين تناجى نفر من ~~الكفار عند الكعبة وكانوا متحلقين على هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقال ~~بعضهم لبعض لا ترفعوا أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد كلامكم «1» (إن الله بكل ~~شيء عليم) [7] من السر والعلانية. ### || [سورة المجادلة (58): آية 8] # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في ~~أنفسهم لو لا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) # ولما تناجى المنافقون واليهود فيما بينهم دون المؤمنين، فإذا رأى المؤمن ~~أنهم تناجوا يظن أنهم يريدون قتله فيترك الطريق خوفا منهم، فنهاهم النبي ~~عليه السلام عن التناجي فلم ms1712 ينتهوا نزل «2» (ألم تر إلى الذين نهوا عن ~~النجوى) أي عن قول السر فيما بينهم (ثم يعودون لما نهوا عنه) أي إلى قول ~~السر (ويتناجون بالإثم) أي بالكذب (والعدوان) أي بالجور والظلم (ومعصية ~~الرسول) أي بخلاف أمر الرسول، لأنه نهاهم فلم ينتهوا (وإذا جاؤك) أي اليهود ~~(حيوك بما لم يحيك به الله) بأن قالوا السام عليك مكان السلام (ويقولون في ~~أنفسهم) أي فيما بينهم (لو لا) أي هلا (يعذبنا الله بما نقول) في محمد إن ~~كان نبيه من السب قال تعالى (حسبهم) أي كافيهم (جهنم) يعني مصيرهم إلى جهنم ~~(يصلونها) أي يدخلونها (فبئس المصير) [8] هي. ### || [سورة المجادلة (58): آية 9] # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) # ثم قال خطابا للمنافقين (يا أيها الذين آمنوا) باللسان دون القلب (إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا) فيما بينكم (بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا) ~~أي تكلموا في السر (بالبر) وهو الطاعة (والتقوى) وهي ترك المعصية، وقيل: ~~خطاب للمخلصين «3»، أي لا تكونوا كالمنافقين (واتقوا) أي اخشوا من التناجي ~~كتناجي اليهود والمنافقين (الله الذي إليه تحشرون) [9] بعد الموت فيجازيكم ~~بأعمالكم من التناجي وغيره. ### || [سورة المجادلة (58): آية 10] # إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) # (إنما النجوى) أي إن التناجى بالشر (من الشيطان) أي من تزيينه (ليحزن) ~~معلوما من حزن أو من أحزن، والضمير للتناجي، أي ليغيظ (الذين آمنوا) بذلك ~~(وليس) التناجي (بضارهم) أي لا يضر المؤمنين (شيئا إلا بإذن الله) أي ~~بقضائه، يعني بأن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة، وكانوا ~~يوهمون المؤمنين في نجويهم أن غزاتهم غلبوا وإن أقاربهم قتلوا أو لا يضر ~~الحزن الذي زينهم الشيطان بسببه وهو التناجي بالشر لا بمشيته ولا يشاؤه، ثم ~~أمر المؤمنين بأن يتوكلوا عليه بقوله (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [10] أي ~~المخلصون في دينهم. PageV04P194 ### || [سورة المجادلة (58): آية 11] # يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ms1713 يفسح الله ~~لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير (11) # (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا) أي توسعوا بجلوسكم (في ~~المجالس) وقرئ في «المجلس» «1»، أي مجلس النبي عليه السلام أو مجلس الذكر ~~حتى يجلس من جاءكم، قال عليه السلام: «لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه، ثم ~~يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا» «2»، وجواب الشرط (فافسحوا يفسح الله لكم) ~~في أرض الجنة أو في القبر، قيل: نزلت الآية في ثابت بن قيس وكان في أذنيه ~~وقر، فحضر مجلس النبي عليه السلام وقد أخذوا مجالسهم فبقي قائما، قال عليه ~~السلام: «رحم الله من وسع لأخيه» «3» (وإذا قيل انشزوا) بكسر الشين وضمها ~~«4»، أي قوموا للصلوة أو الجهاد أو من مجلس النبي عليه السلام أو لكل أمر ~~من أمور الله ورسوله (فانشزوا) أي فقوموا (يرفع الله الذين آمنوا) بطاعتهم ~~الله ورسوله (منكم والذين أوتوا العلم) أي يرفع الله العالمين منهم خاصة ~~على غيرهم من المؤمنين (درجات) أي رفع درجات في الدنيا والآخرة، قيل: هذه ~~الآية ترغب المؤمنين على العلم «5»، فان الله يرفع المؤمن العالم فوق الذي ~~لا يعلم درجات، ما بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة، الحضر ~~العدو، وتضمير الفرس تسمينه بالعلف والماء في موضع أربعين يوما، ويسمى ~~الموضع والمدة ضمارا ومنها الشفاعة كشفاعة الأنبياء في الخبر «يشفع يوم ~~القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» «6»، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنه: «خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطي المال ~~والملك معه» «7»، ومنها أن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن ~~السماء والأرض والحوت لتدعو له، ومنها قوله عليه السلام: «فضل العالم على ~~العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» «8» (والله بما تعملون ~~خبير) [11] من التفسيح في المجلس وطاعة الله ورسوله وطلب العلم الشريف وغير ذلك. ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 12 الى 13] # يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر فإن ms1714 لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) # (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) أي إذا كلمتموه سرا (فقدموا بين ~~يدي نجواكم) أي قدامه إذا أردتم مناجاته (صدقة) على مستحقها (ذلك) أي ~~التقديم (خير لكم) لطاعتكم من إمساكه (وأطهر) لذنوبكم وقلوبكم (فإن لم ~~تجدوا) ما تتصدقون به (فإن الله غفور) لمناجاتكم النبي عليه السلام بلا ~~تقديم الصدقة (رحيم) [12] بكم حيث أباح لكم السؤال من النبي عليه السلام، ~~والآية نزلت حين أكثر الناس عليه السؤال حتى أسأموه وملوه، فأمرهم الله ~~تعالى بتقديم الصدقة عند المناجاة فانتهوا عن ذلك فغدرت الفقراء على سماع ~~كلام النبي عليه السلام ومجالسته «9»، قيل: لم يناجه بعد نزولها إلا على ~~رضي الله عنه قدم دينارا تصدق به وكلم النبي عليه السلام في عشر كلمات ثم ~~أنزلت الرخصة بقوله «10» (أأشفقتم) أي خفقتم الفقراء يا أهل الغنا (أن) أي ~~بأن (تقدموا بين يدي نجواكم صدقات) وبخلتم فلو فعلتم لكان خيرا لكم (فإذ لم ~~تفعلوا) ما أمرتم به من PageV04P195 # الصدقة فيما مضى وشق عليكم (وتاب الله عليكم) أي تجاوز عنكم وعذركم ورخص ~~لكم في أن لا تفعلوه (فأقيموا الصلاة) المفروضة (وآتوا الزكاة) الواجبة ~~عليكم، أي لا تفرطوا فيهما وفي سائر الطاعات فهو كفارة ذلك، نسخت آية ~~النجوى بعد عشر ليال «1»، وقيل: بعد ساعة من نهار بالزكوة «2» (وأطيعوا ~~الله ورسوله) فيما يأمركم به وينهاكم عنه (والله خبير بما تعملون) [13] من ~~النجوى والتصدق وغيرهما من الخير والشر. ### || [سورة المجادلة (58): الآيات 14 الى 15] # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون ~~على الكذب وهم يعلمون (14) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون (15) # قوله (ألم تر إلى الذين تولوا) نزل حين تواد المنافقون اليهود واتخذوهم ~~أولياء «3»، أي ألم تنظر إلى الذين توادوا (قوما غضب الله عليهم) وهم ~~اليهود (ما هم) أي ms1715 المنافقون «4» (منكم) في الحقيقة (ولا منهم) أي ولا من ~~اليهود في العلانية، يعني «مذبذبين بين ذلك» «5» (ويحلفون) أي المنافقون ~~(على الكذب) وهو قولهم والله إنا مسلمون على سبيل الادعاء (وهم يعلمون) ~~[14] أنهم كاذبون في حلفهم والحال أفادت أن كذبهم عن تعمد فيكون حلفهم ~~كيمين الغموس، وروي أن النبي عليه السلام قال لأصحابه: «يدخل عليكم الان ~~رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان»، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له ~~النبي عليه السلام: «علام تشمتني أنت وأصحابك»، فحلف بالله ما فعل، فقال ~~عليه السلام: «فعلت»، فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزلت «6» ~~(أعد الله لهم عذابا شديدا) في الآخرة وهو أشد العذاب (إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون) [15] من الولاية بأعداء الله تعالى. ### || [سورة المجادلة (58): آية 16] # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) # (اتخذوا أيمانهم) أي أحلافهم الكاذبة (جنة) أي ترسا ليأمنوا بها عن القتل ~~والسبي والنهب (فصدوا) أي صرفوا المسلمين بحلفهم (عن سبيل الله) عن الجهاد ~~بهم أو من لقوا عن الدخول في الإسلام (فلهم عذاب مهين) [16] يهانون به ~~لكفرهم وصدهم. ### || [سورة المجادلة (58): آية 17] # لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون (17) # (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله) أي من عذابه (شيئا) قليلا من ~~الإغناء (أولئك) أي الكاذبون في حلفهم (أصحاب النار هم فيها خالدون) [17] ~~لا يخرجون عنها. ### || [سورة المجادلة (58): آية 18] # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ~~ألا إنهم هم الكاذبون (18) # (يوم يبعثهم الله جميعا) أي المنافقين واليهود (فيحلفون له) أي لله تعالى ~~كذبا في الآخرة على أنهم مسلمون (كما يحلفون لكم) في الدنيا أنهم مسلمون ~~(ويحسبون أنهم على شيء) من الهدى أو من نفع أيمانهم الكاذبة كما انتفعوا ~~هنا بها دفعا عن القتل والنهب (ألا إنهم هم الكاذبون) [18] في إسلامهم ~~وحلفهم، لأنهم كافرون في السر. ### || [سورة المجادلة (58): آية 19] # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ms1716 ~~الشيطان هم الخاسرون (19) # (استحوذ) أي استولى وغلب (عليهم الشيطان) وملكهم لطاعتهم له في كل ما ~~يريده منهم (فأنساهم ذكر PageV04P196 # الله) أي توحيده وطاعته أو أن يذكروه أصلا لا بالقلب ولا باللسان (أولئك ~~حزب الشيطان) أي جنده وأتباعه (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) [19] أي ~~الغابنون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ### || [سورة المجادلة (58): آية 20] # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) # (إن الذين يحادون الله ورسوله) أي يعادون ويخالفون أمرهما (أولئك في ~~الأذلين) [20] أي المغلوبين والأسفلين في دركات النار. ### || [سورة المجادلة (58): آية 21] # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (21) # (كتب الله) في اللوح المحفوظ (لأغلبن أنا ورسلي) بالحجة في الدنيا ~~والآخرة أو بالسيف لمن أرسل للحرب أو بالحجة لمن أرسل لغير الحرب أو بهما ~~لمن أرسل لهما (إن الله قوي) «1» لا يغلبه أحد (عزيز) [21] أي منتقم ممن ~~يعاديه. ### || [سورة المجادلة (58): آية 22] # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22) # قوله (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر) نزل في حاطب ابن أبي بلتعة ~~«2»، وقيل: نزل في قتل أبي عبيدة ابن الجراح وأبي بكر حين بارز ابنه في ~~الحرب ومصعب حيث قتل أخاه عبيد بن عمير بأحد وعمر حيث قتل خاله العاص بن ~~عشام ببدر وعلي وحمزة حيث قتلا الوليد وشيبة «3»، أي لا تجد قوما من ~~المؤمنين (يوادون من حاد الله ورسوله) أي أعداءهما، يعني من صح إيمانه لا ~~يتخذ الكافرين أولياء بل يقتلهم ويقصدهم بالسوء (ولو كانوا آباءهم) كأبي ~~عبيدة بن الجراح (أو أبناءهم) كأبي بكر (أو إخوانهم) كمصعب بن عمير (أو ~~عشيرتهم) كعمر وعلي وحمزة (أولئك) أي المذكورون (كتب) أي أثبت (في قلوبهم ~~الإيمان) يعني التصديق (وأيدهم) أي قواهم (بروح منه) أي بعونه أو بجبرائيل ms1717 ~~أو برحمته أو بالقرآن (ويدخلهم) في الآخرة (جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها) أي في الجنان (رضي الله عنهم) بايمانهم وطاعتهم (ورضوا عنه) ~~بالثواب لهم في الجنة (أولئك حزب الله) أي جنده في نصرة دينه (ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون) [22] أي الذين ناجوا في الآخرة وظفروا بالجنة وبفضل الله ~~تعالى، وروي: أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر ~~صكة سقط منها، فقال له رسول الله عليه السلام «أو فعلته» قال: نعم، قال: ~~«لا تعد»، قال: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته فنزلت «4». PageV04P197 ### | سورة الحشر # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحشر (59): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) # (سبح لله) أي نزه الله تعالى أو صلى له كل (ما في السماوات وما في الأرض) ~~أي أهلهما كالملائكة والإنس والجن (وهو العزيز) في ملكه (الحكيم) [1] في ~~أمره، قيل: نزلت هذه السورة حين عاهد بنو النضير النبي عليه السلام على أن ~~لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه الغير، فلما انهزم المؤمنون بأحد نقضوا العهد ~~وحالفوا الكفار، فأخبر جبرائيل النبي عليه السلام بذلك فسار بأصحابه عليهم ~~فقالوا اخرجوا من المدينة فقالوا الموت أولى بنا من ذلك، فأرسل إليهم ابن ~~أبي وأصحابه من المنافقين بالخفية لا تخرجوا من حصنكم، فانا معكم ننصركم إن ~~قوتلتم وإن خرجتم خرجنا معكم، فحصنوا أزقتهم وجعلوا لها أبوابا للقتال، ~~فحاصرهم النبي عليه السلام إحدى وعشرين يوما فرعبت قلوبهم وطلبوا الصلح من ~~النبي عليه السلام فأبى عليهم عليه السلام إلا الجلاء، فخرجوا من المدينة ~~إلى أريحاء وأذرعات وخرج ابن أخطب إلى خيبر وبعضهم إلى الحيرة مدينة بقرب ~~كوفة «1»، فقال تعالى ms1718 (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب) وهم بنو ~~النضير (من ديارهم لأول الحشر) واللام للتوقيت، أي عند أول حشرهم إلى ~~الشام، لأنهم سألوا النبي عليه السلام إلى أين نخرج، قال إلى أرض المحشر ~~وهو الشام، قيل: هذا أول حشرهم، وآخره يوم القيامة «2» (ما ظننتم) أيها ~~المؤمنون (أن يخرجوا) من ديارهم لقوتهم وكثرة منعتهم (وظنوا) أي بنو النضير ~~(أنهم مانعتهم) أي التي يمنعهم (حصونهم من الله) أي من عذابه وهو الجلاء من ~~ديارهم، وفي تقديم الخبر على المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا دليل على فرط ~~وثوقهم بحصانة الحصون ومنعها إياهم من الله (فأتاهم الله) أي أمره بالعذاب ~~الموعود لهم (من حيث لم يحتسبوا) أي لم يخطر ببالهم (وقذف) أي أوقع وأثبت ~~(في قلوبهم الرعب) بضم العين وسكونه «3»، أي الخوف بقتل سيدهم كعب بن ~~الأشرف قتله أخوه غرة بالليل، بعثه النبي عليه السلام ليقتله فاستخرجه من ~~بيته بقوله إني آتيتك لأستقرض منك شيئا من التمر فخرج إليه فقتله، ورجع إلى ~~النبي عليه السلام وأخبره ففرح به لأنه أضعف قلوبهم وسلب قوتهم (يخربون) ~~بالتخفيف والتشديد «4»، أي يهدمون (بيوتهم بأيديهم) كيلا يسكنها المؤمنون ~~(وأيدي المؤمنين) لأنهم PageV04P198 # كانوا يثقبون بيوتهم ليتمكنوا من الدخول عليهم وقتالهم، فكأنهم أمروهم به ~~(فاعتبروا) بمصابحهم من الله من غير قتال وتسليط المؤمنين عليهم (يا أولي ~~الأبصار) [2] أي يا أصحاب البصيرة في أمر الله تعالى. ### || [سورة الحشر (59): الآيات 3 الى 4] # ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (4) # (ولو لا أن كتب) أي حكم (الله عليهم الجلاء) أي الخروج عن «1» وطنهم إلى ~~الشام (لعذبهم في الدنيا) بالقتل والسبي كقريظة الذين هم إخوانهم (ولهم في ~~الآخرة عذاب النار [3] ذلك) أي الذي أصابهم من الجلاء في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي خالفوا أمرهما ولم يرضوا دين الإسلام ~~(ومن يشاق الله) أي يخالف أمره (فإن الله شديد العقاب) [4] إذا ms1719 عاقب أحدا. ### || [سورة الحشر (59): آية 5] # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) # ونزل حين يخرج المسلمون بقطع نخلهم ليغيظوا بهم وقت محاصرتهم قوله «2» ~~(ما قطعتم من لينة) أي نخلة واللينة جميع ضروب النخل سوى العجوزة والبرنية، ~~وهما أجود النخل استبقوهما لأنفسهم وأصلها لونة من اللون، وقيل: اللينة ~~النخلة الكريمة «3»، كأنهم اشتقوها من اللين، وقيل: «هم قطعوا منها ما كان ~~موضعا للقتال» «4»، ومحل «ما» الشرطية نصب ب «قطعتم» و«من لينة» بيان لها، ~~أي أي شيء قطعتم من اللينة (أو تركتموها قائمة على أصولها) فلم تقطعوها، ~~وأنث الضمير الراجع إلى «ما»، لأنه في معنى اللينة، وجواب الشرط قوله ~~(فبإذن الله) أي فقطعها بأمره ومشيته فلا جناح عليكم فيه (و) فعل الله ذلك ~~(ليخزي الفاسقين) [5] أي ليذل الناقضين للعهد وهم بنو النضير من اليهود. ### || [سورة الحشر (59): آية 6] # وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله ~~يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) # ونزل حين ترك بنو النضير ديارهم وضياعهم وذهبوا وطلب المسلمون قسمتها ~~كخيبر قوله «5» (وما أفاء الله) أي الذي رد الله (على رسوله منهم) أي من ~~أموال الكفار المخرجين من ديارهم (فما أوجفتم) من الإيجاف وهو السير ~~السريع، أي ما أسرعتم (عليه) أي على طلبه (من خيل ولا ركاب) أي إبل، و«من» ~~زائدة بعد النفي، أي لم تقاسوا مشقة شديدة على أخذ أموال اليهود، بل مشيتم ~~مشيا ففتحها الله في أيديكم فلم يكن ذلك غزوة بايجاف الخيل والركاب، فجعله ~~الله فيئا يختص به النبي عليه السلام فقسمها بين المهاجرين، قوله (ولكن ~~الله يسلط) عطف عل ى «ما أوجفتم»، أي ما حصلتموه بالقهر والغلبة ولكنه ~~تعالى يسلط (رسله على من يشاء) إهلاكه وأخذ ماله، ومحمد عليه السلام منهم ~~(والله على كل شيء قدير) [6] أي يقدر على التسليط وغيره. ### || [سورة الحشر (59): آية 7] # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل ms1720 كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) # ثم بين ما يصنع النبي عليه السلام بالفيء بترك حرف العطف فيه بقوله (ما ~~أفاء) أي الذي رد (الله على رسوله من أهل القرى) أي من بني النضير وفدك ~~وبني قريظة وخيبر (فلله وللرسول) أراد بهما النبي عليه السلام (ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل) أي أمره الله أن يضع الفيء حيث يضع الخمس من PageV04P199 # الغنائم مقسوما على الأقسام الخمسة، قوله (كي لا يكون) متعلق بالقسمة، أي ~~قسم الله بينهم كيلا يكون الفيء (دولة) بالنصب خبر «يكون»، وبالرفع فاعل ~~«يكون» التامة مع تأنيثها ودالها بالضم «1»، أي شيئا متداولا، وروي بالفتح ~~بمعناه أو الضم للأغنياء والفتح للفقراء «2»، قوله (بين الأغنياء منكم) ظرف ~~ل «دولة»، أي لئلا يختص بها الأغنياء ويتداولونها بينهم ولا يصيب للفقراء ~~منها شيء كما كان الرؤساء منهم يستأثرون الغنيمة، وهي الدولة الجاهلية (وما ~~آتاكم الرسول) أي ما أعطاكموه أيها المؤمنون من الفيء وغيره (فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا) أي امتنعوا عنه (واتقوا الله) من مخالفته (إن الله شديد ~~العقاب) [7] لمن عصاه. ### || [سورة الحشر (59): آية 8] # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8) # قوله (للفقراء) بدل من «لذي القربى» لا من «لله وللرسول»، لأنه يلزم ~~الفساد لفظا ومعنى، أما لفظا فلأنه الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف تعظيم ~~الله والرسول، وأما معنى فلأنه يلزم دخول الرسول في زمرة الفقراء، وكان ~~عليه السلام يتعوذ من الفقر «3» ولأن الله تعالى أخرج رسوله من الفقراء في ~~قوله وينصرفون الله ورسوله فلا يكون للرسول عليه السلام من الفيء شيء وليس ~~كذلك، أي الفيء للفقراء (المهاجرين الذين أخرجوا) أي أخرجهم أهل مكة (من ~~ديارهم وأموالهم) قوله (يبتغون) حال، أي يطلبون (فضلا من الله) أي رزقا من ~~الجنة (ورضوانا) أي رضا الله تعالى في دينه (وينصرون الله ورسوله) أي ~~دينهما بالسيف (أولئك هم الصادقون) ms1721 [8] في إيمانهم وجهادهم فطابت نفوس ~~الأنصار بذلك، فقالوا هذا كله لهم وديارنا وأموالنا أيضا لهم فأحبوهم لله ~~ولرسوله. ### || [سورة الحشر (59): آية 9] # والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # فأثنى الله تعالى الأنصار بقوله (والذين تبوؤا الدار) أي وطنوا دار ~~المدينة وهي دار الهجرة ونزلوا بها في المدينة (و) تبوأ (الإيمان) أي ~~أخلصوا الإيمان فيها (من قبلهم) أي قبل هجرة النبي عليه السلام إليهم ~~وأصحابه، فبنوا المساجد قبلهم بسنتين في المدينة (يحبون من هاجر إليهم) من ~~المؤمنين (ولا يجدون في صدورهم حاجة) أي حسدا وبخلا (مما أوتوا) أي أعطي ~~المهاجرون لقسم النبي عليه السلام أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط ~~الأنصار شيئا (ويؤثرون) أي الأنصار (على أنفسهم) في القسمة من الفيء ~~المهاجرين، يعني يتركون الفيء لهم (ولو كان بهم خصاصة) أي حاجة إلى ما ~~يؤثرون به، والجملة حال من الفاعل في «يؤثرون»، أي مفروضا خصاصتهم، ثم أشار ~~تعالى إلى الثناء على الأنصار وعلى مثلهم بقوله (ومن يوق) أي يمنع (شح ~~نفسه) أي بخلها وقهرها (فأولئك هم المفلحون) [9] في الآخرة من النار بدخول ~~الجنة، روي عنه عليه السلام: «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» «4». PageV04P200 ### || [سورة الحشر (59): آية 10] # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) # قوله (والذين جاؤ من بعدهم) والآية ثناء الله تعالى على المهاجرين الذين ~~هاجروا بعد الأولين، أي انهم (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان) أي أظهروا الإيمان قبلنا، يعني المهاجرين والأنصار (ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا) أي حقدا (للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم) [10] بمغفرة ذنوب ~~عبادك المؤمنين وإدخالهم الجنة، وفي الآية دليل على أن الترحم والاستغفار ~~واجب على المؤمنين الآخرين للسابقين منهم لا سيما لآبائهم ولمعلمهم أمور الدين. ### || [سورة الحشر (59): آية 11] # ألم تر ms1722 إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن ~~أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله ~~يشهد إنهم لكاذبون (11) # (ألم تر إلى الذين نافقوا) من أهل المدينة (يقولون لإخوانهم) في الكفر ~~سرا، وهم (الذين كفروا من أهل الكتاب) يعني بني النضير (لئن أخرجتم) من ~~المدينة (لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم) أي في قتالكم أو في خذلانكم بترك ما ~~وعدناكم من النصرة (أحدا) أي محمدا (أبدا وإن قوتلتم) أي «1» قاتلكم محمد ~~«2» وأصحابه (لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) [11] في قولهم لهم. ### || [سورة الحشر (59): آية 12] # لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار ثم لا ينصرون (12) # فقال تعالى والله «3» (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم) أي المنافقون مع بني ~~النضير (ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم) أي لئن جاؤا لنصرهم فرضا ~~(ليولن الأدبار) أي لرجعوا منهزمين (ثم لا ينصرون) [12] أي لا ينصر اليهود ~~لانهزام ناصرهم. ### || [سورة الحشر (59): آية 13] # لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) # (لأنتم أشد رهبة) أي لخوف المنافقين منكم «4» يا أيها المؤمنون (في ~~صدورهم) أي سرا أشد من خوفهم (من الله) جهرا، ويجوز أن يراد خوف اليهود في ~~صدورهم منكم أشد من خوفهم من الله تعالى «5» (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) ~~[13] أمر الله وخوفه. ### || [سورة الحشر (59): آية 14] # لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد ~~تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (14) # قوله (لا يقاتلونكم) بيان لحال اليهود في الحرب، أي هم لا يقاتلونكم ~~(جميعا) أي مجتمعين لقتالكم في الصحراء (إلا في قرى محصنة) أي حصينة (أو من ~~وراء جدر) أي خلف حائط، وقرئ «جدر» «6» (بأسهم) أي قتالهم (بينهم شديد) «7» ~~إذا اقتتلوا ولا طاقة لهم بكم (تحسبهم جميعا) أي تظن يا محمد أن اليهود ~~والمنافقين متفقون على أمر واحد وكلمة واحدة (وقلوبهم شتى) أي متفرقة ~~مختلفة لا موادة بينهم، الواو فيه للحال وهو تشجيع لقلوب المؤمنين ms1723 على ~~قتالهم (ذلك) أي الاختلاف (بأنهم قوم لا يعقلون) [14] ما عليهم من ~~الاختلاف. PageV04P201 ### || [سورة الحشر (59): آية 15] # كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) # (كمثل الذين) خبر مبتدأ محذوف، أي مثل بني النضير في كفرهم كمثل الذين ~~كفروا (من قبلهم) يعني أهل بدر (قريبا) أي زمانا قريبا، والعامل فيه الوجود ~~المقدر، أي كوجود مثل أهل بدر في زمان قريب مقدار سنتين (ذاقوا وبال أمرهم) ~~أي عقوبة كفرهم وعداوتهم النبي عليه السلام (ولهم عذاب أليم) [15] في ~~الآخرة سوى ذلك. ### || [سورة الحشر (59): آية 16] # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف ~~الله رب العالمين (16) # (كمثل الشيطان) أي مثل المنافقين مع اليهود في إغرائهم على القتل ووعدهم ~~النصر الكاذب كمثل إبليس وإغوائه بكيده وتبريه منه في العاقبة (إذ قال ~~للإنسان اكفر) أي للمشركين من أهل مكة قاتلوا محمدا وأصحابه وأنا جار لكم، ~~أي ناصركم، فلما قاتلوا ورأى إبليس جبرائيل مع محمد عليه السلام خافه وتبرأ ~~منهم «1» وانهزم، وقيل: جاء إبليس برصيصا الراهب ووسوس له حتى زنى بامرأة ~~مجنونة أتته ليعالج «2» جنونها، فتبين حبلها فقتلها ودفنها لئلا يفتضح، ~~فأخذوا برصيصا ليصلبوه فجاءه إبليس وقال له اكفر، أي اسجد لي لأنصرك فسجد ~~«3» (فلما كفر) أي سجد له «4» (قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين) [16] استهزاء. ### || [سورة الحشر (59): آية 17] # فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين (17) # (فكان عاقبتهما) أي عاقبة الراهب والشيطان (أنهما في النار خالدين فيها ~~وذلك) أي الخلود في النار (جزاء الظالمين) [17] من الكافرين والمنافقين. ### || [سورة الحشر (59): آية 18] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون (18) # (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في ترك المعاصي (ولتنظر نفس) أي نفس ~~واحدة (ما قدمت) من العمل (لغد) أي ليوم القيامة الهائل، فالتنكير فيه ~~للتعظيم، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له، يعني اعملوا بالطاعة تجدوا ~~ثوابها يوم القيامة في الجنة (واتقوا الله) ms1724 أي أطيعوه مع التقوى ولا تعصوه ~~بترك أمره ونهيه (إن الله خبير بما تعملون) [18] من الطاعة والمعصية. ### || [سورة الحشر (59): آية 19] # ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) # (ولا تكونوا) في المعصية (كالذين نسوا الله) أي تركوا أمره (فأنساهم ~~أنفسهم) أي خذلهم بأن تركوا الاهتمام لأنفسهم (أولئك هم الفاسقون) [19] أي ~~هم صاروا من أصحاب النار كالمنافقين. ### || [سورة الحشر (59): آية 20] # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) # قوله (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) تنبيه للناس بأنهم لفرط غفلتهم ~~ومحبة العاجلة واتباع «5» الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار ~~وبين أصحابهما وإن الفوز مع أصحاب الجنة، لا يستوي أصحابهما في الكرامة ~~والهوان في الدنيا والآخرة (أصحاب الجنة هم الفائزون) [20] أي الناجون ~~والمكرمون وأصحاب النار هم المعذبون فيها والمهانون واستدل الشافعي رضي ~~الله عنه بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل الكافر وأن الكافر لا يملكون ~~أموال المسلمين بالقهر. PageV04P202 ### || [سورة الحشر (59): آية 21] # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) # ثم حرض بني آدم على الإيمان بالقرآن والعمل به لما فيه من الوعد والوعيد ~~الموجبين للرجاء والخوف من الله تعالى فقال «1» (لو أنزلنا هذا القرآن على ~~جبل لرأيته خاشعا) أي خاضعا (متصدعا) أي متفرقا (من خشية الله) أي من خوف ~~عذابه، والكافر معرض عنه لقساوة قلبه أشد قسوة من الجبل، هذا على وجه ~~المثل، يعني لو كان للجبل تمييز لتصدع من خشية الله تعالى (وتلك الأمثال) ~~أي التي ذكرت في القرآن (نضربها) أي نبينها (للناس لعلهم يتفكرون) [21] في ~~تلك الأمثال فيعتبرون ولا يعصون ربهم. ### || [سورة الحشر (59): آية 22] # هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) # (هو الله الذي لا إله إلا هو) أي لا شريك له في العبادة (عالم الغيب) أي ~~عالم بما غاب عن العباد (والشهادة) أي وعالم بما عاينوه، يعني عالم بأمر ~~الآخرة وأمر الدنيا لا يخفى عليه شيء ms1725 منهما (هو الرحمن) أي العطوف على جميع ~~الخلق بالرزق (الرحيم) [22] بمغفرة الذنوب للمؤمنين. ### || [سورة الحشر (59): آية 23] # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) # (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك) أي الذي لا يزول ملكه عن كل شيء ~~(القدوس) أي الطاهر المنزه عن كل عيب (السلام) أي السالم من كل عيب أو ذو ~~السلام على أوليائه في الجنة أو ذو السلامة لهم من كل مخوف (المؤمن) أي ~~المعطي الأمن لأوليائه من عذابه (المهيمن) أي الرقيب على كل شيء، أصله مأء ~~من بهمزتين قلبت الأولى هاء والثانية ياء (العزيز) أي الذي لا يعجزه شيء ~~عما أراد (الجبار) أي الذي يغلب على خلقه باجبارهم على ما أراد (المتكبر) ~~أي الذي تعالى عن صفات المحدثات وتعظم على جميعها بقوته (سبحان الله عما ~~يشركون) [23] أي أنزهه تنزيها عما وصفه الكفار من الشريك والولد. ### || [سورة الحشر (59): آية 24] # هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (24) # (هو الله الخالق) أي المقدر لكل موجود (البارئ) أي المميز بعض خلقه من ~~بعض بالأشكال المختلفة (المصور) أي الذي يمثل كل شيء بصورته كما يصور ~~الأولاد في الأرحام بالشكل واللون (له الأسماء الحسنى) أي له الصفات العلى، ~~روي عن النبي عليه السلام: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحدة، من ~~أحصاها دخل الجنة» «2»، قوله «مائة غير واحدة» بدل الكل، وتأنيث الواحدة ~~باعتبار الكلمة، قوله «من أحصاها»، أي عددها وحفظها بقلبه علما وإيمانا بها ~~(يسبح له ما في السماوات والأرض) أي يخضع له جميع الأشياء (وهو العزيز) في ~~ملكه (الحكيم) [24] في أمره وإنما مدح الله نفسه بهذه الصفات العظام تعليما ~~لعباده المدح له بصفاته العلى بعد فهم معانيها، ومعرفة استحقاقه بذلك طلبا ~~لزيادة تقربهم إليه تعالى، قال أبو هريرة رضي الله عنه سألت رسول الله عليه ~~وسلم عن اسم الله الأعظم، فقال: «عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته»، فأعدت ms1726 ~~عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فعاد علي «3». PageV04P203 ### | سورة الممتحنة # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الممتحنة (60): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) # قوله (يا أيها الذين آمنوا) نزل حين كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا يعرف ~~كفار مكة أن محمدا جهز الجيش للخروج إلى فتح مكة، وكان النبي عليه السلام ~~ورى ذلك بالخروج إلى ناحية أخرى إذا امرأة قدمت من مكة يقال لها سارة، فقال ~~النبي عليه السلام لها: لماذا جئت؟ فقالت: جئت لتعطيني شيئا، فأعطاها شيئا ~~فرجعت إلى مكة فأعطاها حاطب كتابه لتذهب به إلى مكة نصحا لهم لكون أولاده ~~عندهم، فلما دخلت في الطريق جاء جبرائيل وأخبر النبي عليه السلام ذلك، فبعث ~~عليا رضي الله عنه عقبها، فلما بلغ سل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي ~~رأسك فأجرجته من عقاص شعرها، أي من ظفائرها «1»، فقال تعالى يا أيها ~~المؤمنون (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) في العون والنصرة، قوله (تلقون) ~~حال من فاعل «لا تتخذوا»، أي تبعثون (إليهم بالمودة) أي بسبب المودة إخبار ~~المسلمين بالكتاب والنصيحة، فالباء للسببية والمفعول محذوف، ويجوز أن يكون ~~صفة ل «أولياء» أو استئنافا، أي أنتم تفضون «2» إليهم المودة، والباء زائدة ~~أو للسببية والواو للحال في (وقد كفروا) من ضمير «تلقون»، أي وقد جحدوا ~~(بما جاءكم من الحق) أي من القرآن وبالرسول والحال أنهم (يخرجون الرسول ~~وإياكم) من دياركم، ويجوز أن يكون «يخرجون» تفسيرا لكفرهم معللا بقوله (أن ~~تؤمنوا) أي لإيمانكم (بالله ربكم) فكيف تلقون إليهم بالمودة ويتعلق ب «لا ~~تتخذوا»، قوله (إن كنتم خرجتم جهادا) أي للجهاد (في سبيلي وابتغاء مرضاتي) ~~أي لطلب رضاي، شرط، و«3» جواب الشرط محذوف، أي لا تتولوا أعدائي بدلالة «لا ~~تتخذوا» ms1727 الآية، المعنى: إن كنتم أوليائي لا تتولوا أعدائي ولا تخبروهم بخبر ~~الرسول والمسلمين، قوله (تسرون إليهم) استئناف، أي أنتم تسرون إلى أعدائي ~~(بالمودة) ولا طائل لكم في أسراركم (وأنا أعلم) أي والحال أني أعلم (بما ~~أخفيتم) من المودة لأهل الكفر (وما أعلنتم) من الإقرار بالتوحيد فلا تودوهم ~~«4» ولا تساروهم (ومن يفعله) أي الأسرار (منكم) بعدها (فقد ضل) أي أخطأ ~~(سواء السبيل) [1] أي طريق الفلاح. PageV04P204 ### || [سورة الممتحنة (60): آية 2] # إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا ~~لو تكفرون (2) # (إن يثقفوكم) أي إن يظفروا عليكم ويأخذوكم (يكونوا لكم أعداء) أي يظهر ~~لكم عداوتهم (ويبسطوا إليكم أيديهم) بالضرب والقتل (وألسنتهم بالسوء) أي ~~بالشتم (وودوا) أي مشركو مكة أورده ماضيا بعد إيراد جواب الشرط مضارعا مثله ~~ليدل على شدة مودتهم ردكم كفارا (لو تكفرون) [2] أي كفركم فتكونون مثلهم، ~~و«لو» بمعنى أن. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 3] # لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون ~~بصير (3) # (لن تنفعكم أرحامكم) أي إن فعلتم الإسرار بسبب قرابتكم لن تنفعكم ~~قراباتكم (ولا أولادكم) بمكة الذين بسببهم كتبتم الكتاب خوفا عليهم إلى مكة ~~(يوم القيامة يفصل) بالتخفيف والتشديد مجهولا ومعلوما «1»، أي الله يفرق ~~(بينكم) وبين أولادكم يوم القيامة فيدخلكم الجنة بايمانكم ويدخلكم النار ~~بكرهم فما لكم لا تحفظون حق الله وتحفظون حق من سيفر منكم وسيفصل عنكم ~~(والله بما تعملون بصير) [3] أي عالم بأعمالكم سرا وعلانية. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 4] # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ~~وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) # (قد كانت لكم أسوة حسنة) أي قدوة صالحة (في إبراهيم والذين معه) من ~~المؤمنين فاقتدوا بهم أيها المؤمنون (إذ قالوا لقومهم) من الكفار (إنا ~~برآؤا) جمع بريئ (منكم) أي من دينكم (ومما تعبدون ms1728 من دون الله) أي من ~~الأصنام (كفرنا بكم) أي جحدنا دينكم (وبدا) أي ظهر (بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء) يعني قطعنا عنكم المودة (أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) ولا تشركوا ~~به شيئا، فأعلم الله أصحاب النبي عليه السلام أن أصحاب إبراهيم تبرؤا من ~~قومهم لكفرهم فقال تعالى اقتدوا بهم وبابراهيم في كل قول (إلا قول إبراهيم) ~~لا تقتدوا به فانه قال (لأبيه لأستغفرن لك) واستغفار المؤمن للكافر لا ~~يجوز، ف «إلا» استثناء من قوله «أسوة حسنة» ولا يشكل قوله (وما أملك) أي لا ~~أقدر (لك) يا أبي أن أمنعك (من الله) أي من عذابه (من شيء) إن لم تؤمن، ~~فانه قول حق لا يليق الاستثناء، لأن المقصود الاستثناء في الجملة هو ~~الاستغفار، وهو تابع له لا أنه مستثنى برأسه حتى يشكل قوله (ربنا عليك ~~توكلنا) متصل بما قبل الاستثناء «2» وهو من جملة الأسوة الحسنة أو تعليم ~~لحاطب ومثله، أي قولوا أيها المؤمنون ربنا فوضنا أمرنا وأمر أقاربنا إليك ~~(وإليك أنبنا) أي أقبلنا بالطاعة (وإليك المصير) [4] أي المرجع في الآخرة. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 5] # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (5) # (ربنا لا تجعلنا فتنة) أي بلية (للذين كفروا) أي لا تظهرهم علينا التسليط ~~فيظنون أنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنون بنا ولا تعذبنا فيقولوا لو ~~كانوا على الحق لما عذبوا (واغفر لنا) ذنوبنا (ربنا إنك أنت العزيز) في ~~ملكه (الحكيم) [5] في أمرك. PageV04P205 ### || [سورة الممتحنة (60): آية 6] # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) # (لقد كان لكم فيهم) أي في إبراهيم ومؤمنيه في الاقتداء (أسوة حسنة) أي ~~طريق مرضي يؤتسى به، وإنما كرره بما جاء به من القسم حثا على الاتساع ~~بابراهيم وقومه وتقريرا وتأكيدا عليهم، قوله (لمن كان) بدل من «لكم»، أي ~~كان لمن (يرجوا الله) أي ثوابه (واليوم الآخر) أي حسن حسابه في إبراهيم ومن ~~تابعه أسوة مرضية فليقتد بهم (ومن يتول) أي ms1729 يعرض عن الإيمان والطاعة (فإن ~~الله هو الغني) عن جميع خلقه وإيمانهم (الحميد) [6] فيما يفعل ويحكم. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 7] # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله ~~غفور رحيم (7) # (عسى الله) أي لعل الله (أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم) أي من ~~كفار مكة (مودة) بالإسلام فاصبروا على ما أمر الله به «1» لكم (والله قدير) ~~على المودة بتسليط النبي عليه السلام على أهل مكة (والله غفور) لمن تاب من ~~المعصية (رحيم) [7] لمن أطاع بأمره، فلما فتح النبي عليه السلام مكة أسلموا ~~فوقع بينهم مودة بالإسلام فخالطوهم وناكحوهم وتزوج النبي عليه السلام بنت ~~أبي سفيان. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 8] # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) # قوله (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم) رخصة في صلة الذين عاهدوا النبي عليه السلام على أن لا يعينوه ولا ~~يعينوا عليه، فوفوا بذلك، أي لا ينهاكم أيها المؤمنون عن صلة المعاهدين بكم ~~(أن تبروهم) هو بدل من «الذين لم يقاتلوكم»، أي لا ينهاكم الله عن مبرتهم ~~ووصلتهم وإنما ينهاكم عن موالاتهم (وتقسطوا إليهم) أي لا ينهاكم عن أن ~~تعدلوا معهم وتحسنوا إليهم عند الوصلة بوفاء عهدهم، فعدي ب «إلى» لتضمنه ~~«2» معنى الإحسان (إن الله يحب المقسطين) [8] أي العادلين، من أقسط إذا عدل. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 9] # إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) # (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين) وهم أهل مكة (وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا) أي عاونوا (على إخراجكم) من دياركم (أن تولوهم) أي عن أن ~~تودوهم وتناصحوهم «3» (ومن يتولهم) منكم، أي من «4» يحبهم (فأولئك هم ~~الظالمون) [9] أنفسهم بكفرهم. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 10] # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا ms1730 هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) # (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات) بألسنتهم (مهاجرات) من دار ~~الحرب (فامتحنوهن) أي اختبروهن بالاستخلاف ما خرجنا إلا رغبة في دين ~~الإسلام لا لكراهية الزوج ولا لعشق رجل ولا لغرض PageV04P206 # الدنيا (الله أعلم) هو أعلم منكم (بإيمانهن) وسرائرهن، لأنكم لا تعلمون ~~حقيقة ذلك ليطمئن معه قلوبكم (فإن علمتموهن) أي ظننتموهن (مؤمنات) بالحلف ~~وظهور الأمانات (فلا ترجعوهن) أي لا تردوهن (إلى الكفار) «1» بعد ما غلب ~~ظنكم على إسلامهن وإن كانوا أزواجهن (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) أي لا ~~حل بين المؤمنة والمشرك أولا وآخرا، يعني بالهجرة والنكاح بعدها (وآتوهم) ~~أي أعطوا أزواجهن (ما أنفقوا) عليهن من المهر (ولا جناح عليكم) أيها ~~المؤمنون في (أن تنكحوهن) أي المهاجرات وإن كان لهن أزواج كفار (إذا ~~آتيتموهن أجورهن) أي أجور بضعهن، لأن المهر أجر البضع، فيه دليل على تقديم ~~أدائه في إباحة تزوجهن، قيل: يدفع المهر إلى زوجها فان لم يتزوجها أحد من ~~المسلمين فليس لزوجها الكافر شيء «2»، وقيل: نسخ دفع المهر إلى زوجها «3»، ~~قيل: استدل أبو حنيفة رحمه الله به على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار ~~الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا وقعت الفرقة بينهما، ولا يرى العدة ~~على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملا «4»، وقال الشافعي لا يقع ~~الفرقة إلا بالإسلام «5» (ولا تمسكوا) بالتخفيف والتشديد «6»، أي لا تأخذوا ~~(بعصم الكوافر) جمع عصمة وهي ما يعتصم به، أي يعتمد عليه من عقد وسبب، يعني ~~إذا ارتدت «7» - العياذ بالله- امرأة «8» من أزواجكم ولحقت بدار الحرب فقد ~~زالت العصمة وانقطعت الزوجية بينها وبين زوجها المؤمن باختلاف الدارين، ~~فجاز له أن يتزوج أختها ورابعا سواها، وأصل العصمة الحبل، المعنى: لا ~~ترغبوا فيهن ولا في نسائكم اللاتي أقمن في مكة كافرات بعد هجرتكم من ms1731 مكة ~~إلى المدينة، لأن عصمتهن قد قطعت منكم (وسئلوا ما أنفقتم) من المهر على ~~زوجاتكم، إذا لحقن بالمشركين مرتدات ممن تزوجهن «9» (وليسئلوا) أي المشركون ~~(ما أنفقوا) من المهر على زوجاتكم المهاجرات ممن تزوجهن من المؤمنين (ذلكم) ~~أي الحكم «10» المذكور (حكم الله يحكم بينكم والله عليم) بأحوالكم (حكيم) ~~[10] في أمره لكم، قيل: شرط رد النساء إلى الكفار في عقد الصلح في الحديبية ~~ثم نسخ ببراءة من الله «11»، وقيل: لم يشرط في نفس العقد صريحا لكن اشتمل ~~العقد عليهن مع الرجال «12»، فبين الله تعالى خروجهن من عموم العقد بالآية ~~المذكورة. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 11] # وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11) # (وإن فاتكم) أي إن سبقكم وانفلت منكم (شيء من أزواجكم) أي أحد منهن حقير ~~غير معوض منه يأخذ مثل مهرها مرتدة (إلى الكفار فعاقبتم) أي قاتلتم الكفار ~~وغلبتم عليهم بعقوبة واغتنمتم الأموال منهم (فآتوا) المؤمنين (الذين ذهبت ~~أزواجهم) منكم إلى الكفار مرتدات (مثل ما أنفقوا) عليهن من الغنائم ليكون ~~كالعوض لمهر زوجته الفانية إلى الكفار، روي: أن ست نسوة رجعن عن الإسلام ~~ولحقن بالمشركين فأعطى PageV04P207 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهورهن من الغنيمة «1» (واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون) [11] أي لا تعصوه فيما أمركم به إن كنتم آمنتم بالله. ### || [سورة الممتحنة (60): آية 12] # يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا ~~يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) # (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات) بالألسن (يبايعنك) يوم فتح مكة (على ~~أن لا يشركن بالله شيئا) من الأصنام (ولا يسرقن) من مال أحد (ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن) كما في الجاهلية حشية الفقر، والمراد وأد البنات (ولا يأتين ~~ببهتان) أي بولد (يفترينه) أي يختلقنه (بين أيديهن وأرجلهن) يعني لا تأتي ~~المرأة بولد تلتقطه فتنسبه ms1732 إلى زوجها بأن تقول للزوج ولدت هذا منك، فليس ~~المراد بالبهتان المفترى الزنا لتقدم ذكره (ولا يعصينك في معروف) أي فيما ~~تأمرهن من المحسنات وتنهاهن من المقبحات، وذكره للتأكيد، وقيل: # المعروف كل ما وافق طاعة الله تعالى «2» كترك النياحة ومحادثة النساء ~~الرجال واداء الزينة لغير أزواجهن (فبايعهن واستغفر لهن الله) أي أسأل ~~المغفرة من الله لهن بما كان من الشرك والمعصية (إن الله غفور رحيم) [12] ~~فيما بقي، قيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعهن بالكلام ولم يصافح ~~امرأة في البيعة «3». ### || [سورة الممتحنة (60): آية 13] # يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # قوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا) أي لا تتصادقوا (قوما غضب الله ~~عليهم) نزل حين تواصل بعض الفقراء من المسلمين اليهود لينالوا شيئا من ~~ثمارهم وطعامهم وشرابهم «4»، فنهاهم الله عن ذلك به (قد يئسوا) أي الكفار ~~قد قطعوا رجاءهم (من) خير (الآخرة) وثاوابها (كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور) [13] أي من رجوعهم إلى الحيوة، لأنهم لا يوقنون البعث أو «من أصحاب ~~القبور»، حال، أي كائنين من أصحاب القبور، لأنهم إذا دخلوها أيسوا من رحمة ~~الله تعالى. PageV04P208 ### | سورة الصف # مكية «1» أو مدنية «2» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الصف (61): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) # (سبح لله) أي نزه أو صلى له (ما في السماوات وما في الأرض) أي كل موجود ~~في الأرض والسماء (وهو العزيز) في ملكه (الحكيم) [1] في أمره. ### || [سورة الصف (61): الآيات 2 الى 3] # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون (3) # ونزل في نفر طلبوا الجهاد فانهزموا بأحد قوله «3» (يا أيها الذين آمنوا ~~لم) أصله لما، اللام للتخصيص و«ما» للاستفهام، أي لأي شيء (تقولون ما لا ~~تفعلون) [2] تعييرا لهم بترك الوفاء أو قال بعضهم فعلت كذا وكذا بعد ما فر ~~يوم أحد وما فعل ms1733 شيئا، وقيل: قد آذى المسلمين رجل ونكى فيهم فقتله صهيب ~~وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلت، فقال: ~~إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب قال كذلك يا أبا ~~يحيى، قال نعم، فنزلت الآية في المنتحل «4»، وقيل: نزلت في المنافقين «5»، ~~ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبايمانهم «6»، وفي (كبر مقتا) معنى التعجب وهو ~~تعظيم الأمر في قلوب السامعين، ونصب «مقتا» على التمييز، أي عظم بغضا (عند ~~الله) قوله (أن تقولوا ما لا تفعلون) [3] رفع فاعل «كبر»، يعني عظم قولهم ~~بما لم يفعلوا مقتا وهو أشد البغض وأبلغه، قيل لبعض السلف حدثنا فسكت ثم ~~قيل له حدثنا فقال لهم أتأمرونني أن أقول ما لا أفعل، فأستعجل مقت الله. ### || [سورة الصف (61): آية 4] # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # ثم ذكر تعالى ما فيه تعريض لمن خالف وعده للثبات في قتال الكفار فلم يف ~~فقال (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) نصب على الحال، أي صافين ~~أنفسهم (كأنهم بنيان مرصوص) [4] حال متداخلة، إذ العامل الصف في هذا الحال، ~~أي صافين متراصين في أماكنهم لا يزولون «7» عنها كالبنيان الذي رص، أي أدخل ~~بعضه في بعض أو بني بالرصاص. ### || [سورة الصف (61): آية 5] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) # (وإذ قال) أي اذكر إذ قال (موسى لقومه) بني إسرائيل (يا قوم لم تؤذونني) ~~بالشتم والتكذيب PageV04P209 # (وقد تعلمون) حال، أي عالمين «1» (أني رسول الله إليكم) والاحترام يجب ~~على الأمة لرسولهم «2»، و«قد» فيه للتأكيد كأنه قال: وقد «3» تعلمون علما ~~يقينا في رسالتي لا شبهة لكم فيها (فلما زاغوا أزاغ) أي مالوا عن تصديق ~~الرسل (الله قلوبهم) عن الهدى (والله لا يهدي) أي لا يرشد إلى الإيمان ~~(القوم الفاسقين) [5] إذا سبق في علمه فسقهم. ### || [سورة الصف (61): آية 6] # وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول ms1734 الله إليكم مصدقا لما بين ~~يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات ~~قالوا هذا سحر مبين (6) # (و) اذكر (إذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل) ولم يقل يا قوم، إذ لا ~~قرابة له فيهم (إني رسول الله) أي مرسل منه (إليكم) لأدعوكم إلى الإسلام ~~(مصدقا لما بين يدي من التوراة) والعامل في الحال معنى الفعل الدال عليه ~~رسول الله لا إليكم، لأنه صلته «4»، والصلة التي هي حرف من حروف الجر لا ~~يتضمن معنى الفعل فلا تعمل شيئا بنفسها «5»، أي أقرأ الإنجيل موافقا لما ~~فيها من التوحيد وبعض الشرائع (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) ~~والجملة في محل الجر صفة رسول أو نصب حال من فاعل يأتي، قيل: «قال ~~الحواريون لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة محمد عليه ~~السلام حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله ~~باليسير ويرضى الله منهم باليسير من العمل» «6» (فلما جاءهم) عيسى ~~(بالبينات) أي بالآيات المعجزة كاحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص (قالوا ~~هذا سحر مبين) [6] أي ظاهر في العالم «7». ### || [سورة الصف (61): آية 7] # ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (7) # (ومن أظلم ممن افترى) أي اختلق (على الله الكذب) وهم اليهود الذين نسبوا ~~الشريك والولد إلى الله تعالى (وهو) يرجع إلى «من أظلم»، أي والحال أنه ~~(يدعى) بلسان رسل الله (إلى الإسلام) وهو دين محمد عليه السلام (والله لا ~~يهدي القوم الظالمين) [7] أي لا يرحمهم لظلمهم أنفسهم بالتكذيب. ### || [سورة الصف (61): آية 8] # يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون (8) # (يريدون ليطفؤا نور الله) أي توحيده وإظهار شرعه (بأفواههم) أي بأقوالهم ~~الكاذبة، وهي نسبة الولد والشريك إليه تعالى (والله متم نوره) بالإضافة ~~وتركها «8»، أي مكمل توحيده ودينه (ولو كره الكافرون) [8] أي اليهود ~~والنصارى. ### || [سورة الصف (61): آية 9] # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون ms1735 (9) # (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي بالتوحيد (ودين الحق) أي الإسلام ~~(ليظهره) أي ليغلبه بالقهر (على الدين كله ولو كره المشركون) [9] أي مشركو ~~مكة، قيل: قد فعل «9» لأن كل دين مقهور بدين الإسلام «10» أو لا يبقى أحد ~~في آخر الزمان إلا مسلم أو ذمة للمسلمين «11»، وقال مجاهد: «إذا نزل عيسى ~~عليه السلام لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام» «12». PageV04P210 ### || [سورة الصف (61): الآيات 10 الى 12] # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) # قيل: قال المسلمون لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه فنزل «1» (يا ~~أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم) أي تخلصكم (من عذاب أليم) ~~[10] أي دائم، ثم قالوا يا ويلتي لا نعلم ما هي، فدلهم عليها «2» بقوله ~~(تؤمنون) استئناف، كأنهم قالوا كيف نفعل فقال تؤمنون وهو خبر لفظا في معنى ~~الأمر للإيذان بوجوب «3» الامتثال، ويجوز أن يكون بدلا من ال «تجارة» ~~بتقدير أن تؤمنوا، أي تصدقون (بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم) وقدم المال «4»، لأنه بتأخير النفس يحصل غزوة أخرى ولأن في صرف ~~المال أولا دفع الضنة عن النفس (ذلكم) أي المذكور من الإيمان والجهاد في ~~سبيله (خير لكم) من تركهما (إن كنتم تعلمون) [11] بخلوص الاعتقاد أنه خير ~~لكم، وجواب «تؤمنون» في معنى الأمر (يغفر لكم) بالجزم، ويجوز أن يكون جواب ~~شرط محذوف بدلالة «تؤمنون»، أي إن تؤمنوا يغفر لكم (ذنوبكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة) أي منازل مطيبة بالمسك والعنبر أو ~~بالحور والغلمان والبقاء واللقاء (في جنات عدن) أي إقامة وخلود (ذلك الفوز ~~العظيم) [12] أي الظفر الوافر بالمراد. ### || [سورة الصف (61): آية 13] # وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) # (وأخرى تحبونها) أي ولكم نعمة أخرى سوى المغفرة والثواب الآجل وهي نعمة ~~محبوبة إليكم في ms1736 العاجل، قوله (نصر من الله) بيان لتلك النعمة الأخرى، يعني ~~نصر من الله على عدوكم (وفتح قريب) أي عاجل وهو فتح مكة وفتح فارس والروم، ~~قوله (وبشر المؤمنين) [13] عطف على «تؤمنون»، لأنه خبر في معنى الأمر، أي ~~آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم وبشر يا محمد المؤمنين بذلك النصر على ~~قريش وغيرهم. ### || [سورة الصف (61): آية 14] # يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ~~من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين (14) # (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) بالإضافة وتركها «5»، أي أعوان ~~دينه بالسيف على أعدائه، وصح التشبيه حملا على المعنى في (كما قال) أي أقول ~~لكم كما قال، فالكاف نصب صفة مصدر محذوف، أي قولا مثل ما قال (عيسى ابن ~~مريم للحواريون) لأصفيائه وخلصائه (من أنصاري إلى الله) أي من المختص بي في ~~التوجه إلى نصرة دين الله، قيل: الحواريون هم الذين خلصوا ونقوا من كل عيب ~~«6»، وكانوا صيادين وقصارين يبيضون الثياب، من التحوير وهو التبييض (قال ~~الحواريون نحن أنصار الله) أي الذين ينصرونه باذنه (فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل) بعيسى عليه السلام، لأنهم قالوا هو عبد الله ورسوله فرفع إلى ~~السماء (وكفرت طائفة) منهم لقولهم هو ابن الله وشريكه فاقتتلت «7» ~~الطائفتان المؤمنة والكافرة فيه (فأيدنا) أي قوينا ونصرنا (الذين آمنوا على ~~عدوهم) الكافرين (فأصبحوا) أي صاروا (ظاهرين) [14] أي غالبين على أعدائهم ~~بنصرتنا وتأييدنا بالحجة. PageV04P211 ### | سورة الجمعة # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الجمعة (62): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) # (يسبح) أي ينزه أو يصلي (لله ما في السماوات وما في الأرض) أي كل موجود ~~في الأرض والسماء، أورد هنا بالفعل المضارع للحال وبالماضي فيما مضى ليدل ~~على أنه لا يخلو عن التسبيح بكل حال (الملك) بالكسر نعت «لله»، أي لله الذي ~~يملك كل شيء ولا يزول عنه ملكه ms1737 (القدوس) أي الطاهر عن الولد والشريك وعن كل ~~عيب (العزيز) في ملكه (الحكيم) [1] في أمره. ### || [سورة الجمعة (62): آية 2] # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) # (هو الذي بعث في الأميين) أي في أمة أمية لا يكتبون ولا يقرؤون (رسولا ~~منهم) يعني أميا من العرب (يتلوا) أي يقرأ (عليهم آياته) أي آيات الله وهي ~~«1» القرآن وإن كان أميا مثلهم (ويزكيهم) أي يطهرهم من الشرك (ويعلمهم ~~الكتاب) أي القرآن (والحكمة) أي الأحكام التي فيه من الحلال والحرام (وإن ~~كانوا) أي وإنهم كانوا (من قبل) أي قبل مجيئه (لفي ضلال مبين) [2] أي لفي ~~شرك ظاهر. ### || [سورة الجمعة (62): آية 3] # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) # قوله (وآخرين) عطف على «الأميين»، أي وبعثه في الآخرين (منهم) أي من ~~الأميين أيضا، وهم الذين يؤمنون به بعده إلى يوم القيامة من عرب وعجم، ~~وقيل: لما نزلت قيل من هم يا رسول الله؟ فوضع يده على سلمان ثم قال: «لو ~~كان الإيمان عند الثريا لتناله رجال من هؤلاء» «2» (لما) أي لم (يلحقوا ~~بهم) أي بالأولين في الفضل، يعني التابعون لا يدركون فضيلة الصحابة (وهو ~~العزيز الحكيم) [3] في تمكينه رجلا أميا من ذلك الأمر العظيم واختياره له ~~من بين كافة البشر. ### || [سورة الجمعة (62): آية 4] # ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) # (ذلك) أي الذي أعطاه «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره منهم ~~(فضل الله يؤتيه من يشاء) أي من «4» يكرمه به (والله ذو الفضل العظيم) [4] ~~لمن اختصه به. ### || [سورة الجمعة (62): آية 5] # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) # (مثل الذين حملوا التوراة) وهم اليهود، يعني رزقوا حفظها وقراءتها (ثم لم ~~يحملوها) أي لم يعملوا بها، إذ لو عملوا بما فيها لآمنوا، لأن فيها نعت ~~النبي عليه السلام فمثلهم، أي صفتهم في حملها ms1738 وعدم الانتفاع بها PageV04P212 # (كمثل الحمار) والكاف زائدة، قوله (يحمل أسفارا) صفة بحكم زيادة اللام أو ~~حال، أي يحمل كتبا عظاما لا يدرك منها إلا ما يتعبه ولا ينتفع منها (بئس ~~مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) الدالة على صدق محمد عليه السلام وهي ~~القرآن، والمخصوص بالذم محذوف وهو هذا المثل (والله لا يهدي القوم ~~الظالمين) [5] أنفسهم بتكذيب الآيات والأنبياء. ### || [سورة الجمعة (62): آية 6] # قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين (6) # قوله (قل يا أيها الذين هادوا) نزل حين قالت اليهود نحن أولى بالله من ~~غيرنا «1»، فقال تعالى قل يا محمد يا أيها اليهود (إن زعمتم) أي إن ادعيتم ~~(أنكم أولياء لله) أي أحباؤه (من دون الناس) جميعا (فتمنوا الموت) وقولوا ~~اللهم أمتنا (إن كنتم صادقين) [6] فيما تزعمون. ### || [سورة الجمعة (62): آية 7] # ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) # (ولا يتمنونه أبدا) أي لا يسألونه من الله قط لعلمهم أنهم كاذبون في ~~دعويهم (بما قدمت) أي بسبب ما قدمت (أيديهم) من الكفر والمعصية (والله عليم ~~بالظالمين) [7] أي بحالهم التي هي عدم تمنيهم الموت، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» ~~«2»، يعني مات من ساعته. ### || [سورة الجمعة (62): آية 8] # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) # (قل إن الموت الذي تفرون منه) أي من تمنيه أو من سببه وهو الجهاد (فإنه ~~ملاقيكم) أي نازل بكم لا محالة، والفاء في «فإنه» لتضمن الذي بمعنى الشرط، ~~يعني إن فررتم من الموت سواء كان قتلا أو غيره فلا تفوتونه (ثم تردون) بعد ~~الموت (إلى عالم الغيب والشهادة) وهو الله «3» (فينبئكم بما كنتم تعملون) ~~[8] أي يخبركم ويجازيكم بأعمالكم في الدنيا. ### || [سورة الجمعة (62): آية 9] # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم ms1739 تعلمون (9) # قيل: قال الأنصار للمسلمين: لليهود يوم يجتمعون فيه في كل أسبوع وللنصارى ~~مثل ذلك، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فيه، ونجعله يوم ~~العروبة، فاجتمعوا إلى سعيد بن زرازة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه ~~يوم الجمعة، فأنزل الله تعالى آية الجمعة وهي قوله «4» (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي) أي أذن (للصلاة من يوم الجمعة) وهو بيان ل «إذا» وتفسير ~~له، أي يوم الفوج المجموع، وقيل: أول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي «5» ~~لاجتماع القوم فيه للصلوة، وكان اسمها العروبة، وأول جمعة جمعها النبي عليه ~~السلام في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قريب المدينة لما روي: أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما هاجر مكة نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم ~~الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة ~~عامدا المدينة فأدركته صلوة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فخطب ~~وصلى الجمعة «6»، وجواب «إذا» (فاسعوا) أي امضوا واذهبوا بالسكون والوقار، ~~وليس المراد من السعي الإسراع لقوله عليه السلام: # «إذا أقيمت الصلوة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون «7»، وعليكم ~~السكينة والوقار» «8» (إلى ذكر الله) أي إلى PageV04P213 # الصلوة التي فيها ذكر الله أو إلى الخطبة (وذروا البيع) أي اتركوا البيع ~~والشراء، فهو من قبيل الاكتافاء، وفيه إيماء إلى ترك كل ما يذهل عن ذكر ~~الله من شواغل الدنيا، وخص ذكر «البيع» من بينها، لأن يوم الجمعة يوم يجتمع ~~الناس فيه من كل «1» أوب من قراهم وبواديهم، فاذا انتفخ النهار تحر «2» ~~التجارة ويتكاثر البيع والشراء، قيل: «إذا زالت الشمس يوم الجمعة حرم ~~البيع» «3»، وقيل: «حرم في الأذان عند خروج الإمام إلى المنبر» «4»، وقيل: ~~«عند النداء يوم الجمعة بالصلوة حتى تقضى لكن العقد جائز» «5»، لأنه منهي ~~لغيره كالوضوء بالماء المغصوب (ذلكم) أي ترك البيع والسعي إلى الصلوة ~~واستماع الخطبة (خير لكم إن كنتم تعلمون) [9] أنه كذلك، قال عليه السلام: # «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، ms1740 فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه ~~أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله يوم المزيد» «6»، أي يوم ~~يزيد فيه الخير، وعنه صلى الله عليه وسلم: «ان لله في كل يوم جمعة ستمائة ~~ألف عتيق من النار» «7»، وعنه صلى الله عليه وسلم: «من مات يوم الجمعة كتب ~~الله له أجر شهيد ووقى فتنة القبر» «8». ### || [سورة الجمعة (62): آية 10] # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (10) # ثم بين وقت الإباحة فقال (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) لحوائجكم ~~(وابتغوا من فضل الله) أي اطلبوا إن شئتم من رزقه وهو طلب الحلال وطلب ~~العلم (واذكروا الله كثيرا) باللسان (لعلكم تفلحون) [10] بالدخول إلى الجنة. ### || [سورة الجمعة (62): آية 11] # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير ~~من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) # قوله (وإذا رأوا تجارة) نزل حين قدم دحية الكبي بالعير مع بر وشعير من ~~الشام، وكان في المدينة قحط شديد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في ~~الجمعة، وسمع القوم صوت الطبل فانفضوا إليه، فما بقي عنده عليه السلام إلا ~~اثنا عشر رجلا أو أحد عشر أو ثمانية أو أربعون «9»، فأخبر تعالى أنهم إذا ~~رأوا تجارة، أي تجارة دحية (أو لهوا) أي صوت الطبل (انفضوا) أي ذهبوا عنك ~~(إليها) إي إلى التجارة، ولم يقل إليهما لأن المطلوب عندهم هو التجارة أو ~~هو من قبيل الاكتفاء، إذ التقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا ~~انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه (وتركوك قائما) أي في الخطبة ~~(قل ما عند الله) أي الذي عنده من الثواب أو من الرزق المقدر (خير من اللهو ~~ومن التجارة) لكم (والله خير الرازقين) [11] لأنه لم يكن يفوتكم الرزق منه ~~تعالى، روي عن النبي عليه السلام: «والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم ~~الله عليهم الوادي نارا» «10»، قيل: لو بقي الإمام وحده أو مع أقل من ثلاثة ~~يستأنف الظهر إذا نفروا ms1741 عنه قبل الركوع عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند باقي ~~العلماء إذا كبروهم معه مضى فيها «11». PageV04P214 ### | سورة المنافقون # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المنافقون (63): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) # (إذا جاءك المنافقون) من أهل المدينة وهم جند بن قيس ومعتب بن قشير وابن ~~أبي (قالوا) بألسنتهم دون قلوبهم (نشهد إنك لرسول الله) بادعاء المواطأة ~~بين ألسنتنا وقلوبنا (والله يعلم إنك لرسوله) أي الله يعلم أن الأمر في ~~الواقع كما يدل عليه قولهم، قاله تعالى دفعا «1» لايهام كذب الأمر قبل قوله ~~(والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [1] في قولهم نشهد لعدم المواطاة بين ~~قلوبهم وألسنتهم والشهادة إذا خلت عن المواطاة لا يكون شهادة في الحقيقة، ~~فهم كاذبون في تسميتهم شهادة أو كاذبون في زعمهم لاعتقادهم أنه خبر على ~~خلاف ما عليه حال المخبر عنه. ### || [سورة المنافقون (63): آية 2] # اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) # (اتخذوا أيمانهم) أي حلفهم (جنة) أي سترة عن دمائهم وأموالهم (فصدوا) ~~الناس (عن سبيل الله) أي عن «2» الإيمان والجهاد (إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون) [2] حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر. ### || [سورة المنافقون (63): آية 3] # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) # (ذلك) أي سوء عملهم (بأنهم آمنوا) باللسان (ثم كفروا) بالقلب بالاستمرار ~~عليه (فطبع) أي ختم (على قلوبهم) بالكفر (فهم لا يفقهون) [3] الحق ولا ~~يرغبون فيه. ### || [سورة المنافقون (63): آية 4] # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ~~يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) # (وإذا رأيتهم) أي المنافقين (تعجبك أجسامهم) لجمالها وسمنها كعبد الله ~~ابن أبي، فانه كان جميلا جسيما فصيحا (وإن يقولوا تسمع لقولهم) أي تصدقهم ~~لظنك أنهم محقون (كأنهم) أي الحال أنهم (خشب مسندة) بضم الشين وسكونها «3»، ~~أي أسندت إلى الحائط ليس فيها أرواح فشبهوا بها في عدم الخير والانتفاع أو ~~المراد من الخشبة ms1742 ما فسد جوفها ولم يبق فيها ما يصلح لشيء ما، أي هم أجرام ~~خالية عن الإيمان فاسدة البواطن (يحسبون كل صيحة) أي كل صيحة تصاح في ~~العسكر واقعة (عليهم) لجبنهم، ف «عليهم» ثاني مفعولي «يحسبون» فيوقف عليه ~~ويبتدأ (هم العدو) أي هم الكاملون في العداوة، لأن أعدى الأعداء هو الذي ~~يداري معك ويستر PageV04P215 # عداوته في نفسه، ويجوز أن يكون المراد من ال «صيحة» مخاطبة النبي عليه ~~السلام الصحابة، أي يحسبون كل خطاب من النبي عليه السلام لصحابي واقعا ~~عليهم خوفا من أن يكون قد نزل من الله فيهم ما يبيح دماءهم، وقيل: «هم ~~العدو» في محل النصب مفعول ثان ل «يحسبون»، وحقه أن يقال هي العدو نظرا إلى ~~الظاهر إلا أنه جمع نظرا إلى المقدر قبل «كل» «1»، أي أهل كل صيحة أو إلى ~~العدو (فاحذرهم) من إفشاء سرك للكفار (قاتلهم الله) أي أهلكهم، دعاء عليهم ~~أو تعليم للمسلمين أن يدعوا عليهم (أنى يؤفكون) [4] أي كيف «2» يصرفون عن ~~الإيمان بالقرآن بعد قيام البرهان، وفيه تعجيب من جهلهم. ### || [سورة المنافقون (63): الآيات 5 الى 6] # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) # (وإذا قيل لهم) أي لابن أبي وقومه (تعالوا) إلى النبي عليه السلام ~~معتذرين (يستغفر لكم رسول الله لووا) بالتشديد والتخفيف «3»، أي عطفوا ~~(رؤسهم) معرضين عن الاستغفار (ورأيتهم يصدون) أي يعرضون عن طلب الاستغفار ~~(وهم مستكبرون) [5] عن الإيمان في السر - روي: أنه قيل له نزلت فيك أيات ~~شداد فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه وقال أمرتموني أن أو من ~~فآمنت وأمرت أن أزكي مالي فزكيت فما بقي لي إلا أن أتعبد محمدا فنزل «4» ~~(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) لنفاقهم (إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين) [6] أي لا يرشد إلى دينه الخارجين عن أمره ~~بالنفاق، فأخبر تعالى أن استغفاره لهم ms1743 لا ينفعهم ما داموا على نفاقهم. ### || [سورة المنافقون (63): آية 7] # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن ~~السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) # قوله (هم الذين يقولون) الآية نزل حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة مع أصحابه، ونزل بالمريسيع وهو ماء من مياه بني المصطلق، فدار على ~~الماء ووقع بين غلام عمر وسنان بن وبر الجهني كلام فاقتتلا، فصرخ سنان يا ~~معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين، فجاؤا واقتتلوا فسمع النبي ~~عليه السلام ذلك، فقال: # ما بال دعوى الجاهلية دعوها، فانها منفية، فقال عبد الله ابن أبي وهو ~~حليف الأنصار لقومه لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، يعني أصحاب ~~رسول الله عليه السلام، ثم قال أيضا: «والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل»، فقال عمر: «دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا لمنافق»، ~~فقال عليه السلام: «دعه كيلا يتحدث الناس أن محمدا يقبل أصحابه» «5»، فأخبر ~~تعالى عنهم توبيخا بقوله «هم الذين يقولون» (لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله) من الفقراء (حتى ينفضوا) أي يذهبوا متفرقين عنه فقال تعالى (ولله ~~خزائن السماوات والأرض) أي مفاتيح الرزق بيده في السموات والأرض فهو رازقهم ~~منها (ولكن المنافقين لا يفقهون) [7] أي لا يعلمون ما لهم وما عليهم من الله. ### || [سورة المنافقون (63): آية 8] # يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) # ثم أخبر عنهم أيضا بقوله (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز) ~~بالرفع فاعل «يخرج»، أي القوي PageV04P216 # منا أراد نفسه (منها) أي من المدينة (الأذل) بالنصب مفعوله، أراد النبي ~~عليه السلام وأصحابه فقال (ولله العزة) أي الغلبة والقهر على غيره ~~(ولرسوله) باظهار دينه (وللمؤمنين) بنصرهم على الكافرين (ولكن المنافقين لا ~~يعلمون) [8] ذلك، روي: أن ابن عبد الله قال له لئن لم تقر لله ورسوله ~~بالعزة لأضربن عنقك، فقال: ويحك أفاعل أنت؟ قال: نعم، فلما رأى منه الجد ~~قال: ms1744 أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فقال رسول الله عليه السلام ~~لابنه جزاك الله عن رسول الله وعن المؤمنين خيرا «1». ### || [سورة المنافقون (63): آية 9] # يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ~~ذلك فأولئك هم الخاسرون (9) # ثم نبه المؤمنين وحثهم على العمل الصالح فقال (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم) أي لا تشغلكم (أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) أي عن كل كلمة ~~التوحيد أو الصلوات الخمس أو عن كل طاعة (ومن يفعل ذلك) أي الشغل عما نهوا ~~عنه وما أمروا به (فأولئك هم الخاسرون) [9] أي المغبونون بذهاب الدنيا ~~والآخرة. ### || [سورة المنافقون (63): آية 10] # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لو لا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) # (وأنفقوا مما رزقناكم) «من» فيه للتبعيض والمراد الإنفاق الواجب، أي ~~تصدقوا من أموالكم في طاعة الله (من قبل أن يأتي أحدكم الموت) أي أسبابه ~~ودلائله آيسا معها من الإمهال (فيقول رب) أي يا رب (لو لا أخرتني) أي هلا ~~أمهلتني من الموت (إلى أجل قريب) أي إلى وقت قليل (فأصدق) أي أتصدق، يعني ~~أخرج صدقة مالي بالنصب بعد الفاء في جواب «لو لا» (وأكن) بالنصب عطفا على ~~«أصدق» وبالجزم عطفا على محله «2»، لأنه جواب الشرط، كأنه قيل إن أخرتني ~~أصدق وأكن (من الصالحين) [10] وعن ابن عباس رضي الله عنه: «تصدقوا قبل أن ~~ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل» «3»، وعنه: «أنها نزلت ~~في مانعي الزكوة والله لو رأى خيرا- أي المؤمن- عند الموت فما سأل الرجعة» ~~«4»، قال الحسن: «ما من أحد لم يصل ولم يزك ولم يصم ولم يحج إلا سأل ~~الرجعة» «5». ### || [سورة المنافقون (63): آية 11] # ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون (11) # (ولن يؤخر الله نفسا) عن الموت (إذا جاء أجلها) أي وقتها (والله خبير) أي ~~عالم (بما تعملون) [11] بالتاء والياء «6» من خير وشر فيجازيكم عليه، أعلم ~~الله به أن تأخير الموت عن وقته مما ms1745 لا سبيل له وإنه عالم بالأعمال ومجاز ~~عليها من منع واجب وغيره فلم يبق إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات ~~والاستعداد للقاء الله تعالى قبل حلول الأجل. PageV04P217 ### | سورة التغابن # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التغابن (64): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) # (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض) أي لا يخلو كل موجود فيهما عن ~~تسبيحه وتقديسه (له الملك) على الحقيقة، لأنه مبدع كل شيء (وله الحمد) أي ~~هو ولي الحمد لا غيره على الحقيقة، لأن كل نعمة منه لا من غيره، وقدم ~~الظرفان ليدل على هذا الاختصاص، لأن الملك كله لله بالإبداء والإبداع ~~والقيام به والحفظ عليه، أما ملك غيره فتسلط منه واسترعاء فيكون مجازا، ~~وكذلك الحمد كله له تعالى، لأن أصول النعم وفروعها منه أما حمد غيره ~~فاعتداد بأن نعمة الله جرت على يده «1» (وهو على كل شيء قدير) [1] أي هو ~~قادر على ما يشاء في خلقه من التوفيق والخذلان. ### || [سورة التغابن (64): آية 2] # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) # (هو الذي خلقكم) من نفس واحدة (فمنكم) أي بعضكم (كافر) بخالقه (ومنكم) أي ~~بعضكم (مؤمن) بخالقه، وقدم الكفر لكثرته (والله بما تعملون بصير) [2] أي ~~عالم بكفركم وإيمانكم الصادرين منكم وإن كانا مقدرين في علمه تعالى، ~~المعنى: أنكم استويتم في خلق الله الذي هو تفضل عليكم بالإيجاد من العدم ~~فمقتضاه أن تشكروا له فما فعلتم مع تمكنكم عليه بل تفرقتم أمما واختلفتم في ~~أحوالكم وأعمالكم من الكفر والإيمان والمعصية والطاعة، والله يعلم بذلك كله ~~فاحذروه. ### || [سورة التغابن (64): آية 3] # خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) # (خلق السماوات والأرض بالحق) أي هو خلقهما بالحكمة البالغة وهي أن جعل ~~السموات سقفا ليرزق عباده منها وجعل الأرض مقرا للمكلفين ليعملوا فيها ~~فيجازيكم بالثواب والعقاب (وصوركم فأحسن صوركم) بأن جعل الآدمي منتصبا غير ~~منكب مع شكل جميل ولسان ms1746 ذلق ويد وأصابق يقبض بها ويعطى بها فهو أحسن ~~الحيوان كله صورة وشكلا وإن كان بعض أفراده دميما «2» مشوه الصورة تقبحه ~~«3» العيون، قوله (وإليه المصير) [3] تهديد للعباد ليكونوا على الحذر ~~دائما، لأنه مطلع على الكليات والجزئيات. ### || [سورة التغابن (64): آية 4] # يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور (4) # هو (يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون) في قلوبكم (وما تعلنون) ~~بألسنتكم (والله عليم بذات الصدور) [4] أي بضمائر القلوب، فحقه أن يتقى ~~ويحذر من عمل يخالف رضاه، وتكرير العلم «4» يدل على تكرير الوعيد. PageV04P218 ### || [سورة التغابن (64): آية 5] # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) # ثم زاد ذلك بقوله (ألم يأتكم) يا كفار مكة (نبأ الذين كفروا) أي خبرهم ~~(من قبل) أي قبلكم (فذاقوا وبال أمرهم) أي عقوبة عملهم في الدنيا (ولهم ~~عذاب أليم) [5] أي دائم في الآخرة. ### || [سورة التغابن (64): آية 6] # ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) # قوله (ذلك) إخبار عن سبب نزول عذابهم، أي العذاب النازل بهم في الدنيا ~~(بأنه) أي بسبب أن الشأن (كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي الأمر والنهي أو ~~الحجج الواضحة على الإيمان، وأنث اسم «كان» باعتبار القصة (فقالوا أبشر ~~يهدوننا) أي آدمي مثلنا يرشدنا إلى دين غير ديننا (فكفروا) بالرسل وبما ~~جاؤا به (وتولوا) أي أعرضوا عن الإيمان (واستغنى الله) أطلق الاستغناء فيه ~~ليتناول كل شيء، ومن جملته إيمانهم وطاعتهم، أي أظهر غناه عن كل خلقه ~~وإيمانهم (والله غني) في الأزل عن كل شيء (حميد) [6] أي محمود على كل صنعه. ### || [سورة التغابن (64): آية 7] # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير (7) # (زعم الذين كفروا) أي ادعى مشركو مكة (أن لن يبعثوا) يوم القيامة (قل) يا ~~محمد لهم (بلى) وهو تصديق لما بعد النفي بكلمة «لن»، ثم أكد بواو القسم في ~~(وربي) أي أقسم به (لتبعثن) بعد ms1747 الموت (ثم لتنبؤن) أي لتخبرن (بما عملتم) ~~في الدنيا فيجازيكم «1» عليه (وذلك) أي البعث والجزاء (على الله يسير) [7] ~~أي هين عليه. ### || [سورة التغابن (64): آية 8] # فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) # (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) أي القرآن الذي نزل به جبرائيل ~~على محمد عليه السلام ليخرجكم من ظلمة الجهل إلى نور العلم (والله بما ~~تعملون خبير) [8] من الإيمان والكفر فيجازيكم بهما. ### || [سورة التغابن (64): آية 9] # يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم (9) # (يوم يجمعكم) فتعلق الظرف ب «خبير» أو العامل فيه مقدر، أي اذكر يوم ~~يجمعكم بالبعث من قبوركم (ليوم الجمع) أي ليوم يجمع فيه الخلائق من الأولين ~~والآخرين (ذلك) أي اليوم (يوم التغابن) وهو أن يغبن القوم بعضهم بعضا، أي ~~يوم يغبن فيه المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهلهم المعد لهم في الجنة أو ~~آمنوا، وفيه اختصاص للتغابن في يوم الجمع مع أن الناس يتغابنون في أمور ~~الدنيا أيضا إجلالا لذلك اليوم وإعظاما لهوله، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار، لو أساء ليزداد شكرا، ~~وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة، لو أحسن ليزداد حسرة» «2» ~~(ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا) أي من يوحد الله ويؤد فرائضه (يكفر عنه) أي ~~يغفر له (سيئاته ويدخله) بالنون والياء فيهما «3» (جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها) أي لا يخرجون عنها (أبدا ذلك) أي خلودهم فيها (الفوز ~~العظيم) [9] أي النجاة الوافرة. ### || [سورة التغابن (64): آية 10] # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير (10) # (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي القرآن والرسول (أولئك أصحاب النار ~~خالدين فيها وبئس المصير) [10] أي الذي يصير إليه المكذبون النار. PageV04P219 ### || [سورة التغابن (64): آية 11] # ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء ~~عليم (11) # (ما أصاب) ms1748 لبني آدم (من مصيبة) أي شدة ومرض ونقص من الأموال والأنفس (إلا ~~بإذن الله) أي بقضائه وعلمه «1» (ومن يؤمن بالله) أي يصدق أنه لا يصيبه شيء ~~من ذلك إلا بمشيته ويعلم أنه من الله تعالى لا من غيره (يهد قلبه) أي يشرح ~~صدره لعمل الخير ويصلحه بتوفيقه ليسترجع عند نزول المصيبة، وعن مجاهد: # «إن ابتلي صبر وإن أعطي شكر وإن ظلم غفر» «2» (والله بكل شيء عليم) [11] ~~أي بصبره عليها وثواب من صبر على ما فعله له. ### || [سورة التغابن (64): الآيات 12 الى 13] # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين ~~(12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) # (وأطيعوا الله) في الرضا بقضائه (وأطيعوا الرسول) فيما يأمركم به من ~~الصبر وترك الجزع (فإن توليتم) أي أعرضتم عن طاعتهما (فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين) [12] أي التبليغ الظاهر للناس لا غيره، ثم وحد نفسه في ~~الألوهية وإيصال النفع والضر للخلق فقال (الله لا إله إلا هو) أي لا ضار ~~ولا نافع إلا الله «3» (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [13] أي ليفوضوا أمرهم ~~إليه تعالى وهو حث لرسوله وأصحابه على التقوى به في أمرهم حتى ينصرهم على ~~المعرضين عن الإيمان به تعالى. ### || [سورة التغابن (64): آية 14] # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) # ونزل فيمن منعت أزواجه وأولاده عن هجرته من مكة إلى المدينة قوله «4» (يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) يمنعكم من الهجرة ~~المحققة لإيمانكم (فاحذروهم) ولا تطيعوهم في ترك الهجرة، و «من» للتبعيض ~~لأن بعضهم ليس بعدو لهم، والضمير في «فاحذروهم» لل «عدوا» أو لل «أزواج» وا ~~ل «أولاد» جميعا، أي لا تأمنوا شرهم وغوائلهم، بل كونوا منهم على حذر (وإن ~~تعفوا) عنهم وتتركوا الضرب والشتم (وتصفحوا) أي تجاوزوا عن عقابهم ~~(وتغفروا) ذنوبهم (فإن الله غفور رحيم) [14] لذنوب المؤمنين ويعطي ثوابهم ~~في الجنة، روي: أن قوما أسلموا في مكة وأرادوا أن يخرجوا إلى المدينة ~~فمنعهم ms1749 أزواجهم وأولادهم وقالوا أتنطلقون وتضيعوننا فرقوا لهم ووقفوا، فلما ~~قدموا على النبي عليه السلام رأوا الناس قد فقهوا في الدين فأرادوا أن ~~يعاقبوا أزواجهم وأولادهم فنزلت الآية لتزيين العفو لهم «5». ### || [سورة التغابن (64): آية 15] # إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) # ثم قال لدفع الميل إليهم والصبر عنهم لمحافظة الدين الحق (إنما أموالكم ~~وأولادكم) الذين بمكة (فتنة) أي بلية لا يقدر الرجل على الهجرة بسببهم أو ~~جميع الأموال والأولاد فتنة في الدين، لأن الاشتغال بهم يقطع القلب عن ذكر ~~الله وطاعته (والله عنده أجر عظيم) [15] لمن أطاع الله ولم يعصه لأجل ~~الأموال والأولاد بعد الإحسان إليهم، روي عن النبي عليه السلام: «يؤتى برجل ~~يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته» «6»، وقيل: # العيال سوس الطاعات «7»، وهو دود يقع في الطعام والثوب وغيرهما. PageV04P220 ### || [سورة التغابن (64): آية 16] # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون (16) # قوله (فاتقوا الله ما استطعتم) نسخ قوله «اتقوا الله حق تقاته «1»» «2»، ~~أي اتقوه على قدر طاقتكم (واسمعوا) ما أمرتم به سماع قبول (وأطيعوا) الله ~~ورسوله (وأنفقوا) المال في سبيله وآتوا (خيرا لأنفسكم) وافعلوا ما هو خير ~~لها وأنفع، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأمور، ثم زاد ذلك بقوله (ومن ~~يوق شح نفسه) أي يدفع البخل عن نفسه (فأولئك هم المفلحون) [16] بدخول الجنة. ### || [سورة التغابن (64): آية 17] # إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) # (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) أي صادقا من قلوبكم، فيه تلطف من الله في طلب ~~الصدقات للفقراء بوجه يرغب في الإعطاء عن طيبة نفس من غير ضرر مع أنه مولى ~~وهم عبيده (يضاعفه) أي الله يضاعف القرض (لكم) أي «3» يعطي للواحدة عشرا ~~إلى ما لا يحصى (ويغفر لكم) ذنوبكم (والله شكور) يقبل منكم اليسير ويعطي ~~لكم «4» الجزيل (حليم) [17] لا يعاجل بعقوبة المسيء والبخيل. ### || [سورة التغابن (64): آية 18] # عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) # (عالم الغيب والشهادة) أي عالم بالملك والملكوت (العزيز) أي الغالب في ~~ملكه ms1750 (الحكيم) [18] في أمره وفعله. PageV04P221 ### | سورة الطلاق # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الطلاق (65): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) # (يا أيها النبي) أفرده بالخطاب أولا تعظيما له ثم خاطب بالجمع وأراد به ~~رسوله محمدا عليه السلام مع أمته تشريفا لهم فقال (إذا طلقتم النساء) أي ~~إذا أردتم طلاق نسائكم اللاتي هن ذوات الأقراء (فطلقوهن لعدتهن) أي في أول ~~طهر يعتد به «1» وهو طهر لم يجامعها زوجها فيه حائلا «2» كانت أو حاملا وهو ~~الطلاق السني، فطلاق الحائض والنفساء بدعي لما روي عن النبي عليه السلام ~~أنه قال لعمر: «مر ابنك أن يراجع امرأته، ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم ~~تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها ~~النساء» «3»، والحكم بالمراجعة يدل على وقوع الطلاق البدعي، وعن الشافعي ~~رحمه الله لا بأس بارسال الثلث، وقال: # لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح «4»، فالمراد من «النساء» ~~المدخول بهن من المعتدات بالحيض لقوله «لعدتهن»، إذ لا عدة «5» لغيرهن ~~فيكون معنى «لعدتهن» لقبل عدتهن، فاللام بمعنى في، أي في وقت يكن طاهرات من ~~غير جماع، لأنه ربما يندم الرجل على امرأة يطلقها، فاذا كانت طاهرة لم ~~يجامعها، فان بدا له أن يمسكها أمسكها وإن بدا له أن يخلي سبيلها يخلي ~~سبيلها «6»، هكذا روي عن علي رضي الله عنه «7» (وأحصوا العدة) أي اضبطوها ~~واحفظوا عدد الأقراء واكملوها ثلاثة مستقلات بلا نقصان، وإنما أمر الرجال ~~بالحفظ لأن في النساء غلفة فربما لا تحفظها، قيل: الصغيرة والآيسة والحامل ~~كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر وغير المدخول لا ~~يطلق للنسة إلا واحدة ولا يراعى الوقت، وقال غيرهما الحامل لا تطلق للسنة ms1751 ~~إلا واحدة كغير المدخول بها، إذ لا حيض لها فلا يراعى الوقت «8» (واتقوا ~~الله ربكم) فيما أمركم به من الطلاق في طهرهن فلو طلقها زوجها في الحيض فقد ~~أساء ووقع الطلاق عليها وفاقا منهم (لا تخرجوهن) باختيارهن إن طلبن الخروج ~~(من بيوتهن) اللاتي يسكنها إذا طلقتموهن حتى تنقضي عدتهن (ولا يخرجن) بغير ~~اختيارهن من بيوتهن إن طلبتم خروجهن غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن، إذ لا ~~أذن لكم في رفع الحظر (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) وهي أن تأتي حدا فتخرج ~~بالضرورة لإقامته عليها ثم تعود (وتلك) أي الأحكام المذكورة (حدود الله ومن ~~يتعد حدود الله) أي يتركها (فقد ظلم) أي أضر (نفسه لا تدري) أي لا تعلم ما ~~يحدث لك بعد البينونة (لعل الله يحدث بعد ذلك) أي بعد «9» الطلاق (أمرا) ~~[1] وهو أن يندم الزوج لحبها أو PageV04P222 # لولدها فيراجع زوجته بعد التطليقة والتطليقتين فاستحب تفريق الطلاق لذلك، ~~إذ لو طلقها ثلاثا لا يمكن له أن يراجعها. ### || [سورة الطلاق (65): آية 2] # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا (2) # (فإذا بلغن أجلهن) أي إذا قرب انقضاء عدتهن وهو آخر العدة، يعني إذا مضى ~~ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة بعد فأنتم بالخيار إن شئتم إمساكهن ~~(فأمسكوهن بمعروف) أي بنكاح جديد أو بالرجعة والإحسان (أو فارقوهن) أي وإن ~~شئتم مفارقتهن ففارقوهن (بمعروف) أي اتركوهن بالإحسان واتقاء «1» الضرر ~~(وأشهدوا) على الفراق (ذوي عدل منكم) فهو مستحب أو على النكاح الجديد فهو ~~واجب، إذ لا نكاح إلا بشهود (وأقيموا الشهادة لله) أي لأجل الله خاصة لا ~~تنظروا في المشهود له ولا في المشهود عليه (ذلكم) أي أداء الشهادة لله ~~(يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) لئلا يكتمها (ومن يتق الله) ~~ويطلق امرأته «2» للسنة (يجعل له مخرجا) [2] «3» بالمراجعة. ### || [سورة الطلاق (65): آية 3] # ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ms1752 إن الله بالغ أمره ~~قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) # (ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي لم يخطر بباله، يعني يوسع رزقه (ومن يتوكل ~~على الله) أي يعتمد عليه في أمر الرزق وفي كل ما نابه من النوائب (فهو ~~حسبه) أي الله يكفيه ما همه، قيل: المخرج على وجهين، أحدهما أن يخرجه من ~~تلك الشدة والآخر أن يكرمه فيها الرضا والصبر «4» (إن الله بالغ أمره) ~~بالتنوين وبالإضافة «5»، أي منفذ حكمه في الرخاء والشدة (قد جعل الله لكل ~~شيء) من الرخاء والشدة (قدرا) [3] أي أجلا ونهاية لا يتقدم ولا يتأخر عنه. ### || [سورة الطلاق (65): آية 4] # واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا (4) # (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم) لكبرهن، أي يصرن لذلك قاطعات الرجاء ~~من الحيض (إن ارتبتم) أي إن أشكل عليكم حكمهن في العدة (فعدتهن ثلاثة أشهر) ~~قيل: نزلت حين سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد نزول قوله «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» «6»، فقال: يا ~~رسول الله لو كانت المرأة آيسة، أي قاطعة الرجاء من الحيض كيف تعتد ثم قام ~~رجل آخر بعده، فقال: يا رسول الله لو كانت صغيرة كيف عدتها، وقال آخر: لو ~~كانت حاملا كيف عدتها فنزلت «7» (واللائي لم يحضن) لصغرهن وهو مبتدأ، خبره ~~محذوف، وهو كاللائي يئسن، أي فعدتهن ثلاثة أشهر، وإنما حذف الخبر لدلالة ما ~~قبله عليه هذا في الطلاق، وأما في العدة التي توفي زوجها فهي أربعة أشهر ~~وعشر «8»، قوله (وأولات الأحمال) مبتدأ، أي ذوات الحمل سواء كانت مطلقات أو ~~توفي عنهن أزواجهن (أجلهن) مبتدأ ثان، أي انقضاء عدتهن التي يجوز بعدها ~~النكاح (أن يضعن حملهن) في محل الرفع خبر المبتدأ الثاني، والجملة في محل ~~الرفع خبر المبتدأ الأول، قال علي وابن عباس: «عدة المتوفى عنها أبعد ~~الأجلين» «9» (ومن يتق الله) أي من يخشه ويصبر ms1753 على ما أمره به (يجعل له من PageV04P223 # أمره) أي أمر الدارين «1» (يسرا) [4] يعني يسهل «2» عليه أمرهما ويخلصه ~~«3» من شدائدهما. ### || [سورة الطلاق (65): آية 5] # ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (5) # (ذلك) أي المذكور من حكمه «4» تعالى (أمر الله) أي حكمه وفرضه (أنزله ~~إليكم) في القرآن على نبيكم (ومن يتق الله) ويعمل بأحكامه وفرائضه (يكفر ~~عنه) بالياء والنون «5» (سيئاته) في دار الدنيا (ويعظم له أجرا) [5] أي ~~ثوابا في دار الآخرة. ### || [سورة الطلاق (65): آية 6] # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى (6) # (أسكنوهن من حيث سكنتم) هذا ذكر أحكام المطلقات على الأزواج، أي أنزلوهن ~~بعد الطلاق مكانا من حيث تسكنون فيه، ف «من» للتبعيض في المكان كما في قولك ~~جئت من الليل، في بعض الليل، و«من» في (من وجدكم) بيان «من حيث سكنتم»، ~~والوجد الوسع والطاقة والغنا، أي مما تطيقونه من مكان سكناكم «6» (ولا ~~تضآروهن) أي لا تؤذوهن (لتضيقوا عليهن) في المكان والنفقة فيتركن ذلك لكم ~~على طريق الفداء وإسقاط الحق عليكم (وإن كن) أي المطلقات (أولات حمل) أي ~~ذوات حمل (فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) والسكنى والنفقة واجبتان لكل ~~مطلقة رجعية أو بائنة، وعند الشافعي رحمه الله ليس للبائنة إلا السكنى ولا ~~نفقة لها، وفائدة الشرط في قوله «وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن» عند أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله أن مدة الحمل ربما طال، فظن ظان أن النفقة تسقط ~~إذا مضى مقدار عدة الحائل فنفي ذلك الوهم، وأما المتوفى عنها وهي حامل، ~~فالأكثر على أن لا نفقة لها، وعن على رضي الله عنه وجماعة أنهم أوجبوا ~~نفقتها «7» (فإن أرضعن) أي المطلقات ولدا (لكم) منهن أو من غيرهن (فآتوهن) ~~أي أعطوهن (أجورهن) لأن النفقة على الأب وأجر الرضاع منها فهو على الأب، ~~إذا كانت المرأة مطلقة (وأتمروا) أي تشاوروا (بينكم بمعروف) ms1754 أي بأمر جميل ~~وهو المسامحة في حق الصبي بأن يتواصي الأبوان على أجر معلوم والرضاع «8» عن ~~طيبة نفس (وإن تعاسرتم) في الرضاع، يعني إن امتنع الأب عن إعطاء أجرة ~~الرضاع وامتنعت الأم عن إرضاعه (فسترضع له) أي للصبي مرضع (أخرى) [6] ولا ~~تكره الأم على إرضاعه. ### || [سورة الطلاق (65): آية 7] # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) # (لينفق) بالجزم، لأنه لام الأمر، أي لينفق على المطلقات والمرضعات (ذو ~~سعة من سعته) أي ذو غنا على قدر غناه ويسره (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق ~~(فلينفق) عليهن (مما آتاه الله) من المال على قدره وحاله (لا يكلف الله ~~نفسا) في أمر النفقة (إلا ما آتاها) أي الذي أعطاها من المال، قوله (سيجعل ~~الله بعد عسر يسرا) [7] وعد لفقراء الأزواج بفتح أبواب الرزق عليهم «9» ان ~~أنفقوا «10» ما قدروا عليه من غير تقصير. PageV04P224 ### || [سورة الطلاق (65): الآيات 8 الى 9] # وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها ~~عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) # (وكأين من قرية) أي كم من أهل قرية (عتت) أي عصت (عن أمر ربها ورسله) «1» ~~الذي أمرها به استكبارا (فحاسبناها) أي جازينا «2» تلك القرية بعملها ~~(حسابا شديدا) بالقحط والسيف في الدنيا (وعذبناها عذابا نكرا) [8] وهو ~~النار في الآخرة (فذاقت وبال أمرها) أي جزاء ذنبها (وكان عاقبة أمرها) أي ~~صار آخره (خسرا) [9] أي ندامة وهلاكا. ### || [سورة الطلاق (65): آية 10] # أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا (10) # (أعد) أي هيأ (الله لهم) أي لأعدائه (عذابا شديدا) في الآخرة، إذ لم ~~يرجعوا عن كفرهم ولم يكن ما أصابهم في الدنيا كفارة لذنوبهم، ثم أمر الله ~~تعالى للمؤمنين لطفا منه بتقواه معتبرين بحال الهالكين بترك ما أمرهم به ~~بقوله (فاتقوا الله) أي اخشوه وأطيعوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه (يا أولي ~~الألباب) أي ms1755 يا ذوي العقول الخالصة (الذين آمنوا) بالله ورسوله (قد أنزل ~~الله إليكم ذكرا) [10] أي كتابا شريفا وهو القرآن. ### || [سورة الطلاق (65): آية 11] # رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) # قوله (رسولا) بدل من «ذكرا» أو نصب بمضمر، أي أرسل رسولا إليكم أو «3» ذا ~~رسول أو برسول نعت «ذكرا» (يتلوا عليكم آيات الله) أي يقرأ ويعرض عليكم ~~آيات القرآن (مبينات) أي واضحات الأحكام بألسنتكم (ليخرج الذين آمنوا) أي ~~صدقوه (وعملوا الصالحات) أي الطاعات بما فيه (من الظلمات) أي من حجب الكفر ~~(إلى النور) أي إلى الإيمان أو من ظلمة الجهل إلى نور العلم أو من الشك إلى ~~اليقين (ومن يؤمن بالله) أي يثبت على الإيمان (ويعمل صالحا) أي يؤد فرائض ~~الله وسنن الرسول (يدخله) بالياء والنون «4» (جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا) أي دائمين فيها بعد البعث (قد أحسن الله له) أي جمل ~~للمؤمن (رزقا) [11] أي ثوابا عظيما في الجنة، وفيه معنى التعجب والتعظيم. ### || [سورة الطلاق (65): آية 12] # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن ~~الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) # قوله (الله الذي خلق سبع سماوات) مبتدأ وخبر، تأكيد لإحسانه على خلقه (و) ~~خلق (من الأرض مثلهن) أي كعدد السموات صرح هنا به أن الأرض سبع لا في موضع ~~آخر، قيل: بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام كما بين كل سماوين وغلظ كل منهما ~~«5» كذلك «6»، وقيل: في كل أرض خلق الله لهم سادة يقومون عليهم مقام آدم ~~ونوح وإبراهيم وعيسى عليهم الصلوة والسلام أجمعين «7» (يتنزل الأمر) أي ~~يجري أمر الله وحكمه (بينهن) «8» بالوحي بين كل سماء وبين كل أرض، فينزل ~~جبرائيل من السماء السابعة إلى الأرض السفلي وينفذ ملك الله فيهن، ولا مانع ~~عنه، ففي كل سماء وفي كل أرض خلق ms1756 من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه ~~(لتعلموا) أيها الناس بنور العقل (أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد ~~أحاط بكل شيء علما) [12] أي أحاط علمه بكل شيء في الوجود. PageV04P225 ### | سورة التحريم # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التحريم (66): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) # قوله (يا أيها النبي لم تحرم) نزل عتابا له عليه السلام لتحريمه المحلل ~~على نفسه حين شرب شربة من عسل عند سودة، فدخل على عائشة فقالت: «إني لأجد ~~منك ريحا»، ثم دخل على حفصة بعد أن اتفقت حفصة وعائشة في هذا القول، فقالت: ~~«إني أجد منك ريحا»، وكان عليه السلام يكره الريح المنكرة، قال: «أراه من ~~شراب شربته عند سودة والله لا أشربه» «1»، وروي: أنه عليه السلام وطئ ~~جاريته مارية القبطية في بيت حفصة وكانت غائبة، فلما دخلت عليه شق ذلك ~~عليها وبكت، فقال عليه السلام: «هي جاريتي أحل الله لي اسكتي فهي حرام علي ~~أبتغي بذاك رضاك ولا تعلمي أحدا من النساء»، فأخبرت عائشة بذلك «2»، فكأن ~~التحريم زلة منه، ومعناه لم تحرم (ما أحل الله لك) من ملك اليمين أو من «3» ~~العسل، قوله «4» (تبتغي مرضات أزواجك) حال من ضمير «لك»، أي تطلب رضاهن ~~بتحريم المحلل وليس لأحد تحريم ما أحل، يعني رضا عائشة (والله غفور) لمن ~~تاب من ذنوبه كحفصة (رحيم) [1] لها حيث لم يعاقبها. ### || [سورة التحريم (66): آية 2] # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) # (قد فرض الله) أي أوجب (لكم تحلة أيمانكم) أي كفارة قسمكم (والله مولاكم) ~~أي ناصركم (وهو العليم) بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية (الحكيم) [2] ~~يحكم بكفارة اليمين وتحليلها، قيل: لو حرم الرجل حلالا على نفسه فليس بيمين ~~عند البعض، بل هو ما نوى به من طلاق أو عتاق أو ظهار، ويمين عند البعض يجب ~~به الكفارة، وعليه أبو حنيفة رحمه الله، وبعضهم يقول إنه ليس بشيء وإنما ms1757 ~~امتنع النبي عليه السلام من مارية لأجل يمينه بقوله «والله لا أقربها بعد ~~اليوم» «5»، فقال الله تعالى له لا تمتنع باليمين عما أباح الله لك، كفر عن ~~يمينك، واستعمله، قيل: «إنه لم يكفر» «6»، لأنه كان مفعولا له ما تقدم ن ~~ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمسلمين، وقيل: # «أعتق رقبة في تحريم مارية» «7». PageV04P226 ### || [سورة التحريم (66): آية 3] # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) # (وإذ) أي ويعلم حين (أسر النبي) أي أخفى من الغير (إلى بعض أزواجه) وهي ~~حفصة (حديثا) أي حديث مارية وخلافة الشيخين بعده عليه السلام (فلما نبأت) ~~أي أخبرت حفصة عائشة (به) أي بذلك الحديث (وأظهره) «1» أي أعلم (الله) ~~قولها (عليه) أي على رسوله محمد عليه السلام بسبب جبرائيل (عرف بعضه) ~~بالتخفيف، أي جازى الرسول عليه السلام حفصة على بعض ما أفشت من سره لعائشة ~~وهو حديث مارية، فقال: لم أفشيته ولم تحفظي سري وضاق صدره منه، وقرئ ~~بالتشديد «2» أصله أعلمه حفصة موبخا بعد ما حدثت لعائشة، وإنما لم يقل فلما ~~نبأت به بعضهن وعرفها بعضه بذكر مفعول «نبأت» والمفعول الأول ل «عرف»، لأن ~~الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به من قبلها لا بيان من المذاع إليه، ~~وذكر أن رسول الله عليه السلام لم يوجد منه بحلمه إلا الإعلام ببعضه وهو ~~حديث الامامة «3» مارية لا بيان من المعرف (وأعرض) أي سكت (عن بعض) أي عن ~~أمر الخلافة ولم يذكر لحفصة لم أفشيته، يعني أمر الخلافة تكرما منه عليه ~~السلام في عدم الاستقصاء بالجزاء لها (فلما نبأها) أي نبأ النبي عليه ~~السلام حفصة (به) أي بما نبأت من الخبر عائشة (قالت) حفصة (من أنبأك هذا) ~~أي المنبأ به الذي صدر مني (قال) صلى الله عليه وسلم (نبأني العليم) بكل ~~شيء (الخبير) [3] من كل سر. ### || [سورة التحريم (66): آية 4] # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن ms1758 تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب مبالغة في العتاب فقال (إن تتوبا) يا ~~عائشة وحفصة (إلى الله) من فعلكما الذي كرهه النبي عليه السلام، وجواب ~~الشرط محذوف، أي قبلت توبتكما (فقد صغت قلوبكما) أي زاغت ومالت عن «4» الحق ~~وهو أن تسروا ما كره النبي عليه السلام من تحريم مارية وجمع القلوب والمراد ~~قلبا كما فرارا من اجتماع تثنيتين في كلمة واحدة (وإن تظاهرا) بالتخفيف ~~والتشديد «5»، أي إن تعاونوا (عليه) أي على أذاه (فإن الله هو مولاه) أي ~~ناصره البتة (وجبريل) وهو رأس الكروبيين (وصالح المؤمنين) واحد أريد به ~~الجمع، أي كل من آمن وعمل صالحا أو من «6» برئ من النفاق وهو عطف على ~~الضمير المستتر في «مولاه» الراجع إلى الله، يعني هم ينصرونه كما ينصره ~~الله، قوله (والملائكة) مبتدأ، أي الملائكة مع تكاثرهم (بعد ذلك) أي بعد ~~نصر المذكورين، خبره (ظهير) [4] أي ظهراؤه وأعوانه ولم يكتف بنصر الله وهو ~~أعظم الأنصار إيذانا بأنه فضل نصرته بنصرتهم «7» لفضلهم على سائر خلقه وفي ~~الحقيقة نصرتهم من جملة نصرة الله. ### || [سورة التحريم (66): آية 5] # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) # قوله (عسى ربه إن طلقكن) لعصيانكن «8» (أن يبدله) بالتخفيف والتشديد «9» ~~(أزواجا خيرا منكن) تخويف لهن رسوله المكرم عنده «10» إن لم يتبن مما يسوءه ~~ويؤذيه، لأنه عليه السلام إذا طلقهن لعصيانهن له لم يبقين PageV04P227 # على الصفة التي هي كونهن خير نساء الدنيا، قوله (مسلمات) الآية بيان ~~لأوصاف تلك النساء التي تبدل، أي مقرات بالإسلام وأحكامه (مؤمنات) أي ~~مخلصات في دينهن (قانتات) أي مطيعات لأمر الله وأمر رسوله (تائبات) أي ~~راجعات عن ذنوبهن إلى الله (عابدات) أي مجاهدات في عبادة الله (سائحات) أي ~~صائمات أيامهن، يقال ساح للعبادة إذا مضى نهاره بلا زاد (ثيبات وأبكارا) ~~[5] أي مفتضات وعذارى، ووسط الواو بين «ثيبات» و«أبكارا» دون باقي الصفات، ~~لأنهما صفتان متباينتان لا يجتمعان كاجتماعها ms1759 فيهن، فلابد من الواو ليدل ~~على ذلك. ### || [سورة التحريم (66): الآيات 6 الى 7] # يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا ~~أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) # (يا أيها الذين آمنوا قوا) أي جنبوا وأبعدوا (أنفسكم وأهليكم نارا) أي عن ~~نار جهنم بامتثال أمر الله واجتناب نهيه وبأن تحملوا أهلكم على طاعة الله ~~بتعليمهن فرائضها وسننها لعل الله يجمعهم معكم في الجنة (وقودها) أي ما ~~يوقد به النار من الحطب، يعني حطبها (الناس) إذا صاروا إليها (والحجارة) أي ~~حجارة الكبريت، وذلك قبل أن يصير الناس إليها (عليها) أي على النار ~~(ملائكة) هي ولاة يعذبون بها الناس، وهم التسعة عشر وأعوانهم (غلاظ شداد) ~~أي أقوياء يعملون بأيديهم وأرجلهم ما أمروا يضرب أحدهم بمقمعته ضربة واحدة ~~سبعين ألفا من الناس فيسقطون في النار (لا يعصون الله ما أمرهم) أي يقبلونه ~~ولا ينكرونه (ويفعلون ما يؤمرون) [6] به باسراع ولا يمتنعون عن فعله ~~بالرشوة كأعوان ملوك الدنيا، وهذه الآية تهديد للفساق من أهل الكبائر فانهم ~~مساكنون مع الكفار «1» في دار واحدة وإن اختلفت دركاتهم، وللذين آمنوا ~~بألسنتهم دون قلوبهم بدليل قوله (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) أي ~~يقال لهم يومئذ حين «2» يعتذرون «3» لا يقبل منكم العذر اليوم (إنما تجزون ~~ما كنتم) أي بما كنتم (تعملون) [7] في الدنيا من المعاصي والشرك. ### || [سورة التحريم (66): آية 8] # يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) # (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله) عن ذنوبكم (توبة نصوحا) بضم النون ~~مصدر «4»، أي تنصحون «5» نصوحا، وبفتحها «6» نعت كصبور، أي توبة ناصحة ~~لغيركم، وهي إدمان البكاء على الذنب من خوف مقام ربه ms1760 بعد الندم بالقلب ~~الحاضر واللسان الذاكر به تعالى وهجران إخوان السوء وتدارك الفرطات مع ~~العزم أن لا يعودوا بعدها في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع ~~وملازمة صحبة أحباء الله والخوف من الوقوع فيه مرة أخرى، قوله (عسى ربكم) ~~إطماع من الله لعباده وتعليم لهم التردد بين الخوف والرجاء من غير ترجيح، ~~أي توبوا على طمع (أن يكفر عنكم سيئاتكم) أي الذنوب الماضية إن تبتم كذلك ~~(ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي) عليه السلام ~~«7» فيما أراد لكم من الشفاعة، وفيه تعريض لأهل الكفر والفسوق، قوله ~~(والذين آمنوا معه) مبتدأ، خبره (نورهم يسعى) أي يضيء إذا ركبوا على الصراط ~~(بين أيديهم) أي أمامهم (وبأيمانهم) أي عن أيمانهم وعن «8» شمائلهم ~~(يقولون) أي الصراط (ربنا أتمم لنا نورنا) حين PageV04P228 # رأوا أن نور المنافقين قد طفئ فخافوا على نورهم على عادة البشرية وإن ~~كانوا معتقدين الأمن بالإيمان، أي أحفظ لنا نورنا من الطفوء (واغفر لنا) ما ~~مضى من الذنوب (إنك على كل شيء قدير) [8] أي على إتمام النور ومغفرة الذنوب ~~وغيرهما، وهذا الدعاء ليس للتقرب حقيقة، لأنه ليست الدار دار تقرب لكنهم ~~أظهروا حالهم كحال المتقربين خوفا عن زوال ما هو حاصل لهم من الرحمة، فلذلك ~~يسمى تقربا. ### || [سورة التحريم (66): آية 9] # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير (9) # ثم حرض النبي عليه السلام على جهاد الفريقين بقوله (يا أيها النبي جاهد ~~الكفار) بالسيف (والمنافقين) بالحجة وإقامة الحدود (واغلظ عليهم) أي اشدد ~~على الكفار والمنافقين في ذلك (ومأواهم جهنم) إن لم يتوبوا (وبئس المصير) ~~[9] أي المرجع جهنم. ### || [سورة التحريم (66): آية 10] # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) # قوله (ضرب الله) أي مثل (مثلا للذين كفروا) أي لكفار مكة (امرأت نوح) ~~اسمها واعلة (وامرأت لوط) اسمها واهلة، نزل حين قال كفار مكة استهزاء ms1761 يشفع ~~لنا محمد يوم القيامة، فبين بضرب المثل أن شفاعة محمد لا ينفع كفار مكة ولو ~~كانوا أقرباءه، لأن امرأة نوح وامرأة لوط «1» (كانتا تحت عبدين) أي ~~زوجتيهما (من عبادنا صالحين) أي عاملين عملا صالحا في الإسلام (فخانتاهما) ~~أي خالفتا نوحا ولوطا في الدين، لأن امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه مجنون، ~~وامرأة لوط كانت تدل على الأضياف، فخيانتهما: إبطان الكفر والتظاهر على ~~الرسولين (فلم يغنيا) أي زوجهما (عنهما) مع صلاحهما، يعني مع صالح الزوجين ~~وكفر زوجتيهما (من الله) أي من عذابه (شيئا وقيل) أي يقال في الآخرة ~~لزوجتيهما (ادخلا النار مع الداخلين) [10] أي الكافرين من قوم نوح ولوط، ~~فكذلك «2» يقال لكفار مكة في الآخرة وإن كانوا أقرباء النبي عليه السلام، ~~يعني لا ينفعهم صلاحه عليه السلام وإنما ينفع الإيمان به، ولا يجوز أن يكون ~~الخيانة فيهما الفجور، لأنه قبيح في الطباع «3» لا يستحسنه أحد من الناس ~~بخلاف الكفر، فان الكفار لا يستقبحونه بل يستحسنونه ويسمونه «4» حقا، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بغت امرأة نبي قط» «5». ### || [سورة التحريم (66): آية 11] # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) # (وضرب الله) أي مثل (مثلا للذين آمنوا) بالنبي عليه السلام (امرأت فرعون) ~~اسمها آسية آمنت بموسى حين سمعت بتلقف عصاه ما أفكته السحرة، فعلم فرعون ~~إيمانها به ووتدها بأربعة أوتاد وعذبها بأن ألقى على مصدرها رحى عظيمة ~~واستقبل بها الشمس، قيل: كانت الملائكة تظلها من حرارة الشمس «6»، وأبدل من ~~امرأة فرعون (إذ قالت) امرأة فرعون عند ذلك (رب ابن لي عندك بيتا) أي منزلا ~~شريفا من منازل التقرب بك، ثم بينت مكان القرب بقولها (في الجنة) وهو جنة ~~المأوى أقرب إلى العرش، وهذا معنى قوله «عندك»، لأنه تعالى منزه عن الحلول ~~في مكان، ولذا جمع بين «عندك» و«في الجنة» فكشف لها فرأت بيتها فنسيت ~~عذابها فضحكت، فقالوا عند ذلك إنها مجنونة تضحك وهي في العذاب ms1762 (ونجني من ~~فرعون) أي من شركه (وعمله) السوء (ونجني من القوم الظالمين) [11] أي من ~~تعييرهم وشماتتهم، قيل: نجاها الله بأكرم نجاة رفعها PageV04P229 # إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها «1»، وفيه دليل على أن الاستعاذة ~~بالله والالتجاء إليه وسؤال الخلاص منه تعالى عند المحن من سير الصالحين ~~وسنن النبيين. ### || [سورة التحريم (66): آية 12] # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ~~ربها وكتبه وكانت من القانتين (12) # قوله (ومريم ابنت عمران) عطف على «امرأت فرعون» ووصفها تفضيلا لها في ~~الإخلاص «2» بقوله (التي أحصنت فرجها) أي عفت ومنعت نفسها عن الفواحش أو ~~منعته جبرائيل عليه السلام «3» (فنفخنا فيه) أي أرسلنا ونفخ في فرجها، ~~وقيل: فرجها جيبها «4» (من روحنا) أي روحا من أرواحنا وهو روح عيسى عليه ~~السلام (وصدقت بكلمات ربها) أي بشرائعه أو بالبشارات التي بشرها جبرائيل ~~بها (وكتبه) مفردا وجمعا «5»، أي وصدقت بكتبه المنزلة على الأنبياء (وكانت ~~من القانتين) [12] أي المطيعين لربها ولم يقل القانتات تغليبا للذكر على ~~الأنثى في فضل القنوت، وفي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين ~~عائشة وحفصة في أول السورة أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال كمثل ~~هاتين المؤمنتين المخلصتين وأن لا تتكلا على أنهما زوجات رسول الله عليه ~~السلام فان ذلك الفضل «6» لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين في إيمانهما ~~بالنبي على السلام وإطاعة أمره وحفظ سره «7». PageV04P230 ### | سورة الملك # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الملك (67): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) # (تبارك) أي تعالى وتعاظم عن صفات المحدثين (الذي بيده) أي في تصرفه ~~(الملك) أي سلطان كل موجود فينبغي أن يوحد ويتوكل عليه من آمن به (وهو على ~~كل شيء قدير) [1] من النفع والضر والعز والذل. ### || [سورة الملك (67): آية 2] # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) # قوله (الذي خلق) بدل من «الذي» قبل أو هو الذي خلق (الموت) في الدنيا ~~(والحياة) في الآخرة أو كلاهما في الدنيا، وقدم «الموت»، ms1763 لأنه أسبق في ~~الإنشاء كالنقطة، والحيوة عبارة عما يصح الإحساس بوجوده في شيء، والموت ~~عبارة عن عدم ذلك فيه، فمعنى «خلق الموت والحياة» إيجاده تعالى ذلك المصحح ~~وإعدامه، والمعنى: خلق موتكم وحيوتكم أيها المكلفون (ليبلوكم) أي ليختبركم ~~ويعلمكم فيما بين الموت والحيوة (أيكم أحسن عملا) أي أورع وأسرع إلى الطاعة ~~بالإخلاص، يعني ليعلم في الوجود واقعا ما يعلم في الأزل أنه يصدر منهم ~~باختيارهم، فكأنه ابتلاهم بخلقهما فيهم، وسمي علم الواقع منهم بلاء، ~~فالبلاء ههنا «1» تضمن معنى العلم فتعلق بالجملة بعده، إذ الأصل أن يكون ~~متعلقة مفردا، فالجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان له نحو علمت عمروا ~~أزيد أحسن عملا أم هو (وهو العزيز) أي المنتقم للمعرض عن العمل الأحسن ~~(الغفور) [2] لمن تاب من الإعراض عنه. ### || [سورة الملك (67): آية 3] # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ~~ترى من فطور (3) # قوله (الذي) بدل آخر أو هو الذي (خلق سبع سماوات طباقا) مصدر، أي أطبق ~~بعضها فوق بعض طباقا مثل القبة، فهي طبقات متباينة غير مماسة، قوله (ما ترى ~~في خلق الرحمن) خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو عام، أي لا تبصر في خلق ~~الله (من تفاوت) و«تفوت» بالتشديد «2»، أي تباين واختلاف، المعنى: أن خلق ~~الرحمن يناسب بعضه بعضا من غير خلل ونقصان كما في خلق السموات، فانها سليمة ~~من التفاوت، أي لا يفوت من بعضها شيء لا بد منه، وأضافه إلى «الرحمن» ~~تنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت، وهو أنه خلق الرحمن وتعظيما لخلقهن، إذ ~~لا يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب إلا هو بقدرته الباهرة (فارجع البصر) أي ~~رده إلى السماء ليصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة (هل ترى) فيها (من فطور) ~~[3] أي شقوق، جمع فطر وهو الشق. PageV04P231 ### || [سورة الملك (67): آية 4] # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) # (ثم ارجع البصر) أي لا تقتنع بالرجع الأول بل ارجعه (كرتين) أي كرة بعد ~~كرة، يعني كرر نظرك لترى ms1764 خللا، فان الإنسان إذا نظر إلى شيء مرة لا يرى ~~عيبه «1» ما لم ينظر مرة أخرى فيه، قوله (ينقلب) جواب الأمر، أي يرجع (إليك ~~البصر خاسئا) أي ذليلا مبعدا عن إدراك عيب ما (وهو حسير) [4] أي كليل منقطع ~~عن إدراك ما نظر فيه قبل أن يرى فيه خللا. ### || [سورة الملك (67): آية 5] # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) # (ولقد زينا السماء الدنيا) أي القربى إلى الأرض (بمصابيح) أي بالنجوم وهي ~~كالسرج في المساجد والبيوت في الإضاءة والزينة (وجعلناها) أي النجوم سوى ~~الزينة (رجوما) أي مراجم، جمع رجم، مصدر سمي به ما يرمى به رميا (للشياطين) ~~الذين هم أعداؤكم إذا قصدوا استراق السمع، لأنهم يخرجونكم من النور إلى ~~الظلمات، قيل: ينفصل الشهاب من النجم كالقبس من النار والنجم في مكانة لا ~~يزول عنه فمنهم من يقتله الشهاب ومنهم من يخبله «2» (وأعتدنا لهم) أي هيأنا ~~للشياطين في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا (عذاب السعير) [5] أي ~~الوقود، عن قتادة: «خلق الله النجوم لثلاث وزينة للمساء ورجوما للشياطين ~~وعلامات يهتدون بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم به» «3». ### || [سورة الملك (67): الآيات 6 الى 7] # وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها ~~شهيقا وهي تفور (7) # (وللذين كفروا) أي جحدوا (بربهم) أي بوحدانيته من الشياطين وغيرهم (عذاب ~~جهنم وبئس المصير) [6] هي (إذا ألقوا فيها) أي طرح الكفار في جهنم (سمعوا ~~لها) أي لأهلها المطروحين قبلهم أو من أنفسهم أو للنار (شهيقا) أي صوتا ~~منكرا كصوت الحمار (وهي تفور) [7] أي جهنم تغلي بهم غليانا كما يغلي الماء ~~الكثير بالحب القليل في المرجل. ### || [سورة الملك (67): آية 8] # تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) # (تكاد) أي تقرب النار (تميز) أي تتفرق (من الغيظ) أي من غضبها على ~~الكفار، ويجوز أن يراد غيظ الزبانية (كلما ألقي فيها) أي في جهنم (فوج) أي ~~أمة من الأمم (سألهم خزنتها) توبيخا يزيد في ms1765 عذابهم عذابا وحسرة (ألم يأتكم ~~نذير) [8] أي رسول ينذركم من النار. ### || [سورة الملك (67): آية 9] # قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ~~ضلال كبير (9) # (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا) الرسل (وقلنا) لهم (ما نزل الله من ~~شيء) أي «4» مما يخبرون «5» من الكتاب (إن) أي ما (أنتم إلا في ضلال كبير) ~~[9] أي في خطأ عظيم في قولكم أيها المرسلون، ويجوز أن يكون من كلام الخزنة ~~للكفار بتقدير القول وإرادة الهلاك من الضلال. ### || [سورة الملك (67): آية 10] # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) # (وقالوا لو كنا نسمع) إلى الحق (أو نعقل) الدليل الموصل إلى الهدى، وجمع ~~بينهما لكون مدار التكليف عليهما (ما كنا) أي لم نكن (في أصحاب السعير) ~~[10] أي معهم. PageV04P232 ### || [سورة الملك (67): آية 11] # فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير (11) # (فاعترفوا بذنبهم) حين لا ينفع الاعتراف، فقال تعالى (فسحقا) بضم الحاء ~~وإسكانها «1»، أي بعدا ويأسا (لأصحاب السعير) [11] من الرحمة، مصدر، فعله ~~محذوف، أي أسحقهم الله إسحاقا. ### || [سورة الملك (67): آية 12] # إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) # (إن الذين يخشون ربهم بالغيب) أي غائبا عنهم ويعملون بما يأمرهم ولا ~~يعصونه (لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر كبير) [12] أي ثواب عظيم في الجنة. ### || [سورة الملك (67): آية 13] # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) # قوله (وأسروا قولكم أو اجهروا به) في أمر محمد عليه السلام، ظاهره الأمر ~~بأحد الأمرين ومعناه الاستواء، أي ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم ~~الله بهما في شأنه عليه السلام (إنه) أي إن الله (عليم بذات الصدور) [13] ~~أي بما في القلوب «2» من الخير والشر، يعني أنه يعلم ضمائركم قبل أن ~~تعبروها بألسنتكم، فكيف لا يعلم ما تتكلمون في حقه، نزل حين قال بعض الكفار ~~لبعض لا تجهروا أصواتكم فان رب محمد يسمع فيخبره بما تقولون في شأنه «3». ### || [سورة الملك (67): آية 14] # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) # (ألا يعلم من خلق) أي ألا يعلم السر من خلق ms1766 السر في القلب، لأن الخلق لا ~~يكون إلا مع العلم، والهمزة فيه للإنكار لتأكيد ما قبله، و«من» فاعل ~~«يعلم»، ويجوز أن يكون «من خلق» منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله ~~وهي قوله (وهو اللطيف) أي لطف علمه بكل شيء (الخبير) [14] أي العليم بأحوال ~~خلقه وأقواله. ### || [سورة الملك (67): آية 15] # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) # (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) أي سهلة لينة لكي تمشوا وتزرعوا وتنتفعوا ~~فيها (فامشوا في مناكبها) أي في جوانبها وطرقها أو في جبالها (وكلوا من ~~رزقه) أي من رزق الله واشكروا له (وإليه النشور) [15] أي وإلى الله البعث ~~من قبوركم للحساب والجزاء. ### || [سورة الملك (67): آية 16] # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) # قله (أأمنتم) استفهام للتوبيخ، أي أأمنتم عقوبة (من) هو حاكم (في السماء) ~~ينفذ حكمه فيها بأن ينزل منها العذاب عليكم أو هم يعتقدون أن الرحمة ~~والعذاب ينزلان من السماء أو «من» عبارة من الملائكة، يعني هي مسكن ~~الملائكة المتوكلين بالعذاب، قوله (أن يخسف) بدل من «من في السماء»، أي ~~أأمنتم أن يخسف، أي يغور (بكم الأرض فإذا هي تمور) [16] أي تتحرك بالموج ~~فتصيروا تحتها وتعلو عليكم. ### || [سورة الملك (67): آية 17] # أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) # (أم أمنتم من في السماء) أي عقاب من هو حاكم فيها، فأبدل من «من» (أن ~~يرسل عليكم حاصبا) أي ريحا ترميكم بالحصباء وهي الحجارة كما أرسل إلى قوم ~~لوط (فستعلمون كيف نذير) [17] أي إنذاري لكم إذا رأيتم المنذر به حين لا ~~ينفعكم علمكم. PageV04P233 ### || [سورة الملك (67): آية 18] # ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) # (ولقد كذب الذين من قبلهم) من الأمم الماضية رسلهم (فكيف كان نكير) [18] ~~أي إنكاري وعقوبتي لهم. ### || [سورة الملك (67): آية 19] # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل ~~شيء بصير (19) # (أولم يروا إلى الطير) أي ألم ينظروا إلى الطيور (فوقهم) كيف ms1767 خلقها ~~(صافات) أي باسطات أجنحتهن في الهواء، قوله (ويقبضن) أي يضممن جناحهن، عطف ~~على «صافات» لكونه في تقدير يصففن ويقبضن في الهواء بعد البسط كالسابح في ~~البحر، فيعتبروا في خلق الله القادر بالقدرة الباهرة، وإنما لم يقل وقابضات ~~لرعاية التناسب، لأن الأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ ~~على البسط للاستطهار به «1» على التحرك فيكون القبض تارة بعد تارة (ما ~~يمسكهن) أي ما يأخذهن عن الوقوع عند القبض والبسط في الهواء (إلا الرحمن) ~~بقدرته وتدبيره لهن من الريوش الكبار والصغار (إنه بكل شيء بصير) [19] أي ~~عالم به كيف يخلق وكيف يدبر. ### || [سورة الملك (67): آية 20] # أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) # (أم من هذا الذي) يقال (هو جند لكم) أي منعة (ينصركم) من عذاب الله إن ~~عصيتموه بتقدير الشرط، والهمزة للإنكار والميم صلة و«من» للاستفهام، أي لا ~~أحد ممن يشار إليه ينصركم (من دون الرحمن) أي من غير الله ذي الرحمة ~~العامة، يعني من المشار إليه بالنصر ينصركم غير الله (إن الكافرون) أي ما ~~الجاحدون بالله العابدون بغيره من الأصنام (إلا في غرور) [20] أي في خداع ~~من الشيطان. ### || [سورة الملك (67): آية 21] # أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) # (أمن هذا الذي) يقال هو (يرزقكم) أي من المشار إليه بالرزق يرزقكم سواه ~~(إن أمسك) أي إن «2» حبس الله (رزقه) من السماء والأرض، فلما لم يتعظوا ولم ~~يقروا أضرب عنهم فقال (بل لجوا) أي تمادوا (في عتو) أي تكبر وعناد (ونفور) ~~[21] أي في شرود من الإيمان لثقله عليهم. ### || [سورة الملك (67): آية 22] # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) # (أفمن يمشي مكبا) أي «3» واقعا (على وجهه) من العمى والظلمة في قلبه، ~~والمراد الكافر، من أكب مطاوع كب على الشذوذ بمعنى انكب إذا عثر على وجهه ~~(أهدى) أي أرشد وأصوب في دينه (أم من يمشي سويا) أي قائما معتدلا بنور ~~قلبه، يعني حاله نقيض ms1768 حال من يمشي سالما من العثور (على صراط مستقيم) [22] ~~أي على دين الإسلام، والمراد المؤمن، يعني الكافر السالك في طريق النار خير ~~أم المؤمن السالك في طريق الجنة. ### || [سورة الملك (67): آية 23] # قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) # (قل هو الذي أنشأكم) أي خلقكم (وجعل لكم السمع) لتسمعوا به الحق ~~(والأبصار) لتبصروا بها الحق (والأفئدة) أي القلوب لتعرفوا بها الحق ~~وتشكروا الله على إنعامه لكم أسباب الهداية والمعرفة (قليلا ما تشكرون) ~~[23] أي شكركم فيما صنع لكم قليل، أي منفي لأنكم استعملتم هذه الأسباب في ~~طاعة غيره ولم توحدوه. ### || [سورة الملك (67): آية 24] # قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) # (قل هو الذي ذرأكم) أي خلقكم وكثركم (في الأرض وإليه تحشرون) [24] للحساب ~~بعد الموت وللجزاء. PageV04P234 ### || [سورة الملك (67): الآيات 25 الى 27] # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما ~~أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي ~~كنتم به تدعون (27) # (ويقولون) للنبي عليه السلام وأصحابه استهزاء (متى هذا الوعد) أي وعد ~~البعث بعد الموت (إن كنتم صادقين) [25] انا نبعث فقال تعالى (قل إنما ~~العلم) أي علم قيام الساعة (عند الله) لا يعلمه غيره (وإنما أنا نذير مبين) ~~[26] أخوفكم وأبين لكم ما أرسلت به إليكم بلسان تفهمونه به. # (فلما رأوه) أي العذاب (زلفة) أي قريبا، حال من المفعول (سيئت) أي قبحت ~~واسودت (وجوه الذين كفروا وقيل) أي ويقول لهم الخزنة (هذا) أي هذا العذاب ~~(الذي كنتم به) أي بسببه (تدعون) [27] من الدعوى أنكم لا تبعثون أو من ~~الدعاء، أي تسألون تعجيله. ### || [سورة الملك (67): آية 28] # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم (28) # ثم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام «1» حين دعا كفار مكة على الرسول ~~والمؤمنين بالهلاك بأن يقول نحن مؤمنون بالله متربصون منه إحدى الحسنيين ~~وأنتم كافرون به ما ذا تتربصون منه سوى العذاب الدائم بقوله (قل أرأيتم إن ~~أهلكني ms1769 الله ومن معي) من المؤمنين بالموت ويدخلنا الجنة بالإيمان (أو ~~رحمنا) أي غفر لنا ذنوبنا بفضله وينصرنا عليكم بالقتل والغلبة (فمن يجير) ~~أي من يغيث (الكافرين) وينجيهم (من عذاب أليم) [28] بكفرهم أو المعنى: انا ~~لا نأمن من عذابه إن عصيناه بمعصية مع إيماننا به وتوسل العبادة والتضرع ~~إليه، فكيف تأمنون أنتم بكفركم به من عذابه. ### || [سورة الملك (67): آية 29] # قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) # (قل هو الرحمن آمنا به) ولم نكفر كما كفرتم إن شاء أهلكنا وإن شاء رحمنا، ~~فوقوع «آمنا» مقدما تعريض للكافرين (وعليه توكلنا) أي فوضنا إليه أمورنا لا ~~«2» كتوكلكم على رجالكم وأموالكم، فوقوع «عليه» مقدما يدل على اختصاص ~~«توكلنا» بالله بخلاف توكلهم (فستعلمون) غدا عند معاينة العذاب (من هو في ~~ضلال مبين) [29] أي في خطأ ظاهر نحن أم أنتم يا كفار مكة، ف «من» ~~استفهامية. ### || [سورة الملك (67): آية 30] # قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # (قل أرأيتم) أي أخبروني (إن أصبح ماؤكم غورا) أي غائرا ذاهبا في الأرض لا ~~يقدرون على شيء منه (فمن يأتيكم بماء معين) [30] أي ماء جار يصل إليه من ~~أراده بالدلو، والغور مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال ماء غور ومياه غور. # قيل: «سورة الملك هي المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر» «3»، قال صلى ~~الله عليه وسلم: «إن سورة من كتاب الله تعالى ما هي إلا ثلاثون آية، شفعت ~~لرجل فأخرجته يوم القيامة من النار، وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك» «4». PageV04P235 ### | سورة ن والقلم # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القلم (68): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) # قوله (ن) علم لليهموت، أي بحق السمك الذي تحت الأرضين أو اللوح من نور أو ~~ذهب، وقيل: إنه حرف من اسم الله النور «1» أو من الرحمن «2» (و) بحق ~~(القلم) الذي كتب في اللوح ما هو كائن إلى قيام الساعة (و) بحق (ما يسطرون) ~~[1] أي يكتب الكتبة بالقلم ms1770 في اللوح، و«ما» مصدرية أو المراد أصحاب القلم ~~منه، ف «ما» موصولة أقسم به تعظيما له لما في خلقه من الحكمة العظيمة ~~والمنافع الكثيرة، وجواب القسم (ما أنت بنعمة ربك) أي بأنعامه عليك بالنبوة ~~وغيرها (بمجنون) [2] والباء زائدة لا يمنع عمله في ما قبله من الحال وهي ~~نعمة ربك على تقدير منعما عليك بذلك، نزل حين جاء جبرائيل عليه السلام ~~وعلمه القرآن والصلوة، فقال كفار مكة جن محمد وكان النبي عليه السلام يفر ~~من الشاعر والمجنون «3»، والمعنى «4»: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حقا لست كما قال الأعداء. ### || [سورة القلم (68): آية 3] # وإن لك لأجرا غير ممنون (3) # (وإن لك لأجرا) أي ثوابا على احتمال ما قالوا (غير ممنون) [3] أي غير ~~مقطوع، لأنك مستحق على عملك وليس بتفضل ابتداء ولا منة على الأجر. ### || [سورة القلم (68): آية 4] # وإنك لعلى خلق عظيم (4) # (وإنك لعلى خلق عظيم) [4] لفرط احتمالك وحسن مدارتك، وقيل: خلقه ما أمر ~~الله به في قوله «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين «5»» «6»، وقيل: ~~«هو آداب القرآن» «7»، روي: أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان خلقه القرآن ألست تقرأ القرآن «قد أفلح ~~المؤمنون «8»».» «9». ### || [سورة القلم (68): الآيات 5 الى 6] # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) # (فستبصر ويبصرون) [5] أي فسترى ويرون يوم القيامة (بأيكم المفتون) [6] أي ~~المجنون، يقال فتن إذا مجن بالجنون «10»، فيه تعريض لأبي جهل وغيره من ~~قريش، والباء زائدة أو المفتون مصدر بمعنى الجنون والباء للإلصاق. ### || [سورة القلم (68): آية 7] # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) # (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) أي عن دينه وهم المجانين على الحقيقة ~~(وهو أعلم بالمهتدين) 7 [7] لدينه المستقيم وهم العقلاء على الحقيقة، وفيه ~~تهديد للضالين وتبشير للمتقين. PageV04P236 ### || [سورة القلم (68): آية 8] # فلا تطع المكذبين (8) # ثم نزل حين دعوه إلى دين آبائه، فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه قوله ~~«1» (فلا تطع المكذبين) [8] بالقرآن. ### || [سورة القلم (68): آية 9] # ودوا لو تدهن فيدهنون (9) # (ودوا لو ms1771 تدهن) أي تمنوا أن تداريهم (فيدهنون) [9] أي فيدارونك، وهو خبر ~~مبتدأ محذوف، أي فهم يدهنون ولذا لم ينصب باضمار أن في جواب التمني. ### || [سورة القلم (68): الآيات 10 الى 11] # ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) # (ولا تطع كل حلاف) أي كثير الحلف بالكذب في دين الله (مهين) [10] أي «2» ~~حقير ضعيف في الطاعة، قوي في المعصية، وهو الوليد بن المغيرة (هماز) أي ~~عياب مغتاب (مشاء) بين الناس (بنميم) [11] أي بنميمة، وهي نقل الكلام من ~~قوم إلى قوم على وجه الإفساد. ### || [سورة القلم (68): آية 12] # مناع للخير معتد أثيم (12) # (مناع للخير) أي بخيل بالمال «3» لا ينفق نفسه ولا غيره أو مناع الغير عن ~~الخير و«4» الإسلام، قيل: كان الوليد ذا مال كثير يقول: «من دخل دين محمد ~~لا أنفعه بشيء» «5» (معتد) أي ظالم (أثيم) [12] أي فاجر. ### || [سورة القلم (68): آية 13] # عتل بعد ذلك زنيم (13) # (عتل) أي غليظ القلب شديد الخصومة بالباطل (بعد ذلك) أي مع ذلك الوصف ~~المذكور (زنيم) [13] أي ملصق بالقوم وليس منهم، يعني هو دعي في قريش ادعاه ~~أبوه بعد ثماني عشرة سنة ولذلك اجترأ على كل معصية لا يرحم، قال عليه ~~السلام: «لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولد ولده» «6» أو ذي زنمة وهي قطعة ~~اللحم النابت «7» تحت عنق الماعزة. ### || [سورة القلم (68): الآيات 14 الى 15] # أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) # (أن كان ذا مال) بهمزة الاستفهام «8» للتوبيخ قبل «أن» التي حذف منها لام ~~التعليل وحذف متعلقه بعده بدلالة «فلا تطع» قبل، أي ألأن كان صاحب مال ~~تطيعه، يعني لا تعطه بسبب ماله وبلا استفهام خبر، أي لأن كان ذا مال ~~(وبنين) [14] كذبك، يدل عليه قوله (إذا تتلى عليه آياتنا قال) هي (أساطير ~~الأولين) [15] أي أباطيلهم وكذبهم. ### || [سورة القلم (68): آية 16] # سنسمه على الخرطوم (16) # (سنسمه) سنكويه كيا (على الخرطوم) [16] أي على أنفه إهانة له وعلما يعرف ~~به يوم القيامة أنه كافر لا كسائر الكفار أو هو أبو جهل قطع أنفه بالسيف ~~يوم بدر فبقى علامة ms1772 له، وقيل: هو سواد وجهه يوم البعث «1»، وخص الأنف ~~بالذكر لأن الوسم عليه أقبح. PageV04P237 ### || [سورة القلم (68): آية 17] # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) # (إنا بلوناهم) أي اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع (كما بلونا أصحاب الجنة) ~~أي البستان الذي كان في اليمن لضروان، وهي علم لرجل كريم إذا بلغ ثماره ~~أتاه المساكين فلم يمنعهم من دخولها والأكل والتزود منها، فلما مات خلفه ~~بنوه فيها فمنعوهم من ذلك (إذ أقسموا) أي حلفوا فيما بينهم (ليصرمنها) أي ~~ليقطعن ثمرتها وزرعها سرا خوفا من المساكين، قوله (مصبحين) [17] أي داخلين ~~في آخر جزء من الليل، حال من فاعل «يصرم». ### || [سورة القلم (68): آية 18] # ولا يستثنون (18) # (ولا يستثنون) [18] أي لم يقولوا إن شاء الله وهو شرط لكنه سمي استثناء، ~~لأنه يؤدي معنى الاستثناء، فانك إذا قلت لأخرجن إن شاء الله أردت لا أخرج ~~إلا أن يشاء الله. ### || [سورة القلم (68): الآيات 19 الى 20] # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) # (فطاف عليها) أي على الجنة (طائف من ربك) أي نار محرقة ليلا (وهم نائمون ~~[19] فأصبحت) أي فصارت تلك الجنة سواء (كالصريم) [20] أي الليل المظلم ~~الشديد، من الصرم وهو القطع، لأن الليل ينقطع عند النهار، ويقال للنهار ~~صريم أيضا، لأنه ينقطع عند الليل. ### || [سورة القلم (68): الآيات 21 الى 22] # فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) # (فتنادوا) أي نادى بعضهم بعضا (مصبحين) [21] أي حين دخلوا في الصبح (أن ~~اغدوا) أي قالوا اخرجوا بالغداة بالإقبال (على حرثكم) أي زرعكم، فلتضمن ~~الغدو معنى الإقبال يعدى ب «على»، والأصل فيه إلى (إن كنتم صارمين) [22] أي ~~حاصدين قبل أن يحضرها المساكين. ### || [سورة القلم (68): الآيات 23 الى 25] # فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا ~~على حرد قادرين (25) # (فانطلقوا) أي ذهبوا إلى غلتهم (وهم يتخافتون) [23] أي يتسارون فيما ~~بينهم بكلام خفي (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) [24] و«أن» مفسرة لأن ~~في التخافت معنى القول، وهذا مبالغة في النهي عن تمكين المساكين من الدخول ~~(وغدوا على ms1773 حرد) أي على غضب ومنع للفقراء من جنتهم (قادرين) [25] بزعمهم ~~على الحصاد وجمع الثمار. ### || [سورة القلم (68): الآيات 26 الى 27] # فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) # (فلما رأوها) أي الجنة محترقة (قالوا إنا لضالون) [26] عن طريق جنتنا ~~وليست هذه جنتنا، فلما عرفوها قالوا (بل نحن محرومون) [27] من منفعتها بسبب ~~منعنا المساكين. ### || [سورة القلم (68): آية 28] # قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون (28) # (قال أوسطهم) أي أعقلهم (ألم أقل لكم لو لا) أي هلا (تسبحون) [28] الله ~~على فعلكم السوء، يعني هلا تتوبون أو هلا تصلون، لأنهم قليلو «2» الصلوة، ~~وقيل: المراد بالتسبيح الاستثناء «3»، يعني إن شاء الله لالتقائهما في معنى ~~التعظيم لله، لأن الاستثناء تفويض إليه والتسبيح تنزيه له وكل واحد منهما تعظيم. ### || [سورة القلم (68): الآيات 29 الى 32] # قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) ~~قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ~~ربنا راغبون (32) # (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) [29] أنفسنا بمنعنا المساكين (فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلاومون) [30] أي يلوم بعضهم بعضا بعملهم السوء، ثم (قالوا) ~~جميعا (يا ويلنا إنا كنا طاغين) [31] أي مجاوزين حد الاستقامة في (1) ~~اختصره المؤلف من السمرقندي، 3/ 393؛ والبغوي، 5/ 432. PageV04P238 # سبيل الله بكبرنا (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) أي «1» من هذه الجنة ~~(إنا إلى ربنا راغبون) [32] أي طالبون الخير منه راجعون إليه ليتوب علينا ~~ويرد جنتنا إلينا بفضله، قيل: هم تابوا فأبدلوا جنة خيرا من الأولى «2». ### || [سورة القلم (68): آية 33] # كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) # (كذلك) أي مثل ذلك العذاب (العذاب) في الدنيا لمن خالف أمرنا (ولعذاب ~~الآخرة أكبر) لمن لم يتب من فعله السوء (لو كانوا يعلمون) [33] أي يفقهون ~~من الحق، سئل قتادة عن أصحاب الجنة: أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟ ~~قال: «لقد كلفتني تعبا» «3»، أي علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ### || [سورة القلم (68): الآيات 34 الى 35] # إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) # (إن للمتقين عند ربهم) ms1774 أي في الآخرة (جنات النعيم) [34] فقال عتبة بن ~~ربيعة: «إن كان كما يقول محمد، فان لنا في الآخرة أكثر مما للمسلمين لفضلنا ~~وشرفنا»، فنزل «4» (أفنجعل المسلمين كالمجرمين) [35] في ثواب الآخرة. ### || [سورة القلم (68): الآيات 36 الى 37] # ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) # ثم قيل لهم على سبيل الالتفات (ما لكم) أي أي حال من الجهالة (كيف ~~تحكمون) [36] هذا الحكم الفاسد كأن أمر الجزاء مفوض إليكم فتحكمون بما شئتم ~~(أم لكم كتاب) منزل (فيه تدرسون) [37] أي تقرؤون ما تدعون. ### || [سورة القلم (68): الآيات 38 الى 39] # إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن ~~لكم لما تحكمون (39) # (إن لكم فيه) أي في الكتاب (لما) أي لشيئا (تخيرون) [38] أي تختارون (أم ~~لكم أيمان) أي عهود وثيقة (علينا بالغة) أي ثابتة غير زائلة (إلى يوم ~~القيامة) أي لا نخرج من عهدتنا إلا يومئذ بالوفاء بها. # قوله (إن لكم لما تحكمون) [39] أي الذي تقضون لأنفسكم في الآخرة جواب ~~للقسم الذي تضمنه «أم لكم إيمان علينا»، لأن اليمين بمعنى القسم، المعنى: ~~أأقسمنا لكم إيمانا بما تحكمون فيجب الوفاء بها علينا كما يجب بالنذر «5» ~~والقسم على العاهد به. ### || [سورة القلم (68): آية 40] # سلهم أيهم بذلك زعيم (40) # (سلهم أيهم بذلك زعيم) [40] أي قل لهم يا محمد أيكم بذلك الحكم كفيل يقوم ~~بالاحتجاج لصحته. ### || [سورة القلم (68): الآيات 41 الى 43] # أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق ~~ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) # (أم لهم شركاء) لله بزعمهم وهي الأصنام يكفلون لهم بذلك أم لهم ناس ~~يشاركونهم «6» في هذا القول ويذهبون مذهبهم فيه (فليأتوا بشركائهم إن ~~كانوا) في زعمهم (صادقين [41] يوم) أي اذكر يوم (يكشف عن ساق) أي عن شدة ~~الأمر يوم القيامة لأجل الحساب والجزاء، والتنكير يدل على أنه أمر مبهم غير ~~مألوف (ويدعون) أي الكفار، ثم عقوبة وتوبيخا على ترك السجود في الدنيا لا ~~تكليفا وامتحانا لإيمانهم ms1775 بزعمهم (إلى السجود) لربهم (فلا يستطيعون) [42] ~~السجود لأن ظهورهم تصير يومئذ كالحديد لا يميل (خاشعة) أي ذليلة (أبصارهم) ~~أي أربابها (ترهقهم) أي تغشاهم (ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود) أي إلى ~~الصلوة في الدنيا (وهم سالمون) [43] أي أصحاء فلا يأتون، فلذلك منعوا عن ~~السجود يومئذ، قيل: «نزلت الآية فيمن ترك الصلوة بلا عذر «7» أو تخلف عن ~~الجماعات» «8». PageV04P239 ### || [سورة القلم (68): آية 44] # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) # ثم سلى نبيه عليه السلام بقوله (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) أي دعني مع ~~من يكذب بالقرآن فانا كافيكهم (سنستدرجهم) أي سنمكن بهم درجة درجة (من حيث ~~لا يعلمون) [44] أنه استدراج بتجديد النعمة ومد العمر مع الصحة التي هي ~~إحسان الله وإفضال يوجب عليهم الشكر والطاعة إذا أحدثوا معصية ونسوا ~~الاستغفار وتركوا الشكر واختاروا الكفر. ### || [سورة القلم (68): آية 45] # وأملي لهم إن كيدي متين (45) # (وأملي لهم) أي أمهلهم ليزدادوا إثما (إن كيدي) أي مكري بسبب الإحسان ~~إليهم (متين) [45] أي قوي لا يدفع، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في ~~التسبب للهلاك. ### || [سورة القلم (68): الآيات 46 الى 47] # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) # (أم تسئلهم أجرا) أي جعلا على تبليغ الرسالة (فهم من مغرم) أي لأجل أدائه ~~(مثقلون) [46] أي ممتنعون فلا يؤمنون لذلك (أم عندهم الغيب) أي اللوح (فهم) ~~منه (يكتبون) [47] ما يقولونه ويحكمون به. ### || [سورة القلم (68): آية 48] # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) # (فاصبر) يا محمد (لحكم ربك) أي لتبليغه فيهم بما شاء، وإنهم إن أمهلوا لا ~~يهملوا (ولا تكن) في العجلة والغضب على قومك (كصاحب الحوت) «1» الذي غضب ~~على قومه لعدم إيمانهم به فطال حزنه، وهو يونس بن متى (إذ نادى) أي دعا في ~~بطن الحوت (وهو مكظوم) [48] أي مملوء غما، المعنى: لا يوجد منك ما وجد منه ~~من الضجر فتبتلي ببلائه. ### || [سورة القلم (68): آية 49] # لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) # (لو لا أن تداركه ms1776 نعمة) أي لو لم تنله رحمة (من ربه) بالتوفيق للتوبة ~~وتاب عليه (لنبذ) أي لطرح «2» (بالعراء) أي بالصحراء التي لا نخل فيها ولا ~~ماء (وهو مذموم) [49] ولكنه رحم فنبذ غير مذموم وقد كان سقيما فشفيناه. ### || [سورة القلم (68): الآيات 50 الى 52] # فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين (52) # (فاجتباه) أي تاب عليه وهداه أو اصطفاه (ربه) بالنبوة (فجعله من ~~الصالحين) [50] أي من الأنبياء، قيل: # نزلت الآية بأحد حين حل لنبي عليه السلام ما حل به «3»، و«إن» مخففة في ~~قوله (وإن يكاد) وعلمها اللام، أي إن الشأن يقرب (الذين كفروا) بالقرآن ~~(ليزلقونك) بضم الياء وفتحها «4»، أي ليزيلونك عن مكانه (بأبصارهم) يعني ~~يهلكونك باصابة العين (لما سمعوا الذكر) أي القرآن لكن الله يعصمك منها، ~~نزل حين نظروا إليه نظرا شديدا بغيظ وعداوة وحسد عند تلاوة القرآن عليهم ~~«5» (ويقولون إنه لمجنون) [51] لقراءتك القرآن وللتنفير عنه وإلا فقد علموا ~~أنك أعقلهم فأكذبهم بقوله (وما هو) أي القرآن (إلا ذكر) أي عظة (للعالمين) ~~[52] أي للجن والإنس لا يحدث جنون «6» لأحد يقرأه، قيل: «دواء العين قراءة ~~هذه الآية» «7». PageV04P240 ### | سورة الحاقة # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) # قوله (الحاقة) [1] أي الساعة الواجبة الوقوع لا ريب فيها من حق يحق ~~بالكسر إذا وجب وثبت أو من حق يحق بالضم إذا عرف، فسميت حاقة بمعنى عارفة ~~للأمور «1» وهو مجاز، لأن المعرفة في الحقيقة لأهل القيامة التي تعرف فيها ~~حقائق الأعمال والأخبار من البعث والحساب والجزاء، مبتدأ، خبره الجملة ~~بعدها وهي (ما الحاقة) [2] وقامت هذه مقام الضمير تعظيما لشأنها، أي الحاقة ~~أي شيء هي، قوله (وما أدراك) زيادة تعظيم لها بالاستفهام، أي أي شيء أعلمك ~~(ما الحاقة) [3] لأنها عظيمة لا يبلغها دراية أحد. ### || [سورة الحاقة (69): آية 4] # كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) # (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) [4] أي بالقيامة التي تقرع قلوب الخلق ~~بالمخاوف ms1777 المعاينة فيها من الإفزاع وانفطار السماء ودك الأرض ونسف الجبال ~~وطمس النجوم وغير ذلك. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 5 الى 6] # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) # ثم فصل «2» عقوبتهم في الدنيا لأجل التكذيب تخويفا لقريش من عاقبة ~~تكذيبهم بقوله (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية) [5] مصدر، أي بطغيانهم أو ~~الصيحة المتجاوزة الحد «3» في الشدة أو بالرجفة (وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر) أي باردة شديدة البرد والهبوب (عاتية) [6] أي عتت عن أمر خزنتها ~~فخرجت بلا كيل ووزن على خلاف العادة. ### || [سورة الحاقة (69): آية 7] # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية (7) # (سخرها) أي أرسلها الله «4» بشدة وقهر (عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما) أي متتابعات، من حسم الداء إذا كوي مرة بعد أخرى، فهو جمع حاسم من ~~الحسم بمعنى القطع أو التتابع، ونصبه بكونه صفة (سبع ليل) يعني تتابعت هبوب ~~الريح ما خفتت ساعة، ويجوز أن يكون مصدرا صفة على تقدير ذات حسوم أو منصوبا ~~بفعل مضمر، أي تحسم حسوما بمعنى تستأصل استئصالا أو يكون مفعولا له «5» ~~للاستئصال أو حالا، أي سخرها عليهم مستأصلة (فترى القوم) أي الكفار (فيها) ~~أي في تلك الأيام والليالي (صرعى) أي مطروحين هالكين (كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية) [7] أي منقلعة ساقطة على الأرض ومحل الكاف حال، أي مشبهين بها. PageV04P241 ### || [سورة الحاقة (69): آية 8] # فهل ترى لهم من باقية (8) # قوله (فهل ترى لهم من باقية) [8] وصف ل «خاوية»، أي مقول في حقها ذلك ~~بمعنى لم يبق أحد منهم. ### || [سورة الحاقة (69): آية 9] # وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) # (وجاء فرعون ومن قبله) بفتح القاف وإسكان الباء، أي ومن تقدمه من الأمم ~~وبكسرها وفتح الباء «1»، أي ومن معه من الأتباع (والمؤتفكات) أي المنقلبة ~~وهي قوم لوط (بالخاطئة) [9] أي بالأفعال ذوات الخطأ. ### || [سورة الحاقة (69): آية 10] # فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) # (فعصوا رسول ربهم) أي لوطا وجميع الرسل (فأخذهم) بالعقوبة (أخذة رابية) ~~[10] أي زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح، من ربا يربو ms1778 إذا زاد. ### || [سورة الحاقة (69): آية 11] # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية (11) # (إنا لما طغى الماء) على خزانه وقت الطوفان وطغيان الماء، إنه ارتفع فوق ~~كل شيء خمسة عشر ذراعا (حملناكم في الجارية) [11] على وجه الماء، أي آباءكم ~~وهي سفينة نوح عليه السلام ومن عليهم بحمل آبائهم، لأن نجاتهم سبب ولادتهم ~~فكأنهم المحمولون فيها. ### || [سورة الحاقة (69): آية 12] # لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) # (لنجعلها) أي لنجعل الفعلة من إنجاء من آمن بنوح وإهلاك من كفر به (لكم ~~تذكرة) أي عظة (وتعيها) أي ولتحفظها (أذن واعية) [12] أي حافظة لما تسمع من ~~المواعظ وهو مفرد نكر للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة وللدلالة على أن الأذن ~~الواحدة إذا وعت عن الله تعالى فهي السواد الأعظم عنده وما سواها كالعدم لا ~~يبالى به وإن كثر. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 13 الى 14] # فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) # (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) [13] أي نفخ فيه إسرافيل، وهي النفخة ~~الأولى، لأن عندها يهلك العالم (وحملت الأرض والجبال) أي رفعتا وقلعتا ~~بجميع ما فيها من النبات والأشجار (فدكتا) أي دقتا وكسرتا (دكة واحدة) [14] ~~أي كسرة واحدة بالزلزلة لا يثنى لشدتها. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 15 الى 16] # فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) # (فيومئذ وقعت الواقعة) [15] أي نزلت «2» النازلة، يعني قامت القيامة ~~(وانشقت السماء) أي انفرجت بنزول الملائكة (فهي يومئذ واهية) [16] وضعيفة ~~متمزقة بعد قوتها من الخوف. ### || [سورة الحاقة (69): آية 17] # والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) # (والملك على أرجائها) أي على جوانبها، لأن السماء إذا انشقت انتقلت ~~الملائكة إلى أطرافها حول الأرض حتى يأمرهم الله بأن ينزلوا على الأرض ~~(ويحمل عرش ربك فوقهم) أي فوق الملائكة الذين على إرجائها أو فوق رؤوس ~~الخلائق (يومئذ) أي في القيامة (ثمانية) [17] مرفوع ب «يحمل»، أي يحمله ~~يومئذ ثمانية من الملائكة أرجلهم في تخوم الأرض السابعة «3» والعرش فوق ~~رؤوسهم هم مطرقون مسبحون، روي: أن حملة العرش اليوم أربعة، وأمدوا بأربعة ~~أخرى ms1779 يوم القيامة فصاروا ثمانية على صور الأوعال ما بين أظلافهم إلى ركبتهم ~~كما بين سماء إلى سماء، أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ~~على عفوك بعد PageV04P242 # قدرتك، وأربعة سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك «1». ### || [سورة الحاقة (69): آية 18] # يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18) # (يومئذ تعرضون) أي تساقون إلى الحساب والقصاص، قيل: العرض يومئذ يدل على ~~أن النفخة هي الثانية، أجيب بأن المراد من اليوم الحين الواسع الذي يقع فيه ~~النفختان والوقوف والحساب «2» (لا تخفى) بالتاء والياء «3» (منكم خافية) ~~[18] أي مستورة من أعمالكم التي كانت خافية من الخلق، قيل: «فيه ثلاث ~~عرضات، عرضتان جدال ومعاذير، والثاثلة تطاير الكتب في الأيدي عندها» «4». ### || [سورة الحاقة (69): آية 19] # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) # ثم فصل العرض بقوله (فأما من أوتي كتابه) أي أعطي (بيمينه فيقول) سرورا ~~بما فيه من الحسنات مخاطبا بجماعة (هاؤم) أي خذوا كتابي، وهاء صوت يفهم به ~~الأمر كخذ، ومفعوله محذوف وهو «5» «كتابيه» في (اقرؤا كتابيه) [19] مفعول ~~«اقرؤا» عند البصريين وبالعكس عند الكوفيين، وأصله: هاؤم كتابي، اقرؤا ~~كتابي فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، قالوا لو كان العامل الأول لقيل اقرؤه. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 20 الى 22] # إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) # (إني ظننت) أي تيقنت (أني ملاق حسابيه) [20] يعني علمت أني أحاسب عند ~~الله يوم القيامة، لأني أصدق بالبعث (فهو في عيشة راضية) [21] أي في عيش ~~مرضي (في جنة عالية) [22] أي مرتفعة المكان في السماء أو مرتفعة الدرجات أو ~~مرتفعة المباني والقصور والأشجار. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 23 الى 24] # قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) # (قطوفها) أي ثمرتها (دانية) [23] أي قريبة التناول للقائم والقاعد ~~والنائم، يقال لهم (كلوا) من ثمارها (واشربوا) من شرابها (هنيئا) أي طيبا ~~حلالا بلا داء ولا إثم فيه (بما أسلفتم) أي بما قدمتم من الأعمال الصالحة ~~(في الأيام الخالية) [24] أي الماضية في الدنيا، أي من أيام الصيام التي ~~خلت عن ms1780 الأكل والشرب لوجه الله. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 25 الى 27] # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) # (وأما من أوتي كتابه بشماله) من وراء ظهره فيأخذه بها (فيقول) خوفا (يا ~~ليتني لم أوت) أي لم أعط (كتابيه [25] ولم أدر) أي لم أعلم (ما حسابيه [26] ~~يا ليتها) أي يا ليت الموتة التي متها (كانت القاضية) [27] أي القاطعة ~~لحياتي ولم أبعث بعدها ولم ألق ما ألقي أو الضمير للحالة، أي ليت الحالة ~~كانت الموتة التي قضت على حياتي. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 28 الى 31] # ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم ~~صلوه (31) # (ما أغنى عني) استفهام أو نفي، أي أي شيء أو لم ينفعني (ماليه) [28] أي ~~يساري وكثرة عددي وعددي في الدنيا (هلك) أي بطل (عني سلطانيه) [29] أي ~~تسلطي على الناس بقوتي وحجتي وصرت ذليلا، والهاء في «كتابيه» وأمثاله هاء ~~السكت تثبت «6» وقفا لا وصلا يقال للخزنة يومئذ (خذوه فغلوه) [30] أي ~~اجمعوا يديه إلى عنقه بالغل (ثم الجحيم صلوه) [31] أي أدخلوه فيها. PageV04P243 ### || [سورة الحاقة (69): آية 32] # ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) # (ثم في سلسلة ذرعها) أي طولها (سبعون ذراعا) بذراع الملائكة تلوي على ~~جسده بحيث لا يقدر على حركة، ووصفه بالعدد المذكور لإرادة الطول والكثرة، ~~قيل: نزلت في الأسود بن عبد الأسد «1»، وهو نصب على التمييز، قوله ~~(فاسلكوه) [32] أي أدخلوه، عامل في قوله «سلسلة»، والفاء زائدة فيه، وقدم ~~الظرف للتخصيص. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 33 الى 34] # إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) # قوله (إنه كان) تعليل لذلك العذاب له، أي لأنه كان (لا يؤمن بالله العظيم ~~[33] ولا يحض) أي لا يحث نفسه ولا غيره (على طعام المسكين) [34] في الدنيا، ~~قيل: فيه دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين، أحدهما عطفه على ~~الكفر الذي يفهم من قوله «لا يؤمن»، والثاني ذكر الحض، فانه تارك الحض بهذه ~~المنزلة فكيف بتارك الفعل «2». ### || [سورة الحاقة (69): الآيات ms1781 35 الى 37] # فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا ~~الخاطؤن (37) # (فليس له اليوم هاهنا حميم) [35] أي قريب يدفع عنه العذاب (ولا طعام) ~~يأكله ولا شراب يشربه (إلا من غسلين) [36] وهو غسالة قروح أهل النار وعروق ~~أجسادهم ومياهها الذائبية منها، فعلين من غسلت، فالنون زائدة (لا يأكله إلا ~~الخاطؤن) [37] في الدين وهم الكافرون بالقرآن أنه من عند الله. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 38 الى 39] # فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) # (فلا أقسم) أي قسم (بما تبصرون) [38] من الأجسام والأشباح (وما لا ~~تبصرون) [39] من الأرواح وغيرها مما لا يبصر، يعني أقسم بكل موجود على ~~الإحاطة، لأنه إما مبصر أو غير مبصر. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 40 الى 42] # إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون (42) # (إنه) أي القرآن (لقول رسول كريم) [40] على الله، أي يقوله ويقرأه عليكم ~~رسالة عن الله تعالى هذا الرسول الذي منكم وليس بقول شيطان كما تزعمون (وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون) [41] أي لا تؤمنون به، (ولا بقول كاهن) أي ~~عراف كاذب (قليلا ما تذكرون) [42] أي لا تتعظون أصلا، والقلة هنا بمعنى ~~العدم، قرئ بالياء والتاء فيهما «3». ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 43 الى 44] # تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) # (تنزيل من رب العالمين) [43] أي ليس القرآن كما تدعون، بل هو تنزيل من رب ~~المخلوق، لا رب سواه، أنزله «4» على محمد عليه السلام ليهديكم به إلى صراط ~~مستقيم (ولو تقول) أي تخرص (علينا) وقال من ذات نفسه (بعض الأقاويل) [44] ~~بزيادة حرف أو نقصان. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 45 الى 46] # لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) # (لأخذنا منه باليمين) [45] أي لأخذنا بيمينه إذلالا له فقطعناها أو ~~لأخذناه بالقوة والقهر، وخص «اليمين» دون اليسار، لأن أخذ القتال بالسيف ~~بيمين المقتول أشد عليه لنظره إلى السيف من أخذه بيساره، لأنه يوقع PageV04P244 # الضرب إلى قفاه وهو لا يبصر السيف (ثم لقطعنا منه الوتين) [46] أي وتينه ~~وهو ms1782 عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، يعني لأهلكناه من ساعة. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 47 الى 48] # فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) # (فما منكم من أحد عنه حاجزين) [47] أي ليس أحد منكم عن قبل محمد عليه ~~السلام مانعين من عذابه تعالى، فالضمير في «عنه» لرسول الله عليه السلام ~~«1»، ويجوز أن يكون للقتل، أي لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن قتله ويدفعه ~~عنه وجمع حاجزين في وصف أحد، لأن «أحد» هنا في معنى الجمع، وهو يستعمل في ~~النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (وإنه) أي القرآن ~~(لتذكرة) أي عظة (للمتقين) [48] أي للذين يخافون الشرك والمعاصي. ### || [سورة الحاقة (69): آية 49] # وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) # ثم أوعد على التكذيب بقوله (وإنا لنعلم أن منكم) أيها الناس (مكذبين) ~~[49] بالقرآن ومنكم مصدقين به. ### || [سورة الحاقة (69): الآيات 50 الى 51] # وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) # (وإنه) أي القرآن والإيمان به (لحسرة على الكافرين) [50] أي لندامة ~~عليهم، إذا رأوا ثواب المصدقين به وعقاب المكذبين (وإنه) أي القرآن (لحق ~~اليقين) [51] أي لحقيقة اليقين ومحضه، إذ لا يمكن كذب متكلمه. ### || [سورة الحاقة (69): آية 52] # فسبح باسم ربك العظيم (52) # (فسبح) أي نزه يا محمد باللسان (باسم ربك العظيم) [52] أي بذكر اسم ربك ~~الكبير عما يقولون من الشريك «2» والولد أو قل سبحان الله أو صل لله تعالى، ~~والباء زائدة مع الاسم. PageV04P245 ### | سورة المعارج # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المعارج (70): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) # قوله (سأل سائل) بالهمزة وتركها «1» في «سأل» بالألف المنقلبة من الهمز ~~أو من الياء من السيلان بمعنى السؤال جواب للذين يستعجلون بالعذاب الموعود ~~ويسألون بمن يقع كالنضر بن الحارث وأصحابه على طريق الاستهزاء، وقيل: ~~السائل هو رسول الله، استعجل بعذابهم «2»، وضمن السؤال معنى الدعاء فعدي ~~تعديته، أي دعا داع (بعذاب واقع) [1] أي نازل يوم القيامة. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 2 الى 3] # للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج (3) # قوله (للكافرين) صفة ل «عذاب»، أي كائن ms1783 لهم أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو ~~للكافرين (ليس له دافع) [2] أي مانع (من الله) أي من جهته تعالى إذا نزل ~~بهم، ويجوز أن يتعلق «من الله» ب «واقع»، أي واقع من عنده، قوله (ذي ~~المعارج) [3] صفة لله، جمع معرج، وهو المصعد «3»، أي ذي المصاعد لأجل ~~ملائكته وهي السموات السبع لا شركة لأحد في خلقها. ### || [سورة المعارج (70): آية 4] # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # (تعرج) بالتاء والياء «4»، أي تصعد من أسفل السفل «5» (الملائكة والروح) ~~أي جبرائيل أو خلق هم حفظة على الملائكة كالملائكة الحفظة على بني آدم أو ~~روح الميت (إليه) أي إلى مهبط أمره وهو سدرة المنتهى أو إلى عرشه (في يوم ~~كان مقداره) كمقدار (خمسين ألف سنة) [4] من سني الدنيا لو صعد فيه غير ~~الملائكة، قيل: هو يوم الدنيا «6»، وقيل: يوم الآخرة «7»، واستطالة اليوم ~~إما مجاز لشدته على الكفار أو حقيقة لما روي: أن فيه خمسين موطنا، كل موطن ~~ألف سنة وما قدر ذلك على المؤمنين إلا كما بين العصر والظهر «8»، والظرف ~~يجوز أن يتعلق ب «تعرج» وهو الأظهر وأن يتعلق ب «واقع» قبله، المعنى: يقع ~~العذاب في يوم مقداره خمسون ألف سنة. PageV04P246 ### || [سورة المعارج (70): آية 5] # فاصبر صبرا جميلا (5) # (فاصبر) يا محمد على أذاهم واستهزائهم بسؤال العذاب، فالفاء متعلقة ب ~~«سأل سائل»، وكان النبي عليه السلام يضجر من ذلك فأمر بالصبر (صبرا جميلا) ~~[5] أي حسنا بلا شكاية. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 6 الى 7] # إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) # (إنهم) أي الكفار (يرونه) أي العذاب (بعيدا) [6] أي مستبعدا لإنكارهم ~~البعث (ونراه قريبا) [7] أي سهلا علينا لقدرتنا عليه كائنا لا خلف فيه. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 8 الى 9] # يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # (يوم تكون) أي في يوم تكون (السماء كالمهل) [8] أي كذائب الفضة أو كدردي ~~الزيت من الخوف في تلونها «1» (وتكون الجبال كالعهن) [9] أي كالصوف المندوب ~~المتفرق في الهواء. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 10 الى 14] # ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من ms1784 عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) # (ولا يسئل حميم حميما) [10] مجهولا، أي يطالب قريب عن قريبه بأين هو، ~~ومعلوما «2»، أي لا يسأل قريب عن قريبه بكيف حالك ولا يكلمه لاشتغال كل ~~بحاله (يبصرونهم) الضمير للحميمين باعتبار العموم لكل حميمين، أي يبصر ~~الأقرباء بعضهم بعضا، يعني يعرفهم الملائكة فيتعارفون ولا يتكلمون خوفا. # قوله (يود المجرم) حال من أحد الضميرين في «يبصرونهم»، أي يتمنى الكافر ~~(لو يفتدي) أي أن يبذل في فداء نفسه (من عذاب يومئذ) بفتح يوم» على البناء ~~للإضافة إلى غير المتمكن وبالجر «3» على الأصل، والباء للبدل في قوله ~~(ببنيه [11] وصاحبته) أي زوجته (وأخيه [12] وفصيلته) أي عشيرته (التي ~~تؤويه) [13] أي تعطيه مأوى له وتحسنه (ومن) أي وبمن (في الأرض جميعا ثم ~~ينجيه) [14] أي ثم يود أن يخلص الافتداء نفسه من العذاب. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 15 الى 17] # كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) # قوله (كلا) ردع للمجرم عما تمنى من الافتداء، أي لا يكون كما تمنى أو ~~بمعنى ألا، أي تنبه (إنها) أي النهار (لظى) [15] اسم من أسماء جهنم ومعناه ~~اللهب لتلهبها عليهم (نزاعة) بالنصب على الحال المؤكدة وبالرفع «4»، أي هي ~~نزاعة، يعني قلاعة (للشوى) [16] جمع شواة، وهي جلدة الرأس أو الأطراف، أي ~~يقلع النار الأعضاء عن أجسادهم، ثم تعود كما كانت هكذا أبدا (تدعوا) النار، ~~أي تحضر إلى نفسها (من أدبر) أي من «5» صرف وجهه إلى خلفه عن الدعوة إلى ~~الله (وتولى) [17] أي أعرض بقلبه عن الإيمان بقوله إلي إلي يا كافر. ### || [سورة المعارج (70): آية 18] # وجمع فأوعى (18) # (وجمع) أي ومن جمع المال (فأوعى) [18] أي جعله في الوعاء ولم يؤد حق الله ~~تعالى منه. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 19 الى 21] # إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) # (إن الإنسان خلق هلوعا) [19] أي حريصا ممسكا أو شديد الجزع، وقيل: معناه ~~قوله «6» (إذا مسه الشر) أي PageV04P247 # الفقر (جزوعا) [20] لا يصبر على الشدة (وإذا مسه الخير منوعا) [21] أي ~~إذا ms1785 أصابه الغني يمنع حق الله تعالى منه. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 22 الى 23] # إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) # قوله (إلا المصلين) [22] استثناء من «الإنسان»، أي إلا «1» (الذين هم على ~~صلاتهم دائمون) [23] في حفظ المكتوبة نفسها في أوقاتها، فانهم يؤدون حق ~~الله تعالى لا يخلون به، قال عليه السلام: «أفضل العمل أدومه وإن قل» «2». ### || [سورة المعارج (70): الآيات 24 الى 25] # والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم (25) # (والذين في أموالهم حق معلوم) [24] أي نصيب معروف للفقراء زكوة أو صدقة ~~أو معلوم بالشرع وهو الزكوة (للسائل) أي للذي يسأل الناس (والمحروم) [25] ~~أي للذي لا يسألهم شيئا فيحرم لذلك. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 26 الى 30] # والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن ~~عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) # (والذين يصدقون بيوم الدين) [26] أي بيوم الحساب (والذين هم من عذاب ربهم ~~مشفقون) [27] أي خائفون (إن عذاب ربهم غير مأمون) [28] أي لا ينبغي لأحد أن ~~يأمن من عذابه (والذين هم لفروجهم حافظون) [29] عن الحرام أو في كل حال ~~(إلا على أزواجهم أو) على (ما ملكت أيمانهم) من السراري (فإنهم غير ملومين) ~~[30] في ذلك. ### || [سورة المعارج (70): آية 31] # فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) # (فمن ابتغى) أي طلب (وراء ذلك) أي سوى الزوجات والمملوكات (فأولئك هم ~~العادون) [31] أي المتجاوزون من الحلال إلى الحرام. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 32 الى 35] # والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون (35) # (والذين هم لأماناتهم) جمعا ومفردا «3» فيما بينهم وبين الناس (وعهدهم) ~~«4» الذي بينهم وبين الله (راعون) [32] أي حافظون (والذين هم بشهاداتهم) ~~جمعا ومفردا «5» (قائمون) [33] أي يؤدونها عند الحاكم ولا يكتمونها (والذين ~~هم على صلاتهم يحافظون) [34] أي يداومون على حفظ أركانها وتكميل سننها في ~~أوقاتها، فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها (أولئك) أي ~~أهل هذه الصفات (في جنات مكرمون) [35] بالتحف والهدايا من الله تعالى. ### || [سورة ms1786 المعارج (70): الآيات 36 الى 38] # فما ل الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) ~~أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) # (فما ل الذين كفروا) أي أي حال للكافرين من «6» الجالسين حولك (قبلك) أي ~~نحوك (مهطعين) [36] أي ناظرين نظر عداوة إليك، حال من ضمير «كفروا» (عن ~~اليمين وعن الشمال عزين) [37] أي عن يمينك وشمالك يجلسون متفرقين فرقا شتى، ~~جمع عزة، أصلها عزوة من عزوته إلى أبيه، أي نسبته «7» إليه، والهاء PageV04P248 # عوض من المحذوف، ونزل عند قولهم استهزاء لئن دخل أصحاب محمد الجنة لندخلن ~~معهم قوله «1» (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) [38] كالمؤمنين. ### || [سورة المعارج (70): آية 39] # كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) # قوله (كلا) ردع لهم عن طمعهم (إنا خلقناهم مما يعلمون) [39] أي من نطفة ~~منتنة أبهم بما استحقارا لذكرها وهو كلام دال على إنكارهم البعث من حيث إنه ~~احتجاج «2» عليهم بالنشأة الأولى، فبأي شيء يدخلون الجنة وهم كافرون لا ~~إيمان فيهم بالبعث ليتشرفوا به فيدخلوها كما حكمنا به في القرآن. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 40 الى 41] # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) # (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) والمراد نواحيهما «3»، أي أقسم بخالقهما ~~(إنا لقادرون [40] على أن) نهلكهم و(نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين) [41] ~~أي عاجزين عن الابتداء والإعانة بعد الموت. ### || [سورة المعارج (70): الآيات 42 الى 43] # فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من ~~الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) # (فذرهم) أي دع المكذبين (يخوضوا) في أباطيلهم (ويلعبوا) أي يستهزؤا (حتى ~~يلاقوا) أي يعاينوا (يومهم الذي يوعدون) [42] فيه العذاب وأبدل من «يومهم» ~~(يوم يخرجون من الأجداث) أي من القبور «4» (سراعا) أي مسرعين إلى الداعي أو ~~إلى الحشر (كأنهم إلى نصب) بضم النون والصاد، جمع نصب، وهو ما نصب للعبادة ~~كالصنم، وبفتح النون وسكون الصاد، وقرئ به «5» (يوفضون) [43] أي يسرعون لأن ~~يعبدوها فرحين بذلك كما كانوا في الدنيا. ### || [سورة المعارج (70): آية 44] # خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي ms1787 كانوا يوعدون (44) # (خاشعة) أي ذليلة (أبصارهم ترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) وحقارة (ذلك اليوم ~~الذي كانوا يوعدون) [44] فيه العذاب وهم يكذبون به. PageV04P249 ### | سورة نوح عليه السلام # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة نوح (71): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) # (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر) أي بأن قلنا له خوف (قومك) بالنار ~~ليؤمنوا بالله ولا يشركوا به شيئا، ف «أن» هي الناصبة للفعل، ويجوز أن يكون ~~مفسرة، لأن الإرسال فيه معنى القول، أي إنا قلنا نوحا أنذر قومك (من قبل أن ~~يأتيهم عذاب أليم) [1] وهو الطوفان والغرق. ### || [سورة نوح (71): الآيات 2 الى 3] # قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) # (قال يا قوم إني لكم نذير مبين) [2] بلسان تعرفونه (أن اعبدوا) أي بقولي ~~لكم اعبدوا (الله) أي وحدوه (واتقوه) أي اجتنبوا معاصيه (وأطيعون) [3] فيما ~~آمركم به. ### || [سورة نوح (71): آية 4] # يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون (4) # (يغفر لكم من ذنوبكم) أي يزككم «1» من بعضها أو «من» زائدة (ويؤخركم) ~~بالصحة وسعة الرزق (إلى أجل مسمى) أي إلى منتهى آجالكم وهو وقت الموت (إن ~~أجل الله) بتعذيبكم (إذا جاء لا يؤخر) أو كأن الله وعد قوم نوح إن آمنوا أن ~~يعيشوا مثلا ألف سنة وإن لم يؤمنوا أن يعيشوا خمسمائة، ثم يهلكوا، لأنه إذا ~~جاء هذا الأجل فلا يستطيع أحد أن يؤخره (لو كنتم تعلمون) [4] ذلك لآمنتم. ### || [سورة نوح (71): الآيات 5 الى 6] # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) # (قال رب) أي دعا نوح ربه بعد ما كذبوه في طول المدة فقال يا رب (إني دعوت ~~قومي) «2» إلى الإيمان (ليلا ونهارا) [5] أي دائما (فلم يزدهم دعائي إلا ~~فرارا) [6] عن الإيمان. ### || [سورة نوح (71): آية 7] # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) # (وإني كلما ms1788 دعوتهم) إليه (لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم) كيلا ~~يسمعوا دعائى (واستغشوا ثيابهم) أي غطوا رؤوسهم بثيابهم كيلا يبصروني ولا ~~يسمعوا كلامي (وأصروا) أي أقاموا على كفرهم (واستكبروا) عن الإيمان ~~(استكبارا) [7] لم يزل عنهم. ### || [سورة نوح (71): الآيات 8 الى 9] # ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) # (ثم إني دعوتهم جهارا) [8] أي مجاهرا إلى الإيمان من غير خفية، فدل هذا ~~الكلام على أن الدعوة المتقدمة كانت سرارا، ففعل نوح بالدعوة كالذي يأمر ~~وينهى في الابتداء بالأهون، ثم افتتح بالمجاهرة حين لم يقبلوا المناصحة في ~~السر وهو الأشد من الأول، فلما لم يؤثر ثلاث بالجمع بين الإسرار والإعلان ~~كما يقتضي الترقي من الأشد إلى الأشد بقوله (ثم إني أعلنت لهم) صوتي مرارا، ~~و«ثم» فيه للدلالة على تباعد الأحوال (وأسررت لهم) الكلام (إسرارا) [9] أي ~~كلمتهم واحدا واحدا سرا. PageV04P250 ### || [سورة نوح (71): الآيات 10 الى 11] # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) # (فقلت استغفروا ربكم) أي توبوا إليه (إنه كان غفارا) [10] لمن تاب من ~~الشرك والمعاصي وكان قد منع عنهم المطر وغارت مياههم تحت الأرض فقال (يرسل ~~السماء) أي المطر، جواب الأمر، شبه الاستغفار بالأنواء الصادقة التي لا ~~تخطئ، أي ينزل الله من السماء المطر بسبب الاستغفار أو المراد المظلة، لأن ~~المطر ينزل منها إلى السحاب، ويجوز أن يراد السحاب ذو المطر (عليكم مدرارا) ~~[11] أي كثير الدرور، والدر المطر النازل من السماء، وزنه مفعال، يستوي فيه ~~الذكر والأنثى كرجل معطار وامرأة معطار. ### || [سورة نوح (71): آية 12] # ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) # (ويمددكم) أي يعطكم (بأموال وبنين) أي أموالا وأولادا كما تشاؤن (ويجعل ~~لكم جنات) أي بساتين ذوات نعم (ويجعل لكم أنهارا) [12] جارية في البساتين، ~~عن الحسن رضي الله عنه: «أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: «استغفر الله»، ~~وشكا آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، وفأمرهم كلهم ~~الاستغفار» «1». ### || [سورة نوح (71): الآيات 13 الى 15] # ما لكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) ألم ms1789 تروا كيف خلق ~~الله سبع سماوات طباقا (15) # (ما لكم لا ترجون لله) أي لا تأملون به (وقارا) [13] أي تعظيما لكم في ~~دار الثواب بالإيمان به تعالى (وقد خلقكم أطوارا) [14] جمع طور وهي الحال، ~~فطورا نطفة وطورا علقة وطورا مضغة إلى تمام خلق الإنسان، والمعنى: ما لكم ~~لا تؤمنون بالله وهذه حالكم التي توجب الإيمان بخالقكم، فالواو في «وقد ~~خلقكم» للحال، ثم قال تنبيها على النظر في العالم بعد التنبيه على النظر في ~~أنفسهم، لأنها أقرب منظور فيه منهم (ألم تروا كيف خلق الله) أي ألم تنظروا ~~نظر عبرة كيف أحدث الله من العدم (سبع سماوات طباقا) [15] أي مطبقا بعضها ~~فوق بعض. ### || [سورة نوح (71): آية 16] # وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) # (وجعل القمر فيهن نورا) أي ينورهن وهو في السماء الدنيا، وإنما قال فيهن ~~لأنه إذا كان في واحدة منهن فهو فيهن كما يقال إنه جالس في المدينة مع أنه ~~في جزء منها (وجعل الشمس سراجا) [16] أي مصباحا مضيئا تبصر به الأشياء، ~~قيل: «إنه تعالى جعل القمر والشمس وجوههما إلى السموات ونور القمر وضوء ~~الشمس فيهن وجعل ظهريهما إلى الأرض» «2». ### || [سورة نوح (71): الآيات 17 الى 20] # والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) ~~والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) # (والله أنبتكم من الأرض) أي خلقكم من تراب الأرض، لأنه خلق آدم منه ~~وخلقكم من آدم، قوله (نباتا) [17] مصدر بمعنى إنبات (ثم يعيدكم فيها) أي في ~~الأرض بعد موتكم (ويخرجكم) منها للبعث (إخراجا) [18] أي حقا لا محالة ~~(والله جعل لكم الأرض بساطا) [19] أي مبسوطة تتقلبون عليها (لتسلكوا) أي ~~لتأخذوا (منها) أو تمضوا (سبلا فجاجا) [20] أي طرقا واسعة. ### || [سورة نوح (71): الآيات 21 الى 22] # قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ~~ومكروا مكرا كبارا (22) # (قال نوح رب إنهم) أي قومي (عصوني) فيما أمرتهم من توحيد الله (واتبعوا) ~~أي أطاع فقراؤهم (من لم يزده ماله وولده) وهم أغنياؤهم (إلا خسارا) [21] في ~~الآخرة (ومكروا) ms1790 عطف على «لم يزده»، أي اتبعوا من مكروا وهم الرؤساء (مكرا ~~كبارا) [22] أي عظيما بتكذيب نوح وإيذائه وإيذاء متابعيه، والكبار أبلغ من ~~الكبير، وجمع الضمير الراجع إلى «من» لأنه في معنى الجمع. PageV04P251 ### || [سورة نوح (71): آية 23] # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) # (وقالوا) أي الرؤساء للسفلة (لا تذرن آلهتكم) أي لا تتركن عبادة آلهتكم ~~(ولا تذرن ودا) بضم الواو والفتح «1» (ولا سواعا ولا يغوث ويعوق) وهما لا ~~ينصرفان للعجمة والتعريف أو لوزن الفعل والتعريف (ونسرا) [23] وهي «2» ~~أسماء رجال صالحين ماتوا «3»، فقال إبليس لمن بعدهم: لو صورتم صورهم فكنتم ~~تنظرون إليهم ففعلوا، فلما مات أولئك قال لمن بعدهم أنهم كانوا يعبدونهم ~~فعبدوهم «4»، وقيل: هي أسماء أصنام لقوم نوح، فأخرجها الشيطان من الأرض بعد ~~الطوفان لمشركي العرب فعبدت كل قبيلة منهم واحدا منها «5». ### || [سورة نوح (71): الآيات 24 الى 25] # وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) # (وقد أضلوا) أي هذه الأصنام أو الرؤساء (كثيرا) من الناس، قوله (ولا تزد ~~الظالمين) عطف على «رب»، أي قال رب أنهم عصوني ولا تزد العاصين (إلا ضلالا) ~~[24] أي هلاكا فأهلكوا (مما خطيئاتهم) وقرئ «خطاياهم» «6»، أي من أجل ~~ذنوبهم (أغرقوا) وقدم الصلة لبيان أنهم لم يعذبوا إلا من أجل عصيانهم ~~(فأدخلوا نارا) أية نار، وجيء بالفاء للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب ~~الإغراق، قيل: «إنهم كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب تحت الماء» «7» ~~(فلم يجدوا لهم من دون الله) أي من دون عذابه (أنصارا) [25] أي أعوانا ~~تمنعهم من العذاب. ### || [سورة نوح (71): الآيات 26 الى 27] # وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) # (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) [26] أي أحدا ما، أصله ~~ديوار فيعال من الدور، قيل: إنه يستعمل للنفي العام «8» (إنك إن تذرهم) أي ~~إن «9» تدعهم أحياء (يضلوا عبادك) من التوحيد إلى ms1791 الكفر (ولا يلدوا إلا ~~فاجرا) أي كذابا (كفارا) [27] أي عظم «10» الكفر بنسبة الشريك والولد إليه ~~تعالى، قيل: إن نوحا قال ذلك بعد ما أوحي إليه «أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن «11»» «12»، وهذا الدعاء حسن جميل. ### || [سورة نوح (71): آية 28] # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا (28) # ثم قال نوح عليه السلام بعد الدعاء عليهم (رب اغفر لي ولوالدي) لمك ~~وسمخاء كانا مؤمنين أو هما آدم وحواء (ولمن دخل بيتي) أي منزلي أو مسجدي أو ~~سفينتي (مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) إلى يوم القيامة (ولا تزد الظالمين) أي ~~الكافرين (إلا تبارا) [28] أي هلاكا فأهلكوا بعد دعائه عليهم «13» وأغرق ~~صبيانهم بنوع من أسباب الموت لا للعقاب، وقيل: أعقم الله آباءهم وأمهاتهم ~~قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يبق معهم صبي حين أغرقوا «14»، روي عن أصحاب ~~النبي عليه السلام: «أن نجاة المؤمنين يوم القيامة في ثلاثة أشياء، بدعاء ~~نوح، وبدعاء إسحق حين أتاه جبرائيل عليه السلام بالقربان، وهو اللهم إن ~~أدعوك أيما عبد لك من الأولين والآخرين لقيك لا يشرك بك شيئا إن تدخله ~~الجنة، وبشفاعة محمد عليه السلام» «15». PageV04P252 ### | سورة الجن # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الجن (72): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) # (قل أوحي) أي قل يا محمد إن الله أوحى (إلي أنه) أي أن الشأن (استمع نفر ~~من الجن) وهم تسعة من جن نصيبين في اليمن، وذلك حين دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ببطن نخلة في تهامة، فصلى مع أصحابه صلوة الفجر فمر به نفر من ~~الجن فاستمعوا منه القرآن، وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء وقد ~~كانوا غير ممنوعين من استماع خبر السماء من قبل نزول القرآن، فرجعوا إلى ~~قومهم (فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا) [1] مصدر وصف به للمبالغة لخروجه عن ~~حد نظرائه، أي عجبا «1» لحسن نظمه وغزارة معانيه لم يشبه كلام الناس. ### || [سورة الجن (72): آية ms1792 2] # يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) # (يهدي) أي يدل (إلى الرشد) أي إلى الإيمان والخير (فآمنا به) أي بالقرآن ~~الذي يهدي إلى التوحيد (ولن نشرك) بعد اليوم (بربنا أحدا) [2] من خلقه أبدا ~~يعنون إبليس. ### || [سورة الجن (72): آية 3] # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) # (و) قالوا (أنه تعالى) أي ارتفع (جد ربنا) أي عظمته، من جد فلان إذا عظم، ~~وقرئ بفتح «أن» «2» عطفا على محل الجار والمجرور في «آمنا به»، كأنه قيل: ~~صدقناه و«3» صدقنا أنه ارتفع وتنزه جلاله وقدرته عن المحدثات، وبين ذلك ~~بقوله (ما اتخذ صاحبة) أي زوجة (ولا ولدا) [3] كما زعم الكفار، وإنما خصهما ~~بالذكر لأنه أقبح الشرك. ### || [سورة الجن (72): آية 4] # وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # (و) قالوا (أنه كان يقول سفيهنا) أي جاهلنا وهو إبليس (على الله شططا) ~~[4] أي كذبا وجورا من القول، وقرئ بالفتح على ما مر. PageV04P253 ### || [سورة الجن (72): الآيات 5 الى 6] # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) # (و) قالوا (أنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) [5] نصب على ~~المصدر، لأن الكذب نوع من القول أو صفة مصدر محذوف، أي قولا مكذوبا فيه ~~بنسبة الزوجة والولد إليه تعالى، وقرئ بالفتح كذلك قوله (وأنه كان رجال من ~~الإنس) من كلام الله تعالى لا من كلام الجن، قرئ بالكسر على الاستئناف، ~~وبالفتح على تقدير أوحي، نزل توبيخا للإنس بأنهم صاروا سببا لزيادة ضلالة ~~الجن «1»، وذلك حين كان الرجل من العرب إذا سافر فنزل بواد مخوف خال عن ~~المونس استعاذ بسيد ذلك المكان، وهو كبير الجن بقوله أعوذ بسيد هذا الوادي ~~من شر سفهائه فيكون في أمانهم تلك الليلة، فاذا سمعوا ذلك استكبروا، وقالوا ~~سيدنا الجن والإنس فزادوا باستعاذتهم لهم طغيانا وسفها، وبذلك افتخروا «2»، ~~فأخبر تعالى أنه كان رجال من الإنس (يعوذون برجال من الجن فزادوهم) أي زاد ~~الإنس الجن (رهقا) [6] أي طغيانا ms1793 وإثما بأن عاذوا بهم. ### || [سورة الجن (72): الآيات 7 الى 8] # وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) # وكذا قوله في القراءتين (وأنهم ظنوا كما ظننتم) يا كفار مكة (أن لن يبعث ~~الله أحدا) [7] بعد موته، فكفروا كما كفرتم، ثم رجع إلى كلام الجن فقال ~~(وأنا لمسنا السماء) أي صعدنا إليها لاستراق السمع، من اللمس وهو المس، ~~فاستعير لطلب شيء، قرئ فيه بالكسر على الاستئناف، وبالفتح على سبيل الحكاية ~~وكذا في كل ما كان من كلام الجن بعده (فوجدناها ملئت حرسا شديدا) أي جمعا ~~قويا على الحراسة يحفظونها على استماع القول من الملائكة (وشهبا) [8] أي ~~«3» وملئت كواكب محرقة ترمى بها. ### || [سورة الجن (72): آية 9] # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # (وأنا كنا «4») من قبل بعث محمد عليه السلام (نقعد «5» منها) أي من ~~السماء (مقاعد للسمع) أي للاستماع من الملائكة ما يقولون فيما بينهم من ~~الوقائع والكوائن، يعني كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، ~~والآن ملئت المقاعد كلها (فمن يستمع الآن) منا «6» (يجد له شهابا) أي نجما ~~(رصدا) [9] أي راصدا للرجم، يعني أعد وأوقد ليرمي به المستمع. ### || [سورة الجن (72): آية 10] # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) # (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) بعدم «7» استراق السمع (أم أراد ~~بهم ربهم رشدا) [10] أي خيرا وصوابا فيؤمنوا ويهتدوا، وهذا الكلام ذكر سبب ~~سيرهم في البلاد حتى عثروا على النبي عليه السلام واستمعوا قراءته يقولون ~~لما حدث كثرة الرجم ومنع الاستراق، قلنا ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل ~~الأرض من خير أو شر، رحمة أو عذاب. ### || [سورة الجن (72): الآيات 11 الى 12] # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن ~~نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) # (وأنا منا الصالحون) أي المسلمون (ومنا) قوم (دون ذلك) أي ليسوا مسلمين ~~(كنا طرائق) أي أصحاب مذاهب ms1794 بحذف المضاف من «طرائق» أو من الضمير في «كنا» ~~كانت طرائقنا طرائق (قددا) [11] جمع قدة وهي PageV04P254 # القطعة، أي فرقا مختلفة ومللا شتى كالقدرية والرافضية «1» والمجسمة إلى ~~غير ذلك وهو بيان للقسمة المذكورة قبله (وأنا ظننا أن لن نعجز الله) أي ~~علمنا يقينا أن لن نجعله عاجزا منا (في الأرض) أي كائنين فيها (ولن نعجزه ~~هربا) [12] من الأرض إلى السماء، أي لا يفوت أحد من الله تعالى وإن هرب منه. ### || [سورة الجن (72): آية 13] # وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) # (وأنا لما سمعنا الهدى) أي القرآن الذي يقرأه محمد عليه السلام (آمنا به) ~~قوله (فمن يؤمن بربه) كلام الله تعالى أو من كلام الجن، أي فمن يؤمن ~~بوحدانية ربه (فلا يخاف) أي فهو غير خائف (بخسا) أي نقصا من جزاء عمله (ولا ~~رهقا) [13] أي ولا ذهاب جزاء عمله أو ولا ظلما بأن يعذب بلا إثم «2»، فدخلت ~~الفاء فيه لكونه في تقدير خبر مبتدأ محذوف قبله، ولم يقل لا يخف بالجزم مع ~~إغنائه عن ذلك ليدل على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وإنه المختص بذلك دون غيره. ### || [سورة الجن (72): آية 14] # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) # (وأنا منا المسلمون) أي الموحدون (ومنا القاسطون) أي الجائرون العادلون ~~عن التوحيد (فمن أسلم) أي أخلص في التوحيد (فأولئك تحروا) أي قصدوا (رشدا) ~~[14] أي هداية إلى دخول الجنة، وهذا يدل على أن الجن يثابون بعملهم ~~ويعاقبون. ### || [سورة الجن (72): آية 15] # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) # (وأما القاسطون) أي العادلون عن التوحيد وطريق الحق (فكانوا لجهنم حطبا) ~~[15] أي وقودا لها تم هنا كلام الجن. ### || [سورة الجن (72): آية 16] # وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) # ثم أخبر الله تعالى عن حال الكفار بقوله (وأن لو استقاموا) «أن» مخففة من ~~الثقيلة، يتعلق ب «أوحي»، أي وأوحي إلي أن الشأن لو ثبت الكفار من الجن ~~والإنس (على الطريقة) أي طريقة الإسلام والتوحيد (لأسقيناهم ماء غدقا) [16] ~~أي كثيرا، يعني ms1795 لو لزموا التوحيد والإيمان لأعطيناهم مالا كثيرا فعاشوا ~~عيشا واسعا. ### || [سورة الجن (72): آية 17] # لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) # قوله (لنفتنهم فيه) متعلق بقوله «لأسقيناهم»، أي لنبتليهم في الخصب ~~والعيش والوسع، فننظر «3» كيف يشكرون «4» (ومن يعرض عن ذكر ربه) أي عن ~~القرآن والعمل به (يسلكه) بالنون والياء «5»، أي ندخله (عذابا صعدا) [17] ~~ظرف، أي فيه مصدر بمعنى الصاعد، أي شاقا يتصعد المعذب، أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ### || [سورة الجن (72): الآيات 18 الى 19] # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) # (وأن المساجد لله) أي ومن جملة «6» الموحى إلي أنها بنيت لعبادة الله ~~فآمنوا به وادخلوها (فلا تدعوا) فيها (مع الله أحدا) [18] لأنها له خاصة، ~~قيل: «كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم ويشركون بالله، فأمرهم الله ~~تعالى أن يخلصوا العبادة فيها» «7»، ثم رجع الله عن الإخبار عن الكفار إلى ~~الإخبار عن الجن الذين سمعوا PageV04P255 # القرآن من النبي عليه السلام بقوله المقروء بكسر «إن» وفتحها «1» (وأنه ~~لما قام عبد الله) أي محمد عليه السلام إلى الصلوة ببطن نخلة، ولم يقل ~~النبي ولا رسول الله، لأنه لما وقع في كلامه الموحى إليه جاء على مقتضى ~~التواضع والتذلل (يدعوه) أي يعبده ويقرأ القرآن (كادوا) أي الجن من جن ~~نصيبين (يكونون عليه) أي على محمد عليه السلام (لبدا) [19] بضم اللام ~~وكسرها «2» جمع لبدة وهي الجماعة المتلبدة، يعني يركب بعضهم بعضا ازدحاما ~~حرصا على سماع القرآن أو تعجبا مما رأوا من العبادة بالقيام والركوع ~~والسجود بالتلاوة، وقيل: «معناه أن الإنس والجن تظاهروا على أن يبطلوا أمر ~~النبي عليه السلام المخالف لشركهم فأبى الله إلا أن يتمه بنصره على من ~~عاداه فيه» «3». ### || [سورة الجن (72): الآيات 20 الى 22] # قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) # (قل) وقرئ «قال» «4» على معنى الخبرية، أي قل للمتلبدين عليك ms1796 يا محمد ~~(إنما أدعوا ربي) إلها واحدا (ولا أشرك به أحدا) [20] في العبادة وغيرها ~~(قل إني لا أملك لكم ضرا) أي خذلانا (ولا رشدا) [21] أي خيرا وهداية، وإنما ~~المالك لذلك الله تعالى (قل إني لن يجيرني) أي لن يمنعني (من الله) أي من ~~عذابه (أحد) إن عصيته (ولن أجد من دونه) أي من غيره (ملتحدا) [22] أي ملتجأ. ### || [سورة الجن (72): آية 23] # إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها أبدا (23) # قوله (إلا بلاغا) استثناء من «لا أملك» الآية، أي ليس بيدي شيء من الضر ~~والنفع إلا تبليغ الخبر (من الله) بأن أقول قال الله كذا (و) أن أبلغ ~~(رسالاته) التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان، فقوله «ورسالاته» عطف ~~على قوله «بلاغا»، وإنما أورد من دون «عن» في تعدية التبليغ، لأن من ليست ~~بصلة للتبليغ، وإنما هو كمن في قوله «براءة من الله» بمعنى بلاغا كائنا من ~~الله (ومن يعص الله ورسوله) في أمر التوحيد والقرآن (فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا) [23] لا يخرجون عنها، جمع الخالد باعتبار المعنى. ### || [سورة الجن (72): آية 24] # حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) # قوله (حتى إذا رأوا) نزل حين استضعفوا أنصار النبي عليه السلام من ~~المؤمنين واستقلوا عددهم «5»، أي أمهل المشركين الذين يتظاهرون عليك ~~بالعداوة حتى إذا رأوا (ما يوعدون) من يوم بدر وإظهار الله لك عليهم أو من ~~يوم القيامة (فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا) [24] هم أم المؤمنين. ### || [سورة الجن (72): الآيات 25 الى 27] # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) # قوله (قل إن أدري) نزل حين قالوا متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد؟ «6» ~~فقال تعالى قل ما أدري (أقريب ما توعدون) من العذاب (أم يجعل له) أي للعذاب ~~(ربي أمدا) [25] أي أجلا ينتهي إليه، المعنى: ms1797 أني أعلم نزول العذاب عليكم ~~ولكن لا أعلم أحال عليكم أم متأخر هو (عالم الغيب فلا يظهر) أي لا يطلع ~~(على غيبه) وهو PageV04P256 # وقت نزول العذاب (أحدا) [26] من خلقه (إلا من ارتضى من رسول) أي من ~~اختاره لرسالته، فانه يطلعه عليه بملك إذا شاء الاطلاع للفرق بين النبي ~~وغيره، قوله (فإنه يسلك من بين يديه) علة لعدم إظهاره على غيبه أحدا من ~~خلقه سوى النبي عليه السلام «1»، أي فان الله يسير «2» من بين يدي الرسول ~~(ومن خلفه رصدا) [27] أي ملائكة راقبين يحرسونه «3» من الشياطين حتى لا ~~يسمعوا القرآن حين أوحى إليه جبرائيل عليه السلام، ثم يفشوا ذلك قبل أن ~~يخبر الناس الرسول فلا يكون حينئذ فرق بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام. ### || [سورة الجن (72): آية 28] # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا (28) # قوله (ليعلم) متعلق بفعل محذوف، أي فعلنا ذلك ليعلم الرسول (أن قد ~~أبلغوا) أي أنه أبلغ الرسل (رسالات ربهم) كاملة بلا زيادة ولا نقصان إلى ~~المرسل إليهم، فالضمير في «يديده» و«خلفه» و«يعلم» يرجع إلى «من» باعتبار ~~اللفظ وفي «أبلغوا إليه باعتبار المعنى، وقيل: يجوز أن يرجع الضمير في ~~«يعلم» إلى الله، أي ليتعلق علمه في الوجود «أن قد أبلغوا» الآية «4»، روي: ~~«أنه ما بعث إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين لئلا يتشبهوا بصورة ~~الملك» «5» (وأحاط) الله بعلمه (بما لديهم) أي لدى الرسل من الشرائع والحكم ~~لا يفوته شيء مما عندهم (وأحصى) أي ضبط (كل شيء عددا) [28] مصدر، أي إحصاء ~~أو حال، أي معدودا محصورا من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار، فكيف ~~يفوته شيء مما عند رسله من وحيه وكلامه، فانه مهيمن عليهم حافظ لشرائعهم ~~وحكمهم لا ينسى منها حرفا. PageV04P257 ### | سورة المزمل # مكية «1» إلا آية «إن ربك يعلم» «2» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المزمل (73): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) # (يا أيها المزمل) [1] أي المتلفف بثيابه، أصله المتزمل «3»، فأدغمت التاء ms1798 ~~في الزاء، وأراد به النبي عليه السلام، لأنه كان يقول: زملوني إذا جاء ~~الوحي خوفا منه حتى انس به، فقال جبرائيل عليه السلام: يا أيها المزمل ~~تهجينا لحالته، إذ هي حالة الكسلان (قم الليل) للصلوة فيه (إلا قليلا) [2] ~~قيل: (نصفه) بدل من «الليل» بدل بعض من كل «4»، أي قم نصفه، و«إلا قليلا» ~~مستثنى من «نصفه»، قدم عليه، أي إلا قليلا من نصفه، يعني قم أقل من نصف ~~الليل (أو انقص منه) أي من النصف (قليلا) [3] قيل: إلى الثلث «5». ### || [سورة المزمل (73): آية 4] # أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # (أو زد عليه) أي على النصف، قيل: إلى الثلثين «6»، يعني أنت مخير بين أن ~~تقوم أقل من نصف الليل دائما حتما وبين أن تقوم باختيارك نصف الليل ناقصا ~~إلى الثلث، أي الثلث الأخير وزائدا إلى الثلثين، وقيل: يجوز أن يبدل نصفه ~~من «قليلا» فيكون التخيير بين ثلاثة أشياء بين قيام نصف الليل تاما وبين ~~الناقص منه وبين الزائد عليه ووصف بالقلة بالنظر إلى الكل لا إلى ما دون ~~النصف «7» كما هو عند الفقهاء، لأنهم يطلقون القليل على ما دونه، واختلف في ~~قيام الليل، قال بعضهم كان فرضا نسخ عن النبي عليه السلام بقوله تعالى «ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك» «8» وعن المؤمنين بالصلوات الخمس، فصار تطوعا، ~~وقال بعضهم كان نفلا بدليل التخيير في المقدار، إذ لم يجئ التخيير بين ~~القليل والكثير في شيء من الفرائض ولقوله «فتهجد به نافلة لك «9»» «10» ~~(ورتل) أي بين (القرآن) إذا قرأته باظهار الحروف وإشباع الحركات وتثبت في ~~قراءته (ترتيلا) [4] أي تبيينا حرفا حرفا ولا تعجل في تلاوته، روي عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لا تنثروه نثر الدقل» «11»، وهو التمر الردي. ### || [سورة المزمل (73): آية 5] # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) # (إنا سنلقي) أي سننزل (عليك قولا ثقيلا) [5] أي قرآنا شديدا لما فيه من ~~الأحكام العظام أو مهيبا عند PageV04P258 # النزول، لأن جبين النبي عليه السلام كان يتفصد عرقا وقت النزول من هيبته ~~ولا يستطيع أن يتحرك حتى يسري ms1799 عنه، وهو اعتراض لتأكيد قيام الليل الذي هو ~~من التكاليف الصعبة بالقرآن، فلابد من مجاهدة للنفس المائلة إلى النوم ~~والراحة فيه لمن أحياه لوجه الله. ### || [سورة المزمل (73): الآيات 6 الى 7] # إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) # (إن ناشئة الليل) أي ساعة قيامه بعد النوم (هي أشد وطئا) أي ثقلا على ~~المصلي من ناشئة النهار، أي من ساعته، من نشأت للشيء، أي قمت لأجله، وقرئ ~~«وطاء» بكسر الواو ومد الألف «1»، أي أشد موافقة في الليل بين السمع والقلب ~~على تفهم القرآن من الموافقة بينهما في النهار (وأقوم قيلا) [6] أي أصوب ~~قولا وأخلص له وأسمع لفراغ القلب وهدؤا للأصوات «2» في الليل دون النهار ~~(إن لك في النهار سبحا طويلا) [7] أي فراغا وتصرفا وافيا لقضاء حوائجه فيه ~~ففرغ نفسك لصلوة الليل. ### || [سورة المزمل (73): آية 8] # واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) # (واذكر اسم ربك) أي دم على توحيد الله وذكره أو صل لربك ليلا ونهارا ~~(وتبتل) أي انقطع (إليه) أي إلى ربك عما سواه (تبتيلا) [8] أي تبتلا، ~~واختاره لرعاية الفواصل، يعني أخلص إخلاصا في ذكرك وعبادتك. ### || [سورة المزمل (73): آية 9] # رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) # قوله (رب المشرق والمغرب) بالرفع مبتدأ، خبره (لا إله إلا هو) وبالجر «3» ~~بدل من «ربك» (فاتخذه وكيلا) [9] أي ناصرا وكفيلا بما وعد بالنصر على ~~الكفار. ### || [سورة المزمل (73): آية 10] # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) # (واصبر على ما يقولون) من التكذيب والأذى (واهجرهم هجرا جميلا) [10] أي ~~اعتزلهم اعتزالا حسنا لا جزع فيه ولا فحش، قيل: نسخ هذا بآية السيف «4». ### || [سورة المزمل (73): آية 11] # وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) # (وذرني) أي دعني (والمكذبين) فأنا أكافيهم «5» وهم رؤساء قريش، يعني فوض ~~أمورهم إلي، قوله (أولي النعمة) بالفتح صفة «المكذبين»، أي ذوي الغنا ~~والتنعم الذي هو سبب غفلتهم، وقد جاء بالكسر بمعنى الإنعام وبالضم بمعنى ~~المسرة «6» (ومهلهم قليلا) [11] أي إمهالا يسيرا فلم يمض على ذلك إلا زمان ~~قليل حتى قتلوا ببدر. ms1800 ### || [سورة المزمل (73): آية 12] # إن لدينا أنكالا وجحيما (12) # (إن لدينا) أي عندنا (أنكالا) أي قيودا ثقالا يضاد تنعمهم، جمع نكل بكسر ~~النون وهو القيد، قيل: كلما ارتفعوا بها في جهنم بقوتهم استفلت الأنكال بهم ~~لثقالتها وخفتهم إلى قعر جهنم «7» (وجحيما) [12] أي عندنا نارا محرقة. ### || [سورة المزمل (73): آية 13] # وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) # (وطعاما ذا غصة) أي ذا شوك يستمسك في الحلق فلا يسوغ فيها، وهو الضريع أو ~~الغسلين (وعذابا أليما) [13] سوى ذلك. PageV04P259 ### || [سورة المزمل (73): آية 14] # يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) # قوله (يوم ترجف الأرض) أي تتحرك، ظرف لما في «لدينا» من معنى الفعل، أي ~~استقر للكفار هذه الأنواع من العذاب يوم تتزلزل الأرض (والجبال) لهول ذلك ~~اليوم (وكانت الجبال كثيبا) أي رملا مجتمعا (مهيلا) [14] أي سائلا بعد ~~اجتماعه. ### || [سورة المزمل (73): آية 15] # إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) # (إنا أرسلنا إليكم) يا أهل مكة (رسولا) أي محمدا عليه السلام (شاهدا ~~عليكم) بكفركم يوم القيامة (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) [15] أي موسى بن عمران. ### || [سورة المزمل (73): آية 16] # فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) # (فعصى فرعون الرسول) بلام التعريف ليعود «1» المعرف إلى المنكر وهو موسى ~~(فأخذناه أخذا وبيلا) [16] أي شديدا غليظا، يعني عاقبناه بالغرق فهذا تهديد لهم. ### || [سورة المزمل (73): آية 17] # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) # (فكيف تتقون) أي تتحصنون من العذاب يوم القيامة (إن كفرتم) هنا، ف «يوما» ~~ظرف ل «تتقون» في قوله (يوما يجعل الولدان شيبا) [17] من هيبته وشدته، ~~ويجوز أن ينتصب ب «كفرتم» على تأويل جحدتم، أي كيف تخشون الله إن جحدتم يوم ~~القيامة والجزاء مع شدته، يعني لو كان هنالك صبيان لشابت رؤوسهم من شدة ذلك اليوم. ### || [سورة المزمل (73): آية 18] # السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) # (السماء منفطر) بالتذكير «2» وصف ل «يوما» وصفه بالشدة، أي السماء ذات ~~انفطار، أي انشقاق (به) أي بذلك «3» اليوم لشدته وثقالة ما عليها من ~~الملائكة يومئذ كانفطار الخشبة بالقدوم، فالباء للسببية أو السماء منفطر به ms1801 ~~بتأويل السقف (كان وعده) أي وعد الله تعالى لمجيء ذلك اليوم (مفعولا) [18] ~~أي محصولا بالبعث لا محالة. ### || [سورة المزمل (73): آية 19] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) # (إن هذه) أي الآيات المخوفة للناس (تذكرة) أي عظة لهم (فمن شاء) اتخاذ ~~سبيل إلى النجاة من العذاب (اتخذ إلى ربه سبيلا) [19] أي مرجعا بالإيمان به ~~وطاعته، لأنه قد ظهر له الدلائل للرغبة فيه. ### || [سورة المزمل (73): آية 20] # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) # (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى) أي أقل (من ثلثي الليل) قوله (ونصفه وثلثه) ~~بالنصب فيهما عطف على «أدنى»، أي تقوم أقل من الثلثين وتقوم نصفه وتقوم «4» ~~ثلثه، وهو موافق للتخيير الثاني في أول السورة بين قيام النصف بتمامه وبين ~~قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين، ~~وبالجر فيهما «5» PageV04P260 # عطف على «ثلثي الليل»، أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف وأقل من ~~الثلث، وهو الوجه الأول من التخيير، قوله (وطائفة) عطف على ضمير الفاعل في ~~«تقوم»، وجاز العطف للفصل، أي تقوم أنت وتقوم طائفة (من الذين معك) أي من ~~أصحابك (والله يقدر الليل والنهار) أي يحصيهما بساعاتهما يقينا، يعني يضبط ~~الساعات منهما ويميز المفروض منهما «1» للقيام من غير المفروض عليكم وأنتم ~~لا تقدرون على التمييز بينهما (علم أن لن تحصوه) أي الليل بمعرفة الساعات ~~وضبط الأوقات فتعرفوا المفروض عليكم منهما «2» من غير المفروض يقينا إلا ~~بقيام جميع الليل، وذلك يشق عليكم (فتاب عليكم) أي عاد بالتجاوز عنكم وترك ~~ما ms1802 فرض عليكم من قيام الليل (فاقرؤا ما تيسر) في جوف الليل (من القرآن) من ~~غير توقيت لصلوة، فالمراد القراءة من القرآن لا غير، قيل: من قرأ مائة آية ~~منه، وقيل: خمسين لم يحاجه القرآن «3» أو المراد بالقراءة الصلوة، لأنها ~~بعض أركانها كما يعبر عنها بالقيام والركوع والسجود، أي فصلوا ما تيسر ~~عليكم من صلاة الليل، وهذا ناسخ للأول، ثم تسخا جميعا بالصلوات الخمس «4»، ~~روي: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا الليل كله حين علموا ~~فرضية القيام من قوله «قم الليل إلا قليلا» سنة حتى انتفخت أقدامهم فنزل ~~ترخيصا لهم في ترك القيام المقدر «علم أن لن تحصوه» الآية «5»، قوله (علم ~~أن سيكون منكم مرضى) إشارة إلى حكمة النسخ وهي تعذر القيام بأسباب ثلاثة، ~~و«إن» مخففة من الثقيلة، والسين عوض من التخفيف واسمها ضمير الشأن، أي علم ~~الله أن الشأن سيكون منكم مرضى لا يقدرون على قيام الليل (وآخرون يضربون) ~~أي يسافرون (في الأرض يبتغون) أي يطلبون (من فضل الله) أي من رزقه بالتجارة ~~وغيرها، قال عليه السلام: «أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين ~~صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء» «6» (وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله) وفي الآية دليل على أن كسب الحلال بمنزلة الجهاد، ~~المعنى: أنكم تضعفون عن قيام الليل (فاقرؤا ما تيسر منه) أي من القرآن ~~(وأقيموا الصلاة) أي الصلوات الخمس (وآتوا الزكاة) المفروضة (وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا) أي تصدقوا من أموالكم سوى المفروض منها بنية خالصة، قوله (وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير) «ما» فيه شرطية، أي ما تعملوا من عمل صالح مما ~~يتعلق بالنفس والمال والجهاد والتصدق على المساكين بطيبة نفس (تجدوه) أي ~~ثوابه (عند الله) أي في الآخرة (هو خيرا) هو فصل بين مفعول «تجدوا» الأول ~~وبين المفعول الثاني، أعني خيرا وإن لم يقع بين معرفتين، لأن أفعل من أشبه ~~المعرفة لامتناعه من التعريف كالمعرف باللام، قوله (وأعظم أجرا) عطف على ~~«خيرا»، أي أكبر ثوابا من تجارتكم ومعاملتكم ms1803 في الدنيا (واستغفروا الله) ~~لذنوبكم بالتوبة إليه تعالى (إن الله غفور) لمن تاب (رحيم) [20] لمن أطاع ~~ولم يعص بعد التوبة. PageV04P261 ### | سورة المدثر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المدثر (74): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) # قوله (يا أيها المدثر) [1] أي المتلفف بالدثار وهو ثوب فوق الشعار، ~~والشعار ما يلي الجسد، نزل حين قضى النبي عليه السلام جواه بحراء، بكسر ~~الحاء ممدودا جبل بمكة، ثم نزل في بطن الوادي فاستبطأ فيه، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «فنوديت فرفعت رأسي فاذا في الهواء جبرائيل عليه السلام يقول: ~~إنك نبي الله، فرعبت منه فجئت إلى أهلي- يعني خديجة- فقلت: دثروني فدثروني ~~بثوبي، فسمعت يا أيها المدثر» «1»، أي بثوبه على فراشه وهذا يدل على أنه ~~أول ما نزل «2»، وقيل: هذا بعد فترة الوحي «3»، وقيل: سمع المكروه من قريش ~~فاغتم فتلفف بثوبه مفكرا فأمر بأن لا يدفع إنذارهم لذلك بقوله «4» (قم) من ~~مضجعك (فأنذر) [2] أي خوف الكفار بالنار «5» أن يؤمنوا بعد دعوتك إياهم إلى ~~التوحيد وترك الشرك. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 3 الى 5] # وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) # (وربك فكبر) [3] أي قم فكبر ربك، يعني صفه بالكبرياء أو كبره «6» للصلوة، ~~فالفاء في جواب الجزاء، (وثيابك فطهر) [4] أي قم فطهر نفسك من الذنب ~~بالتوبة أو ثيابك من النجاسة لتصلي لربك لأن الصلوة لا تصح معها (والرجز) ~~بالضم والكسر «7» العذاب (فاهجر) [5] أي اقطع واترك كل ما هو سبب للعذاب من ~~الصنم وغيره. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 6 الى 7] # ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) # (ولا تمنن) أي لا تعط «8» شيئا قليلا (تستكثر) [6] بالرفع نصب على الحال ~~«9»، أي لا تعط مالك أحدا طالبا به أكثر منه، قيل: هو محرم على النبي عليه ~~السلام تشريفا له «10»، ويجوز لغيره لقوله عليه السلام «المستغزر يثاب من ~~هبته» «11»، والاستغزار أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر ~~من الموهوب، وقيل: هو نهي تنزيه له ولأمته «12» (ولربك) أي لأجل أمره ~~(فاصبر) [7] على الطاعة وكل شديدة، وفيه تعزية له ms1804 ليصبر على أذى المشركين. PageV04P262 ### || [سورة المدثر (74): الآيات 8 الى 10] # فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير (10) # (فإذا نقر) أي اصبر أنت على ذلك، فاذا نفخ (في الناقور) [8] أي في الصور ~~(فذلك) مبتدأ، أي زمان النفخ فيه (يومئذ) أي يوم ينقر في الناقور (يوم ~~عسير) [9] أي شديد أمره (على الكافرين غير يسير) [10] أي لا يرجى أن يرجع ~~يسيرا كما يرجى تيسير العسير في الدنيا ف «يومئذ» ظرف ل «يوم عسير»، قدم ~~عليه و«يوم عسير» خبر «فذلك»، وقيل: عامل الظرف ما دل عليه الجزاء، أي عسر ~~الأمر على الكافرين «1»، لأن الصفة لا تعمل فيما قبلها، فالمعنى: إذا نقر ~~في الناقور، فزمان ذلك النقر يوم اشتد أمره وقت النقر، واختلف في أن النقر ~~فيه هو النفخة الأولى أم الثانية، ولو قال قائل ما فائدة قوله «غير يسير» ~~و«عسير» قبله يغني عنه؟ أجيب بأنها إيذان على أنه يسير على المؤمن عسير على ~~الكفار «2». ### || [سورة المدثر (74): آية 11] # ذرني ومن خلقت وحيدا (11) # (ذرني ومن خلقت) عطف على الياء المفعول، أي اتركني واترك من خلقته ~~(وحيدا) [11] لم يشركني فيه غيري، حال من التاء في «خلقت» أو المعنى: ذرني ~~وحدي معه، فالواو بمعنى مع والمراد بيان الاقتدار على الانتقام منه فيكون ~~حالا من الياء في «ذرني»، يعني فوض أمره إلي فأنا أكفيك منه وهو الوليد بن ~~المغيرة. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 12 الى 14] # وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) # (وجعلت له مالا ممدودا) [12] أي مالا «3» كثيرا متصلا لا ينقطع كالزروع ~~والضروع والجارات، قيل: «كان له أربعة آلاف» «4» أو «تسعمائة ألف مثقال ~~فضة» «5» (وبنين شهودا) [13] أي وجعلته له بنين حضورا معه لا يغيبون عنه في ~~التجارات والمحافل، وكانوا عشرة يستأنس بهم ولا يحزن بفراقهم (ومهدت) أي ~~بسطت (له) في العمر والعيش والولد (تمهيدا) [14] أي بسطا وافرا. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 15 الى 17] # ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) # (ثم يطمع أن أزيد) [15] ذلك له «6» ليفتخر به ويعصيني، قوله ms1805 (كلا) ردع ~~لما طمعه، أي «7» لا أزيد له ماله وعمره وولده، قيل: هلك عامة ماله وولده ~~بعد ذلك «8» (إنه) أي الوليد (كان لآياتنا) أي للقرآن (عنيدا) [16] أي ~~معاندا مكذبا (سأرهقه) سأكلفه في النار (صعودا) [17] أي جبلا من نار يصعد ~~عليه سبعين خريفا، ثم ينحط منه إلى أسفله كذلك أبدا. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 18 الى 20] # إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) # (إنه) أي الوليد (فكر) في شأن محمد عليه السلام لما سمع قراءته القرآن، ~~فقال لقومه: إنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه (وقدر) [18] في نفسه ~~ما يقوله وهيأه من الأوصاف الشنيعة طعنا في القرآن، فقال هو سحر منقول عن ~~السحرة فسمعه قومه فرضوا عنه فقال تعالى (فقتل) أي لعن (كيف قدر [19] ثم ~~قتل كيف قدر) [20] تعجيبا من تقديره وإصابته «9» الغرض الذي كان ينتحيه ~~قريش، وذلك حين اجتمعوا في نواحي مكة في أيام الموسم فتدبروا في أمر محمد ~~عليه السلام فتكلم كل بما عنده من الوصف بالجنون والكهانة والشعر فرد ذلك ~~كله، ثم سألوا عنه ففكر زمانا ثم رجع إليهم فقال إني فكرت في أمر محمد عليه ~~السلام فاذا هو ساحر وما PageV04P263 # يقوله سحر مؤثر، فأخبر تعالى عن حاله بقوله «إنه فكر» الآية. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 21 الى 23] # ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) # (ثم نظر) [21] فيما يبطل به القرآن أو نظر في وجوه قومه، (ثم عبس) أي قبض ~~وجهه ضيقا بما يقول من الحيل في حق القرآن، وقيل: عبس وجهه بكراهة شديدة في ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» (وبسر) [22] أي زاد في التقبض (ثم ~~أدبر) أي أعرض عن الإيمان (واستكبر) [23] عن اتباع محمد عليه السلام، و«ثم» ~~الداخلة في تكرير الدعاء للدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى «2». ### || [سورة المدثر (74): الآيات 24 الى 26] # فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) # (فقال إن هذا) أي ما هذا الذي يقوله محمد (إلا سحر يؤثر) [24] أي يروى عن ~~السحرة، ms1806 يعني يرويه محمد عن صاحب اليمامة وهو مسيلمة الكذاب، وإنما أدخل ~~الفاء في «فقال» دون «ثم» لأن الكلمة الشنعاء لما خطرت «3» بباله استعجل أن ~~ينطلق بها من غير تلبث، ثم قال من غير توسط «4» حرف العطف بين الجملة دلالة ~~على أن الثانية بمنزلة التأكيد للأولى (إن هذا) أي ما هذا (إلا قول البشر) ~~[25] لا وحي من الله، فقال تعالى (سأصليه) أي سأدخله (سقر) [26] اسم من ~~أسماء النار. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 27 الى 29] # وما أدراك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) # قوله (وما أدراك ما سقر) [27] تعظيم لشأن تلك النار، ثم بين بقوله (لا ~~تبقي) لحما إلا أكلته، ثم يعود كما كان (ولا تذر) [28] أي لا تتركهم تلك ~~النار إذا أعيدوا فيها خلقا جديدا (لواحة للبشر) [29] أي هي محرقة لبشرة ~~الجلد وهي ظاهره. ### || [سورة المدثر (74): آية 30] # عليها تسعة عشر (30) # (عليها) أي على النار (تسعة عشر) [30] من الملائكة مسلطون من رؤساء ~~الخزنة، وأما الزبانية فلا يحصى عددهم، قيل: أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم ~~كالصياصي، أي القلاع يخرج لهب النار من أفواههم نزعت منهم الرحمة يدفع ~~أحدهم سبعين ألفا يرميهم حيث أراد من جهنم «5». ### || [سورة المدثر (74): آية 31] # وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين ~~أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد ~~الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) # وقال رجل من المشركين وكانت له قوة شديدة وهو أبو الأشد بن أسيد بن كلدة ~~أنا أكفيكم تسعة عشر فنزل تجهيلا له «6» (وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملائكة) غلاظا شدادا لا يغلبهم أحد من غير جنسهم وليسوا كما يتوهم الكفار ~~(وما جعلنا عدتهم) يعني تسعة عشر لأنفس العدة (إلا فتنة للذين كفروا) أي ~~بلاء وضلالا للكافرين بأن يقولوا لم كانوا تسعة عشر (ليستيقن الذين أوتوا ~~الكتاب) اللام ms1807 فيه للتعليل وهو لا يقتضي كون ما دخل غرضا، أي ليطمئن قلوب ~~اليهود صدق محمد عليه السلام، لأن عددهم في التورية تسعة عشر (ويزداد) أي ~~وليزداد (الذين آمنوا) بالقرآن من أهل الكتاب (إيمانا) أي تصديقا لموافقته ~~كتابهم، وأكد الاستيقان بقوله (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب) لأن إثبات ~~اليقين ونفي الريب آكد وأبلغ في وصفهم لسكون النفس، أي لا PageV04P264 # يشكوا في ذلك (والمؤمنون) من غيرهم في عدد الملائكة (وليقول) في الزمان ~~المستقبل بعد الهجرة (الذين في قلوبهم مرض) أي شك في المدينة وهم المنافقون ~~(والكافرون) أي المشركون بمكة (ما ذا أراد الله بهذا) أي أي شيء الذي أراده ~~بالعدد المخصوص (مثلا) تمييز ل «هذا» وسماه مثلا، لأن مثل هذا القول في ~~الغرابة مما تسير به الركبان سيرها بالأمثال في البلاد، ولا يشكل التعليل ~~باللام في «ليقول» لأنها أفادت معنى العلة وهي لا يقتضي كونها غرضا (كذلك) ~~أي مثل ذلك الإضلال لمنكري العدد المخصوص (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ~~أي يوفقه للإيمان به، قوله (وما يعلم جنود ربك إلا هو) أي الله تعالى يعلم ~~جنوده لفرط كثرتها وقوتها لا غير، رد لقول أبي جهل حيث قال: ما كان لمحمد ~~أعوان إلا تسعة عشر (وما هي إلا ذكرى) أي ما الآيات المذكورة أو ما ذكر ~~«سقر» إلا عظة (للبشر) [31] ليؤمنوا. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 32 الى 35] # كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) إنها لإحدى ~~الكبر (35) # قوله (كلا) إنكار أن يكون الآيات أو ذكر «سقر» ذكرى لهم، لأنهم لا ~~يتذكرون لشدة عنادهم، قوله (والقمر) [32] قسم أقسم بالقمر (والليل إذ أدبر) ~~[33] بسكون الذال من إذ وأفعل، وقرئ إذا دبر بفتح الذال منه وفعل كأقبل ~~وقبل بمعنى واحد «1»، يقال دبر الليل النهار إذا خلفه وأدبر كذلك، (والصبح) ~~أي أقسم بالصبح (إذا أسفر) [34] أي ظهر، قوله (إنها) جواب القسم، أي إن ~~«سقر» (لإحدى الكبر) [35] أي البلايا العظام جمع الكبرى. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 36 الى 37] # نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) # قوله ms1808 (نذيرا للبشر) [36] حال من «إحدى»، أي ذات إنذار للخلق أو منذرة لهم ~~وذكر لكونه بمعنى العذاب، قوله (لمن شاء) بدل من «للبشر»، أي نذير لمن شاء ~~(منكم أن يتقدم) إلى الخير أو إلى الجنة (أو) أن (يتأخر) [37] إلى الشر أو ~~إلى النار. ### || [سورة المدثر (74): آية 38] # كل نفس بما كسبت رهينة (38) # (كل نفس بما كسبت رهينة) [38] أي كل نفس كافرة محبوسة بعملها السوء في ~~النار، وال «رهينة» مصدر بمعنى الرهن وليس التاء فيه للتأنيث بل للاسمية، ~~لأنه قصد الصفة لقيل رهين، إذ هو بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 39 الى 41] # إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) # قوله (إلا أصحاب اليمين) [39] استثناء منقطع، أي لكن أصحاب اليمين الذين ~~كانوا عن يمين آدم يوم الميثاق ليسوا مرتهنين بأعمالهم، قوله (في جنات) حال ~~من «أصحاب اليمين» (يتساءلون) [40] بينهم فيها (عن) حال (المجرمين) [41] ~~فيسأل المؤمنون المسؤولون عنهم لمن «2» في النار إذا خرج الموحدون منها مع ~~علمهم بحالهم توبيخالهم وتخسيرا حين نظروا إلى النار. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 42 الى 48] # ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين ~~(44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) # حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) # (ما سلككم في سقر) [42] أي ما أدخلكم فيها أو التقدير فيقولون لهم قلنا ~~لهم ما سلككم في سقر، فهو PageV04P265 # حكاية قول المسؤلين عنهم على سبيل الاختصار (قالوا لم نك من المصلين) ~~[43] أي المقرين بالصلوة (ولم نك نطعم المسكين) [44] أي لا نؤدي الزكوة إلى ~~المساكين لعدم إقرارنا بها (وكنا نخوض) في الباطل (مع الخائضين) [45] ~~المستهزئين بالحق (وكنا نكذب بيوم الدين) [46] أي يوم البعث والحساب (حتى ~~أتانا اليقين) [47] أي الموت والقيامة، قيل: يحتمل أن يكون سبب السلوك فيها ~~مجموع هذه الأربع وأن يكون البعض منها سببا للبعض منهم، وإنما أخر التكذيب ~~وهو أعظمها، لأن في تأخيره تعظيما كما في قوله «ثم كان من الذين آمنوا «1»» ~~«2»، فقال تعالى إقناطا لهم عن الشفاعة المأمولة لهم (فما تنفعهم) ms1809 يوم ~~القيامة (شفاعة الشافعين) [48] من الملائكة والأنبياء والصالحين. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 49 الى 51] # فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) # (فما لهم) أي أي حال للمشركين (عن التذكرة) أي عن «3» العظة بالقرآن ~~(معرضين) [49] حال من الضمير في «لهم» (كأنهم حمر مستنفرة) [50] أي طالبة ~~للنفرة لشدة خوفها (فرت من قسورة) [51] أي من أسد، شبههم بالحمر الوحشية ~~المستنفرة من السبع في تنفرهم عن الإيمان وتكذيب القرآن لعدم عقلهم وقرئ ~~بفتح الفاء «4»، أي استنفرها غيرها. ### || [سورة المدثر (74): آية 52] # بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) # قوله (بل يريد كل امرئ منهم) نزل حين قال الكفار لا نؤمن بك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤ، وروي أنهم قالوا ليصبح عند رأس كل منا كتاب من الله إلى ~~فلان بن فلان على التعيين حتى نؤمن بك يا محمد «5»، فقال تعالى: # هم لا يؤمنون بل يريد كل امرئ منهم (أن يؤتى صحفا) أي قراطيس (منشرة) ~~[52] أي مكشوفة مكتوبة فيها جرمه وتوبته وأمنه من النار. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 53 الى 54] # كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) # قوله (كلا) ردع لقولهم، أي لا يكون هذه الإرادة أبدا (بل لا يخافون ~~الآخرة) [53] أي عذابها لعدم إيمانهم بها (كلا) أي حقا (إنه) أي القرآن ~~(تذكرة) [54] أي عظة بليغة كافية للخلق. ### || [سورة المدثر (74): الآيات 55 الى 56] # فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة (56) # (فمن شاء) أن يذكره «6» ويتعظ به (ذكره) [55] أي قرأه واتعظ به. # (وما يذكرون) أي وما يتعظون (إلا أن يشاء الله) ذلك لهم بالقسر والإلجاء، ~~لأنه معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا (هو أهل التقوى) أي الله تعالى أهل أن ~~يتقى منه ويوحد بالدلائل ويطاع ولا يعصى (وأهل المغفرة) [56] أي وأهل أن ~~يغفر لمن تاب عن الشرك واتقاه. PageV04P266 ### | سورة القيامة # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القيامة (75): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) # (لا أقسم) أي أقسم ms1810 (بيوم القيامة) [1] لعظمتها بحكم زيادة «لا» لتأكيد ~~القسم كما مر في الواقعة «1» (و) كذا في (لا أقسم بالنفس اللوامة) [2] وهي ~~التي تلوم نفسها بايمانها وإن اجتهدت في الإحسان لكرامتها عند الله، إذ ~~الكافر لا يعاتب نفسه بمضي الدهور عليه لعدم إيمانه، وجواب القسم محذوف ~~بدلالة ما بعده، أي لتبعثن يوم القيامة. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 3 الى 4] # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) # (أيحسب الإنسان) «2» الذي ينكر البعث وهو عدي ابن أبي ربيعة، قال لرسول ~~الله: يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون؟ وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أو من به ~~أو يجمع الله العظام، فقال الله تعالى أيظن منكر البعث (ألن نجمع عظامه) ~~[3] بعد موته فقال تعالى (بلى) وهو للإيجاب «3» بعد النفي، أي نحن نجمعها ~~(قادرين) حال من الضمير في «نجمع» (على أن نسوي بنانه) [4] أي أن نعيد عظام ~~أنامله ونؤلفها كما كانت بعد ما رمت وبليت. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 5 الى 6] # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) # قوله (بل يريد الإنسان) بالتكذيب، عطف على «يحسب» داخلا تحت الاستفهام، ~~ويجوز أن يكون إضرابا عن المستفهم عنه إلى شيء آخر، أي يقصد بتكذيبه ~~(ليفجر) أي ليعدل عن الحق ويكثر ذنوبه (أمامه) [5] أي فيما بين يديه من ~~الأوقات من غير خوف من البعث (يسئل أيان) أي متى (يوم القيامة) [6] سؤال ~~استهزاء. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 7 الى 9] # فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) # (فإذا برق) بكسر الراء وفتحها «4»، أي دهش وتحير عند الموت (البصر) [7] ~~أي عينه مما يشاهد من أحوال الفزع أو عند البعث خوفا (وخسف القمر) [8] أي ~~ذهب ضوؤه، (وجمع الشمس والقمر) [9] فطلعا من المغرب أو سوى بينهما في عدم ~~النور، وقيل: «يجمعان فيقذفان في البحر ليكونا نار الله الكبرى» «5». ### || [سورة القيامة (75): الآيات 10 الى 12] # يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ ~~المستقر ms1811 (12) # (يقول الإنسان) المنكر للبعث (يومئذ أين المفر) [10] أي الفرار، قوله ~~(كلا) ردع عن طلب الفرار (لا PageV04P267 # وزر) [11] أي قال تعالى لا ملجأ يومئذ يتحصن به من العذاب (إلى ربك) لا ~~إلى غيره (يومئذ المستقر) [12] أي مستقر الخلائق يحاسبون ويجازون فيه، يعني ~~أنهم لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره، لأن أمور العباد ترجع إلي لا حكم لأحد ~~فيه كقوله «لمن الملك اليوم» «1». ### || [سورة القيامة (75): الآيات 13 الى 14] # ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) # (ينبؤا الإنسان) أي يخبر كل «2» إنسان (يومئذ بما قدم) من خير وشر عمله ~~في الدنيا (و) بما (أخر) [13] «3» من حسنة وسيئة سنهما «4» وعمل بهما بعده ~~«5» وإن لم ينبأ حقيقة يعلمه أيضا لقوله تعالى «6» (بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة) [14] أي شاهد على نفسه بما عمل، يعني جوارحه تشهد عليه بما فعل وما ~~قال فيحاسب به، والتاء في ال «بصيرة» للمبالغة كعلامة. ### || [سورة القيامة (75): آية 15] # ولو ألقى معاذيره (15) # قوله (ولو ألقى معاذيره) [15] شرط، جوابه محذوف، أي لو تكلم بكل معذرة ~~ليتخلص ما قبلت منه وهي اسم جمع لها، وقيل: «ال «معاذيره» الستور» «7»، أي ~~لو أرخى عليه الستور وأغلق الباب لم ينفعه ذلك. ### || [سورة القيامة (75): آية 16] # لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) # قوله (لا تحرك به) أي بالقرآن (لسانك) نهي للنبي عليه السلام عن «8» ~~قراءة الوحي حين يقرأه جبرائيل عليه السلام وأمر بالإنصات له، أي لا تحركه ~~«9» (لتعجل به) [16] أي بالقرآن حذرا أن يفوتك شيء منه، بل أعجل بالعمل بما ~~فيه لخوف القيامة بعد أن يقضي عليك وحيه، نزل حين كان يعجل به للحفظ عند ~~نزوله لئلا ينسي «10»، يعني لا تقرأه حتى يفرغ جبرائيل من قراءته عليك. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 17 الى 19] # إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا ~~بيانه (19) # (إن علينا جمعه) في صدرك لتحفظه «11» (وقرآنه) [17] أي وقراءته عليك، ~~يعني وجريانه على لسانك (فإذا قرأناه) أي إذا قرأ جبرائيل عليك (فاتبع ~~«12») أي استمع (قرآنه) [18] أي «13» قراءته، وقيل: «اتبع حلاله وحرامه» ~~«14»، يعني ms1812 ميز بينهما بأخذ حلاله وترك حرامه (ثم إن علينا بيانه) [19] أي ~~بأن نبينه لك حتى تفهمه فكان جبرائيل عليه السلام إذا أتاه بالوحي أطرق ~~فاذا ذهب عنه قرأه كما وعده تعالى، قوله (كلا) ردع للنبي عليه السلام عن ~~عادة العجلة وحث على التأني والتؤدة وقد بالغ فيه باتباعه. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 20 الى 21] # كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) # قوله (بل تحبون العاجلة) [20] كأنه قال يا بني آدم أنتم لا تتركون العجلة ~~بل لأنكم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء يهمكم، فلذلك تحبون العاجلة وعملها ~~(وتذرون الآخرة) [21] بالتاء والياء في الفعلين «15»، أي تتركون العمل لها، ~~وفيه توبيخ لهم بحب عمل الدنيا وترك الاهتمام بالآخرة. PageV04P268 ### || [سورة القيامة (75): الآيات 22 الى 25] # وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن ~~أن يفعل بها فاقرة (25) # (وجوه يومئذ) هذا بيان حال الخلق يوم القيامة، قيل: المراد من الوجه هنا ~~الجملة «1»، أي وجوه منهم يومئذ (ناضرة) [22] أي مسرورة حسنة مضيئة (إلى ~~ربها ناظرة) [23] لا إلى غيره أو إلى ثوابه (ووجوه) منهم (يومئذ باسرة) ~~[24] أي عابسة مسودة (تظن) أي تستيقن (أن يفعل بها فاقرة) [25] أي داهية ~~عظيمة تكسر فقار الظهر، من فقر إذا كسر. ### || [سورة القيامة (75): آية 26] # كلا إذا بلغت التراقي (26) # قوله (كلا) ردع عن حب العاجلة وترك الآخرة، أي ارتدعوا عن ذلك وتأهبوا ~~للموت فانكم تنقلون إلى مصيركم ثم من لذاتكم الفانية هنا (إذا بلغت) أي ~~الروح (التراقي) [26] جمع الترقوة وهي العظام المكتنفة لعقدة الصدر ~~الملاقية للحلقوم، وهي عبارة عن حال الإشراف على الموت. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 27 الى 30] # وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك ~~يومئذ المساق (30) # (وقيل من راق) [27] أي من يرقيه من الأطباء ليشفي مما هو فيه (وظن) أي ~~تيقن (أنه الفراق) [28] أي أنه يفارق الدنيا (والتفت الساق بالساق) [29] أي ~~التوت ساقه بساقه عند الموت (إلى ربك يومئذ المساق) [30] أي إلى حكم ربك ~~يساق العبد من الثواب والعقاب يوم القيامة، وهذا المعنى جواب «إذا» بدلالة ~~«إلى ms1813 ربك يومئذ المساق». ### || [سورة القيامة (75): الآيات 31 الى 33] # فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) # (فلا صدق ولا صلى) [31] أي لم يصدق بتوحيد الله ولم يصل الإنسان في قوله ~~«أ يحسب الإنسان» (ولكن كذب) بالتوحيد والقرآن (وتولى) [32] أي أعرض عن ~~الإيمان (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) [33] أي أي يتبختر في مشيته إعجابا لنفسه. ### || [سورة القيامة (75): الآيات 34 الى 35] # أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) # (أولى لك فأولى) [34] هذا وعيد على إثر وعيد، أي العذاب الذي تكره أولى ~~لك، أي أحرى بك فأولى، أي فهو أولى لك من غيرك (ثم أولى لك فأولى) [35]، من ~~الولي «2» وهو القرب، قيل: هو في شأن أبي جهل «3»، وقيل: في غيره وهو دعاء ~~عليه بأن يليه ما يكره «4». ### || [سورة القيامة (75): الآيات 36 الى 39] # أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان ~~علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) # (أيحسب الإنسان) أي كل إنسان منكر للقرآن والبعث (أن يترك سدى) [36] أي ~~مهملا لا يؤمر ولا ينهى (ألم يك نطفة من مني يمنى) [37] بالتاء والياء «5»، ~~أي تراق في الرحم فيستدل بذلك على أن الله قادر على البعث (ثم كان) أي صار ~~المني (علقة فخلق) الله منها الإنسان (فسوى) [38] أي عدل أعضاءه أو جعله ~~معتدل القامة (فجعل منه) من المني (الزوجين الذكر والأنثى) [39] وهو ماء واحد. ### || [سورة القيامة (75): آية 40] # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) # (أليس ذلك) أي فقال هذه الأشياء (بقادر على أن يحيي الموتى) [40] يوم ~~القيامة، وهو استفهام على سبيل التقرير، روي أنه صلى الله عليه وسلم إذا ~~قرأ هذه الآية قال: «سبحانك اللهم بلى» «6». PageV04P269 ### | سورة الإنسان (وسورة الدهر) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) # (هل أتى) «1»، «هل» فيه بمعنى قد بتقدير همزة الاستفهام معها ms1814 تقديره: أقد ~~أتى أو الاستفهام على بابه والمراد التقرير، أي ألم يأت (على الإنسان) هو ~~آدم (حين) أي مدة (من الدهر) قيل: هو أربعون سنة «2» (لم يكن شيئا مذكورا) ~~[1] حال من «الإنسان»، أي حال كونه منسيا لا يعرف باسمه ولا يعلم لغير الله ~~ما المراد من خلقته، وذلك حين كان ملقى بين مكة والطائف زمانا طويلا أو ~~المراد جنس الإنسان، لأنهم كانوا نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء لا ~~يعرفون، ويعضده قوله (إنا خلقنا الإنسان) أي بين آدم (من نطفة أمشاج) جمع ~~مشيج، أي مختلط من الماءين، ماء الرجل وماء المرأة، إذ لا يكون الولد إلا ~~منهما، وصف المفرد بالجمع لأنها صارت اسما واحدا بعد الجمع أو هي بدل من ~~«نطفة» لا وصف لها، لأن المراد منها الألوان والأطوار العارضة على النطفة ~~بأن يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما، قوله (نبتليه) حال مقدرة، أي ~~خلقناه مبتلين، يعني مريدين ابتلاءه بالأمر والنهي (فجعلناه سميعا بصيرا) ~~[2] ليسمع «3» الهدى ويبصر الحق تحقيقا للابتداء. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 3 الى 4] # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل ~~وأغلالا وسعيرا (4) # (إنا هديناه) أي بينا الإنسان (السبيل) أي طريق الهدى والضلالة، قوله ~~(إما شاكرا وإما كفورا) [3] حالان من الهاء في «هديناه»، أي إما بأن يشكر ~~فيؤمن أو يضل فيكفر، ثم أتبع الفريقين الوعيد والوعد بقوله (إنا أعتدنا ~~للكافرين) أي للذين كفروا بعد تبيين الطريقين في الآخرة (سلاسل) بالتنوين ~~وغيره «4» يسحبون بها في النار (وأغلالا) في أعناقهم تشد فيها السلاسل ~~بأيديهم (وسعيرا) [4] أي ونارا موقدة يعذبون بها. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 5 الى 6] # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا (6) # (إن الأبرار) المطيعين الشاكرين (يشربون) أي يبدؤون الشرب (من كأس) أي ~~خمر من قدح مملوء (كان مزاجها) أي ما تمزح به الخمر (كافورا) [5] وهو اسم ~~عين في الجنة يمزج الكأس بمائها، قوله (عينا) بدل من «كافورا» (يشرب) «5» ~~الخمر من القدح (بها) أي بمائها (عباد الله) ms1815 أي أولياؤه في الجنة ~~(يفجرونها) أي يجرونها من منازلهم وقصورهم حيث شاؤا (تفجيرا) [6] أي إجراء ~~يسيرا كيف أحبوا كما يفجر الرجل في الدنيا نهره كيف أحب. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 7 الى 8] # يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا (8) PageV04P270 ### || [سورة الإنسان (76): آية 8] # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) # (يوفون بالنذر) هذا بيان أعمال صالحة «1» لهم استحقوا بها ذلك الثواب، أي ~~يتمون نذورهم إذا نذروا في الطاعة دون المعصية (ويخافون يوما كان شره) أي ~~عذابه (مستطيرا) [7] أي ظاهرا مستزادا، من استطار الحرق إذا انتشر وهو يوم ~~القيامة (ويطعمون الطعام على حبه) أي على اشتهائه أو على حب الله (مسكينا ~~ويتيما وأسيرا) [8] أي الذي أسر من دار الشرك أو الذي حبس في السجن، روي: ~~أن الآية نزلت في شأن علي وفاطمة، كانا صائمين صوم النذر فانهما نذرا أن ~~يصوما ثلاثة أيام إن عوفي الحسن والحسين من مرضهما فعوفيا ولم يكن عندهما ~~شيء فاستقرض علي رضي الله عنه ثلاثة أصوع شعير من يهودي، فطحنا وخبزا فجاء ~~سائل فأعطياه بعض الطعام، ثم جاءهما يتيم فأعطياه من ذلك الطعام، ثم جاءهما ~~أسير فأعطياه الباقي «2» فمدحهما الله تعالى بذلك. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 9 الى 10] # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا ~~يوما عبوسا قمطريرا (10) # قوله (إنما نطعمكم لوجه الله) على إرادة القول وهو بيان للفقراء إخلاصهم ~~المنوي في الإطعام خوفا من الله بقولهم ما نطعمكم إلا لوجه الله (لا نريد ~~منكم جزاء) أي مكافاة على ذلك في الدنيا (ولا شكورا) [9] بأن تشكروا لنا ~~على ذلك وتمدحونا، ويجوز أن يكون قولهم لطفا وتنبيها على ما ينبغي أن يكون ~~عليه من أخلص لله وأن يكون منعا عن المجازاة بمثله أو بالشكر، لأن إحسانهم ~~مفعول لوجه الله، يدل عليه قولهم (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا) أي تعبس ~~فيه الوجوه من شدته فالوصف فيه مجاز (قمطريرا) [10] أي شديد العبوس، روي: ~~أن الكافر تعبس وجهه يومئذ ms1816 حتى يسيل بين عينيه عرق مثل القطران «3». ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 11 الى 12] # فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا (12) # (فوقاهم) أي دفع (الله) عنهم (شر ذلك اليوم) أي عذابه (ولقاهم) أي أعطاهم ~~(نضرة) أي حسن الوجوه وبشاشتها (وسرورا) [11] أي فرحا في قلوبهم في مقابلة ~~العبوس في وجوه الكافرين والحزن في قلوبهم «4» (وجزاهم) أي أعطاهم الثواب ~~(بما صبروا) أي بسبب صبرهم على الفقر والمشقة في الدنيا (جنة) بالدخول فيها ~~(وحريرا) [12] بالتزين بلبسه فيها، وذكر الحرير مع الجنة يشير إلى إطباق ~~الجزاء بالعمل، لأن الله تعالى جزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من ~~الجوع والعرى بستانا فيه مآكل هني وحريرا فيه ملبس بهي. ### || [سورة الإنسان (76): آية 13] # متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) # قوله (متكئين) حال من «هم» في «جزاهم»، أي ناعمين (فيها على الأرائك) أي ~~في الجنة على السرر في الحجال، قوله (لا يرون) حال من ضمير «متكئين»، أي ~~غير رائين (فيها شمسا) أي شدة الحر (ولا زمهريرا) [13] أي شدة البرد، قيل: ~~إن الجنة مضيئة غنية عن شمس وقمر «5». ### || [سورة الإنسان (76): آية 14] # ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) # قوله (ودانية) مفرد، عطف على جملة «لا يرون فيها»، لأنها حال مثلها ~~لكونها في حكم المفرد، ودخلت الواو بينهما للجمع، أي وجزاهم جنة جامعين ~~فيها بين العبد عن الحر والقر وبين دنو الظلال أو عطف على «جنة»، أي وجزاهم ~~جنة أخرى قريبة (عليهم ظلالها) أي ظلال شجرها، يعني لا يزول ولا يبعد ~~الظلال عنهم كما يبعد في الدنيا بزوال الشمس أو قريب بعض الظلال بالبعض ~~لالتقاء الأشجار وازدحام الأوراق (وذللت) نصب على الحال من «دانية» ب «قد» ~~مقدرة، أي تدنو ظلالها وقد سخرت وقربت (قطوفها) أي PageV04P271 # ثمارها المجتنية، جمع قطف وهو ما يقطف من الثمار (تذليلا) [14] أي تسخيرا ~~ينالها القائم والقاعد والنائم. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 15 الى 16] # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا (16) # (ويطاف عليهم بآنية ms1817 من فضة وأكواب) أي كيزان مدورة الرأس لا عرى لها ~~(كانت قواريرا) [15] نصبه خبر «كان»، وكرر تقريرا لصفائها بقوله (قواريرا ~~من فضة) بتنوينهما وتركه فيهما وبتنوين الأول وتركه وكذلك الثاني «1»، أي ~~تكونت الآنية بتكوين الله بقوله «كن فيكون» «2» حقيقة القوارير أصلها من ~~فضة تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرتين ~~المتباينتين من صفاء القارورة وشفيفها وبياض الفضة وحسنها، قوله (قدروها ~~تقديرا) [16] صفة ل «قواريرا»، أي الذين يسقونهم جعلوها على قدر ري شاربيها ~~بأمر ربهم فهو ألذ لهم وأخف عليهم أو قدر الشاربون في أنفسهم أن تكون تلك ~~القوارير على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجأت كما قدروا. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 17 الى 18] # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) # (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) [17] ليس فيه لذغة واحتراق، قوله ~~«3» (عينا) بدل من «زنجبيلا»، أي هو عين (فيها) أي في الجنة (تسمى سلسبيلا) ~~[18] لسهولة المساغ في الحلق، يقال ماء سلسبيل إذا ذهب سريعا في الحلق ~~لعذوبته. ### || [سورة الإنسان (76): آية 19] # ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) # (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) أي لا يموتون وعلى سن واحد لا يتغيرون كولدان ~~الدنيا ثم وصفهم في الحسن وانتشارهم في الخدمة بقوله (إذا رأيتهم) في الجنة ~~(حسبتهم لؤلؤا منثورا) [19] من سلكه على البساط. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 20 الى 22] # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ~~وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان ~~سعيكم مشكورا (22) # (وإذا رأيت ثم) أي إذا أوجدت الرؤية في الجنة (رأيت نعيما وملكا كبيرا) ~~[20] أي واسعا، قيل: أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألف عام ~~يرى أقصاه كما يرى أدناه «4» (عاليهم) أي عليهم (ثياب سندس خضر وإستبرق) ~~يعني على أهل الجنة ثياب من هذين النوعين الشريفين، قرئ «خضر» بالرفع صفة ~~«ثياب»، وبالجر صفة «سندس»، وبرفع «إستبرق» عطف على «ثياب»، وبالجر عطف على ~~«خضر» صفة «سندس» «5» (وحلوا) أي ألبسوا في ms1818 الجنة (أساور من فضة) وفي موضع ~~آخر قال «من ذهب» «6» إيذانا بأنهم يحلون من الجنسين معا ومفترقا (وسقاهم ~~ربهم شرابا طهورا) [21] أي طاهرا من الأيدي الوسخة أو لا يصير بولا ولكن ~~يصير رشحا يخرج من أبدانهم ريحه أطيب من ريح المسك، ويقال لهم ثمه (إن هذا) ~~النعيم (كان لكم جزاء) أي ثوابا لأعمالكم (وكان سعيكم) أي عملكم في الدنيا ~~(مشكورا) [22] أي مقبولا مرضيا، قيل: PageV04P272 # هذه البشارة إذا أرادوا أن يدخلوا الجنة «1». ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 23 الى 24] # إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما ~~أو كفورا (24) # ثم حثه على التبليغ بالتبشير والإنذار والصبر على أذى الأعداء بقوله (إنا ~~نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا) [23] أي إني مختص بتنزيل القرآن عليك تنزيلا ~~منجما لحكمة داعية إليه، يعني أنزله جبرائيل عليه السلام عليك بالدفعات ~~تثبيتا لفؤادك (فاصبر لحكم ربك) الصادر عن الحكمة عليك بتبليغ الرسالة ~~بالبشارة والإنذار وتحمل أذاهم وترك التضجر من تأخر الظفر عليهم (ولا تطع ~~منهم) أي من الكفار (آثما) أي راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه وهو عتبة بن ~~ربيعة، وكان ركابا لأنواع الفسوق سوى الكفر (أو كفورا) [24] أي فاعلا لما ~~هو كفر داعيا إليه وهو الوليد بن المغيرة، وكان شديد الشكيمة في كفره ~~وعتوه، وكان كل منهما يدعو النبي عليه السلام إلى ما ارتكبه ببذل الأموال ~~وتزويج أكرم البنات له، ومعنى «أو» هنا لأحد الأمرين، أي لا تطع أحدهما وهو ~~أنهى من قوله ولا تطعهما جميعا، فلذلك لم يذكر الواو. ### || [سورة الإنسان (76): الآيات 25 الى 26] # واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) # (واذكر اسم ربك) أي صل أو سبح (بكرة وأصيلا) [25] أي دم على الصلوة ~~المفروضة في هذين الوقتين، يعني صلوة الفجر وصلوة الظهر مع العصر (ومن ~~الليل فاسجد له) أي بعض الليل صل لله صلوة المغرب والعشاء (وسبحه) أي بعد ~~المكتوبة صل متهجدا (ليلا طويلا) [26] ثلثيه أو نصفه أو ثلثه، قيل: هذا ~~للنبي عليه السلام خاصة حتما ms1819 ولأصحابه مستجابة «2». ### || [سورة الإنسان (76): آية 27] # إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) # (إن هؤلاء) أي كفار مكة (يحبون العاجلة) أي يختارون الدنيا على الآخرة ~~(ويذرون) أي يتركون (وراءهم) أي خلفهم (يوما ثقيلا) [27] أي شديدا لا ~~يهتمون له وهو يوم القيامة، إذ لا يؤمنون. ### || [سورة الإنسان (76): آية 28] # نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) # (نحن خلقناهم وشددنا) أي قوينا (أسرهم) أي خلقهم أو أعضاءهم ومفاصلهم ~~بالأعصاب ليطيعوني فلم يطيعوني (وإذا شئنا) إهلاكهم بالعذاب هنا (بدلنا) أي ~~جعلنا (أمثالهم) في الخلقة (تبديلا) [28] أي بدلا منهم في الطاعة، و«إذا» ~~ههنا وقعت مع «إن» كقوله تعالى وإن يشأ يذهبكم «3». ### || [سورة الإنسان (76): آية 29] # إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) # (إن هذه) أي هذه السورة (تذكرة) أي عظة (فمن شاء «4») أن يتعظ «5» (اتخذ ~~«6» إلى ربه سبيلا) [29] بأن يتقرب إليه الطاعة لما بينا له طريق الهدي فيها. ### || [سورة الإنسان (76): آية 30] # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) # (وما تشاؤن) بالتاء والياء «7»، أي ما تشاءون الاتعاظ (إلا أن يشاء الله) ~~نصب على الظرف، أي وقت مشية الله بتوفيقهم (إن الله كان عليما) بهم قبل ~~خلقهم (حكيما) [30] يحكم بالهداية لأهلها. ### || [سورة الإنسان (76): آية 31] # يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) # (يدخل من يشاء في رحمته) أي في الإسلام أو في جنته وهم المؤمنون، قوله ~~(والظالمين) نصب بفعل يفسره ما بعده، وهو (أعد لهم) أي هيأ للعاصين في ~~الآخرة (عذابا أليما) [31] أي وجيعا دائما. PageV04P273 ### | سورة المرسلات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المرسلات (77): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) # (والمرسلات) أي بحق الملائكة التي أرسلت (عرفا) [1] للإحسان لمن آمن ~~بالله تعالى بالانتقام له من الكفار أو أرسلت لأمر الله بالمعروف، ف ~~«عرفعا» مفعول له أو أرسلت متتابعة كشعر عرف الفرس يتلو بعضهم بعضا فهو نصب ~~على الحال. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 2 الى 3] # فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) # (فالعاصفات) أي الملائكة التي تعصف، أي تسرع روح الكافر إلى ms1820 النار بعد ~~القبض (عصفا) [2] أي إسراعا شديدا، الفاء لتعقيب العصف بالإرسال، أي أرسلهن ~~بأوامره فعصفن في مضيها (والناشرات) أي الملائكة التي تنشر كتب الأعمال يوم ~~البعث (نشرا) [3] لأربابها. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 4 الى 5] # فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) # (فالفارقات) أي الملائكة التي تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام ~~(فرقا) [4] بالوحي، وكذلك الفاء ف ي «الفارقات»، أي نشرن ففرقن (فالملقيات ~~ذكرا) [5] أي الملائكة التي تلقي الذكر إلى الأنبياء، ف «ذكرا» مفعول به. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 6 الى 7] # عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) # قوله (عذرا أو نذرا) [6] بسكون الذال وضمها فيهما «1» مفعول لهما، أي ~~إعذارا للمحقين أو إنذارا للمبطلين، وكذا الفاء ف ي «الملقيات»، أي فرقن ~~فالقين، المعنى: أنه تعالى أقسم بالملائكة المذكورة العظيمة الشأن أن وعده ~~حق، فجواب القسم (إنما توعدون لواقع) [7] أي الذي توعدونه يا كفار مكة من ~~البعث والجزاء الكائن «2» نازل بكم فآمنوا قبل وقوعه. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 8 الى 10] # فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) # (فإذا النجوم) أي فذلك الوعد يقع في الوقت الذي (طمست) [8] أي محيت ~~النجوم وانعدمت بالكلية أو ذهب نورها (وإذا السماء فرجت) [9] أي شقت من خوف ~~الله تعالى (وإذا الجبال نسفت) [10] أي أقلعت من أصولها حتى سويت بالأرض. PageV04P274 ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 11 الى 14] # وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدراك ما ~~يوم الفصل (14) # (وإذا الرسل أقتت) [11] بالهمزة المبدلة من الواو، وقرئ بالواو «1»، أي ~~جمعت لوقت يحضرون فيه للشهادة على أممهم وهو يوم القيامة، قوله (لأي يوم ~~أجلت) [12] تعظيم لل «يوم» وتعجيب من هوله، أي الرسل لأي يوم أجل وأخر ~~اجتماعهم ليشهدوا على أممهم، قوله (ليوم الفصل) [13] بيان ليوم التأجيل، أي ~~ليوم يفصل فيه بين الخلائق وهو يوم القضاء (وما أدراك ما يوم الفصل) [14] ~~أي ما أعلمك أي يوم يوم الفصل، فيه زيادة تعظيم وتهديد. ### || [سورة المرسلات (77): آية 15] # ويل يومئذ للمكذبين (15) # (ويل) أي شدة العذاب (يومئذ للمكذبين) [15] أي للذين أنكروا البعث، ف ~~«ويل» مبتدأ نكرة مخصصة بمعنى الدعاء كسلام ms1821 عليكم. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 16 الى 19] # ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ~~ويل يومئذ للمكذبين (19) # (ألم نهلك الأولين) [16] أي المكذبين «2» قبلكم لأنبيائهم (ثم نتبعهم ~~الآخرين) [17] ف «ثم» للاستئناف «3» لا للعطف، أي بعد إهلاكنا الأولين ~~نتبعهم الآخرين المكذبين في الإهلاك كما أهلكنا قوم نوح وعاد، وأتبعناهم ~~قوم شعيب ولوط في الإهلاك (كذلك) أي مثل ذلك الفعل بالمكذبين (نفعل ~~بالمجرمين) [18] أي الذين أجرموا بتكذيب الرسل (ويل يومئذ للمكذبين) [19] ~~كرره مبالغة في التهديد «4». ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 20 الى 24] # ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) # (ألم نخلقكم من ماء مهين) [20] أي ضعيف وهو النطفة (فجعلناه) أي المني ~~(في قرار مكين) [21] أي في موضع قرار محروز محفوظ، وهو الرحم (إلى قدر ~~معلوم) [22] أي حال كونه مقدرا من الطول والقصر وغيرهما من الأوصاف كما ~~نشاء في بطن الأم أو مؤخرا إلى مقدار من الزمان معلوم وهو وقت الولادة ~~(فقدرنا) على خلقكم وإنشائكم إذا شئنا (فنعم القادرون) [23] على ذلك نحن ~~(ويل يومئذ للمكذبين) [24] أي لمنكري البعث. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 25 الى 29] # ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات ~~وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون (29) # (ألم نجعل الأرض كفاتا) [25] أي ما يكفت، أي يضم ويجمع (أحياء وأمواتا) ~~[26] مفعول بهما ل «كفاتا»، يعني جعلنا الأرض أوعية للأموات إذا كانوا في ~~قبورهم، وللأحياء إذا كانوا في منازلهم، وتنكيرهما للتفخيم، أحياء لا يعدون ~~وأمواتا لا يحصون (وجعلنا فيها رواسي) أي جبالا (شامخات) أي عاليات ~~(وأسقيناكم ماء فراتا) [27] أي عذبا من السماء والأرض (ويل يومئذ للمكذبين ~~[28] انطلقوا) أي يقال لهم يوم القيامة اذهبوا (إلى ما كنتم به) من العذاب ~~(تكذبون) [29] في الدنيا. PageV04P275 ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 30 الى 31] # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) # قوله (انطلقوا) تكرير للتأكيد وقطع لرجاهم «1»، أي اذهبوا (إلى ظل ذي ~~ثلاث شعب) [30] وهو دخان جهنم، لأنه إذا ارتفع ms1822 افترق ثلاث فرق فوق رؤوس ~~الكفار لعظمته والمؤمنون في ظل العرش، وقيل: يخرج من جهنم لسان من نار ~~يتشعب ثلاث شعب فيظل نوره المؤمنين ودخانه المنافقين ولهبه الصافي الكافرين ~~«2»، قوله (لا ظليل) نعت «ظل»، أي لا ظل يظلهم من حر ذلك اليوم (ولا يغني) ~~أي لا يرد عنهم شيئا (من اللهب) [31] أي من لهب النار، وهذا الوصف تهكم بهم ~~وتعريض بأن ظلهم «3» يخالف ظل المؤمنين. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 32 الى 34] # إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) # (إنها) أي النار (ترمي بشرر) جمع شررة، وهي ما تطاير من النار (كالقصر) ~~[32] أي كالبناء العظيم، شبهه بالقصر ثم شبهه بالجمالات تفخيما له بقوله ~~(كأنه) أي كأن جميع الشرر من النار (جمالت صفر) [33] جمع جمالة، وقرئ بها ~~«4» وهي جمع جمل والمراد منها الإبل السود «5»، لأن العرب تسمي السود «6» ~~من الإبل الصفر، وهي التي يضرب لونها إلى الصفرة، ووجه التشبيه بالقصور ~~العظم والارتفاع وبالجمال «7» العظم والطول واللون، وهذا شبيه بما يشاهد ~~بينهم ولكن شرار جهنم أعظم مما شبه به (ويل يومئذ للمكذبين) [34] أي لمنكري البعث. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 35 الى 38] # هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين ~~(37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) # (هذا يوم لا ينطقون) [35] أي يقال لهم هذا يوم لا يتكلمون، يعني في بعض ~~المواضع لا ينطقون خوفا ودهشا (ولا يؤذن لهم) في الاعتذار (فيعتذرون) [36] ~~عطف على (لا يؤذون) أي فلا يعتذرون أو استئناف، أي فهم لا يعتذرون (ويل ~~يومئذ للمكذبين) [37] ويقال أيضا (هذا يوم الفصل) أي القضاء بين الخلائق ~~لدخول الجنة والنار (جمعناكم) أيها المكذبون من هذه الأمة (والأولين) [38] ~~من المكذبين قبلكم فتحاسبون جميعا. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 39 الى 45] # فإن كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال ~~وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) # إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) # (فإن كان لكم كيد) أي حيلة تدفعون بها العذاب عنكم (فكيدون) [39] أي ~~فاحتالوا لأنفسكم مما وعدتكم ms1823 به من العذاب، والأمر للتقريع على كيدهم لدين ~~الحق وأهله وإظهار عجزهم لهم (ويل يومئذ للمكذبين [40] إن المتقين) من ~~الشرك والعصيان (في ظلال) أي ظلال الأشجار والقصور دائما (وعيون) [41] ~~جارية، (وفواكه) متنوعة (مما يشتهون) [42] ويقال لهم في الآخرة (كلوا ~~واشربوا) من الطعام والشراب فيها (هنيئا) أي سائغا لا أذى فيه (بما كنتم ~~تعملون) [43] أي بسبب عملكم الصالح في الدنيا (إنا كذلك نجزي المحسنين) ~~[44] أي المؤمنين الصالحين، (ويل يومئذ للمكذبين) [45]. PageV04P276 ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 46 الى 47] # كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) # قوله (كلوا) استئناف لخطاب الكفار، أي كلوا «1» في الدنيا كالبهائم ~~(وتمتعوا) أي تنعموا (قليلا) أي زمانا يسيرا بالتكذيب وعدم الإيمان، وقيل: ~~يقال لهم كلوا وتمتعوا في الآخرة تجهيلا لهم وتوبيخا فانهم استحقوا العذاب ~~به، وعلل ذلك بقوله «2» (إنكم مجرمون) [46] بالشرك والمعاصي، (ويل يومئذ ~~للمكذبين) [47]. ### || [سورة المرسلات (77): الآيات 48 الى 50] # وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث ~~بعده يؤمنون (50) # قوله (وإذا قيل لهم اركعوا) أي صلوا لله (لا يركعون) [48] أي لا يصلون ~~له، نزل في شأن ثقيف حيث قالوا لا ننحني في الصلوة فانها مذلة علينا «3»، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: «لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود» «4»، أو ~~قيل لهم: تواضعوا لقبول وحيه واتباع دينه وهم لا يقبلون ذلك للاستكبار «5» ~~(ويل يومئذ للمكذبين [49] فبأي حديث بعده) أي سوى القرآن (يؤمنون) [50] أي ~~يصدقون، المعنى: أن القرآن من بين الكتب السماوية آية مبصرة ومعجزة باهرة، ~~فحين لم يؤمنوا به «فبأي حديث بعده يؤمنون»، يعني لم يؤمنوا بالكتب ~~الباقية. PageV04P277 ### | سورة النبأ (والمعصرات) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النبإ (78): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) # (عم) أصله عما استفهام لتفخيم المستفهم عنه، ثم حذفت الألف فرقا بينه ~~وبين الخبر وهو كثير، ويستعمل الأصل قليلا، ومعنى «عم» عن أي شيء عظيم ~~الشأن (يتساءلون) [1] أي أهل مكة يسأل بعضهم بعضا أو يسألون من المؤمنين عن ~~شأن محمد ms1824 عليه السلام، وخبره عن البعث على طريق الاستهزاء أو الضمير ~~للمؤمنين والكافرين جميعا يسأل المؤمن لازدياد العلم والكافر للاستهزاء (عن ~~النبإ) بيان لشأن المستفهم عنه أو بدل منه، والمراد ب «النبإ» (العظيم) [2] ~~بالبعث (الذي هم فيه) أي في البعث (مختلفون) [3] أي يختلف المؤمنون ~~بالتثبيت والكافرون للإنكار. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 4 الى 5] # كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) # قوله (كلا سيعلمون) [4] ردع لقولهم ووعيد (ثم كلا سيعلمون) [5] وعيد آخر، ~~وجاء ب «ثم» ليؤذن أن الوعيد الثاني أشد من الأول وأن مدته أطول، أي ~~سيعرفون عند الموت بالمعاينة، ثم في الآخرة بالمشاهدة وشدة المعاقبة. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 6 الى 7] # ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) # ثم أشار إلى قدرته بالبعث ورفع إنكارهم عنها بقوله (ألم نجعل الأرض ~~مهادا) [6] أي فراشا مبسوطا للأناسي للسير والسكون «1» (والجبال أوتادا) ~~[7] لتثبت بها الأرض وتستقر. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 8 الى 11] # وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) ~~وجعلنا النهار معاشا (11) # (وخلقناكم أزواجا) [8] أي ذكرا وأنثى (وجعلنا نومكم سباتا) [9] أي راحة ~~لأبدانكم (وجعلنا الليل لباسا) [10] أي سكنا تسكنون فيه وتتسترون به «2» ~~(وجعلنا النهار معاشا) [11] أي ذا معاش أو مطلبا للعيش. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 12 الى 13] # وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) # (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) [12] أي سبع سموات قوية محكمة لا يؤثر فيها ~~مرور الأزمان (وجعلنا) في السموات (سراجا وهاجا) [13] أي منيرا وقادا بمعنى ~~جامعة النور والحرارة وهو الشمس. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 14 الى 16] # وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ~~ألفافا (16) # (وأنزلنا من المعصرات) أي السحائب التي تعصر الرياح الماء منها فتمطر ~~(ماء ثجاجا) [14] أي سيالا، قيل: إن الماء ينزل من السماء على السحاب، ثم ~~تعصر الرياح الأربعة السحاب فيسيل الماء منه إلى الأرض «3»، ثم علل الإنزال ~~فقال (لنخرج به) أي بالماء (حبا) كالحنطة والشعير للأناسي (ونباتا) [15] ~~كالتبن، الحشيش PageV04P278 # للبهائم (وجنات ألفافا) [16] أي بساتين ملتفة الأشجار بعضها في بعض، جمع ~~لف بمعنى ملتف، يعني خلق هذه الأشياء كلها من العدم لمنافعكم فهو قادر ms1825 على ~~أن يبعثكم بعد موتكم فلا وجه لإنكاره، إذ هو اختراع كهذه الاختراعات. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 17 الى 22] # إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) ~~وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم ~~كانت مرصادا (21) # للطاغين مآبا (22) # ثم بين البعث فقال (إن يوم الفصل) بين الخلائق (كان ميقاتا) [17] أي ~~ميعادا للأولين والآخرين للثواب والعقاب، قوله (يوم ينفخ في الصور) بدل من ~~«يوم الفصل»، أي يوم ينفخ إسرافيل في القرن (فتأتون) من قبوركم إلى المحشر ~~(أفواجا) [18] أي جماعات مختلفة «1»، قيل: يبعث الناس بعضهم على صورة القمر ~~ليلة البدر، وبعضهم على صورة القرد، وبعضهم على صورة الخنزير، وهم المخلصون ~~والنمامون وأكالون للسحت «2» (وفتحت السماء) مخففا ومشددا «3»، أي شقت ~~لنزول الملائكة (فكانت أبوابا) [19] أي ذات أبواب، أي طرق لا يسدها شيء ~~(وسيرت الجبال) عن أماكنها (فكانت سرابا) [20] أي فصارت هباء يرى في الهواء ~~كالسراب في الدنيا. # (إن جهنم كانت مرصادا) [21] أي طريقا يرصد فيه، أي ترقب الملائكة منه ~~الخلائق ليفصلوا بينهم أو ممرا يمر عليها المؤمن ليدخل الجنة والكافر ليدخل ~~النار (للطاغين مآبا) [22] أي كانت جهنم مرجعا للمتكبرين عن الإيمان. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 23 الى 26] # لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما ~~وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) # (لابثين) وقرئ «لبثين» «4»، أي ماكثين (فيها أحقابا) [23] جمع حقب وهو ~~ثمانون سنة، كل يوم منها مقدار ألف سنة مما يعد أهل الدنيا، والمراد منه ~~التأبيد (لا يذوقون فيها) أي في جهنم (بردا) ينفعهم من حرها أو نوما ~~يستريحون به (ولا شرابا) [24] يشربون تلذذا بل ما شاء الله من أنواع ~~العذاب، يعني لا راحة لهم فيها أبدا (إلا حميما) أي ماء حارا قد انتهى حره ~~(وغساقا) [25] بالتشديد والتخفيف «5»، من غسق إذا سال، يعني إلا ما يسيل من ~~صديد أهل النار، والاستثناء منقطع، لأن حر النار ضد البرد، أي لكنهم يذوقون ~~فيها حميما وغساقا، ثم أشار إلى السبب بقوله (جزاء وفاقا) [26] أي يجزون ~~جزاء موافقا لأعمالهم، لأنه لا ذنب أعظم ms1826 من الشرك ولا عذاب أعظم من النار ~~فوافق الجزاء العمل. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 27 الى 28] # إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) # قوله (إنهم كانوا) تعليل لاستحقاقهم الجزاء الموافق، أي لأنهم كانوا (لا ~~يرجون) أي لا يخافون (حسابا) [27] أي حساب البعث أو لا يأملون ثواب الحسنات ~~ليؤمنوا (وكذبوا بآياتنا) أي القرآن (كذابا) [28] أي تكذيبا، مصدر فعل ~~مشددا وقد يجيء مخففا مصدر كذب. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 29 الى 30] # وكل شيء أحصيناه كتابا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) # (وكل شيء أحصيناه) أي بينا في اللوح المحفوظ بالكتابة كل عمل من معاصيهم ~~نسوه ونحن لا ننساه، قوله (كتابا) [29] نصب على الحال من ضمير المفعول، أي ~~مكتوبا في اللوح، وهذه الآية اعتراض. # ثم أشار إلى المسبب عن كفرهم بقوله (فذوقوا) العذاب (فلن نزيدكم إلا ~~عذابا) [30] فوق عذابكم. PageV04P279 ### || [سورة النبإ (78): الآيات 31 الى 34] # إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا ~~دهاقا (34) # ثم بين حال المتقين في الآخرة فقال (إن للمتقين مفازا) [31] أي موضع ~~الفوز، يعني الظفر بالمطلوب وهو الجنة أو النجاة من النار، قوله (حدائق) ~~بيان «مفازا» أو بدل منه، أي بساتين محوطة بالجدر فيها نخل وثمار (وأعنابا) ~~[32] أي كروما (وكواعب) أي جواري متفلكات الثديين (أترابا) [33] أي مستويات ~~في السن والميلاد (وكأسا دهاقا) [34] أي مملوءة أو متتابعة. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 35 الى 36] # لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) # (لا يسمعون فيها لغوا) أي قولا باطلا (ولا كذابا) [35] بالتخفيف والتشديد ~~«1»، أي تكذيبا حال شربها، يعني لا يكذبون أو لا يكذب بعضهم بعضا عند شرب ~~الخمر كما كان في الدنيا، ثم أشار إلى السبب بقوله (جزاء من ربك) أي ثوابا ~~من الله (عطاء حسابا) [36] أي كثيرا مما عملوا. ### || [سورة النبإ (78): آية 37] # رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) # (رب السماوات والأرض) بالرفع، أي هو خالقهما (وما بينهما) وبالجر بدل من ~~«ربك» «2»، قوله (الرحمن) بالرفع والجر «3» صفة «رب» (لا يملكون منه) أي من ~~الله (خطابا) [37] لله بالشفاعة إلا ms1827 باذنه، يعني ليس في أيدي أهل السموات ~~والأرض حكم من الله في أمر الثواب والعقاب ليتصرفوا فيه الزيادة والنقصان ~~إلا بأن يأذن لهم فيه. ### || [سورة النبإ (78): الآيات 38 الى 39] # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) # (يوم يقوم الروح) أي ملك عظيم لم يخلق الله بعد العرش خلقا أعظم منه أو ~~جبرائيل عليه السلام (والملائكة صفا) أي صفوفا، وقيل: «الروح خلق على صورة ~~بني آدم يأكلون ويشربون وليسوا بناس ولا ملائكة يقومون صفا» «4» (لا ~~يتكلمون) أي كل الخلائق من أقربهم منه تعالى وأشرفهم عنده معرفة وطاعة، ~~وغيرهم من أهل السموات والأرض لا يتكلمون بالشفاعة خوفا من عذابه تعالى ~~(إلا من أذن له الرحمن) بالشفاعة (وقال صوابا) [38] أي حقا بأن قال في ~~الدنيا «لا إله إلا الله» وعمل بمقتضاه فيها (ذلك اليوم الحق) أي الثابت ~~وقوعه وهو يوم البعث (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) [39] أي مرجعا بالتوحيد ~~والطاعة. ### || [سورة النبإ (78): آية 40] # إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا (40) # قوله (إنا أنذرناكم) زيادة تخويف لهم ليؤمنوا، أي إنا خوفناكم (عذابا ~~قريبا) أي بعذاب قريب، لأن كل آت قريب وهو يوم القيامة، وبينه قوله (يوم ~~ينظر المرء ما قدمت يداه) أي ما عملت من الخير والشر، و«ما» استفهام منصوب ~~ب «قدمت» أو موصولة منصوب ب «ينظر»، والمراد من «المرء» الكافر أو عام، ~~يعني ينظر المؤمن بعمله وحسابه اليسير، والكافر بعمله وحسابه العسير (ويقول ~~الكافر يا ليتني كنت ترابا) [40] ولم أر حسابا، وذلك حين رأى أن الله تعالى ~~يقول للبهائم والسباع بعد القضاء بين الخلائق بالعدل كوني ترابا فتكون «5»، ~~فعند ذلك يتمنى «6» الكافر أن يكون ترابا أو يتمنى أن لا يبعث بعد كونه ~~ترابا في الأرض أو الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم فيتمنى كونه ترابا ~~احتقره بقوله «خلقته من طين» «7». PageV04P280 ### | سورة النازعات # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ms1828 ### || [سورة النازعات (79): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # (والنازعات) أي بحق الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد (غرقا) [1] أي ~~نزعا بشدة (والناشطات نشطا) [2] أي الملائكة التي تنشط أرواح الكفار من بين ~~الجلد والأظفار، والنشط الإخراج، من نشط الدلو إذا أخرجه من البئر ~~(والسابحات سبحا) [3] أي الملائكة التي تسرع لقبض أرواح المؤمنين بسهولة ~~(فالسابقات سبقا) [4] الفاء فيها وفي ما بعدها كما في المرسلات «1»، أي ~~الملائكة التي تسبق إلى ما أمروا من الوحي وغيره. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 5 الى 7] # فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) # (فالمدبرات أمرا) [5] أي الملائكة التي تدبر أمر الدنيا والخلائق، وهم ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام، وجواب القسم محذوف، أي ~~لتبعثن بقرينة قوله (يوم ترجف الراجفة) [6] وهو ظرف للمحذوف، أي لتبعثن يوم ~~تزلزل «2» النفخة الأولى، أي تتحرك الأرض بسببها، وصفت بما يحدث من أجلها، ~~إذ يموت كل الخلائق بالزلزلة لشدة النفخة، ومحل (تتبعها الرادفة) [7] نصب ~~على الحال من الراجفة والرادفة هي النفخة الثانية، لأنها ردفت الأولى التي ~~تميت وهي تنشرهم، وبينهما أربعون سنة، فالمعنى: لتبعثن يا أهل مكة في الوقت ~~الواسع الذي يقع فيه النفختان، أي في بعضه، وهو وقت النفخة الأخرى. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 8 الى 9] # قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) # (قلوب يومئذ) مبتدأ نكرة، صفتها (واجفة) [8] أي خائفة، خبره الجملة من ~~(أبصارها) أي أبصار أصحاب القلوب (خاشعة) [9] أي ذليلة لهول ما ترى. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 10 الى 11] # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) # (يقولون) أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكارا للبعث (أإنا ~~لمردودون) أي لمرجوعون (في الحافرة) [10] أي إلى أول أمرنا، وهو حيوتنا بعد ~~موتنا، يقال رد فلان في حافرته إذا رجع من حيث جاء، قوله (أإذا كنا عظاما ~~نخرة) [11] بالألف وحذفها «3»، فيه زيادة استبعادهم للبعث، وعامل الظرف ~~محذوف، أي أنبعث إذا كنا عظاما بالية متفتتة. PageV04P281 ### || [سورة النازعات (79): آية 12] # قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) # (قالوا) أي منكرو البعث استهزاء (تلك) أي ms1829 رجعتنا هذه (إذا) أي إن صح أنا ~~نبعث (كرة خاسرة) [12] أي رجعة ذات خسران لتكذيبنا بها والمراد أربابها. ### || [سورة النازعات (79): آية 13] # فإنما هي زجرة واحدة (13) # قوله (فإنما هي زجرة) جواب لهم يتعلق بمحذوف، أي لا تستصعبوها، فانما هي، ~~أي الرادفة التي يعقبها البعث زجرة، أي صيحة (واحدة) [13] لا تكرر لشدتها، ~~يعني سهلة هينة في قدرته تعالى يريد النفخة الثانية. ### || [سورة النازعات (79): آية 14] # فإذا هم بالساهرة (14) # (فإذا هم بالساهرة) [14] أي إذا نفخت تلك النفخة، فاذا كل الخلائق على ~~وجه الأرض أحياء بعد ما كانوا في بطنها أمواتا، وسميت الأرض ب «الساهرة» ~~لمنام الخلق وسهرهم عليها. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 15 الى 20] # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) # فأراه الآية الكبرى (20) # قوله (هل أتاك حديث موسى) [15] عظة لهم بمصيبة فرعون بسبب إنكار البعث ~~وتكذيب الرسل، أي قد أتاك خبر موسى عليه السلام (إذ ناداه ربه بالواد ~~المقدس) أي المطهر (طوى) [16] اسم الوادي، فقال له (اذهب إلى فرعون إنه ~~طغى) [17] أي علا وتكبر في كفره (فقل) له بالاستفهام الذي معناه العرض (هل ~~لك) رغبة (إلى أن تزكى) [18] بتشديد الزاء وتخفيفها «1»، أي تتطهر من الشرك ~~بأن تشهد أن «لا إله إلا الله»، (وأهديك) أي أرشدك (إلى ربك) أي إلى معرفته ~~بالبراهين (فتخشى) [19] أي تخاف الله وعذابه فتسلم، قيل: من خشي الله أتى ~~منه كل خير، ومن أمن من الله اجترأ على كل شر «2» (فأراه الآية الكبرى) ~~[20] أي قلب العصا حية أو العصا واليد، وكانت هي الأصل والآية الأخرى ~~كالتبع، فلذا وحدت الآية. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 21 الى 26] # فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى ~~(24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) # إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) # (فكذب) فرعون موسى (وعصى) [21] الله تعالى (ثم أدبر) عن الإيمان به ~~(يسعى) [22] في هلاك موسى (فحشر) أي جمع السحرة وجنوده فأمر مناديا (فنادى) ~~[23] أي قام بنفسه للنداء ms1830 من مجلسه (فقال أنا ربكم الأعلى) [24] لا رب فوقي ~~(فأخذه الله) أي عاقبه (نكال الآخرة والأولى) [25] أي عقوبتهما، يعني عذب ~~هنا بالغرق، وفي الآخرة بالحرق (إن في ذلك) أي في هلاك فرعون وقومه (لعبرة ~~لمن يخشى) [26] أي لعظة لمن يخاف الله ويسلم. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 27 الى 29] # أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) # ثم خاطب أهل مكة بالموعظة فقال (أأنتم أشد خلقا) وإنشاء بعد الموت (أم ~~السماء) أشد، والحال أنه قد (بناها) [27] أي السماء (رفع سمكها) أي سقفها ~~بلا عمد (فسواها) [28] أي جعلها مستوية بلا عيب (وأغطش) أي أظلم (ليلها ~~وأخرج) أي أبرز (ضحاها) [29] أي نور شمسها، وأضيف الليل والشمس إلى السماء ~~لأن الليل ظلها والشمس سراجها. PageV04P282 ### || [سورة النازعات (79): الآيات 30 الى 34] # والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها ~~(32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) # قوله (والأرض بعد ذلك) نصب بفعل يفسره (دحاها) [30] أي دحى وبسط الأرض ~~بعد خلق السماء ليستقر عليها، ثم فسر البسط بقوله (أخرج) ولذلك لم يعطف ~~بالواو أو حال بتقدير قد أخرج (منها ماءها) بتفجير عيونها (ومرعاها) [31] ~~أي نباتها للدواب والأنعام (والجبال أرساها) [32] أي أثبتها على وجه الأرض ~~لتسكن، قوله (متاعا) مفعول له، أي للتنعيم والنفع (لكم ولأنعامكم [33] فإذا ~~جاءت الطامة الكبرى) [34] أي الصيحة العظمى، وهي النفخة الثانية، من طم ~~الشيء إذا علا فوق كل شيء. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 35 الى 36] # يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) # قوله (يوم يتذكر) بدل من «إذا جاءت»، أي يوم يتفهم (الإنسان) بعد نسيانه ~~ويعلم (ما سعى) [35] أي كل شيء عمله من خير وشر في الدنيا (وبرزت) أي أظهرت ~~(الجحيم لمن يرى) [36] أي لكل رأى. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 37 الى 39] # فأما من طغى (37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) # قوله (فأما من طغى) [37] جوا ب «إذا جاءت الطامة» فالحكم هذا أما من علا ~~وكفر (وآثر الحياة الدنيا) [38] على الآخرة باتباع الشهوات (فإن الجحيم هي ~~المأوى) ms1831 [39] أي المستقر له. ### || [سورة النازعات (79): الآيات 40 الى 41] # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41) # (وأما من خاف مقام ربه) أي القيام بين يدي ربه (ونهى النفس) هنا (عن ~~الهوى) [40] المردي كاتباع الشهوات (فإن الجنة هي المأوى) [41] أي دار ~~القرار له، نزلت الآيتان في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير، فانه صحابي ~~قتل أخاه هذا يوم أحد، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت ~~السهام في جوفه «1». ### || [سورة النازعات (79): الآيات 42 الى 44] # يسئلونك عن الساعة أيان مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) # قوله (يسئلونك عن الساعة) أي عن قيامها (أيان) أي أي وقت (مرساها) [42] ~~أي ظهورها واستقرارها، نزل عند سؤال أهل مكة عنها ولم يزل النبي عليه ~~السلام يسأل ربه متى قيام الساعة مرة بعد أخرى فنزل قوله «2» (فيم) أي في ~~أي شيء (أنت من ذكراها) [43] أي من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به لست تعلم ~~ذلك (إلى ربك منتهاها) [44] أي منتهى علمها متى تكون لا يعلمه غيره فانتهى ~~عن سؤاله بعد ذلك. ### || [سورة النازعات (79): آية 45] # إنما أنت منذر من يخشاها (45) # (إنما أنت منذر من يخشاها) [45] بتنوين «منذر» وتركه «3»، أي أنت مخوف ~~بالقرآن من يخاف قيام الساعة وليس عليك أن تعرف متى وقتها، وإنما قيد «من ~~يخشاها» لأنه لا ينتفع بالإنذار إلا هو. ### || [سورة النازعات (79): آية 46] # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46) # (كأنهم) أي الكفار (يوم يرونها) أي قيام الساعة (لم يلبثوا) في القبور ~~وفي الدنيا إذا عاينوا الساعة (إلا عشية) أي مقدار آخر النهار (أو ضحاها) ~~[46] أي مقدار ضحى العشية، وهو أول النهار، وإضافة ال «ضحى» إلى ضمير ~~العشية من قبيل قولهم جاء فلان في ليلة ويومها، يعني لما بينهما من ~~الملابسة، وفائدة هذه الإضافة استقلال مدة لبثهم وهي ساعة من اليوم عشيته ~~أو ضحاه. PageV04P283 ### | سورة عبس # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة عبس (80): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن ms1832 جاءه الأعمى (2) # قوله (عبس) نزل في شأن عبد الله بن أم مكتوم وهو اسم أبيه حين أتى النبي ~~عليه السلام وهو يناجي جماعة من كفار قريش يرجو إسلامهم، وكان عبد الله ~~أعمى فسأله عن بعض ما ينتفع من علم الله تعالى، فأعرض عنه كراهة أن يقطع ~~كلامه معهم «1»، فقال تعالى «عبس»، أي قبض محمد وجهه (وتولى) [1] أي أعرض ~~(أن جاءه الأعمى) [2] أي لأن جاءه ابن أم مكتوم. ### || [سورة عبس (80): الآيات 3 الى 4] # وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) # (وما يدريك) أي أي شيء يجعلك داريا بأنه لا ينتفع بعلمك (لعله يزكى) [3] ~~أي يتطهر من الذنوب بما يسمع منك (أو يذكر) أي يتعظ بالقرآن (فتنفعه ~~الذكرى) [4] بالرفع والنصب «2»، أي العظة. ### || [سورة عبس (80): الآيات 5 الى 7] # أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) # (أما من استغنى) [5] بنفسه وماله، أي تكبر عن الإسلام وعظتك (فأنت له ~~تصدى) [6] أي تتعرض وتقبل بوجهك، يعني لا ينبغي أن يفعل مثلك للغني كذا ~~روى: أنه صلى الله عليه وسلم بعد نزول «عبس» ما عبس في وجه فقير ولا تصدى ~~لغني «3» (وما عليك ألا يزكى) [7] أي ليس عليك بأس ومضرة في أن لا يسلم ~~عتبة وأصحابه. ### || [سورة عبس (80): الآيات 8 الى 10] # وأما من جاءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) # (وأما من جاءك يسعى) [8] أي يسرع إلى سماع العلم والعمل به (وهو يخشى) ~~[9] أي يخاف الله (فأنت عنه تلهى) [10] أي تتغافل وتشتغل بغيره، يعني مثلك ~~لا ينبغي أن يتلهى للغقير لفقره، وكان صلى الله عليه وسلم يكرم ابن أم ~~مكتوم بعد ذلك ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني ربي فيه، هل لك من حاجة» «4». ### || [سورة عبس (80): الآيات 11 الى 16] # كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة ~~(14) بأيدي سفرة (15) # كرام بررة (16) # قوله (كلا) ردع عن ارتكاب المعاتب عليه للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لا ~~تغفل عن الفقير ولا تقبل على المستغني عن الله (إنها) أي آيات القرآن ~~(تذكرة) [11] أي ms1833 عظة (فمن شاء ذكره) [12] بتذكير الضمير نظرا إلى المعنى، ~~أي اتعظ بالقرآن (في صحف) أي هي في صحف أو حال من الضمير المفعول في «ذكره» ~~(مكرمة) [13] أي مبجلة PageV04P284 # معظمة (مرفوعة) في السماء السابعة، والمراد اللوح المحفوظ (مطهرة) [14] ~~عن مس غير الملائكة أو عن الكذب والعيب (بأيدي سفرة) [15] جمع سافر وهو ~~الكاتب، أي بأيدي الكتبة للسفر، أي الكتاب، يعني ينسخون «1» الكتب لأجلهم ~~من اللوح المحفوظ (كرام بررة) [16] أي مكرمين عند الله مطيعين له، جمع بار، ~~وقيل: هي صحف الرسل والسفرة القراء «2». ### || [سورة عبس (80): الآيات 17 الى 18] # قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء خلقه (18) # (قتل الإنسان) أي لعن كل كافر مثل عتبة وابن خلف (ما أكفره) [17] استفهام ~~توبيخ، أي أي شيء حمله على الكفر مع أنه يعلم (من أي شيء خلقه) [18] الله ~~تعالى، وذلك دعاء عليه وهو أشنع الدعوات عندهم. ### || [سورة عبس (80): الآيات 19 الى 22] # من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم ~~إذا شاء أنشره (22) # ثم بين مم خلقه فقال (من نطفة خلقه فقدره) [19] أي فقدر خلقه في بطن أمه ~~طورا بعد طور إلى إحيائه (ثم السبيل) أي سبيل الخروج من بطن أمه (يسره) ~~[20] أو طريق الخير والشر يسره بتمكينه وتبيينه «3» (ثم أماته فأقبره) [21] ~~أي جعله في قبره وستره تكرمة له، ولم يجعله «4» ممن يلقى على وجه الأرض ~~كالبهائم (ثم إذا شاء) بعد القبر (أنشره) [22] للبعث. ### || [سورة عبس (80): آية 23] # كلا لما يقض ما أمره (23) # قوله (كلا) ردع للإنسان عما هو عليه من الجهل والكفر، وقيل: حقا «5» (لما ~~يقض) أي لم يفعل بعد ولم يؤد (ما أمره) [23] الله تعالى «6» من الإيمان ~~والطاعة. ### || [سورة عبس (80): آية 24] # فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) # ثم أمر بالنظر إلى حاله ليعتبر بخلقه فيؤمن بربه فقال (فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه) [24] أي إلى مدخل طعامه ومخرجه الذي جعل سببا لحيوته أو إلى ~~رزقه من أين يرزقه فليعتبر به. ### || [سورة عبس (80): الآيات 25 الى 32] # أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) ~~وعنبا وقضبا ms1834 (28) وزيتونا ونخلا (29) # وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) # (أنا صببنا) بفتح «أن» بدل اشتمال من الطعام، وبكسر «إن» «7» تفسير ~~للنظر، أي انا صببنا (الماء) من السماء (صبا) [25] أي المطر على الأرض (ثم ~~شققنا الأرض) بالنبات والشجر (شقا [26] فأنبتنا فيها) أي في الأرض (حبا) ~~[27] كالحنطة والشعير مما يتغذى به (وعنبا وقضبا) [28] أي قتا وكراثا وسائر ~~البقول التي تقضب، أي تقطع من أصلها (وزيتونا) أي شجرته (ونخلا [29] ~~وحدائق) أي بساتين (غلبا) [30] أي عظاما، جمع غلباء وهي الغليظة الطويلة من ~~الشجر، والغرض تكاثفها وكثرة أشجارها وكبرها (وفاكهة) لكم (وأبا) [31] أي ~~عشبا لمصالحكم أو مرعى لدوابكم، روي: أن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن ~~«الأب» فقال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا ~~أعلم به» «8» (متاعا) أي منفعة (لكم ولأنعامكم) [32] لتؤمنوا وتشكروا ~~فتنجوا من العذاب يوم القيامة. PageV04P285 ### || [سورة عبس (80): الآيات 33 الى 37] # فإذا جاءت الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) ~~وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) # (فإذا جاءت الصاخة) [33] بيان حال يوم القيامة، أي «1» إذا جاءت الصيحة ~~التي تصخ الأسماع، أي تصمها لشدتها وهي النفخة الثانية، ثم وصف ذلك اليوم ~~فقال (يوم يفر المرء من أخيه) [34] لاشتغاله بنفسه وبما هو فيه (و) من (أمه ~~وأبيه [35] وصاحبته) أي زوجته (وبنيه) [36] وإنما قدم الأخ لرعاية الترقي ~~من الأبعد إلى الأقرب والأحب، والعامل في «إذا» ما دل عليه قوله (لكل امرئ) ~~أي لكل إنسان (منهم يومئذ شأن) أي شغل (يغنيه) [37] أي يشغله عن الاهتمام ~~بشأن غيره. ### || [سورة عبس (80): الآيات 38 الى 39] # وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) # (وجوه يومئذ مسفرة) [38] أي مضيئة مشرقة من أثر الوضوء ومن قيام الليل ~~وطول السجود فيه «2» وغبار الجهاد (ضاحكة) أي معجبة (مستبشرة) [39] أي ~~مفرحة بحسن ثوابه وهم المؤمنون المطيعون. ### || [سورة عبس (80): الآيات 40 الى 42] # ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42) # (ووجوه يومئذ عليها غبرة) [40] أي غبار أسود من دخان جهنم يعلوها ~~(ترهقها) أي تغشيها (قترة) [41] أي ms1835 كسوف وسواد مع الغبرة كالدخان، ولا ترى ~~أوحش من اجتماعها بالسواد في رجل كالزنجي إذا غبر وجهه (أولئك) أي ~~المخصوصون بهذا الوصف (هم الكفرة الفجرة) [42] أي الفسقة والظلمة. PageV04P286 ### | سورة التكوير (كورت) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التكوير (81): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) # قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ» «1» ~~(إذا الشمس كورت) [1] رفعت «الشمس» بعد «إذا» بفعل محذوف «2» يفسره «كورت»، ~~لأن «إذا» تستدعي الفعل لما فيه من معنى الشرط، أي لففت وذهبت «3» بنورها ~~(وإذا النجوم انكدرت) [2] أي تساقطت على الأرض. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 3 الى 5] # وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) # (وإذا الجبال سيرت) [3] أي قلعت عن الأرض وسيرت في الهواء كالسحاب (وإذا ~~العشار عطلت) [4] أي النوق العوامل التي أتت على حملها عشرة تركت بلا راع ~~أو عطل حلبها ما أصابهم من شدة الأمر (وإذا الوحوش) أي كل دواب البر (حشرت) ~~[5] أي جمعت بعد البعث حتى الذباب من كل ناحية ليقتص بعض من بعض، ثم تصير ~~ترابا إلا ما فيه سرور لبني آدم كالطاوس وغيره. ### || [سورة التكوير (81): آية 6] # وإذا البحار سجرت (6) # (وإذا البحار سجرت) [6] مشددا ومخففا «4»، أي أوقدت فصارت نارا يعذب بها ~~الكفار أو يبست بغور مائها بالكلية فلا يبقى فيها قطرة، فهذه الأشياء الستة ~~قبل النفخة الثانية. ### || [سورة التكوير (81): آية 7] # وإذا النفوس زوجت (7) # ثم ذكر الأشياء التي يقع بعدها بقوله (وإذا النفوس) أي الأرواح (زوجت) ~~[7] أي قرنت بأجسادها عند «5» البعث أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس ~~الكافرين بالشياطين أو قرن الصالح بالصالح والطالح بالطالح. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 8 الى 9] # وإذا الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # (وإذا الموؤدة) أي المدفونة حية (سئلت) [8] لم دفنت تبكيتا لقاتلها، لأن ~~العرب كانوا يدفنون بناتهم أحياء خوف العار والفقر في الجاهلية (بأي ذنب ~~قتلت) [9] سؤال بالغيبة بناء على الاخبار عنها، هذا إذا سئلت عن غيرها ولو ~~حكي ما خوطبت به لقيل قتلت بكسر التاء. PageV04P287 ### || [سورة التكوير (81): آية ms1836 10] # وإذا الصحف نشرت (10) # (وإذا الصحف نشرت) [10] مخففا ومشددا «1»، أي صحف الأعمال فتحت وبسطت ~~فيقع صحيفة المؤمن في يده وصحيفة الكافر في يده في الأولى مكتوب في جنة ~~عالية في الثانية في سموم وحميم، وقيل: هي غير صحف الأعمال «2». ### || [سورة التكوير (81): الآيات 11 الى 13] # وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) # (وإذا السماء كشطت) [11] أي أزيلت ونزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن ~~الذبيحة (وإذا الجحيم سعرت) [12] بالتشديد والتخفيف «3»، أي أوقدت بغضب ~~الله للكافرين ليدخلوها (وإذا الجنة أزلفت) [13] أي قربت برحمة الله ~~للمؤمنين ليدخلوها. ### || [سورة التكوير (81): آية 14] # علمت نفس ما أحضرت (14) # قوله (علمت نفس) جواب جميع «إذا» المذكورة، أي علمت كل نفس، لأن كل نفس ~~تعلم (ما أحضرت) [14] من خير وشر عند ذلك، وتركت لفظة الكل للمبالغة وهي ~~إظهار براءته من بيان الكثرة ودعوتها، وتقليل كثير ما عنده، فجاء بلفظ ~~التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على اليقين، وهذا باب واسع عنهم، ومنه ~~قولهم: رب فارس عندي بلفظ التقليل في محل التكثير. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 15 الى 19] # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # والفاء في (فلا أقسم) «4» جواب شرط محذوف هو إذا كان الأمر كما سمعتم يا ~~أهل مكة فما لكم لا تؤمنون بالقرآن، وخبره أنا أقسم ف «لا» زائدة (بالخنس) ~~[15] أي التي تخنس، أي ترجع وتخفى بالنهار وتظهر بالليل (الجوار) أي النجوم ~~السيارة لأنهن تجرين في السماء (الكنس) [16] أي المستترة في منازلها كالظبي ~~المستتر في كناسه، أي في بيته، قيل: هي النجوم الخمسة الكبار: زخل والمشتري ~~والمريخ والزهرة وعطارد «5» (والليل إذا عسعس) [17] أي أقبل بظلامه (والصبح ~~إذا تنفس) [18] أي استضاء وارتفع ضوءه بطلوع الفجر، فشبه ذلك بالتنفس ~~مجازا، وجواب القسم (إنه) أى إن القرآن (لقول رسول كريم) [19] على الله وهو ~~جبرائيل عليه السلام «6»، يعني هو ينزله. ### || [سورة التكوير (81): الآيات 20 الى 21] # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) # (ذي قوة) أي ذي شدة في قوته لقلع مدائن قوم ms1837 لوط بجناحه، قوله (عند ذي ~~العرش مكين) [20] نعت ل «رسول»، أي له منزلة ومكانة عند الله العظيم ~~فمكانته بحسب ممكنه (مطاع) أي جبرائيل عليه السلام «7»، مطاع يطيعه ~~الملائكة المقربون في السموات يصدرون عن أمره ويرجون إلى رأيه (ثم أمين) ~~[21] أي جبرائيل أمين في السماء بما استودعه الله تعالى من تبليغ الرسالة ~~والوحي كما أن محمد صلى الله عليه وسلم أمين في الأرض بما استودعه جبرائيل ~~عليه السلام. PageV04P288 ### || [سورة التكوير (81): الآيات 22 الى 24] # وما صاحبكم بمجنون (22) ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب ~~بضنين (24) # قوله (وما صاحبكم بمجنون) [22] عطف على جواب القسم، أي أقسم بالأشياء ~~المذكورة أن صاحبكم الذي يدعوكم إلى الإيمان بالقرآن ليس بمجنون كما زعمتم، ~~فهو رد لقولهم إنك لمجنون (ولقد رآه) أي رأى محمد جبرائيل عليهما السلام ~~(بالأفق المبين) [23] صورته الأصلية بالأفق الأعلى بجانب الشرق (وما هو) أي ~~ما محمد صلى الله عليه وسلم «1» (على الغيب) أي على الوحي من الله (بضنين) ~~[24] بالضاد، أي ببخيل يكتم شيئا مما أوحي إليه، وقرئ بالظاء «2»، أي بمتهم ~~فينقص شيئا من الوحي أو يزيد عليه، قيل: لابد للقارئ أن يفصل بين الضاد ~~والظاء بالمخرج، إذ لو استوى الحرفان لما اختلف المعنى ولما ثبت القراءتان ~~عند أئمة السبعة «3». ### || [سورة التكوير (81): الآيات 25 الى 29] # وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين ~~(27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين (29) # (وما هو) أي القرآن ليس (بقول شيطان) مسترق للسمع (رجيم) [25] أي مرجوم ~~مطرود (فأين تذهبون) [26] أي تعرضون عن القرآن أيها الكافرون بالله، وفيه ~~شفاء لما في الصدور من الجهل والعمى (إن هو) أي ما القرآن (إلا ذكر) أي عظة ~~(للعالمين) [27] أي للجن والإنس، قوله (لمن شاء) بدل من «للعالمين»، أي عظة ~~لمن شاء (منكم) يا كفار مكة (أن يستقيم) [28] بالدخول في دين الحق واتباعه، ~~فقال المشركون بعد نزول هذه الآية الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم ~~نستقم، فقال تعالى (وما تشاؤن) أي ms1838 الاستقامة (إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين) [29] بتوفيقه، فأعلمهم بذلك أن الأمور كلها بمشية الله تعالى في ~~التوفيق والخذلان. PageV04P289 ### | سورة الانفطار (انفطرت) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) # (إذا السماء انفطرت) [1] أي انشقت لخوف الله تعالى (وإذا الكواكب انتثرت) ~~[2] أي سقطت على الأرض (وإذا البحار فجرت) [3] أي أجري بعضها في بعض أو ~~فتحت ليختلط العذاب بالملح ويزول البرزخ بينهما فيصير كلها بحرا واحدا ~~(وإذا القبور بعثرت) [4] أي بحثت «1» وجعل أعلاها أسفلها وأخرج ما فيها من ~~الموتى، قوله (علمت نفس) جواب «إذا» والمعطوف عليها، أي علمت كل نفس (ما ~~قدمت) أي ما عملت من خير وشر (و) ما (أخرت) [5] بعدها من سنة حسنة أو سيئة. ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 6 الى 8] # يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي خلقك فسواك فعدلك (7) في أي ~~صورة ما شاء ركبك (8) # (يا أيها الإنسان) أي الكافر (ما غرك) استفهام لإنكار الاغترار بالله، أي ~~أي شيء خدعك (بربك) حتى أقدمت على المعصية وكفرت بربك (الكريم) [6] أي ~~المتجاوز لمن تاب عن الذنب، فان الاغترار بكرم الكريم كفران النعمة، لأنه ~~(الذي خلقك) من النطفة بعد أن لم تكن شيئا (فسواك) أي سوى أعضاءك وركب فيك ~~العقل وأنطق لسانك (فعدلك) [7] مخففا، أي جعلك «2» معتدل القامة، بعني ~~قائما لا كالبهائم، ومشددا «3» من التعديل، أي جعلك في أحسن تقويم، يعني في ~~أحسن صورة، فحقه أن لا تغتر يا إنسان بتكرم ربك عليك حيث خلقك حيا لينفعك ~~فتوقع نفسك في معصيته وعدم الإيمان. # ثم بين التعديل بقوله (في أي صورة ما شاء) «ما» زائدة، أي في أي صورة شاء ~~من حسنة أو قبيحة أو طويلة أو قصيرة، والجار متعلق بقوله (ركبك) [8] أي ~~وضعك ومكنك في بعض الصور، ويجوز أن يكون محل الجار والمجرور نصبا على ~~الحال، أي حاصلا في بعض الصور. ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 9 الى 12] # كلا ms1839 بل تكذبون بالدين (9) وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) ~~يعلمون ما تفعلون (12) # قوله (كلا) ردع لغرور الإنسان وعدم إيمانه، قوله (بل تكذبون) ابتداء ~~كلام، أي أنتم يا كفار مكة لا تؤمنون بالله ولا بالبعث بل تكذبون (بالدين) ~~[9] أي بالحساب والجزاء (وإن عليكم لحافظين) [10] من الملائكة لأعمالكم ~~(كراما) على الله (كاتبين) [11] أي يكتبون أعمال بني آدم (يعلمون ما ~~تفعلون) [12] وتقولون من الخير والشر، وهم لا يفارقون عنكم إلا في حالة ~~الغائط والجنابة والكذب. PageV04P290 ### || [سورة الانفطار (82): الآيات 13 الى 18] # إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) يصلونها يوم الدين ~~(15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين (17) # ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) # (إن الأبرار) أي الصالحين الصادقين في الدين (لفي نعيم) [13] في الجنة، ~~(وإن الفجار لفي جحيم [14] يصلونها) أي يدخلونها (يوم الدين) [15] أي يوم ~~الحساب والجزاء (وما هم عنها) أي عن الجحيم (بغائبين) [16] أي لا يغيبون ~~عنها، يعني لا بد من دخولهم «1» إياها ولا يخرجون عنها أبدا. # ثم عظم شأن ذلك اليوم بقوله (وما أدراك ما يوم الدين) [17] يعني أمر يوم ~~الدين ما لا يدركه فهمك ولا فهم أحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم (ثم ما ~~أدراك ما يوم الدين) [18] أي أنت لا تدري أي يوم هو ما لم تعاينه، وإنما ~~كرره لزيادة التهويل، و«ثم» فيه لاستبعاد الإدراك منه لهوله وشدته. ### || [سورة الانفطار (82): آية 19] # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله (19) # قوله (يوم لا تملك) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو، وبالنصب «2» على ~~إضمار اذكر أو يدانون، لأن الدين يدل عليه أو يكون بدلا من «يوم الدين» ~~الأول، أي يقوم لا تنفع (نفس) كافرة (لنفس شيئا) من المنفعة بالشفاعة ~~وغيرها أو هو عام في كل نفس، يعتضده قوله (والأمر يومئذ لله) [19] أي الحكم ~~النافذ بالقهر والغلبة في الثواب والعقاب لله تعالى يوم القيامة لا لغيره. PageV04P291 ### | سورة المطففين # قيل: مكية وقيل: مدنية «1» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المطففين (83): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا ms1840 على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) # (ويل للمطففين) [1] أي للباخسين في الكيل والوزن، وكان أهل مكة يزنون ~~وأهل المدينة يكتالون، وكشف المطففين بوصفهم وهو (الذين) أي هم الذين (إذا ~~اكتالوا) أي اشتروا (على الناس) أي من الناس (يستوفون) [2] أي يتمون الكيل ~~والوزن (وإذا كالوهم) أي باعوهم الطعام بالكيل (أو وزنوهم) أي باعوهم أياه ~~بالوزن (يخسرون) [3] أي ينقصون الكيل والوزن، وإنما لم يقل إذا اكتالوا أو ~~اتزنوا كما قال «وإذا كالوهم أو وزنوهم»، لأن المطففين كانوا لا يأخذون ~~المكيل والموزون إلا بالمكيال لغرض التطفيف. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 4 الى 5] # ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) # قوله (ألا يظن) استفهام للتوبيخ وإنكار للتطفيف دخل على النفي، وليس «أ ~~لا» هنا للتنبيه لفساد المعنى، أي ألا يستيقن (أولئك) المطففون (أنهم ~~مبعوثون) [4] فيتركون التطفيف (ليوم عظيم) [5] وهو يوم البعث. ### || [سورة المطففين (83): آية 6] # يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) # قوله (يوم) نصب على الظرف، أي مبعوثون يوم (يقوم الناس) من قبورهم (لرب ~~العالمين) [6] أي لأجل أمره تعالى وجزائه، قيل: يقوم الناس يومئذ مقدار نصف ~~يوم «2» هو خمسمائة عام، «وذلك المقام على المؤمن كزوال الشمس وإن الكافر ~~ليلجم بعرقه حتى بقول أرحني ولو إلى النار» «3» وكذلك المطفف. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 7 الى 8] # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) # قوله «4» (كلا) ردع للمطففين عن «5» عدم ظنهم بالبعث (إن كتاب الفجار) أي ~~ما يكتب من أعمالهم (لفي سجين) [7] أي محروز فيه ليناقشوا عليه، قيل: «هو ~~صخرج تحت الأرض السابعة السفلي فيها أرواح الكفار» «6»، «فعيل من السجن» ~~«7» وهو الحبس في مكان مظلم وحش، وهو مسكن إبليس وذريته استهانة به، منصرف ~~لأن فيه علة واحدة، وهي العلمية ثم فخم شأنه بقوله (وما أدراك) أي أي شيء ~~أعلمك (ما سجين) [8] يعني ليس السجين مما كنت تعلمه. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 9 الى 10] # كتاب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) # ثم فسر فقال (كتاب مرقوم) [9] أي هو ديوان مكتوب فيه ما هم عاملون من ~~الشر وما إليه صائرون من ms1841 النار، لا يقال يلزم منه أن يكون كتاب الفجار في ~~كتاب مرقوم لأنا نقول إن سجينا ديوان جامع لأعمال الشياطين PageV04P292 # وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، فيكون أعمال الفجار مثبتة فيه، ~~فالغرض من الكتاب المرقوم هو المكتوب فيه دون العمل، وهو في سجين تحت الأرض ~~السفلي وإنما سمي الكتاب المرقوم سجينا لأنه سبب الحبس أو لأنه مطروح في ~~سجين، وقيل: تقديره وما أدريك ما كتاب سجين «1»، وقيل: تقديره إن كتاب ~~الفجار كتاب مرقوم في سجين على التقديم والتأخير، كذا قاله الواحدي في ~~تفسيره «2» (ويل يومئذ للمكذبين) [10] بالبعث. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 11 الى 13] # الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا كل معتد أثيم (12) إذا ~~تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) # ثم وصفهم للذم لا للبيان بقوله (الذين يكذبون بيوم الدين) [11] أي بيوم ~~الجزاء (وما يكذب به) أي ما يجحد بيوم الدين (إلا كل معتد) أي متجاوز الحد ~~في الظلم (أثيم) [12] أي عاص لربه وهو الوليد بن المغيرة وأصحابه (إذا تتلى ~~عليه آياتنا) أي القرآن (قال) هي (أساطير الأولين) [13] أي أحاديثهم ~~الكاذبة. ### || [سورة المطففين (83): آية 14] # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) # قوله (كلا) ردع له عن قوله «أساطير الأولين» (بل ران) أي غلب وختم (على ~~قلوبهم) حتى اسودت وقست (ما كانوا يكسبون) [14] من الأعمال الخبيثة فلا ~~تقبل الخير ولا تميل إليه، قيل: «الرين هو الصدأ يغشي على القلب كما يغشي ~~الحديد» «3»، قيل: الرين زمام الغفلة فمن تيقظ وتذكر أمن الرين والقسوة، ~~ودواءه إدمان الصوم فإن لم يزل فليترك الإدام «4». ### || [سورة المطففين (83): الآيات 15 الى 17] # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) # (كلا) أي حقا (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [15] أي لا يرونه يوم ~~القيامة أو ممنوعون عن رحمته (ثم إنهم لصالوا الجحيم) [16] أي داخلوها (ثم ~~يقال) لهم، أي يقول الخزنة (هذا) العذاب (الذي كنتم به تكذبون) [17] في ~~الدنيا وتقولون إنه غير كائن. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 18 الى 21] # كلا إن ms1842 كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما أدراك ما عليون (19) كتاب مرقوم ~~(20) يشهده المقربون (21) # (كلا إن كتاب الأبرار) أي ما كتب من أعمالهم «5» الحسنة (لفي عليين) [18] ~~وهو علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الجن ~~والإنس منقول من جمع علي وزنه فعيل من العلو وهو في السماء السابعة وأرواح ~~المؤمنين الصالحين فيه (وما أدراك ما عليون) [19] أي ما كتاب عليين تعظيم ~~له وتعجيب، ثم فسره فقال (كتاب مرقوم) [20] أي هو مكتوب في أشرف مكان ~~(يشهده المقربون) [21] أي يسكن فيه الكروبيون تكريما له وتعظيما. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 22 الى 25] # إن الأبرار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة ~~النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) # (إن الأبرار) أي الصالحين (لفي نعيم) [22] أي لفي تنعم في الجنة (على ~~الأرائك) أي على السرر في الحجال (ينظرون) [23] إلى ما أعطوا من النعيم ~~وإلى الكفار كيف يعذبون في النار (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) [24] أي أثر ~~الجنة وبهجتها (يسقون من رحيق) أي من خمر خالصة لا غش فيها (مختوم) [25] أي ~~ختم على إنائها فلا يفك ختمه إلا الأبرار. PageV04P293 ### || [سورة المطففين (83): الآيات 26 الى 28] # ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا ~~يشرب بها المقربون (28) # (ختامه مسك) بكسر الخاء اسم «1» لما يختم به الشيء، أي يمزج بالكافور ~~ويختم بالمسك، وقرئ «خاتمه» بفتح التاء بعد الألف وهو آخره «2» (وفي ذلك) ~~أي في مثل هذا الثواب (فليتنافس) أي فليرغب (المتنافسون) [26] أي الراغبون ~~(ومزاجه) أي مزاج الرحيق (من تسنيم) [27] علم لعين في الجنة، من تسنم إذا ~~ارتفع، أي من مائه وهو من أشرف شراب الجنة ويسمى به «3»، لأنه يتسنم عليهم ~~في الأنصاب من الأعلى في إنائهم كما «4» روي أنها تجري «5» في الهواء ~~متسنمة فينصب في أوانيهم من فوق «6»، أصله من سنام البعير وهو المرتفع منه، ~~قوله (عينا) نصب على المدح أو على الحال (يشرب بها) أي منها (المقربون) ~~[28] صرفا ويمزج لأصحاب اليمين. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 29 الى 30] # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ms1843 (29) وإذا مروا بهم ~~يتغامزون (30) # ونزل في الكفار واستهزائهم بالمؤمنين «7» (إن الذين أجرموا) أي أشركوا من ~~أهل مكة كأبي جهل وأتباعه (كانوا من الذين آمنوا يضحكون) [29] أي يستهزؤون ~~(وإذا مروا بهم يتغامزون) [30] أي يتطاعنون فيهم أو يشيرون بأعينهم أو ~~بالحاجب والشفتين. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 31 الى 33] # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) # (وإذا انقلبوا) أي إذا رجع الكفار (إلى أهلهم) ومنازلهم (انقلبوا فكهين) ~~[31] وقرئ «فاكهين» «8»، أي معجبين فرحين بما هم فيه من الشر، وقيل: جاء ~~علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ~~ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا الأصلع فضحكوا منه فنزلت قبل أن يصل علي ~~رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «9» - (وإذا رأوهم) أي رأوا ~~المؤمنين (قالوا إن هؤلاء) أي ضعفاء المؤمنين (لضالون) [32] لإيمانهم بمحمد ~~فقال «10» تعالى تهكما بالكفار (وما أرسلوا) أي الكافرون (عليهم) أي على ~~المؤمنين (حافظين) [33] ليحفظوا عليهم أعمالهم، يعني لا حكم لهم على ~~المؤمنين. ### || [سورة المطففين (83): الآيات 34 الى 36] # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) على الأرائك ينظرون (35) هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) # (فاليوم الذين آمنوا) أي إذا دخلوا الجنة (من الكفار يضحكون) [34] أي ~~يستهزؤون بهم، وقيل: «هذا كله في المنافقين يقال لهم يوم القيامة اخرجوا من ~~النار إلى الجنة فاذا انتهوا إلى أبواب الجنة أغلقت دونهم، يفعل لهم ذلك ~~مرارا والمؤمنين يضحكون» «11» (على الأرائك) أمنون في الجنة (ينظرون) [35] ~~نصب على الحال من «يضحكون»، يعني يضحكون منهم ناظرين إليهم من أبواب الجنة ~~وإلى ما هم فيه من الهوان بعد العزة ومن العذاب بعد النعيم كما ضحكوا من ~~المؤمنين في الدنيا، ويقال يوم القيامة لهم بالاستفهام تقريرا للجزاء ~~وتوبيخا (هل ثوب الكفار) أي ألم يجاز الكفار جزاء (ما كانوا يفعلون) [36] ~~في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بالمؤمنين. PageV04P294 ### | سورة الانشقاق (انشقت) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت ms1844 لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) # (إذا السماء انشقت) [1] نزل لتهديد كفار مكة وتحقيق البعث «1»، معناه إذا ~~انفجرت لهيبة ربها بالغمام، قيل: «تنشق من المجرة التي في السماء» «2» ~~(وأذنت) أي سمعت وأطاعت (لربها) أي لخالقها (وحقت) [2] أي وجب لها أن تسمع ~~وتطيع لخالقها (وإذا الأرض مدت) [3] أي بسطت وزيد في سعتها كما يمد الأديم ~~أو كشفت بالمد عن ما تحتها (وألقت ما فيها) من الموتى والكنوز إلى فوقها ~~(وتخلت) [4] عن كل ما فيها عاية الخلو (وأذنت) أي أجابت الأرض باخراج ~~النبات (لربها) أي لأمره لها (وحقت) [5] أي وجب لها أن تطيع لربها، وجواب ~~«إذا» محذوف وهو بعث الناس وحوسبوا، وقيل: الجواب (يا أيها الإنسان) بتقدير ~~الفاء «3»، أي فيا أيها الإنسان (إنك كادح) أي ساع باجتهاد في العمل (إلى ~~ربك) أي إلى وقت لقائه وهو الموت (كدحا) أي سعيا قويا (فملاقيه) [6] أي ~~فأنت ملاق له لا محالة، والضمير يجوز أن يعود إلى «ربك» ويجوز أن يعود إلى ~~«كدحا»، أي أنت ملاق جزاء كدحك من خير وشر. ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 7 الى 9] # فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى ~~أهله مسرورا (9) # (فأما من أوتي) أي أعطي (كتابه) أي كتاب كدحه (بيمينه) [7] وهو المؤمن ~~(فسوف يحاسب حسابا يسيرا) [8] أي سهلا بلا مناشة (وينقلب) «4» أي «5» ~~المؤمن بعد الحساب (إلى أهله) من الحور العين أو إلى فريق المؤمنين في ~~الجنة (مسرورا) [9] أي مفرحا بما أعد الله له في الجنة. ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 10 الى 13] # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان في أهله مسرورا (13) # (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) [10] بشماله وهو الكافر فيأخذ بها كتابه ~~ويمناه مغلولة في عنقه، فاذا رأى ما فيه من الشر (فسوف يدعوا) أي ينادي ~~(ثبورا) [11] أي هلاكا، يعني يقول يا ويلا ويا ثبورا على نفسي (ويصلى) ~~مخففا معلوما، ومشددا مجهولا «6»، أي يدخل (سعيرا) [12] أي ms1845 نارا وقودا ~~(إنه) أي الكافر (كان في أهله) أي في عشيرته (مسرورا) [13] بارتكاب الذنوب ~~ونيل مشتهاه في الدنيا بدون عمل الآخرة. PageV04P295 ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 14 الى 15] # إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15) # (إنه ظن أن لن يحور) [14] أي لن يرجع إلى الآخرة تكذيبا بها (بلى) ليرجع ~~إلى الآخرة (إن ربه كان به بصيرا) [15] أي عالما بأحواله وأعماله من يوم ~~خلقه إلى يوم بعثه فيجازي عليها لا محالة. ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات 16 الى 20] # فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن ~~طبقا عن طبق (19) فما لهم لا يؤمنون (20) # (فلا أقسم بالشفق) [16] أي أقسم بالبياض بعد الحمرة وبسقوطه يدخل وقت ~~العشاء في رواية عن «1» أبي حنيفة رحمه الله أو أقسم بالحمرة التي تبقي بعد ~~غروب الشمس وبسقوطها «2» يدخل وقت الشعاء عند عامة الفقهاء «3» (والليل وما ~~وسق) [17] أي جمع وضم في جوفه (والقمر إذا اتسق) [18] أي إذا استوى وتم ~~نوره، وذلك في الأيام البيض، وجواب القسم (لتركبن) بفتح الباء خطابا ~~للإنسان وبضمها خطابا للجنس «4»، أي لتركبن أيها الناس (طبقا عن طبق) [19] ~~وهو ما طابق غيره بمعنى وافقه، يعني لتحولن حالا بعد حال يوافق ما قبلها في ~~الهول والشدة أو الخطاب للنبي عليه السلام، والمعنى حينئذ: لتصعدن بعد ~~البعث سماء بعد سماء، والجار والمجرور صفة ل «طبقا» أو حال من ضمير ~~«لتركبن»، أي مجاوزين لطبق أو مجاوزا له على حسب القراءة، و«عن» بمعنى بعد، ~~وقيل: الحال بعد الحال هو الموت في حال النطفة ثم الحيوة ثم الموت ثم ~~الحيوة حتى تصير إلى الله تعالى وأمره «5» (فما لهم) أي أي حال لكفار مكة ~~(لا يؤمنون) [20] بالقرآن والبعث ومحله حال. ### || [سورة الانشقاق (84): آية 21] # وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) # قوله (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) [21] أي لا يصلون أو لا يخضعون ~~لله تعالى، نزل حين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «واسجد واقترب» «6»، ~~فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر «7». ### || [سورة الانشقاق (84): الآيات ms1846 22 الى 24] # بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) # (بل الذين كفروا) بالقرآن (يكذبون) [22] أي يجحدون به وبالبعث (والله ~~أعلم بما يوعون) [23] أي يكتمون من الكفر والتكذيب في صدورهم وكانوا أربعة ~~فأسلم اثنان منهم (فبشرهم) يا محمد (بعذاب أليم) [24] أي وجيع دائم. ### || [سورة الانشقاق (84): آية 25] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) # ثم استثنى الذين آمنوا فقال (إلا الذين آمنوا) بالقرآن، يجوز أن يكون ~~الاستثناء متصلا من ضمير المفعول في «بشرهم»، أي بشرهم بالعذاب إلا الذين ~~آمنوا منهم، ومنفصلا، أي لكن الذين آمنوا بالله ورسوله (وعملوا الصالحات) ~~بأداء الفرائض والسنن (لهم أجر) أي ثواب (غير ممنون) [25] أي غير مقطوع، ~~يعني ثوابهم دائم على طاعتهم وتبرهم على ابتلاء الله بالمرض والهرم وضعف ~~نهوضهم في العبادة، وقيل: لا يمن بالأجر في الجنة عليهم «8»، لأن المنة ~~تكدر النعمة، وفي الجنة لا كدورة. PageV04P296 ### | سورة البروج # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة البروج (85): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # (والسماء ذات البروج) [1] أي ذات النجوم كلها أو المراد الاثنا «1» عشر ~~برجا التي هي عظام الكواكب أو التي هي منازل القمر، وقيل: هي قصور السماء ~~على أبوابها «2»، نزلت لتثبيت المسلمين وتصبيرهم على أذى كفار قريش ~~وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التكذيب على الإيمان «3» (واليوم ~~الموعود) [2] أي يوم البعث (وشاهد) أي وجبرائيل عليه السلام (ومشهود) [3] ~~أي ومحمد عليه السلام، وقيل: الشاهد يوم الجمعة، لأنه يشهد على كل عامل ~~بعمله والمشهود يوم عرفة «4»، لأن الناس يشهدونه مواسم الحج ويشهده ~~الملائكة أو الشاهد والمشهود الأنبياء وأممهم «5» أو الحفظة وبنو آدم «6» ~~أو الأيام والليالي وبنوا آدم «7»، وعن الحسن رضي الله عنه: «ما من يوم إلا ~~وينادي أني يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم ~~تدركني إلى يوم القيامة» «8»، وجواب القسم محذوف، أي لتبعثن أو قوله (قتل) ~~أي لقد لعن (أصحاب الأخدود) [4] من الخد وهو الشق ms1847 في الأرض، فكذلك لعن كفار ~~مكة فهم أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش كما قيل قتل أصحاب الأخدود، وهم ~~كانوا ثلاثة: أنطيانوس الرومي بالشام وبختنصر بفارس وبونواس اسمه يوسف ~~بنجران، كل واحد منهم شق شقا عظيما في الأرض «9»، قيل: طوله أربعون ذراعا ~~وعرضه اثنا عشر ذراعا «10» وهو الأخدود وملؤوه نارا وقالوا: من يكفر بالله ~~وإلا ألقي فيه فمن كفر ترك ومن أبى ألقي فيه، القرآن نزل في الأخدود الذي ~~بنجران وكان هناك قوم آمنوا بعيسى فحفر لهم ملكهم أخدودا وأوقد فيه نارا ~~فحرقم فيها وحرق كتبهم «11». ### || [سورة البروج (85): الآيات 5 الى 7] # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) # قوله (النار) بالجر بدل من «الأخدود» بدل اشتمال (ذات الوقود) [5] أي ما ~~يوقد فيها من الناس (إذ هم) أي الملك وأصحابه (عليها) أي حولها على جانب ~~الأخدود (قعود) [6] على الكراسي يعذبون الناس بها (وهم) أي أصحابها (على ما ~~يفعلون بالمؤمنين) من التعذيب (شهود) [7] أي حضور، قيل: «أنجى الله من آمن ~~قبل وقوعه في PageV04P297 # الأخدود، وخرجت النار منه فأحرقت من حولها من الكفرة» «1»، وروي: أنهم ~~جاؤا بامرأة معها صبي لطرحها فيها فامتنعت أن تقع فيها فقال اللصبي يا أماه ~~اصبري فانك على الحق فرمت نفسها فيها من غير رؤية «2». ### || [سورة البروج (85): الآيات 8 الى 9] # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # (وما نقموا) أي ما أنكروا (منهم) أي من المؤمنين (إلا أن يؤمنوا) أي إلا ~~إيمانهم (بالله العزيز) في ملكه (الحميد) [8] في فعله (الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد) [9] أي حاضر عالم بما فعلوا، وهو ~~يجازيهم عليه وهذا وعيد لهم. ### || [سورة البروج (85): الآيات 10 الى 11] # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) # (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي عذبوهم بالإحراق ms1848 (ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم) بكفرهم (ولهم عذاب الحريق) [10] أي عذاب أشد من عذابهم ~~الأول باحراق المؤمنين (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك) أي هذا الثواب هو (الفوز الكبير) [11] أي النجاة ~~العظيمة. ### || [سورة البروج (85): الآيات 12 الى 16] # إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد (13) وهو الغفور الودود (14) ذو ~~العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) # (إن بطش ربك) أي أخذه للعقوبة من كفر به (لشديد [12] إنه) أي الله (هو ~~يبدئ) الخلق بعد العدم (ويعيد) [13] أي ثم يعيدهم أحياء بعد الموت فلا ~~يعجزه ما يريد (وهو الغفور) للمذنبين بعد التوبة (الودود) [14] أي المحب ~~لأوليائه (ذو العرش المجيد) [15] بالجر صفة «العرش»، أي الشريف وبالرفع صفة ~~ل «ذو» «3» (فعال) أي هو فعال (لما يريد) [16] من الإبداء والإعادة ~~والإعزاز والإهانة لأنه لا يعجزه شيء. ### || [سورة البروج (85): الآيات 17 الى 18] # هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون وثمود (18) # (هل أتاك) أي قد أتاك (حديث الجنود) [17] أي قصتهم، قوله (فرعون وثمود) ~~[18] بدل من «الجنود»، أي قوم فرعون وقوم ثمود كيف أهلكهم الله تعالى، إذ ~~لم يؤمنوا بموسى وصالح عليهما السلام، فهذا تنبيه لكفار مكة بما جرى لهم ~~قبلهم ليؤمنوا بمحمد عليه السلام. ### || [سورة البروج (85): الآيات 19 الى 20] # بل الذين كفروا في تكذيب (19) والله من ورائهم محيط (20) # فلما لم يؤمنوا أضرب عنهم بقوله (بل الذين كفروا) بمحمد عليه السلام (في ~~تكذيب) [19] للقرآن (والله من ورائهم محيط) [20] أي مشتمل عليهم قدرة وعلما ~~لا عاصم لهم منه تعالى أينما كانوا. ### || [سورة البروج (85): الآيات 21 الى 22] # بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) # ثم أضرب عن تكذيبهم بالقرآن فقال (بل هو) أي ما كذبوا به (قرآن مجيد) ~~[21] أي عظيم القدر عند الله، وقيل: شريف أشرف من كل كتاب سماوي ثابت «4» ~~(في لوح محفوظ) [22] من استراق الشياطين والتغيير، روي: «أن الله جعل اللوح ~~من درة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء عن يمين العرش ينظر الله فيه كل يوم ~~ثلثمائة وستين نظرة يحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما ms1849 يشاء ويحكم ما يريد» ~~«5»، وذلك ليعلم الخلق أن كل شيء عنده بمقدار، روي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنها قال: «إن بين يدي الله لوحا، فيه مائة وخمس عشرة شريعة، يقول الله فيه ~~وعزتي لا يجيئني عبد مؤمن بواحدة منهن إلا دخلته جنتي» «6». PageV04P298 ### | سورة الطارق # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الطارق (86): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) # (والسماء والطارق) [1] نزل حين كان أبو طالب عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فانحط من السماء نجم فامتلأ ما حوله نورا، ففزع أبو طالب وقال: يا ~~محمد أي شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا نجم رمى به وهو ~~آية من آيات الله»، فعجب به أبو طالب «1»، أي أقسم بالسماء والطارق وهو ~~الطالع ليلا، أي النجم. ### || [سورة الطارق (86): الآيات 2 الى 4] # وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) # قوله (وما أدراك ما الطارق) [2] تعظيم «2» له وتعجيب بالاستفهام «3»، ~~لأنه أبهمه أولا ثم فسره بقوله (النجم الثاقب) [3] أي المضيء، وسمي به ~~لثقبه الظلام بضوءه إظهارا لفخامة شأنه، وجواب القسم (إن) أي ما (كل نفس ~~لما عليها) أي إلا عليها (حافظ) [4] من الملائكة يحفظ عليها أعمالها من خير ~~وشر أو الحافظ الله تعالى لأنه رقيب على كل شيء، ف «إن» نافية و«لما» ~~بالتشديد بمعنى إلا، وبالتخفيف «4» «ما» زائدة للتوكيد واللام فارقة بين إن ~~الخفيفة «5» والثقيلة، والمعنى: كل نفس لعليها حافظ، و«كل» مبتدأ والجملة ~~الاسمية بعده خبره. ### || [سورة الطارق (86): الآيات 5 الى 8] # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) # قوله (فلينظر الإنسان) توصية للناس من ربه بعد تنبيهه على أن عليها حافظا ~~يحفظ عمله بالنظر في أول أمر خلقته حتى يعلم أن من خلقه من العدم قادر على ~~إعادته بعد موته، وجزائه ليعمل عملا يسره في عاقبته ولا يحزنه، أي لينظر ~~الإنسان نظر اعتبار (مم) أي من أي شيء (خلق) [5] وجواب «مم» قوله (خلق من ~~ماء ms1850 دافق) [6] يعني «6» مدفوق، أي منصب في رحم الأم (يخرج من بين الصلب) أي ~~ينزع من بين الظهر (والترائب) [7] جمع تريبة وهي موضع القلادة من الصدر، ~~فالمراد من ذلك ماء الرجل وماء المرأة، لأن الولد يكون منهما (إنه) أي الله ~~تعالى (على رجعه) أي بعثه (لقادر) [8] لا يشكل عليه ولا يعجز عنه. ### || [سورة الطارق (86): الآيات 9 الى 10] # يوم تبلى السرائر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) # قوله (يوم تبلى السرائر) [9] ظرف ل «قادر» أو العامل اذكر، أي يوم يختبر، ~~يعني تظهر فيه ضمائر القلوب من العقائد والنيات أو السرائر هي فرائض ~~الأعمال من وضوء وغسل جنابة «7» وصلوة وصيام وصدقة بأن يسأل PageV04P299 # عنها، فلو شاء لقال فعلت وما فعل (فما له من قوة) أي وليس لمنكر البعث ~~قوة يدفع العذاب عن نفسه (ولا ناصر) [10] ينصره، أي يمنعه منه. ### || [سورة الطارق (86): الآيات 11 الى 16] # والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع (12) إنه لقول فصل (13) وما هو ~~بالهزل (14) إنهم يكيدون كيدا (15) # وأكيد كيدا (16) # قوله (والسماء) قسم آخر، أي بخالق السماء (ذات الرجع) [11] أي ذات المطر ~~المرجوع بعد المطر، وسمى العرب المطر رجعا لإرادة التفاؤل ليرجع أو لأن ~~الله يرجعه وقتا فوقتا (والأرض ذات الصدع) [12] أي ذات الشق عن النبات ~~والثمار ليكون قوتا لبني آدم، وفيه إيماء إلى المنة عليهم، أقسم الله بهما ~~وجوابه (إنه) أي القرآن (لقول فصل) [13] أي لقول «1» جد يفصل بين الحق ~~والباطل على الحقيقة (وما هو بالهزل) [14] أي باللعب، يعني لم ينزل ~~بالباطل. # (إنهم يكيدون كيدا) [15] أي إن الكافرين يمكرون لك «2» مكرا في دار ~~الندوة لإطفاء نور الحق أو يصنعون كيد الشرك والمعصية (وأكيد كيدا) [16] أي ~~وأصنع لهم جزاء كيدهم بامهالي لهم إلى وقت الانتقام بالسيف هنا «3» وبالنار ~~يوم البعث. ### || [سورة الطارق (86): آية 17] # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) # (فمهل الكافرين) أي أجلهم بالصبر ولا تدع بهلاكهم استعجالا، وكرر الإمهال ~~لزيادة التسكين والتصبير منه بقوله (أمهلهم رويدا) [17] أي أجلهم وخل عنهم ~~الجدال زمانا قليلا، يعني إلى وقت الموت، فان أجل الدنيا كله قليل، ~~و«رويدا» ms1851 اسم فعل بمعنى أمهل أو مهل «4» وهما بمعنى الإنظار، ووضع هنا موضع ~~المصدر، أي إمهالا يسيرا. PageV04P300 ### | سورة الأعلى # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الأعلى (87): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) # (سبح اسم ربك الأعلى) [1] أي نزه اسم ربك عن الكذب إذا أقسمت به أو نزه ~~اسمه عما لا يصلح فيه من المعاني التي هي إلحاد في الدين، فا ل «أعلى» صفة ~~لل «اسم»، يجوز أن يكون صفة لل «رب»، أي الأعلى بالعلو الذي هو القهر ~~والاقتدار لا بمعنى العلو في المكان أو قل سبحان ربي الأعلى، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم» كما قال عند نزول قوله «فسبح باسم ربك ~~العظيم» «1»: اجعلوها في ركوعكم» «2»، وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ~~ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت «3»، والاسم زائد، أي سبح ربك ونزهه عما لا ~~يصلح له كالتشبيه والشريك أو في الكلام خذف، أي مسمى اسم ربك. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 2 الى 5] # الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثاء ~~أحوى (5) # (الذي خلق فسوى) [2] مخلوقه بأن جعله مستويا بتسوية أعضائه كاليدين ~~والرجلين والعينين ولم يجعله زمنا ولا متفاوتا فاحشا غير ملتئم في الطول ~~والقصر والدقة «4» والغلظة، وفي وسعة إحدى العينين وضيقها، بل جعله متناسب ~~الخلق قائما في المشي لا كالبهائم (والذي قدر) «5» لكل حيوان ما يصلحه ~~(فهدى) [3] أي أرشده للانتفاع به كالأكل والشرب والجماع والمعاش، قيل: إن ~~الحية تعمى كل سنة شتاء من أكل التراب فتمسح عينها بورق الرازيانج وإن كانت ~~المسافة بينها وبينه بعيدة فتبصر فسبحان من ألهمها ذلك «6» (والذي أخرج ~~المرعى) [4] أي أنبت العشب (فجعله غثاء أحوى) [5] أي هشيما يابسا أسود بعد ~~خضرته، ف «أحوى» صفة «غثاء». ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 6 الى 7] # سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (7) # قوله (سنقرئك فلا تنسى) [6] بالألف، لأن «لا» نفي بشارة من الله للنبي ~~عليه السلام بمعجزة ظاهرة بأن يحفظ كل ما يقرأ عليه جبرائيل عليه السلام ~~وهو ms1852 أمي لا يكتب ولا يقرأ فلا ينساه إلا ما شاء الله تعالى، فيذهب به عن ~~حفظه لحكمة يعلمها، وقيل: نزل حين استعجل بقراءة القرآن إذا قرأه جبرائيل ~~عليه السلام خوف النسيان «7»، أي سنعلمك القرآن فلا تنسى (إلا ما شاء الله) ~~أي تنساه على سبيل النسخ، فلم ينس النبي عليه السلام بعد ذلك شيئا، لأنه ~~إخبار الله تعالى وهو صدق (إنه يعلم الجهر) أي إن الله يعلم جهر جبرائيل ~~بالقراءة (وما يخفى) [7] منها فلا تحزن من النسيان. PageV04P301 ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 8 الى 10] # ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) سيذكر من يخشى (10) # (ونيسرك) أي نهون عليك حفظ القرآن (لليسرى) [8] أي للعمل الحسن وتبليغ ~~الرسالة، روي: أن جبرائيل عليه السلام في كل رمضان ويقرأ عليه القرآن كله ~~ويبين له ما ينسخ منه «1». # قوله (فذكر) أي عظ بالقرآن (إن نفعت الذكرى) [9] للناس وإن لم تنفع «2»، ~~وهذا من قبيل الاكتفاء بالأول لدلالته عليه، نزل حين كان النبي عليه السلام ~~يذكرهم وهم لا يزيدون إلا طغيانا فيتلظى حسرة فيزيد التذكير حرصا على ~~إيمانهم فقال تعالى فذكر بالقرآن «3» (سيذكر من يخشى) [10] أي سيتعظ ~~بالقرآن من يخاف الله تعالى بمعرفة قلبه إياه ويؤمن. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 11 الى 15] # ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ربه فصلى (15) # (ويتجنبها) أي بتباعد عن الذكرى، وهي العظة بالقرآن الكافر (الأشقى) [11] ~~من كل عاص، قيل: هو الوليد بن المغيرة وأتباعه «4» (الذي يصلى النار ~~الكبرى) [12] أي يدخلها وهي نار الآخرة، إذ نار الدنيا هي النار الصغرى، ~~وقيل: الكبرى هي السفلي من أطباق جهنم «5» (ثم لا يموت فيها) أي في النار ~~حتى يستريح من عذابها (ولا يحيى) [13] بحيوة تنفعه، و«ثم» فيه يدل «6» على ~~أن التردد بين الحيوة والموت أفظع من الصلي في النار ومتراخ عنه في الشدة. # (قد أفلح من تزكى) [14] أي قد «7» فاز ونجا من عذاب النار من تطهر ~~بالإيمان والتقوى أو بأداء «8» الزكوة المفروضة عليه ونجا من خصومة الفقراء ~~يوم القيامة ms1853 (وذكر اسم ربه) أي كبر في طريق المصلى (فصلى) [15] صلوة العيد ~~أو كبر تكبيرة الافتتاح بذكر ربه فصلى الصلوات «9» المفروضة عليه في ~~أوقاتها من غير غفلة عنه تعالى. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 16 الى 17] # بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى (17) # ثم ذم تارك ذكر ربه وطاعته لأجل اشتغال الدنيا بقوله (بل تؤثرون) بالتاء ~~والياء «10»، أي لا تفعلون ما تفلحون به بل تختارون (الحياة الدنيا) [16] ~~وعملها على الآخرة وعملها (والآخرة) أي والحال أن عملها (خير وأبقى) [17] ~~من عمل الدنيا وحيوتها، لأنها في معرض الفناء والزوال. ### || [سورة الأعلى (87): الآيات 18 الى 19] # إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) # (إن هذا) أي من قد أفلح إلى أبقى أو جميع ما في هذه السورة من المعاني ~~(لفي الصحف الأولى) [18] المنزلة قبل القرآن. # ثم بين الصحف بقوله (صحف إبراهيم وموسى) [19] عليهما السلام «11»، ~~والصحيفة كل كتاب أنزل مكتوبا، وكان صحف إبراهيم عشرا وصحف موسى هي الألواح ~~المكتوبة فيها التورية، قيل: في صحف إبراهيم عليه السلام ينبغي للعاقل أن ~~يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه «12». PageV04P302 ### | سورة الغاشية # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) # (هل أتاك حديث الغاشية) [1] أي قد أتاك قصة القيامة التي تغشى الخلائق ~~بأهوالها الآن (وجوه يومئذ خاشعة) [2] أي ذليلة (عاملة) بأعمال قبيحة في ~~الدنيا مع تعب في الآخرة أو هم أصحاب الصوامع الذين يعملون فيها أعمالا ~~صالحا حسنة ثقيلة من تهجد وصيام وسجود لا ينفعهم ثمه (ناصبة) [3] أي متعبة ~~بجر السلاسل في النار على وجوههم وتكليفهم بارتقاء جبل من حديد. ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 4 الى 7] # تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) ~~لا يسمن ولا يغني من جوع (7) # (تصلى) أي تدخل (نارا حامية) [4] أي شديدة الحر (تسقى من عين آنية) [5] ~~أي حارة قد انتهى حرها، قيل: لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت «1» ~~(ليس لهم طعام إلا ms1854 من ضريع) [6] أي من نبت مر يابس كأظفار الهرة، وإذا أخضر ~~يسمى شبرقا لا يقربه دابة لخبثه لو «2» أكلت منه «3» ماتت وهو ما بين مكة ~~واليمن، قيل: # «هو في النار أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار» «4» (لا ~~يسمن) أي لا يشبع الجائع (ولا يغني) أي لا ينفع (من جوع) [7] وهو وصف ~~«ضريع» ولا يناقضه قوله ليس لهم طعام إلا من غسلين «5»، لأن العذاب ألوان ~~والمعذبون أنواع لكل منهم جزء مقسوم منه، وقيل: هذا جزاء من أتعب نفسه بعمل ~~الدنيا وبما لا يحتاج إليه «6». ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 8 الى 11] # وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) لا تسمع فيها ~~لاغية (11) # (وجوه يومئذ ناعمة) [8] أي ذات حسن وبهجة في نعمة (لسعيها) أي لعملها من ~~طاعة الله تعالى وترك معصيته في الدنيا (راضية) [9] في الآخرة إذا رأت ~~ثوابه (في جنة عالية) [10] أي هي في جنة مرتفة في الدرجات العلى (لا تسمع ~~فيها) أي في الجنة (لاغية) [11] بالرفع فاعل «تسمع» بالتاء والياء مجهولا، ~~وبالنصب مفعول «تسمع» بالتاء خطابا «7» للنبي عليه السلام أو الضمير لل ~~«وجوه»، أي كلاما لغوا وهو هذيانه وساقطه. PageV04P303 ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 12 الى 16] # فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق ~~مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) # (فيها عين جارية) [12] بالماء الكثير العذب الأبيض من اللبن والأحلى من ~~العسل لمن له عين جارية بالبكاء من خشية الله في الدنيا (فيها سرر مرفوعة) ~~[13] أي مرتفعة قدرا وذاتا ومحلا (وأكواب) أي كيزان بلا عرى مدورة الرأس ~~(موضوعة) [14] أي معدة عندهم للشرب (ونمارق) أي وسائد (مصفوفة) [15] ليجلس ~~عليها وليسند إليها، جمع نمرقة (وزرابي) جمع زربية، أي بسط عراض فاخرة ~~(مبثوثة) [16] أي مبسوطة كثيرة، ويجلس المؤمنون عليها والغلمان والحور ~~حولهم كأنهن الياقوت والمرجان. ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 17 الى 20] # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى ~~الجبال كيف نصبت (19) وإلى الأرض كيف سطحت (20) # قيل: لما وصف ارتفاع سرر الجنة للكفار قالوا كيف يصعد عليها؟ فشكوا ~~وتعجبوا في ذلك فقال ms1855 تعالى «1» (أفلا ينظرون) نظر اعتبار (إلى الإبل كيف ~~خلقت) [17] منقادة لهم مع عظم خلقها في الركوب والحمل عليها لئلا ينكروا ~~اقتداره على البعث والثواب والعقاب كما يشاء، وخص ذكر «الإبل» لأنها كانت ~~أقرب الأشياء إلى العرب، ولم يكن في أرضهم الفيل ليذكره لهم (وإلى السماء) ~~أي أفلا ينظرون إليها (كيف رفعت) [18] بلا عمد تحتها (وإلى الجبال كيف ~~نصبت) [19] على ظهر الأرض أوتادا لها (وإلى الأرض كيف سطحت) [20] أي بسطت ~~للسير فيها والاستقرار عليها، وقرنت الإبل مع السماء والجبال والأرض لأن ~~العرب كانت أشد ملابسة لهذه الأشياء من غيرها، فذكرها أنسب للاستدلال «2» ~~على مخلوقات الله تعالى. ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 21 الى 24] # فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) إلا من تولى وكفر (23) ~~فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) # (فذكر) أي فعظ يا محمد وخوف كفار مكة بالعذاب في الآخرة، ولا تلح عليهم ~~ولا يهمك أنهم لا ينظرون ولا يتذكرون (إنما أنت مذكر) [21] أي مخوف بالقرآن ~~(لست عليهم بمصيطر) [22] أي بمسلط فتكرههم على الإيمان «إن عليك إلا ~~البلاغ» «3» (إلا من تولى) أي فذكر إلا من أعرض عن الإيمان (وكفر) [23] ~~بالقرآن، استثناء متصل من «فذكر» أو منقطع، أي لكن من تولى منهم فلله ~~الولاية (فيعذبه الله العذاب الأكبر) [24] الذي هو عذاب النار الدائم ~~والأصغر ما عذبوا به هنا من الجوع والقتل والأسر. ### || [سورة الغاشية (88): الآيات 25 الى 26] # إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) # (إن إلينا إيابهم) [25] أي رجوعهم بعد الموت إلينا لا إلى غيرنا (ثم إن ~~علينا حسابهم) [26] أي جزاء حسابهم في أعمالهم الخبيثة من صغيرة وكبيرة ~~علينا كما يقتضيه الحكمة لا على غيرنا، وفي تقديم الظرفين تشديد في الوعيد لهم. PageV04P304 ### | سورة الفجر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفجر (89): الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) # قوله (والفجر) [1] قسم بخروج الصبح أو بضوءه، وجوابه «إن ربك لبالمرصاد»، ~~أي بحق الصبح، وسمي ب «الفجر» لفجره الظلام وهو شقه، وقيل: بصلاة ms1856 الصبح «1» ~~(وليال عشر) [2] أي وبحق عشر ذي الحجة، تنكيرها لبيان فضيلة ليست لغيرها ~~فلو عرفت لفاتت تلك (والشفع) أي والزوج (والوتر) [3] أي الفرد بفتح الواو ~~وكسرها «2»، فالشفع الخلق لقوله تعالى «ومن كل شيء خلقنا زوجين» «3»، ~~والوتر هو الله، لأنه واحد لا زوج له، المعنى: أقسم بكل شيء لأنه إما شفع ~~أو وتر (والليل إذا يسر) [4] أي يمضي ويجيء بأمره تعالى، أصله يسري «4» ~~حذفت الياء عنه اكتفاء بالكسرة أو بحق الليل إذا يسري فيه، نسب الفعل إلى ~~الليل مجازا (هل في ذلك) أي في الذي أقسمت به مما ذكر (قسم لذي حجر) [5] أي ~~لصاحب عقل ورشد لتعظيمه، المعنى: هل في قسمي بهذه الأشياء اقسام لذي عقل ~~لتأكيد المقسم عليه وهو البعث أو العذاب، والاستفهام هنا لتحقيق اقسام ذي ~~عقل وتعظيم محل القسم، ف «هل» بمعنى «ان» كما فسره أبو الليث رحمه الله - «5» ### || [سورة الفجر (89): الآيات 6 الى 8] # ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد (7) التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد (8) # (ألم تر كيف فعل ربك) اعتراض بين القسم وجوابه لتهديد منكري البعث، أي ~~ألم تخبر يا محمد كيف عاقب ربك (بعاد) [6] أي بقوم عاد وهو عاد بن عوص، ~~قوله (إرم) عطف بيان ل «عاد» أو بدل منه، ولم ينصرف للتعريف والعجمة أو ~~«إرم» اسم مدينتهم ففيه العلمية والتأنيث، قيل: هي دمشق «6» أو الإسكندرية ~~«7» أو مدينة بناها عاد، فتقديره: صاحب إرم بحذف المضاف (ذات العماد) [7] ~~أي الأعمدة صفة القبيلة، لأنهم كانوا بدويين أهل عمد أو طوال «8» الأجسام ~~أو لأن مدينتهم كانت ذات أساطين عظام (التي لم يخلق مثلها) أي مثل مدينتهم ~~(في البلاد) [8] روي: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات ~~شديد وبقي الأمر لشداد فملك الدنيا كلها وكان عمره تسعمائة سنة، فسمع يوما ~~ذكر الجنة فقال أبني مثلها فبني إرم في ثلثمائة سنة، قصورها من ذهب وفضة ~~وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار الجارية، ~~فلما تم بناؤها قصدها ليدخلها هو وأصحابه، فلما قربوا صيح ms1857 بهم صيحة فهلكوا ~~جميعا «9». PageV04P305 ### || [سورة الفجر (89): الآيات 9 الى 10] # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) وفرعون ذي الأوتاد (10) # قوله (وثمود) عطف على «عاد»، أي كيف فعل ربك بثمود (الذين جابوا) أي ~~قطعوا (الصخر) واتخذوها بيوتا (بالواد) [9] أي بوادي «1» القرى وهم قوم ~~صالح نقبوا الجبل بالواد «2»، قيل: أول من نحت الجبال والرخام ثمود وبنوا ~~ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة «3»، قوله (وفرعون) عطف على «عاد» ~~أيضا، أي وكيف فعل ربك بفرعون (ذي الأوتاد) [10] التي يعذب بها الناس، لأنه ~~كان يتد أربعة أوتاد يشد بها من يعذبه بأنواع العذاب أو قيل له ذو الأوتاد: ~~لكثرة جنوده ومضارب خيامه إذا نزل في مكان «4». ### || [سورة الفجر (89): الآيات 11 الى 14] # الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد (12) فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) # قوله (الذين طغوا) صفة للمذكورين من عاد وثمود وفرعون، أي الذين تجبروا ~~(في البلاد [11] فأكثروا فيها الفساد) [12] كالقتل وعبادة الأوثان (فصب) أي ~~فأرسل (عليهم ربك سوط) أي نوع (عذاب) [13] شديد لا يوصف (إن ربك لبالمرصاد) ~~[14] أي أقسم بالأشياء المذكورة إن ربك في ممر الخلق يترصد، أي يترقب فيه ~~العصاة بالعقاب، وهذا مثل في أنهم لا يفوتونه وأنه عالم بما يصدر منهم ~~فيجازيهم عليه، وقيل: «إن ملائكة ربك على الصراط يرصدون العباد ليحاسبهم ~~بايمانهم وصلوتهم وزكوتهم وصومهم وحجتهم ووضوئهم وغسلهم من الجنابة وبر ~~الوالدين وصلة الرحم» «5». ### || [سورة الفجر (89): آية 15] # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) # (فأما الإنسان) هذا ذكر كل كافر من الغني والفقير مع أحوالهم واستحقاقهم ~~العذاب بها بعد قوله إن ربك لمرصادكأنه قيل إن الله لا يريد من الإنسان إلا ~~الطاعة والسعي للعاقبة باختياره وهو مرصد بالعقوبة للعاصي، فأما الإنسان ~~وهو أبي بن خلف أو أمية بن خلف فلا يريد الطاعة للآخرة ولا يهمه إلا ~~العاجلة وما يلذه وينعمه فيها، لأنه (إذا ما ابتلاه) أي اختبره (ربه) أيشكر ~~أم يكفر (فأكرمه) أي رزقه (ونعمه) أي أكثر نعمته (فيقول ربي أكرمن) [15] أي ~~أحبني وعظمني بما أعطاني. ms1858 ### || [سورة الفجر (89): آية 16] # وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) # (وأما) هو (إذا ما ابتلاه) بالفقر أيصبر أم يجزع (فقدر) بالتشديد ~~والتخفيف «6»، أي ضيق (عليه رزقه) وأصابه الجوع (فيقول) الجملة خبر المبتدأ ~~المحذوف بعد «أما» وهو هو، والفاء فيها لما في «أما» من معنى الشرط والظرف ~~بعد «أما» في تقدير التأخير، أي يقول الإنسان (ربي أهانن) [16] أي أذلني ~~وعاقبني بالفقر وقت الابتلاء شكاية عن ربه. ### || [سورة الفجر (89): آية 17] # كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) # قوله (كلا) ردع للإنسان عن قوله إن الغنا له إكرام والفقر إهانة، أي ليس ~~إكرامي للإنسان بالمال والولد والصحة وإهانتي له بنزع ذلك عنه، بل إكرامي ~~بتوفيق المعرفة والطاعة وإهانتي لنزع المعرفة عنه والإضلال عن طريق الهداية ~~(بل لا تكرمون) أي ليس القول كما يقولون بل لهم عمل شر من هذا القول وهو أن ~~الله أكرمهم بكثرة المال وسعة الرزق فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من الخيرات ~~لأنهم لا يكرمون (اليتيم) [17] أي لا يحسنون إليه بالنفقة مع غناهم. PageV04P306 ### || [سورة الفجر (89): الآيات 18 الى 20] # ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون ~~المال حبا جما (20) # (ولا تحاضون) بالألف والتاء للخطاب وبغير الألف، وقرئ بالياء على الغيبة ~~بغير الألف «1»، أي ولا تحثون أنفسهم ولا غيرهم (على طعام المسكين [18] ~~وتأكلون التراث) أي مال الميراث (أكلا لما) [19] أي شديدا، واللم الشدة بأن ~~جمعوا نصيب النساء والصبيان من الميراث مع أموالهم فيأكلونها جميعا (وتحبون ~~المال حبا جما) [20] أي كثيرا فلا تنفقونه في سبيل الله بل تبخلون به، قرئ ~~«يحبون» و «يأكلون» و «يكرمون» بالياء التاء «2». ### || [سورة الفجر (89): الآيات 21 الى 22] # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك والملك صفا صفا (22) # (كلا) أي حقا (إذا دكت الأرض) أي زلزلت (دكا دكا) [21] أي زلزلة شديدة ~~حتى ينهدم كل بناء عليها (وجاء ربك) أي أمره بالحساب، وإنما أسند المجيء ~~إلى الله تعالى إظهارا لآثار هيبته بحضور نفسه لا بحضور ملائكته (والملك) ~~ينزلون من السماء حول الأرض (صفا صفا) [22] وهم ms1859 سبعة صفوف يومئذ. ### || [سورة الفجر (89): آية 23] # وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (23) # (وجيء يومئذ بجهنم) مزمومة بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك ~~لها زفير وتغيظ، قوله (يومئذ) «3» بدل من الأول وهما بدلان من «إذا دكت»، ~~قوله (يتذكر الإنسان) عامل في «إذا» قبله، أي يتعظ الكافر ثمه (وأنى له ~~الذكرى) [23] هو استبعاد منه يومئذ، أي من أين له يوم القيامة العظة ~~والتوبة. ### || [سورة الفجر (89): الآيات 24 الى 26] # يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق ~~وثاقه أحد (26) # (يقول) ثمه (يا ليتني قدمت) الخير والإيمان (لحياتي) [24] أي وقت حياتي ~~في الدنيا أو لحيوتي «4» الطيبة في الآخرة (فيومئذ لا يعذب عذابه) أي مثل ~~تعذيب الله بالنار (أحد) [25] كذلك (ولا يوثق وثاقه) بالسلاسل والأغلال مثل ~~إيثاقه (أحد) [26] يعني لا يتولى أمر العذاب غيره تعالى. ### || [سورة الفجر (89): الآيات 27 الى 30] # يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في ~~عبادي (29) وادخلي جنتي (30) # قوله (يا أيتها النفس المطمئنة) [27] ترغيب في الإيمان للكافرين على ~~إرادة القول، أي يقال للمؤمن الصالح العمل عند الموت أو البعث إكراما له يا ~~أيتها النفس الآمنة التي لم يخالطها شك في الإيمان أو التي اطمأنت بلقاء ~~الله تعالى (ارجعي إلى ربك) أي إلى ثوابه المعد لك في الجنة أو خطاب للروح، ~~أي ارجعي إلى جسدك، وقيل: # نزلت في حمزة بن عبد المطلب «5»، وقيل: في حبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة ~~وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو ~~قبلتك، فحول الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله عنها «6» (راضية) ~~بالثواب (مرضية) [28] عند الله، كلامهما حالان ثانيهما متداخلة (فادخلي في ~~عبادي) [29] أي في سلك عبادي الصالحين (وادخلي) معهم (جنتي) [30]. PageV04P307 ### | سورة البلد # مكية وقيل: مدنية «1» # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة البلد (90): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) # (لا أقسم بهذا البلد) [1] أي أقسم بالبلد الحرام ms1860 الذي ولدت فيه، قوله ~~(وأنت حل بهذا البلد) [2] اعتراض بين القسم والمعطوف عليه لاهتمام ذكره ~~لتعظيم نبيه عليه السلام، أي وأنت حلال بهذا البلد لتصنع ما تريد فيه من ~~قتل وغيره لعظم حرمتك أو إن الكفار يستحلون إخراجك من هذا البلد لشدة ~~عداوتهم بك مع عدم استحلالهم صيده وعضد شجره فتستحل فيه كما يستحل الصيد في ~~غير الحرم، فعلى المعنى الأول القتال حل له يوم فتح مكة فقوله «وأنت حل» في ~~معنى الاستقبال كما في قوله «إنك ميت» «2»، أي يستحل لك في هذا البلد القتل ~~ساعة من نهاره. ### || [سورة البلد (90): الآيات 3 الى 4] # ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الإنسان في كبد (4) # (ووالد) أي بحق والد وهو آدم (وما ولد) [3] أي وذريته أو كل والد ومولود ~~وهو الظاهر، ف «ما» بمعنى من ذكره لغرض الإبهام المستقل للمدح والتعجب «3»، ~~وجواب القسم (لقد خلقنا الإنسان) أي الجنس (في كبد) [4] أي في شدة ومشقة ~~يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، فيه تثبيت لرسوله عليه السلام على ~~احتمال ما يكابد من أهل مكة بالقسم ببلده على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة ~~الشدائد. ### || [سورة البلد (90): الآيات 5 الى 10] # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) # (أيحسب) أي أيظن الإنسان والمراد أبو جهل الذي هو قوي قريش وشجاعتهم ~~ومكابد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتضعف المؤمنين (أن لن يقدر عليه ~~أحد) [5] لقوته فسوف (يقول) إذا بعث يوم القيامة (أهلكت) أي أتلفت (مالا ~~لبدا) [6] أي كثيرا على عداوة محمد عليه السلام فلم ينفعني ذلك (أيحسب أن ~~لم يره أحد) [7] أي أن لم ير الله تعالى فعله ولا يعاقبه بما فعل من الشر، ~~ثم ذكر انعامه عليه ووبخه على ترك الاستدلال على ما يجب عليه من الإيمان ~~والشكر فقال (ألم نجعل له عينين) [8] يبصر بهما (ولسانا) ينطق به (وشفتين) ~~[9] يضمهما إذا أراد السكوت (وهديناه النجدين) [10] أي عرفناه وبيناه طريق ~~الخير والشر واضحا ms1861 بالأدلة كوضوح النجد وهو ما ارتفع من الأرض. ### || [سورة البلد (90): آية 11] # فلا اقتحم العقبة (11) # قوله (فلا اقتحم العقبة) [11] يشير به إلى الكافر لعناده لا يتأهب ليوم ~~القيامة، أي فهو ما جاوز العقبة، PageV04P308 # وهي الصراط الممدود على جهنم كحد السيف لا ينجو منها إلا كل مؤمن مخف، ف ~~«لا» بمعنى ما للنفي وأكثر استعمالها أن يكرر لفظا وقد يتكرر معنى كما في ~~هذه الآية، لأن معنى «فلا اقتحم العقبة» فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا، ولذا ~~فسره بذلك بعد «1». ### || [سورة البلد (90): الآيات 12 الى 13] # وما أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) # ثم فخم شأنها بقوله (وما أدراك ما العقبة) [12] أي ما أعلمك أي شيء هي ~~وبما يمكن مجاوزتها (فك رقبة) [13] أي سبب اقتحام العقبة إعتاق النسمة ~~وتخليصها من رق وغيره أو فك رقبته «2» من الذنوب بالتوبة، قرئ برفع «فك» مع ~~الإضافة تفسير لاقتحام العقبة، وبفتح الكاف ونصب «رقبة» «3» فعل ومفعول ~~تفسير ل «اقتحم». ### || [سورة البلد (90): الآيات 14 الى 16] # أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) # (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) [14] أي مجاعة، من سغب فلان إذا جاع، قرئ ~~برفع «إطعام» عطف على «فك» مصدرا و«أطعم» فعل عطف على «فك» ماضيا، قوله ~~(يتيما) بيان لمن يطعمه الطعام وهو مفعول المصدر أو الفعل، أي أطعم الإنسان ~~يتيما (ذا مقربة) [15] أي صاحب قرابة (أو مسكينا ذا متربة) [16] أي صاحب ~~لصوق بالتراب، يعني لا شيء له ولفقره لصق بالتراب، فبهذا «4» الخير يجاوز ~~العقبة، في الحديث أن رجلان قال: «يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة، ~~فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة، فقال: أو ليسا سواء، قال: إعتاقها أن تتفرد ~~بعتقها وفكها أن تعين في تخليصها من قود أو غرم» «5». ### || [سورة البلد (90): الآيات 17 الى 18] # ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب ~~الميمنة (18) # (ثم كان) أي مع هذا الخير والإحسان يكون المحسن بالعتق والصدقة (من الذين ~~آمنوا) بمحمد والقرآن، وجيء ب «ثم» المفيدة للتراخي في الوقت، ms1862 والمراد منه ~~هنا بيان تباعد ما بين الإيمان والإحسان بذلك في الرتبة والفضيلة، لأنه لا ~~ينفع ولا يقبل عمل صالح إلا بالإيمان، وقيل: معناه ثم ثبت ودام على إيمانه ~~بعد الإحسان «6» (وتواصوا) أي وكان من الذين وصى بعضهم بعضا (بالصبر) على ~~الإيمان والطاعة والمصيبة وترك المعصية (وتواصوا) أي وصى بعضهم بعضا ~~(بالمرحمة) [17] أي بالترحم، يعني يتعاطف بعضهم على بعض، روي عن النبي عليه ~~السلام: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» «7» أو بما يؤدي إلى رحمة الله ~~تعالى (أولئك) أي الموصوفون بالصفات المذكورة (أصحاب الميمنة) [18] أي ~~الذين يعطون كتابهم بايمانهم أو أصحاب اليمين. ### || [سورة البلد (90): الآيات 19 الى 20] # والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) عليهم نار مؤصدة (20) # (والذين كفروا بآياتنا) أي بالقرآن (هم أصحاب المشأمة) [19] أي الذين ~~يعطون كتابهم بشمائلهم أو أصحاب الشمال (عليهم نار مؤصدة) [20] أي مطبقة، ~~من أأصدت الباب، أي أطبقته وقد يبدل من الهمزة وأو لضمة ما قبلها، قيل «8»: ~~الكفار إذا أدخلوا النار وأطبقت عليهم لا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح ~~الأبد الأبد «9». PageV04P309 ### | سورة الشمس # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الشمس (91): الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # (والشمس) أي بحق الشمس (وضحاها) [1] أي ضوءها وحرها (والقمر إذا تلاها) ~~[2] أي تبعها طالعا عند غروبها، إذ الهلال انما رؤي عند سقوط الشمس ~~(والنهار إذا جلاها) [3] أي إذا أظهر الشمس بارتفاعه (والليل إذا يغشاها) ~~[4] أي يغطي الشمس بظلمته فتظلم الآفاق، ف «إذا» في هذه المواضع ظرف للقسم. ### || [سورة الشمس (91): الآيات 5 الى 8] # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) # (والسماء وما بناها) [5] أي ومن أوجدها ورفعها (والأرض وما طحاها) [6] أي ~~ومن بسطها (ونفس) بالتنكير لإرادة نفس واحدة من النفوس، وهي نفس آدم عليه ~~السلام فالتنوين للتقليل (وما سواها) [7] أي ومن سوى خلقها بالتركيب ~~والترتيب بلا تفاوت فيها وفي أعضائها أو المراد جميع النفوس فالتنوين ~~للتكثير، و«ما» في هذه المواضع موصولة ms1863 بمعنى من لا مصدرية لفساد النظم، ~~لأنه يلزم بقاء الفعل بلا فاعل وعدم استقامة العطف بقوله (فألهمها) لأن ~~الفاء لا يقوم مقام حرف القسم فيه ولا يستقيم عطف الفعل على الاسم أيضا، أي ~~بين لها وأعلمها بالقرآن (فجورها وتقواها) [8] أي معصيتها وطاعتها، وقدم ~~الفجور للاهتمام بنفيه أو لتساوى رؤوس الآي. ### || [سورة الشمس (91): آية 9] # قد أفلح من زكاها (9) # قوله (قد أفلح) جواب القسم بتقدير اللام، أي لقد أفلح (من زكاها) [9] أي ~~طهرها من الذنوب بالتوبة والطاعة أو محذوف وهو ليطبقن الله عليهم العذاب قد ~~أفلح تابع لقوله «فألهمها فجورها وتقواها». ### || [سورة الشمس (91): الآيات 10 الى 11] # وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) # (وقد خاب) أي خسر (من دساها) [10] أي أخفاها وأهلكها بعمله السيء ~~وطغيانه، وأصله دسسها، فأبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا (كذبت ثمود ~~بطغواها) [11] أي كذبت قوم صالح صالحا، لأن الطغيان حملهم على التكذيب. ### || [سورة الشمس (91): آية 12] # إذ انبعث أشقاها (12) # قوله (إذ انبعث) ظرف، عامله «كذبت»، أي كذبت وقت انبعث، أي أسرع وبادر ~~إلى عقر الناقة (أشقاها) [12] أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف أو جماعة ~~لاستواء الواحد والجمع في أفعل التفضيل المضاف. PageV04P310 ### || [سورة الشمس (91): آية 13] # فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) # (فقال لهم رسول الله ناقة الله) نصب على التحذير، أي احذروا ناقته وعقرها ~~(وسقياها) [13] أي وشربها، يعني لا تمنعوها منه فتعذبوا. ### || [سورة الشمس (91): آية 14] # فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) # (فكذبوه) أي كذبوا «1» صالحا في قوله بالعذاب إن فعلوا ذلك (فعقروها) أي ~~الناقة (فدمدم) أي أنزل وأطبق (عليهم ربهم) العذاب (بذنبهم) أي بسببه، وفيه ~~إنذار عظيم بعاقبة الذنب (فسواها) [14] أي سوى ثمود بالأرض فلم يفلت منهم أحد. ### || [سورة الشمس (91): آية 15] # ولا يخاف عقباها (15) # (ولا يخاف) أي الله تعالى (عقباها) [15] أي عاقبة عقوبتها وهلكتها، الواو ~~للحال، أي وهو لا يخاف من ثأرها كما يخاف معاقبو الدنيا، وقرئ بالفاء «2». PageV04P311 ### | سورة الليل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الليل (92): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا ms1864 تجلى (2) # (والليل) أي وحق الليل (إذا يغشى) [1] أي إذا «1» يغطي بظلمته ما بين ~~السماء والأرض (والنهار إذا تجلى) [2] أي تكشف واستنار من بين الظلام. ### || [سورة الليل (92): آية 3] # وما خلق الذكر والأنثى (3) # (وما خلق) «ما» بمعنى من، أي والخالق الذي خلق (الذكر والأنثى) [3] أي ~~آدم وحواء أو كل ذكر وأنثى لا يقال الخنثى المشكل ليس بذكر ولا أنثى، لأنه ~~إما ذكر أو أنثى عند الله، ولهذا قال الفقهاء لو حلف رجل لا أكلم ذكرا ولا ~~أنثى حنث إذا كلم خنثى مشكلا. ### || [سورة الليل (92): الآيات 4 الى 5] # إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) # قوله (إن سعيكم لشتى) [4] جواب القسم، أي إن عملكم في الدنيا لمختلف، جمع ~~شتيت، بعضكم عامل للجنة وبعضكم عامل للنار، روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» «2»، وروي: # «أن أبا بكر رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشر أواقي ~~ذهب، فأعتقه لله تعالى فأنزل الله تعالى الليل إذا يغشى إلى آخره» «3»، ثم ~~بين سعيهم فقال (فأما من أعطى) حق الله أو من فضل ماله (واتقى) [5] الله من الشرك. ### || [سورة الليل (92): الآيات 6 الى 11] # وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب ~~بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) # وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) # (وصدق بالحسنى) [6] أي بالجنة في الآخرة (فسنيسره) أي نسهله ونوفقه ~~(لليسرى) [7] أي للطريقة اليسرى وهي العمل بالطاعة المفضية إلى الفلاح كأبي ~~بكر رضي الله عنه (وأما من بخل) بالنفقة في الطاعة (واستغنى) [8] عن الله ~~بلذات الدنيا وتكبر عن الإيمان (وكذب بالحسنى) [9] أي بالجنة في الآخرة ~~(فسنيسره للعسرى) [10] أي للطريقة العسرى بالخذلان الموجب إلى دخول النار ~~كأمية بن خلف (وما يغني) ما نفي، أي ما ينفع (عنه ماله) الذي بخل به (إذا ~~تردى) [11] أي سقط في الهلاك إما في القبر أو في جهنم. PageV04P312 ### || [سورة الليل (92): الآيات 12 الى 16] # إن علينا للهدى (12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى ~~(14) لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) # (إن ms1865 علينا للهدى) [12] أي علينا بيان طريق الهدى والضلالة من قبيل ~~الاكتفاء (وإن لنا للآخرة والأولى) [13] نعطي منهما، أي من ثوابهما من نشاء ~~لا حكم لغيرنا فيهما (فأنذرتكم) أي خوفتكم يا أهل مكة بالقرآن (نارا تلظى) ~~[14] أي تتلهب وتشتعل على أهلها ولم يبق لكم عذر ولا حجة (لا يصلاها) أي لا ~~يدخلها (إلا الأشقى [15] الذي كذب) محمدا والقرآن (وتولى) [16] أي أعرض عن ~~الإيمان. ### || [سورة الليل (92): الآيات 17 الى 18] # وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتي ماله يتزكى (18) # (وسيجنبها) أي يتباعد «1» عن عذابها (الأتقى [17] الذي يؤتي ماله) في ~~سبيل الله تعالى (يتزكى) [18] حال من ضمير «يؤتي»، أي يتطهر من الذنوب ~~ويريد به وجه الله تعالى، قيل: «الأشقى» و«الأتقى» بمعنى الشقي والتقي فلا ~~يرد إشكال بأن كل شقي يصلاها وكل تقي يتجنبها «2»، وقيل: المراد ب «الأشقى» ~~أمية بن خلف، ال «أتقى» أبو بكر رضي الله عنه وهما عظيمان من الفريقين ~~فأريد أن يبالغ في وصفيهما المتناقضين «3»، فقيل: # «الأشقى» وجعل مختصا بدخول النار كأنها لم تخلق إلا له، وقيل: «الأتقى» ~~وجعل مختصا بالتجنب عن النار كأن الجنة لم تخلق إلا له، فوردت الآية في ~~الموازنة بين حالتيهما «4»، لأن أمية «5» كان يطرح بلالا على ظهره ببطحاء ~~مكة وقت الظهيرة ويضع على صدره صخرة عظيمة بسبب إيمانه بمحمد عليه السلام، ~~ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وهو يقول أحد أحد، فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: اتق الله فيه، فقال: أنت أفسدته فأنقذه فاشتراه وأعتقه. ### || [سورة الليل (92): الآيات 19 الى 21] # وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف ~~يرضى (21) # قوله (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) [19] نزل حين قالوا إنما فعل ذلك ~~الإعتاق ليد كانت له «6»، أي لنعمة سابقة لبلال عند أبي بكر فقال الله ~~تعالى إنه لم يفعل ذلك مجازاة لأحد (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) [20] نصب ~~مفعول له، أي لطلب رضاه ولقائه، ومعنى «الأعلى» هو الأرفع فوق خلقه بالقهر ~~والغلبة (ولسوف يرضى) [21] اللام فيه للتوكيد، أي لهو يرضى أبو بكر ms1866 بثواب ~~الله تعالى يوم القيامة. PageV04P313 ### | سورة الضحى # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الضحى (93): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) # قوله (والضحى) [1] قسم بوقت الضحى، وإنما خص به، لأنه وقت تكلم الله موسى ~~وألقى السحرة فيه سجدا، أي بحق أول النهار أو كل النهار بقرينة (والليل إذا ~~سجى) [2] أي أظلم أو سكن ظلامه (ما ودعك) جواب القسم، أي ما قطعك (ربك) قطع ~~المودع (وما قلى) [3] أي ما قلاك، يعني ما أبغضك، نزل حين قال المشركون: ~~أخبرنا عن أصحاب الكهف والروح وذي القرنين، فقال: سأخبركم غدا ولم يستثن، ~~فانقطع عنه الوحي مدة- قيل: هي خمسة عشر يوما «1» أو أزيد «2» - فقالوا: إن ~~محمدا ودعه ربه وقلاه فنفى الله قولهم فيه. ### || [سورة الضحى (93): آية 4] # وللآخرة خير لك من الأولى (4) # قوله (وللآخرة) أي ما أعد لك في الآخرة من الكرامة (خير لك من الأولى) ~~[4] أي مما أعطيك في الدنيا، تأكيد لنفي التوديع وإثبات المواصلة بنعمة ~~الوحي وكرامة النبوة له عليه السلام، قيل: المراد منه أن عز الآخرة خير لك ~~من عز الدنيا، لأن عز الآخرة يبقى وعز الدنيا يفنى «3». ### || [سورة الضحى (93): الآيات 5 الى 6] # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) # (ولسوف يعطيك) اللام ليس للقسم، لأن محله المضارع مع النون فهو للابتداء ~~«4» يدخل على الجملة الاسمية، تقديره: ولأنت سوف يعطيك لتأكيد الإعطاء، أي ~~ليعطيك وإن تأخر لحكمة لا تعلمها في الآخرة (ربك) عطاء جزيلا كالحوض ~~والشفاعة والشهادة وغير ذلك من الثواب (فترضى) [5] به و«سوف» من الله يفيد ~~الوجوب، ثم ذكر ما أعطاه في الدنيا من النعم من ابتداء نشأته ليترقب فضله ~~عليه في المال ولا يضيق صدره فقال (ألم يجدك يتيما فآوى) [6] أي ضمك إلى ~~عمك أبي طالب فكفاك مؤنتك بعد موت أبيك. PageV04P314 ### || [سورة الضحى (93): الآيات 7 الى 8] # ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) # (ووجدك ضالا) أي خاليا عن الحكمة والشرائع (فهدى) [7] أي فهداك إليها ~~بالوحي فكيف يودعك بعد ما أوحي إليك (ووجدك ms1867 عائلا) أي فقيرا بلا مال ~~(فأغنى) [8] أي أغناك بمال خديجة أو أغناك بالرزق من الغنائم أو وجدك فقير ~~القلب ترجو أموال الناس فأغناك بنور النبوة فصرت غني النفس، قال صلى الله ~~عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» «1». ### || [سورة الضحى (93): الآيات 9 الى 11] # فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) # (فأما اليتيم فلا تقهر) [9] أي لا تحقره ولا تأخذ ماله، بل ادفع حقه، ~~يعني أنك كنت يتيما وضالا وعائلا فآواك الله وهداك وأغناك، فاذكر يتمك ~~وترحم اليتيم (وأما السائل فلا تنهر) [10] أي لا تزجره عن بابك وارحمه كما ~~رحمك ربك ورده ببدل يسير أو بكلمة طيبة فانها صدقة، قيل: ليس المسكين الذي ~~يسألك الرفق من المال إنما المسكين الذي يسألك العلم والأدب «2» (وأما ~~بنعمة ربك فحدث) [11] أي بعلم الشرائع والأحكام التي أنعمها عليك بالقرآن ~~حدث الناس وعلمهم، فيه تنبيه لمن تعلم القرآن أو علم الشريعة أن يحتسب في ~~تعليم غيره. PageV04P315 ### | سورة الانشراح (ألم نشرح) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الشرح (94): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) # (ألم نشرح لك) أبهم المشروح، ثم أوضح بما بعده من المفعول وهو طريقة ~~الإبهام والإيضاح، كأنه قيل: # ألم نشرح لك بزيادة «لك» ففهم أن فيه مشروحا ثم أوضح ما كان مبهما بقوله ~~(صدرك) [1] أي ألم نوسع قلبك بالإيمان ونزول الوحي والحكمة فيه، والاستفهام ~~فيه للتقرير، يعني شرحنا صدرك وفسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم «1» ~~بسبب النبوة ونزول القرآن لدعوة الجن والإنس واحتمال المكاره منهما، ولذلك ~~عطف عليه (ووضعنا) اعتبارا للمعنى، أي وحططنا (عنك وزرك) [2] أي إثمك في ~~الجاهلية أو إثم أمتك (الذي أنقض) أي أثقل (ظهرك) [3] حتى سمع منه صوت ~~الانفصال، هو مثل لما كان يثقل عليه عليه السلام ويغمه من فرطاته قبل ~~النبوة، وقيل: المراد منه أخلاق السوء التي في طبيعة الإنسان، إذ لو لم ~~ينزعها عن قلبه لثقل عليه حمل النبوة ms1868 «2». ### || [سورة الشرح (94): آية 4] # ورفعنا لك ذكرك (4) # (ورفعنا لك ذكرك) [4] بأنه إذا ذكر الله ذكرت معه، قيل: «في الأذان ~~والإقامة والتشهد والخطبة» «3»، وقدم «لك» في هذه المواضع على المفعول ~~ليؤذن أنه صلى الله عليه وسلم قد اختص فيها بما ليس لغيره. ### || [سورة الشرح (94): الآيات 5 الى 6] # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) # قوله (فإن) عطف على مقدر، أي خولناك من الفضائل ولا تحزن من الافتقار ~~والاحتقار بينهم ولا تيأس من فضل الله، فان (مع العسر يسرا) [5] أي إن مع ~~الشدة سعة، نزل حين عير المشركون رسول الله عليه السلام ومن آمن به بالفقر ~~والضيقة تسلية للفقراء وتقوية لقلوبهم «4»، يدل عليها كلمة مع الدالة على ~~الصحبة، يعني يجعل الله اليسر المترقب قريبا منهم كالمقارن للعسر فيصيبهم ~~اليسر «5» بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، وأكده بقوله (إن مع العسر ~~يسرا) [6] العسران واحد في المعنى لتعريفهما واليسر اثنان لفظا ومعنى ~~لنكارتهما، قيل: المراد باليسرين ما تيسر للمسلمين من الفتوح في أيام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم «6» وما تيسر لهم في أيام الخلفاء، ويجوز أن ~~يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة «7»، وقيل: فيه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن عسره كان إخراجه أهل مكة، واليسر الأول دخوله في المدينة وتكثر ~~أصحابه بالإيمان، واليسر الثاني دخوله مع أصحابه يوم فتح مكة فيها مع عز ~~ونصرة من الله تعالى «8». ### || [سورة الشرح (94): الآيات 7 الى 8] # فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8) # قوله (فإذا فرغت) تفريع على شرح الصدر ووضع الوزر وتحريض على الشكر ~~والاجتهاد والمداومة في العبادة، أي إذا فعلنا لك ذلك فأنت إذا فرغت من ~~دنياك «9» أو من الجهاد (فانصب) [7] أي فاجتهد في الصلوة أو إذا فرغت من ~~الصلوة فانصب في الدعاء أو أتعب فيما ينجيك من العذاب بزيادة الطاعة (وإلى ~~ربك فارغب) [8] أي تضرع إليه بالسؤال عن فضله متوكلا عليه لا على غيره. PageV04P316 ### | سورة التين # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التين (95): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) # (والتين والزيتون) [1] أقسم بهما ms1869 تعظيما لهما، أي بحقهما وهما مسجدان ~~بالشام «1» أو جبلان، أحدهما في دمشق والآخر في بيت المقدس «2» أو يؤكل من ~~الجنسين لكثرة فوائدهما لبني آدم، قيل: أكل التين يقطع الباسور وينفع من ~~النقرس «3»، والزيتون دهنه إدام وفاكهة ونافع للباسور، قال عليه السلام: ~~«نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب الحفرة» «4»، أي ~~صدأ الأسنان. ### || [سورة التين (95): الآيات 2 الى 3] # وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) # (وطور سينين) [2] أي بحق الجبل الذي كلم الله موسى عليه (وهذا البلد ~~الأمين) [3] هو فعيل بمعنى مفعول، أي بحق البلد الذي يأمن الناس فيه من أن ~~يهاج منه إذا دخلوه في الجاهلية والإسلام وهو مكة، وقيل: يأمن كل الحيوان ~~فيها - «5» ### || [سورة التين (95): آية 4] # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) # قوله (لقد خلقنا الإنسان) جواب القسم وهو الجنس، أي خلقناه (في أحسن ~~تقويم) [4] أي تعديل لصورته، حال من المفعول، يعني كائنا كصورة «6» لا ~~كصورة البهائم، لأنه يمشي مستويا وينطق بلسان ذلق ويبطش بيد وأصابع ويأكل بها. ### || [سورة التين (95): آية 5] # ثم رددناه أسفل سافلين (5) # (ثم رددناه) بعد الحسن والقوة وكمال الشباب (أسفل سافلين) [5] أي إلى حال ~~هي أسفل أحوال السافلين خلقا وتركيبا، وهي الضعف والهرم وأرذل العمر حتي ~~يصير كالصبي الذي لا يفهم في أول أمره، ف «أسفل» حال من المفعول أو المعنى: ~~رددناه إلى أسفل السافلين في النار بعد موته لكفره وفجوره ف «أسفل» صفة ~~مكان محذوف. PageV04P317 ### || [سورة التين (95): آية 6] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) # قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) استثناء متصل من «الإنسان»، أي ~~هم لا يردون إلى أرذل العمر أو لا يدخلون النار، قيل: «من قرأ القرآن وعمل ~~به لم يرد إلى أرذل العمر» «1»، وهو حال الخرف أو منقطع بمعنى لكن المؤمنين ~~الصالحين (فلهم أجر غير ممنون) [6] أي غير مقطوع بعد ذهاب القوة وضعف العقل ~~من الكبر، قيل: يكتب لهم أجرهم مثل أجرهم في حال الشباب «2»، وأدخل الفاء ~~في «فلهم» ليؤذن أن ذلك العمل سبب لاستحقاقهم ذلك الثواب ولم يدخل ms1870 في آخر ~~انشقت جمعا بين اللغتين. ### || [سورة التين (95): آية 7] # فما يكذبك بعد بالدين (7) # (فما يكذبك بعد) خطاب للإنسان على طريق الالتفات، أي أيها الإنسان ما ~~يجعلك كاذبا لتكذيبك (بالدين) [7] بعد قيام الدليل القطعي عليه، يعني أي ~~شيء يحملك على تكذيبك بيوم الحساب والجزاء بعد ما خلقك الله في أحسن تقويم ~~من نطفة إلى كمال الاستواء، ثم نكسك إلى أرذل العمل، وهذا دليل واضح على ~~كمال قدرته وعدم عجزه عن إعادتك بعد موتك. ### || [سورة التين (95): آية 8] # أليس الله بأحكم الحاكمين (8) # قوله (أليس الله بأحكم الحاكمين) [8] وعيد لكل كافر وعاص لأمره تعالى ~~بالاستفهام للتقرير، أي إنه يحكم عليهم بما هم أهله بالعدل لأنه أعدل ~~العادلين، روي عن النبي عليه السلام أنه كان إذا قرأ هذه الآية يقول: «بلى ~~وأنا على ذلك من الشاهدين» «3». PageV04P318 ### | سورة العلق # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العلق (96): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) # (اقرأ باسم ربك) قال ابن عباس رضي الله عنه: «أول سورة نزلت» «1»، ~~والأكثر على أن الأول هي الفاتحة ثم سورة القلم «2»، وكان سبب نزولها أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان حبب إليه الخلوة، أي العزلة ويأتي حراء ويمكث هناك ~~ثم يرجع إلى خديجة، فجاءه ملك وهو على حراء فقال له: اقرأ فقال عليه ~~السلام: ما أنا بقارئ، قال عليه السلام: فضغطني، أي حركني حتى بلغ مني ~~الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك، أي مفتتحا باسمه، يعني قل بسم الله ~~ثم اقرأ «3» (الذي خلق) [1] أي خلق كل شيء. ### || [سورة العلق (96): الآيات 2 الى 3] # خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) # عمم أولا بحذف المفعول ثم خصص بقوله (خلق الإنسان) من بين ما يتناوله ~~الخلق بذكر الإنسان لأن التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض (من علق) [2] ~~جمع علقة، وإنما أورد الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع، أريد منه الإفراد، ~~ثم أكد الأمر بالقراءة فقال (اقرأ) يا محمد (وربك) يعينك وإن كنت غير قارئ ~~لأن ربك هو (الأكرم) [3] أي لا يوازيه ms1871 أحد في الكرم. ### || [سورة العلق (96): آية 4] # الذي علم بالقلم (4) # (الذي علم بالقلم) [4] أي علم الإنسان الخط والكتابة بالقلم، وذلك من ~~كرمه لأن في علم الكتابة منافع كثيرة لا يحصيها إلا هو، ولولاها لما ~~استقامت أمور الدنيا والآخرة، لأن كتب الله المنزلة لا تضبط إلا بالكتابة، ~~قيل: «أول من خط بالقلم إدريس بتعليم الله تعالى» «4»، ووجه المناسبة بين ~~خلق الإنسان من علق وبين تعليمه الخط تنبيه على أن للإنسان حالتين، حالة ~~الذلة وهي كونه علقة، وحالة العزة وهي كونه عالما بالتعليم وهو أشرف ~~المراتب، يعني أنه كان ذليلا مهينا فأعزه بالعلم، فدل ذلك على أنه لو كان ~~غير العلم أشرف لكان ذكره أولى. PageV04P319 ### || [سورة العلق (96): آية 5] # علم الإنسان ما لم يعلم (5) # قوله (علم الإنسان ما لم يعلم) [5] بدل من «علم بالقلم»، أي علم عباده ما ~~لم يعلموا وأخرجهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، وذلك أيضا من كرمه العظيم، ~~وقيل: المراد من «الإنسان» آدم عليه السلام علمه كل شيء «1»، يعني ألهمه، ~~فلما جاءه جبرائيل عليه السلام بهذه السورة أمره بأن يتوضأ ويصلي به ~~ركعتين، فلما رجع إلى خديجة أعلمها بذلك وعلمها الصلوة فصلت هي أيضا على ~~وفق قوله تعالى «قوا أنفسكم وأهليكم نارا» «2». ### || [سورة العلق (96): الآيات 6 الى 13] # كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت ~~الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) # أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذب وتولى (13) # (كلا) أي حقا (إن الإنسان) أي جنس «3» الكافر بنعمة الله أو أبا جهل لعنه ~~الله (ليطغى) [6] أي لتيجاوز حده كبرا ويعصي ربه (أن رآه) أي لأن علم نفسه ~~(استغنى) [7] عن ربه، فالرؤية هنا بمعنى العلم لا بمعنى الإبصار وإلا ~~لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، أحدهما الفاعل والآخر المفعول الأول، ~~والمفعول الثاني استغنى (إن إلى ربك الرجعى) [8] خطاب للإنسان على طريقة ~~الالتفات تهديدا له من عاقة الطغيان أو للكافر، أي إن إلى حسابه وجزائه ~~الرجوع يوم القيامة، فأنذره يا محمد بذلك وكبر أنت ربك ms1872 في الصلوة، ولما دخل ~~عليه السلام في المسجد وصلى ورفع صوته بالقراءة فرماه بالحجارة فخفض صوته ~~في الصلوة، وقال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي لوطئت عنقه فنزل «4» (أرأيت) ~~من الرؤية بمعنى العلم لتعديها إلى مفعولين أحدهما (الذي ينهى [9] عبدا) أي ~~ألم تعلم يا كافر الرجل الذي يؤذي ويمنع عبد الله وهو محمد عليه السلام من ~~الصلوة، والمفعول الثاني الشرط مع جوابه «5» بعد و(إذا صلى) [10] ظرف للنهي ~~و(أرأيت) خطاب آخر للكافر الناهي «6» وهو تأكيد للأول، يعني أخبرني أيها ~~الكافر الناهي عمن ينهى بعض عباد الله عن صلوته وقتا يصلي لله (إن كان) هذا ~~المصلي (على الهدى) [11] أي على دين الحق (أو أمر) الناس (بالتقوى) [12] أي ~~بالإيمان والعمل الصالح واجتناب المعاصي فينهاه عن ذلك (أرأيت) تأكيد آخر ~~له، أي أخبرني (إن كذب) الناهي عن الصلوة بالدين (وتولى) [13] أي أعرض عن ~~الإيمان بمحمد عليه السلام. ### || [سورة العلق (96): آية 14] # ألم يعلم بأن الله يرى (14) # (ألم يعلم) أي الناهي (بأن الله يرى) [14] ما فعله من النهي وغيره، أي ~~فيجازيه به، فجواب الشرط الثاني قوله «أ لم يعلم» الآية، لأنه بمعنى ~~فيجازيه، وجواب الشرط الأول محذوف وهو «ألم يعلم بأن الله يرى» لدلالة ذكره ~~في جواب الثاني عليه. ### || [سورة العلق (96): الآيات 15 الى 16] # كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) # (كلا) أي حقا أو هو ردع لأبي جهل عن نهيه النبي عليه السلام عن عبادة ~~الله وتبليغ رسالته (لئن لم ينته) الكافر عن نهيه و«7» تكذيب محمد عليه ~~السلام (لنسفعا) أي لنسفعن، بالنون المخففة وكتبتها بالألف في المصحف على ~~حكم الوقف «8»، أي لنأخذن بقهر وشدة (بالناصية) [15] أي ناصية (ناصية ~~كاذبة) بدل من الأولى لأنها وصفت بكاذبة، قوله (خاطئة) [16] وهو «9» وصف ~~آخر لها، أي مشركة جاحدة والمراد صاحبها، المعنى: PageV04P320 # لنأخذنه أخذا شديدا يوم القيامة ولنطرحنه في النار إن لم يتب ولم يسلم ~~قبل الموت. ### || [سورة العلق (96): الآيات 17 الى 18] # فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18) # قوله «1» (فليدع ناديه) [17] أي مجلسه الذي اجتمع فيه القوم والمراد ~~أهله، ms1873 نزل حين نهاه أبو جهل عن الصلوة فانتهره عليه السلام انتهارا، فقال ~~أبو جهل: أتنهر فو الله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا ~~مردا وإنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني «2»، فقال تعالى فليدع أهل مجلسه ~~الكفرة حتى يعينوه وينتصر بهم (سندع الزبانية) [18] لإهلاكه عيانا وهم ~~ملائكة غلاظ خلقوا للعذاب يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم من الزبن وهو الدفع. ### || [سورة العلق (96): آية 19] # كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) # (كلا) أي ليرتدع عن فعله ويتب، وقيل: «كلا» تنبيه للنبي عليه السلام «3»، ~~أي تنبه يا محمد أنت (لا تطعه) أي أبا جهل في ترك الصلوة واثبت و«استقم كما ~~أمرت» «4» على الإيمان والصلوة وسائر الطاعات (واسجد) أي صل لله تعالى ~~(واقترب) [19] أي اطلب التقرب إلى ربك تعالى بالأعمال الصالحة التي يحبها، ~~قال صلى الله عليه وسلم: # «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» «5»، وروي «إذا سجد» «6». PageV04P321 ### | سورة القدر # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القدر (97): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) # (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [1] أي أنزلنا القرآن فيها، وجاء بضميره وإن ~~لم يجر له ذكر لشهرته، أي أنزله جبرائيل عليه السلام جملة واحدة في ليلة ~~القدر من اللوح إلى بيت العزة في السماء الدنيا باملائه على السفرة، ونسب ~~الإنزال إلى نفسه تعالى تشريفا له، ثم أنزله جبرائيل عليه السلام نجوما إلى ~~الأرض على رسول الله في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة، وكان ابتداء نزوله في ~~القدر، ومعناه: ليلة تقدير الأمور وقضائها، قيل: # سميت بها لأن الله تعالى يقدر في تلك الليلة ما هو كائن من السنة إلى ~~السنة من الأجل والرزق والموت وغير ذلك «1»، وهي موجودة في رمضان كل سنة، ~~والأكثر أنها في العشر الأواخر منه في الأوتار، وأخفيت ليجتهد في العبادة ~~ليالي رمضان طمعا في إدراكها وتكثيرا لثواب «2» العبادة فيها. ### || [سورة القدر (97): الآيات 2 الى 3] # وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) # قوله (وما أدراك ما ليلة القدر) ms1874 [2] تعظيم لها، يعني لم تبلغ أنت بمراتبك ~~«3» غاية فضلها، ثم بين للنبي عليه السلام علو قدرها بقوله (ليلة القدر) أي ~~قيامها والعبادة فيها (خير من ألف شهر) [3] أي من قيامها وصيامها ليس فيها ~~ليلة القدر، قالت عائشة رضي الله عنه: «يا رسول الله لو وافيت ليلة القدر- ~~أي وجدتها- فما أقول؟ - ف «ما» استفهام- قال: قولي اللهم إنك عفو فاعف عني» «4». ### || [سورة القدر (97): آية 4] # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # ثم بين ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية بقوله (تنزل) أي تتنزل (الملائكة ~~والروح) أي جبرائيل إلى الأرض (فيها) «5» من غروب الشمس إلى طلوع الشمس ~~(بإذن ربهم) أي بأمره تعالى، متعلق ب «تنزل» أو حال، ومفعوله (من كل أمر) ~~[4] أي كل خير وشر قدره الله، وهم يصلون ويسلمون على كل قائم أو قاعد يذكر ~~«6» الله تعالى فيها. ### || [سورة القدر (97): آية 5] # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) # قوله (سلام هي) مبتدأ وخبر، أي تلك الليلة ذات سلامة لا يستطيع الشيطان ~~أن يعمل فيها شرا أو سميت سلاما لكثرة السلام فيها من الملائكة على ~~المؤمنين (حتى مطلع الفجر) [5] أي يسلم الملائكة من غروب الشمس إلى مطلع ~~الفجر، ف «حتى» متعلقة ب «سلام»، قيل: ذكر للنبي عليه السلام رجل من بني ~~إسرائيل كان على عاتقه السلاح ألف شهر في سبيل الله بالصوم حتى مات فتمنى ~~أن يكون ذلك لأمته، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر ~~ذكرت «7»، يعني العمل فيها وثوابه، ثم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» «8». PageV04P322 ### | سورة البينة # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة البينة (98): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة (1) # (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى (و) من ~~(المشركين) وهم عبدة الأوثان (منفكين) أي زائلين عن كفرهم وشركهم (حتى ~~تأتيهم البينة) [1] أي الحجة الواضحة من الله، وهي تفرق «1» بين الحق ~~والباطل، قيل: هذا حكاية قول الكفار، لأنهم ms1875 كانوا يقولون قبل بعثة النبي ~~عليه السلام لا ننفك عن ديننا هذا حتى يبعث النبي الموعود في التورية ~~والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله عنهم أنهم تمسكوا بدينهم ~~إلى بعثته عليه السلام فآمن من آمن من الطائفتين وكفر من كفر منهما راجعا ~~عن قوله «2». ### || [سورة البينة (98): الآيات 2 الى 3] # رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) # قوله (رسول) بدل من «البينة» أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي رسول (من الله ~~يتلوا) أي يقرأ (صحفا مطهرة) [2] أي مضمون قراطيس منزهة من الباطل وهو ~~القرآن (فيها) أي في تلك الصحف (كتب قيمة) [3] أي أحكام مستقيمة لا عوج ~~فيها لأنها ترشد إلى الصواب والصلاح. ### || [سورة البينة (98): آية 4] # وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) أي ما اختلفوا في دينهم أو في «3» شأن ~~محمد عليه السلام «4» والقرآن (إلا من بعد ما جاءتهم البينة) [4] وهو محمد ~~عليه السلام أو القرآن، يعني اختلافهم انما وقع بعد ظهور الحق عن الباطل، ~~وإنما أفرد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين المشركين أولا، لأنهم ~~كانوا عالمين بالرسول ونعته في كتبهم، فاذا وصفوا بالتفرق عنه كان من لا ~~كتاب له أدخل في الوصف بالتفرق. ### || [سورة البينة (98): آية 5] # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) # (وما أمروا) أي ما أمرهم بما في القرآن بارسال محمد عليه السلام (إلا ~~ليعبدوا الله) أي إلا لأجل أن يعبدوه أو اللام بمعنى الباء، أي بأن يعبدوا ~~الله (مخلصين له الدين) أي لا يشركون معه أحدا في العبادة (حنفاء) PageV04P323 # أي مستقيمين راسخين في الدين (و) بأن (يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) ~~وقيل: ما أمروا في كتابيهما التورية والإنجيل إلا بذلك ولكنهم حرفوا وبدلوا ~~«1» (وذلك) أي الذي أمروا به من الإيمان والعبادة الخالصة (دين القيمة) [5] ~~أي الملة المستقيمة في جميع الكتب المنزلة من الله تعالى. ### || [سورة البينة (98): الآيات 6 الى 7] # إن الذين كفروا من ms1876 أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك ~~هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) # (إن الذين كفروا) أي الكافرين (من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم ~~خالدين فيها) أبدا (أولئك هم شر البرية) [6] أي شر الخليقة عند الله (إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي المؤمنين بمحمد عليه السلام والصالحين في ~~العمل (أولئك هم خير البرية) [7] أي أفضل الخليقة عند الله، قرئ في ~~الموضعين بالهمزة على الأصل، وبالتاء المشددة «2»، قيل: المؤمن أكرم على ~~الله من الكعبة «3»، سئل عن الحسن عن قوله «أولئك هم خير البرية» أهم خير ~~أم الملائكة؟ قال: ويلك أين تعدل الملائكة من الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات؟» «4». ### || [سورة البينة (98): آية 8] # جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) # قوله (جزاؤهم عند ربهم) بيان لثوابهم في الآخرة وهو (جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار) من الخمر والعسل واللبن والماء العذاب (خالدين فيها أبدا) ~~قوله (رضي الله) خبر عنهم، أي رضي الله (عنهم) بسبب طاعته «5» (ورضوا عنه) ~~بسبب ثوابه (ذلك) أي هذا الثواب الحسن والرضا من الله تعالى (لمن خشي ربه) ~~[8] أي خاف مقام ربه فأطاعه ولم يعصه. PageV04P324 ### | سورة الزلزلة (الزلزال) # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الزلزلة (99): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) # قوله (إذا زلزلت الأرض) أي حركت لقيام الساعة (زلزالها) [1] أي تحريكها ~~الشديد حتى ينهدم كل ما عليها، فالإضافة للتفخيم، أي زلزالها الذي يستوجبه ~~في الحكمة ومشية الله، وهو الزلزال العظيم الذي ليس بعده زلزال، نزل حين ~~سئل النبي عليه السلام متى يكون قيام الساعة «1»، فبين تعالى أن زلزلتها ~~«2» من أشراط الساعة يكون عند النفخة الأولى (وأخرجت الأرض) أي أظهرت ~~(أثقالها) [2] أي ما فيها من الكنوز والأموات. ### || [سورة الزلزلة (99): الآيات 3 الى 5] # وقال الإنسان ما لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) بأن ربك أوحى لها (5) # (وقال الإنسان) أي الكافر (ما لها) [3] أي ms1877 ما للأرض زلزلت حتى ألقت ما ~~فيها على وجه التعجب، لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: «هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون» «3»، وأبدل من «إذا» (يومئذ) والعامل في «إذا» ~~(تحدث) أي تخبر الخلق بانطاق الله إياها (أخبارها) [4] أي بكل ما عمل بنو ~~آدم عليها من خير وشر بأن تشهد الأرض «4» على كل عبد وأمة أنه عمل على كذا ~~وكذا في يوم كذا وكذا «5»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تشهد الأرض ~~على كل أحد بما عمل على ظهرها» «6»، وقيل: تحديث الأرض مجاز عن إحداث الله ~~فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان «7»، والأول أظهر لقوله «8» ~~(بأن ربك) أي تحدث بسبب أن ربك يا محمد (أوحى لها) [5] أي ألهمها بأن تخبر ~~«9» بما عمل عليها. ### || [سورة الزلزلة (99): آية 6] # يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) # قوله (يومئذ) بدل من الأول (يصدر) أي يرفع (الناس) بعد الخروج من القبور ~~أو العرض من موقف الحساب (أشتاتا) أي متفرقين، فالمؤمنون بيض الوجوه ~~والكافرون سود الوجوه فزعين أو المؤمنون آخذون PageV04P325 # ذات اليمين إلى الجنة مكرمين والكافرون آخذون ذات الشمال إلى النار ~~مهانين، قوله (ليروا أعمالهم) [6] يتعلق ب «يصدر»، أي ليروا جزاء أعمالهم ~~من الثواب والعقاب، روي عن النبي عليه السلام: «ما من أحد يوم القيامة إلا ~~ويلوم نفسه، فان كان محسنا يقول لم لا ازدت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك يقول ~~لم لا رغبت عن المعاصي؟» «1» وهذا عند معاينة الثواب والعقاب. ### || [سورة الزلزلة (99): الآيات 7 الى 8] # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) # (فمن يعمل) من فريق السعداء (مثقال ذرة) أي مقدار نملة صغيرة (خيرا يره) ~~[7] أي ثوابه في الآخرة (ومن يعمل) من فريق الأشقياء (مثقال ذرة شرا يره) ~~[8] أي عقابه في الآخرة، يعني كل واحد منهم يره بعد صدورهم عن الموقف إلى ~~الجنة وإلى النار، قيل: «عجل ثواب خير الكافر في الدنيا فلم يبق له عند ~~الله مثقال ذرة من خير إذا مات، وعجل عقوبة المؤمن في ms1878 الدنيا فاذا مات ليس ~~له عند الله مثقال ذرة من شر» «2»، وروي: أن عائشة رضي الله عنها تصدقت ~~بعنبة وقالت: «إن فيها مثاقيل كثيرة» «3»، وقال صلى الله عليه وسلم ~~لأزواجه: «لا تحقر إحديكن لجارتها ولو فرسن شاة» «4»، أي كراعها. PageV04P326 ### | سورة العاديات # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العاديات (100): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) # قوله (والعاديات) نزل حين بعث النبي عليه السلام سرية إلى غزوة بني كنانة ~~فأبطأ عليه خبرهم، فقال المنافقون هم قتلوا في ذلك فاغتم به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأخبره الله تعالى بانزال جبرائيل عليه السلام بهذه السورة ~~«1»، وهو قسم، أي بحق الأفراس الجارية بالعدو لأصحابك في سبيل الله (ضبحا) ~~[1] أي يضبحن في عدوهن ضبحا وهو صوت بطن الخيل إذا عدت، ف «ضبحا» مصدر في ~~موضع الحال. ### || [سورة العاديات (100): الآيات 2 الى 3] # فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) # (فالموريات) أي الخيل التي توري النار، أي تخرجها بحافرها إذا عدت في ~~مكان ذي حجر (قدحا) [2] مصدر، أي يقدحن قدحا (فالمغيرات) أي الخيل التي ~~تغير على الكافر العدو (صبحا) [3] أي في الصبح. ### || [سورة العاديات (100): الآيات 4 الى 5] # فأثرن به نقعا (4) فوسطن به جمعا (5) # (فأثرن) عطف على الفعل الذي هو معنى اسم الفاعل باللام بمعنى الذي، أي ~~فالتي أغرن فأثرن، أي هيجن (به) بمكان سيرهن أو بذلك الوقت (نقعا) [4] أي ~~غبارا، مفعول به «2» (فوسطن به) أي «3» فدخلن «4» بذلك النفع أو بذلك «5» ~~الوقت أو العدو «6» (جمعا) [5] أي في جماعة من جموع الأعداء، يعني صرن وسط ~~الجمع بالعدو. ### || [سورة العاديات (100): الآيات 6 الى 8] # إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) # وجواب القسم (إن الإنسان لربه لكنود) [6] أي لعاص لسيده بكذبه أو لكفور ~~ولبخيل فيما أنعمه «7» الله به يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده ويجيع ~~أهله، يقال أرض كنود إذا لم يخرج منها النبات (وإنه) أي الإنسان (على ذلك) ~~أي على كنوزه (لشهيد) [7] يشهد على نفسه بصنعه ولا يقدر أن يجحده «8» ~~لظهوره ثمه (وإنه) أي الإنسان (لحب ms1879 الخير) أي المال (لشديد) [8] أي لحريص ~~على جمعه لشدة حبه له وهو ضعيف في حب طاعة الله وشكر نعمته. ### || [سورة العاديات (100): الآيات 9 الى 10] # أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) # (أفلا يعلم) هذا الإنسان بالبخيل (إذا بعثر) أي أخرج (ما في القبور) [9] ~~من الناس ويعرضون على الله (وحصل) أي بين محصلا (ما في الصدور) [10] أي ما ~~في القلوب من الخير والشر للجزاء. ### || [سورة العاديات (100): آية 11] # إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) # (إن ربهم بهم يومئذ لخبير) [11] عالم بهم وبأعمالهم وبنياتهم «9» ~~فيجازيهم عليها في ذلك اليوم على مقادير أعمالهم لا محالة، وذلك أثر خبره ~~بهم، وإن مع الاسم والخبر مفعول «لا يعلم» علق بدخول اللام في الخبر عن ~~العمل ظاهرا. PageV04P327 ### | سورة القارعة # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة القارعة (101): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) # قوله (القارعة) [1] اسم ليوم القيامة لقرعها القلوب بأهوالها (ما ~~القارعة) [2] مبتدأ وخبر، وهما خبر «القارعة»، أي شيء هي في نفسها، قوله ~~(وما أدراك ما القارعة) [3] فيه زيادة تعظيم لها لشدتها، أي لا علم لك ~~بكنهها. ### || [سورة القارعة (101): الآيات 4 الى 5] # يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) # (يوم يكون) ظرف لمضمر بقرينة «القارعة»، أي يقرع أو اذكر يوم يكون ~~(الناس) بعد البعث (كالفراش المبثوث) [4] أي كالجراد المنتشر يجول بعضهم في ~~بعض ويختلط كالجراد (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) [5] أي كالصوف المندوف ~~لتفرق أجزائها وهي تمر مر السحاب في الهواء. ### || [سورة القارعة (101): الآيات 6 الى 7] # فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) # قوله (فأما من ثقلت) بيان أحوال الخلق بالتفصيل، يعني أما من رجحت ~~بالحسنات (موازينه) [6] جمع ميزان (فهو في عيشة راضية) [7] أي مرضية في الجنة. ### || [سورة القارعة (101): الآيات 8 الى 11] # وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) # (وأما من خفت) أي رجحت بسيئات (موازينه [8] فأمه) أي أم رأسه (هاوية) [9] ~~أي ساقطة في النار بأن يطرح فيها منكوسا ms1880 أو مأواه النار العقيمة، وسميت ~~«هاوية» لهوي أهل النار فيها مهوى بعيدا، وقيل: للمأوى أم على التشبيه، لأن ~~الأم مأوى الولد ومفزعه «1» (وما أدراك ما هيه) [10] أي ما الهاوية، ثم ~~فسرها فقال (نار حامية) [11] أي هي نار شديدة الحر، والهاء في «ما هيه» ~~للوقف، أصله ما هي ويحذف عند الوصل، وقيل يثبت عنده أيضا «2» لأنها ثابتة ~~في المصحف. PageV04P328 ### | سورة التكاثر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة التكاثر (102): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) # قوله (ألهاكم) أي أشغلكم (التكاثر) [1] أي التفاخر بكثرة «1» الأموال ~~والأولاد عن طاعة الله تعالى (حتى زرتم المقابر) [2] أي حتى متم ودفنتم في ~~القبور فجعلت زيارة القبور عبارة عن الموت، لأنه يزار القبر بسبب الميت ~~«2»، وقيل: حتى عددتم قبور موتاكم تفاخرا بكثرة عددكم «3»، المعنى: ألهاكم ~~التباهي بالكثرة وهو مما لا ينفعكم في دنياكم وأخراكم عن ما يعنيكم من أمر ~~الدين الذي هو أهم من كل مهم، نزل حين تفاخر قبيلتان من العرب بنو عبد مناف ~~وبنو سهم في الكثرة، فقال بنو سهم قد أهلكنا القتال فنعد أحياءنا وأحياءكم ~~وموتانا وموتاكم، فتعادوا فكثرنهم بنو سهم «4»، فقال تعالى أغفلكم التكاثر ~~بالأموال وجمعها والأولاد وزينتها عن نظركم لآخرتكم. ### || [سورة التكاثر (102): الآيات 3 الى 5] # كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) # قوله (كلا) ردع لهم عن صنيعهم وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن ~~يكون الدنيا جميع همته ولا يهتم بدينه، وقوله (سوف تعلمون) [3] تهديد ~~بالعاقبة، وهي حالة نزول الموت بهم، والتكرير في قوله (ثم كلا سوف تعلمون) ~~[4] لزيادة تهديد، و«ثم» للمبالغة في الإنذار لينتهوا عن غفلتهم ويخافوا من ~~شدة الهول قدامهم، وهي السؤال في القبر والعذاب بالنار «5» إذا خرجوا منه ~~وقت البعث، ثم كرر التنبه بقوله (كلا) أي حقا (لو تعلمون) عاقبة تفاخرهم ~~(علم اليقين) [5] أي كعلمكم شيئا بلا شك وشبهة لامتنعتم عن التفاخر وهو ~~جواب «لو» بالحذف. ### || [سورة التكاثر (102): الآيات 6 الى 7] # لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ms1881 (7) # ثم بين لهم ما أنذرهم منه بقوله (لترون) «6» واللام للقسم في «7» «لترون» ~~معلوما من رأى، ومجهولا من أرى «8»، أي والله لتبصرن (الجحيم) [6] بأعينكم، ~~ثم كرر الرؤية تفخيما لشأنها «9» وتغليظا في التهديد فقال (ثم لترونها PageV04P329 # عين اليقين) [7] أي معاينة اليقين لا اضطراب فيها يدخلونها يوم القيامة ~~عيانا بلا شك فيه، و«عين» نصب على المصدر، لأن رأى وعاين واحد «1» معنى. ### || [سورة التكاثر (102): آية 8] # ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) # ثم نفرهم عن التنعم الذي يشغلهم عن الدين وتكاليفه بقوله (ثم لتسئلن) ~~أيها الناس «2» (يومئذ عن النعيم) [8] أي عن كل نعمة صغيرة وكبيرة أنعمها ~~الله عليكم، قيل: «من أكل خبزا يابسا وشرب الماء البارد العذب فقد أصاب ~~النعيم» «3»، وروي عن النبي عليه السلام: «ثلاث لا يسأل الله العبد عنها ~~يوم القيامة: ما يواري عورته وما يقيم به صلبه وما يكفه من الحر والقر» ~~«4»، أي البرد. PageV04P330 ### | سورة العصر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة العصر (103): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) # قوله (والعصر) [1] أقسم الله تعالى بصلوة العصر لفضلها، قال الله تعالى ~~«والصلاة الوسطى» «1»، وهي صلوة العصر، قال عليه السلام: «من فاتته صلوة ~~العصر فكأنما وتر أهله وماله» «2»، أي لكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب ~~أهله وماله أو أقسم بالدهر وهو الليل والنهار لما في مروره من أصناف ~~العجائب. # (إن الإنسان لفي خسر) [2] أي كل الناس لفي خسارة يوم القيامة في تجارتهم ~~هنا، والخسر ذهاب رأس المال أو «3» نقصه ولا ربح في اليد، نزل حين أسلم أبو ~~بكر رضي الله عنه، وقال الكفار له: خسرت يا أبا بكر بترك دين آبائك، فقال ~~أبو بكر: «ليس هذا خسرانا في قبول الحق، وإنما الخسران في عبادة الأصنام» «4». ### || [سورة العصر (103): آية 3] # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) # قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) استثناء متصل من «الإنسان»، أي ~~إلا المؤمنين الصالحين فانهم ليسوا في خسران (وتواصوا بالحق) أي تحاثوا ~~بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وهو الخير ms1882 كله من الإيمان بالقرآن ~~والعمل وترك الدنيا والرغبة في الآخرة (وتواصوا بالصبر) [3] علي الطاعة ~~وترك المعصية، وقيل: # المراد من «الإنسان» الكافر «5»، فالاستثناء منقطع بمعنى لكن، روي: أن ~~قوله «إلا الذين آمنوا» أبو بكر، و«الصالحات» عمر، و«تواصوا بالحق» عثمان، ~~و«تواصوا بالصبر» علي رضي الله عنهم أجمعين «6». PageV04P331 ### | سورة الهمزة # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الهمزة (104): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) # قوله (ويل لكل همزة) أي شدة العذاب لكل من يعيب في الغيب (لمزة) [1] أي ~~من يعيب في الوجه، وقيل: # بالعكس «1»، والهمزة في الأصل الكسر، واللمز الطعن، والهاء فيهما ~~للمبالغة، يعني ويل لكل من يكسر من إعراض المسلمين ويطعن في أنسابهم، نزل ~~في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة «2»، وقيل: نزل في الوليد بن المغيرة ~~كان يغتاب النبي عليه السلام والمسلمين ويطعن في وجوههم «3»، ويجوز أن يكون ~~السبب خاصا والوعيد عاما لزجر كل من باشر ذلك القبيح. ### || [سورة الهمزة (104): الآيات 2 الى 3] # الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) # قوله (الذي جمع) بالتشديد والتخفيف «4»، محله رفع أو نصب على الذم أو بدل ~~م ن «كل همزة»، أي ويل للذي جمع (مالا) أي مال الدنيا (وعدده) [2] أي أحصاه ~~وحسبه فرحا به أو جعله عدة لحوادث الدهر ولم ينفق في سبيل الله، بل ينفق في ~~تشييد بالبنيان الموثق بالصخر والآجر وعمارة الأرض وغرس الأشجار (يحسب) أي ~~يظن (أن ماله) الذي جمع (أخلده) [3] في الدنيا ويمنعه عن الموت. ### || [سورة الهمزة (104): الآيات 4 الى 7] # كلا لينبذن في الحطمة (4) وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) ~~التي تطلع على الأفئدة (7) # (كلا) ردع له، أي «5» لا يخلده (لينبذن) أي والله ليطرحن (في الحطمة) [4] ~~وهي اسم من أسماء النار لحطمها ما ألقي فيها وهو كسرها وأكلها، قوله (وما ~~أدراك ما الحطمة) [5] تفخيم لشأنها (نار الله) أي هي نار الله العظيم ~~(الموقدة) [6] أي المسعرة (التي تطلع) أي تشرف وتبلغ (على الأفئدة) [7] ~~يعني يأكل اللحم والجلد حتى تبلغ «6» أفئدتهم فتحرقهم، وخص «الأفئدة» ~~بالذكر لأن ألم الفؤاد ms1883 أشد من ألم جميع الأعضاء للطفه، ولأنه ريئسها تتبعه ~~«7» الأعضاء في الصلاح والفساد، وهو محل العقائد والنيات، وكان عذابه أشد ~~وأعظم لكن لا تحرق القلب، لأنه إذا احترق لا يجد «8» الألم فيكون القلب على ~~حاله ليبتدأ بالخلق الجديد بوجوده. ### || [سورة الهمزة (104): الآيات 8 الى 9] # إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) # (إنها عليهم) أي النار على الكفار (مؤصدة) [8] أي مطبقة مغلقة الأبواب ~~(في عمد) بضمتين وفتحتين «9» جمع عمود، أي هم في عمد من حديد، ويجوز أن ~~ينصب حالا من الضمير في «مؤصدة» أو من الضمير في «عليهم»، أي موثقين في عمد ~~(ممددة) [9] أي ممدودة ومطولة مسدودة الأبواب عليهم وفي أعناقهم السلاسل ~~والأغلال، وذلك لتأكيد بأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد. PageV04P332 ### | سورة الفيل # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفيل (105): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) # قوله (ألم تر كيف فعل ربك) نصب «كيف» بفعل لا بما قبله، لأن استفهامه ~~يمنعه، أي رأيت «1» آثار فعل الله (بأصحاب الفيل) [1]. # وسمعت فيه الأخبار بالتواتر ونسبوا إلى الفيل، لأنه كان مقدمهم، نزل بعد ~~ما بنى أبرهة بن الصباح ملك اليمن من قبل الملك النجاشي بصنعاء كنيسة ليصرف ~~الناس إليها عن زيارة الكعبة وطوافهم، فذهب رجل من العرب من كنانة وأحدث ~~فيها احتقارا بها، فحلف أبرهة ليهدمن الكعبة فخرج بجيشه مقدمهم فيل النجاشي ~~المعروف بمحمود، فلما قرب من مكة نزل وذهب إليه عبد المطلب صاحب مكة فأكرمه ~~وأجلسه في بساطه معه، لأنه سمع أنه يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس ~~الجبال، فقال للترجمان: قل له، أي شيء حاجتك؟ فقال: حاجتي أن ترد علي مائتي ~~بعير أصابها قومك، فقال لترجمانه: قل له أعجبتني بحاجتك لهدم بيت هو دينك ~~وأنت تريد مني مائتي بعير أصبتها منك، فقال: أنا رب البعير ولهذا البيت رب ~~يمنعه عنك، ثم جاء عبد المطلب مكة وأمر أهله بالتفرق في الجبال وأخذ بحلقة ~~باب البيت، فقال: قد جاء عدوك ليهدم ms1884 بيتك فامنع البيت عنهم، ثم توجه أبرهة ~~بجيوشه نحو الكعبة مقدمها الفيل محمود، فجاء نفيل من مكة فأخذ بأذنه فقال: ~~ابرك يا محمود وارجع من حيث جئت فانك في البلد الحرام، فبرك فضرب بالمعول ~~في رأسه فأبى القيام وعبد المطلب يدعو عليهم، فنشأت طير سوداء وخضراء ~~وبيضاء صغار فوجا فوجا من البحر كأنها الخطاطيف مع كل طير حصاة أصغر من ~~الحمصة، على كل حصاة اسم من يرمى بها فألقت الطير على كل واحد حصاة تخرق ~~البيضة والرجل والفيل وتصل إلى الأرض، فهلك كلهم إلا أبرهة، لأن طيره لم ~~يرم حصاته عليه، فلما وصل إلى النجاشي فأخبره الخبر وتبعه طيره ألقى عليه ~~حجره فمات لدى النجاشي، وكان هذا عام مولد النبي عليه السلام «2»، وقيل: ~~قبله بأربعين سنة «3»، فأخذ أهل مكة أموالهم فقال تعالى «4» تعجيبا للناس ~~من حديثهم، أي ألم تخبر بخبر التواتر الذي قام مقام الرؤية أو ألم تعلم ~~بالقرآن يا محمد عاقب ربك أصحاب الفيل بالحجارة حين أراد هدم بيته الكعبة ~~(ألم يجعل كيدهم) أي مكرهم في هدمها (في تضليل) [2] أي في «5» هلاك وخسارة. PageV04P333 ### || [سورة الفيل (105): آية 3] # وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) # (وأرسل عليهم طيرا) لها خراطيم كخراطيم الطيور وأكف كأكف الكلاب ورؤوس ~~كرؤوس السباع، لم تر تلك الطير قبل ذلك الوقت ولا بعده، قوله (أبابيل) [3] ~~نعت ل «طيرا»، جمع أبالة وإبول وهو حزمة الحطب الكبيرة «1»، أي كأبابيل، ~~يعني كحزمة متفرقة أراد جماعات كثيرة لا عدد لها. ### || [سورة الفيل (105): آية 4] # ترميهم بحجارة من سجيل (4) # (ترميهم) أي الطير (بحجارة من سجيل) [4] أي من طين مطبوخ بالنار تحملها ~~في مناقيرها وأظافيرها، وقيل: المراد من ال «سجيل» الديوان الذي كتب فيه ~~عذاب الكفار، كأنه قيل بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون «2». ### || [سورة الفيل (105): آية 5] # فجعلهم كعصف مأكول (5) # (فجعلهم) الله تعالى (كعصف) أي كورق زرع (مأكول) [5] أي أصابه الأكال وهو ~~السوس، قيل: ما وقعت حجارة على جنب أحد منهم إلا خرجت من الجنب الآخر «3»، ~~فليعتبر أولوا الألباب بذلك أن الله تعالى سلط على الجبابرة أضعف ms1885 خلقه كما ~~سلط على نمرود بعوضة فأكلت دماغه أربعين يوما فمات من ذلك. PageV04P334 ### | سورة قريش # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة قريش (106): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) # قوله (لإيلاف قريش) [1] بالياء الساكنة بعد الهمزة وبتركها «1» موصول بما ~~قبله، أي أهلك ربك أصحاب الفيل ليألف ويقيم قريش بالحرم في مجاورة البيت، ~~فاللام متعلقة بقوله «فجعلهم»، فقيل: على هذا كلاهما سورة واحدة «2»، روي: ~~أن عمر رضي الله عنه قرأهما في الركعة الثانية من صلوة المغرب وفي الأولي ~~والتين «3»، وقيل: متعلق بقوله «فليعبدوا» «4»، والفاء زائدة ولذا لم تمنع ~~من هذا، قيل: قريش ولد النضر بن كنانة سموا بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة ~~في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار «5»، وقيل: من القرش وهو الكسب، ~~لأنهم كانوا كسابين في تجارتهم «6»، وسئل ابن عباس رضي الله عنه بم سميت ~~قريش؟ قال: «بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى لشدتهم ومنعتهم» - «7» ### || [سورة قريش (106): آية 2] # إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) # قوله (إيلافهم) بالياء «8» بدل من «لإيلاف قريش»، أي جعل ذلك ليألف قريش ~~(رحلة الشتاء والصيف) [2] أي رحلتيهما، أفرد بالعلم به، فان قريشا كانت ~~ترحل كل عام للتجارة رحلتين، برحلة شتاء إلي اليمن ورحلة صيفا إلى الشام، ~~يستعينون بهما على الإقامة بمكة، إذ لا يقدم أحد على أذاهم بسبب ذلك التألف ~~«9» إذا سافروا، وأصل الرحلة السير على الراحلة، ثم استعمل لكل سير. ### || [سورة قريش (106): الآيات 3 الى 4] # فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) # قوله (فليعبدوا) أمر لهم ليعبدوا (رب هذا البيت) [3] لأنه كفاهم مؤنة ~~الشتاء والصيف لأجل إيلافهم الرحلتين، قوله (الذي أطعمهم من جوع) صفة لرب ~~البيت أي الرب الذي أشبعهم من الجوع الذي أصابهم من القحط (وآمنهم من خوف) ~~[4] أي من خوف العدو والغارة وهم جيش الفيل، وذلك ببركة بيت الله فصاروا ~~آمنين من عدوهم ببلدهم وفي سفرهم فلا يتعرض لهم وغيرهم من الناس يتخطفون ~~ويغار عليهم. PageV04P335 ### | سورة الماعون # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الماعون (107): الآيات 1 ms1886 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) # قوله (أرأيت الذي يكذب بالدين) [1] نزل في عامر بن وائل «1»، أي هل عرفت ~~يا محمد الذي يكذب بالجزاء يوم القيامة؟ من هو؟ إن لم تعرفه (فذلك الذي ~~يدع) أي يدفع (اليتيم) [2] دفعا بعنف عن حقه من الإرث أو لا يحسن إليه، ~~لأنه لا يرجو ثوابا. ### || [سورة الماعون (107): الآيات 3 الى 5] # ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) # (ولا يحض) نفسه ولا غيره (على طعام المسكين) [3] أي على إطعامه، جعل الله ~~علم التكذيب بالدين منع المعروف وإيذاء الضيف، يعني أنه لو آمن بالجزاء ~~وأيقن بالوعيد لخاف الله وعقابه ولم يقدم على المعصية، فحين أقدم عليها علم ~~أنه مكذب بيوم البعث والجزاء، وهذا تحذير عظيم من الإقدام على المعصية التي ~~تستدل بها «2» على ضعف الإيمان، ثم وصل به قوله (فويل) أي إذا كان الأمر ~~كذلك فويل (للمصلين) [4] أي للذين يكذب بالدين من باب وضع المظهر موضع ~~المضمر الراجع إلى الواحد الذي أريد منه الجنس، أي شدة العذاب جزاؤه، لأنه ~~من المصلين (الذين هم عن صلاتهم ساهون) [5] أي غافلون، يعني يتركون الصلوة ~~إذا غابوا عن الناس ويصلونها إذا حضروا أو هم الذين يؤخرون صلوتهم عن وقتها ~~وهم المنافقون، قال أنس بن مالك رحمه الله: «الحمد لله الذي لم يقل في ~~صلوتهم ساهون» «3»، فالمراد من السهو سهو ترك لا نسيان، ولذا قال ب «عن» ~~دون في، لأنه لا يكاد يخلو منه مسلم، ومن ثم أثبت العلماء باب سجود السهو ~~في كتبهم. ### || [سورة الماعون (107): آية 6] # الذين هم يراؤن (6) # قوله (الذين هم يراؤن) [6] صفة بعد صفة، أي إذا رأوا الناس صلوا وهم ~~يثنون عليه وإذا لم يروا لم يصلوا، وكذلك في سائر الطاعات، وهو معنى ~~المراءة، قيل: إن كان العمل الصالح فريضة فحقه الإعلان به فلا يكون عامله ~~مرائيا، وإن كان تطوعا فحقه الإخفاء حذرا عن الرياء إلا أن يكون العامل ~~منتهيا بالارتياض مخلصا فلو أظهره قاصدا للاقتداء ms1887 كان جميلا، ولو أظهره لأن ~~يثنى عليه بالصلاح كان مرائيا «4». ### || [سورة الماعون (107): آية 7] # ويمنعون الماعون (7) # (ويمنعون الماعون) [7] أي الزكوة عن أهلها، وقيل «الماععون»: «كل ما ~~يتعاطاه الناس فيما بينهم كالفأس والقدر والقصعة والإبرة والماء والدلو ~~والكلأ ونحوها» «5»، قيل: يحرم منعها إذا استعيرت ضرورة ويقبح منعها إذا ~~استعيرت لغير ضرورة «6». PageV04P336 ### | سورة الكوثر # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الكوثر (108): الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) # قوله (إنا أعطيناك الكوثر) [1] فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة، نزل ~~حين نام النبي عليه السلام نومة خفيفة، ثم رفع رأسه متبسما، فقال أصحابه: ~~ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأها «1»، فسئل عن ~~الكوثر، فقال: «الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوضي ترد ~~عليه أمتي يوم القيامة آنيته كعدد نجوم السماء حافتاه الذهب ومجراه على ~~الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل تربته أطيب من ~~المسك» «2»، روي: أول وارد به فقراء المهاجرين «3»، المعنى: أعطيت ما لم ~~يعطه أحد غيرك من خير الدارين. # (فصل لربك) «4» الصلوات الخمس أو صلوة العيد يوم النحر (وانحر) [2] أي ~~اذبح البدن بمعنى أو استقبل القبلة بنحرك وبوضع اليمين على الشمال. # (إن شانئك) أي مبغضك من قومك لمخالفتك لهم وهو العاص بن وائل (هو الأبتر) ~~[3] أي المنقطع عن كل خير في الدنيا والآخرة وإن ذكر ذكر باللعن، لأنه يقول ~~إن محمدا هو الأبتر الذي لا عقب له، أي ليس معه ولد ولا أخ يقوم مقامه، ~~فاذا مات مات ذكره فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الله هو ~~الأبتر بالتخصيص لا أنت، لأن من يولد من المؤمنين أعقابك وذكرك مقرون بذكر ~~الله ومرفوع على المنابر والمنائر، وعلى لسان كل عالم ذاكر إلى آخر الدهر. PageV04P337 ### | سورة الكافرون # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الكافرون (109): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) # قبل: ms1888 نزلت حين قال كفار مكة للنبي عليه السلام: اعبد آلهتنا سنة ونعبد ~~ربك سنة أو تبرأ من آلهتنا سنة ونتبرأ من إلهك، فقال: معاذ الله أن أشرك ~~بالله غيره «1»، فقالوا: استلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك «2»، فأمره ~~تعالى (قل) يا محمد لهم (يا أيها الكافرون) [1] والمراد منهم الذين علم ~~الله أنهم لا يؤمنون، أي الجاحدون بالحق وهو قول «لا إله إلا الله» (لا ~~أعبد) فيما يستقبل (ما تعبدون) [2] أي الذي تعبدنه الآن من الأصنام، قيل: ~~حق «لا» أن لا تدخل إلا على المستقبل، لأن «لن» تأكيد «لا» في الاستقبال، ~~وحق «ما» أن لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، لأنها تشبه بليس في نفي ~~الحال، ولذلك قال لا أعبد ما تعبدون وكذا الباقي - «3» ### || [سورة الكافرون (109): الآيات 3 الى 4] # ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # (ولا أنتم عابدون) فيما يستقبل (ما أعبد) [3] الآن (ولا أنا عابد) أي ما ~~كنت عابدا قط فيما مضى من الزمان في الجاهلية، فكيف أعبد في الإسلام (ما ~~عبدتم) [4] فيما مضى منه لأني علمت مضرته، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعبد ~~صنما لا في الجاهلية ولا في الإسلام. ### || [سورة الكافرون (109): آية 5] # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) # (ولا أنتم عابدون) فيما مضى من الزمان أيضا (ما أعبد) [5] الآن لجهلكم ~~وقلة عقلكم ولم يقل ما عبدت كما قيل ما عبدتم، لأنه لم يكن يعبد الله في ~~ذلك الزمان ولم يقل من مكان «ما»، لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد ~~الباطل ولا تعبدون الحق، ف «ما» الأربعة موصولة منصوبة بالفعل قبلها والهاء ~~محذوفة، ويجوز أن يكون «ما» مصدرية، أي لا أعبد مثل عبادتكم ولا تبعدون مثل ~~عبادتي في وقت ما. ### || [سورة الكافرون (109): آية 6] # لكم دينكم ولي دين (6) # (لكم دينكم ولي دين) [6] بسكون الياء وفتحها «4»، أي إني بلغتكم «5» ~~رسالة ربي وأقمت عليكم الحجة وليس علي الإجبار على أن تؤمنوا بالله ربي ~~وربكم، وإني لا أرجع إلى دينكم أبدا فلكم دينكم، أي اثبتوا على شرككم ms1889 حتى ~~نرى ما يأمر ربي لأجلكم ولي ديني، أي أنا أثبت على ديني الذي أكرمني الله ~~به وهداني إليه لا أتجاوز عنه وهو الإسلام، لأنه صراط مستقيم، وهذا منسوخ ~~بآية القتال «6»، قيل: إن الرجل إذا أنكر منكرا فلم يقبل منه يجب عليه حفظ ~~مذهبه ويترك صاحب المنكر على مذهبه استدلالا بهذه الآية «7». PageV04P338 ### | سورة الفتح (النصر) # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة النصر (110): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) # قوله (إذا جاء نصر الله) في محل النصب ب «سبح»، نزل في أيام التشريق بمنى ~~في حجة الوداع حين استنصر عمرو بن سالم الخزاعي من النبي عليه السلام على ~~قريش بعد ما نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي عليه السلام في وضع ~~الحرب عشر سنين عام الحديبية، واجتمعوا وجاؤا على عمرو بن سالم للقتال وكان ~~في عهد النبي عليه السلام وحلفه، فقال عليه السلام له: «نصرت يا عمرو»، ثم ~~أمر بالجهاز إلى مكة، فتجهز لعشر مضين من رمضان بعشرة آلاف من المسلمين، ~~فدخلها وأقام بها خمس عشرة ليلة يقصر الصلوة، ثم خرج إلى هوازن، وحين دخلها ~~وقف على باب الكعبة وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر ~~عبده وهزم الأحزاب وحده»، ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا ~~خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، ثم قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فأعتقهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك سموا طلقاء «1»، وذلك قوله «إذا جاء ~~نصر الله»، أي إظهاره وإغاثته لنبيه عليه السلام على أعدائه العرب أو على ~~قريش من نصر الله الأرض إذا أغاثها (والفتح) [1] أي فتح مكة أو فتح بلاد الكفر. ### || [سورة النصر (110): آية 2] # ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) # (ورأيت الناس) برؤية العين (يدخلون) حال، أي داخلين (في دين الله) وهو ~~الإسلام أو هو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت، قوله (أفواجا) [2] حال من ~~فاعل «يدخلون»، أي متفوجين من أقطار الأرض طائعين، لأنه صلى الله ms1890 عليه وسلم ~~لما فتح مكة جاء العرب من كل ناحية جماعات في تفرقة، دخلوا في الإسلام ~~لتيقنهم حقيته بالفتح، وكان قبل ذلك يدخل الناس فيه واحدا واحدا. ### || [سورة النصر (110): آية 3] # فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) # قوله (فسبح) أمر الله نبيه عليه السلام بالتسبيح، أي قل سبحان الله (بحمد ~~ربك) أي ملابسا بحمده (واستغفره) أي اطلب المغفرة منه لذنوبك، يعني قل ~~اللهم اغفرلي وتب إليه (إنه كان توابا) [3] أي متجاوزا عن الذنوب. # قال ابن عباس رضي الله عنه: «لما نزلت هذه السورة علم النبي عليه السلام ~~أنه يموت فأمر بالتسبيح والاستغفار والتوبة ليختم له بالزيادة في العمل ~~الصالح» «2»، «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر بعد نزولها من قول PageV04P339 # سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» «1»، وروي عنه عليه السلام ~~أنه قال: «خبرني ربي اني سأرى علامة في أمتي، فاذا رأيتها أكثر من قول ~~سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها وقرأ إذا جاء نصر ~~الله» «2» السورة. # وروي: أن النبي عليه السلام دعا فاطمة رضي الله عنها فقال: «يا بنتاه أنه ~~نعيت إلى نفسي فبكت، فقال: لا تبكي فانك أول أهلي لحوقا بي» «3»، وقال علي ~~رضي الله عنه: «لما نزلت هذه السورة مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ~~إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل فتوفي بعد أيام يوم الاثنين» «4» ~~وهو ابن ستين أو ثلاث وستين سنة ودفن في بيته الذي توفي فيه في موضع فراشه ~~ولم يترك بعده شيئا من البغلة والسلاح والأرض إلا جعلها في سبيل الله صدقة، ~~فقيل: «سميت هذه السورة سورة التوديع» «5»، وهي آخر ما نزل. PageV04P340 ### | سورة تبت (المسد) # مكية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة المسد (111): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) # (تبت) أي خسرت وهلكت (يدا أبي لهب) أي نفسه، واليد عبارة عن النفس، إذ ~~العرب قد تعبر ببعض عن كل، وهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست ~~الكنية تكرمة له، وإنما كني ms1891 لشهرته بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، قيل: ~~نزل حين صعد النبي عليه السلام على الصفا ونادى بأعلى صوته وا صاحباه بعد ~~نزول «وأنذر عشيرتك الأقربين» «1» فاجتمعوا، وقال لهم: «إني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا؟ «2» فقال تعالى «تبت ~~يدا أبي لهب» جوابا له على سبيل الدعاء عليه، قوله (وتب) [1] خبر، أي هلك، ~~وهذا كقولهم أهلكه الله وقد هلك. ### || [سورة المسد (111): آية 2] # ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) # (ما أغنى عنه ماله) «ما» نفي، أي لم ينفعه ماله في الآخرة لشركه في ~~الدنيا وصرفه في عداوة رسول الله عليه السلام (وما كسب) [2] «ما» موصولة، ~~أي والذي كسب من الولد، ومنه قوله عليه السلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من ~~كسبه وإن ولده من كسبه» «3». ### || [سورة المسد (111): الآيات 3 الى 4] # سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # (سيصلى) أي سيدخل (نارا) أي في نار (ذات لهب) [3] أي صاحبة توقد، قوله ~~(وامرأته) عطف على ضمير «سيصلى»، أي ستدخل امرأته معه في النار وهي أخت أبي ~~سفيان، قوله (حمالة الحطب) [4] بالرفع بدل من «امرأته»، وبالنصب «4» على ~~الشتم، ويجوز أن يكون «امرأته» مبتدأ، خبره «حمالة الحطب»، روي: أنها كانت ~~تحمل حزمة الشوك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق النبي عليه السلام من ~~بغضها له عليه السلام حتى بلغه من ذلك عناء وشدة «5». ### || [سورة المسد (111): آية 5] # في جيدها حبل من مسد (5) # قوله (في جيدها حبل) مبتدأ وخبر، محله نصب على الحال من ضمير «حمالة» أو ~~هي جملة مستأنفة، أي في عنقها حبل (من مسد) [5] أي مما مسد من الجبال، وال ~~«مسد» الفتل الشديد، لأنها كانت تحمل الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما ~~يفعل الحطابون، ذكره تخسيسا لحالها وتحقيرا لها وإغضابا لبعلها وهما في بيت ~~العز والشرف، وروي: أنها وضعت الحزمة على جدار وشدتها بحبل من ليف على ~~صدرها فأتاها جبرائيل عليه السلام ومده خلف الجدار فخنقت حتى ماتت «6»، ~~فأشار إلى ذلك بقوله «في جيدها حبل من مسد»، وقال ms1892 بعض المفسرين: هو سلسلة ~~من حديد ذرعها سبعون ذراعا في عنقها في النار، بعضها يدخل في فيها ويخرج من ~~دبرها ويكون سائرها على جسدها وتحتها نار وفوقها نار «7». PageV04P341 ### | سورة الإخلاص # مكية «1» أو مدنية «2» # ، وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين وهي توحيد الله ومعرفة ~~صفاته التي نطقت بها. # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الإخلاص (112): الآيات 1 الى 2] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) # قوله (قل هو الله أحد) [1] نزل حين سئل النبي عليه السلام عن ربه تعالى ~~فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده وتدعونا إليه، ما هو؟ فقال تعالى قل يا محمد ~~هو، أي الشأن الله أحد «3»، أي الواحد المتفرد بالذات عن الأجزاء، إذ لا ~~جسم ولا تركيب فيه، وهو مبتدأ، والخبر الجملة بعده في حكم المفرد، ولذا خلت ~~عن الراجع، وكذا «4» قوله (الله الصمد) [2] أي المتفرد عن الاحتياج بشيء ~~وهو السيد المصمود إليه «5» في جميع الحوائج على الدوام والصمد هو الذي لا ~~جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام لغناه عن كل شيء. ### || [سورة الإخلاص (112): آية 3] # لم يلد ولم يولد (3) # (لم يلد) أي هو المتفرد عن المجانسة فلم يلد، لأنه لم يكن له من يجانسه ~~(ولم يولد) [3] لعدم سبق من يجانسه من الأب والأم وغيرهما لكونه قديما لا ~~أول لوجوده. ### || [سورة الإخلاص (112): آية 4] # ولم يكن له كفوا أحد (4) # (ولم يكن له كفوا) بالواو، وقرئ بالهمز «6»، أي لم يكن له مثلا (أحد) [4] ~~يعني هو المتفرد عن النظير، PageV04P342 # والكفو بمعنى أنه لم يكافيه أحد ولم يماثله فلا شريك له في ألوهيته وحكمه ~~وتدبيره، فهو موصوف بكمال التوحيد الثابت له بهذه الأقسام الأربعة للتوحيد ~~الحقيقي، وقدم الظرف الذي هو لغو، واللوغ لا يقدم لكونه خارجا عن الجملة، ~~نص عليه سيبويه «1» لاهتمام التنزيه والتوحيد فيكون كالمستقر في الحكم. # قيل: فضلت هذه السورة على غيرها لمعرفة الله تعالى بها، إذ هي المطلوب ~~حقيقة «2»، وعن النبي عليه السلام: «من قرأ «قل هو الله أحد» فكأنما قرأ ~~ثلث القرآن» «3»، وعنه أيضا: ms1893 «أيعجز أحدكم أن يقرأ القرآن في ليلة؟ فقيل: ~~يا رسول الله من يطيق ذلك؟ قال: أن يقرأ «قل هو الله أحد» ثلاث مرات» «4»، ~~وروي أنه عليه السلام سمع رجلا يقرأه قال: «وجبت، قيل: يا رسول الله ما ~~وجبت؟ قال: وجبت له الجنة» «5». PageV04P343 ### | سورة الفلق # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الفلق (113): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) # (قل أعوذ برب الفلق) [1] نزل هذه السورة وسورة الناس، وهما إحدى عشرة آية ~~حين سحره لبيد بن أعصم في مشط وعقد له إحدى عشرة عقدة، ثم ألقاه في بئر ~~وألقى فوقه صخرة، فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوى شديدا فبينما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين النوم واليقظة، إذ أتاه ملكان، أحدهما ~~جلس عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي جلس عند رأسه للآخر: ما باله؟ ~~قال: سحر، قال: من سحره؟ قال: لبيد بن أعصم في مشط وهو تحت راعوفة البئر، ~~وهي خشبة تبنى البئر عليها في ذروان اسم موضع، قال: فما دواؤه؟ قال: # يخرج المشط من البئر ويحرق بالنار فيبرأ إن شاء الله، فاستيقظ النبي عليه ~~السلام فأمر به فاستخرج فاذا فيه مشاطة رأسه عليه السلام، يعني شعرات رأسه ~~ووتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة، فأمر الله تعالى أن يقول أعوذ برب الفلق إلى ~~آخر السورتين، وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد خفة حتى انحلت العقدة ~~كلها، فقال: # كأنما أنشط من عقال «1»، قيل: وافق ذلك مرضة مرضها «2»، ومنهم من قال ~~بتأثير السحر فيه وهو قول أهل الحق، والفلق الصبح، لأنه يفلق عنه الليل، أي ~~يفرق أو هو جب في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من شدة حرها. ### || [سورة الفلق (113): آية 2] # من شر ما خلق (2) # (من شر ما خلق) [2] أي أعوذ من شر ما خلقته من الجن والإنس أو من شر ذي ~~شر من الحيوان كله كالظلم والضرب واللدغ والعض من السباع والحشرات ومن ~~الموات كاحراق النار وإغراق الماء وقتل السم. ### || [سورة الفلق (113): آية 3] # ومن ms1894 شر غاسق إذا وقب (3) # (ومن شر غاسق) أي الليل أو القمر (إذا وقب) [3] أي غاب في ظلمة، والمراد ~~الليل المظلم، لأن أهل الشر يتحرك فيه، والغسق الظلمة، والوقوب الدخول في ~~ظلام الليل، وإنما نكر، لأن المراد منه البعض، إذ كل غاسق لا يكون فيه شر. ### || [سورة الفلق (113): آية 4] # ومن شر النفاثات في العقد (4) # (ومن شر النفاثات في العقد) [4] أي التفألات في عقود الخيوط إذا رقين ~~وعرفت أن المراد جميعهن «3»، وهن بنات لبيد بن أعصم أو جماعات السواحر ~~اللاتي يقعدن عقدا في خيوط وينفثن عليها، ومعنى الاستعاذة من شرهن هو اللوذ ~~إلى الله من عملهن القبيح وأثره. PageV04P344 ### || [سورة الفلق (113): آية 5] # ومن شر حاسد إذا حسد (5) # (ومن شر حاسد إذا حسد) [5] أي أظهر حسده وعمل بمقتضاه، ونكر لأن كل حاسد ~~لا يضر كحاسد الخير، قيل: هم اليهود حسدوا النبي عليه السلام في نبوته «1»، ~~والحسد أخبث الطبائع، وقيل: هو عام في كل حاسد «2»، وأول الحساد إبليس، حسد ~~آدم في الجنة، وقيل: حسد قابيل هابيل «3»، وإنما خص شر هؤلاء الثلاثة بعد ~~قوله «من شر ما خلق»، فانه عام في كل ما يستعاذ منه، لأن شر هؤلاء أخفى من ~~كل شر، فانه يلحق الرجل من حيث لا يعلم فيهلك بغتة. PageV04P345 ### | سورة الناس # مدنية # بسم الله الرحمن الرحيم ### || [سورة الناس (114): آية 1] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) # (قل أعوذ برب الناس) [1] أي برازقهم، خص «الناس» بالذكر تشريفا وإعلاما ~~أن لا معاذ لهم سواه، وأصله نيس مقلوب نسي من النسيان أو نوس أو أناس، ~~حذفت همزته. ### || [سورة الناس (114): الآيات 2 الى 3] # ملك الناس (2) إله الناس (3) # قوله (ملك الناس) [2] عطف بيان ل «رب»، أي خالقهم ومالكهم، يفعل بهم ~~ويحكم عليهم ما يريد ولا معقب لحكمه منهم (إله الناس) [3] قيل: هو عطف بيان ~~آخر غاية البيان «1»، لأنه خاص لا شركة فيه، لأنه قد يقال رب الناس وملك ~~الناس لغير الله تعالى، ولا يقال فلان إله الناس، ولم يكتف بذكر الناس مرة ~~في إظهار المضاف إليه وإضمار البواقي، ms1895 لأن عطف البيان مظنة الإظهار في ~~البيان دون الإضمار. ### || [سورة الناس (114): آية 4] # من شر الوسواس الخناس (4) # قوله (من شر الوسواس) متعلق ب «أعوذ»، و«الوسواس» مصدر بمعنى الوسوسة، ~~والمراد به الشيطان سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها شغلة دائما أو ~~المراد ذو الوسواس وهو الصوت الخفي (الخناس) [4] أي الكثير التأخير، من ~~الخنوس وهو التأخر، لأن الشيطان جاثم علي قلب الإنسان، فاذا ذكر الإنسان ~~ربه خنس الشيطان وولي، وإذا غفل وسوس إليه، قال قتادة رضي الله عنه: ~~«الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فاذا ذكر الله خنس» «2». ### || [سورة الناس (114): آية 5] # الذي يوسوس في صدور الناس (5) # قوله (الذي يوسوس) جر صفة ل «الخناس» أو رفع أو نصب علي الذم، أي الذي ~~يحدث (في صدور الناس) [5] بكلام خفي حتي يصل إلي فهم القلب من غير سماع ~~ليضله عن طريق الحق. ### || [سورة الناس (114): آية 6] # من الجنة والناس (6) # قوله (من الجنة والناس) [6] بيان ل «الذي يوسوس»، إذ الشيطان جني وإنسي، ~~قال تعالى «شياطين الإنس والجن» «3»، أي أعوذ من شر وسوسة الإنس والجن، ~~ويجوز أن يكون بيانا ل «الناس» في «صدور الناس»، والمراد منه الناسي، حذف ~~منه الياء تخفيفا «4»، فيعم الإنس والجن لأن النسيان عن ذكر الحق يعرض لهما ~~أو المراد ب «الناس» الثقلان علي سبيل التغليب، والأول أوجه لعدم المناسبة ~~بينهما، لأن الجن من الاجتناب وهو الستر عن أعين الناس، والناس من الإيناس ~~وهو الإبصار والظهور، روي في شأنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ~~أنزل علي سورتان ما أنزل مثلهما وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله ~~منهما» «5»، قال عثمان بن واقد: # «سألت من محمد بن المنكدر عن المعوذتين، أهما من كتاب الله تعالى؟ قال: ~~من لم يزعم أنهما من كتاب الله تعالى فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين» «6». PageV04P346 ms1896