######OpenITI# #META# Author: الثعالبي #META# Title: الجواهر الحسان في تفسير القرآن #META# Date: ت 875 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # قال ابن عباس وغيره: إنها مكية؛ ويؤيد هذا أن في سورة الحجر: # ولقد آتيناك سبعا من المثاني # [الحجر:87] والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنها ~~السبع المثاني. # ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة ~~بغير: { الحمد لله رب العالمين } ، وروي عن عطاء بن يسار ~~وغيره؛................. أنها مدنية، وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها ~~فاتحة الكتاب، واختلف، هل يقال لها أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي ~~الحسن، وأجازه ابن عباس وغيره. # وفى تسميتها ب «أم الكتاب» حديث رواه أبو هريرة، واختلف هل يقال ~~لها: «أم القرآن»؟ فكره ذلك ابن سيرين، وجوزه جمهور العلماء. # وسميت «المثاني»؛ لأنها تثنى في كل ركعة؛ وقيل: لأنها استثنيت ~~لهذه الأمة. # وأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي بن كعب؛ أنها لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في ~~الفرقان مثلها، وروي أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون ~~في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل؛ وكذلك يجيء ~~عدل: # قل هو الله أحد # [الإخلاص:1] وعدل: # إذا زلزلت # [الزلزلة:1] وغيره. # * ت *: ونحو حديث أبي حديث أبي سعيد بن المعلى؛ إذ قال له صلى ~~الله عليه وسلم: # " ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن { الحمد لله ~~رب العالمين }؛ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم ~~الذي أوتيته " # رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. انتهى من «سلاح ~~المؤمن» تأليف الشيخ المحدث أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن ~~همام - رحمه الله -. ### || [1.2-3] # الحمد: معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من ~~المحامد، وهو أعم من الشكر؛ لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى ~~إلى الشاكر، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود. # قال: * ص *: وهل الحمد بمعنى الشكر أو الحمد أعم، أو الشكر ثناء ~~على الله بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟ ثلاثة أقوال. انتهى. # قال الطبري: الحمد لله: ثناء ms0001 أثنى به على نفسه تعالى، وفي ~~ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه؛ فكأنه قال: قولوا: الحمد لله، وعلى ~~هذا يجيء: قولوا: { إياك } ، و { اهدنا }. # قال: وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه، وهو كثير. # والرب؛ في اللغة: المعبود، والسيد المالك، والقائم بالأمور ~~المصلح لما يفسد منها، فالرب على الإطلاق هو رب الأرباب على كل ~~جهة، وهو الله تعالى. # والعالمون: جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، يقال ~~لجملته: عالم، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عالم، عالم، ~~وبحسب ذلك يجمع على العالمين، ومن حيث عالم الزمان متبدل في ~~زمان آخر، حسن جمعها، ولفظة العالم جمع لا واحد له من لفظه، وهو ~~مأخوذ من العلم والعلامة؛ لأنه يدل على موجده؛ كذا قال الزجاج، ~~قال أبو حيان: الألف واللام في العالمين للاستغراق، وهو جمع ~~سلامة، مفرده عالم، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذ جمعه أيضا جمع ~~سلامة؛ لأنه ليس بعلم ولا صفة. # * م *: وذهب ابن مالك في «شرح التسهيل» إلى أن «عالمين» اسم ~~جمع لمن يعقل، وليس جمع عالم؛ لأن العالم عام، و «عالمين» ~~خاص، قلت: وفيه نظر. انتهى. # وقد تقدم القول في الرحمن الرحيم. ### || [1.4-5] # { ملك يوم الدين }: الدين في كلام العرب على أنحاء، وهو ~~هنا الجزاء يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها؛ قاله ~~ابن عباس وغيره؛ مدينين: محاسبين، وحكى أهل اللغة: دنته ~~بفعله دينا؛ بفتح الدال، ودينا؛ بكسرها: جزيته؛ ومنه قول ~~الشاعر: (الكامل) # واعلم يقينا أن ملكك زائل # واعلم بأن كما تدين تدان # { إياك نعبد }: نطق المؤمن به إقرار بالربوبية، وتذلل وتحقيق ~~لعبادة الله؛ وقدم «إياك» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم ~~الأهم، واختلف النحويون في «إياك»، فقال الخليل: «إيا»: اسم ~~مضمر أضيف إلى ما بعده؛ للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إذا ~~بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا الشواب»، وقال ~~المبرد: إيا: اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن ~~كيسان عن بعض الكوفيين أن «إياك» بكماله اسم مضمر، ولا يعرف ~~اسم مضمر ms0002 يتغير آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء ~~هو الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إلا متصلات، فإذا ~~تقدمت الأفعال جعل «إيا» عمادا لها، فيقال: إياك، وإياه، ~~وإياي، فإذا تأخرت، اتصلت بالأفعال، واستغني عن «إيا». # و { نعبد }: معناه: نقيم الشرع والأوامر مع تذلل واستكانة، ~~والطريق المذلل يقال له معبد، وكذلك البعير. # و { نستعين }؛ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله ~~تبر من الأصنام. ### || [1.6-7] # وقوله تعالى: { اهدنا }: رغبة؛ لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا ~~صيغ الأمر كلها، فإذا كانت من الأعلى، فهي أمر. # والهداية؛ في اللغة: الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها ~~المفسرون بغير لفظ الإرشاد وكلها إذا تأملت راجعة إلى الإرشاد، ~~فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة:5] و # يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم # [النور:46]، و # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص:56] # فمن يرد الله أن يهديه # [الأنعام:125] الآية، قال أبو المعالي: فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا ~~على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد. # وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء؛ كقوله تعالى: # ولكل قوم هاد # [الرعد:7] أي: داع # وإنك لتهدي إلى صرط مستقيم # [الشورى:52]. # وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام؛ من ذلك قوله تعالى: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. # قال المفسرون: ألهم الحيوانات كلها إلى منافعها. # وقد جاء الهدى بمعنى البيان؛ من ذلك قوله تعالى: # وأما ثمود فهدينهم # [فصلت:17] قال المفسرون: معناه: بينا لهم. # قال أبو المعالي: معناه: دعوناهم، وقوله تعالى: # إن علينا للهدى # [الليل:12]، أي: علينا أن نبين. # وفي هذا كله معنى الإرشاد. # قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية، والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى ~~مسالك الجنان والطرق المفضية إليها؛ كقوله تعالى في صفة ~~المجاهدين: # فلن يضل أعملهم سيهديهم ويصلح بالهم # [محمد:4-5] ومنه قوله تعالى: # فاهدوهم إلى صرط الجحيم # [الصافات:23]، معناه: فاسلكوهم إليها. # قال: * ع *: وهذه الهداية بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، ms0003 وهي ضد ~~الضلال، وهي الواقعة في قوله تعالى: { اهدنا الصراط ~~المستقيم }؛ على صحيح التأويلات، وذلك بين من لفظ «الصراط» ~~والصراط؛ في اللغة: الطريق الواضح؛ ومن ذلك قول جرير: (الوافر) # أمير المؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم # واختلف المفسرون في المعنى الذي استعير له «الصراط» في هذا الموضع: ~~فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصراط المستقيم هنا القرآن، وقال ~~جابر: هو الإسلام، يعني الحنيفية. # وقال محمد بن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من ~~العباد غيره. # وقال أبو العالية: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو ~~بكر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ~~وعمر، وهذا قوي في المعنى، إلا أن تسمية أشخاصهم طريقا فيه ~~تجوز، ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة هي أن يكون الداعي ~~على سنن المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في ~~معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام؛ وهو ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه. # وهذا الدعاء إنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض ~~الأعمال، فمعنى قوله: { اهدنا } فيما هو حاصل عندهم: التثبيت ~~والدوام، وفيما ليس بحاصل، إما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة ~~عليه: طلب الإرشاد إليه، فكل داع به إنما يريد الصراط بكماله في ~~أقواله، وأفعاله، ومعتقداته؛ واختلف في المشار إليهم بأنه سبحانه أنعم ~~عليهم، وقول ابن عباس، وجمهور من المفسرين: أنه أراد صراط النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: # ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم # الآية [النساء:66] إلى قوله: # رفيقا # وقوله تعالى: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } ~~، اعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت ~~«غير» و «مثل» مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إذا ~~قلت: رأيت غيرك، فكل شيء سوى المخاطب، فهو غيره؛ وكذلك إن ~~قلت: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى؛ لكثرة وجوه المماثلة. # و { المغضوب ms0004 عليهم }: اليهود، والضالون: النصارى؛ قاله ~~ابن مسعود، وابن عباس، مجاهد، والسدي، وابن زيد. # وروى ذلك عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بين من ~~كتاب الله؛ لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه؛ كقوله: # وباءو بغضب من الله # [آل عمران:112] # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله... # الآية [المائدة:60] وغضب الله تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محنا ~~وعقوبات وذلة، ونحو ذلك مما يدل على أنه قد أبعدهم عن رحمته ~~بعدا مؤكدا مبالغا فيه، والنصارى كان محققوهم على شرعة ~~قبل ورود شرع محمد صلى الله عليه وسلم، فلما ورد، ضلوا، وأما غير ~~متحققيهم، فضلالتهم متقررة منذ تفرقت أقوالهم في عيسى عليه السلام، ~~وقد قال الله تعالى فيهم: # ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل # [المائدة:77]. # وأجمع الناس على أن عدد آي سورة الحمد سبع آيات؛ العالمين آية، ~~الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا ~~الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير { بسم الله الرحمن ~~الرحيم }؛ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيف. # (القول في «آمين») # روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا قال الإمام: { ولا الضالين }؛ فقولوا «آمين»، ~~فإن الملائكة في السماء تقول: «آمين»، فمن وافق ~~قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه ~~". # * ت *: وخرج مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أبي موسى رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم ~~أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين } فقولوا: «آمين»، ~~يجبكم الله " # الحديث. انتهى. # ومعنى «آمين»؛ عند أكثر أهل العلم: اللهم، استجب، أو أجب ~~يا رب. # ومقتضى الآثار أن كل داع ينبغي له في آخر دعائه أن يقول: «آمين»، ~~وكذلك كل قارىء للحمد في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم ~~والفذ، وفي الإمام في الجهر اختلاف. # واختلف في معنى قوله صلى ms0005 الله عليه وسلم: # " فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة " # ، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي ~~يترجح أن المعنى: فمن وافق في الوقت مع خلوص النية والإقبال ~~على الرغبة إلى الله بقلب سليم فالإجابة تتبع حينئذ؛ لأن من ~~هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم. # وفي «صحيح مسلم» وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول؛ # " قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب ~~العالمين، قال الله؛ حمدني عبدي، فإذا قال: ~~الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، ~~وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، ~~فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا ~~بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: ~~هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " # انتهى، وعند مالك: «فهؤلاء لعبدي». # وأسند أبو بكر بن الخطيب عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة " # انتهى من «تاريخ بغداد» ولم يذكر في سنده مطعنا. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: والصحيح عندي وجوب قراءتها على ~~المأموم فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع الإمام لما ~~عليه من وجوب الإنصات والاستماع، فإن بعد عن الإمام، فهو ~~بمنزلة صلاة السر. انتهى. # نجز تفسير سورة الحمد، والحمد لله بجميع محامده كلها؛ ما ~~علمت منها، وما لم أعلم. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-3] # قوله تعالى: { الم }: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على ~~قولين؛ فقال الشعبي، وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين: ~~هي سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا ~~يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها، وتمر كما جاءت، وقال الجمهور ~~من العلماء، بل يجب أن يتكلم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، ~~والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على اثني عشر ms0006 قولا. # فقال علي، وابن عباس رضي الله عنهما: الحروف المقطعة في ~~القرآن: هي اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. # وقال ابن عباس أيضا: هي أسماء الله أقسم بها، وقال أيضا: هي حروف ~~تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، وقال ~~قوم:........ هي حساب أبي جاد؛ لتدل على مدة ملة محمد صلى ~~الله عليه وسلم؛ كما ورد في حديث حيي بن أخطب، وهو قول أبي ~~العالية وغيره. # * ت *: وإليه مال السهيلي في «الروض الأنف»، فانظره. # قوله تعالى: { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين }: الاسم من «ذلك»: الذال، والألف، واللام؛ لبعد ~~المشار إليه، والكاف للخطاب. # واختلف في «ذلك» هنا؛ فقيل: هو بمعنى «هذا»، وتكون الإشارة إلى هذه ~~الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضر تعلق به بعض ~~غيبة، وقيل: هو على بابه، إشارة إلى غائب. # واختلفوا في ذلك الغائب؛ فقيل: ما قد كان نزل في القرآن، وقيل غير ذلك؛ ~~انظره. # و { لا ريب فيه }: معناه: لا شك فيه، و { هدى }: معناه ~~إرشاد وبيان، وقوله: { للمتقين }: اللفظ مأخوذ من «وقى»، ~~والمعنى: الذين يتقون الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب ~~معاصيه، كان ذلك وقاية بينهم وبين عذابه. # قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلوة ومما رزقنهم ينفقون }. { يؤمنون }: ~~معناه يصدقون، وقوله: { بالغيب } قالت طائفة: معناه: ~~يصدقون، إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا ~~حضروا، ويكفرون إذا غابوا، وقال آخرون: معناه: يصدقون بما غاب ~~عنهم مما أخبرت به الشرائع، وقوله: { يقيمون الصلوة } معناه: ~~يظهرونها ويثبتونها؛ كما يقال: أقيمت السوق. # * ت *: وقال أبو عبد الله النحوي في اختصاره لتفسير ~~الطبري: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، ~~والإقبال عليها. انتهى. # قال: * ص *: يقيمون الصلاة من التقويم؛ ومنه: أقمت العود، أو ~~الإدامة؛ ومنه: قامت السوق، أو التشمير والنهوض؛ ومنه: قام ~~بالأمر. انتهى. # وقوله تعالى: { ومما رزقنهم ينفقون }: الرزق عند أهل ~~السنة ما صح الانتفاع به، حلالا كان أو حراما، و { ينفقون }: ~~معناه هنا: يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة، ms0007 وما ندبهم إليه من ~~غير ذلك. ### || [2.4-7] # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون }: ~~اختلف المتأولون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان ~~جميعا في جميع المؤمنين، وقال آخرون: هما في مؤمني أهل الكتاب، ~~وقال آخرون: الآية الأولى في مؤمني العرب، والثانية في مؤمني أهل ~~الكتاب؛ كعبد الله بن سلام؛ وفيه نزلت. # وقوله: { بما أنزل إليك }: يعني القرآن، { وما أنزل من ~~قبلك } ، يعني: الكتب السالفة، و { يوقنون } معناه: يعلمون ~~علما متمكنا في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم. # وقوله تعالى: { أولئك على هدى من ربهم } إشارة ~~إلى المذكورين، والهدى هنا: الإرشاد، والفلاح: الظفر بالبغية، ~~وإدراك الأمل. # قوله تعالى: { إن الذين كفروا سواء عليهم ~~ءأنذرتهم } إلى { عظيم }: اختلف فيمن نزلت هذه الآية بعد ~~الاتفاق على أنها غير عامة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي ~~فيمن سبق في علم الله، أنه لا يؤمن، وقال ابن عباس: نزلت في ~~حيي بن أخطب، وأبي ياسر بن أخطب، وكعب بن ~~الأشرف، ونظرائهم. # والقول الأول هو المعتمد عليه. # وقوله: { سواء عليهم } معناه: معتدل عندهم، والإنذار: إعلام ~~بتخويف، هذا حده، وقوله تعالى: { ختم }: مأخوذ من الختم، وهو ~~الطبع، والخاتم: الطابع؛ قال في مختصر الطبري: والصحيح أن هذا ~~الطبع حقيقة.......... لا أنه مجاز؛ فقد جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن العبد إذا أذنب ذنبا، نكتت نكتة سوداء ~~في قلبه، فإن تاب، ونزع واستغفر، صقل قلبه، ~~وإن زاد، زادت؛ حتى تغلق قلبه، فذلك الران ~~الذي قال الله تعالى: { كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون } [المطففين:14] " # انتهى. # والغشاوة: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: { ولهم عذاب ~~عظيم }: معناه: لمخالفتك يا محمد، وكفرهم بالله، و { ~~عظيم }: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه. ### || [2.8-12] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله... } ~~إلى { وما يشعرون }. هذه الآية نزلت في المنافقين، وسمى ~~الله تعالى يوم القيامة اليوم الآخر؛ لأنه لا ليل بعده، ولا ms0008 ~~يقال يوم إلا لما تقدمه ليل، واختلف المتأولون في قوله: { ~~يخدعون الله } ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يخادعون ~~رسول الله، فأضاف الأمر إلى الله تجوزا؛ لتعلق رسوله به، ~~ومخادعتهم هي تحيلهم في أن يفشي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنون إليهم أسرارهم. # * ع *: تقول: خادعت الرجل؛ بمعنى: أعملت التحيل عليه، ~~فخدعته، بمعنى: تمت عليه الحيلة، ونفذ فيه المراد، وقال جماعة: ~~بل يخادعون الله والمؤمنين؛ بإظهارهم من الإيمان خلاف ما أبطنوا من ~~الكفر، وإنما خدعوا أنفسهم؛ لحصولهم في العذاب، { وما يشعرون } ~~بذلك، معناه: وما يعلمون علم تفطن وتهد، وهي لفظة مأخوذة من ~~الشعار؛ كأن الشيء المتفطن له شعار للنفس، وقولهم: ليت ~~شعري: معناه: ليت فطنتي تدرك. # واختلف، ما الذي نفى الله عنهم أن يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما ~~يشعرون أن ضرر تلك المخادعة راجع عليهم؛ لخلودهم في ~~النار، وقال آخرون: وما يشعرون أن الله يكشف لك سرهم ~~ومخادعتهم في قولهم: { ءامنا }. # قوله تعالى: { في قلوبهم مرض } ، أي: في عقائدهم فساد، وهم ~~المنافقون، وذلك إما أن يكون شكا، وإما جحدا بسبب حسدهم مع علمهم ~~بصحة ما يجحدون، وقال قوم: المرض غمهم بظهوره صلى الله عليه وسلم، ~~{ فزادهم الله مرضا } ، قيل: هو دعاء عليهم، وقيل: هو خبر ~~أن الله قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحي، ويظهر ~~من البراهين. # * ت *: لما تكلم. * ع *: على تفسير قوله تعالى: # عليهم دائرة السوء # [الفتح:6]. قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل، فإنما ~~هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي ~~في قبضته، ومن هذا: # ويل لكل همزة # [الهمزة:1]، # ويل للمطففين # [المطففين:1]، وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى: { ولهم ~~عذاب أليم } ، أي: مؤلم، { وإذا قيل لهم لا تفسدوا ~~فى الأرض } أي: بالكفر وموالاة الكفرة؛ ولقول المنافقين: { ~~إنما نحن مصلحون } ثلاث تأويلات: # أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النفاق. # والثاني: أن يقروا بموالاة الكفار ويدعون أنها صلاح؛ من حيث هم ~~قرابة ms0009 توصل. # والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين. # و «ألا»: استفتاح كلام، و «لكن»: حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: ~~لا يشعرون أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله ~~يفضحهم. ### || [2.13-16] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم ءامنوا كما ءامن ~~الناس... } الآية: المعنى: صدقوا بمحمد وشرعه كما صدق ~~المهاجرون والمحققون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خفت عقولهم، ~~والسفه: الخفة والرقة الداعية إلى الخفة، يقال: ثوب سفيه، إذا ~~كان رقيقا هلهل النسج، وهذا القول إنما كانوا يقولونه في خفاء، ~~فأطلع الله عليه نبيه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ~~ورقة الحلوم وفساد البصائر إنما هو في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم ~~لا يعلمون أنهم السفهاء للرين الذي على قلوبهم. # وقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين ءامنوا... } الآية: هذه ~~كانت حال المنافقين: إظهار الإيمان للمؤمنين، وإظهار الكفر في ~~خلواتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويدعهم ~~في غمرة الاشتباه؛ مخافة أن يتحدث الناس عنه أنه يقتل أصحابه ~~حسبما وقع في قصة عبد الله بن أبي ابن سلول، قال ~~مالك: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة ~~اليوم، واختلف المفسرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: هم رؤساء الكفر، وقيل: الكهان، قال البخاري: قال ~~مجاهد: { إلى شيطينهم } ، أي: أصحابهم من المنافقين ~~والمشركين. # قال: * ص *: شياطينهم: جمع شيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس ~~والدواب. قاله ابن عباس، وأنثاه شيطانة. انتهى. # * ت *: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء ~~بوجه، وهؤلاء بوجه " # رواه أبو داود، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم: # " من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم ~~القيامة لسانان من نار " # انتهى. من سنن أبي داود. # { الله يستهزىء بهم }: اختلف المفسرون في هذا الاستهزاء، ~~فقال جمهور العلماء: هي تسمية العقوبة باسم الذنب، والعرب تستعمل ~~ذلك كثيرا، وقال قوم: إن الله سبحانه يفعل ms0010 بهم أفعالا هي في تأمل ~~البشر هزء؛ روي أن النار تجمد كما تجمد الإهالة، فيمشون ~~عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النار تفتح ~~لهم، فيذهبون إلى الخروج، نحا هذا المنحى ابن عباس والحسن. # * ت *: وقوله تعالى: # قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا # [الحديد:13] يقوي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبري. ~~انتهى. # وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، و { ~~يمدهم } ، أي: يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم، ~~والطغيان الغلو وتعدي الحد؛ كما يقال: طغى الماء، وطغت ~~النار و { يعمهون }: معناه: يترددون حيرة، والعمه ~~الحيرة من جهة النظر، والعامه الذي كأنه لا يبصر. ### || [2.17-20] # قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } إلى ~~قوله: { يأيها الناس }: قال الفخر: اعلم أن المقصود من ضرب ~~المثال أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه؛ لأن ~~الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، ~~فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل؛ وذلك هو النهاية ~~في الإيضاح؛ ألا ترى أن الترغيب والترهيب إذا وقع مجردا عن ضرب ~~مثل، لم يتأكد وقوعه في القلب؛ كتأكده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر ~~الله تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثال، قال تعالى: # وتلك الأمثل نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون # [الحشر:21] انتهى. # والمثل والمثل والمثيل واحد، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة. # و { استوقد }: قيل: معناه أوقد. # واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد نارا؛ ~~فقالت فرقة: هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاق، فإيمانه بمنزلة النار ~~أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهاب النور، وقالت فرقة، منهم ~~قتادة: نطقهم ب «لا إله إلا الله» والقرآن كإضاءة النار، ~~واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها، قال جمهور النحاة: جواب «لما»: ~~«ذهب» ويعود الضمير من نورهم على «الذي»، وعلى هذا القول يتم تمثيل ~~المنافق بالمستوقد؛ لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء ~~المنافق؛ على الخلاف المتقدم. # وقال قوم: جواب «لما» مضمر، وهو «طفئت»، فالضمير في ~~«نورهم» على هذا للمنافقين، والإخبار ms0011 بهذا هو عن حال لهم تكون في ~~الآخرة، وهو قوله تعالى: # فضرب بينهم بسور له باب... # الآية [الحديد:13] وهذا القول غير قوي. # والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإذا فهم، فهو ~~الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحد، ووصفهم بهذه الصفات؛ إذ أعمالهم ~~من الخطإ وعدم الإجابة؛ كأعمال من هذه صفته. # و «صم»: رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أولئك»، أو ~~إضمارهم. # وقوله تعالى: { فهم لا يرجعون } قيل: معناه: لا يؤمنون ~~بوجه، وهذا إنما يصح أن لو كانت الآية في معينين، وقيل: معناه: فهم ~~لا يرجعون ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيح. # { أو كصيب }: «أو»: للتخيير، معناه مثلوهم بهذا أو بهذا، ~~والصيب المطر؛ من: صاب يصوب، إذا انحط من علو إلى ~~سفل. # و { ظلمت }: بالجمع: إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث ~~تتراكب وتتزيد جمعت، وكون الدجن مظلما هول وغم للنفوس؛ بخلاف السحاب ~~والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سار جميل. # واختلف العلماء في «الرعد»، فقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن ~~حوشب وغيرهم: هو ملك يزجر السحاب بهذا الصوت المسموع كلما ~~خالفت سحابة، صاح بها، فإذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي ~~الصواعق، واسم هذا الملك: الرعد. # وقيل: الرعد ملك، وهذا الصوت تسبيحه. # وقيل: الرعد: اسم الصوت المسموع؛ قاله علي بن أبي طالب. # وأكثر العلماء على أن الرعد ملك، وذلك صوته يسبح ويزجر السحاب. # واختلفوا في البرق. # فقال علي بن أبي طالب؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " هو مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب " # وهذا أصح ما روي فيه. # وقال ابن عباس: هو سوط نور بيد الملك يزجي به السحاب، وروي عنه: # " أن البرق ملك يتراءى " # واختلف المتأولون في المقصد بهذ المثل، وكيف تترتب أحوال ~~المنافقين الموازنة لما في المثل من الظلمات والرعد والبرق ~~والصواعق. # فقال جمهور المفسرين: مثل الله تعالى القرآن بالصيب، ~~فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد ~~والزجر هو الرعد، ms0012 وما فيه من النور والحجج الباهرة هو البرق، ~~وتخوفهم وروعهم وحذرهم هو جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح ~~نفاقهم، واشتهار كفرهم، وتكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد ~~والزكاة ونحوه هي الصواعق، وهذا كله صحيح بين. # وقال ابن مسعود: إن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله ~~المثل لهم، وهذا وفاق لقول الجمهور. # و { محيط بالكفرين } معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان ~~بفلان، إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: # وأحيط بثمره # [الكهف:42]. # و { يكاد } فعل ينفي المعنى مع إيجابه، ويوجبه مع النفي، فهنا لم ~~يخطف البرق الأبصار، والخطف: الانتزاع بسرعة، ومعنى { يكاد ~~البرق يخطف أبصرهم } ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته ~~الساطعة تبهرهم، ومن جعل البرق في المثل الزجر والوعيد، قال: يكاد ~~ذلك يصيبهم. # و «كلما»: ظرف، والعامل فيه «مشوا»، و «قاموا» معناه: ~~ثبتوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عباس وغيره: كلما سمع ~~المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحجج، أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من ~~القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلفونه، قاموا، أي: ثبتوا على ~~نفاقهم. # وروي عن ابن مسعود؛ أن معنى الآية: كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ~~ومواشيهم، وتوالت عليهم النعم، قالوا: دين محمد دين مبارك، ~~وإذا نزلت بهم مصيبة أو أصابتهم شدة، سخطوه وثبتوا في نفاقهم. # ووحد السمع؛ لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. # وقوله سبحانه: { على كل شيء قدير } لفظه العموم، ومعناه ~~عند المتكلمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقدير بمعنى ~~قادر، وفيه مبالغة، وخص هنا سبحانه صفته التي هي القدرة ~~بالذكر؛ لأنه قد تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ~~ذكر القدرة مناسبا لذلك. ### || [2.21-24] # قوله تعالى: { يأيها الناس اعبدوا ربكم... } ~~الآية: «يا»: حرف نداء، وفيه تنبيه، و «أي» هو المنادى، قال ~~مجاهد: { يأيها الناس } حيث وقع في القرآن مكي، و { ~~يأيها الذين ءامنوا } مدني. # قال: * ع *: قد تقدم في أول السورة؛ أنها كلها مدنية، وقد يجيء في ~~المدني: { يأيها الناس }. # وأما ms0013 قوله في: { يأيها الذين ءامنوا } فصحيح. # { اعبدوا ربكم }: معناه: وحدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى ~~خلقه لهم؛ إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجة ~~عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين: هي بمعنى إيجاب ~~التقوى، وليست من الله تعالى بمعنى ترج وتوقع، وفي «مختصر ~~الطبري»: { لعلكم تتقون } عن مجاهد، أي: لعلكم ~~تطيعون، والتقوى التوقي من عذاب الله بعبادته، وهي من الوقاية، وأما ~~«لعل» هنا، فهي بمعنى «كي» أو «لام كي»، أي: لتتقوا، أو لكي ~~تتقوا، وليست هنا من الله تعالى بمعنى الترجي، وإنما هي بمعنى ~~كي، وقد تجيء بمعنى «كي» في اللغة؛ قال الشاعر: (الطويل) # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # انتهى. # قال: * ع *: وقال سيبويه: ورؤساء اللسان: هي على بابها، والترجي ~~والتوقع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، ~~رجوتم لأنفسكم التقوى، و «لعل»: متعلقة بقوله: «اعبدوا»، ~~ويتجه تعلقها ب «خلقكم» أي: لما ولد كل مولود على ~~الفطرة، فهو إن تأمله متأمل، توقع له ورجا أن يكون متقيا، و ~~«تتقون»: مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صير» في هذه الآية؛ ~~لتعديها إلى مفعولين، و «فراشا» معناه: تفترشونها، و «السماء» ~~قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمع، واحده سماوة، وكل ما ~~ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، { وأنزل من السماء } يريد ~~السحاب، سمي بذلك تجوزا؛ لما كان يلي السماء، وقد سموا المطر ~~سماء للمجاورة؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] # إذا نزل السماء بأرض قوم # رعيناه وإن كانوا غضابا # فتجوز أيضا في «رعيناه». # وواحد الأنداد ند، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأولون من ~~المخاطب بهذه الآية، فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع ~~المشركين، فقوله سبحانه على هذا: { وأنتم تعلمون } يريد العلم ~~الخاص في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد ~~كفار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلمون من الكتب التي عندكم أن ~~الله لا ند له، وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين. # قوله تعالى: ms0014 { وإن كنتم في ريب } ، أي: في شك، { فأتوا ~~بسورة من مثله }: الضمير في «مثله» عند الجمهور: عائد على ~~القرآن، { وادعوا شهداءكم } ، أي: من شهدكم وحضركم من عون ~~ونصير؛ قاله ابن عباس: { إن كنتم صدقين } ، أي: فيما قلتم ~~من أنكم تقدرون على معارضته. # ويؤيد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: # لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال:31]، وفي قوله جل وعلا: { ولن تفعلوا } إثارة ~~لهممهم، وتحريك لنفوسهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضا من ~~الغيوب التي أخبر بها القرآن. # وقوله تعالى: { فاتقوا النار }: أمر بالإيمان وطاعة الله، ~~قال الفخر ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، ~~واتقاء النار يوجب ترك العناد؛ فأقيم قوله: { فاتقوا النار } ~~مقام قوله: «واتركوا العناد»، ووصف النار بأنها تتقد بالناس ~~والحجارة؛ وذلك يدل على قوتها، نجانا الله منها برحمته الواسعة. # وقرن الله سبحانه الناس بالحجارة؛ لأنهم اتخذوها في الدنيا ~~أصناما يعبدونها؛ قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء:98] فإحدى الآيتين مفسرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة ~~بنوع ما منعوا، انتهى. ### || [2.25] # قوله تعالى: { وبشر الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات أن لهم جنت... } الآية. # { بشر }: مأخوذ من البشرة؛ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر ~~يظهر عنه أثر في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد ~~تستعمل في الشر مقيدة به؛ كما قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة:34] ومتى أطلق لفظ البشارة، فإنما يحمل على الخير، وفي قوله ~~تعالى: { وعملوا الصلحات } رد على من يقول: إن لفظة ~~الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات؛ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، و { ~~جنت } جمع جنة، وهي بستان الشجر والنخل، وبستان الكرم، يقال ~~له الفردوس، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أن ثياب الجنة تشقق عنها ثمر الجنة " # ، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " ما ms0015 في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. انتهى من «التذكرة». # * ت *: وفي الباب عن ابن عباس، وجرير بن عبد الله، وغيرهما: ~~وسميت الجنة جنة؛ لأنها تجن من دخلها؛ أي: تستره، ومنه ~~المجن، والجنن، وجن الليل. # و { من تحتها } معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة. # * ت *: ومن أعظم البشارات أن هذه الأمة هم ثلثا أهل الجنة، وقد ~~خرج أبو بكر بن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أمتي يوم القيامة ثلثا أهل الجنة، إن ~~أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف، وإن ~~أمتي من ذلك ثمانون صفا " # ، وخرج ابن ماجه والترمذي عن بريدة بن حصيب قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف؛ ثمانون منها من ~~هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن............ انتهى من «التذكرة» ~~للقرطبي. # { والأنهار }: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة؛ مأخوذة من ~~أنهرت، أي: وسعت؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، فكلوه " # ومعناه: ما وسع الذبح؛ حتى جرى الدم كالنهر، ونسب الجري إلى النهر، ~~وإنما يجري الماء تجوزا؛ كما قال سبحانه: # واسأل القرية # [يوسف:82] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد؛ إنما تجري على سطح أرض ~~الجنة منضبطة. # وقولهم: { هذا الذي رزقنا من قبل }: إشارة إلى الجنس، ~~أي: هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل أن يكون تعجبا ~~منهم، وهو قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون خبرا من بعضهم لبعض؛ ~~قاله جماعة من المفسرين، وقال الحسن، ومجاهد: يرزقون الثمرة، ثم ~~يرزقون بعدها مثل صورتها، والطعم مختلف، فهم يتعجبون لذلك، ~~ويخبر بعضهم بعضا، وقال ابن عباس: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا ~~سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة، وقال بعض المتأولين: المعنى أنهم ~~يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: ~~هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وقال قوم: إن ms0016 ثمر الجنة إذا قطف ~~منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إشارة إلى الخارج في موضع ~~المجني. # وقوله تعالى: { متشبها } قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه ~~بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم، و { أزوج }: جمع زوج، ويقال في ~~المرأة: زوجة، والأول أشهر، و { مطهرة }: أبلغ من طاهرة، أي: ~~مطهرة من الحيض، والبزاق، وسائر أقذار الآدميات، والخلود: ~~الدوام، وخرج ابن ماجة عن أسامة بن زيد؛ قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ذات يوم لأصحابه: # " «ألا مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها؛ ~~هي، ورب الكعبة، نور يتلألأ، وريحانة تهتز، ~~وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة؛ ~~وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد ~~في حبرة ونضرة، في دار عالية سليمة بهية»، ~~قالوا: نحن المشمرون لها، يا رسول الله، قال: ~~«قولوا: إن شاء الله»، ثم ذكر الجهاد وحض ~~عليه " # انتهى من «التذكرة». # وقوله: لا خطر لها؛ بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عوض لها. ### || [2.26-29] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ~~ما بعوضة فما فوقها }: لما كان الجليل القدر في الشاهد لا ~~يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك، رد الله ~~بقوله: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما }؛ ~~على القائلين كيف يضرب الله مثلا بالذباب ونحوه. # واختلف في قوله تعالى: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~} ، هل هو من قول الكافرين أو خبر من الله تعالى؟ ولا خلاف أن قوله ~~تعالى: { وما يضل به إلا الفسقين } من قول الله ~~تعالى، والفسق: الخروج عن الشيء، يقال: فسقت الفأرة، إذا ~~خرجت من جحرها، والرطبة، إذا خرجت من قشرها، والفسق في ~~عرف استعمال الشرع: الخروج من طاعة الله عز وجل بكفر أو ~~عصيان. # قوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله }: النقض: ~~رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد: في هذه الآية: التقدم في ~~الشيء، والوصاة به، وظاهر مما قبل وبعد أنه في جميع الكفار. # * ع *: وكل عهد جائز بين المسلمين، فنقضه لا يحل ms0017 بهذه الآية، ~~والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران النقص، ~~كان في ميزان أو غيره. # قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله }: هو تقرير وتوبيخ، أي: ~~كيف تكفرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: { وكنتم } ~~واو الحال. # واختلف في قوله تعالى: { وكنتم أموتا... } الآية. # فقال ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتا معدومين ~~قبل أن تخلقوا دارسين؛ كما يقال للشيء الدارس: ميت، ثم خلقكم ~~وأخرجكم إلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم الموت المعهود، ثم (يحييكم) ~~للبعث يوم القيامة، وهذا التأويل هو أولى ما قيل؛ لأنه هو الذي لا ~~محيد للكفار عن الإقرار به، والضمير في «إليه» عائد على الله ~~تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، و { خلق }: معناه: اخترع، وأوجد بعد ~~العدم، و { لكم }: معناه: للاعتبار؛ ويدل عليه ما قبله وما ~~بعده من نصب العبر: الإحياء والإماتة والاستواء إلى السماء ~~وتسويتها. # وقوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء }: «ثم» هنا: ~~لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر في نفسه، و { استوى }: قال قوم: ~~معناه: علا دون كيف، ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير: علا ~~أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كيسان: معناه: قصد إلى السماء. # * ع*: أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع ~~النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان. # و { سواهن }: قيل: جعلهن سواء، وقيل: سوى سطوحهن ~~بالإملاس، وقال الثعلبي: { فسواهن } ، أي: خلقهن. انتهى. وهذه ~~الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت ~~الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة ~~«المؤمن»، وفي «النازعات». ### || [2.30-32] # وقوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل ~~في الأرض خليفة }: «إذ» ليست بزائدة عند الجمهور، وإنما هي ~~معلقة بفعل مقدر، تقديره: واذكر إذ قال، وإضافة «رب» إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ومخاطبته بالكاف تشريف منه سبحانه ~~لنبيه، وإظهار لاختصاصه به، و «الملائكة»: واحدها ملك، والهاء في ~~«ملائكة» لتأنيث الجموع غير حقيقي، وقيل: هي للمبالغة؛ كعلامة ~~ونسابة، والأول أبين. # و { جاعل }؛ في هذه الآية بمعنى ms0018 خالق، وقال الحسن وقتادة: جاعل ~~بمعنى فاعل، وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الأرض هنا هي مكة؛ لأن الأرض دحيت من ~~تحتها؛ ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء، ~~وأن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن " # و { خليفة }: معناه: من يخلف. # قال ابن عباس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسفكوا ~~الدماء، فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة قتلهم، وألحق ~~فلهم بجزائر البحار، ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة، وقال ~~ابن مسعود: إنما معناه: خليفة مني في الحكم. # وقوله تعالى: { أتجعل فيها من يفسد فيها } الآية: قد ~~علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم الغيب، ولا تسبق القول، وذلك عام ~~في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: # لا يسبقونه بالقول # [الأنبياء:27] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطيب: فهذه ~~قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد ~~الخليفة نبأ ومقدمة. # قال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته ~~قوم يفسدون، ويسفكون الدماء؛ فقالوا لذلك هذه المقالة: إما على طريق ~~التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله ~~في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار ~~للفصلين جميعا؛ الاستخلاف، والعصيان. # وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأت، ~~وعلمت ما كان من إفساد الجن، وسفكهم الدماء في الأرض؛ فجاء قولهم: { ~~أتجعل فيها... } الآية؛ على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة ~~يا ربنا على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ # وقال آخرون: كان الله تعالى قد أعلم الملائكة؛ أنه يخلق في الأرض ~~خلقا يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: { إني ~~جاعل } قالوا: ربنا { أتجعل فيها... } الآية؛ على جهة ~~الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به سبحانه ~~قبل، أو غيره؟ ونحو هذا في «مختصر الطبري»، قال: وقولهم: { أتجعل ~~فيها } ليس بإنكار لفعله عز وجل وحكمه، بل استخبار، هل يكون الأمر ms0019 ~~هكذا، وقد وجهه بعضهم بأنهم استعظموا الإفساد وسفك الدماء؛ فكأنهم ~~سألوا عن وجه الحكمة في ذلك؛ إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إلا حكمة. # انتهى. # * ت *: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانا من ~~رتبتهم، وشريف منزلتهم صلوات الله وسلامه على جميعهم والسفك صب ~~الدم، هذا عرفه، وقولهم: { ونحن نسبح بحمدك }. # قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام؛ كأنهم أرادوا: { ونحن ~~نسبح بحمدك } الآية، أم نتغير عن هذه الحال؟ # قال: * ع *: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: { ~~أتجعل }. # وقال آخرون: معناه: التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم؛ كما قال ~~يوسف: # إني حفيظ عليم # [يوسف:55]، وهذا يحسن مع التعجب والاستعظام؛ لأن يستخلف الله من ~~يعصيه في قولهم: { أتجعل } ، وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } ، ومعنى: { نسبح بحمدك ~~}: ننزهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عباس وابن مسعود: تسبيح ~~الملائكة صلاتهم لله سبحانه، وقال قتادة: تسبيحهم قولهم: «سبحان ~~الله»؛ على عرفه في اللغة، و { بحمدك }: معناه نصل التسبيح ~~بالحمد، ويحتمل أن يكون قولهم: { بحمدك } اعتراضا بين الكلامين؛ ~~كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدس، وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك، ~~وخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر؛ قال: قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى؟ إن ~~أحب الكلام إلى الله تعالى: «سبحن الله ~~وبحمده» " # ، وفي رواية: # " سئل صلى الله عليه وسلم، أي الكلام أفضل؟ ~~قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: ~~سبحان الله وبحمده " # وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في ~~الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله ~~وبحمده، سبحان الله العظيم " # وهذا الحديث به ختم البخاري رحمه الله. انتهى. # { ونقدس لك }: قال الضحاك وغيره: معناه: نطهر أنفسنا ~~لك؛ ابتغاء مرضاتك، والتقديس: التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة، ~~أي: المطهرة، وقال آخرون: { ونقدس لك }: معناه: نقدسك، أي: ~~نعظمك ونطهر ذكرك مما لا يليق ms0020 به، قاله مجاهد وغيره. # وقوله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون }. # قال ابن عباس: كان إبليس لعنه الله قد أعجب بنفسه، ودخله ~~الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا، واعتقد أن ذلك لمزية ~~له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وهي لا تعلم أن ~~في نفس إبليس خلاف ذلك، قال الله سبحانه: { إني أعلم ما ~~لا تعلمون } يعني ما في نفس إبليس. # وقال قتادة: لما قالت الملائكة: { أتجعل فيها من يفسد ~~فيها } ، وقد علم الله أن في من يستخلف في الأرض أنبياء ~~وفضلاء وأهل طاعة، قال لهم: { إني أعلم ما لا تعلمون } ~~، يعني: أفعال الفضلاء. # وقوله تعالى: { وعلم ءادم الأسماء كلها }: معناه: ~~عرف، وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة، وقال قوم: بل ~~تعليم بقول؛ إما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا ~~يشارك موسى عليه السلام في خاصته. # * ت *: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه ~~سبحانه لآدم الأسماء كلها، إنما كان بالعلم اللدني بلا واسطة. ~~انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاري، وكل ما أنقله عنه، ~~فمنه، واختلف المتأولون في قوله: { الأسماء }: فقال جمهور ~~الأمة: علمه التسميات، وقال قوم: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين؛ ~~ولفظة علم تعطي ذلك. # ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه، فقال ابن عباس، وقتادة، ~~ومجاهد: علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات؛ دقيقها، وجليلها، وقال ~~الطبري: علمه أسماء ذريته، والملائكة؛ ورجحه بقوله تعالى: { ~~ثم عرضهم } وقال أكثر العلماء: علمه تعالى منافع كل شيء، ~~ولما يصلح. # وقيل غير هذا. # واختلف المتأولون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون ~~الأشخاص؟. # { وأنبئوني }: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من ~~هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق، ويتقرر جوازه؛ لأنه سبحانه ~~علم أنهم لا يعلمون. # وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف، إنما هو ~~على جهة التقرير والتوقيف. # وقوله تعالى: { هؤلاء } ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على ~~الملائكة، وليس في هذه ms0021 الآية ما يدل أن الاسم هو المسمى؛ كما ذهب ~~إليه مكي والمهدوي. # والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه ~~الأجناس أشخاصا، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد ~~تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. # { وهؤلاء }: مبني على الكسر، { وكنتم } في موضع الجزم ~~بالشرط، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرد: محذوف؛ ~~تقديره: إن كنتم صادقين، فأنبئوني، وقال ابن عباس وابن مسعود ~~وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: معنى الآية: إن كنتم ~~صادقين في أن الخليفة يفسد ويسفك. # * ت *: وفي النفس من هذا القول شيء، والملائكة منزهون معصومون؛ كما ~~تقدم، والصواب ما تقدم من التفسير عند قوله تعالى: { أتجعل ~~فيها... } الآية. # وقال آخرون: إن كنتم صادقين في أني إن استخلفتكم، سبحتم ~~بحمدي، وقدستم لي. # وقال قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جواب السؤال، عالمين بالأسماء. # و { سبحنك }: معناه تنزيها لك وتبرئة أن يعلم أحد من علمك ~~إلا ما علمته، والعليم: معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من ~~المبالغة والتكثير في المعلومات، والحكيم: معناه: الحاكم وبينهما ~~مزية المبالغة، وقيل: معناه: المحكم، وقال قوم: الحكيم المانع ~~من الفساد، ومنه حكمة الفرس مانعته. ### || [2.33-34] # وقوله تعالى: { قال يا ءادم أنبئهم بأسمائهم }: ~~أنبئهم: معناه: أخبرهم، والضمير في «أنبئهم» عائد على ~~الملائكة بإجماع، والضمير في «أسمائهم» مختلف فيه حسب ~~الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم، قال بعض العلماء: إن في قوله ~~تعالى: { فلما أنبأهم } نبوءة لآدم عليه السلام؛ إذ أمره ~~الله سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. # وقوله تعالى: { أعلم غيب السموات والأرض }: معناه: ~~ما غاب عنكم؛ لأن الله تعالى لا يغيب عنه شيء، الكل معلوم له. # واختلف في قوله تعالى: { ما تبدون وما كنتم تكتمون }. # فقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم ~~أجمع، «وإذ» من قوله: { وإذ قلنا للملئكة } معطوفة على ~~«إذ» المتقدمة، وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر ms0022 قديم ~~في الأزل؛ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله ~~تعالى ونواهيه ومخاطباته. # * ت *: ما ذكره رحمه الله هو عقيدة أهل السنة، وها أنا أنقل ~~من كلام الأئمة، إن شاء الله، ما يتبين به كلامه، ويزيده وضوحا، قال ~~ابن رشد: قوله صلى الله عليه وسلم: # " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " # لا يفهم منه أن لله عز وجل كلمات غير تامات؛ لأن كلماته هي ~~قوله، وكلامه هو صفة من صفات ذاته يستحيل عليها النقص، وفي الحديث ~~بيان واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوق، وهذا ~~هو قول أهل السنة، والحق أن كلام الله عز وجل صفة من صفات ذاته ~~قديم غير مخلوق؛ لأن الكلام هو المعنى القائم في النفس، والنطق به ~~عبارة عنه؛ قال الله عز وجل: # ويقولون فى أنفسهم # [المجادلة:8] فأخبر أن القول معنى يقوم في النفس، وتقول: في نفسي ~~كلام، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهوم من كلامه، ~~وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارة عنه؛ وكذلك كلام الله عز وجل ~~القديم الذي هو صفة من صفات ذاته هو المفهوم من قراءة القارىء لا ~~نفس قراءته التي تسمعها؛ لأن نفس قراءته التي تسمعها محدثة، لم ~~تكن؛ حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بين إلا لمن أعمى الله بصيرته. ~~انتهى بلفظه من «البيان». # وقال الغزالي بعد كلام له نحو ما تقدم لابن رشد: وكما عقل ~~قيام طلب التعلم وإرادته بذات الوالد قبل أن يخلق ولده؛ حتى إذا خلق ~~ولده، وعقل، وخلق الله سبحانه له علما بما في قلب أبيه من الطلب، ~~صار مأمورا بذلك الطلب الذي قام بذات أبيه، ودام وجوده إلى وقت معرفة ~~ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دل عليه قوله عز وجل: # فاخلع نعليك # [طه:12] بذات الله تعالى، ومصير موسى عليه السلام سامعا لذلك ~~الكلام مخاطبا به بعد وجوده؛ إذ خلقت له معرفة بذلك الطلب، ومعرفة ~~بذلك الكلام القديم. انتهى بلفظه من «الإحياء». # وقوله: { للملئكة ms0023 } عموم فيهم، والسجود في كلام العرب: ~~الخضوع والتذلل، وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود ~~الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية ~~السجود، وقوله تعالى: # فقعوا له ساجدين # [الحجر:29] لا دليل فيه؛ لأن الجاثي على ركبتيه واقع، واختلف في حال ~~السجود لآدم. # فقال ابن عباس: تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك ~~لله، وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس أيضا: كان ~~سجود تحية؛ كسجود أبوي يوسف عليه السلام له، لا سجود عبادة، وقال ~~الشعبي: إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى { لأدم }: إلى آدم. # * ع *: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام. # وقوله تعالى: { إلا إبليس } نصب على الاستثناء المتصل؛ ~~لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازنا وملكا ~~على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل؛ قاله ابن عباس. # وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجن كما آدم أبو البشر، ولم يك قط ~~ملكا، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: واسمه الحارث. # وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض، ~~وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا، وتعبد مع الملائكة، وخوطب ~~معها، وحكاه الطبري عن ابن مسعود. # والاستثناء على هذه الأقوال منقطع؛ واحتج بعض أصحاب هذا القول؛ بأن ~~الله تعالى قال في صفة الملائكة: # لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم:6] ورجح الطبري قول من قال: إن إبليس كان من ~~الملائكة، وقال: ليس في خلقه من نار، ولا في تركيب الشهوة ~~والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة، وقوله ~~تعالى: # كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف:50] يتخرج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن ~~الملائكة قد تسمى جنا؛ لاستتارها؛ قال الله تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات:158] وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام: [الطويل] # وسخر من جن الملائك تسعة # قياما لديه يعملون بلا أجر # أو على أن يكون نسبه إلى الجنة؛ كما ينسب إلى البصرة ms0024 بصري. # قال عياض: ومما يذكرونه قصة إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيسا ~~فيهم، ومن خزان الجنة إلى ما حكوه، وهذا لم يتفق عليه، بل ~~الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن. انتهى من «الشفا». # وإبليس: لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجمي؛ قال الزجاج: ووزنه ~~فعليل، وقال ابن عباس وغيره: هو مشتق من أبلس، إذا أبعد عن ~~الخير، ووزنه على هذا إفعيل، ولم تصرفه هذه الفرقة؛ لشذوذه ~~وقلته، ومنه قوله تعالى: # فإذا هم مبلسون # [الأنعام:44] أي: يائسون من الخير، مبعدون منه فيما يرون، و { ~~أبى }: معناه: امتنع من فعل ما أمر به، { واستكبر }: دخل في ~~الكبرياء، والإباءة مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، ~~والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده، وروى ابن القاسم عن مالك؛ ~~أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد، والكبر، ~~والشح، حسد إبليس آدم، وتكبر، وشح آدم في أكله من شجرة قد ~~نهي عن قربها. # * ت *: إطلاق الشح على آدم فيه ما لا يخفى عليك، والواجب اعتقاد ~~تنزيه الأنبياء عن كل ما يحط من رتبتهم، وقد قال الله تعالى في حق ~~آدم: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه:115]. # وقوله تعالى: { وكان من الكفرين }: قالت فرقة: معناه: ~~وصار من الكافرين، ورده ابن فورك، وقال جمهور المتأولين: معنى: { ~~وكان من الكفرين } ، أي: في علم الله تعالى، وقال ~~أبو العالية: معناه: من العاصين، وذهب الطبري إلى أن الله تعالى ~~أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدم نعم الله ~~عليهم، وعلى أسلافهم. # * ت *: ولفظ الطبري: وفي هذا تقريع لليهود؛ إذ أبوا الإسلام مع علمهم ~~بنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوارة والكتب؛ حسدا ~~له، ولبني إسماعيل؛ كما امتنع إبليس من السجود؛ حسدا لآدم ~~وتكبرا عن الحق وقبوله، فاليهود نظراء إبليس في كفرهم وكبرهم ~~وحسدهم وتركهم الانقياد لأمر الله تعالى. انتهى من «مختصر ~~الطبري» لأبي عبد الله اللخمي النحوي. # واختلف، هل كفر إبليس ms0025 جهلا أو عنادا؟ على قولين بين أهل السنة، ولا ~~خلاف أنه كان عالما بالله قبل كفره، ولا خلاف أن الله تعالى أخرج ~~إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: { اسكن }. ### || [2.35-36] # قوله تعالى: { وقلنا يا ءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة }: { اسكن }: معناه: لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر، ~~ومعناه الإذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنة ~~الخلد، أو جنة أخرى. # * ت *: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة. # { وكلا منها } ، أي: من الجنة، والرغد: العيش الدار الهني، ~~و «حيث» مبنية على الضم. # وقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة }: معناه لا ~~تقرباها بأكل، والهاء في «هذه» بدل من الياء، وتحتمل هذه الإشارة ~~أن تكون إلى شجرة معينة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال ابن ~~عباس، وابن مسعود: هي الكرم، وقيل: هي شجرة التين، وقيل: السنبلة ~~وقيل غير ذلك. # وقوله: { فتكونا من الظلمين }: الظالم؛ في اللغة: الذي ~~يضع الشيء في غير موضعه، والظلم؛ في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها ~~الشرك، ثم ظلم المعاصي؛ وهي مراتب، و { أزلهما }: مأخوذ ~~من الزلل، وهو في الآية مجاز؛ لأنه في الرأي والنظر، وإنما حقيقة ~~الزلل في القدم، وقرأ حمزة: «فأزالهما» مأخوذ من الزوال، ~~ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم عليه ~~السلام ، واختلف في الكيفية. # فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة؛ بدليل ~~قوله تعالى: # وقاسمهما # [الأعراف:21] والمقاسمة ظاهرها المشافهة. # وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى ~~آدم بشيطانه، وسلطانه، ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # * ت *: وإلى هذا القول نحا المازري في بعض أجوبته، ومن ابتلي ~~بشيء من وسوسة هذا اللعين؛ فأعظم الأدوية له الثقة بالله، والتعوذ ~~به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدم الالتفات إليه، ما أمكن؛ قال ابن ~~عطاء الله في «لطائف المنن»: كان بي وسواس في الوضوء، فقال ~~لي ms0026 الشيخ أبو العباس المرسي: إن كنت لا تترك هذه الوسوسة لا ~~تعد تأتينا، فشق ذلك علي، وقطع الله الوسواس عني، وكان ~~الشيخ أبو العباس يلقن للوسواس: سبحان الملك الخلاق، # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [فاطر:16، 17] انتهى. # قال عياض: في «الشفا»؛ وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالى: # فأكلا منها # [طه:121] بعد قوله: { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا ~~من الظلمين } ، وقوله تعالى: # ألم أنهكما عن تلكما الشجرة # [الأعراف:22] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه:121] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله: # ولقد عهدنا إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه:115] قال ابن عباس: نسي عداوة إبليس، وما عهد الله إليه من ~~ذلك؛ بقوله: # إن هذا عدو لك ولزوجك... # [طه:117] الآية، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي ~~الإنسان إنسانا؛ لأنه عهد إليه فنسي، وقيل: لم يقصد المخالفة؛ ~~استحلالا لها، ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما: # إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف:21] وتوهما أن أحدا لا يحلف بالله حانثا، وقد روي عذر ~~آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جبير: حلف بالله لهما حتى ~~غرهما، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفة؛ فلذلك قال ~~تعالى: # ولم نجد له عزما # [طه:115] أي: قصدا للمخالفة وأكثر المفسرين على أن العزم هنا ~~الحزم والصبر، وقال ابن فورك وغيره: إنه يمكن أن يكون ذلك قبل ~~النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى # [طه:121، 122] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل ~~أكلها، وهو متأول، وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول ~~نهي الله تعالى عن شجرة مخصوصة، لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما ~~كانت التوبة من ترك التحفظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن الله ~~تعالى لم ينهه عنها نهي تحريم. انتهى بلفظه فجزاه الله خيرا، ولقد ~~جعل الله في شفاه شفاء. # والضمير ms0027 في { عنها } يعود على الجنة، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر ~~تقديره: فأكلا من الشجرة. وقوله تعالى: { فأخرجهما ~~مما كانا فيه }: قيل: معناه: من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا، ~~وقيل: من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب. # * ت *: وفي هذا القول ما فيه، بل الصواب ما أشار إليه صاحب ~~«التنوير»؛ بأن إخراج آدم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه ~~سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفة، هو وأخيار ذريته، قائمين ~~فيها بما يجب لله من عبادته، والهبوط النزول من علو إلى سفل، ~~واختلف من المخاطب بالهبوط. # فقال السدي وغيره: آدم، وحواء، وإبليس، والحية التي أدخلت ~~إبليس في فمها، وقال الحسن: آدم، وحواء والوسوسة. # و { بعضكم لبعض عدو } جملة في موضع الحال، { ولكم فى ~~الأرض مستقر } ، أي: موضع استقرار، وقيل: المراد الاستقرار في ~~القبور، والمتاع: ما يستمتع به؛ من أكل، ولبس، وحديث، وأنس، وغير ~~ذلك. # واختلف في «الحين» هنا. # فقالت فرقة: إلى الموت، وهذا قول من يقول: المستقر هو المقام في ~~الدنيا، وقالت فرقة: { إلى حين }: إلى يوم القيامة، وهذا هو قول ~~من يقول: المستقر هو في القبور، والحين المدة الطويلة من الدهر، ~~أقصرها في الأيمان والالتزامات سنة؛ قال الله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين # [إبراهيم:25] وقيل: أقصرها ستة أشهر؛ لأن من النخل ما يطعم في كل ~~ستة أشهر. # وفي قوله تعالى: { إلى حين } فائدة لآدم عليه السلام؛ ليعلم أنه ~~غير باق فيها، ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم ~~دالة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب، وأن ~~حواء نزلت بجدة، وأن الحية نزلت بأصبهان، وقيل: ~~بميسان، وأن إبليس نزل عند الأبلة. ### || [2.37-38] # قوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمات }: المعنى: ~~فقال الكلمات، فتاب الله عليه عند ذلك، وقرأ ابن كثير «آدم» ~~بالنصب «من ربه كلمات» بالرفع، واختلف المتأولون في ~~الكلمات، فقال الحسن بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: # ربنا ظلمنا أنفسنا... # الآية [الأعراف:23]، وقالت طائفة: إن آدم رأى مكتوبا ms0028 على ساق العرش: ~~محمد رسول الله، فتشفع به، فهي الكلمات، وسئل بعض سلف ~~المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قاله أبواه: # ربنا ظلمنا أنفسنا # [الأعراف:23] وما قاله موسى: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي # [القصص:16] وما قال يونس: # لا إله إلا أنت سبحنك إني كنت من ~~الظلمين # [الأنبياء:87] وتاب عليه: معناه: راجع به، والتوبة من الله ~~تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع ~~عن المعصية، والندم على الذنب، مع تركه فيما يستأنف. # * ت *: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص الله تعالى ~~آدم بالذكر في التلقي، والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع؛ ~~لأنه المخاطب في أول القصة، فكملت القصة بذكره وحده؛ وأيضا: ~~فلأن المرأة حرمة ومستورة، فأراد الله تعالى الستر لها؛ ~~ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: # وعصى ءادم ربه # [طه:121] وبنية التواب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: { هو ~~التواب } تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من ~~الله تعالى، لا من العبد وحده؛ لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه ~~شكر الله تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علق بكل أمر ~~منهما حكما غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان ~~الهدى. # * ت *: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تكرمة؛ لما ينشأ عن ~~ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العبادات. # و { جميعا }: حال من الضمير في «اهبطوا»، واختلف في المقصود ~~بهذا الخطاب. # فقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه ~~الخصوص في آدم وحواء؛ لأن إبليس لا يأتيه هدى، والأول أصح؛ لأن إبليس ~~مخاطب بالإيمان بإجماع. # «وإن» في قوله: { فإما } هي للشرط، دخلت «ما» عليها مؤكدة؛ ~~ليصح دخول النون المشددة، واختلف في معنى قوله: { هدى } فقيل: بيان ~~وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاء، وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي ~~إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فمن بعده. # وقوله تعالى: { فمن تبع هداي }: شرط، جوابه: { فلا خوف ~~عليهم } ، قال سيبويه: والشرط الثاني وجوابه ms0029 هما جواب الأول في ~~قوله: { فإما يأتينكم }. # وقوله تعالى: { فلا خوف عليهم }: يحتمل فيما بين أيديهم من ~~الدنيا، { ولا هم يحزنون } على ما فاتهم منها، ويحتمل: { لا ~~خوف عليهم } يوم القيامة، { ولا هم يحزنون } فيه. # * ت *: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبري، ولفظه عن ابن ~~زيد: { فلا خوف عليهم } ، أي: لا خوف عليهم أمامهم، قال: وليس ~~شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموت؛ فأمنهم سبحانه منه، ~~وسلاهم عن الدنيا. انتهى. ### || [2.39-41] # وقوله تعالى: { والذين كفروا... }: لما كانت لفظة الكفر ~~يشترك فيها كفر النعم، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود، بين سبحانه ~~أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله: { وكذبوا بآيتنا... } ~~والآيات هنا يحتمل أن يريد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامات ~~المنصوبة، والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما زمنا. # قوله تعالى: { يبني إسرءيل اذكروا نعمتي }: ~~إسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام وإسرا: هو بالعبرانية عبد، وإيل: اسم الله تعالى، ~~فمعناه عبد الله، والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا ~~منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان، والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردة ~~بمعنى الجمع، قال ابن عباس، وجمهور العلماء: الخطاب لجميع بني ~~إسرائيل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }: أمر ~~وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماء عام في جميع أوامره سبحانه ~~ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي ~~في التوراة، والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذي ~~الحكيم في «نوادر الأصول» له عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " قال ربكم سبحانه: لا أجمع على عبدي ~~خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافني في ~~الدنيا أمنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا، ~~أخفته في الآخرة " # انتهى في «التذكرة» للقرطبي، ورواه ابن المبارك في «رقائقه» من ~~طريق الحسن البصري، وفيه: # " قال الله: وعزتي، لا أجمع على عبدي خوفين، ~~ولا أجمع له أمنين؛ فإذا أمنني في الدنيا ~~أخفته يوم القيامة، ms0030 وإذا خافني في الدنيا ~~أمنته يوم القيامة " # انتهى، ورواه أيضا الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» ~~قال صاحب «الكلم الفارقية، والحكم الحقيقية»: «بقدر ما ~~يدخل القلب من التعظيم والحرمة تنبعث الجوارح في الطاعة والخدمة». ~~انتهى. # و { ءامنوا }: معناه: صدقوا، و { مصدقا } نصب على الحال من ~~الضمير في { أنزلت } ، و { ما أنزلت } كناية عن القرآن، و { ~~لما معكم } ، يعني: التوراة. # وقوله: { ولا تكونوا أول كافر به } هذا من مفهوم الخطاب ~~الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، وحذروا البدار ~~إلى الكفر به؛ إذ على الأول كفل من فعل المقتدى به، ونصب «أول» ~~على خبر «كان». # * ع *: وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، وإنما معناه من أهل الكتاب؛ ~~إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، واختلف في الضمير في «به»، فقيل: يعود ~~على محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: على القرآن، وقيل: على التوراة، ~~واختلف في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات. # فقالت طائفة: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا ~~عن ذلك، وفي كتبهم: «علم مجانا؛ كما علمت مجانا»، أي: ~~باطلا بغير أجرة. # وقيل: كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم. # وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رشا على تغيير صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في التوراة، فنهوا عن ذلك. # وقال قوم: معنى الآية: ولا تشتروا بأوامري، ونواهي، وآياتي ثمنا ~~قليلا، يعني: الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له، وقد ~~تقدم نظير قوله: { وإيي فاتقون } ، وبين «اتقون»، و ~~«ارهبون» فرق إن الرهبة مقرون بها وعيد بالغ. ### || [2.42-43] # وقوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } ، أي: لا ~~تخلطوا، قال أبو العالية: قالت اليهود: محمد نبي مبعوث، لكن إلى ~~غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطل، { وتكتموا ~~الحق } ، أي: أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الألفاظ ~~دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من ~~الجاهل، { وأنتم تعلمون } جملة في موضع الحال. قال: # * ص *: { وتكتموا } مجزوم معطوف على { تلبسوا } ، والمعنى ~~النهي عن كل من الفعلين. ms0031 انتهى. # { وأقيموا الصلاة }: معناه: أظهروا هيئتها، وأديموها ~~بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: ~~من التطهير. # وقوله تعالى: { واركعوا مع الراكعين }: قيل: إنما خص الركوع ~~بالذكر؛ لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. # * ت *: وفي هذا القول نظر، وقد قال تعالى في «مريم»: # اسجدي واركعي # [آل عمران:43]، وقالت فرقة: إنما قال: { مع }؛ لأن الأمر بالصلاة ~~أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: { مع } شهود الجماعة. # * ت *: وهذا القول هو الذي عول عليه * ع *: في قصة مريم ~~عليها السلام ، والركوع الانحناء بالشخص. ### || [2.44-46] # وقوله تعالى: { أتأمرون } خرج مخرج الاستفهام، ومعناه التوبيخ، ~~و «البر» يجمع وجوه الخير والطاعات، و { تنسون } معناه تتركون ~~أنفسكم. # قال ابن عباس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع ~~التوراة، وكانوا هم يخالفونها في جحدهم منها صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم، دلوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. # * ت *: وخرج الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني في ~~كتاب «رياضة المتعلمين»؛ قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، ~~حدثنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن ~~عبد الله بن علي بن زيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه ؛ قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض ألسنتهم ~~وشفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل، من ~~هؤلاء؟ قال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون ~~الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون ~~الكتاب أفلا يعقلون " # انتهى. # { واستعينوا بالصبر والصلوة }: قال مقاتل: معناه: على ~~طلب الآخرة، وقيل: استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات على نيل ~~رضوان الله سبحانه، وبالصلاة على نيل رضوان الله، وحط الذنوب، ~~وعلى مصائب الدهر أيضا؛ ومنه الحديث: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا حزبه أمر، فزع ~~إلى الصلاة " # ، ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وهو في ~~سفر، فاسترجع، وتنحى عن ms0032 الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو ~~يقرأ: { واستعينوا بالصبر والصلوة } ، وقال مجاهد: ~~الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر، وخص الصوم ~~والصلاة على هذا القول بالذكر؛ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات، ~~ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتخشع، ~~ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة، وقال قوم: الصبر على بابه، ~~والصلاة الدعاء، وتجيء الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله # [الأنفال:45] لأن الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء، وروى ابن ~~المبارك في «رقائقه»؛ قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت ~~البناني عن صلة بن أشيم؛ قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من صلى صلاة، لم يذكر فيها شيئا من أمر ~~الدنيا، لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " # وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجهني؛ قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من توضأ، فأحسن وضوءه، ثم صلى صلاة غير ~~ساه، ولا لاه، كفر عنه ما كان قبلها من شيء " # انتهي. # وهذان الحديثان يبينان ما جاء في «صحيح البخاري» # " عن عثمان حيث توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ~~ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما ~~تقدم من ذنبه» " # انتهى. # والضمير في قوله تعالى: { وإنها } قيل: يعود على الصلاة، وقيل: ~~على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. قال: # * ص *: «وإنها» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا ~~يعود على غير الأقرب إلا بدليل. انتهى. # ثم ذكر أبو حيان وجوها أخر نحو ما تقدم. # وكبيرة: معناه: ثقيلة شاقة، والخاشعون: المتواضعون ~~المخبتون، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون ~~وتواضع. # و { يظنون } في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنون، والظن ~~في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع ~~اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في ms0033 رجل ~~مرئي أظن هذا إنسانا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى ~~الحس؛ كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: # فظنوا أنهم مواقعوها # [الكهف:53]. # قال: * ص *: قلت: وما ذكره ابن عطية هو معنى ما ذكره الزجاج ~~في معانيه عن بعض أهل العلم؛ أن الظن يقع في معنى العلم الذي لم ~~تشاهده، وإن كان قد قامت في نفسك حقيقته، قال: وهذا مذهب إلا أن ~~أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، ~~رواه عن زيد بن أسلم. انتهى. # والملاقاة هي للثواب أو العقاب، ويصح أن تكون الملاقاة هنا ~~بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث. # و { رجعون }: قيل: معناه: بالموت، وقيل: بالحشر والخروج إلى ~~الحساب والعرض، ويقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: { ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون }. ### || [2.47-48] # قوله تعالى: { يابني إسرائيل... } الآية قد تكرر هذا ~~النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون ~~للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين؛ ~~بدلالة ما بعده؛ وأيضا: فإن فيه تقوية التوقيف، وتأكيد الحض على ~~أيادي الله سبحانه، وحسن خطابهم بقوله سبحانه: { فضلتكم ~~على العلمين }؛ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي ~~الكلام اتساع، قال قتادة وغيره: المعنى: على عالم زمانهم الذي ~~كانت فيه النبوءة المتكررة، لأن الله تعالى يقول لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران:110]. # { واتقوا يوما } ، أي: عذاب يوم، أو هول يوم؛ ويصح أن يكون ~~يوما نصبه على الظرف، و { لا تجزي }: معناه: لا تغني، وقال ~~السدي: معناه: لا تقضي؛ ويقويه قوله: { شيئا } ، وفي الكلام ~~حذف، التقدير: لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبري: أي: واتقوا يوما لا ~~تقضي نفس عن نفس شيئا، ولا تغني غناء، وأحدنا اليوم قد يقضي ~~عن قريبه دينا، وأما في الآخرة، فيسر المرء أن يترتب له على قريبه ~~حق؛ لأن القضاء هناك من الحسنات والسيئات؛ كما أخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم. انتهى. # والشفاعة: مأخوذة من الشفع، ms0034 وهما الاثنان؛ لأن الشافع والمشفوع ~~له شفع؛ وسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: «نحن أبناء ~~أنبياء الله، وسيشفع لنا آباؤنا»، وهذا إنما هو في حق الكافرين؛ ~~للإجماع، وتواتر الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين. # وقوله تعالى: { ولا يؤخذ منها عدل }: قال أبو العالية: ~~العدل: الفدية. # قال: * ع *: عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا، وإن لم يكن من ~~جنسه، والعدل؛ بكسر العين: هو الذي يساوي الشيء من جنسه، وفي جرمه، ~~والضمير في قوله: { ولا هم } عائد على الكافرين الذين اقتضتهم ~~الآية، ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما؛ لأن اثنين جمع، ~~أو لأن النفس للجنس، وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها ~~بنو آدم في الدنيا؛ فإن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلص إلا بأن ~~يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. # * ت *: أو يمن عليه إلا أن الكافر ليس هو بأهل لأن يمن عليه. ### || [2.49] # وقوله تعالى: { وإذ نجينكم من ءال فرعون }: أي: ~~خلصناكم، وآل: أصله أهل؛ قلبت الهاء ألفا؛ ولذلك ردها ~~التصغير إلى الأصل، فقيل: أهيل، وآل الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه، ~~وفرعون: اسم لكل من ملك من العمالقة بمصر، وفرعون موسى، ~~قيل: اسمه مصعب بن الريان، وقال ابن إسحاق: اسمه الوليد ~~بن مصعب، وروي أنه كان من أهل إصطخر ورد مصر، فاتفق له ~~فيها الملك، وكان أصل كون بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمن ~~ابنه يوسف عليهما السلام. # و { يسومونكم }: معناه: يأخذونكم به، ويلزمونكم إياه، والجملة ~~في موضع نصب على الحال، أي: سائمين لكم سوء العذاب، وسوء العذاب ~~أشده وأصعبه، وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا ~~خرجت من بيت المقدس، فأحرقت بيوت مصر، فأولت له رؤياه؛ أن ~~مولودا من بني إسرائيل ينشأ، فيخرب ملك فرعون على يديه، وقال ابن ~~إسحاق، وابن عباس، وغيرهما: إن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون: قد ~~أظلك زمان مولود من بني إسرائيل يخرب ملكك. # و { يذبحون } بدل من: «يسومون»، { وفي ذلكم }: إشارة ~~إلى جملة الأمر، و { بلاء } معناه: امتحان واختبار، ms0035 ويكون البلاء في ~~الخير والشر. # وحكى الطبري وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى عليه السلام ~~أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا ~~الحلي والمتاع من القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، ويروى ~~أنهم فعلوا ذلك دون رأي موسى عليه السلام وهو الأشبه به، ~~فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم بهم فرعون، فقال: لا يتبعهم أحد ~~حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك؛ حتى أصبح، ~~وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا بالدفن، ~~وخرجوا في الأتباع مشرقين، وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر؛ حتى ~~بلغه، وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف، وكانت عدة ~~فرعون ألف ألف ومائتي ألف، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ~~ثبوته، فلما لحق فرعون موسى، ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين، فقال ~~يوشع بن نون لموسى: أين أمرت؟ فقال: هكذا، وأشار إلى البحر، ~~فركض يوشع فرسه؛ حتى بلغ الغمر، ثم رجع، فقال لموسى: أين ~~أمرت؟ فوالله: ما كذبت، ولا كذبت، فأشار إلى البحر، وأوحى ~~الله تعالى إليه؛ أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى الله إلى البحر؛ ~~أن انفرق لموسى إذا ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب، فحين ~~أصبح، ضرب موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلق، وكان ذلك في يوم ~~عاشوراء. ### || [2.50-54] # وقوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } الآية: { فرقنا ~~}: معناه: جعلناه فرقا، ومعنى { بكم } أي: بسببكم، والبحر هو بحر ~~القلزم ولم يفرق البحر عرضا من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من ~~موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يقرب موضع النجاة، ~~ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوغار حائلة، وقيل: ~~انفرق البحر عرضا على اثني عشر طريقا؛ طريق لكل سبط، ~~فلما دخلوها، قالت كل طائفة: غرق أصحابنا، وجزعوا، فقال موسى ~~ عليه السلام : اللهم، أعني على أخلاقهم السيئة، ~~فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها، فصار في ~~الماء فتوح كالطاق، يرى بعضهم بعضا، وجازوا وجبريل في ساقتهم ms0036 ~~على ماذيانة يحث بني إسرائيل، ويقول لآل فرعون: مهلا ~~حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر، أراد الدخول، ~~فنفر فرسه، فتعرض له جبريل بالرمكة، فأتبعها الفرس، ودخل آل ~~فرعون، وميكائل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائل في ساقتهم على ~~الضفة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا. # و { تنظرون }: قيل: معناه بأبصاركم لقرب بعضهم من بعض، وقيل: ~~ببصائركم للاعتبار؛ لأنهم كانوا في شغل. # قال الطبري: وفي أخبار القرآن على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب، ولا وقعت إلا في خفي ~~علم بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل، وقائم عليهم بنبوءة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # وموسى: اسم أعجمي، قال ابن إسحاق: هو موسى بن عمران بن ~~يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. # وخص الليالي بالذكر في قوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى ~~أربعين ليلة } إذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ~~ولذلك وقع بها التاريخ، قال النقاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم؛ ~~لأنه لو ذكر الأيام، لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص ~~على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلة ~~بأيامها. # قال: * ع *: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الشيخ ~~الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله ~~يعظ الناس بهذا المعنى في الخلوة بالله سبحانه، والدنو منه في ~~الصلاة، ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب، ويقول: أين حال ~~موسى في القرب من الله، ووصال ثمانين من الدهر من قوله، حين سار ~~إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: # آتنا غداءنا # [الكهف:62]. # * ت *: وأيضا في الأثر أن موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من ~~النصب؛ حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخضر عليهما السلام. # قال: * ع *: وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد. # وقوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل } أي: إلها، والضمير في { ~~بعده } يعود على موسى، وقيل: ms0037 على انطلاقه للتكليم؛ إذ المواعدة ~~تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من ~~مصر، قال لهم: إن الله تعالى سينجيكم من آل فرعون، وينفلكم ~~حليهم، ويروى أن استعارتهم للحلي كانت بغير إذن موسى ~~عليه السلام وهو الأشبه به، ويؤيده ما في سورة طه في قولهم لموسى: # ولكنا حملنا أوزارا # [طه:87] فظاهره أنهم أخبروه بما لم يتقدم له به شعور، ثم قال لهم ~~موسى: إنه سينزل الله علي كتابا فيه التحليل والتحريم والهدى ~~لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج ~~لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلة، فعدوا عشرين يوما بعشرين ~~ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أخلفنا الموعد، وبدا ~~تعنتهم وخلافهم، وكان السامري رجلا من بني إسرائيل يسمى موسى بن ~~ظفر، ويقال: إنه ابن خال موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل ~~كان غريبا فيهم، والأول أصح، وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت ~~عبورهم، قالت طائفة: أنكر هيئته، فعرف أنه ملك، وقالت طائفة: ~~كانت أم السامري ولدته عام الذبح، فجعلته في غار وأطبقت عليه، فكان ~~جبريل عليه السلام يغذوه بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لبنا وفي أصبع ~~عسلا، وفي أصبع سمنا، فلما رآه وقت جواز البحر، عرفه، فأخذ من ~~تحت حافر فرسه قبضة تراب، وألقى في روعه؛ أنه لن يلقيها على شيء، ~~ويقول له: كن كذا إلا كان، فلما خرج موسى لميعاده، قال هارون لبني ~~إسرائيل: إن ذلك الحلي والمتاع الذي استعرتم من القبط لا يحل ~~لكم، فجيئوا به؛ حتى تأكله النار التي كانت العادة أن تنزل على ~~القرابين. # وقيل: بل أوقد لهم نارا، وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. # وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى، وروي، ~~وهو الأصح الأكثر؛ أنه ألقى الناس الحلي في حفرة، أو نحوها، وجاء ~~السامري، فطرح القبضة، وقال: كن عجلا. # وقيل: إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. # وقيل: ms0038 بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر. # * ت *: والذي في القرآن: # يعكفون على أصنام لهم # [الأعراف:138] قيل: كانت على صور البقر، # فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة # [الأعراف:138] فوعاها السامري، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت ~~بنو إسرائيل بالعجل، وظلت منهم طائفة يعبدونه، فاعتزلهم هارون بمن ~~تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء ~~الله تعالى، ثم أوحى الله إليه؛ أنه لن يتوب على بني إسرائيل؛ ~~حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلت بنو إسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح ~~من عبد منهم، ومن لم يعبد، وألقى الله عليهم الظلام، فقتل ~~بعضهم بعضا، يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتل، وبلغ ~~سبعين ألفا، عفا الله عنهم، وجعل من مات شهيدا، وتاب على البقية؛ ~~فذلك قوله سبحانه: { ثم عفونا عنكم } وقال بعض المفسرين: وقف ~~الذين عبدوا العجل صفا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، ~~فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفنية، وخرج يوشع بن ~~نون ينادي: ملعون من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوه ~~يقتلونهم، وموسى صلى الله عليه وسلم في خلال ذلك يدعو لقومه، ويرغب ~~في العفو عنهم، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد ~~الأقوال؛ لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبد العجل. # { وأنتم ظلمون } ابتداء وخبر في موضع الحال، والعفو تغطية ~~الأثر، وإذهاب الحال الأول من الذنب أو غيره. # * ت *: ومنه الحديث: # " فجعلت أم إسماعيل تعفي أثرها ". # قال: * ع *: ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب، والكتاب ~~هنا هو التوراة بإجماع، واختلف في الفرقان هنا، فقال الزجاج ~~وغيره: هو التوراة أيضا؛ كرر المعنى؛ لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب ~~التوراة، والفرقان سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام؛ لأنها ~~فرقت بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجل من ذهب؟ فقال ذلك ~~الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحما ودما، والأول أصح. # * ت *: وقوله تعالى: { فتوبوا إلى بارئكم } عن أبي ~~العالية: إلى خالقكم؛ من ms0039 برأ الله الخلق، أي: خلقهم، ~~فالبريئة: فعيلة بمعنى مفعولة. انتهى من «مختصر أبي عبد الله ~~اللخمي النحوي للطبري». ### || [2.55-57] # وقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى }: يريد السبعين الذين ~~اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهم. # فحكى أكثر المفسرين؛ أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم؛ ليستغفروا ~~لبني إسرائيل، وحكى النقاش وغيره؛ أنه اختارهم حين خرج من البحر، ~~وطلب بالميعاد، والأول أصح. # وقصة السبعين أن موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم الله تعالى، ~~ووجد العجل قد عبد، قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل: نحن لم ~~نكفر، ونحن أصحابك، ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه؛ ~~أن اختر منهم سبعين، فلم يجد إلا ستين، فأوحى إليه أن اختر من ~~الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخا، وكان قد اختار ستة من كل ~~سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن يتأخر، فأوحي إليه ~~أن من تأخر له أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون، ~~وكالوث بن يوفنا، وذهب موسى عليه السلام بالسبعين، بعد أن ~~أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثا، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف ~~هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام، قال ~~النقاش: غشيتهم سحابة، وحيل بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا ~~سجودا، قال السدي وغيره: وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم ~~يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر ~~لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام ~~الله، فذلك قوله تعالى: # وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم ~~يحرفونه # [البقرة:75] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم الله تعالى بذلك، فقالوا: { ~~لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ، ولم يطلبوا من ~~الرؤية محالا؛ أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق ~~السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقة، فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به ~~الغير، وقال قتادة: ماتوا، وذهبت أرواحهم، ثم ردوا؛ لاستيفاء ~~آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى يناشد ربه فيهم، ويقول: ~~أي رب، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم، فيهلكون، ولا يؤمنون بي ~~أبدا، وقد خرجوا، وهم ms0040 الأخيار. # قال: * ع *: يعني: هم بحال الخير وقت الخروج، وقال قوم: بل ظن موسى ~~أن السبعين، إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل، فذلك قوله: # أتهلكنا # [الأعراف:155] يعني السبعين: { بما فعل السفهاء منا } ~~يعني: عبدة العجل، وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين؛ ~~لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه؛ بقولهم لموسى: # أرنا # [النساء:153] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام. # قال: * ع *: ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، ~~وأذهب فضيلة موسى، واختصاصه بالتكليم. # و { جهرة }: مصدر في موضع الحال، والجهر العلانية، ومنه الجهر ~~ضد السر، وجهر الرجل الأمر: كشفه، وفي «مختصر الطبري» عن ابن ~~عباس: { جهرة }: قال علانية، وعن الربيع: { جهرة }: عيانا. # انتهى. # وقوله تعالى: { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون }: أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام ~~وأحياهم من ذلك الهمود، أو الموت؛ ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث ~~هنا الإثارة، و { لعلكم تشكرون } ، أي: على هذه النعمة، ~~والترجي إنما هو في حق البشر. # وذكر المفسرون في تظليل الغمام؛ أن بني إسرائيل، لما كان من أمرهم ~~ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص التيه بين مصر ~~والشام، فأمروا بقتال الجبارين، فعصوا، وقالوا: # اذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة:24] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين ~~سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا ~~يمشون النهار كله، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، ~~فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: # لا تأس على القوم الفاسقين # [المائدة:26]. # وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، ~~فهم الذين خرجوا من فحص التيه، وقاتلوا الجبارين، وإذ كان جميعهم ~~في التيه، قالوا لموسى: من لنا بالطعام؟ قال: الله، فأنزل الله ~~عليهم المن والسلوى، قالوا: من لنا من حر الشمس؟ فظلل عليهم ~~الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل، فضرب لهم عمود نور في ~~وسط محلتهم، وذكر مكي عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟ فأمر ~~موسى بضرب الحجر، قالوا: من لنا ms0041 باللباس، فأعطوا ألا يبلى ~~لهم ثوب، ولا يخلق، ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب ~~نمو الصبيان، والمن صمغة حلوة؛ هذا قول فرقة، وقيل: هو ~~عسل، وقيل: شراب حلو، وقيل: الذي ينزل اليوم على الشجر، وروي أن ~~المن كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ كالثلج، ~~فيأخذ منه الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر، فسد عليه إلا في يوم ~~الجمعة؛ فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت، فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم ~~السبت يوم عبادة. # والسلوى طير؛ بإجماع المفسرين، فقيل: هو السمانا. # وقيل: طائر مثل السمانا. # وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب. # * ص *: قال ابن عطية: وغلط الهذلي في إطلاقه السلوى على ~~العسل؛ حيث قال: [الطويل] # وقاسمها بالله عهدا لأنتم # ألذ من السلوى إذا ما نشورها # * ت *: قد نقل صاحب المختصر؛ أنه يطلق على العسل لغة؛ فلا وجه ~~لتغليظه؛ لأن إجماع المفسرين لا يمنع من إطلاقه لغة بمعنى آخر ~~في غير الآية. انتهى. # وقوله تعالى: { كلوا... } الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا ~~لدلالة الظاهر عليه، والطيبات، هنا جمعت الحلال واللذيذ. # * ص *: وقوله: { وما ظلمونا }: قدر ابن عطية قبل هذه الجملة ~~محذوفا، أي: فعصوا، وما ظلمونا، وقدر غيره: فظلموا، وما ~~ظلمونا، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ما تقدم عنهم من القبائح يغني ~~عنه. انتهى. # * ت *: وقول أبي حيان: «لا حاجة إلى هذا التقدير...» إلى آخره: ~~يرد بأن المحذوفات في الكلام الفصيح هذا شأنها؛ لا بد من دليل في ~~اللفظ يدل عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوح والخفاء، فأما حذف ما ~~لا دليل عليه، فإنه لا يجوز. ### || [2.58-60] # وقوله تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ~~فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد ~~المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي ~~قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السمآء بما كانوا يفسقون وإذ استسقى موسى ~~لقومه }. # { القرية }: المدينة؛ سميت بذلك؛ لأنها تقرت، أي: اجتمعت؛ ~~ومنه: قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، والإشارة بهذه إلى بيت ms0042 ~~المقدس في قول الجمهور. # وقيل: إلى أريحاء، وهي قريب من بيت المقدس، قال عمر بن شبة: ~~كانت قاعدة، ومسكن ملوك، ولما خرج ذرية بني إسرائيل من التيه، ~~أمروا بدخول القرية المشار إليها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي ~~أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التيه، وحكى الزجاج عن بعضهم ~~أنهما لم يكونا في التيه؛ لأنه عذاب، والأول أكثر. # * ت *: لكن ظاهر قوله: # فافرق بيننا وبين القوم الفسقين # [المائدة:25] يقوي ما حكاه الزجاج، وهكذا قال الإمام الفخر. ~~انتهى. # و { كلوا }: إباحة، وتقدم معنى الرغد، وهي أرض مباركة عظيمة ~~الغلة، فلذلك قال: { رغدا }. # و { الباب }: قال مجاهد: هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف ~~إلى اليوم بباب حطة، و { سجدا }: قال ابن عباس: معناه: ركوعا، ~~وقيل: متواضعين خضوعا، والسجود يعم هذا كله، وحطة: فعلة؛ من ~~حط يحط، ورفعه على خبر ابتداء؛ كأنهم قالوا: سؤالنا حطة ~~لذنوبنا، قال عكرمة وغيره: أمروا أن يقولوا: «لا إله إلا ~~الله»؛ لتحط بها ذنوبهم، وقال ابن عباس: قيل لهم: استغفروا، ~~وقولوا ما يحط ذنوبكم. # * ت *: قال أحمد بن نصر الداوودي في «تفسيره»: # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سار مع أصحابه في ~~سفر، فقال: قولوا: نستغفر الله، ونتوب إليه، ~~فقالوا ذلك، فقال: والله، إنها للحطة التي ~~عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها " # انتهى. # وحكي عن ابن مسعود وغيره؛ أنهم أمروا بالسجود، وأن يقولوا: حطة، ~~فدخلوا يزحفون على أستاههم، ويقولون: حنطة ~~حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ. # وقوله تعالى: { وسنزيد المحسنين } عدة: المعنى: إذا ~~غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم، زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من ~~بني إسرائيل من دخل كما أمر، وقال: لا إله إلا الله، فقيل: هم ~~المراد ب { المحسنين } هنا. # وقوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا } الآية. # روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي ~~الحديث: أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم، وبدلوا، ~~فقالوا: حبة في شعرة، وقيل: قالوا: حنطة حبة حمراء في شعرة، ~~وقيل: شعيرة، وحكى الطبري؛ أنهم قالوا: «هطي ms0043 شمقاثا أزبه» ~~وتفسيره ما تقدم وفي اختصار الطبري، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومه ~~أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطؤطىء لهم الباب؛ ~~ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة. # وذكر عز وجل فعل سلفهم؛ تنبيها أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم جار على طريق سلفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم ~~بهم، واستهزائهم بأمر ربهم. انتهى. # والرجز العذاب، قال ابن زيد وغيره: فبعث الله على الذين ~~بدلوا الطاعون، فأذهب منهم سبعين ألفا، وقال ابن عباس: أمات ~~الله منهم في ساعة واحدة نيفا على عشرين ألفا. # و { استسقى }: معناه: طلب السقيا، وعرف «استفعل» ~~طلب الشيء، وقد جاء في غير ذلك؛ كقوله تعالى: # واستغنى الله # [التغابن:6]، وكان هذا الاستسقاء في فحص التيه، فأمره الله تعالى ~~بضرب الحجر آية منه، وكان الحجر من جبل الطور على قدر رأس الشاة، ~~يلقى في كسر جوالق، ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم، ~~وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه ~~في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا ~~خلاف أنه كان حجرا مربعا منفصلا تطرد من كل جهة منه ثلاث ~~عيون، إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء، ورحلوا، جفت ~~العيون، وفي الكلام حذف؛ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع ~~شيء عن شيء؛ ومنه: الفجر، والانبجاس في الماء أقل من الانفجار. # و { أناس }: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كل سبط؛ ~~لأن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني ~~عشر أولاد يعقوب عليه السلام. # وقوله سبحانه: { كلوا واشربوا من رزق الله... } الآية. # * ت *: روينا من طريق أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة ~~فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده ~~عليها " # رواه مسلم، والترمذي، والنسائي. انتهى. # والمشرب: موضع الشرب، وكان لكل سبط عين من تلك العيون، لا ~~يتعداها. # { ولا تعثوا }: معناه: ولا تفرطوا في الفساد. # * ص *: { مفسدين }: حال ms0044 مؤكدة؛ لأن: «لا تعثوا»: معناه: لا ~~تفسدوا. انتهى. ### || [2.61-64] # وقوله تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على ~~طعام وحد... } الآية: كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا ~~المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول بمصر، قال ابن عباس ~~وأكثر المفسرين: الفوم: الحنطة، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع ~~الحبوب التي يمكن أن تختبز، وقال الضحاك: الفوم: الثوم، وهي قراءة ~~عبد الله بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عباس، والثاء تبدل من ~~الفاء؛ كما قالوا: مغاثير ومغافير. # * ت *: قال أحمد بن نصر الداوودي: وهذا القول أشبه لما ذكر معه، ~~أي: من العدس والبصل. انتهى. # { وأدنى }: قال علي بن سليمان الأخفش. مأخوذ من الدنيء ~~البين الدناءة؛ بمعنى: الأخس، إلا أنه خففت همزته، وقال ~~غيره: هو مأخوذ من الدون، أي: الأحط فأصله أدون، ومعنى الآية: ~~أتستبدلون البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، ~~والبصل التي هى أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير. # وجمهور الناس يقرءون «مصرا» بالتنوين، قال مجاهد وغيره: أراد ~~مصرا من الأمصار غير معين، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم؛ ~~بدخول القرية، وبما تظاهرت به الروايات؛ أنهم سكنوا الشام بعد ~~التيه، وقالت طائفة: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في ~~القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال ~~في «مختصر الطبري»: وعلى أن المراد مصر التي خرجوا منها، فالمعنى: ~~إن الذي تطلبون كان في البلد الذي كان فيه عذابكم، ~~واستعبادكم، وأسركم، ثم قال: والأظهر أنهم مذ خرجوا من مصر، لم ~~يرجعوا إليها، والله أعلم. انتهى. # وقوله تعالى: { فإن لكم ما سألتم } يقتضي أنه وكلهم ~~إلى أنفسهم، و { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } ~~معناه: الزموها؛ كما قالت العرب: ضربة لازب، { وباءوا ~~بغضب }: معناه: مروا متحملين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا ~~به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل باء بخير أو بشر. انتهى. # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيت ~~الله ويقتلون النبيين بغير الحق } الأشارة ب { ~~ذلك } إلى ضرب الذلة وما بعده، وقوله تعالى: { بغير ~~الحق } تعظيم للشنعة، والذنب، ولم يجرم نبي قط ms0045 ما يوجب ~~قتله، وإنما التسليط عليهم بالقتل كرامة لهم، وزيادة لهم في منازلهم ~~صلى الله عليهم؛ كمثل من يقتل في سبيل الله من ~~المؤمنين، والباء في «بما» باء السبب. # و { يعتدون }: معناه: يتجاوزون الحدود، والاعتداء هو تجاوز ~~الحد. # وقوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هادوا ~~والنصرى والصبئين... } الآية. # اختلف في المراد ب { الذين ءامنوا } في هذه الآية. # فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقا بنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقوله: { من ءامن بالله } يكون فيهم بمعنى من ~~ثبت ودام، وفي سائر الفرق: بمعنى: من دخل فيه، وقال ~~السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، والذين هادوا، ومن عطف عليهم كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، { والذين هادوا } هم اليهود، وسموا بذلك؛ ~~لقولهم: # هدنا إليك # [الأعراف:156]، أي: تبنا، { والنصرى } لفظة مشتقة من ~~النصر. # قال: * ص *: { والصبئين }: قرأ الأكثر بالهمز؛ صبأ ~~النجم، والسن، إذا خرج، أي: خرجوا من دين مشهور إلى غيره، ~~وقرأ نافع بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المسهل، فيكون بمعنى ~~الأول، ويحتمل أن يكون من صبا غير مهموز، أي: مال؛ ومنه: ~~[الهزج] # إلى هند صبا قلبي # وهند مثلها يصبي # انتهى. # قال: * ع *: والصابىء؛ في اللغة: من خرج من دين إلى دين. # وأما المشار إليهم في قوله تعالى: { والصبئين } فقال السدي: ~~هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد: هم قوم لا دين لهم، وقال ابن ~~جريج: هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، وقال ابن ~~زيد: هم قوم يقولون لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب كانوا ~~بجزيرة الموصل، وقال الحسن بن أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون ~~الملائكة، ويصلون الخمس إلى القبلة، ويقرءون الزبور رآهم ~~زياد بن أبي سفيان، فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون ~~الملائكة. # وقوله تعالى: { ورفعنا فوقكم الطور... } الآية: { الطور ~~}: اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه السلام قاله ابن عباس، وقال ~~مجاهد وغيره: { الطور }: اسم لكل جبل، وقصص هذه الآية أن موسى ms0046 ~~عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح، ~~فيها التوراة، قال لهم: خذوها، والتزموها، فقالوا: لا، إلا ~~أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا، ثم أحيوا، فقال ~~لهم: خذوها، فقالوا: لا، فأمر الله الملائكة، فاقتلعت جبلا ~~من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل ~~عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم ~~نارا من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكم ~~الميثاق، ولا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وأغرقكم البحر، ~~وأحرقتكم النار، فسجدوا؛ توبة لله سبحانه، وأخذوا التوراة ~~بالميثاق، قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة، لم ~~يكن عليهم ميثاق، وكانت سجدتهم على شق؛ لأنهم كانوا يرقبون ~~الجبل؛ خوفا، فلما رحمهم الله سبحانه، قالوا: لا سجدة أفضل من ~~سجدة تقبلها الله، ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق ~~واحد. # قال: * ع *: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم ~~الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير مطمئنة، قال: ~~وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ~~ألفاظ الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين. # و { بقوة }: قال ابن عباس: معناه: بجد واجتهاد. # وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق. # { واذكروا ما فيه } ، أي: تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ~~ولا تنسوه، ولا تضيعوه. # وقوله تعالى: { ثم توليتم... } الآية: تولى: أصله الإعراض ~~والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور، ~~والأديان، والمعتقدات؛ اتساعا ومجازا، وتوليهم من بعد ذلك: ~~إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن ~~يكون توليهم بالكفر، فلم يعاجلهم سبحانه بالهلاك؛ ليكون من ~~ذريتهم من يؤمن. ### || [2.65-66] # وقوله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى ~~السبت... } الآية: علمتم: معناه: عرفتم، والسبت مأخوذ من ~~السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من السبت، وهو القطع؛ ~~لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها، وقصة اعتدائهم فيه أن ~~الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، وعرفه ~~فضله، كما أمر ms0047 به سائر الأنبياء صلوات الله عليهم، فذكر ~~موسى ذلك لبني إسرائيل عن الله سبحانه، وأمرهم بالتشرع فيه، فأبوا ~~وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى؛ أن دعهم، ~~وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأن أمرهم بترك العمل فيه، وحرم عليهم ~~صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة؛ بأن كانت الحيتان تأتي ~~يوم السبت؛ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن. # وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء، وذلك إما بإلهام من الله ~~تعالى، أو بأمر لا يعلل، وإما بأن ألهمها معنى الأمنة التي في ~~اليوم، مع تكراره؛ كما فهم حمام مكة الأمنة، وكان أمر بني ~~إسرائيل بأيلة على البحر، فإذا ذهب السبت، ذهبت الحيتان، فلم ~~تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زمانا؛ حتى اشتهوا الحوت، ~~فعمد رجل يوم السبت، فربط حوتا بخزمة، وضرب له وتدا بالساحل، ~~فلما ذهب السبت، جاء، فأخذه، فسمع قوم بفعله، فصنعوا مثل ما ~~صنع. # وقيل: بل حفر رجل في غير السبت حفيرا يخرج إليه البحر، فإذا ~~كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من ~~طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل ~~فعله، وكثر ذلك؛ حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، ~~فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك، ~~فنجت من العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص، ولم تنه، فقيل: نجت ~~مع الناهين، وقيل: هلكت مع العاصين. # و { كونوا }: لفظة أمر، وهو أمر التكوين؛ كقوله تعالى لكل ~~شيء: # كن فيكون # [يس:82] قال ابن الحاجب... في مختصره الكبير المسمى ب «منتهى ~~الوصول»: صيغة: افعل، وما في معناها قد صح إطلاقها بإزاء ~~خمسة عشر محملا. # الوجوب: # أقم الصلوة # [الإسراء:78] والندب: # فكتبوهم # [النور:33]. # والإرشاد: # وأشهدوا إذا تبايعتم # [البقرة:282] والإباحة: # فاصطدوا # [المائدة:2]. # والتأديب: «كل مما يليك». والامتنان: # كلوا مما رزقكم الله # [الأنعام:142]. # والإكرام: # ادخلوها بسلام # [ق:34] والتهديد: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40] والإنذار: # تمتعوا # [إبراهيم:30] والتسخير: # كونوا قردة # [الأعراف:166] والإهانة: # كونوا حجارة # [الإسراء:50] والتسوية: # فاصبروا ms0048 أو لا تصبروا # [الطور:16] والدعاء: # اغفر لنا # [آل عمران:147] والتمني: [الطويل] # ...ألا انجلي..... # وكمال القدرة: # كن فيكون # [يس:82]. انتهى. # وزاد غيره كونها للتعجيز، أعني: صيغة «افعل». # قال ابن الحاجب: وقد اتفق على أنها مجاز فيما عدا الوجوب ~~والندب والإباحة والتهديد، ثم الجمهور على أنها حقيقة في ~~الوجوب. انتهى. # و { خسئين }: معناه: مبعدين أذلاء صاغرين؛ كما يقال ~~للكلب، وللمطرود: اخسأ، وروي في قصصهم؛ أن الله تعالى مسخ ~~العاصين قردة في الليل، فأصبح الناجون إلى مساجدهم، ~~ومجتمعاتهم، فلم يروا أحدا من الهالكين، فقالوا: إن للناس ~~لشأنا، ففتحوا عليهم الأبواب لما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم ~~قردة يعرفون الرجل والمرأة. # وقيل: إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية ~~بجدار؛ تبريا منهم، فأصبحوا، ولم تفتح مدينة الهالكين، ~~فتسوروا عليهم الجدار، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت أن المسوخ لا تنسل، ولا ~~تأكل، ولا تشرب، ولا تعيش أكثر من ثلاثة أيام، ووقع في كتاب ~~مسلم عنه صلى الله عليه وسلم # " أن أمة من الأمم فقدت، وأراها الفأر " # ، وظاهر هذا أن المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظن منه صلى ~~الله عليه وسلم في أمر لا مدخل له في التبليغ، ثم أوحي إليه بعد ~~ذلك،؛ أن المسوخ لا تنسل؛ ونظير ما قلناه نزوله صلى الله عليه وسلم ~~على مياه بدر وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أخبرتكم عن الله تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم ~~برأيي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم " # ، والضمير في { جعلناها } يحتمل عوده على المسخة والعقوبة، ~~ويحتمل على الأمة التي مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل ~~على القرية؛ إذ معنى الكلام يقتضيها، والنكال: الزجر بالعقاب، و { ~~لما بين يديها }. قال السدي: ما بين يدي المسخة ما ~~قبلها من ذنوب القوم، وما خلفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، ~~وقال غيره: ما بين يديها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن ~~يجيء بعدها، وقال ابن عباس: ms0049 لما بين يديها وما خلفها من القرى. # { وموعظة }: من الاتعاظ، والازدجار، و { للمتقين }: ~~معناه: الذين نهوا ونجوا، وقالت فرقة: معناه: لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متق من كل أمة. ### || [2.67-73] # وقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم... } الآية: المراد تذكيرهم بنقض سلفهم للميثاق، وسبب ~~هذه القصة على ما روي أن رجلا من بني إسرائيل أسن، وكان له مال، ~~فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثة غير ~~معينين، فقتله؛ ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه؛ ليأخذ ديته، ~~ويلطخهم بدمه. # وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاه إلى باب إحدى ~~القريتين، وهي التي لم يقتل فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه؛ حتى وجده ~~قتيلا، فتعلق بالسبط، أو بسكان المدينة التي وجد القتيل عندها، ~~فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء؛ حتى دخلوا في السلاح، ~~فقال أهل النهى، منهم: أنقتتل ورسول الله معنا، فذهبوا ~~إلى موسى عليه السلام، فقصوا عليه القصة، وسألوه البيان، ~~فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فيضرب القتيل ببعضها، ~~فيحيى ويخبر بقاتله، فقال لهم: { إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة } ، فكان جوابهم أن { قالوا أتتخذنا ~~هزوا } وهذا القول منهم ظاهره فساد اعتقاد ممن قاله، ولا يصح ~~إيمان من يقول لنبي قد ظهرت معجزته، وقال: إن الله يأمر بكذا: ~~أنتخذنا هزوا، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، لوجب تكفيره. # وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى ~~عليه السلام: { أعوذ بالله أن أكون من الجهلين } ~~يحتمل معنيين: # أحدهما: الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله تعالى مستهزئا. # والآخر: من الجهل؛ كما جهلوا في قولهم. # وقوله تعالى: { قالوا ادع لنا ربك... } الآية: هذا تعنيت ~~منهم، وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرة فذبحوها، ~~لقضوا ما أمروا به، ولكن شددوا، فشدد الله عليهم؛ قاله ~~ابن عباس وغيره. # والفارض: المسنة الهرمة، والبكر؛ من البقر: التي لم ms0050 تلد من ~~الصغر، ورفعت «عوان» على خبر ابتداء مضمر، تقديره: هي عوان، ~~والعوان التي قد ولدت مرة بعد مرة. # قال: * م *: قال الجوهري: والعوان: النصف في سنها من كل ~~شيء، والجمع عون. انتهى. # * ت *: قال الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي في نظمه ~~لغريب القرآن جمع أبي حيان: [الرجز] # معنى «عوان» نصف بين الصغر # وبين ما قد بلغت سن الكبر # وكل ما نقلته عن العراقي منظوما، فمن أرجوزته هذه. # وقوله: { فافعلوا ما تؤمرون } تجديد للأمر، وتأكيد وتنبيه ~~على ترك التعنت، فما تركوه. قال ابن زيد: وجمهور الناس في قوله: { ~~صفراء }؛ أنها كانت كلها صفراء، وفي «مختصر الطبري»: { ~~فاقع لونها } أي: صاف لونها. انتهى. # والفقوع مختص بالصفرة؛ كما خص أحمر بقانىء، وأسود بحالك، ~~وأبيض بناصع، وأخضر بناضر، قال ابن عباس وغيره: الصفرة تسر ~~النفس، وسألوا بعد هذا كله عن ما هي سؤال متحيرين، قد أحسوا ~~مقت المعصية. # وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما، وانقياد، ودليل ~~ندم وحرص على موافقة الأمر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " لولا ما استثنوا، ما اهتدوا إليها أبدا " # وقوله: { لا ذلول تثير الأرض } ، أي: غير مذللة بالعمل ~~والرياضة، و { تثير الأرض } معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملة في ~~موضع رفع على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تثير» فعل ~~مستأنف والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرث، ولا تسقي، و { ~~مسلمة }: بناء مبالغة من السلامة؛ قال ابن عباس وغيره: معناه: من ~~العيوب، وقال مجاهد: معناه: من الشيات والألوان، وقيل: من العمل. # و { لا شية فيها } ، أي: لا خلاف في لونها؛ هي صفراء كلها؛ ~~قاله ابن زيد وغيره، والموشى المختلط الألوان، ومنه: وشي ~~الثوب: تزينه بالألوان، والثور الأشيه الذي فيه بلقة؛ يقال: ~~فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، ~~وثور أشيه؛ كل ذلك بمعنى البلقة. # وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا، فشدد الله عليهم، ودين ~~الله يسر، والتعمق في سؤال الأنبياء مذموم، وقصة وجود هذه ~~البقرة على ms0051 ما روي؛ أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن، وكانت له ~~عجلة، فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم، إني قد استودعتك هذه ~~العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل، فلما كبر الصبي، قالت له أمه: ~~إن أباك كان قد استودع الله عجلة لك، فاذهب، فخذها، فلما ~~رأته البقرة، جاءت إليه؛ حتى أخذ بقرنيها، وكانت مستوحشة، فجعل ~~يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصفة التي ~~أمروا بها، فلما وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتط عليهم، فأتوا ~~به موسى عليه السلام وقالوا له: إن هذا اشتط علينا، فقال لهم موسى: ~~أرضوه في ملكه. فاشتروها منه بوزنها مرة؛ قاله عبيدة ~~السلماني،... وقيل: بوزنها مرتين. وقيل: بوزنها عشر مرات، ~~وقال مجاهد: كانت لرجل يبر أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير. # و { الئن }: مبني على الفتح، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين ~~الماضي والمستقبل، و { جئت بالحق }: معناه؛ عند من جعلهم ~~عصاة: بينت لنا غاية البيان، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في ~~البقر، وإن نحرت أجزأ. # وقوله تعالى: { وما كادوا يفعلون }: عبارة عن تثبطهم في ~~ذبحها، وقلة مبادرتهم إلى أمر الله تعالى، وقال محمد بن كعب ~~القرظي: كان ذلك منهم لغلاء البقرة، وقيل: كان ذلك خوف الفضيحة ~~في أمر القاتل. # و { ادارءتم }: معناه: تدافعتم قتل القتيل، و { فيها } ، ~~أي: في النفس. # وقوله تعالى: { اضربوه ببعضها }: آية من الله تعالى على ~~يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيل، ~~فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره؛ لأن ابن ~~عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب ~~البقرة أربعين سنة. # وقوله تعالى: { كذلك يحي الله الموتى... } الآية: في ~~هذه الآية حض على العبرة، ودلالة على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها ~~خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ليعتبر به ~~إلى يوم القيامة. # وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأنها مقطوعة من قوله: { اضربوه ببعضها } ، وروي أن هذا القتيل ms0052 ~~لما حيي، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان. ### || [2.74-75] # وقوله تعالى: { ثم قست قلوبكم... } الآية: أي: صلبت وجفت، ~~وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، قال ~~قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعا في معاصيهم، وما ركبوه بعد ~~ذلك، و «أو»: لا يصح أن تكون هنا للشك، فقيل: هي بمعنى «الواو»، ~~وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك. # وقوله تعالى: { وإن من الحجارة... } الآية: معذرة للحجارة، ~~وتفضيل لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر الله تعالى الحجارة، ولم يعذر ~~شقي بني آدم. # * ت *: وروى البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، ~~وطول الأمل، والحرص على الدنيا " # انتهى من «الكوكب الدري» لأبي العباس أحمد بن سعد ~~التجيبي، قال الغزالي في «المنهاج»: واعلم أن أول الذنب ~~قسوة، وآخره، والعياذ بالله، شؤم وشقوة، وسواد القلب يكون من ~~الذنوب، وعلامة سواد القلب ألا تجد للذنوب مفزعا، ولا للطاعات ~~موقعا، ولا للموعظة منجعا. انتهى. # وقيل في هبوط الحجارة: تفيؤ ظلالها، وقيل: إن الله تعالى يخلق في ~~بعض الأحجار خشية وحياة، يهبط بها من علو تواضعا، وقال مجاهد: ما ~~تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج ماء ~~منه، إلا من خشية الله عز وجل؛ نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابن ~~جريج. # وقوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم... } الآية: ~~الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن الأنصار ~~كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى ~~هذا الخطاب التقرير على أمر فيه بعد؛ إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهود ~~أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك السنن. # وتحريف الشيء: إمالته من حال إلى حال، وذهب ابن عباس إلى أن ~~تحريفهم وتبديلهم؛ إنما هو بالتأويل، ولفظ التوراة باق، وذهب جماعة من ~~العلماء؛ إلى أنهم بدلوا ألفاظا من تلقائهم، وأن ذلك ممكن في ~~التوراة؛ لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن؛ لأن الله تعالى ~~ضمن حفظه. # قلت: وعن ابن ms0053 إسحاق؛ أن المراد ب «الفريق» هنا طائفة من السبعين ~~الذين سمعوا كلام الله مع موسى. انتهى من «مختصر الطبري»؛ وهذا ~~يحتاج إلى سند صحيح. ### || [2.76-78] # وقوله تعالى: { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ~~ءامنا... } الآية: المعنى: وهم أيضا، إذا لقوا يفعلون هذا، فكيف ~~يطمع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفا؛ فيه كشف ~~سرائرهم؛ ورد في التفسير؛ # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخلن علينا ~~قصبة المدينة إلا مؤمن»، فقال كعب بن الأشرف ~~وأشباهه: اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد، وقولوا لهم: آمنا، ~~واكفروا إذا رجعتم " # ، فنزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: نزلت في المنافقين من اليهود، ~~وروي عنه أيضا أنها نزلت في قوم من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن ~~نؤمن أنه نبي، ولكن ليس إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا، ~~قال بعضهم: لم تقرون بنبوءته، وقال أبو العالية وقتادة: إن بعض ~~اليهود تكلم بما في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~لهم كفرة الأحبار: { أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~} أي: عرفكم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -. # و { يحاجوكم }: من الحجة، و { عند ربكم }: معناه: في ~~الآخرة. # وقوله تعالى: { أفلا تعقلون }: قيل: هو من قول الأحبار ~~للأتباع، وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون ~~أن بني إسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال. # و { أميون } هنا: عبارة عن عامة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا ~~يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضلال، والأمي في اللغة: الذي لا ~~يكتب ولا يقرأ في كتاب؛ نسب إلى الأم؛ إما لأنه بحال أمه من ~~عدم الكتب، لا بحال أبيه؛ إذ النساء ليس من شغلهن الكتب؛ قاله ~~الطبري؛ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها. # و { الكتب }: التوراة. # والأماني: جمع أمنية، واختلف في معنى { أماني } ، فقالت ~~طائفة: هي ههنا من: تمنى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا ~~يكتب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنه شيئا سمعه، فيتمنى أنه من ~~الكتاب. # وقال آخرون: هي ms0054 من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل] # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقى حمام المقادر # فمعنى الآية: أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى، لا ~~علم لهم بصحته. # وقال الطبري: هي من تمنى الرجل، إذا حدث بحديث مختلق كذب، ~~أي: لا يعلمون الكتاب إلا سماع أشياء مختلقة من أحبارهم، يظنونها ~~من الكتاب. # * ص *: { وإن هم إلا يظنون }: «إن»: نافية؛ بمعنى «ما». ~~انتهى. ### || [2.79-82] # وقوله تعالى: { فويل للذين يكتبون الكتب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله }. # قال الخليل: «الويل»: شدة الشر، وهو مصدر، لا فعل له، ويجمع ~~على ويلات، والأحسن فيه إذا انفصل: الرفع؛ لأنه يقتضي الوقوع، ~~ويصح النصب على معنى الدعاء، أي: ألزمه الله ويلا، وويل ~~وويح وويس تتقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم. # وروى سفيان، وعطاء بن يسار؛ أن الويل في هذه الآية واد يجري ~~بفناء جهنم من صديد أهل النار. # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين ~~خريفا " # وروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه جبل من جبال النار " # ، والذين يكتبون: هم الأحبار والرؤساء. # و { بأيديهم } قال ابن السراج: هي كناية عن أنه من تلقائهم ~~دون أن ينزل عليهم، والذي بدلوه هو صفة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~ليستديموا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السدي؛ أنهم كانوا يكتبون كتبا ~~يبدلون فيها صفة النبي صلى الله عليه وسلم ويبيعونها من الأعراب، ~~ويبثونها في أتباعهم، ويقولون هي من عند الله، والثمن: قيل: ~~عرض الدنيا، وقيل: الرشا والمآكل التي كانت لهم، و { يكسبون ~~} معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثمن. # وقوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة... }: روى ابن زيد وغيره؛ أن سببها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: «من أهل ~~النار؟» فقالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال ~~لهم: «كذبتم؛ لقد علمتم أنا لا نخلفكم» " # فنزلت هذه الآية. # قال أهل التفسير: العهد في هذه ms0055 الآية: الميثاق والموعد، و «بلى» رد ~~بعد النفي بمنزلة «نعم» بعد الإيجاب، وقالت طائفة: السيئة هنا ~~الشرك؛ كقوله تعالى: # ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم فى النار # [النمل:90] والخطيئات: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، ~~والسدي: كل ما توعد الله عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطة، ~~والخلود في هذه الآية على الإطلاق والتأبيد في الكفار، ومستعار؛ ~~بمعنى الطول في العصاة، وإن علم انقطاعه. # قال محمد بن عبد الله اللخمي في مختصره للطبري: أجمعت ~~الأمة على تخليد من مات كافرا، وتظاهرت الروايات الصحيحة عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا ~~يخلدون في النار، ونطق القرآن ب # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # [النساء:116] لكن من خاف على لحمه ودمه، اجتنب كل ما جاء فيه ~~الوعيد، ولم يتجاسر على المعاصي؛ اتكالا على ما يرى لنفسه من ~~التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافون سلب الإيمان على أنفسهم، ~~ويخافون النفاق عليها، وقد تظاهرت بذلك عنهم الأخبار. انتهى. # وقوله تعالى: { والذين ءامنوا... } الآية: يدل هذا التقسيم ~~على أن قوله تعالى: { بلى من كسب سيئة } الآية في الكفار، لا ~~في العصاة؛ ويدل على ذلك أيضا قوله: { وأحطت }؛ لأن العاصي ~~مؤمن، فلم تحط به خطيئاته؛ ويدل على ذلك أيضا أن الرد كان على ~~كفار ادعوا أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة، فهم ~~المراد بالخلود، والله أعلم. ### || [2.83-85] # وقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل... } ~~الآية: أخذ الله سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى - عليه السلام ~~-وغيره من أنبيائهم، وأخذ الميثاق قول، فالمعنى: قلنا لهم: { لا ~~تعبدون إلا الله... } الآية، قال سيبويه: «لا تعبدون: متلق ~~لقسم»؛ والمعنى: وإذ استحلفناهم، والله لا تعبدون إلا الله، وفي ~~الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها، واليتم في بني آدم: ~~فقد الأب، وفي البهائم فقد الأم، وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يتم بعد بلوغ والمسكين الذي لا شيء له " # ، وقيل: هو الذي له بلغة، والآية تتضمن الرأفة باليتامى، ms0056 وحيطة ~~أموالهم، والحض على الصدقة، والمواساة، وتفقد المساكين. # وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا }: أمر عطف على ما تضمنه ~~{ لا تعبدون إلا الله } وما بعده، وقرأ حمزة والكسائي: ~~«حسنا»؛ بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: وهما بمعنى واحد، وقال ~~الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قولا ~~حسنا»؛ بفتح الحاء والسين، أو قولا ذا حسن بضم الحاء وسكون السين ~~في الأولى؛ قال ابن عباس: معنى الكلام قولوا للناس: لا إله إلا ~~الله، ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا لهم حسنا في الإعلام ~~بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان ~~الثوري: معناه: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، وقال ~~أبو العالية: قولوا لهم الطيب من القول، وحاوروهم بأحسن ما تحبون ~~أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق، وزكاتهم هي التي كانوا ~~يضعونها، وتنزل النار على ما تقبل منها، دون ما لم يتقبل. # وقوله تعالى: { ثم توليتم... } الآية: خطاب لمعاصري النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي أسلافهم؛ إذ هم كلهم بتلك ~~السبيل، قال نحوه ابن عباس وغيره. والمراد بالقليل المستثنى جميع ~~مؤمنيهم قديما من أسلافهم، وحديثا كابن سلام وغيره، والقلة على ~~هذا هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان، والأول ~~أقوى. # * ص *: { إلا قليلا }: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح؛ لأنه ~~استثناء من موجب، وروي عن أبي عمرو: «إلا قليل»؛ بالرفع، ووجهه ~~ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «توليتم» على أن معنى ~~«توليتم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويين ~~البدل من الموجب؛ لأن البدل يحل محل المبدل منه، فلو قلت: قام إلا ~~زيد، لم يجز؛ لأن «إلا» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإيجاب بالنفي ~~يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه؛ فيجوز إذن: «قام ~~القوم إلا زيد»؛ على تأويل: «لم يجلسوا إلا زيد» ولم ~~تبن العرب على ذلك كلامها، وإنما أجازوا: «قام القوم إلا ~~زيد»؛ بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبويه لذلك بابا في كتابه. # انتهى. # و ms0057 { دماءكم }: جمع دم، وهو اسم منقوص. أصله «دمي»؛ { ولا ~~تخرجون أنفسكم من ديركم }: معناه: ولا ينفي بعضكم ~~بعضا بالفتنة والبغي، وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول. # وقوله تعالى: { ثم أقررتم } ، أي: خلفا بعد سلف، أن هذا ~~الميثاق أخذ عليكم، وقوله: { وأنتم تشهدون } قيل: الخطاب ~~يراد به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حضور أخذ الميثاق ~~والإقرار. # وقيل: المراد: من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى: ~~وأنتم شهداء، أي: بينة أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمن بعدهم ~~منكم. # وقوله تعالى: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم... }: ~~{ هؤلاء } دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردا إلى ~~الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: يا هؤلاء، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه ~~عند سيبويه، مع المبهمات. # وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد شيخنا: { هؤلاء }: رفع ~~بالابتداء، و { أنتم }: خبر، { تقتلون } ، حال بها تم ~~المعنى، وهي المقصود. # * ص *: قال الشيخ أبو حيان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن ~~البادش من جعله { هؤلاء } مبتدأ، و { أنتم } خبر مقدم، لا ~~أدري ما العلة في ذلك، وفي عدوله عن جعل { أنتم } مبتدأ، { ~~هؤلاء } الخبر، إلى عكسه. انتهى. # * ت *: قيل: العلة في ذلك دخول هاء التنبيه عليه؛ لاختصاصها بأول ~~الكلام؛ ويدل على ذلك قولهم: «هأنذا قائما»، ولم يقولوا: «أنا ~~هذا قائما»، قال معناه ابن هشام، ف «قائما» في المثال ~~المتقدم نصب على الحال. انتهى. # وهذه الآية خطاب لقريظة، والنضير، وبني قينقاع، وذلك أن ~~النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، ~~فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل ~~مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضا، وأخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وكانوا مع ~~ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالفوها ~~بالقتال، والإخراج. # والديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: «محلة القوم: ~~دارهم». # ومعنى { تظهرون }: تتعاونون، و { العدوان }: تجاوز الحدود، ~~والظلم. # وقرأ حمزة: «أسرى تفدوهم»، و { أسرى }: جمع أسير، ~~مأخوذ من الأسر، وهو الشد، ثم كثر ms0058 استعماله؛ حتى لزم، وإن لم يكن ~~ثم ربط ولا شد، وأسير: فعيل: بمعنى مفعول، و { ~~تفدوهم }: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئا، ~~وقال الثعلبي: يقال: فدى، إذا أعطى مالا، وأخذ رجلا، ~~وفادى، إذا أعطى رجلا، وأخذ رجلا فتفدوهم: معناه بالمال، ~~وتفادوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير. انتهى. # * ت *: وفي الحديث من قول العباس رضي الله عنه: «فإني ~~فاديت نفسي وعقيلا»، وظاهره لا فرق بينهما. # وقوله تعالى: { أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ~~ببعض... } الآية: والذي آمنوا به فداء الأسارى، والذي كفروا به ~~قتل بعضهم بعضا، وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ لهم وبيان لقبح ~~فعلهم، والخزي: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرب الجزية عليهم ~~غابر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإجلاء النضير، وقيل: الخزي الذي ~~تتوعد به الأمة من الناس هو غلبة العدو. # و { الدنيا }: مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيها واو، ولكن ~~أبدلت فرقا بين الأسماء والصفات، وأشد العذاب: الخلود في جهنم. # وقوله تعالى: { وما الله بغفل عما تعملون } قرأ ~~نافع، وابن كثير بياء على ذكر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم والآية واعظة لهم بالمعنى، إذ الله تعالى ~~بالمرصاد لكل كافر وعاص. # وقرأ الباقون بتاء؛ على الخطاب لمن تقدم ذكره في الآية قبل هذا؛ وهو ~~قوله: { أفتؤمنون ببعض الكتب... } الآية، وهو الأظهر، ~~ويحتمل أن يكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد روي؛ أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - قال: «إن بني إسرائيل قد مضوا، ~~وأنتم الذين تعنون بهذا، يا أمة محمد»؛ يريد هذا، وما يجري مجراه. ### || [2.86-88] # وقوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا بالأخرة... } الآية: جعل الله ترك الآخرة، وأخذ ~~الدنيا عوضا عنها، مع قدرتهم على التمسك بالآخرة - بمنزلة من أخذها، ~~ثم باعها بالدنيا، { فلا يخفف عنهم العذاب } ، في الآخرة، ~~{ ولا هم ينصرون }؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة. # * ص *: { ولقد ءاتينا موسى الكتب }: «اللام» في ~~«لقد»: يحتمل أن تكون توكيدا، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو ~~المفعول الأول، والكتاب الثاني، وعكس السهيلي. ms0059 # و { مريم }: معناه في السريانية: الخادم، وسميت به أم ~~عيسى، فصار علما عليها. انتهى. # و { الكتب }: التوراة. # { وقفينا }: مأخوذ من القفا؛ تقول: قفيت فلانا ~~بفلان، إذا جئت به من قبل قفاه، ومنه: قفا يقفو، إذا ~~اتبع، وكل رسول جاء بعد موسى، فإنما جاء بإثبات التوراة، والأمر ~~بلزومها إلى عيسى - عليهم السلام -. # و { البينت }: الحجج التي أعطاها الله عيسى. # وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخلق طير، وقيل: هي الإنجيل، ~~والآية تعم ذلك. # { وأيدنه }: معناه: قويناه، والأيد القوة. # قال ابن عباس: { روح القدس }: هو الاسم الذي كان يحيي به ~~الموتى، وقال ابن زيد: هو الإنجيل؛ كما سمى الله تعالى القرآن ~~روحا، وقال السدي، والضحاك، والربيع، وقتادة: { روح ~~القدس }: جبريل - عليه السلام -؛ وهذا أصح الأقوال، # " وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: اهج قريشا، ~~وروح القدس معك " # ومرة قال له: # " وجبريل معك " # ، و { كلما }: ظرف؛ والعامل فيه: { استكبرتم } ، وظاهر ~~الكلام الاستفهام، ومعناه التوبيخ؛ روي أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ~~في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم تقوم سوقهم آخر النهار، وروي سبعين ~~نبيا، ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار. # والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهو في هذه الآية من ذلك؛ ~~لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، ومعنى: { قلوبنا غلف } ، ~~أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قال ابن عباس. ثم بين تعالى سبب ~~نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم ~~واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بذنب أعظم منه، واللعن: ~~الإبعاد والطرد. # و { قليلا }: نعت لمصدر محذوف، تقديره: فإيمانا قليلا ما ~~يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمد صلى الله عليه ~~وسلم منهم؛ وما في قوله: { ما يؤمنون } زائدة موكدة. ### || [2.89-91] # وقوله تعالى: { ولما جآءهم كتاب من عند الله... } ~~الآية الكتاب: القرآن، و { مصدق لما معهم }: يعني التوراة، ~~و { يستفتحون } معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عندهم من صفته، ~~وذكر وقته، وظنوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوس ms0060 والخزرج، ~~فغلبتهم العرب، قالوا لهم: لو قد خرج النبي الذي أظل وقته، ~~لقاتلناكم معه، واستنصرنا عليكم به، ويستفتحون: معناه ~~يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوودي: ومنه: «عسى الله أن ~~يأتي بالفتح»، أي: بالنصر. انتهى. # وروى أبو بكر محمد بن حسين الاجري عن ابن عباس، قال: كانت ~~يهود خيبر يقاتلون غطفان، فكلما التقوا، هزمت ~~اليهود، فعاذ اليهود يوما بالدعاء، فقالوا: اللهم، إنا نسألك ~~بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في ~~آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا، دعوا ~~بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله عز وجل، { وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا } ، والاستفتاح: ~~الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قبيل الإسلام. ~~انتهى من تأليف حسن بن علي بن عبد الملك الرهوني المعروف بابن ~~القطان، وهو كتاب نفيس جدا ألفه في معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآيات نبوءته. # وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا ~~يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبي المنتظر، كانت نقلتهم إلى ~~الحجاز، وسكناهم به، فإنهم كانوا علموا صقع المبعث، وما عرفوا هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه؛ ويظهر في هذه الآية العناد منهم، وأن ~~كفرهم كان مع معرفة ومعاندة و { لعنة الله } إبعاده لهم، وخزيهم ~~لذلك. # و { بئس }: أصله «بئس»، سهلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، ~~و «ما» عند سيبويه: فاعلة ب «بئس» والتقدير: بئس الذي ~~اشتروا به أنفسهم. # و { اشتروا }: بمعنى: باعوا. # و { ما أنزل الله } ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن ~~يراد الجميع من توراة، وإنجيل، وقرآن؛ لأن الكفر بالبعض يستلزم الكفر ~~بالكل، و { من فضله } ، يعني: من النبوءة والرسالة، و { من ~~يشآء } ، يعني به محمدا صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم حسدوه لما لم ~~يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنهم كفروا به بغيا، والله قد تفضل عليه. # و { باءو }: معناه: مضوا متحملين لما ms0061 يذكر؛ أنهم باءوا به. # وقال البخاري: قال قتادة: { باءو }: معناه: انقلبوا. انتهى. # و { بغضب } معناه من الله تعالى؛ لكفرهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم على غضب متقدم من الله تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم ~~العجل. # وقيل: لكفرهم بعيسى - عليه السلام - فالمعنى: على غضب قد باء ~~به أسلافهم، حظ هؤلاء منه وافر؛ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، ~~وتصويبهم لها. # و { مهين }: مأخوذ من «الهوان»، وهو الخلود في النار؛ لأن من ~~لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه الحد، لا ~~هوان فيه، بل هو تطهير له. # وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم } ، يعني لليهود: { آمنوا بما ~~أنزل الله قالوا } على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، ~~{ قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعنون: التوراة، { ~~ويكفرون بما وراءه }؛ قال قتادة: أي: بما بعده، قال ~~الفراء. أي: بما سواه، ويعني به: القرآن، ووصف تعالى القرآن؛ بأنه ~~الحق و { مصدقا }: حال مؤكدة؛ عند سيبويه. # وقوله تعالى: { قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ~~إن كنتم مؤمنين } رد من الله تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ~~ذلك، واحتجاج عليهم. ### || [2.92-95] # وقوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينت }: { ~~البينت }: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر ~~الآيات، و { خذوا ما ءاتينكم }: يعني: التوراة والشرع { ~~بقوة } ، أي: بعزم، ونشاط. وجد. # { وأشربوا في قلوبهم العجل }: أي: حب العجل، ~~والمعنى: جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن ~~أمر العجل في قلوبهم. # وقوله تعالى: { بكفرهم } يحتمل أن تكون باء السبب، ويحتمل أن ~~تكون بمعنى «مع». # وقوله تعالى: { قل بئسما يأمركم به إيمنكم } أمر ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم؛ لأنه بئس هذه الأشياء التي ~~فعلتم، وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم: { نؤمن ~~بما أنزل علينا }. # وقوله تعالى: { قل إن كانت لكم الدار الأخرة... } ~~الآية: أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، والمعنى: إن كان ~~لكم نعيمها وحظوتها، وخيرها، فذلك يقتضي حرصكم على الوصول ~~إليها، { فتمنوا الموت } ، والدار: اسم «كان»، و ~~«خالصة»: خبرها و { من دون الناس } يحتمل أن يراد ms0062 ب ~~«الناس»: محمد صلى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد ~~العموم، وهذه آية بينة أعطاها الله رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن اليهود قالت: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18] وشبه ذلك من القول، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى ~~تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات، ففعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدقه، فأحجموا عن تمنيه فرقا من ~~الله؛ لقبح أفعالهم ومعرفتهم بكذبهم، وحرصا منهم على الحياة، ~~وقيل: إن الله تعالى منعهم من التمني، وقصرهم على الإمساك عنه؛ ~~لتظهر الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم. # * ت *: قال عياض: ومن الوجوه البينة في إعجاز القرآن آي وردت ~~بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا ~~قدروا على ذلك؛ كقوله تعالى لليهود: { قل إن كانت لكم ~~الدار الأخرة عند الله خالصة... } الآية: قال أبو ~~إسحاق الزجاج في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة ~~الرسالة؛ لأنه قال لهم: { فتمنوا الموت } وأعلمهم أنهم لن ~~يتمنوه أبدا، فلم يتمنه واحد منهم، وعن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم # " والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه " # ، يعني: يموت مكانه، قال أبو محمد الأصيلي: من أعجب أمرهم؛ ~~أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله تعالى ~~بذلك نبيه يقدم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد ~~أن يمتحنه منهم. انتهى من «الشفا». # والمراد بقوله: { تمنوا }: أريدوه بقلوبكم، واسألوه، هذا قول ~~جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس: المراد به السؤال فقط، وإن لم ~~يكن بالقلب، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنونه أبدا، ~~وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي؛ إذ الأكثر من كسب العبد الخير ~~والشر، إنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك. # وقوله تعالى: { والله عليم بالظلمين }: ظاهره الخبر، ~~ومضمنه الوعيد؛ لأن الله سبحانه عليم بالظالمين، وغيرهم، ففائدة ~~تخصيصهم حصول الوعيد. ### || [2.96-97] # وقوله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة } ~~الآية: وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن ms0063 لا خير لهم عند الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: { ومن الذين أشركوا }: قيل: المعنى: وأحرص من ~~الذين أشركوا لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ~~والضمير في { أحدهم } يعود في هذا القول على اليهود، وقيل: إن ~~الكلام تم في حياة، ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين؛ ~~أنهم يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي ~~قوله تعالى: { والله بصير بما يعملون } وعيد. # وقوله تعالى: { قل من كان عدوا لجبريل... } الآية: ~~أجمع أهل التفسير؛ أن اليهود قالت: جبريل عدونا، واختلف في كيفية ~~ذلك، فقيل: # " إن يهود فدك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نسألك عن ~~أربعة أشياء، فإن عرفتها، اتبعناك، فسألوه ~~عما حرم إسرائيل على نفسه، فقال: لحوم ~~الإبل، وألبانها، وسألوه عن الشبه في الولد، ~~فقال: أي ماء علا، كان له الشبه، وسألوه عن ~~نومه، فقال: تنام عيني، ولا ينام قلبي، وسألوه ~~عن من يجيئه من الملائكة، فقال: جبريل، فلما ~~ذكره، قالوا: ذاك عدونا؛ لأنه ملك الحرب، ~~والشدائد، والجدب، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ~~ملك الرحمة، والخصب، والأمطار، لاتبعناك ". # وفي جبريل لغات: # جبريل؛ بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجبريل، ~~بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه؛ أنه ~~قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ: ~~جبريل وميكال، فلا أزال أقرأها أبدا كذلك. # * ت *: يعني، والله أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبي: ~~والصحيح المشهور عن ابن كثير ما تقدم من فتح الجيم، لا ما حكي ~~عنه في الرؤيا من كسرها. انتهى. # وذكر ابن عباس وغيره؛ أن جبر، وميك، وإسراف هي كلها ~~بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، وإيل: الله. # وقوله تعالى: { فإنه نزله على قلبك } الضمير في ~~«إنه» عائد على الله تعالى، وفي «نزله» عائد على ~~«جبريل»، أي: بالقرآن، وسائر الوحي، وقيل: الضمير في «إنه» عائد ~~على جبريل، وفي «نزله» عائد على القرآن، وخص القلب بالذكر؛ لأنه ~~موضع العقل والعلم، وتلقي المعارف. # و { بإذن الله }: معناه: ms0064 بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة، و ~~{ مصدقا }: حال من ضمير القرآن في «نزله»، و { ما بين ~~يديه }: ما تقدمه من كتب الله تعالى، { وهدى } ، أي: ~~إرشاد. ### || [2.98-104] # وقوله تعالى: { من كان عدوا لله... } الآية: وعيد وذم ~~لمعادي جبريل، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعطف ~~جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكر الملائكة عمهما؛ تشريفا ~~لهما؛ وقيل: خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما؛ فذكرا ~~لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله، وجميع ملائكته، وعداوة ~~العبد لله هي معصيته، وترك طاعته، ومعاداة أوليائه، وعداوة ~~الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه. # وقوله تعالى: { أوكلما عهدوا عهدا... } الآية: قال ~~سيبويه: «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام»، والنبذ: الطرح، ~~ومنه المنبوذ، والعهد الذي نبذوه: هو ما أخذ عليهم في التوراة من ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم { ولمآ جآءهم رسول من ~~عند الله } هو محمد صلى الله عليه وسلم و { مصدق }: نعت ~~لرسول، وكتاب الله: القرآن، وقيل: التوراة؛ لأن مخالفتها نبذ ~~لها، و { وراء ظهورهم }؛ مثل؛ لأن ما يجعل ظهريا، فقد زال ~~النظر إليه جملة، والعرب تقول: جعل هذا الأمر وراء ظهره، ~~ودبر أذنه. # و { كأنهم لا يعلمون }: تشبيه بمن لا يعلم فيجيء من ~~اللفظ أنهم كفروا على علم. # وقوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشيطين... } الآية: ~~يعني اليهود، و { تتلوا }: قال عطاء: معناه: تقرأ، وقال ابن عباس: ~~{ تتلوا }: تتبع، و { على ملك سليمن } ، أي: على عهد ~~ملك سليمان، وقال الطبري: { اتبعوا }: بمعنى: فضلوا، و { ~~على ملك سليمن } ، أي: على شرعه ونبوءته، والذي تلته ~~الشياطين، قيل: إنهم كانوا يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق ~~معها المائة من الباطل؛ حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان، ودفنه ~~تحت كرسيه، فلما مات، أخرجته الشياطين، وقالت: إن ذلك كان علم ~~سليمان. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما ذكر سليمان - عليه ~~السلام - في الأنبياء، قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر ~~سليمان في الأنبياء، وما كان إلا ساحرا. # وقوله تعالى: { وما كفر ms0065 سليمن } تبرئة من الله تعالى ~~لسليمان - عليه السلام. # والسحر والعمل به كفر، ويقتل الساحر عند مالك؛ كفرا، ولا ~~يستتاب؛ كالزنديق، وقال الشافعي: يسأل عن سحره، فإن كان كفرا، ~~استتيب منه، فإن تاب، وإلا قتل، وقال مالك فيمن يعقد الرجال عن ~~النساء: يعاقب، ولا يقتل، والناس المعلمون: أتباع الشياطين من ~~بني إسرائيل، { وما أنزل على الملكين }: «ما» عطف على ~~السحر، فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر ~~على الملكين؛ ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد ~~وغيره؛ أن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين ~~المرء وزوجه، دون السحر، أو على القول؛ أن الله تعالى أنزل السحر ~~عليهما؛ ليعلم على جهة التحذير منه، والنهي عنه. # قال: * ع *: والتعليم؛ على هذا القول، إنما هو تعريف يسير بمبادئه، ~~وقيل: «إنما» عطف على «ما» في قوله: { ما تتلوا } ، وقيل: ~~«ما» نافية، رد على قوله: { وما كفر سليمن } ، وذلك أن ~~اليهود قالوا: إن الله تعالى أنزل جبريل وميكائل بالسحر، فنفى ~~الله ذلك. # * ت *: قال عياض: والقراءة بكسر اللام من الملكين شاذة، ~~وبابل: قطر من الأرض، وهاروت وماروت: بدل من الملكين، وما ~~يذكر في قصتهما مع الزهرة كله ضعيف؛ وكذا قال: * ع *. # * ت *: قال عياض: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة ~~هاروت وماروت. وما روي عن علي، وابن عباس - رضي الله ~~عنهما - في خبرهما، وابتلائهما، فاعلم - أكرمك الله - أن هذه ~~الأخبار لم يرو منها سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وليس هو شيئا يؤخذ بقياس، والذي منه في القرآن، اختلف ~~المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه ~~الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم؛ كما نصه الله أول الآيات. انتهى. ~~انظره. # وقوله تعالى: { وما يعلمان... } الآية: ذكر ابن الأعرابي في ~~«الياقوتة»؛ أن { يعلمان } بمعنى «يعلمان، ويشعران»؛ ~~كما قال كعب بن زهير: [الطويل] # تعلم رسول الله أنك مدركي # وأن وعيدا منك كالأخذ باليد # وحمل هذه الآية ms0066 على أن الملكين إنما نزلا يعلمان بالسحر، ~~وينهيان عنه، وقال الجمهور: بل التعليم على عرفه. # * ص *: وقوله تعالى: { من أحد }: «من» هنا زائدة مع المفعول ~~لتأكيد استغراق الجنس؛ لأن أحدا من ألفاظ العموم. انتهى. # و { يفرقون }: معناه فرقة العصمة، وقيل: معناه يؤخذون ~~الرجل عن المرأة؛ حتى لا يقدر على وطئها، فهي أيضا فرقة، و { ~~بإذن الله }: معناه: بعلمه، وتمكينه، و { يضرهم }: معناه: ~~في الآخرة، والضمير في علموا عائد على بني إسرائيل، وقال: { ~~اشتراه }؛ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أن يعلموا، والخلاق: ~~النصيب والحظ وهو هنا بمعنى الجاه والقدر، واللام في قوله: «لمن» ~~للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط. # * م *: { ولبئس ما }: أبو البقاء: جواب قسم محذوف، والمخصوص ~~بالذم محذوف، أي: السحرأو الكفر، والضمير في «به» عائد على السحر، أو ~~الكفر. انتهى. # و { شروا }: معناه: باعوا، والضمير في «يعلمون» عائد على بني ~~إسرائيل اتفاقا، { ولو أنهم ءامنوا }: يعني: الذين ~~اشتروا السحر، وجواب: «لو»: { لمثوبة } ، والمثوبة؛ عند ~~الجمهور: بمعنى الثواب. # وقوله سبحانه: { لو كانوا يعلمون } يحتمل نفي العلم عنهم، ~~ويحتمل: لو كانوا يعلمون علما ينفع. # وقرأ جمهور الناس: { رعنا }؛ من المراعاة؛ بمعنى: فاعلنا، أي: ~~ارعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد ~~حض الله تعالى على خفض الصوت عنده، وتعزيره وتوقيره، وقالت ~~طائفة: هي لغة للعرب، فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة؛ يظهرون ~~أنهم يريدون المراعاة، ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي ~~الجهل، فنهى الله المؤمنين عن هذا القول؛ سدا للذريعة؛ لئلا ~~يتطرق منه اليهود إلى المحظور، و { انظرنا }: معناه: انتظرنا، ~~وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقدنا من النظر، والظاهر ~~عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، ولما نهى الله ~~تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة، ~~وأعلم أن لمن خالف أمره، فكفر عذابا أليما، وهو المؤلم، { ~~واسمعوا }: معطوف على { قولوا } ، لا على معمولها. ### || [2.105-106] # وقوله سبحانه: { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتب... } الآية: يتناول لفظ الآية كل خير، والرحمة في ms0067 هذه ~~الآية عامة لجميع أنواعها، وقال قوم: الرحمة القرآن. # وقوله تعالى: { ما ننسخ من ءاية أو ننسها... } الآية: ~~النسخ؛ في كلام العرب، على وجهين: # أحدهما: النقل؛ كنقل كتاب من آخر، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ~~وورد في كتاب الله تعالى في قوله: # إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية:29]. # الثاني: الإزالة، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسم في اللغة على ~~ضربين: # أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ؛ كقولهم: نسخت الشمس الظل. # والآخر: لا يثبت؛ كقولهم: نسخت الريح الأثر. # وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين وحد «الناسخ» عند ~~حذاق أهل السنة: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت ~~بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه. # * ت *: قال ابن الحاجب: والنسخ؛ لغة: الإزالة، وفي الاصطلاح: رفع ~~الحكم الشرعي؛ بدليل شرعي متأخر. انتهى من «مختصره الكبير». # والنسخ جائز على الله تعالى عقلا؛ لأنه لا يلزم عنه محال، ولا ~~تتغير صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة، فيلزم ~~من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ؛ لطروء علم، بل الله ~~تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له ~~بالثاني، والبداء لا يجوز على الله تعالى؛ لأنه لا يكون إلا ~~لطروء علم أو لتغير إرادة؛ وذلك محال في جهة الله تعالى، ~~وجعلت اليهود النسخ والبداء واحدا، فلم يجوزوه، فضلوا. # والمنسوخ؛ عند أئمتنا: الحكم الثابت نفسه، لا ما ذهبت إليه ~~المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل، والذي قادهم إلى ~~ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحسن صفة نفسية ~~للحسن، ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن ~~الأوامر لا ترتبط بالإرادة، وعلى أن الحسن والقبح في الأحكام، ~~إنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسية، والتخصيص من العموم يوهم أنه ~~نسخ، وليس به؛ لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ولو تناوله ~~العموم، لكان نسخا، والنسخ لا يجوز في الأخبار، وإنما هو مختص ~~بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبرا؛ بأن قال: أليس معناه ms0068 ~~واجب عليكم أن تفعلوا كذا، فهذا خبر، والجواب أن يقال: إن ~~في ضمن المعنى: إلا أن أنسخه عنكم، وأرفعه، فكما تضمن لفظ ~~الأمر ذلك الإخبار؛ كذلك تضمن هذا الاستثناء، وصور النسخ تختلف، فقد ~~ينسخ الأثقل إلى الأخف، وبالعكس، وقد ينسخ المثل بمثله ثقلا ~~وخفة، وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل، وقد تنسخ التلاوة دون ~~الحكم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر، ~~ونسخ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد؛ وهذا كله ~~متفق عليه، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك ~~موجود في قوله - عليه السلام - # " لا وصية لوارث " # ، وهو ظاهر مسائل مالك. # * ت *: ويعني بالسنة الناسخة للقرآن الخبر المتواتر القطعي، وقد ~~أشار إلى أن هذا الحديث متواتر، ذكره عند تفسير قوله تعالى: # إذا حضر أحدكم الموت # [البقرة:180]، واختلف القراء في قراءة قوله تعالى: { أو ننسها } ~~فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «ننسأها»؛ بنون مفتوحة، وأخرى ساكنة، ~~وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزة، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافع ~~والجمهور: «ننسها»؛ من النسيان، وقرأت ذلك فرقة إلا أنها همزت ~~بعد السين، فهذه بمعنى التأخير والنسيان في كلام العرب يجيء في ~~الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة ~~مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ~~ضد الذكر، فمعنى الآية به: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك ~~لها، فإنا نأتي بخير منها لكم أو مثلها في المنفعة، وما كان على ~~معنى الترك، أو على معنى التأخير، فيترتب فيه معان، انظرها، ~~إن شئت فإني آثرت الاختصار. # * ع *: والصحيح أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله ~~أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآنا - جائز، فأما النسيان الذي ~~هو آفة في البشر، فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه قبل التبليغ، ~~وبعد التبليغ، ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز ~~عليه ما يجوز على البشر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ، وأدى ~~الأمانة؛ ومنه الحديث، # " حين أسقط ms0069 آية، فلما فرغ من الصلاة قال: «أفي ~~القوم أبي؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال: فلم ~~لم تذكرني؟ قال: حسبت أنها رفعت فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع، ولكني نسيتها» ~~". # وقوله تعالى: { ألم تعلم }: معناه: التقرير، ومعنى الآية أن ~~الله تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو ~~قدير على ذلك، وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ، ~~وقوله: { على كل شيء } عموم، معناه الخصوص، إذ لا تدخل فيه ~~الصفات القديمة؛ بدليل العقل، ولا المحالات؛ لأنها ليست بأشياء، ~~والشيء في كلام العرب: الموجود، و { قدير }: اسم فاعل على المبالغة، ~~قال القشيري: وإن من علم أن مولاه قدير على ما يريد، قطع ~~رجاءه عن الأغيار؛ كما قال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام -: # ربنا إني أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع # [إبراهيم:37] قال أهل الإشارة: معناه: سهلت طريقهم إليك، وقطعت ~~رجاءهم عن سواك، ثم قال: # ليقيموا الصلوة # [إبراهيم:37] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم، # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # [إبراهيم:37]، أي: إذا احتاجوا شيئا، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك ~~رعايتهم إليهم؛ فإنك على ذلك قدير، وإن من لزم بابه أوصل إليه ~~محابه، وكفاه أسبابه، وذلل له كل صعب، وأورده كل سهل عذب من غير ~~قطع شقة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير». ### || [2.107-108] # وقوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموات والأرض... } الآية: الملك السلطان، ونفوذ ~~الأمر، والإرادة، وجمع الضمير في { لكم } دال على أن المراد ~~بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب أمته. # وقوله تعالى: { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم... } ~~الآية: قال أبو العالية: # " إن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل ~~في تعجيل العقوبة في الدنيا، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: قد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني ~~إسرائيل» " # ، وتلا: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء:110]، وقال ابن عباس: ms0070 سببها أن رافع بن ~~حريملة اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم تفجير عيون، ~~وغير ذلك، وقيل غير هذا، وما سئل موسى - عليه السلام - هو أن يرى ~~الله جهرة. # وكنى عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدل، و { ضل ~~}: أخطأ الطريق، والسواء من كل شيء الوسط، والمعظم؛ ومنه: { في ~~سوآء الجحيم } وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم [الكامل]: # يا ويح أنصار النبي ورهطه # بعد المغيب في سواء الملحد # والسبيل: عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده. ### || [2.109-110] # وقوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتب لو ~~يردونكم من بعد إيمنكم كفارا... } الآية: قال ~~ابن عباس: المراد ابنا أخطب؛ حيي وأبو ياسر، أي: ~~وأتباعهما، واختلف في سبب هذه الآية، فقيل: إن حذيفة بن ~~اليمان، وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس، فأراد اليهود ~~صرفهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعة ~~في المعنى لما تقدم من نهي الله عز وجل عن متابعة أقوال ~~اليهود في: # رعنا # [البقرة:104] وغيره، وأنهم لا يودون أن ينزل على المؤمنين خير، ~~ويودون أن يردوهم كفارا من بعد ما تبين لهم الحق، وهو نبوءة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # * ت *: وقد جاءت أحاديث صحيحة في النهي عن الحسد، فمنها حديث ~~مالك في الموطإ عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا ~~عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر ~~أخاه فوق ثلاث " # وأسند أبو عمر بن عبد البر عن الزبير، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ~~حالقتا الدين، لا حالقتا الشعر " # انتهى من «التمهيد». # والعفو: ترك العقوبة، والصفح: الإعراض عن المذنب؛ كأنه ~~يولي صفحة العنق، قال ابن عباس: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون # [التوبة:29] الآية إلى قوله: { صغرون }. # وقيل: بقوله: # اقتلوا المشركين # [التوبة:5]، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ؛ لأن هذا في نفس الأمر ~~كان التوقيف ms0071 على مدته. # * ت *: وينبغي للمؤمن أن يتأدب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات»؟ ~~قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: «تحلم على من ~~جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، ~~وتصل من قطعك " # خرجه النسائي. انتهى من «الكوكب الدري» لأبي العباس أحمد بن ~~سعيد التجيبي. # وقوله تعالى: { إن الله على كل شيء قدير }: مقتضاه في ~~هذا الموضع: وعد للمؤمنين. # وقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة... } الآية: قال الطبري: ~~إنما أمر الله المؤمنين هنا بالصلاة والزكاة ليحط ما تقدم من ~~ميلهم إلى قول اليهود: # رعنا # [البقرة:104]؛ لأن ذلك نهي عن نوعه، وقوله: { تجدوه } ، أي: ~~تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده قال: # " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، مالي لا أحب الموت؟ ~~فقال: هل لك مال؟ قال: نعم، يا رسول الله، قال: ~~فقدم مالك بين يديك؛ فإن المرء مع ماله، إن ~~قدمه، أحب أن يلحقه، وإن خلفه، أحب ~~التخلف " # انتهى. # وقوله تعالى: { إن الله بما تعملون بصير } خبر في ~~اللفظ، معناه الوعد والوعيد. ### || [2.111-115] # وقوله تعالى: { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى } ، معناه: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع ~~قولهم. ودل تفريق نوعيهم على تفريق قوليهم، وهذا هو الإيجاز ~~واللف. # و { هودا }: جمع هائد، ومعناه: التائب الراجع، وكذبهم الله ~~تعالى، وجعل قولهم أمنية، وأمر نبيه - عليه السلام - بدعائهم إلى ~~إظهار البرهان، وهو الدليل الذي يوقع اليقين، وقولهم: «لن» نفي ~~حسنت بعده «بلى»؛ إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل ~~لذلك، و { أسلم }: معناه: استسلم، وخضع، ودان، وخص الوجه ~~بالذكر؛ لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العز والذل، { وهو ~~محسن }: جملة في موضع الحال. # وقوله تعالى: { وقالت اليهود... } الآية: معناه: أنه ادعى ~~كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر، وسبب ms0072 الآية أن نصارى ~~نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتسابوا، وكفر اليهود بعيسى وبملته، وبالإنجيل، وكفر ~~النصارى بموسى وبالتوراة. # * ع *: وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها؛ لأن الإنجيل يتضمن ~~صدق موسى، وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى، ~~وكلاهما يتضمن صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فعنفهم الله ~~تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا. # وفي قوله تعالى: { وهم يتلون الكتب } تنبيه لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم على ملازمة القرآن، والوقوف عند حدوده، والكتاب ~~الذي يتلونه، قيل: هو التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس، ~~وقيل: التوراة؛ لأن النصارى تمتثلها. # وقوله تعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون } يعني: كفار ~~العرب؛ لأنهم لا كتاب لهم، { فالله يحكم بينهم يوم ~~القيمة... } الآية، أي: فيثيب من كان على شيء، ويعاقب من كان على ~~غير شيء، { ومن أظلم ممن منع مسجد الله... } ~~الآية، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابن عباس وغيره: المراد ~~النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس، وقال ابن ~~زيد: المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المسجد الحرام، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى ~~يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا ~~خائفين... } الاية: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنه مر ~~زمن بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضربا، قاله ~~قتادة والسدي، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ألا يحج مشرك، وألا يطوف ~~بالبيت عريان؛ و { أينما } شرط، و { تولوا } جزم به، و ~~{ ثم }: جوابه، و { وجه الله }: معناه: الذي وجهنا إليه ~~كما تقول: سافرت في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضع ~~من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجه الجهة التي فيها رضاه، ~~وعليها ثوابه؛ كما تقول تصدقت لوجه الله، ويتجه في هذه الآية ~~خاصة أن يراد بالوجه الجهة التي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في ms0073 ~~سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في صلاة ~~النافلة في السفر، حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: ~~الآية عامة، أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم، فثم وجه ~~الله، أي: موضع رضاه وثوابه، وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، ~~وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد في القبلة، ~~فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة، قال: «كنا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، ~~فتحرى قوم القبلة، وأعلموا علامات، فلما ~~أصبحوا، رأوا أنهم قد أخطئوها، فعرفوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية». # وقيل: نزلت الآية حين صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البيت. # و { وسع }: معناه متسع الرحمة، { عليم } أين يضعها، وقيل: { ~~وسع }: معناه هنا أنه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر، { ~~عليم } بالنيات التي هي ملاك العمل. ### || [2.116-117] # وقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه... } ~~الآية: اختلف على من يعود ضمير «قالوا»، فقيل: على النصارى، وهو ~~الأشبه، وقيل: على اليهود؛ لأنهم قالوا: عزير ابن الله، وقيل: ~~على كفرة العرب؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله. # * ت *: وقال أبو عبد الله اللخمي: ويحتمل أن يعني بالآية كل ~~من تقدم ذكره من الكفرة، وقد تقدم ذكر اليهود والنصارى والذين لا ~~يعلمون، وهم المشركون، وكلهم قد ادعى لله ولدا، تعالى الله عن ~~قولهم. انتهى من «مختصر الطبري». # و { سبحنه }: مصدر، معناه: تنزيها له وتبرئة مما قالوا، ~~والقنوت؛ في اللغة: الطاعة، والقنوت: طول القيام، فمعنى الآية: إن ~~المخلوقات تقنت لله، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتهم في ظهور ~~الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظله، وهو كاره، و { بديع }: ~~مصروف من مبدع، والمبدع: المخترع المنشيء، وخص السموات ~~والأرض بالذكر؛ لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا. # و { قضى }: معناه: قدر، وقد يجيء بمعنى: أمضى، ويتجه في هذه ~~الآية المعنيان، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أمر ~~يأمر، وتلخيص المعتقد في هذه الآية؛ أن الله عز ms0074 وجل لم ~~يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما ~~مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، ~~فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما ~~يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر، فهو قديم لم يزل، ~~والمعنى الذي تقتضيه عبارة { كن } هو قديم قائم بالذات، والوضوح ~~التام في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البسط. # * ت *: وقد قدمنا ما يزيد هذا المعنى وضوحا عند قوله تعالى: # وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم # [البقرة:34] فانظره. ### || [2.118-120] # وقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا ~~يكلمنا الله... } الآية: قال الربيع والسدي: هم كفار ~~العرب، وقد طلب عبد الله بن أمية وغيره من النبي صلى الله عليه وسلم ~~نحو هذا، وقال مجاهد: هم النصارى، وقال ابن عباس: المراد من كان على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود؛ لأن رافع بن حريملة ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله، وقيل: ~~الإشارة إلى جميع هذه الطوائف؛ لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، و { ~~لولا } تحضيض بمعنى «هلا»، والآية هنا العلامة الدالة، و { ~~الذين من قبلهم } هم اليهود والنصارى في قول من جعل { ~~الذين لا يعلمون } كفار العرب، وهم اليهود في قول من جعل ~~{ الذين لا يعلمون } النصارى، وهم الأمم السالفة في قول من ~~جعل { الذين لا يعلمون } العرب النصارى واليهود وتشابه ~~القلوب هنا في طلب ما لا يصح أوفى الكفر. # وقوله تعالى: { قد بينا الآيت لقوم يوقنون } قرينة ~~تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينة أخرى أن الكلام مدح لهم. # وقوله تعالى: { إنا أرسلنك بالحق بشيرا } ، أي: لمن ~~آمن، ونذيرا لمن كفر، وقرأ نافع وحده ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدة ~~عذابهم؛ كما تقول: فلان لا تسأل عنه، تعني أنه في نهاية تشهره من ~~خير أو شر. # * ت *: وزاد في «مختصر الطبري»، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، ~~وهو، والله أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤال مكترث بما أصابهم، ~~أو بما ms0075 هم عليه من الكفر الذي يوردهم الجحيم؛ نظير قوله عز وجل: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرت # [فاطر:8]، وأما ما روي عن محمد بن كعب القرظي ومن وافقه؛ من أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سأل، ما فعل أبواي؟ فنزلت ~~الآية في ذلك، فهو بعيد، ولا يتصل أيضا بمعنى ما قبله. انتهى. # وقرأ باقي السبعة: «ولا تسأل»؛ بضم التاء واللام. # و { الجحيم }: إحدى طبقات النار. # وقوله تعالى: { إن هدى الله هو الهدى } ، أي: ما أنت عليه ~~يا محمد من هدى الله هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال ~~تعالى لنبيه: { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي ~~جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير } فهذا شرط خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلة ~~فيه. # * ت *: والأدب أن يقال: خوطب به صلى الله عليه وسلم والمراد ~~أمته؛ لوجود عصمته صلى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما ~~أشبه هذا المعنى من الآي، وقد نبه - رحمه الله - على هذا ~~المعنى في نظيرتها؛ كما سيأتي، وكان الأولى؛ أن ينبه على ذلك هنا ~~أيضا، وقد أجاب عياض عن الآي الواردة في القرآن مما يوهم ظاهره ~~إشكالا، فقال - رحمه الله -: اعلم، وفقنا الله وإياك، أنه - ~~عليه السلام - لا يصح ولا يجوز عليه ألا يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ~~ولا أن يشرك ولا أن يتقول على الله ما لا يجب أو يفترى عليه، أو ~~يضل، أو يختم على قلبه، أو يطيع الكافرين، لكن الله أمره بالمكاشفة ~~والبيان في البلاغ للمخالفين، وإن إبلاغه، إن لم يكن بهذا البيان ~~فكأنه ما بلغ، وطيب نفسه، وقوى قلبه بقوله تعالى: # والله يعصمك من الناس # [المائدة:67] كما قال لموسى وهارون - عليها السلام: # لا تخافا # [طه:46] لتشتد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب عنهم ~~خوف العدو المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل... # [الحاقة:44] وقوله # إذا لأذقنك ضعف الحيوة # [الإسراء:75] فمعناه: أن هذا هو جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ms0076 ممن ~~يفعله، وهو صلى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالى: # وإن تطع أكثر من في الأرض # [الأنعام:116] فالمراد غيره، كما قال: # إن تطيعوا الذين كفروا... # [آل عمران:149] وقوله: # فإن يشإ الله يختم على قلبك # [الشورى:24] و # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر:65] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال من أشرك، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه هذا، وقوله تعالى # اتق الله ولا تطع الكفرين # [الأحزاب:1] فليس فيه أنه أطاعهم، والله ينهاه عما يشاء، ويأمره ~~بما يشاء؛ كما قال تعالى: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # [الأنعام:52] الآية، وما كان طردهم - عليه السلام - ولا كان من ~~الظالمين. انتهى من «الشفا». # * ص *: { ولئن }: هذه اللام هي الموطئة والموذنة، وهي مشعرة ~~بقسم مقدر قبلها. انتهى. ### || [2.121-124] # وقوله تعالى: { الذين آتينهم الكتب يتلونه... } ~~الآية: قال قتادة: المراد ب «الذين» في هذا الموضع: من أسلم ~~من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب على هذا: التأويل ~~القرآن، وقال ابن زيد: المراد من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب؛ ~~على هذا التأويل: التوراة، و { ءاتينهم }: معناه: أعطيناهم، و ~~{ يتلونه }: معناه: يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال ~~أحمد بن نصر الداوودي: وهذا قول ابن عباس، قال عكرمة: يقال: ~~فلان يتلو فلانا، أي: يتبعه؛ ومنه: # والقمر إذا تلها # [الشمس:2] أي: تبعها. انتهى. # ولله در من اتبع كلام ربه، واقتفى سنة نبيه، وإن ~~قل علمه، قال القضاعي في اختصاره ل «المدارك»: قال في ~~ترجمة سحنون: كان سحنون يقول: مثل العلم القليل في الرجل ~~الصالح مثل العين العذبة في الأرض العذبة، يزرع عليها ~~صاحبها ما ينتفع به، ومثل العلم الكثير في الرجل الطالح ~~مثل العين الخرارة في السبخة تهر الليل والنهار، ولا ~~ينتفع بها. انتهى. # وقيل: { يتلونه }: يقرءونه حق قراءته، وهذا أيضا يتضمن ~~الاتباع والامتثال، و { حق }: مصدر، وهو بمعنى أفعل، والضمير ~~في «به» عائد على «الكتاب»، وقيل: يعود على محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن متبعي التوراة يجدونه فيها، فيؤمنون به، والضمير في { ~~يكفر به } يحتمل ms0077 من العود ما ذكر في الأول. # وقوله تعالى: { يابنى إسرءيل... } الآية: تقدم بيان نظيرها، ~~ومعنى: { ولا تنفعها شفعة }: أنه ليست ثم، وليس ~~المعنى أنه يشفع فيهم أحد، فيرد، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل ~~الحساب، فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة. # * ت *: ولم ينبه - رحمه الله - على هذا في التي تقدمت أول ~~السورة، و { ابتلى } معناه: اختبر، وفي «مختصر الطبري»: { ~~ابتلى } ، أي: اختبر، والاختبار من الله عز وجل لعباده ~~على علم منه سبحانه بباطن أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم ~~سابق علمه فيهم، وقد روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - في قوله عز ~~وجل: # ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم ~~والصبرين ونبلوا أخبركم # [محمد:31] فقال رضي الله عنه: إن الله عز وجل لم يزل عالما ~~بأخبارهم وخبرهم وما هم عليه، وإن قوله: { ولنبلونكم ~~حتى نعلم } ، أي: حتى نسوقكم إلى سابق علمي فيكم. ~~انتهى، وهو كلام حسن. # وقد نبه * ع *: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدة أن علمه ~~سبحانه قديم، علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره لا يكون ~~من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا ~~هو. # و { إبراهيم }: يقال: إن تفسيره بالعربية أب رحيم، ~~واختلف أهل التأويل في «الكلمات»، فقال ابن عباس: هي ثلاثون سهما ~~هي الإسلام كله، لم يتمه أحد كاملا إلا إبراهيم - عليه السلام - ~~منها في «براءة»: # التئبون العبدون... # الآية [التوبة:112]، وعشرة في «الأحزاب»: # إن المسلمين والمسلمت... # [الأحزاب:35]، وعشرة في # سأل سائل # [المعارج:1]. # * ت *: وقيل غير هذا. # وفي «البخاري»: أنه اختتن، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم، قال ~~الراوي: فأوحى الله إليه { إني جعلك للناس إماما } ~~والإمام القدوة. # وإنما سميت هذه الخصال كلمات؛ لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات، ~~وروي أن إبراهيم، لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه، كتب ~~الله له البراءة من النار، فذلك قوله تعالى: # وإبرهيم الذي وفى # [النجم:37]. وقول إبراهيم عليه السلام: { ومن ذريتي } هو على ~~جهة الرغباء إلى الله، أي: ومن ذريتي، يا رب، فاجعل. # وقوله ms0078 تعالى: { قال لا ينال عهدي الظلمين } ، أي: قال ~~الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة. ### || [2.125-126] # وقوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت } ، أي: الكعبة { مثابة ~~} ، يحتمل من ثاب إذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون ~~هناك، «وأمنا» للناس والطير والوحوش؛ إذ جعل الله لها حرمة ~~في النفوس؛ بحيث يلقى الرجل بها قاتل أبيه، فلا يهيجه، وقرأ ~~جمهور الناس: «واتخذوا»، بكسر الخاء؛ على جهة الأمر لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع، وابن عامر، «واتخذوا» بفتح الخاء؛ ~~على جهة الخبر عن من اتخذه من متبعي إبراهيم - عليه السلام - ~~ومقام إبراهيم في قول ابن عباس، وقتادة، وغيرهما، وخرجه ~~البخاري هو الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع ~~الحجارة التي كان إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، ~~وغرقت قدماه فيه، و { مصلى }: موضع صلاة. # * ص *: { من مقام }: من تبعيضية على الأظهر، أو بمعنى: «في» ~~أو زائدة؛ على مذهب الأخفش، والمقام: مفعل من القيام، والمراد به ~~هنا المكان، انتهى، يعني: المكان الذي فيه الحجر المسمى بالمقام. # وقوله تعالى: { وعهدنا }: العهد؛ في اللغة: على أقسام، هذا ~~منها، الوصية بمعنى الأمر، و { طهرا }: قيل: معناه: ابنياه ~~وأسساه على طهارة ونية طهارة، وقال مجاهد: هو أمر ~~بالتطهير من عبادة الأوثان، و { للطائفين } ظاهره: أهل الطواف، ~~وقاله عطاء وغيره، وقال ابن جبير: معناه: للغرباء الطارئين ~~على مكة، { والعكفين }: قال ابن جبير: هم أهل البلد ~~المقيمون، وقال عطاء: هم المجاورون بمكة، وقال ابن عباس: ~~المصلون، وقال غيره؛ المعتكفون، والعكوف؛ في اللغة: الملازمة. # وقوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا } ، أي: من الجبابرة والعدو المستأصل، وروي أن الله ~~تعالى، لما دعاه إبراهيم، أمر جبريل، فاقتلع فلسطين، وقيل: بقعة من ~~الأردن، فطاف بها حول البيت سبعا، وأنزلها بوج، فسميت ~~الطائف؛ بسبب الطواف. # وقوله تعالى: { قال ومن كفر فأمتعه قليلا... } الآية: ~~قال أبي بن كعب، وابن إسحاق، وغيرهما: هذا القول من الله ~~عز وجل لإبراهيم، وقال ابن عباس، وغيره: هذا القول من إبراهيم. # قال: * ع *: فكأن ms0079 إبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي «مختصر ~~الطبري»: وقرأ بعضهم، «فأمتعه»؛ بالجزم، والقطع على الدعاء، ~~ورآه دعاء من إبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابن عباس يقول: ~~ذلك قول إبراهيم، سأل ربه أن من كفر به، فأمتعه قليلا يقول: ~~فارزقه قليلا، ثم اضطره إلى عذاب النار، أي: ألجئه. ~~انتهى، وعلى هذه القراءة يجيء قول ابن عباس، لا على قراءة ~~الجمهور، و { قليلا }: معناه: مدة العمر؛ لأن متاع الدنيا قليل. ### || [2.127-129] # وقوله تعالى: { وإذ يرفع إبرهيم القواعد من ~~البيت... } الآية: القواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس. # * ص *: القواعد، قال الكسائي والفراء: هي الجدر، وقال أبو ~~عبيدة: هي الأساس. انتهى. # واختلفوا في قصص البيت، فقيل: إن آدم أمر ببنائه، ثم دثر، ودرس ~~حتى دل عليه إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل: إن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر ~~الله، وقيل غير هذا. # * ع *: والذي يصح من هذا كله أن الله سبحانه أمر إبراهيم برفع ~~قواعد البيت، وجائز قدمه، وجائز أن يكون ذلك ابتداء، ولا يرجح ~~شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر. # { وإسمعيل }: عطف على { إبراهيم } ، والتقدير: ~~يقولان: { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع ~~العليم } ، أي: السميع لدعائنا، العليم بنياتنا، وخصا هاتين ~~الصفتين؛ لتناسبهما مع حالهما، وقولهما: { اجعلنا } بمعنى: صيرنا ~~مسلمين، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيت والدوام، والإسلام في ~~هذا الموضع. الإيمان والأعمال جميعا، «ومن» في قوله: { ومن ~~ذريتنا } للتبعيض؛ لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ~~ظالمين، والأمة: الجماعة، { وأرنا } قالت طائفة: من رؤية ~~البصر، وقالت طائفة: من رؤية القلب، وهذا لا يصح، قال قتادة: ~~المناسك معالم الحج، واختلف في معنى طلبهم التوبة، وهم أنبياء ~~معصومون، فقالت طائفة: طلبا التثبيت والدوام، وقيل: أرادا من ~~بعدهما من الذرية، وقيل، وهو الأحسن؛ إنهما لما عرفا المناسك، ~~وبنيا البيت، أرادا أن يسنا للناس؛ أن تلك المواطن مكان التنصل من ~~الذنوب، وطلب التوبة. # وقال الطبري: إنه ليس أحد من خلق الله إلا بينه وبين الله معان ~~يحب أن تكون أحسن مما هي، وأجمعت الأمة على عصمة الأنبياء في ms0080 معنى ~~التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة، واختلف في غير ذلك ~~من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومون من الجميع، وأن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إني لأتوب في اليوم وأستغفر الله سبعين ~~مرة " # ، إنما هو رجوعه من حالة إلى أرفع منها؛ ~~لتزيد علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعلى، ~~والتوبة هنا لغوية، وقوله: { ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم.. } الآية: هذا هو الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى " # ، ومعنى { منهم } ، أي: يعرفوه، ويتحققوا فضله، ويشفق ~~عليهم، ويحرص. # * ت *: وقد تواترت أخبار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته ~~في الكتب السالفة، وعلم بذلك الأحبار، وأخبروا به، وبتعيين الزمن ~~الذي يبعث فيه. # وقد روى البيهقي أحمد بن الحسين وغيره عن طلحة بن عبيد الله - ~~رضي الله عنه - قال: «حضرت سوق بصرى، فإذا راهب في ~~صومعة، يقول: سلوا أهل هذا الموسم، أفيهم من هو من هذا ~~الحرم؟ قال: قلت: أنا، فما تشاء؟ قال: هل ظهر ~~أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: أحمد بن عبد ~~الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج ~~فيه، وهو خاتم الأنبياء، مخرجه من الحرم، ~~ومهاجره إلى نخل وسباخ، إذا كان، فلا تسبقن ~~إليه، فوضع في قلبي ما قال، وأسرعت اللحاق ~~بمكة، فسألت، هل ظهر بعدي أمر؟ فقالوا: ~~محمد الأمي قد تنبأ، وتبعه أبو بكر بن أبي ~~قحافة، فمشيت إلى أبي بكر، وأدخلني إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت»، وقد روى العذري وغيره ~~عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: «لقيت شيخا باليمن، فقال ~~لي: أنت حرمي، فقلت: نعم، فقال: وأحسبك قرشيا، قلت: نعم، ~~قال: بقيت لي فيك واحدة، اكشف لي عن بطنك، قلت: لا أفعل، ~~أو تخبرني لم ذلك، قال: أجد في العلم الصحيح أن نبيا يبعث في ~~الحرمين يقارنه على أمره فتى وكهل، أما الفتى، فخواض غمرات، ~~ودفاع معضلات، وأما الكهل، فأبيض نحيف على بطنه شامة، ~~وعلى فخذه ms0081 اليسرى علامة، وما عليك أن تريني ما سألتك عنه، ~~فقد تكاملت فيك الصفة، إلا ما خفي علي؟ قال أبو بكر: ~~فكشفت له عن بطني، فرأى شامة سوداء فوق سرتي، فقال: أنت ~~هو ورب الكعبة، إني متقدم إليك في أمر، قلت: ما هو؟ قال: ~~إياك، والميل عن الهدى، وعليك بالتمسك بالطريقة الوسطى، ~~وخف الله فيما خولك، وأعطى، قال أبو بكر: فلما ودعته، ~~قال: أتحمل عني إلى ذلك النبي أبياتا، قلت: نعم، فأنشأ الشيخ ~~يقول: [الطويل] # ألم تر أني قد سئمت معاشري # ونفسي وقد أصبحت في الحي عاهنا # حييت وفي الأيام للمرء عبرة # ثلاث مئين بعد تسعين آمنا # وقد خمدت مني شرارة قوتي # وألفيت شيخا لا أطيق الشواحنا # وأنت ورب البيت تأتي محمدا # لعامك هذا قد أقام البراهنا # فحي رسول الله عني فإنني # على دينه أحيا وإن كنت قاطنا # قال أبو بكر: فحفظت شعره، وقدمت مكة، وقد بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءني صناديد قريش، وقالوا: يا أبا بكر، يتيم أبي ~~طالب، يزعم أنه نبي، قال: فجئت إلى منزل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقرعت عليه، فخرج إلي، فقلت: يا محمد، ~~فقدت من منازل قومك، وتركت دين آبائك؟ فقال: ~~يا أبا بكر، إني رسول الله إليك، وإلى الناس ~~كلهم، فآمن بالله، فقلت؛ وما دليلك؟ قال: ~~الشيخ الراهب الذي لقيته باليمن، قلت: وكم من ~~شيخ لقيت! قال: ليس ذلك أريد، إنما أريد ~~الشيخ الذي أفادك الأبيات، قلت: ومن أخبرك ~~بها؟ قال: الروح الأمين الذي كان يأتي الأنبياء ~~قبلي، قلت: مد يمينك، أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأنك رسول الله، قال أبو بكر: فانصرفت ~~وما بين لابتيها أشد من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرحا بإسلامي». # انتهى من تأليف ابن القطان في «الآيات والمعجزات». # و { يتلوا عليهم آيتك } ، أي: آيات القرآن، و { ~~الكتب }: القرآن، قال قتادة: { والحكمة } السنة، وروى ابن ~~وهب عن مالك؛ أن { الحكمة }: الفقه في الدين، والفهم الذي هو ~~سجية ونور من الله تعالى. # * ت *: ونقل عياض في «مداركه» ms0082 عن مالك؛ أن { الحكمة } نور ~~يقذفه الله في قلب العبد، وقال أيضا: يقع في قلبي؛ أن { الحكمة ~~} الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله، ~~وقال أيضا: { الحكمة } التفكر في أمر الله، والاتباع له، ~~والفقه في الدين، والعمل به. انتهى. # وقد أشار * ع *: إلى هذا عند قوله تعالى: # يؤتي الحكمة من يشآء # [البقرة:269]. # * ت *: والظاهر أن المراد ب { الحكمة } هنا: ما قاله قتادة، ~~فتأمله. # { ويزكيهم }: معناه يطهرهم، وينميهم بالخير، و { ~~العزيز }: الذي يغلب، ويتم مراده، و { الحكيم }: المصيب ~~مواقع الفعل، المحكم لها. ### || [2.130-133] # وقوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبرهيم.. } الآية " ~~«من»: استفهام، والمعنى: ومن يزهد فيها، ويربأ بنفسه عنها إلا ~~من سفه نفسه، والملة: الشريعة والطريقة، وسفه من السفه ~~الذي معناه الرقة والخفة، واصطفى من الصفوة، معناه: ~~تخير الأصفى، ومعنى هذا الاصطفاء؛ أنه نبأه، واتخذه خليلا. # { وإنه فى الأخرة لمن الصلحين }: قيل: المعنى أنه ~~في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضاف، { إذ قال له ~~ربه أسلم } كان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب ~~والقمر والشمس؛ والإسلام هنا على أتم وجوهه، والضمير في «بها» ~~عائد على كلمته التي هي { أسلمت لرب العلمين } ، وقيل: ~~على الملة، والأول أصوب؛ لأنه أقرب مذكور. # { ويعقوب }: قيل: عطف على { إبراهيم } ، وقيل: مقطوع ~~منفرد بقوله: { يا بني } ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بني. # و { اصطفى } هنا: معناه: تخير صفوة الأديان. # وقوله: { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }: إيجاز ~~بليغ، وذلك أن المقصود من أمرهم بالإسلام الدوام عليه، فأتى بلفظ ~~موجز يقتضي المقصود، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت، وذلك أن المرء ~~يتحقق أنه يموت، ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا ~~وهو عليه، فقد توجه من وقت الأمر دائبا لازما. # وقوله تعالى: { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ~~} هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء - صلوات ~~الله عليهم - ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله ~~عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية الإسلام، وقال لهم ~~على جهة التقرير والتوبيخ: أشهدتم ms0083 يعقوب بما أوصى، فتدعون ~~عن علم أم لم تشهدوا، بل أنتم تفترون، «وأم»: للاستفهام في صدر ~~الكلام، لغة يمانية، وحكى الطبري أن «أم» يستفهم بها في وسط ~~كلام قد تقدم صدره، وهذا منه، و { شهداء }: جمع شاهد، أي: حاضر، ~~ومعنى الآية؛ حضر يعقوب مقدمات الموت. # و { من بعدي } ، أي: من بعد موتي، ودخل إسماعيل في الآباء ~~لأنه عم. # " وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم على العباس اسم الأب، فقال: ~~«هذا بقية آبائي»، وقال: «ردوا علي أبي» " # الحديث، وقال: # " أنا ابن الذبيحين " # ، على القول الشهير في أن إسحاق هو الذبيح. # * ت *: وفي تشهيره نظر، بل الراجح أنه إسماعيل على ما هو معلوم ~~في موضعه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ### || [2.134-138] # وقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت... } الآية، يعني بالأمة ~~الأنبياء المذكورين، والمخاطب في هذه الآية اليهود والنصارى، ~~وقولهم: { كونوا هودا أو نصرى تهتدوا } نظير قولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة:111]، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إلى ~~الحق، ويجيء الحنيف في الدين بمعنى المستقيم على جميع طاعات ~~الله. # قوله تعالى: { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما ~~أوتي النبيون من ربهم... } الآية: هذا الخطاب لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، { وما أنزل إلينا }: يعني القرآن، ~~و { الأسباط } هم ولد يعقوب، وهم: روبيل، وشمعون، ولاوي، ~~ويهوذا، وريالون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خلف على أختها ~~راحيل، فولدت له يوسف، وبن يامين، وولد له من ~~سريتين: ذان، وتفثالا، وجاد، واشر. # والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسموا ~~الأسباط؛ لأنه كان من كل واحد منهم سبط. # و { لا نفرق بين أحد منهم } ، أي: لا نؤمن ببعض، ~~ونكفر ببعض؛ كما تفعلون، { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم ~~به } ، أي: فإن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم، { فقد اهتدوا، ~~وإن تولوا } ، أي: أعرضوا، يعني: اليهود والنصارى، { ~~فإنما هم فى شقاق } ، أي: في مشاقة ومخالفة لك، ms0084 هم في ~~شق، وأنت في شق، وقيل: شاق معناه: شق كل واحد وصل ما بينه ~~وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك ~~في قتل بني قينقاع، وبني قريظة، وإجلاء النضير. # وهذا الوعد وانتجازه من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # و { السميع } لقول كل قائل، و { العليم } بما ينفذه في ~~عباده، و { صبغة الله }: شريعته ودينه وسنته، وفطرته، ~~قال كثير من المفسرين: وذلك أن النصارى لهم ماء يصبغون فيه ~~أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك، وقيل: سمي الدين صبغة؛ استعارة من حيث ~~تظهر أعماله وسمته على المتدين؛ كما يظهر الصبغ في الثوب ~~وغيره، ونصب الصبغة على الإغراء. ### || [2.139-141] # وقوله تعالى: { قل أتحاجوننا فى الله... } الآية: معنى ~~الآية: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى: أتحاجوننا في الله، ~~أي: أتجادلوننا في دينه، والقرب منه، والحظوة لديه سبحانه، ~~والرب واحد، وكل مجازى بعمله، ثم وبخهم بقوله: { ونحن له ~~مخلصون } ، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به ~~منكم. # وقوله تعالى: { أم تقولون } عطف على ألف الاستفهام ~~المتقدمة، وهذه القراءة بالتاء من فوق قراءة ابن عامر، وحمزة، ~~وغيرهما، وقرأ نافع وغيره بالياء من أسفل، «وأم» على هذه القراءة ~~مقطوعة، ووقفهم تعالى على موضع الانقطاع في الحجة؛ لأنهم إن ~~قالوا: إن الأنبياء المذكورين على اليهودية والنصرانية، كذبوا؛ ~~لأنه قد علم أن هذين الدينين حدثا بعدهم، وإن قالوا: لم يكونوا ~~على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلموا إلى دينهم؛ إذ تقرون ~~بالحق. # وقوله تعالى: { قل ءأنتم أعلم أم الله } تقرير على فساد ~~دعواهم؛ إذ لا جواب لمفطور إلا أن الله تعالى أعلم، { ومن أظلم ~~ممن كتم شهدة } ، أي: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى ~~بكتمان الشهادة، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبهم من ~~أن الأنبياء على الحنيفية، لا على ما ادعوه، وقال قتادة وغيره: ~~هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم والأول أشبه ~~بسياق الآية، «ومن» متعلقة ب «عنده»، ويحتمل أن ms0085 تتعلق ب ~~«كتم». # { وما الله بغفل.. } الآية: فيه وعيد وإعلام؛ أنه لا يترك ~~أمرهم سدى، والغافل: الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه، مأخوذ من الأرض ~~الغفل، وهي التي لا معلم بها. # وقوله تعالى؛ { تلك أمة } الآية: كررها عن قرب؛ لأنها تضمنت ~~معنى التهديد والتخويف، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول. ### || [2.142-143] # قوله تعالى: { سيقول السفهاء من الناس... } الآية: اختلف ~~في تعيين هؤلاء السفهاء، فقال ابن عباس: هم الأحبار، وذلك أنهم ~~جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، ما ولاك ~~عن قبلتنا، ارجع إليها، نتبعك ونؤمن بك، يريدون فتنته، وقيل: ~~اليهود والمنافقون، وقالت فرقة: هم كفار قريش. # و { ولهم }: معناه: صرفهم، و { يهدي من يشآء }: ~~إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، { ~~وكذلك جعلنكم } ، أي؛ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم ~~وشريعته، و { جعلناكم أمة وسطا } ، أي: عدولا؛ روي ذلك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وتظاهرت به عبارات المفسرين، ~~والوسط: الخيار والأعلى من الشيء، وواسطة القلادة أنفس حجر ~~فيها؛ ومنه قوله تعالى: # قال أوسطهم # [القلم:28]. # و { شهداء }: جمع شاهد، والمراد بالناس هنا في قول جماعة: جميع ~~الجنس، وأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد يوم القيامة للأنبياء ~~على أممهم بالتبليغ، وروي في هذا المعنى حديث صحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وروي عنه؛ أن أمته تشهد لكل نبي ناكره قومه. # * ت *: وهذا الحديث خرجه البخاري، وابن ماجة، وابن المبارك في ~~«رقائقه» وغيرهم؛ قائلا صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: { ~~وكذلك جعلنكم أمة وسطا... } الآية. # وكون الرسول شهيدا، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» ~~بمعنى «لكم»، أي: يشهد لكم بالإيمان. # وقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة... } الآية: قال قتادة ~~وغيره: القبلة هنا بيت المقدس، أي: إلا فتنة لنعلم من ~~يتبعك من العرب الذين لم يألفوا إلا مسجد مكة أو من اليهود على ~~ما قاله الضحاك الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن ~~صليت إلى بيت المقدس، اتبعناك»، فأمره الله ~~بالصلاة ms0086 إليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا. # وقال ابن عباس: القبلة في الآية: الكعبة، و { كنت عليها } ~~بمعنى: أنت عليها؛ كقوله تعالى: # كنتم خير أمة # [آل عمران:110]، بمعنى: أنتم. # وما جعلناها وصرفناك إليها إلا فتنة، وروي في ذلك؛ ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة، أكثر ~~في ذلك اليهود والمنافقون، وارتاب بعض المؤمنين؛ حتى نزلت الآية، ~~ومعنى: { لنعلم } ، أي؛ ليعلم رسولي والمؤمنون به، والقاعدة نفي ~~استقبال العلم بعد أن لم يكن، و { ينقلب على عقبيه } ~~عبارة عن المرتد، والرجوع على العقب أسوأ حالات الراجع. # وقوله تعالى: { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله... } الآية: الضمير في «كانت» راجع إلى القبلة إلى بيت ~~المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حسبما تقدم من الخلاف في ~~القبلة، «وكبيرة» هنا معناه: شاقة صعبة، تكبر في الصدور، ولما ~~حولت القبلة، كان من قول اليهود: يا محمد، إن كانت الأولى ~~حقا، فأنت الآن على باطل، وإن كانت هذه حقا، فكنت في ~~الأولى على ضلال، فوجمت نفوس بعض المؤمنين، وأشفقوا على ~~من مات قبل التحويل من صلاتهم السالفة، فنزلت: { وما كان ~~الله ليضيع إيمنكم } ، أي: صلاتكم، قاله ابن عباس وغيره، ~~وسمى الصلاة إيمانا لما كانت صادرة عن الإيمان؛ ولأن الإيمان ~~هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إذ هو الأصل، ولئلا يندرج في ~~اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس، فذكر المعنى الذي هو ~~ملاك الأمر، وأيضا سميت إيمانا؛ إذ هي من شعب الإيمان. # * ت *: وفي العتبية من سماع ابن القاسم، قال مالك: قال الله تبارك ~~وتعالى: { وما كان الله ليضيع إيمنكم } قال: هي صلاة ~~المؤمنين إلى بيت المقدس، قال ابن رشد؛ وعلى هذا القول أكثر أهل ~~التفسير، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~بفرض الصلاة عليكم إلى بيت المقدس. انتهى من «البيان». # والرأفة: أعلى منازل الرحمة. ### || [2.144-145] # وقوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء... } ~~الآية: المقصد تقلب البصر، وأيضا: فالوجه يتقلب بتقلب البصر، ~~قال قتادة وغيره: كان ms0087 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في ~~الدعاء إلى الله تعالى؛ أن يحوله إلى قبلة مكة، ومعنى ~~التقلب نحو السماء: أن السماء جهة قد تعود العالم منها ~~الرحمة؛ كالمطر، والأنوار، والوحي، فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت ~~النعم. # قال: * ص *: { فلنولينك }: يدل على تقدير حال، أي: قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء طالبا قبلة غير التي أنت مستقبلها، ~~فلنولينك. انتهى. # و { ترضاها }: معناه: تحبها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحب الكعبة والتحول عن بيت المقدس؛ لوجوه ثلاثة رويت: # أحدها: لقول اليهود: «ما علم محمد دينه؛ حتى اتبعنا»؛ ~~قاله مجاهد. # الثاني: ليصيب قبلة إبراهيم - عليه السلام - قاله ابن عباس. # الثالث: ليستألف العرب؛ لمحبتها في الكعبة، قاله الربيع ~~والسدي. # * ع *: والميزاب هو قبلة المدينة والشام، وهنالك قبلة أهل الأندلس ~~بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق. # وقوله تعالى: { فول وجهك... } الآية: أمر بالتحول، ونسخ لقبلة ~~الشام، و { شطر }: نصب على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، { وحيث ~~ما كنتم فولوا }: أمر للأمة ناسخ. # { وإن الذين أوتوا الكتب... } الآية: المعنى: أن ~~اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن ~~استقبالها هو الحق الواجب على الجميع اتباعا لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمنت الآية الوعيد. # وقوله جلت قدرته: { ولئن أتيت... } الآية: أعلم الله ~~تعالى نبيه - عليه السلام - حين قالت له اليهود: راجع بيت ~~المقدس، ونؤمن بك؛ أن ذلك مخادعة منهم، وأنهم لا يتبعون له ~~قبلة، يعني: جملتهم؛ لأن البعض قد اتبع، كعبد الله بن سلام ~~وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تصغ إليهم، والآية هنا ~~العلامة. # وقوله جلت عظمته: { وما أنت بتابع قبلتهم... } لفظ خبر ~~يتضمن الأمر، أي: فلا تركن إلى شيء من ذلك، { وما بعضهم... } ~~الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليست اليهود متبعة قبلة النصارى، ~~ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، فهذا إعلام باختلافهم، وتدابرهم، ~~وضلالهم، وقبلة النصارى مشرق الشمس، وقبلة اليهود بيت ~~المقدس. # وقوله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما ~~جاءك ms0088 من العلم... } الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته، وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ظلما متوقعا، فهو محمول على إرادة أمته؛ لعصمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقطعا أن ذلك لا يكون منه، وإنما ~~المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعظيما للأمر، قال الفخر: ودلت هذه الآية على أن توجه الوعيد على ~~العلماء أشد من توجهه على غيرهم؛ لأن قوله: { من بعد ما ~~جاءك من العلم } يدل على ذلك. انتهى، وهو حسن. # * ص *: { ولئن أتيت }: لام «لئن» مؤذنة بقسم مقدر ~~قبلها، ولهذا كان الجواب: له { ما تبعوا } ، ولو كان للشرط، لدخلت ~~الفاء، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل ~~الشرط ماضيا، لأنه إذا حذف جوابه، وجب فعله لفظا. انتهى. ### || [2.146-147] # وقوله تعالى: { الذين آتينهم الكتب يعرفونه... ~~} الآية: الضمير في يعرفونه عائد على الحق في القبلة، والتحول إلى ~~الكعبة، قال ابن عباس وغيره، وقال مجاهد وغيره: هو عائد على محمد ~~صلى الله عليه وسلم، أي: يعرفون صدقه ونبوته. # * ت *: بل وصفاته. # { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق }: الفريق: ~~الجماعة، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما ~~تقدم على الخلاف في ضمير { يعرفونه } { وهم يعلمون } ~~ظاهر في صحة الكفر عنادا. # وقوله تعالى: { الحق من ربك } ، أي: هو الحق، { فلا ~~تكونن من الممترين }: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته، وامترى في الشيء، إذا شك فيه؛ ومنه: المراء، لأن ~~هذا يشك في قول هذا. ### || [2.148-151] # وقوله تعالى: { ولكل وجهة }: الوجهة: من المواجهة؛ كالقبلة، ~~والمعنى: ولكل صاحب ملة وجهة هو موليها نفسه، قاله ابن ~~عباس وغيره. # وقرأ ابن عامر: «هو مولاها»، أي: الله موليها إياهم، ثم ~~أمر تعالى عباده باستباق الخيرات، والبدار، إلى سبيل النجاة، وروى ~~ابن المبارك في «رقائقه» بسنده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من فتح له باب من الخير فلينتهزه، فإنه ~~لا يدري، متى ms0089 يغلق عنه " # انتهى. # ثم وعظهم سبحانه بذكر الحشر موعظة تتضمن وعيدا وتحذيرا. # * ص *: «أينما» ظرف مضمن معنى الشرط في موضع خبر «كان». انتهى. # وقوله: { يأت بكم الله جميعا } يعني به البعث من القبور. # وقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغفل عما تعملون } معناه: حيث كنت، وأنى توجهت من ~~مشارق الأرض، ومغاربها، وكررت هذه الآية؛ تأكيدا من الله سبحانه؛ ~~لأن موقع التحويل كان صعبا في نفوسهم جدا، فأكد الأمر؛ ليرى ~~الناس التهمم به، فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه. # وقوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة... } الآية: ~~المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك؛ لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة، والمراد ب «الناس» العموم في اليهود والعرب وغيرهم { ~~إلا الذين ظلموا منهم } ، أي: من المذكورين ممن تكلم ~~في النازلة في قولهم: # ما ولهم عن قبلتهم # [البقرة:142]. # وقوله تعالى: { فلا تخشوهم واخشوني... } الآية: [فيه] ~~تحقير لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفخر: ~~وهذه الآية تدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه؛ أن ~~ينصب بين عينيه خشية ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخلق ~~شيء البتة وألا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. ~~انتهى. # قال: * ص *: { إلا الذين } استثناء متصل، قاله ابن عباس ~~وغيره، أي: لئلا تكون حجة من اليهود المعاندين القائلين ما ترك ~~قبلتنا، وتوجه للكعبة إلا حبا لبلده، وقيل: منقطع، أي: لكن الذين ~~ظلموا منهم؛ فإنهم يتعلقون عليكم بالشبه، وزعم أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى: إن «إلا» في الآية بمعنى «الواو»، قال ومنه: ~~[الوافر]: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # أي: والذين ظلموا، والفرقدان، ورد بأن «إلا» بمعنى الواو ~~ولا يقوم عليه دليل. انتهى. # وقوله تعالى: { فولوا وجوهكم شطره } أمر باستقبال ~~القبلة، وهو شرط في الفرض إلا في القتال حالة الالتحام، وفي ~~النوافل إلا في السفر الطويل ms0090 للراكب، والقدرة على اليقين في ~~مصادفتها تمنع من الاجتهاد، وعلى الاجتهاد تمنع من التقليد. # وقوله سبحانه: { ولأتم نعمتي عليكم } عطف على قوله: ~~«لئلا» وقيل: هو في موضع رفع بالابتداء، والخبر مضمر، تقديره: ~~ولأتم نعمتي عليكم، عرفتكم قبلتي، ونحوه، { ولعلكم ~~تهتدون } ترج في حق البشر، والكاف في قوله: «كما» رد على ~~قوله: «ولأتم»، أي: إتماما كما، وهذا أحسن الأقوال، أي: لأتم ~~نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام؛ { كمآ أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم } إجابة لدعوته في قوله: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم # [البقرة:129]. # وقيل: الكاف من «كما» رد على «تهتدون»، أي: اهتداء كما. # قال الفخر: وهنا تأويل ثالث، وهو أن الكاف متعلقة بما بعدها، أي: ~~كما أرسلنا فيكم رسولا، وأوليتكم هذه النعم، { فاذكرونى ~~أذكركم واشكروا لي.. } الآية: انتهى. # * ت *: وهذا التأويل نقله الداوودي عن الفراء. انتهى، وهذه الآية ~~خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم و { ءايتنا } يعني: القرآن، ~~و { يزكيكم } ، أي: يطهركم من الكفر، وينميكم بالطاعة، و { ~~الكتب }: القرآن، و { الحكمة }: ما يتلقى عنه صلى الله ~~عليه وسلم من سنة، وفقه، ودين، وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف، ~~وقصص ما يأتي من الغيوب. ### || [2.152-153] # قوله تعالى: { فاذكرونى أذكركم... } الآية: قال سعيد بن ~~جبير: معنى الآية: اذكروني بالطاعة، أذكركم بالثواب. # * ت *: وفي تفسير أحمد بن نصر الداوودي: وعن ابن جبير: اذكروني ~~بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أطاع الله، فقد ذكر الله، وإن قلت صلاته، ~~وصيامه، وتلاوته القرآن، ومن عصى الله، فقد نسي الله، وإن ~~كثرت صلاته، وصيامه، وتلاوته القرآن " # انتهى. # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن أنس بن مالك، قال: # " ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر ~~إلا افتخرت على ما حولها من البقاع، واستبشرت بذكر ~~الله إلى منتهاها من سبع أرضين، وما من عبد يقوم يصلي ~~إلا تزخرفت له الأرض " # قال ابن المبارك: وأخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله، ~~قال: الذاكر في الغافلين؛ كالمقاتل خلف الفارين. انتهى. ms0091 # وقال الربيع والسدي: المعنى: اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحوه، ~~وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تبارك وتعالى: «أنا عند ظن عبدي ~~بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ~~ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ، ذكرته في ~~ملإ خير منهم...» " # الحديث. انتهى. # { واشكروا لي } ، أي: نعمي وأيادي، { ولا تكفرون }: أي: ~~نعمي وأيادي. # * ت *: وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنعم الله على عبد من نعمة، فقال: الحمد ~~لله إلا وقد أدى شكرها، فإن قالها الثانية، جدد ~~الله لها ثوابها، فإن قالها الثالثة، غفر الله له ذنوبه " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح. انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { إن الله مع الصبرين } ، أي: بمعونته ~~وإنجاده. ### || [2.154-157] # وقوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله ~~أموات... } الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد من ~~المؤمنين: مات فلان، مات فلان، فكره الله سبحانه؛ أن تحط ~~منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم، فنزلت هذه الآية، وأيضا: فإن ~~المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم، فنزلت الآية ~~مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، وتخبر عن حقيقة حالهم، فصاروا ~~مغبوطين لا محزونا لهم؛ ويظهر ذلك من حديث أم حارثة في السير. # * ت *: وخرجه البخاري في «صحيحه» عن أنس، قال: # " أصيب حارثة يوم بدر أصابه غرب سهم، وهو غلام، فجاءت ~~أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، قد ~~عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة ~~أصبر، وأحتسب، وإن تكن الأخرى، ترى ما أصنع، ~~فقال: ويحك، أو هبلت، أو جنة واحدة هي؛ إنها ~~جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى... " # الحديث. انتهى. # * ع: والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق، وذلك أن الله ~~تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم. # * ت *: وللشهيد أحوال شريفة منها ما خرجه الترمذي وابن ماجة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للشهيد عند الله ست ms0092 خصال؛ يغفر له في أول ~~دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب ~~القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على ~~رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا، ~~وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور ~~العين، ويشفع في سبعين من أقربائه " # قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، زاد ابن ماجة: # " ويحلى حلة الإيمان " # ، قال القرطبي في «تذكرته»: هكذا وقع في نسخ الترمذي وابن ماجة: ~~«ست خصال» وهي في متن الحديث سبع، وعلى ما في ابن ماجة: ~~«ويحلى حلة الإيمان» تكون ثمانيا، وكذا ذكره أبو بكر أحمد ~~بن سلمان النجاد بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للشهيد عند الله ثمان خصال " # انتهى. وخرج الترمذي، والنسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ~~ألم القرصة " # انتهى. # * ع *: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق ~~من ثمر الجنة " # ، وروي: # " أنهم في قبة خضراء " # ، وروي: # " أنهم في قناديل من ذهب " # ، إلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوال لطوائف، أو للجميع في ~~أوقات متغايرة. # * ت *: وكذا ذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب «الإفصاح» أن ~~المنعمين على جهات مختلفة؛ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال ~~صاحب «التذكرة»: وهذا قول حسن، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع. # انتهى. # قال: * ع *: وجمهور العلماء على أنهم في الجنة؛ ويؤيده قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأم حارثة: «إنه في الفردوس ~~الأعلى». # وقال مجاهد: هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها، وفي «مختصر ~~الطبري»، قال: ونهى عز وجل أن يقال لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات، وأعلم سبحانه أنهم أحياء، ولكن لا شعور لنا ~~بذلك؛ إذ لا نشاهد باطن أمرهم، وخصوا من بين سائر المؤمنين، ~~بأنهم في البرزخ يرزقون من مطاعم الجنة ما يرزق المؤمنون ~~من أهل الجنة على أنه قد ورد في الحديث: # " إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ~~" # ، ومعنى: «يعلق»: يأكل؛ ومنه قوله: ما ذقت ms0093 علاقا، أي: مأكلا، ~~فقد عم المؤمنين؛ بأنهم يرزقون في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنع ~~أن يخص الشهداء من ذلك بقدر لا يناله غيرهم، والله أعلم. انتهى. # وروى النسائي # " أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين ~~يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ~~ببارقة السيوف على رأسه فتنة " # انتهى. # * ت *: وحديث: # " إنما نسمة المؤمن طائر " # خرجه مالك رحمه الله. قال الداوودي: وحديث مالك، هذا أصح ما ~~جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصل طير لا يصح في النقل. ~~انتهى. # قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: والأشبه قول من قال: ~~كطير أو كصور طير؛ لموافقته لحديث «الموطإ»، هذا وأسند أبو ~~عمر هذه الأحاديث، ولم يذكر مطعنا في إسنادها. انتهى. # ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دار بلاء ومحنة، ثم وعد على الصبر، ~~فقال: { ولنبلونكم } أي: نمتحنكم { بشيء من الخوف } ~~، أي: من الأعداء في الحروب، { ونقص من الأموال } أي ~~بالجوانح، والمصائب، { والأنفس } بالموت، والقتل، { ~~والثمرت } بالعاهات، والمراد بشيء من هذا وشيء من هذا، ~~واكتفى بالأول إيجازا، ثم وصف سبحانه الصابرين الذين بشرهم ~~بقوله: { الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا ~~لله وإنا إليه رجعون } ، فجعل سبحانه هذه الكلمات ملجأ ~~لذوي المصائب؛ لما جمعت من المعاني المباركة من توحيد الله ~~سبحانه، والإقرار له بالعبودية، والبعث من القبور، واليقين بأن ~~رجوع الأمر كله إليه؛ كما هو له، قال الفخر: قال أبو بكر ~~الوراق: { إنا لله }: إقرار منا له بالملك، { وإنا ~~إليه رجعون } إقرار على أنفسنا بالهلاك. # واعلم أن قوله: { إنا لله } يدل على كونه راضيا بكل ما ~~نزل به، ووردت أخبار كثيرة في هذا الباب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فمن استرجع عند المصيبة، جبر الله مصيبته، وأحسن ~~عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه. # انتهى. # وروي: # " أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ~~ليلة، فقال: { إنا لله وإنا إليه رجعون } ، ~~فقيل: أمصيبة هي، يا رسول الله؟ قال: نعم؛ كل ~~ما آذى المؤمن، فهو مصيبة " # قال ms0094 النووي: وروينا في «كتاب ابن السني» عن أبي هريرة، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليسترجع أحدكم في كل شيء، حتى في شسع نعله؛ فإنها من ~~المصائب " # انتهى من «الحلية». # وقوله تعالى: { أولئك عليهم صلوت من ربهم... } ~~الآية: نعم من الله تعالى على الصابرين المسترجعين، وصلوات الله ~~على عبده: عفوه، ورحمته، وبركته، وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة، ~~وكرر الرحمة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لما اختلف اللفظ؛ ~~تأكيدا منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء. # * ت *: وفي «صحيح البخاري»: وقال عمر: نعم العدلان، ونعم ~~العلاوة الذين إذا أصابتهم مصيبة، قالوا: { إنا لله ~~وإنا إليه رجعون... } إلى { المهتدون } ، قال ~~النووي في «الحلية»: وروينا في سنن ابن ماجة، والبيهقي بإسناد ~~حسن عن عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه ~~الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة " # ، وروينا في كتاب الترمذي، والسنن الكبير للبيهقي عن ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من عزى مصابا، فله مثل أجره " # إسناده ضعيف، وروينا في كتاب الترمذي أيضا عن أبي هريرة؛ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من عزى ثكلى، كسي برداء في الجنة " # قال الترمذي ليس إسناده بالقوي. انتهى. ### || [2.158] # قوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعائر الله }: ~~الصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة العظيمة، والمروة واحدة ~~المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، و { من شعائر ~~الله } معناه: معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهد: ذلك راجع إلى ~~القول، أي: مما أشعركم الله بفضله: مأخوذ من شعرت، إذا تحسست. # و { حج }: معناه: قصد، وتكرر، و { اعتمر }: زار وتكرر مأخوذ ~~من عمرت الموضع، والجناح: الإثم، والميل عن الحق ~~والطاعة، ومن اللفظة الجناح؛ لأنه في شق؛ ومنه: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال:61] و { يطوف }: أصله يتطوف، فقوله: { إن الصفا ~~والمروة... } الآية: خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، ~~وقوله: { فلا جناح } ليس المقصود منه إباحة الطواف لمن شاءه؛ لأن ~~ذلك بعد الأمر ms0095 لا يستقيم، وإنما المقصود رفع ما وقع في نفوس قوم ~~من العرب من أن الطواف بينهما فيه حرج، وإعلامهم أن ما وقع في ~~نفوسهم غير صواب، وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها: «أن ~~ذلك في الأنصار». # ومذهب مالك والشافعي؛ أن السعي بينهما فرض لا يجزىء تاركه، ~~إلا العودة، قال ابن العربي في «أحكامه» والدليل على ~~ركنيته ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن الله كتب عليكم السعي، فاسعوا " # ، صححه الدارقطني؛ ويعضده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو ~~عنه الحج والعمرة، فكان ركنا كالطواف. انتهى. # { ومن تطوع }: أي: زاد برا بعد الواجب في جميع الأعمال، وقال ~~بعضهم: معناه: من تطوع بحج أو عمرة بعد حجة الفريضة، ومعنى { ~~شاكر } ، أي: يبذل الثواب والجزاء، { عليم }: بالنيات والأعمال ~~لا يضيع معه لعامل عمل. ### || [2.159-160] # وقوله سبحانه: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا... } ~~الآية: المراد ب «الذين»: أحبار اليهود، ورهبان النصارى الذين ~~كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتتناول الآية بعد كل من كتم ~~علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " من سئل عن علم، فكتمه، ألجم يوم القيامة ~~بلجام من النار ". # قال ابن العربي: وللآية تحقيق، وهو أن العالم إذا قصد الكتمان، ~~عصى، وإذا لم يقصده، لم يلزمه التبليغ، إذا عرف أن معه غيره، وقد ~~كان أبو بكر وعمر لا يحدثان بكل ما سمعا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا عند الحاجة، وكان الزبير أقلهم حديثا، ثم قال ابن ~~العربي: فأما من سئل، فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية، وأما إن ~~لم يسأل، فلا يلزم التبليغ إلا في القرآن وحده، وقد ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في فضيلة التبليغ بأنه قال: # " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها ~~كما سمعها " # انتهى من «أحكام القرآن». # و { البينت والهدى }: أمر محمد صلى الله عليه وسلم ثم ~~يعم بعد كل ما يكتم من خير، و { في الكتب } يراد به ms0096 التوراة ~~والإنجيل، ويدخل القرآن في عموم الآية. # واختلف في «اللاعنين». # فقال قتادة، والربيع: الملائكة والمؤمنون، وهذا ظاهر واضح، وقيل: ~~الحشرات والبهائم، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجن ~~والإنس، وهذان القولان لا يقتضيهما اللفظ، ولا يثبتان إلا بسند ~~يقطع العذر، ثم استثنى الله سبحانه التائبين. # { وأصلحوا } ، أي: في أعمالهم وأقوالهم. # { وبينوا } ، أي: أمر محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [2.161-162] # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار... } الآية: هذه الآية محكمة في الذين وافوا على كفرهم، ~~واختلف في معنى قوله: { والناس أجمعين }: والكفار لا يلعنون ~~أنفسهم. # فقال قتادة، والربيع: المراد ب { الناس }: المؤمنون خاصة، وقال ~~أبو العالية: معنى ذلك في الآخرة. # وقوله: { خلدين فيها } ، أي: في اللعنة، وقيل: في النار، وعاد ~~الضمير عليها، وإن لم يجر لها ذكر؛ لثبوتها في المعنى. # { ولا هم ينظرون } ، أي: لا يؤخرون عن العذاب، ويحتمل أن ~~يكون من النظر؛ نحو قوله تعالى: # ولا ينظر إليهم يوم القيمة # [آل عمران:77] والأول أظهر؛ لأن النظر بالعين إنما يعدى ب «إلى» ~~إلا شاذا في الشعر. ### || [2.163-164] # وقوله تعالى: { وإلهكم إله وحد... } الآية: إعلام ~~بالوحدانية. # قال عطاء: لما نزلت هذه الآية بالمدينة، قال كفار قريش بمكة: ~~ما الدليل على هذا، وما آيته، وعلامته؟ ونحوه عن ابن المسيب، فنزل ~~عند ذلك قوله تعالى: { إن في خلق السموات ~~والأرض... } الآية، أي: في اختراعها وإنشائها. # و { النهار }: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: # " إنما هو بياض النهار، وسواد الليل " # ، وهذا هو مقتضى الفقه في الأيمان ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، ~~وأخذه من السعة، فهو من الإسفار، وقال الزجاج في «كتاب الأنوار»: ~~أول النهار ذرور الشمس، قال: وزعم النضر بن شميل؛ أن ~~أول النهار ابتداء طلوع الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. # قال: * ع *: وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكم. # { والفلك }: السفن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد. # { وما أنزل الله من السماء من ماء } يعني به ~~الأمطار، { وبث }: معناه: ms0097 فرق، وبسط، و { دآبة }: تجمع الحيوان ~~كله. # و { وتصريف الريح }: إرسالها عقيما، وملقحة وصرا ~~ونصرا وهلاكا وجنوبا وشمالا وغير ذلك، والرياح: جمع ريح، ~~وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب، إلا في «يونس» ~~في قوله سبحانه: # وجرين بهم بريح طيبة # [يونس:22] وهذا، أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت ريح، ~~يقول: اللهم، اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا " # ، وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم واحد، وريح ~~الرحمة لينة تجيء من ههنا وههنا متقطعة، فلذلك يقال هي رياح، وهو ~~معنى نشر، وأفردت مع الفلك؛ لأن ريح إجراء السفن، إنما هي واحدة ~~متصلة، ثم وصفت بالطيب، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي ~~لفظة من ذوات الواو، يقال: ريح، وأرواح، ولا يقال: «أرياح»، ~~وإنما يقال: رياح من جهة الكسرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد ~~لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، ~~فاستعمل «الأرياح» في شعره، ولحن في ذلك، وقال له أبو حاتم: ~~إن الأرياح لا يجوز، فقال: أما تسمع قولهم: رياح، فقال أبو ~~حاتم: هذا خلاف ذلك، فقال: صدقت، ورجع. { والسحاب }: جمع ~~سحابة، سمي بذلك؛ لأنه ينسحب، وتسخيره بعثه من مكان إلى آخر، فهذه ~~آيات. ### || [2.165-167] # وقوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا... } الآية: الند: النظير، والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: ~~المراد بالأنداد: الأوثان { كحب الله } ، أي: كحبكم لله، أو ~~كحبهم حسبما قدر كل وجه منها فرقة، ومعنى: كحبهم، أي: ~~يسوون بين محبة الله، ومحبة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشد ~~حبا لله، لإخلاصهم، وتيقنهم الحق. # وقوله تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا } ، أي: ولو ترى، يا ~~محمد، الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب، وفزعهم منه، واستعظامهم ~~له، لأقروا أن القوة لله، أو لعلمت أن القوة لله جميعا، ~~فجواب «لو»: مضمر؛ على التقديرين، وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم ذلك، ولكن خوطب، والمراد أمته. # وقرأ حمزة وغيره بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا ms0098 الذين ظلموا ~~حالهم في الآخرة، إذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله. # و { الذين اتبعوا } بفتح التاء والباء: هم العبدة لغير ~~الله الضالون المقلدون لرؤسائهم، أو للشياطين، وتبريهم هو بأن ~~قالوا إنا لم نضل هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم. # والسبب؛ في اللغة: الحبل الرابط الموصل، فيقال في كل ما ~~يتمسك به فيصل بين شيئين، { وقال الذين اتبعوا } ، أي: ~~الأتباع. # والكرة: العودة إلى حال قد كانت كذلك { يريهم الله ~~أعملهم... } الآية: يحتمل أن يكون من رؤية البصر، ويحتمل رؤية ~~القلب، أي: يريهم الله أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها. # وقال ابن مسعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها، والحسرة: أعلى ~~درجات الندامة، والهم بما فات، وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي ~~انقطع، وذهبت قوته، وقيل: من حسر، إذا كشف. ### || [2.168-170] # وقوله تعالى: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حللا طيبا... } الآية: الخطاب عام، و «ما» بمعنى «الذي»، ~~«وحلالا»: حال من الضمير العائد على «ما»، و «طيبا»: نعت، ~~ويصح أن يكون حالا من الضمير في «كلوا»، تقديره: مستطيبين، ~~والطيب عند مالك: الحلال؛ فهو هنا تأكيد لاختلاف اللفظ، وهو عند ~~الشافعي: المستلذ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر. # قال الفخر: الحلال هو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه، وأصله ~~من الحل الذي هو نقيض العقد. انتهى. # و { خطوت }: جمع خطوة، والمعنى: النهي عن اتباع الشيطان، وسلوك ~~سبله، وطرائقه. # قال ابن عباس: خطواته: أعماله، وقال غيره: آثاره. # * ع *: وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي، فهي ~~خطوات الشيطان. # وعدو: يقع للمفرد والمثنى والجمع. # { إنما يأمركم بالسوء والفحشآء... } الآية: «إنما» ~~ههنا: للحصر، وأمر الشيطان: إما بقوله في زمن الكهنة، وإما بوسوسته. # و { السوء }: مصدر من: ساء يسوء، وهي المعاصي، وما تسوء ~~عاقبته، { والفحشاء }: قيل: الزنا، وقيل: ما تفاحش ذكره، وأصل ~~الفحش: قبح المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يستقبح، والشرع: ~~هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة، فهو من ~~الفحشاء. # و { ما لا تعلمون }: قال الطبري: يريد: ما حرموا من البحيرة، ~~والسائبة، ونحوها، وجعلوه شرعا. # { وإذا قيل لهم } ، يعني: ms0099 كفار العرب، وقال ابن عباس: ~~نزلت في اليهود، والألف في قوله سبحانه: { أولو كان }: ~~للاستفهام؛ لأن غاية الفساد في الالتزام؛ أن يقولوا: نتبع آباءنا، ~~ولو كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا؛ إذ هذه حال آبائهم. # وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، وأجمعت الأمة على ~~إبطاله في العقائد. ### || [2.171] # { ومثل الذين كفروا... } الآية: المراد تشبيه واعظ ~~الكافرين، وداعيهم بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل، فلا ~~تسمع إلا دعاءه، ونداءه، ولا تفقه ما يقول؛ هكذا فسر ابن عباس، ~~وعكرمة، والسدي، وسيبويه، فذكر تعالى بعض هذه الجملة، وبعض ~~هذه، ودل المذكور على المحذوف، وهذه نهاية الإيجاز. # والنعيق: زجر الغنم، والصياح بها. ### || [2.172-173] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقنكم... } الآية: الطيب: هنا يجمع الحلال ~~المستلذ، والآية تشير بتبعيض «من»؛ إلى أن الحرام رزق، وحض ~~سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالة، وفي «مصابيح البغوي»؛ عن ~~أبي داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الطاعم الشاكر كالصائم الصابر " # انتهى. # قال القشيري: قال أهل العلم بالأصول: نعم الله تعالى ~~على ضربين: نعمة نفع، ونعمة دفع، فنعمة النفع: ما أولاهم، ~~ونعمة الدفع: ما زوى عنهم، وليس كل إنعامه سبحانه انتظام أسباب ~~الدنيا، والتمكن منها، بل ألطاف الله تعالى فيما زوى عنهم من ~~الدنيا أكثر، وإن قرب العبد من الرب تعالى على حسب تباعده ~~من الدنيا. انتهى من «التحبير». # وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه المسمى ب «بهجة المجالس». ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أنعم الله على عبد بنعمة، فعلم أنها ~~من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم ~~الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل ~~أن يستغفره، وإن الرجل ليلبس الثوب، ~~فيحمد الله، فما يبلغ ركبتيه؛ حتى يغفر له ~~" # قال أبو عمر: مكتوب في التوراة: «اشكر لمن أنعم عليك، ~~وأنعم على من شكرك؛ فإنه لا زوال للنعم، ~~إذا شكرت، ولا مقام لها، إذا كفرت». انتهى. # «وإن» من قوله: ms0100 { إن كنتم إياه تعبدون }: شرط، والمراد ~~بهذا الشرط التثبيت، وهز النفوس؛ كما تقول: افعل كذا، إن كنت ~~رجلا، و «إنما» ههنا حاصرة، ولفظ الميتة عموم، والمعنى مخصص ~~لأن الحوت لم يدخل قط في هذا العموم، وفي مسند البزار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة ~~وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه " # انتهى من «الكوكب الدري»؛ للإمام أبي العباس أحمد بن سعد ~~التجيبي. # { والدم } يراد به المسفوح؛ لأن ما خالط اللحم، فغير محرم ~~بإجماع. # * ت *: بل فيه خلاف شاذ، ذكره ابن الحاجب وغيره، والمشهور: أظهر؛ ~~لقول عائشة رضي الله عنها : «لو حرم غير المسفوح، ~~لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ ~~اللحم، والبرمة تعلوها الصفرة». انتهى. # { ومآ أهل به لغير الله }. # قال ابن عباس وغيره: المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان، و { ~~أهل به }: معناه صيح به؛ ومنه: استهلال المولود، وجرت عادة ~~العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة، وغلب ذلك في استعمالهم؛ حتى ~~عبر به عن النية التي هي علة التحريم. # { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } قال قتادة وغيره: معناه ~~غير قاصد فساد وتعد؛ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها، ~~وأصحاب هذا القول يجيزون الأكل منها في كل سفر، مع الضرورة، وقال ~~مجاهد وغيره: المعنى: غير باغ على المسلمين، وعاد عليهم، فيدخل في ~~الباغي والعادي قطاع السبل، والخارج على السلطان، والمسافر في ~~قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي ~~الرخصة. # قال مالك رحمه الله : يأكل المضطر شبعه، وفي «الموطإ» ~~وهو لكثير من العلماء أنه يتزود، إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من ~~مفازة وقفر. # قال ابن العربي في «أحكامه»، وقد قال العلماء: إن من اضطر إلى ~~أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، فلم يأكل، دخل النار إلا أن ~~يغفر الله له. انتهى. والمعنى: أنه لم يأكل حتى مات جوعا، فهو ~~عاص، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # [النساء:29] الآية إلى قوله: # ومن يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا ms0101 # [النساء:30] قال ابن العربي: وإذا دامت المخمصة، فلا خلاف في جواز ~~شبع المضطر، وإن كانت نادرة، ففي شبعه قولان: أحدهما لمالك: يأكل؛ ~~حتى يشبع، ويتضلع، وقال غيره: يأكل بمقدار سد الرمق، وبه قال ~~ابن حبيب، وابن الماجشون. انتهى. ### || [2.174-176] # وقوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتب... } الآية. # قال ابن عباس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم، و { الكتب }: التوراة والإنجيل. # * ع *: وهذه الآية وإن كانت نزلت في الأحبار، فإنها تتناول من ~~علماء المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها، وفي ~~ذكر البطن تنبيه على مذمتهم؛ بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من ~~المطعم الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، قال ~~الربيع وغيره: سمى مأكولهم نارا؛ لأنه يؤول بهم إلى النار، ~~وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقة. # * ت *: وينبغي لأهل العلم التنزه عن أخذ شيء من المتعلمين على ~~تعليم العلم، بل يلتمسون الأجر من الله عز وجل، وقد قال تعالى ~~لنبيه - عليه السلام -: # قل لا أسألكم عليه أجرا... # [الأنعام:90] الآية، وفي سنن أبي داود، عن عبادة بن ~~الصامت، قال: # " «علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب، والقرآن، ~~وأهدى إلي رجل منهم قوسا، فقلت: ليست ~~بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلأسألنه، فأتيته، فقلت: ~~يا رسول الله، رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت ~~أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي ~~عليها في سبيل الله، قال: إن كنت تحب أن ~~تطوق طوقا من نار، فاقبلها»، وفي رواية: «فقلت ~~ما ترى فيها، يا رسول الله؟ قال: جمرة بين ~~كتفيك تقلدتها أو تعلقتها» " # انتهى. # وقوله تعالى: { ولا يكلمهم الله }: قيل: هي عبارة عن الغضب ~~عليهم، وإزالة الرضا عنهم؛ إذ في غير موضع من القرآن ما ظاهره أن ~~الله تعالى يكلم الكافرين، وقال الطبري وغيره: المعنى: لا ~~يكلمهم بما يحبونه. # { ولا يزكيهم } ، أي: لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل: ~~المعنى: لا يسميهم أزكياء. # وقوله تعالى: { فمآ أصبرهم على النار }: قال ms0102 جمهور ~~المفسرين: «ما» تعجب، وهو في حيز المخاطبين، أي: هم أهل أن ~~تعجبوا منهم، ومما يطول مكثهم في النار، وفي التنزيل: # قتل الإنسن مآ أكفره # [عبس:17] و # أسمع بهم وأبصر # [مريم:38]. # وقال قتادة، والحسن، وابن جبير، والربيع: أظهر التعجب من ~~صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها، وتقديره ~~ما أجرأهم على النار؛ إذ يعملون عملا يؤدي إليها، وذهب ~~معمر بن المثنى؛ إلى أن «ما» استفهام، معناه: أي شيء ~~صبرهم على النار، والأول أظهر. # وقوله سبحانه: { ذلك بأن الله نزل الكتب ~~بالحق... } الآية: المعنى: ذلك الأمر بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق، فكفروا به، والإشارة إلى وجوب النار لهم. # و { الكتب }: القرآن، و { بالحق } ، أي: بالإخبار الحق، ~~أي: الصادقة. # و { الذين اختلفوا فى الكتب } هم اليهود والنصارى، ~~في قول السدي، وقيل: هم كفار العرب؛ لقول بعضهم: هو سحر، ~~وبعضهم: أساطير، وبعضهم: مفترى، إلى غير ذلك. # و { بعيد } ، هنا: معناه من الحق، والاستقامة. ### || [2.177] # وقوله تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب... } الآية: قال ابن عباس وغيره: الخطاب ~~بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى: ليس البر الصلاة وحدها، وقال قتادة، ~~والربيع: الخطاب لليهود والنصارى؛ لأنهم تكلموا في تحويل القبلة، ~~وفضلت كل فرقة توليها، فقيل لهم: ليس البر ما أنتم فيه، ولكن ~~البر من آمن بالله. # وقوله تعالى: { وآتى المال على حبه... } الآية: هذه كلها ~~حقوق في المال سوى الزكاة، قال الفخر: وروت فاطمة بنت قيس، ~~أن في المال حقا سوى الزكاة، وتلا: { وآتى المال ~~على حبه... } ، وعنه صلى الله عليه وسلم # " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان، ~~وجاره طاويا إلى جنبه " # انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وإذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلت بعد ~~ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق من العلماء، وقد قال ~~مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك ~~أموالهم، وكذلك إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء ~~إغناء الفقراء؟ الصحيح: وجوب ذلك عليهم. انتهى. # ومعنى: { أتى }: أعطى على حبه، ms0103 أي: على حب المال، ويحتمل أن ~~يعود الضمير على اسم الله تعالى من قوله: { من آمن بالله ~~} ، أي: من تصدق محبة في الله وطاعته. # * ص *: والظاهر أن الضمير في «حبه» عائد على «المال»؛ لأن قاعدتهم ~~أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. انتهى. قال: # * ع *: والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه، وهو صحيح ~~شحيح يخشى الفقر، ويأمل الغنى؛ كما قال صلى الله عليه وسلم. ~~والشح؛ في هذا الحديث: هو الغريزي الذي في قوله تعالى: # وأحضرت الأنفس الشح # [النساء:128] وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفا بالشح الذي ~~هو البخل. # { وفي الرقاب } ، أي: العتق، وفك الأسرى. # { والصبرين }: نصب على المدح، أو على إضمار فعل، وهذا ~~مهيع في تكرار النعوت. # و { البأسآء }: الفقر والفاقة. # { والضراء }: المرض، ومصائب البدن، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله ~~في السراء والضراء " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط مسلم. انتهى من ~~«السلاح». # وفي صحيح مسلم، عن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، ~~وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إذا أصابته ~~سراء فشكر، فكان خيرا له وإن أصابته ضراء، ~~صبر، فكان خيرا له " # انتهى. # { وحين البأس } ، أي: وقت شدة القتال، هذا قول المفسرين ~~في الألفاظ الثلاثة، تقول العرب: بئس الرجل إذا افتقر، ~~وبؤس إذا شجع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق ~~في أمورهم، أي: هم عند الظن بهم والرجاء فيهم؛ كما تقول: صدقني ~~المال، وصدقني الرمح، ووصفهم تعالى بالتقى، والمعنى: هم ~~الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية. ### || [2.178-179] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم ~~القصاص... } الآية: { كتب }: معناه: فرض، وأثبت، وصورة ~~فرض القصاص، هو أن القاتل فرض عليه، إذا أراد الولي القتل، ~~الاستسلام لأمر الله، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قتل وليه، ~~وترك التعدي على غيره، فإن وقع الرضا بدون القصاص من ms0104 دية أو عفو، ~~فذلك مباح، والآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح، و ~~{ القصاص }: مأخوذ من: قص الأثر؛ فكأن القاتل سلك طريقا من ~~القتل، فقص أثره فيها. # روي عن ابن عباس؛ أن هذه الآية محكمة، وفيها إجمال فسرته آية ~~«المائدة»، وأن قوله سبحانه: { الحر بالحر } يعم الرجال ~~والنساء، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل. # وقوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء... } الآية: ~~فيه تأويلات: # أحدها: أن «من» يراد بها القاتل، و «عفي»: تتضمن عافيا، وهو ~~ولي الدم، والأخ: هو المقتول، و «شيء»: هو الدم الذي يعفى عنه، ~~ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابن عباس، وجماعة من العلماء، ~~والعفو على هذا القول على بابه. # والتأويل الثاني: وهو قول مالك؛ أن «من» يراد بها الولي، ~~وعفي: بمعنى: يسر، لا على بابها في العفو، والأخ: يراد به ~~القاتل، و «شيء»: هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام. # والتأويل الثالث: أن هذه الألفاظ في معنى: الذين نزلت فيهم ~~الآية، وهم قوم تقاتلوا، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يصلح بينهم، ويقاصهم بعضهم من بعض بالديات ~~على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى ~~الآية: فمن فضل له من إحدى الطائفتين على الأخرى شيء من تلك ~~الديات، وتكون: «عفي» بمعنى فضل. # وقوله تعالى: { فاتباع }: تقديره: فالواجب والحكم: اتباع، وهذا ~~سبيل الواجبات؛ كقوله تعالى: # فإمساك بمعروف # [البقرة:229] وأما المندوب إليه، فيأتي منصوبا؛ كقوله تعالى: # فضرب الرقاب # [محمد:4]، وهذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من ~~الطالب، وحسن القضاء من المؤدي. # وقوله سبحانه: { ذلك تخفيف } إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة، ~~من أخذ الدية، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم، إنما هو القصاص ~~فقط، والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية، هو أن يأخذ الرجل ~~دية وليه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم. # واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه، فقال فريق من العلماء، ~~منهم مالك: هو كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء، عفا ms0105 ~~عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتة، ولا عفو ~~فيه، وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { ولكم في القصاص حيوة }: المعنى: أن القصاص ~~إذا أقيم، وتحقق الحكم به، ازدجر من يريد قتل أحد مخافة أن ~~يقتص منه، فحييا بذلك معا، وأيضا: فكانت العرب إذا قتل الرجل ~~الآخر، حمي قبيلاهما، وتقاتلوا، وكان ذلك داعيا إلى موت العدد ~~الكثير، فلما شرع الله سبحانه القصاص، قنع الكل به، ووقف ~~عنده، وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة، وخص أولو الألباب ~~بالذكر، تنبيها عليهم؛ لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي، ~~وغيرهم تبع لهم. # و { تتقون } معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية ~~لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن الله سبحانه يثيب على الطاعة ~~بالطاعة. ### || [2.180-182] # وقوله تعالى: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت... ~~} الآية: { كتب }: معناه: فرض وأثبت، وفي قوله تعالى: { ~~إذا حضر } مجاز؛ لأن المعنى: إذا تخوف وحضرت علاماته. # والخير في هذه الآية: المال، واختلف في هذه الآية، هل هي ~~محكمة، أو منسوخة، فقال ابن عباس، وقتادة، والحسن: الآية ~~عامة، وتقرر الحكم بها برهة، ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض، ~~وقال بعض العلماء: إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا ~~وصية لوارث ". # و { بالمعروف }: معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار ~~بالورثة، ولا تنزير للوصية و { حقا }: مصدر مؤكد، وخص ~~«المتقون» بالذكر؛ تشريفا للرتبة؛ ليتبادر الناس إليها. # وقوله تعالى: { فمن بدله بعدما سمعه... } الآية: الضمير ~~في «بدله» عائد على الإيصاء، وأمر الميت، وكذلك في «سمعه»، ~~ويحتمل أن يعود الذي في «سمعه» على أمر الله تعالى في هذه الآية، ~~والأول أسبق للناظر، و { سميع عليم }: صفتان لا يخفى معهما شيء ~~من جنف الموصين، وتبديل المتعدين، والجنف: الميل. # ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصي، ويقطع ميراث ~~طائفة، ويتعمد الإذاءة، فذلك هو الجنف في إثم، وإن لم ms0106 يتعمد، ~~فهو الجنف، دون إثم، فالمعنى: من وعظه في ذلك ورده عنه، وأصلح ما ~~بينه وبين ورثته، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إثم عليه؛ { إن ~~الله غفور رحيم } بالموصي، إذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما ~~أراد من الإذاءة. # وقال ابن عباس وغيره: معنى الآية: { من خاف } ، أي: علم، ورأى ~~بعد موت الموصي؛ أن الموصي حاف، وجنف، وتعمد إذاءة بعض ورثته، { ~~فأصلح } ما بين الورثة، { فلا إثم عليه } ، وإن كان في ~~فعله تبديل ما؛ لأنه تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما ~~هو تبديل الهوى. ### || [2.183-184] # قوله جلت قدرته: { يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم ~~الصيام... } الآية: { كتب }: معناه فرض، والصيام؛ في اللغة: ~~الإمساك، ومنه قوله سبحانه: # إني نذرت للرحمن صوما # [مريم:26] وفي الشرع: إمساك عن الطعام والشراب مقترنة به قرائن؛ ~~من مراعاة أوقات، وغير ذلك. # وقوله تعالى: { كما كتب على الذين من قبلكم }: اختلف ~~في موضع التشبيه: قالت فرقة: التشبيه: كتب عليكم كصيام قد تقدم ~~في شرع غيركم، ف «الذين» عام في النصارى وغيرهم. # و { لعلكم }: ترج في حقهم. # و { تتقون }: قيل على العموم؛ # " لأن الصيام؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «جنة ووجاء، وسبب ~~تقوى؛ لأنه يميت الشهوات» ". # و { أياما معدودت }: قيل: رمضان، وقيل: الثلاثة الأيام من ~~كل شهر، ويوم عاشوراء التي نسخت بشهر رمضان. # * ص *: و { أياما }: منصوب بفعل مقدر يدل عليه ما قبله، أي: ~~صوموا أياما، وقيل: { أياما }: نصب على الظرف انتهى. # وقوله سبحانه: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر }: ~~التقدير: فأفطر، { فعدة } ، وهذا يسمونه فحوى الخطاب، واختلف ~~العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر، فقال جمهور العلماء: إذا ~~كان به مرض يؤذيه، ويؤلمه أو يخاف تماديه، أو يخاف من الصوم ~~تزيده، صح له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك، وبه ~~يناظرون، وأما لفظ مالك. فهو المرض الذي يشق على المرء، ويبلغ ~~به، واختلف في الأفضل من الفطر أو الصوم، ومذهب مالك استحباب ~~الصوم لمن قدر عليه، وتقصير الصلاة حسن؛ لأن الذمة تبرأ في ~~رخصة ms0107 الصلاة، وهي مشغولة في أمر الصيام، والصواب: المبادرة بالأعمال. # والسفر: سفر الطاعة؛ كالحج، والجهاد؛ بإجماع، ويتصل بهذين ~~سفر صلة الرحم، وطلب المعاش الضروري. # وأما سفر التجارة، والمباحات، فمختلف فيه بالمنع، والجواز، والقول ~~بالجواز أرجح. # وأما سفر العصيان، فمختلف فيه بالجواز، والمنع، والقول بالمنع ~~أرجح. # ومسافة سفر الفطر؛ عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانية وأربعون ميلا. # وقوله تعالى: { فعدة } ، أي: فالحكم أو الواجب عدة، وفي وجوب ~~تتابعها قولان، و { أخر } لا ينصرف للعدل. # وقوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه فدية... } الآية: ~~قرأ باقي السبعة غير نافع وابن عامر: «فدية»؛ بالتنوين «طعام ~~مسكين»؛ بالإفراد، وهي قراءة حسنة؛ لأنها بينت الحكم في اليوم. # واختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عمر وجماعة: كان فرض الصيام ~~هكذا على الناس؛ من أراد أن يصوم، صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكينا، ~~وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة:185]. وقالت فرقة: في الشيوخ الذين يطيقونه بتكلف شديد، ~~والآية عند مالك: إنما هي فيمن يدركه رمضان ثان، وعليه صوم من ~~المتقدم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم، فتركه، والفدية عند مالك ~~وجماعة من العلماء: مد لكل مسكين. # وقوله تعالى: { فمن تطوع خيرا فهو خير له... } الآية: ~~قال ابن عباس وغيره: المراد من أطعم مسكينين فصاعدا، وقال ابن ~~شهاب: من زاد الإطعام مع الصوم، وقال مجاهد: من زاد في الإطعام ~~على المد، و { خيرا } الأول قد نزل منزلة مال، أو نفع، و { ~~خير } الثاني والثالث صفة تفضيل. # وقوله تعالى: { إن كنتم تعلمون } يقتضي الحض على الصوم، ~~أي: فاعلموا ذلك وصوموا. # * ت *: وجاء في فضل الصوم أحاديث صحيحة مشهورة، وحدث أبو بكر بن ~~الخطيب بسنده عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من صام يوما تطوعا، لم يطلع عليه أحد، لم ~~يرض الله له بثواب دون الجنة " # ، قال: وبهذا الإسناد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمثله. انتهى. # قال ابن عبد البر في كتابه المسمى ب «بهجة ms0108 المجالس» قال أبو ~~العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب. # قال الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد البلالي الشافعي في ~~«اختصاره للإحياء»: وذكر السبكي في شرحه؛ أن الغيبة تمنع ثواب ~~الصوم إجماعا، قال البلالي: وفيه نظر؛ لمشقة الاحتراز، نعم، إن ~~أكثر، توجهت المقالة. انتهى، وهذا الشيخ البلالي لقيته، ورويت عنه ~~كتابه هذا. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إذا دخل شهر رمضان، فتحت أبواب الجنة، ~~وغلقت أبواب جهنم " # قال أبو عمر في «التمهيد»: وذلك لأن الصوم جنة يستجن بها ~~العبد من النار، وتفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن أعمالهم تزكو فيه، ~~وتقبل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان، لم تعطهن ~~أمة قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ~~ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى ~~يفطروا، ويزين الله لهم كل يوم جنته، ثم ~~يقول: يوشك عبادي الصائمون أن يلقوا عنهم ~~المئونة، والأذى، ثم يصيرون إليك، وتصفد فيه ~~مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كانوا ~~يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم آخر ليلة، ~~قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ~~ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا انقضى " # ، قال أبو عمر: وفي سنده أبو المقدام، فيه ضعف، ولكنه محتمل فيما ~~يرويه من الفضائل. # وأسند أبو عمر عن الزهري، قال: # " تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره " # انتهى. # * ت *: وخرجه الترمذي عن الزهري قال: # " تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره " # انتهى. ### || [2.185] # قوله تعالى: { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن }: ~~الشهر: مشتق من الاشتهار. # قال: * ص *: الشهر مصدر: شهر يشهر، إذا ظهر، وهو اسم للمدة ~~الزمانية، وقال الزجاج: الشهر: الهلال، وقيل: سمي الشهر ~~باسم الهلال. انتهى. # ورمضان: علقه هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمض، ~~وشدة الحر، وكان اسمه قبل ذلك ناثرا. # واختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضحاك: أنزل في فرضه، ~~وتعظيمه، والحض عليه، وقيل: بدىء بنزوله ms0109 فيه على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال ابن عباس فيما يؤثر: أنزل إلى السماء الدنيا جملة ~~واحدة ليلة أربع وعشرين من رمضان، ثم كان جبريل ينزله رسلا ~~رسلا في الأوامر، والنواهي، والأسباب، وروى واثلة بن الأسقع ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر ~~رمضان، والتوراة لست مضين منه، والإنجيل ~~لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين " # و { هدى } في موضع نصب على الحال من القرآن، فالمراد أن القرآن ~~بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ - هدى ثم شرف، ~~بالذكر، والتخصيص البينات منه، يعني: الحلال والحرام والمواعظ ~~والمحكم كله، فالألف واللام في الهدى للعهد، والمراد الأول. # قال: * ص *: { هدى }: منصوب على الحال، أي: هاديا، فهو مصدر وضع ~~موضع اسم الفاعل، وذو الحال القرآن، والعامل «أنزل». انتهى. # و { الفرقان }: المفرق بين الحق والباطل، و { شهد }: بمعنى ~~حضر، والتقدير: من حضر المصر في الشهر، فالشهر نصب على ~~الظرف. # وقوله سبحانه: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر }. # قال مجاهد، والضحاك: اليسر: الفطر في السفر، والعسر: الصوم في ~~السفر. # * ع *: والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين، وقد فسر ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " دين الله يسر ". # قلت: قال ابن الفاكهاني في «شرح الأربعين» للنووي: فإن ~~قلت: قوله تعالى: # إن مع العسر يسرا.. # [الشرح:6] الآية، يدل على وقوع العسر قطعا، وقوله تعالى: { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~يدل على نفي العسر قطعا؛ لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل ~~السنة، قلت: العسر المنفي غير المثبت، فالمنفي: إنما هو العسر في ~~الأحكام، لا غير، فلا تعارض. انتهى. # وترجم البخاري في «صحيحه» قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " يسروا ولا تعسروا " # ، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس. ثم أسند هو ~~ومسلم عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا " # وأسند البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال لأبي ~~موسى، ومعاذ: # " يسرا ولا ms0110 تعسرا، وبشرا ولا تنفرا " # قال البخاري: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، ~~عن الأزرق بن قيس. قال: # " كنا على شاطىء نهر بالأهواز قد نضب عنه ~~الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فصلى ~~وخلى فرسه، فانطلق الفرس فترك صلاته، ~~وتبعها؛ حتى أدركها، فأخذها، ثم جاء، فقضى ~~صلاته، وفينا رجل له رأي، فأقبل يقول: انظروا ~~إلى هذا الشيخ، ترك صلاته من أجل فرس، ~~فأقبل، فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقال: إن منزلي منزاح، ~~فلو صليت وتركته، لم آت أهلي إلى الليل " # ، وذكر أنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم فرأى من ~~تيسيره. انتهى. # وقوله تعالى: { ولتكملوا العدة }: معناه: وليكمل من ~~أفطر في سفره، أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر فيها. # وقوله تعالى: { ولتكبروا الله } حض على التكبير في آخر ~~رمضان. # قال مالك: وهو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج ~~الإمام إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء: الله ~~أكبر، الله أكبر، الله أكبر؛ ثلاثا. # ومن العلماء من يكبر، ويهلل، ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من ~~يقول: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا، وقيل غير هذا. والجميع حسن واسع مع البداءة ~~بالتكبير. # و { هداكم }: قيل: المراد: لما ضل فيه النصارى من تبديل ~~صيامهم، وتعميم الهدى جيد. # { ولعلكم تشكرون } ترج في حق البشر، أي: على نعم ~~الله في الهدى. # * ص *: { ولعلكم تشكرون } علة الترخيص والتيسير، وهذا ~~نوع من اللف لطيف المسلك انتهى. ### || [2.186] # وقوله جل وعلا: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان... } الآية. # قال الحسن بن أبي الحسن: سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: «أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد ~~فنناديه»، فنزلت الآية. # و { أجيب }: قال قوم: المعنى: أجيب إن شئت، وقال قوم: إن ~~الله تعالى يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، ~~وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجر في الآخرة، وهذا ms0111 بحسب ~~حديث «الموطإ»، وهو: # " ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث... " # الحديث. # * ت *: وليس هذا باختلاف قول. # قال ابن رشد في «البيان»: الدعاء عبادة من العبادات يؤجر فيها ~~الأجر العظيم، أجيبت دعوته فيما دعا به، أو لم تجب، وهأنا أنقل، ~~إن شاء الله، من صحيح الأحاديث في هذا المحل ما يثلج له ~~الصدر، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تعجزوا عن الدعاء؛ فإنه لن يهلك مع ~~الدعاء أحد " # رواه الحاكم أبو عبد الله في «المستدرك» على الصحيحين، وابن ~~حبان في «صحيحه»، واللفظ له، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الدعاء: سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور ~~السموات والأرض " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح، وعن جابر بن عبد الله - ~~رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقف ~~بين يديه، فيقول: عبدي، إني أمرتك؛ أن ~~تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك، فهل كنت ~~تدعوني، فيقول: نعم، يا رب، فيقول: أما إنك ~~لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس ~~دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك؛ أن أفرج ~~عنك ففرجت عنك؟! فيقول: نعم، يا رب، فيقول: ~~فإني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا ~~وكذا لغم نزل بك، أن أفرج عنك، فلم تر ~~فرجا؟ قال: نعم، يا رب، فيقول: إني ادخرت لك ~~بها في الجنة كذا وكذا [و] كذا وكذا، ودعوتني في ~~حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا، فقضيتها، ~~فيقول: نعم، يا رب، فيقول: فإني عجلتها لك ~~في الدنيا، ودعوتني في يوم كذا وكذا في حاجة ~~أقضيها لك، فلم تر قضاءها، فيقول: نعم، يا رب، ~~فيقول: إني ادخرت لك في الجنة كذا وكذا " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن ~~إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، ~~وإما أن يكون ادخر ms0112 له في الآخرة، قال: فيقول ~~المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له ~~شيء من دعائه " # ، رواه الحاكم في «المستدرك». # وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يرد القدر إلا الدعاء " # ، رواه الحاكم في «المستدرك» وابن حبان في «صحيحه»، واللفظ ~~للحاكم، وقال: صحيح الإسناد. # قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديث أيضا، قال: حدثنا ~~سفيان، عن عبد الله بن عيس عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ~~ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يرد القضاء إلا الدعاء، وإن الرجل ~~ليحرم الرزق بالذنب يصيبه " # انتهى. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ~~ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل من السماء، ~~فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة " # رواه الحاكم في «مستدركه»، وقال: صحيح الإسناد، وقوله؛ ~~«فيعتلجان»، أي: يتصارعان. # وعن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من سره أن يستجاب له عند الكرب، والشدائد، ~~فليكثر الدعاء في الرخاء " # ، رواه الحاكم أيضا، وقال: صحيح الإسناد، وعن ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من فتح له في الدعاء منكم، فتحت له أبواب ~~الجنة " # ، قال الغزالي - رحمه الله - في كتاب «الإحياء»: «فإن ~~قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فاعلم أن من ~~القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب ~~للرحمة؛ كما أن الترس سبب لرد السهم، ثم في الدعاء من الفائدة أنه ~~يستدعي حضور القلب، مع الله عز وجل، وذلك منتهى العبادات، ~~فالدعاء يرد القلب إلى الله عز وجل بالتضرع والاستكانة»، ~~فانظره، فإني اثرت الاختصار، وانظر «سلاح المؤمن» الذي منه نقلت ~~هذه الأحاديث. # ومن «جامع الترمذي». عن أبي خزامة، واسمه رفاعة، عن أبيه، ~~قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول ~~الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، ms0113 ~~وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ ~~قال: هي من قدر الله " # ؛ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. # وانظر جواب عمر لأبي عبيدة «نعم، نفر من قدر الله إلى قدر ~~الله...» الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، والله الموفق بفضله. # وقوله تعالى: { فليستجيبوا لي } قال أبو رجاء الخراساني: ~~معناه: «فليدعوني» # قال: * ع *: المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو باب «استفعل»، ~~أي: طلب الشيء إلا ما شذ؛ مثل: استغنى الله. # وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من ~~الإيمان، أي: بالطاعة، والعمل. # فائدة: قال صاحب «غاية المغنم في اسم الله الأعظم» وهو إمام ~~عارف بعلم الحديث، وكتابه هذا يشهد له، قال: ذكر الدينوري ~~في «كتاب المجالسة»، عن ليث بن سليم؛ أن رجلا وقف على ~~قوم، فقال: من عنده ضيافة هذه الليلة، فسكت القوم، ثم عاد، فقال ~~رجل أعمى: عندي، فذهب به إلى منزله، فعشاه، ثم حدثه ~~ساعة، ثم وضع له وضوءا، فقام الرجل في جوف الليل، فتوضأ، ~~وصلى ما قضي له، ثم جعل يدعو، فانتبه الأعمى، وجعل ~~يسمع لدعائه، فقال: اللهم، رب الأرواح الفانية، والأجساد ~~البالية، أسألك بطاعة الأرواح الراجعة إلى أجسادها، ~~وبطاعة الأجساد الملتئمة في عروقها، وبطاعة القبور المتشققة ~~عن أهلها، وبدعوتك الصادقة فيهم، وأخذك الحق منهم، وتبريز ~~الخلائق كلهم من مخافتك ينتظرون قضاءك، ويرجون رحمتك، ~~ويخافون عذابك، أسألك أن تجعل النور في بصري، والإخلاص ~~في عملي، وشكرك في قلبي، وذكرك في لساني في الليل ~~والنهار، ما أبقيتني، قال: فحفظ الأعمى هذا الدعاء، ثم قام، ~~فتوضأ، وصلى ركعتين، ودعا به فأصبح قد رد الله عليه ~~بصره. انتهى من «غاية المغنم في اسم الله الأعظم»، وإطلاق ~~الفناء على الأرواح فيه تجوز، والعقيدة أن الأرواح باقية لا ~~تفنى، وإنما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفناء، هذا هو مراده. # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " إن القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، ~~فادعوا الله أيها الناس، حين تدعون، وأنتم ~~موقنون بالإجابة؛ فإن ms0114 الله لا يستجيب لعبد ~~دعاه عن ظهر قلب غافل " # انتهى. # قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن»: وإذا أراد الله أن يعطي ~~عبدا شيئا وهبه الاضطرار إليه فيه، فيطلبه بالاضطرار، فيعطى، ~~وإذا أراد الله أن يمنع عبدا أمرا، منعه الاضطرار إليه فيه، ثم ~~منعه إياه، فلا يخاف عليك أن تضطر، وتطلب، فلا تعطى، بل ~~يخاف عليك أن تحرم الاضطرار، فتحرم الطلب، أو تطلب بغير ~~اضطرار، فتحرم العطاء. انتهى. # وقوله سبحانه: { وليؤمنوا بي } ، قال أبو رجاء: في أنني ~~أجيب دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته. ### || [2.187-188] # وقوله تعالى: { أحل لكم ليلة الصيام... } الآية: لفظة { ~~أحل } تقتضي أنه كان محرما قبل ذلك، و { ليلة }: نصب على ~~الظرف. # و { الرفث }: كناية عن الجماع؛ لأن الله تعالى كريم ~~يكني؛ قاله ابن عباس وغيره، والرفث في غير هذا: ما فحش من ~~القول، وقال أبو إسحاق: الرفث: كل ما يأتيه الرجل، مع المرأة ~~من قبلة، ولمس. # * ع *: أو كلام في هذا المعنى، وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس ~~وغيره: إن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم، وأصابوا النساء بعد ~~النوم، أو بعد صلاة العشاء على الخلاف في ذلك، منهم عمر بن ~~الخطاب: جاء إلى امرأته، فأرادها، فقالت له قد نمت، فظن ~~أنها تعتل بذلك، فوقع بها، ثم تحقق أنها قد كانت نامت، وكان ~~الوطء بعد نوم أحدهما ممنوعا، فذهب عمر، فاعتذر عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنزل صدر الآية، وروي أن صرمة بن ~~قيس نام قبل الأكل، فبقي كذلك دون أكل، حتى غشي عليه ~~في نهاره المقبل، فنزل فيه من قوله تعالى: { وكلوا ~~واشربوا }. # واللباس: أصله في الثياب، ثم شبه التباس الرجل بالمرأة ~~بذلك. # وتاب عليكم، أي: من المعصية التي وقعتم فيها. # قال ابن عباس وغيره: { بشروهن } كناية عن الجماعة، { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم }. # قال ابن عباس وغيره: أي: ابتغوا الولد، قال الفخر والمعنى: ~~لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط، ولكن لابتغاء ما وضع الله له ~~النكاح من التناسل، قال عليه ms0115 السلام : # " تناكحوا، تناسلوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم " # انتهى. # وقيل: المعنى: ابتغوا ليلة القدر. # وقيل: ابتغوا الرخصة، والتوسعة؛ قاله قتادة، وهو قول حسن. # { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم... } الآية: نزلت ~~بسبب صرمة بن قيس، و { حتى }: غاية للتبين، ولا يصح أن ~~يقع التبين لأحد، ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر ~~قدر، والخيط استعارة وتشبيه لرقة البياض أولا، ورقة السواد ~~إلحاق به، والمراد فيما قال جميع العلماء: بياض النهار، وسواد ~~الليل. # و { من } الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، و { الفجر ~~}: مأخوذ من تفجر الماء؛ لأنه ينفجر شيئا بعد شيء، وروي عن سهل ~~بن سعد وغيره من الصحابة؛ أن الآية نزلت إلا قوله: { من الفجر ~~} ، فصنع بعض الناس خيطين، أبيض وأسود، فنزل قوله ~~تعالى: { من الفجر }. # * ع *: وروي؛ # " أنه كان بين طرفي المدة عام من رمضان إلى رمضان ~~تأخر البيان إلى وقت الحاجة، وعدي بن حاتم جعل خيطين على ~~وساده، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إن ~~وسادك لعريض» ". # واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك، فقال الجمهور، وبه أخذ ~~الناس، ومضت عليه الأمصار والأعصار، ووردت به الأحاديث الصحاح: ~~إنه الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله ~~في الأفق يجب الإمساك، وروي عن عثمان بن عفان، وحذيفة بن ~~اليمان، وابن عباس وغيرهم؛ أن الإمساك يجب بتبين الفجر في ~~الطرق، وعلى رءوس الجبال، وذكر عن حذيفة؛ أنه قال: «تسحرت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار إلا أن ~~الشمس لم تطلع». # ومن أكل، وهو يشك في الفجر، فعليه القضاء عند مالك. # وقوله سبحانه: { ثم أتموا الصيام إلى اليل } أمر يقتضي ~~الوجوب، و { إلى }: غاية، وإذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها، فهو ~~داخل في حكمه، وإذا كان من غير جنسه، لم يدخل في المحدود، والليل: ~~الذي يتم به الصيام: مغيب قرص الشمس، فمن أفطر شاكا في غروبها، ~~فالمشهور من المذهب؛ أن عليه القضاء والكفارة. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " ثلاثة ms0116 لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، ~~والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله ~~فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول ~~الرب تعالى: وعزتي، لأنصرنك، ولو بعد حين " # رواه الترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في «صحيحه»، وقال الترمذي: ~~واللفظ له؛ حديث حسن، ولفظ ابن ماجة: «حتى يفطر». انتهى من ~~«السلاح». # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " # ، رواه ابن السني. انتهى من «حلية النووي». # وعنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند ~~لقاء ربه " # رواه البخاري ومسلم. انتهى. # وروى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ~~واصل مولى أبي عيينة، عن لقيد أبي المغيرة، عن أبي بردة: أن ~~أبا موسى الأشعري كان في سفينة في البحر مرفوع شراعها، ~~فإذا رجل يقول: يأهل السفينة، قفوا سبع مرار، فقلنا: ألا ~~ترى على أي حال نحن، ثم قال في السابعة، قفوا أخبركم ~~بقضاء قضاه الله على نفسه؛ أنه من عطش نفسه لله في ~~يوم حار من أيام الدنيا شديد الحر، كان حقا على الله أن ~~يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليوم الشديد الحر، ~~فيصومه. انتهى. # قال يوسف بن يحيى التادلي في «كتاب التشوف»، وخرج عبد ~~الرزاق في «مصنفه» عن هشام بن حسان، عن واصل بن لقيط، عن أبي ~~بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: «غزا الناس برا وبحرا، ~~فكنت ممن غزا في البحر، فبينما نحن نسير في البحر؛ إذ ~~سمعنا صوتا يقول: يأهل السفينة، قفوا أخبركم، فنظرنا يمينا ~~وشمالا، فلم نر شيئا إلا لجة البحر، ثم نادى الثانية؛ حتى نادى ~~سبع مرات، يقول كذلك، قال أبو موسى: فلما كانت السابعة، قمت، ~~فقلت: ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؛ ~~أن من عطش لله في يوم حار، أن يرويه الله يوم القيامة»، ~~وذكره ابن حبيب في «الواضحة»؛ بلفظ آخر. # انتهى. # قال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني، قال: ~~حدثني ضمرة بن حبيب، قال: قال رسول ms0117 اله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن لكل شيء بابا، وإن باب العبادة الصيام " # انتهى. # وروى البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصوم، ~~فإنه لي وأنا أجزي به، إنما يدع شهوته ~~وطعامه من أجلي " # انتهى. # وقوله تعالى: { ولا تبشروهن وأنتم عكفون في ~~المسجد } قالت فرقة: المعنى: ولا تجامعوهن، وقال الجمهور: ذلك ~~يقع على الجماع، فما دونه مما يتلذذ به من النساء، و { ~~عكفون } ، أي: ملازمون، قال مالك - رحمه الله - وجماعة ~~معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضا؛ أن ذلك ~~في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة؛ كما يخرج إلى ضروري أشغاله، قال ~~ابن العربي في «أحكامه»: وحرم الله سبحانه المباشرة في المسجد؛ ~~وكذلك تحرم خارج المسجد؛ لأن معنى الآية، ولا تباشروهن وأنتم ~~ملتزمون للاعتكاف في المساجد معتقدون له. انتهى. و { تلك } إشارة ~~إلى هذه الأوامر والنواهي. # والحدود: الحواجز بين الإباحة والحظر؛ ومنه قيل للبواب حداد؛ ~~لأنه يمنع؛ ومنه الحاد؛ لأنها تمنع من الزينة، والآيات: العلامات ~~الهادية إلى الحق. # وقوله تعالى: { ولا تأكلوا أمولكم بينكم ~~بالباطل... } الآية: الخطاب لأمة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ويدخل في هذه الآية القمار، والخدع، والغصوب، وجحد ~~الحقوق، وغير ذلك. # وقوله سبحانه: { وتدلوا بها إلى الحكام... } الآية: يقال: ~~أدلى الرجل بحجة، أو بأمر يرجو النجاح به، تشبيها بالذي ~~يرسل الدلو في البئر يرجو بها الماء، قال قوم: معنى الآية: ~~تسارعون في الأموال إلى المخاصمة، إذا علمتم أن الحجة تقوم ~~لكم؛ إما بأن لا تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة؛ ~~كاليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله، فالباء في «بها» باء ~~السبب، وقيل: معنى الآية: ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء ~~إلزاق مجرد؛ وهذا القول يترجح لأن الحكام مظنة الرشا، ~~إلا من عصم، وهو الأقل، وأيضا، فإن اللفظتين متناسبتان. # { تدلوا }: من إرسال الدلو، والرشوة: من الرشاء؛ كأنها ~~يمد بها؛ لتقضي الحاجة. # والفريق: ms0118 القطعة، والجزء. # و { بالإثم } أي: بالظلم. # { وأنتم تعلمون } أي: أنكم مبطلون. ### || [2.189-192] # وقوله تعالى: { يسئلونك عن الأهلة } ، قال ابن عباس ~~وغيره: نزلت على سؤال قوم من المسلمين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الهلال، وما فائدة محاقه، وكماله، ومخالفته لحال ~~الشمس. # و { مواقيت } أي: لمحل الديون، وانقضاء العدد ~~والأكرية، وما أشبه، هذا من مصالح العباد، ومواقيت للحج أيضا: ~~يعرف بها وقته وأشهره. # وقوله سبحانه: { وليس البر... } الآية: قال البراء بن ~~عازب، والزهري، وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إذا حجوا، أو ~~اعتمروا، يلتزمون تشرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، فكانوا ~~يتسنمون ظهور بيوتهم على الجدرات، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور ~~بيوتهم فتوحا يدخلون منها، ولا يدخلون من الأبواب، وقيل غير هذا ~~مما يشبهه. # وقوله تعالى: { وقتلوا في سبيل الله... } الآية هي أول ~~آية نزلت في الأمر بالقتال. قال ابن زيد، والربيع: قوله: { ولا ~~تعتدوا } أي: في قتال من لم يقاتلكم، وهذه الموادعة منسوخة ~~بقوله تعالى: # وقتلوا المشركين كآفة # [التوبة:36] وقال ابن عباس وغيره: { ولا تعتدوا } في قتل ~~النساء، والصبيان، والرهبان، وشبههم؛ فهي محكمة. # وقوله تعالى: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم... } الآية: قال ~~ابن إسحاق وغيره: نزلت هذه الآية في شأن عمرو بن ~~الحضرمي، وواقد، وهي سرية عبد الله بن جحش، و { ~~ثقفتموهم } معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رجل ثقف لقف، ~~إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. # و { أخرجوهم }: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش. # و { الفتنة أشد من القتل } ، أي: الفتنة التي حملوكم ~~عليها، وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر - أشد من القتل، ~~ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنة، أي: الكفر والضلال الذي هم فيه ~~أشد في الحرم، وأعظم جرما من القتل الذي عيروكم به في شأن ~~ابن الحضرمي. # وقوله تعالى: { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام... ~~} الآية. # قال الجمهور: كان هذا ثم نسخ، وقال مجاهد: الآية محكمة، ولا ~~يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إلا بعد أن يقاتل. # قلت: وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: # " وإنما أحلت لي ساعة من النهار، ولم ms0119 تحل ~~لأحد بعدي " # يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام الفخر، وأن الآية ~~محكمة، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم. انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه» وقد روى الأئمة عن ابن عباس؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: # " إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق ~~السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى ~~إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيها ~~لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ". # فقد ثبت النهي عن القتال فيها قرآنا وسنة، فإن لجأ إليها ~~كافر، فلا سبيل إليه، وأما الزاني والقاتل، فلا بد من إقامة ~~الحد عليه إلا أن يبتدىء الكافر بالقتال فيها، فيقتل بنص القرآن. ~~انتهى. # وقرأ حمزة والكسائي: «ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم فاقتلوهم»، أي: ~~فإن قتلوا منكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام. ### || [2.193-195] # { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~لله }: «الفتنة»: هنا الشرك، وما تابعه من أذى المؤمنين. قاله ~~ابن عباس وغيره. # و { الدين } هنا: الطاعة، والشرع، والانتهاء في هذا الموضع ~~يصح مع عموم الآية في الكفار؛ أن يكون الدخول في الإسلام؛ ويصح ~~أن يكون أداء الجزية. # وقوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمت قصاص... } الآية: قال ابن عباس وغيره: نزلت في ~~عمرة القضية، وعام الحديبية سنة ست، حين صدهم المشركون، ~~أي: الشهر الحرام الذي غلبكم الله فيه، وأدخلكم الحرم عليهم ~~سنة سبع - بالشهر الحرام الذي صدوكم فيه، والحرمات قصاص. # وقالت فرقة: قوله: { والحرمت قصاص }: مقطوع مما قبله، وهو ~~ابتداء أمر كان في أول الإسلام أن من انتهك حرمتك، نلت منه ~~مثل ما اعتدى عليك. # { واتقوا الله }: قيل: معناه في ألا تعتدوا، وقيل: في ألا ~~تزيدوا على المثل. # وقوله تعالى: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة... } الآية: سبيل الله هنا: ~~الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله، وفي الصحيح أن أبا ~~أيوب الأنصاري كان على القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر ~~العدو، فقال قوم: ألقى هذا ms0120 بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، ~~إن هذه الآية نزلت في الأنصار، حين أرادوا، لما ظهر الإسلام؛ أن ~~يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال الله ~~تعالى فيه: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله # [البقرة:207]. # وقال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، وجمهور الناس: المعنى: لا ~~تلقوا بأيديكم؛ بأن تتركوا النفقة في سبيل الله، وتخافوا ~~العيلة. # { وأحسنوا }: قيل: معناه: في أعمالكم بامتثال الطاعات؛ روي ذلك ~~عن بعض الصحابة، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإنفاق في سبيل الله، وفي ~~الصدقات، قاله زيد بن أسلم، وقال عكرمة: المعنى: ~~وأحسنوا الظن بالله عز وجل. # * ت *: ولا شك أن لفظ الآية عام يتناول جميع ما ذكر، والمخصص ~~يفتقر إلى دليل. # فأما حسن الظن بالله سبحانه، فقد جاءت فيه أحاديث صحيحة، فمنها: # " أنا عند ظن عبدي بي " # ، وفي «صحيح مسلم»، عن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام يقول: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ~~" # انتهى. # وأخرج أبو بكر بن الخطيب، بسنده، عن أنس؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من حسن عبادة المرء حسن ظنه " # انتهى. # قال عبد الحق في «العاقبة»: أما حسن الظن بالله عز وجل ~~عند الموت، فواجب؛ للحديث. انتهى. # ويدخل في عموم الآية أنواع المعروف؛ قال أبو عمر بن عبد البر: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل معروف صدقة " # ، قال أبو جري الهجيمي؛ # " قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تحقرن ~~شيئا من المعروف؛ أن تأتيه، ولو أن تفرغ من ~~دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك، ~~ووجهك منبسط إليه» " # ، وقال عليه السلام: # " أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في ~~الآخرة " # ، وقال عليه الصلاة والسلام: # " إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس، هم ~~الآمنون يوم القيامة " # انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المجالس و أنس المجالس». ### || [2.196] # وقوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله }: قال ~~ابن زيد وغيره: إتمامهما ألا تفسخا، وأن تتمهما، إذا بدأت بهما، ~~وقال ابن ms0121 عباس وغيره: إتمامهما أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان ~~فيهما من دماء، وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن تخرج قاصدا ~~لهما، لا لتجارة، ولا لغير ذلك؛ ويؤيد هذا قوله: { لله }. # وفروض الحج: النية، والإحرام، والطواف المتصل بالسعي، يعني: ~~طواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة عندنا؛ خلافا لأبي حنيفة، ~~والوقوف بعرفة، وزاد ابن الماجشون: جمرة العقبة. # وقوله تعالى: { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } ~~هذه الآية نزلت عام الحديبية عند جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهور ~~الناس على أن المحصر بالعدو يحل حيث أحصر، وينحر ~~هديه، إن كان ثم هدي، ويحلق رأسه، وأما المحصر بمرض، فقال ~~مالك، وجمهور من العلماء: لا يحله إلا البيت، ويقيم حتى يفيق، ~~وإن أقام سنين، فإذا وصل البيت، بعد فوت الحج، قطع التلبية في ~~أوائل الحرم، وحل بعمرة، ثم تكون عليه حجة قضاء، وفيها يكون الهدي. # و «ما» في موضع رفع، أي: فالواجب، أو: فعليكم ما استيسر، وهو ~~شاة عند الجمهور. # وقال ابن عمر وعروة: جمل دون جمل، وبقرة دون بقرة. # وقوله تعالى: { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله } الخطاب لجميع الأمة، وقيل: للمحصرين ~~خاصة، ومحل الهدي: حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يحصر بمنى، ~~والترتيب: أن يرمي الحاج الجمرة، ثم ينحر، ثم يحلق، ثم يطوف ~~للإفاضة. # وقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا... } الآية: المعنى: ~~فحلق لإزالة الأذى، { ففدية } ، وهذا هو فحوى الخطاب عند ~~أكثر الأصوليين، ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة، حين رآه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملا، ~~فأمره بالحلاق، ونزلت الرخصة. # والصيام؛ عند مالك، وجميع أصحابه: ثلاثة أيام، والصدقة ستة ~~مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدان بمد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والنسك: شاة بإجماع، ومن أتى بأفضل منها مما ~~يذبح أو ينحر، فهو أفضل والمفتدي مخير في أي هذه الثلاثة شاء، حيث ~~شاء من مكة وغيرها. # قال مالك وغيره: كلما أتى في القرآن «أو أو»، فإنه على ~~التخيير. # وقوله تعالى: { فإذا أمنتم } ، أي: من العدو المحصر، قاله ~~ابن ms0122 عباس وغيره، وهو أشبه باللفظ، وقيل: معناه: إذا برأتم من ~~مرضكم. # وقوله سبحانه: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج... } ~~الآية. # قال ابن عباس وجماعة من العلماء: الآية في المحصرين وغيرهم، وصورة ~~المتمتع أن تجتمع فيه ستة شروط، أن يكون معتمرا في أشهر ~~الحج، وهو من غير حاضري المسجد الحرام، ويحل وينشىء الحج من ~~عامه ذلك، دون رجوع إلى وطنه، أو ما ساواه بعدا، هذا قول ~~مالك، وأصحابه، واختلف، لم سمي متمتعا. # فقال ابن القاسم: لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من ~~وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج، وقال غيره: سمي متمتعا؛ ~~لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر، ~~وحق الحج كذلك، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله تعالى ~~هديا كالقارن الذي يجمع الحج والعمرة في سفر واحد، وجل ~~الأمة على جواز العمرة في أشهر الحج للمكي ولا دم عليه. # وقوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام في ~~الحج } ، يعني: من وقت يحرم إلى يوم عرفة، فإن فاته صيامها ~~قبل يوم النحر، فليصمها في أيام التشريق؛ لأنها من أيام الحج. # { وسبعة إذا رجعتم } ، قال مجاهد وغيره: أي: إذا رجعتم من ~~منى، وقال قتادة، والربيع: هذه رخصة من الله سبحانه، والمعنى: إذا ~~رجعتم إلى أوطانكم، ولما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة ~~أيام في الحج أو سبعة إذا رجع، أزيل ذلك بالجلية من قوله ~~تعالى: { تلك عشرة }. # و { كاملة } قال الحسن بن أبي الحسن: المعنى: كاملة الثواب، ~~وقيل: كاملة تأكيد؛ كما تقول: كتبت بيدي، وقيل: لفظها الإخبار، ~~ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضها، وقوله تعالى: { ذلك لمن ~~لم يكن أهله... } الآية: الإشارة بذلك على قول الجمهور هي ~~إلى الهدي، أي: ذلك الاشتداد والإلزام، وعلى قول من يرى أن المكي ~~لا تجوز له العمرة في أشهر الحج، تكون الإشارة إلى التمتع، ~~وحكمه؛ فكأن الكلام؛ ذلك الترخيص لمن لم؛ ويتأيد هذا بقوله: { ~~لمن لم }؛ لأن اللام أبدا إنما تجيء مع الرخص، واختلف الناس في ms0123 ~~{ حاضري المسجد الحرام } بعد الإجماع على أهل مكة، وما اتصل ~~بها، فقيل: من تجب عليه الجمعة بمكة، فهو حضري، ومن كان أبعد ~~من ذلك، فهو بدوي، قال: * ع *: فجعل اللفظة من الحضارة، والبداوة. # وقيل: من كان بحيث لا يقصر الصلاة، فهو حاضر، أي: مشاهد، ومن كان ~~أبعد من ذلك، فهو غائب. # وقال ابن عباس، ومجاهد: أهل الحرم كله حاضرو المسجد الحرام، ~~ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذر من شديد عقابه. ### || [2.197] # وقوله تعالى: { الحج أشهر معلومت } في الكلام حذف، ~~تقديره: أشهر الحج أشهر أو وقت الحج أشهر معلومات، قال ابن مسعود ~~وغيره: وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كله. # وقال ابن عباس وغيره: هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، ~~والقولان لمالك - رحمه الله - { فمن فرض فيهن الحج } ، ~~أي: ألزمه نفسه، وفرض الحج هو بالنية والدخول في الإحرام، ~~والتلبية تبع لذلك، وقوله تعالى: { فيهن } ، ولم يجىء الكلام ~~«فيها»، فقال قوم: هما سواء في الاستعمال، وقال أبو عثمان المازني: ~~الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس ~~كذلك، تقول: الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت، ويؤيد ذلك ~~قوله تعالى: # إن عدة الشهور عند الله # [التوبة:36] ثم قال: # منهآ # [التوبة:36]. # وقوله تعالى: { فلا رفث ولا فسوق... } الآية، وقرأ ابن كثير، ~~وأبو عمرو: «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال»، بالرفع في ~~الاثنين، ونصب الجدال، و «لا» بمعنى «ليس»، في قراءة الرفع، ~~والرفث الجماع في قول ابن عباس، ومجاهد، ومالك، والفسوق قال ~~ابن عباس وغيره: هي المعاصي كلها، وقال ابن زيد، ومالك: ~~الفسوق: الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام:145] والأول أولى. # قال الفخر: وأكثر المحققين حملوا الفسق هنا على كل المعاصي؛ ~~قالوا: لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب ~~الانتهاء عن جميع أنواعه، فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم ~~من غير دليل. انتهى. # قال ابن عباس وغيره: الجدال هنا: أن تماري مسلما. # وقال مالك، وابن زيد: الجدال هنا أن يختلف الناس أيهم ms0124 صادف ~~موقف إبراهيم - عليه السلام -؛ كما كانوا يفعلون في الجاهلية، قلت: ~~ومعنى الآية: فلا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا؛ كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " والصوم جنة، فإذا كان صوم أحدكم، فلا ~~يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد، أو قاتله، ~~فليقل إني امرؤ صائم... " # الحديث. انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { فلا رفث ولا ~~فسوق } ، أراد نفيه مشروعا، لا موجودا، فإنا نجد الرفث فيه، ~~ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يقع بخلاف مخبره. انتهى. # قال الفخر: قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما وقع من بعضهم ~~من مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى ~~العمرة، فشق عليهم ذلك، وقالوا: «أنروح إلى منى، ~~ومذاكيرنا تقطر منيا...» الحديث. انتهى. # وقوله تعالى: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله }: ~~المعنى: فيثيب عليه، وفي هذا تحضيض على فعل الخير. # * ت *: وروى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله ~~خيرا، فقد أبلغ في الثناء " # رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان في «صحيحه» بهذا اللفظ. ~~انتهى من «السلاح» ونحو هذا جوابه صلى الله عليه وسلم للمهاجرين؛ ~~حيث قالوا: «ما رأينا كالأنصار»، وأثنوا عليهم خيرا. # وقوله سبحانه: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى... ~~} الآية: قال ابن عمر وغيره: نزلت الآية في طائفة من العرب، كانت ~~تجيء إلى الحج بلا زاد، ويبقون عالة على الناس، فأمروا بالتزود، ~~وقال بعض الناس: المعنى: تزودوا الرفيق الصالح، وهذا تخصيص ~~ضعيف، والأولى في معنى الآية: وتزودوا لمعادكم من الأعمال ~~الصالحة، قلت: وهذا التأويل هو الذي صدر به الفخر وهو الظاهر، ~~وفي قوله: { فإن خير الزاد التقوى } حض على التقوى. ### || [2.198-199] # وقوله تعالى: { ليس عليكم جناح... } الآية: الجناح: أعم ~~من الإثم؛ لأنه فيما يقتضي العقاب، وفي ما يقتضي الزجر والعتاب. # و { تبتغوا }: معناه: تطلبوا، أي: لا درك في أن تتجروا وتطلبوا ~~الربح. # وقوله تعالى: { فإذا أفضتم من عرفت }: أجمع أهل العلم ~~على تمام حج من وقف بعرفات بعد الزوال، وأفاض ms0125 نهارا قبل الليل إلا ~~مالك بن أنس، فإنه قال: لا بد أن يأخذ من الليل شيئا، وأما من وقف ~~بعرفة ليلا، فلا خلاف بين الأمة في تمام حجه. # وأفاض القوم أو الجيش، إذا اندفعوا جملة، واختلف في تسميتها عرفة، ~~والظاهر أنه اسم مرتجل؛ كسائر أسماء البقاع، وعرفة هي نعمان ~~الأراك، والمشعر الحرام جمع كله، وهو ما بين جبلي ~~المزدلفة من حد مفضى مأزمي عرفة إلى بطن محسر، ~~قاله ابن عباس وغيره، فهي كلها مشعر إلا بطن محسر؛ كما أن عرفة ~~كلها موقف إلا بطن عرنة بفتح الراء وضمها، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة ~~كلها مشعر، ألا وارتفعوا عن بطن محسر " # ، وذكر هذا عبد الله بن الزبير في خطبته، وذكر الله تعالى ~~عند المشعر الحرام ندب عند أهل العلم، قال مالك: ومن مر به، ولم ~~ينزل، فعليه دم. # وقوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } تعديد للنعمة، وأمر ~~بشكرها. # * ص *: { كما هداكم }: الكاف للتشبيه، وهو في موضع نصب على ~~النعت لمصدر محذوف، و «ما» مصدرية، أي: كهدايته، فتكون «ما» وما ~~بعدها في موضع جر، إذ ينسبك منها مع الفعل مصدر، ويحتمل ~~أن تكون للتعليل على مذهب الأخفش، وابن برهان، وجوز ابن عطية ~~وغيره، أن تكون «ما» كافة للكاف عن العمل، والأول أولى؛ لأن فيه ~~إقرار الكاف على عملها الجر، وقد منع صاحب «المستوفى» أن ~~تكون الكاف مكفوفة ب «ما»؛ واحتج من أثبته بقوله: [الوافر] # لعمرك إنني وأبا حميد # كما النسوان والرجل الحليم # أريد هجاءه وأخاف ربي # وأعلم أنه عبد لئيم # انتهى. # ثم ذكرهم سبحانه بحال ضلالهم؛ ليظهر قدر إنعامه عليهم. # { وإن كنتم من قبله } ، أي: من قبل الهدى. # وقوله سبحانه: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } ~~المخاطب بهذه الآية قريش، ومن ولدت، قاله ابن عباس وغيره، وذلك ~~أنهم كانوا لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع، ويفيضون منه، مع ~~معرفته أن عرفة هي موقف إبراهيم، فقيل لهم: أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس، أي: ms0126 من عرفة، «ثم» ليست في هذه الآية للترتيب، إنما هي ~~لعطف جملة كلام على جملة هي منها منقطعة. # وقال الضحاك: المخاطب بالآية جملة الأمة، والمراد بالناس ~~إبراهيم، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، وعلى ~~هذا عول الطبري، فتكون «ثم» على بابها، وقرأ سعيد بن جبير: ~~«الناسي»، وتأوله آدم - عليه السلام -، وأمر عز وجل بالاستغفار؛ ~~لأنها مواطنه، ومظان القبول، ومساقط الرحمة، وفي الحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عشية عرفة، فقال: # " «أيها الناس، إن الله عز وجل تطاول ~~عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب ~~مسيئكم لمحسنكم، إلا التبعات فيما بينكم، ~~أفيضوا على اسم الله»، فلما كان غداة جمع، خطب، ~~فقال: «أيها الناس، إن الله تطاول عليكم، ~~فعوض التبعات من عنده» ". ### || [2.200-202] # وقوله تعالى: { فإذا قضيتم منسككم }... الآية. # قال مجاهد: المناسك: الذبائح، وهي إراقة الدماء. # * ع *: والمناسك عندي العبادات في معالم الحج، ومواضع النسك فيه. # والمعنى: إذا فرغتم من حجكم الذي هو الوقوف بعرفة، فاذكروا ~~الله بمحامده، وأثنوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادة العرب، ~~إذا قضت حجها، تقف عند الجمرة تتفاخر بالآباء، وتذكر أيام ~~أسلافها؛ من بسالة، وكرم، وغير ذلك، فنزلت الآية، أن يلزموا ~~أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيام الجاهلية، ~~هذا قول جمهور المفسرين. # وقال ابن عباس، وعطاء: معنى الآية: واذكروا الله؛ كذكر الأطفال ~~آباءهم، وأمهاتهم، أي: فاستغيثوا به، والجئوا إليه. # قال النووي في «حليته»: والمراد من الذكر حضور القلب، فينبغي ~~أن يكون هو مقصود الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل ~~معناه، فالتدبر في الذكر مطلوب؛ كما هو مطلوب في القراءة؛ لاشتراكهما ~~في المعنى المقصود، ولهذا كان المذهب الصحيح المختار استحباب مد ~~الذاكر قوله: «لا إله إلا الله»، لما فيه من التدبر، ~~وأقوال السلف، وأئمة الخلف في هذا مشهورة. انتهى. # قال الشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الساحلي ~~المالقي: ومنفعة الذكر أبدا إنما هي تتبع معناه بالفكر؛ ~~ليقتبس الذاكر من ذكره أنوار المعرفة، ويحصل ms0127 على اللب المراد، ~~ولا خير في ذكر مع قلب غافل ساه، ولا مع تضييع شيء من رسوم ~~الشرع، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب الذي ألفه في «السلوك»: ولا ~~مطمع للذاكر في درك حقائق الذكر إلا بإعمال الفكر فيما ~~تحت ألفاظ الذكر من المعاني، وليدفع خطرات نفسه عن باطنه راجعا ~~إلى مقتضى ذكره؛ حتى يغلب معنى الذكر على قلبه، وقد آن له أن يدخل ~~في دائرة أهل المحاضرات. انتهى. # وقوله تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في ~~الدنيا... } الآية: قال أبو وائل وغيره: كانت عادتهم في الجاهلية ~~الدعاء في مصالح الدنيا فقط؛ إذ كانوا لا يعرفون الآخرة، ~~فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة ~~الخبر عنه، والخلاق: الحظ، والنصيب. # قال الحسن بن أبي الحسن: حسنة الدنيا: العلم والعبادة. # * ع *: واللفظ أعم من هذا، وحسنة الآخرة الجنة؛ بإجماع، وعن ~~أنس: قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: # " ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ~~وقنا عذاب النار " # رواه البخاري ومسلم وغيرهما، زاد مسلم: «وكان أنس، إذا ~~أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه». انتهى. # { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } وعد على كسب ~~الأعمال الصالحة، والرب سبحانه سريع الحساب؛ لأنه لا يحتاج إلى ~~عقد، ولا إعمال فكر، قيل لعلي - رضي الله عنه -: كيف يحاسب ~~الله الخلائق في يوم، فقال: كما يرزقهم في يوم، وقيل: ~~الحساب هنا: المجازات. # وقيل: معنى الآية: سريع مجيء يوم الحساب، فيكون المقصد بالآية ~~الإنذار بيوم القيامة. ### || [2.203-205] # وقوله تعالى: { واذكروا الله في أيام معدودت }. ~~أمر الله سبحانه بذكره في الايام المعدودات، وهي الثلاثة التي ~~بعد يوم النحر، ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصلوات. # قال مالك: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من ~~آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، ومشهور مذهب مالك، أنه يكبر ~~إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات. # ومن خواص التكبير وبركته ما رواه ابن السني، بسنده، عن عمرو ~~بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ms0128 قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا رأيتم الحريق، فكبروا؛ فإن التكبير ~~يطفئه " # انتهى من «حلية النووي». # وقوله تعالى: { فمن تعجل في يومين... } الآية: قال ابن ~~عباس وغيره: المعنى: من نفر اليوم الثاني من الأيام المعدودات، ~~فلا حرج عليه، ومن تأخر إلى الثالث، فلا إثم عليه، كل ذلك مباح؛ ~~إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس، فنزلت الآية رافعة ~~للجناح قلت: وأهل مكة في التعجيل كغيرهم على الأصح. # ثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكر بالحشر، والوقوف بين يديه. # وقوله تعالى: { ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحيوة الدنيا... } الآية. # قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق: أظهر الإسلام، ثم ~~هرب، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعا، وقتل حمرا. # قال: * ع *: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت: وفي ما قاله: * ع *: ~~نظر، ولا يلزم من عدم ثبوته عنده ألا يثبت عند غيره، وقد ذكر ~~أحمد بن نصر الداوودي في تفسيره؛ أن هذه الآية نزلت في ~~الأخنس بن شريق. انتهى، وسيأتي للطبري نحوه. # وقال قتادة، وجماعة: نزلت هذه الآية في كل مبطن كفر، أو ~~نفاق، أو كذب، أو ضرار، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، ~~ومعنى: { ويشهد الله } ، أي: يقول: الله يعلم أني أقول ~~حقا، والألد: الشديد الخصومة الذي يلوي الحجج في كل جانب، ~~فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي. # وعنه صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # و { تولى } و { سعى }: يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يكونا فعل قلب، فيجيء «تولى» بمعنى: ضل ~~وغضب وأنف في نفسه، فسعى بحيله وإدارته الدوائر على ~~الإسلام؛ نحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج، وغيره. # والمعنى الثاني: أن يكونا فعل شخص، فيجيء «تولى» بمعنى: أدبر ~~ونهض وسعى، أي: بقدميه، فقطع الطريق وأفسدها، نحا هذا المنحى ~~ابن عباس وغيره. # وقوله تعالى: { ويهلك الحرث والنسل }: قال الطبري: ~~المراد الأخنس في إحراقه الزرع، وقتله الحمر؛ # قال: * ع *: والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغته في الإفساد. # و { لا يحب الفساد } معناه: ms0129 لا يحبه من أهل الصلاح، أو لا ~~يحبه دينا، وإلا فلا يقع إلا ما يحب الله وقوعه، والفساد: ~~واقع، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى ~~الإرادة. # قال: * ع *: والحب له على الإرادة مزية إيثار؛ إذ الحب من ~~الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته. ### || [2.206-210] # وقوله تعالى: { وإذا قيل له اتق الله... } الآية: هذه صفة ~~الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويحذر المؤمن أن يوقعه ~~الحرج في نحو هذا، وقد قال بعض العلماء: كفى بالمرء إثما أن ~~يقول له أخوه: اتق الله، فيقول له: عليك نفسك، مثلك ~~يوصيني. قلت: قال أحمد بن نصر الداوودي: عن ابن مسعود: من ~~أكبر الذنب أن يقال للرجل: اتق الله، فيقول: عليك نفسك، ~~أنت تأمرني. انتهى. # و { العزة } هنا: المنعة، وشدة النفس، أي: اعتز في نفسه، ~~فأوقعته تلك العزة في الإثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزة مع ~~الإثم. # و { حسبه } ، أي: كافيه، و { المهاد }: ما مهد الرجل لنفسه؛ ~~كأنه الفراش. # وقوله تعالى: { ومن الناس من يشري نفسه... } الآية: ~~تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته، أو مغير ~~منكر، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع عاصم بن ثابت، ~~وخبيب، وأصحابهما، وقال عكرمة وغيره: هي في طائفة من المهاجرين، ~~وذكروا حديث صهيب. # و { يشري }: معناه يبيع؛ ومنه # وشروه بثمن بخس # [يوسف:20]، وحكى قوم؛ أنه يقال: شرى؛ بمعنى اشترى، ويحتاج ~~إلى هذا من تأول الآية في صهيب؛ لأنه اشترى نفسه بماله. # وقوله تعالى: { والله رءوف بالعباد } ترجية تقتضي الحض ~~على امتثال ما وقع به المدح في الآية؛ كما أن قوله سبحانه: { ~~فحسبه جهنم } تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذم في ~~الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم، وهو الإسلام، ~~والمسالمة، وقال ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب، والألف واللام في ~~الشيطان للجنس. # و { عدو }: يقع للواحد، والاثنين، والجمع، وقوله تعالى: { ~~فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينت... } ~~الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، ~~وغير ms0130 ذلك، والمعنى: ضللتم، و { البينت } محمد صلى الله ~~عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إذا كان الخطاب أولا لجماعة المؤمنين، ~~وإذا كان الخطاب لأهل الكتاب، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، والتعريف به. # و { عزيز }: صفة مقتضية أنه قادر عليكم لا تعجزونه، ولا ~~تمتنعون منه، و { حكيم } ، أي: محكم فيما يعاقبكم به ~~لزللكم. # وقوله تعالى: { هل ينظرون } ، أي: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين ~~يزلون، والظلل: جمع ظلة، وهي ما أظل من فوق، والمعنى: ~~يأتيهم حكم الله، وأمره، ونهيه، وعقابه إياهم. # وذهب ابن جريج وغيره؛ إلى أن هذا التوعد هو مما يقع في الدنيا، ~~وقال قوم: بل هو توعد بيوم القيامة، وقال قوم: إلا أن يأتيهم الله ~~وعيد بيوم القيامة. # وأما { الملئكة } ، فالوعيد بإتيانهم عند الموت؛ والغمام: ~~أرق السحاب، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل به بنو إسرائيل. # وقال النقاش: هو ضباب أبيض، وقضي الأمر: معناه وقع الجزاء، ~~وعذب أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جبل: «وقضاء الأمر». # وإلى الله ترجع الأمور: هي راجعة إليه سبحانه قبل ~~وبعد، وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها ~~إلى الملوك في الدنيا. ### || [2.211-212] # وقوله سبحانه: { سل بني إسرءيل... } الآية: معنى الآية: ~~توبيخهم على عنادهم بعد الآيات البينات، والمراد بالآية: كم ~~جاءهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية معرفة به دالة ~~عليه، و { نعمة الله }: لفظ عام لجميع إنعامه؛ ولكن يقوي ~~من حال النبي صلى الله عليه وسلم معهم؛ أن المشار إليه هنا هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة ~~نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحبا على كل مبدل نعمة لله، ويدخل ~~في اللفظ كفار قريش، والتوراة أيضا نعمة على بني إسرائيل، ~~فبدلوها بالتحريف لها، وجحد أمر محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~فإن الله شديد العقاب }: خبر يتضمن الوعيد. # وقوله تعالى: { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا... ~~} الآية: الإشارة إلى كفار قريش؛ لأنهم كانوا يعظمون حالهم في الدنيا، ~~ويغتبطون بها، ويسخرون ms0131 من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كبلال، ~~وصهيب، وابن مسعود، وغيرهم، فذكر الله قبيح فعلهم، ونبه على ~~خفض منزلتهم بقوله: { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيمة } ، ومعنى الفوقية هنا في الدرجة والقدر؛ ويحتمل أن ~~يريد أن نعيم المتقين في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن. قلت: ~~وحكى الداوودي عن قتادة: فوقهم يوم القيامة. قال: فوقهم في ~~الجنة. انتهى. # ومهما ذكرت الداوودي في هذا «المختصر»، فإنما أريد أحمد بن نصر ~~الفقيه المالكي، ومن تفسيره أنا أنقل. انتهى. # فإن تشوفت نفسك أيها الأخ إلى هذه الفوقية، ونيل هذه ~~الدرجة العلية، فارفض دنياك الدنية، وازهد فيها بالكلية؛ ~~لتسلم من كل آفة وبلية، واقتد في ذلك بخير البريه. قال ~~عياض في «شفاه»: فانظر - رحمك الله - سيرة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال، تجده قد أوتي خزائن الأرض ~~[ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، وفتح عليه في ~~حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن؛ وجميع جزيرة العرب، وما ~~دانى ذلك من الشام والعراق]، وجبيت إليه الأخماس، [وصدقاتها ما لا ~~يجبى للملوك إلا بعضه]، وهادته جماعة من الملوك، فما استأثر ~~بشيء من ذلك، ولا أمسك درهما منه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به ~~غيره، وقوى به المسلمين، ومات صلى الله عليه وسلم، ودرعه ~~مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه على ما ~~تدعوه ضرورته إليه، وزهد فيما سواه، فكان - عليه السلام - يلبس ما ~~وجد، فيلبس في الغالب الشملة، والكساء الخشن، والبرد ~~الغليظ. انتهى. ### || [2.213-214] # وقوله تعالى: { كان الناس أمة وحدة... } الآية: قال ابن ~~عباس: { الناس }: القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة ~~كانوا على الحق؛ حتى اختلفوا، فبعث الله تعالى نوحا فمن بعده، ~~وقال ابن عباس أيضا: { كان الناس أمة وحدة } ، أي: ~~كفارا يريد في مدة نوح؛ حين بعثه الله. # وقال أبي بن كعب، وابن زيد: المراد ب { الناس } بنو آدم حين ~~أخرجهم الله نسما من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطرة، وقيل غير هذا، ~~وكل من قدر الناس ms0132 في الآية مؤمنين، قدر في الكلام «فاختلفوا»، ~~وكل من قدرهم كفارا، قدر: كانت بعثة النبيين إليهم. # والأمة: الجماعة على المقصد، ويسمى الواحد أمة، إذا كان ~~منفردا بمقصد، و { مبشرين }: معناه بالثواب على الطاعة، و { ~~منذرين }: بالعقاب، و { الكتب }: اسم الجنس، والمعنى: ~~جميع الكتب، و { ليحكم }: مسند إلى الكتاب؛ في قول الجمهور، والذين ~~أوتوه أرباب العلم به، وخصوا بالذكر تنبيها منه سبحانه على عظيم ~~الشنعة، والقبح، و { البينت }: الدلالات، والحجج، ~~والبغي: التعدي بالباطل، وهدى: معناه أرشد، والمراد ب { الذين ~~ءامنوا } من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالت طائفة: معنى ~~الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض، فهدى الله أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم للتصديق بجميعها، وقالت طائفة: إن الله سبحانه ~~هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتاب من قولهم: إن ~~إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، قال زيد بن أسلم: ~~وكاختلافهم في يوم الجمعة؛ # " فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا اليوم الذي اختلفوا ~~فيه، فهدانا الله له، فلليهود غد، وللنصارى بعد غد، وفي ~~صيامهم، وجميع ما اختلفوا فيه» ". # قال الفراء: وفي الكلام قلب، واختاره الطبري، قال: وتقديره: ~~فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا، فيه ودعاه إلى هذا ~~التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق، فهدى الله ~~المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه؛ نحا إلى ~~هذا الطبري في حكايته عن الفراء. # قال: * ع *: وادعاء القلب على كتاب الله دون ضرورة تدفع ~~إلى ذلك عجز، وسوء نظر. وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ~~ورصفه؛ لأن قوله: { فهدى } يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم ~~المعنى في قوله: { فيه } ، وتبين بقوله: { من الحق } جنس ما ~~وقع الخلاف فيه، و { بإذنه } قال الزجاج: معناه بعلمه. # * ع *: والإذن هو العلم، والتمكين، فإن اقترن بذلك أمر، صار ~~أقوى من الإذن بمزية. # وقوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم... } الآية: أكثر المفسرين أنها نزلت في قصة الأحزاب حين ~~حصروا المدينة، وقالت فرقة: نزلت تسلية للمهاجرين، حين أصيبت ms0133 ~~أموالهم بعدهم، وفيما نالهم من أذاية الكافرين لهم. # و { خلوا }: معناه: انقرضوا، أي: صاروا في خلاء من الأرض، و { ~~البأساء } في المال، و { الضرآء } في البدن، و { مثل }: ~~معناه شبه، والزلزلة: شدة التحريك، تكون في الأشخاص والأحوال. # وقرأ نافع: «يقول» بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب، وحتى: غاية ~~مجردة تنصب الفعل بتقدير «إلى أن» وعلى قراءة نافع، كأنها اقترن ~~بها تسبيب، فهي حرف ابتداء ترفع الفعل. # وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول ~~والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر، لا ~~على شك ولا ارتياب، والرسول اسم الجنس، وقالت طائفة: في الكلام ~~تقديم وتأخير، والتقدير: حتى يقول الذين آمنوا: متى نصر ~~الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول ~~في الرتبة؛ لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين؛ لأنه المتقدم في الزمان. # قال: * ع *: وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر، ويحتمل ~~أن يكون: { ألا إن نصر الله قريب } إخبارا من الله ~~تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول. ### || [2.215-216] # قوله تعالى: { يسئلونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم ~~من خير... } الآية: السائلون: هم المؤمنون، والمعنى: ~~يسألونك، ما هي الوجوه التي ينفقون فيها؟ و «ما» يصح أن تكون في ~~موضع رفع على الابتداء، و «ذا»: خبرها بمعنى «الذي» و ~~«ينفقون»: صلة، و «فيه» عائد على «ذا» تقديره: ينفقونه، ~~ويصح أن تكون «ماذا» اسما واحدا مركبا في موضع نصب. # قال قوم: هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعلى هذا نسخ منها ~~الوالدان، وقال السدي: نزلت قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية ~~الزكاة المفروضة، وقال ابن جريج وغيره: هي ندب، والزكاة غير هذا ~~الإنفاق، وعلى هذا لا نسخ فيها. # و { ما تفعلوا } جزم بالشرط، والجواب في الفاء، وظاهر الآية ~~الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازات، و { كتب }: معناه فرض ~~واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض ~~كفاية. # وقوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا... } الآية: قال قوم: ~~عسى من الله واجبة، والمعنى: عسى أن تكرهوا ms0134 ما في الجهاد ~~من المشقة، وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظهرون، وتغنمون، ~~وتؤجرون، ومن مات، مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة، وترك ~~القتال، وهو شر لكم في أنكم تغلبون، وتذلون، ويذهب أمركم. # قال: * ص *: قوله: { وعسى أن تحبوا شيئا } عسى هنا ~~للترجي، ومجيئها له كثير في كلام العرب، قالوا: وكل «عسى» في ~~القرآن للتحقيق، يعنون به الوقوع إلا قوله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم:5] انتهى. # وفي قوله تعالى: { والله يعلم... } الآية - قوة أمر. ### || [2.217-218] # وقوله تعالى: { يسئلونك عن الشهر الحرام... } الآية ~~نزلت في قصة عمرو بن الحضرمي، # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية عليها ~~عبد الله بن جحش الأسدي مقدمه من بدر الأولى، فلقوا ~~عمرو بن الحضرمي، ومعه عثمان بن عبد الله بن المغيرة، ~~وأخوه نوفل المخزوميان، والحكم بن كيسان في آخر يوم من ~~رجب على ما قاله ابن إسحاق، وقالوا: إن تركناهم اليوم، ~~دخلوا الحرم، فأزمعوا قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله ~~عمرو بن الحضرمي بسهم، فقتله، وأسر عثمان بن عبد ~~الله، والحكم، وفر نوفل، فأعجزهم، واستسهل المسلمون هذا في ~~الشهر الحرام؛ خوف فوتهم، فقالت قريش: محمد قد استحل الأشهر ~~الحرم، وعيروا بذلك، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ~~«ما أمرتكم بقتال في الأشهر الحرم» " # فنزلت هذه الآية، و { قتال } بدل اشتمال عند سيبويه. # وقال الفراء: هو مخفوض بتقدير «عن» وقرىء به، والشهر في ~~الآية اسم الجنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام ~~قواما تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دما، ولا تغير في الأشهر الحرم، ~~وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب، وروى جابر بن عبد ~~الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغزو فيها ~~إلا أن يغزى، فذلك قوله تعالى: { قل قتال فيه ~~كبير وصد }: مبتدأ مقطوع مما قبله، والخبر «أكبر»، ومعنى ~~الآية؛ على قول الجمهور: إنكم يا كفار قريش تستعظمون ~~علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من ~~الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام، ms0135 وكفركم بالله، ~~وإخراجكم أهل المسجد عنه؛ كما فعلتم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، أكبر جرما عند الله. # قال الزهري ومجاهد وغيرهما: قوله تعالى: { قل قتال فيه ~~كبير } منسوخ. # * ص *: وسبيل الله: دينه، و { المسجد }: قراءة الجمهور ~~بالخفض، قال المبرد، وتبعه ابن عطية وغيره: هو معطوف على { ~~سبيل الله }؛ ورد بأنه حينئذ يكون متعلقا ب «صد»، أي: ~~وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، فيلزم الفصل بين المصدر، ~~وهو «صد» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبي، وهو: «وكفر به»، ~~ولا يجوز. # وقيل: معطوف على ضمير «به»، أي: وكفر به، وبالمسجد؛ ~~ورد بأن فيه عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض؛ ولا يجوز ~~عند جمهور البصريين، وأجازه الكوفيون، ويونس، وأبو الحسن ~~والشلوبين، والمختار جوازه؛ لكثرته سماعا؛ ومنه قراءة حمزة: # تساءلون به والأرحام # [النساء:1] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيد يخرج الكلام عن ~~فصاحته. انتهى. # وقوله تعالى: { والفتنة أكبر من القتل }: المعنى عند ~~جمهور المفسرين: والفتنة التي كنتم تفتنون المسلمين عن دينهم ~~حتى يهلكوا أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام، وقيل: ~~المعنى والفتنة أشد من أن لو قتلوا ذلك المفتون. # وقوله تعالى: { ولا يزالون يقتلونكم حتى ~~يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } هو ابتداء خبر من ~~الله تعالى، وتحذير منه للمؤمنين. # وقوله تعالى: { ومن يرتدد } ، أي: يرجع عن الإسلام إلى الكفر؛ ~~عياذا بالله، قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد ثلاثة ~~أيام، فإن تاب، وإلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد، وأصحاب الرأي، ~~والشافعي في أحد قوليه، وفي قول له: يقتل دون استتابة، وحبط ~~العمل، إذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتد عند مالك والشافعي: ~~في بيت مال المسلمين. # وقوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا ~~وجهدوا في سبيل الله... } الآية: قال عروة بن الزبير ~~وغيره: لما عنف المسلمون عبد الله بن جحش وأصحابه، شق ذلك ~~عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقية في كل من فعل ~~ما ذكره الله عز وجل. # وهاجر الرجل، إذا انتقل نقلة إقامة من موضع ms0136 إلى موضع، وقصد ~~ترك الأول إيثارا للثاني، وهي مفاعلة من هجر، وجاهد مفاعلة ~~من جهد، إذا استخرج الجهد، و { يرجون }: معناه يطمعون ~~ويستقربون، والرجاء تنعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن ~~الخوف معه رجاء. # * ت *: والرجاء ما قارنه عمل، وإلا فهو أمنية. ### || [2.219-220] # قوله تعالى: { يسئلونك عن الخمر والميسر... } الآية: ~~السائلون هم المؤمنون، والخمر: مأخوذ من خمر، إذا ستر؛ ومنه: ~~خمار المرأة، والخمر: ما واراك من شجر وغيره، ومنه قول ~~الشاعر: [الوافر] # ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # ولما كانت الخمر تستر العقل، وتغطي عليه، سميت بذلك، وأجمعت ~~الأمة على تحريم خمر العنب، ووجوب الحد في القليل والكثير ~~منه، وجمهور الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب ~~محرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. # وروي أن هذه الآية أول تطرق إلى تحريم الخمر، ثم بعده: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى # [النساء:43] ثم { إنما يريد الشيطن أن يوقع ~~بينكم } إلى قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة:91] ثم قوله تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطن فاجتنبوه # [المائدة:90] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حرمت الخمر " # ، ولم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في حد الخمر إلا أنه ~~جلد أربعين، خرجه مسلم، وأبو داود، وروي عنه صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه ضرب فيها ضربا مشاعا، وحزره أبو بكر أربعين سوطا، ~~وعمل بذلك هو، ثم عمر ثم تهافت الناس فيها، فشدد عليهم الحد، ~~وجعله كأخف الحدود ثمانين؛ وبه قال مالك. # ويجتنب من المضروب: الوجه، والفرج، والقلب، والدماغ، ~~والخواصر؛ بإجماع. # قال ابن سيرين، والحسن، وابن عباس، وابن المسيب، وغيرهم: ~~كل قمار ميسر؛ من نرد وشطرنج، ونحوه، حتى لعب ~~الصبيان بالجوز. # * ت *: وعبارة الداوودي: وعن ابن عمر: الميسر القمار كله، ~~قال ابن عباس: كل ذلك قمار؛ حتى لعب الصبيان بالجوز، ~~والكعاب. انتهى. # وقوله تعالى: { قل فيهما إثم كبير ومنفع للناس... ~~} الآية: قال ابن عباس، والربيع: الإثم فيهما بعد التحريم، ~~والمنفعة قبله. # وقال مجاهد: ms0137 المنفعة بالخمر كسب أثمانها، وقيل: اللذة بها إلى ~~غير ذلك من أفراحها، ثم أعلم الله عز وجل؛ أن الإثم أكبر من ~~النفع، وأعود بالضرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم. # وقوله تعالى: { ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو } قال ~~جمهور العلماء: هذه نفقات التطوع، والعفو مأخوذ من عفا الشيء، ~~إذا كثر، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه ~~أنفسكم، فتكونوا عالة على الناس. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيت ~~لعلكم تتفكرون }: الإشارة إلى ما تقدم تبيينه من ~~الخمر والميسر، والإنفاق، وأخبر تعالى؛ أنه يبين للمؤمنين ~~الآيات التي تقودهم إلى الفكرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريق ~~النجاة لمن نفعته فكرته. # قال الداوودي: وعن ابن عباس: لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، ~~يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها. انتهى. # قال الغزالي - رحمه الله - تعالى: العاقل لا يغفل عن ~~ذكر الآخرة في لحظة؛ فإنها مصيره ومستقره، فيكون له في كل ما ~~يراه من ماء، أو نار، أو غيرهما عبرة؛ فإن نظر إلى سواد، ذكر ظلمة ~~اللحد، وإن نظر إلى صورة مروعة، تذكر منكرا ونكيرا ~~والزبانية، وإن سمع صوتا هائلا، تذكر نفخة الصور، وإن رأى ~~شيئا حسنا، تذكر نعيم الجنة، وإن سمع كلمة رد أو قبول، ~~تذكر ما ينكشف له من آخر أمره بعد الحساب؛ من رد أو قبول، ما ~~أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل، لا يصرفه عنه ~~إلا مهمات الدنيا، فإذا نسب مدة مقامه في الدنيا إلى مدة ~~مقامه في الآخرة، استحقر الدنيا إن لم يكن أغفل قلبه، وأعميت ~~بصيرته. # انتهى من «الإحياء». # وقوله تعالى: { ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير }: قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب: سبب الآية أن ~~المسلمين لما نزلت: # ولا تقربوا مال اليتيم # [الأنعام:152] و[الإسراء:34] ونزلت: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما # [النساء:10] تجنبوا اليتامى وأموالهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: { ~~وإن تخالطوهم فإخونكم... } الآية، وأمر الله سبحانه ~~نبيه؛ أن يجيب بأن من قصد الإصلاح في مال اليتيم، فهو خير، فرفع ~~تعالى ms0138 المشقة، وأباح الخلطة في ذلك إذا قصد الإصلاح، ورفق ~~اليتيم. # وقوله سبحانه: { والله يعلم المفسد من المصلح }: ~~تحذير. # وقوله تعالى: { ولو شآء الله لأعنتكم } ، أي: لأتعبكم في ~~تجنب أمر اليتامى، والعنت: المشقة، ومنه عقبة عنوت؛ ومنه: ~~عنت العزبة، و { عزيز }: مقتضاه لا يرد أمره، و { حكيم }: ~~أي: محكم ما ينفذه. ### || [2.221] # وقوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن } ~~ونكح: أصله في الجماع، ويستعمل في العقد تجوزا. # قالت طائفة: المشركات هنا: من يشرك مع الله إلها آخر. # وقال قتادة وابن جبير: الآية عامة في كل كافرة، وخصصتها آية ~~المائدة، ولم يتناول العموم قط الكتابيات، وقال ابن عباس، ~~والحسن: تناولهن العموم، ثم نسخت آية المائدة بعض العموم في ~~الكتابيات، وهو مذهب مالك - رحمه الله - ذكره ابن حبيب. # وقوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة... } ~~الآية. هذا إخبار من الله سبحانه أن المؤمنة المملوكة خير من ~~المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال، ولو أعجبتكم في الحسن وغير ~~ذلك، هذا قول الطبري وغيره. # وقوله سبحانه: { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا... } الآية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة ~~بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام. # قال بعض العلماء: إن الولاية في النكاح نص في هذه الآية، قلت: ~~ويعني ببعض العلماء محمد بن علي بن حسين، قاله ابن ~~العربي. انتهى. # ولعبد مؤمن مملوك خير من مشرك حسيب، ولو أعجبكم حسنه ~~وماله؛ حسبما تقدم. # قال: * ع *: وتحتمل الآية عندي أن يكون ذكر العبد والأمة عبارة ~~عن جميع الناس حرهم ومملوكهم؛ إذ هم كلهم عبيده سبحانه. # وقوله تعالى: { أولئك يدعون إلى النار } ، أي: بصحبتهم، ~~ومعاشرتهم، والانحطاط في كثير من أهوائهم، والله عز وجل ممن ~~بالهداية، ويبين الآيات، ويحض على الطاعات التي هي كلها دواع ~~إلى الجنة، والإذن: العلم والتمكين، فإن انضاف إلى ذلك أمر، ~~فهو أقوى من الإذن؛ لأنك إذا قلت: أذنت في كذا، فليس يلزمك ~~أنك أمرت، و { لعلهم }: ترج في حق البشر، ومن تذكر، عمل ~~حسب التذكر، فنجا. ### || [2.222] # قوله تعالى: { ويسئلونك ms0139 عن المحيض قل هو أذى } قال ~~الطبري عن السدي: إن السائل ثابت بن الدحداح، وقال ~~قتادة وغيره: إنما سألوه؛ لأن العرب في المدينة وما والاها، كانوا ~~قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مواكلة الحائض، ~~ومساكنتها، فنزلت الآية. # وقوله تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } يريد: ~~جماعهن بما فسر من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن ~~تشد الحائض إزارها، ثم شأنه بأعلاها. # قال أحمد بن نصر الداوودي: روي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " اتقوا النساء في المحيض؛ فإن الجذام يكون من ~~أولاد المحيض " # انتهى. # قوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ، وقرأ حمزة ~~وغيره «يطهرن»؛ بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكل واحدة من ~~القراءتين يحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها ~~انقطاع الدم، وزوال أذاه، قال ابن العربي في «أحكامه»: سمعت أبا ~~بكر الشاشي يقول: إذا قيل: لا تقرب؛ بفتح الراء، كان ~~معناه: لا تلتبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء، كان معناه لا تدن ~~منه. انتهى. # وجمهور العلماء على أن وطأها في الدم ذنب عظيم يتاب منه، ~~ولا كفارة فيه بمال، وجمهورهم على أن الطهر الذي يحل جماع ~~الحائض، هو بالماء؛ كطهر الجنب، ولا يجزىء من ذلك تيمم ولا ~~غيره. # وقوله تعالى: { فإذا تطهرن... } الآية: الخلاف فيها كما ~~تقدم، وقال مجاهد وجماعة: { تطهرن } ، أي: اغتسلن بالماء ~~بقرينة الأمر بالإتيان؛ لأن صيغة الأمر من الله تعالى لا تقع ~~إلا على الوجه الأكمل، و { فأتوهن }: أمر بعد الحظر يقتضي ~~الإباحة، والمعنى: من حيث أمركم الله باعتزالهن، وهو الفرج، أو ~~من السرة إلى الركبة؛ على الخلاف في ذلك، وقال ابن عباس: ~~المعنى: من قبل الطهر، لا من قبل الحيض، وقيل: المعنى من ~~قبل حال الإباحة، لا صائمات ولا محرمات، ولا غير ذلك، ~~والتوابون: الرجاعون، وعرفه من الشر إلى الخير، ~~والمتطهرون: قال عطاء وغيره: المعنى: بالماء، وقال مجاهد ~~وغيره: المعنى: من الذنوب. ### || [2.223] # وقوله تعالى: { نساؤكم حرث لكم... } الآية: مبيحة لهيئات ~~الإتيان كلها، إذا كان الوطء في موضع الحرث، ms0140 ولفظة «الحرث» تعطي ~~أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة؛ إذ هو المزدرع. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وفي سبب نزول هذه الآية روايات: # الأولى: عن جابر، قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة في ~~قبلها من دبرها، جاء الولد أحول، فنزلت الآية، وهذا ~~حديث صحيح خرجه الأئمة. # الثانية: قالت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: { نساؤكم حرث لكم }: قال: # " يأتيها مقبلة ومدبرة، إذا كان في صمام واحد ~~" # خرجه مسلم، وغيره. # الثالثة: ما روى الترمذي # " أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: هلكت، ~~قال: «وما أهلكك؟ قال: حولت البارحة رحلي، فلم ~~يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، حتى نزلت: ~~{ نسآؤكم حرث لكم } أقبل وأدبر، واتق ~~الدبر» " # انتهى. # قال: * ع *: و { أنى شئتم }: معناه عند جمهور العلماء: من أي ~~وجه شئتم؛ مقبلة، ومدبرة، وعلى جنب. قال: # * ع *: وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصنف ~~النسائي وفي غيره؛ أنه قال: # " إتيان النساء في أدبارهن حرام " # ، وورد عنه فيه، أنه قال: # " ملعون من أتى امرأة في دبرها " # ، وورد عنه، أنه قال: # " من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل ~~على قلب محمد " # ، وهذا هو الحق المتبع، ولا ينبغي لمؤمن بالله أن يعرج بهذه ~~النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، والله المرشد لا ~~رب غيره. # وقوله جلت قدرته: { وقدموا لأنفسكم }. # قال السدي: معناه: قدموا الأجر في تجنب ما نهيتم عنه، ~~وامتثال ما أمرتم به - { واتقوا الله }: تحذير - { ~~واعلموا أنكم ملقوه }: خبر يقتضي المبالغة في ~~التحذير، أي: فهو مجازيكم على البر والإثم { وبشر ~~المؤمنين }: تأنيس لفاعلي البر، ومتبعي سنن الهدى. ### || [2.224-225] # قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم... } ~~الآية: مقصد الآية: ولا تعرضوا اسم الله تعالى، فتكثروا الأيمان ~~به، فإن الحنث يقع مع الإكثار، وفيه قلة رعي لحق الله ~~تعالى. # وقال الزجاج وغيره: معنى الآية: أن يكون الإنسان، إذا طلب منه ~~فعل خير ونحوه، اعتل بالله، ms0141 وقال: علي يمين، وهو لم يحلف. # وقوله: { عرضة } ، قال ابن العربي في «أحكامه»: اعلم أن بناء ~~عرض في كلام العرب يتصرف على معان مرجعها إلى المنع؛ لأن ~~كل شيء عرض، فقد منع، ويقال لما عرض في السماء من السحاب ~~عارض؛ لأنه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدرين، والكواكب. انتهى. # و { أن تبروا }: مفعول من أجله، والبر: جميع وجوه البر، وهو ~~ضد الإثم - و { سميع } ، أي: لأقوال العباد - { عليم }: ~~بنياتهم، وهو مجاز على الجميع، واليمين: الحلف، وأصله أن ~~العرب كانت إذا تحالفت، أو تعاهدت، أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ~~ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. # وقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمنكم }: اللغو: سقط الكلام الذي لا حكم له. # قال ابن عباس، وعائشة، والشعبي، وأبو صالح، ومجاهد: لغو ~~اليمين: قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا ~~والله، وبلى والله، دون قصد لليمين، وقد أسنده البخاري عن ~~عائشة. # وقال أبو هريرة، والحسن، ومالك، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به ~~الرجل على يقينه، فكشف الغيب خلاف ذلك. # * ع *: وهذا اليقين هو غلبة الظن. # وقال زيد بن أسلم: لغو اليمين: هو دعاء الرجل على نفسه. # وقال الضحاك: هي اليمين المكفرة. # وحكى ابن عبد البر قولا؛ أن اللغو أيمان المكره. # قال: * ع *: وطريقة النظر أن تتأمل لفظة اللغو، ولفظة الكسب، ~~ويحكم موقعهما في اللغة، فكسب المرء ما قصده، ونواه، واللغو: ~~ما لم يتعمده، أو ما حقه لهجنته أن يسقط، فيقوى على هذه الطريقة ~~بعض الأقوال المتقدمة، ويضعف بعضها، وقد رفع الله عز وجل ~~المؤاخذة بالإطلاق في اللغو، فحقيقته: ما لا إثم فيه، ولا كفارة، ~~والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في الغموس المصبورة، ~~وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام ~~الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة؛ لأن المؤاخذة قد ~~وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة؛ بأنها في الآخرة فقط تحكم. # * ت *: والقول الأول أرجح، وعليه عول اللخمي وغيره. # وقوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }. # قال ابن عباس ms0142 وغيره: ما كسب القلب هي اليمين الكاذبة الغموس، فهذه ~~فيها المؤاخذة في الآخرة، أي: ولا تكفر. # * ع *: وسميت الغموس؛ لأنها غمست صاحبها في الإثم، و { ~~غفور حليم }: صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو ~~باب رفق وتوسعة. ### || [2.226-227] # وقوله تعالى: { للذين يؤلون من نسآئهم... } الآية: { ~~يؤلون }: معناه يحلفون، والإيلاء: اليمين. # واختلف من المراد بلزوم حكم الإيلاء. فقال مالك: هو الرجل ~~يغاضب امرأته، فيحلف بيمين يلحق عن الحنث فيها حكم ألا يطأها؛ ~~ضررا منه، أكثر من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إصلاح ولد رضيع ~~ونحوه، وقال به عطاء وغيره. # وقوله تعالى: { من نسآئهم } يدخل فيه الحرائر والإماء، إذا ~~تزوجن، والتربص: التأني والتأخر، وأربعة أشهر؛ عند مالك، ~~وغيره: للحر، وشهران: للعبد. # وقال الشافعي: هو كالحر، و { فآءو }: معناه: رجعوا؛ ومنه: # حتى تفيء إلى أمر الله # [الحجرات:9] أمر الله: قال الجمهور: وإذا فاء، كفر، والفيء؛ ~~عند مالك: لا يكون إلا بالوطء، أو بالتكفير في حال العذر. ### || [2.228] # قوله تعالى: { والمطلقت يتربصن بأنفسهن ~~ثلثة قروء } حكم هذه الآية قصد الاستبراء، لا أنه عبادة؛ ~~ولذلك خرجت منه من لم يبن بها؛ بخلاف عدة الوفاة التي هي ~~عبادة والقرء؛ في اللغة: الوقت المعتاد تردده، فالحيض ~~يسمى على هذا قرءا، وكذلك يسمى الطهر قرءا. # واختلف في المراد بالقروء هنا: فقال عمر وجماعة كثيرة: المراد ~~بالقروء، في الآية: الحيض، وقالت عائشة وجماعة من الصحابة، ~~والتابعين، ومن بعدهم: المراد: الأطهار، وهو قول مالك. # واختلف المتأولون في قوله: { ما خلق الله في أرحامهن ~~}. # فقال ابن عمر، ومجاهد، وغيرهما: هو الحيض، والحبل جميعا، ومعنى ~~النهي عن الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج في إلزامه ~~النفقة، وإذهاب حقه في الارتجاع، فأمرن بالصدق نفيا ~~وإثباتا، وقال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن ~~الحمل؛ ليلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. # وقال ابن عباس: إن المراد الحبل، والعموم راجح، وفي قوله ~~تعالى: { ولا يحل لهن } ما يقتضي أنهن مؤتمنات على ما ~~ذكر، ولو كان الاستقصاء مباحا، لم يمكن كتم. # وقوله سبحانه: ms0143 { إن كن يؤمن بالله... } الآية: أي: حق ~~الإيمان، وهذا كما تقول: إن كنت حرا، فانتصر، وأنت تخاطب ~~حرا، والبعل: الزوج، ونص الله تعالى بهذه الآية على أن ~~للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة، ما دامت في العدة، والإشارة ~~بذلك إلى المدة بشرط أن يريد الإصلاح، دون المضارة؛ كما ~~تشدد على النساء في كتم ما في أرحامهن، وقوله تعالى: { ولهن ~~مثل الذي عليهن... } الآية: تعم جميع حقوق الزوجية. # وقوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة } قال مجاهد: هو ~~تنبيه على فضل حظه على حظها في الميراث، وما أشبهه، وقال زيد بن ~~أسلم: ذلك في الطاعة؛ عليها أن تطيعه، وليس عليه أن يطيعها، ~~وقال ابن عباس: تلك الدرجة إشارة إلى حض الرجل على حسن ~~العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي: أن الأفضل ينبغي ~~أن يتحامل على نفسه، وهو قول حسن بارع. ### || [2.229] # وقوله تعالى: { الطلق مرتان... } الآية: قال عروة بن ~~الزبير وغيره: نزلت هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء ~~فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، وقال ابن عباس وغيره: المراد ~~بالآية التعريف بسنة الطلاق، وأن من طلق اثنتين، فليتق ~~الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، ~~وإما أمسكها محسنا عشرتها. # * ع *: والآية تتضمن هذين المعنيين. # * ص *: الطلاق: مبتدأ؛ على حذف مضاف، أي: عدد الطلاق، ومرتان: ~~خبره. انتهى. # والإمساك بالمعروف: هو الارتجاع بعد الثانية إلى حسن العشرة، ~~والتسريح: يحتمل لفظه معنيين: # أحدهما: تركها تتم العدة من الثانية، وتكون أملك بنفسها، وهذا قول ~~السدي، والضحاك. # والمعنى الآخر: أن يطلقها ثالثة، فيسرحها بذلك، وهذا قول مجاهد، ~~وعطاء، وغيرهما، وإمساك: مرتفع بالابتداء والخبر أمثل أو أحسن. # وقوله تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~ءاتيتموهن شيئا... } الآية: خطاب للأزواج، نهاهم به أن ~~يأخذوا من أزواجهم شيئا؛ على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا ~~يصح إلا بأن لا ينفرد الرجل بالضرر، وخص بالذكر ما آتى ~~الأزواج نساءهم؛ لأنه عرف الناس عند الشقاق والفساد أن يطلبوا ~~ما خرج من أيديهم، وحرم الله تعالى على ms0144 الزوج في هذه الآية ~~أن يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم ~~بالوعيد، وحدود الله في هذا الموضع هي ما يلزم الزوجين من ~~حسن العشرة، وحقوق العصمة. # وقوله تعالى: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله }: ~~المخاطبة للحكام والمتوسطين لهذا الأمر، وإن لم يكونوا حكاما، ~~وترك إقامة حدود الله: هو استخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء ~~طاعتها إياه؛ قاله ابن عباس، ومالك، وجمهور العلماء. # وقال الشعبي: { ألا يقيما حدود الله }: معناه: ألا ~~يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة. # وقوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } ~~إباحة للفدية، وشركها في ارتفاع الجناح؛ لأنها لا يجوز لها أن ~~تعطيه مالها حيث لا يجوز له أخذه، وهي تقدر على المخاصمة. # قال ابن عباس، وابن عمر، ومالك، وأبو حنيفة، وغيرهم: مباح ~~للزوج أن يأخذ من المرأة في الفدية جميع ما تملكه؛ وقضى بذلك ~~عمر بن الخطاب. # وقال طاوس، والزهري، والحسن، وغيرهم: لا يجوز له أن يزيد ~~على المهر الذي أعطاها، وقال ابن المسيب: لا أرى أن يأخذ منها ~~كل مالها، ولكن ليدع لها شيئا. # وقوله تعالى: { تلك حدود الله... } الآية: أي: هذه الأوامر ~~والنواهي، فلا تتجاوزوها، ثم توعد تعالى على تجاوز الحد ~~بقوله: { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظلمون } ، وهو كما قال صلى الله عليه وسلم: # " الظلم ظلمات يوم القيامة ". ### || [2.230-232] # قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد... } ~~الآية: قال ابن عباس وغيره: هو ابتداء الطلقة الثالثة؛ قال: * ع ~~*: فيجيء التسريح المتقدم ترك المرأة تتم، عدتها من الثانية، ~~وأجمعت الأمة في هذه النازلة على اتباع الحديث الصحيح # " في امرأة رفاعة، حين تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لعلك أردت الرجوع ~~إلى رفاعة، لا؛ حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي ~~عسيلته " # ؛ فرأى العلماء أنه لا يحلها إلا الوطء. وكلهم على أن مغيب ~~الحشفة يحل إلا الحسن بن أبي الحسن، قال: لا يحلها إلا ~~الإنزال، وهو ذوق العسيلة، والذي يحلها عند مالك النكاح ~~الصحيح، ms0145 والوطء المباح. # وقوله تعالى: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن ~~يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله... } الآية: ~~المعنى: فإن طلقها المتزوج الثاني، فلا جناح عليهما، أي: ~~المرأة والزوج الأول. قاله ابن عباس، ولا خلاف فيه، والظن هنا على ~~بابه من تغليب أحد الجائزين، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا. # وقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء... } الآية: خطاب ~~للرجال، نهي الرجل أن يطول العدة، مضارة لها؛ بأن يرتجع قرب ~~انقضائها، ثم يطلق بعد ذلك؛ قاله الضحاك وغيره، ولا خلاف فيه. # ومعنى: { بلغن أجلهن }: قاربن؛ لأنه بعد بلوغ الأجل لا ~~خيار له في الإمساك، ومعنى: أمسكوهن راجعوهن - و { بمعروف }: ~~قيل: هو الإشهاد - { ولا تمسكوهن } ، أي: لا تراجعوهن { ~~ضرارا } ، وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { ولا تتخذوا آيت الله هزوا... } الآية: ~~المراد بآياته النازلة في الأوامر والنواهي، وقال الحسن: نزلت ~~هذه الآية فيمن طلق لاعبا أو هازئا، أو راجع كذلك. # وقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، ~~والطلاق، والرجعة ". # ثم ذكر الله عباده بإنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسنة، ~~و { الحكمة }: هي السنة المبينة مراد الله سبحانه. # وقوله تعالى: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~فلا تعضلوهن... } الآية: خطاب للمؤمنين الذين منهم الأزواج، ~~ومنهم الأولياء؛ لأنهم المراد في تعضلوهن، وبلوغ الأجل في هذا ~~الموضع تناهيه؛ لأن المعنى يقتضي ذلك. # وقد قال بعض الناس في هذا المعنى: إن المراد ب { تعضلوهن ~~}: الأزواج؛ وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة؛ عضلا عن نكاح ~~الغير، فقوله: { أزوجهن }؛ على هذا، يعني به: الرجال؛ إذ ~~منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب { تعضلوهن } الأولياء، فالأزواج ~~هم الذين كن في عصمتهم. # «والعضل»: المنع وهو من معنى التضييق والتعسير؛ كما يقال: ~~أعضلت الدجاجة، إذا عسر بيضها، والداء العضال: العسير ~~البرء، وقيل: نزلت هذه الآية في معقل بن يسار، وأخته، لما ~~طلقها زوجها، وتمت عدتها، أراد ارتجاعها، فمنعه ولي ~~المرأة، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله، وأخته. # وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في إنكاح وليته، وقوله: { ~~بالمعروف }: معناه: ms0146 المهر، والإشهاد. # وقوله تعالى: { ذلك يوعظ به من كان منكم } خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم رجوع إلى خطاب الجماعة، والإشارة في { ~~ذلكم أزكى } إلى ترك العضل، و { أزكى... وأطهر }: ~~معناه: أطيب للنفس، وأطهر للعرض والدين؛ بسبب العلاقات التي ~~تكون بين الأزواج، وربما لم يعلمها الولي، فيؤدي العضل إلى ~~الفساد، والمخالطة؛ على ما لا ينبغي، والله تعالى يعلم من ذلك ~~ما لا يعلم البشر. ### || [2.233] # قوله تعالى: { والولدت يرضعن أولدهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } { يرضعن ~~أولدهن }: خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى ~~الندب لبعضهن، فيجب على الأم الإرضاع، إن كانت تحت أبيه، أو ~~رجعية، ولا مانع من علو قدر بغير أجر، وكذلك إن كان الأب ~~عديما، أو لم يقبل الولد غيرها. # وهذه الآيات في المطلقات جعلها الله حدا عند اختلاف الزوجين ~~في مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين، فذلك ~~له. # وقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } مبني على ~~أن الحولين ليسا بفرض، لا يتجاوز، وانتزع مالك - رحمه الله ~~- وجماعة من العلماء من هذه الآية؛ أن الرضاعة المحرمة الجارية ~~مجرى النسب، إنما هي ما كان في الحولين؛ لأن بانقضاء ~~الحولين، تمت الرضاعة، فلا رضاعة. # * ت *: فلو كان رضاعه بعد الحولين بمدة قريبة، وهو مستمر ~~الرضاع، أو بعد يومين من فصاله - اعتبر، إذ ما قارب الشيء فله ~~حكمه. انتهى. # وقوله تعالى: { وعلى المولود له رزقهن... } الاية: ~~المولود له: اسم جنس، وصنف من الرجال، والرزق في هذا الحكم: ~~الطعام الكافي. # وقوله: «بالمعروف» يجمع حسن القدر في الطعام، وجودة الأداء ~~له، وحسن الاقتضاء من المرأة. # ثم بين سبحانه؛ أن الإنفاق على قدر غنى الزوج بقوله: { لا ~~تكلف نفس إلا وسعها } ، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، ~~وأبان عن عاصم: «لا تضار والدة»؛ بضم الراء، وهو خبر، معناه ~~الأمر، ويحتمل أن يكون الأصل: لا تضارر؛ بكسر الراء الأولى، ~~ف «والدة» فاعلة، ويحتمل بفتح الراء الأولى، ف ~~«والدة»: مفعول لم يسم فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحد ms0147 في ~~الاحتمالين، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم: لا تضار؛ ~~بفتح الراء، وهذا على النهي، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى ~~الآية في كل قراءة: النهي عن الإضرار، ووجوه الضرر لا تنحصر، ~~وكل ما ذكر منها في التفاسير، فهو مثال. # * ت *: وفي الحديث: # " لا ضرر، ولا ضرار " # ، رواه مالك في «الموطإ» مرسلا. # قال النووي في «الحلية»: ورويناه في «سنن الدارقطني» ~~وغيره من طرق متصلا، وهو حسن انتهى. # وقوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال مالك، وجميع ~~أصحابه، والشعبي، والزهري، وجماعة من العلماء: المراد ~~بقوله: { مثل ذلك }: ألا يضار، وأما الرزق، والكسوة، ~~فلا شيء عليه منه، قال: * ع *: فالإجماع من الأمة في ألا ~~يضار الوارث، وإنما الخلاف، هل عليه رزق وكسوة أم لا؟ # وقوله تعالى: { فإن أرادا فصالا... } الآية: أي: فإن أراد ~~الوالدان، وفصالا: معناه: فطاما عن الرضاع. # وتحرير القول في هذا: أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما ~~وألا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامهما، فمن دعا إلى ~~الفصل، فذلك له إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر. # وقوله تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم } ~~مخاطبة لجميع الناس، يجمع الآباء والأمهات، أي: لهم اتخاذ ~~الظئر، مع الاتفاق على ذلك، وأما قوله: { إذا سلمتم } ، ~~فمخاطبة للرجال خاصة إلا على أحد التأويلين في قراءة من قرأ: ~~«أوتيتم»، وقرأ الستة من السبعة: «آتيتم»؛ بالمد؛ بمعنى ~~أعطيتم، وقرأ ابن كثير: «أتيتم»؛ بمعنى: فعلتم؛ كما قال ~~زهير: [الطويل] # وما كان من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثاني لقتادة، وهو ~~إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع، أي: سلم كل واحد من ~~الأبوين، ورضي، وكان ذلك على اتفاق منهما، وقصد خير، وإرادة ~~معروف، وعلى هذا الاحتمال يدخل النساء في الخطاب. # * ت *: وفي هذا التأويل تكلف. # وقال سفيان: المعنى: إذا سلمتم إلى المسترضعة، وهي الظئر ~~أجرها بالمعروف. # وباقي الآية أمر بالتقوى، وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل ~~عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي: فهو ms0148 مجاز بحسب عملكم. ### || [2.234] # وقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزوجا يتربصن بأنفسهن } هذه الآية في عدة ~~المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم، ومعناها الخصوص في الحرائر ~~غير الحوامل، ولم تعن الآية لما يشذ من مرتابة ونحوها، وعدة ~~الحامل: وضع حملها؛ عند الجمهور. # وروي عن علي، وابن عباس: أقصى الأجلين، ويتربصن: خبر ~~يتضمن معنى الأمر، والتربص: الصبر والتأني. # والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربص بإحداد، ~~وهو الامتناع عن الزينة، ولبس المصبوغ الجميل، والطيب، ونحوه، ~~والتزام المبيت في مسكنها؛ حيث كانت وقت وفاة الزوج، وهذا ~~قول جمهور العلماء، وهو قول مالك، وأصحابه، وجعل الله تعالى { ~~أربعة أشهر وعشرا } عبادة في العدة فيها استبراء ~~للحمل؛ إذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون، والأربعون؛ حسب الحديث ~~الذي رواه ابن مسعود وغيره، ثم ينفخ الروح، وجعل تعالى العشر ~~تكملة؛ إذ هي مظنة لظهور الحركة بالجنين، وذلك لنقص الشهور، ~~أو كمالها، أو لسرعة حركة الجنين، أو إبطائها. # قاله ابن المسيب، وغيره. # وقال تعالى: { وعشرا }؛ تغليبا لحكم الليالي، وقرأ ابن عباس: ~~«وعشر ليال»، قال جمهور العلماء: ويدخل في ذلك اليوم العاشر. # وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما ~~تعملون خبير }: { فيما فعلن }: يريد به التزوج، فما ~~دونه من زينة، واطراح الإحداد؛ قاله مجاهد وغيره، إذا كان ~~معروفا غير منكر. # قال: * ع *: ووجوه المنكر كثيرة، وقوله سبحانه: { والله بما ~~تعملون خبير } وعيد يتضمن التحذير، و { خبير }: اسم فاعل ~~من «خبر»، إذا تقصى علم الشيء. ### || [2.235] # وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء... } الآية: تصريح خطبة المعتدة حرام، ~~والتعريض جائز، وهو الكلام الذي لا تصريح فيه، { أو أكننتم }: ~~معناه: سترتم، وأخفيتم. # وقوله تعالى: { ستذكرونهن } قال الحسن: معناه: ~~ستخطبونهن، وقال غيره: معناه: علم الله أنكم ستذكرون النساء ~~المعتدات في نفوسكم وبألسنتكم، فنهى عن أن يوصل إلى التواعد ~~معهن. # * ع *: والسر، في اللغة: يقع على الوطء حلاله وحرامه، والآية ~~تعطي النهي عن أن يواعد الرجل المعتدة؛ أن ms0149 يطأها بعد العدة ~~بوجه التزويج، وقال ابن جبير: { سرا } ، أي: نكاحا، وهذه عبارة ~~مخلصة. # وأجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة. # وقوله تعالى: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } استثناء ~~منقطع، والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض؛ كقول الرجل: إنكم ~~لأكفاء كرام، وما قدر كان، ونحو هذا. # وقوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتب أجله }: عزم العقدة: عقدها بالإشهاد، والولي، ~~وحينئذ: تسمى عقدة. # * ت *: والظاهر أن العزم غير العقد، وقوله تعالى: { حتى ~~يبلغ الكتب أجله }: يريد تمام العدة، والكتاب هنا هو ~~الحد الذي جعل، والقدر الذي رسم من المدة، وقوله: { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه... } الآية: تحذير من الوقوع فيما نهى عنه، وتوقيف ~~على غفره وحلمه. ### || [2.236-237] # وقوله تعالى: { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة } هذا ابتداء ~~إخبار برفع الجناح عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض ~~مهرا أو لم يفرض، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن التزوج لمعنى الذوق، وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج، ~~طلبا للعصمة، والتماس ثواب الله، وقصد دوام الصحبة، ~~وقع في نفوس المؤمنين؛ أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من ~~هذا المكروه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، إذا كان أصل ~~النكاح على المقصد الحسن. # وقال قوم: { لا جناح عليكم }: معناه: لا طلب لجميع ~~المهر، بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم ~~يفرض لها، وفرض المهر: إثباته، وتحديده، وهذه الآية تعطي ~~جواز العقد على التفويض؛ لأنه نكاح مقرر في الآية، مبين ~~حكم الطلاق فيه؛ قاله مالك في «المدونة». # والفريضة: الصداق. # وقوله تعالى: { ومتعوهن }. أي: أعطوهن شيئا يكون متاعا ~~لهن، وحمله ابن عمر وغيره على الوجوب، وحمله مالك وغيره على ~~الندب، واختلف الناس في مقدار المتعة، قال الحسن: يمتع كل ~~على قدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة، وكذلك ~~يقول مالك. # وقوله تعالى: { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~}: دليل على رفض التحديد، والموسع: أي: من اتسع ms0150 حاله، والمقتر: ~~المقل القليل المال، و { متعا }: نصب على المصدر. # وقوله تعالى: { بالمعروف } ، أي: لا حمل فيه، ولا تكلف على أحد ~~الجانبين، فهو تأكيد لمعنى قوله: { على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره } ، ثم أكد تعالى الندب بقوله: { ~~حقا على المحسنين } ، أي: في هذه النازلة من التمتيع هم ~~محسنون، ومن قال؛ بأن المتعة واجبة، قال: هذا تأكيد للوجوب، أي: ~~على المحسنين بالإيمان والإسلام، و { حقا }: صفة لقوله تعالى: { ~~متعا }. # * ت *: وظاهر الآية عموم هذا الحكم في جميع المطلقات؛ كما هو ~~مذهب الشافعي، وأحمد، وأصحاب الرأي، والظاهر حمل المتعة على ~~الوجوب؛ لوجوه، منها: صيغة الأمر، ومنها: قوله: { حقا } ، ومنها: ~~لفظة «على»، ومنها: من جهة المعنى: ما يترتب على إمتاعها من ~~جبر القلوب، وربما أدى ترك ذلك إلى العداوة والبغضاء بين ~~المؤمنين، وقد مال بعض أئمتنا المتأخرين إلى الوجوب. انتهى. # وقوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن... } الآية: اختلف في هذه الآية، فقالت فرقة، فيها مالك: ~~إنها مخرجة للمطلقة بعد الفرض من حكم التمتيع؛ إذ ~~يتناولها. # قوله تعالى: { ومتعوهن }: وقال قتادة: نسخت هذه الآية ~~الآية التي قبلها، وقال ابن القاسم في «المدونة»: كان المتاع ~~لكل مطلقة؛ بقوله تعالى: # وللمطلقت متع بالمعروف # [البقرة:241]، ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة «الأحزاب»، ~~فاستثنى الله سبحانه المفروض لها قبل الدخول بهذه الآية، ~~وأثبت لها نصف ما فرض فقط، وزعم زيد بن أسلم؛ أنها منسوخة، ~~حكى ذلك في «المدونة» عن زيد بن أسلم زعما. # وقال ابن القاسم: إنها استثناء، والتحرير يرد ذلك إلى النسخ ~~الذي قال زيد؛ لأن ابن القاسم قال: إن قوله تعالى: # وللمطلقت متع # [البقرة:241] عم الجميع، ثم استثنى الله منه هذه التي فرض لها ~~قبل المسيس، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثور: المتعة لكل ~~مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما ~~فرض، أي: مع متعتها، وقرأ الجمهور: «فنصف»؛ بالرفع، والمعنى: ~~فالواجب نصف ما فرضتم. # وقوله تعالى: { إلا أن يعفون }: استثناء منقطع، و ~~«يعفون»: معناه: يتركن ويصفحن، أي: ms0151 يتركن النصف الذي وجب ~~لهن عند الزوج، وذلك إذا كانت المرأة تملك أمر نفسها. # واختلف في المراد بقوله تعالى: { أو يعفوا الذي بيده ~~عقدة النكاح }. # فقال ابن عباس، ومجاهد، ومالك، وغيرهم: هو الولي الذي ~~المرأة في حجره، وقالت فرقة: الذي بيده عقدة النكاح هو ~~الزوج، فعلى القول الأول: الندب في النصف الذي يجب للمرأة ~~إما أن تعفو هي، وإما أن يعفو وليها، وعلى القول الثاني: إما ~~أن تعفو هي أيضا؛ فلا تأخذ شيئا، وإما أن يعفو الزوج عن النصف ~~الذي يحط، فيؤدي جميع المهر، ثم خاطب تعالى الجميع؛ نادبا ~~بقوله: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ، أي: يا جميع ~~الناس، وقرأ علي بن أبي طالب. وغيره: «ولا تناسوا الفضل»، ~~وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس، لا نسيان إلا على ~~التشبيه. # وقوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل }: ندب إلى المجاملة. # وقوله: { إن الله بما تعملون بصير } خبر، وضمنه ~~الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن. ### || [2.238-239] # قوله تعالى: { حفظوا على الصلوت والصلوة ~~الوسطى... } الآية: الخطاب لجميع الأمة، والآية أمر بالمحافظة ~~على إقامة الصلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرج الطحاوي عن ~~ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره ~~مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله تعالى ~~ويدعوه، حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ~~نارا، فلما ارتفع عنه، أفاق، فقال: علام ~~جلدتني؟ قال: إنك صليت صلاة بغير طهور، ~~ومررت على مظلوم، فلم تنصره " # انتهى من «التذكرة» للقرطبي. # وفي الحديث: # " أن الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث، والركوع ~~ثلث، والسجود ثلث، فمن أداها بحقها، قبلت ~~منه، وقبل منه سائر عمله، ومن ردت عليه ~~صلاته، رد عليه سائر عمله " # رواه النسائي. انتهى من «الكوكب الدري». # وروى مالك في «الموطإ»، عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: # " بلغني أنه أول ما ينظر فيه من عمل العبد ~~الصلاة، فإن قبلت منه، نظر فيما بقي من ~~عمله، وإن لم تقبل منه، لم ينظر في شيء من ~~عمله " # قال أبو عمر بن عبد البر في ms0152 «التمهيد»: وقد روي هذا الحديث ~~مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه صحاح، ثم أسند أبو ~~عمر عن أنس بن حكيم الضبي، قال: قال لي أبو هريرة: إذا ~~أتيت أهل مصرك، فأخبرهم أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " «أول ما يحاسب به العبد المسلم صلاة ~~المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا، هل له ~~من تطوع، فإن كان له تطوع، أكملت الفريضة ~~من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة ~~مثل ذلك»، وفي رواية تميم الداري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ بهذا المعنى. # قال: «ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال ~~على حسب ذلك» " # انتهى. # وذكر الله سبحانه الصلاة الوسطى ثانية، وقد دخلت قبل ~~في عموم قوله: «الصلوات»؛ لأنه أراد تشريفها. # واختلف الناس في تعيينها. # فقال علي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة: إنها صلاة الصبح، ~~وهو قول مالك، وقالت فرقة: هي الظهر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: ~~هي صلاة العصر، وفي مصحف عائشة، وإملاء حفصة: «صلاة ~~العصر»؛ وعلى هذا القول جمهور العلماء، وبه أقول. # وقال قبيصة بن ذويب: هي صلاة المغرب، وحكى أبو عمر بن عبد ~~البر عن فرقة؛ أنها صلاة العشاء الآخرة، وقالت فرقة: الصلاة ~~الوسطى لم يعينها الله سبحانه، فهي في جملة الخمس غير معينة؛ ~~كليلة القدر، وقالت فرقة: هي صلاة الجمعة، وقال بعض العلماء: هي ~~الخمس، وقوله أولا: { على الصلوت } يعم النفل، والفرض، ثم ~~خص الفرض بالذكر. # وقوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } معناه في صلاتكم. # واختلف في معنى { قنتين }. # فقال الشعبي وغيره: معناه مطيعين، قال الضحاك: كل قنوت في ~~القرآن، فإنما يعنى به الطاعة، وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال ابن مسعود وغيره: القنوت: السكوت؛ وذلك أنهم ~~كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية، فأمروا بالسكوت، ~~وقال مجاهد: معنى { قنتين } خاشعين،، فالقنوت: طول الركوع ~~والخشوع، وغض البصر، وخفض الجناح، قال: * ع *: وإحضار ~~الخشية، والفكر في الوقوف بين يدي الله سبحانه، وقال ~~الربيع: القنوت: طول القيام، وطول الركوع. # وقال ms0153 قوم: القنوت: الدعاء، و { قنتين }: معناه داعين، روي ~~معناه عن ابن عباس. # وقول تعالى: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا... } الآية، ~~أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحالة قنوت، وهو الوقار ~~والسكينة، وهدوء الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن ~~والطمأنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخوف الطارئة أحيانا، فرخص ~~لعبيده في الصلاة { رجالا }: متصرفين على الأقدام، و { ركبانا ~~}: على الخيل والإبل ونحوهما؛ إيماء، وإشارة بالرأس؛ حيث ما توجه، ~~هذا قول جميع العلماء، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على ~~نفسه في حال المسايفة، أو من سبع يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سيل ~~يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه، فهو مبيح ما ~~تضمنته هذه الآية. # وأما صلاة الخوف بالإمام، وانقسام الناس، فليس حكمها في هذه ~~الآية، وسيأتي، إن شاء الله، في «سورة النساء». # والركبان: جمع راكب، وهذه الرخصة في ضمنها؛ بإجماع من ~~العلماء: أن يكون الإنسان حيث ما توجه ويتقلب ويتصرف بحسب نظره ~~في نجاة نفسه. # * ت *: وروى أبو داود في «سننه»، عن عبد الله بن أنيس، قال: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن ~~سفيان، وكان نحو عرنة وعرفات، قال: «اذهب ~~فاقتله»، فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: ~~إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر ~~الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماء ~~نحوه، فلما دنوت منه، قال لي: «من أنت»؟ قلت: ~~رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، ~~فجئتك في ذلك، قال: إني لفي ذلك، فمشيت معه ~~ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي؛ حتى برد ~~" # انتهى، وقد ترجم عليه «باب في صلاة الطالب». # قال: * ع *: واختلف الناس، كم يصلي من الركعات؟ والذي عليه مالك ~~وجماعة: أنه لا ينقص من عدد الركعات شيئا، فيصلي المسافر ركعتين. # واختلف المتأولون في قوله سبحانه: { فإذا أمنتم فاذكروا ~~الله... } الآية: فقالت فرقة: المعنى: إذا زال خوفكم، ~~فاذكروا الله سبحانه بالشكر على هذه النعمة، وقالت فرقة: اذكروا ~~الله، أي: صلوا كما علمتم صلاة تامة، يعني فيما يستقبل ms0154 من ~~الصلوات. ### || [2.240-242] # قوله تعالى: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزوجا وصية لأزواجهم متعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن ~~في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم }: { ~~الذين }: رفع بالابتداء، وخبره مضمر، تقديره: فعليهم وصية ~~لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود: كتب عليكم وصية، قالت فرقة: ~~كانت هذه وصية من الله تعالى تجب بعد وفاة الزوج، قال ~~قتادة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، لها السكنى والنفقة ~~حولا في مال الزوج، ما لم تخرج برأيها، ثم نسخ ما في هذه الآية ~~من النفقة بالربع أو بالثمن الذي في «سورة النساء»، ونسخ ~~سكنى الحول بالأربعة الأشهر والعشر، وقاله ابن عباس وغيره: و { ~~متعا } نصب على المصدر، وقوله تعالى: { غير إخراج }: ~~معناه: ليس لأولياء الميت، ووارثي المنزل إخراجها، وقوله تعالى: { ~~فإن خرجن... } الآية: معناه: إن الخروج، إذا كان من قبل ~~الزوجة، فلا جناح على أحد ولي أو حاكم، أو غيره فيما فعلن في ~~أنفسهن من تزويج وتزين، وترك إحداد، إذا كان ذلك من المعروف ~~الذي لا ينكر، وقوله تعالى: { والله عزيز حكيم }: صفة ~~تقتضي الوعيد بالنقمة لمن خالف الحد في هذه النازلة، وهذا كله ~~قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه. # وقوله تعالى: { وللمطلقت متع بالمعروف حقا ~~على المتقين * كذلك يبين الله لكم آيته ~~لعلكم تعقلون }: قال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية ~~في الثيبات اللواتي قد جومعن؛ إذ قد تقدم في غير هذه الآية ~~ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن. # وقال ابن زيد: هذه الآية نزلت مؤكدة لأمر المتعة؛ لأنه نزل قبل # حقا على المحسنين # [البقرة:236]، فقال رجل: فإن لم أرد أحسن، لم أمتع، ~~فنزلت { حقا على المتقين }. # قال الطبري: فوجب ذلك عليهم. ### || [2.243-245] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم ~~وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا... } ~~الآية: هذه رؤية القلب؛ بمعنى: ألم تعلم، وقصة هؤلاء فيما قال ~~الضحاك؛ أنهم قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا ~~الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ms0155 ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم ~~الله؛ ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم، وأمرهم ~~بالجهاد، بقوله: { وقتلوا في سبيل الله... } الآية. # وروى ابن جريج عن ابن عباس؛ أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا ~~أربعين ألفا، وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا، ثم أحيوا، وبقيت ~~الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم ~~الله بالجهاد ثانية، فذلك قوله: { وقتلوا في سبيل ~~الله }. # قال:* ع *: وهذا القصص كله لين الإسناد، وإنما اللازم من الآية ~~أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا ~~في عبارة التنبيه، والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم ~~فرارا من الموت، فأماتهم الله، ثم أحياهم؛ ليعلموا هم وكل من ~~خلف بعدهم؛ أن الإماتة إنما هي بإذن الله لا بيد غيره، فلا ~~معنى لخوف خائف، وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي ~~أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، هذا قول ~~الطبري، وهو ظاهر رصف الآية. # والجمهور على أن { ألوف } جمع ألف، وهو جمع كثرة، وقال ~~ابن زيد في لفظة { ألوف }: إنما معناها، وهم مؤتلفون. # وقوله تعالى: { إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون... } الآية: تنبيه على فضله سبحانه ~~على هؤلاء القوم الذين تفضل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألا ~~يجعلوا الحول والقوة إلا له سبحانه؛ حسبما أمر جميع العالم بذلك، ~~فلم يشكروا نعمته في جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم ~~وسعيهم ينجيهم، وهذه الآية تحذير لسائر الناس من مثل هذا ~~الفعل، أي: فيجب أن يشكر الناس فضله سبحانه؛ في إيجاده لهم، ~~ورزقه إياهم، وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم المبادرة إلى ~~امتثالها، لا طلب الخروج عنها، وفي تخصيصه تعالى: «الأكثر» ~~دلالة على أن الأقل الشاكر. # وقوله تعالى: { وقتلوا في سبيل الله... } الآية: ~~الجمهور أن هذه الآية مخاطبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال ~~في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا؛ ~~حسب الحديث. # وقال ابن عباس، والضحاك: الأمر ms0156 بالقتال هو للذين أحيوا ~~من بني إسرائيل، قال الطبري: ولا وجه لهذا القول، ثم قال تعالى: { ~~من ذا الذي يقرض الله... } الآية: فدخل في ذلك المقاتل في ~~سبيل الله، فإنه يقرض؛ رجاء ثواب الله؛ كما فعل عثمان في جيش ~~العسرة، ويروى أن هذه الآية، لما نزلت، # " قال أبو الدحداح: يا رسول الله، أو إن الله ~~يريد منا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح»، ~~قال: فإني قد أقرضته حائطي لحائط فيه ~~ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط، وفيه أم ~~الدحداح، فقال: اخرجي، فإني قد أقرضت ربي ~~حائطي هذا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول:«كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة» ~~". # واستدعاء القرض؛ في هذه الآية وغيرها؛ إنما هو تأنيس وتقريب ~~للأفهام، والله هو الغني الحميد. # قال ابن العربي في «أحكامه» وكنى الله عز وجل عن الفقير ~~بنفسه العلية ترغيبا في الصدقة؛ كما كنى عن المريض، ~~والجائع، والعاطش بنفسه المقدسة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن ~~آدم، مرضت، فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك، ~~وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي ~~فلانا مرض، فلم تعده، أما علمت أنك لو ~~عدته، لوجدتني عنده، يا ابن آدم، استطعمتك، ~~فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك، وأنت ~~رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك ~~عبدي فلان، فلم تطعمه، أما علمت أنك لو ~~أطعمته، لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم، ~~استسقيتك، فلم تسقني، قال: يا رب، كيف أسقيك، ~~وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان، ~~فلم تسقه، أما إنك لو سقيته، وجدت ذلك عندي ~~" # انتهى، واللفظ لصحيح مسلم، قال ابن العربي: وهذا كله خرج ~~مخرج التشريف لمن كني عنه، وترغيبا لمن خوطب انتهى. # وقوله: { حسنا }: معناه: تطيب فيه النية، ويشبه أيضا أن تكون ~~إشارة إلى كثرته وجودته. # وهذه الأضعاف الكثيرة إلى السبعمائة التي رويت، ويعطيها ~~مثال السنبلة. # * ت *: والحق الذي لا شك فيه وجوب الإيمان بما ذكر المولى ~~سبحانه، ولا سبيل إلى ms0157 التحديد؛ إلا أن يثبت في ذلك حديث صحيح، ~~فيصار إليه، وقد بين ذلك صلى الله عليه وسلم فيما خرجه مسلم، ~~والبخاري، انظره عند قوله تعالى: # كمثل حبة # [البقرة:261] # قال: * ع *: # " روي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه أن يسعر ~~بسبب غلاء خيف على المدينة، فقال: «إن الله هو ~~الباسط القابض، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا ~~يتبعني أحد بمظلمة في نفس؛ ولا مال» " # ، قال صاحب «سلاح المؤمن» عند شرحه لاسمه تعالى «القابض ~~الباسط»: قال بعض العلماء: يجب أن يقرن بين هذين الاسمين، ~~ولا يفصل بينهما؛ ليكون أنبأ عن القدرة، وأدل على الحكمة؛ كقوله ~~تعالى: { يقبض ويبسط } ، وإذا قلت: «القابض» مفردا، ~~فكأنك قصرت بالصفة على المنع والحرمان، وإذا جمعت أثبت ~~الصفتين؛ وكذلك القول في الخافض والرافع والمعز والمذل. ~~انتهى، وما ذكره عن بعض العلماء، هو كلام الإمام الفخر في شرحه ~~لأسماء الله الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن في هذين ~~الاسمين أن يقرن أحدهما في الذكر بالآخر؛ ليكون ذلك أدل على ~~القدرة والحكمة؛ ولهذا السبب قال الله تعالى: { والله يقبض ~~ويبسط } وإذا ذكرت «القابض» منفردا عن «الباسط»، كنت قد ~~وصفته بالمنع والحرمان، وذلك غير جائز، وقوله: «المعز المذل»، ~~وقد عرفت أنه يجب في أمثال هذين ذكر كل واحد منهما مع الآخر. ~~انتهى. ### || [2.246-248] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسرءيل من ~~بعد موسى... } الآية: هذه الآية خبر عن قوم من بني إسرائيل ~~نالتهم ذلة وغلبة عدو؛ فطلبوا الإذن في الجهاد، وأن يؤمروا ~~به، فلما أمروا، ركع أكثرهم، وصبر الأقل، فنصرهم الله، وفي ~~هذا كله مثال للمؤمنين؛ ليحذروا المكروه منه، ويقتدوا بالحسن. # و { الملأ }: في هذه الآية جميع القوم؛ لأن المعنى يقتضيه، وهو ~~أصل اللفظة، ويسمى الأشراف «الملأ»؛ تشبيها، و { من بعد موسى ~~}: معناه: من بعد موته، وانقضاء مدته. # وقوله تعالى: { لنبي لهم } ، قال ابن إسحاق وغيره: هو شمويل ~~بن بابل. # وقال السدي: هو شمعون، وكانت بنو إسرائيل تغلب من حاربها، ~~وروي أنها كانت تضع التابوت الذي فيه السكينة ms0158 والبقية في مأزق ~~الحرب، فلا تزال تغلب؛ حتى عصت، وظهرت فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم ~~الأنبياء، واتبعوا الشهوات، وقد كان الله تعالى أقام أمورهم؛ ~~بأن يكون أنبياؤهم يسددون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلط الله ~~عليهم أمما من الكفرة، فغلبوهم، وأخذ لهم التابوت في بعض ~~الحروب، فذل أمرهم. # وقال السدي: كان الغالب لهم «جالوت»، وهو من العمالقة، فلما ~~رأوا أنه الاصطلام، وذهاب الذكر، أنف بعضهم وتكلموا في ~~أمرهم؛ حتى اجتمع ملأهم على أن قالوا لنبي الوقت: { ابعث ~~لنا ملكا... } الآية، وإنما طلبوا ملكا يقوم بأمر القتال، ~~وكانت المملكة في سبط من أسباط بني إسرائيل يقال لهم: بنو ~~يهوذا، فعلم النبي بالوحي، أنه ليس في بيت المملكة من يقوم ~~بأمر الحرب، ويسر الله لذلك طالوت، وقرأ جمهور الناس: ~~«نقاتل»؛ بالنون وجزم اللام؛ على جواب الأمر، وأراد النبي المذكور ~~- عليه السلام - أن يتوثق منهم، فوقفهم على جهة التقرير، ~~وسبر ما عندهم بقوله: { هل عسيتم } ، ومعنى هذه المقالة، هل ~~أنتم قريب من التولي والفرار، إن كتب عليكم القتال. # * ص *: { لنبي } متعلق ب { قالوا } ، واللام معناها: ~~التبليغ. انتهى. # ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال، تولوا، أي: اضطربت ~~نياتهم، وفترت عزائمهم، إلا قليلا منهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة ~~المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات السعة، فإذا حضرت ~~الحرب، كعت، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~بقوله: # " لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله ~~العافية، فإذا لقيتموهم، فاثبتوا ". # ثم توعد سبحانه الظالمين في لفظ الخبر؛ بقوله: { والله عليم ~~بالظلمين }. # وقوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث ~~لكم طالوت ملكا... } الآية: قال وهب بن منبه: وكان ~~طالوت رجلا دباغا، وقال السدي: سقاء، وكان من سبط ~~«بنيامين»، وكان سبطا لا نبوة فيه، ولا ملك، ثم إن بني ~~إسرائيل تعنتوا، وحادوا عن أمر الله، وجروا على سننهم، ~~فقالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } ، أي: لم يؤت ~~مالا واسعا، يجمع به نفوس الرجال، ويغلب به أهل ms0159 الأنفة. # قال: * ع *: وترك القوم السبب الأقوى، وهو قدر الله ~~وقضاؤه السابق، وأنه مالك الملك؛ فاحتج عليهم نبيهم بالحجة ~~القاطعة، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت ببسطته في ~~العلم، وهو ملاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب، ~~وعدته عند اللقاء، و «اصطفى»: مأخوذ من الصفوة، والجمهور ~~على أن العلم في هذه الآية يراد به العموم في المعارف، وقيل: ~~المراد علم الحرب، وأما جسمه، فقال وهب بن منبه: إن ~~أطول رجل في بني إسرائيل كان يبلغ منكب طالوت. # * ت *: قال أبو عبيد الهروي: قوله: { وزاده بسطة في ~~العلم والجسم } ، أي: انبساطا وتوسعا في العلم، وطولا ~~وتماما في الجسم. انتهى من شرحه لغريبي القرآن وأحاديث النبي ~~عليه السلام. # ولما علم نبيهم - عليه السلام - تعنتهم وجدالهم، تمم كلامه ~~بالقطع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: { والله يؤتي ملكه ~~من يشآء } ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيهم - عليه السلام -، وذهب ~~بعض المتأولين إلى أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، والأول أظهر، و { وسع }: معناه: وسعت قدرته، وعلمه كل ~~شيء، وأما قول النبي لهم: { إن ءاية ملكه } ، فإن ~~الطبري ذهب إلى أن بني إسرائيل تعنتوا، وقالوا لنبيهم: وما آية ~~ملك طالوت؟ وذلك على جهة سؤال الدلالة على صدقه في قوله: إن ~~الله بعثه # قال: * ع *: ويحتمل أن نبيهم قال لهم ذلك على جهة التغليظ والتنبيه ~~على هذه النعمة التي قرنها بملك طالوت، دون تكذيب منهم ~~لنبيهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويل الطبري أشبه بأخلاق ~~بني إسرائيل الذميمة؛ فإنهم أهل تكذيب وتعنت واعوجاج. # وقد حكى الطبري معناه عن ابن عباس وغيره. # واختلف في كيفية إتيان التابوت، فقال وهب: لما صار التابوت عند ~~القوم الذين غلبوا بني إسرائيل، وضعوه في كنيسة لهم فيها ~~أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة، فجعلوه في قرية قوم، فأصاب ~~أولئك القوم أوجاع، فقالوا: ما هذا إلا لهذا التابوت، فلنرده ~~إلى بني إسرائيل، فأخذوا عجلة، فجعلوا التابوت عليها، ~~وربطوها ببقرتين، فأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني ms0160 إسرائيل، ~~فبعث الله ملائكة تسوق البقرتين؛ حتى دخلتا به على بني ~~إسرائيل، وهم في أمر طالوت، فأيقنوا بالنصر. # وقال قتادة، والربيع: كان هذا التابوت مما تركه موسى عند يوشع، ~~فجعله يوشع في البرية، ومرت عليه الدهور؛ حتى جاء وقت ~~طالوت، فحملته الملائكة في الهواء؛ حتى وضعته بينهم، فاستوثقت ~~بنو إسرائيل عند ذلك على طالوت، وقيل غير هذا، والله أعلم. # وقوله تعالى: { فيه سكينة من ربكم... } الآية: قال ابن ~~عباس: السكينة طست من ذهب من الجنة، وقال مجاهد: السكينة ~~لها رأس كرأس الهرة، وجناحان، وذنب. # وقال عطاء: السكينة ما يعرفون من الآيات، فيسكنون إليها، وقال ~~قتادة: { سكينة من ربكم } أي: وقار لكم من ربكم. قال: # * ع *: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء ~~وآثارهم، تسكن إلى ذلك النفوس، وتأنس به، ثم قرر تعالى؛ أن ~~مجيء التابوت آية لهم، إن كانوا ممن يؤمن ويبصر. # * ت *: وهذا يؤيد تأويل الطبري المتقدم. ### || [2.249-252] # وقوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجنود... } الآية، أي: ~~لما اتفق ملأهم على تمليك طالوت، وفصل بهم، أي: خرج بهم من القطر، ~~وفصل حال السفر من حال الإقامة. # قال السدي وغيره: وكانوا ثمانين ألفا، { قال إن الله ~~مبتليكم بنهر } أي: مختبركم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء، ~~علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء، وعصى الأمر، ~~فهو بالعصيان في الشدائد أحرى؛ ورخص للمطيعين في الغرفة؛ ليرتفع ~~عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسروا نزاع النفس في هذه ~~الحال. # * ت *: ولقد أحسن من شبه الدنيا بنهر طالوت، فمن اغترف ~~منها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعنيه من أمر آخرته، نجا، ~~ومن أكب عليها، صدته عن التأهب لآخرته، وقلت سلامته إلا أن ~~يتداركه الله. # قال ابن عباس: وهذا النهر بين الأردن وفلسطين، وقال ~~أيضا: هو نهر فلسطين. # قال: * ع *: وظاهر قول طالوت { إن الله مبتليكم }؛ أنه ~~بإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله إليه ~~طالوت، فجرب به جنده، وهذه النزعة واجب أن تقع ms0161 من كل متولي ~~حرب، فليس يحارب إلا بالجند المطيع، وبين أن الغرفة كافة ~~ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين هم في ~~غير الرفاهية، وقوله: { فليس مني } ، أي: ليس من أصحابي في هذه ~~الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من غشنا، فليس منا " # ، و # " من رمانا بالنبل، فليس منا " # ، و # " ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود ". # وفي قوله: { ومن لم يطعمه } سد الذرائع؛ لأن أدنى ~~الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم، فلا ~~سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم، ولهذه المبالغة لم ~~يأت الكلام: ومن لم يشرب منه. # * ص *: { إلا من اغترف غرفة بيده }: استثناء من ~~الجملة الأولى، وهو قوله: { فمن شرب منه فليس مني } ، ~~أي: إلا من اغترف غرفة بيده، دون الكرع، فهو مني، ~~والاستثناء إذا تعقب جملتين فأكثر، أمكن عوده إلى كل منها، ~~فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إلى الجميع. # وقال أبو البقاء: إن شئت، جعلته من «من» الأولى، وإن شئت ~~من «من» الثانية، وتعقب؛ بأنه لو كان استثناء من الثانية، ~~وهي: { ومن لم يطعمه فإنه مني } ، للزم أن يكون: ~~{ من اغترف غرفة } ليس منه؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، ~~ومن النفي إثبات؛ على الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه أبيح لهم الاغتراف، ~~والظاهر عوده إلى الأولى، والجملة الثانية مفهومة من الأولى، لأنه ~~حين ذكر أن من شربه، فليس منه، فهم من ذلك أن من لم يشرب منه، ~~فإنه منه. # انتهى. # ثم أخبر تعالى؛ أن الأكثر شرب، وخالف ما أريد منه، روي عن ابن ~~عباس وغيره؛ أن القوم شربوا على قدر يقينهم، فشرب الكفار شرب ~~الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ~~ألفا، وبقي بعض المؤمنين، لم يشرب شيئا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما ~~من شرب، فلم يرو، بل برح به العطش، وأما من ترك الماء، فحسنت ~~حاله، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. # وقوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه... ~~} الآية: أكثر ms0162 المفسرين على أنه إنما جاوز النهر من لم يشرب ~~إلا غرفة، ومن لم يشرب جملة، ثم كانت بصائر هؤلاء مختلفة؛ ~~فبعض كع، وقليل صمم، وهم عدة أهل بدر ثلاثمائة، ~~وبضعة عشر رجلا. # وقوله تعالى: { قالوا لا طاقة }. # قال ابن عباس: قال كثير من الأربعة الآلاف الباقية مع طالوت، ~~الذين جاوزوا النهر: { لا طاقة لنا } على جهة الفشل، والفزع ~~من الموت، وانصرفوا عن طالوت، فقال المؤمنون الموقنون بالبعث، ~~والرجوع إلى الله تعالى، وهم عدة أهل بدر: { كم من فئة ~~} ، والظن على هذا القول: اليقين، والفئة: الجماعة التي يرجع ~~إليها في الشدائد، وفي قولهم - رضي الله عنهم - { كم من فئة... ~~} الآية: تحريض بالمثال، وحض واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ~~ربه، { والله مع الصبرين } بنصره وتأييده. # وقوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ~~ربنا أفرغ علينا صبرا } { برزوا }: معناه صاروا في ~~البراز، وهو الأفيح من الأرض المتسع، والإفراغ: أعظم ~~الصب، وكان جالوت أمير العمالقة، وملكهم، وروي في قصة داود ~~وقتله جالوت؛ أن أصحاب طالوت كان فيهم إخوة داود، وهم بنو ~~أيش، وكان داود صغيرا يرعى غنما لأبيه، فلما حضرت الحرب، قال ~~في نفسه: لأذهبن لرؤية هذه الحرب، فلما نهض مر في طريقه بحجر، ~~فناداه: يا داود، خذني، فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر ~~آخر، ثم آخر، ثم آخر، فأخذها، وجعلها في مخلاته، وسار، ~~فلما حضر البأس، خرج جالوت يطلب مبارزا، فكع الناس ~~عنه؛ حتى قال طالوت: من برز له، ويقتله، فأنا أزوجه ~~ابنتي، وأحكمه في مالي، فجاء داود، فقال: أنا أبرز له، ~~وأقتله، فقال له طالوت: فاركب فرسي، وخذ سلاحي، ففعل، ~~وخرج في أحسن شكة، فلما مشى قليلا، رجع، فقال الناس: ~~جبن الفتى، فقال داود: إن الله سبحانه، إن لم يقتله ~~لي، ويعينني عليه، لم ينفعني هذا الفرس، ولا هذا السلاح، ~~ولكني أحب أن أقاتله على عادتي، قال: وكان داود من أرمى ~~الناس بالمقلاع، فنزل، وأخذ مخلاته، فتقلدها، وأخذ ~~مقلاعه، فخرج إلى جالوت، وهو شاك في السلاح، فقال له ~~جالوت: «أنت، يا فتى، ms0163 تخرج إلي». # قال: نعم، قال: هكذا؛ كما يخرج إلى الكلب، قال: نعم، وأنت ~~أهون، قال: لأطعمن اليوم لحمك الطير، والسباع، ~~ثم تدانيا، فأدار داود مقلاعه، وأدخل يده إلى ~~الحجارة، فروي أنها التأمت، فصارت واحدا، فأخذه، ووضعه ~~في المقلاع، وسمى الله، وأداره، ورماه، فأصاب به رأس ~~جالوت، فقتله، وحز رأسه، وجعله في مخلاته، واختلط ~~الناس، وحمل أصحاب طالوت، وكانت الهزيمة، ثم إن داود ~~جاء يطلب شرطه من طالوت، فقال له: إن بنات الملوك لهن ~~غرائب من المهر، ولا بد لك من قتل مائتين من هؤلاء ~~الجراجمة الذين يؤذون الناس، وتجيئني بغلفهم، وطمع ~~طالوت أن يعرض داود للقتل بهذه النزعة، فقتل داود ~~منهم مائتين، وجاء بذلك، وطلب امرأته، فدفعها إليه طالوت، ~~وعظم أمر داود، فيروى؛ أن طالوت تخلى له عن الملك، وصار ~~هو الملك، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية، وذلك كله لين ~~الأسانيد؛ فلذلك انتقيت منه ما تنفك به الآية، ويعلم به مناقل ~~النازلة. # وأما الحكمة التي آتاه الله، فهي النبوة، والزبور، وعلمه ~~سبحانه صنعة الدروع، ومنطق الطير، وغير ذلك من أنواع ~~علمه - صلى الله على نبينا وعليه . # وقوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض... } الآية: أخبر الله سبحانه في هذه الآية؛ أنه ~~لولا دفعه بالمؤمنين في صدور الكفرة على مر الدهر، لفسدت ~~الأرض؛ لأن الكفر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يخلي الزمان من ~~قائم بحق، وداع إلى الله إلى أن جعل ذلك في أمة محمد ~~إلى قيام الساعة له الحمد كثيرا. # * ص *: { ولكن } استدراك بإثبات الفضل لله سبحانه على جميع ~~العالمين؛ لما يتوهمه من يريد الفساد؛ أن الله غير متفضل عليه؛ ~~إذ لم يبلغه مقاصده؛ واحتيج إلى هذا التقدير؛ لأن «لكن» تكون ~~بين متنافيين بوجه ما. انتهى. # والإشارة ب { تلك } إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه ~~القصة بجملتها مثال عظيم للمؤمنين ومعتبر، وقد كان أصحاب نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم معدين لحرب الكفار، فلهم في هذه النازلة ~~معتبر يقتضي تقوية النفوس، والثقة بالله ms0164 سبحانه، وغير ذلك ~~من وجوه العبر. ### || [2.253-254] # قوله سبحانه: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض... } الآية: «تلك»: رفع بالابتداء، والرسل: خبره، ويجوز ~~أن يكون «الرسل» عطف بيان، و «فضلنا»: الخبر، و ~~«تلك»: إشارة إلى جماعة، ونص الله سبحانه في هذه الآية على ~~تفضيل بعض النبيين على بعض من غير تعيين. # وقوله تعالى: { ورفع بعضهم درجت }: # قال مجاهد وغيره: هي إشارة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنه بعث إلى الناس كافة، وأعطي الخمس التي لم يعطها ~~أحد قبله، وهو أعظم الناس أمة، وختم الله به النبوات إلى ~~غير ذلك مما أعطاه من الخلق العظيم، ومن معجزاته، وباهر ~~آياته، ويحتمل اللفظ أن يراد به نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم وغيره ممن عظمت آياته، وبينات عيسى عليه السلام ~~إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وخلق الطير من ~~الطين، وروح القدس جبريل عليه السلام وقد تقدم ما قال ~~العلماء فيه. # وقوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم... } الآية: معنى الآية: ولو شاء الله ما اقتتل الناس ~~بعد كل نبي، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر بغيا وحسدا، ~~وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء، وقدر، وإرادة من الله ~~سبحانه، ولو شاء الله خلاف ذلك، لكان، ولكنه المستأثر بسر ~~الحكمة في ذلك، وهو الفعال لما يريد سبحانه. # * ص *: { ولو شآء الله ما اقتتل } ، قيل: في الكلام حذف، ~~أي: فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء الله، فمفعول «شاء» ~~محذوف، أي: «ألا يقتتلوا» انتهى. # وقوله: { ما اقتتلوا } ، أي: بأن قاتل المؤمنون الكافرين ~~على مر الدهر، وذلك هو دفاع الله الناس بعضهم ببعض. # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما ~~رزقنكم... } الآية، قال ابن جريج: هذه الآية تجمع الزكاة ~~والتطوع، أي: وجميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم، وهذا كلام ~~صحيح، لكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال يرجح أن هذه ~~النفقة في سبيل الله، ويقوي ذلك قوله: { والكفرون هم ~~الظلمون } ، أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس، وإنفاق ~~الأموال مما رزقناكم، وهذا غاية الإنعام والتفضل منه ms0165 سبحانه؛ أن ~~رزق، ثم ندب للنفقة مما به أنعم، وحذر سبحانه من الإمساك إلى ~~أن يأتي يوم لا يمكن فيه بيع، ولا شراء، ولا استدراك نفقة في ~~ذات الله تعالى، إذ هي مبايعة إذ البيع فدية؛ لأن المرء قد ~~يشتري نفسه، ومراده بماله؛ فكأن معنى الآية أن لا فدية يوم ~~القيامة، ولا خلة نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليوم بينهم ~~خلة، ولكنه غير محتاج إليها. # * ت *: وفي قوله: «غير محتاج إليها» قلق، ولا شفاعة ~~يومئذ إلا لمن أذن له سبحانه، فالمنفي مثل حال الدنيا من ~~البيع، والخلة، والشفاعة؛ بغير إذن المشفوع عنده، قال عطاء ~~بن دينار: الحمد لله الذي قال: { والكفرون هم ~~الظلمون } ، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. ### || [2.255] # وقوله تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم... } الآية: هذه الآية سيدة آي القرآن، وورد في الحديث؛ # " أنها تعدل ثلث القرآن " # ، وورد # " أن من قرأها أول ليله، لم يقربه شيطان " # ؛ وكذلك من قرأها أول نهاره، وهي متضمنة التوحيد ~~والصفات العلا، وعن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لفاطمة: # " ما منعك أن تسمعي، ما أوصيتك به، تقولين، ~~إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم، ~~برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا ~~تكلني إلى نفسي طرفة عين " # ، رواه النسائي، واللفظ له، والحاكم في «المستدرك» على ~~الصحيحين، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلما. ~~انتهى من «السلاح». # وعن ابن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل ~~به هم أو غم، قال: # " يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، ورواه الترمذي من ~~حديث أنس، والنسائي من حديث ربيعة بن عامر، انتهى من ~~«السلاح». # والله: مبتدأ، ولا إله: مبتدأ ثان، وخبره محذوف، تقديره معبود ~~أو موجود، وقيوم: بناء مبالغة، أي: هو القائم على كل نفس بما ~~كسبت؛ بهذا المعنى فسره مجاهد، والربيع، والضحاك، ثم نفى ~~عز وجل؛ أن تأخذه سنة أو نوم، وفي لفظ: الأخذ غلبة ~~ما، فلذلك حسنت في ms0166 هذا الموضع بالنفي، والسنة: بدء ~~النعاس، وليس يفقد معه كل الذهن، والنوم هو المستثقل الذي ~~يزول معه الذهن، والمراد بالآية: التنزيه أنه سبحانه لا تدركه آفة، ~~ولا يلحقه خلل بحال من الأحوال، فجعلت هذه مثالا لذلك، وأقيم هذا ~~المذكور من الآفات مقام الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب؛ كما قال ~~تعالى: # فلا تقل لهما أف # [الإسراء:23]. # *ت *: وبيانه أنه إذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشتم، ~~والضرب في حق الأبوين، وروى أبو هريرة، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر، ~~قال: # " وقع في نفس موسى: هل ينام الله - جل ثناؤه - ~~فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا، ثم ~~أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره بأن ~~يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وتكاد يداه ~~تلتقيان، ثم يستيقظ، فيحبس إحداهما عن ~~الأخرى؛ حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، ~~فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلا أن ~~لو كان ينام، لم تستمسك السماء والأرض ". # قوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض } ، ~~أي: بالملك؛ فهو مالك الجميع، وربه، ثم قرر، ووقف تعالى من ~~يتعاطى أن يشفع إلا بإذنه، أي: بأمره. # * ص *: { من ذا الذي يشفع عنده }: «من»: مبتدأ، وهو ~~استفهام معناه النفي؛ ولذا دخلت «إلا» في قوله: { إلا ~~بإذنه } ، والخبر «ذا»، و «الذي» نعت ل «ذا» أو بدل منه، ~~وهذا على أن «ذا» اسم إشارة، وفيه بعد؛ لأن الجملة لم تستقل ~~ب «من» مع «ذا»، ولو كان خبرا، لاستقل، ولم يحتج إلى ~~الموصول، فالأولى أن «من» ركبت مع «ذا» للاستفهام. # انتهى. # قال مجاهد وغيره: { ما بين أيديهم }: الدنيا، { وما ~~خلفهم }: الآخرة، وهذا صحيح في نفسه عند موت الإنسان؛ لأن ما بين ~~اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه: هو كل ما يأتي بعده، { ~~ولا يحيطون بشيء من علمه } ، أي: من معلوماته؛ لأن ~~علم الله تعالى لا يتبعض، ومعنى الآية: لا معلوم لأحد إلا ~~ما شاء الله أن يعلمه، قال ابن عباس: كرسيه: علمه [قال] ~~الطبري: ومنه الكراسة. ms0167 # قال: * ع *: والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق عظيم بين ~~يدي العرش، والعرش أعظم منه؛ وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم ~~سبعة ألقيت في ترس " # وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ~~ألقيت في فلاة من الأرض " # وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله سبحانه، والمستفاد ~~من ذلك عظم قدرته جل وعلا ؛ إذ لا يؤوده حفظ هذه ~~المخلوقات العظيمة، { ولا يؤوده }: معناه: لا يثقله، ولا ~~يشق عليه، وهو تفسير ابن عباس وغيره، و { العلى }: يراد به ~~علو القدر، والمنزلة، لا علو المكان؛ لأن الله سبحانه ~~منزه عن التحيز؛ وكذا { العظيم }: هو صفة؛ بمعنى عظم ~~القدر، والخطر، لا على معنى عظم الأجرام، ومن «سلاح المؤمن» ~~قال: وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، ~~لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت " # رواه النسائي عن الحسين بن بشر عن محمد بن حمير، عن ~~محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، فأما الحسين، فقال ~~فيه النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة، وقال أبو ~~حاتم: شيخ، وأما المحمدان، فاحتج بهما البخاري في «صحيحه»، وقد ~~أخرج شيخنا الحافظ أبو محمد الدمياطي - رحمه الله - ~~الحديث في بعض تصانيفه من حديث أبي أمامة، وعلي، وعبد ~~الله بن عمر، والمغيرة، وجابر، وأنس، قال: وإذا ضمت هذه ~~الأحاديث بعضها إلى بعض، أخذت قوة. انتهى من «السلاح». # وقد أخرج البخاري والنسائي من حديث أبي هريرة في قصته مع ~~الشيطان وأخذه الطعام، ما هو معلوم من فضل هذه الآية. # وفيه: أنه إذا قرأتها حين تأوي إلى فراشك، لم يزل ~~عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان؛ حتى ~~تصبح، وخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب في قصته مع ~~الغول نحو حديث أبي هريرة؛ قال الغزالي ما معناه: إنما وصفت ~~بكونها سيدة آي القرآن؛ لاشتمالها على ms0168 اسم الله الأعظم، وهو الحي ~~القيوم؛ قاله في «الجواهر»، وأسند صاحب «غاية المغنم في اسم ~~الله الأعظم»، عن غالب القطان، قال: مكثت عشر سنين، ~~أدعو الله أن يعلمني اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، ~~وإذا سئل به أعطى، فأتاني آت في منامي ثلاث ليال ~~متواليات يقول: يا غالب قل: يا فارج الهم، ويا ~~كاشف الغم، يا صادق الوعد، يا موفيا بالعهد، يا ~~منجزا للوعد، يا حي يا قيوم، لا إله إلا ~~أنت. # انتهى من «غاية المغنم». ### || [2.256-257] # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي }: الدين، في هذه الآية: هو المعتقد، والملة، ومقتضى ~~قول زيد بن أسلم أن هذه الآية مكية، وأنها من آيات الموادعة ~~التي نسختها آية السيف، وقال قتادة والضحاك بن مزاحم: ~~هذه الآية محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية، ~~وقوله تعالى: { قد تبين الرشد من الغي }: معناه: بنصب ~~الأدلة، ووجود الرسول صلى الله عليه وسلم الداعي إلى الله، ~~والآيات المنيرة، والرشد: مصدر من قولك: رشد؛ بكسر الشين، ~~وضمها، يرشد رشدا، ورشدا، ورشادا، والغي مصدر من: ~~غوي يغوى، إذا ضل في معتقد، أو رأي، ولا يقال: الغي في ~~الضلال على الإطلاق، والطاغوت بناء مبالغة من: طغى يطغى، ~~واختلف في معنى الطاغوت، فقال عمر بن الخطاب وغيره: هو ~~الشيطان، وقيل: هو الساحر، وقيل: الكاهن، وقيل: الأصنام، ~~وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. # * ع *: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك؛ كفرعون ~~ونمروذ، وأما من لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتا في حق العبدة، ~~قال مجاهد: العروة الوثقى: الإيمان، وقال السدي: الإسلام، ~~وقال ابن جبير وغيره: لا إله إلا الله. # قال: * ع *: وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد. # والانفصام: الانكسار من غير بينونة، وقد يجيء بمعنى ~~البينونة، والقصم كسر بالبينونة. # * ت *: وفي «الموطإ» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن الوحي يأتيني أحيانا في مثل صلصلة ~~الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت ~~" # قال أبو عمر ms0169 في «التمهيد»: قوله: «فيفصم عني»: معناه: ينفرج ~~عني، ويذهب؛ كما تفصم الخلخال، إذا فتحته؛ لتخرجه من الرجل، ~~وكل عقدة حللتها، فقد فصمتها، قال الله عز وجل: { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } ، وانفصام ~~العروة أن تنفك عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب: أن تفك ~~الخلخال، ولا يبين كسره، فإذا كسرته، فقد قصمته بالقاف. انتهى. # ولما كان الإيمان مما ينطق به اللسان، ويعتقده القلب، حسن في ~~الصفات { سميع }: من أجل النطق، و { عليم } من أجل ~~المعتقد. # قوله سبحانه: { الله ولي الذين آمنوا... } الآية: الولي ~~من: ولي، فإذا لازم أحد أحدا بنصره، ووده، واهتباله، فهو ~~وليه؛ هذا عرفه لغة، ولفظ الآية مترتب في الناس جميعا، وذلك أن ~~من آمن منهم، فالله وليه، أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ~~ومن كفر بعد وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فشيطانه ~~ومغويه أخرجه من الإيمان؛ إذ هو معد وأهل للدخول فيه، ولفظ { ~~الطغوت } في هذه الآية يقتضي أنه اسم جنس؛ ولذلك قال: { ~~أولياؤهم }؛ بالجمع؛ إذ هي أنواع. ### || [2.258-259] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبرهيم في ~~ربه... } الآية: { ألم تر }: تنبيه، وهي رؤية القلب، ~~والذي حاج إبراهيم، هو نمروذ بن كنعان ملك ~~زمانه، وصاحب النار، والبعوضة، قاله مجاهد وغيره، قال قتادة: هو ~~أول من تجبر، وهو صاحب الصرح ببابل، قيل: إنه ملك ~~الدنيا بأجمعها، وهو أحد الكافرين، والآخر بخت نصر، ~~وقيل: إن النمروذ الذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن فالخ، ~~وفي قصص هذه المحاجة روايتان. # إحداهما: ذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر للناس ~~بالميرة، فكلما جاء قوم، قال: من ربكم وإلهكم، ~~فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم، وجاء إبراهيم - عليه السلام -، ~~يمتار، فقال له: من ربك وإلهك؟ قال إبراهيم: ~~ربي الذي يحيي ويميت، فلما سمعها نمروذ، ~~قال: أنا أحيي وأميت، فعارضه إبراهيم بأمر ~~الشمس؛ فبهت الذي كفر، وقال: لا تميروه، فرجع ~~إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيب ~~رمل؛ كالدقيق، فقال: لو ملأت غرارتي من هذا، ~~فإذا دخلت به، فرح ms0170 الصبيان؛ حتى أنظر لهما، ~~فذهب بذلك، فلما بلغ منزله، فرح الصبيان، ~~وجعلا يلعبان فوق الغرارتين، ونام هو من ~~الإعياء، فقالت امرأته: لو صنعت له طعاما ~~يجده حاضرا، إذا انتبه، ففتحت إحدى ~~الغرارتين، فوجدت أحسن ما يكون من الحواري، ~~فخبزته، فلما قام، وضعته بين يديه، فقال: ~~من أين هذا؟ قالت: من الدقيق الذي سقت، فعلم ~~إبراهيم؛ أن الله يسر لهم ذلك. # وقال الربيع وغيره في هذا القصص: إن النمروذ لما قال: أنا ~~أحيي وأميت، أحضر رجلين، فقتل أحدهما، ~~وأرسل الآخر، وقال: قد أحييت هذا، وأمت هذا، فرد ~~عليه إبراهيم بأمر الشمس. # والرواية الأخرى: ذكر السدي؛ أنه لما خرج إبراهيم من ~~النار، وأدخل على الملك، قال له: من ربك؟ قال: ربي ~~الذي يحيي ويميت. # يقال: بهت الرجل، إذا انقطع، وقامت عليه الحجة. # وقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظلمين }: ~~إخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى: لا يرشدهم في ~~حججهم على ظلمهم، وظاهر اللفظ العموم، ومعناه الخصوص؛ لأن الله ~~سبحانه قد يهدي بعض الظالمين بالتوبة والرجوع إلى الإيمان. # قوله تعالى: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~على عروشها... } الآية: عطفت «أو» في هذه الآية على المعنى ~~الذي هو التعجب في قوله: { ألم تر إلى الذي حاج }. # قال ابن عباس وغيره: الذي مر على القرية هو عزير، وقال ~~وهب بن منبه وغيره: هو أرميا، قال ابن إسحاق: أرميا هو ~~الخضر، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه. # واختلف في القرية، ما هي؟ فقيل: المؤتفكة، وقال زيد بن ~~أسلم: قرية الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف، وقال وهب بن ~~منبه، وقتادة، والضحاك، والربيع، وعكرمة هي بيت ~~المقدس، لما خربها بخت نصر البابلي، والعريش: سقف ~~البيت، قال السدي: يقول: هي ساقطة على سقفها، أي: سقطت ~~السقف، ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، ~~وخاوية: معناه: خالية؛ يقال: خوت الدار تخوي خواء ~~وخويا، ويقال: خويت، قال الطبري: والأول أفصح، قال:* ص *: { ~~وهي خاوية } في موضع الحال من فاعل «مر» أو من «قرية» ms0171 ~~و { على عروشها }: قيل: على بابها، والمعنى: خاوية من أهلها، ~~ثابتة على عروشها، والبيوت قائمة، والمجرور على هذا يتعلق ~~بمحذوف، وهو ثابتة، وقيل: يتعلق ب «خاوية» والمعنى: وقعت ~~جدراتها على سقوفها بعد سقوط السقوف. # انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحا في سورة الكهف، والله الموفق ~~بفضله. # وقوله: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها }: ظاهر ~~اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة أو سكان، فكأن هذا ~~تلهف من الواقف المعتبر على مدينة أحبته، ويحتمل أن يكون ~~سؤاله إنما كان عن إحياء الموتى، فضرب له المثل في نفسه، وحكى ~~الطبري عن بعضهم؛ أن هذا القول منه شك في قدرة الله على ~~الإحياء؛ قال: * ع *: والصواب ألا يتأول في الآية شك، وروي في قصص ~~هذه الآية؛ أن بني إسرائيل، لما أحدثوا الأحداث، بعث الله ~~عليهم بخت نصر، فقتلهم، وجلاهم من بيت المقدس، ~~وخربه، فلما ذهب عنه، جاء عزير أو أزميا، فوقف على ~~المدينة معتبرا، فقال: { أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها }؛ فأماته الله تعالى، وكان معه حمار قد ربطه بحبل ~~جديد، وكان معه سلة فيها تين هو طعامه، وقيل: تين وعنب، ~~وكانت معه ركوة من خمر، وقيل: من عصير، وقيل: قلة من ماء هي ~~شرابه، وبقي ميتا مائة عام، فروي أنه بلي، وتفرقت عظامه هو ~~وحماره، وروي أن الحمار بلي، وتفرقت أوصاله، دون عزير. # وقوله تعالى: { ثم بعثه }: معناه: أحياه، فسأله الله تعالى ~~بوساطة الملك، كم لبثت؛ على جهة التقرير، فقال: { لبثت ~~يوما أو بعض يوم } ، قال ابن جريج، وقتادة، والربيع: أماته ~~الله غدوة يوم، ثم بعثه قرب الغروب، فظن هو اليوم واحدا، ~~فقال: لبثت يوما، ثم رأى بقية من الشمس، فخشي أن يكون ~~كاذبا، فقال: { أو بعض يوم } ، فقيل له: { بل لبثت ~~مائة عام }. # وقوله تعالى: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~} ، أي: لم يتغير. # * ت *: قال البخاري في «جامعه»: { يتسنه }: يتغير. # وأما قوله تعالى: { وانظر إلى حمارك } ، فقال وهب بن ~~منبه وغيره: المعنى: انظر إلى اتصال عظامه، وإحيائه جزءا ~~جزءا، ويروى؛ أنه ms0172 أحياه الله كذلك؛ حتى صار عظاما ملتئمة، ~~ثم كساه لحما، حتى كمل حمارا، ثم جاء ملك، فنفخ في أنفه ~~الروح، فقام الحمار ينهق. # وروي عن الضحاك، ووهب بن منبه أيضا؛ أنهما قالا: بل ~~قيل له: وانظر إلى حمارك قائما في مربطه، لم يصبه شيء مائة ~~سنة، قالا: وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه، وأعمى ~~الله العيون عنه، وعن حماره طول هذه المدة، وكثر أهل ~~القصص في صورة هذه النازلة تكثيرا اختصرته، لعدم صحته. # وقوله تعالى: { ولنجعلك ءاية للناس } ، # قال: * ع *: وفي إماتته هذه المدة، ثم إحيائه - أعظم آية، ~~وأمره كله آية للناس غابر الدهر. # * ت *: قال ابن هشام: لا يصح انتصاب «مائة» ب «أماته»؛ ~~لأن الإماتة سلب الحياة، وهي لا تمتد، وإنما الوجه أن يضمن ~~«أماته» معنى «ألبثه»، فكأنه قيل: فألبثه الله بالموت ~~مائة عام؛ وحينئذ يتعلق به الظرف. انتهى من «المغني». # ومعنى «ننشرها»، أي: نحييها، وقرأ حمزة وغيره: «ننشزها» ~~ومعناه: نرفعها، أي: ارتفاعا قليلا قليلا؛ فكأنه وقف على نبات ~~العظام الرفات، وقال النقاش: ننشزها: معناه: ننبتها، ~~ومن ذلك: نشز ناب البعير. # وقوله تعالى: { فلما تبين له قال أعلم }: المعنى: قال ~~هو: أعلم أن الله على كل شيء قدير، وهذا عندي ليس ~~بإقرار بما كان قبل ينكره؛ كما زعم الطبري، بل هو قول ~~بعثه الاعتبار؛ كما يقول الإنسان المؤمن، إذا رأى شيئا غريبا ~~من قدرة الله: لا إله إلا الله، ونحو هذا. # وأما قراءة حمزة والكسائي: «قال اعلم» موصولة الألف، ساكنة ~~الميم، فتحتمل وجهين: # أحدهما: قال الملك له: اعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمش: «قيل ~~اعلم». # والوجه الثاني: أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي ~~المنفصل، أي: قال لنفسه: اعلم، وأمثلة هذا كثيرة. ### || [2.260] # قوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم رب أرني كيف تحي ~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى... } الآية: قال جمهور ~~العلماء: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن شاكا في إحياء الله ~~الموتى قط، وإنما طلب المعاينة، وأما قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم ms0173 " # فمعناه: أن لو كان شك، لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشك، ~~فإبراهيم - عليه السلام - أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على ~~نفي الشك عن إبراهيم، والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " ذلك محض الإيمان " # ؛ إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشك، فهو ~~توقف بين أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن ~~الخليل صلى الله عليه وسلم. # وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم أعلم ~~بذلك؛ يدلك على ذلك قوله: # ربي الذي يحيي ويميت # [البقرة:258]، والشك يبعد على من ثبت قدمه في الإيمان فقط، ~~فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر، ومن ~~الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا، وإذا تأملت سؤاله - عليه السلام ~~- وسائر ألفاظ الآية، لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام ب ~~«كيف»، إنما هو عن حال شيء موجود، ومتقرر الوجود عند السائل ~~والمسئول؛ نحو قولك: كيف علم زيد، وكيف نسج الثوب؟ ~~ف «كيف» في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، ~~والإحياء متقرر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبر عن ~~إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ~~ذلك؛ أن الشيء في نفسه لا يصح؛ مثال ذلك: أن يقول مدع: أنا ~~أرفع هذا الجبل، فيقول المكذب: كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في ~~العبارة، ومعناها: تسليم جدلي؛ كأنه يقول: افرض أنك ترفعه، ~~أرني كيف، فلما كان في عبارة الخليل صلى الله عليه وسلم ~~هذا الاشتراك المجازي، خلص الله سبحانه ذلك، وحمله على أن ~~يبين الحقيقة، فقال له: { أولم تؤمن قال بلى } فكمل الأمر، ~~وتخلص من كل شك، ثم علل - عليه السلام - سؤاله بالطمأنينة. # * ت *: قال الداوودي: وعن ابن جبير: { أولم تؤمن } ~~بالخلة، قال مجاهد، والنخعي: { ولكن ليطمئن ~~قلبي } ، أي: أزداد إيمانا إلى إيماني، وعن قتادة: لأزداد يقينا. ~~انتهى. # قال: * ع *: وقوله تعالى: { أولم تؤمن } معناه: إيمانا مطلقا ~~دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو: واو حال دخلت عليها ألف ~~التقرير، وقال: * ص ms0174 *: الهمزة في { أولم تؤمن } للتقرير؛ كقوله ~~تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح:1]؛ وكقوله [الوافر] # ألستم خير من ركب المطايا # ...................... # أي: قد شرحنا لك صدرك، وأنتم خير. # وقول ابن عطية: «الواو للحال، دخلت عليها ألف التقرير»: ~~متعقب، والظاهر أن التقرير منسحب على الجملة المنفية فقط، وأن ~~الواو للعطف. انتهى. # { وليطمئن }: معناه: ليسكن، فطمأنينة القلب هي أن ~~تسكن فكره في الشيء المعتقد، والفكر في صورة الإحياء ~~غير محظورة؛ كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها، بل هي فكر، فيها ~~عبر، فأراد الخليل؛ أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء؛ إذ ~~حركه إلى ذلك، إما الدابة المأكولة في تأويل، وإما قول ~~النمروذ: أنا أحيي وأميت في تأويل آخر، وروي أن الأربعة ~~التي أخذ إبراهيم - عليه السلام - هي الديك، والطاوس، ~~والحمام، والغراب، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: مكان الغراب ~~الكركي، فروي أنه أخذها - عليه السلام - حسب ما أمر، وذكاها، ثم ~~قطعها قطعا قطعا صغارا، وجمع ذلك مع الدم والريش، ثم جعل من ~~ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى ~~تلك الأجزاء، وأمسك رءوس الطير في يده، ثم قال: تعالين؛ ~~بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء، وطار الدم إلى الدم، والريش ~~إلى الريش؛ حتى التأمت؛ كما كانت أولا، وبقيت بلا رءوس، ثم كرر ~~النداء، فجاءته سعيا؛ حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارت بإذن الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: { فصرهن } ، يقال: صرت الشيء، أصوره، ~~بمعنى: قطعته، ويقال أيضا: صرت الشيء، بمعنى: أملته، وقد ~~تأول المفسرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالة، وقد قال ابن ~~عباس وغيره في هذه الآية: «صرهن»: معناه: قطعهن، وقال ~~قتادة: صرهن: فصلهن، وقال عطاء بن أبي رباح: صرهن: ~~اضممهن، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن، وعن ابن عباس أيضا: ~~أوثقهن. # وقرأ قوم: «فصرهن»؛ بضم الصاد، وشد الراء؛ كأنه يقول: ~~فشدهن؛ ومنه: صرة الدنانير. ### || [2.261-264] # قوله تعالى: { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشآء ~~والله وسع عليم ms0175 } في الآية بيان شرف النفقة في سبيل ~~الله، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآية في نفقة ~~التطوع، وسبل الله كثيرة، وهي جميع ما هو طاعة، وعائد بمنفعة ~~على المسلمين، وعلى الملة وأشهرها وأعظمها غناء الجهاد؛ لتكون ~~كلمة الله هي العليا، والحبة: اسم جنس لكل ما يزرعه ابن آدم، ~~وأشهر ذلك البر، وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في ~~سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القرآن؛ بأن الحسنة بعشر أمثالها؛ واقتضت ~~الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، وبين ذلك ~~الحديث الصحيح، واختلف في معنى قوله سبحانه: { والله يضعف ~~لمن يشاء } ، فقيل: هي مبينة، ومؤكدة لما تقدم من ذكر ~~السبعمائة، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام من الله ~~تعالى؛ بأنه يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. # * ت *: وأرجح الأقوال عندي قول هذه الطائفة، وفي الحديث الصحيح ~~عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ~~ربه تبارك وتعالى، قال: # " إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم ~~بين ذلك، فمن هم بحسنة، فلم يعملها، كتبها ~~الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها، ~~كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ~~ضعف إلى أضعاف كثيرة... " # الحديث، رواه مسلم والبخاري بهذه الحروف. انتهى. # وقال ابن عمر: لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " «رب، زد أمتي»، فنزلت: { من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا... } ، [البقرة:245] الآية، فقال: «رب، ~~زد أمتي»، فنزلت: { إنما يوفى الصبرون ~~أجرهم بغير حساب } [الزمر:10] ". # وفي الآية حذف مضاف، تقديره مثل إنفاق الذين، وكمثل ذي ~~حبة، وقوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } ، لما تقدم في الآية التي قبلها ذكر فضل ~~الإنفاق في سبيل الله على العموم، بين أن ذلك إنما هو ~~لمن لم يتبع إنفاقه منا ولا أذى، وذلك أن المنفق في ~~سبيل الله، إنما يريد وجه الله ms0176 تعالى، ورجاء ثوابه، وأما من أراد ~~من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه ~~الله تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه ظنه، من بالإنفاق ~~وآذى، إذ لم يكن إنفاقه مخلصا لوجه الله، فالمن والأذى ~~مبطلان للصدقة، وهما كاشفان لمقاصد المنفقين، والمن: ذكر ~~النعمة؛ على معنى التعديد لها، والتقريع بها، والأذى: السب ~~والتشكي، وهو أعم من المن، لأن المن جزء من الأذى، ولكنه ~~نص عليه؛ لكثرة وقوعه، وقال زيد بن أسلم: لئن ظننت أن ~~سلامك يثقل على من أنفقت عليه، تريد وجه الله، فلا ~~تسلم عليه، وقالت له امرأة: «يا أبا أسامة، دلني على ~~رجل يخرج في سبيل الله حقا؛ فإنهم إنما يخرجون؛ ليأكلوا ~~الفواكه، فإن عندي أسهما وجعبة، فقال لها: لا بارك ~~الله في أسهمك وجعبتك، فقد آذيتهم قبل أن ~~تعطيهم». # وتضمن الله الأجر للمنفق في سبيل الله، والأجر: ~~الجنة، ونفى عنه الخوف لما يستقبل، والحزن على ما سلف من ~~دنياه؛ لأنه يغتبط بآخرته. # * ت *: ومما جاء من صحيح الآثار في هذا الباب ما رواه مالك في ~~«الموطإ»، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن ~~أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من ~~أبواب الجنة، يا عبد الله، هذا خير، فمن كان ~~من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان ~~من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من ~~أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من ~~أهل الصيام، دعي من باب الريان، فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه ~~الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه ~~الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم " # ، قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: في هذا الحديث من الفقه: ~~[والفضائل] الحض على الإنفاق في سبل الخير، ومعنى زوجين، أي: ~~شيئين من نوع واحد؛ نحو درهمين، أو دينارين، أو فرسين، أو ~~قميصين، هكذا قال أهل العلم، ms0177 وفيه: أن من أكثر من شيء، عرف ~~به، ونسب إليه؛ ألا ترى إلى قوله: «فمن كان من أهل ~~الصلاة»، يريد: من أكثر منها، فنسب إليها؛ لأن الجميع من أهل ~~الصلاة؛ وكذلك: من أكثر من الجهاد، ومن الصيام على هذا المعنى، ~~والريان: فعلان من الري، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب: ~~إعطاؤه ثواب العاملين تلك الأعمال، ونيله ذلك، والله أعلم، ~~وفيه: أن للجنة أبوابا، يعني: متعددة بحسب الأعمال. انتهى. # وروى ابن أبي شيبة في «مسنده»، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن لكل أهل عمل بابا من أبواب الجنة ~~يدعون فيه بذلك العمل " # هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري». انتهى. # قوله تعالى: { قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى }: هذا إخبار، جزم من الله تعالى أن القول ~~المعروف؛ وهو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله - خير من ~~صدقة، هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لا شيء؛ لأن ذلك القول ~~المعروف فيه أجر، وهذه لا أجر فيها، والمغفرة: الستر للخلة، ~~وسوء حالة المحتاج؛ ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما ~~بكلام فصيح، فقال له قائل: ممن الرجل؟ فقال: «اللهم ~~غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب». # وقال النقاش يقال: معناه: ومغفرة للسائل إن أغلظ أو جفا، إذا ~~حرم. # ثم أخبر تعالى بغناه عن صدقة من هذه حاله، وحلمه عمن يقع ~~منه هذا وإمهاله. # وحدث [ابن] الجوزي في «صفوة الصفوة» بسنده إلى حارثة ~~بن النعمان الصحابي - رضي الله عنه - قال، لما كف بصره، ~~جعل خيطا في مصلاه إلى باب حجرته، ووضع عنده مكتلا فيه ~~تمر وغير ذلك، فكان إذا سأل المسكين أخذ من ذلك التمر، ثم أخذ ~~من ذلك الخيط؛ حتى يأخذ إلى باب الحجرة، فيناوله المسكين، ~~فكان أهله يقولون: نحن نكفيك، فيقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن مناولة المسكين تقي ميتة السوء " # انتهى. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا ~~صدقتكم بالمن والأذى... } الآية. العقيدة أن السيئات ~~لا تبطل الحسنات، فقال جمهور العلماء في هذه الآية: إن ms0178 الصدقة ~~التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن بها أو يؤذي؛ فإنها لا تتقبل ~~صدقة، وقيل: بل يجعل الله للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها، ~~قال: * ع *: وهذا حسن؛ لأن المان المؤذي لم تكن نيته خالصة ~~لله سبحانه، فلم تترتب له صدقة، فهذا هو البطلان بالمن ~~والأذى، وهما لا يبطلان صدقة غيرها سالمة النية. # ثم مثل الله سبحانه هذا الذي يمن ويؤذي بحسب مقدمه نيته؛ ~~بالذي ينفق رياء، لا لوجه الله، والرياء: مصدر من «فاعل» من ~~الرؤية: كأن الرياء تظاهر، وتفاخر بين من لا خير فيه من الناس. # قال المهدوي: والتقدير: كإبطال الذي ينفق رياء. # وقوله تعالى: { ولا يؤمن بالله واليوم الأخر } يحتمل ~~أن يريد الكافر أو المنافق؛ إذ كل منهما ينفق؛ ليقال: جواد، ثم ~~مثل سبحانه هذا المنفق رياء بصفوان عليه تراب، فيظنه ~~الظان أرضا منبتة طيبة؛ كما يظن قوم أن صدقة هذا المرائي ~~لها قدر، أو معنى، فإذا أصاب الصفوان وابل من المطر، ~~انكشف ذلك التراب، وبقي صلدا، فكذلك هذا المرائي، إذا كان يوم ~~القيامة، وحضرت الأعمال، انكشف سره، وظهر أنه لا قدر لصدقاته، ~~ولا معنى، والصفوان: الحجر الكبير الأملس، والوابل: ~~الكثير القوي من المطر وهو الذي يسيل وجه الأرض، ~~والصلد من الحجارة: الأملس الصلب الذي لا شيء فيه، ويستعار ~~للرأس الذي لا شعر فيه. # وقوله تعالى: { لا يقدرون } يريد: الذين يتفقون رياء، أي لا ~~يقدرون على الانتفاع بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كسبهم. # وقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكفرين } إما ~~عموم يراد به الخصوص، ويحتمل لا يهديهم في كفرهم؛ إذ هو ضلال ~~محض، ويحتمل: لا يهديهم في صدقاتهم، وأعمالهم، وهم على الكفر. ### || [2.265-266] # وقوله تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء ~~مرضات الله... } الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ~~ذكر نقيض ما يتقدم ذكره؛ ليتبين حال التضاد بعرضها على الذهن، ~~ولما ذكر الله صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم، ونهى ~~المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقب في هذه الآية ~~بذكر نفقات القوم ms0179 الذين بذلوا صدقاتهم على وجهها في الشرع، ~~فضرب لها مثلا، وتقدير الكلام: ومثل نفقة الذين ينفقون كمثل ~~غارس جنة، أو تقدر الإضمار في آخر الكلام، دون إضمار في أوله؛ ~~كأنه قال: كمثل غارس جنة - وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في ~~موضع الحال - وتثبيتا: مصدر، ومرضاة: مصدر من: رضي. # قال: * ص *: { ابتغاء مرضات الله وتثبيتا } كلاهما ~~مفعول من أجله، وقاله مكي، ورده ابن عطية؛ بأن ابتغاء: لا ~~يكون مفعولا من أجله، لعطف: «وتثبتا» عليه، ولا يصح في «تثبيت» ~~أن يكون مفعولا من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت؛ وأجيب: ~~بأنه يمكن أن يقدر مفعول التثبيت الثواب، أي: وتحصيلا لأنفسهم ~~الثواب على تلك النفقة؛ فيصح أن يكون مفعولا من أجله، ثم قال أبو ~~حيان، بعد كلام: والمعنى أنهم يثبتون من أنفسهم على الإيمان، ~~وما يرجونه من الله تعالى بهذا العمل. انتهى. # قال قتادة وغيره: { وتثبيتا }: معناه: وتيقنا، أي: أن نفوسهم ~~لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتا، ~~وقال مجاهد والحسن: معنى قوله: { وتثبيتا } ، أي: أنهم يتثبتون، ~~أين يضعون صدقاتهم. # قال الحسن: كان الرجل، إذا هم تثبت؛ فإن كان ذلك لله ~~أمضاه، وإن خالطه شيء أمسك. # والقول الأول أصوب؛ لأن هذا المعنى الذي ذهب إليه مجاهد، والحسن ~~إنما عبارته: «وتثبيتا»، فإن قال محتج: إن هذا من المصادر ~~التي خرجت على غير الصدر؛ كقوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل:8] # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح:17] فالجواب: أن هذا لا يسوغ إلا مع ذكر الصدر، ~~والإفصاح بالفعل المتقدم للمصدر، وأما إذا لم يقع إفصاح ~~بفعل، فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على ~~فعل كذا وكذا؛ لفعل لم يتقدم له ذكر، هذا مهيع كلام العرب ~~فيما علمت. # والربوة: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيرا معه في الأغلب كثافة ~~التراب وطيبه وتعمقه، وما كان كذلك، فنباته أحسن. # ولفظ الربوة: مأخوذ من: ربا يربو، إذا زاد، وآتت: معناه ~~أعطت، والأكل؛ بضم الهمزة: الثمر الذي يؤكل، والشيء المأكول ~~من ms0180 كل شيء، يقال له: أكل، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص؛ ~~كسرج الدابة، وباب الدار، وضعفين: معناه اثنين مما ~~يظن بها، ويحزر من مثلها. # ثم أكد سبحانه مدح هذه الربوة؛ بأنها إن لم يصبها وابل، فإن ~~الطل يكفيها، وينوب مناب الوابل؛ وذلك لكرم الأرض، والطل: ~~المستدق من القطر، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة، فشبه ~~سبحانه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله ~~صدقاتهم؛ كتربية الفلو والفصيل؛ حسب الحديث بنمو نبات هذه ~~الجنة بالربوة الموصوفة، وذلك كله بخلاف الصفوان، وفي قوله ~~تعالى: { والله بما تعملون بصير }: وعد ووعيد. # وقوله تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل وأعناب... } الاية: حكى الطبري عن ابن زيد، أنه قرأ ~~قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم ~~بالمن... # [البقرة:264] الآية: ثم قال: ضرب الله في ذلك مثلا؛ فقال: { ~~أيود أحدكم... } الآية، وهذا بين، وهو مقتضى سياق الكلام، ~~وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله؛ كأنه قال: أيود أحدكم أن ~~يعمل عمره بعمل أهل الخير، فإذا فني عمره، واقترب أجله، ختم ~~ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فرضي ذلك عمر منه، رضي الله ~~عنه، وروى ابن أبي مليكة عن عمر نحو. # * ع *: فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وقال ~~بنحو هذا مجاهد وغيره، ونقل الثعلبي عن الحسن، قال: قل ~~والله، من يعقل هذا المثل شيخ كبر سنه، وضعف جسمه، وكثر ~~عياله، أفقر ما كان إلى جنته، وأحدكم أفقر ما يكون إلى ~~عمله، إذا انقطعت الدنيا عنه. انتهى، وهو حسن جدا. # وقال أبو عبد الله اللخمي في «مختصره» لتفسير الطبري: وعن ~~قتادة: هذا مثل، فاعقلوا عن الله أمثاله؛ هذا رجل كبرت سنه، ~~ورق عظمه، وكثر عياله، ثم احترقت جنته، أحوج ما يكون ~~إليها، يقول: أيحب أحدكم أن يضل عنه عمله يوم القيامة أحوج ~~ما يكون إليه. وعن الحسن نحوه. انتهى. # وخص الأعناب والنخيل بالذكر، لشرفهما، وفضلهما على سائر ~~الشجر، والواو في قوله: { وأصابه } واو الحال؛ وكذلك في قوله: { ~~وله } ، وضعفاء: ms0181 جمع ضعيف، والأعصار: الريح الشديدة العاصفة ~~التي فيها إحراق لكل ما مرت عليه يكون ذلك في شدة الحر، ويكون ~~في شدة البرد، وكل ذلك من فيح جهنم. # و { لعلكم }: ترج في حق البشر، أي: إذا تأمل من ~~بين له هذا البيان رجي له التفكر، وكان أهلا له، وقال ابن ~~عباس: تتفكرون في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة ~~وبقائها. ### || [2.267-269] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من ~~طيبت ما كسبتم... } الآية: هذا خطاب لجميع أمة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهذه صيغة أمر بالإنفاق، واختلف ~~المتأولون، هل المراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة، أو ~~التطوع، والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة يتلقاها على ~~الوجوب، وصاحب التطوع يتلقاها على الندب، وجمهور المتأولين ~~قالوا: معنى { من طيبات }: من جيد ومختار ما كسبتم، وجعلوا ~~الخبيث بمعنى الرديء، وقال ابن زيد: معناه: من حلال ما كسبتم، قال: ~~وقوله: { ولا تيمموا الخبيث } ، أي: الحرام. # * ع *: وقول ابن زيد ليس بالقوي من جهة نسق الآية، لا من معناه ~~في نفسه. # و { كسبتم }: معناه: كانت لكم فيه سعاية، { ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض }: النباتات، والمعادن، والركاز، وما ضارع ~~ذلك، و { تيمموا }: معناه: تعمدوا، وتقصدوا، والتيمم: القصد، ~~وقال الجرجاني: قال فريق من الناس: إن الكلام تم في قوله: { ~~الخبيث } ، ثم ابتدأ خبرا آخر، فقال: تنفقون منه وأنتم لا ~~تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي: ساهلتم، قال: * ع *: كأن هذا المعنى ~~عتاب للنفس وتقريع؛ وعلى هذا، فالضمير في { منه } عائد على ~~{ الخبيث }. # قال الجرجاني: وقال فريق آخر: بل الكلام متصل إلى قوله: { ~~فيه }؛ وعلى هذا، فالضمير في «منه» عائد على: «ما كسبتم»؛ ~~كأنه في موضع نصب على الحال، والمعنى في الآية: فلا تفعلوا مع ~~الله ما لا ترضونه لأنفسكم، واعلموا أن الله غني عن ~~صدقاتكم، فمن تقرب وطلب مثوبة، فليفعل ذلك بما له قدر. # * ت *: وهذا يقوي القول بأنها في الزكاة المفروضة، و { حميد ~~}: معناه محمود. # وقوله تعالى: { الشيطن يعدكم الفقر... } الآية: هذه ~~الآية وما بعدها - وإن لم تكن أمرا بالصدقة، ms0182 فهي جالبة النفوس إلى ~~الصدقة - بين - عز وجل - فيها نزغات الشيطان، ووسوسته، ~~وعداوته، وذكر بثوابه هو سبحانه، لا رب غيره، وذكر بتفضله ~~بالحكمة، وأثنى عليها، ونبه أن أهل العقول هم المتذكرون الذين ~~يقيمون بالحكمة قدر الإنفاق في طاعة الله، وغير ذلك، ثم ذكر ~~سبحانه علمه بكل نفقة ونذر، وفي ذلك وعد ووعيد، ثم بين ~~الحكم في الإعلان والإخفاء؛ وكذلك إلى آخر المعنى. # والوعد؛ في كلام العرب، إذا أطلق، فهو في الخير، وإذا قيد ~~بالموعود، فقد يقيد بالخير، وقد يقيد بالشر؛ كالبشارة، وهذه الآية ~~مما قيد الوعد فيها بمكروه، والفحشاء: كل ما فحش، ~~وفحش ذكره، روى ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " إن للشيطان لمة من ابن آدم، وللملك لمة، ~~فأما لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب ~~بالحق، وأما لمة الملك، فإيعاد بالخير، ~~وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من ~~الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، ~~فليتعوذ بالله من الشيطان " # ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: { الشيطن يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء... } الآية. قلت: هذا حديث صحيح ~~خرجه أبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حسن غريب صحيح. # والمغفرة: هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل: هو ~~الرزق في الدنيا، والتوسعة فيه، والنعيم في الآخرة، وبكل قد ~~وعد الله جل وعلا، وروي، أن في التوراة: «عبدي، أنفق من ~~رزقي، أبسط عليك فضلي، فإن يدي مبسوطة على ~~كل يد مبسوطة»؛ وفي القرآن مصداقه، وهو: # وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين # [سبأ:39] # * ت *: روى الطبراني سليمان بن أحمد، بسنده عن عبد الله ~~بن عمرو، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أطعم أخاه حتى يشبعه، وسقاه من الماء، ~~حتى يرويه، بعده الله من النار سبع خنادق ~~ما بين كل خندقين مسيرة مائة عام " # انتهى. # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه ~~الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما ~~على جوع أطعمه ms0183 الله من ثمار الجنة، وأيما ~~مسلم سقى مسلما على ظمإ، سقاه الله عز وجل ~~من الرحيق المختوم " # أخرجه أبو داود، من حديث أبي خالد، هو الدالاني، عن نبيح، وقد ~~وثق أبو حاتم أبا خالد، وسئل أبو زرعة عن نبيح، فقال: هو ~~كوفي ثقة. انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام»؛ لابن دقيق ~~العيد. # و { وسع }: لأنه وسع كل شيء رحمة وعلما. # { يؤتي الحكمة }: أي: يعطيها لمن يشاء من عباده، ~~والحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في عمل أو قول، وكتاب ~~الله حكمة، وسنة نبيه - عليه السلام - حكمة، وكل ما ~~ذكره المتأولون فيها، فهو جزء من الحكمة التي هي الجنس، قال ~~الإمام الفخر في شرحه لأسماء الله الحسنى: قال المحققون: ~~العلماء ثلاثة: علماء بأحكام الله فقط؛ وهم العلماء أصحاب ~~الفتوى، وعلماء بالله فقط؛ وهم الحكماء، وعلماء بالقسمين؛ ~~وهم الكبراء، فالقسم الأول كالسراج يحرق نفسه، ويضيء ~~لغيره، والقسم الثاني حالهم أكمل من الأول؛ لأنه أشرق ~~قلبه بمعرفة الله، وسره بنور جلال الله، إلا أنه كالكنز ~~تحت التراب، لا يصل أثره إلى غيره، وأما القسم الثالث، ~~فهم أشرف الأقسام، فهو كالشمس تضيء العالم؛ لأنه تام، وفوق ~~التام. انتهى. # وباقي الآية تذكرة بينة، وإقامة لهمم الغفلة - و { ~~الألبب }: العقول، واحدها لب. ### || [2.270-271] # وقوله تعالى: { وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من ~~نذر... } الآية: يقال: نذر الرجل كذا، إذا التزم فعله. # وقوله تعالى: { فإن الله يعلمه }. قال مجاهد: معناه: ~~يحصيه، وفي الآية وعد ووعيد، أي: من كان خالص النية، فهو ~~مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكشفه المن ~~والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالم يذهب فعله باطلا، ولا يجد ناصرا فيه. # وقوله تعالى: { إن تبدوا الصدقت فنعما هي... } ~~الآية: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، ~~قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل ~~علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها ~~أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا، قال: وكذلك جميع ~~الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. # * ع *: ويقوي ذلك ms0184 قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في ~~المسجد إلا المكتوبة " # ، وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء، والنوافل عرضة لذلك، قال ~~الطبري: أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل. # وقوله تعالى: { فنعما هي }: ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم ~~أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء، والتقدير: نعم شيء إبداؤها، ~~فالإبداء هو المخصوص بالمدح؛ وخرج أبو داود في «سننه»، عن أبي ~~أمامة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " انطلق برجل إلى باب الجنة، فرفع رأسه، ~~فإذا على باب الجنة مكتوب: الصدقة بعشر ~~أمثالها، والقرض الواحد بثمانية عشر؛ لأن صاحب ~~القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، والصدقة ربما وضعت في غني " # ، وخرجه ابن ماجة في «سننه»، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد ~~الكريم، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي ~~مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوب: ~~الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، ~~فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ ~~قال: إن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا ~~يستقرض إلا من حاجة " # انتهى من «التذكرة». # وقرأ ابن كثير وغيره: «ونكفر»؛ بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: ~~«ويكفر»، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «ونكفر»، ~~بالنون، والجزم، فأما رفع الراء، فهو على وجهين: # أحدهما: أن يكون الفعل خبر ابتداء، تقديره: ونحن نكفر، أو: والله ~~يكفر. # والثاني: القطع، والاستئناف، والواو لعطف جملة على جملة، ~~والجزم في الراء أفصح هذه القراءات؛ لأنها تؤذن بدخول التكفير في ~~الجزاء، وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء، وأما رفع الراء، فليس فيه ~~هذا المعنى، و «من» في قوله: { من سيئاتكم } للتبعيض ~~المحض، لا أنها زائدة؛ كما زعم قوم، { والله بما تعملون ~~خبير }: وعد ووعيد. ### || [2.272-273] # وقوله تعالى: { ليس عليك هداهم... } الآية: وردت آثار ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم منع فقراء أهل الذمة من ~~الصدقة، فنزلت الآية مبيحة لهم، وذكر الطبري؛ أن مقصد ~~النبي ms0185 صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة، إنما كان ليسلموا، ~~وليدخلوا في الدين، فقال الله سبحانه: { ليس عليك ~~هداهم } ، قال: * ع *: وهذه الصدقة التي أبيحت لهم حسبما ~~تضمنته هذه الآثار، إنما هي صدقة التطوع، وأما المفروضة، فلا يجزىء ~~دفعها لكافر، قال ابن المنذر: إجماعا فيما علمت، وقول ~~المهدوي: إباحتها هذه الآية مردود، قال ابن العربي، وإذا ~~كان المسلم يترك أركان الإسلام من الصلاة، والصيام، فلا ~~تصرف إليه الصدقة؛ حتى يتوب، وسائر المعاصي تصرف ~~الصدقة إلى مرتكبيها؛ لدخولهم في اسم المسلمين. انتهى من ~~«الإحكام»، ويعني بالصدقة المفروضة، والهدى الذي ليس على نبينا ~~صلى الله عليه وسلم هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو ~~الدعاء، فهو عليه صلى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية. # ثم أخبر سبحانه؛ أنه يهدي من يشاء، وفي الآية رد على ~~القدرية وطوائف المعتزلة، ثم بين تعالى؛ أن النفقة المقبولة ~~ما كان ابتغاء وجه الله. # وفي الآية تأويل آخر، وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة؛ ~~أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله سبحانه، فهو خبر منه لهم فيه ~~تفضيل، { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } ، أي: في ~~الآخرة، وهذا هو بيان قوله: { وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم } ، والخير هنا: المال؛ بقرينة الإنفاق، ومتى لم ~~يقترن بما يدل على أنه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، وهذا ~~الذي قلناه تحرزا من قول عكرمة: كل خير في كتاب الله، ~~فهو المال. # وقوله تعالى: { للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله... } الآية: التقدير: الإنفاق أو الصدقة للفقراء، قال مجاهد ~~وغيره: المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم. # * ع *: ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقر غابر ~~الدهر، ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء ~~المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله: { الذين أحصروا ~~في سبيل الله } ، والمعنى: حبسوا، ومنعوا، وتأول ~~الطبري في هذه الآية؛ أنهم هم حابسوا أنفسهم بربقة ~~الدين، وقصد الجهاد، وخوف العدو، إذ أحاط بهم الكفر، فصار ~~خوف العدو عذرا أحصروا به. # * ع ms0186 *: كأن هذه الأعذار أحصرتهم، فالعدو وكل محيط يحصر، وقوله: ~~{ في سبيل الله } يحتمل الجهاد، ويحتمل الدخول في الإسلام، ~~والضرب في الأرض: هو التصرف في التجارة، وكانوا لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض؛ لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر ~~الهجرة، وكانوا - رضي الله عنهم - من الانقباض، وترك المسألة، ~~والتوكل على الله تعالى؛ بحيث يحسبهم الجاهل بباطن أحوالهم ~~أغنياء. # * ت *: واعلم أن المواساة واجبة، وقد خرج مسلم وأبو داود عن ~~أبي سعيد الخدري، قال: # " بينما نحن في سفر، مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ جاء رجل على راحلة، فجعل يصرف بصره يمينا ~~وشمالا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان معه ~~فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن ~~كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له» ~~" # ، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر؛ حتى رئينا ~~أنه لا حق لأحد منا في فضل انتهى. # و { التعفف }: تفعل، وهو بناء مبالغة من: عف عن الشيء، ~~إذا أمسك عنه، وتنزه عن طلبه، وبهذا المعنى فسره قتادة وغيره. # * ت *: مدح الله سبحانه هؤلاء السادة على ما أعطاهم من غنى ~~النفس، وفي الحديث الصحيح: # " ليس الغنى عن كثرة المال، وإنما الغنى غنى ~~النفس " # وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " اللهم، اجعل قوت آل محمد كفافا " # أخرجه مسلم، وغيره، وعندي أن المراد بالآل هنا متبعوه صلى الله ~~عليه وسلم. # وفي سنن ابن ماجة، عن أنس، قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من غني، ولا فقير إلا ود يوم القيامة ~~أنه أوتي من الدنيا قوتا " # ، وروى مسلم والترمذي عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن ~~تمسك شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن ~~تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى " # ، قال أبو عيسى، واللفظ له: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. # وقوله سبحانه: { تعرفهم بسيمهم }: السيما؛ مقصورة: ~~العلامة، واختلف المفسرون في تعيينها، ms0187 فقال مجاهد: هي التخشع ~~والتواضع، وقال الربيع، والسدي: هي جهد الحاجة، وقضف الفقر في ~~وجوههم، وقلة النعمة، وقال ابن زيد: هي رثة الثياب، وقال قوم، ~~وحكاه مكي: هي أثر السجود، قال: * ع *: وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا ~~متفرغين متوكلين، لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان ~~أثر السجود عليهم أبدا، والإلحاف، والإلحاح بمعنى، قال: * ع *: ~~والآية تحتمل معنيين. # أحدهما: نفي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهور؛ أنهم لا يسألون ~~البتة. # والثاني: نفي الإلحاف فقط، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل ~~وبإجمال. # * ت *: وهذا الثاني بعيد من ألفاظ الآية، فتأمله. # * ت *: وينبغى للفقير أن يتعفف في فقره، ويكتفي بعلم ربه، قال ~~الشيخ ابن أبي جمرة: وقد قال أهل التوفيق: من لم يرض ~~باليسير، فهو أسير. # انتهى، وذكر عبد الملك بن محمد بن أبي القاسم بن ~~الكردبوس في «الاكتفاء في أخبار الخلفاء»، قال: وتكلم علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - بتسع كلمات، ثلاث في المناجاة، وثلاث ~~في الحكمة، وثلاث في الآداب؛ أما المناجاة، فقال: كفاني فخرا ~~أن تكون لي ربا، وكفاني عزا أن أكون لك عبدا، ~~وأنت كما أحب، فاجعلني كما تحب، وأما ~~الحكمة، فقال: قيمة كل امرىء ما كان يحسنه، ~~وما هلك امرؤ عرف قدر نفسه، والمرء مخبوء ~~تحت لسانه، وأما الآداب، فقال: استغن عمن ~~شئت، فأنت نظيره، وتفضل على من شئت، فأنت ~~أميره، واضرع إلى من شئت، فأنت أسيره. انتهى. # ولما كانت السيما تدل على حال صاحبها، ويعرف بها حاله، أقامها ~~الله سبحانه مقام الإخبار عن حال صاحبها، فقال: «تعرفهم ~~بسيماهم»، وقد قال الشيخ العارف بالله صاحب «الكلم ~~الفارقية والحكم الحقيقية»: كل ما دل على معنى، فقد أخبر ~~عنه، ولو كان صامتا، وأشار إليه، ولو كان ساكتا، لكن حصول الفهم ~~والمعرفة بحسب اعتبار المعتبر، ونظر المتأمل المتدبر. انتهى. # قال:* ع *: وفي الآية تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا، ~~وقال: * ص *: وقوله تعالى: { لا يسئلون الناس إلحافا } ، ~~إذا نفي حكم من محكوم عليه بقيد، ms0188 فالأكثر في لسانهم انصراف ~~النفي إلى ذلك القيد، فالمعنى على هذا: ثبوت سؤالهم، ونفي ~~الإلحاح، ويجوز أن ينفي الحكم، فينتفي ذلك القيد، فينتفي السؤال ~~والإلحاح، وله نظائر. انتهى. # وقوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله به ~~عليم }: وعد محض، أي: يعلمه، ويحصيه؛ ليجازي عليه، ويثيب. ### || [2.274-277] # وقوله تعالى: { الذين ينفقون أمولهم باليل ~~والنهار... } الآية: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في علي ~~بن أبي طالب - رضي الله عنه - كانت له أربعة دراهم، فتصدق ~~بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، وقال ~~قتادة: نزلت في المنفقين في سبيل الله من غير تبذير ولا ~~تقتير، قال: * ع *: والآية، وإن كانت نزلت في علي - رضي الله ~~عنه - فمعناها يتناول كل من فعل فعله، وكل مشاء بصدقته ~~في الظلم إلى مظنة الحاجة. # وقوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا } { الربا }: هو ~~الزيادة، مأخوذ من: ربا يربو، إذا نما، وزاد على ما كان، ~~وغالبه: ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم: «أتقضي، أم ~~تربي»، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ومن ~~الربا البين التفاضل في النوع الواحد؛ وكذلك أكثر البيوع ~~الممنوعة، إنما تجد منعها لمعنى زيادة؛ إما في عين مال، أو في ~~منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكسبون الربا، ~~ويفعلونه، وإنما قصد إلى لفظة الأكل؛ لأنها أقوى مقاصد الناس في ~~المال، قال ابن عباس وغيره: معنى قوله سبحانه: { لا يقومون } ، ~~أي: من قبورهم في البعث يوم القيامة إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس، قالوا: كلهم يبعث كالمجنون؛ ~~عقوبة له وتمقيتا عند جميع المحشر؛ ويقوي هذا التأويل المجمع ~~عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود: «لا يقومون يوم ~~القيامة إلا كما يقوم». # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربوا } معناه؛ عند جميع المتأولين: في الكفار، وأنه قول بتكذيب ~~الشريعة، والآية كلها في الكفار المربين، نزلت، ولهم قيل: { ~~فله ما سلف } ، ولا يقال ذلك لمؤمن عاص، ولكن يأخذ العصاة في ~~الربا بطرف من وعيد هذه الآية، ms0189 ثم جزم الله سبحانه الخبر في قوله: ~~{ وأحل الله البيع وحرم الربوا } ، قيل: هذا من ~~عموم القرآن المخصص، وقيل: من مجمله المبين، قال جعفر بن ~~محمد الصادق: وحرم الله الربا؛ ليتقارض الناس. # وقوله تعالى: { فله ما سلف } ، أي: من الربا؛ لا تباعة عليه في ~~الدنيا والآخرة، وهذا حكم من الله سبحانه لمن أسلم من الكفار، ~~وفي قوله تعالى: { وأمره إلى الله } أربع تأويلات: # أحدها: أمر الربا في إمرار تحريمه وغير ذلك. # والثاني: أمر ما سلف، أي: في العفو وإسقاط التبعة فيها. # والثالث: أن الضمير عائد على ذي الربا؛ بمعنى: أمره إلى الله في ~~أن يثبته على الانتهاء أو يعيده إلى المعصية. # والرابع: أن يعود الضمير على المنتهى، ولكن بمعنى التأنيس له، ~~وبسط أمله في الخير. # وقوله تعالى: { ومن عاد } ، يعني: إلى فعل الربا، والقول؛ ~~إنما البيع الربا، والخلود في حق الكافر: خلود تأبيد حقيقي، ~~وإن لحظنا الآية في مسلم عاص، فهو خلود مستعار على معنى ~~المبالغة. # وقوله تعالى: { يمحق الله الربوا ويربي الصدقت ~~} ، { يمحق }: معناه: ينقص، ويذهب؛ ومنه: محاق القمر، وهو ~~انتقاصه، { ويربي الصدقت }: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها ~~تضاعفا، تقول: ربت الصدقة، وأرباها الله تعالى، ورباها، ~~وذلك هو التضعيف لمن يشاء؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم # " إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله تعالى، ~~فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله؛ ~~حتى تجيء يوم القيامة، وإن اللقمة لعلى قدر ~~أحد ". # قال: * ع *: وقد جعل الله سبحانه هذين الفعلين بعكس ما يظنه ~~الحريص الجشيع من بني آدم؛ إذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة ~~ممحق، ويظن الصدقة تفقره، وهي في الحقيقة نماء في الدنيا ~~والآخرة، وعن يزيد بن أبي حبيب؛ أن أبا الخير حدثه؛ أنه سمع ~~عقبة ابن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " كل امرىء في ظل صدقته؛ حتى يفصل بين ~~الناس " # أو قال: # " حتى يحكم بين الناس " # ، قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم لا يتصدق ~~بشيء فيه، ولو كعكة أو بصلة، ms0190 قال الحاكم: صحيح على ~~شرط مسلم، ولم يخرجاه، يعني: البخاري ومسلما. انتهى من «الإلمام في ~~أحاديث الأحكام»؛ لابن دقيق العيد. # قال الشيخ ابن أبي جمرة: ولا يلهم للصدقة إلا من ~~سبقت له سابقة خير. انتهى. # قال أبو عمر في «التمهيد»: وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنه قال: # " ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله الخلافة ~~على بنيه، وكان في ظل الله يوم لا ظل إلا ~~ظله، وحفظ في يوم صدقته من كل عاهة وآفة " # انتهى. # وروى أبو داود في «سننه»، أن سعد بن عبادة، قال: # " يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي ~~الصدقة أفضل؟ قال: الماء، فحفر بئرا، وقال: هذه ~~لأم سعد ". # وروى أبو داود في «سننه»، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه ~~الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما ~~على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما ~~مسلم سقى مسلما على ظمإ، سقاه الله من ~~الرحيق المختوم " # انتهى. # وقوله تعالى: { والله لا يحب كل كفار أثيم } يقتضي ~~الزجر للكفار المستحلين للربا، ووصف «الكفار» ب «أثيم» ~~إما مبالغة من حيث اختلف اللفظان، وإما ليذهب الاشتراك الذي في ~~«كفار»؛ إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض، قاله ~~ابن فورك. # ولما انقضى ذكر الكافرين، عقب سبحانه بذكر ضدهم؛ ليبين ما بين ~~الحالتين، فقال: { إن الذين ءامنوا... } الآية، وقد ~~تقدم تفسير مثل هذه الألفاظ. ### || [2.278-281] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وذروا ما بقي من الربوا... } الآية: سبب هذه الآية أنه ~~لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، قال في خطبته اليوم ~~الثاني من الفتح: # " ألا كل ربا في الجاهلية موضوع، وأول ربا ~~أضعه ربا العباس " # فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه، وأخص الناس به، وهذه من سنن ~~العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته، فيستفيض في ~~الناس، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ~~واستعمل على ms0191 مكة عتاب بن أسيد، فلما استنزل صلى الله ~~عليه وسلم أهل الطائف بعد ذلك إلى الإسلام، اشترطوا شروطا، ~~وكان في شروطهم: أن كل ربا لهم على الناس؛ فإنهم يأخذونه، ~~وكل ربا عليهم، فهو موضوع، فيروى؛ أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرر لهم هذه، ثم ردها الله بهذه الآية؛ كما رد ~~صلحه لكفار قريش في رد النساء إليهم عام الحديبية، ~~وذكر النقاش رواية؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يكتب في ~~أسفل الكتاب لثقيف: «لكم ما للمسلمين، ~~وعليكم ما عليهم» " # ، فلما جاءت آجال رباهم، بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت ~~على بني المغيرة للمخزوميين، فقال بنو المغيرة: لا ~~نعطي شيئا؛ فإن الربا قد وضع، ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن ~~أسيد بمكة، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عتاب، فعلمت بها ثقيف، فكفت: هذا سبب الآية على اختصار مما ~~روى ابن إسحاق، وابن جريج، والسدي وغيرهم. # فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما ~~بقي لكم من ربا، وصفحكم عنه، ثم توعدهم تعالى، إن لم ~~يذروا الربا بحرب منه، ومن رسوله، وأمته، والحرب داعية ~~القتل. # وقوله تعالى: { فأذنوا } قال سيبويه: آذنت: أعلمت. # * ت *: وهكذا فسره البخاري، فقال: قال أبو عبد الله: فأذنوا، ~~فاعلموا، وقال: * ع *: هي عندي من الأذن، وقال ابن عباس ~~وغيره: معناه فاستيقنوا بحرب. # ثم ردهم سبحانه مع التوبة إلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا ~~تظلمون في أخذ الزائد، ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من ~~رءوس أموالكم، ويحتمل لا تظلمون في مطل، لأن مطل الغني ~~ظلم؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - فالمعنى أنه يكون القضاء، مع ~~وضع الربا؛ وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح؛ ألا ترى # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار على كعب بن ~~مالك في دين ابن أبي حدرد بوضع الشطر، فقال كعب: ~~نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للآخر: «قم، ~~فاقضه» " # ، فتلقى ms0192 العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات. # وقوله سبحانه: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ~~} حكم الله تعالى لأرباب الربا برءوس أموالهم عند الواجدين ~~للمال، ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال اليسر، ~~والعسر: ضيق الحال من جهة عدم المال، والنظرة التأخير. # * ت *: وفي «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا ~~أتيت معسرا، فتجاوز عنه، لعل الله يتجاوز ~~عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه " # ، وفي «صحيح مسلم»: # " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم ~~القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه " # ، وفي رواية: # " من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أنجاه الله من ~~كرب يوم القيامة " # ، وفي رواية: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ~~ظله " # انتهى. # والميسرة: مصدر بمعنى اليسر، وارتفع: «ذو عسرة» ب ~~«كان» التامة التي هي بمعنى: «وجد، وحدث»، وارتفع قوله: ~~«فنظرة»؛ على خبر ابتداء مقدر، تقديره فالواجب نظرة. # واختلف أهل العلم هل هذا الحكم بالنظرة إلى الميسرة واقف ~~على أهل الربا خاصة، وهو قول ابن عباس، وشريح، أو هو منسحب ~~على كل دين حلال، وهو قول جمهور العلماء؟ # * ع *: وما قاله ابن عباس إنما يترتب، إذا لم يكن فقر مدقع، ~~وأما مع الفقر والعدم الصريح، فالحكم هي النظرة ضرورة. # * ت *: ولا يخالف ابن عباس في ذلك. # وقوله تعالى: { وأن تصدقوا خير لكم }: ندب الله ~~بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيرا من إنظاره، ~~قاله جمهور العلماء. # وروى سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال: كان آخر ~~ما نزل من القرآن آية الربا، وقبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة. # وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا. # قال: * ع *: ومعنى هذا عندي، أنها من آخر ما نزل؛ لأن جمهور ~~الناس؛ ابن عباس، والسدي، والضحاك، وابن جريج، ~~وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلت قوله تعالى: { واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله } ، وروي أن قوله: { واتقوا ~~} نزلت ms0193 قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال، ثم لم ~~ينزل بعدها شيء، وروي بثلاث ليال، وروي أنها نزلت قبل موته ~~بثلاث ساعات، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: # " اجعلوها بين آية الربا وآية الدين " # ، وحكى مكي؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " جاءني جبريل، فقال: اجعلها على مائتين ~~وثمانين آية من البقرة ". # وقوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله... ~~} الآية، وعظ لجميع الناس، وأمر يخص كل إنسان. # * ت *: حدثني من أثق به؛ أنه جلس عند شيخ من الأفاضل ~~يجود عليه القرآن، فقرئت عليه هذه الآية، فبكى عندها، ثم ~~بكى، إلى أن فاضت نفسه، ومال، فحركوه، فإذا هو ميت ~~ رحمه الله ونفع به، يا هذا، من صحا عقله ~~من سكر هواه، وجهله، احترق بنار الندم والخجل من ~~مهابة نظر ربه، وتنكرت صورة حاله في عينه نفوس الأغبياء ~~الجهال، غافلة عن العظمة والجلال، ولاهية عن أهوال ~~المعاد والمآل، مشغولة برذائل الأفعال، وفضول القيل ~~والقال، والاستنباط والاحتيال؛ لازدياد الأموال، ولا ~~يعلمون أنها فتنة ووبال، وطول حساب وبلاء ~~وبلبال، اغتنموا، يا ذوي البصائر نعمة الإمهال، ~~واطرحوا خوادع الأماني، وكواذب الآمال، فكأن قد فجأتكم ~~هواجم الآجال. انتهى من «الكلم الفارقية، في الحكم ~~الحقيقية». # و { يوما }: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أن ~~هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة، والحساب والتوفية، وقال ~~قوم: هو يوم الموت، والأول أصح، وهو يوم تنفطر لذكره القلوب، ~~وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب ~~الإنسان، وهذا رد على الجبرية. ### || [2.282] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه... } الآية. # قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلم خاصة، قال: * ع *: ~~معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول ~~جميع المداينات؛ إجماعا، ووصفه الأجل ب { مسمى } - ~~دليل على أن الجهالة لا تجوز، وقال جمهور العلماء: الأمر بالكتب ~~ندب إلى حفظ الأموال، وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيا، فما ~~يضره الكتب، وإن كان غير ms0194 ذلك، فالكتب ثقاف في دينه وحاجة ~~صاحب الحق، قال بعضهم: إن أشهدت، فحزم، وإن ائتمنت، ففي ~~حل وسعة. # * ع *: وهذا هو القول الصحيح، ثم علم تعالى أنه سيقع الائتمان، ~~فقال: إن وقع ذلك، # فليؤد... # [البقرة:283] الآية، فهذه وصية للذين عليهم الديون. # واختلف في قوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب }. # فقال عطاء، والشعبي: واجب على الكاتب أن يكتب، إذا لم ~~يوجد سواه، وقال السدي: هو واجب مع الفراغ. # وقوله: { بالعدل }: معناه: بالحق، ثم نهى الله سبحانه ~~الكتاب عن الإباءة، وحكى المهدوي عن الربيع، والضحاك؛ ~~أن قوله تعالى: { ولا يأب } منسوخ بقوله: { ولا يضار ~~كاتب ولا شهيد } ، قال * ع *: أما إذا أمكن الكتاب، فليس يجب ~~الكتب على معين، بل له الامتناع، إلا إذا استأجره، وأما إذا ~~عدم الكاتب، فيتوجه وجوب الندب حينئذ على الكاتب. # وقوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق... } الاية: ~~أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملال؛ لأن الشهادة، ~~إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتبت الوثيقة، وأقر بها، فهي ~~كإملاله، والبخس: النقص بنوع من المخادعة، والمدافعة، وهؤلاء ~~الذين أمروا بالإملال هم المالكون لأنفسهم، إذا حضروا. # ثم ذكر تعالى ثلاثة أنواع تقع نوازلهم في كل زمان، فقال: ~~«فإن كان الذي عليه الحق سفيها»، والسفيه: الهلهل ~~الرأي في المال، الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها؛ ~~مشبه بالثوب السفيه، وهو الخفيف النسج، والسفه: ~~الخفة، وهذه الصفة في الشريعة لا تخلو من حجر أب، أو وصي وذلك هو ~~وليه، ثم قال: { أو ضعيفا } ، والضعيف: هو المدخول في ~~عقله، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا، والذي لا يستطيع ~~أن يمل هو الصغير، ووليه وصيه أو أبوه، والغائب عن موضع ~~الإشهاد لمرض أو لغير ذلك من الأعذار، ووليه وكيله، وأما ~~الأخرس، فيسوغ أن يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممن لا ~~يستطيع. # وقوله: { بالعدل }: معناه: بالحق، وقصد الصواب. # وقوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين... } الآية: الاستشهاد: ~~طلب الشهادة، وعبر ببناء مبالغة في «شهيدين»؛ دلالة على من ~~قد شهد، وتكرر ذلك منه؛ فكأنه إشارة إلى العدالة، قال ابن ms0195 العربي ~~في «أحكامه»: والصحيح أن الأمر بالاستشهاد محمول على الندب. # اه. # وقوله تعالى: { من رجالكم }: نص في رفض الكفار، ~~والصبيان، والنساء، وأما العبيد، فاللفظ يتناولهم. # واختلف العلماء فيهم، وقول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وجمهور ~~العلماء: أن شهادتهم لا تجوز، وغلبوا نقض الرق. # واسم كان الضمير الذي في قوله: { يكونا } ، والمعنى؛ في قول ~~الجمهور: فإن لم يكن المستشهد رجلين، وقال قوم: بل المعنى: ~~فإن لم يوجد رجلان. # ولا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال، قال: * ع *: ~~وهذا قول ضعيف؛ ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور. # وقوله: { فرجل وامرأتان } ، أي: فليشهد أو فليكن رجل ~~وامرأتان. # وقوله تعالى: { ممن ترضون من الشهداء }: رفع في موضع ~~الصفة؛ لقوله: { فرجل وامرأتان } ، وهذا الخطاب لجميع ~~الناس، لكن المتلبس بهذه القصة هم الحكام، وهذا كثير في كتاب ~~الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض. # وفي قوله: { ممن ترضون }: دليل على أن في الشهود من لا ~~يرضى؛ فيجيء من ذلك، أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة؛ ~~حتى تثبت لهم. # وقوله تعالى: { أن تضل إحداهما... } الآية: «أن» مفعول من ~~أجله، و الشهادة لم تقع؛ لأن تضل إحداهما، وإنما وقع إشهاد ~~امرأتين؛ لأن تذكر إحداهما، إن ضلت الأخرى، قال سيبويه، ~~وهذا كما تقول: أعددت هذه الخشبة؛ أن يميل الحائط، فأدعمه. # * ع *: ولما كانت النفوس مستشرفة إلى معرفة أسباب الحوادث، قدم في ~~هذه العبارة ذكر سبب الأمر المقصود إلى أن يخبر به، وهذا من ~~أبرع الفصاحة؛ إذ لو قال لك رجل: أعددت هذه الخشبة؛ أن ~~أدعم بها هذا الحائط، لقال السامع: ولم تدعم حائطا قائما، فيجب ذكر ~~السبب، فيقال: إذا مال، فجاء في كلامهم تقديم السبب أخصر ~~من هذه المحاورة، قال أبو عبيد: ومعنى: { تضل } تنسى. # * ع *: والضلال عن الشهادة: إنما هو نسيان جزء منها، وذكر جزء، ~~ويبقى المرء بين ذلك حيران ضالا. # وقوله تعالى: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا... } ~~الآية: قال قتادة وغيره: معنى الآية: إذا دعوا أن يشهدوا، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن: الآية ms0196 جمعت أمرين: لا تأب إذا دعيت إلى ~~تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها وقاله ابن عباس، وقال ~~مجاهد: معنى الآية لا تأب، إذا دعيت إلى أداء شهادة قد حصلت ~~عندك، وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه فسر ~~الآية بهذا. # * ت *: وهذا هو الحقيقة في الآية، وأما تسمية الشيء بما يئول ~~إليه، فمجاز، والشاهد حقيقة من حصلت له الشهادة، قال مجاهد: فأما ~~إذا دعيت أولا، فإن شئت؛ فاذهب، وإن شئت، فلا تذهب»، وقاله ~~جماعة، قال: * ع *: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين، والمسلمون ~~مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود ~~والأمن من تعطل الحق، فالمدعو مندوب، وإن خيف تلف الحق ~~بتأخر الشاهد، وجب عليه القيام بها؛ سيما إن كانت محصلة، ~~ودعي لأدائها، فهذه آكد؛ لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي ~~الأداء. # * م *: { ولا يأب الشهداء } ، قال أبو البقاء: مفعول «يأب» ~~محذوف، أي: ولا يأب الشهداء إقامة الشهادة أو تحمل الشهادة، ~~«وإذا»: ظرف ل «يأب»، ويحتمل أن يكون ظرفا للمفعول المحذوف. ~~اه. # و { تسئموا }: معناه تملوا، وقدم الصغير؛ اهتماما به، و { ~~أقسط }: معناه أعدل، و { أقوم } ، أي: أشد إقامة، وقيل: ~~أقوم، من: قام؛ بمعنى: اعتدل، و { أدنى }: معناه: أقرب، و ~~{ ترتابوا }: معناه: تشكوا. # قال ابن هشام: { إلى أجله }: لا يصح تعلقه ب ~~«تكتبوه»؛ لاقتضائه استمرار الكتابة إلى أجل الدين، وإنما هو ~~حال، أي: مستقرا في الذمة إلى أجله. اه من «المغني». # وقوله تعالى: { إلا أن تكون تجرة حاضرة... } الآية: ~~لما علم الله سبحانه مشقة الكتب عليهم، نص على ترك ذلك، ~~ورفع الجناح فيه، في كل مبايعة بنقد، وذلك في الأغلب، إنما ~~هو في قليل كالطعام ونحوه، لا في كثير؛ كالأملاك ونحوها، وقال ~~السدي، والضحاك: هذا فيما كان يدا بيد، تأخذ وتعطي. # وقوله تعالى: { تديرونها }: يقتضي التقابض والبينونة في ~~المقبوض. # وقوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم } ، اختلف، هل ذلك ~~على الوجوب، أو على النذب؟ والوجوب في ذلك قلق؛ أما في الدقائق، ~~فصعب شاق، وأما ما كثر، فربما يقصد ms0197 التاجر الاستئلاف بترك ~~الإشهاد إلى غير ذلك من المصالح، فلا يشهد، ويدخل ذلك كله في ~~الائتمان، ويبقى الأمر في الإشهاد ندبا؛ لما فيه من المصلحة في ~~الأغلب، وحكى المهدوي عن قوم؛ أنهم قالوا: { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم } منسوخ بقوله تعالى: # فإن أمن... # [البقرة:283] الآية: وذكره مكي عن أبي سعيد الخدري. # واختلف الناس في معنى قوله تعالى: { ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد } ، أي: كاختلافهم في قوله تعالى: # لا تضار ولدة بولدها # [البقرة:233]، هل الفعل مسند إلى الفاعل، فأصله: «ولا يضار ~~كاتب ولا شهيد»؛ بكسر الراء، وقيل: مسند إلى المفعول الذي لم ~~يسم فعله، فأصله: «ولا يضارر»؛ بفتحها. # * ع *: ووجوه المضارة لا تنحصر، وفك الفعل هي لغة الحجاز، ~~والإدغام لغة تميم. # وقوله: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم }؛ أي: وإن ~~تفعلوا المضارة، وقوله: { بكم } ، أي: حال بكم. # وباقي الآية موعظة وتهديد، والله المستعان لا رب غيره، وقيل: ~~معنى الآية الوعد؛ لأن من اتقى علم الخير وألهمه. # * ت *: وفي «العتبية» من سماع ابن القاسم، قال: سمعت مالكا ~~يقول: سمعت أنه يقال: ما زهد عبد، واتقى الله إلا ~~أنطقه الله بالحكمة. اه. # والمراد بهذا العلم العلم النافع الذي يورث الخشية؛ قال أبو ~~عمر بن عبد البر: روينا عن مسروق، قال: «كفى ~~بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب ~~بعلمه»، أبو عمر: إنما أعرفه بعمله. اه من كتاب «فضل العلم». ### || [2.283-285] # وقوله تعالى: { وإن كنتم على سفر... } الآية: لما ذكر الله ~~تعالى الندب إلى الإشهاد، والكتب؛ لمصلحة حفظ الأموال والأديان ~~عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهن، ~~ونص على السفر؛ إذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كل ~~عذر. # قال: * ع *: رهن الشيء؛ في كلام العرب معناه: دام، واستمر، ~~قيل: ولما كان الرهن بمعنى الثبوت، والدوام، فمن ثم بطل ~~الرهن؛ عند الفقهاء: إذا خرج من يد المرتهن إلى يد الراهن؛ ~~لأنه فارق ما جعل له. # وقوله تعالى: { مقبوضة }: هي بينونة المرتهن بالرهن. # وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن؛ ms0198 وكذلك على قبض وكيله؛ فيما ~~علمت. # واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه. # فقال مالك، وجميع أصحابه، وجمهور العلماء: قبض العدل قبض. # وقال الحكم بن عتيبة، وغيره: ليس بقبض. # وقول الجمهور أصح؛ من جهة المعنى في الرهن. # وقوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا }: شرط ربط به ~~وصية الذي عليه الحق بالأداء. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم ~~بعضا }: معناه: إن أسقط الكتب، والإشهاد، والرهن، وعول على ~~أمانة المعامل، فليؤد الأمانة، وليتق الله ربه؛ وهذا يبين ~~أن الإشهاد ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبا، لما جاز إسقاطه، ثم قال: ~~وجملة الأمر أن الإشهاد حزم، والائتمان ثقة بالله تعالى من ~~الدائن، ومروءة من المديان، ثم ذكر الحديث الصحيح في قصة ~~الرجل من بني إسرائيل الذي استسلف ألف دينار، وكيف تعاملا ~~على الائتمان، ثم قال ابن العربي: وقد روي عن أبي سعيد ~~الخدري؛ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكل ما تقدم، يعني: من ~~الأمر بالكتب، والإشهاد، والرهن. اه. # وقوله: { فليؤد }: أمر بمعنى الوجوب، وقوله: { أمنته }: ~~مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة. # وقوله تعالى: { ولا تكتموا الشهدة... } الآية: نهي فيه ~~تهديد ووعيد، وخص تعالى ذكر القلب؛ إذ الكتم من أفعاله، وإذ هو ~~البضعة التي بصلاحها يصلح الجسد كله؛ كما قال صلى الله عليه ~~وسلم، وفي قوله تعالى: { والله بما تعملون عليم } توعد، ~~وإن كان لفظها يعم الوعيد والوعد. # وروى البزار في «مسنده»، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " من مشى إلى غريمه بحقه، صلت عليه دواب ~~الأرض، ونون الماء، ونبتت له بكل خطوة شجرة، ~~تغرس في الجنة، وذنبه يغفر " # اه من «الكوكب الدري». # قوله تعالى: { لله ما في السموات وما في الأرض... } ~~الآية: المعنى: جميع ما في السموات، وما في الأرض ملك له ~~سبحانه. # وقوله تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم... } الآية: قوله: ~~{ ما في أنفسكم } يقتضي قوة اللفظ أنه ما تقرر في النفس، ~~واستصحبت الفكرة فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها، فليست ms0199 ~~في النفس، إلا على تجوز. # واختلف في معنى هذه الآية. # فقال عكرمة وغيره: هي في معنى الشهادة التي نهي عن كتمها، فلفظ ~~الآية؛ على هذا التأويل: العموم، ومعناه الخصوص؛ وكذا نقل الثعلبي. # وقال ابن عباس: وأبو هريرة، وجماعة من الصحابة والتابعين: إن هذه ~~الآية، لما نزلت، شق ذلك على الصحابة، وقالوا: هلكنا، يا ~~رسول الله، إن حوسبنا بخواطر نفوسنا، وشق ~~ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكنه قال لهم: # " أتريدون أن تقولوا، كما قالت بنو إسرائيل: ~~سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا ~~فقالوها: فأنزل الله بعد ذلك: { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } [البقرة:286]؛ ونسخ بهذه تلك " # هذا معنى الحديث الصحيح، وله طرق من جهات، واختلفت عباراته، ~~وتعاضدت عبارة هؤلاء القائلين بلفظة النسخ في هذه النازلة. # وقال ابن عباس: لما شق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: { لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها... } الآية، فنسخت ~~الوسوسة، وثبت القول، والفعل. # وقال آخرون: هذه الآية محكمة غير منسوخة، والله محاسب خلقه ~~على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل ~~الكفر والنفاق؛ ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة. # * ع *: وهذا هو الصواب، وإنما هي مخصصة، وذلك أن قوله تعالى: { ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه }: معناه: بما هو في ~~وسعكم، وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد، والفكر فيه، فلما ~~كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم فبين الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى، ~~وخصصها، ونص على حكمه؛ أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ~~والخواطر ليست هي، ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب، وليست ~~مما يكسب، ولا يكتسب، وكان في هذا البيان فرحهم، وكشف ~~كربهم، وتأتي الآية محكمة لا نسخ فيها، ومما يدفع أمر النسخ؛ أن ~~الآية خبر، والأخبار يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقرير ~~النسخ، فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة، حين ~~فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «قولوا ~~سمعنا ms0200 وأطعنا»، يجيء منه: الأمر بأن يبنوا على هذا، ويلتزموه، ~~وينتظروا لطف الله في الغفران، فإذا قرر هذا الحكم، فصحيح ~~وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى: # إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين # [الأنفال:65]، فهذا لفظه الخبر، ولكن معناه: التزموا هذا، وابنوا ~~عليه، واصبروا بحسبه، ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فهذه الآية في البقرة ~~أشبه شيء بها. # وقوله تعالى: { ويعذب من يشاء } ، يعني: من العصاة، وتعلق ~~قوم بهذه الآية ممن قال بجواز تكليف ما لا يطاق، وقالوا: إن ~~الله قد كلفهم أمر الخواطر، وذلك مما لا يطاق، قال: * ع *: وهذا ~~غير بين، وإنما كان أمر الخواطر تأويلا أوله أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يثبت تكليفا إلا على الوجه الذي ذكرناه من ~~تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إنه على ذلك، قال الشيخ الولي ~~العارف بالله ابن أبي جمرة: والخواطر عندهم ستة يعني عند ~~العلماء العارفين بالله: أولها الهمة، ثم اللمة، ثم ~~الخطرة؛ وهذه الثلاث عندهم غير مؤاخذ بها، ثم نية، ثم ~~إرادة، ثم عزيمة، وهذه الثلاث مؤاخذ بها. # اه. # وقوله تعالى: { آمن الرسول بما أنزل إليه من ~~ربه... } الآية: سبب هذه الآية أنه لما نزلت: { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم } ، وأشفق منها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، ثم تقرر الأمر على أن قالوا:«سمعنا وأطعنا»، ~~ورجعوا إلى التضرع والاستكانة، مدحهم الله تعالى، وأثنى ~~عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم، فجمع لهم ~~تعالى التشريف بالمدح، والثناء، ورفع المشقة في أمر الخواطر، ~~وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، لا كما قالت بنو ~~إسرائيل: # سمعنا وعصينا # [البقرة:93]؛ فأعقبهم ضد ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا الله من ~~نقمه. # و { آمن } معناه: صدق، والرسول: محمد صلى الله عليه وسلم، و { ~~مآ أنزل إليه }: القرآن، وسائر ما أوحى الله إليه من جملة ~~ذلك، وكل لفظة تصلح للإحاطة، وهي كذلك هنا، والإيمان بالله: هو ~~التصديق به، أي: بوجوده وصفاته، ورفض كل معبود سواه، والإيمان ~~بملائكته: هو اعتقادهم أنهم عباد ms0201 لله مكرمون، لا يعصون الله ~~ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، والإيمان بكتبه: هو التصديق بكل ~~ما أنزل سبحانه على أنبيائه. # وقرأ الجمهور: { لا نفرق }؛ بالنون. والمعنى: يقولون: لا ~~نفرق. # ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى؛ في أنهم ~~يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. # وقوله تعالى: { وقالوا سمعنا وأطعنا }: مدح يقتضي الحض ~~على هذه المقالة، وأن يكون المؤمن يمتثلها غابر الدهر، ~~والطاعة: قبول الأوامر، و { غفرانك }: مصدر، والعامل فيه ~~فعل، تقديره: نطلب أو نسأل غفرانك. # * ت *: وزاد أبو حيان، قال: وجوز بعضهم الرفع فيه، على أن ~~يكون مبتدأ، أي: غفرانك بغيتنا. اه. # { وإليك المصير }: إقرار بالبعث، والوقوف بين يديه ~~سبحانه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أنزلت عليه ~~هذه الآية، قال له جبريل: يا محمد، إن الله ~~قد أجل الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه، ~~فسأل إلى آخر السورة. ### || [2.286] # وقوله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... } ~~الآية: خبر جزم نص على أنه لا يكلف الله العباد من وقت ~~نزول الآية عبادة من أعمال القلب والجوارح إلا وهي في ~~وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة ~~عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وهذا المعنى الذي ذكرناه ~~في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # [البقرة:185] وقوله تعالى: # وما جعل عليكم فى الدين من حرج # [الحج:78] وقوله: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن:16]، قال العراقي: { وسعها } ، أي: طاقتها. اه. # قال: * ع *: واختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام ~~التي هي في الدنيا بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا الآن في ~~الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، واختلف القائلون بجوازه، ~~هل وقع في رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أم لا؟ # فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب؛ لأنه حكم عليه بتب ~~اليدين، وصلي النار؛ وذلك مؤذن أنه لا يؤمن، وتكليف ~~الشرع له الإيمان راتب، فكأنه كلف أن يؤمن، وأن يكون في إيمانه ~~أنه لا يؤمن؛ لأنه ms0202 إذا آمن، فلا محالة أن يدين بسورة: { ~~تبت يدا أبي لهب }. # وقالت فرقة: لم يقع قط، وقوله تعالى: # سيصلى نارا # [المسد:3] إنما معناه: إن وافى على كفره. # * ع *: وما لا يطاق على أقسام: # منه المحال عقلا؛ كالجمع بين الضدين، ومنه المحال ~~عادة؛ كرفع إنسان جبلا، ومنه ما لا يطاق من حيث هو مهلك؛ ~~كالاحتراق بالنار، ونحوه، ومنه ما لا يطاق للاشتغال بغيره، وهذا ~~إنما يقال فيه ما لا يطاق على تجوز كثير. # وقوله تعالى: { لها ما كسبت } ، يريد: من الحسنات، { ~~وعليها ما اكتسبت } ، يريد: من السيئات؛ قاله جماعة ~~المفسرين؛ لا خلاف في ذلك، والخواطر ونحوها ليس من كسب الإنسان، ~~وجاءت العبارة في الحسنات ب «لها»؛ من حيث هي مما يفرح ~~الإنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئة ~~ب «عليها»؛ من حيث هي أوزار، وأثقال، ومتحملات صعبة؛ وهذا ~~كما تقول: لي مال، وعلي دين، وكرر فعل الكسب، فخالف بين ~~التصريفين حسنا لنمط الكلام؛ كما قال: # فمهل الكفرين أمهلهم رويدا # [الطارق:17] هذا وجه. # * ع *: والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات مما يكسب دون تكلف؛ ~~إذ كاسبها على جادة أمر الله، ورسم شرعه، والسيئات ~~تكتسب؛ ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب ~~نهي الله تعالى، ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء ~~التصريفين لهذا المعنى. # وقال المهدوي وغيره: معنى الآية: لا يؤاخذ أحد بذنب أحد؛ ~~قال: * ع *: وهذا صحيح في نفسه، لكن من غير هذه الآية. # وقوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا }: معناه: قولوا، واختلف ~~الناس في معنى قوله سبحانه: { إن نسينا أو أخطأنا } ، فذهب ~~كثير من العلماء إلى أن هذا الدعاء في النسيان الغالب، والخطإ ~~غير المقصود، وهو الصحيح عندي، قال قتادة في تفسير الآية: بلغني ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عن نسيانها ~~وخطئها " # ، وقال السدي: لما نزلت هذه الآية، فقالوها، قال جبريل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: «قد فعل الله ذلك، يا ~~محمد»، قال: * ع *: فظاهر قوليهما ما صححته؛ ms0203 وذلك أن المؤمنين، ~~لما كشف عنهم ما خافوه في قوله تعالى: # يحاسبكم به الله # [البقرة:284]، أمروا بالدعاء في ذلك النوع الذي ليس من طاقة ~~الإنسان دفعه، وذلك في النسيان، والخطأ، والإصر الثقيل، وما لا ~~يطاق على أتم أنواعه، وهذه الآية على هذا القول تقضي بجواز ~~تكليف ما لا يطاق؛ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاء في ألا يقع هذا ~~الجائز الصعب. ومذهب أبي الحسن الأشعري وجماعة من ~~المتكلمين؛ أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ولا يخرم ذلك شيئا من ~~عقائد الشرع. # وذهب الطبري وغيره إلى أن تكليف ما لا يطاق غير جائز، وأن ~~النسيان في الآية بمعنى الترك أي: إن تركنا شيئا من طاعتك، ~~والخطأ هو المقصود من العصيان، والإصر هي العبادات الثقيلة؛ ~~كتكاليف بني إسرائيل، وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز؛ كما ~~تقول: لا طاقة لي على خصومة فلان، أو: لا طاقة لنا به؛ من حيث ~~هو مهلك؛ كعذاب جهنم وغيره، ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين ~~بقوله: { واعف عنا } ، أي: فيما واقعناه، { واغفر لنا } ، ~~أي: استر علينا ما علمت منا { وارحمنا } ، أي: تفضل ~~مبتدئا برحمة منك لنا، فهذه مناح من الدعاء متباينة، و { أنت ~~مولنا }: مدح في ضمنه تقرب إليه، وشكر على نعمه، ~~ومولى: هو من ولي، وفي الحديث: أن جبريل - عليه السلام - قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: «قل: ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا» فقالها، فقال جبريل: قد فعل، ~~قال: قل كذا وكذا، فيقولها فيقول جبريل: قد ~~فعل إلى آخر السورة». # وتظاهرت بهذا المعنى أحاديث، وروى أبو مسعود عقبة بن عمرو ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة، ~~كفتاه " # يعني من قيام الليل، قال صاحب «سلاح المؤمن»: هذا الحديث رواه ~~الجماعة، يعني: الستة، ومعنى: «كفتاه» أجزتاه عن قيام الليل، ~~وقيل: كفتاه من كل شيطان، فلا يقربه ليلته، وقيل: كفتاه ما ~~يكون من الآفات تلك الليلة، وقيل: معناه حسبه بهما فضلا ~~وأجرا، ويحتمل الجميع، ms0204 والله أعلم. اه من «سلاح المؤمن». # وقال علي - رضي الله عنه -: «ما أظن أحدا عقل، وأدرك ~~الإسلام ينام، حتى يقرأهما» وفي الحديث؛ أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: # " أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة، من ~~كنز تحت العرش لم يؤتهن أحد قبلي " # كمل تفسير سورة البقرة، والحمد لله. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-4] # قوله جلت قدرته: { الم الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } الأبرع في نظم الآية أن يكون: { الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم } كلاما مبتدأ جزما؛ ~~جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحاجوه في عيسى ابن مريم، وقالوا: إنه ~~الله على ما هو معلوم في السير، فنزل فيهم صدر هذه ~~السورة إلى نيف وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم صلى الله ~~عليه وسلم إلى الابتهال. # وقد تقدم تفسير قوله: { الحي القيوم } في آية الكرسي، ~~والآية هناك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا إخبارا بحجج هؤلاء ~~النصارى، ويرد عليهم؛ إذ هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى ~~عليه السلام ؛ لأنهم إذ يقولون: إنه صلب، فذلك موت في ~~معتقدهم، وإذ من البين أنه ليس بقيوم. # وقراءة الجمهور «القيوم»، وقرىء خارج السبع: «القيام»؛ و ~~«القيم»، وهذا كله من: قام بالأمر يقوم به، إذا اضطلع ~~بحفظه، وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله تعالى ~~القيام على كل شيء مما ينبغي له، أو فيه، أو عليه. # * ت *: وقد تقدم ما نقلناه في هذا الاسم الشريف؛ أنه اسم الله ~~الأعظم، قال النووي: وروينا في كتاب الترمذي؛ عن أنس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا كربه أمر، قال: # " يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث " # ، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. اه. # قال صاحب «سلاح المؤمن»: وعن علي رضي الله عنه ، قال: «لما ~~كان يوم بدر، قاتلت شيئا من قتال، ثم جئت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما صنع فجئت، فإذا ~~هو ساجد يقول: # " يا حي يا قيوم، يا حي يا ms0205 قيوم " # ، ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت، فإذا هو ساجد؛ ~~لا يزيد على ذلك، ثم ذهبت إلى القتال، ثم ~~جئت، فإذا هو ساجد يقول ذلك، ففتح الله ~~عليه» رواه النسائي، والحاكم في «المستدرك»، واللفظ ~~للنسائي. # وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها ؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: { ~~وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو الرحمن ~~الرحيم } ، وفاتحة آل عمران: { الم * الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } " # رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: ~~هذا حديث حسن صحيح. # وعن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " اسم الله الأعظم في ثلاث سور: في سورة ~~البقرة، وآل عمران، وطه " # ، قال القاسم: فالتمستها أنه الحي القيوم. # انتهى. # وقوله: { بالحق }: يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يكون المعنى: ضمن الحقائق؛ في خبره، وأمره، ونهيه، ~~ومواعظه. # والثاني: أن يكون المعنى: أنه نزل الكتاب باستحقاق أن ~~ينزل؛ لما فيه من المصلحة الشاملة، وليس ذلك على أنه واجب على ~~الله تعالى أن يفعله. # * ت *: أي: إذ لا يجب على الله سبحانه فعل؛ # قال * ع *: فالباء، في هذا المعنى: على حد قوله: # سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق # [المائدة:116]. وقيل: معنى: { بالحق }: أي: مما اختلف فيه ~~أهل الكتاب، واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون. # قال * ع *: وهذا داخل في المعنى الأول. # وقوله: { مصدقا }: حال مؤكدة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير ~~مصدق، لما بين يديه من كتب الله سبحانه، { وما بين يديه }: هي ~~التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا. # وقوله تعالى: { من قبل }: يعني: من قبل القرآن. # وقوله: { هدى للناس }: معناه: دعاء، والناس: بنو إسرائيل ~~في هذا الموضع، وإن كان المراد أنهما هدى في ذاتهما، مدعو إليه ~~فرعون وغيره، فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، و { ~~الفرقان }: القرآن؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، ثم توعد ~~سبحانه الكفار عموما بالعذاب الشديد، والإشارة بهذا الوعيد إلى ~~نصارى نجران، و ms0206 { عزيز }: معناه: غالب، والنقمة والانتقام: ~~معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك. ### || [3.5-7] # قوله تعالى: { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء }: هذه الآية خبر عن علم الله تعالى ~~بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لأحد من ~~المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات، ~~وهذا أمر لا ينكره عاقل، ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا ~~يقدرون عليه، ولا ينكر أن عيسى من المصورين؛ كغيره من سائر ~~البشر، فهذه الآية تعظيم لله جلت قدرته في ضمنها الرد ~~على نصارى نجران، وفي قوله: { إن الله لا يخفى عليه ~~شيء }: وعيد، وشرح النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التصوير في ~~الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره؛ # " أن النطفة، إذا وقعت في الرحم، مكثت نطفة ~~أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم ~~مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليها ملكا، ~~فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد " # الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسند ابن «سنجر» حديث؛ # " أن الله سبحانه يخلق عظام الجنين وغضاريفه ~~من مني الرجل، ولحمه وشحمه وسائر ذلك من ~~مني المرأة " # ، وصور: بناء مبالغة من صار يصور، إذا أمال وثنى إلى ~~حال ما، فلما كان التصوير إمالة إلى حال، وإثباتا فيها، جاء بناؤه ~~على المبالغة، والكتاب في هذه الآية: القرآن، بإجماع، ~~والمحكمات: المفصلات المبينات الثابتات الأحكام، ~~والمتشابهات: هي التي تحتاج إلى نظر وتأويل، ويظهر فيها ببادي ~~النظر: إما تعارض مع أخرى، وإما مع العقل إلى غير ذلك من ~~أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف بمتشابهات، إنما هو ~~بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ، ومن لم ~~ينعم النظر، وهذا نحو الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور ~~مشتبهات " # ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه، فيشبه عند من لم ينعم ~~النظر شيئا حلالا؛ وكذلك الآية: يكون لها في نفسها معنى صحيح، فيشبه ~~عند من لم ينعم النظر، أو عند الزائغ ms0207 معنى آخر فاسدا، فربما ~~أراد الاعتراض به على كتاب الله، هذا عندي معنى الإحكام والتشابه ~~في هذه الآية. # قال * ع *: وأحسن ما قيل في هذه الآية قول محمد بن جعفر بن ~~الزبير؛ أن المحكمات هي التي فيهن حجة الرب، وعصمة ~~العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما ~~وضعن عليه، والمتشابهات: لها تصريف وتحريف، وتأويل ابتلى ~~الله فيهن العباد، قال ابن الحاجب في «منتهى الوصول»: مسألة ~~في القرآن محكم ومتشابه، قال تعالى: { منه آيت محكمت ~~هن أم الكتب وأخر متشبهت } ، فالمحكم: ~~المتضح المعنى، قال الرهوني: يعني نصا كان أو ظاهرا، ~~والمتشابه: مقابله إما للاشتراك؛ مثل: # ثلثة قروء # [البقرة:228]، أو للإجمال؛ مثل: # الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة:237] وما ظاهره التشبيه؛ مثل: # من روحي # [ص:72]، و # أيدينا # [يس:71]، و # بيدي # [ص:75] و # بيمينه # [الزمر:67]، و # يستهزئ # [البقرة:15]، و # مكر الله # [آل عمران:54] ونحوه، والظاهر: الوقف على: { والراسخون في ~~العلم }؛ لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد. انتهى. # قال الرهوني: وسمي ما ذكر «متشابها»؛ لاشتباهه على السامع، ~~قال الرهوني: والحق الوقف على: { وما يعلم تأويله ~~إلا الله }. وهو المروي عن جماعة؛ منهم: ابن عباس، وابن ~~عمر، وابن مسعود، ومالك، وغيرهم، وفي مصحف أبي: «وما يعلم ~~تأويله إلا الله ويقول الراسخون [في العلم] آمنا به». اه. # وقوله تعالى: { هن أم الكتب } ، أي: معظم الكتاب، وعمدة ~~ما فيه: إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل، ولم يفرط في ~~شيء منه، قال يحيى بن يعمر: كما يقال لمكة أم القرى. # قال * ع *: وكما يقال: أم الرأس لمجتمع الشؤون، فجميع المحكم ~~هو أم الكتاب، ومعنى الآية الإنحاء على أهل الزيغ، والمذمة ~~لهم، والإشارة بذلك أولا إلى نصارى نجران، وإلى اليهود الذين ~~كانوا معاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يعترضون ~~معاني القرآن، ثم يعم بعد ذلك كل زائغ، فذكر تعالى؛ أنه نزل ~~الكتاب على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ إفضالا منه، ونعمة؛ ~~وأن محكمه وبينه الذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالب ~~فيه؛ ms0208 وأن متشابهه الذي يحتمل التأويل، ويحتاج إلى التفهم هو ~~أقله، ثم إن أهل الزيغ يتركون المحكم الذي فيه غنيتهم، ~~ويتبعون المتشابه؛ ابتغاء الفتنة، وأن يفسدوا ذات البين، ~~ويردوا الناس إلى زيغهم. # * م *: قال أبو البقاء: { وأخر }: معطوف على { آيت } ، و { ~~متشبهت }: نعت ل { أخر }. # وقوله تعالى: { الذين في قلوبهم زيغ }: يعم كل طائفة من ~~كافر وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، و { ابتغاء }: ~~نصب على المفعول من أجله، ومعناه: طلب الفتنة، قال الربيع: ~~الفتنة هنا الشرك، وقال مجاهد: الفتنة: الشبهات، واللبس ~~على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويله، والتأويل هو مرد الكلام، ~~ومرجعه، والشيء الذي يقف عليه من المعاني، وهو من: آل يئول، ~~إذا رجع، فالمعنى: وطلب تأويله على منازعهم الفاسدة، ~~هذا في ما له تأويل حسن، وإن كان مما لا يتأول، بل يوقف فيه، ~~كالكلام في معنى الروح ونحوه، فنفس طلب تأويله هو اتباع ما ~~تشابه، ثم قال تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } ، ~~أي: وما يعلم تأويله على الكمال إلا الله سبحانه. # واختلف في قوله: { والراسخون في العلم } ، فرأت فرقة ~~أن رفع الراسخين هو بالعطف على اسم الله (عز وجل)؛ وأنه ~~مع علمهم بالمتشابه يقولون: { آمنا به } ، وقالت طائفة أخرى: ~~والراسخون: رفع بالابتداء، وهو مقطوع من الكلام الأول، وخبره ~~«يقولون»، والمنفرد بعلم المتشابه هو الله وحده. # قال * ع *: وهذه المسألة إذا تؤملت، قرب الخلاف فيها من ~~الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين محكما ~~ومتشابها، فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام ~~العرب، لا يحتاج فيه إلى نظر، ولا يتعلق به شيء يلبس، ويستوي في ~~علمه الراسخ وغيره، والمتشابه على نوعين، منه: ما لا يعلم ~~البتة؛ كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله ~~بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يحمل على وجوه في اللغة، ~~ومناح في كلام العرب، فيتأول، ويعلم تأويله، ولا يسمى ~~أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا؛ بحسب ما قدر له، ~~فمن قال: إن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه، فمراده النوع ms0209 الثاني ~~الذي ذكرناه، ومن قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده ~~النوع الأول؛ كأمر الروح، ووقت الساعة، لكن تخصيصه المتشابه بهذا ~~النوع غير صحيح، بل هو نوعان؛ كما ذكرنا، والضمير في { تأويله } ~~عائد على جميع متشابه القرآن، وهما نوعان؛ كما ذكرنا، والرسوخ: ~~الثبوت في الشيء، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين ~~في العلم، فقال: # " هو من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام ~~قلبه " # ، قلت: ومن «جامع العتبية»، وسئل مالك عن تفسير ~~الراسخين في العلم، فقال: العالمون العاملون بما علموا، ~~المتبعون له، قال ابن رشد: قول مالك هذا هو معنى ما روي ~~من أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: من الراسخ في العلم؟ ~~فقال: # " من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام به ~~قلبه، وعف بطنه، فذلك الراسخ في العلم " # ، قال ابن رشد: ويشهد لصحة هذا قول الله (عز وجل): # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28]؛ لأنه كلام يدل على أن من لم يخش الله، ~~فليس بعالم. انتهى. # قلت: وقد جاء في فضل العلم آثار كثيرة، فمن أحسنها: ما رواه أبو ~~عمر بن عبد البر بسنده، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " تعلموا العلم؛ فإن تعليمه لله خشية، ~~وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه ~~جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله ~~لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ~~ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، ~~والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل ~~على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، ~~والزين عند الأخلاء، ويرفع الله به أقواما ~~فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم، ~~ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب ~~الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ~~ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر ~~وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة ~~القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، ~~يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات ~~العلى في الدنيا والآخرة، الفكر فيه يعدل ~~الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل ~~الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، هو إمام ~~العمل، والعمل تابعه، ms0210 يلهمه السعداء، ويحرمه ~~الأشقياء " # ، قال أبو عمر: هكذا حدثنيه عبيد بن محمد مرفوعا بالإسناد ~~الذي رويناه به عنه، وهو حديث حسن جدا، ولكن ليس له إسناد ~~قوي، ورويناه من طرق شتى موقوفا على معاذ. انتهى من كتاب ~~«فضل العلم»، قال الشيخ العارف أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~يوسف اللجائي (رحمه الله)، ومن علامة نور العلم، إذا حل ~~بالقلب: المعرفة والمراقبة والحياء والتوبة والورع والزهد ~~والتوكل والصبر والرضى والأنس والمجاهدة والصمت والخوف ~~والرجاء والقناعة وذكر الموت. اه. # وقوله تعالى: { كل من عند ربنا }: فيه ضمير عائد على كتاب ~~الله محكمه ومتشابهه، والتقدير: كله من عند ربنا. # ثم قال تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألبب } ، أي: ~~ما يقول هذا، ويؤمن ويقف حيث وقف، ويدع اتباع المتشابه إلا ~~ذو لب، وهو العقل و «أولو»: جمع: «ذو». ### || [3.8-11] # وقوله تعالى: { ربنا لا تزغ قلوبنا... } الآية: لما ذكر ~~الله سبحانه أهل الزيغ، وذكر نقيضهم، وظهر ما بين الحالتين، ~~عقب ذلك؛ بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة ~~الذميمة التي ذكرت، وهم أهل الزيغ، ويحتمل أن يكون هذا من ~~تمام قول الراسخين، و { تزغ }: معناه: تمل قلوبنا عن الهدى ~~والحق، و { من لدنك }: معناه: من عندك تفضلا، لا عن ~~سبب منا، ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، والمراد: هب ~~لنا نعيما صادرا عن الرحمة. # وقوله تعالى: { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب ~~فيه }: إقرار بالبعث ليوم القيامة، والريب: الشك، والمعنى ~~أنه في نفسه حق لا ريب فيه. # وقوله تعالى: { إن الله لا يخلف الميعاد } ، يحتمل: أن ~~يكون إخبارا منه سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، ويحتمل: ~~أن يكون حكاية من قول الداعين، ففي ذلك إقرار بصفة ذات الله ~~تعالى، والميعاد: من الوعد. # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا... } الآية: ~~الإشارة بالآية إلى معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا ~~يفخرون بأموالهم وأبنائهم، وهي بعد متناولة كل كافر، ~~والوقود؛ بفتح الواو: كل ما يحترق ms0211 في النار من حطب ونحوه، ~~والدأب، والدأب؛ بسكون الهمزة وفتحها: مصدر: دأب يدأب، ~~إذا لازم فعل شيء، ودام عليه مجتهدا فيه، ويقال للعادة دأب، والمعنى ~~في الآية: تشبيه هؤلاء في لزومهم الكفر ودوامهم عليه بأولئك ~~المتقدمين، وآخر الآية يقتضي الوعيد بأن يصيب هؤلاء ما أصاب ~~أولئك، والكاف في قوله: { كدأب } في موضع رفع، والتقدير: ~~دأبهم كدأب، والضمير في { قبلهم } عائد على { آل ~~فرعون } ، ويحتمل: على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الكفار. # وقوله: { كذبوا بآيتنا }: يحتمل: أن يريد المتلوة، ويحتمل ~~أن يريد العلامات المنصوبة. ### || [3.12-13] # وقوله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون... } الآية: ~~اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بالقول لهم: # فقيل: هم جميع معاصريه أمر أن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب، ~~فوقع بحمد الله كذلك، فغلبوا، وصار من مات منهم على الكفر ~~إلى جهنم. # وتظاهرت روايات عن ابن عباس وغيره؛ بأن المراد يهود المدينة، ~~لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر، جمعهم، ~~وقال: # " يا معشر يهود أسلموا من قبل أن يصيبكم ما ~~أصاب قريشا " # ، فقالوا: يا محمد، لا تغرنك نفسك أن قتلت ~~نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، ~~إنك لو قاتلتنا، لعرفت أنا نحن الناس، ~~فأنزل الله فيهم هذه الآية» والحشر: الجمع ~~والإحضار. # وقوله تعالى: { وبئس المهاد }: يعني: جهنم؛ هذا ظاهر الآية، ~~وقال مجاهد: المعنى: بئس ما مهدوا لأنفسهم. # قال * ع *: فكان المعنى: وبئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم. # وقوله تعالى: { قد كان لكم آية في فئتين... } الآية ~~تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون؛ تثبيتا لنفوسهم، وتشجيعا لها، وأن ~~يخاطب بها جميع الكفار، وأن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل ~~احتمال منها قد قال قوم، وقرىء شاذا: «ترونهم»؛ بضم التاء؛ ~~فكأن معناها أن اعتقاد التضعيف في جمع الكفار؛ إنما كان تخمينا ~~وظنا لا يقينا، وذلك أن «أرى»؛ بضم الهمزة: تقولها فيما بقي ~~عندك فيه نظر، وأرى؛ بفتح الهمزة: تقولها في ما قد صح نظرك ~~فيه، ونحا هذا المنحى ms0212 أبو الفتح، وهو صحيح، والمراد بالفئتين: ~~جماعة المؤمنين، وجماعة الكفار ببدر. # قال * ع *: ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر؛ و ~~{ يؤيد }: معناه يقوي؛ من «الأيد»، وهو القوة. ### || [3.14-17] # وقوله تعالى: { زين للناس حب الشهوت... } الآية هذه ~~الآية ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخ، والشهوات ذميمة، ~~واتباعها مرد، وطاعتها مهلكة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره ~~" # ، فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها، خلص إلى ~~النار، قلت: وقد جاءت أحاديث كثيرة في التزهيد في الدنيا، ~~ذكرنا من صحيحها وحسنها في هذا المختصر جملة صالحة لا توجد ~~في غيره من التفاسير، فعليك بتحصيله، فتطلع فيه على جواهر ~~نفيسة، لا توجد مجموعة في غيره؛ كما هي بحمد الله حاصلة فيه، ~~وكيف لا يكون هذا المختصر فائقا في الحسن، وأحاديثه بحمد الله ~~مختارة، أكثرها من أصول الإسلام الستة: البخاري، ومسلم، وأبي ~~داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، فهذه أصول الإسلام، ~~ثم من غيرها؛ كصحيح ابن حبان، وصحيح الحاكم، أعني: ~~«المستدرك على الصحيحين»، وأبي عوانة، وابن ~~خزيمة، والدارمي، والموطإ، وغيرها من المسانيد ~~المشهورة بين أئمة الحديث؛ حسبما هو معلوم في علم الحديث، ~~وقصدي من هذا نصح من اطلع على هذا الكتاب أن يعلم قدر ما أنعم ~~الله به عليه، فإن التحدث بالنعم شكر، ولنرجع إلى ما قصدناه ~~من نقل الأحاديث: # روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أردت اللحوق بي، فليكفيك من الدنيا، ~~كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا ~~تستخلفي ثوبا حتى ترقعيه " # حديث غريب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن البذاذة من الإيمان " # ، خرجه أبو داود وقد نقله البغوي في «مصابيحه»، والبذاذة: هي رث ~~الهيئة. اه و { القناطير }: جمع قنطار، وهو العقدة الكثيرة ~~من المال؛ واختلف الناس في تحرير حده، وأصح الأقوال فيه: ما ~~رواه أبي ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " القنطار ألف ومائتا أوقية " # ، لكن القنطار ms0213 على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر ~~الأوقية. # وقوله: { المقنطرة } ، قال الطبري: معناه: المضعفة، وقال ~~الربيع: المال الكثير بعضه على بعض. # * ص *: { المقنطرة }: مفعللة، أو مفنعلة؛ من ~~القنطار، ومعناه: المجتمعة. # * م *: أبو البقاء: و { من الذهب }: في موضع الحال من { ~~المقنطرة } اه. # وقوله: { المسومة }: قال مجاهد: معناه المطهمة الحسان، ~~وقال ابن عباس وغيره: معناه: الراعية، وقيل: المعدة، { ~~والأنعم }: الأصناف الأربعة: الإبل، والبقر، والضأن، ~~والمعز. # * ص *: والأنعام: واحدها نعم، والنعم: الإبل فقط، وإذا ~~جمع، انطلق على الإبل والبقر والغنم. اه. # { والحرث }: هنا اسم لكل ما يحرث من حب وغيره، ~~والمتاع: ما يستمتع به، وينتفع مدة ما منحصرة، و { المآب }: ~~المرجع، فمعنى الآية: تقليل أمر الدنيا وتحقيرها، والترغيب في ~~حسن المرجع إلى الله تعالى. # وقوله تعالى: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم... } ~~الآية: في هذه الآية تسلية عن الدنيا، وتقوية لنفوس تاركيها؛ ~~ذكر تعالى حال الدنيا، وكيف استقر تزيين شهواتها، ثم جاء ~~بالإنباء بخير من ذلك هازا للنفوس، وجامعا لها؛ لتسمع هذا ~~النبأ المستغرب النافع لمن عقل، وأنبىء: معناه: أخبر. # وقوله تعالى: { ورضون من الله } ، الرضوان: مصدر من ~~«رضي»، وفي الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن أهل الجنة، إذا استقروا فيها، وحصل لكل ~~واحد منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر، قال الله لهم: أتريدون أن ~~أعطيكم ما هو أفضل من هذا؟ قالوا: يا ربنا، ~~وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول الله سبحانه: ~~أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا " # ، هذا سياق الحديث، وقد يجيء مختلف الألفاظ، والمعنى قريب ~~بعضه من بعض، قال الفخر: وذلك أن معرفة أهل الجنة، مع هذا النعيم ~~المقيم بأنه تعالى راض عنهم، مثن عليهم أزيد عليهم في ~~إيجاب السرور. اه. # وباقي الآية بين، وقد تقدم في سورة البقرة بيانه. # وقوله تعالى: { الذين يقولون ربنا إننا آمنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا } الآية: «الذين»: بدل من «الذين ~~اتقوا»، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين ~~بالجنات، والصبر؛ في هذه الآية: معناه: ms0214 على الطاعات، وعن ~~المعاصي والشهوات، والصدق: معناه: في الأقوال والأفعال، ~~والقنوت: الطاعة والدعاء أيضا، وبكل ذلك يتصف المتقي، ~~والإنفاق: معناه: في سبيل الله ومظان الأجر، والاستغفار: ~~طلب المغفرة من الله سبحانه، وخص تعالى السحر؛ لما فيه من ~~الفضل؛ حسبما ورد فيه من صحيح الأحاديث؛ كحديث النزول: # " هل من داع، فأستجيب له، هل من مستغفر، ~~فأغفر له " # ، إلى غير ذلك مما ورد في فضله. # قلت: تنبيه: قال القرطبي في «تذكرته»، وقد جاء حديث النزول ~~مفسرا مبينا في ما خرجه النسائي عن أبي هريرة، وأبي ~~سعيد، قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله (عز وجل) يمهل حتى يمضي شطر ~~الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع ~~يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من ~~سائل يعطى " # ، صححه أبو محمد عبد الحق. اه. # وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عبد الرحمن بن عوف، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: قال: # " إن نزول الله تعالى إلى الشيء إقباله ~~عليه من غير نزول " # اه. # والسحر: آخر الليل، قال نافع: «كان ابن عمر يحيي الليل ~~صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا، فأقول: لا، فيعاود ~~الصلاة، ثم يسأل، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر». # قال * ع *: وحقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار ~~المحمود، وسحور الصائم، ومن يمين لو وقعت، إنما هي ~~من ثلث الليل الآخر إلى الفجر. ### || [3.18-20] # وقوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو... } ~~الآية: معنى: { شهد الله }: أعلم عباده بهذا الأمر الحق، # وقال * ص *: { شهد } ، بمعنى علم أو قضى، أو حكم، أو ~~بين، وهي أقوال اه. # وأسند أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «فضل العلم»؛ عن ~~غالب القطان، قال: كنت أختلف إلى الأعمش، فرأيته ليلة ~~قام يتهجد من الليل، وقرأ بهذه الآية: { شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملئكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن ~~الدين عند الله الإسلم } قال الأعمش: وأنا أشهد بما ~~شهد الله به، وأستودع الله ms0215 هذه الشهادة، فقلت للأعمش: ~~إني سمعتك تقرأ هذه الآية ترددها، فما بلغك فيها؟ قال: حدثني ~~أبو وائل، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله ~~سبحانه: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى ~~بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة " # اه. # وقرأ جميع القراء «أنه»؛ بفتح الهمزة؛ وبكسرها من قوله: { ~~إن الدين }؛ على استئناف الكلام، وقرأ الكسائي وحده: «أن ~~الدين»؛ بفتح الهمزة بدلا من «أنه» الأولى، { ~~والملئكة وأولوا العلم }: عطف على اسم الله، قال ~~الفخر: المراد بأولي العلم هنا: الذين عرفوا الله ~~بالدلالة القطعية؛ لأن الشهادة، إنما تكون مقبولة، إذا كان ~~الإخبار مقرونا بالعلم، وهذا يدل أن هذه الدرجة الشريفة ~~ليست إلا للعلماء بالأصول، وتكررت «لا إله إلا الله» هنا، ~~وفائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في ~~تكرير هذه الكلمة، فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، ~~وإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها، وبتكريرها، كان ~~مشتغلا بأعظم أنواع العبادات، فكان من التكرير في هذه الآية ~~حض العباد على تكريرها. اه. # وصح في البخاري، عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا ~~إله إلا الله خالصا من قبل نفسه " # ، وروى زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة، ~~قيل: يا رسول الله، وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه ~~عن محارم الله " # ، خرجه الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» اه من ~~«التذكرة». # و { قائما }: حال من اسمه تعالى في قوله: { شهد الله } ، ~~أو من قوله: { إلا هو } ، و { القسط }: العدل، وقوله تعالى: ~~{ إن الدين عند الله الإسلم... } الآية: الدين؛ في ~~هذه الآية: الطاعة والملة، والمعنى: أن الدين المقبول أو ~~النافع هو الإسلام، والإسلام في هذه الآية هو الإيمان والطاعات، ~~قاله أبو العالية؛ وعليه جمهور المتكلمين، وحديث: # " بني الإسلام على خمس " # ، وحديث مجيء جبريل يعلم الناس دينهم يفسر ذلك، ثم ~~أخبر تعالى عن اختلاف أهل ms0216 الكتاب بعد علمهم بالحقائق، وأنه كان ~~بغيا وطلبا للدنيا؛ قاله ابن عمر وغيره، و { الذين أوتوا ~~الكتب }: لفظ يعم اليهود والنصارى، لكن الربيع بن ~~أنس قال: المراد بهذه الآية اليهود؛ اختلفوا بعد موت موسى، وبعد ~~مضي ثلاثة قرون، وقيل: الآية توبيخ لنصارى نجران، وسرعة ~~الحساب: يحتمل أن يراد بها: مجيء القيامة والحساب؛ إذ كل آت ~~قريب، ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب: أن الله تعالى ~~بإحاطته بكل شيء علما لا يحتاج إلى عد ولا فكرة؛ قاله ~~مجاهد. # وقوله تعالى: { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ~~ومن اتبعن... } الآية: الضمير في «حاجوك» لليهود، ~~ولنصارى نجران، والمعنى: إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل ~~المزورة والمغالطات، فأسند إلى ما كلفت من الإيمان، والتبليغ، ~~وعلى الله نصرك. # وقوله: { وجهي }: يحتمل أن يراد به المقصد، أي: جعلت مقصدي ~~لله، ويحتمل أن يراد به الذات، أي: أسلمت شخصي وذاتي لله، ~~وأسلمت؛ في هذا الموضع بمعنى: دفعت، وأمضيت، وليست بمعنى ~~دخلت في السلم؛ لأن تلك لا تتعدى، ومن اتبعني: في ~~موضع رفع؛ عطفا على الضمير في «أسلمت»، والذين أوتوا ~~الكتاب، في هذا الموضع: يجمع اليهود والنصارى؛ باتفاق، ~~والأميون: الذين لا يكتبون، وهم العرب في هذه الآية، وقوله: { ~~ءأسلمتم }: تقرير في ضمنه الأمر، وقال الزجاج: { ~~ءأسلمتم }: تهدد، وهو حسن، و { البلغ }: مصدر بلغ؛ ~~بتخفيف عين الفعل. # وفي قوله تعالى: { والله بصير بالعباد } وعد للمؤمنين، ~~ووعيد للكافرين. ### || [3.21-25] # وقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيت الله... } ~~الآية: هذه الآية نزلت في اليهود والنصارى، وتعم كل من كان ~~بهذه الحال، وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~روى أبو عبيدة بن الجراح، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ # " أن بني إسرائيل قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا، ~~فاجتمع من عبادهم وأحبارهم مائة وعشرون؛ ~~ليغيروا المنكر، وينكروا، فقتلوا جميعا، كل ~~ذلك في يوم واحد، وذلك معنى قوله تعالى: { ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } " # ، و { حبطت }: معناه: بطلت. # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب يدعون إلى كتب الله... } الآية: قال ابن ms0217 ~~عباس: نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل ~~بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، ~~فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي ~~دين أنت يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا على ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فقالا: إن ~~إبراهيم كان يهوديا، فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا، ~~وبينكم، فأبيا عليه، ونزلت الآية. # قال * ع *: فالكتاب؛ في قوله: { من الكتب }: اسم جنس، ~~والكتاب؛ في قوله: { إلى كتب الله } هو التوراة، وقال ~~قتادة وابن جريج: هو القرآن، ورجح الطبري الأول. # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا }: الإشارة فيه إلى ~~التولي والإعراض، أي: إنما تولوا، وأعرضوا؛ لاغترارهم بأقوالهم، ~~وافترائهم، ثم قال تعالى خطابا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأمته، على جهة التوقيف والتعجيب: فكيف حال هؤلاء المغترين ~~بالأباطيل، إذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارف والدعاوى، ~~وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطية: ~~والصحيح في يوم القيامة أنه يوم؛ لأن قبله ليلة، وفيه شمس، ~~وقال النقاش: المراد باليوم الوقت. ### || [3.26-29] # وقوله تعالى: { قل اللهم ملك الملك... } الآية: هو ~~سبحانه وتعالى مالك الملك كله مطلقا في جميع أنواعه، وأشرف ملك ~~يؤتيه عباده سعادة الآخرة، روي أن الآية نزلت بسبب أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشر أمته؛ بفتح ملك فارس وغيره، فقالت ~~اليهود والمنافقون: هيهات، وكذبوا بذلك. # ومذهب البصريين أن الأصل في «اللهم»: يا ألله، فعوض من ~~ياء النداء ميما مشددة. # و { ملك }: نصب على النداء، وخص تعالى الخير بالذكر، وهو ~~تعالى بيده كل شيء؛ إذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأن المعنى: ~~بيدك الخير فأجزل حظي منه، قال النووي: وروينا في كتاب ~~«الترمذي» وغيره، عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؛ أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، ~~وهو حي ms0218 لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء ~~قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ~~ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة " # ، ورواه الحاكم أبو عبد الله في «المستدرك على ~~الصحيحين»؛ من طرق كثيرة، وزاد فيه في بعض طرقه: # " وبنى له بيتا في الجنة " # قال الحاكم: وفي الباب، عن جابر، وأبي هريرة، وبريدة الأسلمي. ~~اه من «الحلية». # وقال ابن عباس وغيره في معنى قوله تعالى: { تولج الليل في ~~النهار... } الآية: إنه ما ينتقص من النهار، فيزيد في الليل، وما ~~ينتقص من الليل، فيزيد في النهار دأبا كل فصل من السنة، ~~وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار؛ كأن زوال ~~أحدهما ولوج في الآخر. # واختلف في معنى قوله تعالى: { وتخرج الحى من الميت... ~~} الآية: # فقال الحسن: معناه: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من ~~المؤمن، وروي نحوه، عن سلمان الفارسي، وروى الزهري، ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما سمع نغمة خالدة ~~بنت الأسود ابن عبد يغوث، فقال: # " من هذه " # فأخبر بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " سبحان الذي يخرج الحي من الميت " # ، وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا، والمراد ~~على هذا: موت قلب الكافر، وحياة قلب المؤمن. # وذهب جمهور كثير إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقة، لا أنها ~~استعارة، ثم اختلفوا في المثل التي فسروا بها. # فقال ابن مسعود: هي النطفة، تخرج من الرجل، وهي ميتة، وهو حي، ~~ويخرج الرجل منها، وهي ميتة. # وقال عكرمة: هو إخراج الدجاجة، وهي حية، من البيضة، وهي ميتة، ~~وإخراج البيضة، وهي ميتة من الدجاجة، وهي حية. # وروى السدي، عن أبي مالك، قال: هي الحبة تخرج من السنبلة، ~~والسنبلة تخرج من الحبة، وكذلك النواة. # وقوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين ~~أولياء... } الآية: هذا النهي عن الاتخاذ، إنما هو عن إظهار ~~اللطف للكفار، والميل إليهم، فأما أن يتخذوا بالقلب، فلا يفعل ~~ذلك مؤمن، ولفظ الآية عام في جميع الأعصار. # واختلف في سبب نزولها، فقال ابن عباس في كعب بن الأشرف ms0219 ~~وغيره، قد بطنوا بنفر من الأنصار، ليفتنوهم عن دينهم، فنزلت في ~~ذلك الآية، وقال قوم: نزلت في قصة حاطب بن أبي بلتعة، ~~وكتابه إلى أهل مكة، والآية عامة في جميع هذا. # وقوله تعالى: { فليس من الله في شيء }: معناه: في شيء: ~~مرضي؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من غشنا، فليس منا " # ، ثم أباح سبحانه إظهار اتخاذهم بشرط الاتقاء، فأما إبطانه، فلا ~~يصح أن يتصف به مؤمن في حال. # وقوله تعالى: { ويحذركم الله... } إلى آخر الآية: وعيد ~~وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة. # وقوله: { نفسه }: نائبة عن «إياه»، وهذه مخاطبة على معهود ما ~~يفهمه البشر، والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات، وفي الكلام ~~حذف مضاف؛ لأن التحذير إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه، قال ابن ~~عباس، والحسن: ويحذركم الله عقابه. # وقوله تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم... } الآية: ~~الضمير في «تخفوا» هو للمؤمنين الذين نهوا عن الكافرين، والمعنى: ~~إنكم إن أبطنتم الحرص على إظهار موالاتهم، فإن الله يعلم ذلك، ~~ويكرهه منكم. ### || [3.30-32] # وقوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا } ، قال ابن هشام في «المغني»: «يوم»: نصب ~~بمحذوف، تقديره: اذكروا أو احذروا، ولا يصح أن يكون ظرفا ل ~~«يحذركم»؛ كما زعم بعضهم؛ لأن التحذير في الدنيا وقع لا في الآخرة. ~~اه. # وقوله تعالى: { وما عملت من سوء } ، يحتمل أن تكون «ما» ~~معطوفة على «ما» الأولى، فهي في موضع نصب، ويكون «تود» في موضع ~~الحال، وإليه ذهب الطبري وغيره، ويحتمل أن تكون «ما» رفع ~~بالابتداء، والخبر في قوله: «تود». وما بعده، والأمد: الغاية ~~المحدودة من المكان أو الزمان. # وقوله تعالى: { والله رءوف بالعباد } يحتمل أن يكون إشارة ~~إلى أن تحذيره رأفة منه سبحانه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء ~~إعلام بهذه الصفة، فمقتضى ذلك: التأنيس؛ لئلا يفرط الوعيد على ~~نفس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده. # وعن منصور بن عمار؛ أنه قال: أعقل الناس محسن خائف، ~~وأجهل الناس مسيء آمن، فلما سمع عبد الملك بن مروان ~~منه هذا الكلام؛ بكى حتى ms0220 بل ثيابه، ثم قال له: اتل علي، ~~يا منصور، شيئا من كتاب الله، فتلا عليه: { يوم تجد ~~كل نفس ما عملت من خير محضرا... } الآية، ~~فقال عبد الملك: قتلتني، يا منصور، ثم غشي ~~عليه. اه. # وقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني... ~~} الآية: قال الشيخ العارف بالله ابن أبي جمرة (رضي الله ~~عنه): من علامة السعادة للشخص: أن يكون معتنيا بمعرفة ~~السنة في جميع تصرفاته، والذي يكون كذلك هو دائم في عبادة؛ في ~~كل حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفضل؛ حتى حكي عن ~~بعضهم؛ أنه لم يأكل البطيخ سنين؛ لما لم يبلغه كيفية ~~السنة في أكله، وكيف لا، والله سبحانه يقول: { قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ~~والاتباعية الكاملة إنما تصح بأن تكون عامة في كل الأشياء، ~~يعني: إلا ما خصصه به الدليل، جعلنا الله من أهلها في ~~الدارين. انتهى. # قال * ع *: قال الحسن بن أبي الحسن، وابن جريج: إن ~~قوما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد، ~~إنا نحب ربنا، فنزلت هذه الآية، وقيل: أمر صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول هذا القول لنصارى نجران. # قال * ع *: ويحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب اليهود ~~والنصارى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم يحبون الله، ويحبهم. # قال عياض: اعلم أن من أحب شيئا، آثره، وآثر موافقته، ~~وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعيا، فالصادق في حب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، من تظهر علامات ذلك عليه، وأولها الاقتداء به، ~~واتباع سنته، واتباع أقواله وأفعاله، والتأدب بآدابه في عسره ~~ويسره؛ قال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني. # .. } الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنه قال: # " من استمسك بحديثي، وفهمه وحفظه، جاء مع ~~القرآن، ومن تهاون بالقرآن، وحديثي، خسر الدنيا ~~والآخرة... " # الحديث، وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " المستمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر ~~مائة شهيد " # ، وقال أبي بن كعب: # " عليكم ms0221 بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض من عبد على ~~السبيل والسنة، ذكر الله في نفسه، ففاضت عيناه من خشية ~~ربه، فيعذبه الله أبدا، وما على الأرض من عبد على السبيل ~~والسنة، ذكر الله في نفسه، فاقشعر جلده من خشية ~~الله، إلا كان مثله كمثل شجرة، قد يبس ورقها، فهي ~~كذلك؛ إذ أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط ~~الله عنه خطاياه؛ كما تحات عن الشجرة ورقها " # الحديث. # قال عياض: ومن علامات محبته صلى الله عليه وسلم: زهد مدعيها ~~في الدنيا، وإيثاره الفقر، واتصافه فيه؛ ففي حديث أبي سعيد: # " إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من ~~السيل من أعلى الوادي، أو الجبل إلى أسفله " # ، وفي حديث عبد الله بن مغفل: # " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، إني ~~أحبك، فقال: انظر ما تقول؟ قال: والله لأحبك»؛ ~~ثلاث مرات؛ قال: «إن كنت تحبني، فأعد للفقر ~~تجفافا» " # ، ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه اه من «الشفا». # قال * ع *: والمحبة: إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل ~~بالمعتقد، وقد تكون الإرادة المجردة فيما يكره المريد، والله ~~تعالى يريد وقوع الكفر، ولا يحبه، ومحبة العبد لله تعالى ~~يلزم عنها، ولا بد أن يطيعه، ومحبة الله تعالى أمارتها ~~للمتأمل أن يرى العبد مهديا مسددا ذا قبول في الأرض، ~~فلطف الله تعالى بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته، ~~وبهذا النظر يفسر لفظ المحبة؛ حيث وقعت من كتاب الله عز ~~وجل. ### || [3.33-35] # وقوله تعالى: { إن الله اصطفى آدم ونوحا... } الآية: لما ~~مضى صدر من محاجة نصارى نجران، والرد عليهم وبيان ~~فساد ما هم عليه، جاءت هذه الآيات معلمة بصورة الأمر الذي قد ~~ضلوا فيه، ومنبئة عن حقيقته، كيف كانت، فبدأ تعالى بذكر ~~فضل آدم ومن ذكر بعده، ثم خص امرأة عمران بالذكر؛ لأن ~~القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى (عليه السلام)، ~~وكيف كان، وانصرف «نوح»، مع عجمته وتعريفه؛ لخفة الاسم؛ ~~كهود ولوط، قال الفخر هنا: اعلم أن المخلوقات على ms0222 ~~قسمين: مكلف، وغير مكلف، واتفقوا على أن المكلف أفضل ~~من غير المكلف، واتفقوا على أن أصناف المكلفين أربعة: ~~الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين. # * ت *: تأمله جعل الشياطين قسيما للجن. اه. # والآل؛ في اللغة: الأهل، والقرابة، ويقال للأتباع، وأهل ~~الطاعة: آل، والآل؛ في الآية: يحتمل الوجهين، فإن أريد ~~بالآل: القرابة، فالتقدير أن الله اصطفى هؤلاء على ~~عالمي زمانهم، أو على العالمين جميعا؛ بأن يقدر نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، وإن أريد بالآل: ~~الأتباع، فيستقيم دخول أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~في الآل؛ لأنها على ملة إبراهيم. # وقوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض } ، أي: متشابهين في ~~الدين، والحال، وعمران هو رجل من بني إسرائيل، وامرأة عمران ~~اسمها حنة، ومعنى: { نذرت }: جعلت لك ما في بطني ~~محررا، أي: حبيسا على خدمة بيتك، محررا من كل خدمة ~~وشغل من أشغال الدنيا، والبيت الذي نذرته له هو بيت ~~المقدس، { فتقبل مني } ، أي: ارض عني في ذلك، ~~واجعله فعلا مقبولا مجازى به، و { السميع }: إشارة إلى ~~دعائها، و { العليم }: إشارة إلى نيتها. ### || [3.36-38] # وقوله تعالى: { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها ~~أنثى والله أعلم بما وضعت }: الوضع: الولادة، ~~وقولها: { رب إني وضعتها أنثى }: لفظ خبر في ضمنه ~~التحسر والتلهف، وبين الله ذلك بقوله: { والله أعلم ~~بما وضعت } ، وقولها: { وليس الذكر كالأنثى } ، تريد ~~في امتناع نذرها؛ إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة ~~الرهبان، قاله قتادة وغيره، وبدأت بذكر الأهم في نفسها، ~~وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول: وليس الأنثى كالذكر، وفي ~~قولها: { وإني سميتها مريم }: سنة تسمية الأطفال قرب ~~الولادة؛ ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولد لي الليلة مولود، فسميته باسم أبي ~~إبراهيم " # ، وباقي الآية إعاذة، قال النووي: وروينا في سنن أبي داود؛ ~~بإسناد جيد، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء ~~آبائكم، فأحسنوا أسماءكم " # وفي صحيح مسلم، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " إن ms0223 أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد ~~الله، وعبد الرحمن " # وفي سنن أبي داود والنسائي، وغيرهما، عن أبي وهب ~~الجشمي، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى ~~الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها ~~حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة " # اه. # وفي الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية أبي هريرة، ~~قال: # " كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان، ~~وبها يستهل الصبي إلا ما كان من مريم ابنة ~~عمران، وابنها؛ فإن أمها قالت حين وضعتها: { ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطن الرجيم ~~} ، فضرب بينهما حجاب، فطعن الشيطان في الحجاب " # ، وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث، والمعنى واحد؛ كما ذكرته، قال ~~النووي: باب ما يقال عند الولادة: روينا في كتاب ابن ~~السني، عن فاطمة (رضي الله عنها)؛ " أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لما دنا ولادها، أمر أم سلمة، وزينب ~~بنت جحش؛ أن تأتياها، فتقرآ عندها آية الكرسي، ~~و { إن ربكم الله... } إلى آخر الآية، وتعوذانها ~~بالمعوذتين«. انتهى. # وقوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول حسن }: إخبار منه ~~سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ بأنه رضي مريم لخدمة ~~المسجد؛ كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك. # وقوله سبحانه: { وأنبتها نباتا حسنا }: عبارة عن حسن ~~النشأة في خلقة وخلق. # * ص *: { بقبول } مصدر على غير الصدر، والجاري على: ~~تقبل تقبلا، وعلى قبل قبولا، و { نباتا }: مصدر ~~منصوب ب «أنبتها»؛ على غير الصدر. انتهى. # وقوله تعالى: { وكفلها زكريا } معناه: ضمها إلى إنفاقه ~~وحضنه، والكافل: هو المربي، قال السدي وغيره: إن ~~زكريا كان زوج أختها؛ ويعضد هذا القول قوله صلى الله عليه ~~وسلم في يحيى وعيسى: «ابنا الخالة»، والذي عليه الناس: ~~أن زكريا إنما كفلها بالاستهام؛ لتشاحهم حينئذ فيمن يكفل ~~المحرر. # وقوله تعالى: { كلما دخل عليها زكريا المحراب ~~وجد عندها رزقا }: المحراب: المبنى الحسن، ومحراب ~~القصر: أشرف ما فيه؛ ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى؛ وهو ~~موقف الإمام: محراب، ومعنى { رزقا } ، أي: طعاما يتعذى به، ~~لم يعهده، ms0224 ولا عرف كيف جلب إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجد ~~عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ~~ونحوه عن ابن عباس إلا أنه قال: ثمار الجنة، وقوله: { أنى ~~}: معناه: كيف، ومن أين، وقولها: { من عند الله } دليل ~~على أنه ليس من جلب بشر، قال الزجاج. وهذا من الآية التي ~~قال الله تعالى: # وجعلنها وابنها ءاية للعلمين # [الأنبياء:91] وقولها: { إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب }: تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله، وذهب الطبري ~~إلى أن ذلك ليس من قول مريم، وأنه خبر من الله تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه لا تنتقص خزائنه، فليس ~~يحسب ما خرج منها، وقد يعبر بهذه العبارة عن المكثرين من ~~الناس؛ أنهم ينفقون بغير حساب، وذلك مجاز وتشبيه، والحقيقة ~~هي فيما ينتفق من خزائن الله سبحانه، قال الشيخ ابن أبي جمرة ~~(رضي الله عنه)، وقد قال العلماء في معنى قوله عز وجل: { إن ~~الله يرزق من يشاء بغير حساب }: إنه الفتوح، إذا ~~كان على وجهه. اه، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لو دعيت إلى ذراع أو كراع، لأجبت ". # وقوله تعالى: { هنالك دعا زكريا ربه } هنالك؛ في ~~كلام العرب: إشارة إلى مكان أو زمان فيه بعد، ومعنى هذه ~~الآية: إن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ~~ومكانتها من الله، وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن ~~أسنت، وأن الله تعالى تقبلها، وجعلها من الصالحات، تحرك ~~أمله لطلب الولد، وقوي رجاؤه، وذلك منه على حال سن ~~ووهن عظم، واشتعال شيب، فدعا ربه أن يهب له ذرية ~~طيبة يرثه، والذرية: اسم جنس، يقع على واحد فصاعدا؛ كما ~~أن الولد: اسم جنس كذلك، وطيبة: معناه: سليمة في الخلق ~~والدين، تقية، ثم قال تعالى: # فنادته الملئكة # [آل عمران:39]، وترك محذوف كثير دل عليه ما ذكر، تقديره: ~~فقبل الله دعاءه، وبعث الملك، أو الملائكة، فنادته، ~~وذكر جمهور المفسرين؛ أن المنادي إنما هو جبريل، وقال قوم: بل ~~نادته ملائكة كثيرة؛ حسبما ms0225 تقتضيه ألفاظ الآية، قلت: وهذا هو ~~الظاهر، ولا يعدل عنه إلا أن يصح في ذلك حديث عنه صلى الله عليه ~~وسلم، فيتبع. ### || [3.39-41] # وقوله تعالى: { فنادته } عبارة تستعمل في التبشير، وفي ما ينبغي ~~أن يسرع به، وينهى إلى نفس السامع ليسر به، فلم يكن هذا في ~~الملائكة إخبارا على عرف الوحي، بل نداء كما نادى الرجل ~~الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل. # وقوله تعالى: { وهو قائم يصلي في المحراب } ، يعني: ب ~~«المحراب»؛ في هذا الموضع: موقف الإمام من المسجد، ويحيى: ~~اسم سماه الله به قبل أن يولد، و { مصدقا } نصب على ~~الحال، قال ابن عباس وغيره: الكلمة هنا يراد بها عيسى ابن ~~مريم. # قال * ع *: وسمى الله تعالى عيسى كلمة، إذ صدر عن كلمة ~~منه تعالى، وهي «كن»، لا بسبب إنسان. # وقوله تعالى: { وسيدا }: قال قتادة: أي: والله سيد في ~~الحلم والعبادة والورع. # قال * ع *: من فسر السؤدد بالحلم، فقد أحرز أكثر معنى ~~السؤدد، ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه، فلم يفسره ~~بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام بقوله: { ~~مصدقا بكلمة من الله } ، وتحصل التقى بباقي الآية، ~~وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاعتمال في رضا الناس على ~~أشرف الوجوه، دون أن يوقع في باطل هذا اللفظ يعم السؤدد، ~~وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم، وكف الأذى، وهنا ~~هي العفة بالفرج، واليد، واللسان، واحتمال العظائم، وهنا هو ~~الحلم وغيره من تحمل الغرامات والإنقاذ من الهلكات، ~~وجبر الكسير، والإفضال على المسترفد، وانظر قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " أنا سيد ولد آدم، ولا فخر " # ، وذكر حديث الشفاعة في إطلاق الموقف، وذلك منه اعتمال في رضا ~~ولد آدم، ثم: # قال * ع *: أما أنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ~~ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام . # وقوله تعالى: { وحصورا } أصل هذه اللفظة: الحبس والمنع، ومنه: ~~حصر العدو. # قال * ع *: وأجمع من يعتد بقوله من المفسرين على أن هذه ~~الصفة ليحيى عليه ms0226 السلام إنما هي الامتناع من وطء ~~النساء إلا ما حكى مكي من قول من قال: إنه الحصور عن ~~الذنوب، وذهب بعض العلماء إلى أن حصره كان بأنه يمسك ~~نفسه؛ تقى وجلدا في طاعة الله سبحانه، وكانت به القدرة على ~~جماع النساء، قالوا: وهذه أمدح له، قال الإمام الفخر: وهذا ~~القول هو اختيار المحققين؛ أنه لا يأتي النساء، لا للعجز، بل ~~للعصمة والزهد. # قلت: قال عياض: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى ~~ عليه السلام ؛ بأنه حصور، ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبا ~~أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد ~~العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام ~~، وإنما معناه: معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها؛ كأنه حصر عنها، ~~وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء؛ ~~كفاية من الله له؛ لكونها مشغلة في كثير من الأوقات، حاطة ~~إلى الدنيا، ثم هي؛ في حق من أقدر عليها، وقام بالواجب ~~فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، أي: وسائر النبيين. # اه من «الشفا». # وباقي الآية بين. # وروي من صلاحه - عليه السلام -؛ أنه كان يعيش من العشب، وأنه ~~كان كثير البكاء من خشية الله؛ حتى اتخذ الدمع في وجهه ~~أخدودا. # * ص *: و { من الصلحين } ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحا ~~من الصالحين، فيكون صفة لموصوف محذوف. اه. # قلت: والثاني أحسن، والأول تحصيل الحاصل، فتأمله. # وقوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلم وقد ~~بلغني الكبر... } الآية: ذهب الطبري وغيره إلي أن ~~زكريا لما رأى حال نفسه، وحال امرأته، وأنها ليست بحال نسل، ~~سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم ~~كيف يكون؟ # قال * ع *: وهذا تأويل حسن لائق بزكريا عليه السلام . # و { أنى }: معناها: كيف، ومن أين، وحسن في الآية { ~~بلغني الكبر }؛ من حيث هي عبارة واهن منفعل. # وقوله: { كذلك } ، أي: كهذه القدرة المستغربة قدرة ~~الله، ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى ms0227 حال زكريا، وحال ~~امرأته؛ كأنه قال: رب، على أي وجه يكون لنا غلام، ونحن بحال ~~كذا، فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام؛ ~~على هذا التأويل في قوله: { كذلك }. # وقوله: { الله يفعل ما يشاء }: جملة مبينة مقررة في ~~النفس وقوع هذا الأمر المستغرب. # وقوله: { قال رب اجعل لي ءاية } ، أي: علامة، قالت فرقة ~~من المفسرين لم يكن هذا من زكريا على جهة الشك، وإنما سأل ~~علامة على وقت الحمل. # وقوله تعالى: { ءايتك ألا تكلم الناس... } الآية: قال ~~الطبري وغيره: لم يكن منعه الكلام لآفة، ولكنه منع محاورة ~~الناس، وكان يقدر على ذكر الله، ثم استثنى الرمز، وهو ~~استثناء منقطع، والكلام المراد في الآية: إنما هو النطق ~~باللسان، لا الإعلام بما في النفس، والرمز في اللغة: حركة ~~تعلم بما في نفس الرامز؛ كانت الحركة من عين، أو حاجب، ~~أو شفة، أو يد، أو عود، أو غير ذلك، وقد قيل للكلام المحرف ~~عن ظاهره: رموز. # وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا؛ لأنه لم يحل بينه وبين ~~ذكر الله، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه، قال ~~محمد بن كعب القرظي: لو كان الله رخص لأحد في ترك ~~الذكر، لرخص لزكرياء عليه السلام ؛ حيث قال: { آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلثة أيام إلا رمزا } ، لكنه قال له: ~~{ اذكر ربك كثيرا } قال الإمام الفخر: وفي الآية تأويلان: # أحدهما: أن الله تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره على ~~الذكر والتسبيح والتهليل؛ ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر ~~الله وطاعته؛ شكرا لله على هذه النعمة، ثم أعلم أن هذه ~~الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه: # أحدها: أن قدرته على الذكر والتسبيح، وعجزه عن التكلم بأمور ~~الدنيا من المعجزات. # وثانيها: أن حصول ذلك العجز مع صحة البينة من المعجزات. # وثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت تلك الحالة، فقد حصل الولد، ~~ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضا من المعجزات. # والتأويل الثاني: أن المراد منه الذكر بالقلب؛ وذلك لأن ~~المستغرقين ms0228 في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في أول الأمر ~~أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة، فإذا امتلأ القلب من ~~نور ذكر الله تعالى، سكتوا باللسان، وبقي الذكر في ~~القلب؛ ولذلك قالوا: «من عرف الله، كل لسانه»، فكان ~~زكرياء عليه السلام أمر بالسكوت باللسان واستحضار معاني ~~الذكر والمعرفة، واستدامتها بالقلب. اه. # وقوله تعالى: { وسبح }: معناه: قل سبحان الله، وقال قوم: ~~معناه صل، والأول أصوب؛ لأنه يناسب الذكر، ويستغرب مع امتناع ~~الكلام مع الناس، والعشي، في اللغة: من زوال الشمس إلى ~~مغيبها، والإبكار: مصدر أبكر الرجل، إذا بادر أمره من ~~لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتتمادى البكرة شيئا بعد ~~طلوع الشمس، يقال: أبكر الرجل وبكر. ### || [3.42-43] # وقوله تعالى: { وإذ قالت الملئكة }: العامل في «إذ»: ~~«اذكر»؛ لأن هذه الآيات كلها إنما هي إخبارات بغيب تدل على ~~نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مقصد ذكرها هو الأظهر ~~في حفظ رونق الكلام. # و { اصطفك }: معناه: تخيرك لطاعته، و { طهرك }: معناه: ~~من كل ما يصم النساء في خلق، أو خلق، أو دين؛ قاله مجاهد ~~وغيره، وقول الزجاج: قد جاء في التفسير؛ أن معناه: طهرك من ~~الحيض والنفاس يحتاج إلى سند قوي، وما أحفظه، و { ~~العلمين } يحتمل عالم زمانها. # قال * ع *: وسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على العالمين، وقد قال ~~بعض الناس: إن مريم نبية من أجل مخاطبة الملائكة لها، ~~وجمهور الناس على أنها لم تنبإ امرأة، و { اقنتي } معناه: ~~اعبدي، وأطيعي؛ قاله الحسن وغيره، ويحتمل أن يكون معناه: أطيلي ~~القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى ~~لقوله: { واسجدي } ، وروى مجاهد؛ أنها لما خوطبت بهذا، قامت ~~حتى ورمت قدماها، وروى الأوزاعي: حتى سال الدم ~~والقيح من قدميها، وروي أن الطير كانت، تنزل على ~~رأسها تظنها جمادا. # واختلف المتأولون، لم قدم السجود على الركوع. # فقال قوم: كان ذلك في شرعهم، والقول عندي في ذلك: أن مريم ~~أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة، وهما طول ~~القيام، والسجود، وخصا بالذكر لشرفهما، وهذان يختصان ~~بصلاتها ms0229 مفردة وإلا فمن يصلي وراء إمام، فليس يقال له: أطل ~~قيامك، ثم أمرت بعد بالصلاة في الجماعة، فقيل لها: { واركعي ~~مع الراكعين } ، وقصد هنا معلم آخر من معالم الصلاة ~~لئلا يتكرر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظم ~~في ركعة واحدة، والله أعلم. # وقال * ص *: قوله: { واركعي } ، الواو: لا ترتب، فلا يسأل، لم ~~قدم السجود، إلا من جهة علم البيان، وجوابه أنه قدم؛ لأنه أقرب ~~ما يكون العبد فيه من ربه، فكان أشرف، وقيل: كان مقدما في ~~شرعهم. اه. ### || [3.44-48] # وقوله تعالى: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك... } ~~الآية: هذه المخاطبة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة ~~بذلك إلى ما تقدم ذكره من القصص، والأنباء: الأخبار، والغيب: ~~ما غاب عن مدارك الإنسان، ونوحيه: معناه: نلقيه في نفسك في ~~خفاء، وحد الوحي: إلقاء المعنى في النفس في خفاء، فمنه ~~بالملك، ومنه بالإلهام، ومنه بالإشارة، ومنه بالكتاب. # وفي هذه الآية بيان لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ ~~جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها، وهو لم يكن لديهم، أو ~~من قرأها في كتبهم، وهو صلى الله عليه وسلم أمي من قوم ~~أميين، أو: من أعلمه الله بها، وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، و { ~~لديهم }: معناه: عندهم ومعهم. # وقوله: { إذ يلقون أقلمهم... } الآية: جمهور العلماء ~~على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، فروي أنهم ألقوا ~~أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، فروي ~~أن قلم زكريا صاعد الجرية، ومضت أقلام الآخرين، وقيل غير ~~هذا، قلت: ولفظ ابن العربي في «الأحكام» قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " فجرت الأقلام وعلا قلم زكريا " # اه، وإذا ثبت الحديث، فلا نظر لأحد معه. # و { يختصمون }: معناه: يتراجعون القول الجهير في أمرها. # وفي هذه الآية استعمال القرعة، والقرعة سنة، # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا سافر، أقرع بين ~~نسائه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لو يعلمون ما في الصف الأول، لاستهموا عليه ~~". # واختلف أيضا، هل الملائكة هنا عبارة عن جبريل ms0230 وحده أو عن ~~جماعة من الملائكة؟ # و { وجيها }: نصب على الحال، وهو من الوجه، أي: له وجه ~~ومنزلة عند الله، وقال البخاري: وجيها: شريفا اه. # { ومن المقربين }: معناه: من الله تعالى، وكلامه في ~~المهد: آية دالة على براءة أمه، وأخبر تعالى عنه أنه ~~أيضا يكلم الناس كهلا، وفائدة ذلك أنه إخبار لها بحياته ~~إلى سن الكهولة، قال جمهور الناس: الكهل الذي بلغ سن ~~الكهولة، وقال مجاهد: الكهل: الحليم؛ # قال * ع *: وهذا تفسير للكهولة بعرض مصاحب لها في الأغلب، ~~واختلف الناس في حد الكهولة، فقيل: الكهل ابن أربعين، ~~وقيل: ابن خمسة وثلاثين، وقيل: ابن ثلاثة وثلاثين، وقيل: ابن ~~اثنين وثلاثين، هذا حد أولها، وأما آخرها، فاثنان وخمسون، ~~ثم يدخل سن الشيخوخة. # وقول مريم: { أنى يكون لي ولد }: استفهام عن جهة ~~حملها، واستغراب للحمل على بكارتها، و «يمسس»: معناه: ~~يطأ ويجامع. # * ص *: والبشر يطلق على الواحد والجمع. اه. # والكلام في قوله: { كذلك } كالكلام في أمر زكريا، وجاءت ~~العبارة في أمر زكريا: «يفعل»، وجاءت هنا: «يخلق»؛ من حيث ~~إن أمر زكريا داخل في الإمكان الذي يتعارف، وإن قل، وقصة ~~مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع، وأدل ~~عليه. # وقوله تعالى: { إذا قضى أمرا }: معناه: إذا أراد إيجاده، ~~والأمر واحد الأمور، وهو مصدر سمي به، والضمير في «له» عائد ~~على الأمر والقول؛ على جهة المخاطبة. # وقوله: { كن }: خطاب للمقضي. # وقوله: { فيكون }؛ بالرفع: خطاب للمخبر. # وقوله تعالى: { ويعلمه الكتب... } الآية: الكتاب هنا: ~~هو الخط باليد، وهو مصدر: كتب يكتب؛ قاله جمهور المفسرين. ### || [3.49-51] # وقوله: { ورسولا إلى بني إسرءيل } ، أي: ويجعله رسولا، ~~وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل مبينا ~~حكم التوراة، ونادبا إلى العمل بها، ومحللا أشياء مما ~~حرم فيها؛ كالثروب ولحوم الإبل، وأشياء من الحيتان ~~والطير، ومن أول القول لمريم إلى قوله: «إسرائيل»: خطاب لمريم، ~~ومن قوله: { أني قد جئتكم } إلى قوله: { مستقيم }: ~~يحتمل أن يكون خطابا لمريم؛ على معنى: يكون من قوله لبني ~~إسرائيل كيت وكيت، ويكون في آخر الكلام ms0231 محذوف يدل عليه ~~الظاهر، تقديره: فجاء عيسى بني إسرائيل رسولا، فقال لهم ما تقدم ~~ذكره، ويحتمل أن يكون المحذوف مقدرا في صدر الكلام بعد ~~قوله: { إلى بني إسرءيل } ، فيكون تقديره: فجاء عيسى؛ كما ~~بشر الله رسولا إلى بني إسرائيل؛ بأني قد جئتكم، ويكون ~~قوله: { أني قد جئتكم } ليس بخطاب لمريم، والأول أظهر. # وقوله: { أني أخلق لكم من الطين... } الآية: قرأ نافع: ~~«إني أخلق» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السبعة بفتحها، فوجه ~~قراءة نافع إما القطع والاستئناف، وإما أنه فسر الآية بقوله: ~~«إني»، كما فسر المثل في قوله: # كمثل ءادم # [آل عمران:59] ووجه قراءة الباقين البدل من «آية»؛ كأنه قال: ~~وجئتكم بأني أخلق، و { أخلق }: معناه: أقدر وأهيىء بيدي. # * ص *: { كهيئة }: الهيئة: الشكل والصورة، وهو مصدر: هاء ~~الشيء يهيىء هيئة، وهيأ، إذا ترتب واستقر على ~~حال ما، وتعديه بالتضعيف، قال تعالى: # ويهيئ لكم من أمركم مرفقا # [الكهف:16] اه. # وقرأ نافع وحده: «فيكون طائرا»؛ بالإفراد؛ أي: يكون طائرا من ~~الطيور، وقرأ الباقون: «فيكون طيرا»؛ بالجمع؛ وكذلك في «سورة ~~المائدة» والطير: اسم جمع، وليس من أبنية الجموع، وإنما البناء ~~في جمع طائر: أطيار، وجمع الجمع: طيور. # وقوله: { فأنفخ فيه } ، ذكر الضمير؛ لأنه يحتمل أن يعود على ~~الطين المهيىء، ويحتمل أن يريد: فأنفخ في المذكور، وأنث ~~الضمير في «سورة المائدة»؛ لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة، أو على ~~تأنيث لفظ الجماعة، وكون عيسى يخلق بيده، وينفخ بفيه، ~~إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة، وأنها جاءت من قبله، وأما ~~الإيجاد من العدم، وخلق الحياة في ذلك الطين، فمن الله ~~تعالى وحده، لا شريك له. # وروي في قصص هذه الآية، أن عيسى عليه السلام كان ~~يقول لبني إسرائيل: أي الطير أشد خلقة، ~~وأصعب أن يحكى؟ فيقولون: الخفاش؛ لأنه طائر لا ~~ريش له، فكان يصنع من الطين خفافيش، ثم ينفخ ~~فيها فتطير، وكل ذلك بحضرة الناس، ~~ومعاينتهم، فكانوا يقولون: «هذا ساحر» { أبرىء } ~~معناه: أزيل المرض، و { الأكمه }: هو الذي يولد أعمى ~~مضموم العينين؛ قاله ابن عباس وقتادة، # قال * ع ms0232 *: والأكمه؛ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى عليه ~~السلام يبرىء بدعائه، ومسح يده على كل عاهة، ولكن ~~الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوة لا يقوم إلا ~~بالإبراء من العلل التي لا يبرىء منها طبيب بوجه، وروي في ~~إحيائه الموتى؛ أنه كان يضرب بعصاه الميت، أو القبر، أو ~~الجمجمة؛ فيحيى الإنسان، ويكلمه بإذن الله، وفي قصص ~~الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها، وآيات عيسى عليه ~~السلام إنما تجري فيما يعارض الطب؛ لأن علم الطب كان ~~شرف الناس في ذلك الزمان، وشغلهم، وحينئذ أثيرت فيه ~~العجائب، فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة ~~وأصول الطب؛ وذلك إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ~~علمت الأطباء؛ أن هذه القوة من عند الله، وهذا كأمر ~~السحرة مع موسى، والفصحاء مع نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ووقع في التواريخ المترجمة عن الأطباء؛ أن جالينوس ~~كان في زمن عيسى عليه السلام ، وأنه رحل إليه من ~~رومية إلى الشام، فمات في طريقه ذلك. # وقوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم } الآية: قال مجاهد وغيره: كان عيسى عليه السلام من ~~لدن طفوليته، وهو في الكتاب، يخبر الصبيان بما يفعل آباؤهم ~~في منازلهم، وبما يؤكل من الطعام، ويدخر، وكذلك إلى أن ~~نبئى، فكان يقول لكل من سأله عن هذا المعنى: أكلت البارحة ~~كذا، وادخرت كذا، وقال قتادة: معنى الآية: إنما هو في نزول ~~المائدة عليهم، وذلك أنها لما نزلت، أخذ عليهم عهد أن ~~يأكلوا ولا يخبأ أحد شيئا، ولا يدخره ولا يحمله إلى ~~بيته، فخانوا، وجعلوا يخبئون، فكان عيسى عليه السلام ~~يخبر كل أحد عما أكل، وعما ادخر في بيته من ذلك، ~~وعوقبوا على ذلك. # وقوله: { فاتقوا الله وأطيعون }: تحذير، ودعاء إلى ~~الله عز وجل. # وقوله: { هذا صرط مستقيم }: إشارة إلى قوله: { إن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه } ، لأن ألفاظه جمعت الإيمان ~~والطاعات، والصراط: الطريق، والمستقيم: الذي لا اعوجاج ~~فيه. ### || [3.52-54] # وقوله تعالى: { فلما أحس عيسى منهم الكفر } الآية: ~~قبل هذه الآية محذوف، به يتم ms0233 اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى؛ ~~كما بشر الله به، فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل، { فلما ~~أحس } ، ومعنى: { أحس }: علم من جهة الحواس بما سمع من ~~أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدة عداوتهم، وإعراضهم، ~~{ قال من أنصاري إلى الله } وقوله: { إلى الله }: ~~يحتمل معنيين: # أحدهما: من ينصرني في السبيل إلى الله. # والثاني: أن يكون التقدير: من يضيف نصرته إلى نصرة الله ~~لي، فإلى دالة على الغاية في كلا التقديرين، وليس يباح أن ~~يقال: «إلى» بمعنى «مع»؛ كما غلط في ذلك بعض الفقهاء في ~~تأويل قوله تعالى: # وأيديكم إلى المرافق # [المائدة:6]، فقال: «إلى» بمعنى «مع»، وهذه عجمة. # والحواريون قوم مر بهم عيسى صلى الله عليه وسلم، فدعاهم ~~إلى نصره واتباع ملته، فأجابوه، وقاموا بذلك خير قيام، ~~وصبروا في ذات الله، واختلف، لم قيل لهم حواريون؟ فقال ابن ~~جبير: لبياض ثيابهم، وقال أبو أرطاة: لأنهم كانوا ~~قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وقال قتادة: ~~الحواريون: أصفياء الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة، وقال ~~الضحاك نحوه، # قال * ع *: وهذا القول تقرير حال القوم، وليس بتفسير ~~اللفظة، وعلى هذا الحد شبه النبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~عمته بهم في قوله: # " وحواريي الزبير " # والأقوال الأول هي تفسير اللفظة؛ إذ هي من الحور، وهو البياض، ~~حورت الثوب: بيضته؛ ومنه الحواري، وقد تسمي العرب ~~النساء الساكنات في الأمصار: الحواريات؛ لغلبة ~~البياض عليهن؛ ومنه قول أبي جلدة اليشكري: [الطويل] # فقل للحواريات يبكين غيرنا # ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح # وقول الحواريين: { واشهد } يحتمل أن يكون خطابا لعيسى ~~عليه السلام ، أي: اشهد لنا عند الله، ويحتمل أن يكون ~~خطابا لله تعالى؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: # " اللهم، اشهد " # ، وقولهم: { ربنا ءامنا بما أنزلت } يريدون: الإنجيل، ~~وآيات عيسى، { فاكتبنا مع الشهدين } ، أي: في عداد ~~من شهد بالحق من مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل ~~الكافرين بعيسى عليه السلام ، فقال: { ومكروا } ، يريد ~~في تحيلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مكرهم، فجازاهم الله تعالى؛ ~~بأن طرح شبه ms0234 عيسى على أحد الحواريين؛ في قول الجمهور، أو على ~~يهودي منهم كان جاسوسا، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهوانا ~~في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله تعالى ~~مكرا في قوله: { ومكر الله } ، وذلك مهيع أن تسمى ~~العقوبة باسم الذنب. # وقوله: { والله خير المكرين }: معناه: فاعل حق في ذلك، ~~وذكر أبو القاسم القشيري في «تحبيره»، قال: سئل ميمون، ~~أحسبه: ابن مهران؛ عن قوله تعالى: { ومكروا ومكر ~~الله } فقال: تخليته إياهم، مع مكرهم هو مكره بهم. اه. ونحوه ~~عن الجنيد، قال الفراء: المكر من المخلوق الخب ~~والحيلة، ومن الإله الاستدراج، قال الله تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [القلم:44] قال ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة، أحدثنا لهم ~~نعمة. اه. ### || [3.55-58] # وقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك... } ~~الآية: اختلف في هذا التوفي. # فقال الربيع: هي وفاة نوم، وقال الحسن وغيره: هو توفي قبض ~~وتحصيل، أي: قابضك من الأرض، ومحصلك في السماء وقال ابن ~~عباس: هي وفاة موت، ونحوه لمالك في «العتبية»، وقال وهب بن ~~منبه: توفاه الله بالموت ثلاث ساعات، ورفعه فيها، ثم ~~أحياه بعد ذلك، وقال الفراء: هي وفاة موت، ولكن المعنى: إني ~~متوفيك في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام ~~تقديم وتأخير. # قال * ع *: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر؛ من أن ~~عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر ~~الزمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويقتل ~~الدجال، ويفيض العدل، ويظهر هذه الملة ملة ~~محمد صلى الله عليه وسلم؛ ويححج البيت, ويعتمر، ~~ويبقى في الأرض أربعا وعشرين سنة، وقيل: ~~أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى. # قال * ع *: فقول ابن عباس: هي وفاة موت لا بد أن يتمم إما ~~على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء. # وقوله تعالى: { ورافعك إلي } عبارة عن نقله من سفل ~~إلى علو، وإضافة الله سبحانه إضافة تشريف، وإلا فمعلوم أنه سبحانه ~~غير متحيز في جهة، { ومطهرك } ، أي: من: دعاوى ~~الكفرة ومعاشرتهم. # وقوله: { وجاعل الذين اتبعوك } الآية: قال جمهور ms0235 ~~المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين، فتدخل في ذلك أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم؛ لأنها متبعة لعيسى؛ قاله قتادة وغيره؛ وكذلك ~~قالوا بعموم اللفظ في الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى ~~عليه السلام ؛ أن أهل الإيمان به، كما يجب، هم فوق الذين ~~كفروا بالحجة، والبرهان، والعز والغلبة، ويظهر من ~~عبارة ابن جريج وغيره؛ أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره، ~~وهم الحواريون. # وقوله تعالى: { ثم إلي مرجعكم } خطاب لعيسى، ~~والمراد: الإخبار بالقيامة، والحشر، وباقي الآية بين، وتوفية ~~الأجور هي قسم المنازل في الجنة، فذلك هو بحسب الأعمال، وأما ~~نفس دخول الجنة، فبرحمة الله وتفضله سبحانه. # وقوله تعالى: { ذلك نتلوه عليك من الآيت } الآية: ~~«ذلك»: إشارة إلى ما تقدم من الأنباء، و { نتلوه }: معناه: ~~نسرده، و { من الآيت }: ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن ~~يريد: من المعجزات والمستغربات؛ أن تأتيهم بهذه الغيوب من ~~قبلنا، وبسبب تلاوتنا، و { الذكر }: ما ينزل من عند الله. ~~قال ابن عباس: الذكر: القرآن، و { الحكيم }: الذي قد كمل في ~~حكمته. ### || [3.59-61] # وقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله... } الآية: قال ابن ~~عباس وغيره: سبب نزولها محاجة نصارى نجران في أمر ~~عيسى، وقولهم: يا محمد، هل رأيت بشرا قط من غير ~~فحل، أو سمعت به، ومعنى الآية أن المثل الذي تتصوره ~~النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم؛ إذ الناس ~~مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير ~~فحل، وفي هذه الآية صحة القياس. # وقوله تعالى: { ثم قال } ترتيب للأخبار لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، المعنى: خلقه من تراب، ثم كان من أمره في الأزل أن قال ~~له: كن وقت كذا. # وقوله تعالى: { الحق من ربك } ، أي: هذا هو الحق، و { ~~الممترين }: هم الشاكون، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم في ~~عبارة اقتضت ذم الممترين؛ وهذا يدل على أن المراد بالامتراء ~~غيره ونهي عن الامتراء، مع بعده عنه على جهة التثبيت ~~والدوام على حاله. # وقوله تعالى: { فمن حاجك فيه } ، أي: في عيسى، ويحتمل في ~~الحق، والعلم ms0236 الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات ~~المتقدمة. # وقوله: { فقل تعالوا }: استدعاء للمباهلة، و { تعالوا ~~}: تفاعلوا؛ من العلو، وهي كلمة قصد بها أولا تحسين الأدب ~~مع المدعو، ثم اطردت؛ حتى يقولها الإنسان لعدوه، وللبهيمة، و { ~~نبتهل }: معناه: نلتعن، ويقال: عليهم بهلة الله، ~~والابتهال: الجد في الدعاء بالبهلة، روى محمد بن جعفر بن ~~الزبير وغيره: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما دعا ~~نصارى نجران إلى المباهلة، قالوا: دعنا ننظر في أمرنا، ثم ~~نأتك بما نفعل، فذهبوا إلى العاقب، وهو ذو رأيهم، ~~فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى، فقال: يا معشر ~~النصارى، والله، لقد عرفتم أن محمدا النبي ~~المرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ~~ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبيا، فبقي ~~كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنه الاستئصال إن ~~فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم ~~عيه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل، ~~وانصرفوا إلى بلادكم؛ حتى يريكم زمن رأيه، ~~فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، ~~قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نبقى على ديننا، ~~وصالحوه على أموال، وقالوا له: ابعث معنا رجلا ~~من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء قد ~~اختلفنا فيها من أموالنا؛ فإنكم عندنا رضى». # قال * ع *: وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم ~~عندهم، ودعاء النساء والأبناء أهز للنفوس، وأدعى لرحمة الله ~~للمحقين، أو لغضبه على المبطلين. ### || [3.62-64] # وقوله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق } الآية: هذا ~~خبر من الله تعالى، جزم مؤكد، فصل به بين المختصمين، ~~والإشارة بهذا هي إلى ما تقدم في أمر عيسى عليه السلام ، ~~والقصص معناه الإخبار. # وقال * ص *: { إن هذا لهو }: هذا، إشارة إلى القرآن. اه. # واختلف المفسرون من المراد بأهل الكتاب هنا. # فروى قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنهم يهود المدينة. # وقال ابن زيد وغيره: المراد نصارى نجران. # قال * ع *: والذي يظهر لي أن الآية نزلت ms0237 في وفد نجران، لكن ~~لفظ الآية يعمهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهذه الآية إلى هرقل عظيم الروم، وكذا ينبغي ~~أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة، «والكلمة» هنا؛ عند ~~الجمهور: عبارة عن الألفاظ التي تتضمن المعاني المدعو إليها، وهي ~~ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمي العرب القصيدة «كلمة»، وقوله: { ~~سوآء } نعت للكلمة، قال قتادة وغيره: معناه: إلى كلمة عدل، وفي ~~مصحف ابن مسعود: «إلى كلمة عدل»؛ كما فسر قتادة، # قال * ع *: والذي أقوله في لفظة { سوآء }: إنها ينبغي أن تفسر ~~بتفسير خاص بها في هذا الموضع، وهو أنه دعاهم إلى معان، جميع ~~الناس فيها مستوون. # وقوله: { ألا نعبد إلا الله } هو في موضع خفض على ~~البدل من { كلمة } ، أو في موضع رفع؛ بمعنى هي ألا ~~نعبد إلا الله، واتخاذ بعضهم بعضا أربابا هو على مراتب، ~~أشدها: اعتقادهم الألوهية، وعبادتهم لهم؛ كعزير، وعيسى، ~~ومريم، وأدنى ذلك: طاعتهم لأساقفتهم في كل ما أمروا به من ~~الكفر والمعاصي، والتزامهم طاعتهم شرعا. # * م *: { فإن تولوا }: أبو البقاء: تولوا: فعل ماض، ولا ~~يجوز أن يكون التقدير: «تتولوا»؛ لفساد المعنى؛ لأن قوله: { ~~فقولوا اشهدوا } خطاب للمؤمنين، و { تولوا } للمشركين. ~~اه. # وقوله: { فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }: أمر بالإعلان ~~بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم؛ على معنى التوبيخ والتهديد. ### || [3.65-68] # وقوله تعالى: { يأهل الكتب لم تحاجون في ~~إبرهيم... } الآية: قال ابن عباس وغيره: اجتمعت نصارى ~~نجران، وأحبار يهود عند النبي صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا ~~عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت ~~النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله الآية. ومعنى ~~قوله تعالى: { فيما لكم به علم } ، أي: على زعمكم، وفسر ~~الطبري هذا الموضع؛ بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم، وأنبيائهم ~~مما أيقنوه، وثبتت عندهم صحته، # قال * ع *: وذهب عنه (رحمه الله)؛ أن ما كان هكذا، فلا يحتاج معهم ~~فيه إلى محاجة؛ لأنهم يجدونه عند محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما كان ~~هناك على حقيقته. قلت: ms0238 وما قاله الطبري أبين، وهو ظاهر الآية، ~~ومن المعلوم أن أكثر احتجاجاتهم إنما كانت تعسفا، وجحدا ~~للحق. # وقوله تعالى: { ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا } ~~الآية: أخبر الله تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم عليه ~~السلام ، ونفى عنه اليهودية والنصرانية، والإشراك، ثم أخبر ~~تعالى إخبارا مؤكدا أن أولى الناس بإبراهيم هم القوم الذين ~~اتبعوه، فيدخل في ذلك كل من اتبع الحنيفية في الفترات؛ و { ~~هذا النبي }: يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث ~~بالحنيفية السمحة، و { الذين ءامنوا }: يعني: بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وسائر الأنبياء؛ على ما يجب ثم أخبر سبحانه؛ أنه ولي ~~المؤمنين؛ وعدا منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة؛ ~~روى عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي ~~منهم أبي وخليل ربي إبراهيم " # ، ثم قرأ: { إن أولى الناس بإبرهيم... } الآية. ### || [3.69-71] # وقوله تعالى: { ودت طائفة من أهل الكتب لو ~~يضلونكم } ، قال مكي: قيل: إن هذه الآية عني بها ~~قريظة، والنضير، وبنو قينقاع، ونصارى نجران. # * ص *: قوله تعالى: { ودت طائفة }: ود: بمعنى تمنى، ~~ويستعمل معها: «أن، ولو»، وربما جمع بينهما نحو: «وددت ~~أن لو فعل»، ومصدره الودادة، والاسم منه الود، وبمعنى: ~~أحب، فيتعدى كتعدي أحب، ومصدره: مودة، والاسم منه ~~ود، وقد يتداخلان في الاسم والمصدر اه. # وقوله تعالى: { وما يضلون إلا أنفسهم }: إعلام بأن سوء ~~فعلهم عائد عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون، ثم أعلم ~~تعالى؛ أنهم لا يشعرون بذلك، أي: لا يتفطنون، ثم وقفهم تعالى ~~موبخا لهم على لسان نبيه، والمعنى: قل لهم، يا محمد: لأي ~~سبب تكفرون بآيات الله التي هي آيات القرآن، وأنتم تشهدون؛ ~~أن أمره وصفة محمد في كتابكم؛ قال هذا المعنى قتادة وغيره. # ويحتمل أن يريد بالآيات ما ظهر على يده صلى الله عليه وسلم من ~~المعجزات. # قلت: ويحتمل الجميع من الآيات المتلوة والمعجزات التي شاهدوها ~~منه صلى الله عليه وسلم. # وقال * ص *: { وأنتم تشهدون }: جملة ms0239 حالية، ومفعول ~~«تشهدون»: محذوف، أي: أنها آيات الله، أو ما يدل على صحتها ~~من كتابكم، أو بمثلها من آيات الأنبياء. اه. # وقوله: { لم تلبسون }: معناه: تخلطون: تقول: لبست ~~الأمر؛ بفتح الباء: بمعنى خلطته؛ ومنه قوله تعالى: # وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام:9]. # وفي قوله: { وأنتم تعلمون } توقيف على العناد ظاهر. # وباقى الآية تقدم بيانه في «سورة البقرة». ### || [3.72-74] # وقوله تعالى: { وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا ~~بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار... } ~~الآية: أخبر الله سبحانه في هذه الآية أن طائفة من اليهود من ~~أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع، قال قتادة وغيره: ~~قال بعض الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمد صدر النهار ثم لنكفر به ~~آخر النهار، فسيقول المسلمون عند ذلك: ما بال هؤلاء كانوا ~~معنا ثم انصرفوا عنا، ما ذاك إلا لأنهم انكشفت لهم ~~حقيقة في الأمر، فيشكون، ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد، ~~قال الإمام الفخر: وفي إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه ~~الحيلة من الفائدة وجوه: # الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، فلما أخبر ~~بها عنهم، كان إخبارا بمغيب، فيكون معجزا. # الثاني: أنه تعالى، لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه ~~الحيلة، لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا ~~الإعلام، لأمكن تأثيرها في قلب من ضعف إيمانه. # الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلك رادعا لهم ~~عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس اه. # وذكر تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب؛ أنهم قالوا: { ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ، ولا خلاف أن هذا القول ~~هو من كلام الطائفة، واختلف الناس في قوله تعالى: { أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم } ، ~~فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل: الكلام كله من قول الطائفة ~~لأتباعهم. # وقوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله } اعتراض بين ~~الكلامين؛ # قال * ع *: والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: # أحدها: ولا تصدقوا وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم؛ حذارا ~~أن يؤتى أحد من النبوة ms0240 والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذارا أن ~~يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم، إذا لم تستمروا عليه، ~~وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر، مع ~~المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل الكلام ~~أن يكون معناه: ولا تؤمنوا بمحمد، وتقروا بنبوته؛ إذ قد علمتم ~~صحتها إلا لليهود الذين هم منكم، و { أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم }: صفة لحال محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فالمعنى: تستروا بإقراركم أن قد أوتي مثل ما أوتيتم، أو فإنهم ~~(يعنون العرب) يحاجونكم بالإقرار عند ربكم. # وقرأ ابن كثير وحده من بين السبعة: «آن يؤتى»؛ بالمد: على ~~جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على ~~أن الكلام كله من قول الطائفة إلا الاعتراض الذي هو: { قل ~~إن الهدى هدى الله }؛ فإنه لا يختلف؛ أنه من قول الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، قال: فلا يجوز مع الاستفهام أن ~~يحمل: «آن يؤتى» على ما قبله من الفعل؛ لأن الاستفهام ~~قاطع، فيجوز أن تكون «أن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره ~~محذوف، تقديره: تصدقون أو تعترفون أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا ~~مما يدل عليه الكلام. # قال * ع *: ويكون «يحاجوكم»؛ على هذا معطوفا على: «أن ~~يؤتى». قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع «أن» نصبا، فيكون ~~المعنى: أتشيعون أو تذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ~~ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم # [البقرة:76] فعلى كلا الوجهين معنى الآية توبيخ من الأحبار ~~للأتباع على تصديقهم بأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي ~~مبعوث. # قال * ع *: ويكون قوله تعالى: { أو يحاجوكم } في تأويل نصب ~~«أن» بمعنى: أو تريدون أن يحاجوكم. # وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله: { قل إن الهدى ~~هدى الله } إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ أن يقوله لأمته. # وحكى الزجاج وغيره؛ أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، ~~لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. # ومعنى الآية على قول السدي: أي: ms0241 لم يعط أحد مثل حظكم، وإلا ~~فليحاجكم من ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجونكم؛ ~~على معنى الازدراء باليهود؛ كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم، ~~أو يخاصموكم فيما وهبكم الله، وفضلكم به، وقال قتادة ~~والربيع: الكلام كله من قوله: { قل إن الهدى هدى الله ~~} إلى آخر الآية هو مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله ~~للطائفة. # قال * ع *: ويحتمل أن يكون قوله: { أن يؤتى } بدلا من قوله: { ~~هدى الله }. قلت: وقد أطالوا الكلام هنا، وفيما ذكرناه كفاية. # وقوله تعالى: { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله وسع عليم * يختص برحمته من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم } في الآية تكذيب لليهود في قولهم: ~~لن يؤتي الله أحدا مثل ما أتى بني إسرائيل؛ من النبوة ~~والشرف، وباقي الآية تقدم تفسير نظيره. ### || [3.75-78] # وقوله تعالى: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه... } ~~الآية: أخبر تعالى عن أهل الكتاب؛ أنهم قسمان في الأمانة، ~~ومقصد الآية ذم الخونة منهم، والتفنيد لرأيهم وكذبهم ~~على الله في استحلالهم أموال العرب. قال الفخر وفي الآية ثلاثة ~~أقوال: # الأول: أن أهل الأمانة منهم الذين أسلموا، أما الذين بقوا ~~على اليهودية، فهم مصرون على الخيانة؛ لأن مذهبهم أنه يحل ~~لهم قتل كل من خالفهم في الدين، وأخذ ماله. # الثاني: أن أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم ~~اليهود. # الثالث: قال ابن عباس: أودع رجل عبد الله بن سلام ~~ألفا ومائتي أوقية من ذهب، فأدى إليه، وأودع ~~آخر فنحاصا اليهودي دينارا، فخانه، فنزلت الآية. اه. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قال الطبري: وفائدة هذه الآية ~~النهي عن ائتمانهم على مال، وقال شيخنا أبو عبد الله ~~المغربي: فائدتها ألا يؤتمنوا على دين؛ يدل عليه ما بعده ~~في قوله: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتب } ، والصحيح عندي: أنها في المال نص، وفي الدين ~~تنبيه، فأفادت المعنيين بهذين الوجهين. قال ابن العربي: ~~فالأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظيم قدرها أنها تقف على ~~جنبتي الصراط لا يمكن ms0242 من الجواز إلا من حفظها، ولهذا ~~وجب عليك أن تؤديها إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك، ~~فتقابل المعصية بالمعصية؛ وكذلك لا يجوز أن تغدر من ~~غدرك. قال البخاري: باب إثم الغادر للبر والفاجر. ~~اه. # والقنطار؛ في هذه الآية: مثال للمال الكثير، يدخل فيه أكثر ~~من القنطار وأقل، وأما الدينار، فيحتمل أن يكون كذلك مثالا ~~لما قل، ويحتمل أن يريد أن منهم طبقة لا تخون إلا في دينار فما ~~زاد، ولم يعن لذكر الخائنين في أقل؛ إذ هم طغام حثالة، ~~ودام: معناه: ثبث. # وقوله: { قائما }: يحتمل معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزجاج: ~~معناه: قائما على اقتضاء حقك، يريدون بأنواع الاقتضاء من ~~الحفز والمرافعة إلى الحاكم من غير مراعاة لهيئة هذا ~~الدائم. # وقال السدي وغيره: معنى قائما: على رأسه. # وقوله: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل } الآية: الإشارة ب «ذلك» إلى كونهم لا ~~يؤدون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أميون ~~أصحاب أوثان، فأموالهم لنا حلال، متى قدرنا على شيء منها، ~~لا حجة علينا في ذلك، ولا سبيل لمعترض. # وقوله تعالى: { ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون } ذم لبني إسرائيل بأنهم يكذبون على الله سبحانه ~~في غير ما شيء، وهم عالمون بمواضع الصدق. # قال * ص *: { وهم يعلمون }: جملة حالية. اه. # ثم رد الله تعالى في صدر قولهم: { ليس علينا }؛ بقوله: { ~~بلى }؛ أي: عليهم سبيل، وحجة، وتباعة، ثم أخبر؛ على جهة ~~الشرط؛ أن من أوفى بالعهد، واتقى عقوبة الله في نقضه، ~~فإنه محبوب عند الله. # وقوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله... } ~~الآية: آية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية ~~يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد الحق وختر المواثيق، وكل ~~يأخذ من وعيدها؛ بحسب جريمته. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد اختلف الناس في سبب نزول هذه ~~الآية، والذي يصح من ذلك: أن عبد الله بن مسعود قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم، ms0243 ~~لقي الله، وهو عليه غضبان " # ، فأنزل الله تصديق ذلك: { إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمنهم ثمنا قليلا... } الآية، قال: ~~فجاء الأشعث بن قيس، فقال: في نزلت؛ كانت لي ~~بئر في أرض ابن عم لي، وفي رواية: # " كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينتك أو يمينه»، ~~قلت: إذن يحلف، يا رسول الله، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذكر الحديث " # اه. # وقوله تعالى: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتب... } الآية: يلوون: معناه: يحرفون ويتحيلون؛ ~~لتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعب ~~التأويلات؛ كقولهم: # رعنا # [البقرة:104]، # واسمع غير مسمع # [النساء:46] ونحو ذلك، وليس التبديل المحض بلي، وحقيقة اللي ~~في الثياب والحبال ونحوها، وهو فتلها وإراغتها؛ ومنه: لي ~~العنق، ثم استعمل ذلك في الحجج، والخصومات والمجادلات، ~~والكتاب؛ في هذا الموضع: التوراة، والضمير في «تحسبوه» ~~للمسلمين. # وقوله: { وما هو من عند الله }: نفي أن يكون منزلا من ~~عند الله؛ كما ادعوا، وهو من عند الله، بالخلق، والاختراع، ~~والإيجاد، ومنهم بالتكسب. ### || [3.79-80] # وقوله تعالى: { ما كان لبشر... } الآية: معناه: النفي التام؛ ~~لأنا نقطع أن الله لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين، و { ~~الكتب } هنا اسم جنس، و { الحكم }: بمعنى الحكمة؛ ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن من الشعر لحكما " # وقال الفخر. هنا اتفق أهل اللغة والتفسير على أن هذا الحكم هو ~~العلم، قال تعالى: # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم:12] يعني: العلم والفهم. اه. # «وثم»: في قوله: { ثم يقول }: معطية تعظيم الذنب في القول ~~بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله: { عبادا }: جمع «عبد»، ومن ~~جموعه عبيد، وعبدى. # قال * ع *: والذي أستقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد، ~~متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع، والدلالة على الطاعة، دون أن ~~يقترن بها معنى التحقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في ~~التحقير. # قال * ص *: ونوقش ابن عطية بأن «عبدى»: اسم جمع، وتفريقه ~~بين عباد وعبيد لا يصح. اه. # قلت: وقوله تعالى: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء # [الفرقان:17] ونحوه يوضحه. اه. # ومعنى ms0244 الآية: ما كان لأحد من الناس أن يقول: اعبدوني، ~~واجعلوني إلها، قال النقاش وغيره: وهذه الإشارة إلى عيسى ~~ عليه السلام ، والآية رادة على النصارى، وقال ابن عباس ~~وجماعة من المفسرين: بل الإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~وسبب نزول الآية أن أبا رافع القرظي قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حين اجتمعت الأحبار من يهود، والوفد من نصارى ~~نجران: يا محمد، إنما تريد أن نعبدك ~~ونتخذك إلها، كما عبدت النصارى عيسى، فقال ~~الرئيس من نصارى نجران: أو ذاك تريد يا محمد، ~~وإليه تدعونا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " معاذ الله! ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت " # ، فنزلت الآية، قال بعض العلماء: أرادت الأحبار أن تلزم هذا ~~القول محمدا صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني # [آل عمران:31] وإنما معنى الآية: فاتبعوني فيما أدعوكم إليه ~~من طاعة الله، فحرفوها بتأولهم، وهذا من نوع ليهم ~~الكتاب بألسنتهم، قال الفخر وقال ابن عباس: إن الآية نزلت بسبب ~~قول النصارى: المسيح ابن الله، وقول اليهود: عزير ~~ابن الله وقيل: إن رجلا من المسلمين. قال: يا رسول ~~الله، أفلا نسجد لك؟ فقال عليه السلام : # " ما ينبغي السجود إلا لله " # قيل: وقوله تعالى: { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون } يقوي هذا التأويل. اه. # وقوله تعالى: { ولكن كونوا ربنيين } الآية: ~~المعنى: ولكن يقول: كونوا ربانيين، وهو جمع رباني، قال ~~قوم: منسوب إلى الرب؛ من حيث هو عالم ما علمه، عامل ~~بطاعته، معلم للناس ما أمر به، وزيدت فيه النون؛ مبالغة، ~~وقال قوم: منسوب إلى الربان، وهو معلم الناس، مأخوذ من: رب ~~يرب، إذا أصلح، وربى، والنون أيضا زائدة؛ كما زيدت في ~~غضبان، وعطشان، وفي البخاري: الرباني الذي يربى ~~الناس بصغار العلم قبل كباره. # قال * ع *: فجملة ما يقال في الرباني: أنه العالم بالرب ~~والشرع، المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في ~~الناس، وقوله: { بما كنتم }: معناه: بسبب كونكم عالمين ~~دارسين، ف «ما»: مصدرية، وأسند أبو عمر بن ms0245 عبد البر ~~في كتاب «فضل العلم»، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " العلم علمان، علم في القلب، فذلك العلم ~~النافع، وعلم في اللسان، فذلك حجة الله (عز وجل) على ~~ابن آدم " # ، ومن حديث ابن وهب، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " هلاك أمتي عالم فاجر، وعابد جاهل، وشر ~~الشرار جبار العلماء، وخير الخيار خيار ~~العلماء " # اه. # وقرأ جمهور الناس: «تدرسون»؛ بضم الراء: من درس، إذا ~~أدمن قراءة الكتاب، وكرره. # وقرأ نافع وغيره: «ولا يأمركم»؛ برفع الراء: على القطع؛ قال ~~سيبويه: المعنى لا يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره: ~~المعنى: ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم، وهو محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأما قراءة من نصب الراء، وهو حمزة وغيره، فهي ~~عطف على قوله: { أن يؤتيه الله } ، المعنى: ولا له أن ~~يأمركم؛ قاله أبو علي وغيره، وهو الصواب، لا ما قاله الطبري؛ ~~من أنها عطف على قوله: { ثم يقول } ، والأرباب؛ في هذه الآية: ~~بمعنى الآلهة. ### || [3.81-85] # وقوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثق النبيين لما ~~ءاتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه }: المعنى: واذكر ~~يا محمد إذ، فيحتمل أن يكون أخذ هذا الميثاق؛ حين أخرج بني آدم من ~~ظهر آدم نسما، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في ~~زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إن الله تعالى أخذ ميثاق كل ~~نبي؛ بأنه ملتزم هو ومن آمن به الإيمان بمن أتى بعده من ~~الرسل، والنصر له، وقال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق ~~النبيين على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال علي بن أبي ~~طالب (رضي الله عنه): لم يبعث الله نبيا آدم فمن ~~بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم: لئن ~~بعث، وهو حي، ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره بأخذه على ~~قومه، ثم تلا هذه الآية، وقاله السدي. # وقرأ حمزة: «لما»؛ بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ~~ما آتيناكم؛ إذ أنتم القادة والرءوس، ومن كان بهذه الحال، ms0246 فهو الذي ~~يؤخذ ميثاقه، و «ما» في هذه القراءة بمعنى «الذي»، والعائد ~~إليها من الصلة، تقديره: آتيناكموه، و «من»: لبيان الجنس، و { ~~ثم جاءكم... } الآية: جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في ~~هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، وإنما حذف؛ تخفيفا لطول ~~الكلام، وتقديره عند سيبويه: رسول به مصدق لما معكم، ~~واللام في: «لتؤمنن به» هي اللام المتلقية للقسم الذي ~~تضمنه أخذ الميثاق، وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار ~~والمجرور، وذلك جائز، وقرأ سائر السبعة «لما»؛ بفتح اللام، ~~وذلك يتخرج على وجهين: # أحدهما: أن تكون «ما» موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام ~~لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله ~~تعالى: { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } ، وخبر ~~الابتداء قوله: { لتؤمنن } ، ولتؤمنن: متعلق بقسم ~~محذوف، فالمعنى: والله، لتؤمنن، قاله أبو علي وهو ~~متجه؛ بأن الحلف يقع مرتين. # والوجه الثاني: أن تكون «ما» للجزاء شرطا، فتكون في موضع نصب ~~بالفعل الذي بعدها، وهو مجزوم، و «جاءكم»: معطوف في موضع جزم، ~~واللام الداخلة على «ما» ليست المتلقية للقسم، ولكنها ~~الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في ~~قوله تعالى: # لئن لم ينته المنفقون # [الأحزاب:60] لأنها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: # لنغرينك بهم # [الأحزاب:60] وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله: ~~«لتؤمنن». # وقرأ نافع وحده: «آتيناكم»، بالنون، وقرأ الباقون: ~~«آتيتكم»؛ بالتاء، ورسول؛ في هذه الآية: اسم جنس، وقال كثير من ~~المفسرين هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري... } هذه الآية: هي وصف توقيف الأنبياء - عليهم السلام - على ~~إقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، { وأخذتم }؛ في هذه الآية: ~~عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتب والحكمة، فمن حيث أخذ ~~عليهم، أخذوا هم أيضا، وقال الطبري: { أخذتم }؛ في هذه ~~الآية: معناه: قبلتم، والإصر: العهد لا تفسير له في هذا ~~الموضع إلا ذلك. # وقوله تعالى: { فاشهدوا } يحتمل معنيين: # أحدهما: فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم ~~بالتزام هذا العهد، قاله الطبري، وجماعة. # والمعنى الثاني: ms0247 بثوا الأمر عند أممكم، واشهدوا به، وشهادة ~~الله على هذا التأويل هي إعطاء المعجزات، وإقرار نبواتهم، ~~هذا قول الزجاج وغيره. # وقال * ع *: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، ~~والقول الثاني هو الأمر بأدائها، وحكم تعالى بالفسق على ~~من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي بن أبي ~~طالب، وغيره، وقرأ أبو عمرو: «يبغون»؛ بالياء من أسفل ~~مفتوحة، و «ترجعون» بالتاء من فوق مضمومة، وقرأ عاصم ~~بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه ~~القراءات لا تخفى بأدنى تأمل. # و { تبغون }: معناه: تطلبون. # قال النووي: وروينا في كتاب ابن السني، عن السيد ~~الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ~~يونس بن عبيد بن دينار البصري الشافعي المشهور؛ ~~أنه قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: { ~~أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } ، ~~إلا وقفت بإذن الله تعالى. # وروينا في كتاب ابن السني، عن ابن مسعود، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة، فليناد: ~~يا عباد الله، احبسوا، يا عباد الله، احبسوا، فإن ~~لله عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسها ". # قال النووي: حكى لي بعض شيوخنا؛ أنه انفلتت له ~~دابة أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقاله، ~~فحبسها الله عليه في الحال، وكنت أنا مرة مع ~~جماعة، فانفلتت منا بهيمة، فعجزوا عنها، فقلته، ~~فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. اه. # و { أسلم }: معناه: استسلم، عند الجمهور. # واختلفوا في معنى قوله: { طوعا وكرها } ، فقال مجاهد: هذه ~~الآية كقوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان:25] فالمعنى: أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرها، ~~ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كل آدمي، فقد أقر على نفسه؛ ~~بأن الله ربي، وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم ~~كرها، ومن أخلص، فهو الذي أسلم طوعا. # قال * ع *: والمعنى في هذه الآية يفهم كل ناظر أن الكره خاص ~~بأهل ms0248 الأرض. # وقوله سبحانه: { أفغير دين الله }: توقيف لمعاصري نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار. # قوله تعالى: { قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما ~~أنزل على إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم... } الآية: المعنى قل: يا محمد، أنت وأمتك: ~~{ ءامنا بالله... } الآية, وقد تقدم بيانها في «البقرة»، ثم ~~حكم تعالى في قوله: { ومن يبتغ غير الإسلم... } الآية؛ ~~بأنه لا يقبل من آدمي دينا غير دين الإسلام، وهو الذي وافق في ~~معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء عليهم السلام ، وهو ~~الحنيفية السمحة، وقال بعض المفسرين: إن { من يبتغ... } ~~الآية، نزلت في الحارث بن سويد، قلت: وعلى تقدير صحة هذا ~~القول، فهي تتناول بعمومها من سواه إلى يوم القيامة. ### || [3.86-89] # وقوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمنهم... } الآيات: قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات من ~~قوله: { كيف يهدي الله } في الحارث بن سويد ~~الأنصاري، كان مسلما، ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، ~~فأرسل إلى قومه؛ أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~هل من توبة؟ فنزلت الآيات إلى قوله: { إلا الذين ~~تابوا } ، فأرسل إليه قومه، فأسلم، قال مجاهد: وحسن ~~إسلامه، وقال ابن عباس أيضا والحسن بن أبي الحسن: ~~نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا ببعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وآمنوا به، فلما جاء من العرب، حسدوه، وكفروا به، ~~ورجحه الطبري. # وقال النقاش: نزلت في طعيمة بن أبيرق. # قال * ع *: وكل من ذكر، فألفاظ الآية تعمه. # وقوله تعالى: { كيف }: سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة ~~الاستبعاد للأمر، فالمعنى أنهم لشدة هذه الجرائم يبعد أن ~~يهديهم الله جميعا، وباقي الآية بين. # قال الفخر: واستعظم تعالى كفر هؤلاء المرتدين بعد حصول هذه ~~الخصال الثلاث؛ لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود؛ ~~وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل. اه. ### || [3.90-93] # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ~~ازدادوا كفرا... } الآية: قال أبو العالية رفيع: الآية في ~~اليهود ms0249 كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته، ~~وإقرارهم أنها في التوراة، ثم ازدادوا كفرا؛ بالذنوب التي ~~أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم؛ من الافتراء، ~~والبهت، والسعي على الإسلام، وغير ذلك. # قال * ع *: وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية: المرتدون اللاحقون ~~بقريش، وغيرهم. وقال مجاهد: معنى قوله: { ثم ازدادوا كفرا ~~} ، أي: أتموا على كفرهم، وبلغوا الموت به. # قال * ع *: فيدخل في هذا القول: اليهود، والمرتدون، وقال ~~السدي نحوه، ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل، وقد ~~قررت الشريعة؛ أن توبة كل كافر تقبل، فلا بد في هذه الآية من ~~تخصيص تحمل عليه، ويصح به نفي قبول التوبة، فقال الحسن ~~وغيره: المعنى: لن تقبل توبتهم عند الغرغرة والمعاينة، ~~وقال أبو العالية: المعنى: لن تقبل توبتهم من تلك ~~الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. # قال * ع *: وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم ~~من المرتدين، وهم الذين أشار إليهم بقوله سبحانه: # كيف يهدي الله قوما # [آل عمران:86]، فأخبر عنهم أنه لا تكون منهم توبة، فيتصور ~~قبولها؛ فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين؛ أنهم يموتون كفارا، ثم أخبر ~~الناس عن حكم كل من يموت كافرا، والملء: ما شحن به ~~الوعاء، وقوله: { ولو افتدى به } ، قال الزجاج: المعنى: ~~لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا، ولو أنفق ~~ملء الأرض ذهبا، ولو افتدى أيضا به في الآخرة، لن يقبل ~~منه، قال: فأعلم الله أنه لا يثيبهم على أعمالهم من ~~الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. # قال * ع *: وهذا قول حسن، وقال قوم: الواو زائدة، وهذا قول مردود، ~~ويحتمل المعنى نفي القبول على كل وجه، ثم خص من تلك الوجوه ~~أليقها وأحراها بالقبول، وباقي الآية وعيد بين، عافانا الله من ~~عقابه، وختم لنا بما ختم به للصالحين من عباده. # وقوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون... } الآية: خطاب لجميع المؤمنين، فتحتمل الآية أن يريد ~~لن تنالوا بر الله بكم، أي: رحمته ms0250 ولطفه، ويحتمل أن يريد ~~لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر؛ حتى تكونوا أبرارا ~~إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم. # قال * ص *: قوله: { مما تحبون }: «من»: للتبعيض؛ تدل عليه ~~قراءة عبد الله: «بعض ما تحبون» اه. # قال الغزالي: قال نافع: كان ابن عمر مريضا، فاشتهى ~~سمكة طرية، فحملت إليه على رغيف، فقام سائل بالباب، ~~فأمر بدفعها إليه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أيما امرىء اشتهى شهوة، فرد شهوته، وآثر ~~على نفسه غفر الله له " # اه من «الإحياء». # قال * ع *: وبسبب نزول هذه الآية تصدق أبو طلحة بحائطه ~~المسمى بيرحا، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، ~~وكان عبد الله بن عمر يشتهي أكل السكر باللوز، فكان ~~يشتري ذلك، ويتصدق به. # قال الفخر: والصحيح أن هذه الآية في إيتاء المال على طريق ~~الندب، لا أنها في الزكاة الواجبة. اه. # وقوله سبحانه: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به ~~عليم } شرط وجواب فيه وعد، أي: عليم مجاز به، وإن قل. # وقوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرءيل... } ~~الآية إخبار بمغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلمه إلا ~~الله، وعلماء أهل الكتاب، وحلا: معناه: حلالا، والآية ~~رد على اليهود في زعمهم؛ أن كل ما حرموه على أنفسهم؛ أنه ~~بأمر الله تعالى في التوراة، فأكذبهم الله تعالى بهذه الآية، ~~وقوله سبحانه: { إلا ما حرم إسرءيل على نفسه } ، أي: ~~فهو محرم عليهم في التوراة، لا هذه الزوائد التي افتروها. # وقال الفخر: قوله تعالى: { من قبل أن تنزل التوراة } ~~، المعنى: أن قبل نزول التوراة كان حلالا لبني إسرائيل ~~كل أنواع المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على نفسه، فأما ~~بعد نزول التوراة، فلم يبق الأمر كذلك، بل حرم الله عليهم ~~أنواعا كثيرة بسبب بغيهم، وذلك هو عين النسخ الذي هم له ~~منكرون. اه. # قال * ع *: ولم يختلف فيما علمت أن سبب تحريم يعقوب ما ~~حرمه على نفسه هو بمرض أصابه، فجعل تحريم ذلك شكرا ~~لله، إن شفي، وقيل: هو ms0251 وجع عرق النسا، وفي حديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن عصابة من بني إسرائيل، قالوا له: يا محمد، ~~ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقال لهم: ~~أنشدكم بالله! هل تعلمون؛ أن يعقوب مرض مرضا ~~شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا، إن ~~عافاه الله من سقمه، ليحرمن أحب الطعام ~~والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم ~~الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟ قالوا: ~~اللهم، نعم ". # قال * ع *: وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذا الأمر أن يعقوب ~~عليه السلام حرم لحوم الإبل وألبانها، وهو يحبها؛ ~~تقربا بذلك؛ إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد ~~في الدنيا، وإليه نحا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)؛ ~~بقوله: «إياكم وهذه المجازر؛ فإن لها ضراوة كضراوة ~~الخمر»؛ ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد، وقد مر بسوق ~~الفاكهة، فرأى محاسنها، فقال: موعدك الجنة، إن ~~شاء الله. # وقوله عز وجل: { قل فأتوا بالتوراة... } الآية: قال ~~الزجاج. وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم. ### || [3.94-97] # وقوله سبحانه: { فمن افترى على الله الكذب من بعد ~~ذلك } ، أي: من بعد ما تبين له الحق، وقيام الحجة، فهو ~~الظالم. # وقوله: { قل صدق الله } ، أي: الأمر كما وصف سبحانه، لا كما ~~تكذبون، فإن كنتم تعتزون إلى إبراهيم، فاتبعوا ملته؛ على ما ~~ذكر الله. # وقوله سبحانه: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة... } الآية: لا مرية أن إبراهيم عليه السلام وضع ~~بيت مكة، وإنما الخلاف، هل هو وضع بدأة أو وضع تجديدا؟ ~~وقال الفخر: يحتمل أولا في الوضع والبناء، ويحتمل أن يريد أولا ~~في كونه مباركا، وهذا تحصيل المفسرين في الآية. اه. # قال ابن العربي في «أحكامه» وكون البيت الحرام مباركا، ~~قيل: بركته ثواب الأعمال هناك، وقيل: ثواب قاصديه، وقيل: أمن ~~الوحش فيه، وقيل: عزوف النفس عن الدنيا عند رؤيته، قال ابن ~~العربي: والصحيح عندي أنه مبارك من كل وجه من وجوه ~~الدنيا والآخرة؛ وذلك بجميعه موجود فيه. اه. # قال مالك في سماع ابن القاسم من «العتبية»: بكة موضع البيت، ~~ومكة ms0252 غيره من المواضع، قال ابن القاسم: يريد القرية، قلت: ~~قال ابن رشد في «البيان»: أرى مالكا أخذ ذلك من قول الله ~~عز وجل؛ لأنه قال تعالى في بكة: { إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا } ، وهو إنما وضع بموضعه ~~الذي وضع فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مكة»؛ # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة # [الفتح:24] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البيت. اه. # وقوله سبحانه: { فيه } ، أي: في البيت { ءايت بينت } ، # قال * ع *: والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا ~~مثالا مما في حرم الله من الآيات وخصا بالذكر؛ لعظمهما، و ~~{ مقام إبرهيم }: هو الحجر المعروف؛ قاله الجمهور، وقال ~~قوم: البيت كله مقام إبراهيم، وقال قوم: الحرم كله مقام ~~إبراهيم، والضمير في قوله: { ومن دخله } عائد على البيت؛ في ~~قول الجمهور، وعائد على الحرم؛ في قول من قال: مقام إبراهيم هو ~~الحرم. # وقوله: { كان ءامنا } قال الحسن وغيره: هذه وصف حال كانت في ~~الجاهلية، إذا دخل أحد الحرم، أمن، فلا يعرض له، فأما في ~~الإسلام، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، وقال ~~يحيى بن جعدة: معنى الآية: ومن دخل البيت، كان آمنا من ~~النار، وحكى النقاش عن بعض العباد، قال: كنت أطوف حول ~~الكعبة ليلا، فقلت: يا رب، إنك قلت: { ومن دخله ~~كان ءامنا } ، فمماذا هو آمن؟ فسمعت مكلما يكلمني، وهو يقول: ~~من النار، فنظرت، وتأملت، فما كان في المكان أحد، قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: وقول بعضهم: ومن دخله كان آمنا من ~~النار لا يصح حمله على عمومه، ولكنه ثبت؛ أن من حج، ~~فلم يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه، والحج المبرور ليس له جزاء إلا ~~الجنة. # قال ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم اه. # وقوله تعالى: { ولله على الناس حج البيت } الآية: هو ~~فرض الحج في كتاب الله؛ بإجماع، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص ~~عن عاصم: «حج البيت»؛ بكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتحها، ms0253 ~~فبكسر الحاء: يريدون عمل سنة واحدة، وقال الطبري: هما ~~لغتان الكسر: لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. # وقوله سبحانه: { من استطع إليه سبيلا } «من»: في موضع ~~خفض بدل من «الناس»، وهو بدل البعض من الكل، وقال الكسائي ~~وغيره: هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف، تقديره: ~~فعليه الحج؛ ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله: { ~~ومن كفر } ، وأسند الطبري إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " من ملك زادا وراحلة، فلم يحج، فلا عليه أن ~~يموت يهوديا أو نصرانيا " # ، وذهب جماعة من العلماء إلى أن قوله سبحانه: { من استطع ~~إليه سبيلا } كلام عام لا يتفسر بزاد ولا راحلة، ولا ~~غير ذلك، بل إذا كان مستطيعا غير شاق على نفسه، فقد وجب ~~عليه الحج، وإليه نحا مالك في سماع أشهب، وقال: لا صفة في ~~هذا أبين مما قال الله تعالى. هذا أنبل الأقوال، وهذه من ~~الأمور التي يتصرف فيها فقه الحال، والضمير في «إليه» عائد ~~على البيت، ويحتمل على الحج. # وقوله سبحانه: { ومن كفر فإن الله غني عن ~~العلمين } ، قال ابن عباس وغيره: المعنى: من زعم أن ~~الحج ليس بفرض عليه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قرأ هذه الآية، فقال رجل من هذيل: يا رسول الله: ~~من تركه، كفر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " من تركه، لا يخاف عقوبته، ومن حجه لا يرجو ~~ثوابه، فهو ذلك " # ، وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس وغيره، وقال السدي ~~وجماعة من أهل العلم. معنى الآية: من كفر بأن وجد ما ~~يحج به، ثم لم يحج، قال السدي: من كان بهذه الحال، ~~فهو كافر، يعني: كفر معصية، ولا شك أن من أنعم الله عليه ~~بمال وصحة، ولم يحج، فقد كفر النعمة، وقال ابن عمر ~~وجماعة: معنى الآية: ومن كفر بالله واليوم الآخر، قال الفخر: ~~والأكثرون هم الذين حملوا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب ~~الحج، وقال الضحاك: لما نزلت آية الحج، فأعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك ms0254 أهل الملل، وقال: # " إن الله تعالى كتب عليكم الحج، فحجوا " # ، فآمن به المسلمون وكفر غيرهم فنزلت الآية، ~~قال الفخر وهذا هو الأقوى، والله أعلم. اه. # ومعنى قوله تعالى: { غني عن العلمين }: الوعيد لمن ~~كفر، والقصد بالكلام: فإن الله غني عنهم، ولكن عمم اللفظ؛ ~~ليبرع المعنى، وتنتبه الفكر لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، ~~واستغنائه عن جميع خلقه لا رب سواه. ### || [3.98-101] # وقوله عز وجل: { قل يأهل الكتب لم تكفرون ~~بآيت الله والله شهيد على ما تعملون }. هذه ~~الآيات: توبيخ لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والكتاب: التوراة، وآيات الله يحتمل أن يريد بها القرآن، ~~ويحتمل العلامات الظاهرة على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله سبحانه: { والله شهيد على ما تعملون } وعيد محض، ~~قال الطبري: هاتان الآيتان: { قل يأهل الكتب لم ~~تكفرون بآيت الله } ، وما بعدهما إلى قوله: # وأولئك لهم عذاب عظيم # [آل عمران:105]، نزلت بسبب رجل من اليهود، حاول الإغراء بين ~~الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن ~~أسلم، قال: مر شاس بن قيس اليهودي، وكان شيخا قد ~~عسا في الجاهلية عظيم الكفر، شديد الضغن على ~~المسلمين، والحسد لهم؛ على نفر من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، وهم في مجلس ~~يتحدثون، فغاظه ما رآه من جماعتهم وصلاح بينهم ~~بعد ما كان بينهم من العداوة، فقال: قد اجتمع ~~ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله، ما لنا معهم، ~~إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شابا ~~من يهود، فقال: اعمد إليهم، واجلس معهم، ~~وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله من أيام ~~حربهم، وأنشدهم ما قالوه من الشعر في ذلك، ~~ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك، فتفاخروا، ~~وتنازعوا حتى تواثب رجلان من الحيين على ~~الركب أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر ~~من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: ~~إن شئتم، والله، رددناها الآن جذعة، فغضب ~~الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح! ~~موعدكم الظاهرة، يريدون: الحرة، فخرجوا إليها ~~وتجاوز الناس على دعواهم التي ms0255 كانوا عليها في ~~الجاهلية، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: يا ~~معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، ~~وأنا بين أظهركم، ووعظهم، فعرف القوم؛ أنها ~~نزغة من الشيطان، فألقوا السلاح، وبكوا، ~~وعانق الناس بعضهم بعضا من الأوس والخزرج، ~~وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين ~~مطيعين، فأنزل الله في شاس بن قيس، وما صنع هذه ~~الآيات. # وقال الحسن وغيره: نزلت في أحبار اليهود الذين يصدون ~~المسلمين عن الإسلام، ويقولون: إن محمدا ليس بالموصوف في ~~كتابنا. # قال * ع *: ولا شك في وقوع هذين الشيئين، وما شاكلهما من ~~أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك، ومعنى ~~«تبغون» أي: تطلبون لها الاعوجاج والانفساد، وأنتم شهداء: ~~يريد جمع شاهد على ما في التوراة من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وصدقه، وباقي الآية وعيد. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا ~~من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم ~~كفرين... } الآية: خطاب عام للمؤمنين، والإشارة بذلك وقت ~~نزوله إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة شاس بن قيس. # قال * ص *: قوله تعالى: { يردوكم بعد إيمنكم كفرين ~~} ، رد: بمعنى صير، فيتعدى إلى مفعولين الأول: الكاف، ~~والثاني: الكافرين؛ كقوله: [الوافر] # فرد شعورهن السود بيضا # ورد وجوههن البيض سودا # و { يعتصم }: معناه: يتمسك، وعصم الشيء، إذا منع ~~وحمي؛ ومنه: قوله: # يعصمني من الماء # [هود:43] وباقي الآية بين. ### || [3.102-104] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق ~~تقاته } ، قال ابن مسعود: «حق تقاته»: هو أن يطاع فلا ~~يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وكذلك ~~عبر الربيع بن خيثم، وقتادة، والحسن، قالت فرقة: نزلت ~~الآية على عموم لفظها؛ من لزوم غاية التقوى؛ حتى لا يقع ~~الإخلال في شيء من الأشياء، ثم نسخ ذلك؛ بقوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن:16]، وبقوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة:286] وقالت جماعة: لا نسخ هنا، وإنما المعنى: اتقوا ~~الله حق تقاته في ما استطعتم، وهذا هو الصحيح، وخرج ~~الترمذي، عن ms0256 ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~هذه الآية، وهي: { اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } ، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا، ~~لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن ~~يكون طعامه؟ " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وخرجه ابن ماجة أيضا اه. # وقوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }: ~~معناه: دوموا على الإسلام؛ حتى يوافيكم الموت، وأنتم عليه، ~~والحبل في هذه الآية مستعار، قال ابن مسعود: حبل الله ~~الجماعة، وروى أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ~~فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين ~~فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فقيل: يا رسول ~~الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده، وقال: ~~الجماعة، وقرأ: { واعتصموا بحبل الله جميعا } " # ، وقال قتادة وغيره: حبل الله الذي أمر بالاعتصام به: هو ~~القرآن، ورواه أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقال ابن زيد: هو الإسلام، وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه ~~من بعض. # وقوله تعالى: { ولا تفرقوا }: يريد: التفرق الذي لا ~~يتأتى معه الائتلاف، كالتفرق بالفتن، والافتراق في العقائد، ~~وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه، فليس بداخل في هذه ~~الآية، بل ذلك هو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: # " خلاف أمتي رحمة " # ، وقد اختلفت الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة ~~على كل كافر. # وقوله سبحانه: { واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم... } الآية: هذه الآية تدل ~~على أن الخطاب إنما هو للأوس والخزرج؛ كما تقدم، وكانت ~~العداوة قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة؛ حتى ~~رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من الأنصار إلى ~~مكة حجاجا، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، ~~وتلا عليهم شيئا من القرآن؛ كما كان يصنع مع ~~قبائل العرب، فآمنوا به، وأراد الخروج معهم، ~~فقالوا: يا رسول الله، إن قدمت بلدنا ms0257 على ما ~~بيننا من العداوة والحرب، خفنا ألا يتم ما ~~نريده بك، ولكن نمضي نحن، ونشيع أمرك، ~~ونداخل الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، ~~فمضوا، وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام القابل، ~~فكانت العقبة الثانية، وكانوا اثني عشر رجلا ~~فيهم خمسة من الستة الأولين، ثم جاءوا من ~~العام الثالث، فكانت بيعة العقبة الكبرى، حضرها ~~سبعون، وفيهم اثنا عشر نقيبا. # ووصف القصة مستوعب في السير، ويسر الله تعالى الأنصار ~~للإسلام بوجهين: # أحدهما: أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم، وكانوا يقولون ~~لمن يتوعدونه من العرب: يبعث لنا الآن نبي ~~نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما رأى النفر من ~~الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لبعض: هذا، والله، ~~النبي الذي تذكره بنو إسرائيل، فلا تسبقن إليه. # والوجه الآخر: الحرب التي كانت ضرستهم، وأفنت سراتهم، ~~فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم، فكان الأمر كما رجوا، فعدد ~~الله سبحانه عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم ~~بها قال الفخر: كانت الأنصار قبل الإسلام أعداء، فلما أكرمهم ~~الله [سبحانه] بالإسلام، صاروا إخوانا في الله متراحمين. # واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا، كان معاديا لأكثر ~~الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لم يكن ~~معاديا لأحد؛ لأنه يرى الكل أسيرا في قبضة القضاء والقدر، ~~ولهذا قيل: إن العارف، إذا أمر، أمر برفق، ونصح لا بعنف ~~وعسر، وكيف، وهو مستبصر بالله في القدر. اه. # وقوله تعالى: { فأصبحتم } عبارة عن الاستمرار. # قال * ص *: «أصبح»: يستعمل لاتصاف الموصوف بصفته وقت ~~الصباح، وبمعنى «صار»، فلا يلحظ فيها وقت الصباح، بل مطلق ~~الانتقال والصيرورة من حال إلى حال، وأصبح: هنا بمعنى صار، ~~وما ذكره ابن عطية من أن «أصبح» للاستمرار، لم يذهب إليه ~~أحد من النحويين. اه. # قلت: وفيما ادعاه نظر، وهي شهادة على نفي وكلام. # * ع *: واضح من جهة المعنى، والشفا: حرف كل جرم له ~~مهوى؛ كالحفرة، والبئر، والجرف، والسقف، والجدار، ونحوه، ~~ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى؛ كقوله: # شفا جرف # [التوبة:109]، وإلى الأسفل؛ كقوله: { شفا حفرة } فشبه الله ms0258 ~~كفرهم الذي كانوا عليه بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم ~~دأبا، فأنقدهم الله منها بالإسلام. # وقوله تعالى: { فأنقذكم منها } ، أي: من النار، ويحتمل من ~~الحفرة، والأول أحسن، قال العراقي: أنقذكم، أي: خلصكم. ~~اه. # وقوله تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~}: أمر الله سبحانه الأمة؛ بأن يكون منها علماء يفعلون ~~هذه الأفعال على وجوهها، ويحفظون قوانينها، ويكون سائر الأمة ~~متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد ~~علم الله سبحانه؛ أن الكل لا يكونون علماء، ف «من» هنا: ~~للتبعيض، وهو تأويل الطبري وغيره. # وذهب الزجاج وغير واحد؛ إلى أن المعنى: ولتكونوا كلكم أمة ~~يدعون، و «من»: لبيان الجنس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة ~~بأن يدعوا جميع العالم إلى الخير، فيدعون الكفار إلى ~~الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد في هذه الأمور ~~على منزلته من العلم والقدرة، وروى الليث بن سعد، قال: ~~حدثني محمد بن عجلان، أن وافدا النضري أخبره ~~عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " ليؤتين برجال يوم القيامة ليسوا بأنبياء، ~~ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء؛ ~~لمنازلهم من الله؛ يكونون على منابر من نور، ~~قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ قال: هم الذين ~~يحببون الله إلى الناس، ويحببون الناس إلى ~~الله، ويمشون في الأرض نصحا، قلنا: يا رسول ~~الله، هذا يحببون الله إلى الناس، فكيف ~~يحببون الناس إلى الله؟! قال: يأمرونهم ~~بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فإذا أطاعوهم، ~~أحبهم الله تعالى " # اه من «التذكرة» للقرطبي. # قال * ع *: قال أهل العلم: وفرض الله سبحانه بهذه الآية ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهو من فروض ~~الكفاية، إذا قام به قائم، سقط عن الغير، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده، فإن لم ~~يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإيمان " # والناس في الأمر بالمعروف وتغيير المنكر على مراتب، ~~ففرض العلماء فيه تنبيه الولاة، وحملهم على جادة العلم، ~~وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد، ms0259 وفرض ~~سائر الناس رفعه إلى الولاة والحكام بعد النهي عنه قولا، ~~وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة ~~بديهية من المنكر كالسلب والزنا ونحوه، فيغيرها ~~بنفسه، بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يعتمل في ~~تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى؛ ويؤيد هذا المنزع ~~أن في قراءة عثمان وابن مسعود، وابن الزبير: «يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون الله ~~على ما أصابهم»، فهذا وإن لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة ~~إلى التعرض لما يصيب عقيب الأمر والنهي؛ كما هو في قوله: # وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك # [لقمان:17]. ### || [3.105-109] # وقوله سبحانه: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا... } الآية: ~~قال ابن عباس: هي إشارة إلى كل من افترق من الأمم في الدين، ~~فأهلكهم الافتراق، وقال الحسن: هي إشارة إلى اليهود والنصارى. # قلت: وروى أبو داود في سننه، عن معاوية بن أبي سفيان، قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ~~ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق ~~على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، ~~وواحدة في الجنة، وهي الجماعة " # ، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يذكر النار اه. # وقوله تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } الآية: ~~بياض الوجوه: عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة ~~الله؛ قاله الزجاج وغيره. # وقوله تعالى: { أكفرتم }: تقرير وتوبيخ متعلق بمحذوف، تقديره: ~~فيقال لهم: أكفرتم، وفي هذا المحذوف جواب «أما»، وهذا هو فحوى ~~الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى ~~عنه؛ كقوله تعالى: # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة # [البقرة:184] المعنى: فأفطر، فعدة. # وقوله تعالى: { بعد إيمنكم } يقتضي أن لهؤلاء المذكورين ~~إيمانا متقدما، واختلف أهل التأويل في تعيينهم، فقال أبي ~~بن كعب: هم جميع الكفار، وإيمانهم هو إقرارهم يوم قيل ~~لهم: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف:172] وقال أكثر المتأولين: المراد أهل القبلة من هذه ~~الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسن: الآية في المنافقين، وقال قتادة: هي في ~~أهل الردة، وقال أبو ms0260 أمامة: هي في الخوارج. # وقوله تعالى: { تلك آيت الله نتلوها عليك بالحق ~~} الإشارة ب «تلك» إلى هذه الآيات المتضمنة تعذيب الكفار، ~~وتنعيم المؤمنين، ولما كان في هذا ذكر التعذيب، أخبر سبحانه؛ ~~أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد، وإذا لم يرد ذلك، ~~فلا يوجد ألبتة؛ لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريده سبحانه، وقوله: ~~{ بالحق }: معناه بالإخبار الحق، ويحتمل أن يكون المعنى: ~~نتلوها عليك مضمنة الأفعال التي هي حق في نفسها من كرامة ~~قوم، وتعذيب آخرين، ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي ~~به خص الله قوما بعمل يرحمهم من أجله، وآخرين بعمل يعذبهم ~~عليه، ذكر سبحانه الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات، وأن ~~الحق ألا يعترض عليه؛ وذلك في قوله: { ولله ما في ~~السموات وما في الأرض... } الآية. ### || [3.110-112] # وقوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس... } ~~الآية: اختلف في تأويل هذه الآية. # فقيل: نزلت في الصحابة، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من ~~أهل العلم: الآية خطاب لجميع الأمة؛ بأنهم خير أمة أخرجت ~~للناس؛ ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس. وأما ~~قوله: «كنتم»؛ على صيغة المضي؛ فإنها التي بمعنى الدوام؛ كما ~~قال تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [الأحزاب:73] وقال قوم: المعنى: كنتم في علم الله، وهذه ~~الخيرية التي خص الله بها هذه الأمة، إنما يأخذ بحظه منها ~~من عمل بهذه الشروط من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ~~والإيمان بالله؛ مما جاء في فضل هذه الأمة ما خرجه مسلم ~~في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة " # وفي رواية: # " السابقون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل ~~الجنة " # ، وفي رواية: # " نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم ~~القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق " # ، وفي رواية: # " المقضي بينهم " # اه. # وخرج ابن ماجة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين ~~الأمة الأمية ونبيها، فنحن الآخرون الأولون ms0261 " # ، وفي رواية عن ابن عباس: # " فتفرج لنا الأمم عن طريقنا، فنمضي غرا ~~محجلين من آثار الطهور، فتقول الأمم: كادت ~~هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها " # ، وخرجه أيضا أبو داود الطيالسي في مسنده بمعناه. اه من ~~«التذكرة». # وروى أبو داود في سننه، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، ~~عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمتي هذه أمة مرحومة؛ ليس عليها عذاب في ~~الآخرة، عذابها في الدنيا؛ الفتن، والزلازل، ~~والقتل " # اه، وقد ذكرنا هذا الحديث أيضا عن غير أبي داود، وهذا الحديث ~~ليس هو على عمومه في جميع الأمة؛ لثبوت نفوذ الوعيد في طائفة ~~من العصاة. اه. # وقوله: { تأمرون بالمعروف } ، وما بعده: أحوال في موضع ~~نصب. # وفي الحديث: # " خير الناس أتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، ~~وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم " # ، رواه البغوي في «منتخبه». اه من «الكوكب الدري». # وقوله سبحانه: { منهم المؤمنون }: تنبيه على حال عبد ~~الله بن سلام وأخيه، وثعلبة بن سعية، وغيرهم ~~ممن آمن. # وقوله تعالى: { لن يضروكم إلا أذى } ، أي: إلا أذى ~~بالألسنة فقط، وأخبر سبحانه في قوله: { وإن يقتلوكم ~~يولوكم الأدبار } ، بخبر غيب، صححه الوجود، فهي من آيات ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفائدة الخبر هي في قوله: { ~~ثم لا ينصرون } ، أي: لا تكون حرب اليهود معكم سجالا، ~~وخص الأدبار بالذكر دون الظهر، تخسيسا للفار، وهكذا هو ~~حيث تصرف. # وقوله تعالى: { ضربت }: معناه: أثبتت بشدة وإلزام، وهذا ~~وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام، ~~وثقفوا: معناه أخذوا بحال المذنب المستحق الإهلاك، وقوله: { ~~إلا بحبل من الله } في الكلام محذوف يدركه فهم ~~السامع، تقديره: فلا نجاة لهم من القتل أو الاستئصال إلا ~~بحبل، وهو العهد. # وقوله: { ذلك } إشارة إلى الغضب، وضرب الذلة والمسكنة، ~~وباقي الآية تقدم تفسير نظيره. ### || [3.113-114] # وقوله تعالى: { ليسوا سواء... } الآية: قال ابن عباس (رضي ~~الله عنهما): لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة ~~بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن ~~أسلم من ms0262 اليهود معهم، قال الكفار من أحبار اليهود: ما آمن ~~بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا خيارا، ما تركوا دين ~~آبائهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك: { ليسوا ~~سواء... } الآية، وقال مثله قتادة،. وابن جريج، وهو أصح ~~التأويلات في الآية. # واختلف في قوله: { قائمة } ، فقال ابن عباس وغيره: معناه: ~~قائمة على كتاب الله، وحدوده مهتدية، وقال السدي: ~~القائمة: القانتة المطيعة، وهذا كله يرجع إلى معنى واحد، ~~ويحتمل أن يراد ب { قائمة }: وصف حال التالين في آناء الليل، ~~ومن كانت حاله هذه، فلا محالة؛ أنه معتدل على أمر الله، و { ~~آيات الله }؛ في هذه الآية: هي كتبه، والآناء: الساعات، ~~واحدها إني؛ بكسر الهمزة، وسكون النون، وحكم هذه الآية لا يتفق في ~~شخص شخص؛ بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل، وإنما ~~يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة؛ إذ بعض الناس يقوم أول ~~الليل، وبعضهم آخره، وبعضهم بعد هجعة، ثم يعود إلى ~~نومه، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عمارة ~~آناء الليل بالقيام، وهكذا كان صدر هذه الأمة، وعرف الناس ~~القيام في أول الثلث الآخر من الليل، أو قبله بشيء، وحينئذ: ~~كان يقوم الأكثر، والقيام طول الليل قليل، وقد كان في الصالحين ~~من يلتزمه، وقد ذكر الله سبحانه القصد من ذلك في «سورة ~~المزمل»، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه ~~الله داخل في هذه الآية، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى ~~انتفاع المسلمين بعلمه، قلت: وقد تقدم في أول السورة: ما ~~جاء من التأويل في حديث النزول، فلنذكر الآن الحديث بكماله، ~~لما فيه من الفوائد: # روى أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى ~~السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ~~فيقول: من يدعوني؛ فأستجيب له، من يسألني؛ ~~فأعطيه، من يستغفرني؛ فأغفر له " # رواه الجماعة، أعني: الكتب الستة؛ البخاري، ومسلما، وأبا ~~داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وفي بعض الطرق: ~~«حتى يطلع الفجر»، زاد ابن ماجة: «فلذلك كانوا ~~يستحبون الصلاة آخر الليل على أوله». ms0263 # وعن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل ~~الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في ~~تلك الساعة، فكن " # رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم في ~~«المستدرك»، واللفظ للترمذي، وقال: حسن صحيح، وقال الحاكم: ~~صحيح على شرط مسلم. # اه من «السلاح». # وعن أبي أمامة، قلت: يا رسول الله، أي الدعاء ~~أسمع؟ قال: # " جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات " # ، رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي ~~رواية: # " جوف الليل الآخر أرجى " # ، أو نحو هذا. اه من «السلاح». # ومما يدخل في ضمن قوله سبحانه: { ويسرعون في الخيرت ~~}؛ أن يكون المرء مغتنما للخمس؛ كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك ~~وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك ~~قبل موتك، وغناك قبل فقرك " # ؛ فيكون متى أراد أن يصنع خيرا، بادر إليه، ولم ~~يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضا مسارعة في الخيرات، وذكر بعض الناس ~~قال: دخلت مع بعض الصالحين في مركب، فقلت له: ما تقول ~~(أصلحك الله) في الصوم في السفر؟ فقال لي: إنها المبادرة، ~~يا ابن الأخ، قال المحدث: فجاءني، والله، بجواب ليس من أجوبة ~~الفقهاء. # قال * ص *: قوله: { من الصلحين }: «من»: للتبعيض، ابن عطية: ~~ويحسن أيضا أن تكون لبيان الجنس، وتعقب بأنه لم يتقدم شيء فيه ~~إبهام، فيبين جنسه. اه. ### || [3.115-116] # وقوله تعالى: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } ، ~~أي: فلن يعطى دونكم، فلا تثابون عليه، وفي قوله سبحانه: { والله ~~عليم بالمتقين }: وعد ووعيد. ### || [3.117] # وقوله تعالى: { مثل ما ينفقون في هذه الحيوة ~~الدنيا كمثل ريح... } الآية: وقع في الآية التشبيه بين ~~شيئين وشيئين، وترك من كل منهما ما دل عليه الكلام، وهذه ~~غاية الإيجاز والبلاغة، وجمهور المفسرين على أن { ينفقون } ~~يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث، أي: يبطلها كفرهم؛ ~~كما تبطل الريح الزرع، والصر: البرد الشديد المحرق لكل ~~ما يهب عليه، والحرث: شامل للزرع والثمار. # وقوله سبحانه: ms0264 { حرث قوم ظلموا أنفسهم... } الآية: من ~~أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا، فإنما هي بمعاصي ~~العبيد، وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله؛ ~~أن كل حرث تحرقه ريح، فإنما هو لمن قد ظلم نفسه، والضمير ~~في قوله: { وما ظلمهم الله } للكفار الذين تقدم ضميرهم في ~~{ ينفقون } ، وليس هو للقوم ذوي الحرث. ### || [3.118-119] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~بطانة } ، أي: لا تتخذوا من الكفار، واليهود، والمنافقين ~~أخلاء تأنسون بهم في الباطن، وتفاوضونهم في الآراء. # وقوله سبحانه: { من دونكم } ، يعني: من دون المؤمنين. # وقوله سبحانه: { لا يألونكم خبالا }: معناه: لا يقصرون لكم ~~فيما فيه فساد عليكم، تقول: ما ألوت في كذا، أي: ما قصرت، بل ~~اجتهدت، والخبال: الفساد، قال ابن عباس: كان رجال من المؤمنين ~~يواصلون رجالا من اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم في ~~الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال ابن عباس أيضا، وقتادة، ~~والربيع، والسدي: نزلت في المنافقين. # قال * ع *: ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة، وتصريفهم ~~في البيع والشراء، ونحو ذلك، و «ما» في قوله: { ما عنتم }: ~~مصدرية، فالمعنى: ودوا عنتكم، والعنت: المشقة والمكروه ~~يلقاه المرء، وعقبة عنوت، أي: شاقة. # قال * ص *: قال الزجاج: عنتكم، أي: مشقتكم، وقال ابن ~~جرير: ضلالكم، وقال الزبيدي: العنت: الهلاك. اه. # وقوله تعالى: { قد بدت البغضاء من أفوههم } ، أي: فهم ~~فوق المستتر الذي تبدو البغضاء في عينيه، وخص سبحانه الأفواه ~~بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم ~~هذه، ثم قال سبحانه للمؤمنين: { قد بينا لكم الآيت إن ~~كنتم تعقلون }؛ تحذيرا وتنبيها، وقد علم سبحانه؛ أنهم ~~عقلاء، ولكن هذا هز للنفوس، كما تقول: إن كنت رجلا، فافعل كذا ~~وكذا. # وقوله: { هأنتم أولآء تحبونهم }: الضمير في ~~«تحبونهم» للذين تقدم ذكرهم في قوله: { بطانة من دونكم ~~} ، قال: * ص *: { وتؤمنون بالكتب كله } ، قال أبو ~~البقاء: الكتاب، هنا: جنس، أي: بالكتب كلها. اه. # وقوله تعالى: { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }: ~~عبارة عن شدة الغيظ، مع عدم القدرة على ms0265 إنفاذه؛ ومنه قول أبي ~~طالب: [الطويل] # ................... # يعضون غيظا خلفنا بالأنامل # وقوله سبحانه: { قل موتوا بغيظكم } قال فيه الطبري، وكثير ~~من المفسرين: هو دعاء عليهم، وقال قوم: بل أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا؛ فعلى هذا زال معنى الدعاء، وبقي ~~معنى التقريع. # وقوله تعالى: { إن الله عليم بذات الصدور }: وعيد و { ~~ذات الصدور }: ما تنطوي عليه. ### || [3.120-122] # وقوله سبحانه: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم... } الآية: ~~الحسنة والسيئة؛ في هذه الآية: لفظ عام في كل ما يحسن ~~ويسوء، قلت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة؛ ~~وروينا في «كتاب الترمذي»، عن واثلة بن الأسقع (رضي ~~الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ~~ويبتليك " # اه. # والكيد: الاحتيال بالأباطيل، وقوله تعالى: # وأكيد كيدا # [الطارق:16] من باب تسمية العقوبة باسم الذنب. # وقوله تعالى: { وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين ~~مقاعد للقتال } هذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد، ~~وفيه نزلت هذه الآيات كلها، وكان من أمر غزوة أحد أن ~~المشركين اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجل، وقصدوا المدينة؛ ليأخذوا ~~بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عند أحد يوم الأربعاء، الثاني ~~عشر من شوال، سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين ~~شهرا من الهجرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة يدبر وينتظر أمر الله سبحانه، فلما ~~كان في صبيحة يوم الجمعة، جمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الناس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرا تذبح، وثلما ~~في ذباب سيفه، وأنه يدخل يده في درع حصينة، وأنه ~~تأولها المدينة، وقال لهم: أرى ألا نخرج إلى هؤلاء الكفار، ~~فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول: أقم، يا رسول ~~الله، ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا، ~~أقاموا بشر محبس، وإن انصرفوا، مضوا خائبين، ~~وإن جاءونا إلى المدينة، قاتلناهم في الأفنية ~~ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، ~~فوالله، ما حاربنا قط عدو في هذه المدينة إلا ~~غلبناه، ولا خرجنا منها ms0266 إلى عدو إلا غلبنا، ~~فوافق هذا الرأي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ورأي جماعة عظيمة من المهاجرين والأنصار، وقال ~~قوم من صلحاء المؤمنين ممن فاتته بدر: يا ~~رسول الله اخرج بنا إلى عدونا، وشجعوا الناس، ~~ودعوا إلى الحرب، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فصلى بالناس صلاة الجمعة، وقد حشمه هؤلاء ~~الداعون إلى الحرب، فدخل إثر صلاته بيته، ولبس ~~سلاحه، فندم أولئك القوم، وقالوا: أكرهنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سلاحه، قالوا: يا رسول الله، أقم، ~~إن شئت، فإنا لا نريد أن نكرهك، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ينبغي لنبي لبس سلاحه أن يضعها؛ حتى ~~يقاتل، ثم خرج بالناس، وسار حتى قرب من ~~عسكر المشركين، فعسكر هنالك، وبات تلك ~~الليلة، وقد غضب عبد الله بن أبي ابن سلول، ~~وقال: أطاعهم، وعصاني، فلما كان في صبيحة يوم ~~السبت، اعتزم النبي صلى الله عليه وسلم على المسير ~~إلى مناجزة المشركين، فنهض وهو في ألف رجل، ~~فانخزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي ابن ~~سلول بثلاثمائة رجل من منافق ومتبع، وقالوا: ~~نظن أنكم لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سبعمائة فهمت عند ذلك بنو حارثة ~~من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالانصراف، ~~ورأوا كثافة المشركين، وقلة المسلمين، وكادوا ~~أن يجبنوا، ويفشلوا، فعصمهم الله تعالى، وذم ~~بعضهم بعضا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى أطل على المشركين فتصاف الناس، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر على الرماة عبد ~~الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلا، وجعلهم ~~يحمون الجبل وراء المسلمين، وأسند هو إلى ~~الجبل، فلما اضطرمت نار الحرب، انكشف ~~المشركون، وانهزموا، وجعل نساء المشركين ~~يشددن في الجبل، ويرفعن عن سوقهن، قد بدت ~~خلاخيلهن، فجعل الرماة يقولون: الغنيمة ~~الغنيمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لهم: ~~لا تبرحوا من هنا، ولو رأيتمونا تخطفنا ~~الطير، فقال لهم عبد الله ms0267 بن جبير، وقوم ~~منهم: اتقوا الله واثبتوا؛ كما أمركم نبيكم، ~~فعصوا، وخالفوا، وانصرفوا يريدون النهب، وخلوا ~~ظهور المسلمين للخيل، وجاء خالد في جريدة خيل ~~من خلف المسلمين، حيث كان الرماة، فحمل على ~~الناس، ووقع التخاذل، وصيح في المسلمين من ~~مقدمتهم، ومن ساقتهم، وصرخ صارخ: قتل ~~محمد، فتخاذل الناس، واستشهد من المسلمين ~~سبعون، وتحيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى ~~الجبل، وتحاوز الناس ". # هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآيات، وأمر أحد ~~مستوعب في السير، وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره، و { ~~تبوئ }: معناه: تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها، ويثبتون، ~~وقوله سبحانه: { مقعد }: جمع مقعد، وهو مكان القعود، وهذا ~~بمنزلة قولك: مواقف، ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت، ولا ~~سيما أن الرماة إنما كانوا قعودا، وكذلك كانت صفوف المسلمين ~~أولا والمبارزة والسرعان يجولون. # قوله تعالى: { والله سميع } ، أي: ما تقول، وما يقال لك وقت ~~المشاورة وغيره، و { همت }: معناه: أرادت، ولم تفعل، والفشل: ~~في هذا الموضع: هو الجبن الذي كاد يلحق الطائفتين، ففي البخاري ~~وغيره، عن جابر، قال: نزلت هذه الآية فينا؛ إذ همت طائفتان في ~~بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله ~~يقول: { والله وليهما }. ### || [3.123-125] # وقوله سبحانه: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة... } لما أمر الله سبحانه بالتوكل عليه، ذكر بأمر ~~بدر الذي كان ثمرته التوكل على الله سبحانه، والثقة ~~به. # وقوله سبحانه: { وأنتم أذلة }: معناه: قليلون، واسم الذل ~~في هذا الموضع: مستعار؛ إذ نسبتهم إلى عدوهم، وإلى جميع الكفار في ~~أقطار الأرض تقتضي عند المتأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون؛ ~~روى ابن عمرو # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم بدر في ~~ثلاثمائة، وخمسة عشر، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«اللهم، إنهم حفاة، فاحملهم، اللهم إنهم ~~عراة، فاكسهم، اللهم، إنهم جياع، فأشبعهم»، ~~ففتح الله عليهم يوم بدر، فانقلبوا حين ~~انقلبوا، وما فيهم رجل إلا قد رجع بجمل أو ~~جملين، واكتسوا، وشبعوا " # رواه أبو داود، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين»، واللفظ له، ~~وقال: صحيح ms0268 على شرط الشيخين. اه من «السلاح». # وقوله سبحانه: { إذ تقول }: العامل في «إذ» فعل مضمر، ويحتمل ~~أن يكون العامل «نصركم»، وعلى هذا قول الجمهور؛ أن هذا ~~القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ببدر، قال ابن عباس: ~~لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا ~~يكونون في سائر الأيام عددا ومددا لا يضربون، قال الشعبي: ~~وهم يحضرون حروب المسلمين إلى يوم القيامة، وقال قتادة: أمد الله ~~المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف، قال عكرمة: كان الوعد يوم ~~بدر، فلم يصبروا يوم أحد، ولا اتقوا، فلم يمدوا، ولو ~~مدوا، لم يهزموا، وقال الضحاك، وابن زيد: إنما كان هذا الوعد ~~والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ففر الناس، وولوا مدبرين، فلم ~~يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، ~~والفور: النهوض المسرع إلى الشيء؛ مأخوذ من فور القدر، ~~والماء ونحوه؛ ومنه: الفور في الحج والوضوء و { ~~مسومين }: معناه: معلمين بعلامات، وروي أن الملائكة ~~أعلمت يوم بدر بعمائم بيض إلا جبريل؛ فإنه كان ~~بعمامة صفراء على مثال عمامة الزبير بن ~~العوام، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين ~~يوم بدر: # " سوموا؛ فإن الملائكة قد سومت ". ### || [3.126-127] # وقوله سبحانه: { وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند ~~الله العزيز الحكيم }: الضمير في { جعله الله }: ~~عائد على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا ~~لتستبشروا به، وتطمئن به قلوبكم، وترون حفاية الله بكم، وإلا ~~فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله، واللام في قوله: { ~~ليقطع } متعلقة بقوله: { وما النصر } ، ويحتمل أن تكون ~~متعلقة ب { جعله } فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ~~ببدر؛ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى من قتل بأحد على ما قال ~~السدي، وقتل من المشركين ببدر سبعون، وقتل منهم يوم أحد ~~اثنان وعشرون رجلا، والطرف الفريق. # وقوله سبحانه: { أو يكبتهم }: معناه يخزيهم والكبت: ~~الصرع لليدين. # وقال * ص *: الكبت: الهزيمة، وقيل: الصرع لليدين اه. # وقوله تعالى: { ليس ms0269 لك من الأمر شيء... } الآية: روي في ~~سبب هذه الآية؛ أنه لما هزم أصحابه صلى الله عليه وسلم، وشج ~~وجهه، وكسرت رباعيته، جعل يمسح وجهه، ~~ويقول: # " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم " # ، وفي بعض طرق الحديث: # " كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم ~~إلى الله " # ، فنزلت الآية، فقيل له: { ليس لك من الأمر شيء } ~~، أي: عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك، ودم على الدعاء ~~إلى ربك. قلت: وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم ممتثلا أمر ~~ربه، قال عياض: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~كسرت رباعيته، وشج وجهه يوم أحد، شق ذلك ~~على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: # " إني لم أبعث لعانا، ولكني بعثت داعيا، ~~ورحمة، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون " # ، وروي عن عمر (رضي الله عنه)؛ أنه قال في بعض كلامه: ~~بأبي وأمي أنت يا رسول الله، لقد دعا نوح على ~~قومه، فقال: # رب لا تذر على الأرض # [نوح:26] ولو دعوت علينا، لهلكنا من عند آخرنا، ~~فلقد وطيء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت ~~رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: # " اللهم، اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون " # اه. # قال الطبري وغيره من المفسرين: { أو يتوب } عطف على { ~~يكبتهم } والمعنى: أو يتوب عليهم، فيسلمون أو ~~يعذبهم، إن تمادوا على كفرهم؛ فإنهم ظالمون، ثم أكد سبحانه ~~معنى قوله: { ليس لك من الأمر شيء } بذكر الحجة ~~الساطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سبحانه: { ولله ما في ~~السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب ~~من يشاء والله غفور رحيم } ، أي: فله سبحانه أن يفعل ~~بحق ملكه ما يشاء، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، وذكر ~~سبحانه:؛ أن الغفران أو التعذيب، إنما هو بمشيئته، وبحسب ~~السابق في علمه، ثم رجى سبحانه في آخر ذلك؛ تأنيسا للنفوس. ### || [3.130-132] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا ~~الربا أضعفا مضعفة... } الآية. # قال * ع *: هذا النهي عن أكل الربا اعترض أثناء قصة أحد، ~~ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا، ومعناه: الربا الذي ms0270 كانت العرب ~~تضعف فيه الدين، وقد تقدم الكلام على ذلك في «سورة البقرة». # وقوله تعالى: { أعدت للكفرين } ، أي: أنهم المقصود، ~~والمراد الأول، وقد يدخلها سواهم من العصاة، هذا مذهب أهل ~~العلم في هذه الآية، وحكى الماوردي وغيره، عن قوم؛ أنهم ذهبوا ~~إلى أن أكلة الربا، إنما توعدهم الله بنار الكفرة، لا بنار ~~العصاة. # وقوله سبحانه: { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون } ، قال محمد بن إسحاق: هذه الآية من قوله تعالى: { ~~وأطيعوا الله } هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد، وانهزام ~~من فر، وزوال الرماة عن مراكزهم. ### || [3.133-134] # وقوله تعالى: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السماوات والأرض } ، قرأ نافع، وابن ~~عامر: سارعوا بغير «واو»؛ وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام، ~~وقرأ باقي السبعة بالواو، والمسارعة: المبادرة، وهي مفاعلة؛ إذ ~~الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره، فبينهم في ذلك ~~مفاعلة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: # فاستبقوا الخيرت # [البقرة:148]، والمعنى: سارعوا بالطاعة، والتقوى، والتقرب إلى ~~ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها، قلت: وحق على من ~~فهم كلام ربه؛ أن يبادر ويسارع إلى ما ندبه إليه ربه، ~~وألا يتهاون بترك الفضائل الواردة في الشرع، قال النووي ~~رحمه الله : اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال؛ ~~أن يعمل به، ولو مرة؛ ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه جملة، ~~بل يأتي بما تيسر منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~المتفق على صحته: # " وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم " # انتهى من «الحلية». # وقوله سبحانه: { وجنة عرضها السموات والأرض } ، أي: ~~كعرض السموات والأرض، قال ابن عباس في تفسير الآية: تقرن السموات ~~والأرضون بعضها إلى بعض؛ كما تبسط الثياب، فذلك عرض الجنة؛ ~~ولا يعلم طولها إلا الله سبحانه؛ وفي الحديث الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن بين المصراعين من أبواب الجنة مسيرة ~~أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس ~~فيها كما تزدحم الإبل، إذا وردت خمصا ظماء " # وفي الصحيح: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد ms0271 في ~~ظلها مائة عام لا يقطعها " # فهذا كله يقوي قول ابن عباس، وهو قول الجمهور: «إن ~~الجنة أكبر من هذه المخلوقات المذكورة، وهي ممتدة على ~~السماء؛ حيث شاء الله تعالى، وذلك لا ينكر، فإن في حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي ~~إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما ~~الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في ~~فلاة من الأرض ". # قال * ع *: فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السموات والأرض، وقدرة ~~الله أعظم من ذلك كله، قلت: قال الفخر وفي الآية وجه ثان؛ ~~أن الجنة التي عرضها مثل عرض السموات والأرض، إنما تكون ~~للرجل الواحد؛ لأن الإنسان يرغب فيما يكون ملكا له، فلا بد ~~أن تصير الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا. اه. # وقدرة الله تعالى أوسع، وفضله أعظم، وفي «صحيح مسلم»، ~~والترمذي، من حديث المغيرة بن شعبة (رضي الله عنه): # " في سؤال موسى ربه عن أدنى أهل الجنة ~~منزلة، وأنه رجل يأتي بعد ما يدخل أهل ~~الجنة الجنة، فيقال له: أترضى أن يكون لك ما ~~كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت، أي ~~رب، فيقال له: لك ذلك ومثله معه، ومثله ~~ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت، أي رب، ~~فيقال له: لك ذلك، وعشرة أمثاله، فيقول: ~~رضيت، أي رب، فيقال له: فإن لك مع هذا ما ~~اشتهت نفسك، ولذت عينك " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. # وفي البخاري من طريق ابن مسعود (رضي الله عنه): # " إن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل ~~النار خروجا من النار رجل يخرج حبوا، فيقول ~~له ربه: ادخل الجنة، فيقول: رب، الجنة ملأى، ~~فيقول له: إن لك مثل الدنيا عشر مرات " # اه. # وفي «جامع الترمذي»، عن ابن عمر (رضي الله عنهما)، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى ~~جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ~~ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى ~~وجهه غدوة وعشية ms0272 " # الحديث، قال أبو عيسى، وقد روي هذا الحديث من غير وجه، ~~مرفوعا وموقوفا، وفي الصحيح ما معناه: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة، تبقى فيها فضلة، ~~فينشيء الله لها خلقا " # ، أو كما قال. اه. # قال * ع *: وخص العرض بالذكر؛ لأنه يدل متى ما ذكر على ~~الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض، بل قد يكون ~~الطويل يسير العرض؛ كالخيط ونحوه. # ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة بقوله: { ~~الذين ينفقون فى السراء والضراء } ، وهما اليسر ~~والعسر، قاله ابن عباس. إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط، ~~وسرور النفس، ومع العسر الكراهية، وضر النفس، وكظم الغيظ: ~~رده في الجوف، إذا كاد أن يخرج من كثرته، ومنعه: كظم له، ~~والكظام: السير الذي يشد به فم الزق، والغيظ: أصل ~~الغضب، وكثيرا ما يتلازمان؛ ولذلك فسر بعض الناس الغيظ ~~بالغضب، وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ حال للنفس، لا تظهر على ~~الجوارح، والغضب حال لها تظهر في الجوارح وفعل ما؛ ولا بد؛ ~~ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله سبحانه؛ إذ هو عبارة عن أفعاله في ~~المغضوب عليهم، ولا يسند إليه تعالى الغيظ. # ووردت في كظم الغيظ، وملك النفس عند الغضب أحاديث، وذلك من ~~أعظم العبادات، وجهاد النفس، ففي حديث أبي هريرة (رضي الله ~~عنه)؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كظم غيظا، وهو يقدر على إنفاذه، ملأه ~~الله أمنا وإيمانا " # ، إلى غير ذلك من الأحاديث، قلت: وروى أبو داود، والترمذي عن ~~معاذ بن أنس (رضي الله عنه)؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من كظم غيظا، وهو يقدر على أن ينفذه، ~~دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة، حتى ~~يخيره في أي الحور شاء " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. اه. # وفي رواية أخرى لأبي داود: «ملأه الله أمنا وإيمانا، ~~ومن ترك لبس ثوب جمال، وهو يقدر عليه، ~~قال بشر: أحسبه قال: تواضعا ، كساه الله ~~حلة الكرامة»، وحدث الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر ~~المقدسي بسنده، عن النبي صلى الله ms0273 عليه وسلم، قال: # " من كف غضبه، كف الله عنه عذابه، ومن خزن ~~لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله ~~قبل الله عذره " # اه من «صفوة التصوف». # والعفو عن الناس: من أجل ضروب فعل الخير، ثم قال ~~سبحانه: { والله يحب المحسنين } ، فعم أنواع البر، ~~وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب. ### || [3.135-136] # وقوله سبحانه: { والذين إذا فعلوا فحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله... } الآية: ذكر سبحانه في هذه الآية ~~صنفا هو دون الصنف الأول، فألحقهم بهم برحمته ومنه، وهم ~~التوابون، وروي في سبب نزول هاتين الآيتين؛ أن الصحابة ~~(رضي الله عنهم)، قالوا: يا رسول الله، كانت بنو ~~إسرائيل أكرم على الله منا حين كان المذنب ~~منهم يصبح، وعقوبته مكتوبة على باب داره، ~~فأنزل الله هذه الآية؛ توسعة ورحمة، وعوضا ~~من ذلك الفعل ببني إسرائيل». # وروي أن إبليس بكى، حين نزلت هذه الآية، والفاحشة لفظ ~~يعم جميع المعاصي، وقد كثر استعماله في الزنا؛ حتى فسر ~~السدي الفاحشة هنا بالزنا، وقال قوم: الفاحشة هنا: إشارة ~~إلى الكبائر، وظلم النفس: إشارة إلى الصغائر، واستغفروا: ~~معناه: طلبوا الغفران. # قال النووي: وروينا في سنن ابن ماجة؛ بإسناد جيد، عن عبد ~~الله بن بسر (بضم الباء)، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا " # انتهى من «الحلية». # و { ذكروا الله }: معناه: بالخوف من عقابه، والحياء منه؛ ~~إذ هو المنعم المتطول، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: { ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله }؛ اعتراضا موقفا للنفس، ~~داعيا إلى الله مرجيا في عفوه، إذا رجع إليه، وجاء اسم «الله» ~~مرفوعا بعد الاستثناء، والكلام موجب؛ حملا على المعنى؛ إذ هو ~~بمعنى، وما يغفر الذنوب إلا الله، وعن علي بن أبي طالب ~~(رضي الله عنه)، قال: حدثني أبو بكر رضي الله عنه، وصدق أبو ~~بكر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من رجل يذنب ذنبا، ثم يقوم، فيتطهر، ~~ثم يصلي، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ~~ثم قرأ هذه الآية: ms0274 { والذين إذا فعلوا فحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله... } إلى آخر الآية " # رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في ~~«صحيحه»، وقال الترمذي، واللفظ له: حديث حسن انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { ولم يصروا }: الإصرار: هو المقام على ~~الذنب، واعتقاد العودة إليه، وقوله: { وهم يعلمون } ، قال ~~السدي: معناه: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقال ابن إسحاق: ~~معناه: وهم يعلمون بما حرمت عليهم، وقيل: وهم يعلمون أن باب ~~التوبة مفتوح، وقيل: وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار، ثم شرك ~~سبحانه الطائفتين المذكورتين في قوله: { أولئك جزاؤهم ~~مغفرة من ربهم... } الآية. # قال * ص *: قوله: { ونعم } المخصوص بالمدح محذوف، أي المغفرة ~~والجنة. ### || [3.137-143] # وقوله سبحانه: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في ~~الأرض... } الآية: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكم أن ~~ظهر الكفار المكذبون عليكم بأحد، فإن العاقبة للمتقين، ~~وقديما ما أدال الله المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف ~~هلك المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون عاقبة هؤلاء، وقال ~~النقاش: الخطاب ب { قد خلت } للكفار. # قال * ع *: وذلك قلق، وخلت: معناه: مضت، والسنن: الطرائق. # وقال ابن زيد: سنن: معناه: أمثال، وهذا تفسير لا يخص اللفظة، ~~وقوله: { فانظروا } هو عند الجمهور من نظر العين، وقال قوم: ~~هو بالفكر. # وقوله تعالى: { هذا بيان للناس } ، يريد به القرآن؛ قاله ~~الحسن وغيره، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: { قد ~~خلت من قبلكم سنن }. # وقال الفخر: يعني بقوله: «هذا بيان» ما تقدم؛ من أمره سبحانه، ~~ونهيه، ووعده، ووعيده، وذكره لأنواع البينات والآيات. انتهى. # ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن، وهو الضعف، وأنسهم بأنهم ~~الأعلون أصحاب العاقبة، ومن كرم الخلق ألا يهن ~~الإنسان في حربه، إذا كان محقا، وإنما يحسن اللين في السلم ~~والرضى، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن هين لين " # ، وقوله سبحانه: { وأنتم الأعلون } إخبار بعلو كلمة ~~الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. # قال * ص *: { وأنتم الأعلون }: في موضع نصب؛ على الحال. # وقوله سبحانه: { إن كنتم مؤمنين }: المقصد هز النفوس، ~~وإقامتها، ويترتب ms0275 من ذلك الطعن على من نجم في ذلك اليوم ~~نفاقه أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان، ~~فالزموه، ثم قال تعالى؛ تسلية للمؤمنين: { إن يمسسكم قرح ~~فقد مس القوم قرح مثله } ، والأسوة مسلاة للبشر؛ ~~ومنه قول الخنساء: [الوافر] # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # والقرح: القتل والجراح؛ قاله مجاهد وغيره. # وقوله تعالى: { وتلك الأيام نداولها بين الناس } ، ~~أخبر سبحانه على جهة التسلية؛ أن الأيام على قديم الدهر وغابره ~~أيضا إنما جعلها دولا بين البشر، أي: فلا تنكروا أن يدال ~~عليكم الكفار. # وقوله تعالى: { وليعلم الله الذين ءامنوا } ، تقديره: ~~وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود ~~إيمان الذين قد علم الله أزلا؛ أنهم يؤمنون وإلا فقد علمهم في ~~الأزل، { ويتخذ منكم شهداء }: معناه أهل فوز في ~~سبيله، حسبما ورد في فضائل الشهداء، وذهب كثير من العلماء ~~إلى التعبير عن إدالة المؤمنين بالنصر، وعن إدالة الكفار ~~بالإدالة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حديث؛ # " أنهم يدالون؛ كما تنصرون " # والتمحيص: التنقية، قال الخليل: التمحيص: التخليص من العيب، ~~فتمحيص المؤمنين هو تنقيتهم من الذنوب، والمحق: الإذهاب شيئا ~~فشيئا؛ ومنه: محاق القمر، وقوله سبحانه: { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا ~~منكم ويعلم الصبرين. # .. } الآية: حسبتم: معناه: ظننتم، وهذه الآية وما بعدها عتب ~~وتقريع لطوائف من المؤمنين الذين وقعت منهم الهنوات ~~المشهورة في يوم أحد، ثم خاطب الله سبحانه المؤمنين بقوله: { ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } ، ~~والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بدر، ~~يريد عير قريش مبادرا، فلم يوعب الناس معه؛ إذ كان الظن أنه ~~لا يلقى حربا، فلما قضى الله ببدر ما قضى، وفاز حاضروها ~~بالمنزلة الرفيعة، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون ~~حضور قتال الكفار؛ ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم ~~عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر، فلما جاء أمر أحد، لم ms0276 ~~يصدق كل المؤمنين، فعاتبهم الله بهذه الآية، وألزمهم تمني ~~الموت؛ من حيث تمنوا أسبابه، وهو لقاء العدو ~~ومضاربتهم، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن ~~يتمنى؛ من حيث هو قتل، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة ~~والتنعيم، قلت: # وفي كلام * ع *: بعض إجمال، وقد ترجم البخاري تمني الشهادة، ~~ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من ~~المؤمنين لا تطيب أنفسهم؛ أن يتخلفوا عني، ~~ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية ~~تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت ~~أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ثم أقتل، ~~ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل " # وخرجه أيضا مسلم، وخرج البخاري ومسلم من حديث أنس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من عبد يموت، له عند الله (عز وجل) خير، ~~يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن الدنيا له وما ~~فيها، إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، ~~فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر ~~مرات؛ لما يرى من الكرامة " # اه. # فقد تبين لك تمني القتل في سبيل الله بهذه النصوص؛ لما فيه ~~من الكرامة. # وصواب كلام * ع *: أن يقول: وإنما يتمنى القتل؛ للواحقه؛ من ~~الشهادة والتنعيم. # وقوله سبحانه: { فقد رأيتموه } ، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: { ~~وأنتم تنظرون }: تأكيد للرؤية، وإخراجها من الاشتراك الذي ~~بين رؤية القلب ورؤية العين. ### || [3.144-146] # وقوله تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل... } الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامة الحجة ~~عليهم: المعنى أن محمدا عليه السلام رسول كسائر ~~الرسل قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون العمل ~~بمضمن الرسالة، وليست حياته وبقاؤه بين أظهركم شرطا في ~~ذلك؛ لأنه يموت؛ كما ماتت الرسل قبله، ثم توعد سبحانه ~~المنقلب على عقبيه بقوله: { فلن يضر الله شيئا ~~}؛ لأن المعنى: فإنما يضر نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكرين، ~~وهم الذين صدقوا، وصبروا، ومضوا في دينهم، ووفوا لله ~~بعهدهم؛ كسعد بن الربيع، ووصيته ms0277 يومئذ للأنصار، وأنس بن ~~النضر، وغيرهما، ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة، ~~وقال علي (رضي الله عنه) في تفسير هذه الآية: الشاكرون ~~الثابتون على دينهم؛ أبو بكر، وأصحابه، وكان يقول: أبو ~~بكر أمير الشاكرين؛ إشارة منه إلى صدع أبي بكر بهذه ~~الآية يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، وثبوته في ذلك ~~الموطن، وثبوته في أمر الردة، وسائر المواطن التي ظهر ~~فيها شكره، وشكر الناس بسببه، ثم أخبر عز وجل عن النفوس؛ ~~أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم عند الله تعالى، أي: ~~فالجبن والخور لا يزيد في الأجل، والشجاعة والإقدام لا ~~ينقص منه، وفي هذه الآية تقوية للنفوس في الجهاد، وفيها رد على ~~المعتزلة في قولهم بالأجلين. # وقوله سبحانه: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها... } ~~الآية، أي: نؤت من شئنا منها ما قدر له؛ يبين ذلك قوله تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد # [الإسراء:18]، وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئا من الآخرة؛ ~~لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا، فلا ~~نصيب له في الآخرة، والأعمال بالنيات، وقرينة الكلام من قوله: { ~~ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } لا تمنع أن يؤتى ~~نصيبا من الدنيا، قال ابن فورك في قوله تعالى: { وسنجزي ~~الشكرين }: إشارة إلى أنه ينعمهم بنعم الدنيا، لا أنهم ~~يقصرون على الآخرة. # ثم ضرب سبحانه المثل للمؤمنين بمن سلف من صالح الأمم الذين لم ~~يثنهم عن دينهم قتل الكفار لأنبيائهم، فقال: { وكأين ~~من نبي قتل معه ربيون كثير... } الآية: وفي ~~«كأين» لغات، فهذه اللغة أصلها؛ لأنها كاف التشبيه دخلت على ~~«أي»، و «كأين» في هذه الآية في موضع رفع بالابتداء، وهي ~~بمنزلة «كم»، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثير، وقرأ نافع، وابن ~~كثير، وأبو عمرو: «قتل» مبنيا لما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون ~~«قاتل»، فقوله: «قتل»، قال فيه جماعة من المفسرين، منهم ~~الطبري: إنه مستند إلى ضمير «نبي»، والمعنى عندهم أن النبي ~~قتل، ونحا إليه ابن عباس، وإذا كان ms0278 هذا، ف «ربيون» مرتفع ~~بالظرف بلا خلاف، وهو متعلق بمحذوف، وليس متعلقا ب «قتل»، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن وجماعة: إن «قتل» إنما هو مستند إلى ~~قوله: «ربيون»، وهم المقتولون، قال الحسن، وابن جبير: لم ~~يقتل نبي في حرب قط. # قال * ع *: فعلى هذا القول يتعلق قوله: «معه» ب «قتل» ورجح ~~الطبري القول الأول؛ بدلالة نازلة النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا يوم أحد، لما قيل: قتل محمد، ~~فضرب المثل بنبي قتل، وترجيح الطبري حسن؛ ويؤيد ذلك ما ~~تقدم من قوله: { أفإن مات أو قتل } [آل عمران:144] وحجة من ~~قرأ «قاتل»: أنها أعم في المدح؛ لأنه يدخل فيها من قتل، ومن ~~بقي. # قال * ع *: ويحسن عندي على هذه القراءة استناد الفعل إلى ~~الربيين، وقوله: { ربيون } ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموع ~~كثيرة، وهو من الربة (بكسر الراء)، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عن ~~ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وغيرهما: أنهم قالوا: ربيون: ~~معناه: علماء؛ ويقوي هذا القول قراءة من قرأ: ربيون (بفتح ~~الراء)، منسوبون إلى الرب؛ إما لأنهم مطيعون له، أو من حيث إنهم ~~علماء بما شرع. # وقوله سبحانه: { وما استكانوا } ، ذهبت طائفة من النحاة إلى ~~أنه من السكون، وذهبت طائفة إلى أنه مأخوذ من: «كان، ~~يكون»، وأصله: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يضعفوا، ولا ~~كانوا قريبا من ذلك، قلت: واعلم (رحمك الله) أن أصل الوهن ~~والضعف عن الجهاد، ومكافحة العدو هو حب الدنيا، وكراهية ~~بذل النفوس لله، وبذل مهجها للقتل في سبيل الله؛ ~~ألا ترى إلى حال الصحابة (رضي الله عنهم)، وقلتهم في ~~صدر الإسلام، وكيف فتح الله بهم البلاد، ودان لدينهم العباد، ~~لما بذلوا لله أنفسهم في الجهاد، وحالنا اليوم، كما ترى؛ ~~عدد أهل الإسلام كثير، ونكايتهم في الكفار نزر يسير، وقد ~~روى أبو داود في «سننه» عن ثوبان، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يوشك الأمم أن تتداعى عليكم؛ كما تداعى ~~الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن ~~يومئذ؟ قال: بل ms0279 أنتم كثير، ولكنكم غثاء ~~كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم ~~المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال ~~قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا، ~~وكراهية الموت " # اه، فانظر (رحمك الله)، فهل هذا الزمان إلا زماننا بعينه، ~~وتأمل حال ملوكنا، إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال، ~~وإعراضهم عن أمر الجهاد، فإنا لله وإنا إليه راجعون على مصاب ~~الإسلام. ### || [3.147-148] # وقوله تعالى: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا... } الآية: هذه الآية في ذكر الربيين، ~~أي: هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم، يا أصحاب محمد: # لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا # [آل عمران:154]، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال، ~~قلت: وهذه المقالة ترجح القول الثاني في تفسير ~~الربيين؛ إذ هذه المقالة إنما تصدر من علماء عارفين ~~بالله. # قال * ع *: واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ~~ينحو إلى أنهم رأوا أن ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو ~~بذنوب من البشر؛ كما نزلت قصة أحد بعصيان من عصى، ~~وقولهم: { ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا }: عبارتان عن معنى ~~قريب بعضه من بعض؛ جاء للتأكيد، ولتعم مناحي الذنوب؛ وكذلك ~~فسره ابن عباس وغيره، وقال الضحاك: الذنوب عام، والإسراف في ~~الأمر، أريد به الكبائر خاصة، { فآتهم الله ثواب ~~الدنيا }؛ بأن أظهرهم على عدوهم، { وحسن ثواب الآخرة ~~}: الجنة بلا خلاف. # قال الفخر: ولا شك أن ثواب الآخرة هي الجنة، وذلك غير ~~حاصل في الحال، فيكون المراد أنه سبحانه، لما حكم لهم بحصولها في ~~الآخرة، قام حكمه لهم بذلك مقام الحصول في الحال، ومحمل ~~قوله: { ءاتهم } أنه سيؤتيهم. # وقيل: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية خاصة بالشهداء، وأنه تعالى في ~~حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة. انتهى. ### || [3.149-152] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا } ، يعني: المنافقين الذين خيبوا المسلمين، ~~وقالوا في أمر أحد: لو كان محمد نبيا، لم ينهزم. # وقوله سبحانه: { بل الله مولكم وهو خير ~~النصرين ms0280 } هذا تثبيت لهم، وقوله سبحانه: { سنلقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب } سبب هذه الآية أنه لما ارتحل أبو ~~سفيان بالكفار، رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ~~فتجهز، واتبع المشركين، وكان معبد بن أبي معبد ~~الخزاعي قد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ~~والله يا محمد، لقد ساءنا ما أصابك، وكانت ~~خزاعة تميل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركب ~~معبد؛ حتى لحق بأبي سفيان، فلما رأى أبو ~~سفيان معبدا، قال: ما وراءك، يا معبد؟ قال ~~محمد في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، ~~يتحرقون عليكم قد اجتمع معه من كان تخلف ~~عنه، وندموا على ما صنعوا، قال: ويلك! ما تقول؟ ~~قال: والله، ما أراك أن ترحل حتى ترى نواصي ~~الخيل، قال: فوالله، لقد أجمعنا الكرة إليهم، ~~قال: فإني أنهاك عن ذلك، ووالله، لقد حملني ~~ما رأيت على أن قلت فيهم شعرا، قال: وما قلت؟ ~~قال: قلت: [البسيط] # كادت تهد من الأصوات راحلتي # إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل # تردي بأسد كرام لا تنابلة # عند اللقاء ولا ميل معازيل # فظلت عدوا أظن الأرض مائلة # لما سموا برئيس غير مخذول # إلى آخر الشعر، فألقى الله الرعب في قلوب الكفار، وقال ~~صفوان بن أمية: لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون ~~للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت الآية في هذا الإلقاء، ~~وهي بعد متناولة كل كافر؛ قال الفخر: لأنه لا أحد يخالف دين ~~الإسلام، إلا وفي قلبه خوف من الرعب، إما عند الحرب، وإما عند ~~المحاجة. انتهى. # وقوله سبحانه: { بما أشركوا } ، هذه باء السبب، ~~والسلطان: الحجة والبرهان. # قال * ص *: قوله: { وبئس } ، المخصوص بالذم محذوف، أي: النار ~~[انتهى]. # وقوله سبحانه: { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه } ، جاء الخطاب لجميع المؤمنين، وإن ~~كانت الأمور التي عاتبهم سبحانه عليها، لم يقع فيها جميعهم؛ ولذلك ~~وجوه من الفصاحة، منها: وعظ الجميع، وزجره؛ إذ من لم يفعل ~~معد أن يفعل؛ إن لم يزجر، ومنها: الستر والإبقاء على من فعل، ~~وكان النبي صلى ms0281 الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر ~~يومئذ على خبر الله؛ إن صبروا وجدوا، فصدقهم الله ~~وعده؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صاف المشركين يومئذ، ~~ورتب الرماة، على ما قد ذكرناه قبل هذا، واشتعلت نار ~~الحرب، وأبلى حمزة بن عبد المطلب، وأبو دجانة، ~~وعلي، وعاصم بن أبي الأقلح، وغيرهم، وانهزم المشركون، ~~وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا، فهذا معنى قوله عز وجل: { إذ ~~تحسونهم بإذنه } ، والحس: القتل الذريع، يقال: ~~حسهم إذا استأصلهم قتلا، وحس البرد النبات. # وقوله سبحانه: { حتى إذا فشلتم } ، يحتمل أن تكون ~~«حتى» غاية؛ كأنه قال: إلى أن فشلتم، والأظهر الأقوى أن ~~«إذا» على بابها تحتاج إلى الجواب، ومذهب الخليل، ~~وسيبويه، وفرسان الصناعة؛ أن الجواب محذوف يدل عليه ~~المعنى، تقديره: انهزمتم، ونحوه، والفشل: استشعار العجز، ~~وترك الجد، والتنازع هو الذي وقع بين الرماة، { ~~وعصيتم }: عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة، وتأمل ~~(رحمك الله) ما يوجبه الركون إلى الدنيا، وما ينشأ عنها من ~~الضرر، وإذا كان مثل هؤلاء السادة على رفعتهم وعظيم ~~منزلتهم، حصل لهم بسببها ما حصل؛ من الفشل والهزيمة، فكيف ~~بأمثالنا، وقد حذر الله عز وجل ونبيه عليه السلام من ~~الدنيا وآفاتها؛ بما لا يخفى على ذي لب، وقد ذكرنا في هذا ~~«المختصر» جملة كافية لمن وفقه الله، وشرح صدره، وقد ~~خرج البغوي في «المسند المنتخب» له، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقت بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " # انتهى من «الكوكب الدري». # وقال - عليه السلام - للأنصار: لما تعرضوا له؛ إذ سمعوا بقدوم ~~أبي عبيدة بمال البحرين: # " أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله، ما الفقر ~~أخشى عليكم! ولكني أخشى أن تبسط الدنيا ~~عليكم؛ كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها ~~كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم " # ، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، واللفظ له، وقال: هذا حديث ~~صحيح. انتهى. # واعلم (رحمك الله) أن تيسير أسباب الدنيا مع إعراضك عن أمر ~~آخرتك، ليس ذلك من علامات الفلاح؛ وقد روى ابن المبارك في ms0282 ~~«رقائقه»، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني سعيد بن أبي ~~سعيد؛ أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف لي أن ~~أعلم كيف أنا؟ قال: # " إذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة، ~~وابتغيته، يسر لك، وإذا أردت شيئا من ~~الدنيا، وابتغيته، عسر عليك، فأنت على حال ~~حسنة، وإذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر ~~الآخرة، وابتغيته، عسر عليك، وإذا أردت شيئا ~~من أمر الدنيا، وابتغيته، يسر لك، فأنت على ~~حال قبيحة " # انتهى، فتأمله راشدا، وقوله: { من بعد ما أركم ما ~~تحبون } ، يعني: هزيمة المشركين، قال الزبير، والله، لقد ~~رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة، وصواحبها ~~مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل، ولا كثير؛ إذ مالت ~~الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، ~~وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من أدبارنا، وصرخ ~~صارخ ألا إن محمدا قد قتل، وانكفأ علينا القوم. # وقوله سبحانه: { منكم من يريد الدنيا } ، يعني بهم الذين ~~حرصوا على الغنيمة، وكان المال همهم؛ قاله ابن عباس، وسائر ~~المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا؛ حتى نزل فينا يوم ~~أحد: { منكم من يريد الدنيا }. # وقوله سبحانه: { ومنكم من يريد الأخرة } إخبار عن ثبوت ~~من ثبت من الرماة، مع عبد الله بن جبير؛ امتثالا للأمر حتى ~~قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر، وكل من جد ولم ~~يضطرب من المؤمنين. ### || [3.153-155] # وقوله تعالى: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } العامل ~~في إذ قوله «عفا», وقراءة الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين)؛ من: ~~أصعد، ومعناه: ذهب في الأرض، والصعيد: وجه الأرض، ف ~~«أصعد»: معناه: دخل في الصعيد؛ كما أن «أصبح»: دخل في ~~الصباح. # وقوله سبحانه: { ولا تلوون على أحد } مبالغة في صفة ~~الانهزام، وقرأ حميد بن قيس: «على أحد» (بضم الألف ~~والحاء)، يريد الجبل، والمعني بذلك نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأنه كان على الجبل، والقراءة الشهيرة أقوى؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن ms0283 على الجبل إلا بعد ما فر الناس، ~~وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت، وهو يدعوهم، وروي أنه كان ~~ينادي صلى الله عليه وسلم: # " إلي، عباد الله " # ، والناس يفرون، وفي قوله تعالى: { في أخراكم }: مدح له صلى ~~الله عليه وسلم؛ فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس؛ ومنه ~~قول الزبير بن باطا: ما فعل مقدمتنا إذا حملنا، ~~وحاميتنا إذا فررنا؛ وكذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع ~~الناس؛ ومنه قول سلمة بن الأكوع: كنا إذا احمر ~~البأس، اتقيناه برسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { فأثبكم }: معناه: جازاكم على صنيعكم، واختلف ~~في معنى قوله تعالى: { غما بغم } ، فقال قوم: المعنى: أثابكم ~~غما بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسائر المسلمين بفشلكم، وتنازعكم، وعصيانكم. قال قتادة، ~~ومجاهد: الغم الأول: أن سمعوا ألا إن محمدا قد قتل، ~~والثاني: القتل والجرح. # وقوله تعالى: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } ، أي: من ~~الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القتل والجراح، وذل الانهزام، ~~واللام من قوله: «لكي لا» متعلقة ب «أثابكم»، المعنى: ~~لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، ~~وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر قلق ~~المعاقب وحزنه، إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه، ثم ذكر سبحانه ~~أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين، فغشي أهل الإخلاص، قلت: ~~وفي «صحيح البخاري»، عن أنس؛ أن أبا طلحة قال: غشينا ~~النعاس، ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل ~~سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، ونحوه عن ~~الزبير، وابن مسعود، «والواو» في قوله: { وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم } ، واو الحال، ذهب أكثر المفسرين إلى ~~أن اللفظة من الهم الذي هو بمعنى الغم والحزن. # وقوله سبحانه: { يظنون بالله غير الحق }: معناه: يظنون ~~أن دين الإسلام ليس بحق، وأن أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~يضمحل. # قلت: وقد وردت أحاديث صحاح في الترغيب في حسن الظن ~~بالله عز وجل، ففي «صحيح مسلم»، وغيره، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حاكيا ms0284 عن الله عز وجل يقول سبحانه: # " أنا عند ظن عبدي بي... " # الحديث، وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله غيره، لا ~~يحسن أحد الظن بالله عز وجل إلا أعطاه الله ظنه، وذلك ~~أن الخير بيده، وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن أنس؛ ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حسن عبادة المرء حسن ظنه " # اه. وقوله: { ظن الجهلية }: ذهب الجمهور إلى أن ~~المراد مدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: # حمية الجهلية # [الفتح:26] و # تبرج الجهلية # [الأحزاب:33] وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد في هذه الآية ظن ~~الفرقة الجاهلية، وهم أبو سفيان ومن معه، قال قتادة وابن ~~جريج: قيل لعبد الله ابن أبي ابن سلول: قتل بنو ~~الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر من شيء، يريد أن الرأي ~~ليس لنا، ولو كان لنا منه شيء، لسمع من رأينا، فلم يخرج، فلم ~~يقتل أحد منا. # وقوله سبحانه: { قل إن الأمر كله لله } اعتراض أثناء ~~الكلام فصيح، ومضمنه الرد عليهم، وقوله سبحانه: { يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك... } الآية: أخبر تعالى عنهم على ~~الجملة دون تعيين، وهذه كانت سنته في المنافقين، لا إله ~~إلا هو. # وقوله سبحانه: { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما ~~قتلنا ههنا } هي مقالة سمعت من معتب بن قشير ~~المغموص عليه بالنفاق، وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { وليبتلي الله ما في صدوركم }: اللام في ~~«ليبتلي» متعلقة بفعل متأخر، تقديره: وليبتلي وليمحص فعل هذه ~~الأمور الواقعة، والابتلاء هنا الاختبار. # وقوله سبحانه: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان } قال عمر (رضي الله عنه): المراد بهذه الآية جميع ~~من تولى ذلك اليوم عن العدو. # وقيل: نزلت في الذين فروا إلى المدينة. # قال ابن زيد: فلا أدري، هل عفي عن هذه الطائفة خاصة، أم عن ~~المؤمنين جميعا. # وقوله تعالى: { إنما استزلهم الشيطن ببعض ما ~~كسبوا }: ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم ~~الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم بوسوسته ~~وتخويفه، والفرار من الزحف من ms0285 الكبائر؛ بإجماع فيما ~~علمت، وقد عده صلى الله عليه وسلم في السبع الموبقات. ### || [3.156-158] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخونهم... } الآية: نهى ~~الله المؤمنين؛ أن يكونوا مثل الكفار المنافقين في هذا المعتقد ~~الفاسد الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها، ومن قاتل ~~فقتل، لو قعد في بيته لعاش، ولم يمت في ذلك الوقت الذي ~~عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في ~~القول بالأجلين، أو نحو منه، وصرح بهذ المقالة عبد الله ~~بن أبي المنافق، وأصحابه؛ قاله مجاهد وغيره، والضرب في ~~الأرض: السير في التجارة، وغزى: جمع غاز. # وقوله تعالى: { ليجعل الله ذلك } الإشارة ب «ذلك» إلى ~~هذا المعتقد الذى جعله الله حسرة لهم؛ لأن الذي يتيقن أن كل ~~قتل وموت، إنما هو بأجل سابق يجد برد اليأس والتسليم لله ~~سبحانه على قلبه، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته، لم ~~يمت، يتحسر ويتلهف؛ وعلى هذا التأويل، مشى المتأولون، وهو ~~أظهر ما في الآية، والتحسر: التلهف على الشي، والغم به. # وقوله سبحانه: { والله بما تعملون بصير } توكيد للنهي ~~في قوله: { لا تكونوا } ووعيد لمن خالفه، ووعد لمن امتثله. # وقوله سبحانه: { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ~~} اللام في { ولئن قتلتم } هي المؤذنة بمجيء القسم، ~~واللام في قوله: { لمغفرة } هي المتلقية للقسم، والتقدير: ~~والله، لمغفرة وترتب الموت قبل القتل في قوله تعالى: { ما ~~ماتوا وما قتلوا }؛ مراعاة لترتب الضرب في الأرض ~~والغزو، وقدم القتل هنا؛ لأنه الأشرف الأهم، ثم قدم الموت ~~في قوله تعالى: { ولئن متم أو قتلتم }؛ لأنها آية وعظ ~~بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، وفي الآية ~~تحقير لأمر الدنيا، وحض على طلب الشهادة، والمعنى: إذا كان ~~الحشر لا بد في كلا الأمرين، فالمضي إليه في حال شهادة ~~أولى؛ وعن سهل بن حنيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله ~~منازل الشهداء، وإن مات على فراشه " # ، رواه الجماعة إلا البخاري، ms0286 وعن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من طلب الشهادة صادقا، أعطيها، ولو لم ~~تصبه " # ، انفرد به مسلم. انتهى من «سلاح المؤمن». ### || [3.159-160] # وقوله سبحانه: { فبما رحمة من الله لنت لهم }: معناه: ~~فبرحمة، قال القشيري في «التحبير»: واعلم أن الله سبحانه ~~يحب من عباده من يرحم خلقه، ولا يرحم العبد إلا إذا رحمه الله ~~سبحانه، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام : { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم }. اه. # قال * ع *: ومعنى هذه الآية التقريع لكل من أخل يوم أحد ~~بمركزه، أي: كانوا يستحقون الملام منك، ولكن برحمة منه سبحانه ~~لنت لهم، وجعلك على خلق عظيم، وبعثك لتتميم محاسن ~~الأخلاق، ولو كنت فظا غليظ القلب، لانفضوا من حولك، وتفرقوا ~~عنك، والفظ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته صلى ~~الله عليه وسلم في الكتب المنزلة: «ليس بفظ ولا غليظ ~~ولا صخاب في الأسواق»، والفظاظة: الجفوة في المعاشرة ~~قولا وفعلا، وغلظ القلب: عبارة عن تجهم الوجه، وقلة ~~الانفعال في الرغائب، وقلة الإشفاق والرحمة، والانفضاض: ~~افتراق الجموع. # وقوله تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم... } الآية: أمر ~~سبحانه نبيه عليه السلام بهذه الأوامر التي هي بتدريج ~~بليغ، فأمره أن يعفو عنهم فيما له عليهم من حق، ثم ~~يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه ~~الدرجة، كانوا أهلا للاستشارة. # قال * ع *: ومن لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب، ~~هذا مما لا خلاف فيه، وقد وردت أحاديث كثيرة في الاستشارة، ~~ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه ~~من أشخاص النوازل، فأما في حلال، أو حرام، أو حد، فتلك ~~قوانين شرع، ما فرطنا في الكتاب من شيء، والشورى مبنية على ~~اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، ويتخير، فإذا ~~أرشده الله إلى ما شاء منه، عزم عليه، وأنفذه متوكلا على ~~الله؛ إذ هو غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر الله تعالى ~~نبيه في هذه الآية، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالما ~~دينا، وقلما يكون ذلك إلا في ms0287 عاقل، فقد قال الحسن ابن ~~أبي الحسن: ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله. # قال * ع *: والتوكل على الله سبحانه وتعالى من فروض الإيمان ~~وفصوله، ولكنه مقترن بالجد في الطاعات، والتشمير ~~والحزامة بغاية الجهد، وليس الإلقاء باليد وما أشبهه بتوكل، ~~وإنما هو كما قال عليه السلام : # " قيدها وتوكل ". # وقوله تعالى: { إن الله يحب المتوكلين } هذه غاية في ~~الرفعة، وشرف المنزلة، وقد جاءت آثار صحيحة في فضل التوكل ~~وعظيم منزلة المتوكلين، ففي «صحيح مسلم» عن عمران بن ~~حصين؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير ~~حساب، قالوا: من هم، يا رسول الله؟ قال: هم ~~الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، ~~وعلى ربهم يتوكلون " # وخرج أبو عيسى الترمذي، عن أبي أمامة، قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ~~ألفا لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألف ~~سبعون ألفا وثلاث حثيات من حثيات ربي " # ، وخرجه ابن ماجة أيضا، وخرج أبو بكر البزار، وأبو عبد ~~الله الترمذي الحكيم، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~(رضي الله عنه)، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله سبحانه أعطاني سبعين ألفا يدخلون ~~الجنة بغير حساب، فقال عمر: يا رسول الله، ~~فهلا استزدته قال: قد استزدته، فأعطاني مع ~~كل واحد من السبعين الألف سبعين ألفا، فقال ~~عمر: يا رسول الله، فهلا استزدته، فقال: قد ~~استزدته، فأعطاني هكذا، وفتح أبو وهب يديه، ~~قال أبو وهب: قال هشام: هذا من الله لا يدرى، ~~ما عدده " # ، وخرج أبو نعيم، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ~~ألف، فقال أبو بكر: يا رسول الله، زدنا، قال: ~~وهكذا، وأشار سليمان بن حرب بيده، فقال أبو ~~بكر: يا رسول الله، زدنا، فقال عمر: إن الله ~~عز وجل قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة ~~واحدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق عمر» " # اه ms0288 من «التذكرة»، وما وقع من ذكر الحثية والحفنة ليس ~~هو على ظاهره، فالله سبحانه منزه عن صفات الأجسام. # وقوله تعالى: { وإن يخذلكم } أي: يترككم، والخذل الترك، ~~والضمير في: { من بعده } يعود على اسم الله، ويحتمل على ~~الخذل. ### || [3.161-163] # وقوله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل } ، قرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو، وعاصم: «أن يغل»؛ بفتح الياء، وضم الغين، ~~وقرأ باقي السبعة: «أن يغل»؛ بضم الياء، وفتح الغين، واللفظة ~~بمعنى الخيانة في خفاء، تقول العرب: أغل الرجل يغل ~~إغلالا، إذا خان، واختلف على القراءة الأولى، فقال ابن عباس ~~وغيره: نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم ~~بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخذها، فقيل: كانت هذه المقالة من مؤمن لم يظن في ذلك ~~حرجا. # وقيل: كانت من منافقين، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفا، ~~قال النقاش: ويقال: إنما نزلت؛ لأن الرماة قالوا يوم أحد: ~~الغنيمة الغنيمة، فإنا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~من أخذ شيئا، فهو له، وقال ابن إسحاق: الآية إنما أنزلت، ~~إعلاما بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئا مما أمر ~~بتبليغه. # وأما على القراءة الثانية، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحد أن ~~يغل النبي، أي: يخونه في الغنيمة؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته؛ ~~لتعيين توقيره. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وهذا القول هو الصحيح، وذلك أن ~~قوما غلوا من الغنائم، أو هموا، فأنزل الله تعالى الآية، ~~فنهاهم الله عن ذلك، رواه الترمذي. انتهى. # وقوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيمة... } الآية: وعيد لمن يغل من الغنيمة، أو في زكاته ~~بالفضيحة يوم القيامة على رءوس الأشهاد، قال القرطبي في ~~«تذكرته»: قال علماؤنا (رحمهم الله) في قوله تعالى: { ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيمة }: إن ذلك على الحقيقة؛ ~~كما بينه صلى الله عليه وسلم، أي: يأتي به حاملا له على ظهره ~~ورقبته، معذبا بحمله وثقله، ومروعا بصوته، وموبخا بإظهار ~~خيانته. انتهى. وفي الحديث عنه صلى الله عليه ms0289 وسلم؛ أنه قال: # " أدوا الخائط والمخيط؛ فإن الغلول عار ونار ~~وشنار على أهله يوم القيامة " # رواه مالك في «الموطأ»، قال أبو عمر في «التمهيد»: الشنار: ~~لفظة جامعة لمعنى العار والنار، ومعناها الشين، والنار؛ ~~يريد أن الغلول شين وعار ومنقصة في الدنيا، وعذاب في الآخرة. ~~انتهى، وفي الباب أحاديث صحيحة في الغلول، وفي منع الزكاة. # وقوله سبحانه: { أفمن اتبع رضون الله } ، أي: الطاعة ~~الكفيلة برضوان الله. # قال * ص *: «أفمن»: استفهام، معناه: النفي، أي: ليس من اتبع ~~ما يئول به إلى رضا الله تعالى عنه؛ فباء برضاه، كمن ~~لم يتبع ذلك؛ فباء بسخطه. انتهى. # وقوله سبحانه: { هم درجت عند الله } قال ابن إسحاق وغيره: ~~المراد بذلك الجمعان المذكوران؛ أهل الرضوان، وأصحاب السخط، ~~أي: لكل صنف منهم تباين في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق ~~النار أيضا، وقال مجاهد والسدي ما ظاهره: أن المراد بقوله: ~~«هم»، إنما هو لمتبعي الرضوان، أي: لهم درجات كريمة عند ربهم، وفي ~~الكلام حذف، تقديره: هم ذوو درجات، والدرجات: المنازل بعضها ~~أعلى من بعض في المسافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآية ~~وعد ووعيد. ### || [3.164-165] # وقوله تعالى: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم... } الآية: اللام في «لقد»: لام ~~القسم، «ومن» في هذه الآية: معناه: تطول وتفضل سبحانه، وقد يقال: ~~«من» بمعنى كدر معروفه بالذكر، فهي لفظة مشتركة، وقوله: ~~{ من أنفسهم } ، أي: في الجنس، واللسان، والمجاورة، فكونه ~~من الجنس يوجب الأنس به، وكونه بلسانهم يوجب حسن ~~التفهيم، وكونه جارا وربيا يوجب التصديق والطمأنينة؛ إذ قد ~~خبروه وعرفوا صدقه وأمانته، ثم وقف الله سبحانه المؤمنين ~~على الخطإ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم، وإعراضهم ~~عما نزل بالكفار، فقال: { أو لما أصبتكم مصيبة ~~} ، أي: يوم أحد { قد أصبتم مثليها } ، أي: يوم بدر؛ ~~إذ قتل من الكفار سبعون، وأسر سبعون، هذا تفسير ابن عباس، ~~والجمهور. # وقال الزجاج: واحد المثلين: هو قتل السبعين يوم بدر، ~~والثاني: هو قتل اثنين وعشرين يوم أحد، ولا مدخل للأسرى؛ ~~لأنهم ms0290 قد فدوا. # و { أنى }: معناها: كيف، ومن أين، { قل هو من عند ~~أنفسكم } ، أي: حين خالفتم النبي صلى الله عليه وسلم في الرأي ~~حين رأى أن يقيم بالمدينة، ويترك الكفار بشر محبس، ~~فأبيتم إلا الخروج، وهذا هو تأويل الجمهور، وقالت طائفة: { هو ~~من عند أنفسكم }: إشارة إلى عصيان الرماة، وتسبيبهم ~~الهزيمة على المؤمنين، وقال علي والحسن: بل ذلك لما قبلوا ~~الفداء يوم بدر؛ وذلك أن الله سبحانه أخبرهم على لسان ~~نبيه بين قتل الأسرى أو يأخذوا الفداء على أن يقتل ~~منهم عدة الأسرى، فاختاروا أخذ الفداء، ورضوا بالشهادة، ~~فقتل منهم يوم أحد سبعون، قلت: وهذا الحديث رواه الترمذي ~~عن علي (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد ~~بن نصر الداوودي: وعن الضحاك: { أنى هذا } ، ~~أي: بأي ذنب هذا؟ قال ابن عباس: { قل هو من عند ~~أنفسكم } عقوبة لمعصيتكم لنبيكم عليه السلام . انتهى. ### || [3.166-167] # وقوله سبحانه: { وما أصبكم يوم التقى الجمعان } ، ~~يعني: يوم أحد. # وقوله سبحانه: { وليعلم المؤمنين } ، أي: ليعلم الله ~~المؤمن من المنافق، والإشارة بقوله سبحانه: { نافقوا وقيل ~~لهم }: هي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، حين انخزل بنحو ~~ثلث الناس، فمشى في إثرهم عبد الله بن عمرو بن ~~حزام أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: اتقوا الله، ~~ولا تتركوا نبيكم، وقاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، ونحو ~~هذا من القول، فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتالا، ~~ولو علمنا أن يكون قتال، لكنا معكم، فلما يئس منهم عبد ~~الله، قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله ~~رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاستشهد. # وقوله تعالى: { أو ادفعوا } ، قال ابن جريج وغيره: معناه: ~~كثروا السواد، وإن لم تقاتلوا، فيندفع القوم؛ لكثرتكم، وذهب ~~بعض المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو: «أو ~~ادفعوا»: استدعاء للقتال حمية؛ إذ ليسوا بأهل للقتال في سبيل ~~الله، والمعنى: قاتلوا في سبيل الله، أو قاتلوا دفاعا عن ~~الحوزة؛ ألا ترى أن قزمان قال في ذلك اليوم: ms0291 والله، ~~ما قاتلت إلا على أحساب قومي، وقول الأنصاري يومئذ؛ ~~لما أرسلت قريش الظهر في الزروع: أترعى زروع ~~بني قيلة، ولما نضارب. ### || [3.168-172] # وقوله تعالى: { الذين قالوا لإخونهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا } ، { الذين } بدل من { الذين } ~~المتقدم، { لإخونهم } ، أي: لأجل إخوانهم، أو في شأن إخوانهم ~~المقتولين، ويحتمل أن يريد: لإخوانهم الأحياء من المنافقين، ~~ويكون الضمير في «أطاعونا» للمقتولين، وقعدوا: جملة في موضع ~~الحال، معترضة أثناء الكلام، وقولهم: { لو أطاعونا } ، ~~يريدون: في ألا يخرجوا، وباقي الآية بين. # ثم أخبر سبحانه عن الشهداء؛ أنهم في الجنة أحياء يرزقون، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن الله يطلع على الشهداء، فيقول: يا عبادي، ~~ما تشتهون، فأزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا، لا فوق ~~ما أعطيتنا، هذه الجنة نأكل منها حيث نشاء، ~~لكنا نريد أن تردنا إلى الدنيا، فنقاتل في ~~سبيلك، فنقتل مرة أخرى، فيقول سبحانه: «قد ~~سبق أنكم لا تردون " # ، والأحاديث في فضل الشهداء كثيرة. # قال الفخر: والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التواتر، ~~ثم قال: قال بعض المفسرين: أرواح الشهداء أحياء، وهي تركع ~~وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة. انتهى. # والعقيدة أن الأرواح كلها أحياء، لا فرق بين الشهداء وغيرهم في ~~ذلك إلا ما خصص الله به الشهداء من زيادة المزية ~~والحياة التي ليست بمكيفة، وفي «صحيح مسلم»، عن مسروق ~~قال، سألنا ابن مسعود عن هذه الآية: { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أموتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون } ، فقال: أما أنا، فقد سألت ~~عن ذلك، فقال، يعني النبي صلى الله عليه وسلم: # " أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة ~~بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي ~~إلى تلك القناديل... " # الحديث إلى آخره اه. # ومن الآثار الصحيحة الدالة على فضل الشهداء ما رواه مالك في ~~«الموطأ»؛ أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن ~~عمرو الأنصاريين ثم السلميين كانا قد حفر ~~السيل قبرهما، وكان قبرهما مما يلي السيل، وكانا في ~~قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم ms0292 أحد، فحفر عنهما ليغيرا ~~من مكانهما، فوجدا لم يغيرا، كأنما ماتا بالأمس، وكان ~~أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن، وهو ~~كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت، كما ~~كانت، وكان بين أحد، وبين يوم حفر عنهما ست ~~وأربعون سنة، قال أبو عمر في «التمهيد»: حديث مالك هذا يتصل من ~~وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب، وعبد الله بن عمرو هذا هو والد ~~جابر بن عبد الله، وعمرو بن الجموح هو ابن عمه، ثم ~~أسند أبو عمر، عن جابر بن عبد الله، قال: لما أراد معاوية أن ~~يجري العين بأحد، نودي بالمدينة: من كان له قتيل، فليأت ~~قتيله، قال جابر: فأتيناهم، فأخرجناهم رطابا يتثنون، ~~فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم، فانفطرت دما، قال ~~أبو سعيد الخدري: «لا ينكر بعد هذا منكر أبدا» وفي ~~رواية: «فاستخرجهم يعني: معاوية ، بعد ست وأربعين سنة ~~لينة أجسادهم، تتثنى أطرافهم»، قال أبو عمر: الذي أصابت ~~المسحاة أصبعه هو حمزة (رضي الله عنه). # ثم أسند عن جابر قال: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب ~~الرجال؛ كأنهم رجال نوم؛ حتى إذا أصابت المسحاة ~~قدم حمزة (رضي الله عنه): «فانثعبت دما» انتهى. # وقوله سبحانه: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم... } الآية: معناه: يسرون، ويفرحون، وذهب قتادة وغيره ~~إلى أن استبشارهم هو أنهم يقولون: إخواننا الذين تركناهم ~~خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، ~~فيستشهدون، فينالون من الكرامة مثل ما نلنا نحن، ~~فيسرون لهم بذلك؛ إذ يحصلون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ~~وذهب فريق من العلماء إلى أن الإشارة في قوله: { بالذين لم ~~يلحقوا } ، إلى جميع المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم في فضل ~~الشهادة؛ وذلك لما عاينوا من ثواب الله، فهم فرحون لأنفسهم ~~بما آتاهم الله من فضله، ومستبشرون للمؤمنين أنهم لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون؛ ثم أكد سبحانه استبشارهم بقوله: { ~~يستبشرون بنعمة } ، ثم بين سبحانه بقوله: { وفضل } ، ~~أن إدخاله إياهم الجنة هو بفضل منه، لا بعمل أحد، وأما ~~النعمة في الجنة، والدرجات، فقد أخبر أنها على ms0293 قدر الأعمال. # قلت: وخرج أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب ~~صاحب ابن المبارك في «رقائقه»، بسنده، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاصي؛ # " أن الشهداء في قباب من حرير في رياض خضر، ~~عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح فى أنهار ~~الجنة يأكل من كل رائحة في أنهار الجنة، فإذا ~~أمسى وكزه الثور بقرنه، فيذكيه، فيأكلون ~~لحمه، يجدون في لحمه طعم كل رائحة، ويبيت ~~الثور في أفناء الجنة، فإذا أصبح، غدا عليه ~~الحوت، فوكزه بذنبه، فيذكيه، فيأكلون، ~~فيجدون في لحمه طعم كل رائحة في الجنة، ثم ~~يعودون، وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ~~ويدعون الله عز وجل أن تقوم الساعة... " # الحديث. انتهى. مختصرا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطولا. # وقرأ الكسائي: «وإن الله»؛ بكسر الهمزة؛ على استئناف ~~الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتح على أن ذلك داخل فيما يستبشر ~~به، وقوله: { الذين استجابوا } يحتمل أن يكون صفة للمؤمنين؛ ~~على قراءة من كسر الألف من «إن»، والأظهر أن الذين ابتداء، ~~وخبره في قوله: { للذين أحسنوا منهم... } ، والمستجيبون ~~لله والرسول: هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~حمراء الأسد في طلب قريش. ### || [3.173-174] # وقوله سبحانه: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم... } الآية: «الذين»: صفة للمحسنين، وهذا القول هو ~~الذي قاله الركب من عبد القيس لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه حين حملهم أبو سفيان ذلك، «فالناس» ~~الأول هم الركب، و «الناس» الثاني عسكر قريش؛ هذا ~~قول الجمهور، وهو الصواب، وقول من قال: إن الآية نزلت في خروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان، ~~و { إن الناس } هنا هو نعيم بن مسعود قول ضعيف، وعن ~~ابن عباس؛ أنه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» ~~قالها إبراهيم عليه السلام ، حين ألقي في النار، ~~وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: { إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمنا وقالوا ~~حسبنا الله ونعم الوكيل } ، رواه مسلم. والبخاري. ~~انتهى. ### || [3.175-178] # وقوله سبحانه: { إنما ذلكم الشيطن يخوف ms0294 ~~أولياءه... } الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الركب عن ~~رسالة أبي سفيان، ومن جزع من جزع من الخبر. # وقرأ الجمهور: «يخوف أولياءه»، قال قوم: معناه: يخوف ~~المنافقين، ومن في قلبه مرض، وحكى أبو الفتح بن جني، عن ابن ~~عباس؛ أنه قرأ «يخوفكم أولياءه»، فهذه قراءة ظهر فيها ~~المفعولان، وهي مفسرة لقراءة الجماعة، وفي قراءة أبي بن ~~كعب: «يخوفكم بأوليائه»، وفي كتاب «القصد إلى الله ~~تعالى»؛ للمحاسبي، قال: وكلما عظمت هيبة الله عز وجل في ~~صدور الأولياء، لم يهابوا معه غيره؛ حياء منه عز وجل أن يخافوا ~~معه سواه. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولا يحزنك الذين يسرعون فى الكفر ~~} ، والمسارعة في الكفر: هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجد في ~~ذلك، وسلى الله تعالى نبيه عليه السلام بهذه الآية عن ~~حال المنافقين والمجاهرين؛ إذ كلهم مسارع، وقوله تعالى: { ~~إنهم لن يضروا الله شيئا }: خبر في ضمنه وعيد ~~لهم، أي: وإنما يضرون أنفسهم، والحظ: إذا أطلق، فإنما يستعمل في ~~الخير، وقوله سبحانه: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم }: نملي: معناه: نمهل ~~ونمد في العمر، والمعنى: لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا ~~خيرا لهم، فالآية رد على الكفار في قولهم: إن كوننا ممولين ~~أصحة دليل على رضا الله بحالتنا. ### || [3.179-180] # وقوله تعالى: { ما كان الله ليذر } ، أي: ليدع المؤمنين ~~مختلطين بالمنافقين، مشكلا أمرهم؛ حتى يميز بعضهم من بعض؛ بما ~~يظهره من هؤلاء وهؤلاء في «أحد» من الأفعال والأقوال، هذا تفسير ~~مجاهد وغيره. # وقوله: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ، أي: ~~في أمر أحد، وما كان من الهزيمة وأيضا: فما كان الله ليطلعكم على ~~المنافقين تصريحا وتسمية لهم، ولكن بقرائن أفعالهم وأقوالهم. # قال الفخر: وذلك أن سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام ~~الناس على غيبه، أي: لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلا ~~بامتحانات؛ كما تقدم، فأما معرفة ذلك على سبيل الإطلاع من ~~الغيب، فهو من خواص الأنبياء، فلهذا قال تعالى: { ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشاء }. انتهى. # وقال ms0295 الزجاج وغيره: روي أن بعض الكفار قال: لم لا يكون ~~جميعنا أنبياء، فنزلت هذه الآية، و { يجتبي }: معناه: ~~يختار ويصطفي، وقوله سبحانه: { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما ءاتهم الله من فضله } الآية: قال ~~السدي وجماعة من المتأولين: الآية نزلت في البخل بالمال، ~~والإنفاق في سبيل الله، وأداء الزكاة المفروضة، ونحو ذلك، قال: ~~ومعنى: { سيطوقون ما بخلوا به } هو الذي ورد في الحديث، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، فيسأله من فضل ~~عنده، فيبخل عليه إلا أخرج له يوم القيامة ~~شجاع من النار يتلمظ؛ حتى يطوقه " # ، قلت: وفي البخاري وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له ~~شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ~~يأخذ بلهزمتيه، يعني: شدقيه، يقول: أنا مالك، ~~أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما ءاتهم الله من فضله... } " # الآية. # قلت: واعلم أنه قد وردت آثار صحيحة بتعذيب العصاة بنوع ما ~~عصوا به؛ كحديث: # " من قتل نفسه بحديدة، فهو يجأ نفسه ~~بحديدته في نار جهنم، والذي قتل نفسه ~~بالسم، فهو يتحساه في نار جهنم " # ، ونحو ذلك. # قال الغزالي في «الجواهر»: واعلم أن المعاني في عالم ~~الآخرة تستتبع الصور، ولا تتبعها، فيتمثل كل شيء بصورة ~~توازي معناه، فيحشر المتكبرون في صور الذر يطؤهم ~~من أقبل وأدبر، والمتواضعون أعزاء. انتهى، وهو كلام صحيح ~~يشهد له صحيح الآثار؛ ويؤيده النظر والإعتبار، اللهم، وفقنا ~~لما تحبه وترضاه. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قال علماؤنا: البخل: منع ~~الواجب، والشح: منع المستحب، والصحيح المختار أن هذه الآية ~~في الزكاة الواجبة؛ لأن هذا وعيد لمانعيها، والوعيد إذا اقترن ~~بالفعل المأمور به، أو المنهي عنه، اقتضى الوجوب أو التحريم. ~~انتهى. وتعميمها في جميع أنواع الواجب أحسن. # وقوله سبحانه: { ولله ميراث السموات والأرض } خطاب ~~على ما يفهمه البشر، دال على فناء الجميع، وأنه لا يبقى مالك ~~إلا الله سبحانه. ### || [3.181-182] # وقوله سبحانه: { لقد سمع الله قول ms0296 الذين قالوا ~~إن الله فقير ونحن أغنياء... } الآية: نزلت بسبب ~~فنحاص اليهودي وأشباهه؛ كحيي بن أخطب وغيره، لما ~~نزلت: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [الحديد:11]، قالوا: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير ~~الغني، وهذا من تحريف اليهود للتأويل على نحو ما صنعوا في ~~توراتهم. # وقوله تعالى: { قول الذين قالوا }: دال على أنهم جماعة. # وقوله تعالى: { سنكتب ما قالوا... } الآية: وعيد لهم، أي: ~~سنحصي عليهم قولهم، ويتصل ذلك بفعل آبائهم من قتل الأنبياء ~~بغير حق. # وقوله سبحانه: { إن الله }؛ أي: وبأن الله ليس بظلام ~~للعبيد. # قال * ص *: قيل: المراد هنا نفي القليل والكثير من الظلم؛ كقول ~~طرفة: [الطويل]. # ولست بحلال التلاع مخافة # ولكن متى يسترفد القوم أرفد # ولا يريد: أنه قد يحل التلاع قليلا. # وزاد أبو البقاء وجها آخر، وهو أن يكون على النسب، أي: لا ينسب ~~سبحانه إلى ظلم، فيكون من باب بزاز وعطار. انتهى، قلت: وهذا ~~القول أحسن ما قيل هنا، فمعنى وما ربك بظلام، أي: بذي ظلم. ### || [3.183-184] # وقوله سبحانه: { الذين قالوا إن الله عهد إلينا... ~~} هذه المقالة قالتها أحبار اليهود مدافعة لأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والمعنى: إنك لم تأتنا بقربان تأكله النار، ~~فنحن قد عهد إلينا ألا نؤمن لك. # وقوله تعالى: { قل قد جاءكم رسل من قبلي ~~بالبينت وبالذي قلتم }؛ من أمر القربان، ~~والمعنى: أن هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بقربان، ~~لتعللتم بغير ذلك، ثم أنس سبحانه نبيه بالأسوة والقدوة ~~فيمن تقدم من الأنبياء. # قال الفخر: والمراد { بالبينت } المعجزات. انتهى. # والزبر: الكتاب المكتوب، قال الزجاج: زبرت: كتبت. ### || [3.185] # وقوله سبحانه: { كل نفس ذائقة الموت... } الآية: وعظ ~~فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأمته عن أمر الدنيا ~~وأهلها، ووعد بالفلاح في الآخرة؛ فبالفكرة في الموت يهون أمر ~~الكفار وتكذيبهم، { وإنما توفون أجوركم } ، أي: على ~~الكمال، ولا محالة أن يوم القيامة تقع فيه توفية الأجور، ~~وتوفية العقوبات، و { زحزح }: معناه: أبعد، والمكان ~~الزحزاح: البعيد، { وفاز }: معناه: نجا من خطره وخوفه، و { ~~الغرور }: الخدع، والترجية ms0297 بالباطل والحياة الدنيا، وكل ~~ما فيها من الأموال هي متاع قليل يخدع المرء، ويمنيه الأباطيل؛ ~~وعلى هذا فسر الآية جمهور المفسرين، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ~~" # ، ثم تلا هذه الآية، قلت: وأسند أبو بكر بن الخطيب، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما سكن حب الدنيا قلب عبد قط إلا التاط ~~منها بخصال ثلاث: أمل لا يبلغ منتهاه، وفقر ~~لا يدرك غناه، وشغل لا ينفك عناه " # انتهى. ### || [3.186] # وقوله تعالى: { لتبلون في أمولكم وأنفسكم... } ~~الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته، والمعنى: لتختبرن ~~ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل ~~الله، وفي سائر تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس ~~بالموت، والأمراض وفقد الأحبة، قال الفخر: قال الواحدي: ~~اللام في { لتبلون }: لام قسم. انتهى. # وقوله: { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب... } ~~الآية: قال عكرمة وغيره: السبب في نزولها أقوال فنحاص، وقال ~~الزهري وغيره: نزلت بسبب كعب بن الأشرف؛ حتى بعث إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله، والأذى: اسم جامع في ~~معنى الضرر، وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأصحابه؛ من سب، وأقوالهم في جهة الله سبحانه، ~~وأنبيائه، وندب سبحانه إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم ~~الأمور، أي: من أشدها وأحسنها، والعزم: إمضاء الأمر المروى ~~المنقح، وليس ركوب الرأي دون روية عزما. ### || [3.187] # وقوله سبحانه: { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا ~~الكتب... } الآية: توبيخ لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم، قال جمهور من العلماء: الآية ~~عامة في كل من علمه الله علما، وعلماء هذه الأمة داخلون ~~في هذا الميثاق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " من سئل عن علم، فكتمه، ألجمه الله بلجام ~~من نار " # ، والضمير في: { لتبيننه } ، { ولا تكتمونه }: عائد ~~على { الكتب } ، والنبذ: الطرح، وأظهر الأقوال في هذه ~~الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون، ثم كل كاتم من ~~هذه الأمة يأخذ بحظه ms0298 من هذه المذمة. ### || [3.188-190] # وقوله سبحانه: { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... } الآية: ذهبت ~~جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلت في ~~أهل الكتاب أحبار اليهود، قال سعيد بن جبير: الآية في اليهود، ~~فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوة والكتاب، فهم ~~يقولون: نحن على طريقهم، ويحبون أن يحمدوا بذلك، وهم ليسوا على ~~طريقهم، وقراءة سعيد بن جبير: «بما أوتوا»؛ بمعنى «أعطوا» ~~(بضم الهمزة والطاء)؛ وعلى قراءته يستقيم المعنى الذي قال، والمفازة ~~مفعلة من فاز يفوز، إذا نجا، وباقي الآية بين. # ثم دل سبحانه على مواضع النظر والعبرة، فقال: { إن في خلق ~~السموات والأرض واختلف اليل والنهار } ، أي: ~~تعاقب الليل والنهار؛ إذ جعلهما سبحانه خلفة، ويدخل تحت ~~اختلافهما قصر أحدهما وطول الآخر، وبالعكس، واختلافهما ~~بالنور والظلام، والآيات: العلامات الدالة على وحدانيته، ~~وعظيم قدرته سبحانه. # قال الفخر: واعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب ~~القلوب والأرواح عن الإشتغال بالخلق والإستغراق في معرفة ~~الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام، والجواب عن شبهات ~~المبطلين، عاد إلى إثارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد ~~والكبرياء والجلال، وذكر الأدعية، فختم بهذه الآيات بنحو ما ~~في «سورة البقرة». انتهى. ### || [3.191-192] # وقوله سبحانه: { الذين يذكرون الله قيما وقعودا }: ~~الذين: في موضع خفض صفة ل { أولي الألبب } ، وهذا وصف ~~ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر ~~الله، وأن يحضر القلب اللسان؛ وذلك من أعظم وجوه العبادات، ~~والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، وابن آدم متنقل في هذه الثلاث ~~الهيئات، لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه، وكذلك ~~جرت عائشة (رضي الله عنها) إلى حصر الزمن في قولها: «كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل ~~أحيانه». # قلت: خرجه أبو داود، فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغيره. # وذهب جماعة إلى أن قوله تعالى: { الذين يذكرون الله } ~~إنما هو عبارة عن الصلاة، أي: لا يضيعونها، ففي حال العذر ~~يصلونها قعودا، وعلى ms0299 جنوبهم، ثم عطف على هذه العبادة التي هي ~~ذكر الله باللسان، أو الصلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمة، ~~وهي الفكرة في قدرة الله تعالى ومخلوقاته، والعبر التي ~~بث. [المتقارب] # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # قال الغزالي: ونهاية ثمرة الدين في الدنيا تحصيل معرفة ~~الله، وتحصيل الأنس بذكر الله تعالى، والأنس يحصل ~~بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوام الفكر. انتهى من ~~«الإحياء». # ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله، ~~فقال: # " تفكروا في الخلق، ولا تتفكروا في الخالق؛ ~~فإنكم لا تقدرون قدره ". # قال * ع *: وهذا هو قصد الآية في قوله: { ويتفكرون في ~~خلق السموات والأرض }. # وقال بعض العلماء: المتفكر في ذات الله كالناظر في عين ~~الشمس؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء، وإنما التفكر وانبساط ~~الذهن في المخلوقات، وفي أحوال الآخرة، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا عبادة كتفكر " # وقال ابن عباس، وأبو الدرداء: فكرة ساعة خير من قيام ~~ليلة، وقال سري السقطي: فكرة ساعة خير من عبادة ~~سنة، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك، فتجعلها في ~~الآخرة، وقال الحسن بن أبي الحسن: الفكرة مرآة المؤمن، ~~ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته، وأخذ أبو سليمان الداراني ~~قدح الماء؛ ليتوضأ لصلاة الليل، وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه ~~في أذن القدح، أقام كذلك مفكرا حتى طلع الفجر، فقال له: ما هذا ~~يا أبا سليمان؟ فقال: إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح، ~~تذكرت قول الله سبحانه: # إذ الأغلل في أعنقهم والسلسل # [غافر:71]، فتفكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل، إن طرح في ~~عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبح. # قال * ع *: وهذه نهاية الخوف، وخير الأمور أوساطها، وليس علماء ~~الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب ~~الله ومعاني سنة رسوله لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من ~~هذا، لكن يحسن ألا تخلو البلاد من مثل هذا. # قال * ع *: وحدثني أبي (رحمه الله)، عن بعض علماء المشرق، قال: ~~كنت بائتا في مسجد الإقدام ms0300 ب «مصر» فصليت العتمة، ~~فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له، حتى أصبح، وصلينا نحن تلك ~~الليلة، وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح، قام ذلك ~~الرجل، فاستقبل القبلة، وصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته ~~في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة، خرج، فتبعته لأعظه، ~~فلما دنوت منه، سمعته، وهو ينشد: [المنسرح] # منسجن الجسم غائب حاضر # منتبه القلب صامت ذاكر # منبسط في الغيوب منقبض # كذاك من كان عارفا ناكر # يبيت في ليله أخا فكر # فهو مدى الليل نائم ساهر # قال: فعلمت أنه ممن يعبد الله بالفكرة، فانصرفت عنه. # قال الفخر: ودلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين ~~التفكر. انتهى. # وفي «العتبية»: قال مالك: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن ~~أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قال مالك: ~~وهو من الأعمال، وهو اليقين؛ قال الله عز وجل: { ~~ويتفكرون في خلق السموات والأرض } ، قال ابن ~~رشد: والتفكر من الأعمال؛ كما قاله مالك (رحمه الله)، وهو من ~~أشرف الأعمال؛ لأنه من أعمال القلوب التي هي أشرف الجوارح؛ ألا ~~ترى أنه لا يثاب أحد على عمل من أعمال الجوارح من سائر ~~الطاعات، إلا مع مشاركة القلوب لها بإخلاص النية لله ~~(عز وجل) في فعلها. انتهى من «البيان والتحصيل». # قال ابن بطال: إن الإنسان إذا كمل إيمانه، وكثر تفكره، كان ~~الغالب عليه الإشفاق والخوف. انتهى. # قال ابن عطاء الله: الفكرة سير القلب في ميادين الاعتبار، ~~والفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت، فلا إضاءة له. # قلت: قال بعض المحققين: وذلك أن الإنسان إذا تفكر، علم، وإذا ~~علم، عمل. # قال ابن عباد: قال الإمام أبو القاسم القشيري (رحمه الله): ~~التفكر نعت كل طالب، وثمرته الوصول بشرط العلم، ثم فكر ~~الزاهدين: في فناء الدنيا، وقلة وفائها لطلابها؛ فيزدادون ~~بالفكر زهدا، وفكر العابدين: في جميل الثواب، فيزدادون ~~نشاطا ورغبة فيه، وفكر العارفين: في الآلاء والنعماء؛ فيزدادون ~~محبة للحق سبحانه. انتهى. # وقوله تعالى: { ربنا ما خلقت هذا بطلا } ، أي: يقولون: ~~يا ربنا؛ على النداء، ما خلقت هذا باطلا، يريد: لغير غاية ~~منصوبة، ms0301 بل خلقته، وخلقت البشر؛ لينظروا فيه؛ فيوحدوك، ويعبدوك؛ ~~فمن فعل ذلك نعمته، ومن ضل عن ذلك، عذبته، وقولهم: { ~~سبحنك } ، أي: تنزيها لك عما يقول المبطلون، وقولهم: { ~~ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ، أي: فلا ~~تفعل ذلك بنا، والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر ~~المرء. # قال أنس بن مالك، والحسن بن أبي الحسن، وابن جريج، ~~وغيرهم: هذه إشارة إلى من يخلد في النار، وأما من يخرج منها ~~بالشفاعة والأمان، فليس بمخزى، أي: وما أصابه من عذابها، إنما هو ~~تمحيص لذنوبه. # وقوله سبحانه: { وما للظلمين من أنصار }: هو من قول ~~الداعين. ### || [3.193-194] # وقوله سبحانه: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمن... } الآية: حكاية عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء: يرحم ~~الله المؤمنين؛ ما زالوا يقولون: ربنا ربنا، حتى ~~استجيب لهم، قال ابن جريج وغيره: المنادي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي كتاب الله، وليس ~~كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعه، وقولهم: { ما ~~وعدتنا على رسلك } ، معناه: على ألسنة رسلك، ~~وقولهم: { ولا تخزنا يوم القيمة إنك لا تخلف ~~الميعاد }: إشارة إلى قوله تعالى: # يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه # [التحريم:8] فهذا وعده تعالى، وهو دال على أن الخزي إنما هو مع ~~الخلود. # قال * ص *: قال أبو البقاء: الميعاد مصدر بمعنى الوعد. انتهى. ### || [3.195-198] # وقوله سبحانه: { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى... } الآية: استجاب ~~بمعنى أجاب، روي أن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: ~~يا رسول الله، قد ذكر الله تعالى الرجال في ~~الهجرة، ولم يذكر النساء في شيء من ذلك، ~~فنزلت الآية. وهي آية وعد من الله، أي: هذا فعله سبحانه ~~مع الذي يتصفون بما ذكر، قال الفخر: روي عن جعفر الصادق؛ ~~أنه قال: من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه ~~الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية؛ قال: لأن الله ~~تعالى حكى عنهم؛ أنهم قالوا: ربنا؛ خمس مرات، ثم أخبر أنه ~~استجاب لهم. انتهى. ms0302 # وقوله تعالى: { بعضكم من بعض } ، يعني: في الأجر، وتقبل ~~الأعمال، أي: أن الرجال والنساء في ذلك على حد واحد، قال ~~الفخر: قوله سبحانه: { بعضكم من بعض } ، أي: شبه بعض، أو ~~مثل بعض، والمعنى: أنه لا تفاوت في الثواب بين الذكر ~~والأنثى؛ إذا استووا في الطاعة؛ وهذا يدل على أن الفضل في ~~باب الدين، إنما هو بالأعمال، لا بسر صفات العاملين؛ لأن كونهم ~~ذكرا أو أنثى، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا ~~الباب. انتهى. # وبين سبحانه حال المهاجرين، ثم الآية بعد تنسحب على كل ~~من أوذي في الله، وهاجر أيضا إلى الله إلى يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { وأخرجوا من ديرهم }: عبارة فيها إلزام ~~الذنب للكفار، واللام في قوله: { لأكفرن }: لام القسم، و ~~{ ثوابا }: مصدر موكد، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ~~البلد... } الآية: نزلت: { لا يغرنك } في هذه الآية ~~منزلة: «لا تظن»؛ أن حال الكفار حسنة، والخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته، والتقلب: التصرف في التجارات، ~~والأرباح، والحروب، وسائر الآمال؛ وقوله: { نزلا }: معناه ~~تكرمة. # وقوله تعالى: { وما عند الله خير للأبرار } يحتمل أن ~~يريد: خير مما هؤلاء فيه، من التقلب والتنعم، ويحتمل أن ~~يريد: خير مما هم فيه في الدنيا، وفي الحديث عنه صلى الله عليه ~~وسلم: # " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " # قال القاضي ابن الطيب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إليه كل ~~واحد منهما في الآخرة، وقيل: المعنى أنها سجن المؤمن؛ لأنها موضع ~~تعبه في الطاعة. ### || [3.199-200] # وقوله تعالى: { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن ~~بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ~~خشعين لله } ، قال جابر بن عبد الله وغيره: هذه الآية ~~نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة، آمن بالله، ~~وبمحمد عليه السلام ، وأصحمة: تفسيره بالعربية: عطية؛ ~~قاله سفيان وغيره، وقال قوم: نزلت في عبد الله بن سلام، ~~وقال ابن زيد ومجاهد: نزلت في جميع من آمن من أهل ~~الكتاب. # وقوله سبحانه: { لا يشترون بئايت الله ثمنا قليلا ms0303 ~~}: مدح لهم، وذم لسائر كفار أهل الكتاب؛ لتبديلهم وإيثارهم مكاسب ~~الدنيا على آخرتهم، وعلى آيات الله سبحانه، ثم ختم الله ~~سبحانه السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا ~~على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض سبحانه على الصبر على ~~الطاعات، وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة، فقيل: معناه مصابرة ~~الأعداء؛ قاله زيد بن أسلم، وقيل: معناه مصابرة وعد الله في ~~النصر؛ قاله محمد بن كعب القرظي، أي: لا تسأموا وانتظروا ~~الفرج، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " انتظار الفرج بالصبر عبادة ". # قال الفخر: والمصابرة عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بين ~~الإنسان، وبين الغير. انتهى. # وقوله: { ورابطوا }: معناه عند الجمهور: رابطوا أعداءكم ~~الخيل، أي: ارتبطوها؛ كما يرتبطها أعداؤكم، قلت: وروى مسلم في ~~«صحيحه»، عن سلمان، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، ~~وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، ~~وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان " # ، وخرج الترمذي، عن فضالة بن عبيد، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات ~~مرابطا في سبيل الله؛ فإنه ينمو عمله إلى يوم ~~القيامة، ويأمن من فتنة القبر " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وخرجه أبو داود بمعناه، ~~وقال: # " ويؤمن من فتاني القبر " # ، وخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: # " من مات مرابطا في سبيل الله، أجرى الله عليه ~~أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه ~~رزقه، وأمن الفتان، ويبعثه الله آمنا من ~~الفزع " # ، وروى مسلم والبخاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا، وما ~~فيها " # انتهى. # وجاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة يطول ذكرها. # قال صاحب «التذكرة»: وروى أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة ~~المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم ~~أجرا من عبادة مائة سنة؛ صيامها، وقيامها، ~~ورباط يوم ms0304 في رمضان أفضل عند الله وأعظم ~~أجرا " # ، أراه قال: # " من عبادة ألفي سنة، صيامها، وقيامها... " # الحديث ذكره القرطبي مسندا. انتهى. # والرباط: هو الملازمة في سبيل الله؛ أصلها من ربط الخيل، ~~ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا، فارسا كان ~~أو راجلا، واللفظة مأخوذة من الربط، قلت: قال الشيخ زين ~~الدين العراقي في «اختصاره لغريب القرآن»؛ لأبي حيان: معنى: ~~رابطوا: دوموا واثبتوا، ومتى ذكرت العراقي، فمرادي ~~هذا الشيخ. انتهى. # وروى ابن المبارك في «رقائقه»، أن هذه الآية: { اصبروا ~~وصابروا ورابطوا } ، إنما نزلت في انتظار الصلاة خلف ~~الصلاة؛ قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: ولم يكن يومئذ ~~عدو يرابط فيه. انتهى. # وقوله سبحانه: { لعلكم تفلحون }: ترج في حق البشر، ~~والحمد لله حق حمده. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم... } الآية: ~~في الآية تنبيه على الصانع، وعلى افتتاح الوجود، وفيها حض على ~~التواصل لحرمة هذا النسب، والمراد بالنفس آدم صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: { وحدة }؛ على تأنيث لفظ النفس، و «زوجها»، يعني: ~~حواء، قال ابن عباس وغيره: خلق الله آدم وحشا في الجنة ~~وحده، ثم نام، فانتزع الله إحدى أضلاعه القصيرى من ~~شماله، وقيل: من يمينه، فخلق منها حواء، ويعضد هذا ~~الحديث الصحيح في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج... " # الحديث، { وبث }: معناه: نشر؛ كقوله تعالى: # كالفراش المبثوث # [القارعة:4] أي: المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوى تأكيد لنفوس ~~المأمورين، و { تساءلون }: معناه: تتعاطفون به، فيقول أحدكم: ~~أسألك بالله، وقوله: { والأرحام } ، أي: واتقوا الأرحام، وقرأ ~~حمزة «والأرحام» (بالخفض)؛ عطفا على الضمير؛ كقولهم: أسألك ~~بالله وبالرحم؛ قاله مجاهد وغيره. # قال * ع *: وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز؛ لأنه لا يجوز ~~عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض إلا في ضرورة الشعر؛ كقوله: ~~[البسيط] # ................. # فاذهب فما بك والأيام من عجب # لأن الضمير المخفوض لا ينفصل؛ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على ~~حرف، واستسهل بعض النحاة هذه القراءة. انتهى كلام * ع *. # قال * ص *: والصحيح ms0305 جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة ~~الجار؛ كمذهب الكوفيين، ولا ترد القراءة المتواترة بمثل مذهب ~~البصريين، قال: وقد أمعنا الكلام عليه في قوله تعالى: # وكفر به والمسجد الحرام # [البقرة:217] انتهى، وهو حسن، ونحوه للإمام الفخر. # وفي قوله تعالى: { إن الله كان عليكم رقيبا }: ضرب من ~~الوعيد، قال المحاسبي: سألت أبا جعفر محمد بن موسى، ~~فقلت: أجمل حالات العارفين ما هي؟ فقال: إن الحال التي تجمع لك ~~الحالات المحمودة كلها في حالة واحدة هي المراقبة، فألزم ~~نفسك، وقلبك دوام العلم بنظر الله إليك؛ في حركتك، ~~وسكونك، وجميع أحوالك؛ فإنك بعين الله (عز وجل) في ~~جميع تقلباتك، وإنك في قبضته؛ حيث كنت، وإن عين الله على ~~قلبك، وناظر إلى سرك وعلانيتك، فهذه الصفة، يا فتى، بحر ~~ليس له شط، بحر تجري منه السواقي والأنهار، وتسير فيه السفن ~~إلى معادن الغنيمة. انتهى من كتاب «القصد إلى الله سبحانه». ### || [4.2-3] # وقوله سبحانه: { وءاتوا اليتمى أمولهم... } قال ابن ~~زيد: هذه مخاطبة لمن كانت عادته من العرب ألا يرث ~~الصغير من الأولاد، وقالت طائفة: هذه مخاطبة للأوصياء. # قال ابن العربي: وذلك عند الابتلاء والإرشاد. انتهى. # وقوله: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ، قال ابن ~~المسيب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السمينة من ~~مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف، ~~وقيل: المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثا، وتدعوا أموالكم طيبا، وقيل ~~غير هذا. # والطيب هنا: الحلال، والخبيث: الحرام. # وقوله: { إلى أمولكم }: التقدير: ولا تضيفوا أموالهم إلى ~~أموالكم في الأكل، والضمير في «إنه»: عائد على الأكل، والحوب: ~~الإثم؛ قاله ابن عباس وغيره؛ وتحوب الرجل، إذا ألقى الحوب عن ~~نفسه، وكذلك تحنث وتأثم وتحرج؛ فإن هذه الأربعة ~~بخلاف «تفعل» كله؛ لأن «تفعل» معناه: الدخول في ~~الشيء؛ ك «تعبد»، و «تكسب»، وما أشبهه؛ ويلحق بهذه الأربعة ~~«تفكهون» في قوله تعالى: # لو نشاء لجعلناه حطما فظلتم تفكهون # [الواقعة:65] أي: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم. # وقوله تعالى: { كبيرا }: نص على أن أكل مال اليتيم من ~~الكبائر. # وقوله تعالى: { وإن ms0306 خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتمى... } الآية: قال أبو عبيدة: خفتم ههنا بمعنى ~~أيقنتم. # قال * ع *: وما قاله غير صحيح، ولا يكون الخوف بمعنى اليقين ~~بوجه، وإنما هو من أفعال التوقع، إلا أنه قد يميل فيه ~~الظن إلى إحدى الجهتين؛ قلت: وكذا رد الداوودي على ~~أبي عبيدة، ولفظه: وعن أبي عبيدة: { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا }: مجازه: أيقنتم، قال أبو جعفر: بل هو على ظاهر ~~الكلمة. انتهى. # و { تقسطوا }: معناه: تعدلوا؛ يقال: أقسط الرجل إذا ~~عدل، وقسط إذا جار؛ قالت عائشة (رضي الله عنها): نزلت هذه ~~الآية في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال ولياتهم، ~~فيريدون أن يبخسوهن في المهر؛ لمكان ولايتهم ~~عليهن، فقيل لهم: اقسطوا في مهورهن، فمن خاف ألا ~~يقسط، فليتزوج ما طاب له من الأجنبيات اللواتي ~~يكايسن في حقوقهن، وقاله ربيعة. # قال الحسن وغيره: { ما طاب }: معناه ما حل. # وقيل: «ما» ظرفية، أي: ما دمتم تستحسنون النكاح، وضعف؛ ~~قلت: وفي تضعيفه نظر، فتأمله. # قال الإمام الفخر: وفي تفسير { ما طاب } بما حل نظر؛ ~~وذلك أن قوله تعالى: { فانكحوا }: أمر إباحة، فلو كان المراد ~~بقوله: { ما طاب لكم } ، أي: ما حل لكم لتنزلت الآية ~~منزلة ما يقال: أبحنا لكم نكاح من يكون نكاحها مباحا لكم، ~~وذلك يخرج الآية عن الفائدة، ويصيرها مجملة لا محالة، أما ~~إذا حملنا «طاب» على استطابة النفس، وميل القلب، كانت ~~الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه؛ أنه إذا ~~وقع التعارض بين الإجمال والتخصيص، كان رفع الإجمال أولى؛ ~~لأن العام المخصص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا ~~يكون حجة أصلا. # انتهى، وهو حسن، و { مثنى وثلث ورباع }: موضعها من ~~الإعراب نصب على البدل من «ما طاب»، وهي نكرات لا تنصرف؛ لأنها ~~معدولة وصفة. # وقوله: { فوحدة } ، أي: فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم، ~~يريد به الإماء، والمعنى: إن خاف ألا يعدل في عشرة ~~واحدة، فما ملكت يمينه، وأسند الملك إلى اليمين؛ إذ هي صفة مدح، ~~واليمين مخصوصة بالمحاسن؛ ألا ترى أنها المنفقة؛ كما قال ~~ عليه ms0307 السلام : # " حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " # ، وهي المعاهدة المبايعة. # قال ابن العربي: قال علماؤنا: وفي الآية دليل على أن ~~ملك اليمين لا حق له في الوطء والقسم؛ لأن المعنى: ~~فإن خفتم ألا تعدلوا في القسم، فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ~~فجعل سبحانه ملك اليمين كله بمنزلة الواحدة، فانتفى بذلك ~~أن يكون للأمة حق في وطء أو قسم. انتهى من «الأحكام». # وقوله: { ذلك أدنى ألا تعولوا } ، أدنى: معناه: أقرب ~~ألا تعولوا، أي: ألا تميلوا، قاله ابن عباس وغيره، وقالت فرقة: ~~معناه: أدنى ألا يكثر عيالكم، وقدح في هذا الزجاج ~~وغيره. ### || [4.4-5] # وقوله تعالى: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة... } ~~الآية: قال ابن عباس وغيره: الآية خطاب للأزواج وقال أبو صالح: ~~هي خطاب لأولياء النساء؛ لأن عادة بعض العرب كانت أن ~~يأكل ولي المرأة مهرها، فرفع الله ذلك بالإسلام، وقيل: إن ~~الآية في المتشاغرين الذين يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن ~~يضربوا المهور. # قال * ع *: والآية تتناول هذه التأويلات الثلاث، ونحلة، أي: ~~عطية منكم لهن، وقيل: نحلة: معناه: شرعة؛ مأخوذ من ~~النحل، وقيل: التقدير: نحلة من الله لهن؛ قال ابن ~~العربي: وذلك أن النحلة في اللغة: العطية عن غير عوض. ~~انتهى. # وقوله: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا... } الآية: ~~الخطاب حسبما تقدم من الاختلاف، والمعنى: إن وهبن غير ~~مكرهات، طيبة نفوسهن، والضمير في «منه» يعود على ~~الصداق؛ قاله عكرمة وغيره، «ومن»: تتضمن الجنس ههنا؛ ولذلك ~~يجوز أن تهب المهر كله. # وقوله تعالى: { هنيئا مريئا }: قال اللغويون: الطعام ~~الهنيء هو السائغ المستحسن الحميد المغبة؛: وكذلك المريء. # وقوله سبحانه: { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } ، قال أبو ~~موسى الأشعري وغيره: نزلت في كل من اقتضى الصفة التي ~~شرط الله من السفه، كان من كان، وقوله: { أمولكم } ، ~~يريد: أموال المخاطبين؛ قاله أبو موسى الأشعري، وابن عباس، ~~والحسن، وغيرهم، وقال ابن جبير: يريد أموال السفهاء، وأضافها ~~إلى المخاطبين، إذ هى كأموالهم، و { قياما } جمع قيمة. # وقوله تعالى: { وارزقوهم فيها... } الآية: قيل: معناه: فيمن ~~تلزم الرجل نفقته، وقيل: في ms0308 المحجورين من أموالهم، و { ~~معروفا }: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل: معناه: عدوهم وعدا ~~حسنا، أي: إن رشدتم، دفعنا لكم أموالكم، ومعنى اللفظة: ~~كل كلام تعرفه النفوس، وتأنس إليه، ويقتضيه الشرع. ### || [4.6-7] # وقوله: { وابتلوا اليتمى... } الآية: الابتلاء: الاختبار، ~~و { بلغوا النكاح }: معناه: بلغوا مبلغ الرجال بحلم ~~أو حيض، أو غير ذلك، ومعناه: جربوا عقولهم، وقرائحهم، ~~وتصرفهم، و { ءانستم }: معناه: علمتم، وشعرتم، ~~وخبرتم، ومالك (رحمه الله) يرى الشرطين البلوغ والرشد ~~المختبر، وحينئذ يدفع المال. # قال * ع *: والبلوغ لم تسقه الآية سياق الشرط، ولكنها ~~حالة الغالب على بني آدم؛ أن تلتئم عقولهم فيها، فهو الوقت ~~الذي لا يعتبر شرط الرشد إلا فيه، فقال: إذا بلغ ذلك ~~الوقت، فلينظر إلى الشرط، وهو الرشد حينئذ؛ وفصاحة الكلام ~~تدل على ذلك؛ لأن التوقيت بالبلوغ جاء ب «إذا»، والمشروط ~~جاء ب «إن» التي هي قاعدة حروف الشرط، «وإذا» ليست بحرف شرط ~~إلا في ضرورة الشعر، قال ابن عباس: الرشد في العقل وتدبير ~~المال لا غير؛ وهو قول ابن القاسم في مذهبنا. # وقال الحسن، وقتادة: الرشد في العقل والدين؛ وهو رواية ~~أيضا عن مالك. # وقوله تعالى: { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا }: نهي منه سبحانه للأوصياء عن أكل أموال اليتامى ~~بغير الواجب المباح لهم، والإسراف: الإفراط في الفعل، ~~والسرف: الخطأ في مواضع الإنفاق، وبدارا: معناه: مبادرة ~~كبرهم، أي أن الوصي يستغنم مال محجوره، وأن ~~يكبروا: نصب ب «بدار»، ويجوز أن يكون التقدير مخافة أن ~~يكبروا. # وقوله تعالى: { ومن كان غنيا فليستعفف } ، يقال: ~~عف الرجل عن الشيء، واستعف، إذا أمسك، فأمر ~~الغني بالإمساك عن مال اليتيم؛ وأباح الله للوصي الفقير أن ~~يأكل من مال يتيمه بالمعروف. # واختلف العلماء في حد { المعروف } ، فقال ابن عباس وغيره: ~~إنما يأكل الوصي بالمعروف؛ إذا شرب من اللبن، وأكل من ~~التمر بما يهنأ الجرباء، ويلط الحوض، ويجد التمر، وما ~~أشبهه، قلت: يقال للقطران: الهنا؛ في لغة العرب؛ كذا رأيته ~~منصوصا عليه. # وقوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أمولهم ~~فأشهدوا عليهم }: أمر من الله تعالى بالتحرز ms0309 ~~والحزم، وهذا هو الأصل في الإشهاد في المدفوعات كلها؛ إذا كان ~~حبسها أولا معروفا. # قال * ع *: والأظهر أن { حسيبا } هنا: معناه: حاسبا أعمالكم، ~~ومجازيا بها، ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. # وقوله سبحانه: { للرجال نصيب مما ترك الولدان ~~والأقربون... } الآية: قال قتادة وغيره: سبب نزول هذه الآية ~~أن العرب كان منها من لا يورث النساء، ويقولون: لا يرث ~~إلا من طاعن بالرمح، وقاتل بالسيف. ### || [4.8] # وقوله تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى... } ~~الآية: اختلف فيمن خوطب بهذه الآية، فقيل: الخطاب للوارثين، ~~وقيل: للمحتضرين؛ والمعنى: إذا حضركم الموت، أيها ~~المؤمنون، وقسمتم أموالكم بالوصية، وحضركم من لا يرث من ~~ذوي القرابة، واليتامى، فارزقوهم منه؛ قاله ابن عباس وغيره. # واختلف، هل هي منسوخة بآية المواريث، أو هي محكمة؟ وعلى ~~أنها محكمة، فهل الأمر على الوجوب، فيعطى لهم ما خف، أو ~~على الندب؟ خلاف. # والضمير في قوله: { فارزقوهم } ، وفي قوله: { لهم }: عائد ~~على الأصناف الثلاثة، والقول المعروف: كل ما يتأنس به؛ من ~~دعاء، أو عدة، أو غير ذلك. ### || [4.9] # وقوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم... ~~} الآية: اختلف، من المراد في هذه الآية؟ فقال ابن عباس وغيره: ~~المراد: من حضر ميتا حين يوصي، فيقول له: قدم لنفسك، وأعط ~~لفلان وفلان، ويؤذي الورثة بذلك، فكأن الآية تقول لهم: كما ~~كنتم تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك ~~فاخشوا على ورثة غيركم، ولا تحملوه على تبذير ماله، ~~وتركهم عالة، وقال مقسم وحضرمي: نزلت في عكس ذلك، وهو أن ~~يقول للمحتضر: أمسك على ورثتك، وأبق لولدك، ~~وينهاه عن الوصية، فيضر بذلك ذوي القربى، واليتامى، ~~والمساكين، وكل من يستحق أن يوصى له؛ فقيل لهم: كما كنتم ~~تخشون على ذريتكم، وتسرون بأن يحسن إليهم؛ فكذلك ~~فسددوا القول في جهة اليتامى والمساكين. # قال * ع *: والقولان لا يطردان في كل الناس، بل الناس ~~صنفان؛ يصلح لأحدهما القول الواحد، وللآخر القول الثاني؛ ~~وذلك أن الرجل، إذا ترك ورثة أغنياء، حسن أن يندب إلى الوصية، ~~ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ms0310 ضعفاء مقلين، حسن ~~أن يندب إلى الترك لهم، والاحتياط؛ فإن أجره في قصد ذلك ~~كأجره في المساكين، فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال ~~معه. # وقال ابن عباس أيضا: المراد بالآية: ولاة الأيتام، فالمعنى: ~~أحسنوا إليهم، وسددوا القول لهم، واتقوا الله في أكل أموالهم؛ كما ~~تخافون على ذريتكم أن يفعل بهم خلاف ذلك. # وقالت: فرقة: بل المراد جميع الناس، فالمعنى: أمرهم بالتقوى ~~في الأيتام، وأولاد الناس، والتسديد لهم في القول، وإن لم ~~يكونوا في حجورهم؛ كما يريد كل أحد أن يفعل بولده بعده، ~~والسديد: معناه: المصيب للحق. ### || [4.10] # وقوله تعالى: { إن الذين يأكلون أمول اليتمى ~~ظلما... } الآية: أكثر الناس أن الآية نزلت في الأوصياء ~~الذين يأكلون ما لم يبح لهم من أموال اليتامى، وهي تتناول ~~كل آكل، وإن لم يكن وصيا، وورد في هذا الوعيد أحاديث؛ منها: ~~حديث أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، عن ليلة أسري به، قال: # " رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد ~~وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في ~~أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم، قلت: ~~يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هم الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما ". # قلت: تأمل (رحمك الله) صدر هذه السورة معظمه إنما هو في ~~شأن الأجوفين البطن والفرج مع اللسان، وهما المهلكان، ~~وأعظم الجوارح آفة وجناية على الإنسان، وقد روينا عن مالك في ~~«الموطأ»، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " من وقاه الله شر اثنين، ولج الجنة: ما بين ~~لحييه وما بين رجليه، ما بين لحييه وما بين ~~رجليه، ما بين لحييه وما بين رجليه ". # قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: ومعلوم أنه أراد صلى ~~الله عليه وسلم ما بين لحييه: اللسان، وما بين رجليه: ~~الفرج، والله أعلم. # ولهذا أردف مالك حديثه هذا بحديثه عن زيد بن أسلم، عن ~~أبيه؛ أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر (رضي الله عنه)، ~~وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه، غفر الله لك، ~~فقال ms0311 أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد، قال أبو عمر: وفي ~~اللسان آثار كثيرة، ثم قال أبو عمر: وعن أبي هريرة: أن ~~أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: البطن، والفرج، ~~ثم أسند أبو عمر عن سهل ابن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من يتكفل لي بما بين لحييه وما بين ~~رجليه، وأضمن له الجنة " # ، ومن طريق جابر نحوه. انتهى. # والصلى: هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، والمحترق الذي ~~يذهبه الحرق ليس بصال إلا في بدء أمره، وأهل جهنم لا ~~تذهبهم النار، فهم فيها صالون (أعاذنا الله منها بجوده ~~وكرمه)، والسعير: الجمر المشتعل. وهذه آية من آيات الوعيد، ~~والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة؛ ~~لئلا يقع الخبر بخلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم. ### || [4.11] # وقوله تعالى: { يوصيكم الله في أولدكم... } الآية: ~~تتضمن الفرض والوجوب، قيل: نزلت بسبب بنات سعد بن ~~الربيع. # وقيل: بسبب جابر بن عبد الله. # وقوله: { للذكر مثل حظ الأنثيين } أي: حظ مثل حظ ~~الأنثيين. # وقوله: { فوق اثنتين } ، معناه: اثنتين فما فوقهما ~~تقتضي ذلك قوة الكلام، وأما الوقوف مع اللفظ، فيسقط معه ~~النص على الاثنتين، ويثبت الثلثان لهما؛ بالإجماع، ولم يحفظ فيه ~~خلاف إلا ما روي عن ابن عباس؛ أنه يرى لهما النصف، ويثبت ~~لهما أيضا ذلك بالقياس على الأختين؛ وبحديث الترمذي؛ «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين ~~بالثلثين». # وقوله سبحانه: { فإن لم يكن له ولد }: المعنى: ولا ~~ولد ولد، ذكرا كان أو أنثى، { فلأمه الثلث } ، أي: ~~وللأب الثلثان. # وقوله تعالى: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ، أي: ~~كانوا أشقاء أو للأب أو للأم، والإجماع على أنهم لا يأخذون ~~السدس الذي يحجبون الأم عنه؛ وكذا أجمعوا على أن أخوين ~~فصاعدا يحجبون الأم عنه إلا ما روي عن ابن عباس؛ من ~~أن الأخوين في حكم الواحد. # وقدم الوصية في اللفظ؛ اهتماما بها، وندبا إليها؛ إذ هي أقل ~~لزوما من الدين؛ وأيضا: قدمها لأن الشرع قد حض عليها فلا ~~بد منها، والدين ms0312 قد يكون وقد لا يكون؛ وأيضا: قدمها إذ ~~هي حظ مساكين وضعاف، وأخر الدين؛ لأنه حق غريم يطلبه ~~بقوة، وله فيه مقال، وأجمع العلماء على أن الدين مقدم على ~~الوصية، والإجماع على أنه لا يوصى بأكثر من الثلث، ~~واستحب كثير منهم ألا يبلغ الثلث. # وقوله تعالى: { ءبآؤكم وأبناؤكم } رفع بالابتداء، ~~والخبر مضمر، تقديره: هم المقسوم عليهم، أو هم المعطون، وهذا ~~عرض للحكمة في ذلك، وتأنيس للعرب الذين كانوا يورثون على غير ~~هذه الصفة. # قال ابن زيد: { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } ، ~~يعني: في الدنيا والآخرة، قال الفخر: وفي الآية إشارة إلى الانقياد ~~إلى الشرع، وترك ما يميل إليه الطبع. انتهى. ### || [4.12-14] # وقوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك أزوجكم إن لم ~~يكن لهن ولد... } الآية: الولد هنا في هذه الآية، وفي التي ~~بعدها: هم بنو الصلب، وبنو ذكورهم، وإن سفلوا، ~~والكلالة: خلو الميت عن الوالد والولد؛ هذا هو ~~الصحيح. # وقوله تعالى: { وله أخ أو أخت... } الآية: الإجماع على أن ~~الأخوة في هذه الآية للأم، وأما حكم سائر الإخوة سواهم، فهو ~~المذكور في آخر السورة. # وقرأ سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأمه»، ~~والأنثى والذكر في هذه النازلة سواء، بإجماع. # وقوله سبحانه: { غير مضار } ، قال ابن عباس: «الضرار في ~~الوصية من الكبائر» ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أبو ~~هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من ضار في وصيته، ألقاه الله تعالى في واد ~~في جهنم ". # قال * ع *: ووجوه المضارة كثيرة؛ من ذلك: أن يقر بحق ~~ليس عليه، أو يوصي بأكثر من ثلثه، أو لوارثه. # قال * ص *: { غير مضار }: منصوب على الحال: أي: غير ~~مضار ورثته. انتهى. # قلت: وتقدير أبي حيان: «ورثته» يأباه فصاحة ألفاظ الآية؛ إذ ~~مقتضاها العموم، فلو قال: «غير مضار ورثة، أو غيرهم»، ~~لكان أحسن، لكن الغالب مضارة الورثة، فلهذا قدرهم. # وقوله تعالى: { تلك حدود الله... } الآية: «تلك»: إشارة ~~إلى القسمة المتقدمة في المواريث، وباقي الآية بين. ### || [4.15-16] # وقوله تعالى: { والتي ms0313 يأتين الفحشة من ~~نسائكم... } الآية: الفاحشة؛ في هذا الموضع: الزنا، ~~وقوله: { من نسائكم } ، إضافة في معناها الإسلام، وجعل الله ~~الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، ~~تغليظا على المدعي، وسترا على العباد. # قلت: ومن هذا المعنى اشتراط رؤية كذا في كذا؛ كالمرود في ~~المكحلة. # قال * ع *: وكانت أول عقوبة الزناة الإمساك في البيوت، ثم ~~نسخ ذلك بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية النور ~~وبالرجم في الثيب؛ قاله عبادة بن الصامت وغيره، وعن عمران ~~بن حصين؛ أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فنزل عليه الوحي، ثم أقلع عنه، ووجهه ~~محمر، فقال: # " قد جعل الله لهن سبيلا؛ البكر بالبكر جلد ~~مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم " # ، خرجه مسلم، وهو خبر آحاد، ثم ورد في الخبر المتواتر؛ ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم، ولم يجلد، فمن ~~قال: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول ~~دون جلد ناسخا لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأمة؛ أن ~~السنة المتواترة تنسخ القرآن؛ إذ هما جميعا وحي من الله ~~سبحانه، ويوجبان جميعا العلم والعمل. # ويتجه عندي في هذه النازلة بعينها أن يقال: إن الناسخ ~~لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه، وبقاء حكمه ~~في قوله تعالى: «الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة»، ~~وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة، ~~والحديث بكماله في مسلم، والسنة هي المبينة، ولفظ ~~«البخاري»: «أو يجعل الله لهن سبيلا؛ الرجم ~~للثيب، والجلد للبكر». انتهى. # وقوله تعالى: { والذان يأتينها منكم... } الآية: قال ~~مجاهد وغيره: الآية الأولى في النساء عموما، وهذه في الرجال، ~~فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول ~~يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عامة؛ ويؤيده ~~من جهة اللفظ قوله في الأولى: { من نسائكم } ، وقوله في ~~الثانية: { منكم } ، وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين ~~منسوختان؛ كما تقدم. ### || [4.17-18] # وقوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهلة... } الآية. # قال * ص *: التوبة: مبتدأ؛ على حذف مضاف، أي: قبول ms0314 التوبة. ~~انتهى. # قال * ع *: «إنما»: حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبدا، فقد ~~تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر؛ كقوله تعالى: # إنما الله إله وحد # [النساء:171]، وقد لا تصادف ذلك؛ كقوله: «إنما الشجاع ~~عنترة»، وهي في هذه الآية حاصرة؛ إذ ليست التوبة إلا لهذا ~~الصنف المذكور، وتصح التوبة، وإن نقضها التائب في ثاني حال ~~بمعاودة الذنب، فإن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو ~~محتاج بعد مواقعة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة، وتصح أيضا ~~التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافا ~~للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب. # وقوله تعالى: { على الله } ، أي: على فضل الله ورحمته ~~لعباده، وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما حق العباد على الله " # ، إنما معناه: ما حقهم على فضله ورحمته، والعقيدة أنه ~~لا يجب على الله تعالى شيء عقلا، و { السوء }؛ في هذه الآية: ~~يعم الكفر والمعاصي، وقوله تعالى: { بجهالة }: معناه: ~~بسفاهة، وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، وليس المعنى أن تكون ~~الجهالة بأن ذلك الفعل معصية؛ لأن المتعمد للذنوب كان ~~يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعا، وما ذكرته في الجهالة ~~قاله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكر ذلك عنهم أبو ~~العالية، وقال قتادة: اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~على أن كل معصية، فهي بجهالة، عمدا كانت أو ~~جهلا؛ وقال به ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وروي عن مجاهد ~~والضحاك؛ أنهما قالا: الجهالة هنا العمد، وقال عكرمة: ~~أمور الدنيا كلها جهالة. # قال * ع *: يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله سبحانه، وهذا ~~المعنى عندي جار مع قوله تعالى: # أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو # [الحديد:20]. # واختلف المتأولون في قوله تعالى: { من قريب }. # فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك: قبل المرض والموت، وقال ~~الجمهور: معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق، وأن ~~يغلب المرء على نفسه، وروى أبو قلابة؛ أن الله تعالى ~~لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما ~~جرى، ولعن وأنظر، قال: وعزتك، ms0315 لا برحت من ~~قلبه، ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى: # " وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح ~~". # قال * ع *: فابن عباس (رضي الله عنه) ذكر أحسن أوقات التوبة، ~~والجمهور حدوا آخر وقتها، وروى بشير بن كعب، والحسن؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم ~~يغرغر، ويغلب على عقله ". # قال * ع *: لأن الرجاء فيه باق، ويصح منه الندم والعزم على ~~الترك، وقوله تعالى: { من قريب } ، إنما معناه: من قريب إلى ~~وقت الذنب، ومدة الحياة كلها قريب، والمبادرة في الصحة ~~أفضل، قلت: بل المبادرة واجبة. # وقوله تعالى: { وكان الله عليما } ، أي: بمن يتوب، ~~وييسره هو سبحانه للتوبة { حكيما }: فيما ينفذه من ذلك، وفي ~~تأخير من يؤخر حتى يهلك، ثم نفى بقوله تعالى: { ~~وليست التوبة... } الآية: أن يدخل في حكم التائبين من ~~حضره موته، وصار في حيز اليأس؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة ~~الماء، والغرق، فلم ينفعه ما أظهره من الإيمان؛ وبهذا قال ابن ~~عباس وجماعة المفسرين. # قال * ع *: والعقيدة عندي في هذه الآيات: أن من تاب من قريب، فله ~~حكم التائب، فيغلب الظن عليه؛ أنه ينعم ولا يعذب؛ هذا ~~مذهب أبي المعالي وغيره. # وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعا لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو ~~المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن ~~لم يتب حتى حضره الموت، فليس في حكم التائبين، فإن كان ~~كافرا، فهو يخلد، وإن كان مؤمنا، فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب ~~الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع؛ ~~أن من هذه الصنيفة من يغفر الله تعالى له؛ تفضلا ~~منه لا يعذبه. # وأعلم الله تعالى أيضا؛ أن الذين يموتون، وهم كفار؛ فلا ~~مستعتب لهم، ولا توبة في الآخرة. # وقوله تعالى: { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما }: ~~إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون، وهم كفار، فقط، فالعذاب ~~عذاب خلود مؤبد، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه ~~الوعيد ممن لا يتوب إلا مع ms0316 حضور الموت، فهو في جهة هؤلاء ~~عذاب لا خلود معه، { وأعتدنا } معناه: يسرناه وأحضرناه. ### || [4.19-21] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها... } الآية: قال ابن عباس: كانوا في ~~الجاهلية، إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من أهلها، ~~إن شاؤوا تزوجها أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا ~~منعوها الزواج، فنزلت الآية في ذلك. # وقال بعض المتأولين: معنى الآية: لا يحل لكم عضل النساء ~~اللواتي أنتم أولياء لهن، وإمساكهن دون تزويج؛ حتى يمتن، ~~فتورث أموالهن. # قال * ع *: فعلى هذا القول: فالموروث مالها، لا هي؛ وروي نحو ~~هذا عن ابن عباس. # وقوله تعالى: { ولا تعضلوهن... } الآية: قال ابن عباس ~~وغيره: هي أيضا في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة، ~~لأنهم كانوا يتزوجونها؛ إذا كانت جميلة، ويمسكونها حتى تموت؛ ~~إذا كانت دميمة؛ وقال نحوه الحسن، وعكرمة، وقال ابن عباس ~~أيضا: هي في الأزواج في الرجل يمسك المرأة، ويسيء عشرتها؛ ~~حتى تفتدي منه؛ فذلك لا يحل له، وقال مثله قتادة، وهو أقوى ~~الأقوال؛ ودليل ذلك: قوله: { إلا أن يأتين بفاحشة } ، وإذا ~~أتت بفاحشة، فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها؛ إجماعا من ~~الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما سنبينه الآن (إن شاء الله)، ~~وكذلك قوله: { عاشروهن... } إلى آخر الآية، يظهر منه تقوية ما ~~ذكرته. # واختلف في معنى «الفاحشة» هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو ~~الزنا، قال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل، فلا بأس أن ~~يضارها، ويشق عليها؛ حتى تفتدي منه، وقال السدي: إذا ~~فعلن ذلك، فخذوا مهورهن. # قلت: وحديث المتلاعنين يضعف هذا القول؛ لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " فذاك بما استحللت من فرجها... " # الحديث. # وقال ابن عباس وغيره: الفاحشة في هذه الآية: البغض والنشوز؛ ~~فإذا نشزت، حل له أن يأخذ مالها. # قال * ع *: وهو مذهب مالك. # وقال قوم: الفاحشة: البذاء باللسان، وسوء العشرة قولا وفعلا، ~~وهذا في معنى النشوز. # قال * ع *: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ~~ذلك فاحشة تحل أخذ المال. # وقوله تعالى: ms0317 { وعاشروهن بالمعروف }: أمر يعم الأزواج ~~والأولياء، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، ~~والعشرة: المخالطة والممازجة. # وقوله تعالى: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } ، قال السدي: ~~الخير الكثير في المرأة الولد، وقال نحوه ابن عباس. # قال * ع *: ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة «شيء»؛ لأنه ~~يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر ~~عليه، ويحسن، إذ عاقبة الصبر إلى خير، إذا أريد به وجه ~~الله. # وقوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج. # .. } الآية: لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي ~~سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها، عقب ذلك بذكر ~~الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ذلك. # وقال بعض الناس: يؤخذ من الآية جواز المغالاة بالمهور، وقال ~~قوم: لا تعطي الآية ذلك؛ لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغة. # والبهتان: مصدر في موضع الحال، ومعناه: مبهتا، ثم وعظ تعالى ~~عباده، و { أفضى }: معناه: باشر، وقال مجاهد وغيره: الإفضاء ~~في هذه الآية: الجماع، قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكني. # واختلف في المراد بالميثاق الغليظ. # فقال الحسن وغيره: هو قوله تعالى: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة:229] وقال مجاهد، وابن زيد: الميثاق الغليظ: عقدة ~~النكاح، وقول الرجل: نكحت، وملكت النكاح، ونحوه، فهذه ~~التي بها تستحل الفروج. # وقال عكرمة، والربيع: الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم، ~~أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". ### || [4.22] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من ~~النساء إلا ما قد سلف }: سبب الآية ما اعتادته بعض ~~قبائل العرب أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه، وقد ~~كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة. # واختلف في مقتضى ألفاظ الآية. # فقالت فرقة: قوله: { ما نكح } ، يريد: النساء، أي: لا تنكحوا ~~النساء اللواتي نكح آباؤكم، وقوله: { إلا ما قد سلف } ، ~~معناه: ولكن ما قد سلف، فدعوه، وقال بعضهم: المعنى: لكن ما ~~قد سلف، ms0318 فهو معفو عنكم لمن كان واقعه، فكأنه قال: ولا ~~تفعلوا، حاشا ما قد سلف، وقالت فرقة: معناه: لا تنكحوا كما ~~نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة إلا ما قد سلف منكم من تلك ~~العقود الفاسدة، فمباح لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذا كان ~~مما يقرر الإسلام عليه، وقيل: إلا ما قد سلف، فهو معفو ~~عنكم، وقال ابن زيد: معنى الآية: النهي عن أن يطاء الرجل امرأة ~~وطئها الأب، إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا ~~بالنساء، لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم؛ لأن ذلك ~~الزنا كان فاحشة، والمقت: البغض والاحتقار، بسبب رذيلة يفعلها ~~الممقوت، { وساء سبيلا }: أي: بئس الطريق والمنهج لمن ~~يسلكه؛ إذ عاقبته إلى عذاب الله. # قال * ص *: «ساء» للمبالغة في الذم؛ ك «بئس»، وسبيلا: ~~تفسيره، والمخصوص بالذم محذوف، أي: سبيل هذا النكاح؛ كقوله ~~تعالى: # بئس الشراب # [الكهف: 29]، أي: ذلك الماء انتهى. ### || [4.23] # وقوله سبحانه: { حرمت عليكم أمهتكم... } الآية: ~~حكم حرم الله به سبعا من النسب، وستا من بين رضاع ~~وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وهي الجمع بين ~~المرأة وعمتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابن عباس؛ أنه ~~قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية، ~~وقال عمرو ابن سالم مثل ذلك، وجعل السابعة قوله تعالى: # والمحصنات # [النساء:24]. # وقوله تعالى: { وأمهات نسائكم } ، أي: سواء دخل ~~بالبنت، أو لم يدخل، فبالعقد على البنت حرمت الأم؛ ~~هذا الذي عليه الجمهور. # وقوله تعالى: { وربائبكم التي في حجوركم } ذكر ~~الأغلب من هذه الأمور؛ إذ هذه حالة الربيبة في الأكثر، وهي ~~محرمة، وإن لم تكن في الحجر، ويقال: حجر (بكسر الحاء، ~~وفتحها)، وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه، ثم ~~استعملت اللفظة في الحفظ والستر. # وقوله: { التي دخلتم بهن } ، قال ابن عباس وغيره: ~~الدخول هنا الجماع، وجمهور العلماء يقولون: إن جميع أنواع ~~التلذذ بالأم يحرم الإبنة؛ كما يحرمها الجماع، والحلائل: ~~جمع حليلة؛ لأنها تحل من الزوج حيث حل، فهي فعيلة ~~بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم؛ إلى أنها من ms0319 لفظة ~~«الحلال»، فهي حليلة بمعنى محللة. # وقوله تعالى: { الذين من أصلبكم } يخرج من كانت ~~العرب تتبناه ممن ليس للصلب، وحرمت حليلة الابن من ~~الرضاع، وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # وقوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين }: لفظ يعم ~~الجمع بنكاح وبملك يمين، وأجمعت الأمة على منع جمعهما ~~بنكاح، ولا خلاف في جواز جمعهما بالملك، ومذهب مالك؛ أن ~~له أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى ~~أمانته، فإن أراد وطء الأخرى، فيلزمه أن يحرم فرج الأولى ~~بعتق، أو كتابة، أو غير ذلك؛ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين ~~المرأة وخالتها " # ، وأجمعت الأمة على ذلك. # وقوله تعالى: { إلا ما قد سلف }: استثناء منقطع، معناه: لكن ~~ما قد سلف من ذلك، ووقع وأزاله الإسلام، فإن الله تعالى يغفره، ~~والإسلام يجبه. ### || [4.24-25] # وقوله تعالى: { والمحصنت } عطفا على المحرمات، قيل: ~~والتحصن التمنع، ومنه الحصن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه من ~~وجوه الامتناع، وأحصنت نفسها، وأحصنها غيرها، ~~والإحصان تستعمله العرب في أربعة أشياء، وعلى ذلك تصرفت ~~اللفظة في كتاب الله عز وجل: فتستعمله في الزواج؛ لأن ~~ملك الزوج منعة وحفظ، وتستعمله في الحرية؛ لأن الإماء كان ~~عرفهن في الجاهلية الزنا، والحرة بخلاف ذلك؛ ألا ترى ~~إلى قول هند: «وهل تزني الحرة»، وتستعمله في الإسلام؛ لأنه ~~حافظ، وتستعمله في العفة؛ لأنها إذا ارتبط بها إنسان، وظهرت ~~على شخص ما، وتخلق بها، فهي منعة وحفظ. # وحيثما وقعت اللفظة في القرآن، فلا تجدها تخرج عن هذه المعاني، ~~لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض؛ كما سيأتي ~~بيانه في أماكنه (إن شاء الله). # فقوله سبحانه في هذه الآية: { والمحصنت } قال فيه ابن عباس ~~وغيره: هن ذوات الأزواج، محرمات إلا ما ملكت اليمين ~~بالسبي، وروي عن ابن شهاب؛ أنه سئل عن هذه الآية: { ~~والمحصنت من النساء } ، فقال: نرى أنه حرم في هذه ~~الآية ذوات الأزواج، والعفائف ms0320 من حرائر ومملوكات، ولم ~~يحل شيء من ذلك إلا بنكاح، أو شراء، أو تملك، وهذا قول حسن ~~عمم لفظ الإحصان، ولفظ ملك اليمين، وذلك راجع إلى أن الله ~~حرم الزنا، قال عبيدة السلماني وغيره: قوله سبحانه: { ~~كتب الله عليكم }: إشارة إلى ما ثبت من القرآن من قوله ~~سبحانه: # مثنى وثلث ورباع # [النساء:3]؛ وفي هذا بعد، والأظهر أن قوله: { كتب الله ~~عليكم } ، إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس، ~~وبين ما كانت الجاهلية تفعله. # قال الفخر: و { كتب الله عليكم }: مصدر من غير لفظ ~~الفعل، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة ~~الأمر، ويكون { عليكم } خبرا له، فيكون المعنى: الزموا ~~كتاب الله. انتهى. # وفي «التمهيد» لأبي عمر بن عبد البر: { كتب الله ~~عليكم }: أي: حكمه فيكم وقضاؤه عليكم. انتهى. # وقوله سبحانه: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ، قال عطاء ~~وغيره: المعنى: وأحل لكم ما وراء من حرم، قلت: أي: على ما ~~علم تفصيله من الشريعة. # قال * ع *: و { أن تبتغوا بأمولكم }: لفظ يجمع التزوج ~~والشراء، و { محصنين }: معناه: متعففين، أي: تحصنون أنفسكم ~~بذلك، { غير مسفحين } ، أي: غير زناة، والسفاح: ~~الزنا. # وقوله سبحانه: { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن ~~أجورهن } ، قال ابن عباس وغيره: المعنى: فإذا استمتعتم ~~بالزوجة، ووقع الوطء، ولو مرة، فقد وجب إعطاء الأجر، وهو ~~المهر كله، وقال ابن عباس أيضا وغيره: إن الآية نزلت في نكاح ~~المتعة، قال ابن المسيب: ثم نسخت. # قال * ع *: وقد كانت المتعة في صدر الإسلام، ثم نهى عنها ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به } ، ~~أي: من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، ومن قال بأن ~~الآية المتقدمة في المتعة، قال: الإشارة بهذه إلى أن ما ~~تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة، وزيادة في الأجر ~~جائز. # وقوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا... } الآية: قال ~~ابن عباس وغيره: الطول هنا: السعة في المال؛ وقاله مالك في ~~«المدونة»، فعلى هذا التأويل لا يصح للحر أن يتزوج ~~الأمة إلا ms0321 باجتماع شرطين: عدم السعة في المال، وخوف ~~العنت، وهذا هو نص مالك في «المدونة». # قال مالك في «المدونة»: «وليست الحرة تحته بطول، إن ~~خشي العنت»، وقال في «كتاب محمد» ما يقتضي أن الحرة بمثابة ~~الطول. # قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهو ظاهر القرآن، ونحوه عن ~~ابن حبيب. # وقال أبو حنيفة: وجود الحرة تحته لا يجوز معه نكاح الأمة؛ ~~وقاله الطبري، وتقول: طال الرجل طولا (بفتح الطاء)؛ إذا ~~تفضل، ووجد، واتسع، وطولا (بضمها): في ضد القصر، و { ~~المحصنت } في هذا الموضع: الحرائر والفتاة، وإن كانت في ~~اللغة واقعة على الشابة، أية كانت، فعرفها في الإماء، وفتى ~~كذلك، و { المؤمنت }؛ في هذا الموضع: صفة مشترطة عند مالك، ~~وجمهور أصحابه، فلا يجوز نكاح أمة كافرة عندهم؛ قلت: والعلة في ~~منع نكاح الأمة ما يؤول إليه الحال من استرقاق الولد. # وقوله تعالى: { والله أعلم بإيمنكم بعضكم من ~~بعض } ، ومعناه: والله أعلم ببواطن الأمور، ولكم ظواهرها، ~~فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ أيضا: ~~تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض ~~الحرائر، فلا تعجبوا بمعنى الحرية، والمقصد بهذا الكلام ~~أن الناس سواء، بنو الحرائر، وبنو الإماء، أكرمهم عند ~~الله أتقاهم، وفي هذا توطئة لنفوس العرب التي كانت ~~تستهجن ولد الأمة. # وقوله تعالى: { فانكحوهن بإذن أهلهن } ، معناه: بولاية ~~أربابهن المالكين، { وءاتوهن أجورهن } ، أي: ~~مهورهن، { بالمعروف }: معناه: بالشرع والسنة، و { ~~محصنت }: الظاهر أنه بمعنى عفيفات. # قال * ص *: محصنات: منصوب على الحال، والظاهر أن ~~العامل وآتوهن، ويجوز أن يكون العامل: فانكحوهن ~~محصنات، أي: عفائف. انتهى. # والمسافحات: الزواني المتبذلات اللواتي هن سوق للزنا، ~~ومتخذات الأخدان هن المستترات اللواتي يصحبن واحدا ~~واحدا، ويزنين خفية، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهلية؛ قاله ~~ابن عباس وغيره. # وقوله تعالى: { فإذا أحصن... } الآية، أي: تزوجن، قال ~~الزهري وغيره: فالمتزوجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير ~~المتزوجة محدودة بالحديث، وفي مسلم والبخاري، «أنه قيل: يا ~~رسول الله، الأمة إذا زنت، ولم تحصن»؟ فأوجب ~~عليها الحد» والفاحشة، هنا الزنا. # قال * ص *: وجواب: ms0322 «إذا»: «فإن أتين»، وجوابه. انتهى. # و { المحصنت } في هذه الآية: الحرائر؛ إذ هي الصفة ~~المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في ~~الآية بإجماع، والعنت في اللغة: المشقة. # قال ابن عباس وغيره: والمقصد به هنا الزنا. # وقوله تعالى: { وأن تصبروا خير لكم } يعني: عن نكاح ~~الإماء؛ قاله ابن عباس وغيره: وهذا ندب إلى الترك؛ وعلته ~~ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن. ### || [4.26-28] # وقوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم ويهديكم... } ~~الآية: التقدير عند سيبويه: يريد الله لأن يبين لكم، ~~ويهديكم، بمعنى: يرشدكم، والسنن: الطرق، ووجوه ~~الأمور، وأنحاؤها، والذين من قبلنا: هم المؤمنون من كل ~~شريعة. # وقوله سبحانه: { والله يريد أن يتوب عليكم... } الآية: ~~مقصد هذه الآية الإخبار عن إرادة الذين يتبعون ~~الشهوات، فقدمت إرادة الله تعالى توطئة مظهرة ~~لفساد إرادة متبعي الشهوات، واختلف المتأولون في تعيين ~~متبعي الشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة، وقال السدي: هم ~~اليهود والنصارى، وقالت فرقة: هم اليهود خاصة؛ لأنهم أرادوا ~~أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، وقال ابن ~~زيد: ذلك على العموم في هؤلاء، وفي كل متبع شهوة؛ ورجحه ~~الطبري. # وقوله تعالى: { يريد الله أن يخفف عنكم... } الآية: أي: ~~لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء، خففنا عنكم ~~بإباحة الإماء، قاله مجاهد وغيره، وهو ظاهر مقصود الآية، ثم بعد ~~هذا المقصد تخرج الآية مخرج التفضل؛ لأنها تتناول كل ~~ما خففه الله سبحانه عن عباده، وجعله الدين يسرا، ويقع ~~الإخبار عن ضعف الإنسان عاما؛ حسبما هو في نفسه ضعيف ~~يستميله هواه في الأغلب. ### || [4.29-31] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا ~~أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة... ~~} الآية: الاستثناء منقطع، المعنى: لكن إن كانت تجارة، ~~فكلوها، وأخرج البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله ~~عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله " # انتهى. # وقوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما } ، أجمع المتأولون على أن المقصود بهذه الآية ~~النهي عن ms0323 أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل ~~الرجل نفسه بقصد منه للقتل، أو بأن يحملها على غرر، ~~ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي، وقد احتج عمرو بن ~~العاصي بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد؛ ~~خوفا على نفسه منه، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~احتجاجه. # وقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك عدونا وظلما... } الآية: ~~اختلف في المشار إليه ب «ذلك». # فقال عطاء: «ذلك» عائد على القتل؛ لأنه أقرب مذكور، وقالت ~~فرقة: «ذلك» عائد على أكل المال بالباطل، وقتل النفس، ~~وقالت فرقة: «ذلك»: عائد على كل ما نهي عنه من أول ~~السورة، وقال الطبري: «ذلك» عائد على ما نهي عنه من آخر ~~وعيد، وذلك قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها # [النساء:19]؛ لأن كل ما نهي عنه قبله إلى أول السورة، قرن به ~~وعيد. # قال ابن العربي في «أحكامه» والقول الأول أصح، وما عداه محتمل. ~~انتهى. # والعدوان: تجاوز الحد. # قال * ص *: { عدوانا وظلما }: مصدران في موضع الحال، أي: ~~معتدين وظالمين، أبو البقاء: أو مفعول من أجله. انتهى. # واختلف العلماء في الكبائر. # فقال ابن عباس وغيره: الكبائر: كل ما ورد عليه وعيد بنار، ~~أو عذاب، أو لعنة، أو ما أشبه ذلك. # وقال ابن عباس أيضا: كل ما نهى الله عنه، فهو كبير، ~~وعلى هذا القول أئمة الكلام؛ القاضي، وأبو المعالي، وغيرهما؛ ~~قالوا: وإنما قيل: صغيرة؛ بالإضافة إلى أكبر منها، وإلا فهي في ~~نفسها كبيرة؛ من حيث المعصي بالجميع واحد، واختلف العلماء في ~~هذه المسألة، فجماعة من الفقهاء والمحدثين يرون أن باجتناب ~~الكبائر تكفر الصغائر قطعا، وأما الأصوليون، فقالوا: ~~محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرجاء، لا على القطع، ~~ومحمل الكبائر عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، ~~والآية التي قيدت الحكم، فترد إليها هذه المطلقات ~~كلها: قوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48 و116]. # و { كريما }: يقتضي كرم الفضيلة، ونفي العيوب؛ كما تقول: ~~ثوب كريم، وهذه آية رجاء، ms0324 وروى أبو حاتم البستي في ~~«المسند الصحيح» له، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر، ~~ثم قال: «والذي نفسي بيده»، ثلاث مرات، ثم سكت، ~~فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «ما من عبد يؤدي ~~الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر ~~السبع، إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة ~~يوم القيامة؛ حتى إنها لتصفق، ثم تلا: { إن ~~تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم... } الآية» " # انتهى من " التذكرة " للقرطبي، ونحوه ما رواه مسلم، عن أبي ~~هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان ~~إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت ~~الكبائر " # ؛ قال القرطبي: وعلى هذا جماعة أهل التأويل، وجماعة الفقهاء، وهو ~~الصحيح؛ أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعد ~~الله الصدق، وقوله الحق سبحانه، وأما الكبائر، فلا ~~تكفرها إلا التوبة منها. انتهى. # قلت: وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة (رضي الله عنه)؛ أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، ~~وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، ~~وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ~~المحصنات الغافلات المؤمنات " # انتهى. ### || [4.32-33] # وقوله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض... } الآية: سبب الآية أن النساء ~~قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، ~~وشاركناهم في الغزو، وروي أن أم سلمة قالت ~~ذلك، أو نحوه، وقال الرجال: ليت لنا في الآخرة حظا ~~زائدا على النساء؛ كما لنا عليهن في الدنيا، ~~فنزلت الآية. # قال * ع *: لأن في تمنيهم هذا تحكما على الشريعة وتطرقا ~~إلى الدفع في صدر حكم الله تعالى، فهذا نهي عن كل ~~تمن بخلاف حكم شرعي، وأما التمني في الأعمال الصالحة، فذلك ~~هو الحسن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " وددت أن أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم ~~أقتل، ثم أحيا... ms0325 " # الحديث. وفي غير موضع؛ ولقوله تعالى: { وسألوا الله من ~~فضله } [النساء: 32]. قال القشيري: سمعت الشيخ أبا علي ~~يقول: من علامات المعرفة ألا تسأل حوائجك، قلت أو ~~كثرت إلا من الله تعالى مثل موسى اشتاق إلى ~~الرؤية، فقال: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]، واحتاج مرة إلى رغيف، فقال: # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص:24] انتهى من «التحبير». # وقوله تعالى: { للرجال نصيب... } الآية: قالت فرقة: معناه: ~~من الأجر، والحسنات، فكأنه قيل للناس: لا تتمنوا في أمر ~~مخالف لما حكم الله به؛ لاختيار ترونه أنتم، فإن الله ~~تعالى قد جعل لكل أحد نصيبا من الأجر والفضل بحسب ~~اكتسابه فيما شرع له، وهذا قول حسن، وفي تعليقه سبحانه ~~النصيب بالاكتساب حض على العمل، وتنبيه على كسب الخير. # وقوله سبحانه: { واسألوا الله من فضله } ، قال ابن ~~جبير وغيره: هذا في فضل العبادات، والدين، لا في فضل الدنيا، ~~وقال الجمهور: ذلك على العموم، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: { ~~وسألوا الله } يقتضي مفعولا ثانيا، تقديره: واسألوا الله ~~الجنة أو كثيرا من فضله. # وقوله تعالى: { ولكل جعلنا موالي... } أي: ولكل أحد، ~~قال ابن عباس وغيره، الموالي هنا العصبة والورثة، ~~والمعنى: ولكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان ~~والأقربون. # وقوله تعالى: { والذين } رفع بالابتداء، والخبر في قوله: { ~~فآتوهم نصيبهم }. # واختلف من المراد ب «الذين». # فقال الحسن وابن عباس وابن جبير وغيرهم: هم الأحلاف، فإن ~~العرب كانت تتوارث بالحلف، ثم نسخت بآيات الأنفال: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]. # وقال ابن عباس أيضا: هم الذين كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آخى بينهم، كانوا يتوارثون بهذه الآية؛ حتى نسخ ذلك بما ~~تقدم. # وقال ابن المسيب: هم الذين كانوا يتبنون. # قال * ع *: ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح أن المراد ~~الأحلاف. ### || [4.34] # وقوله: { الرجال قوامون } بناء مبالغة، وهو من القيام ~~على الشيء والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه، فقيام الرجال ~~على النساء هو على هذا الحد، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي ~~أن للرجال عليهن استيلاء، قال ابن عباس: الرجال أمراء ms0326 ~~على النساء. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وللرجال عليهن درجة؛ لفضل ~~القوامية، فعليه أن يبذل المهر والنفقة، وحسن ~~العشرة، ويحجبها ويأمرها بطاعة الله تعالى، وينهي ~~إليها شعائر الإسلام؛ من صلاة، وصيام؛ وما وجب على ~~المسلمين، وعليها الحفظ لماله، والإحسان إلى أهله، ~~والالتزام لأمره في الحجبة وغيرها إلا بإذنه، وقبول قوله ~~في الطاعات. انتهى. # و " ما " مصدرية في الموضعين، والصلاح في قوله: { ~~فالصلحت } هو الصلاح في الدين، و { قنتت }: معناه: ~~مطيعات لأزواجهن، أو لله في أزواجهن، { حفظت ~~للغيب }: معناه: لكل ما غاب عن علم زوجها مما ~~استرعيته، وروى أبو هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " خير النساء امرأة، إذا نظرت إليها سرتك، ~~وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في ~~مالك ونفسها " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. # وقوله: { بما حفظ الله }: «ما»: مصدرية، تقديره: بحفظ ~~الله، ويصح أن تكون بمعنى «الذي» ويكون العائد في «حفظ» ~~ضمير نصب، أي: بالذي حفظه الله، ويكون المعنى: إما حفظ ~~الله ورعايته التي لا يتم أمر دونها، وإما أوامره ~~ونواهيه للنساء، فكأنها حفظه، بمعنى أن النساء يحفظن بإزاء ~~ذلك وبقدره. # وقوله تعالى: { والتي تخافون نشوزهن... } الآية: ~~النشوز: أن تتعوج المرأة، ويرتفع خلقها، وتستعلي على ~~زوجها. # { واهجروهن في المضاجع }: قال ابن عباس: يضاجعها، ~~ويوليها ظهره، ولا يجامعها، وقال مجاهد: جنبوا ~~مضاجعتهن، وقال ابن جبير: هي هجرة الكلام، أي: لا ~~تكلموهن، وأعرضوا عنهن، فيقدر حذف، تقديره: واهجروهن في ~~سبب المضاجع، حتى يراجعنها. # * م *: قوله: { في المضاجع } ، ذكر أبو البقاء فيه وجهين: # الأول: أن «في» على بابها من الظرفية، أي: اهجروهن في مواضع ~~الاضطجاع، أي: اتركوا مضاجعتهن دون ترك مكالمتهن. # الثاني: أنها بمعنى السبب، أي: اهجروهن بسبب المضاجع؛ ~~كما تقول: في هذه الجناية عقوبة. انتهى، وكونها للظرفية أظهر، ~~والله أعلم. # والضرب في هذه الآية: هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي ~~لا يكسر عظما، ولا يشين جارحة، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اضربوا النساء؛ إذا عصينكم في معروف ضربا ~~غير ms0327 مبرح " # قال عطاء: قلت عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: ~~بالشراك ونحوه. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله عز وجل: { واضربوهن } ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا، لكم ~~عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، ~~وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن ~~فعلن، فإن الله قد أذن أن تهجروهن في ~~المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن ~~انتهين، فلهن رزقهن، وكسوتهن بالمعروف " # وفي هذا دليل على أن الناشز لا نفقة لها ولا كسوة، وأن ~~الفاحشة هي البذاء ليس الزنا؛ كما قال العلماء، ففسر النبي صلى ~~الله عليه وسلم الضرب، وبين أنه لا يكون مبرحا، أي: لا ~~يظهر له أثر على البدن. انتهى. قال * ع *: وهذه العظة والهجر ~~والضرب مراتب، إن وقعت الطاعة عند إحداها، لم يتعد إلى ~~سائرها، و { تبغوا }: معناه: تطلبوا، و { سبيلا }: أي: إلى ~~الأذى، وهو التعنيت والتعسف بقول أو فعل، وهذا نهي عن ~~ظلمهن، وحسن هنا الاتصاف بالعلو والكبر، أي: قدره ~~سبحانه فوق كل قدر، ويده بالقدرة فوق كل يد؛ فلا يستعلي ~~أحد بالظلم على امرأته، فالله تعالى بالمرصاد، وينظر إلى هذا ~~حديث أبي مسعود، # " قال: كنت أضرب غلامي، فسمعت قائلا يقول: ~~اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، فصرفت وجهي، ~~فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اعلم أبا ~~مسعود؛ أن الله أقدر عليك منك على هذا ~~العبد...» " # الحديث. ### || [4.35] # وقوله تعالى: { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا... } ~~الآية: اختلف من المأمور بالبعثة. فقيل: الحكام، وقيل: المخاطب ~~الزوجان، وإليهما تقديم الحكمين، وهذا في مذهب مالك، ~~والأول لربيعة وغيره، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف ~~والشقاق، ومذهب مالك وجمهور العلماء: أن الحكمين ~~ينظران في كل شيء، ويحملان على الظالم، ويمضيان ما رأياه ~~من بقاء أو فراق، وهو قول علي بن أبي طالب في «المدونة» وغيرها. # وقوله: { إن يريدا إصلحا } ، قال مجاهد وغيره: المراد ~~الحكمان، أي: إذا نصحا وقصدا الخير، بورك في ~~وساطتهما، وقالت فرقة: المراد الزوجان، والأول أظهر، وكذلك ~~الضمير ms0328 في { بينهما } ، يحتمل الأمرين، والأظهر أنه للزوجين، ~~والاتصاف ب { عليما خبيرا }: يناسب ما ذكر من إرادة ~~الإصلاح. ### || [4.36-37] # وقوله تعالى: { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالولدين إحسنا... } العبادة: التذلل بالطاعة، ~~وإحسانا، مصدر، والعامل فيه فعل، تقديره: وأحسنوا بالوالدين ~~إحسانا، وبذي القربى: هو القريب النسب من قبل الأب ~~والأم، قال ابن عباس وغيره: والجار ذو القربى: هو القريب ~~النسب، والجار الجنب: هو الجار الأجنبي، وقالت فرقة: ~~الجار ذو القربى: هو الجار القريب المسكن منك، والجار الجنب ~~هو البعيد المسكن منك، والمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض؛ ~~أدناها الزوجة. # قال ابن عباس وغيره: الصاحب بالجنب: هو الرفيق في السفر. # وقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن أبي ليلى وغيرهم: هو ~~الزوجة، وقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه، ~~وأسند الطبري؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من ~~أصحابه، وهما على راحلتين، فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غيضة، فقطع قضيبين، أحدهما معوج، ~~وخرج فأعطى صاحبه القويم، وحبس هو المعوج، ~~فقال له الرجل: كنت، يا رسول الله، أحق بهذا، ~~فقال له: " يا فلان، إن كل صاحب يصحب الآخر، ~~فإنه مسئول عن صحابته، ولو ساعة من نهار " # ، قلت: وأسند الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير ~~الجيران عند الله خيرهم لجاره " # انتهى من «صفوة التصوف». # وفي الحديث الصحيح، عن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه " # ، أخرجه البخاري، وأخرجه أيضا من طريق عائشة (رضي الله عنها) ~~انتهى. # وابن السبيل: المسافر، وسمي ابنه؛ للزومه له، وما ~~ملكت أيمانكم: هم العبيد الأرقاء. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد أمر الله سبحانه بالرفق ~~بهم، والإحسان إليهم؛ وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " إخوانكم ملككم الله رقابهم، فأطعموهم ~~مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا ~~تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن ~~كلفتموهم، ms0329 فأعينوهم " # انتهى. # ونفى سبحانه محبته عمن صفته الخيلاء والفخر، وذلك ضرب من ~~التوعد، يقال: خال الرجل يخول خولا، إذا تكبر وأعجب ~~بنفسه، وخص سبحانه هاتين الصفتين هنا؛ إذ مقتضاهما العجب ~~والزهو، وذلك هو الحامل على الإخلال بالأصناف الذين تقدم ~~أمر الله بالإحسان إليهم. # وقوله تعالى: { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل } الآية: قالت فرقة: «الذين» في موضع نصب بدل من " ~~من " في قوله: { من كان مختالا } ، ومعناه؛ على هذا: يبخلون ~~بأموالهم، ويأمرون الناس، يعني، إخوانهم ومن هو مظنة ~~طاعتهم؛ بالبخل بالأموال أن تنفق في شيء من وجوه الإحسان ~~إلى من ذكر، { ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } ، ~~يعني: من الرزق والمال، فالآية، إذن، في المؤمنين، أي: وأما ~~الكافرون فأعد لهم عذابا مهينا، وروي أن الآية نزلت في ~~أحبار اليهود بالمدينة؛ إذ كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبخلوا به، والتوعد بالعذاب المهين لهم، و { وأعتدنا }: ~~معناه يسرنا وأحضرنا، والعتيد: الحاضر، والمهين: الذي ~~يقترن به خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب. ### || [4.38-39] # وقوله تعالى: { والذين ينفقون أمولهم رئآء ~~الناس... } الآية: «الذين» في موضع رفع؛ على القطع، والخبر ~~محذوف، وتقديره، بعد «اليوم الآخر»: معذبون. # والصحيح الذي عليه الجمهور أن هذه الآية في المنافقين، ~~والقرين: فعيل بمعنى فاعل من المقارنة، وهي الملازمة، ~~والاصطحاب، والإنسان كله يقارنه الشيطان لكن الموفق ~~عاص له. # وقوله تعالى: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر... } الآية: التقدير: وأي شيء عليهم، لو ~~آمنوا، وفي هذا الكلام تفجع ما عليهم، واستدعاء جميل يقتضي ~~حيطة وإشفاقا، { وكان الله بهم عليما }: إخبار ~~يتضمن وعيدا، وينبه على سوء تواطئهم، أي: لا ينفعهم كتم مع ~~علم الله بهم. ### || [4.40] # وقوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة... } ~~الآية: مثقال: مفعال من الثقل، والذرة: الصغيرة الحمراء ~~من النمل، وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: الذرة: رأس ~~النملة، وقرأ ابن عباس: «مثقال نملة»؛ قال قتادة عن ~~نفسه، ورواه عن بعض العلماء: لأن تفضل حسناتي على ~~سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا جميعا. # وقوله سبحانه: ms0330 { وإن تك حسنة }: التقدير: وإن تك زنة ~~الذرة، وفي " صحيح مسلم " وغيره، من حديث أبي سعيد، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ~~ويقولون: اللهم: سلم سلم " # ، وفيه: # " فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، ~~وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل، والركاب، ~~فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار ~~جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي ~~نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشد مناشدة ~~لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم ~~القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ~~ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، ~~فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم ~~على النار فيخرجون خلقا كثيرا، قد أخذت النار ~~إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ~~ربنا، ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ~~ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من ~~خير، فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم ~~يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ~~به، ثم يقول ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال نصف دينار من خير، فأخرجوه، فيخرجون ~~خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها ~~أحدا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا، فمن ~~وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير، فأخرجوه، ~~فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا، لم ~~نذر فيها خيرا " # ، وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني في هذا الحديث، ~~فاقرءوا إن شئتم: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما } ، فيقول الله عز وجل: # " شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع ~~المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض ~~قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا ~~خيرا قط... " # الحديث. انتهى. # ولفظ البخاري: # " فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين ~~لكم من المؤمنين يومئذ للجبار، إذا رأوا ~~أنهم قد نجوا في إخوانهم... " # الحديث. # وقرأ نافع وابن كثير: { حسنة } (بالرفع)؛ على تمام «كان»، ~~التقدير: وإن توجد حسنة، ويضاعفها: جواب الشرط، وقرأ ابن ~~كثير: «يضعفها»، وهو بناء تكثير يقتضي أكثر من مرتين ~~إلى أقصى ما ms0331 تريد من العدد، قال بعض المتأولين: هذه الآية ~~خص بها المهاجرون؛ لأن الله تعالى أعلم في كتابه؛ أن ~~الحسنة لكل مؤمن مضاعفة عشر مرار، وأعلم في هذه ~~الآية أنها مضاعفة مرارا كثيرة؛ حسبما روى أبو هريرة من ~~أنها تضاعف ألفي ألف مرضة، وروى غيره: ألف ألف ~~مرة، وقال بعضهم: بل وعد بذلك جميع المؤمنين. # قال * ع *: والآية تعم المؤمنين والكافرين، فأما المؤمنون، ~~فيجازون في الآخرة على مثاقيل الذر، فما زاد، وأما ~~الكافرون، فما يفعلونه من خير، فإنه تقع عليه المكافأة ~~بنعم الدنيا، ويأتون يوم القيامة، ولا حسنة لهم، قلت: ~~وقد ذكرنا في هذا المختصر من أحاديث الرجاء، وأحاديث ~~الشفاعة جملة صالحة لا توجد مجتمعة في غيره على نحو ما ~~هي فيه، عسى الله أن ينفع به الناظر فيه، ومن أعظلم ~~أحاديث الرجاء ما ذكره عياض في «الشفا» قال: ومن حديث ~~أنس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من ~~شجر وحجر " # انتهى. # وهذا الحديث أخرجه النسائي، ولفظه: # " إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض ~~من شجر وحجر... " # الحديث. انتهى من «الكوكب الدري». # و { من لدنه }: معناه: من عنده، والأجر العظيم: الجنة؛ ~~قاله ابن مسعود وغيره، وإذا من الله سبحانه بتفضله على ~~عبده، بلغ به الغاية، اللهم من علينا بخير الدارين ~~بفضلك. ### || [4.41-42] # وقوله جلت قدرته: { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا... } الآية: لما ~~تقدم في التي قبلها الإعلام بتحقيق الأحكام يوم القيامة، حسن ~~بعد ذلك التنبيه على الحالة التي يحضر ذلك فيها، ويجاء ~~فيها بالشهداء على الأمم، ومعنى الآية: أن الله سبحانه يأتي ~~بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ومعنى ~~الأمة؛ في هذه الآية: جميع من بعث إليه؛ من آمن منهم، ~~ومن كفر، وكذلك قال المتأولون: إن الإشارة ب «هؤلاء» ~~إلى قريش وغيرهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، فاضت عيناه، وكذلك ~~ذرفت عيناه - عليه السلام - حين قرأها ابن ms0332 مسعود؛ ~~حسبما هو مذكور في الحديث الصحيح، وفي «صحيح البخاري»، عن ~~عقبة بن عامر، قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ~~صلاته على الميت بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات ~~ثم طلع المنبر، فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا ~~عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر ~~إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني ~~أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها " # ، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { لو تسوى } قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون ~~فيها، ثم تتسوى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي ~~معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم. # وقوله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا }: معناه، عند ~~طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشدة المخاوف، يودون لو تسوى ~~بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا ~~يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم ~~حديثا، وهذا قول ابن عباس. # وقالت طائفة: الكلام كله متصل و ودهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ~~ندم على كذبهم حين قالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] والرسول في هذه الآية الجنس، شرف بالذكر، وهو مفرد دل ~~على الجمع. ### || [4.43] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا ~~الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون... ~~} الآية: نزلت قبل تحريم الخمر، وجمهور المفسرين على أن المراد ~~سكر الخمر إلا الضحاك، فإنه قال: المراد سكر النوم، ~~وهذا قول ضعيف، والمراد ب «الصلاة» هنا الصلاة المعروفة. # وقالت طائفة: الصلاة هنا المراد بها موضع الصلاة، والصلاة ~~معا. # قال ابن العربي في «الأحكام»: وروي في سبب نزول هذه الآية عن ~~علي (رضي الله عنه)؛ أنه قال: صنع لنا عبد الرحمن ~~بن عوف طعاما، فدعانا، وسقانا من الخمر ~~يعني: وذلك قبل تحريمها قال: فأخذت الخمر ~~منا، وحضرت الصلاة، فقدموني، فقرأت: ms0333 قل ~~يأيها الكفرون لا أعبد ما تعبدون ونحن ~~نعبد ما تعبدون, قال فأنزل الله تعالى { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون... } الآية: ~~خرجه الترمذي وصححه. انتهى. # وقوله: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } ، قال علي بن أبي ~~طالب (رضي الله عنه) وغيره: عابر السبيل: المسافر. # وقال ابن مسعود وغيره: عابر السبيل هنا: الخاطر في المسجد، ~~وعابر سبيل هو من العبور، أي: الخطور والجواز، والمريض ~~المذكور في الآية هو الحضري، وأصل الغائط ما انخفض من ~~الأرض، ثم كثر استعماله في قضاء الحاجة. # واللمس في اللغة لفظ يقع للمس الذي هو الجماع، ~~وللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، واختلف في ~~موقعها هنا، فمالك (رحمه الله) يقول: اللفظة هنا تقتضي ~~الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، ~~ومعنى قوله سبحانه: { فتيمموا }: اقصدوا، والصعيد؛ في ~~اللغة: وجه الأرض؛ قاله الخليل وغيره، واختلف الفقهاء فيه من ~~أجل تقييد الآية إياه بالطيب. # فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض، ترابا كان أو رملا أو حجارة ~~أو معدنا أو سبخة، وجعلت الطيب بمعنى الطاهر، وهذا هو ~~مذهب مالك، وقالت طائفة منهم: الطيب بمعنى المنبت؛ كما قال ~~تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه # [الأعراف:58]، فالصعيد عندهم هو التراب، وهذه الطائفة لا تجيز ~~التيمم بغيره، فمكان الإجماع أن يتيمم في تراب منبت طاهر ~~غير منقول، ولا مغضوب، وترتيب القرآن الوجه قبل اليدين، ~~وبه قال الجمهور، وفي «المدونة»؛ أن التيمم ضربتان، وجمهور ~~العلماء أنه ينتهي في مسح اليدين إلى المرافق. ### || [4.44-46] # وقوله سبحانه: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب يشترون الضللة... } الآية: { ألم تر }: ~~من رؤية القلب، وهي علم بالشيء، والمراد ب «الذين»: اليهود؛ ~~قال قتادة وغيره، ثم اللفظ يتناول معهم النصارى، وقال ابن عباس: ~~نزلت في رفاعة بن زيد بن التابوت اليهودي، والكتاب: ~~التوراة والإنجيل، و { يشترون }: عبارة عن إيثارهم الكفر، ~~وتركهم الإيمان، وقالت فرقة: أراد الذين كانوا يعطون أموالهم ~~للأحبار على إقامة شرعهم، فهو شراء حقيقة، { ويريدون أن ~~تضلوا السبيل } معناه: ms0334 أن تكفروا. # وقوله سبحانه: { والله أعلم بأعدائكم } خبر في ضمنه ~~التحذير منهم، { وكفى بالله وليا } ، أي: اكتفوا ~~بالله وليا. # وقوله سبحانه: { من الذين هادوا } ، قال بعض المتأولين: ~~«من» راجعة على «الذين» الأولى، وقالت فرقة: «من» متعلقة ~~ب «نصيرا»، والمعنى: ينصركم من الذين هادوا، فعلى هذين ~~التأويلين لا يوقف في قوله: «نصيرا»، وقالت فرقة: هي ابتداء ~~كلام، وفيه إضمار، تقديره: قوم يحرفون، وهذا مذهب أبي علي، ~~وعلى هذا التأويل يوقف في «نصيرا»، وقول سيبويه أصوب؛ ~~لأن إضمار الموصول ثقيل، وإضمار الموصوف أسهل، وتحريفهم للكلام ~~على وجهين، إما بتغيير اللفظ، وقد فعلوا ذلك في الأقل، ~~وإما بتغيير التأويل، وقد فعلوا ذلك في الأكثر، وإليه ذهب ~~الطبري، وهذا كله في التوراة؛ على قول الجمهور، وقالت ~~طائفة: هو كلم القرآن، وقال مكي: هو كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فالتحريف على هذا في التأويل. # وقوله تعالى عنهم: { سمعنا وعصينا } عبارة عن عتوهم في ~~كفرهم وطغيانهم فيه، و { غير مسمع }: يتخرج فيه معنيان: # أحدهما: غير مأمور وغير صاغر؛ كأنهم قالوا: غير أن تسمع ~~مأمورا بذلك. # والآخر: على جهة الدعاء، أي: لا سمعت؛ كما تقول: امض غير ~~مصيب، ونحو ذلك، فكانت اليهود إذا خاطبت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ب { غير مسمع } ، أرادت في الباطن الدعاء عليه، ~~وأرت ظاهرا؛ أنها تريد تعظيمه، قال ابن عباس وغيره نحوه، ~~وكذلك كانوا يريدون منه في أنفسهم معنى الرعونة، ~~وحكى مكي معنى رعاية الماشية، ويظهرون منه معنى ~~المراعاة، فهذا معنى لي اللسان، وقال الحسن ومجاهد: { ~~غير مسمع } ، أي: غير مقبول منك، و { ليا }: أصله ~~«لويا»، و { طعنا في الدين }: أي: توهينا له وإظهارا ~~للإستخفاف به. # قال * ع *: وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود ~~حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة إلا أنه ~~لا يليق ذكرها بهذا الكتاب. # وقوله تعالى: { ولو أنهم... } الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا ~~وسمعوا وأطاعوا، و { أقوم }: معناه: أعدل وأصوب، و { قليلا }: ~~نعت إما لإيمان، وإما لنفر، أو قوم، والمعنى مختلف. ms0335 ### || [4.47-50] # وقوله تعالى: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا ~~بما نزلنا مصدقا لما معكم... } الآية: هذا خطاب ~~لليهود والنصارى، { ولما معكم }: من شرع وملة، لا لما ~~معهم من مبدل، ومغير، والطامس: الداثر المغير الأعلام، ~~قالت طائفة: طمس الوجوه هنا هو خلو الحواس منها، وزوال ~~الخلقة، وقال ابن عباس وغيره: طمس الوجوه: أن تزال ~~العينان خاصة منها، وترد العينان في القفا، فيكون ذلك ردا على ~~الأدبار، ويمشي القهقرى، وقال مالك (رحمه الله): كان أول ~~إسلام كعب الأحبار؛ أنه مر برجل من الليل، وهو يقرأ هذه ~~الآية: { يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا... } ~~الآية، فوضع كفيه على وجهه، ورجع القهقرى إلى بيته، ~~فأسلم مكانه، وقال: «والله، لقد خفت ألا أبلغ ~~بيتي، حتى يطمس وجهي»، وأصحاب السبت: هم الذين اعتدوا ~~في السبت في الصيد؛ حسبما تقدم، قال قتادة وغيره: وأمر ~~الله في هذه الآية واحد الأمور دال على جنسها لا واحد الأوامر، ~~فهي عبارة عن المخلوقات؛ كالعذاب، واللعنة هنا، أو ما اقتضاه ~~كل موضع مما يختص به. # وقوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء... } الآية: هذه الآية هي ~~الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد، وتلخيص ~~الكلام فيها أن يقال: الناس أربعة أصناف: كافر مات على ~~كفره، فهذا مخلد في النار؛ بإجماع، ومؤمن محسن لم ~~يذنب قط، ومات على ذلك، فهذا في الجنة محتوم عليه حسب ~~الخبر من الله تعالى، بإجماع، وتائب مات على توبته، فهو ~~عند أهل السنة وجمهور فقهاء الأمة لاحق بالمؤمن ~~المحسن، إلا أن قانون المتكلمين أنه في المشيئة، ~~ومذنب مات قبل توبته، فهذا هو موضع الخلاف، فقالت ~~المرجئة: هو في الجنة بإيمانه، ولا تضره سيئاته، وجعلوا آيات ~~الوعيد كلها في الكفار، وآيات الوعد عامة في المؤمنين؛ ~~تقيهم وعاصيهم، وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة، فهو ~~في النار، ولا بد، وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة، أو ~~صغيرة، فهو في النار مخلد، ولا إيمان له؛ لأنهم يرون كل ~~الذنوب كبائر، وجعلوا آيات الوعد ms0336 كلها في المؤمن الذي لم ~~يعص قط، والمؤمن التائب، وقال أهل السنة: هو في المشيئة، ~~وهذه الآية هي الحاكمة، وهي النص في موضع النزاع، وذلك أن ~~قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فصل ~~مجمع عليه، وقوله: { ويغفر ما دون ذلك } فصل قاطع ~~للمعتزلة، راد على قولهم ردا لا محيد لهم عنه، ولو وقفنا في ~~هذا الموضع من الكلام، لصح قول المرجئة، فجاء قوله: { لمن ~~يشاء } ، ردا عليهم مبينا أن غفران ما دون الشرك إنما هو ~~لقوم دون قوم؛ بخلاف ما زعموه من أنه مغفور لكل مؤمن، ~~ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفر الشرك، ذكر قبح موقعه، ~~وقدره في الذنوب، والفرية: أشد مراتب الكذب قبحا، ~~وهو الاختلاق. # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ~~بل الله يزكي من يشاء... } الآية: لا خلاف بين ~~المتأولين أن المراد بالآية اليهود، وإنما اختلفوا في المعنى ~~الذي به زكوا أنفسهم. # فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة:18]، وقولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا # [البقرة:111] إلى غير ذلك من غرورهم. # قال * ع *: فتقتضي هذه الآية الغض من المزكي لنفسه ~~بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت ~~أفعاله، وزكاه الله عز وجل، قال ابن عباس وغيره: ~~الفتيل: الخيط الذي في شق نواة التمرة، وذلك راجع إلى ~~الكناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه، ولا ~~شيء دونه في الصغر، فكيف بما فوقه. # وقوله تعالى: { انظر كيف يفترون على الله الكذب... } ~~الآية: يبين أن تزكيتهم أنفسهم كانت بالباطل، والكذب؛ ~~ويقوي أن التزكية كانت بقولهم: { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } أن الافتراء أعظم في هذه المقالة، و { كيف } ~~يصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في قوله { ~~يفترون }؛ و { كفى به إثما مبينا } خبر، في ضمنه ~~تعجب وتعجيب من أمرهم. # قال * ص *: { وكفى به } عائد على الافتراء، وقيل: على الكذب. ~~انتهى. ### || [4.51-52] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت... } الآية: أجمع ~~المتأولون ms0337 أن المراد بها طائفة من اليهود، والقصص يبين ذلك، ~~ومجموع ما ذكره المفسرون في تفسير الجبت والطاغوت يقتضي ~~أنه كل ما عبد وأطيع من دون الله تعالى. # وقوله تعالى: { ويقولون للذين كفروا... } الآية: سببها ~~أن قريشا قالت لكعب بن الأشرف، حين ورد مكة: أنت ~~سيدنا، وسيد قومك، إنا قوم ننحر الكوماء، ~~ونقري الضيف، ونصل الرحم، ونسقي الحجيج، ~~ونعبد آلهتنا التي وجدنا عليها آباءنا، وهذا ~~محمد قد قطع الرحم، فمن أهدى نحن أو هو؟ ~~فقال كعب: أنتم أهدى منه، وأقوم دينا، ~~فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، فالضمير في «يقولون» ~~عائد على كعب، وعلى الجماعة التي معه من اليهود المحرضين على ~~قتال النبي صلى الله عليه وسلم «والذين كفروا» في هذه الآية ~~هم كفار قريش، والإشارة ب «هؤلاء» إليهم والذين آمنوا هم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمته، وقالت فرقة: بل المراد حيي بن أخطب ~~وأتباعه، وهم المقصود من أول الآيات. # قال * ص *: «للذين»: اللام للتبليغ متعلقة ب «يقولون». انتهى. ### || [4.53-55] # وقوله تعالى: { أم لهم نصيب من الملك... } الآية: عرف ~~«أم» أن تعطف بعد استفهام متقدم؛ كقولك: أقام زيد أم ~~عمرو؟ فإذا وردت، ولم يتقدمها استفهام؛ كما هي هنا، فمذهب ~~سيبويه؛ أنها مضمنة معنى الإضراب عن الكلام الأول، والقطع ~~منه، وهي متضمنة مع ذلك معنى الاستفهام، فهي بمعنى «بل» مع همزة ~~استفهام؛ كقول العرب: «إنها لإبل أم شاء»، التقدير عند سيبويه: ~~إنها لإبل بل أهي شاء؟ وكذلك هذا الموضع: بل ألهم ~~نصيب من الملك، فإذا عرفت هذا، فالمعنى على الأرجح الذي هو ~~مذهب سيبويه والحذاق: أن هذا استفهام على معنى الإنكار، ~~أي: ألهم ملك؛ فإذن لو كان، لبخلوا به، والنقير: هي ~~النكتة التي في ظهر النواة من التمر؛ هذا قول الجمهور، ~~وهذا كناية عن الغاية في الحقارة والقلة، وتكتب «إذن» ~~بالنون وبالألف، فالنون هو الأصل؛ ك «عن»، و «من»، وجاز ~~كتبها بالألف؛ لصحة الوقوف عليها، فأشبهت نون التنوين، ولا ~~يصح الوقوف على عن ومن. # وقوله تعالى: { أم يحسدون الناس على ما ms0338 ءاتهم ~~الله... } الآية: «أم» هذه على بابها من العطف بعد الاستفهام. # وقال * ص *: { أم يحسدون }: «أم» أيضا منقطعة تتقدر ب ~~«بل» و «الهمزة». انتهى. قلت: والظاهر ما قاله * ع * # واختلف في المراد ب «الناس» هنا. # فقال ابن عباس وغيره: هو النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل: ~~النبوة فقط، والمعنى: فلم يخصونه بالحسد، ولا يحسدون آل ~~إبراهيم في جميع ما آتيناهم من هذا وغيره من الملك، وقال قتادة: ~~«الناس» هنا: العرب، حسدتها بنو إسرائيل في أن كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم منها، والفضل على هذا التأويل هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد ذم الله قوما ~~على حسدهم، فقال: { أم يحسدون الناس على ما ~~ءاتهم الله من فضله } ، ثم حدث بسنده، عن عمرو بن ~~ميمون، قال: لما رفع الله موسى نجيا، رأى رجلا ~~متعلقا بالعرش، فقال: يا رب، من هذا، فقال: هذا عبد من ~~عبادي، صالح، إن شئت أخبرتك بعمله، فقال: يا رب، ~~أخبرني، فقال: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله ~~من فضله، ثم حدث أبو عمر بسنده، عن أنس، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الحسد يأكل الحسنات؛ كما تأكل النار ~~الحطب " # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، ~~والحسد! قيل: فما المخرج منهن، يا رسول الله؟ ~~قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا ~~تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ " # انتهى من «التمهيد». # وقوله تعالى: { فمنهم من ءامن به } اختلف في الضمير من ~~«به». # فقال الجمهور: هو عائد على القرآن الذي في قوله تعالى: # آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها # [النساء:47]؛ فأعلم الله سبحانه أن منهم من آمن؛ كما أمر؛ ~~فلذلك ارتفع الوعيد بالطمس، ولم يقع، وصد قوم ثبت ~~الوعيد عليهم في الآخرة؛ بقوله سبحانه: { وكفى بجهنم سعيرا ~~}. # وقيل: هو عائد على إبراهيم عليه السلام . # وقيل: ms0339 هو عائد على الفضل الذي آتاه الله النبي عليه السلام ~~، والعرب على ما تقدم. ### || [4.56-57] # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا بئايتنا سوف ~~نصليهم نارا... } الآية: لما تقدم في الآية وصف المردة ~~من بني إسرائيل وذكر أفعالهم وذنوبهم، جاءت هذه الآية ~~بالوعيد النص لهم بلفظ جلي عام لهم ولغيرهم؛ ممن ~~فعل فعلهم من الكفرة، واختلف في معنى تبديل الجلود. # فقالت فرقة: تبدل عليهم جلود أغيار؛ إذ نفوسهم هي ~~المعذبة، والجلود لا تألم في ذاتها، وقالت فرقة: تبديل ~~الجلود هو إعادة ذلك الجلد بعينه الذي كان في الدنيا، وإنما ~~سماه تبديلا؛ لأن أوصافه تتغير، قال الحسن بن أبي الحسن: ~~تبدل عليهم في اليوم سبعين ألف مرة (عافانا الله ~~من عذابه برحمته). # ولما ذكر سبحانه وعيد الكفار، عقب بوعد المؤمنين بالجنة ~~على الإيمان والأعمال الصالحة، و { ظليلا }: معناه عند بعضهم: ~~يقي الحر والبرد، ويصح أن يريد أنه ظل لا يستحيل ولا ~~يتنقل، وصح وصفه بظليل؛ لامتداده، فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد ~~المضمر في ظلها مائة سنة ما يقطعها " # ، ورأيت لبعضهم ما نصه وذكر الطبري في كتابه، قال: ~~لما خلق الله عز وجل الجنة، قال لها: امتدي، ~~فقالت: يا رب، كم، وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ~~ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: ~~كم، والى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، ~~فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: كم، ~~وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مقدار رحمتي، ~~فامتدت، فهي تمتد أبد الآبدين، فليس للجنة ~~طرف؛ كما أنه ليس لرحمة الله طرف. انتهى، فهذا لا ~~يعلم إلا من جهة السمع، فهو مما اطلع عليه الطبري، وهو ~~إمام حافظ محدث ثقة؛ قاله الخطيب أحمد بن علي بن ثابت. ### || [4.58] # وقوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمنت إلى أهلها... } الآية: قال ابن جريج وغيره: ~~الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر مفتاح الكعبة ~~حين أخذه من عثمان بن طلحة، ومن ابن ms0340 عمه شيبة، فطلبه ~~العباس بن عبد المطلب؛ ليضيف السدانة إلى السقاية، ~~فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، وكسر ما كان فيها من ~~الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم، ونزل عليه جبريل بهذه ~~الآية، قال عمر ابن الخطاب: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا ~~عثمان وشيبة، فقال لهما: خذاها خالدة تالدة، ~~لا ينزعها منكم إلا ظالم، ثم الآية بعد تتناول ~~الولاة فيما لديهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد ~~الظلامات، وعدل الحكومات، وتتناول من دونهم من الناس؛ في ~~حفظ الودائع، والتحرز في الشهادات، وغير ذلك؛ كالرجل يحكم ~~في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة والصيام وسائر العبادات ~~أمانات لله تعالى، قال ابن العربي في «أحكامه»: هذه الآية في ~~أداء الأمانة، والحكم بين الناس عامة في الولاة والخلق؛ ~~لأن كل مسلم عالم، بل كل مسلم حاكم، ووال، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن ~~يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وهم الذين ~~يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل ~~راع في أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والعبد راع ~~في مال سيده، وهو مسؤول عنه، وكلكم راع، ~~وكلكم مسؤول عن رعيته " # ، فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على ما قلناه. انتهى. # و { نعما }: أصله: «نعم ما»؛ سكنت الميم الأولى، وأدغمت ~~في الثانية، وحركت العين؛ لإلتقاء الساكنين، وخصت بالكسر؛ ~~إتباعا للنون، و «ما» المردوفة على «نعم» إنما هي مهيئة ~~لاتصال الفعل بها، ومع أنها موطئة، فهي بمعنى «الذي». ### || [4.59] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول... } الآية: لما تقدم إلى الولاة في ~~الآية المتقدمة، تقدم في هذه إلى الرعية، فأمر بطاعته ~~عز وجل، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله، وطاعة ~~الأمراء؛ على قول الجمهور، وهو قول ابن عباس وغيره، فالأمر ~~على هذا التأويل هو ضد النهي؛ ومنه لفظة «الأمير»، وقال ~~جابر وجماعة: «أولو الأمر»: أهل القرآن والعلم. # قال عطاء: ms0341 طاعة الرسول هي اتباع سنته، يعني: بعد موته، ~~ولفظ ابن العربي في «أحكامه» قال: قوله تعالى: { وأولي ~~الأمر منكم... } فيها قولان: # الأول: قال ميمون بن مهران: هم أصحاب السرايا، وروى في ~~ذلك حديثا، وهو اختيار البخاري، وروي عن ابن عباس أنها نزلت ~~في عبد الله بن حذافة، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~سرية. # والثاني: هم العلماء، وبه قال أكثر التابعين، واختاره مالك ~~والطبري. # والصحيح عندي: أنهم الأمراء والعلماء، أما الأمراء؛ فلأن ~~الأمر منهم، والحكم إليهم، وأما العلماء؛ فلأن سؤالهم ~~متعين على الخلق، وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب، ويدخل ~~فيه تأمر الزوج على الزوجة؛ لأنه حاكم عليها. انتهى. # وقوله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء... } الآية: معنى ~~التنازع أن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها، ~~والرد إلى الله هو النظر في كتابه العزيز، والرد إلى ~~الرسول هو سؤاله صلى الله عليه وسلم في حياته، والنظر في ~~سنته بعد وفاته، هذا قول مجاهد وغيره، وهو الصحيح. # وقوله سبحانه: { إن كنتم تؤمنون بالله... } الآية: فيه ~~بعض وعيد، و { تأويلا }: معناه: مآلا؛ في قول جماعة، وقال قتادة ~~وغيره: المعنى: أحسن عاقبة، وقالت فرقة: المعنى أن الله ~~ورسوله أحسن نظرا وتأولا منكم، إذا انفردتم بتأولكم. ### || [4.60-63] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~ءامنوا بما أنزل إليك... } الآية: تقول العرب: زعم ~~فلان كذا؛ في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق، وغاية درجة ~~الزعم إذا قوي: أن يكون مظنونا، وإذا قال سيبويه: زعم ~~الخليل، فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به؛ وكأن ~~أقوى رتب «زعم» أن تبقى معها عهدة الخبر على المخبر. # قال عامر الشعبي: نزلت الآية في منافق اسمه بشر، خاصم ~~رجلا من اليهود، فدعاه اليهودي إلى المسلمين؛ لعلمه أنهم لا ~~يرتشون، وكان المنافق يدعو اليهودي إلى اليهود؛ لعلمه أنهم ~~يرتشون، فاتفقا بعد ذلك على أن أتيا كاهنا كان ~~بالمدينة، فرضياه، فنزلت هذه الآية فيهما، وفي صنفيهما، ~~فالذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على محمد عليه ~~السلام هم المنافقون، والذين يزعمون أنهم آمنوا بما ms0342 أنزل ~~من قبله هم اليهود، وكل قد أمر في كتابه بالكفر بالطاغوت، ~~والطاغوت هنا الكاهن المذكور، فهذا تأنيب للصنفين. # وقال ابن عباس: الطاغوت هنا هو كعب بن الأشرف، وهو الذي ~~تراضيا به، وقيل غير هذا. # وقوله: { رأيت } ، هي رؤية عين لمن صد من المنافقين ~~مجاهرة وتصريحا، وهي رؤية قلب لمن صد منهم مكرا ~~وتخابثا ومسارقة حتى لا يعلم ذلك منه إلا بالقرائن ~~الصادرة عنه. # وقوله تعالى: { فكيف إذا أصبتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم } ، قالت فرقة: هي في المنافقين الذين ~~احتكموا؛ حسبما تقدم، فالمعنى: فكيف بهم إذا عاقبهم ~~الله بهذه الذنوب بنقمة منه، ثم حلفوا، إن أردنا ~~بالاحتكام إلى الطاغوت إلا توفيق الحكم وتقريبه. # وقوله تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم }: تكذيب لهم وتوعد، أي: فهو سبحانه مجازيهم، فأعرض ~~عنهم، وعظهم بالتخويف من عذاب الله وغيره من المواعظ. # وقوله سبحانه: { وقل لهم في أنفسهم }. # قال * ص *: أي: قل لهم خاليا بهم؛ لأن النصح، إذا كان في ~~السر، كان أنجح، أو: قل لهم في حال أنفسهم النجسة ~~المنطوية على النفاق قولا يبلغ منهم الزجر عن العود إلى ~~ما فعلوا. انتهى. # واختلف في «القول البليغ»، فقيل: هو الزجر والردع والكف ~~بالبلاغة من القول، وقيل: هو التوعد بالقتل، إن استداموا حالة ~~النفاق؛ قاله الحسن، وهذا أبلغ ما يكون في نفوسهم، والبلاغة ~~مأخوذة من بلوغ المراد بالقول. ### || [4.64] # وقوله تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله }: تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت، يا ~~محمد، منهم تجب طاعتك، وتتعين إجابة الدعوة إليك، و { ~~بإذن الله }: معناه: بأمر الله، و { ظلموا أنفسهم ~~}: أي: بالمعصية، والنفاق، وعن العتبي، قال: كنت جالسا عند ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي، فقال: ~~السلام عليك، يا رسول الله، سمعت الله تعالى ~~يقول: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما } ، وقد جئتك مستعفيا من ~~ذنوبي، مستغفرا إلى ربي، ثم أنشأ يقول: [البسيط] # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه # فطاب ms0343 من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه # فيه العفاف، وفيه الجود والكرم # قال: ثم انصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي: «يا عتبي: الحق ~~الأعرابي، فبشره أن الله تعالى قد غفر له». ~~انتهى من «حلية النووي»، و «سنن الصالحين»؛ للباجي، وفيه: ~~مستغفرا من ذنوبي، مستشفعا بك إلى ربي. ### || [4.65-68] # وقوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم... } الآية: قال الطبري: قوله: «فلا»: ~~رد على ما تقدم، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم ~~آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم، وقال غيره: إنما ~~قدم «لا» على القسم؛ اهتماما بالنهي، وإظهارا لقوته، قال ابن ~~عطاء الله في «التنوير»: وفي قوله سبحانه: { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم }: دلالة ~~على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم الله ~~ورسوله على نفسه، قولا وفعلا، وأخذا وتركا، وحبا ~~وبغضا؛ فتبين لك من هذا أنه لا تحصل لك حقيقة الإيمان ~~بالله إلا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره ~~سبحانه. انتهى. # و { شجر }: معناه اختلط والتف من أمورهم، وهو من ~~الشجر، شبه بالتفاف الأغصان، والحرج: الضيق والتكلف ~~والمشقة، قال مجاهد: حرجا: شكا. # وقوله: { تسليما }. مصدر مؤكد منبىء عن التحقيق في ~~التسليم؛ لأن العرب إنما تردف الفعل بالمصدر، إذا أرادت ~~أن الفعل وقع حقيقة؛ كما قال تعالى: # وكلم الله موسى تكليما # [النساء:164] قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ~~ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت، وفيهم نزلت، ورجح الطبري ~~هذا؛ لأنه أشبه بنسق الآية، وقالت طائفة: نزلت في رجل خاصم ~~الزبير ابن العوام في السقي بماء الحرة؛ كما هو مذكور ~~في البخاري وغيره، وأن الزبير قال: فما أحسب أن هذه ~~الآية نزلت إلا في ذلك. # و { كتبنا }: معناه: فرضنا، { أن اقتلوا أنفسكم }: ~~معناه: يقتل بعضكم بعضا، وقد تقدم نظيره في «البقرة»، وسبب ~~الآية، على ما حكي: أن اليهود قالوا؛ لما لم يرض المنافق ~~بحكم النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا أسخف من ms0344 هؤلاء ~~يؤمنون بمحمد، ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا بقتل ~~أنفسنا، ففعلنا، وبلغ القتل فينا سبعين ألفا، فقال ~~ثابت بن قيس: لو كتب ذلك علينا، لفعلناه، فنزلت ~~الآية معلمة بحال أولئك المنافقين، وأنه لو كتب ذلك على ~~الأمة، لم يفعلوه، وما كان يفعله إلا قليل مؤمنون ~~محققون؛ كثابت، قلت: وفي «العتبية»، عن مالك، عن أبي بكر ~~(رضي الله عنه) نحو مقالة ثابت بن قيس، قال ابن رشد: ولا ~~شك أن أبا بكر من القليل الذي استثنى الله تعالى في ~~الآية، فلا أحد أحق بهذه الصفة منه. انتهى. # قال * ص *: { إلا قليل }: الجمهور بالرفع، على البدل من واو ~~«فعلوه»؛ عند البصريين. انتهى. # { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به }: لو أن هؤلاء ~~المنافقين اتعظوا وأنابوا، لكان خيرا لهم و { تثبيتا } ~~، معناه: يقينا وتصديقا، ونحو هذا، أي: يثبتهم الله. # ثم ذكر تعالى ما كان يمن به عليهم من تفضله بالأجر، ~~ووصفه إياه بالعظيم مقتض ما لا يحصيه بشر من النعيم ~~المقيم، والصراط المستقيم: الإيمان المؤدي إلى الجنة، ~~والمقصود تعديد ما كان ينعم به عليهم سبحانه. ### || [4.69-70] # وقوله (جلت عظمته): { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم... } الآية: ~~لما ذكر الله سبحانه الأمر الذي لو فعلوه، لأنعم عليهم، ~~ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسر قوله تعالى: { ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم } ، وقالت طائفة: إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد ~~الله بن زيد الأنصاري الذي أري الأذان : يا رسول ~~الله، إذا مت، ومتنا، كنت في عليين، فلا نراك، ~~ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية. # قال * ع *: ومعنى أنهم معهم: في دار واحدة، ومتنعم واحد، ~~وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه ~~مفضول، وإن كنا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة ~~تختلف مراتبهم على قدر أعمالهم، وعلى قدر فضل الله على ~~من يشاء، والصديق: فعيل من الصدق، وقيل: من ~~الصدقة، وروي عن النبي صلى الله ms0345 عليه وسلم: # " الصديقون المتصدقون " # ولفظ الشهداء في هذه الآية: يعم أنواع الشهداء. # قال * ص *: { وحسن أولئك رفيقا } فيه معنى التعجب؛ ~~كأنه قال: وما أحسن أولئك رفيقا، وقد قدمنا في كلام ابن ~~الحاج ما يدل على أن التعجب لازم ل «فعل» المستعمل ~~للمدح والذم، على كل حال، سواء استعملت استعمال نعم أو لا. ~~انتهى. # وقوله تعالى: { ذلك الفضل من الله }: الإشارة ب «ذلك» ~~إلى كون المطيعين مع المنعم عليهم. ### || [4.71-73] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا خذوا ~~حذركم... } الآية: هذا خطاب للمخلصين من أمة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في ~~سبيل الله، وحماية الإسلام، و { خذوا حذركم }: أي: احزموا ~~واستعدوا بأنواع الاستعداد، و { انفروا }: معناه: اخرجوا، و { ~~ثبات }: معناه جماعات متفرقات، وهي السرايا، والثبة: ~~حكي أنها فوق العشرة، و { جميعا }: معناه: الجيش الكثير مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ هكذا قال ابن عباس وغيره. # وقوله تعالى: { وإن منكم } إيجاب، والخطاب لجماعة المؤمنين، ~~والمراد ب «من»: المنافقون، وعبر عنهم ب { منكم } إذ في ~~الظاهر في عداد المؤمنين، واللام الداخلة على «من»: لام ~~التأكيد، والداخلة على: «يبطئن»: لام القسم؛ عند الجمهور، ~~وتقديره: وإن منكم لمن، والله، ليبطئن، ويبطئن: ~~معناه: يبطىء غيره، أي: يثبطه،. ويحمله على التخلف عن ~~مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، و { مصيبة } ، يعني: من ~~قتال، واستشهاد، وإنما هي مصيبة بحسب اعتقاد المنافقين ونظرهم ~~الفاسد، وإنما الشهادة في الحقيقة نعمة من الله سبحانه؛ ~~لحسن مآلها، و { شهيدا }: معناه: مشاهدا. # وقوله تعالى: { ولئن أصبكم فضل من الله } ، أي: ~~ظفرتم وغنمتم، ندم المنافق، وقال: { يليتني كنت ~~معهم فأفوز فوزا عظيما } متمنيا شيئا قد كان عاهد ~~أن يفعله، ثم غدر في عهده. # وقوله تعالى: { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة }: ~~التفاتة بليغة، واعتراض بين القائل والمقول بلفظ يظهر ~~زيادة في قبح فعلهم، وقال الزجاج: قوله: «كأن لم يكن بينكم ~~وبينه مودة» مؤخر، وإنما موضعه: «فإن أصابتكم مصيبة»، # قال * ع *: وهذا ضعيف؛ لأنه يفسد فصاحة الكلام. # قال * ص *: وقوله: ms0346 { فأفوز } بالنصب: هو جواب التمني. انتهى. ### || [4.74-76] # وقوله تعالى: { فليقاتل في سبيل الله الذين ~~يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة... } الآية: هذا أمر من ~~الله سبحانه للمؤمنين بالجهاد، ويشرون هنا: معناه: يبيعون، ثم ~~وصف سبحانه ثواب المقاتلين، والأجر العظيم: الجنة. # وقوله تعالى: { وما لكم لا تقتلون في سبيل الله... ~~} الآية: «ما»: استفهام، { والمستضعفين }: عطف على اسم ~~الله عز وجل، أي: وفي سبيل المستضعفين؛ لإستنقاذهم، ~~ويعني ب «المستضعفين»: من كان بمكة تحت إذلال كفرة ~~قريش، وفيهم كان صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين " # ، { والولدن }: عبارة عن الصبيان، و { القرية } هنا: ~~مكة بإجماع، والآية تتناول المؤمنين والأسرى في حواضر ~~الشرك إلى يوم القيامة. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قال علماؤنا (رحمهم الله): أوجب ~~الله تعالى في هذه الآية القتال؛ لإستنقاذ الأسرى من يد ~~العدو، وقد روى الأئمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني " # يعني: الأسير، قال مالك (رحمه الله): على الناس أن يفكوا ~~الأسرى بجميع أموالهم؛ وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم. ~~انتهى. # وقوله تعالى: { الذين ءامنوا يقتلون في سبيل ~~الله... } الآية: هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين ~~وتحريضهم، وقرينة ذكر الشيطان بعد تدل على أن ~~المراد بالطاغوت هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف كيد ~~الشيطان فيه تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة ~~الكيد الضعيف؛ فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان ~~يكسره ويهده. ### || [4.77-78] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم وأقيموا الصلوة... } الآية: اختلف المتأولون، ~~فيمن المراد بقوله: { الذين قيل لهم }. # فقال ابن عباس وغيره: كان جماعة من المؤمنين قد أنفوا من ~~الذل بمكة قبل الهجرة، وسألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبيح لهم مقاتلة المشركين، فأمرهم عن الله ~~تعالى بكف الأيدي، فلما كتب عليهم القتال بالمدينة، شق ~~ذلك على بعضهم، ولحقهم ما يلحق البشر من الخور والكع ~~عن مقارعة العدو، فنزلت الآية فيهم. # وقال ابن عباس أيضا ومجاهد: إنما الآية حكاية عن حال اليهود؛ ~~أنهم ms0347 فعلوا ذلك مع نبيهم في وقته، فمعنى الحكاية عنهم تقبيح ~~فعلهم، ونهي المؤمنين عن فعل مثله. # وقيل: المراد المنافقون. # و «أو»: تقدم شرحها في «سورة البقرة»؛ في قوله تعالى: # أو أشد قسوة # [البقرة:74]؛ لأن الموضعين سواء. # وقولهم: { لم كتبت علينا القتال }: رد في صدر أوامر ~~الله سبحانه، وقلة استسلام له، والأجل القريب: يعنون به ~~موتهم على فرشهم؛ هكذا قال المفسرون. # قال * ع *: وهذا يحسن؛ إذا كانت الآية في اليهود أو في ~~المنافقين، وأما إذا كانت في طائفة من الصحابة، فإنما طلبوا ~~التأخر إلى وقت ظهور الإسلام، وكثرة عددهم، ويحسن ~~القول بأنها في المنافقين اطراد ذكرهم فيما يأتي بعد من ~~الآيات. # وقوله سبحانه: { قل متع الدنيا قليل } المعنى: قل، يا ~~محمد، لهؤلاء: متاع الدنيا، أي: الاستمتاع بالحياة فيها الذي ~~حرصتم عليه قليل، وباقي الآية بين. # وهذا إخبار منه سبحانه يتضمن تحقير الدنيا، قلت: ولما علم ~~الله في الدنيا من الآفات، حمى منها أولياءه، ففي الترمذي عن ~~قتادة بن النعمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إذا أحب الله عبدا، حماه الدنيا؛ كما يظل ~~أحدكم يحمي سقيمه الماء " # ، قال أبو عيسى: وفي الباب عن صهيب، وأم المنذر، وهذا ~~حديث حسن، وفي الترمذي عن ابن مسعود قال: # " نام النبي صلى الله عليه وسلم على حصير، فقام وقد ~~أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا ~~لك فراشا؟! فقال: مالي وما للدنيا، ما أنا في ~~الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح ~~وتركها " # ، وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث ~~حسن صحيح. انتهى. # وقوله سبحانه: { في بروج } الأكثر والأصح الذي عليه الجمهور: ~~أنه أراد ب «البروج»: الحصون التي في الأرض المبنية؛ لأنها ~~غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، قال ~~قتادة: المعنى: في قصور محصنة؛ وقاله ابن جريج والجمهور، ~~وبرج: معناه: ظهر؛ ومنه تبرج المرأة، و { مشيدة }: قال ~~الزجاج وغيره: معناه: مرفوعة مطولة؛ ومنه أشاد الرجل ~~ذكر الرجل؛ إذا رفعه، وقالت طائفة: { مشيدة ms0348 }: معناه: ~~محسنة بالشيد، وهو الجص، وروى النسائي عن أبي هريرة؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أكثروا ذكر هاذم اللذات " # ، يعني: الموت، وخرجه ابن ماجة والترمذي، وخرجه أبو نعيم ~~الحافظ بإسناده من حديث مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ~~ابن المسيب، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمثله، وروى ابن ماجة بسنده، عن ابن عمر؛ أنه قال: # " كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل ~~من الأنصار، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال: ~~أحسنهم خلقا، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: ~~أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده ~~استعدادا أولئك الأكياس " # ، وأخرجه مالك أيضا. انتهى من «التذكرة». # وقوله تعالى: { وإن تصبهم حسنة... } الآية: الضمير في { ~~تصبهم } عائد على { الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~}؛ وهذا يدل على أنهم المنافقون؛ لأن المؤمنين لا تليق بهم هذه ~~المقالة؛ ولأن اليهود لم يكونوا للنبي صلى الله عليه وسلم تحت ~~أمر، فتصيبهم بسببه أسواء، والمعنى: إن تصب هؤلاء ~~المنافقين حسنة من غنيمة أو غير ذلك، رأوا أن ذلك بالاتفاق ~~من صنع الله، لا ببركة اتباعك والإيمان بك، وإن ~~تصبهم سيئة، أي: هزيمة، أو شدة جوع، أو غير ذلك، قالوا: هذه ~~بسببك. # وقوله: { قل كل من عند الله }: إعلام من الله سبحانه؛ ~~أن الخير والشر، والحسنة والسيئة خلق له، ومن عنده، لا ~~رب غيره، ولا خالق ولا مخترع سواه، والمعنى: قل، يا محمد، ~~لهؤلاء. # ثم وبخهم سبحانه بالاستفهام عن علة جهلهم، وقلة فهمهم، ~~وتحصيلهم لما يخبرون به من الحقائق، والفقه في اللغة: ~~الفهم، وفي الشرع: الفهم في أمور الدين، ثم غلب عليه ~~الاستعمال في علم المسائل الأحكامية. ### || [4.79-81] # وقوله تعالى: { ما أصابك من حسنة فمن الله... } ~~الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وغيره داخل في المعنى، ~~ومعنى الآية؛ عند ابن عباس وغيره: على القطع، واستئناف الأخبار ~~من الله عز وجل؛ بأن الحسنة منه، ومن فضله، وبأن ~~السيئة من الإنسان؛ ms0349 بإذناه، وهي من الله تعالى بخلقه ~~واختراعه، لا خالق سواه سبحانه، لا شريك له، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «فمن نفسك، وأنا قضيتها عليك»، وقرأ بها ~~ابن عباس، وفي رواية: «وأنا قدرتها عليك»؛ ويعضد هذا ~~التأويل أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم معناها: أن ما يصيب ~~ابن آدم من المصائب، فإنما هو عقوبة ذنوبه، قال أبو جعفر أحمد ~~بن نصر الداوودي: قوله تعالى: { وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك }: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره. ~~انتهى. # وفي قوله سبحانه: { وأرسلنك للناس رسولا } ، ثم تلاه ~~بقوله: { وكفى بالله شهيدا }: توعد للكفار، وتهديد ~~تقتضيه قوة الكلام؛ لأن المعنى: شهيدا على من كذبه. # وقوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ، ~~فالمعنى: أن الرسول عليه السلام إنما يأمر وينهى؛ بيانا ~~وتبليغا عن الله، و { تولى }: معناه: أعرض، و { حفيظا }: ~~يحتمل معنيين: أي: لتحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر ~~والمعاصي ونحوه، أو لتحفظ مساويهم وتحسبها عليهم، وهذه ~~الآية تقتضي الإعراض عمن تولى، والترك له، وهي قبل ~~نزول القتال، وإنما كانت توطئة ورفقا من الله عز وجل؛ حتى ~~يستحكم أمر الإسلام. # وقوله تعالى: { ويقولون طاعة... } الآية: نزلت في المنافقين ~~باتفاق المفسرين، المعنى: يقولون لك، يا محمد: أمرنا طاعة، ~~فإذا خرجوا من عندك، اجتمعوا ليلا، وقالوا غير ما أظهروا لك، ~~و { بيت }: معناه: فعل ليلا، وهو مأخوذ من بات أو من ~~البيت؛ لأنه ملتزم بالليل. # وقوله: { تقول }: يحتمل أن يكون معناه: تقول أنت، ويحتمل ~~تقول هي لك، والأمر بالإعراض إنما هو عند معاقبتهم ~~ومجازاتهم، وأما استمرار عظتهم ودعوتهم، فلازم، ثم أمر ~~سبحانه بالتوكل عليه، والتمسك بعروته الوثقى؛ ثقة بإنجاز وعده ~~في النصر، والوكيل: القائم بالأمور المصلح لما يخاف من ~~فسادها. ### || [4.82-84] # وقوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرءان... } الآية: ~~المعنى: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كلام الله تعالى، فتظهر ~~لهم براهينه، وتلوح لهم أدلته، قلت: اعلم (رحمك الله ~~تعالى)؛ أن تدبر القرآن كفيل لصاحبه بكل خير، وأما الهذرمة ~~والعجلة، فتأثيرها في القلب ضعيف؛ قال النووي (رحمه الله): ms0350 ~~وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة؛ ويدل عليه ~~ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود، والترمذي، ~~والنسائي وغيرها، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " # انتهى. # قال * ع*: والتدبر هو النظر في أعقاب الأمور وتأويلات الأشياء، ~~هذا كله يقتضيه قوله سبحانه: { أفلا يتدبرون القرءان ~~} ، وهذا أمر بالنظر والاستدلال، ثم عرف تعالى بموقع ~~الحجة، أي: لو كان من كلام البشر، لدخله ما في البشر ~~من القصور، وظهر فيه التناقض والتنافي الذي لا يمكن جمعه؛ ~~إذ ذلك موجود في كلام البشر، والقرآن منزه عنه؛ إذ هو كلام ~~المحيط بكل شيء سبحانه. # قال * ع *: فإن عرضت لأحد شبهة، وظن اختلافا في شيء من ~~كتاب الله، فالواجب أن يتهم نظره ويسأل من هو أعلم منه. # وقوله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف... } الآية: قال جمهور المفسرين: إن الآية من ~~المنافقين حسبما تقدم، والمعنى: أن المنافقين كانوا يتشوفون ~~إلى سماع ما يسيء النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا طرأت لهم ~~شبهة أمن للمسلمين، أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها، ~~وأذاعوا ذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف ~~للمسلمين أو مصيبة، عظموها، وأذاعوا ذلك، و { أذاعوا به ~~}: معناه: أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف الجر وبنفسه ~~أحيانا. # وقالت فرقة: الآية نزلت في المنافقين، وفيمن ضعف جلده، ~~وقلت تجربته من المؤمنين؛ وفي الصحيح من حديث عمر بن ~~الخطاب (رضي الله عنه)؛ أنه جاء، وقوم في المسجد، ~~يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ~~ثم قال: فقلت: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ ~~فقال: لا، قال عمر: فقمت على باب المسجد، ~~فقلت: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق ~~نساءه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف... } الآية؛ ~~قال: وأنا الذي استنبطته. # وقوله تعالى: { ولو ردوه إلى الرسول... } الآية: المعنى: ~~لو أمسكوا عن الخوض واستقصوا الأمر ms0351 من قبل الرسول، وأولي ~~الأمر، وهم الأمراء والعلماء، لعلمه طلابه من ~~أولي الأمر، والبحثة عنه، وهم مستنبطوه؛ كما يستنبط ~~الماء، وهو استخراجه من الأرض. # وقوله سبحانه: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته. # .. } الآية: خطاب لجميع المؤمنين؛ باتفاق من المتأولين، وقوله: ~~{ إلا قليلا } هو مستثنى في قول جماعة من قوله: { لاتبعتم ~~الشيطن إلا قليلا } ، وقال ابن عباس، وابن زيد: ذلك ~~مستثنى من قوله: «أذاعوا به إلا قليلا»، ورجحه الطبري، وقال ~~قتادة: هو مستثنى من قوله: «يستنبطونه إلا قليلا». # * ت *: قال الداوودي: قال أبو عبيدة: وإنما كره العلماء أن ~~يجعلوا الاستثناء من قوله: { لاتبعتم الشيطن إلا ~~قليلا }؛ لأنه لا وجه له؛ فإنه لولا فضل الله ~~ورحمته، لاتبعوا الشيطان كلهم. انتهى، وهو حسن، وأما قوله: ~~«لا وجه له»، ففيه نظر، فقد وجهه العلماء بما لا نطيل بذكره. # وقوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله... } الآية: هذا أمر ~~في ظاهر اللفظ للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، لكن لم نجد ~~قط في خبر، أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~دون الأمة مدة ما، والمعنى، والله أعلم؛ أنه خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل ~~واحد في خاصة نفسه، أي: أنت، يا محمد، وكل واحد من أمتك ~~القول له: فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك، ~~ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد، ولو وحده؛ ~~ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " والله، لأقاتلنكم حتى تنفرد سالفتي " # ، وقول أبي بكر (رضي الله عنه) وقت الردة: «ولو ~~خالفتني يميني، لجاهدتها بشمالي»، وعسى إذا وردت ~~من الله تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجبة؛ بفضل الله ~~ووعده الجميل، قلت: أي: واقع ما وعد به سبحانه، والتنكيل: ~~الأخذ بأنواع العذاب. ### || [4.85-87] # وقوله سبحانه: { من يشفع شفعة حسنة... } الآية: قال ~~مجاهد وغيره: هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم، فمن يشفع ~~لينفع، فله نصيب، ومن يشفع ليضر، فله كفل، والكفل: ~~النصيب، ويستعمل في الخير وفي الشر، وفي كتاب الله تعالى: ms0352 # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد:28]، وروى أبو داود، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ أنه قال: # " من شفع لأحد شفاعة، فأهدى له هدية عليها، ~~فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا " # انتهى. # و { مقيتا }: معناه: قديرا؛ ومنه قول الزبير بن عبد ~~المطلب: [الوافر] # وذي ضغن كففت النفس عنه # وكنت على إساءته مقيتا # أي: قديرا. # وقيل: مقيتا: معناه شهيدا، وقيل: حفيظا. # وذهب مقاتل إلى أنه الذي يقوت كل حيوان، قال الداوودي: قال ~~الكلبي المقيت هو المقدر بلغة قريش. انتهى. # وقوله سبحانه: { وإذا حييتم بتحية... } الآية: قالت: ~~فرقة: معنى الآية: تخيير الراد؛ فإذا قال البادىء: «السلام ~~عليك»، فللراد أن يقول: «وعليك السلام» فقط، وهذا هو ~~الرد، وله أن يقول: «وعليك السلام، ورحمة الله»، ~~وهذا هو التحية بأحسن، وروي عن ابن عمر وغيره انتهاء ~~السلام إلى البركة، وقالت فرقة: المعنى: إذا حييتم بتحية، ~~فإن نقص المسلم من النهاية، فحيوا بأحسن منها، وإن انتهى، ~~فردوها، كذلك قال عطاء، والآية في المؤمنين خاصة، ومن سلم من ~~غيرهم، فيقال له: «عليك»؛ كما في الحديث، وفي أبي داود، ~~والترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أولى الناس بالله من بدأ بالسلام " # انتهى. # وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة مؤكدة، ~~ورده فريضة؛ لأنه حق من الحقوق؛ قاله الحسن وغيره، قال النووي: ~~وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما من عبدين متحابين في الله عز وجل ~~يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه، فيصليان على ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا لم يتفرقا حتى تغفر ~~ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر " # ، وروينا فيه عن أنس أيضا، قال: «ما أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيد رجل، ففارقه؛ حتى قال: ~~اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة ~~حسنة، وقنا عذاب النار»؛ وروينا فيه، عن البراء ~~بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن المسلمين إذا التقيا، فتصافحا، وتكاشرا ~~بود ونصيحة، تناثرت خطاياهما بينهما ms0353 " # ، وفي رواية: «إذا التقى المسلمان، فتصافحا، وحمدا ~~الله تعالى، واستغفرا غفر الله عز وجل ~~لهما». انتهى. # و { حسيبا }: معناه حفيظا، وهو فعيل من الحساب. # وقوله سبحانه: { الله لا إله إلا هو ليجمعنكم... ~~} الآية: لما تقدم الإنذار والتحذير الذي تضمنه قوله تعالى: { ~~إن الله كان على كل شيء حسيبا } ، تلاه الإعلام ~~بصفة الربوبية، وحال الوحدانية والإعلام بالحشر والبعث ~~من القبور للثواب والعقاب إعلاما بقسم، تقديره: وحقه ~~وعظمته ليجمعنكم، والجمع بمعنى الحشر. # وقوله سبحانه: { ومن أصدق من الله حديثا }: المعنى: لا ~~أحد أصدق من الله تعالى. ### || [4.88-90] # وقوله تعالى: { فما لكم في المنفقين فئتين... } ~~الآية: واختلف في هؤلاء المنافقين. # فقال ابن عباس: هم قوم كانوا بمكة أظهروا الإيمان لأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كتب بعثوا بها إلى المدينة، ثم ~~خرجوا مسافرين إلى الشام، وأعطتهم قريش بضاعات، وقالوا ~~لهم: أنتم لا تخافون أصحاب محمد؛ لأنكم تخدعونهم ~~بإظهار الإيمان، فاتصل خبرهم بالمدينة، فاختلف المؤمنون ~~فيهم، فقالت فرقة: نخرج إليهم؛ فإنهم منافقون، وقالت ~~فرقة: بل هم مؤمنون، لا سبيل لنا إليهم، فنزلت ~~الآية، وعن مجاهد نحوه. # قال * ع *: ويعضده ما في آخر الآية من قوله تعالى: { حتى ~~يهاجروا } ، وقال زيد بن ثابت: نزلت في عبد الله بن أبي ~~وأصحابه المنافقين الذين رجعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم أحد، وهو في «صحيح البخاري» مسندا، قال ابن العربي ~~في «أحكامه»، وهذا القول هو اختيار البخاري والترمذي. انتهى. # قال * ع *: وعلى هذا، فقوله سبحانه: { حتى يهاجروا } ~~المراد هجر ما نهى الله عنه؛ كما قال عليه السلام : # " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " # ، و { فئتين }: معناه: فرقتين، و { أركسهم }: معناه: ~~أرجعهم في كفرهم وضلالهم، والركس: الرجيع؛ ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الروثة: # " إنها ركس " # ، وحكى النضر بن شميل والكسائي: ركس وأركس بمعنى ~~واحد، أي: أرجعهم، ومن قال من المتأولين: أهلكهم، أو ~~أضلهم، فإنما هو بالمعنى، وباقي الآية بين. # قال * ص *: { أركسهم } ، أي: ردهم في الكفر. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: أخبر الله ms0354 تعالى أنه رد ~~المنافقين إلى الكفر، وهو الإركاس، وهو عبارة عن الرجوع إلى ~~الحالة المكروهة؛ كما قال في الروثة: «إنها ركس»، أي: ~~رجعت إلى حالة مكروهة، فنهى الله سبحانه الصحابة أن ~~يتعلقوا فيهم بظاهر الإيمان؛ إذ كان باطنهم الكفر، وأمرهم ~~بقتلهم، حيث وجدوهم. انتهى. # وقوله تعالى: { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثق... } الآية. # قال * ص *: { إلا الذين يصلون }: استثناء متصل من ~~مفعول { فخذوهم واقتلوهم }. انتهى. # قال * ع *: هذه الآية من آيات الموادعة في أول الإسلام، ثم ~~نسخت بما في سورة «براءة» فالآية تقتضي أن من وصل من ~~المشركين الذين لا عهد بينهم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى هؤلاء أهل العهد، فدخل في عدادهم، وفعل فعلهم من ~~الموادعة، فلا سبيل عليه. # وقوله تعالى: { أو جاءوكم }: عطف على { يصلون } ، ويحتمل ~~أن يكون على قوله: { بينكم وبينهم ميثق } ، والمعنى ~~في العطفين مختلف، وهذا أيضا حكم قبل أن يستحكم أمر الإسلام، ~~فكان المشرك، إذا اعتزل القتال، وجاء إلى دار الإسلام مسالما ~~كارها لقتال قومه مع المسلمين، ولقتال المسلمين مع قومه، ~~لا سبيل عليه، وهذه نسخت أيضا بما في «براءة»، ومعنى { حصرت ~~}: ضاقت، وحرجت؛ ومنه: الحصر في القول، وهو ضيق الكلام ~~على المتكلم، و { حصرت }: في موضع نصب على الحال، واللام في ~~قوله: { لسلطهم } جواب «لو»، والمعنى: ولو شاء الله، ~~لسلط هؤلاء الذين هم بهذه الصفة من المسالمة ~~والمتاركة عليكم، { فإن اعتزلوكم } ، أي: إذا وقع هذا، ~~فلم يقاتلوكم، فلا سبيل لكم عليهم، وهذا كله، والذي في سورة ~~«الممتحنة»: # لا ينهكم الله... # [الممتحنة:8] منسوخ؛ قاله قتادة وغيره. # و { السلم }: الصلح. ### || [4.91] # وقوله تعالى: { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم... } الآية: لما وصف الله سبحانه ~~المحققين في المتاركة وإلقاء السلم، نبه على طائفة ~~مخادعة كانوا يريدون الإقامة في مواضعهم مع أهليهم، ~~يقولون لهم: نحن معكم وعلى دينكم، ويقولون أيضا للمسلمين: ~~نحن معكم، وعلى دينكم؛ خبثة منهم وخديعة، وقوله: { إلى ~~الفتنة }: معناه: إلى الاختبار، حكي أنهم كانوا يرجعون ~~إلى قومهم، فيقال لأحدهم: قل: ms0355 ربي الخنفساء، ربي ~~العود، ربي العقرب، ونحوه، فيقولها، ومعنى: { أركسوا }: ~~أي: رجعوا رجع ضلالة، أي: أهلكوا في الاختبار بما واقعوه ~~من الكفر، وهذه الآية حض على قتل هؤلاء المخادعين؛ إذا لم ~~يرجعوا عن حالهم، و { ثقفتموهم }: مأخوذ من الثقاف، ~~أي: ظفرتم بهم، مغلوبين متمكنا منهم، والسلطان: الحجة، ~~قال عكرمة: حيثما وقع السلطان في كتاب الله عز وجل، فهو ~~الحجة. ### || [4.92] # وقوله تعالى: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ... } الآية: قال جمهور المفسرين: معنى الآية: وما كان في إذن ~~الله، وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه، ثم استثنى ~~استثناء منقطعا ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه «إلا» بمعنى ~~«لكن»، والتقدير: لكن الخطأ قد يقع، ويتجه في معنى ~~الآية وجه آخر، وهو أن تقدر «كان» بمعنى «استقر»، و ~~«وجد»؛ كأنه قال: وما وجد، ولا تقرر، ولا ساغ لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ؛ إذ هو مغلوب فيه، فيجيء الاستثناء على هذا ~~متصلا، وتتضمن الآية على هذا إعظام العمد، وبشاعة شأنه. # وقوله تعالى: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ... } الآية: حقيقة الخطإ ألا يقصده بالقتل، ووجوه الخطإ ~~كثيرة لا تحصى، يربطها عدم القصد. # قال ابن عباس وغيره: الرقبة المؤمنة: هي الكبيرة التي ~~قد صلت وعقلت الإيمان، وقالت جماعة، منهم مالك بن أنس: ~~يجزىء كل من يحكم له بحكم الإسلام في الصلاة عليه، إن مات، ~~قال مالك: ومن صلى وصام أحب إلي، ولا يجزىء ذو العيب ~~الكثير؛ كأقطع اليدين، أو الرجلين، أو الأعمى؛ إجماعا ~~فيما علمت، و { مسلمة }: معناه: مؤداة مدفوعة، وهي على ~~العاقلة فيما جاوز ثلث الدية، و { إلا أن يصدقوا }: ~~يريد: أولياء القتيل، وقوله: { فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن... } الآية: أي: وإن كان هذا المقتول خطأ مؤمنا قد ~~آمن، وبقي في قومه، وهم كفرة عدو لكم، فلا دية فيه، ~~وإنما كفارته تحرير الرقبة؛ قاله ابن عباس وغيره، وسقطت ~~الدية عندهم؛ لوجهين: # أحدهما: أن أولياء المقتول كفار، فلا يصح دفع الدية إليهم. # والآخر: قلة ms0356 حرمة هذا المقتول، فلا دية فيه. # واحتجوا بقوله تعالى: # والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا # [الأنفال:72]. # وقالت فرقة: بل الوجه في سقوط الدية أن الأولياء كفار فقط، ~~وسواء قتل بين أظهر المسلمين، أو بين قومه الكفار؛ لأنه لا ~~يصح دفعها إلى الكفار. # قال * ع *: وقائل المقالة الأولى يقول: إن قتل المؤمن في بلد ~~المسلمين، وقومه حرب، ففيه الدية لبيت المال والكفارة. # وقوله تعالى: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق... } الآية: قال ابن عباس وغيره: المقتول من أهل العهد ~~خطأ لا نبالي، كان مؤمنا أو كافرا، على عهد قومه فيه ~~الدية والتحرير. # وقوله: { فمن لم يجد فصيام شهرين... } الآية، أي: ~~فمن لم يجد الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها، فيجزيه صيام ~~شهرين متتابعة الأيام، لا يتخللها فطر، و { توبة }: ~~نصب على المصدر، ومعناه: رجوعا بكم إلى التيسير والتسهيل. ### || [4.93] # وقوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم... } الآية: المتعمد في لغة العرب: القاصد إلى الشيء، ~~والجمهور أن المتعمد كل من قتل، كان القتل بحديدة أو ~~غيرها، وهذا هو الصحيح، ورأي الشافعي وغيره أن القتل بغير ~~الحديد المشحوذ هو شبه العمد، ورأوا فيه تغليظ الدية، ~~ومالك لا يرى شبه العمد، ولا يقول به، وإنما القتل عنده ما ~~ذكره الله تعالى عمدا أو خطأ لا غير. # وقوله تعالى: { فجزاؤه جهنم } ، تقديره عند أهل السنة: ~~فجزاؤه، إن جازاه بذلك، أي: هو أهل لذلك، ومستحقه؛ لعظيم ذنبه. # قال * ع *: ومن أقيم عليه الحد، وقتل قودا، فهو غير ~~متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه؛ إجماعا، وللحديث ~~الصحيح، عن عبادة بن الصامت؛ أنه: # " من عوقب في الدنيا، فهو كفارة له " # ، ومعنى الخلود هنا: مدة طويلة، إن جازاه الله؛ ويدل على ~~ذلك سقوط لفظ التأبيد. # قال * ع *: والجمهور على قبول توبته، وروي عن بعض العلماء؛ أنهم ~~كانوا يقصدون الإغلاظ، والتخويف أحيانا، فيطلقون ألا ~~تقبل توبته؛ منهم ابن شهاب، وابن عباس، فكان ابن شهاب، ~~إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل، ms0357 قال له: توبتك ~~مقبولة، وإذا سأله من لم يفعل، قال: لا توبة للقاتل، ~~وعن ابن عباس نحوه، قال الداوودي وعن أبي هريرة؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والله، للدنيا وما فيها أهون على الله من ~~قتل نفس بغير حق، ومن أعان على قتل مسلم ~~بشطر كلمة، لقي الله يوم يلقاه مكتوب على ~~جبهته: آيس من رحمة الله " # ، وعن معاوية، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من قتل ~~مؤمنا متعمدا، أو مات كافرا " # ، وعن أبي هريرة؛ أنه سئل عن قاتل المؤمن، هل له من ~~توبة؟ فقال: لا، والله الذي لا إله إلا هو، لا ~~يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، قال: ~~ولو أن أهل السموات والأرض أشركوا في دم ~~مؤمن إلا كبهم الله جميعا في النار». انتهى. ### || [4.94] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله فتبينوا... } الآية: تقول: ضربت في الأرض؛ ~~إذا سرت لتجارة أو غزو، أو غيره، مقترنة ب «في»، وضربت ~~الأرض، دون «في»؛ إذا قصدت قضاء الحاجة. # وقال * ص *: ضربتم، أي: سافرتم. # قال * ع *: وسبب هذه الآية؛ أن سرية من سرايا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا له جمل، ومتيع، وقيل: ~~غنيمة، فسلم على القوم، وقال: لا إله إلا الله، ~~محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم، فقتله، ~~واختلف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، والذي عليه ~~الأكثر، وهو في سير ابن إسحاق، وفي مصنف أبي داود وغيرهما؛ ~~أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن ~~الأضبط، ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض، حين مات، هو ~~محلم بن جثامة، وقرأ جمهور السبعة: «فتبينوا»، ~~وقرأ حمزة والكسائي: «فتثبتوا» (بالثاء المثلثة) في الموضعين ~~هنا، وفي «الحجرات»، وقرأ نافع وغيره: «السلم»، ومعناه: ~~الاستسلام، أي: ألقى بيده، واستسلم لكم، وأظهر دعوتكم، وقرأ باقي ~~السبعة: «السلام» (بالألف)، يريد: سلام ذلك المقتول على ~~السرية؛ لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته، ~~وانقياده، وفي بعض طرق عاصم: «السلم» بكسر ms0358 السين المشددة، ~~وسكون اللام ، وهو الصلح، والمعنى المراد بهذه الثلاثة ~~متقارب، وقرىء: «لست مؤمنا» بفتح الميم أي: لسنا ~~نؤمنك. # وقوله تعالى: { فعند الله مغانم كثيرة }: عدة منه ~~سبحانه بما يأتي به من فضله؛ من الحلال دون ارتكاب محظور، أي: ~~فلا تتهافتوا. # واختلف في قوله: { كذلك كنتم من قبل }. # فقال ابن جبير: معناه: كذلك كنتم مستخفين من قومكم ~~بإسلامكم، فمن الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، ~~فهم الآن كذلك كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن ~~يصل إليكم، فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا ~~أمره، وقال ابن زيد: المعنى: كذلك كنتم كفرة، فمن ~~الله عليكم بأن أسلمتم، فلا تنكروا أن يكون هو ~~كافرا، ثم يسلم لحينه، ثم وكد تبارك وتعالى الوصية ~~بالتبين، وأعلم أنه خبير بما يعمله العباد، وذلك منه خبر ~~يتضمن تحذيرا منه سبحانه، أي: فاحفظوا أنفسكم، وجنبوا الزلل ~~الموبق لكم. ### || [4.95-96] # وقوله تعالى: { لا يستوي القعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر... } الآية: في قوله تعالى: { لا يستوي ~~} إبهام على السامع، وهو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين ~~المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته، ولا يزال يتخيل ~~الدرجات بينهما، والقاعدون عبارة عن المتخلفين. # قلت: وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن علي بن أبي طالب ~~(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة تخرج من أعلاها الحلل، ~~ومن أسفلها خيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة ~~بالدر والياقوت، لا تروث، ولا تبول، ذوات أجنحة، ~~فيجلس عليها أولياء الله؛ فتطير بهم حيث ~~شاءوا، فيقول الذين أسفل منهم: يأهل الجنة، ~~ناصفونا، يا رب، ما بلغ هؤلاء هذه الكرامة؟! فيقول الله ~~تعالى: إنهم كانوا يصومون، وكنتم تفطرون، وكانوا ~~يقومون بالليل وكنتم تنامون، وكانوا ينفقون، ~~وكنتم تبخلون، وكانوا يجاهدون العدو وكنتم ~~تجبنون " # انتهى. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة: «غير» - بالرفع - صفة للقاعدين، ~~وقرأ نافع وغيره: «غير» - بالنصب - استثناء من القاعدين، وروي من ~~غير ما طريق؛ أن الآية نزلت: «لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون»، ms0359 فجاء ابن أم مكتوم، حين سمعها، ~~فقال: يا رسول الله، هل من رخصة، فإني ضرير ~~البصر، فنزلت عند ذلك؛ { غير أولي الضرر } ، ~~قال الفلتان بن عاصم (رضي الله عنه)؛ كنا قعودا ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل عليه، وكان إذا أوحي ~~إليه، دام بصره مفتوحة عيناه، وفرغ سمعه ~~وبصره لما يأتيه من الله، وكنا نعرف ذلك في ~~وجهه، قال: فلما فرغ، قال للكاتب: اكتب: «لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون...» إلى ~~آخر الآية، قال: فقام الأعمى، فقال: يا رسول الله، ما ~~ذنبنا؟ قال: فأنزل الله على رسوله، فقلنا للأعمى: إنه ~~ينزل عليه، قال: فخاف أن ينزل فيه شيء، فبقي قائما مكانه، ~~يقول: أتوب إلى رسول الله، حتى فرغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال للكاتب: اكتب: { غير أولي الضرر ~~} ، وأهل الضرر: هم أهل الأعذار، إذ قد أضرت بهم؛ حتى منعتهم ~~الجهاد؛ قاله ابن عباس وغيره. # وقوله تعالى: { بأمولهم وأنفسهم } ، هي الغاية في كمال ~~الجهاد، قال ابن جريج: الفضل بدرجة هو على القاعدين من ~~أهل العذر. # قال * ع *: لأنهم مع المؤمنين بنياتهم؛ كما هو مذكور في الحديث ~~الصحيح. # قال ابن جريج: والتفضيل بالأجر العظيم والدرجات هو على ~~القاعدين من غير عذر، و { الحسنى }: الجنة التي ~~وعدها الله المؤمنين؛ وكذلك قال السدي وغيره. # وقال ابن محيريز: الدرجات: هي درجات في الجنة سبعون ما ~~بين الدرجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة، ~~قلت: وفي «صحيح البخاري»، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما ~~بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه ~~الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ~~وفوقه عرش الرحمن؛ ومنه تفجر أنهار الجنة ~~" # انتهى. # وقال ابن زيد: الدرجات في الآية هي السبع المذكورة في ~~«براءة» في قوله تعالى: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب # [التوبة:120] الآية. # قال * ع *: ودرجات الجهاد، لو حصرت، أكثر من هذه، لكن ~~يجمعها بذل النفس، والاعتمال بالبدن ms0360 والمال في أن تكون ~~كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ~~ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها ~~متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس. ### || [4.97-100] # وقوله تعالى: { إن الذين توفهم الملئكة ~~ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم... } الآية: المراد بهذه ~~الآية إلى قوله: { مصيرا } جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا، ~~فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم، ~~وفتن منهم جماعة، فافتتنوا، فلما كان أمر بدر، خرج منهم ~~قوم مع الكفار، فقتلوا ببدر، فنزلت الآية فيهم. # قال * ع *: والذي يجري مع الأصول أن من مات من هؤلاء ~~مرتدا، فهو كافر، ومأواه جهنم على جهة الخلود المؤبد، وهذا هو ~~ظاهر أمر هؤلاء، وإن فرضنا فيهم من مات مؤمنا، وأكره ~~على الخروج، أو مات بمكة، فإنما هو عاص في ترك الهجرة، مأواه ~~جهنم على جهة العصيان دون خلود. # وقوله تعالى: { توفهم }: يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، ويحتمل ~~أن يكون مستقبلا؛ على معنى: «تتوفاهم»؛ فحذفت إحدى ~~التاءين وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي من هذا المعنى في ~~المستقبل بعد نزول الآية، و { ظالمي أنفسهم }: نصب على الحال، ~~أي: ظالميها بترك الهجرة، و { توفهم الملئكة }: ~~معناه: تقبض أرواحهم، قال الزجاج، وحذفت النون من ~~ظالمين؛ تخفيفا؛ كقوله: # بلغ الكعبة # [المائدة:95]، وقول الملائكة: { فيم كنتم }: تقرير وتوبيخ، ~~وقول هؤلاء: { كنا مستضعفين في الأرض }: اعتذار غير ~~صحيح؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبل، ثم ~~وقفتهم الملائكة على ذنبهم بقولهم: { ألم تكن أرض ~~الله وسعة } ، والأرض الأولى: هي أرض مكة خاصة، وأرض ~~الله هي الأرض بالإطلاق، والمراد: فتهاجروا فيها إلى مواضع ~~الأمن، وهذه المقاولة إنما هي بعد توفي الملائكة لأرواح ~~هؤلاء، وهي دالة على أنهم ماتوا مسلمين وإلا فلو ماتوا ~~كافرين، لم يقل لهم شيء من هذا، ثم استثنى سبحانه من كان ~~استضعافه حقيقة من زمنى الرجال، وضعفة النساء، والولدان، ~~قال ابن عباس: «كنت أنا وأمي من المستضعفين»، ~~والحيلة: لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، والسبيل: سبيل ~~المدينة؛ فيما قاله مجاهد وغيره، والصواب: ms0361 أنه عام في جميع السبل، ~~ثم رجى الله تعالى هؤلاء بالعفو عنهم، والمراغم: ~~المتحول والمذهب؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد: ~~المراغم المتزحزح عما يكره، وقال ابن زيد: المراغم: ~~المهاجر، وقال السدي: المراغم: المبتغى للمعيشة. # قال * ع *: وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما الخاص باللفظة، فإن ~~المراغم هو موضع المراغمة، فلو هاجر أحد من هؤلاء ~~المحبوسين بمكة، لأرغم أنوف قريش بحصوله في منعة منهم، ~~فتلك المنعة هي موضع المراغمة، قال ابن عباس وغيره: ~~السعة هنا هي السعة في الرزق، وقال مالك: السعة: سعة ~~البلاد. # قال * ع *: وهذا هو المشبه للفصاحة؛ أن يريد سعة الأرض؛ وبذلك ~~تكون السعة في الرزق، واتساع الصدر، وغير ذلك من وجوه ~~الفرج، وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى: { ألم تكن أرض ~~الله وسعة }. # قال مالك بن أنس (رحمه الله): الآية تعطي أن كل مسلم ~~ينبغي له أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن، ~~ويعمل فيها بغير الحق. # وقوله تعالى: { ومن يخرج من بيته مهجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت... } الآية حكم هذه الآية ~~باق في الجهاد، والمشي إلى الصلاة، والحج، ونحوه، قلت: وفي ~~الباب حديث عن أبي أمامة، وسيأتي عند قوله تعالى: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم # [النور:61]. # قال * ع *: والآية نزلت بسبب رجل من كنانة، وقيل: من ~~خزاعة، اسمه ضمرة في قول الأكثر؛ لما سمع قول الله ~~تعالى: الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون ~~سبيلا } قال: إني لذو مال وعبيد، وكان مريضا، ~~فقال: أخرجوني إلى المدينة، فأخرج في سرير، ~~فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت الآية بسببه. # قال * ع *: ومن هذه الآية رأى بعض العلماء أن من مات من ~~المسلمين، وقد خرج غازيا، فله سهمه من الغنيمة، قاسوا ذلك على ~~الأجر، ووقع: عبارة عن الثبوت، وكذلك هي «وجب»؛ لأن ~~الوقوع والوجوب نزول في الأجرام بقوة، فشبه لازم المعاني ~~بذلك، وباقي الآية بين. ### || [4.101] # وقوله تعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلوة... } الآية: ضربتم: ~~معناه: سافرتم، قال مالك، والشافعي، وأحمد بن ms0362 حنبل، وابن ~~راهويه: تقصر الصلاة في أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ~~ميلا؛ وحجتهم أحاديث رويت في ذلك، عن ابن عمر، وابن عباس. # وقال الحسن والزهري: تقصر في مسيرة يومين، وروي هذا ~~أيضا عن مالك، وروي عنه: تقصر في مسافة يوم وليلة، وهذه الأقوال ~~الثلاثة تتقارب في المعنى. # والجمهور على جواز القصر في السفر المباح. # وقال عطاء: لا تقصر إلا في سفر طاعة، وسبيل خير، والجمهور: أنه ~~لا قصر في سفر معصية، والجمهور أنه لا يقصر المسافر حتى ~~يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض، وهو قول مالك ~~وجماعة المذهب، وإلى ذلك في الرجوع، وقد ثبت؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي ~~الحليفة ركعتين " # ، وليس بينهما ثلث يوم ويظهر من قوله تعالى: { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا } أن القصر مباح أو ~~مخير فيه، وقد روى ابن وهب، عن مالك، أن المسافر مخير فيه؛ ~~وقاله الأبهري؛ وعليه حذاق المذهب، وقال مالك في «المبسوط»: ~~القصر سنة؛ وهذا هو الذي عليه جمهور المذهب؛ وعليه جواب ~~«المدونة» بالإعادة في الوقت لمن أتم في سفره. # وقال ابن سحنون وغيره: القصر فرض. # وقوله تعالى: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا... ~~} الآية، وفي حديث يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن ~~الخطاب: إن الله تعالى يقول: { إن خفتم }؛ وقد أمن ~~الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال؛ # " صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته ~~". # ويفتنكم: معناه يمتحنكم بالحمل عليكم، وإشغال نفوسكم، ~~وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الظهر بأصحابه، ~~قال المشركون: قد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، ~~هلا شددتم عليهم، فقال قائل منهم: إن لهم أخرى في ~~أثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: { إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا } إلى آخر صلاة الخوف. ### || [4.102] # وقوله تعالى: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة... ~~} الآية: قال جمهور الأمة: الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو يتناول الأمراء بعده إلى ms0363 يوم القيامة، وكذلك جمهور العلماء على ~~أن صلاة الخوف تصلى في الحضر، إذا نزل الخوف، قال الطبري: ~~{ فأقمت لهم }: معناه: حدودها وهيئتها. # وقوله تعالى: { فلتقم طائفة منهم معك }: أمر ~~بالانقسام، أي: وسائرهم وجاه العدو، ومعظم الروايات والأحاديث ~~على أن صلاة الخوف إنما نزلت الرخصة فيها في غزوة ذات ~~الرقاع، واختلف من المأمور بأخذ الأسلحة هنا؟ فقيل: الطائفة ~~المصلية، وقيل: بل الحارسة. # قال * ع *: ولفظ الآية يتناول الكل، ولكن سلاح المصلين ما ~~خف، قلت: ومن المعلوم أنه إذا كانت الطائفة المصلية هي ~~المأمورة بأخذ السلاح، فالحارسة من باب أحرى. # واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ~~صلاة الخوف؛ وبحسب ذلك، اختلف الفقهاء، فروى يزيد بن ~~رومان، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة؛ أنه ~~صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ~~يوم ذات الرقاع، فصفت طائفة معه، وطائفة ~~وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم ~~الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، ~~وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وروى القاسم بن ~~محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل هذا الحديث بعينه، إلا ~~أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى بالطائفة ~~الأخيرة ركعة، سلم، ثم قضت بعد سلامه، وبحديث القاسم بن ~~محمد، أخذ مالك، وإليه رجع بعد أن كان أولا يميل إلى ~~رواية يزيد بن رومان، وروى عبد الرزاق عن مجاهد، قال: ~~لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف إلا ~~مرتين: مرة بذات الرقاع من أرض بني سليم، ومرة ~~بعسفان، والمشركون بضجنان بينهم وبين القبلة. # قال * ع *: وظاهر اختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقتضي أنه صلى صلاة الخوف في غير هذين الموطنين، وقد ~~ذكر ابن عباس؛ أنه كان في غزوة ذي قرد صلاة خوف. # وقوله تعالى: { فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم... } ~~الآية: المعنى: فإذا سجدوا معك الركعة الأولى، ~~فلينصرفوا؛ هذا على بعض الهيئات المروية، وقيل: المعنى: فإذا ~~سجدوا ركعة القضاء، وهذا على رواية ابن أبي ms0364 حثمة، والضمير ~~في قوله: { فليكونوا } ، يحتمل أن يكون للذين سجدوا، ~~ويحتمل أن يكون للطائفة القائمة أولا بإزاء العدو، ويجيء ~~الكلام وصاة في حال الحذر والحرب. # وقوله تعالى: { ود الذين كفروا لو تغفلون... } الآية: ~~إخبار عن معتقد القوم، وتحذير من الغفلة؛ لئلا ينال ~~العدو أمله، وأسلحة: جمع سلاح، وفي قوله تعالى: { ميلة ~~وحدة }: مبالغة، أي: مستأصلة لا يحتاج معها إلى ثانية. # وقوله تعالى: { ولا جناح عليكم... } الآية: ترخيص. # قال ابن عباس: نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضا، ~~فوضع سلاحه، فعنفه بعض الناس. # قال * ع *: كأنهم تلقوا الأمر بأخذ السلاح على الوجوب، ~~فرخص الله تعالى في هاتين الحالتين، وينقاس عليهما كل ~~عذر، ثم قوى سبحانه نفوس المؤمنين بقوله: { إن الله ~~أعد للكفرين عذابا مهينا }. ### || [4.103] # وقوله تعالى: { فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا الله ~~قيما وقعودا... } الآية: ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ~~الذكر المأمور به، إنما هو إثر صلاة الخوف على حد ما ~~أمروا عند قضاء المناسك بذكر الله، فهو ذكر باللسان، ~~والطمأنينة في الآية: سكون النفوس من الخوف، وقال بعض ~~المتأولين: المعنى: فإذا رجعتم من سفركم إلى الحضر، فأقيموها ~~تامة أربعا. # وقوله تعالى: { كتبا موقوتا }: معناه: منجما في أوقات، ~~هذا ظاهر اللفظ، وروي عن ابن عباس؛ أن المعنى: فرضا ~~مفروضا، فهما لفظان بمعنى واحد كرر؛ مبالغة. ### || [4.104] # وقوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغاء القوم }: أي: لا ~~تلينوا وتضعفوا؛ يقال: حبل واهن، أي: ضعيف؛ ومنه: ~~«وهن العظم» وابتغاء القوم: طلبهم، وهذا تشجيع لنفوس ~~المؤمنين، وتحقير لأمر الكفرة، ثم تأكد التشجيع بقوله: { ~~وترجون من الله ما لا يرجون } ، وهذا برهان بين، ~~ينبغي بحسبه أن تقوى نفوس المؤمنين، وباقي الآية بين. ### || [4.105] # وقوله تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أرك الله... } الآية: في هذه ~~الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وتفويض إليه، وتقويم أيضا ~~على الجادة في الحكم، وتأنيب ما على قبول ما رفع إليه في ~~أمر بني أبيرق بسرعة. # وقوله تعالى: { بما أراك الله }: معناه: على قوانين ms0365 ~~الشرع إما بوحي ونص أو نظر جار على سنن الوحي، وقد ~~تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة. # وقوله تعالى: { ولا تكن للخائنين خصيما } ، قال ~~الهروي: { خصيما }: أي: مخاصما، ولا دافعا. انتهى. # قال * ع *: سببها، باتفاق من المتأولين: أمر بني أبيرق، وكانوا ~~إخوة: بشر، وبشير، ومبشر، وطعيمة، وكان بشير رجلا ~~منافقا يهجو أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وينحل الشعر لغيره، ~~فكان المسلمون يقولون: والله، ما هو إلا شعر الخبيث، ~~فقال شعرا يتنصل فيه؛ فمنه قوله: [الطويل] # أفي كل ما قال الرجال قصيدة # نحلت، وقالوا: ابن الأبيرق قالها # قال قتادة بن النعمان: وكان بنو أبيرق أهل فاقة، ~~فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من درمك الشام، ~~فجعله في مشربة له، وفي المشربة درعان له، وسيفان، ~~فعدي على المشربة من الليل، فلما أصبح، أتاني عمي ~~رفاعة، فقال: يابن أخي، أتعلم أنه قد عدي علينا في ~~ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، وذهب بطعامنا، ~~وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار، وسألنا، فقيل لنا: قد ~~رأينا بني أبيرق استوقدوا نارا في هذه الليلة، ولا ~~نراه إلا على بعض طعامكم، قال: وقد كان بنو أبيرق ~~قالوا، ونحن نسأل: والله، ما نرى صاحبكم إلا ~~لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فسمع ~~ذلك لبيد، فاخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق، ~~فقال: والله ليخالطنكم هذا السيف، أو ~~لتبينن هذه السرقة، فقالوا: إليك عنا، أيها ~~الرجل، فوالله، ما أنت بصاحبها، فسألنا في ~~الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي ~~عمي: يابن أخي، لو أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبرته بهذه القصة، فأتيته صلى الله عليه وسلم، ~~فقصصتها عليه، فقال: انظر في ذلك، فلما سمع ~~بذلك بنو أبيرق، أتوا رجلا منهم يقال له: ~~أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من ~~أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ~~يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه ~~رفاعة عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح ~~يرميانهم بالسرقة على غير بينة، قال قتادة: ~~فأتيت رسول ms0366 الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال: ~~عمدت إلى أهل بيت، ذكر منهم إسلام وصلاح، ~~فرميتهم بالسرقة من غير بينة، قال: فرجعت، ~~وقد وددت أن أخرج عن بعض مالي، ولم أكلمه، ~~فأتيت عمي، فقال: ما صنعت، فأخبرته بما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله المستعان، ~~فلم نلبث أن نزل القرآن: { إنا أنزلنا إليك ~~الكتب بالحق... } الآيات، قال: فالخائنون: بنو أبيرق، ~~والبريء المرمي لبيد بن سهل، والطائفة التي همت ~~أسير وأصحابه. # قال * ع *: قال قتادة وغير واحد: هذه القصة ونحوها إنما كان ~~صاحبها طعمة بن أبيرق، ويقال فيه: طعيمة. # قال * ع *: وطعمة بن أبيرق صرح بعد ذلك بالارتداد، ~~وهرب إلى مكة، فروي أنه نقب حائط بيت؛ ليسرقه، ~~فانهدم الحائط عليه، فقتله، ويروى أنه اتبع قوما من ~~العرب، فسرقهم، فقتلوه. ### || [4.106] # وقوله تعالى: { واستغفر الله } ، ذهب الطبري إلى أن ~~المعنى: استغفر من ذنبك في خصامك للناس. # قال * ع *: وهذا ليس بذنب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~دافع عن الظاهر، وهو يعتقد براءتهم، والمعنى: واستغفر للمؤمنين ~~من أمتك، والمتخاصمين بالباطل، لا أن تكون ذا جدال عنهم، وعن ~~أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جلس في مجلس، فكثر فيه لغطه، فقال قبل ~~أن يقوم من مجلسه ذلك: «سبحانك، اللهم، ~~وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب ~~إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك» " # ، رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في ~~«صحيحيهما»، وقال الترمذي، واللفظ له: حديث حسن صحيح غريب، ورواه ~~النسائي والحاكم أيضا من طرق عن عائشة وغيرها. انتهى من ~~«السلاح». ### || [4.107] # وقوله تعالى: { ولا تجدل عن الذين يختانون ~~أنفسهم } ، لفظ عام يندرج تحته أصحاب النازلة، ويتقرر به ~~توبيخهم، وفي قوله تعالى: { إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما }: رفق وإبقاء؛ فإن الخوان هو الذي تتكرر منه ~~الخيانة؛ كطعيمة بن الأبيرق، والأثيم هو الذي ~~يقصدها، فيخرج من هذا التشديد الساقط مرة واحدة، ونحو ذلك، ~~واختيان الأنفس هو بما يعود ms0367 عليها من الإثم والعقوبة في ~~الدنيا والآخرة. ### || [4.108] # وقوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون من ~~الله... } الآية: الضمير في «يستخفون» للصنف المرتكب للمعاصي، ~~ويندرج في طي هذا العموم أهل الخيانة في النازلة المذكورة، ~~وأهل التعصب لهم، والتدبير في خدع النبي صلى الله عليه وسلم ~~والتلبيس عليه، ويحتمل أن يكون الضمير لأهل هذه النازلة، ~~ويدخل في معنى هذا التوبيخ كل من يفعل نحو فعلهم، قال صاحب ~~«الكلم الفارقية، والحكم الحقيقية»: النفوس المرتكبة ~~للمحارم؛ المحتقبة للمآثم، والمظالم؛ شبيهة بالأراقم، تملأ ~~أفواهها سما، وتقصد من تقذفه عليه عدوانا وظلما، تجمع في ~~ضمائرها سموم شرورها وضررها، وتحتال لإلقائها على الغافلين ~~عن مكائدها وخدعها. انتهى. # ومعنى: { وهو معهم } ، بالإحاطة والعلم والقدرة، ~~ويبيتون: يدبرون ليلا، ويحتمل أن تكون اللفظة مأخوذة من ~~البيت، أي: يستترون في تدبيرهم بالجدرات. ### || [4.109-111] # وقوله تعالى: { هأنتم هؤلآء }: خطاب للقوم الذين ~~يتعصبون لأهل الريب والمعاصي، ويندرج في طي هذا العموم ~~أهل النازلة، وهو الأظهر عندي؛ بحكم التأكيد بهؤلاء، وهي ~~إشارة إلى حاضرين، ومن «مصابيح البغوي» عن أبي داود، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ~~ضاد الله، ومن خاصم في باطل، وهو يعلمه لم ~~يزل في سخط الله، حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ~~ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال؛ حتى ~~يخرج مما قال " # ، ويروى: # " من أعان على خصومة لا يدري أحق أم باطل، ~~فهو في سخط الله؛ حتى ينزع " # انتهى. # وقوله تعالى: { فمن يجدل الله عنهم يوم ~~القيمة... } الآية: وعيد محض، ولما تمكن هذا الوعيد، ~~وقضت العقول بأن لا مجادل لله سبحانه، ولا وكيل يقوم ~~بأمر العصاة عنده، عقب ذلك بهذا الرجاء العظيم، والمهل ~~المنفسح، فقال: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه... } الآية، وباقي ~~الآية بين. ### || [4.112-113] # وقوله تعالى: { ومن يكسب خطيئة أو إثما } ، ذهب بعض ~~الناس إلى أنهما لفظان بمعنى، كرر؛ لإختلاف اللفظ، وقال ~~الطبري: إنما فرق بين الخطيئة والإثم؛ لأن الخطيئة تكون ~~عن عمد، وعن غير عمد، والإثم ms0368 لا يكون إلا عن عمد، وهذه ~~الآية لفظها عام، ويندرج تحت ذلك العموم أهل النازلة ~~المذكورة، وبريء النازلة، وهو لبيد، كما تقدم، أي: ~~ويتناول عموم الآية كل بريء. # وقوله: { فقد احتمل بهتنا }: تشبيه، إذ الذنوب ثقل ~~ووزر، فهي كالمحمولات، و { بهتنا }: معناه: كذبا، ثم وقف ~~الله تعالى نبيه على مقدار عصمته له، وأنها بفضل منه ~~سبحانه ورحمته. # وقوله تعالى: { لهمت }: معناه: لجعلته همها وشغلها، حتى ~~تنفذه؛ وهذا يدل على أن الألفاظ عامة في غير أهل النازلة، ~~وإلا فأهل التعصب لبني أبيرق قد وقع همهم وثبت، ثم أخبر ~~تعالى أنهم لا يضلون إلا أنفسهم، وما يضرونك من شيء، قلت: ~~ثم ذكر سبحانه ما أنعم به على نبيه من إنزال الكتاب، ~~والحكمة، وتعليمه ما لم يكن يعلم، قال ابن العربي في رحلته: ~~اعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام: توحيد، وتذكير، ~~وأحكام، وعلم التذكير هو معظم القرآن، فإنه مشتمل على الوعد ~~والوعيد، والخوف والرجاء، والقرب وما يرتبط بها، ويدعو إليها ~~ويكون عنها، وذلك معنى تتسع أبوابه، وتمتد أطنابه. انتهى، ~~وباقي الآية وعد كريم لنبيه عليه السلام ، وتقرير نعمه ~~لديه سبحانه، لا إله غيره. ### || [4.114] # وقوله تعالى: { لا خير في كثير من نجوهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلح بين الناس... } ~~الآية: الضمير في { نجوهم }: عائد على الناس أجمع، وجاءت ~~هذه الآيات عامة التناول، وفي عمومها يندرج أصحاب النازلة، ~~وهذا من الفصاحة والإيجاز المضمن الماضي والغابر في عبارة ~~واحدة، قال النووي وروينا في كتابي «الترمذي» و «ابن ماجة»، عن ~~أم حبيبة (رضي الله عنها)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا ~~بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ذكرا لله تعالى " # انتهى. # والنجوى: المسارة، وقد تسمى بها الجماعة؛ كما يقال: قوم ~~عدل، وليست النجوى بمقصورة على الهمس في الأذن، ~~والمعروف لفظ يعم الصدقة والإصلاح وغيرهما، ولكن خصا ~~بالذكر؛ اهتماما؛ إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد، ثم ~~وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه ms0369 الخيرات بنية وقصد ~~لرضا الله تعالى. ### || [4.115-116] # وقوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول... } الآية: لفظ عام ~~نزل بسبب طعمة بن أبيرق؛ لأنه ارتد وسار إلى مكة، ~~فاندرج الإنحاء عليه في طي هذا العموم المتناول لمن اتصف ~~بهذه الصفات إلى يوم القيامة. # وقوله: { نوله ما تولى }: وعيد بأن يترك مع فاسد ~~اختياره في تودد الطاغوت، ثم أوجب تعالى؛ أنه لا يغفر أن ~~يشرك به، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية. ### || [4.117-119] # وقوله تعالى: { إن يدعون من دونه إلا إنثا وإن ~~يدعون إلا شيطنا مريدا... } الآية: الضمير في { ~~يدعون }: عائد على من ذكر في قوله: # ومن يشاقق الرسول # [النساء:115]، و «إن»: نافية بمعنى «ما»، ويدعون: عبارة مغنية ~~موجزة في معنى: يعبدون ويتخذون آلهة، قلت وفي «البخاري» { ~~إلا إنثا }: يعني الموات حجرا ومدرا، وما أشبهه. انتهى، ~~وفي مصحف عائشة: «إلا أوثانا»؛ ونحوه عن ابن عباس، والمراد ~~بالشيطان هنا إبليس؛ قاله الجمهور، وهو الصواب؛ لأن سائر ~~المقالة به تليق، و { مريدا }: معناه: متمردا عاتيا صليبا في ~~غوايته، وأصل اللعن: الإبعاد، والمفروض: معناه: في هذا الموضع ~~المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض، وهو الحز في العود وغيره. # قال * ع *: ويحتمل أن يريد واجبا إن اتخذه، وبعث النار هو ~~نصيب إبليس. # وقوله: { ولأضلنهم... } الآية: معنى أضلنهم: أصرفهم ~~عن طريق الهدى، { ولأمنينهم } لأسولن لهم، ~~وأمانيه لا تنحصر في نوع واحد، والبتك: القطع. # وقوله: { ولأمرنهم فليغيرن خلق الله } اختلف ~~المتأولون في معنى تغيير خلق الله، وملاك تفسير هذه الآية ~~أن كل تغيير ضار، فهو داخل في الآية، وكل تغيير نافع فهو ~~مباح، وفي «مختصر الطبري»: { فليغيرن خلق الله } ، قال ~~ابن عباس: خلق الله: دين الله، وعن إبراهيم، ومجاهد، ~~والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد مثله، ~~وفسر ابن زيد: # لا تبديل لخلق الله # [الروم:30]، أي: لدين الله، واختار الطبري هذا القول؛ ~~واستدل له بقوله تعالى: # ذلك الدين القيم # [الروم:30] وأجاز أن يدخل في الآية كل ما نهى الله عنه من ~~معاصيه، والترك لطاعته. انتهى، وهو حسن. # قال * ع *: واللامات كلها للقسم. ms0370 # قال * ص *: { ولأضلنهم } ، مفعوله محذوف، أي: عن الهدى؛ ~~وكذا: { ولأمنينهم } ، أي: الباطل؛ وكذا { ولآمرنهم } ~~، أي: بالبتك، فليبتكن؛ وكذا: { ولآمرنهم } ، أي: ~~بالتغيير، فليغيرن كل ما أوجده الله للطاعة ~~فيستعينون به في المعصية. انتهى. # ولما ذكر الله سبحانه عتو الشيطان، وما توعد به من بث ~~مكره، حذر تبارك وتعالى عباده؛ بأن شرط لمن يتخذه وليا ~~جزاء الخسران. ### || [4.120-122] # وقوله تعالى: { يعدهم ويمنيهم } ، أي: يعدهم بأباطيله ~~من المال، والجاه، وأن لا بعث، ولا عقاب، ونحو ذلك لكل ~~أحد ما يليق بحاله، ويمنيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخبر عن ~~حقيقة ذلك؛ بقوله: { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا ~~} ثم أخبر سبحانه بمصير المتخذين الشيطان وليا، ~~وتوعدهم بأن مأواهم جهنم، لا يدافعونها بحيلة، ولا ~~يتروغون، و { محيصا }: من حاص؛ إذا راغ ونفر؛ ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة # كم العمر باق والمدى متطاول # ومنه الحديث: # " فحاصوا حيصة حمر الوحش " # ، ولما ذكر سبحانه ما تقدم من الوعيد، واقتضى ذلك التحذير، عقب ~~ذلك عز وجل بالترغيب في ذكره حالة المؤمنين، وأعلم بصحة ~~وعده، ثم قرر ذلك بالتوقيف عليه في قوله: { ومن أصدق ~~من الله قيلا } ، والقيل والقول واحد، ونصبه على التمييز. ### || [4.123] # وقوله تعالى: { ليس بأمنيكم ولا أماني أهل ~~الكتب... } الاية: الأماني: جمع أمنية، وهي ما يتشهاه ~~المرء، ويطمع نفسه فيه، قال ابن عباس وغيره: الخطاب لأمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي «مختصر الطبري»، عن مسروق وغيره، ~~قال: احتج المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى، ~~وقال أهل الكتاب: نحن أهدى، فأنزل الله هذه الآية، وعن ~~مجاهد: قالت العرب: لن نبعث، ولن نعذب، وقالت اليهود ~~والنصارى: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصرى # [البقرة:111]، وقالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة:80]، قال الطبري: وقول مجاهد أولى بالصواب، وذلك أن ~~المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي، وإنما جرى ~~ذكر أماني نصيب الشيطان. انتهى. # وعليه عول * ص *: في سبب نزول الآية، أعني: على تأويل مجاهد. # وقوله تعالى: { من ms0371 يعمل سوءا يجز به }. # قال جمهور الناس: لفظ الآية عام، فالكافر والمؤمن مجازى، فأما ~~مجازات الكافر، فالنار، وأما مجازات المؤمن، فبنكبات ~~الدنيا؛ فمن بقي له سوء إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر الله ~~لمن يشاء، ويجازي من يشاء. ### || [4.124-125] # وقوله تعالى: { ومن يعمل من الصلحت } ، دخلت «من» ~~للتبعيض؛ إذ الصالحات على الكمال مما لا يطيقه البشر؛ ففي هذا ~~رفق بالعباد، لكن في هذا البعض الفرائض، وما أمكن من المندوب ~~إليه، ثم قيد الأمر بالإيمان؛ إذ لا ينفع عمل دونه، ~~والنقير: النكتة التي في ظهر النواة ومنه تنبت، وعن ابن ~~عباس: ما تنقره بأصبعك. # ثم أخبر تعالى إخبارا موقفا على أنه لا أحسن دينا ممن أسلم ~~وجهه لله، أي: أخلص مقصده وتوجهه، وأحسن في أعماله، ~~واتبع الحنيفية ملة إبراهيم إمام العالم، وقدوة ~~الأديان، ثم ذكر سبحانه تشريفه لنبيه إبراهيم عليه السلام ؛ ~~باتخاذه خليلا، وسماه خليلا؛ إذ كان خلوصه، وعبادته، واجتهاده على ~~الغاية التي يجري إليها المحب المبالغ، وذهب قوم؛ إلى أنه سمي ~~خليلا من «الخلة» بفتح الخاء ، أي: لأنه أنزل خلته وفاقته ~~بالله تعالى، وكذلك شرف الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالخلة؛ كما هو مصرح به في الحديث الصحيح. ### || [4.126] # وقوله تعالى: { ولله ما في السموت وما في الأرض... ~~} الآية: ذكر سبحانه سعة ملكه وإحاطته بكل شيء، عقب ذكر الدين، ~~وتبيين الجادة منه؛ ترغيبا في طاعته والانقطاع إليه سبحانه. ### || [4.127] # وقوله تعالى: { ويستفتونك في النساء قل الله ~~يفتيكم... } الآية: معنى قوله: { يفتيكم فيهن }: أي: ~~يبين لكم حكم ما سألتم عنه. # قال * ع *: تحتمل «ما» أن تكون في موضع رفع؛ عطفا على اسم الله ~~عز وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب، يعني: القرآن، ~~والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآية في أمر النساء، وهو قوله ~~تعالى في صدر السورة: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء... # [النساء:3]، قالت عائشة: نزلت هذه الآية أولا، ثم سأل ناس بعدها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0372 عن أمر النساء، فنزلت، { ~~ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن... } ~~الآية. # وقوله تعالى: { في يتمى النساء التي لا تؤتونهن ~~ما كتب لهن }: معناه: النهي عما كانت العرب تفعله من ~~ضم اليتيمة الجميلة بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل ~~الدميمة الغنية حتى تموت، فيرثها العاضل، والذي كتب الله لهن ~~هو توفية ما تستحقه من مهر. # وقوله تعالى: { وترغبون أن تنكحوهن } ، أي: إن كانت ~~الجارية غنية جميلة، فالرغبة في نكاحها، وإن كانت بالعكس، ~~فالرغبة عن نكاحها. # وقوله تعالى: { والمستضعفين من الولدن } عطف على ~~«يتامى النساء»، والذي يتلى في المستضعفين من الولدان هو ~~قوله تعالى: # يوصيكم الله في أولدكم... # [النساء:11]؛ وذلك أن العرب كانت لا تورث الصبية، ولا ~~الصبي الصغير، ففرض الله تعالى لكل واحد حقه. # وقوله تعالى: { وأن تقوموا لليتمى بالقسط }: عطف ~~أيضا على ما تقدم، والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى: # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم... # [النساء:2]، إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم، والقسط: ~~العدل، وباقي الآية بين. ### || [4.128] # وقوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا... } ~~الآية: هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي ~~تكون ذات سن ونحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيعرض عليها ~~الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتريد هي بقاء العصمة، فهذه ~~التي أباح الله بينهما الصلح ورفع الجناح فيه. # واختلف في سبب نزول الآية، فقال ابن عباس وجماعة: نزلت في ~~النبي عليه السلام وسودة بنت زمعة وفي المصنفات: ~~أن سودة لما كبرت، وهبت يومها لعائشة، وقال ابن المسيب ~~وغيره: نزلت بسبب رافع بن خديج وامرأته خولة، وقال ~~مجاهد: نزلت بسبب أبي السنابل وامرأته، ولفظ ابن العربي في ~~«أحكامه»: قوله تعالى: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا... } الآية: قالت عائشة (رضي الله تعالى ~~عنها): هي المرأة تكون عند الرجل ليس بمستكثر منها يريد أن ~~يفارقها، فتقول له: أجعلك من شأني في حل، فنزلت الآية، ~~قال الفقيه أبو بكر بن العربي: فرضوان الله على ~~الصديقة المطهرة، لقد ms0373 وفت بما حملها ربها من العهد ~~في قوله تعالى: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايت الله ~~والحكمة # [الأحزاب:34] انتهى. # وقوله تعالى: { والصلح خير } لفظ عام مطلق يقتضي أن ~~الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف خير ~~على الإطلاق، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ~~ذكرنا خير من الفرقة. # وقوله تعالى: { وأحضرت الأنفس الشح } معذرة عن عبيده ~~تعالى، أي: لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح ~~على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره، وخصص المفسرون هذه ~~اللفظة هنا. # فقال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من زوجها، وبقسمه لها ~~أيامها. # وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها؛ # قال * ع *: وهذا حسن. # والشح: الضبط على المعتقدات، وفي الهمم، والأموال، ونحو ذلك، ~~فما أفرط منه، ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال تعالى فيه: # ومن يوق شح نفسه # [الحشر:9] وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية، أو التي ~~تقتضيها المروءة، فهو البخل، وهي رذيلة، لكنها قد تكون في ~~المؤمن؛ ومنه الحديث: # " قيل: يا رسول الله، أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: ~~نعم " # ، وأما الشح، ففي كل أحد، وينبغي ألا يفرط إلا على الدين؛ ~~ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى: { وأحضرت ~~الأنفس الشح } ، وقوله: # ومن يوق شح نفسه # [الحشر:9]، فقد أثبت أن لكل نفس شحا، وقول النبي عليه ~~السلام : # " وأن تصدق وأنت صحيح شحيح " # ، وهذا لم يرد به واحدا بعينه، وليس يجمل أن يقال هنا: أن ~~تصدق وأنت صحيح بخيل. # وقوله تعالى: { وإن تحسنوا }: ندب إلى الإحسان في تحسين ~~العشرة، والصبر على خلق الزوجة، { وتتقوا }: معناه: تتقوا ~~الله في وصيته بهن؛ إذ هن عوان عندكم. ### || [4.129] # وقوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا... } الآية: ~~معناه: العدل التام على الإطلاق، والمستوي في الأفعال، والأقوال، ~~والمحبة، والجماع، وغير ذلك، # " وكان صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، ثم يقول: ~~اللهم، هذا فعلي فيما أملك، فلا تؤاخذني بما ~~تملك، ولا أملك ". # فوصف الله سبحانه حالة البشر؛ أنهم بحكم ms0374 الخلقة لا يملكون ~~ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج، دون بعض، ثم نهى سبحانه عن الميل ~~كل الميل، وهو أن يفعل فعلا يقصده من التفضيل، وهو يقدر ألا ~~يفعله، فهذا هو كل الميل، وإن كان في أمر حقير. # وقوله سبحانه: { فتذروها كالمعلقة } ، أي: لا هي أيم، ~~ولا ذات زوج، وجاء في التي قبل: { وإن تحسنوا } ، وفي هذه: # وإن تصلحوا # [النساء: 128]؛ لأن الأولى في مندوب إليه، وفي هذه في لازم؛ إذ ~~يلزمه العدل فيما يملك. ### || [4.130] # وقوله تعالى: { وإن يتفرقا يغن الله كلا من ~~سعته... } الآية: إن شح كل واحد من الزوجين، فلم يتصالحا، ~~لكنهما تفرقا بطلاق، فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن ~~صاحبه بفضله، ولطائف صنعه في المال، والعشرة، والسعة، ~~وجود المرادات، والتمكن منها، والواسع: معناه: الذي عنده خزائن ~~كل شيء. ### || [4.131-133] # وقوله سبحانه: { ولله ما في السموات وما في الأرض }: ~~تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله: { ~~وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في ~~الأرض }؛ تنبيها على استغنائه عن العباد، ومقدمة للخبر بكونه ~~غنيا حميدا، ثم جاء بعد ذلك قوله: { ولله ما في السموات ~~وما في الأرض وكفى بالله وكيلا } مقدمة للوعيد، فهذه ~~وجوه تكرار هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة. # * ت *: وفي تمشيته هذه عندي نظر، والأحسن بقاء الكلام على ~~نسقه فقوله (رحمه الله): «تنبيه على موضع الرجاء ~~لهذين المفترقين» حسن، وإنما الذي فيه قلق ما بعده من ~~توجيهه. # وقوله تعالى: { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من ~~قبلكم وإيكم... } الآية: لفظ عام لكل من أوتي كتابا، ~~فإن وصيته سبحانه لعباده لم تزل منذ أوجدهم. # * ت *: قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي في «سراج الملوك»: ~~ولما ضرب ابن ملجم عليا (رضي الله عنه)، أدخل منزله، ~~فاعترته غشية، ثم أفاق، فدعا أولاده؛ الحسن، والحسين، ~~ومحمدا، فقال: أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، ~~وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، ~~والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، ~~والرضا عن الله في الشدة ms0375 والرخاء؛ يا بني، ما شر بعده ~~الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل ~~نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار ~~عافية، من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن ~~رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف ~~بغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك ~~حجاب أخيه، كشف الله عورات بنيه، ومن نسي خطيئته، ~~استعظم خطيئة غيره، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر ~~على الناس ذل، ومن أعجب برأيه ضل. ومن جالس العلماء ~~وقر، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل ~~السوء اتهم، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من ~~شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل ~~حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ~~ومن مات قلبه دخل النار، يا بني، الأدب خير ميراث، ~~وحسن الخلق خير قرين، يا بني، العافية عشرة أجزاء: ~~تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله، وواحد في ترك ~~مجالسة السفهاء، يا بني، زينة الفقر الصبر، ~~وزينة الغنى الشكر، يا بني، لا شرف أعز من الإسلام، ~~ولا كرم أعز من التقوى، يا بني، الحرص مفتاح البغي، ~~ومطية النصب، طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه، ~~وحبه وبغضه، وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، ~~وقوله وفعله. انتهى. # والوكيل: القائم بالأمور، المنفذ فيها ما رآه، وقوله: { ~~أيها الناس }: مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين؛ ~~لتحضر أذهانهم، وقوله: { بآخرين } يريد من نوعكم، وتحتمل ~~الآية أن تكون وعيدا لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير ~~نوعهم؛ كالملائكة، وقول الطبري: «هذا الوعيد والتوبيخ ~~للشافعين والمخاصمين في قصة بني أبيرق» بعيد، ~~واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وانسحابه على العالم ~~جملة، أو العالم الحاضر. ### || [4.134-135] # وقوله تعالى: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ~~ثواب الدنيا والأخرة... } الآية: أي: من كان لا مراد له ~~إلا في ثواب الدنيا، ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس كما ظن، بل ~~عند الله سبحانه ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة، أعطاه ms0376 الله ~~من ثواب الدنيا، وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط، أعطاه من ~~الدنيا ما قدر له، وكان له في الآخرة العذاب، والله تعالى ~~سميع للأقوال، بصير بالأعمال والنيات، وفي الحديث الصحيح، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما ~~نوى... " # الحديث، قال النووي: بلغنا عن ابن عباس؛ أنه قال: ~~«إنما يحفظ الرجل على قدر نيته»، وقال غيره: إنما ~~يعطى الناس على قدر نياتهم. انتهى. # ثم خاطب سبحانه المؤمنين بقوله: { كونوا قومين ~~بالقسط } ، وهو العدل، ومعنى { شهداء لله } ، أي: لذاته، ~~ولوجهه، ولمرضاته سبحانه، وقوله: { ولو على أنفسكم }: ~~متعلق ب { شهداء } ، هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن ~~هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق، ويحتمل أن يكون المعنى: ~~شهداء لله بالوحدانية، ويتعلق قوله: { ولو على أنفسكم ~~} ، ب { قومين بالقسط } ، والتأويل الأول أبين، وشهادة ~~المرء على نفسه هو إقراره بالحقائق. # قال * ص *: وقوله تعالى: { إن يكن غنيا أو فقيرا }: ضمير ~~«يكن» عائد إلى المشهود عليه، والضمير في «بهما» عائد على ~~جنسي الغني والفقير. انتهى. # قال * ع *: وقوله: { أولى بهما }: أي: هو أنظر لهما، وروى ~~الطبري؛ أن هذه الآية هي بسبب نازلة بني أبيرق، وقيام ~~من قام فيها بغير القسط. # وقوله تعالى: { فلا تتبعوا الهوى }: نهي بين، واتباع ~~الهوى مرد مهلك. # وقوله تعالى: { أن تعدلوا } يحتمل أن يكون معناه: مخافة أن ~~تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق، ويحتمل أن ~~يكون معناه: محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى القسط. # وقوله تعالى: { وإن تلووا أو تعرضوا... } الآية: قال ابن ~~عباس: هي في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي ~~القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر، وقال ابن زيد وغيره: هي في ~~الشهود يلوي الشهادة بلسانه، أو يعرض عن أدائها. # قال * ع *: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، والتوسط بين ~~الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ~~ما في القضاة، فتأمله، وقد تقدم تفسير اللي، وباقي الآية ~~وعيد. ### || [4.136] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ~~ورسوله... ms0377 } الآية: اختلف من المخاطب بهذه الآية: # فقيل: الخطاب للمؤمنين، ومضمن هذا الأمر الثبوت والدوام، وقالت ~~فرقة: الخطاب لأهل الكتابين، ورجحه الطبري، وقيل: الخطاب ~~للمنافقين، أي: يأيها الذين آمنوا في الظاهر، ليكن إيمانكم ~~حقيقة. # وقوله سبحانه: { ومن يكفر بالله... } إلى آخر الآية: وعيد، ~~وخبر مضمنه تحذير المؤمنين من حالة الكفر. ### || [4.137] # وقوله تعالى: { إن الذين ءامنوا ثم كفروا... } الآية: ~~قال مجاهد، وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من ~~كان يؤمن، ثم يكفر، ثم يؤمن، ثم يكفر، ثم ازداد كفرا؛ بأن ~~تم على نفاقه حتى مات. # قال * ع *: وهذا هو التأويل الراجح، وتأمل قوله تعالى: { لم ~~يكن الله ليغفر لهم }؛ فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء ~~محتوم عليهم من أول أمرهم؛ ولذلك ترددوا، وليست هذه ~~العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، ~~فتأمل الفرق بين العبارتين؛ فإنه من دقيق غرائب ~~الفصاحة التي في كتاب الله سبحانه. ### || [4.138-139] # وقوله تعالى: { بشر المنفقين بأن لهم عذابا ~~أليما... } الآية: في هذه الآية دليل ما على أن التي قبلها ~~إنما هي في المنافقين، ثم نص سبحانه من صفات المنافقين ~~على أشدها ضررا، وهي موالاتهم الكافرين، واطراحهم ~~المؤمنين، ونبه على فساد ذلك؛ ليدعه من عسى أن يقع في ~~نوع منه من المؤمنين؛ غفلة، أو جهالة، أو مسامحة ثم ~~وقفهم سبحانه؛ على جهة التوبيخ، فقال: { أيبتغون عندهم ~~العزة }؛ والإستكثار، أي: ليس الأمر كذلك؛ فإن العزة لله ~~جميعا يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة ~~للمتقين، والعزة أصلها الشدة والقوة؛ ومنه: # وعزني في الخطاب # [ص:23] أي: غلبني بشدته. ### || [4.140] # وقوله سبحانه: { وقد نزل عليكم في الكتب... } الآية: ~~مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق؛ لأنه إذا أظهر ~~الإيمان، فقد لزمه امثتال أوامر كتاب الله تعالى، والإشارة بهذه ~~الآية إلى قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في ءايتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام:68] إلى نحو هذا من الآيات، والكتاب في هذا الموضع القرآن، ~~وفي الآية دليل قوي على وجوب تجنب ms0378 أهل البدع والمعاصي، ~~وألا يجالسوا، وقد قيل: [الطويل] # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن مقتد # وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ثم توعد سبحانه ~~المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم، فتأكد بذلك النهي عن ~~مجالستهم وخلطتهم. ### || [4.141-143] # وقوله تعالى: { الذين يتربصون بكم... } الآية: هذه صفة ~~المنافقين، و { يتربصون بكم }: معناه: ينتظرون دور ~~الدوائر عليكم، فإن كان فتح للمؤمنين، ادعوا فيه النصيب ~~بحكم ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافرين نيل من المؤمنين، ~~ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة الكفار، وهذا ~~حال المنافقين، و { نستحوذ }: معناه: نغلب على أمركم ~~ونحوطكم؛ ومنه: # استحوذ عليهم الشيطن # [المجادلة:19]، معناه: غلب على أمرهم، ثم سلى سبحانه المؤمنين، ~~وأنسهم بما وعدهم به في قوله: { فالله يحكم بينكم ~~يوم القيمة } ، أي: وبينهم، وينصفكم من جميعهم، وبقوله ~~تعالى: { ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين ~~سبيلا } ، أي: يوم القيامة؛ قاله علي (رضي الله عنه)؛ وعليه ~~جميع أهل التأويل، والسبيل (هنا): الحجة والغلبة. قلت: ~~إلا ابن العربي لم يرتض هذا التأويل، قال: وإنما معنى الآية ~~أحد ثلاثة وجوه: # الأول: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به ~~دولة المؤمنين، ويستبيح بيضتهم. # الثاني: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا إلا ~~أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتباعدوا عن ~~التوبة، فيكون تسليط العدو من قبلهم، وهذا نفيس ~~جدا. # الثالث: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع، ~~فإن وجد ذلك، فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا؛ بالاحتجاج ~~على أن الكافر لا يملك العبد المسلم. انتهى. # ومخادعة المنافقين: هي لأولياء الله، ففي الكلام حذف مضاف؛ ~~إذ لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله سبحانه. # وقوله تعالى: { وهو خادعهم }: عبارة عن عقوبتهم، سماها ~~باسم الذنب، وقال ابن جريج، والحسن، والسدي، وغيرهم من ~~المفسرين: إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه ~~الأمة يوم القيامة نورا لكل إنسان مؤمن، أو منافق، فيفرح ~~المنافقون، ويظنون؛ أنهم قد نجوا، فإذا جاءوا إلى الصراط، ~~طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون، ms0379 فذلك قول ~~المنافقين: # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد:13]، فذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين، ثم ذكر ~~سبحانه كسلهم في الصلاة، وتلك حال كل من يعمل كارها غير ~~معتقد فيه الصواب، بل تقية أو مصانعة. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا } ، روى الأئمة مالك وغيره، عن أنس؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، ~~تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا ~~اصفرت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان، قام ~~ينقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا " # قال ابن العربي: وقد بين تعالى صلاة المؤمنين بقوله: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خشعون # [المؤمنون:1، 2] ومن خشع خضع، واستمر، ولم ينقر صلاته، ~~ولم يستعجل. انتهى. # و { مذبذبين }: معناه: مضطربين لا يثبتون على حال، ~~والتذبذب: الاضطراب، فهؤلاء المنافقون مترددون بين ~~الكفار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ~~" # ، والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان. ### || [4.144-147] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~الكفرين أولياء من دون المؤمنين... } الآية: خطابه ~~سبحانه للمؤمنين يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون ~~المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله سبحانه: ~~{ أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ~~}؛ لأن هذا التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي ~~إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء ~~من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى: { من دون ~~المؤمنين } ، أي: والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن ~~هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين والمخلصين، بل المعنى: يأيها ~~الذين أظهروا الإيمان، والتزموا لوازمه، والسلطان: الحجة. # ثم أخبر تعالى عن المنافقين؛ أنهم في الدرك الأسفل من نار ~~جهنم؛ وذلك لأنهم أسرى غوائل من الكفار، وأشد تمكنا ~~من أذى المسلمين؛ قلت: وأيضا لأنهم شاهدوا من معجزات ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وما جعل الله على يديه من ~~الخوارق ما لم يشاهد غيرهم من الكفار، فكانت الحجة عليهم ~~أعظم، ms0380 وكان كفرهم محض عناد، وروي عن أبي هريرة، وابن مسعود، ~~وغيرهما؛ أنهم قالوا: المنافقون في الدرك الأسفل من النار، في ~~توابيت من النار تقفل عليهم، ثم استثنى عز وجل ~~التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب؛ أن يصلح في ~~قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي: يجعله منعته، ~~وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقوله: { ~~فأولئك مع المؤمنين } ، أي: في رحمة الله سبحانه، وفي ~~منازل الجنة، ثم وعد سبحانه المؤمنين الأجر العظيم، وهو ~~التخليد في الجنة. # وقال * ص *: { فأولئك }: خبره مضمر، والتقدير: فأولئك ~~مؤمنون مع المؤمنين؛ قاله أبو البقاء. انتهى. # ثم قال سبحانه للمنافقين: { ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم... } الآية: أي: أي منفعة له سبحانه في ذلك أو حاجة؟! ~~قال أبو عبد الله اللخمي: زعم الطبري؛ أن قوله تعالى: ~~{ ما يفعل الله بعذابكم }: خطاب للمنافقين، ولا يكاد ~~يقوم له على ذلك دليل يقطع به، وليس في ذكر المنافقين ~~قبله ما يقتضي أن يحمل عليهم خاصة، مع احتمال الآية ~~للعموم، فقطعه بأن الآية في المنافقين حكم لا يقوم به ~~دليل. انتهى، وهو حسن؛ إذ حمل الآية على العموم أحسن. # والعجب من * ع *: كيف تبع الطبري في هذا التخصيص، ويظهر ~~والله أعلم أنهما عولا في تخصيص الآية على قوله تعالى: { ~~وءامنتم } ، وهو محتمل أن يحمل في حق المنافقين على ظاهره، ~~وفي حق المؤمنين على معنى: «دمتم على إيمانكم»، والله أعلم. # والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترنا بالإيمان، لكنه ذكر ~~الإيمان تأكيدا وتنبيها على جلالة موقعه، ثم وعد سبحانه بقوله: { ~~وكان الله شكرا عليما }: أي يتقبل أقل شيء من ~~العمل، وينميه؛ فذلك شكر منه سبحانه لعباده، والشكور من ~~البهائم: الذي يأكل قليلا، ويظهر به بدنه، والعرب تقول في مثل: ~~«أشكر من بروقة»؛ لأنها يقال: تخضر وتتنضر بظل ~~السحاب دون مطر، وفي قوله: { عليما }: تحذير وندب إلى ~~الإخلاص. ### || [4.148-149] # وقوله تعالى: { لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم... } الآية: قراءة الجمهور بضم الظاء، ~~وقرىء شاذا بفتحها، واختلف على قراءة الجمهور، ms0381 فقالت فرقة: ~~المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ~~ظلم، فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية ~~الجهر بالسوء، وما هو المباح منه، فقال ابن عباس وغيره: لا بأس ~~لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له ~~بالسوء من القول، أي: بما يوازي الظلامة، وقال مجاهد وغيره: ~~نزلت في الضيف المحول رحله، فإنه رخص له أن يجهر ~~بالسوء من القول للذي لم يكرمه، يريد: بقدر الظلم، ~~والظلامة، وفي «صحيح البخاري»، عن أبي هريرة، قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ~~ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا ~~يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ~~فليقل خيرا أو ليصمت " # انتهى. # «وسميع عليم»: صفتان لائقتان بالجهر بالسوء، وبالظلم أيضا، فإنه ~~يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر سبحانه عذر المظلوم في أن يجهر ~~بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير، وإخفائه، والعفو عن ~~السوء، ثم وعد عليه سبحانه بقوله: { فإن الله كان ~~عفوا قديرا } وعدا خفيا تقتضيه البلاغة، ورغب سبحانه في ~~العفو؛ إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الإنتقام. # قال * ع *: ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها، ~~قال الداوودي: وعن ابن عمر؛ أنه قال: لا يحب الله سبحانه أن ~~يدعو أحد على أحد إلا أن يظلم، فقد رخص له في ذلك. انتهى. ### || [4.150-152] # وقوله تعالى: { إن الذين يكفرون بالله ورسله... } ~~إلى آخر الآية: نزلت في اليهود والنصارى، وقد تقدم بيان هذه ~~المعاني. # وقوله تعالى: { والذين ءامنوا بالله ورسله... } ~~الآية: لما ذكر سبحانه أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون ~~حقا، عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعا، وهم ~~المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ليصرح بوعد هؤلاء؛ كما صرح ~~بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين. ### || [4.153-154] # وقوله تعالى: { يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم ~~كتبا من السماء... } الآية: قال قتادة سألت اليهود ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بكتاب من عند ms0382 الله خاص ~~لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحوه عن ابن ~~جريج، وزاد: «إلى فلان، وإلى فلان أنك رسول الله»، ثم ~~قال سبحانه؛ على جهة التسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذلك } ، وفي الكلام محذوف يدل ~~عليه المذكور، تقديره: فلا تبال، يا محمد، من سؤالهم ~~وتشططهم؛ فإنها عادتهم، وجمهور المتأولين على أن { جهرة } ~~معمول ل { أرنا } ، أي: حتى نراه جهارا، أي: عيانا، وأهل ~~السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالا عقلا، لكنه محال ~~من جهة الشرع؛ إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا ~~يرى سبحانه في هذه الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المتواتر، وهي جائزة عقلا ~~من غير تحديد، ولا تكييف ولا تحيز؛ كما هو تعالى معلوم لا ~~كالمعلومات؛ كذلك هو مرئي، لا كالمرئيات سبحانه؛ هذه حجة أهل ~~السنة، وقولهم، وقد تقدم قصص القوم في «البقرة»، وظلمهم: هو ~~تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه. # وقوله تعالى: { ثم اتخذوا العجل }: «ثم»: للترتيب في ~~الأخبار، لا في نفس الأمر، التقدير؛ ثم قد كان من أمرهم أن ~~اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي ~~إلى المناجاة، ولم يكن الذين صعقوا ممن اتخذ العجل، لكن ~~الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات. # وقوله سبحانه: { فعفونا عن ذلك } ، يعني: بما امتحنهم به ~~من القتل لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم. ### || [4.155-157] # وقوله سبحانه: { فبما نقضهم }: «ما» زائدة مؤكدة، التقدير: ~~فبنقضهم، فالآية مخبرة عن أشياء واقعوها هي ضد ما أمروا به، ~~وحذف جواب هذا الكلام بليغ مبهم متروك مع ذهن السامع، ~~تقديره: لعناهم ونحوه، ثم قال سبحانه: { وبكفرهم }: أي: ~~بعيسى، و { قولهم على مريم بهتنا } ، هو رميهم ~~إياها بالزنا بعد رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد؛ و { ~~قولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم... } ~~الآية: هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيهما أقوال ~~بني إسرائيل، وأفعالهم؛ على اختلاف الأزمان، وتعاقب القرون؛ ~~فاجتمع من ms0383 ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فهذه الطائفة التي قالت: إنا قتلنا المسيح ~~غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا ~~العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله: { عيسى ابن ~~مريم }. # وقوله تعالى: { رسول الله } ، إنما هو إخبار من الله تعالى ~~بصفة لعيسى، وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين ~~بالقتل، ولزمهم الذنب، وهم لم يقتلوا عيسى؛ لأنهم صلبوا ذلك ~~الشخص؛ على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول ~~الله، فلزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى. # قال * ص *: و { عيسى }: بدل أو عطف بيان من { المسيح } ، و { ~~رسول الله } كذلك، ويجوز أن يكون صفة ل { عيسى } ، وأن ~~يكون نصبا على إضمار أعني. # قلت: وهذا الأخير أحسنها من جهة المعنى. انتهى. # ثم أخبر سبحانه أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى، وما صلبوه، ~~ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة، والذي لا ~~يشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ~~ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك ~~الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه ~~الحواريون يسيرون معه؛ حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات، ~~شعر بأمر عيسى، فروي أن رجلا من اليهود جعل له جعل، ~~فما زال ينقر عنه؛ حتى دل على مكانه، فلما أحس عيسى ~~وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم، دخلوا بيتا بمرأى من بني ~~إسرائيل، فروي أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي: ثمانية عشر، ~~وحصروا ليلا، فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك ~~الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه، فرفع عيسى، ~~وألقي شبهه على الرجل، فصلب ذلك الرجل، وروي أن ~~الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه، فصلب، وروي أن ~~عيسى عليه السلام لما أحيط بهم، قال لأصحابه: أيكم ~~يلقى عليه شبهي، فيقتل، ويخلص هؤلاء، وهو رفيقي ~~في الجنة، فقال سرجس: أنا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أن ~~شبه عيسى ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو ~~إسرائيل، نقصوا ms0384 واحدا من العدة، فأخذوا واحدا ممن عليه ~~الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرناها، فصلبوه، وروي أن ~~الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى، لما ~~رأوه من نقصان العدة، واختلاط الأمر. # وقوله تعالى: { وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك ~~منه... } الآية: يعني اختلاف المحاولين لأخذه؛ لأنهم حين فقدوا ~~واحدا من العدد، وتحدث برفع عيسى، اضطربوا، واختلفوا، لكن ~~أجمعوا على صلب واحد من غير ثقة، ولا يقين، أنه هو. # وقوله تعالى: { وما قتلوه يقينا } ، قال ابن عباس وجماعة: ~~المعنى: وما صح ظنهم عندهم، ولا تحققوه يقينا، فالضمير في ~~«قتلوه» عندهم عائد على الظن؛ كما تقول: ما قتلت هذا الأمر ~~علما، قلت: وعبارة السدي: «وما قتلوا أمره يقينا أن ~~الرجل هو عيسى». انتهى من «مختصر الطبري»، وقال قوم: الضمير ~~عائد على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة ~~واحدة، لا يقينا ولا شكا، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى، صار ~~قتله عندهم مشكوكا فيه، وقال قوم من أهل اللسان: الكلام تام ~~في قوله: { وما قتلوه } ، و { يقينا }: مصدر مؤكد للنفي في ~~قوله: { وما قتلوه } ، المعنى: نخبركم يقينا، أو نقص عليكم ~~يقينا، أو أيقنوا بذلك يقينا. # وقال * ص *: بعد كلام: والظاهر أن الضمير في { قتلوه } عائد ~~إلى عيسى لتتحد الضمائر، و { يقينا }: منصوب في موضع ~~الحال من فاعل { قتلوه }: أي: مستيقنين أنه عيسى، أو نعت ~~لمصدر محذوف، أي: قتلا يقينا. انتهى. ### || [4.158] # وقوله تعالى: { بل رفعه الله إليه }: يعني: إلى سمائه ~~وكرامته، وعيسى عليه السلام في السماء؛ على ما تضمنه ~~حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى، ذكره ~~البخاري في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مقيم؛ حتى ينزله ~~الله تعالى لقتل الدجال، وليملأ الأرض عدلا ويحيا ~~فيها أربعين سنة، ثم يموت، كما يموت البشر. ### || [4.159] # وقوله تعالى: { وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن ~~به قبل موته }: اختلف في معنى الآية: # فقال ابن عباس وغيره: الضمير في { موته } راجع إلى عيسى، ~~والمعنى: أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد، إذا ms0385 نزل عيسى ~~إلى الأرض، إلا يؤمن بعيسى؛ كما يؤمن سائر البشر، وترجع ~~الأديان كلها واحدا، يعني: يرجعون على دين نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم؛ إذ عيسى واحد من أمته وعلى شريعته، وأئمتنا ~~منا كما ورد في الحديث الصحيح. # وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما: الضمير في { به } لعيسى، ~~وفي { موته } للكتابي، لكن عند المعاينة للموت فهو إيمان لا ~~ينفعه، وقال عكرمة: الضمير في { به } لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم و { قبل موته } للكتابي قال: وليس يخرج يهودي ولا ~~نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو غرق ~~أو سقط عليه جدار، فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف ~~أبي بن كعب: «قبل موتهم»، ففي هذه القراءة تقوية لعود ~~الضمير على الكتابي. # قال * ص *: { وإن من أهل الكتب... } الآية: «إن»: هنا ~~نافية، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه، أي: وما أحد من ~~أهل الكتاب؛ كما حذف في قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم:71] وقوله تعالى: # وما منا إلا له مقام معلوم # [الصافات:164] أي: وما أحد منا، وما أحد منكم، قال الشيخ أبو ~~حيان: { ليؤمنن به }: جواب قسم محذوف، والقسم ~~وجوابه هو الخبر، وكذلك أيضا { إلا له مقام } و { إلا ~~واردها } ، هما الخبر، قال الزجاج: وحذف «أحد» مطلوب في ~~كل نفي يدخله الإستثناء؛ نحو: ما قام إلا زيد، أي: ما ~~قام أحد إلا زيد. انتهى. ### || [4.160-162] # وقوله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبت أحلت لهم... } الآية: { فبظلم }: ~~معطوف على قوله سبحانه: # فبما نقضهم # [النساء:155] والطيبات هنا: هي الشحوم، وبعض الذبائح، ~~والطير والحوت، وغير ذلك، وقرأ ابن عباس: «طيبات كانت ~~أحلت لهم». # { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا }: يحتمل أن يريد ~~صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، { وأخذهم ~~الربا } ، هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل، ونحو ذلك مما هو ~~مفسدة، وقد نهوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسخين في العلم ~~منهم؛ كعبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى ~~مجراهم. # واختلف الناس في قوله سبحانه: { والمقيمين } ، وكيف ms0386 خالف ~~إعرابها إعراب ما تقدم وما تأخر. # فقال بعض نحاة البصرة والكوفة: إنما هذا من قطع النعوت، إذا ~~كثرت على النصب ب «أعني» والرفع بعد ذلك ب «هم»؛ وقال قوم: ~~{ والمقيمين }: عطف على «ما» في قوله: { وما أنزل من ~~قبلك } ، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وهم الملائكة، ~~أو من تقدم من الأنبياء، وقال قوم: { والمقيمين }: عطف على ~~الضمير في منهم، وقال آخرون: بل على الكاف في قوله: { من ~~قبلك }. # وزاد ص: { والمقيمين } منصوب على المدح، قال: وقرأ جماعة: ~~«والمقيمون» انتهى. ### || [4.163-164] # وقوله تعالى: { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده... } الآية: سبب نزولها قول بعض ~~أحبار يهود: # ما أنزل الله على بشر من شيء... # [الأنعام:91] فأنزل الله سبحانه الآية؛ تكذيبا لهم. # قال * ع *: إسماعيل هو الذبيح؛ في قول المحققين، والوحي: إلقاء ~~المعنى في خفاء، وعرفه في الأنبياء بوساطة جبريل عليه ~~السلام ، وكلم الله سبحانه موسى بكلام دون تكييف، ولا ~~تحديد، ولا حرف، ولا صوت، والذي عليه الراسخون في العلم؛ أن ~~الكلام هو المعنى القائم في النفس، ويخلق الله لموسى إدراكا ~~من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن الله تعالى موجود ~~لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات؛ فكذلك كلامه لا كالكلام. ### || [4.165] # وقوله سبحانه: { رسلا مبشرين ومنذرين... } الآية: ~~رسلا: بدل من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرسل احتجاج من ~~يقول: لو بعث إلي رسولا، لآمنت، والله سبحانه «عزيز»؛ لا ~~يغالبه شيء، ولا حجة لأحد عليه، حكيم في أفعاله، فقطع ~~الحجة بالرسل؛ حكمة منه سبحانه. ### || [4.166-169] # وقوله تعالى: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك... } ~~الآية: سببها قول اليهود: # ما أنزل الله على بشر من شيء # [الأنعام:91]. # وقال * ص *: «لكن»: استدراك، ولا يبتدأ بها، فيتعين تقدير جملة ~~قبلها يبينها سبب النزول، وهو أنه لما نزل: # إنا أوحينا إليك # [النساء:163]، قالوا: ما نشهد لك بهذا؛ فنزل: { لكن الله ~~يشهد }. انتهى. # وقوله تعالى: { أنزله بعلمه } ، هذه الآية من أقوى ~~متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله عز وجل؛ خلافا ~~للمعتزلة في أنهم يقولون: ms0387 عالم بلا علم، والمعنى عند أهل ~~السنة: أنزله، وهو يعلم إنزاله ونزوله. # وقوله سبحانه: { والملئكة يشهدون }: تقوية لأمر نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ورد على اليهود. # وقوله تعالى: { وكفى بالله شهيدا } ، تقديره: وكفى الله ~~شهيدا، لكنه دخلت الباء؛ لتدل على أن المراد اكتفوا ~~بالله، وباقي الآية بين. ### || [4.170-173] # وقوله تعالى: { يأيها الناس قد جاءكم الرسول ~~بالحق من ربكم... } الآية: خطاب لجميع الناس، وهي دعاء ~~إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام، ونحو هذا، لكانت: ~~«يا أيها الذين آمنوا»، والرسول في الآية: نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال سبحانه: { وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السموات والأرض } ، وهذا خبر بالاستغناء، وأن ضرر ~~الكفر إنما هو نازل بهم، ثم خاطب سبحانه أهل الكتاب من ~~النصارى، وهو أن يدعوا الغلو، وهو تجاوز الحد. # وقوله: { في دينكم }: معناه: في دين الله الذي أنتم ~~مطلوبون به؛ بأن توحدوا الله، ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، وعن عبادة بن ~~الصامت (رضي الله عنه)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى ~~عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، ~~وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق ~~أدخله الله الجنة على ما كان من عمل " # رواه مسلم، والبخاري والنسائي، وفي مسلم: # " أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية ~~شاء " # انتهى. # وقوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله }؛ أي: الذين من ~~جملتهم: عيسى، ومحمد عليهما السلام . # وقوله تعالى: { إنما الله إله وحد }: «إنما»؛ في هذه ~~الآية: حاصرة، و { سبحنه }: معناه: تنزيها له، وتعظيما، ~~والاستنكاف إباءة بأنفة. # قال * ع *: وقوله سبحانه: { ولا الملئكة المقربون }: ~~زيادة في الحجة، وتقريب من الأذهان، أي: وهؤلاء الذين هم في ~~أعلى درجات المخلوقين لا يستنكفون عن ذلك، فكيف ~~بسواهم، وفي هذه الآية دليل على تفضيل الملائكة على الأنبياء. # وقوله سبحانه: { فسيحشرهم }: عبارة وعيد. # قال * ع *: وهذا الاستنكاف إنما يكون من ms0388 الكفار عن اتباع ~~الأنبياء، وما جرى مجراه. ### || [4.174] # وقوله تعالى: { يأيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم... } الآية: إشارة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والبرهان: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، ~~والنور المبين: يعني القرآن؛ لأن فيه بيان كل شيء، وفي ~~«صحيح مسلم»، عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما فينا خطيبا، فحمد الله تعالى، ~~وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: # " أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر ~~مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي، فأجيب، وأنا ~~تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله؛ فيه ~~الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا " # ، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال: # " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ~~أذكركم الله؛ ثلاثا في أهل بيتي... " # الحديث، وفي رواية: # " كتاب الله؛ فيه الهدى والنور من استمسك به، ~~وأخذ به، كان على الهدى، ومن أخطأه، ضل " # ، وفي رواية: # " ألا وإني تارك فيكم ثقلين:أحدهما: كتاب ~~الله، وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ~~ومن تركه كان على ضلالة " # انتهى. ### || [4.175] # وقوله سبحانه: { فأما الذين ءامنوا بالله ~~واعتصموا به }: أي: اعتصموا بالله، ويحتمل: اعتصموا بالقرآن؛ ~~كما قال عليه السلام : # " القرآن حبل الله المتين؛ من تمسك به عصم " # ، والرحمة والفضل: الجنة ونعيمها، و { يهديهم }: معناه: إلى ~~الفضل، وهذه هداية طريق الجنان؛ كما قال تعالى: # سيهديهم ويصلح بالهم... # [محمد:5] الآية؛ لأن هداية الإرشاد قد تقدمت، وتحصلت حين ~~آمنوا بالله واعتصموا بكتابه، فيهديهم هنا بمعنى: يعرفهم، ~~وباقي الآية بين. ### || [4.176] # وقوله تعالى: { يستفتونك قل الله يفتيكم فى ~~الكللة } ، قد تقدم القول في تفسير «الكلالة» في صدر ~~السورة، وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطاب (رضي الله ~~عنه) مشكلا، والله أعلم، ما الذي أشكل عليه منها، وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم له: # " تكفيك منها آية الصيف " # التي نزلت في آخر سورة «النساء» بيان فيه كفاية، قال كثير ~~من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نزل. # وقوله سبحانه: { يبين الله لكم ms0389 أن تضلوا }: التقدير: ~~لئلا تضلوا، { والله بكل شيء عليم } ، سبحانه، وصلى ~~الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أوفوا ~~بالعقود... } الآية عامة في الوفاء بالعقود، وهي الربوط في ~~القول، كل ذلك في تعاهد على بر أو في عقدة نكاح، أو ~~بيع، أو غيره، فمعنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على ~~عقد جار على رسم الشريعة، وفسر بعض الناس لفظ «العقود» ~~بالعهود، وقال ابن شهاب: قرأت كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى ~~نجران، وفي صدره: «هذا بيان من الله ورسوله: { ~~يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ، فكتب ~~الآيات إلى قوله: # إن الله سريع الحساب # [المائدة:4]. # قال * ع *: وأصوب ما يقال في هذه الآية: أن تعمم ألفاظها بغاية ما ~~تتناول، فيعمم لفظ المؤمنين في مؤمني أهل الكتاب، وفي ~~كل مظهر للإيمان، وإن لم يبطنه، وفي المؤمنين حقيقة، ويعمم ~~لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع. # وقوله تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } اختلف في معنى ~~{ بهيمة الأنعام }. # فقال قتادة وغيره: هي الأنعام كلها. # * ع *: كأنه قال: أحلت لكم الأنعام. وقال الطبري: قال قوم: ~~بهيمة الأنعام: وحشها، وهذا قول حسن؛ وذلك أن الأنعام هي ~~الثمانية الأزواج، وانضاف إليها من سائر الحيوان ما يقال ~~له: أنعام بمجموعه معها، والبهيمة في كلام العرب: ما أبهم من جهة ~~نقص النطق والفهم. # وقوله: { إلا ما يتلى عليكم }: استثناء ما تلي في قوله ~~تعالى: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة:3] «وما» في موضع نصب؛ على أصل الاستثناء. # وقوله سبحانه: { غير محلي الصيد... } نصب «غير»؛ على ~~الحال من الكاف والميم في قوله: { أحلت لكم } ، وهو استثناء ~~بعد استثناء. # قال * ص *: وهذا هو قول الجمهور، واعترض بأنه يلزم منه تقييد ~~الحلية بحالة كونهم غير محلين الصيد، وهم حرم، ~~والحلية ثابتة مطلقا. # قال * ص *: والجواب عندي عن هذا؛ أن المفهوم هنا متروك؛ لدليل ~~خارجي، وكثير في القرآن وغيره من المفهومات المتروكة ~~لمعارض، ثم ms0390 ذكر ما نقله أبو حيان من الوجوه التي لم ~~يرتضها. # * م *: وما فيها من التكلف، ثم قال: ولا شك أن ما ذكره الجمهور ~~من أن «غير»: حال، وإن لزم عنه الترك بالمفهوم، فهو أولى من ~~تخريج تنبو عنه الفهوم. انتهى. # وقوله سبحانه: { إن الله يحكم ما يريد }: تقوية لهذه ~~الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام الجاهلية، أي: فأنت ~~أيها السامع لنسخ تلك التي عهدت، تنبه، فإن الله ~~الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه سبحانه. # قال * ع *: وهذه الآية مما تلوح فصاحتها، وكثرة معانيها على ~~قلة ألفاظها لكل ذي بصر بالكلام، ولمن عنده أدنى إبصار، ~~وقد حكى النقاش؛ أن أصحاب الكندي قالوا للكندي: ~~أيها الحكيم، اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم، أعمل لكم ~~مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج، فقال: والله، ما ~~أقدر عليه، ولا يطيق هذا أحد؛ إني فتحت المصحف، فخرجت ~~سورة المائدة، فنظرت، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن ~~النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم ~~أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أحد أن يأتي ~~بهذا إلا في أجلاد. ### || [5.2] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا ~~شعائر الله }: خطاب للمؤمنين حقا؛ ألا يتعدوا حدود ~~الله في أمر من الأمور، قال عطاء بن أبي رباح: شعائر الله ~~جميع ما أمر به سبحانه، أو نهى عنه، وهذا قول راجح، ~~فالشعائر: جمع شعيرة، أي: قد أشعر الله أنها حده ~~وطاعته، فهي بمعنى معالم الله. # وقوله تعالى: { ولا الشهر الحرام }: أي: لا تحلوه بقتال ~~ولا غارة، والأظهر أن الشهر الحرام أريد به رجب؛ ليشتد ~~أمره، وهو شهر كان تحريمه مختصا بقريش، وكانت تعظمه، ~~ويحتمل أنه أريد به الجنس في جميع الأشهر الحرم. # وقوله سبحانه: { ولا الهدي }: أي: لا يستحل ولا يغار عليه، ~~ثم ذكر المقلد منه تأكيدا ومبالغة في التنبيه على الحرمة ~~في التقليد، هذا معنى كلام ابن عباس. # وقال الجمهور: الهدي عام في أنواع ما يهدى قربة، ~~والقلائد: ما كان ms0391 الناس يتقلدونه من لحاء السمر وغيره؛ ~~أمنة لهم. # وقال * ص *: { ولا القلئد }: أي: ولا ذوات القلائد، وقيل: ~~بل المراد القلائد نفسها؛ مبالغة في النهي عن التعرض للهدي. ~~انتهى. # وقوله تعالى: { ولا ءامين البيت الحرام }: أي: ~~قاصدينه من الكفار؛ المعنى: لا تحلوهم، فتغيرون عليهم، ~~وهذا منسوخ ب «آية السيف»؛ بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5] فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج، فهو ~~محكم، وكل ما كان منها في الكفار، فهو منسوخ. # وقوله سبحانه: { يبتغون فضلا من ربهم ورضونا } ، قال ~~فيه جمهور المفسرين: معناه: يبتغون الفضل من الأرباح في ~~التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وهذه ~~الآية نزلت عام الفتح، وفيها استئلاف من الله سبحانه ~~للعرب، ولطف بهم؛ لتنبسط النفوس؛ بتداخل الناس، ~~ويردون الموسم، فيسمعون القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم، ~~وتقوم عليهم الحجة؛ كالذي كان، ثم نسخ الله ذلك كله بعد ~~عام في سنة تسع؛ إذ حج أبو بكر (رضي الله عنه)، ونودي ~~في الناس بسورة «براءة». # وقوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطدوا }: مجيء إباحة ~~الصيد عقب التشديد فيه حسن في فصاحة القول. # وقوله سبحانه: { فاصطدوا }: أمر، ومعناه الإباحة؛ بإجماع. # وقوله تعالى: { ولا يجرمنكم }: معناه: لا يكسبنكم، ~~وجرم الرجل: معناه: كسب، وقال ابن عباس: معناه: لا ~~يحملنكم، والمعنى: متقارب، والتفسير الذي يخص اللفظة هو ~~معنى الكسب. # وقوله تعالى: { شنآن قوم }: الشنآن: هو البغض، فأما من ~~قرأ شنآن بفتح النون ، فالأظهر فيه أنه مصدر؛ كأنه قال: ~~لا يكسبنكم بغض قوم من أجل أن صدوكم عدوانا عليهم ~~وظلما لهم، وهذه الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، حين أراد ~~المسلمون أن يستطيلوا على قريش، وألفافها المتظاهرين ~~على صد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه عام ~~الحديبية، وذلك سنة ست من الهجرة، فحصلت بذلك بغضة في ~~قلوب المؤمنين، وحيكة للكفار، فنهي المؤمنون عن مكافأتهم، وإذ ~~لله فيهم إرادة خير، وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي ~~كان. # وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «إن صدوكم»، ومعناه: إن وقع ~~مثل ذلك ms0392 في المستقبل، وقراءة الجمهور أمكن. # ثم أمر سبحانه الجميع بالتعاون على البر والتقوى، قال قوم: ~~هما لفظان بمعنى، وفي هذا تسامح، والعرف في دلالة هذين؛ ~~أن البر يتناول الواجب والمندوب، والتقوى: رعاية ~~الواجب، فإن جعل أحدهما بدل الآخر، فبتجوز. # قلت: قال أحمد بن نصر الداوودي: قال ابن عباس: البر ما ~~أمرت به، والتقوى ما نهيت عنه. انتهى، وقد ذكرنا في غير هذا ~~الموضع؛ أن لفظ التقوى يطلق على معان، وقد بيناها في آخر ~~«سورة النور»، وفي الحديث الصحيح: # " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ~~" # ، قال ابن الفاكهاني، عند شرحه لهذا الحديث: وقد روينا في ~~بعض الأحاديث: # " من سعى في حاجة أخيه المسلم، قضيت له أو لم ~~تقض غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ~~وكتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من ~~النفاق " # ، انتهى من «شرح الأربعين» حديثا. # ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم والعدوان، ثم أمر ~~بالتقوى، وتوعد توعدا مجملا، قال النووي: وعن وابصة بن ~~معبد: # " أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: جئت تسأل ~~عن البر والإثم؟ قال: نعم، فقال: استفت قلبك؛ ~~البر: ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه ~~القلب، والإثم: ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، ~~وإن أفتاك الناس وأفتوك " # حديث حسن رويناه في مسند أحمد، يعني: ابن حنبل، ~~والدارمي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم»، عن النواس بن سمعان، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس " # انتهى. ### || [5.3] # وقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة والدم... } ~~الآية: تعديد لما يتلى على الأمة مما استثني من بهيمة ~~الأنعام، { والدم }: معناه: المسفوح، { ولحم الخنزير ~~}: مقتض لشحمه؛ بإجماع، { وما أهل لغير الله به }: ~~قد تقدم، { والمنخنقة }: معناه: التي تموت خنقا، { ~~والموقوذة }: التي ترمى أو تضرب بعصا، وشبهها، { ~~والمتردية }: هي التي تتردى من علو إلى سفل، ~~فتموت، { والنطيحة }: فعيلة بمعنى مفعولة، { وما ~~أكل السبع }: يريد كل ما افترسه ذو ناب، وأظفار من ~~الحيوان، ms0393 وكانت العرب تأكل هذه المذكورات، ولم تعتقد ميتة ~~إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك. # واختلف العلماء في قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم } ، فقال ~~ابن عباس، وجمهور العلماء: الاستثناء من هذه المذكورات، فما ~~أدرك منها يطرف بعين أو يحرك ذنبا، وبالجملة: ~~ما يتحقق أنه لم تفض نفسه، بل له حياة، فإنه يذكى على ~~سنة الذكاة، ويؤكل، وما فاضت نفسه، فهو الميتة، وقال ~~مالك مرة بهذا القول، وقال أيضا، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه ~~من أهل المدينة: إن قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم }: ~~معناه: من هذه المذكورات في وقت تصح فيه ذكاتها، وهو ما لم ~~تنفذ مقاتلها، ويتحقق أنها لا تعيش، ومتى صارت في هذا الحد، ~~فهي في حكم الميتة، فالاستثناء عند مالك متصل؛ كقول الجمهور، ~~لكنه يخالف في الحال التي يصح فيها ذكاة هذه المذكورات ~~واحتج لمالك؛ بأن هذه المذكورات لو كانت لا تحرم إلا ~~بموتها، لكان ذكر الميتة أولا يغني عنها، ومن حجة ~~المخالف أن قال: إنما ذكرت بسبب أن العرب كانت تعتقد أن ~~هذه الحوادث كالذكاة، فلو لم يذكر لها غير الميتة، لظنت ~~أنها ميتة الوجع؛ حسبما كانت عليه، والذكاة في كلام العرب: ~~الذبح. # وقوله سبحانه: { وما ذبح على النصب }: عطف على المحرمات ~~المذكورة، والنصب: حجارة تنصب، يذبحون عليها، قال ابن ~~جريج: وليست النصب بأصنام؛ فإن الصنم يصور وينقش، ~~وهذه حجارة تنصب، وكانت العرب تعبدها، قال ابن زيد: ما ~~ذبح على النصب وما أهل لغير الله به: شيء ~~واحد. # قال * ع *: ما ذبح على النصب جزء مما أهل به لغير الله، ~~لكن خص بالذكر بعد جنسه؛ لشهرة أمره. # وقوله سبحانه: { وأن تستقسموا بالأزلام }: حرم سبحانه ~~طلب القسم، وهو النصيب، أو القسم بفتح القاف، وهو ~~المصدر؛ بالأزلام، وهي سهام، قال صاحب «سلاح المؤمن»: والاستقسام: ~~هو الضرب بها؛ لإخراج ما قسم لهم، وتمييزه بزعمهم. ~~انتهى، وأزلام العرب على أنواع؛ منها الثلاثة التي كان ~~يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها «افعل»، وعلى الآخر «لا ~~تفعل»، وثالث مهمل؛ لا شيء عليه، فيجعلها في ms0394 خريطة معه، فإذا ~~أراد فعل شيء أدخل يده، وهي متشابهة فأخرج أحدها، وأتمر ~~له، وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء ~~فيه، أعاد الضرب. # وقوله سبحانه: { ذلكم فسق }: إشارة إلى الاستقسام بالأزلام. # وقوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم }: ~~معناه؛ عند ابن عباس وغيره: من أن ترجعوا إلى دينهم، وظاهر أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه، وظهور الدين يقتضي أن ~~يأس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ ~~زمان، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام، وفساد ~~جمعه؛ لأن هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار؛ ألا ترى ~~إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حتى ~~انكشف المسلمون، وظنها هزيمة: «ألا بطل السحر ~~اليوم»، إلى غير هذا من الأمثلة، وهذه الآية في قول ~~الجمهور؛ عمر بن الخطاب وغيره: نزلت في عشية يوم ~~عرفة يوم الجمعة، وفي ذلك اليوم امحى أمر الشرك ~~من مشاعر الحج، ولم يحضر من المشركين الموسم بشر، ~~فيحتمل قوله تعالى: { اليوم }: أن تكون إشارة إلى اليوم بعينه، ~~ويحتمل أن تكون إشارة إلى الزمن والوقت، أي: هذا الأوان ~~يئس الكفار من دينكم. # وقوله: { الذين كفروا }: يعم سائر الكفار من العرب وغيرهم؛ ~~وهذا يقوي أن اليأس إنما هو من انحلال أمر الإسلام، وأمر ~~سبحانه بخشيته التي هي رأس كل عبادة؛ كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ومفتاح كل خير " # وقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم }: تحتمل ~~الإشارة ب «اليوم» ما قد ذكرناه، حكى الطبري؛ أن النبي ~~عليه السلام لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ~~ليلة، والظاهر أنه عاش صلى الله عليه وسلم أكثر بأيام يسيرة، قلت: ~~وفي سماع ابن القاسم، قال مالك: بلغني أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال في اليوم الذي توفي فيه، وقف على ~~بابه، فقال: # " إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا ~~أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت ~~رسول الله، ويا ms0395 صفية عمة رسول الله، اعملا ~~لما عند الله؛ فإني لا أغني عنكما من الله ~~شيئا " # ، قال ابن رشد: هذا حديث يدل على صحته قول الله عز ~~وجل: # ما فرطنا في الكتب من شيء # [الأنعام:38]، وقال تعالى: # تبيانا لكل شيء # [النحل:89]، فالمعنى في ذلك: أن الله عز وجل نص على بعض ~~الأحكام، وأجمل القول في بعضها، وأحال على الأدلة في ~~سائرها بقوله: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء:83] فبين النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمله الله في ~~كتابه؛ كما أمره؛ حيث يقول: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل:44] فما أحل صلى الله عليه وسلم، أو حرم، ولم يوجد في ~~القرآن نصا، فهو مما بين من مجمل القرآن، أو علمه بما ~~نصب من الأدلة فيه، فهذا معنى الحديث، والله أعلم، فما ~~ينطق صلى الله عليه وسلم عن الهوى؛ إن هو إلا وحي يوحى. # انتهى من «البيان والتحصيل». # وفي «الصحيح»؛ «أن عمر ابن الخطاب، قال له يهودي: آية ~~في كتابكم تقرأونها، لو علينا نزلت، لاتخذنا ذلك ~~اليوم عيدا، فقال له عمر: أي آية هي؟ فقال: { اليوم ~~أكملت لكم دينكم } ، فقال له عمر: قد علمنا ذلك ~~اليوم؛ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~واقف بعرفة يوم الجمعة». # قال * ع *: ففي ذلك اليوم عيدان للإسلام، إلى يوم القيامة، ~~وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام، ونور العقائد، وكمال الدين، ~~وسعة الأحوال، وغير ذلك مما اشتملت عليه هذه الملة ~~الحنيفية إلى دخول الجنة، والخلود في رحمة الله سبحانه، ~~جعلنا الله ممن شملته هذه النعمة. # وقوله سبحانه: { ورضيت لكم الإسلام دينا }: يحتمل الرضا ~~في هذا الموضع؛ أن يكون بمعنى الإرادة، ويحتمل أن يكون صفة فعل ~~عبارة عن إظهار الله إياه؛ لأن الرضا من الصفات المترددة ~~بين صفات الذات وصفات الأفعال، والله تعالى قد أراد لنا ~~الإسلام، ورضيه لنا، وثم أشياء يريد الله وقوعها ولا ~~يرضاها. # وقوله سبحانه: { فمن اضطر في مخمصة } ، يعني: من ~~دعته ضرورة إلى أكل ms0396 الميتة، وسائر تلك المحرمات، وسئل ~~صلى الله عليه وسلم، متى تحل الميتة للناس؟ فقال: # " إذا لم يصطبحوا، ولم يغتبقوا، ولم يحتفئوا ~~بقلا " # والمخمصة: المجاعة التي تخمص فيها البطون، أي: تضمر. # وقوله سبحانه: { غير متجانف لإثم } هو بمعنى: # غير باغ ولا عاد # [البقرة:173] وقد تقدم تفسيره. # قال * ص *: متجانف: أي: مائل منحرف.انتهى، وقد تقدم في «البقرة». ### || [5.4] # وقوله تعالى: { يسألونك ماذا أحل لهم }: سبب نزولها ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب. سأله عاصم ~~بن عدي وغيره، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب. # قال * ع *: وظاهر الآية أن سائلا سأل عما يحل للناس من ~~المطاعم؛ لأن قوله تعالى: { قل أحل لكم الطيبت ~~} ليس بجواب عما يحل للناس اتخاذه من الكلاب إلا أن يكون ~~من باب إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وهو موجود كثيرا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والطيب: الحلال. # وقوله سبحانه: { وما علمتم }: أي: وصيد ما علمتم، قال ~~الضحاك وغيره: { وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~}: هي الكلاب خاصة. # قال العراقي في «مكلبين»: أصحاب أكلب لها معلمين. انتهى، ~~وأعلى مراتب التعليم، أن يشلى الحيوان فينشلي، ~~ويدعى فيجيب، ويزجر بعد ظفره بالصيد، فينزجر، ~~وجوارح: جمع جارح، أي: كاسب، يقال: جرح فلان، واجترح؛ إذا ~~اكتسب؛ ومنه قوله تعالى: # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام:60]، أي: ما كسبتم من حسنة وسيئة. # قال * ع *: وقرأ جمهور الناس: { وما علمتم } بفتح العين ~~واللام ، وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية: «علمتم» ~~ بضم العين وكسر اللام : أي: من أمر الجوارح، والصيد بها، ~~وقرأ جمهور الناس: «مكلبين» بفتح الكاف وشد اللام ، ~~والمكلب: معلم الكلاب، ومضريها، ويقال لمن يعلم غير ~~كلب: مكلب؛ لأنه يرد ذلك الحيوان كالكلب. # وقوله سبحانه: { تعلمونهن مما علمكم الله }: أي: ~~تعلمونهن الحيلة في الاصطياد، والتأتي لتحصيل الحيوان، وهذا ~~جزء مما علمه الإنسان، ف «من»: للتبعيض. # وقوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم }: يحتمل: ~~مما أمسكن، فلم يأكلن منه شيئا، ويحتمل: مما أمسكن، وإن ~~أكلن منه، وبحسب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل ms0397 الصيد، ~~إذا أكل منه الجارح. # وقوله سبحانه: { واذكروا اسم الله عليه }: أمر بالتسمية ~~عند الإرسال، وذهب مالك وجمهور العلماء؛ أن التسمية واجبة، مع ~~الذكر، ساقطة مع النسيان، فمن تركها عامدا، فقد أفسد ~~الذبيحة والصيد، ومن تركها ناسيا، سمى عند الأكل، وكانت ~~الذبيحة جائزة، وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد. # ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجملة، والإشارة إلى ما تضمنته هذه ~~الآيات من الأوامر والنواهي، وفي قوله: { إن الله سريع ~~الحساب }: وعيد وتحذير. ### || [5.5] # وقوله سبحانه: { اليوم أحل لكم الطيبت }: إشارة إلى ~~الزمن والأوان، والخطاب للمؤمنين. # وقوله سبحانه: { وطعام الذين أوتوا الكتب حل ~~لكم }: الطعام في هذه الآية: الذبائح؛ كذا قال أهل التفسير. # واختلفوا في لفظة { طعام }. # فقال الجمهور: هي الذبيحة كلها، وقالت جماعة: إنما أحل لنا طعامهم ~~من الذبيحة، أي: الحلال لهم منها لا ما لا يحل لهم؛ كالطريف، ~~والشحوم المحضة. # واختلف في لفظة { أوتوا الكتب }. # فقالت طائفة: إنما أحل لنا ذبائح الصرحاء منهم، لا من كان ~~دخيلا في هذين الدينين، وقال جمهور الأمة؛ ابن عباس، ~~والحسن، ومالك، وغيرهم: إن ذبيحة كل نصراني حلال، كان من ~~بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهود، وتأولوا قول الله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة:51]. # وقوله سبحانه: { وطعامكم حل لهم }: أي: ذبائحكم، فهذه ~~رخصة للمسلمين، لا لأهل الكتاب، لما كان الأمر يقتضي أن ~~شيئا قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم، ~~رخص الله تعالى لنا في ذلك؛ دفعا للمشقة بحسب التجاور. # وقوله سبحانه: { والمحصنت }: عطف على الطعام المحلل، ~~ذهب جماعة منهم مالك إلى أن المحصنات في هذه الآية الحرائر، فمنعوا ~~نكاح الأمة الكتابية، وذهب جماعة إلى أنهن العفائف، ~~فأجازوا نكاح الأمة الكتابية، والأجور في الآية: المهور، ~~وانتزع بعض العلماء من لفظ: { ءاتيتموهن }؛ أنه لا ~~ينبغي أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من المهر ما ~~يستحلها به، و { محصنين }: معناه: متزوجين على السنة. # وقوله سبحانه: { ومن يكفر بالإيمن }: أي: بالأمور التي ~~يجب الإيمان بها، وباقي الآية بين. ### || [5.6] # وقوله ms0398 تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى ~~الصلوة فاغسلوا وجوهكم... } الآية: قال ابن العربي: ~~في «أحكامه»: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية مدنية؛ ~~كما أنه لا خلاف أن الوضوء كان معقولا قبل نزولها غير ~~متلو؛ ولذلك قال علماؤنا: إن الوضوء كان بمكة سنة، ~~ومعناه: كان مفعولا بالسنة، وقوله: { إذا قمتم }: معناه: إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة. انتهى. # قال زيد بن أسلم والسدي: معنى الآية: إذا قمتم من ~~المضاجع، يعني النوم، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث ~~بالذكر، وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، تقديره: يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من ~~الغائط، أو لامستم النساء، يعني: الملامسة الصغرى فاغسلوا، ~~وهنا تمت أحكام الحدث الأصغر، ثم قال: { وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا } ، فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعا: ~~{ وإن كنتم مرضى أو على سفر...... فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ، وقال بهذا التأويل محمد ~~بن مسلمة من أصحاب مالك وغيره. # وقال جمهور أهل العلم: معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة ~~محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير، بل ترتب في ~~الآية حكم واجد الماء إلى قوله: { فاطهروا } ، ودخلت ~~الملامسة الصغرى في قولنا: «محدثين»، ثم ذكر بعد ذلك بقوله: { ~~وإن كنتم مرضى... } إلى آخر الآية حكم عادم الماء من ~~النوعين جميعا، وكانت الملامسة هي الجماع. # وقال * ص *: { إذا قمتم } أي: إذا أردتم، وعبر بالقيام عن ~~إرادته؛ لأنه مسبب عنها. انتهى. # ومن أحسن الأحاديث وأصحها في فضل الطهارة والصلاة: ما رواه ~~مالك في «الموطإ»، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ~~ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء عند المكاره، ~~وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم ~~الرباط " # قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث من أحسن ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال. ms0399 # قال صاحب «كتاب العين»: الرباط: ملازمة الثغور، قال: ~~والرباط مواظبة الصلاة أيضا انتهى. # والغسل، في اللغة: إيجاد الماء في المغسول، مع إمرار شيء ~~عليه كاليد، والوجه ما واجه الناظر وقابله، والناس كلهم ~~على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن ابن ~~عمر؛ أنه كان ينضح الماء في عينيه. واليد لغة تقع على ~~العضو من المنكب إلى أطراف الأصابع، وحد الله سبحانه ~~موضع الغسل منه؛ بقوله: { إلى المرافق }. # واختلف العلماء، هل تدخل المرافق في الغسل أم لا، وتحرير ~~العبارة في هذا المعنى: أن يقال: إذا كان ما بعد إلى ليس مما ~~قبلها، فالحد أول المذكور بعدها، وإذا كان ما بعدها من ~~جملة ما قبلها، فالاحتياط يعطي أن الحد آخر المذكور ~~بعدها؛ ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل، والروايتان عن ~~مالك، قال ابن العربي في «أحكامه»، وقد روى الدارقطني وغيره ~~عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما ~~توضأ أدار الماء على مرفقيه. # انتهى. # واختلف في رد اليدين في مسح الرأس، هل هو فرض أو سنة، ~~بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض، فالجمهور على ~~أنه سنة. # وقيل: هو فرض، والإجماع على استحسان مسح الرأس باليدين ~~جميعا، وعلى الإجزاء بواحدة، واختلف فيمن مسح بأصبع ~~واحدة، والمشهور الإجزاء؛ ويترجح عدم الإجزاء؛ لأنه خروج عن ~~سنة المسح، وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرر مرض ~~ونحوه، فينبغي ألا يختلف في الإجزاء. # والباء في قوله تعالى: { برؤوسكم } مؤكدة زائدة عند من ~~يرى عموم الرأس، والمعنى عنده: وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلصاق المحض عند ~~من يرى إجزاء بعض الرأس؛ كأن المعنى: أوجدوا مسحا برؤوسكم، ~~فمن مسح، ولو شعرة فقد فعل ذلك. # * ت *: قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صفة مسح الرأس؛ # " أنه أقبل بيده، وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ~~ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان ~~الذي بدأ منه " # ، وفي البخاري: # " فأدبر بهما، وأقبل " # ، وهما صحيحان متوافقان، وهي مسألة من ms0400 «أصول الفقه»؛ في تسمية ~~الفعل بابتدائه أو بغايته. انتهى. # وقرأ حمزة وغيره: «وأرجلكم» بالخفض ، وقرأ نافع وغيره ~~بالنصب، والعامل: «اغسلوا»، ومن قرأ بالخفض، جعل العامل ~~أقرب العاملين، وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين على ~~أن الفرض في الرجلين الغسل، وأن المسح لا يجزىء، وفي ~~الصحيح: # " ويل للأعقاب من النار " # إذ رأى صلى الله عليه وسلم أعقابهم تلوح، قال ابن العربي في ~~«القبس»: ومن قرأ «وأرجلكم» بالخفض ، فإنه أراد ~~المسح على الخفين؛ وهو أحد التأويلات في الآية. انتهى، وهذا هو ~~الذي صححه في «أحكامه». # والكلام في قوله: { إلى الكعبين } كما تقدم في قوله: { إلى ~~المرافق } ، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عقبة بن عامر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يتوضأ، فيحسن وضوءه، ثم يقوم، ~~فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه، ~~إلا وجبت له الجنة " # ، فقلت: ما أجود هذه؟ فقال عمر: التي قبلها ~~أجود، قال: # " ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم ~~يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت ~~له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء " # ، وأخرجه الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني، عن عمر، ~~زاد في آخره: # " اللهم، اجعلني من التوابين، واجعلني من ~~المتطهرين " # انتهى مختصرا. # واختلف اللغويون في { الكعبين }. # والجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبتي الرجل. # وألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء، قال مالك: هو فرض ~~مع الذكر، ساقط مع النسيان، وروى الدارقطني في سننه: # " من توضأ، فذكر اسم الله على وضوئه، كان ~~طهورا لجسده، ومن توضأ، ولم يذكر اسم الله ~~على وضوئه كان طهورا لأعضائه " # انتهى من «الكوكب الدري». # وكذلك تتضمن ألفاظ الآية الترتيب، و { اطهروا } أمر لواجد ~~الماء عند الجمهور، وقال عمر بن الخطاب وغيره: لا يتيمم ~~الجنب ألبتة، بل يدع الصلاة حتى يجد الماء. # وقوله سبحانه: { ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج... } الآية: الإرادة صفة ذات، وجاء الفعل مستقبلا؛ مراعاة ~~للحوادث التي تظهر عن الإرادة، والحرج: الضيق، والحرجة: ~~الشجر ms0401 الملتف المتضايق، ويجري مع معنى هذه الآية قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " دين الله يسر " # ، وقوله عليه السلام : # " بعثت بالحنيفية السمحة " # ، وجاء لفظ الآية على العموم، والشيء المذكور بقرب هو ~~أمر التيمم، والرخصة فيه، وزوال الحرج في تحمل الماء ~~أبدا؛ ولذلك قال أسيد: «ما هي بأول بركتكم يا آل ~~أبي بكر». # وقوله سبحانه: { ولكن يريد ليطهركم... } الآية: إعلام ~~بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضله تبارك وتعالى، و { ~~لعلكم }: ترج في حق البشر، وفي الحديث الصحيح عن أبي ~~مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ ~~الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن، أو ~~تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، ~~والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك ~~أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، ~~فمعتقها أو موبقها " # ، رواه مسلم، والترمذي، وفي رواية له: # " التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملأه، ~~والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصوم ~~نصف الصبر " # ، وزاد في رواية أخرى: # " ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب؛ ~~حتى تخلص إليه " # انتهى. ### || [5.7-10] # وقوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثقه... } الاية: خطاب للمؤمنين، ونعمة الله: اسم ~~جنس، يجمع الإسلام، وحسن الحال، وحسن المآل، والميثاق: هو ~~ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة، وبيعة ~~الرضوان، وكل موطن قال الناس فيه: «سمعنا وأطعنا»، هذا ~~قول ابن عباس وجماعة من المفسرين. # وقال مجاهد: المراد: الميثاق المأخوذ على النسم حين استخرجوا ~~من ظهر آدم عليه السلام . # والأول أرجح وأليق بنمط الكلام، وباقي الآية بين متكرر، ~~قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه «بهجة المجالس»: روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ~~ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء ~~عذبه، وإن شاء غفر له " # ، وعن ابن عباس مثله. انتهى. ### || [5.11] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ هم قوم... } الآية: خطاب للنبي صلى ms0402 ~~الله عليه وسلم، وأمته، والجمهور أن سبب هذه الآية أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، لما استعان بيهود في دية الرجلين اللذين ~~قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وصاحبه، قالوا: ~~نعم، يا أبا القاسم، انزل حتى نصنع لك طعاما، ~~وننظر في معونتك، فنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ظل جدار وكان معه أبو بكر وعمر وعلي، ~~فتآمرت يهود في قتله، وقالوا: من رجل يظهر ~~على الحائط، فيصب عليه حجرا يشدخه، فجاء ~~جبريل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، فقام ~~صلى الله عليه وسلم من المكان، وتوجه إلى المدينة، ~~ونزلت الآية في ذلك؛ ويترجح هذا القول بما يأتي بعد من ~~الآيات في وصف غدر يهود، ونقضهم المواثيق. ### || [5.12-13] # وقوله سبحانه: { ولقد أخذ الله ميثق بني إسرءيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا }: هذه الآية المتضمنة ~~للخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية ~~المتقدمة في كف الأيدي، إنما كانت في أمر بني النضير، ~~والإجماع على أن النقيب كبير القوم، القائم بأمورهم، قال ~~قتادة وغيره: هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط، تكفل ~~بكل واحد سبطه، بأن يؤمنوا ويلتزموا التقوى. # قال * ع *: ونحو هذا كانت النقباء ليلة بيعة العقبة، مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير في { معكم } ، لبني إسرائيل، ~~أي: معكم بنصري، وحياطتي، وتأييدي، واللام في قوله: { لئن }: ~~هي المؤذنة بمجيء القسم، ولام القسم هي قوله: { لأكفرن ~~}؛ والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة: أنها قد يستغنى ~~عنها أحيانا، ويتم الكلام دونها، ولو كانت لام قسم، لم ~~يترتب ذلك، وإقامة الصلاة: توفية شروطها، والزكاة هنا: شيء من ~~المال كان مفروضا عليهم فيما قال بعض المفسرين، { وعزرتموهم }: ~~معناه: وقرتموهم، وعظمتموهم، ونصرتموهم، وقرأ عاصم ~~الجحدري: «وعزرتموهم» خفيفة الزاي ؛ حيث وقع، وقرأ ~~في «سورة الفتح»: «وتعزروه» بفتح التاء، وسكون العين، وضم ~~الزاي ، وسواء السبيل: وسطه، وسائر ما في الآية بين، ~~والله المستعان. # وقوله تعالى: { فبما نقضهم ميثقهم لعنهم ~~وجعلنا قلوبهم قسية... } الآية: أي: فبنقضهم، ~~والقسوة: غلظ القلب، ونبوه عن الرقة والموعظة، ms0403 ~~وصلابته حتى لا ينفعل لخير. # وقوله تعالى: { ونسوا حظا مما ذكروا به }: نص على ~~سوء فعلهم بأنفسهم، أي: قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به، ~~فنسوه، وتركوه، ثم أخبر تعالى نبيه عليه السلام ؛ أنه لا ~~يزال في مستأنف الزمان يطلع على خائنة منهم، وغائلة، ~~وأمور فاسدة. # قالت فرقة: خائنة: مصدر، والمعنى: على خيانة، وقال آخرون: ~~معناه: على فرقة خائنة، فهي اسم فاعل صفة لمؤنث. # وقوله تعالى: { فاعف عنهم واصفح }: منسوخ بما في «براءة»، ~~وباقي الآية بين. ### || [5.14] # وقوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصرى }: «من»: ~~متعلقة ب { أخذنا } ، التقدير: وأخذنا من الذين قالوا: ~~إنا نصارى ميثاقهم، ويحتمل أن تكون معطوفة على { خائنة ~~منهم } ، والأول أرجح، وعلق قولهم: «نصارى» بقولهم ودعواهم؛ ~~من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين الله، وسموا به ~~أنفسهم دون استحقاق. # وقوله سبحانه: { فأغرينا بينهم العداوة }: أي: ~~أثبتناها بينهم وألصقناها، والإغراء: مأخوذ من الغراء الذي ~~يلصق به، وقال البخاري: الإغراء: التسليط. انتهى. # والضمير في { بينهم } يحتمل أن يعود على اليهود، والنصارى؛ ~~لأن العداوة بينهم موجودة مستمرة، ويحتمل أن يعود على ~~النصارى فقط؛ لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم ~~القيامة، ثم توعدهم بعذاب الآخرة؛ إذ صنعهم كفر يوجب الخلود ~~في النار. # واعلم (رحمك الله)؛ أنه قد جاءت آثار صحيحة في ذم الشحناء ~~والتباغض والهجران لغير موجب شرعي، ففي «صحيح مسلم»، عن ~~أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم ~~الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا ~~إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: ~~انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى ~~يصطلحا " # ، وفي رواية: # " تعرض الأعمال في كل خميس واثنين، فيغفر ~~الله في ذلك اليوم لكل امرىء لا يشرك بالله ~~شيئا " # الحديث. انتهى. # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: # " لا يحل لامرىء مسلم أن يهاجر مسلما فوق ~~ثلاث ليال، فإنهما ناكبان عن الحق ما داما ~~على صرامهما، فأولهما فيئا يكون ms0404 سبقه ~~بالفيء كفارة له، وإن سلم عليه، فلم يقبل، ~~ورد عليه سلامه، ردت عليه الملائكة، وردت ~~على الآخر الشياطين، وإذا ماتا على صرامهما، لم ~~يدخلا الجنة " # ، أراه قال: أبدا. انتهى، وسنده جيد، ونصه قال ابن المبارك: ~~أخبرنا شعبة عن يزيد الرشك، عن معاذة العدوية، ~~قالت: سمعت هشام بن عامر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فذكر الحديث. # وقوله: «لم يدخلا الجنة»: ليس على ظاهره، أي: لم يدخلا ~~الجنة أبدا؛ حتى يقتص لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحل ~~الشفاعة؛ حسبما هو معلوم في صحيح الآثار. ### || [5.15-17] # وقوله سبحانه: { يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا ~~يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب... ~~} الآية: أهل الكتاب: لفظ يعم اليهود والنصارى، ولكن نوازل ~~الإخفاء؛ كالرجم وغيره، إنما حفظت لليهود؛ لأنهم كانوا مجاوري ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجره، وفي إعلامه صلى الله ~~عليه وسلم بخفي ما في كتبهم، وهو أمي لا يكتب، ولا ~~يصحب القراء دليل على صحة نبوته؛ لو ألهمهم الله ~~للخير، { ويعفوا عن كثير }: أي: لم يفضحهم فيه؛ إبقاء ~~عليهم، والضمير في { يعفوا } للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { قد جاءكم من الله نور }: هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم، و { كتب مبين }: هو القرآن، ويحتمل أن يريد ~~موسى عليه السلام ، والتوراة: أي: لو اتبعتموها حق ~~الاتباع، والأول هو ظاهر الآية، وهو أظهر، و { سبل السلم ~~}: أي: طرق السلامة والنجاة، ويحتمل أن يكون «السلام» هنا ~~اسما من أسماء الله عز وجل، فالمعنى: طرق الله، و { ~~الظلمت }: الكفر، و { النور }: الإيمان، وباقي الآية بين ~~متكرر. # وقوله سبحانه: { قل فمن يملك }: أي: لا مالك، ولا راد ~~لإرادة الله تعالى في المسيح، ولا في غيره. # وقوله سبحانه: { يخلق ما يشاء }: إشارة إلى خلقه المسيح في ~~رحم مريم من غير والد، بل اختراعا؛ كآدم عليه السلام . # وقوله تعالى: { والله على كل شيء قدير }: عموم معناه ~~الخصوص فيما عدا الذات، والصفات، والمحالات. ### || [5.18] # وقوله سبحانه: { وقالت اليهود والنصرى نحن ~~أبنؤا الله ms0405 وأحبؤه... } الآية: البنوة؛ في قولهم ~~هذا: بنوة الحنان والرأفة، لأنهم ذكروا أن الله سبحانه أوحى إلى ~~إسرائيل؛ أن أول أولادك بكري؛ فضلوا بذلك، وقالوا: { نحن ~~أبنؤا الله وأحبؤه } ، ولو صح ما رووا، لكان ~~معناه: بكرا في التشريف أو النبوة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم ~~عندما دعاهم النبي عليه السلام إلى الإيمان به، وخوفهم ~~العذاب، فقالوا: نحن لا نخاف ما تقول؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه؛ ~~ذكر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما ~~موطن: نحن ندخل النار، فنقيم فيها أربعين يوما، فرد الله عليهم ~~قولهم، فقال لنبيه عليه السلام : { قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم }: أي: لو كانت منزلتكم منه فوق منازل البشر، لما ~~عذبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم، ثم ترك الكلام الأول، وأضرب ~~عنه غير مفسد له، ودخل في غيره، فقال: بل أنتم بشر كسائر الناس، ~~والخلق أكرمهم عند الله أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفر له ~~ويورط من يشاء في الكفر، فيعذبه، وله ملك السموات والأرض وما ~~بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما يشاء، ولا معقب لحكمه، وإليه ~~مصير العباد بالحشر والمعاد. ### || [5.19] # وقوله تعالى: { يأهل الكتب }: يعني: اليهود والنصارى: { ~~قد جاءكم رسولنا }: محمد عليه السلام . # وقوله: { على فترة من الرسل }: أي: على انقطاع من مجيئهم ~~مدة ما، والفترة: سكون بعد حركة؛ في الأجرام، ويستعار ذلك ~~للمعاني، وقد قال عليه السلام : # " لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة " # ، وفي الصحيح؛ أن الفترة التي كانت بين نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وبين عيسى ستمائة سنة، وهذه الآية نزلت بسبب قول ~~اليهود: ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء؛ ~~قاله ابن عباس. # وقوله: { أن تقولوا }: معناه: حذارا أن تقولوا يوم القيامة: { ~~ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير } ، وقامت الحجة عليكم، { والله على كل شيء ~~قدير }؛ فهو الهادي والمضل لا رب غيره. ### || [5.20-22] # وقوله سبحانه: { وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء... } ~~الآية: ms0406 المعنى: واذكر لهم، يا محمد؛ على جهة إعلامهم بغيب كتبهم؛ ~~ليتحققوا نبوتك، ثم عدد عيون تلك النعم، فقال: { إذ ~~جعل فيكم أنبياء }: أي: حاطة، ومنقذون من النار، وشرف في ~~الدنيا والآخرة، { وجعلكم ملوكا } ، أي: فيكم ملوكا؛ لأن ~~الملك شرف في الدنيا، وحاطة في نوائبها، { وءتكم ما لم ~~يؤت أحدا من العلمين } ، قال مجاهد: هو المن ~~والسلوى، والحجر، والغمام، وقال غيره: كثرة الأنبياء؛ وعلى ~~هذا القول: فالعالمون على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات ~~موسى، فالعالمون عالم زمانهم؛ لأن ما أوتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم من آيات الله أكثر من ذلك، و { المقدسة } معناه: ~~المطهرة، قال ابن عباس: هي الطور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام، ~~قال الطبري: ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر. # قال * ع *: وتظاهرت الروايات؛ أن «دمشق» هي قاعدة ~~الجبارين، ثم حذرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوع ~~القهقرى، والخاسر: الذي قد نقص حظه، ثم ذكر عز وجل؛ أنهم تعنتوا ~~ونكصوا، قالوا يا موسى: { إن فيها قوما جبارين } ، ~~والجبار: من الجبر؛ كأنه لقدرته وغشمه وبطشه يجبر الناس ~~على إرادته، والنخلة الجبارة: العالية التي لا تنال بيد، ~~وكان من خبر الجبارين؛ أنهم كانوا أهل قوة، فلما بعث موسى ~~الإثني عشر نقيبا مطلعين من أمر الجبارين، وأحوالهم، ~~رأوا لهم قوة وبطشا وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم ~~على أن يخفوا ذلك من بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى؛ ليرى ~~فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عشرة، فعرفوا ~~قراباتهم، ومن وثقوا به، ففشا الخبر؛ حتى اعوج أمر بني ~~إسرائيل، وقالوا: # اذهب أنت وربك فقاتلا # [المائدة:24]، ولم يف من النقباء إلا يوشع بن نون، ~~وكالب بن يوفتا، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلثة). ### || [5.23-26] # وقوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون } أي: ~~يخافون الله سبحانه؛ قال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن ~~نون، وهو ابن أخت موسى، وكالب بن يوفتا، { أنعم ~~الله عليهما } بالإيمان الصحيح، وربط الجأش، والثبوت، ~~وقولهم: { فاذهب أنت وربك فقاتلا... } الآية: ms0407 عبارة تقتضي ~~كفرا، وقيل: المعنى: فاذهب أنت وربك يعينك، وأن الكلام معصية لا ~~كفر، وذكر ابن إسحاق وغيره؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم ~~الناس يوم بدر، وقال لهم: # " أشيروا علي، أيها الناس، فقال له المقداد بن ~~الأسود: يا رسول الله، لسنا نقول؛ كما قالت بنو ~~إسرائيل: { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قعدون } ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا ~~إنا معكما مقاتلون، ثم تكلم سعد بن معاذ ~~بنحو هذا المعنى " # ، ولما سمع موسى عليه السلام قولهم، ورأى عصيانهم، ~~تبرأ إلى الله منهم، وقال داعيا عليهم: { قال رب إني لآ ~~أملك إلا نفسي وأخي } ، يعني: هارون. # وقوله: { فافرق بيننا }: دعاء حرج، والمعنى: فافرق بيننا ~~وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، { قال فإنها محرمة عليهم ~~} أي: قال الله، وحرم الله تعالى على بني إسرائيل دخول تلك ~~المدينة أربعين سنة يتيهون في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو ~~فحص التيه؛ وهو؛ على ما يحكى: طول ثلاثين ميلا، في عرض ستة ~~فراسخ، ويروى أنه لم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا ~~يوشع، وكالوث، وروي أن يوشع نبىء بعد كمال الأربعين ~~سنة، وخرج ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجبارين، وفتح المدينة، ~~وفي تلك الحرب، وقفت له الشمس ساعة، حتى استمر هزم الجبارين، ~~والتيه: الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم. # وقوله تعالى: { فلا تأس على القوم الفسقين } معناه: ~~فلا تحزن، والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام ، قال ابن ~~عباس: ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: { ~~فلا تأس على القوم الفسقين }. ### || [5.27-30] # وقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق ~~إذ قربا قربانا... } الآية: اتل: معناه: اسرد وأسمعهم ~~إياه، وهذه من علوم الكتب الأول، فهي من دلائل نبوة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي من غامض كتب بني إسرائيل. قال ~~الفخر: وفي الآية قولان: # أحدهما: اتل على الناس. # والثاني: اتل على أهل الكتاب. انتهى. # و { ابني ءادم }: هما لصلبه، وهما هابيل وقابيل، روت جماعة ~~من المفسرين ms0408 منهم ابن مسعود؛ أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت ~~تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، وكان الذكر يتزوج أنثى البطن ~~الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت مع قابيل أختا جميلة، ومع ~~هابيل أختا ليست كذلك، فلما أراد آدم أن يزوجها من هابيل، قال ~~قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التقريب، ~~فتقبل قربان هابيل، ووجب أن يأخذ أخت قابيل؛ فحينئذ: { قال ~~لأقتلنك } ، وقول هابيل: { إنما يتقبل الله من ~~المتقين }: كلام، قبله محذوف، تقديره: ولم تقتلني، وليس لي ~~ذنب في قبول الله قرباني، وإنما يتقبل الله من المتقين؟! ~~وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشرك، فمن ~~اتقاه، وهو موحد، فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما ~~المتقي للشرك وللمعاصي، فله الدرجة العليا من القبول والختم ~~بالرحمة، علم ذلك بإخبار الله تعالى لا أن ذلك يجب على الله ~~تعالى عقلا. # قلت: # قال * ع *: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع)، وأما في هذه ~~الآية، فليس باتقاء شرك؛ على ما سيأتي، وقول هابيل: { ما أنا ~~بباسط يدي إليك... } الآية: قال عبد الله بن عمر، وجمهور ~~الناس: كان هابيل أشد قوة من قابيل، ولكنه تحرج، وهذا هو ~~الأظهر. # قال * ع *: ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص، لا كافر؛ لأنه لو كان ~~كافرا، لم يكن للتحرج هنا وجه، و { تبوأ }: معناه: تمضي ~~متحملا، وقوله: { بإثمي وإثمك }: قيل: معناه: بإثم قتلي ~~وسائر آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختص بي فيما فرط لي، وهذا ~~تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة، فيؤخذ ~~من حسنات الظالم، فتزاد في حسنات المظلوم حتى ~~ينتصف، فإن لم تكن له حسنات، أخذ من سيئات ~~المظلوم، فتطرح عليه ". # وقوله: { وذلك جزؤا الظلمين } يحتمل: أن يكون من قول ~~هابيل لأخيه، ويحتمل: أن يكون إخبارا من الله تعالى لمحمد ~~عليه السلام ، قال الفخر: وقوله تعالى: { فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه } قال المفسرون: معناه: سهلت له نفسه قتل ms0409 أخيه. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { فأصبح من الخسرين }: أصبح: عبارة عن ~~جميع أوقاته، وهذا مهيع كلام العرب؛ ومنه: [المنسرح] # أصبحت لا أحمل السلاح # ................البيت # وقول سعد: فأصبحت بنو أسد تعزرني، إلى غير ذلك من ~~استعمال العرب، ومن خسران قابيل ما صح، وثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ أنه قال: # " ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول ~~كفل منها " # ؛ وذلك لأنه أول من سن القتل. ### || [5.31-32] # وقوله تعالى: { فبعث الله غرابا... } الآية: قيل: أصبح في ~~ثاني يوم قتله يطلب إخفاء أمر قتله، فلم يدر ما يصنع به، فبعث ~~الله غرابا حيا إلى غراب ميت، فجعل يبحث في الأرض، ويلقي ~~التراب على الغراب الميت، وظاهر الآية أن هابيل هو أول ميت ~~من بني آدم، ولذلك جهل سنة المواراة؛ وكذلك حكى الطبري، عن ابن ~~إسحاق، عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأول، والسوءة: ~~العورة، ويحتمل أن يراد الحالة التي تسوء الناظر، ثم إن قابيل ~~وارى أخاه، وندم على ما كان منه من معصية في قتله، حيث لا ~~ينفعه الندم. # واختلف العلماء في قابيل، هل هو من الكفار أو من العصاة، ~~والظاهر أنه من العصاة، قال الفخر: ولم ينتفع قابيل بندمه؛ لأن ~~ندمه كان لأسباب؛ منها: سخط أبويه وإخوته، وعدم انتفاعه بقتله، ~~ونحو ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسباب لا لأجل الخوف من الله ~~تعالى، فلا جرم لم ينفعه هذا الندم. # وقوله تعالى: { من أجل ذلك } هو إشارة إلى ما تضمنته هذه ~~القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام، لا أنه إشارة ~~إلى قصة قابيل وهابيل. انتهى. # وقوله سبحانه: { من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرءيل... } الآية: جمهور الناس على أن قوله: { من أجل ~~ذلك }: متعلق بقوله: { كتبنا } أي: من أجل هذه النازلة، ومن ~~جراها؛ كتبنا، وقال قوم: بل هو متعلق بقوله: { من ~~الندمين } أي: ندم؛ من أجل ما وقع، والوقف؛ على هذا، على { ~~ذلك } ، والناس على أن الوقف { من الندمين } ، ويقال: ~~فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن ms0410 إجلك بكسرها ~~. # وقوله سبحانه: { بغير نفس } أي: بغير أن تقتل نفس نفسا، ~~والفساد في الأرض: يجمع الزنا، والارتداد، والحرابة. # وقوله سبحانه: { فكأنما قتل الناس جميعا } روي عن ابن ~~عباس؛ أنه قال: المعنى: من قتل نفسا واحدة، وانتهك حرمتها، فهو ~~مثل من قتل الناس جميعا، ومن ترك قتل نفس واحدة، وصان ~~حرمتها؛ مخافتي، واستحياها، فهو كمن أحيا الناس جميعا، قال الحسن ~~وابن زيد: { ومن أحيها } أي: عفا عمن وجب له قتله بعد ~~القدرة، وقيل غير هذا. # ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل؛ أنهم جاءتهم الرسل بالبينات في هذا ~~وفي سواه، { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك } في كل ~~عصر يسرفون، ويتجاوزون الحدود. ### || [5.33-34] # وقوله سبحانه: { إنما جزؤا الذين يحاربون الله ~~ورسوله... } الآية: روى أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلت في ~~قوم من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأسلموا، ثم إنهم مرضوا، واستوخموا المدينة، ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يكونوا في لقاح ~~الصدقة، وقال: # " اشربوا من ألبانها وأبوالها " # ، فخرجوا فيها، فلما صحوا، قتلوا الراعي، ~~واستاقوا الإبل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ~~خبرهم، فبعث الطلب في آثارهم، فأخذوا، قال ~~جميع الرواة: فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، ~~ويروى: وسمل وتركهم في جانب الحرة، ~~يستسقون، فلا يسقون»، فقيل: إن هذه الآية ناسخة لفعله صلى ~~الله عليه وسلم بالعرنيين، ووقف الأمر على هذه الحدود. # وقال جماعة: إنها غير ناسخة لذلك الفعل؛ لأن العرنيين مرتدون، لا ~~سيما، وفي بعض الطرق؛ أنهم سملوا أعين الرعاء، وقالوا: ~~هذه الآية هي في المحارب المؤمن. # قال مالك: المحارب عندنا: من حمل على الناس السلاح في مصر ~~أو برية، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نائرة، ولا دخل، ~~ولا عداوة؛ وبهذا القول قال جماعة من أهل العلم، قالوا: والإمام ~~مخير فيه بأن يعاقبه بما رأى من هذه العقوبات، فأما قتل ~~المحارب، فبالسيف ضربة للعنق، وأما صلبه، فبعد القتل عند ~~جماعة، وقال جماعة: بل يصلب حيا، ويقتل بالطعن ms0411 على الخشبة، ~~وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآية، وهو الأنكى في النكال، وأما ~~القطع، فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل. # وقوله سبحانه: { أو ينفوا من الأرض }: الظاهر: أن الأرض في ~~هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا ~~فيها الذنوب؛ ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة، ~~وينبغي للإمام، إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب، يظن ~~به أن يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب ~~إليه، وإن كان غير مخوف الجانب، ترك مسرحا، وهذا هو صريح مذهب ~~مالك. # وقوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا } الآية: إشارة إلى ~~هذه الحدود التي توقع بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن ~~سلم في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة. # وقوله سبحانه: { إلا الذين تابوا }: استثنى عز وجل التائب ~~قبل أن يقدر عليه، وأخبر سبحانه بسقوط حقوقه عنه؛ بقوله: { ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم } ، والعلماء على أن ~~الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارب بحقوق الناس، وإن تاب؛ هذا هو ~~الصحيح. ### || [5.35-37] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة... } الآية: هذه الآية وعظ من ~~الله تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ ~~الوعظ؛ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفة وجلة { وابتغوا }: ~~معناه: اطلبوا، و { الوسيلة }: القربة، وأما الوسيلة المطلوبة ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي أيضا من هذا؛ لأن الدعاء له ~~بالوسيلة والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا، ويتصف بهما، ~~ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود، قلت: وفي ~~كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة ~~التي كان يرجوها من ربه، # " وأنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا ~~لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو... " # الحديث، وخص سبحانه الجهاد بالذكر، وإن كان داخلا في معنى الوسيلة ~~تشريفا له؛ إذ هو قاعدة الإسلام. # وقوله تعالى: { يريدون أن يخرجوا من النار }: إخبار ~~بأنهم يتمنون هذا، ms0412 وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا فارت بهم ~~النار، قربوا من حاشيتها، فحينئذ يريدون الخروج، ويطمعون به، ~~وتأول هو وغيره الآية على هذا؛ قلت: ويؤيده ما خرجه البخاري ~~في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم؛ # " حيث أتاه آتيان، فأخذا بيده " # ، وفيه: # " فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن ~~يخرج، رمى الرجل بحجر في فيه " # ، وفيه أيضا: # " فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق ~~وأسفله واسع تتوقد تحته نار، فإذا اقترب، ~~ارتفعوا، فإذا خمدت، رجعوا فيها، وفيها رجال ~~ونساء عراة، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق " # الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار؛ أنهم ليسوا بخارجين من النار، ~~بل عذابهم فيها مقيم مؤبد. ### || [5.38-40] # وقوله سبحانه: { والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما... } الآية: قلت: المسروق: مال أو غيره. # فشرط المال: أن يكون نصابا، بعد خروجه، مملوكا لغير السارق، ملكا ~~محترما, تاما، لا شبهة له فيه، محرزا، مخرجا منه إلى ما ~~ليس بحرز له، استسرارا. # فالنصاب: ربع دينار أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ثلاثة دراهم، ~~وقوله: { أيديهما } يعني: أيمان النوعين، والنكال: ~~العذاب، والنكل: القيد. # وقوله سبحانه: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن ~~الله يتوب عليه... } الآية: جمهور العلماء على أن توبة ~~السارق لا تسقط عنه القطع، وقال الشافعي: إذا تاب السارق قبل ~~أن يتلبس الحكام بأخذه، فتوبته تدفع عنه حكم القطع؛ قياسا ~~على توبة المحارب. # وقوله سبحانه: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن ~~يشاء } أي: فلا معقب لحكمه سبحانه، ولا معترض عليه، يفعل ما ~~يشاء لا إله إلا هو. ### || [5.41-43] # وقوله تعالى: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر... } الآية: تسلية لنبيه عليه السلام ~~ وتقوية لنفسه؛ بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، ~~والمعنى: قد وعدناك النصر والظهور عليهم، فلا يحزنك ما يقع ~~منهم، ومعنى المسارعة في الكفر: البدار إلى نصره، والسعي في ~~كيد الإسلام، وإطفاء نوره، قال مجاهد وغيره: قوله تعالى: { من ~~الذين قالوا ءامنا بأفوههم ولم تؤمن قلوبهم ~~} يراد به المنافقون. # وقوله: ms0413 { سمعون للكذب سمعون لقوم ءاخرين }: ~~يراد به اليهود، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين؛ لأن جميعهم ~~يسمع الكذب، بعضهم من بعض، ويقبلونه؛ ولذلك جاءت عبارة ~~سماعهم في صيغة المبالغة؛ إذ المراد أنهم يقبلون ويستزيدون من ~~ذلك. # وقوله سبحانه: { سمعون لقوم ءاخرين }: يحتمل أن يريد: ~~يسمعون منهم، وذكر الطبري عن جابر؛ أن المراد بالقوم الآخرين ~~يهود فدك، وقيل: يهود خيبر، ويحتمل أن يكون معنى { ~~سمعون لقوم ءاخرين } بمعنى: جواسيس مسترقين ~~الكلام؛ لينقلوه لقوم آخرين، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقون ~~ويهود المدينة، قلت: وهذا هو الذي نص عليه ابن إسحاق في ~~السير. # قال: * ع *: وقيل لسفيان بن عيينة: هل جرى للجاسوس ذكر ~~في كتاب الله عز وجل؟ فقال: نعم، وتلا هذه الآية: { سمعون ~~لقوم ءاخرين }. # وقوله سبحانه: { يحرفون الكلم من بعد موضعه }: هذه ~~صفة اليهود في معنى ما حرفوه من التوراة، وفيما يحرفونه من ~~الأقوال عند كذبهم { من بعد موضعه } ، أي: من بعد أن وضع ~~مواضعه، وقصدت به وجوهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي ~~أن يهود فدك قالوا ليهود المدينة: استفتوا محمدا، فإن ~~أفتاكم بما نحن عليه من الجلد والتجبية، فخذوه، وإن أفتاكم ~~بالرجم، فاحذروا الرجم؛ قاله الشعبي وغيره وقيل غير هذا من ~~وقائعهم، فالإشارة ب { هذا } إلى التحميم والجلد في الزنا، ~~على قول، ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام ؛ على جهة قطع ~~الرجاء منهم: { ومن يرد الله فتنته } أي: محنته بالكفر، ~~{ فلن تملك له من الله شيئا } ، ثم أخبر تعالى عنهم؛ ~~أنهم الذين سبق لهم في علمه ألا يطهر قلوبهم، وأن يكونوا ~~مدنسين بالكفر، { لهم في الدنيا خزي }؛ بالذلة ~~والمسكنة التي ضربت عليهم في أقطار الأرض، وفي كل أمة. # قال * ص *: { سمعون } ، أي: هم سماعون، ومثله أكالون. انتهى. # وقوله سبحانه: { أكلون للسحت }: فعالون؛ بناء مبالغة، ~~أي: يتكرر أكلهم، ويكثر، والسحت: كل ما لا يحل كسبه من ~~المال. # وقوله تعالى: { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض ~~عنهم }: تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم، ولحكام أمته ~~بعده، وقال ms0414 ابن عباس وغيره: هذا التخيير منسوخ بقوله سبحانه: # وأن احكم بينهم بما أنزل الله # [المائدة:49]، وقال كثير من العلماء: هي محكمة، وهذا هو الأظهر؛ إن ~~شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة مجمعة فيما علمت على ~~أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في تظالمهم، وأما نوازل ~~الأحكام التي لا تظالم فيها، فالحاكم مخير، وإذا رضي به ~~الخصمان، فلا بد من رضا أساقفتهم أو أحبارهم؛ قاله ابن ~~القاسم في «العتبية»، قلت: وعبارة الداوودي قال مالك: ولا يحكم ~~بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالم، فيحكم بينهما بما أنزل الله، ~~ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أن يعلنوه، فيعاقبون بسبب إعلانه، ثم ~~يردون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم ~~اليهوديين قبل أن تكون لهم ذمة. انتهى. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: إنما أنفذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم الحكم بينهم؛ ليحقق تحريفهم، وتبديلهم، وكذبهم، ~~وكتمهم ما في التوراة، ومنه صفته صلى الله عليه وسلم فيها، ~~والرجم على زناتهم، وعنه أخبر الله تعالى بقوله: # يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتب ويعفوا عن ~~كثير # [المائدة:15]؛ فيكون ذلك من آياته الباهرة، وحججه البينة، ~~وبراهينه القاطعة الدامغة للأمة المخزية اليهودية. انتهى. # وقوله تعالى: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا }: ~~أمن الله سبحانه نبيه من ضررهم، إذا أعرض عنهم، وحقر في ~~ذلك شأنهم، { وإن حكمت } ، أي: اخترت الحكم في نازلة ما، ~~{ فاحكم بينهم بالقسط } ، أي: بالعدل، ثم قال سبحانه: { ~~وكيف يحكمونك } المعنى: وكيف يحكمونك بنية صادقة، وهم ~~قد خالفوا حكم التوراة التي يصدقون بها، وتولوا عن حكم الله ~~فيها؛ فأنت الذي لا يؤمنون بك أحرى بأن يخالفوا حكمك، ~~وهذا بين أنهم لا يحكمونه عليه السلام إلا رغبة في ميله إلى ~~أهوائهم. # وقوله سبحانه: { من بعد ذلك } ، أي: من بعد كون حكم الله ~~في التوراة في الرجم وما أشبهه. # وقوله تعالى: { وما أولئك بالمؤمنين } يعني: بالتوراة ~~وبموسى. ### || [5.44] # وقوله سبحانه: { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ms0415 } ، أي: ~~إرشاد في المعتقد والشرائع، والنور: ما يستضاء به من أوامرها ~~ونواهيها، و { النبيون الذين أسلموا }: هم من بعث من ~~لدن موسى بن عمران إلى مدة نبينا محمد عليه السلام ، ~~وأسلموا: معناه أخلصوا وجوههم ومقاصدهم لله سبحانه، وقوله: { ~~للذين هادوا }: متعلق ب { يحكم } أي: يحكمون بمقتضى ~~التوراة لبني إسرائيل وعليهم، { والربانيون }: عطف على ~~النبيين، أي: ويحكم بها الربانيون، وهم العلماء، وقد تقدم ~~تفسير الرباني، والأحبار أيضا: العلماء، واحدهم: حبر ~~بكسر الحاء، وفتحها ، وكثر استعمال الفتح؛ فرقا بينه وبين ~~«الحبر» الذي يكتب به، وإنما اللفظ عام في كل حبر مستقيم ~~فيما مضى من الزمان قبل مبعث نبينا محمد عليه السلام . # وقوله سبحانه: { بما استحفظوا } ، أي: بسبب استحفاظ الله ~~تعالى إياهم أمر التوراة، وأخذه العهد عليهم؛ في العمل ~~والقول بها، وعرفهم ما فيها، فصاروا شهداء عليه، وهؤلاء ضيعوا ~~لما استحفظوا؛ حتى تبدلت التوراة، والقرآن بخلاف هذا؛ ~~لقوله تعالى: # وإنا له لحفظون # [الحجر:9]. # وقوله تعالى: { فلا تخشوا الناس واخشون }: حكاية لما ~~قيل لعلماء بني إسرائيل. # وقوله: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا }: نهي عن ~~جميع المكاسب الخبيثة بالعلم والتحيل للدنيا بالدين، وهذا ~~المعنى بعينه يتناول علماء هذه الأمة وحكامها، ويحتمل أن يكون ~~قوله: { فلا تخشوا الناس... } إلى آخر الآية خطابا لأمة ~~نبينا محمد عليه السلام . # واختلف العلماء في المراد بقوله: { ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكفرون }. # فقالت جماعة: المراد: اليهود بالكافرين والظالمين والفاسقين؛ ~~وروي في هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء ~~بن عازب؛ قال الفخر: وتمسكت الخوارج بهذه الآية في التكفير ~~بالذنب، وأجيب بأن الآية نزلت في اليهود، فتكون مختصة بهم، قال ~~الفخر: وهذا ضعيف؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. # قلت: وهذه مسألة خلاف في العام الوارد على سبب، هل يبقى ~~على عمومه، أو يقصر على سببه؟ انتهى. # وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كل من لم يحكم ~~بما أنزل الله، ولكنها في أمراء هذه الأمة كفر معصية؛ لا ~~يخرجهم عن الإيمان، ms0416 وهذا تأويل حسن، وقيل لحذيفة بن اليمان: أنزلت ~~هذه الآية في بني إسرائيل، فقال: نعم الإخوة لكم بنو ~~إسرائيل، إن كانت لكم كل حلوة، ولهم كل ~~مرة، لتسلكن طريقهم قذ الشراك. ### || [5.45] # وقوله تعالى: { وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس... } الآية، أي: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى ~~هذه الآية: الخبر بأن الله تعالى كتب فرضا على بني إسرائيل؛ ~~أنه من قتل نفسا، فيجب في ذلك أخذ نفسه، ثم هذه الأعضاء ~~المذكورة كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأمة بما علم من شرع ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: «ورخص الله لهذه ~~الأمة، ووسع لها بالدية، ولم يجعل لبني إسرائيل دية فيما ~~نزل على موسى، والجمهور { أن النفس بالنفس }: عموم ~~يراد به الخصوص في المتماثلين؛ كما ورد في الحديث، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يقتل مسلم بكافر " # ، وكذلك قوله سبحانه: { والجروح قصاص }: عموم يراد به الخصوص ~~فيما لا يخاف منها على النفس، وكتب الفقه محل استيعاب ~~الكلام على هذه المعاني. # قال * ص *: { والجروح قصاص } ، أي: ذات قصاص. انتهى. # وقوله سبحانه: { فمن تصدق به فهو كفارة له } ، ~~المعنى: أن من تصدق بجرحه أو دم وليه، وعفا، فإن ذلك العفو ~~كفارة لذنوبه يعظم الله أجره بذلك، قاله ابن عمر وغيره، وفي معناه ~~حديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قلت: وهو قوله: صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من رجل يصاب بشيء في جسده فتصدق به ~~إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة " # ، رواه الترمذي. انتهى. # وقيل: المعنى: فذلك العفو كفارة للجارح عن ذلك الذنب؛ كما أن ~~القصاص كفارة، فكذلك العفو كفارة وأما أجر العافي، فعلى الله ~~تعالى؛ قاله ابن عباس وغيره. # وقيل: المعنى: إذا جنى جان، فجهل، وخفي أمره، فتصدق هذا ~~الجاني؛ بأن اعترف بذلك، ومكن من نفسه؛ فذلك الفعل كفارة لذنبه. ### || [5.46-50] # وقوله سبحانه: { وقفينا على ءاثرهم بعيسى ابن ~~مريم... } الآية: الضمير في { ءاثرهم } للنبيين. # وقوله: { وهدى وموعظة للمتقين }: خص المتقون ~~بالذكر؛ ms0417 لأنهم المقصود به في علم الله وإن كان الجميع ~~يدعى إلى توحيد الله، ويوعظ، ولكن ذلك على غير المتقين ~~عمى وحيرة. # وقرأ حمزة وحده: «وليحكم» بكسر اللام، وفتح الميم ؛ ~~على «لام كي»، ونصب الفعل بها، والمعنى: وآتيناه الإنجيل؛ ~~ليتضمن الهدى والنور والتصديق، وليحكم أهله بما أنزل الله ~~فيه، وقرأ باقي السبعة: «وليحكم» بسكون لام الأمر، وجزم ~~الفعل ، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجب عليهم. # قلت: وإذ من لازم حكمهم بما أنزل الله فيه اتباعهم ~~لنبينا محمد عليه السلام والإيمان به؛ كما يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل، قال الفخر: قيل: المراد: وليحكم أهل ~~الإنجيل بما أنزل الله فيه؛ من الدلائل الدالة على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم قيل: والمراد بالفاسقين: من لم يمتثل من ~~النصارى. انتهى، وحسن عقب ذلك التوقيف على وعيد من خالف ما ~~أنزل الله. # وقوله سبحانه: { ومهيمنا } ، أي: جعل الله القرآن مهيمنا على ~~الكتب، يشهد بما فيها من الحقائق، وعلى ما نسبه المحرفون إليها، ~~فيصحح الحقائق، ويبطل التحريف، وهذا هو معنى { مهيمنا } ، ~~أي: شاهد، ومصدق، ومؤتمن، وأمين؛ حسب اختلاف عبارة المفسرين ~~في اللفظة، وقال المبرد: «مهيمن»: أصله «مؤيمن»؛ بني من ~~«أمين»؛ أبدلت همزته هاء؛ كما قالوا: أرقت الماء، ~~وهرقته؛ واستحسنه الزجاج. # وقوله سبحانه: { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق }: المعنى؛ عند ~~الجمهور: إن اخترت أن تحكم، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ~~وليست هذه الآية بناسخة لقوله: # أو أعرض عنهم # [المائدة:42]. # ثم حذر الله تعالى نبيه عليه السلام من اتباع أهوائهم. # وقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا } ، ~~أي: لكل أمة؛ قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكام، وأما في ~~المعتقدات، فالدين واحد لجميع العالم، ويحتمل أن يكون المراد ~~الأنبياء، لا سيما وقد تقدم ذكرهم، وذكر ما أنزل عليهم، وتجيء ~~الآية، مع هذا الاحتمال تنبيها لنبينا محمد عليه السلام ، ~~أي: فاحفظ شرعتك ومنهاجك؛ لئلا تستزلك اليهود، أو غيرهم في شيء ~~منه، وأكثر المتأولين على أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد، ~~وهي الطريق، ms0418 وقال ابن عباس وغيره: { شرعة ومنهجا }: سبيلا ~~وسنة، ثم أخبر سبحانه؛ أنه لو شاء، لجعل الناس أمة واحدة، ~~ولكنه لم يشأ؛ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب ~~والشرائع؛ كذا قال ابن جريج وغيره. # ثم أمر سبحانه باستباق الخيرات في امتثال الأوامر، وختم سبحانه ~~بالموعظة والتذكير بالمعاد، فقال: { إلى الله مرجعكم ~~جميعا } ، والمعنى: فالبدار البدار. # وقوله سبحانه: { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ، ~~معناه: في الثواب والعقاب، فتخبرون به إخبار إيقاع، وهذه الآية ~~بارعة الفصاحة، جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة، ~~وكل كتاب الله كذلك، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين لنا في ~~بعض أكثر مما يبين لنا في بعض. # وقوله تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم... } الآية: الهوى مقصور يجمع على أهواء، ~~والهواء ممدود يجمع على أهوية، ثم حذر تعالى نبيه ~~عليه السلام من اليهود؛ أن يفتنوه؛ بأن يصرفوه عن شيء مما ~~أنزل الله عليه من الأحكام؛ لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مرارا: احكم لنا في نازلة ~~كذا بكذا، ونتبعك على دينك. # وقوله سبحانه: { فإن تولوا } ، قبله محذوف، تقديره: فإن ~~حكموك واستقاموا، فنعما ذلك، وإن تولوا, { فاعلم... } ~~الآية، وخصص سبحانه إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها؛ لأن هذا الوعيد ~~إنما هو في الدنيا، وذنوبهم نوعان: نوع يخصهم، ونوع يتعدى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، وبه توعدهم الله في الدنيا، ~~وإنما يعذبون بالكل في الآخرة. # وقال الفخر: وجوزوا ببعض الذنوب في الدنيا، لأن مجازاتهم ~~بالبعض - كاف في إهلاكهم وتدميرهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { فاعلم... } الآية: وعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد أنجزه بقصة بني قينقاع، وقصة قريظة والنضير، ~~وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم. # وقوله تعالى: { وإن كثيرا من الناس لفسقون }: إشارة ~~إليهم، ويندرج في عموم الآية غيرهم. # وقوله تعالى: { أفحكم الجهلية يبغون }: إشارة إلى ~~الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان، ويحكمون بحسب الشهوات، ~~{ ومن أحسن من الله حكما } ، أي: لا أحد أحسن منه حكما ~~تبارك وتعالى. ### || [5.51-53] # وقوله سبحانه: ms0419 { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصرى أولياء }: نهى الله سبحانه المؤمنين ~~بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة ~~والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة، وحكم هذه الآية باق، ~~وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين، فله حظه من هذا المقت ~~الذي تضمنه قوله تعالى: { فإنه منهم } ، وسبب نزول هذه ~~الآية أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع، أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم قتلهم، فقام دونهم عبد الله بن ~~أبي ابن سلول مخاصما، وقال: يا محمد، أحسن في ~~موالي، فإني امرؤ أخاف الدوائر، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: قد وهبتهم لك، ونزلت الآية في ذلك. وقوله عز وجل: ~~{ بعضهم أولياء بعض }: جملة مقطوعة من النهي. # وقوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم }: ~~إنحاء على عبد الله بن أبي، وعلى كل من اتصف بهذه ~~الصفة. # وقوله سبحانه: { فترى الذين }: المعنى: فترى يا محمد، { ~~الذين في قلوبهم مرض }؛ إشارة إلى عبد الله بن ~~أبي ومن تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قينقاع. # وقوله تعالى: { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة }: لفظ ~~محفوظ عن عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين، ودائرة: ~~معناه نازلة من الزمان، وإنما كان ابن أبي يظهر أنه يستبقيهم ~~لنصرة النبي عليه السلام ، وأنه الرأي، وكان يبطن خلاف ~~ذلك. # وقوله سبحانه: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } ، وهو ~~ظهور نبيه عليه السلام ، و علو كلمته، وتمكينه من بني ~~قينقاع وقريظة والنضير، وفتح مكة، { أو أمر من ~~عنده } يهلك به أعداء الشرع، وهو أيضا فتح لا يقع فيه ~~للبشر سبب. # وقرأ ابن الزبير: «فيصبح الفساق على ما أسروا في ~~أنفسهم نادمين». # وقوله تعالى: { ويقول الذين ءامنوا أهؤلآء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمنهم } ، قرأ نافع وغيره: ~~«يقول» بغير واو ، وقرأ حمزة وغيره: «ويقول»، وقرأ أبو ~~عمرو وحده: «ويقول» بالواو، ونصب اللام ؛ فذهب كثير من ~~المفسرين إلى أن هذا القول من المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتح، ~~وحصلت ندامة المنافقين، وفضحهم الله تعالى، فحينئذ: يقول ~~المؤمنون: { أهؤلاء الذين ms0420 أقسموا } الآية. # وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في ~~قلوبهم مرض: { نخشى أن تصيبنا دائرة }: إذ فهم منهم ~~أن تمسكهم باليهود إنما هو إرصاد لله ولرسوله، فمقتهم ~~النبي عليه السلام والمؤمنون، وترك لهم النبي عليه ~~السلام بني قينقاع؛ رغبة في المصلحة والألفة، وأما قراءة ~~أبي عمرو: «ويقول» بالنصب ، فلا يتجه معها أن يكون قول ~~المؤمنين إلا عند الفتح، وظهور ندامة المنافقين، وفضيحتهم. # وقوله تعالى: { جهد أيمنهم }: نصب «جهد» على المصدر ~~المؤكد، والمعنى: أهؤلاء هم المقسمون باجتهاد منهم في الأيمان؛ ~~إنهم لمعكم، قد ظهر الآن منهم من موالاة اليهود، وخذل ~~الشريعة ما يكذب أيمانهم. # وقوله: { حبطت أعملهم }: يحتمل أن يكون إخبارا من الله ~~سبحانه، ويحتمل أن يكون من قول المؤمنين، ويحتمل أن يكون قوله: { ~~حبطت } دعاء، أي: بطلت أعمالهم. ### || [5.54-59] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا من يرتد ~~منكم عن دينه... } الآية: خطاب للمؤمنين إلى يوم القيامة، ~~ومعنى الآية؛ أن الله عز وجل وعد هذه الأمة أن من ارتد ~~منها، فإنه يجيء سبحانه بقوم ينصرون الدين، ويغنون عن ~~المرتدين. # قال الفخر: وقدم الله تعالى محبته لهم على محبتهم له؛ إذ ~~لولا حبه لهم، لما وفقهم أن صاروا محبين له. انتهى، وفي كتاب ~~«القصد إلى الله سبحانه»؛ للمحاسبي، قلت للشيخ: فهل ~~يلحق المحبين لله عز وجل خوف؟ قال: نعم، الخوف ~~لازم لهم؛ كما لزمهم الإيمان لا يزول إلا بزواله، وهذا هو خوف ~~عذاب التقصير في بدايتهم؛ حتى إذا صاروا إلى خوف الفوت، ~~صاروا إلى الخوف الذي يكون في أعلى حال، فكان الخوف الأول يطرقهم ~~خطرات، وصار خوف الفوت وطنات، قلت: فما الحالة التي تكشف ~~عن قلوبهم شديد الخوف والحزن؟ قال: الرجاء بحسن الظن؛ ~~لمعرفتهم بسعة فضل الله عز وجل، وأملهم منه أن يظفروا ~~بمرادهم، إذا وردوا عليه، ولولا حسن ظنهم بربهم، لتقطعت ~~أنفسهم حسرات، وماتوا كمدا، قلت: أي شيء أكثر شغلهم، وما ~~الغالب على قلوبهم في جميع أحوالهم؟ قال: كثرة الذكر لمحبوبهم ~~على طريق الدوام والاستقامة، لا يملون، ms0421 ولا يفترون، وقد ~~أجمع الحكماء أن من أحب شيئا، أكثر من ذكره، ثم قال: قال ذو ~~النون: ما أولع أحد بذكر الله إلا أفاد منه حب الله ~~تعالى. انتهى. # وفي الآية إنحاء على المنافقين، وعلى من ارتد في مدة النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قال الفخر: وهذه الآية إخبار بغيب، وقد وقع الخبر على ~~وفقه؛ فيكون معجزا، وقد ارتدت العرب وغيرهم أيام أبي بكر، ~~فنصر الله الدين، وأتى بخير منهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { أذلة على المؤمنين } ، معناه: متذللين ~~من قبل أنفسهم، غير متكبرين، وهذا كقوله عز وجل: # أشداء على الكفار رحماء بينهم # [الفتح:29]؛ وكقوله عليه السلام : # " المؤمن هين لين " # ، وفي قراءة ابن مسعود: «أذلة على المؤمنين غلظاء ~~على الكافرين». # وقوله تعالى: { ولا يخفون لومة لائم }: إشارة إلى ~~الرد على المنافقين في أنهم يعتذرون بممالأة الأحلاف ~~والمعارف من الكفار، ويراعون أمرهم، قلت: وخرج أبو بكر ~~بن الخطيب بسنده على أبي ذر، قال: «أوصاني النبي صلى الله ~~عليه وسلم بسبع: أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ~~ولا أنظر إلى من هو فوقي يعني: في شأن الدنيا ~~، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، ~~وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأوصاني ~~أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني ألا أخاف في ~~الله لومة لائم، وأوصاني ألا أسأل الناس ~~شيئا، وأوصاني أن أستكثر من: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله». # انتهى. # وقوله سبحانه: { ذلك فضل الله }: الإشارة ب «ذلك» إلى كون ~~القوم يحبون الله عز وجل ويحبهم، وواسع: معناها ذو سعة ~~فيما يملك ويعطي وينعم به سبحانه. # وقوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله... } الآية: ~~«إنما» في هذه الآية حاصرة، وقرأ ابن مسعود: «إنما مولاكم ~~الله»، والزكاة هنا: لفظ عام للزكاة المفروضة، والتطوع ~~بالصدقة، ولكل أفعال البر، إذ هي منمية للحسنات، مطهرة ~~للمرء من دنس السيئات، ثم وصفهم سبحانه بتكثير الركوع، ~~وخص بالذكر؛ لكونه من أعظم أركان الصلاة، وهي هيئة تواضع، ~~فعبر عن جميع الصلاة؛ كما قال سبحانه: # والركع السجود # [الحج:26] هذا هو الصحيح.، وهو تأويل ms0422 الجمهور، ولكن اتفق مع ذلك ~~أن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أعطى خاتمه، وهو ~~راكع. # قال السدي: وإن اتفق ذلك لعلي، فالآية عامة في جميع ~~المؤمنين. # ثم أخبر تعالى: أن من يتولى الله ورسوله والمؤمنين، فإنه ~~غالب كل من ناوأه، وجاءت العبارة عامة في أن حزب الله ~~هم الغالبون، ثم نهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الذين اتخذوا ~~ديننا هزوا ولعبا، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله سبحانه: # إنا كفينك المستهزءين # [الحجر:95] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاء ~~المنافقين في قولهم لشياطينهم: # إنا معكم إنما نحن مستهزءون # [البقرة:14]. # ثم أمر سبحانه بتقواه، ونبه النفوس بقوله: { إن كنتم ~~مؤمنين }. # وقوله سبحانه: { وإذا نديتم إلى الصلوة اتخذوها ~~هزوا ولعبا... } الآية: إنحاء على اليهود، وتبيين لسوء ~~فعلهم. # وقوله: { وأن أكثركم فسقون }: معنى المحاورة: هل ~~تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال؛ من أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون؛ ~~كما تقول لمن تخاصمه: هل تنقم مني إلا أن صدقت أنا, ~~وكذبت أنت, وقال بعض المتأولين: { وأن أكثركم }: معطوف ~~على { ما }؛ كأنه قال: إلا أن آمنا بالله وبكتبه، ~~وبأن أكثركم فاسقون، وهذا مستقيم المعنى، وقال: { أكثركم } ~~، من حيث إن فيهم من آمن؛ كابن سلام وغيره. ### || [5.60-63] # وقوله سبحانه: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة ~~} ، يعني: مرجعا عند الله يوم القيامة؛ ومنه: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس # [البقرة:125]، ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر ~~ عليه السلام أن يقول لهم: { هل أنبئكم } هم اليهود ~~والكفار المتخذون ديننا هزوا ولعبا؛ قال ذلك الطبري، ~~وتوبع عليه، ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا، والآية تحتمل ~~أن يكون القول للمؤمنين، أي: قل يا محمد، للمؤمنين: هل أنبئكم ~~بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت المرجع إلى الله؛ ~~أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله، وغضب عليهم. # وقوله سبحانه: { وجعل } ، هي بمعنى «صير»، وقد تقدم قصص ~~مسخهم قردة في «البقرة»، و { عبد الطغوت }: تقديره: ~~ومن عبد الطاغوت، وقرأ حمزة وحده «وعبد الطاغوت» بفتح ~~العين، وضم الباء، وكسر ms0423 التاء من الطاغوت ؛ وذلك أن «عبد» ~~لفظ مبالغة؛ كقدس. # قال الفخر: قيل: الطاغوت هنا: العجل، وقيل: الطاغوت أحبارهم، ~~وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده. انتهى. # و { مكانا }: يحتمل أن يريد في الآخرة، فالمكان على وجهه، أي: ~~المحل إذ محلهم جهنم، ويحتمل أن يريد في الدنيا، فهي استعارة ~~للمكانة، والحالة. # وقوله سبحانه: { وإذا جاءوكم } يعني: اليهود، وخاصة المنافقين ~~منهم؛ قاله ابن عباس وغيره. # وقوله: { والله أعلم بما كانوا يكتمون }: أي: من ~~الكفر، والرؤية هنا تحتمل أن تكون قلبية، وأن تكون بصرية، ~~و { في الإثم } ، أي: موجبات الإثم، واللام في: { لبئس }: لام ~~قسم. # وقوله تعالى: { لولا ينههم الربنيون والأحبار ~~}: تحضيض في ضمنه توبيخ لهم، قال الفخر: والمعنى: هلا ينهاهم. ~~انتهى. # قال الطبري: كان العلماء يقولون: ما في القرآن آية هي أشد ~~توبيخا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها. # وقال الضحاك بن مزاحم: ما في القرآن آية أخوف عندي منها؛ ~~أنا لا ننهى؛ وقال نحو هذا ابن عباس. # وقوله سبحانه: { عن قولهم الإثم }: ظاهره أن الإثم هنا يراد ~~به الكفر، ويحتمل أن يراد سائر أقوالهم المنكرة في النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ ابن عباس: «بئس ما كانوا ~~يصنعون»؛ بغير لام قسم. ### || [5.64] # وقوله سبحانه وتعالى: { وقالت اليهود يد الله... } إلى ~~قوله: { لا يحب المفسدين }: هذه الآية تعديد كبيرة في ~~أقوالهم وكفرهم، أي: فمن يقول هذه العظيمة، فلا يستنكر نفاقه ~~وسعيه في رد أمر الله تعالى. # قال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيل؛ وذلك أنهم لحقتهم سنة ~~وجهد، فقالوا هذه المقالة، يعنون بها؛ أن الله بخل عليهم ~~بالرزق والتوسعة، تعالى الله عن قولهم، وهذا المعنى يشبه ~~ما في قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء:29] فإن المراد: لا تبخل؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثل البخيل والمتصدق... " # الحديث، وذكر الطبري والنقاش؛ أن هذه الآية نزلت في فنحاص ~~اليهودي، وأنه قالها. # وقوله سبحانه: { غلت أيديهم }: خبر يحتمل في الدنيا، ويحتمل ~~في الآخرة، فإن كان ms0424 خبرا عن الدنيا، فالمعنى: غلت أيديهم عن ~~الخير والإنفاق في وجوه البر ونحوه، وإذا كان خبرا عن الآخرة، ~~فالمعنى: غلت في النار، قلت: ويحتمل الأمرين معا. # وقوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان }: العقيدة في هذا ~~المعنى: نفي التشبيه عن الله سبحانه، وأنه ليس بجسم، ولا له ~~جارحة، ولا يشبه، ولا يكيف، ولا يتحيز، ولا تحله ~~الحوادث، تعالى عما يقول المبطلون علوا كبيرا، قال ابن عباس في ~~هذه الآية: { يداه }: نعمتاه، ثم اختلفت عبارة الناس في تعيين ~~النعمتين: # فقيل: نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة ~~الباطنة، والظاهر أن قوله سبحانه: { بل يداه مبسوطتان } ~~عبارة عن إنعامه على الجملة، وعبر عنها باليدين؛ جريا على طريقة ~~العرب في قولهم: فلان ينفق بكلتا يديه؛ ومنه قول ~~الأعشى: [الطويل] # يداك يدا مجد فكف مفيدة # وكف إذا ما ضن بالمال تنفق # ويؤيد أن اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق، ثم قال ~~تعالى لنبيه عليه السلام : { وليزيدن كثيرا ~~منهم } ، يعني: اليهود { ما أنزل إليك من ربك ~~طغينا وكفرا } ، ثم قال سبحانه: { وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة } ، العداوة: ~~أخص من البغضاء؛ لأن كل عدو، فهو يبغض، وقد يبغض من ليس ~~بعدو، والبغضاء: قد لا تتجاوز النفوس، وقد ألقى الله سبحانه ~~الأمرين على بني إسرائيل. # قال الفخر: وقد أوقع الله بين فرقهم الخصومة الشديدة، ~~وانتهى أمرهم إلى أن يكفر بعضهم بعضا، وفي قوله: { ~~وألقينا بينهم العداوة... }: قولان: # أحدهما: أن المراد ما بين اليهود والنصارى من العداوة؛ لأنه جرى ~~ذكرهم في قوله: # لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء # [المائدة:51]، وهذا قول الحسن ومجاهد. # والثاني: ما وقع من العداوة بين فرق اليهود، فإن بعضهم جبرية ~~وبعضهم قدرية، وبعضهم موحدة، وبعضهم مشبهة، وكذلك بين فرق ~~النصارى؛ كالملكانية، والنسطورية، واليعقوبية. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله }: استعارة بليغة، قال مجاهد: معنى الآية: كلما أوقدوا ~~نارا لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، أطفأها الله، فالآية ~~بشارة لنبينا محمد عليه السلام وللمؤمنين، وباقي الآية بين. ### || [5.65-66] # وقوله تعالى: { ولو أن ms0425 أهل الكتب ءامنوا... } الآية: ~~هذه الآية تحتمل أن يراد بها معاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتحتمل أن يراد بها الأسلاف، والمعاصرون. # وقوله سبحانه: { ولو أنهم أقاموا التوراة } ، أي: ~~أظهروا أحكامها، فهي كإقامة السوق، وإقامة الصلاة. # وقوله سبحانه: { والإنجيل }: يقتضي دخول النصارى في لفظ أهل ~~الكتاب؛ في هذه الآية، قلت: وقال مكي: معنى: { أقاموا ~~التوراة والإنجيل }: أي: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبنبوته. انتهى من «الهداية». # وقوله: { وما أنزل إليهم من ربهم }: معناه: من وحي ~~وسنن على ألسنة الأنبياء عليهم السلام ، واختلف في ~~معنى: { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ، فقال ابن عباس ~~وغيره: المعنى: لأعطتهم السماء مطرها، والأرض نباتها بفضل ~~الله تعالى، وقال الطبري وغيره: إن الكلام استعارة ومبالغة في ~~التوسعة؛ كما يقال: فلان قد عمه الخير من قرنه إلى ~~قدمه. # وقوله سبحانه: { منهم أمة مقتصدة }: معناه: معتدلة، ~~والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال ~~والأفعال، قال ابن زيد: وهؤلاء هم أهل طاعة الله من أهل ~~الكتاب. # قال * ع *: وهذا هو الراجح. ### || [5.67-68] # وقوله سبحانه: { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك... } الآية: هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه ~~ عليه السلام بالتبليغ على الاستيفاء والكمال؛ لأنه قد كان ~~بلغ صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر في هذه الآية بألا ~~يتوقف عن شيء مخافة أحد؛ وذلك أن رسالته عليه السلام ~~تضمنت الطعن على أنواع الكفرة، وبيان فساد حالهم، فكان ~~يلقى منهم صلى الله عليه وسلم عنتا، وربما خافهم أحيانا قبل ~~نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: { بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك } ، أي: كاملا، { والله يعصمك من الناس } ، ~~قالت عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها): «من زعم أن محمدا ~~كتم شيئا من الوحي، فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول: ~~{ يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك... ~~} الآية»، وقال عبد الله ابن شقيق: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتعقبه أصحابه يحرسونه، فلما نزلت: { والله ~~يعصمك من الناس } ، خرج، فقال: # " يا ms0426 أيها الناس، الحقوا بملاحقكم؛ فإن الله ~~قد عصمني " # ، قلت: وخرج الترمذي هذا الحديث أيضا من طريق عائشة، وكما وجب ~~عليه التبليغ عليه السلام ، وجب على علماء أمته، وقد قال ~~عليه السلام : # " بلغوا عني ولو آية " # ، وعن زيد بن ثابت (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فحفظه حتى ~~يبلغه؛ فرب حامل فقه إلى من ليس بفقية، ~~ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " # ، رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذي والنسائي وابن ماجة، وابن ~~حبان في «صحيحه»، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه من ~~حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح. انتهى من «السلاح». # وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت هذه الآية بسبب الأعرابي ~~الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليقتله به. # قال ابن العربي: قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس ~~}: معناه: يجعل بينك وبينهم حجابا يمنع من وصول مكروههم إليك؛ ~~كعصام القربة الذي يمنع سيلان الماء منها، ولعلمائنا ~~في الآية تأويلات. # أصحها: أن العصمة عامة في كل مكروه، وأن الآية نزلت بعد أن ~~شج وجهه، وكسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنه أراد من القتل خاصة، والأول أصح، وقد كان صلى الله عليه ~~وسلم أوتي بعض هذه العصمة بمكة في قوله تعالى: # إنا كفينك المستهزءين # [الحجر:95] ثم كملت له العصمة بالمدينة، فعصم من الناس ~~كلهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال الله الواقعة في القرآن. # ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام ؛ أن يقول لأهل الكتاب ~~الحاضرين معه: { لستم على شيء } ، أي: على شيء مستقيم؛ ~~{ حتى تقيموا التوراة والإنجيل } ، وفي إقامتهما ~~الإيمان بنبينا محمد عليه السلام ، قلت: وهذه الآية عندي ~~من أخوف آية في القرآن؛ كما أشار إلى ذلك سفيان، فتأملها حق ~~التأمل. # وقوله سبحانه: { وما أنزل إليكم من ربكم } الآية: يعني ~~به القرآن. ### || [5.69-70] # وقوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هادوا ~~والصبئون والنصرى من ءامن بالله واليوم ~~الأخر وعمل صلحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ms0427 }: الذين آمنوا: لفظ عام لكل مؤمن من ملة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ ~~الآية حصر بها الناس كلهم، وبينت الطوائف على اختلافها، ~~وهذا هو تأويل الجمهور، وقد مضى الكلام في «سورة البقرة»، فراجعه ~~هناك، وقرأ الجمهور: «والصابئون»، وقرىء خارج السبعة: ~~«والصابئين»، وهي بينة الإعراب، وأما على قراءة الجمهور، فاختلف ~~في إعرابها، ومذهب سبيويه، والخليل، ونحاة البصرة: أنه ~~من المقدم الذي معناه التأخير، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك. # قال * ص *: ووجه ثان أن خبر «إن» محذوف، أي: إن الذين آمنوا لهم ~~أجرهم، وخبر «الصابئين»: { من ءامن } وما بعده، قال ابن ~~عصفور؛ وهو حسن جدا؛ إذ ليس فيه أكثر من حذف خبر «إن»؛ ~~للفهم، وهو جائز في فصيح الكلام. انتهى. # قلت: قال ابن مالك: وهو أسهل من التقديم والتأخير، وقيل: إن ~~الصابئين في موضع نصب، ولكنه جاء على لغة بلحارث الذين ~~يجعلون التثنية بالألف على كل حال، والجمع بالواو على ~~كل حال؛ قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا. ### || [5.71-75] # وقوله سبحانه: { وحسبوا ألا تكون فتنة }: المعنى في هذه ~~الآية: وظن هؤلاء الكفرة بالله، والعصاة من بني إسرائيل ألا ~~يكون من الله ابتلاء لهم وأخذ في الدنيا، فلجوا في شهواتهم، ~~وعموا فيها، إذ لم يبصروا الحق، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: # " حبك الشيء يعمي ويصم " # وقوله سبحانه: { ثم تاب الله عليهم } ، قالت جماعة من ~~المفسرين: هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج ~~الأول، ورد ملكهم وحالهم، ثم عموا وصموا بعد ذلك؛ حتى ~~أخرجوا الخرجة الثانية، ولم ينجبروا أبدا، ومعنى: { تاب ~~الله عليهم }؛ أي: رجع بهم إلى الطاعة والحق، ومن فصاحة ~~القرآن: استناد هذا الفعل الشريف إلى الله تعالى، واستناد ~~العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال؛ إليهم، ثم أخبر ~~تعالى إخبارا مؤكدا بلام القسم عن كفر القائلين: { إن ~~الله هو المسيح ابن مريم } وهذا قول ms0428 اليعقوبية من ~~النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيح لهم، فقال: { وقال ~~المسيح يبني إسرءيل اعبدوا الله ربي ~~وربكم... } الآية: فضلوا هم، وكفروا؛ بسبب ما رأوا على ~~يديه من الآيات. # وقوله تعالى: { وما للظلمين من أنصار } ، يحتمل أن ~~يكون من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أن ~~يكون إخبارا من الله سبحانه لنبيه محمد عليه السلام . # وقوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثلث ثلثة وما من إله إلا إله وحد... } ~~الآية: إخبار مؤكد؛ كالذي قبله، عن هذه الطائفة الناطقة بالتثليث، ~~وهم فرق، منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في ~~كتب التفسير. # وقوله سبحانه: { ثلث ثلثة }: لا يجوز فيه إلا الإضافة، ~~وخفض «ثلاثة»؛ لأن المعنى أحد ثلاثة، فإن قلت: زيد ثالث ~~اثنين، أو رابع ثلاثة، جاز لك أن تضيف؛ كما تقدم، وجاز ~~ألا تضيف، وتنصب «ثلاثة»؛ على معنى: زيد يربع ثلاثة. # وقوله سبحانه: { وما من إله إلا إله وحد... } ~~الآية: خبر صادع بالحق، وهو سبحانه الخالق المبدع ~~المتصف بالصفات العلا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا، ثم توعدهم، إن لم ينتهوا عما يقولون، ثم رفق جل وعلا ~~بهم؛ بتحضيضه إياهم على التوبة، وطلب المغفرة، ثم وصف نفسه ~~سبحانه بالغفران والرحمة؛ استجلابا للتائبين وتأنيسا لهم؛ ~~ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم. # قال * ص *: { ليمسن }: اللام فيه جواب قسم محذوف قبل أداة ~~الشرط. انتهى. # وقوله تعالى: { وأمه صديقة }: بناء مبالغة من الصدق، ~~ويحتمل من التصديق؛ وبه سمي أبو بكر الصديق (رضي الله ~~عنه)؛ وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال: إنها نبية. # وقوله سبحانه: { كانا يأكلان الطعام }: تنبيه على نقص ~~البشرية، وعلى حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها ~~الألوهية، و { يؤفكون }: معناه: يصرفون؛ ومنه قوله عز وجل: # يؤفك عنه من أفك # [الذاريات:9]، والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها ~~المطر، والمطر في الحقيقة هو المصروف، ولكن قيل: أرض ~~مأفوكة؛ لما كانت مأفوكا عنها. ### || [5.76-77] # وقوله تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لكم ضرا ولا ms0429 نفعا والله هو السميع العليم... } ~~الآية: الضر بفتح الضاد : المصدر، وبضمها الاسم، وهو عدم ~~الخير، و { السميع }؛ لأقوالهم { والعليم } بنياتهم، ~~والغلو: تجاوز الحد؛ من غلا السهم؛ إذا تجاوز الغرض ~~المقصود، وتلك المسافة هي غلوته، وهذه المخاطبة هي للنصارى ~~الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع ~~أهوائهم هو بنو إسرائيل، ووصف تعالى اليهود؛ بأنهم ضلوا قديما، ~~وأضلوا كثيرا من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله تعالى: { ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }. ### || [5.78-81] # وقوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرءيل... } ~~الآية: قال ابن عباس (رضي الله عنه): لعنوا بكل لسان؛ لعنوا ~~في التوراة، وفي الزبور، والإنجيل، والفرقان. # وقوله سبحانه: { كانوا لا يتنهون عن منكر فعلوه... ~~} الآية: ذم الله سبحانه هذه الفرقة الملعونة؛ بأنهم كانوا ~~لا يتناهون عن منكر فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، ~~وإن نهى منهم ناه، ولم يمتنع عن مواصلة العاصي، ومؤاكلته، ~~وخلطته؛ وروى ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الرجل من بني إسرائيل كان، إذا رأى أخاه ~~على ذنب، نهاه عنه؛ تعذيرا، فإذا كان من الغد، ~~لم يمنعه ما رأى منه؛ أن يكون أكيله أو ~~خليطه، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب ~~بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان ~~نبيهم داود وعيسى " # ، قال ابن مسعود: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا ~~فجلس، وقال: # " لا، والله حتى تأخذوا على يد الظالم، ~~فتأطروه على الحق أطرا " # ، والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه، ~~ونهى بمعروف، أي: برفق، وقول معروف، وأمن الضرر عليه، وعلى ~~المؤمنين، فإن تعذر على أحد النهي؛ لشيء من هذه الوجوه، ~~ففرض عليه الإنكار بقلبه، وألا يخالط ذا المنكر، وقال ~~حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليما من ~~المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضا. # وقوله سبحانه: { لبئس ما كانوا يفعلون }: اللام لام ~~قسم، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الجهاد كلمة حق ms0430 " # ، أو قال: # " كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر " # انتهى. # وقوله تعالى لنبيه محمد عليه السلام : { ترى كثيرا } ~~يحتمل أن تكون رؤية عين؛ فلا يريد إلا معاصريه، ويحتمل أن تكون ~~رؤية قلب؛ وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصرين له، ويحتمل أن ~~يريد أسلافهم، و { الذين كفروا }: عبدة الأوثان. # وقوله سبحانه: { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم... } ، أي: ~~قدمته للآخرة، واجترحته، ثم فسر ذلك قوله تعالى: { أن سخط ~~الله عليهم }؛ ف { أن سخط }: في موضع رفع بدل من { ما ~~} ، ويتحمل أن يكون التقدير: هو أن سخط الله عليهم. # وقوله تعالى: { والنبي } إن كان المراد الأسلاف، فالنبي: ~~داود وعيسى، وإن كان المراد معاصري نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فالمراد ب «النبي» هو صلى الله عليه وسلم. # وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله سبحانه: { ترى كثيرا ~~منهم } كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين؛ ~~ونحوه لمجاهد. ### || [5.82-86] # وقوله تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~ءامنوا اليهود والذين أشركوا... } الآية: اللام في ~~قوله: { لتجدن }: لام ابتداء، وقال الزجاج: هي لام قسم، ~~وهذا خبر مطلق منسحب على الزمان كله، وهكذا هو الأمر حتى الآن، ~~وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم، ومردوا ~~على استشعار اللعنة، وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت ~~عداوتهم، وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين؛ وكذلك ~~المشركون عبدة الأوثان والنيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من ~~أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا ~~منه الفسق، فهم إن حاربوا، فإنما حربهم أنفة، لا أن شرعهم ~~يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فسلمهم صاف، واليهود (لعنهم الله) ~~ليسوا على شيء من هذه الخلال، بل شأنهم الخبث، واللي بالألسنة، ~~والمكر، والغدر، ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ~~ود، وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: ~~{ الذين قالوا إنا نصرى }: إشارة إلى معاصري نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من النصارى؛ بأنهم ليسوا على حقيقية ~~النصرانية، وإنما هو قول منهم، وزعم. # وقوله تعالى: { ذلك بأن منهم ms0431 قسيسين ورهبانا... } ~~الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله تعالى، ~~وعبادة، وإن لم يكونوا على هدى، فهم يميلون إلى أهل العبادة ~~والخشية، وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع ~~وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها، متطاولون في البنيان، وأمور ~~الدنيا؛ حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة؛ فلذلك لا يرى فيهم زاهد، قال ~~الفخر: القس والقسيس: اسم رئيس النصارى، والجمع: ~~قسيسون، وقال قطرب: القس والقسيس: العالم؛ بلغة ~~الروم، وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين. انتهى. # ووصف الله سبحانه النصارى، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجود فيهم حتى ~~الآن، واليهودي متى وجد عزا، طغى وتكبر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: ~~{ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع... } الآية: قال النووي: ينبغي للقارىء أن يكون ~~شأنه الخشوع والتدبر والخضوع؛ فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح ~~الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من ~~أن تذكر، وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة، ~~ليلة كاملة، أو معظم ليلة يتدبرها، وصعق جماعات منهم عند سماع ~~القرآن، وقراءته، ومات جماعات منهم، ويستحب البكاء والتباكي لمن ~~لا يقدر على البكاء؛ فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعار ~~عباد الله الصالحين، قال الله عز وجل: # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا # [الإسراء:109] وقد وردت آثار كثيرة في ذلك. انتهى من «الحلية» ~~للنووي. # وذكر ابن عباس وابن جبير ومجاهد؛ أن هذه الآية نزلت بسبب وفد ~~بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليروه ~~ويعرفوا حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن، ~~فبكوا وآمنوا، ورجعوا إلى النجاشي، فآمن، ولم يزل مؤمنا ~~حتى مات، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن نعش ~~النجاشي كشف للنبي عليه السلام ؛ فكان يراه من موضعه ~~بالمدينة؛ وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي ~~صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعة ~~وستين رجلا، وقال ابن جبير: كانوا سبعين، عليهم ms0432 ثياب الصوف، ~~وكلهم صاحب صومعة؛ اختارهم النجاشي. # وصدر الآية في قرب المودة عام فيهم، ولا يتوجه أن يكون ~~صدر الآية خاصا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص من قوله تعالى: { ~~وإذا سمعوا } ، وجاء الضمير عاما؛ إذ قد تحمد الجماعة ~~بفعل واحد منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولطف من الله بهم؛ ~~ليؤمنوا. # قال * ص *: { مما عرفوا من الحق }: «من» الأولى ~~لابتداء الغاية. # قال أبو البقاء: ومعناها: من أجل الذي عرفوا، و «من» الثانية ~~لبيان «ما» الموصولة. انتهى. # قال العراقي: { تفيض } ، أي: تسيل منها العبرة، وفي الحديث: # " اقرءوا القرآن، وابكوا، فإن لم تبكوا، فتباكوا " # ، خرجه البزار. انتهى من «الكوكب الدري»، وفيه عن البزار أيضا؛ ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من خرج من عينيه مثل جناح ذباب دموعا من ~~خشية الله، لم يدخل النار حتى يعود اللبن في ~~ضرعه " # انتهى. # وقولهم: { مع الشهدين } ، يعني: نبينا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم، وأمته؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال الطبري: لو قال قائل: ~~معنى ذلك: «مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم»، لكان صوابا، ~~وهو كلام صحيح؛ وكأن ابن عباس خصص أمة محمد؛ لقول الله سبحانه: # وكذلك جعلنكم أمة وسطا... # [البقرة:143]، وقولهم: { وما لنا لا نؤمن بالله وما ~~جاءنا من الحق }: توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من ~~الكفار، والقوم الصالحون: محمد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ قاله ~~ابن زيد وغيره من المفسرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به من النعيم ~~على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذبين، ~~وأنهم قرناء الجحيم. ### || [5.87-89] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا ~~طيبت ما أحل الله لكم... } الآية: قال ابن عباس وغيره ~~نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلغت منهم ~~المواعظ، وخوف الله تعالى إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم ~~النوم بالليل، والطيب، وهم بعضهم بالاختصاء، فبلغ ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: # " أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي ~~النساء، وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي، فليس ~~مني " # ، قال الطبري: كان ms0433 فيما يتلى: «من رغب عن سنتك، ~~فليس من أمتك، وقد ضل عن سواء السبيل»، ~~والطيبات في هذه الآية: المستلذات؛ بدليل إضافتها إلى ما أحل ~~الله؛ وبقرينة ما ذكر من سبب الآية. # وقوله سبحانه: { ولا تعتدوا } ، قال عكرمة وغيره: معناه: في ~~تحريم ما أحل الله، وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى: ولا ~~تعتدوا، فتحلوا ما حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا ~~الطرفين؛ كأنه قال: لا تشددوا؛ فتحرموا حلالا، ولا تترخصوا؛ ~~فتحلوا حراما، قلت: وروى مالك في «الموطإ»، عن أبي النضر، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما مات عثمان بن ~~مظعون، ومر بجنازته: # " ذهبت، ولم تلتبس منها بشيء ". # قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث في «الموطإ» مقطوع، وقد ~~رويناه متصلا مسندا من وجه صالح حسن، ثم أسند أبو عمر عن ~~عائشة، قالت: # " لما مات عثمان بن مظعون، كشف النبي صلى الله عليه وسلم ~~الثوب عن وجهه، وقبل بين عينيه، وبكى بكاء ~~طويلا، فلما رفع على السرير، قال: طوبى لك يا عثمان ~~لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها ". # قال أبو عمر: كان عثمان بن مظعون أحد الفضلاء العباد الزاهدين ~~في الدنيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتبتلين ~~منهم، وقد كان هو وعلي بن أبي طالب هما أن يترهبا ويتركا ~~النساء، ويقبلا على العبادة، ويحرما طيبات الطعام على ~~أنفسهما، فنزلت: { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا ~~طيبت ما أحل الله لكم... } الآية. ونقل هذا معمر ~~وغيره عن قتادة. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن ~~}: معناه: شددتم، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد؛ قال ~~الحطيئة: [البسيط] # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # قال الفخر: وأما وجه المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها، فهو ما ~~تقدم من أن قوما من الصحابة (رضي الله عنهم) حرموا على ~~أنفسهم المطاعم والملاذ، وحلفوا على ذلك، فلما نهاهم الله ~~تعالى عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، فكيف نصنع بأيماننا؟ ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. انتهى. # وقوله سبحانه: { فكفرته إطعام عشرة ms0434 مسكين } ، ~~أي: إشباعهم مرة واحدة، وحكم هؤلاء ألا يتكرر واحد منهم في ~~كفارة يمين واحدة. # واختلف في معنى قوله سبحانه: { من أوسط } ، فرأى مالك ~~وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، ~~والوجه أن يعم بلفظ «الوسط» القدر والصنف، فرأى مالك ~~أن يطعم المسكين ب «المدينة» مدا بمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك رطل وثلث، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في ~~غيرها أن يتوسع، ورأى من يقول: إن التوسط إنما هو في الصنف ~~أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحط ~~عن الأعلى، ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب «المدونة»؛ أن يراعي ~~المكفر عيش البلد، وتأويل العلماء في الحانث في اليمين بالله: أنه ~~مخير في الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، والعلماء على أن العتق ~~أفضل ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر، ~~فالأيسر، قال الفخر: وبدأ سبحانه بالإطعام؛ لأنه أعم وجودا، ~~والمقصود منه التنبيه على أنه سبحانه يراعي التخفيف، والتسهيل ~~في التكاليف، وثانيها: أن الإطعام أفضل، قلت: وهذا هو مشهور مذهب ~~مالك. انتهى، ويجزىء عند مالك من الكسوة في الكفارة ما يجزىء في ~~الصلاة. # وقوله سبحانه: { أو تحرير رقبة } ، أي: مؤمنة؛ قاله مالك ~~وجماعة؛ لأن هذا المطلق راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في قتل ~~الخطإ. # وقوله سبحانه: { فمن لم يجد }: معناه: لم يجد في ملكه أحد هذه ~~الثلاث المذكورة. واختلف العلماء في حد هذا العادم، ومتى يصح ~~له الصيام؛ فقال الشافعي ومالك وجماعة من العلماء: إذا كان المكفر ~~لا يملك إلا قوته، وقوت عياله، يومه وليلته، فله أن يصوم، فإن ~~كان عنده زائد على ذلك ما يطعم عشرة مساكين، لزمه الإطعام، قال ~~الطبري: وقال آخرون: جائز لمن لم يكن له فضل على رأس ماله ~~الذي يتصرف به في معايشه؛ أن يصوم، وقرأ أبي بن كعب، وابن مسعود: ~~«ثلثة أيام متتابعات»، وقال بذلك جماعة. # وقال مالك وغيره: إن تابع، فحسن، وإن فرق، أجزأ، وقوله: { إذا ~~حلفتم } ، معناه: وأردتم الحنث، أو ms0435 وقعتم فيه. ### || [5.90-92] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس... } الآية: # قال * ع *: وفي معنى الأزلام: الزجر بالطير، وأخذ الفأل في ~~الكتب ونحوه مما يصنعه الناس، وأخبر سبحانه أن هذه الأشياء رجس، ~~قال ابن عباس في هذه الآية: رجس: سخط، وقال ابن زيد: الرجس ~~الشر. # قال * ع *: الرجس: كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب والرجز: ~~العذاب لا غير، والركس: العذرة لا غير، والرجس يقال ~~للأمرين. # وقوله سبحانه: { فاجتنبوه }: أمر باجتنابه، فحرمت الخمر؛ بظاهر ~~القرآن، ونص الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمر الخمر إنما كان بتدريج ~~ونوازل كثيرة؛ كقصة حمزة، حين جب الأسنمة، وقوله: وهل أنتم ~~إلا عبيد أبي، ثم أعلم سبحانه عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع ~~العداوة بسبب الخمر، وما يعتري عليها بين المؤمنين، وبسبب ~~الميسر؛ إذ كانوا يتقامرون على الأموال؛ حتى ربما بقي ~~المقمور فقيرا، فتحدث من ذلك ضغائن وعداوات، فإن لم يصل الأمر ~~إلى حد العداوة، كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا ~~عباد الله إخوانا " # ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهد العدو، والبغضاء ~~تنقض عرى الدين، وتهدم عماد الحماية، وكذلك أيضا يريد الشيطان ~~أن يصد المؤمنين عن ذكر الله، وعن الصلاة، ويشغلهم عنها ~~باتباع الشهوات، والخمر والميسر والقمار كله من أعظم الآفات ~~في ذلك، وفي قوله سبحانه: { فهل أنتم منتهون }: وعيد زائد ~~على معنى: «انتهوا». ### || [5.93-94] # وقوله سبحانه: { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا... } الآية: قال ابن عباس ~~وغيره: لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله، ~~كيف بمن مات منا، وهو يشربها، ويأكل الميسر، ونحو هذا من ~~القول، فنزلت هذه الآية، وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة ~~الأولى، والجناح: الإثم والحرج، والتكرار في قوله سبحانه: ~~«اتقوا» يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها، وفي ذلك مبالغة ~~في هذه الصفات لهم، وليست الآية وقفا على من عمل الصالحات ~~كلها، واتقى كل التقوى، ms0436 بل هي لكل مؤمن، وإن كان عاصيا ~~أحيانا؛ إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به ~~أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره، محسن، فليس ~~على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، و { ~~طعموا }: معناه: ذاقوا فصاعدا في رتب الأكل والشرب، وقد ~~يستعار للنوم وغيره، وحقيقته في حاسة الذوق. # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم ~~الله بشيء من الصيد } ، أي: ليختبرنكم ليرى طاعتكم ~~من معصيتكم، وقوله: «بشيء» يقتضي تبعيضا، و «من»: يحتمل أن تكون ~~للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس؛ كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج:30]. # وقوله تعالى: { ليعلم الله من يخافه بالغيب }: ~~معناه: ليستمر علمه تعالى عليه، وهو موجود؛ إذ قد علم تعالى ذلك ~~في الأزل، و { بالغيب }: قال الطبري: معناه: في الدنيا حيث لا ~~يرى العبد ربه، فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى: بالغيب من ~~الناس، أي: في الخلوة ممن خاف الله. انتهى، قلت: وقول الطبري ~~أظهر، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد النهي بالعذاب الأليم، وهو ~~عذاب الآخرة. ### || [5.95-98] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم... } الآية: الصيد: مصدر عومل معاملة ~~الأسماء، فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام، ومعناه ~~الخصوص فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، ~~والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور " # ، وأجمع الناس على إباحة قتل الحية، وبسط هذا في كتب الفقه، ~~و { حرم }: جمع حرام، وهو الذي يدخل في الحرم، أو في الإحرام، ~~واختلف في قوله: { متعمدا } ، فقال مجاهد وغيره: معناه: متعمدا ~~لقتله، ناسيا لإحرامه، فهذا يكفر،وأما إن كان ذاكرا لإحرامه، ~~فهو أعظم من أن يكفر، وقد حل ولا رخصة له. # وقال جماعة من أهل العلم، منهم ابن عباس ومالك والزهري ~~وغيرهم: المتعمد: القاصد للقتل، الذاكر لإحرامه، فهو يكفر، ~~وكذلك الناسي والقاتل خطأ يكفران، وقرأ نافع وغيره: «فجزاء ~~مثل»، بإضافة الجزاء إلى «مثل» ، وقرأ حمزة وغيره: ~~«فجزاء» بالرفع ms0437 ، «مثل» بالرفع أيضا ، واختلف في ~~هذه المماثلة، كيف تكون، فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى ~~مثل الحيوان المقتول في الخلقة، وعظم المرأى، فيجعلان ذلك من ~~النعم جزاءه، وذهب الشعبي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في ~~القيمة يقوم الصيد المقتول، ثم يشتري بقيمته ند من النعم، ورد ~~الطبري وغيره هذا القول، والنعم: لفظ يقع على الإبل والبقر ~~والغنم، إذا اجتمعت هذه الأصناف، فإن انفرد كل صنف لم يقل ~~«نعم» إلا للإبل وحدها، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين ~~عدلين عالمين بحكم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهور ~~الناس. # قال ابن وهب في «العتبية»: من السنة أن يخير الحكمان من أصاب ~~الصيد؛ كما خيره الله تعالى في أن يخرج هديا بالغ الكعبة، ~~أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما، فإن اختار الهدي، ~~حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون ~~عدل ذلك شاة؛ لأنها أدنى الهدي، فما لم يبلغ شاة، حكما فيه ~~بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما، ~~وكذلك قال مالك في «المدونة»: إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم، ~~فإن كان لما أصاب نظير من النعم، فإنه يقوم صيده طعاما، ~~لا دراهم، قال: وإن قوماه دراهم، واشتري بها طعام، ~~لرجوت أن يكون واسعا، والأول أصوب، فإن شاء، أطعمه، وإلا صام ~~مكان كل مد يوما، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال ~~يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقال: كم من رجل يشبع من هذا ~~الصيد، فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد؟ ~~فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قول حسن ~~احتاط فيه؛ لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، فبهذا ~~النظر يكثر الإطعام. # وقوله تعالى: { هديا بلغ الكعبة } ذكرت «الكعبة»؛ لأنها أم ~~الحرم، والحرم كله منحر لهذا الهدي؛ ولا بد أن يجمع في هذا ~~الهدي بين الحل والحرم حتى يكون بالغ الكعبة، فالهدي ~~لا ينحر إلا في الحرم. ms0438 # واختلف في الطعام، فقال جماعة: الإطعام والصوم حيث شاء ~~المكفر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهدي والإطعام ~~بمكة، والصوم حيث شئت. # وقوله سبحانه: { ليذوق وبال أمره }: الذوق هنا مستعار، ~~والوبال: سوء العاقبة، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد ~~أكله، وعبر ب { أمره } عن جميع حاله؛ من قتل وتكفير، وحكم ~~عليه، ومضي ماله، أو تعبه بالصوم، واختلف في معنى قوله ~~سبحانه: { عفا الله عما سلف... } الآية: فقال عطاء بن أبي ~~رباح، وجماعة: معناه: عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم ~~الصيد في الحرمة، ومن عاد الآن في الإسلام، فإن كان مستحلا، فينتقم ~~الله منه في الآخرة، ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصيا، ~~فالنقمة هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا: وكلما عاد ~~المحرم، فهو يكفر. # قال * ع *: ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا هو ~~قول الفقهاء مالك ونظرائه، وأصحابه (رحمهم الله)، وقال ابن عباس ~~وغيره: أما المتعمد، فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه، ~~فإن اجترأ، وعاد ثانيا، فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله ~~منك؛ كما قال الله تعالى. # وقوله سبحانه: { والله عزيز ذو انتقام }: تنبيه على صفتين ~~تقتضيان خوف من له بصيرة، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل " # ، قلت: والصيد للهو مكروه، وروى أبو داود في سننه، عن ابن ~~عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ~~ومن أتى السلطان، افتتن " # انتهى. # وقوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا ~~لكم... } الآية: البحر: الماء الكثير، ملحا كان أو عذبا، ~~وكل نهر كبير: بحر، وطعامه: هو كل ما قذف به، وما طفا عليه؛ قاله ~~جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ وهو مذهب مالك. # و { متعا }: نصب على المصدر، والمعنى: متعكم به متاعا ~~تنتفعون به، وتأتدمون، و { لكم }: يريد حاضري البحر ~~ومدنه، و { للسيارة }: المسافرين، واختلف في مقتضى قوله ~~سبحانه: { وحرم ms0439 عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ~~، فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته؛ فقالوا: إن المحرم لا ~~يحل له أن يصيد، ولا أن يأمر من يصيد، ولا أن يأكل صيدا صيد من ~~أجله، ولا من غير أجله، وأن لحم الصيد بأي وجه كان حرام على ~~المحرم، وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لا يرى بأسا ~~للمحرم أن يأكل ما صاده حلال لنفسه، أو لحلال مثله، وقال بمثل ~~قول عمر عثمان بن عفان والزبير بن العوام؛ وهو الصحيح؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده ~~أبو قتادة، وهو حلال، والنبي عليه السلام محرم. # ثم ذكر سبحانه بأمر الحشر والقيامة، مبالغة في التحذير؛ ولما بان ~~في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة، ~~وأنها بيت الله تعالى، وعنصر هذه الفضائل ذكر سبحانه في ~~قوله: { جعل الله الكعبة البيت }؛ تنبيها سنه في ~~الناس، وهداهم إليه، وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من ~~التزامهم أن الكعبة قوام، والهدي قوام، والقلائد قوام، ~~أي: أمر يقوم للناس بالتأمين، ووضع الحرب أوزارها، وأعلم تعالى ~~أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه، و { جعل } ، في هذه ~~الآية: بمعنى «صير»، والكعبة بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال ~~أهل اللغة: كل بيت مربع، فهو مكعب، وكعبة، وذهب بعض ~~المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى: { قياما للناس } ، أي: ~~موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات، وضبط النفوس في الشهر ~~الحرام، ومع الهدي والقلائد، قال مكي: معنى { قياما ~~للناس } ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، ~~فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضا، وكذلك الهدي والقلائد جعل ذلك ~~أيضا قياما للناس؛ فكان الرجل إذا دخل الحرم أمن من عدوه، ~~وإذا ساق الهدي كذلك، لم يعرض له، وكان الرجل إذا أراد الحج، ~~تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر ~~الحرم، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يصل إلى أهله، قال ابن ~~زيد: كان الناس كلهم فيهم ملوك تدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في ms0440 ~~العرب ملوك تدفع عن بعضهم ظلم بعض، فجعل الله لهم البيت ~~الحرام قياما يدفع بعضهم عن بعض. انتهى من «الهداية». # والشهر هنا: اسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، ~~وشهر مضر، وهو رجب، وأما الهدي، فكان أمانا لمن يسوقه؛ لأنه ~~يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب، وأما القلائد، فكذلك كان الرجل إذا ~~خرج يريد الحج، تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئا، فكان ~~ذلك أمانا له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلدوا من شجر الحرم، وقوله { ~~ذلك }: إشارة إلى أن جعل الله هذه الأمور قياما. # وقوله سبحانه: { بكل شيء عليم }: عام عموما تاما في ~~الجزئيات ودقائق الموجودات، والقول بغير هذا إلحاد في الدين ~~وكفر. ### || [5.99-100] # وقوله سبحانه: { ما على الرسول إلا البلغ... } الآية: ~~إخبار للمؤمنين مضمنه الوعيد، إن انحرفوا، ولم يمتثلوا ما بلغ ~~الرسول إليهم، { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ~~، قلت: قال الشيخ أبو مدين (رضي الله عنه): الحق تعالى مطلع ~~على السرائر والظواهر في كل نفس وحال، فأيما قلب رآه مؤثرا ~~له، حفظه من الطوارق والمحن ومضلات الفتن، وقال (رحمه ~~الله): ماعرف الحق من لم يؤثره، وما أطاعه من لم يشكره. ~~انتهى. # وقوله تعالى: { قل لا يستوي الخبيث والطيب... } ألاية: ~~لفظ عام في جميع الأمور، فيتصور في المكاسب، وعدد الناس، ~~والمعارف من العلوم ونحوها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ~~ولا ينجب، ولا تحسن له عاقبة، والطيب وإن قل: نافع جميل ~~العاقبة، وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا # [الأعراف:58]، والخبث: هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها ~~الصلاح، وهي بخلاف ذلك. وقوله سبحانه: { فاتقوا الله ~~يأولي الألبب }: تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد ~~والعمل، وخص أولو الألباب بالذكر؛ لأنهم المتقدمون في ميز هذه ~~الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها؛ مع ألبابهم وإدراكهم. ### || [5.101-102] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم... } الآية: اختلف الرواة في ~~سببها، والظاهر من الروايات أن ms0441 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات، حسبما هو ~~معلوم في الروايات، فزجرهم الله تعالى عن ذلك بهذه الآية، ~~وأشياء: اسم لجمع شيء، قال ابن عباس: معنى الآية: لا تسألوا ~~عن أشياء في ضمن الأنباء عنها مساءة لكم؛ إما بتكليف شرعي ~~يلزمكم، وإما بخبر يسوءكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربكم ~~بأمر، فحينئذ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم، وأبدي، ~~ويحتمل قوله: { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرءان ~~تبد لكم }؛ أن يكون في معنى الوعيد؛ كأنه قال: لا تسألوا، وإن ~~سألتم، لقيتم غب ذلك وصعوبته، قال النووي: وعن أبي ثعلبة ~~الخشني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل فرض فرائض؛ فلا تضيعوها، ~~وحد حدودا؛ فلا تعتدوها، وحرم أشياء؛ فلا ~~تنتهكوها، وسكت عن أشياء؛ رحمة بكم، لا عن ~~نسيان؛ فلا تبحثوا عنها " # ، ورويناه في «سنن الدارقطني». انتهى، وفي «صحيح البخاري»، عن ~~أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: # " دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم ~~بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا ~~نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه، وإذا أمرتكم ~~بأمر، فأتوا منه ما استطعتم " # انتهى. # و { عفا الله عنها }: معناه: تركها، ولم يعرف بها، { قد ~~سألها قوم من قبلكم } قال الطبري: كقوم صالح؛ في ~~سؤالهم الناقة؛ وكبني إسرائيل؛ في سؤالهم المائدة، أي: وكطلب الأمم ~~قديما التعمق في الدين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلفت. ### || [5.103-104] # وقوله سبحانه: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ~~ولا وصيلة ولا حام... } الآية: أي: لم يجعل سبحانه شيئا من ~~ذلك، ولا سنه لعباده، المعنى: ولكن الكفار فعلوا ذلك؛ كعمرو ~~بن لحي وغيره من رؤسائهم؛ { يفترون على الله الكذب ~~}؛ بقولهم: هذه قربة إلى الله، { وأكثرهم } ، يعني: ~~الأتباع { لا يعقلون } ، بل يتبعون هذه الأمور تقليدا، و { ~~جعل } في هذه الآية: لا يتجه أن تكون بمعنى «خلق»، ولا بمعنى ~~«صير»، وإنما هي بمعنى: «ما سن ولا شرع». # قال * ص *: { ما جعل }: ذهب ابن عطية ms0442 والزمخشري إلى أنها ~~بمعنى: «شرع»، قال ابن عطية: ولا تكون بمعنى «خلق»، لأن الله ~~تعالى خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى «صير»؛ لعدم المفعول ~~الثاني، قال أبو حيان: ولم يذكر النحويون لها هذا، وقد جاء حذف ~~أحد مفعولي «ظن» وأخواتها قليلا، فتحمل هذه على حذف المفعول ~~الثاني، أي: ما صير الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حاميا ~~ مشروعا، وهو أولى من إثبات معنى لم يسمع فيها، وذكر أبو ~~البقاء؛ أنها هنا بمعنى «سمى» انتهى. # قلت: وحاصل كلام أبي حيان؛ أنه شهادة على نفي، وعلى تقدير ~~صحته، فيحمل كلام ابن عطية على أنه تفسير معنى، لا تفسير إعراب. # وبحيرة: فعلية بمعنى مفعولة، وبحر: شق، كانوا إذا نتجت ~~الناقة عشرة بطون، شقوا أذنها بنصفين طولا، فهي ~~مبحورة، وتركت ترعى، وترد الماء، ولا ينتفع بشيء منها، ~~ويحرم لحمها؛ إذا ماتت على النساء، ويحلل للرجال؛ وذلك ~~كله ضلال، والسائبة: هي الناقة تسيب للآلهة، والناقة أيضا إذا ~~تابعت ثنتي عشرة إناثا ليس فيهن ذكر، سيبت، وكانت ~~السوائب أيضا في العرب؛ كالقربة عند المرض يبرأ منه، والقدوم ~~من السفر، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله تعالى عليه، تقرب ~~بأن يسيب ناقة، فلا ينتفع منها بلبن، ولا ظهر، ولا غيره، ~~يرون ذلك كعتق بني آدم؛ ذكره السدي وغيره، وكانت العرب ~~تعتقد أن من عرض لهذه النوق، فأخذها أو انتفع منها بشيء، ~~فإنه تلحقه عقوبة من الله، والوصيلة: قال أكثر الناس: إن ~~الوصيلة في الغنم، قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون، أو ~~خمسة، فإن كان آخرها جديا، ذبحوه لبيت الآلهة، وإن كان عناقا، ~~استحيوها، وإن كان جدي وعناق، استحيوهما، وقالوا: هذه ~~العناق وصلت أخاها، فمنعته من أن يذبح، وعلى أن ~~الوصيلة في الغنم، جاءت الروايات عن أكثر الناس، وروي عن ابن ~~المسيب؛ أن الوصيلة من الإبل، وأما الحامي؛ فإنه الفحل من الإبل، ~~إذا ضرب في الإبل عشر سنين، وقيل: إذا ولد من صلبه عشر، وقيل: ~~إذا ولد من ولد ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيبوه، لا يركب، ولا ms0443 ~~يسخر في شيء، وعبارة الفخر: وقيل: الحامي: الفحل؛ إذا ركب ~~ولد ولده. انتهى، قلت: والذي في «البخاري»: والحام: فحل ~~الإبل يضرب الضراب المعدود، وإذا قضى ضرابه، ودعوه ~~للطواغيت، وأعفوه من الحمل، فلم يحمل شيء عليه، وسموه ~~الحامي. انتهى. # وقوله سبحانه: { وإذا قيل لهم } ، يعني: لهؤلاء الكفار ~~المستنين بهذه الأشياء: { تعالوا إلى ما أنزل الله } ، ~~يعني: القرآن الذي فيه التحريم الصحيح، { قالوا حسبنا } ، ~~معناه: كفانا. ### || [5.105] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم... } ~~الآية: قال أبو ثعلبة الخشني: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن هذه الآية، فقال: # " ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا ~~رأيت دنيا مؤثرة، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي ~~رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر ~~عوامهم؛ فإن وراءكم أياما؛ أجر العامل فيها ~~كأجر خمسين منكم " # ، وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه ~~مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام ، وجملة ما ~~عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين، متى رجي ~~القبول، أو رجي رد الظالم، ولو بعنف ما لم يخف الآمر ضررا ~~يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين؛ إما بشق ~~عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا، ف { ~~عليكم أنفسكم }: محكم واجب أن يوقف عنده. # وقوله سبحانه: { إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم ~~بما كنتم تعملون } ، هذا تذكير بالحشر وما بعده، وذلك ~~مسل عن أمور الدنيا، مكروهها ومحبوبها، روي عن بعض الصالحين؛ ~~أنه قال: ما من يوم إلا ويجيء الشيطان، فيقول: ما تأكل، وما ~~تلبس، وأين تسكن، فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، ~~وأسكن القبر. # قال * ع *: فمن فكر في مرجعه إلى الله سبحانه، فهذا حاله، قلت: ~~وخرج البغوي في «المسند المنتخب»، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنه قال: # " يا أيها الناس، إنكم تعملون أعمالا تعزب ~~عنكم إلى يوم القيامة، وتوشك العوازب أن تؤوب ~~إلى أهلها، فمسرور بها، ومكظوم " # انتهى من «الكوكب الدري»، والله المستعان. ### || [5.106-108] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا شهدة ~~بينكم ms0444 إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان... } الآية، إلى قوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة:109] قال مكي: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما ~~في القرآن إعرابا، ومعنى، وحكما. # قال * ع *: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها؛ وذلك بين من ~~كتابه، وبالله نستعين. # لا نعلم خلافا أن سبب هذه الآية أن تميما الداري وعدي ~~بن بداء، وكانا نصرانيين، سافرا إلى المدينة، يريدان الشام؛ ~~لتجارتهما، وقدم المدينة أيضا ابن أبي مارية مولى عمرو بن ~~العاصي، يريد الشام تاجرا، قال الفخر: وكان مسلما، فخرجوا ~~رفاقة، فمرض ابن أبي مارية في الطريق، وأوصى إلى تميم وعدي؛ أن ~~يؤديا رحله إلى أوليائه من بني سهم، وروى ابن عباس عن تميم ~~الداري؛ أنه قال: برىء الناس من هذه الآية غيري وغير عدي ~~بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه قال: وكان معه جام فضة، يريد ~~به الملك، فأخذته أنا وعدي، فبعناه بألف، وقسمنا ثمنه، ~~فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ~~تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، وأديت ~~خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وحلف عمرو بن العاصي، ورجل آخر معه، ونزعت من عدي ~~خمسمائة. # قال * ع *: واختلفت ألفاظ هذه القصة، وما ذكرته هو عمود الأمر، ~~ولم تصح لعدي صحبة فيما علمت، ولا ثبت إسلامه، وقد صنفه في ~~الصحابة بعض المتأخرين، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة. # وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها، فهو أن الله سبحانه أخبر ~~المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي، إذا حضره الموت: أن ~~تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر، وهو الضرب في الأرض، ولم ~~يكن معه من المؤمنين أحد، فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل ~~الكفر، فإذا قدما، وأديا الشهادة على وصيته، حلفا بعد ~~الصلاة؛ أنهما ما كذبا، ولا بدلا، وأن ما شهدنا به حق ما ~~كتمنا فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على ~~أنهما كذبا، أو خانا، أو نحو ms0445 هذا مما هو إثم، حلف رجلان ~~من أولياء الموصي في السفر، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، ~~هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، ويحيى بن يعمر، وابن جبير، وأبي مجلز، ~~وإبراهيم، وشريح، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، ~~ومجاهد وغيرهم، قالوا: ومعنى قوله: { منكم } ، أي: من ~~المؤمنين، ومعنى: { من غيركم } ، أي: من الكافرين. # قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا ~~يسافرون في التجارة مع أنواع الكفرة، واختلفت هذه الجماعة ~~المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وغيره؛ أن الآية محكمة، ~~ومذهب جماعة منهم؛ أنها منسوخة؛ بقوله: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق:2]؛ وبما عليه إجماع جمهور الناس؛ أن شهادة الكفار لا ~~تجوز. # قال * ع *: ولنرجع الآن إلى الإعراب، ولنقصد القول المفيد؛ لأن ~~الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطا شديدا، وذكر ذلك ~~والرد عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان ~~بالقبول مقنع، والله المستعان. # فقوله تعالى: { شهدة بينكم } ، هي الشهادة التي تحفظ ~~لتؤدى، ورفعها بالابتداء، والخبر في قوله: { اثنان } ، وقوله ~~تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت }: إذا قارب الحضور، ~~والعامل في «إذا» المصدر الذي هو «شهادة»، وهذا على أن تجعل «إذا» ~~بمنزلة «حين»، لا تحتاج إلى جواب، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية ~~المحتاجة إلى الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله: { ~~شهدة بينكم }؛ إذ المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، ~~فينبغي أن يشهد، وقوله: { حين الوصية }: ظرف زمان، ~~والعامل فيه { حضر } ، وإن شئت، جعلته بدلا من «إذا»، ~~وقوله: { ذوا عدل }: صفة لقوله: { اثنان } ، و { منكم }: ~~صفة أيضا بعد صفة، وقوله: { من غيركم }: صفة ل { ءاخران ~~} وقوله: { تحبسونهما }: صفة ل { ءاخران } أيضا، واعترض ~~بين الموصوف والصفة بقوله: { إن أنتم } ، إلى { الموت } ، ~~وأفاد الاعتراض أن العدول إلى آخرين من غير الملة، إنما يكون ~~مع ضرورة السفر، وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب «إن»؛ لما ~~تقدم من قوله: { أو ءاخران من غيركم } ، وقال جمهور من ~~العلماء: الصلاة هنا صلاة العصر، وقال ابن عباس: إنما هي ms0446 صلاة ~~الذميين، وأما العصر، فلا حرمة لها عندهما، والفاء في قوله: ~~{ فيقسمان }: عاطفة جملة على جملة؛ لأن المعنى تم في قوله: ~~{ من بعد الصلوة } ، وقوله: { إن ارتبتم } شرط لا ~~يتجه تحليف الشاهدين إلا به، والضمير في قول الحالفين: { لا ~~نشتري به }: عائد على القسم، أو على اسم الله، وقوله: { ~~لا نشتري } جواب يقتضيه قوله: { فيقسمان بالله }؛ لأن ~~«أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيمان، وقوله: { ثمنا } ، ~~أي: ذا ثمن، وخص ذو القربى بالذكر؛ لأن العرب أميل الناس ~~إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله: { ~~ولا نكتم شهدة الله } ، أضاف الشهادة إليه تعالى من ~~حيث هو الآمر بإقامتها، الناهي عن كتمانها، وروي عن الشعبي ~~وغيره: «شهادة» بالتنوين ، «الله» بقطع الألف دون مد ~~وخفض الهاء ، وقال أيضا: يقف على الهاء من: «شهادة» بالسكون، ثم ~~يقطع الألف المكتوبة من غير مد؛ كما تقدم، وروي عنه كان ~~يقرأ: «آلله» بمد ألف الإستفهام في الوجهين ، أعني: بسكون ~~الهاء من «شهادة»، وتحريكها منونة منصوبة، ورويت هذه التي هي ~~تنوين «شهادة»، ومد ألف الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب، ~~قال أبو الفتح: إنما تسكن هاء «شهادة» في الوقف عليها. # وقوله سبحانه: { فإن عثر }: استعارة لما يوقع على علمه بعد ~~خفائه، و { استحقا إثما }: معناه: استوجباه من الله، ~~وكانا أهلا له؛ لأنهما ظلما وخانا. # وقوله تعالى: { فآخران } ، أي: إذا عثر على خيانتهما، ~~فالأوليان باليمين وإقامة القضية: آخران من القوم الذين هم ~~ولاة الميت، واستحق عليهم حظهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو ما ~~شئت من هذه التقديرات، وقرأ نافع وغيره: «استحق» مضمومة ~~التاء ، «والأوليان»؛ على تثنية الأولى، وروي عن ~~ابن كثير: «استحق» بفتح التاء ؛ وكذلك روى حفص عن ~~عاصم. # وفي قوله: { استحق }: استعارة؛ لأنه وجه لهذا الاستحقاق إلا ~~الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو ~~لأهل دينه، فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك: «هذا قد استحق ~~علي مالي أو منزلي بظلمه»، فتشبهه بالمستحق حقيقة؛ إذ ~~تصور تصوره، وتملك تملكه؛ وهكذا هي «استحق» ms0447 في الآية على ~~كل حال، وإن أسندت إلى النصيب ونحوه. # وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: «استحق» بضم التاء ، ~~«الأولين»: على جمع أول؛ ومعناها: من القوم الذين استحق ~~عليهم أمرهم؛ إذ غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون، أي: ~~في الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله: { اثنان ذوا عدل ~~منكم } ، ثم بعد ذلك قال: { أو ءاخران من غيركم } ، ~~وقوله: { فيقسمان } ، يعني: الآخرين اللذين يقومان ~~مقام شاهدي الزور، وقولهما: { لشهدتنا }؛ أي: لما ~~أخبرنا نحن به، وذكرناه من نص القصة أحق مما ~~ذكراه أولا وحرفاه، { وما اعتدينا }؛ في قولنا هذا، ~~وقولهما: { إنا إذا لمن الظلمين }: تبر في صيغة ~~الاستعظام والاستقباح للظلم. # وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهدة على ~~وجهها أو يخفوا أن ترد أيمن بعد ~~أيمنهم... } الآية: الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع ما حد ~~قبل؛ من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين، ثم إن عثر على ~~جورهما، ردت اليمين، وغرما، فذلك كله أقرب إلى اعتدال هذا ~~الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل؛ لأنهم يخافون الفضيحة، ~~ورد اليمين؛ هذا قول ابن عباس، وجمع الضمير في { يأتوا } ~~أو { يخفوا }؛ إذ المراد صنف ونوع من الناس، والمعنى: ذلك ~~الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا، وأقرب إلى أن يخافوا، وباقي ~~الآية بين. ### || [5.109-111] # وقوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل }؛ ذهب قوم إلى أن ~~العامل في { يوم }: ما تقدم من قوله تعالى: { لا يهدي } ، ~~وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها إنما هو أن يكون هذا الكلام ~~مستأنفا، والعامل مقدر، إما «اذكر»، أو: «تذكروا»، أو ~~«احذروا»، ونحو هذا مما حسن اختصاره؛ لعلم السامع به، ~~والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة، وخص الرسل بالذكر؛ لأنهم ~~قادة الخلق، وهم المكلمون أولا، و { ماذا أجبتم }: معناه: ~~ماذا أجابتكم الأمم، وهذا السؤال للرسل إنما هو لتقوم الحجة ~~على الأمم، واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام : { لا ~~علم لنا }: قال الطبري: ذهلوا عن الجواب، لهول المطلع؛ ~~وقاله الحسن، وعن مجاهد؛ أنه قال: يفزعون، فيقولون: لا علم لنا، ~~وضعف بعض ms0448 الناس هذا المنزع؛ بقوله تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء:103]، وقال ابن عباس: معنى الآية: لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا؛ أنت أعلم به منا، وقول ابن عباس حسن، وهو أصوب هذه ~~المناحي؛ لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى، ورد الأمر إليه؛ ~~إذ هو العالم بجميع ذلك؛ على التفصيل والكمال، فرأوا التسليم ~~والخضوع لعلمه المحيط سبحانه، قال مكي: قال ابن عباس: المعنى: ~~لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، وهو اختيار الطبري، وقيل: ~~لما كان السؤال عاما يقتضي بعمومه سؤالهم عن سر الأمم ~~وعلانيتها، ردوا الأمر إليه؛ إذ ليس عندهم إلا علم الظاهر؛ ~~قال مكي: وهذا القول أحب الأقوال إلي، قال: ومعنى مسألة ~~الله الرسل عما أجيبوا، إنما هو لمعنى التوبيخ لمن ~~أرسلوا إليه؛ كما قال تعالى: # وإذا الموءودة سئلت # [التكوير:8]، انتهى من «الهداية». # وقوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر ~~نعمتي عليك... } الآية: { قال } هنا بمعنى يقول؛ لأن ظاهر ~~هذا القول أنه في القيامة؛ تقدمة لقوله سبحانه: # ءأنت قلت للناس # [المائدة:116]. # وقوله سبحانه: { وإذ تخرج الموتى } ، أي: من قبورهم، وكف ~~بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في ~~البيت مع الحواريين، وكذلك منعه منهم قبل ذلك إلى تلك ~~النازلة الأخيرة، فهناك ظهر عظم الكف. # وقوله سبحانه: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ، هو من ~~جملة تعديد النعم على عيسى عليه السلام : و { أوحيت ~~}؛ في هذا الموضع: إما أن يكون وحي إلهام أو وحي أمر، وبالجملة ~~فهو إلقاء معنى في خفاء، أوصله سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، ~~والرسول في هذه الآية: عيسى، وقول الحواريين: { واشهد }: ~~يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله سبحانه، ويحتمل أن يكون لعيسى. ### || [5.112-113] # وقوله سبحانه: { إذ قال الحواريون... } الآية: اعتراض أثناء ~~وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة، مضمن الاعتراض إخبار ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته بنازلة الحواريين في ~~المائدة، إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها تقتدي بمحاسنه، ~~وتزدجر عما ينفر منه من طلب الآيات ونحوه، وقرأ ms0449 الجمهور: «هل ~~يستطيع ربك» بالياء ورفع الباء من «ربك»، ~~والمعنى: هل يفعل ربك هذا، وهل تقع منه إجابة إليه، ولم يكن ~~منهم هذا شكا في قدرة الله سبحانه؛ إذ هم أعرف بالله من أن ~~يشكوا في قدرته، وقرأ الكسائي: «هل تستطيع ربك» ~~بالتاء ونصب الباء من «ربك» ، والمعنى: هل تستطيع سؤال ~~ربك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائي، وقال قوم: قال ~~الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء ~~الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويظهر من قوله عليه السلام ~~: { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين }: إنكار لقولهم، ~~واقتراحهم الآيات، والتعرض لسخط الله بها، وقلة ~~طمأنينتهم إلى ما قد ظهر، ولما خاطبهم عليه السلام بهذه ~~المخاطبة، صرحوا بمقاصدهم التي حملتهم على طلب المائدة، ~~فقالوا: { نريد أن نأكل منها }؛ فنشرف في العالم، { ~~وتطمئن قلوبنا } ، أي: تسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة ~~لأمر نازل من السماء بأعيننا، { ونعلم } علم الضرورة ~~والمشاهدة؛ { أن قد صدقتنا }؛ فلا تعرضنا الشبه التي ~~تعرض في علم الاستدلال؛ وهذا يؤيد أن مقالتهم كانت في مبدأ ~~أمرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصبروا، وهلك من كفر، ~~وقولهم: { ونكون عليها من الشهدين } ، أي: من الشاهدين ~~بهذه النازلة، الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع؛ ~~بسببها، وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن ~~عيسى قال لهم مرة: «هل لكم في صيام ثلاثين يوما ~~لله سبحانه، ثم إن سألتموه حاجة، قضاها»، ~~فلما صاموها، قالوا: يا معلم الخير، إن حق من عمل ~~عملا أن يطعم، فهل يستطيع ربك، فأرادوا أن تكون المائدة ~~عيد ذلك الصوم. ### || [5.114-115] # وقوله سبحانه: { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا ~~أنزل علينا مائدة من السماء... } الآية، أي: أجابهم ~~عيسى عليه السلام إلى ما سألوا، فيروى أنه لبس جبة ~~شعر، ورداء شعر، وقام يصلي، ويبكي، والعيد: المجتمع، وقوله: ~~{ لأولنا وءاخرنا } ، روي عن ابن عباس؛ أن المعنى: ~~يكون مجتمعا لجميعنا أولنا وآخرنا، قال: فأكل من المائدة حين ~~وضعت أول الناس؛ كما أكل آخرهم، { وآية منك } ، أي: ~~وعلامة على صدقي، ms0450 فأجاب الله تعالى دعوة عيسى عليه ~~السلام ، وقال: { إني منزلها عليكم } ، ثم شرط عليهم ~~سبحانه شرطه المتعارف في الأمم؛ أنه من كفر بعد آية الاقتراح، ~~عذب أشد عذاب، والجمهور أن المائدة نزلت كما أخبر الله ~~سبحانه، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت ~~المائدة خبزا وسمكا، وقال عطية: المائدة سمكة فيها طعم ~~كل طعام، وقال ابن عباس: نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون ~~منه أينما نزلوا، إذا شاءوا، وقال عمار بن ياسر: سألوا عيسى ~~مائدة يكون عليها طعام لا ينفذ، فقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم ~~تخبئوا، أو تخونوا، فإن فعلتم، عذبتم، قال: فما مضى يوم؛ حتى ~~خبئوا، وخانوا، يعني: بني إسرائيل، فمسخوا قردة وخنازير، وقال ~~ميسرة: كانت المائدة، إذا وضعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدي ~~بكل طعام إلا اللحم، وأكثر الناس في قصص المائدة مما رأيت ~~اختصاره؛ لعدم سنده. ### || [5.116-118] # وقوله سبحانه: { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ءأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله... } الآية: اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول، فقال ~~السدي وغيره: لما رفع الله عيسى إلى السماء، قالت النصارى ما ~~قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عن قولهم، فقال: { ~~سبحنك... } الآية، ويجيء على هذا قوله: { وإن تغفر لهم ~~} ، أي: في التوبة من الكفر؛ لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، ~~وقال ابن عباس، وجمهور الناس: هذا القول من الله إنما هو يوم ~~القيامة يقوله الله له على رءوس الخلائق، فيرى الكفار ~~تبريه منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل، ف { قال }؛ ~~على هذا التأويل بمعنى: «يقول»؛ ونزل الماضي موضع ~~المستقبل؛ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقوله آخرا: { وإن ~~تغفر لهم }: معناه: إن عذبت العالم كله، فبحقك، فهم ~~عبادك تصنع بحق الملك ما شئت؛ لا اعتراض عليك، وإن غفرت ~~وسبق ذلك في علمك؛ فلأنك أهل لذلك؛ لا معقب لحكمك، ولا منازع ~~لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم، مع علمه بأنهم ~~كفرة قد حتم عليهم ms0451 العذاب، وهذا القول عندي أرجح؛ ويتقوى ~~بما يأتي بعد، وهو قوله سبحانه: # هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم # [المائدة:119]. # وقوله: { سبحنك } ، أي: تنزيها لك عن أن يقال هذا، وينطق ~~به؛ { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ، أي: ما ~~يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية، ثم قال: { إن كنت ~~قلته فقد علمته } لأنك أحطت بكل شيء علما, وأحصيت كل ~~شيء عددا, فوفق الله عيسى لهذه الحجة البالغة, وقوله { تعلم ~~ما في نفسي } ، خص النفس بالذكر؛ لأنها مظنة الكتم ~~والانطواء على المعلومات. # والمعنى: أن الله سبحانه يعلم ما في نفس عيسى، ويعلم كل ~~أمره مما عسى ألا يكون في نفسه. # وقوله: { ولا أعلم ما في نفسك }: معناه: ولا أعلم ما عندك ~~من المعلومات، وما أحطت به، وذكر «النفس» هنا مقابلة لفظية، ~~في اللسان العربي؛ يقتضيها الإيجاز؛ وهذا ينظر من طرف خفي إلى ~~قوله تعالى: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران:54]؛ و # الله يستهزىء بهم # [البقرة:15] فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب ~~المقابلة اللفظية، إذ هي من فصيح الكلام، وبارع العبارة. # ثم أقر عيسى عليه السلام لله تعالى؛ بأنه سبحانه علام الغيوب، أي: ~~ولا علم لي أنا بغيب. # وقوله: { فلما توفيتني }: أي: قبضتني بالرفع، والتصيير ~~في السماء، و { الرقيب }: الحافظ المراعي. # وقوله: { فإنك أنت العزيز }: أي: في قدرتك، { الحكيم } ~~في أفعالك. # والمعنى: إن يكن لك في الناس معذبون، فهم عبادك، وإن يكن مغفور ~~لهم، فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. ### || [5.119-120] # { قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم }؛ ~~فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله سبحانه ، وكل ما كان ~~أتقى، فهو أدخل في العبارة، وجاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى ~~ عليه السلام في حاله، وصدقه؛ فيحصل له بذلك في الموقف ~~شرف عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه. # ثم ذكر تعالى ما أعده لهم برحمته، وطوله، جعلنا الله منهم ~~بمنه، وسعة جوده، لا رب غيره، ولا مرجو في الدارين ~~سواه، وباقي الآية بين. جعل الله ما كتبناه من هذه الأحرف نورا ~~يسعى ms0452 بين أيدينا بمنه. والحمد لله كما هو أهله، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-2] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي خلق السموات ~~والأرض وجعل الظلمت والنور }. # قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية»: قال الإمام ~~الفخر: لفظ الحمد معرفا لا يقال إلا في حق الله عز وجل؛ ~~لأنه يدل على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لزيد. قاله سيبويه. # وذكر ابن العربي في «القانون» عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما من شيء أحب إلى الله من الحمد، وأبلغ ~~الحمد الحمد لله على كل حال ". # قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: # " ما من نعمة عظمت إلا والحمد لله أعظم منها " # انتهى. # قال * ع *: و { جعل } هاهنا بمعنى: «خلق»، ولا يجوز غير ذلك. # قال قتادة، والسدي؛ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور ~~النهار. # وقالت فرقة: الظلمات الكفر، والنور الإيمان. # قال * ع *: وهذا على جهة التشبيه صحيح، وعلى ما يفهمه عباد ~~الأوثان غير جيد؛ لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى ~~باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برىء القرآن ~~منه، والنور أيضا هنا للجنس. # وقوله تعالى: { ثم } دالة على قبح فعل الذين كفروا؛ لأن ~~المعنى: أن خلقه السموات والأرض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده ~~قد تقرر، وآياته قد سطعت، وإنعامه بذلك على العباد قد تبين، ~~فكان الواجب عليهم إخلاص التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بربهم ~~يعدلون؛ أي: يسوون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله. # و { الذين كفروا } في هذا الموضع كل من عبد شيئا سوى ~~الله إلا أن السابق من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشارة ~~إلى عبدة الأوثان من العرب؛ لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضا يشير إلى ~~المانوية العابدين للنور، القائلين: إن الخير من فعل النور، ~~والشر من فعل الظلام. # وقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين } فالمعنى: خلق ~~آدم من طين. # وقوله سبحانه: { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } اختلف ~~في هذين ms0453 الأجلين، فقال الحسن بن أبي الحسن وغيره: { أجلا } ~~أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من ~~وقت موته إلى حشره، ووصفه ب { مسمى عنده }؛ لأنه استأثر ~~سبحانه بعلم وقت القيامة. وقال ابن عباس: { أجلا } الدنيا، ~~{ وأجل مسمى } الآخرة. # وقيل غير هذا. # { وتمترون } معناه: تشكون. ### || [6.3-6] # وقوله سبحانه: { وهو الله في السموات وفي الأرض ~~يعلم سركم وجهركم } قاعدة الكلام في هذه الآية: أن ~~حلول الله في الأماكن مستحيل تعالى أن يحويه ~~مكان، كما تقدس أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق المكان ~~والزمان، وهو الآن على ما عليه كان. # وإذا تقرر هذا، فقالت فرقة من العلماء: تأويل ذلك على تقدير ~~صفة محذوفة من اللفظ ثابتة في المعنى، كأنه قال: وهو الله ~~المعبود في السموات، وفي الأرض. وعبر بعضهم بأن قدر: وهو الله ~~المدبر للأمر في السموات والأرض. # وقال الزجاج: { في } متعلقة بما تضمنه اسم الله من ~~المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب. # قال * ع *: وهذا عندي أفضل الأقوال، وأكثرها إحرازا لفصاحة ~~اللفظ، وجزالة المعنى. # وإيضاحه: أنه أراد أن يدل على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، ~~واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قوله: { وهو ~~الله } أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو ~~الله الخالق، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي الأرض، كما ~~تقول: زيد السلطان في المشرق والمغرب و «الشام» و «العراق»، فلو قصدت ~~ذات زيد لقلت محالا، وإذا كان مقصد قولك الآمر، ~~الناهي، الناقض، المبرم، الذي يعزل ويولي في المشرق والمغرب، ~~فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحا صحيحا، فكذلك في الآية أقام ~~لفظة { الله } مقام تلك الصفات المذكورة. # وقالت فرقة: { وهو الله } ابتداء وخبر، تم الكلام عنده، ثم ~~استأنف، وتعلق قوله: { في السموات } بمفعول { يعلم } ، كأنه ~~قال: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات، وفي الأرض. # وقوله تعالى: { يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون } خبر في ضمنه تحذير وزجر، و { تكسبون } لفظ عام ~~لجميع الاعتقادات، والأقوال، والأفعال. # وقوله ms0454 سبحانه: { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين } تضمنت هذه الآية ~~مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه، بأنهم يعرضون عن ~~كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد عليه السلام وما جاء به. # قال * ص *: { من ءاية من ءايت ربهم } «من» الأولى ~~زائدة للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: { تأتيهم }. # و «من» الثانية للتبعيض انتهى. # وقوله تعالى: { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون } هذا وعيد لهم شديد، وهذه العقوبات التي ~~توعدوا بها تعم عقوبات الدنيا كبدر وغيرها، وعقوبات ~~الآخرة. # وقوله سبحانه: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم } هذا ~~حض على العبرة، والرؤية هنا رؤية القلب، والقرن: الأمة ~~المقترنة في مدة من الزمن. # واختلف في مدة القرن كم هي؟ # فالأكثر على أنها مائة سنة. # وقيل غير هذا. # وقيل: القرن الزمن نفسه، وهو على حذف مضاف، تقديره: من أهل ~~قرن. قال عياض في «الإكمال»: واختلف في لفظ القرن، وذكر الحربي فيه ~~الاختلاف من عشر سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي: وليس ~~منه شيء واضح، وأرى القرن كل أمة هلكت، فلم يبق منها أحد. ~~انتهى. # والضمير في { مكنهم } عائد على القرن، والمخاطبة في { ~~لكم } هي للمؤمنين، ولجميع المعاصرين لهم من سائر الناس، و { ~~السماء } هنا المطر، و { مدرارا } بناء تكثير، ومعناه: يدر ~~عليهم بحسب المنفعة. # وقوله سبحانه: { وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين }. # { أنشأنا }: اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القرن إنما هو ~~وفاة الأشياخ، ثم ولادة الأطفال. ### || [6.7-9] # وقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } ~~الآية. # لما أخبر عنهم سبحانه بأنهم كذبوا بكل ما جاءهم من آية ~~أتبع ذلك بإخبار فيه مبالغة، والمعنى: ولو نزلنا بمرأى منهم ~~عليك كتابا أي: كلاما مكتوبا في قرطاس، أي: في صحيفة. # { فلمسوه بأيديهم } يريد: أنهم بالغوا في ميزه وتقليبه؛ ~~ليرتفع كل ارتياب لعاندوا فيه، وتابعوا كفرهم وقالوا: هذا سحر ~~مبين. # وقوله سبحانه: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } أي: يصدق ~~محمدا في نبوءته، ثم ms0455 رد الله عليهم بقوله: { ولو ~~أنزلنا ملكا لقضي الأمر } قال ابن عباس وغيره: في ~~الكلام حذف، تقديره: ولو أنزلنا ملكا، فكذبوه لقضي الأمر ~~بعذابهم، ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية، ~~وكذبت بعد أن أظهرت إليها. # وقالت فرقة: { لقضي الأمر } أي: لماتوا من هول رؤية ~~الملك في صورته، ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله: { ولو ~~جعلنه ملكا لجعلنه رجلا } فإن أهل التأويل ~~مجمعون أن ذلك؛ لأنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، ~~فإذ قد تقعد أنهم لا يطيقون رؤية الملك في صورته، ~~فالأولى في قوله: { لقضي الأمر } أي: لماتوا؛ لهول رؤيته، ~~{ ثم لا ينظرون } ، أي: لا يؤخرون. # ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا ~~على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي صلى الله عليه ~~وسلم للمشركين، فسمعا حس الملائكة، وقائلا يقول في السحاب: ~~أقدم حيزوم، فانكشف قناع قلب أحدهما، فمات لهول ذلك، ~~فكيف برؤية ملك في خلقته. # { وللبسنا } أي: لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم ~~إلى أن يلبسوا به، وذلك لا يحسن. # قلت: وفي البخاري: { وللبسنا عليهم ما يلبسون }: ~~لشبهنا. ### || [6.10-12] # وقوله سبحانه: { ولقد استهزئ برسل من قبلك } الآية ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالأسوة في الرسل، وتقوية لنفسه ~~على محاجة المشركين، وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه، ~~والمستهزئين به. # و { حاق } معناه: نزل، وأحاط، وهي مخصوصة في الشر؛ يقال: حاق ~~يحيق حيقا. # وقوله سبحانه: { قل سيروا في الأرض } حض على الاعتبار ~~بآثار من مضى ممن فعل مثل فعلهم. # وقوله سبحانه: { قل لمن ما في السموات والأرض قل ~~لله }. # قال بعض أهل التأويل: تقدير الكلام: قل لمن ما في ~~السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يجيبوا قل لله. # والصحيح من التأويل أن الله عز وجل أمر نبيه عليه ~~السلام أن يقطعهم بهذه الحجة، والبرهان القطعي الذي لا ~~مدافعة فيه عندهم، ولا عند أحد ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه ~~وبينهم، ثم يتركب احتجاجه عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ms0456 لهم: يأيها الكافرون العادلون بربهم لمن ما في السموات ~~والأرض، ثم سبقهم فقال: لله أي لا مدافعة في هذا عندكم، ~~ولا عند أحد. # ثم ابتدأ يخبر عن الله تعالى: { كتب على نفسه الرحمة } ~~معناه: قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث صحيحة؛ ففي ~~«صحيح مسلم»؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم # " جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة ~~وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك ~~الجزء يتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها ~~عن ولدها؛ خشية أن تصيبه ". # ولمسلم في طريق آخر: # " كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض، فإذا ~~كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة ". # وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق ~~العرش: إن رحمتي تغلب غضبي ". # وفي طريق: # " سبقت غضبي " # إلى غير ذلك من الأحاديث. انتهى. # قال * ع *: فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات. ~~تغمدنا الله بفضل منه. # ويتضمن هذا الإخبار عن الله سبحانه بأنه كتب الرحمة ~~لتأنيس الكفار، ونفي يأسهم من رحمة الله إذا أنابوا. # واللام في قوله: { ليجمعنكم } لام قسم، والكلام مستأنف، وهذا ~~أظهر الأقوال وأصحها. # وقوله سبحانه: { الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون }. # { الذين } رفع بالابتداء، وخبره: { فهم لا يؤمنون }. ### || [6.13-16] # وقوله تعالى: { وله ما سكن في اليل والنهار } الآية. # { وله } عطف على قوله: { لله } ، و { سكن } هي من السكنى، ~~ونحوه؛ أي: ما ثبت وتقرر. قاله السدي، وغيره. # وقالت فرقة: هو من السكون، وهو ضعيف. # وقوله تعالى: { قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السموات والأرض } الآية. # قال الطبري وغيره: أمر عليه السلام أن يقول هذه ~~المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فتجيء الآية ~~على هذا جوابا لكلامهم. # قال * ع *: وهذا يحتاج إلى سند، والفصيح أنه لما قرر معهم أن ~~الله تعالى له ما في السموات والأرض، وله ما سكن في ~~الليل والنهار، أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ ~~والتوقيف: أغير الله الذي هذه أفعاله أتخذ وليا، بمعنى: أن ms0457 ~~هذا خطأ بين ممن يفعله. # والولي لفظ عام لمعبود وغير ذلك. # ثم أخذ في صفات الله تعالى فقال: { فاطر } بخفض الراء ~~نعت لله عز وجل. # قال * ص *: { فاطر } الجمهور بالجر، ووجهه ابن عطية، ~~وغيره على أنه نعت { لله }. # وأبو البقاء على أنه بدل، وكأنه رأى الفصل بين البدل ~~والمبدل أسهل؛ لأن البدل في المشهور على نية تكرار ~~العامل. انتهى. # و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضا في اللغة: شق، ~~ومنه # هل ترى من فطور # [الملك:3] أي: من شقوق. # و { يطعم ولا يطعم } المقصود به: يرزق ولا يرزق. # وقوله: { قل إني أمرت... } إلى { عظيم }. # قال المفسرون: المعنى أول من أسلم من هذه الأمة، وبهذه ~~الشريعة، ولفظة { عصيت } عامة في أنواع المعاصي، ولكنها ~~هاهنا إنما تشير إلى الشرك المنهي عنه. واليوم العظيم هو ~~يوم القيامة. # وقرأ نافع وغيره «من يصرف عنه» مسندا إلى المفعول، وهو الضمير ~~العائد على العذاب. # وقرأ حمزة وغيره «من يصرف» بإسناد الفعل إلى الضمير العائد إلى ~~«ربي»، ويعمل في ضمير العذاب المذكور، ولكنه محذوف. # وقوله: { وذلك } إشارة إلى صرف العذاب، وحصول الرحمة، و { ~~الفوز } النجاة. ### || [6.17-19] # وقوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كشف له ~~إلا هو }. # يمسسك: معناه يصبك، وينلك، والضر بضم الضاد: سوء ~~الحال في الجسم وغيره، وبفتحها ضد النفع، ومعنى الآية: ~~الإخبار أن الأشياء كلها بيد الله؛ إن ضر فلا كاشف ~~لضره غيره، وإن أصاب بخير، فكذلك أيضا. # وعن ابن عباس قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: # " يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، ~~احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، ~~وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا ~~بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن ~~يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله ~~عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف " # رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وفي رواية غير الترمذي زيادة: # " احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى ms0458 الله في ~~الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم ~~يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك... " # وفي آخره: # " واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع ~~العسر يسرا ". # قال النووي: هذا حديث عظيم الموقع. انتهى من «الحلية». # وقرأت فرقة: «وأوحى إلي هذا القرآن» على بناء الفعل للفاعل، ~~ونصب «القرآن»، وفي «أوحى» ضمير يعود على الله تعالى. # وقوله: { لأنذركم به ومن بلغ } معناه على قول الجمهور: بلاغ ~~القرآن، أي: لأنذركم وأنذر من بلغه، ففي «بلغ» ضمير ~~محذوف؛ لأنه في صلة «من» فحذف لطول الكلام. # وقالت فرقة: ومن بلغ الحلم. # وروي في معنى التأويل الأول أحاديث. وظاهر الآية أنها في ~~عبدة الأصنام. # وذكر الطبري أنه قد ورد من وجه لم تثبت صحته أنها في قوم من ~~اليهود، قالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلها غيره، فقال لهم: «لا ~~إله إلا الله وبذلك أمرت» فنزلت الآية. والله أعلم. # وأمر الله سبحانه نبيه عليه السلام أن يعلن ~~بالتبري من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله عز وجل ~~ والتبري من إشراكهم. # قال الغزالي في «الإحياء». وينبغي للتالي أن يقدر أنه المقصود بكل ~~خطاب في القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدر المنهي، ~~والمأمور، وكذا إن سمع وعدا أو وعيدا، وكذا ما يقف عليه من ~~القصص، فالمقصود به الاعتبار. قال تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك # [هود:120]. # وقال تعالى: # هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين # [آل عمران:138]. # وقال: { وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن ~~بلغ }. # قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله عز ~~وجل انتهى. ### || [6.20-22] # وقوله سبحانه: { الذين آتينهم الكتب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم }. # قال قتادة، وغيره: يعرفون محمدا عليه السلام . # وقوله: { الذين خسروا أنفسهم } الآية؛ روي أن كل عبد له ~~منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمنون ينزلون منازل ~~أهل الكفر في الجنة، والكافرون ينزلون منازل أهل ~~الجنة في النار، فهنا هي الخسارة البينة، والربح للآخرين. ~~وباقي الآية بين. ms0459 # وقوله سبحانه: { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول ~~للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون } المعنى: واذكر يوم نحشرهم. ### || [6.23-26] # وقوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين }. # الفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حب الشيء، ~~والإعجاب به، وتقال بمعنى الاختبار. ومن قال: إن أصل الفتنة ~~الاختبار من: فتنت الذهب في النار، ثم يستعار بعد ~~ذلك في غير ذلك، فقد أخطأ؛ لأن الاسم لا يحكم عليه بمعنى ~~الاستعارة حتى يقطع عليه باستحالة حقيقته في الموضع ~~الذي استعير له، كقول ذي الرمة: [الطويل] # ولف الثريا في ملاءته الفجر # ونحوه، والفتنة لا يستحيل أن تكون حقيقة في كل موضع قيلت ~~عليه، وباقي الآية مضى تفسيره عند قوله سبحانه: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء:42] فانظره هناك. # قال * ع *: وعبر قتادة عن الفتنة هنا بأن قال: معذرتهم. # وقال الضحاك: كلامهم. # وقيل غير هذا مما هو في ضمن ما ذكرناه. # وقوله سبحانه: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } هذا ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والنظر نظر القلب، وقال: { ~~كذبوا } في أمر لم يقع؛ إذ هي حكاية عن يوم القيامة، فلا ~~إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال ~~الماضي تحقيقا في الفعل، وإثباتا له، وهذا مهيع في اللغة. # { وضل عنهم } معناه: ذهب افتراؤهم في الدنيا، ~~وكذبهم على الله. # وقوله سبحانه: { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة } الآية. # «أكنة» جمع: كنان، وهو الغطاء { أن يفقهوه } أي: يفهموه، ~~والوقر الثقل. # وقوله سبحانه: { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها }. ~~الرؤية هنا رؤية العين، يريد كانشقاق القمر وشبهه. # وقولهم: { إن هذا إلا أسطير الأولين } إشارة إلى ~~القرآن، والأساطير جمع أسطار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سطر ~~أو سطر. وقيل: أساطير جمع إسطارة، وهي الترهات. # وقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة. وقيل: هم اسم جمع، لا ~~واحد له من لفظه كعباديد وشماطيط، والمعنى: إخبار الأولين ~~وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر، وتحكى، ولا تحقق كالتواريخ، ~~وإنما شبهها الكفار بأحاديث النضر بن الحارث، وعبد ms0460 الله بن ~~أبي أمية، عن رستم ونحوه، ومجادلة الكفار كانت مرادتهم نور ~~الله بأقوالهم المبطلة. # { وهم ينهون عنه } قال قتادة وغيره: المعنى: ينهون عن ~~القرآن. # وقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: ~~ينهون غيرهم، ويبعدون هم بأنفسهم، والنأي البعد. # قال * ص *: { وإن يهلكون }: إن نافية بمعنى «ما»، و { ~~أنفسهم } مفعول ب { يهلكون } انتهى. { وما يشعرون } ~~معناه: ما يعلمون علم حس، ونفي الشعور مذمة بالغة؛ إذ ~~البهائم تشعر وتحس، فإذا قلت: فلان لا يشعر، فقد نفيت عنه ~~العلم النفي العام الذي يقتضي أنه لا يعلم ولا المحسوسات. ### || [6.27-28] # وقوله جلت عظمته: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ~~الآية: المخاطبة فيه للنبي صلى الله عليه وسلم وجواب «لو» محذوف، ~~تقديره في آخر الآية: لرأيت هولا عظيما ونحوه. # و { وقفوا } معناه: حسوا، ويحتمل قوله: { وقفوا على ~~النار } بمعنى «دخلوها». قاله الطبري. # ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها، وعاينوها. # وقولهم: { يليتنا نرد } معناه إلى الدنيا. # وقوله سبحانه: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~} الآية: يتضمن أنهم كانوا يخفون أمورا في الدنيا، فظهرت لهم ~~يوم القيامة، أو ظهر وبال ذلك وعاقبته، فحذف المضاف، وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. # وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~خافوا، وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذلك ~~يوم القيامة. # ويصح أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه، فعبر عن ~~ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغيرها، فكيف ~~الظن بما كانوا يعلنونه من كفر ونحوه. وينظر إلى هذا التأويل قوله ~~تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة: # يوم تبلى السرائر # [الطارق:9]. وقوله سبحانه: { ولو ردوا لعدوا } إخبار عن ~~أمر لا يكون كيف كان يوجد، وهذا النوع مما استأثر الله ~~ تعالى بعلمه، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يتكلم ~~فيه. # قال الفخر: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد ~~قول المعتزلة؛ لأن الله تعالى حكى عن هؤلاء أنهم لو ~~ردوا لعادوا لما ms0461 نهوا عنه، وما ذاك إلا للقضاء السابق فيهم. ~~انتهى. ### || [6.29-31] # وقوله تعالى: { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ~~وما نحن بمبعوثين } هذا على تأويل الجمهور ابتداء كلام، ~~وإخبار عنهم بهذه المقالة، و «إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب ~~بالحشر والعودة إلى الله. # وقوله سبحانه: { أليس هذا بالحق } الإشارة بهذا إلى ~~البعث الذي كذبوا به في الدنيا، وقولهم: { بلى وربنا } ~~إيمان، ولكنه حين لا ينفع. # وقوله: { فذوقوا } استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة ~~الذائق، و { بغتة } معناه: فجأة، تقول: بغتني الأمر؛ أي: فجأني، ~~ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة # وأفظع شيء حين يفجأك البغت # ونصبها على المصدر في موضع الحال. # وقولهم: { قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها } نداء ~~الحسرة على تعظيم الأمر، وتشنيعه. # و { فرطنا } معناه: قصرنا، والضمير في قوله: { فيها } عائد ~~على الساعة؛ أي: في التقدمة لها. قاله الحسن. # ويحتمل أن يعود الضمير على الدنيا، إذ المعنى يقتضيها، ومجيء ~~الظرفية أمكن. # قلت: قال عبد الحق في «العاقبة»: لا يعرف مقدار الحياة إلا ~~الموتى؛ لأنهم قد ظهرت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق، ~~وتبدت لهم المنازل، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، ~~ولما استبان لهم ذلك، وعلموا مقدار ما ضيعوا، وقيمة ما فيه ~~فرطوا، ندموا وأسفوا، وودوا أنهم إلى الدنيا رجعوا، ~~فالذي عمل صالحا ود أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد من عمله ~~الصالح، ويكثر من تجره الرابح، والمقصر يود أنه لو رد ~~ليستدرك ما فيه فرط، وقد قال عليه السلام: # " " ما من أحد يموت إلا ندم " قالوا: وما ندامته ~~يا رسول الله؟ قال: " إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، ~~وإن كان مسيئا ندم ألا يكون نزع " # خرجه الترمذي. انتهى. # وقوله تعالى: { وهم يحملون } الواو واو الحال، والأوزار ~~جمع وزر بكسر الواو، وهو الثقل من الذنوب، والوزر هنا تجوز ~~وتشبيه بثقل الأحمال. ومن قال: إنه من الوزر، وهو الجبل ~~الذي يلجأ إليه، فهو قول غير بين. # وقال الطبري وغيره: هذا على جهة الحقيقة، ورووا في ذلك خبرا: ~~أن المؤمن يلقاه عمله ms0462 في أحسن صورة وأفوحها ~~فيسلم عليه ويقول طال ما ركبتك في الدنيا ~~وأجهدتك، فاركبني اليوم. قال: فيحمله تمثال ~~العمل. وإن الكافر يلقاه عمله في أقبح صورة ~~وأنتنها فيشتمه، ويقول: أنا عملك الخبيث طال ما ~~ركبتني في الدنيا بشهواتك فأنا أركبك اليوم، ~~قال: فيحمل تمثال عمله الخبيث وأوزاره على ظهره. # قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذكره الطبري كثيرة كأحاديث ~~مانعي الزكاة، وغيرها. # قال مكي: وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: # " إذا كان يوم القيامة بعث الله مع كل امرىء مؤمن ~~عمله، وبعث مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيئا يروعه، ~~ولا شيئا يفزعه ويخافه إلا قال له عمله: أبشر ~~بالذي يسرك فإنك لست بالذي يراد بهذا. ولا يرى ~~الكافر شيئا يفزعه ويروعه ويخافه إلا قال له عمله: ~~أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك، فوالله إنك لأنت ~~الذي تراد بهذا " # انتهى. ### || [6.32-33] # وقوله سبحانه: { وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو } ~~الآية. هذا ابتداء خبر عن حال الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت ~~فانية لا طائل لها أشبهت اللعب، واللهو الذي لا طائل له إذا ~~تقضى. وهذه الآية تتضمن الرد على قولهم: # إن هي إلا حياتنا الدنيا # [الأنعام:29] وهو المقصود بها. # قال عبد الحق في «العاقبة»: اعلم رحمك الله أن حب ~~الدنيا هو سبب طول الأمل، والإكباب عليها يمنع من ~~الفكرة في الخروج عنها، والجهل بغوائلها يحمل على الإرادة لها، ~~والازدياد منها؛ لأن من أحب شيئا أحب الكون معه، والازدياد ~~منه، ومن كان مشغوفا بالدنيا محبا لها قد خدعته ~~بزخرفها وأمالته برونقها كيف يحب مفارقتها، أو يحب ~~مزايلتها، هذا أمر لم تجر العادة به، ولا حدثنا عنه، بل ~~نجد من كان على هذه الصفة أعمى عن طريق الخير، أصم عن داعي ~~الرشد، أفن الرأي، سيىء النظر، ضعيف الإيمان، لم تترك له ~~الدنيا ما يسمع به، ولا ما يرى، إنما دينه وشغله وحديثه ~~دنياه، لها ينظر، ولها يسمع، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم ~~أن أهل القبور إنما يندمون على ms0463 ما يتركون، ويفرحون بما ~~يقدمون، فما عليه أهل القبور يندمون، أهل الدنيا عليه ~~يقتتلون. انتهى. # وقوله سبحانه: { قد نعلم... } الآية: { نعلم } إذا كانت من ~~الله تعالى تتضمن استمرار العلم وقدمه، فهي تعم ~~الماضي، والحال، والاستقبال. # قلت: ونحو هذا لأبي حيان قال: وعبر هنا بالمضارع؛ لأن ~~المراد الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان ~~يعطي ويمنع. انتهى. # وقرأ نافع وحده «ليحزنك» من أحزن. # وقرأ الباقون: «ليحزنك» من حزنت الرجل. # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا ~~يكذبونك» بتشديد الذال، وفتح الكاف وقرأها ابن عباس، ~~وردها على قارىء قرأ عليه «يكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا ~~يسمونه الأمين. # وقرأ نافع والكسائي بسكون الكاف، وتخفيف الذال، وهما قراءتان مشهورتان ~~صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، ~~وإنهم يعلمون صدقك، ولكنهم يجحدون عنادا وظلما، وهذا تأويل ~~قتادة والسدي وغيرهما. # وحكي عن طائفة من الكفار أنها كانت تقول: إنا لنعلم أن محمدا ~~صادق، ولكن إذا آمنا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نؤمن به ~~أبدا. رويت هذه المقالة عن أبي جهل، ومن جرى مجراه. # وأسند الطبري: # " أن جبريل وجد النبي صلى الله عليه وسلم حزينا فسأله، فقال: ~~كذبني هؤلاء، فقال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أنك صادق ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون " # وجحد العناد جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، و ~~{ يجحدون }: حقيقته في كلام العرب الإنكار بعد معرفة، وهو ضد ~~الإقرار. ### || [6.34-36] # وقوله سبحانه: { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا } ~~الآية. # قال ابن جريج، والضحاك: عزى الله بهذه الآية نبيه ~~عليه السلام ثم قوى سبحانه رجاء نبيه فيما وعده من ~~النصر، بقوله: { ولا مبدل لكلمت الله } ، أي: لا ~~راد لأمره، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما ~~صبروا، وانتظر ما يأتي، وثق بهذا الإخبار، فإنه لا مبدل له. # وقوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم... } الآية ~~فيها إلزام الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين ~~أن لا وجه ms0464 إلا الصبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على ~~نفسك، وتلتزم الحزن، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعماق ~~الأرض، أو على ارتقاء سلم في السماء، فافعل، أي: ولست بقادر ~~على شيء من هذا، ولا بد لك من التزام الصبر، واحتمال المشقة، { ~~ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجهلين } في أن تأسف وتحزن على أمر أراده الله، وأمضاه. ~~وروى الدارقطني في «سننه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إذا أصاب أحدكم هم أو حزن فليقل سبع مرات: ~~الله الله ربي لا أشرك به شيئا " # انتهى من «الكوكب الدري». # و { فتأتيهم بئاية } أي: بعلامة. # وقال مكي، والمهدوي: الخطاب بقوله: { فلا تكونن من ~~الجهلين } للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، وهذا ~~ضعيف لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله * ع *: فيه عندي نظر؛ لأن هذا ~~شأن التأويل إخراج اللفظ عن ظاهره لموجب، على أن أبا محمد ~~مكيا رحمه الله نقل هذا القول عن غيره نقلا، ولفظه: ~~{ فلا تكونن من الجهلين } أي: ممن لا يعلم أن الله لو ~~شاء لجمع على الهدى جميع خلقه. # وقيل: معنى الخطاب لأمة النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فلا ~~تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من «الهداية». # وقوله سبحانه: { إنما يستجيب الذين يسمعون } هذا من ~~النمط المتقدم في التسلية، أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما ~~يستجيب لداعي الإيمان الذين يفهمون الآيات، ويتلقون ~~البراهين بالقبول، فعبر عن ذلك كله ب { يسمعون } إذ هو ~~طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصوفية رضي الله عنهم ~~إذا بلغت الموعظة من أحد مبلغا شافيا، قالوا: سمع. # ثم قال تعالى: { والموتى } يريد الكفار أي: هم بمثابة ~~الموتى، فعبر عنهم بضد ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تشبه ~~حالهم في العمى عن نور الله، والصمم عن وعي كلماته. قاله ~~مجاهد، والحسن، وقتادة. # و { يبعثهم الله } يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن ~~يؤمنوا حين يوفقهم، وقراءة الحسن «ثم إليه ترجعون» بالتاء من فوق، ~~فتناسبت الآية. # وقال مجاهد، ms0465 وقتادة: { والموتى } يريد الكفار { يبعثهم ~~الله } ، أي: يحشرهم يوم القيامة، { ثم إليه } ، أي: إلى ~~سطوته، وعقابه يرجعون. ### || [6.37-38] # وقوله سبحانه: { وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ~~ربه } «لولا» تحضيض بمعنى «هلا»، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد ~~بيان واضح كملك يشهد له، أو كنز، أو غير ذلك من ~~تشططهم المحفوظ في هذا، ثم أمر عليه السلام ~~بالرد عليهم بأن الله عز وجل قادر على ذلك، ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون أنها لو نزلت، ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب، ~~ويحتمل { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أنه سبحانه ~~إنما جعل الإنذار في آيات معرضة للنظر، والتأمل ليهتدي قوم ~~ويضل آخرون. # وقوله سبحانه: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير ~~بجناحيه إلا أمم أمثلكم } المعنى: في هذه الآية ~~التنبيه على آيات الله الموجودة في أنواع مخلوقاته ~~المنصوبة لمن فكر واعتبر؛ كالدواب والطير، ويدخل في هذين ~~جميع الحيوان، وهي أمم أي: جماعات مماثلة للناس في الخلق، ~~والرزق، والحياة، والموت، والحشر. # ويحتمل أن يريد بالمماثلة في كونها أمما لا غير، إلا أن ~~الفائدة في هذه الآية بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها ~~أمما. # قال الطبري، وغيره: والمماثلة في أنها يهتبل بأعمالها، ~~وتحاسب، ويقتص لبعضها من بعض، على ما روي في الأحاديث؛ أي: فإذا ~~كان هذا يفعل بالبهائم، فأنتم أحرى إذ أنتم مكلفون ~~عقلاء. # وروى أبو ذر: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " أتعلمون فيما انتطحتا؟ قلنا: لا، قال: فإن الله ~~يعلم وسيقضي بينهما ". # وقال مكي: المماثلة في أنها تعرف الله، وتعبده. # وقوله: { بجناحيه } تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة ~~المتعاهدة في هذه اللفظة؛ إذ يقال: طائر السعد، والنحس. ~~وقال تعالى: # ألزمنه طئره في عنقه # [الإسراء:13]، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله ~~تعالى: { بجناحيه } إخراج للطائر عن هذا كله. # وقوله سبحانه: { ما فرطنا في الكتب من شيء } التفريط: ~~التقصير في الشيء مع القدرة على ترك التقصير. # قال أبو حيان: أصل فرطنا يتعدى ب «في» ثم يضمن معنى ~~أغفلنا، فيتعدى إلى مفعول ms0466 به، وهو هنا كذلك، فيكون { من شيء } في ~~موضع المفعول به. انتهى. # و { الكتب }: القرآن وهو الذي يقتضيه نظام المعنى في هذه ~~الآيات. # وقيل: اللوح المحفوظ، { ومن شىء } على هذا القول عام في جميع ~~الأشياء، وعلى القول بأنه القرآن خاص. # و { يحشرون }؛ قالت فرقة من العلماء: حشر البهائم بعثها، ~~واحتجوا بالأحاديث المضمنة أن الله تعالى يقتص ~~للجماء من القرناء، ومن قال: إنما هي كناية عن العدل، ~~وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرموز ونحوها. ### || [6.39-41] # وقوله سبحانه: { والذين كذبوا بآيتنا صم ~~وبكم... } الآية كأنه قال: وما من دابة، ولا طائر، ولا شيء، ~~إلا وفيه آية منصوبة دالة على وحدانية الله تعالى ~~ولكن الذين كذبوا بآياتنا صم وبكم لا يتلقون ذلك، ولا ~~يقبلونه، وظاهر الآية أنها تعم كل مكذب. # وقال النقاش: نزلت في بني عبد الدار. # قال * ع *: ثم تنسحب على سواهم. # وقوله: { في الظلمت } ينوب عن عمي، وفي الظلمات أهول ~~عبارة، وأفصح، وأوقع في النفس. # قال أبو حيان: { في الظلمت } خبر مبتدإ محذوف، أي: هم ~~في الظلمات، أو صفة ل { بكم }؛ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من ~~الضمير المقدر في الخبر، أي: ضالون في الظلمات. انتهى. # وقوله سبحانه: { قل أرأيتكم } ابتداء احتجاج على الكفار ~~الجاعلين لله شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خفتم عذاب الله، أو ~~خفتم هلاكا، أو خفتم الساعة، أتدعون أصنامكم وتلجئون ~~إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون ~~الله الخالق الرازق، فيكشف ما خفتموه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، ~~أي: تتركونهم، فعبر عن الترك بأعظم وجوهه الذي هو مع الترك ~~ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلها من هذه حاله في الشدائد والأزمات. ### || [6.42-45] # وقوله سبحانه: { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فأخذنهم } في الكلام حذف، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟ أي: ~~تابعناهم بالبأساء الآية، والبأساء المصائب في الأموال، والضراء ~~في الأبدان. هذا قول الأكثر. # وقيل: قد يوضع كل واحد بدل الآخر، والتضرع التذلل، والاستكانة، ~~ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، و { لولا ms0467 } تحضيض، وهي ~~التي تلي الفعل بمعنى: «هلا» وهذا على جهة المعاتبة لمذنب ~~غائب، وإظهار سوء فعله مع تحسر ما عليه. # قلت: أي: مع تحسر ما، باعتبار حالة البشر. # وقوله سبحانه: { فلما نسوا ما ذكروا به... } الآية عبر عن ~~الترك بالنسيان، و { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } ~~أي: من النعم الدنيوية بعد الذي أصابهم من البأساء والضراء، ~~و { فرحوا } معناه: بطروا، وأعجبوا، وظنوا أن ذلك لا يبيد، ~~وأنه دال على رضا الله عنهم، وهو استدراج من الله تعالى. # وقد روي عن بعض العلماء: رحم الله عبدا تدبر هذه الآية { ~~حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة }. # وروى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيت الله تعالى يعطي العباد ما يشاءون على ~~معاصيهم، فذلك استدراج ثم تلا: { فلما نسوا ما ذكروا ~~به... } " # الآية كلها، و { أخذنهم } في هذا الموضع معناه: استأصلناهم ~~بغتة أي: فجأة، والمبلس الحزين الباهت اليائس من الخير الذي ~~لا يحير جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال. # وقوله تعالى: { فقطع دابر القوم... } الآية. # الدابر: آخر القوم الذي يأتي من خلفهم، وهذه كناية عن استئصال ~~شأفتهم، ومحو آثارهم، كأنهم وردوا العذاب حتى ورد آخرهم الذي ~~دبرهم، وحسن الحمد عقب هذه الآية لجمال الأفعال المتقدمة ~~في أن أرسل سبحانه الرسل، ولطف في الأخذ بالبأساء ~~والضراء؛ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر ~~الظلمة، وذلك حسن في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحمد عقب ~~هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يختم كل فعل، وكل مقال، إذ ~~هو المحمود على كل حال لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. ### || [6.46-49] # وقوله تعالى: { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصركم... } الآية { أخذ } معناه أذهب، والضمير في { ~~به } عائد على المأخوذ، و { يصدفون } معناه: يعرضون، وينفرون، ~~ومنه قول الشاعر: [البسيط] # إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه # وهن عن كل سوء يتقى صدف # وقوله تعالى: { قل أرأيتكم إن أتكم عذاب الله ~~بغتة... } الآية وعيد وتهديد. # قال: * ع *: { أرءيتم } عند ms0468 سيبويه: تتنزل منزلة «أخبروني»؛ ~~ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين. # وقوله: { بغتة }: معناه: لم يتقدم عندكم منه علم، و { ~~وجهرة } ، معناه: تبدو لكم مخايله ومباديه، ثم يتوالى ~~حتى ينزل. # قال الحسن بن أبي الحسن: { بغتة } ليلا و { جهرة }: ~~نهارا. # وقال مجاهد: { بغتة } فجاءة { ءامنين }. و { جهرة }: وهم ~~ينظرون. # قال أبو حيان: { هل يهلك }؟ «هل» حرف استفهام، معناه هنا ~~النفي، أي: ما يهلك؛ ولذلك دخلت «إلا» على ما بعدها. انتهى. # وقوله سبحانه: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين } ~~،أي: إلا ليبشروا بإنعامنا ورحمتنا من آمن، ومنذرين ~~بعذابنا وعقابنا من كذب وكفر، قال أبو حيان: { مبشرين ~~ومنذرين }: حال فيها معنى العلية، أي: أرسلناهم للتبشير ~~والإنذار. انتهى. # ثم وعد سبحانه من سلك طريق البشارة، فآمن وأصلح في ~~امتثال الطاعة، وأوعد الآخرين. ### || [6.50-53] # وقوله تعالى: { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك... } الآية: ~~هذا من الرد على القائلين: # لولا نزل عليه ءاية # [الأنعام:37] والطالبين أن ينزل ملك، أو تكون له جنة أو ~~كنز، ونحو هذا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أتبع ما ~~يوحى إلي، وهو القرآن وسائر ما يأتيه من الله سبحانه، أي: ~~وفي ذلك عبر وآيات لمن تأمل. # وقوله سبحانه: { قل هل يستوي الأعمى والبصير } ، أي: ~~هل يستوي المؤمن المفكر في الآيات، مع الكافر المعرض عن ~~النظر؛ أفلا تتفكرون، وجاء الأمر بالفكرة في عبارة العرض ~~والتحضيض. # وقوله تعالى: { وأنذر به } ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هم ~~مظنة الإيمان، وأهل للانتفاع، والضمير في { به } عائد على ~~ما يوحى. # وقوله سبحانه: { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع }: ~~إخبار من الله سبحانه عن صفة الحال يوم الحشر، قال الفخر: ~~قوله: { لعلهم يتقون }: قال ابن عباس: معناه: وأنذرهم ~~لكي يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكفر والمعاصي. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي }: المراد ب { الذين } ضعفة ~~المؤمنين في ذلك الوقت في أمور الدنيا؛ كبلال، وصهيب، ~~وعمار، وخباب، وصبيح، وذي الشمالين والمقداد، ~~ونحوهم، وسبب الآية أن بعض أشراف ms0469 الكفار قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط ~~بهؤلاء، فلو طردتهم، لأتبعناك، ورد في ذلك حديث عن ابن ~~مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، و { ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي }: قال الحسن بن أبي ~~الحسن: المراد به صلاة مكة التي كانت مرتين في اليوم بكرة ~~وعشيا، وقيل: قوله: { بالغداة والعشي }: عبارة عن ~~استمرار الفعل، وأن الزمان معمور به، والمراد على هذا التأويل، ~~قيل: الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس وغيره، وقيل: الدعاء، ~~وذكر الله، واللفظة على وجهها، وقيل: القرآن وتعلمه؛ قاله ~~أبو جعفر، وقيل: العبادة؛ قاله الضحاك. # وقوله تعالى: { يريدون وجهه } قلت: قال الغزالي في ~~«الجواهر»: النية والعمل؛ بهما تمام العبادة، فالنية أحد ~~جزأي العبادة، لكنها خير الجزأين، ومعنى النية إرادة وجه ~~الله سبحانه بالعمل، قال الله تعالى: { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ، ~~ومعنى إخلاصها تصفية الباعث عن الشوائب، ثم قال الغزالي: وإذا ~~عرفت فضل النية، وأنها تحل حدقة المقصود، فاجتهد أن ~~تستكثر من النية في جميع أعمالك؛ حتى تنوي بعمل واحد نيات ~~كثيرة، فاجتهد ولو صدقت رغبتك، لهديت لطريق رشدك. انتهى. # وقوله سبحانه: { ما عليك من حسابهم من شيء } ، قال ~~الحسن والجمهور: أي: من حساب عملهم، والمعنى: أنك لم تكلف ~~شيئا غير دعائهم، وقوله: { فتطردهم }: هو جواب النفي في ~~قوله: { ما عليك } ، وقوله: { فتكون }: جواب النهي في قوله: ~~{ ولا تطرد }. # و { فتنا بعضهم ببعض } ، أي: ابتلينا، و { ليقولوا }: ~~معناه: ليصير بحكم القدر أمرهم إلى أن يقولوا؛ على جهة ~~الاستخفاف والهزء: { أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا } ، فاللام في { ليقولوا }: لام الصيرورة. # وقوله سبحانه: { أليس الله بأعلم بالشكرين } ، أي: ~~يأيها المستخفون، ليس الأمر أمر استخفاف، فالله أعلم بمن يشكر ~~نعمه. ### || [6.54-57] # وقوله سبحانه: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا ~~فقل سلم عليكم... } الآية: قال جمهور المفسرين: هؤلاء هم ~~الذين نهى الله عن طردهم، وشفع ذلك بأن أمر سبحانه أن ~~يسلم النبي عليه السلام عليهم، ويؤنسهم، قال خباب ~~بن الأرت: لما ms0470 نزلت: { وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بئايتنا... } الآية، فكنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فيقول لنا: سلام عليكم، ونقعد معه، فإذا أراد أن يقوم، ~~قام، وتركنا، فأنزل الله تعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم... # [الكهف:28]، فكان يقعد معنا، فإذا بلغ الوقت الذي يقوم فيه، ~~قمنا وتركناه، حتى يقوم، و { سلم عليكم }: ابتداء، ~~والتقدير: سلام ثابت أو واجب عليكم، والمعنى: أمنة لكم من ~~عذاب الله في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظ الخبر، وهو في معنى ~~الدعاء، قال الفخر قوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة }: النفس ههنا: بمعنى الذات، والحقيقة، لا بمعنى ~~الجسم، والله تعالى مقدس عنه. انتهى. # قلت: قال ابن العربي في كتاب «تفسير الأفعال الواقعة في ~~القرآن»: قوله تعالى: { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ~~، قال علماؤنا: كتب: معناه أوجب، وعندي أنه كتب حقيقة، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله خلق القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما ~~يكون إلى يوم القيامة " # انتهى. # وقرأ عاصم، وابن عامر أنه بفتح الهمزة في الأولى ~~ والثانية «فأنه»: الأولى بدل من { الرحمة } ، و «أنه» ~~الثانية: خبر ابتداء مضمرة، تقديره: فأمره أنه غفور رحيم، هذا ~~مذهب سيبويه، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ~~«إنه» بكسر الهمزة في الأولى والثانية ، وقرأ نافع بفتح ~~الأولى وكسر الثانية، والجهالة في هذا الموضع: تعم التي ~~تضاد العلم، والتي تشبه بها؛ وذلك أن المتعمد لفعل ~~الشيء الذي قد نهي عنه تسمى معصيته تلك جهالة، قال ~~مجاهد: من الجهالة ألا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته أن ~~يركب الأمر. # قلت: أي: يتعمده، ومن الجهالة التي لا تضاد العلم قوله ~~صلى الله عليه وسلم في استعاذته: # " أو أجهل أو يجهل علي " # ؛ ومنها قول الشاعر: [الوافر] # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # قال الفخر: قال الحسن: كل من عمل معصية، فهو جاهل، فقيل: ~~المعنى أنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب، وما استحقه من ~~العقاب، قلت: وأيضا فهو جاهل بقدر من عصاه. انتهى. # والإشارة بقوله تعالى: { وكذلك نفصل ms0471 الأيت } ، إلى ~~ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين، وبيان فساد منزع ~~العارضين لذلك، وتفصيل الآيات: تبيينها وشرحها وإظهارها، قلت: ~~ومما يناسب هذا المحل ذكر شيء مما ورد في فضل ~~المصافحة، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد»، عن عبد الرحمن بن ~~الأسود، عن أبيه وعلقمة؛ أنهما قالا: «من تمام التحية ~~المصافحة»، وروى مالك في «الموطإ»، عن عطاء الخراساني، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تصافحوا؛ يذهب الغل، وتهادوا؛ تحابوا، وتذهب ~~الشحناء " # ، قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث يتصل من وجوه شتى ~~حسان كلها، ثم أسند أبو عمر من طريق أبي داود وغيره، عن ~~البراء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلمين يلتقيان، فيتصافحان إلا غفر ~~لهما قبل أن يتفرفا " # ، ثم أسند أبو عمر عن البراء بن عازب، قال: # " لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي، ~~فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأحسب أن المصافحة ~~للعجم فقال: نحن أحق بالمصافحة منهم؛ ما من ~~مسلمين يلتقيان، فيأخذ أحدهما بيد صاحبه ~~مودة بينهما، ونصيحة، إلا ألقيت ذنوبهما ~~بينهما " # ، وأسند أبو عمر عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا التقى المسلمان، فتصافحا، أنزل الله ~~عليهما مائة رحمة؛ تسعون منها للذي بدأ ~~بالمصافحة، وعشرة للذي صوفح، وكان أحبهما ~~إلى الله أحسنهما بشرا بصاحبه " # انتهى. # وقد ذكرنا طرفا من آداب المصافحة في غير هذا الموضع، ~~فقف عليه، واعمل به، ترشد، فإن العلم إنما يراد للعمل، ~~وبالله التوفيق. # وخص سبيل المجرمين بالذكر؛ لأنهم الذين آثروا ما تقدم من ~~الأقوال، وهو أهم في هذا الموضع؛ لأنها آيات رد عليهم. # وأيضا: فتبيين سبيلهم يتضمن بيان سبيل المؤمنين، ~~وتأول ابن زيد؛ أن قوله: { المجرمين } معني به ~~الآمرون بطرد الضعفة. # وقوله سبحانه: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله قل لا أتبع أهواءكم... } الآية: أمر ~~الله سبحانه نبيه عليه السلام ؛ أن يجاهرهم بالتبري ~~مما هم فيه، و { تدعون }: معناه تعبدون، ويحتمل أن يريد: ms0472 ~~تدعون في أموركم، وذلك من معنى العبادة، واعتقادهم الأصنام ~~آلهة. # وقوله تعالى: { قل إني على بينة من ربي }: المعنى: ~~قل إني على أمر بين، { وكذبتم به } ، الضمير في «به» ~~عائد على «بين»، أو على الرب، وقيل: على القرآن، وهو جلي، ~~وقال بعض المفسرين: الضمير في «به» الثاني عائد على «ما»، ~~والمراد بها الآيات المقترحة؛ على ما قال بعض المفسرين، ~~وقيل: المراد به العذاب، وهو يترجح من وجهين: # أحدهما: من جهة المعنى؛ وذلك أن قوله: { وكذبتم به } ~~يتضمن أنكم واقعتم ما تستوجبون به العذاب إلا أنه ليس ~~عندي. # والآخر: من جهة لفظ الاستعجال الذي لم يأت في القرآن إلا ~~للعذاب. # وأما اقتراحهم للآيات، فلم يكن باستعجال. # وقوله: { إن الحكم إلا لله } ، أي: القضاء والإنفاذ، و { ~~يقص الحق } ، أي: يخبر به، والمعنى: يقص القصص الحق، ~~وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما: «يقضي الحق»، أي: ينفذه. ### || [6.58-59] # وقوله سبحانه: { قل لو أن عندي ما تستعجلون به ~~لقضي الأمر بيني وبينكم }: المعنى: لو كان عندي ~~الآيات المقترحة، أو العذاب؛ على التأويل الآخر، لقضي الأمر، ~~أي: لوقع الانفصال، وتم النزاع؛ لظهور الآية المقترحة، أو ~~لنزول العذاب؛ بحسب التأويلين، وقيل: المعنى: لقامت ~~القيامة، وقوله: { والله أعلم بالظلمين }: يتضمن ~~الوعيد والتهديد. # وقوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ~~هو }: مفاتح: جمع مفتح، وهذه استعارة؛ عبارة عن التوصل ~~إلى الغيوب؛ كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب، ولو ~~كان جمع «مفتاح»، لقال: مفاتيح، ويظهر أيضا أن «مفاتح» ~~جمع «مفتح» بفتح الميم ، أي: مواضع تفتح عن ~~المغيبات؛ ويؤيد هذا قول السدي وغيره: { مفاتح ~~الغيب }: خزائن الغيب، فأما مفتح بالكسر ، فهو بمعنى ~~مفتاح، قال الزهراوي: ومفتح أفصح، وقال ابن عباس ~~وغيره: الإشارة بمفاتح الغيب هي إلى الخمسة في آخر لقمان: # إن الله عنده علم الساعة... # [لقمان:34] الآية، قلت: وفي «صحيح البخاري»، عن سالم بن عبد ~~الله، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: { إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ms0473 ما ~~فى الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير } ~~[لقمان:34] " # انتهى. # وقوله سبحانه: { من ورقة } ، أي: من ورق النبات، { ولا ~~حبة في ظلمت الأرض } ، يريد: في أشد حال التغيب، ~~وحكى بعض الناس عن جعفر بن محمد قولا: أن الورقة ~~يراد بها السقط من أولاد بني آدم، والحبة: يراد بها الذي ~~ليس بسقط، والرطب يراد به الحي، واليابس يراد به ~~الميت، وهذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن ~~محمد، ولا ينبغي أن يلتفت إليه. # وقوله تعالى: { إلا في كتب مبين } ، قيل: يعني كتابا على ~~الحقيقة، ووجه الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحفظة، وذلك أنه ~~روي أن الحفظة يرفعون ما كتبوه، ويعارضونه بهذا ~~الكتاب المشار إليه؛ ليتحققوا صحة ما كتبوه، وقيل: المراد ~~بقوله: { إلا في كتب }: علم الله عز وجل المحيط ~~بكل شيء. # قال الفخر: وهذا هو الأصوب، ويجوز أن يقال: ذكر تعالى ما ~~ذكر من الورقة والحبة؛ تنبيها للمكلفين على أمر الحساب. ~~انتهى. # قال مكي: قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض شجر، ~~ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك، موكل، يأتي الله بعلمها ~~بيبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت. # وقيل: المعنى في كتبها؛ أنه لتعظيم الأمر، ومعناه: اعلموا أن ~~هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب؛ فكيف ما فيه ثواب ~~أو عقاب. انتهى من «الهداية». ### || [6.60-64] # وقوله سبحانه: { وهو الذي يتوفكم باليل } ، يعني به: ~~النوم، و { يعلم ما جرحتم } ، أي: ما كسبتم بالنهار، ~~ويحتمل أن يكون { جرحتم } هنا من الجرح؛ كأن الذنب جرح في ~~الدين، والعرب تقول: # .................... # وجرح اللسان كجرح اليد # و { يبعثكم }: يريد به الإيقاظ، والضمير في { فيه } عائد على ~~النهار؛ قاله مجاهد وغيره، ويحتمل أن يعود الضمير على التوفي، أي: ~~يوقظكم في التوفي، أي: في خلاله وتضاعيفه؛ قاله عبد الله بن ~~كثير. # و { ليقضى أجل مسمى }: المراد به آجال بني آدم، { ثم ~~إليه مرجعكم }؛ يريد: بالبعث والنشور، { ثم ~~ينبئكم } ، أي: يعلمكم إعلام توقيف، ms0474 ومحاسبة، ففي هذه ~~الآية إيضاح الآيات المنصوبة للنظر، وفيها ضرب مثال للبعث من ~~القبور؛ لأن هذا أيضا إماتة وبعث على نحو ما. # وقوله سبحانه: { وهو القاهر فوق عباده }: القاهر إن ~~أخذ صفة فعل، أي: مظهر القهر بالصواعق والرياح والعذاب، ~~فيصح أن تجعل { فوق } ظرفية للجهة؛ لأن هذه الأشياء إنما ~~تعاهدها العباد من فوقهم، وإن أخذ { القاهر } صفة ذات، ~~بمعنى القدرة والاستيلاء، ف { فوق }: لا يجوز أن تكون للجهة، ~~وإنما هي لعلو القدر والشأن؛ على حد ما تقول: الياقوت فوق ~~الحديد، والأحرار فوق العبيد، و { يرسل عليكم }: معناه: ~~يبثهم فيكم، و { حفظة }: جمع حافظ، والمراد بذلك الملائكة ~~الموكلون بكتب الأعمال، وروي أنهم الملائكة الذين قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار " # ؛ وقال السدي وقتادة، وقال بعض المفسرين: حفظة يحفظون ~~الإنسان من كل شيء؛ حتى يأتي أجله، والأول أظهر. # وقرأ حمزة وحده: «توفاه». # وقوله تعالى: { رسلنا }: يريد به؛ على ما ذكر ابن عباس، وجميع ~~أهل التأويل: ملائكة مقترنين بملك الموت، يعاونونه ويأتمرون ~~له، { ثم ردوا } ، أي: العباد، { إلى الله مولهم } ~~، وقوله: { الحق }: نعت ل { مولهم } ، ومعناه: الذي ليس ~~بباطل، ولا مجاز، { ألا له الحكم }: كلام مضمنه التنبيه، ~~وهز النفوس، { وهو أسرع الحسبين }: قيل لعلي (رضي ~~الله عنه): كيف يحاسب الله العباد في يوم واحد؟! ~~قال: كما يرزقهم في الدنيا في يوم واحد. # وقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمت البر ~~والبحر تدعونه تضرعا وخفية... } الآية: هذا تماد ~~في توبيخ العادلين بالله الأوثان، وتركهم عبادة الرحمن ~~الذي ينجي من الهلكات، ويلجأ إليه في الشدائد، ودفع ~~الملمات، و { ظلمت البر والبحر }: يريد بها ~~شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد؛ بظلمة ~~حقيقية، وما كان بغير ظلمة، والعرب تقول: عام أسود، ويوم ~~مظلم، ويوم ذو كواكب، يريدون به الشدة، قال قتادة وغيره: ~~المعنى: من كرب البر والبحر، وتدعونه: في موضع ~~الحال، والتضرع: صفة بادية على الإنسان، وخفية: معناه: ~~الاختفاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: «وخفية» بكسر ms0475 الخاء ~~، وقرأ الأعمش: «وخيفة»؛ من الخوف. # وقوله سبحانه: { قل الله ينجيكم منها... } الآية: سبق في ~~المجادلة إلى الجواب؛ إذ لا محيد عنه، { ومن كل كرب }: ~~لفظ عام أيضا، ليتضح العموم الذي في «الظلمات»، { ثم ~~أنتم } ، أي: ثم بعد معرفتكم بهذا كله، وتحققكم له، ~~أنتم تشركون. ### || [6.65-67] # وقوله تعالى: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم... } الآية: هذا ~~إخبار يتضمن الوعيد، والأظهر من نسق الآيات: أن هذا الخطاب ~~للكفار الذين تقدم ذكرهم، وهو مذهب الطبري. # وقال أبي بن كعب، وجماعة: هو للمؤمنين، وهم المراد. # وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أن الآية تتناول ~~معانيها المشركين والمؤمنين؛ وفي «البخاري» وغيره من حديث ~~جابر وغيره: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما نزلت الآية: { قل هو ~~القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ، ~~قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: { أو من تحت أرجلكم ~~} ، قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: { أو يلبسكم ~~شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال: هذه أهون أو أيسر " # ؛ فاحتج بهذا الحديث من قال: إنها نزلت في المؤمنين، قال ~~الطبري وغيره: ممتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~تعوذ لأمته من هذه الأشياء التي توعد بها الكفار، وهون ~~الثالثة؛ لأنها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديث ~~«الموطإ» وغيره، و { من فوقكم أو من تحت أرجلكم }: ~~لفظ عام للمنطبقين على الإنسان، وقال السدي، عن أبي مالك: ~~{ من فوقكم }: الرجم، { أو من تحت أرجلكم }: ~~الخسف؛ وقاله سعيد بن جبير ومجاهد. # وقوله سبحانه: { أو يلبسكم شيعا }: معناه: يخلطكم فرقا، ~~والبأس: القتل، وما أشبهه من المكاره، وفي قوله تعالى: { انظر ~~كيف نصرف الأيت }: استرجاع لهم، وإن كان لفظها لفظ ~~تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم فمضمنها أن هذه الآيات والدلائل؛ ~~إنما هي لاستصرافهم عن طريق غيهم، والفقه: الفهم. # وقوله تعالى: { وكذب به قومك وهو الحق } ، الضمير في ~~{ به } عائد على القرآن الذي فيه جاء تصريف الآيات؛ قاله ~~السدي، وهذا هو الظاهر، ويحتمل أن يعود ms0476 الضمير على الوعيد ~~الذي تضمنته الآية، ونحا إليه الطبري، وقوله: { قل لست ~~عليكم بوكيل }: معناه: لست بمدفوع إلى أخذكم بالإيمان ~~والهدى، وهذا كان قبل نزول آيات الجهاد والأمر بالقتال، ثم ~~نسخ. # وقوله سبحانه: { لكل نبإ مستقر }: أي: غاية يعرف ~~عندها صدقه من كذبه، و { سوف تعلمون }: تهديد محض ~~ووعيد. ### || [6.68-69] # وقوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~ءايتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره }: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون ~~في الخطاب معه، هذا هو الصحيح؛ لأن علة النهي، وهي سماع الخوض ~~في آيات الله، تشملهم وإياه، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو والمؤمنون أن ينابذوا الكفار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا ~~وخاضوا؛ ليتأدبوا بذلك، ويدعوا الخوض والاستهزاء، قلت: ويدل ~~على دخول المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ~~قوله تعالى: # وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم ~~ءايت الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [النساء:140]. انتهى. # والخوض: أصله في الماء، ثم يستعمل بعد في غمرات الأشياء التي هي ~~مجاهل؛ تشبيها بغمرات الماء. # { وإما ينسينك }: «إما»: شرط، وتلزمها النون الثقيلة في ~~الأغلب، وقرأ ابن عامر وحده: «ينسينك» بتشديد السين، وفتح ~~النون ، والمعنى واحد إلا أن التشديد أكثر مبالغة، و { الذكرى ~~} والذكر واحد في المعنى، ووصفهم ب { الظلمين } ~~متمكن؛ لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، و { أعرض }؛ في هذه الآية: ~~بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكمل وجوهه؛ ويدل على ذلك: { ~~فلا تقعد }. # وقوله سبحانه: { وما على الذين يتقون من حسابهم من ~~شيء } ، وروي أنه لما نزلت: # فلا تقعدوا معهم # [النساء:140] قال المؤمنون إذا كنا لا نقرب المشركين، ولا نسمع ~~أقوالهم، فلا يمكننا طواف ولا قضاء عبادة في الحرم، فنزلت لذلك: ~~{ وما على الذين يتقون... } الآية. # قال * ع *: فالإباحة في هذا هي في القدر الذي يحتاج إليه من ~~التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرة ~~ليست إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تقعدوا معهم، ولا ms0477 تقربوهم ~~حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود؛ لأن عليكم ~~شيئا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتمل المعنى: ولكن ذكرى ~~لعلهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساك عن الاستهزاء، ويحتمل ~~المعنى: ولكن ذكروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أن يمتثل حكم هذه الآية ~~مع الملحدين، وأهل الجدل والخوض فيه، وحكى الطبري، عن أبي ~~جعفر؛ أنه قال: «لا تجالسوا أهل الخصومات؛ فإنهم ~~الذين يخوضون في آيات الله»، وفي الحديث، عنه صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك ~~المراء؛ وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة ~~لمن ترك الكذب؛ وإن كان مازحا، وببيت في أعلى ~~الجنة لمن حسن خلقه " # ، خرجه أبو داود. انتهى من «الكوكب الدري»، وقد ذكرنا هذا الحديث من ~~غير طريق أبي داود بلفظ أوضح من هذا. ### || [6.70-73] # وقوله سبحانه: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا }: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحسب قلة المسلمين ~~يومئذ، قال قتادة: ثم نسخ ذلك، وما جرى مجراه بالقتال، وقال ~~مجاهد: الآية إنما هي للتهديد والوعيد، فهي كقوله تعالى: # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر:11]، وليس فيها نسخ؛ لأنها متضمنة خبرا، وهو التهديد، { ~~وغرتهم الحيوة الدنيا } ، أي: خدعتهم من الغرور، وهو ~~الأطماع بما لا يتحصل فاغتروا بنعم الله وإمهاله، وطمعهم ذلك ~~فيما لم يتحصل من رحمته، واعلم أن أعقل العقلاء مؤمن مقبل على ~~آخرته قد جعل الموت نصب عينيه، ولم يغتر بزخارف الدنيا؛ كما ~~اغتر بها الحمقى، بل جعل همه واحدا؛ هم المعاد وما هو صائر ~~إليه؛ وقد روى البزار في مسنده، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " من جعل الهموم هما واحدا؛ هم المعاد، كفاه ~~الله هم الدنيا، ومن تشعبت به الهموم؛ هموم ~~الدنيا، لم يبال الله تعالى في أي أوديتها ~~هلك " # انتهى من «الكوكب الدري». # وقوله سبحانه: { وذكر به }: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في { به ~~} به عائد على الدين، و { أن تبسل } في موضع المفعول له، أي: ~~لئلا تبسل، ومعناه: تسلم؛ قاله الحسن وعكرمة وقال قتادة: ~~تحبس وترهن، وقال ms0478 ابن عباس: تفضح، وقال ابن زيد: تجزى، ~~وهذه كلها متقاربة المعنى؛ ومنه قول الشنفرى: [الطويل] # هنالك لا أرجو حياة تسرني # سمير الليالي مبسلا بالجرائر # وباقي الآية بين. # { وإن تعدل كل عدل } ، أي: وإن تعط كل فدية، وإن عظمت، ~~فتجعلها عدلا لها، لا يقبل منها، وقال أبو عبيدة: { وإن ~~تعدل } ، هو من العدل المضاد للجور؛ ورده الطبري بالإجماع ~~على أن توبة الكافر مقبولة. # قال * ع *: ولا يلزم هذا الرد، لأن الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا ~~تقبل فيه توبة، ولا عمل. قلت: وأجلى من هذا أن يحمل كلام أبي ~~عبيدة على معنى أنه لا يقبل منها عدلها؛ لاختلال شرطه، وهو ~~الإيمان، و { أبسلوا }: معناه: أسلموا بما اجترحوه من الكفر، ~~والحميم: الماء الحار؛ ومنه: الحمام، والحمة. # وقوله سبحانه: { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ~~ولا يضرنا } ، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أن ندعو ~~من دون الله، والدعاء: يعم العبادة وغيرها؛ لأن من جعل شيئا موضع ~~دعائه، فإياه يعبد، وعليه يتوكل، و { ما لا ينفعنا ولا ~~يضرنا }: يعني: الأصنام، { ونرد على أعقبنا }: ~~تشبيه بمشي القهقرى، وهي المشية الدنية؛ فاستعمل المثل بها ~~فيمن رجع من خير إلى شر. # وقوله سبحانه: { كالذي استهوته الشيطين } في الكلام ~~حذف، تقديره: ردا كرد الذي، و { استهوته }: بمعنى: استدعت ~~هواه وأمالته، و { هدانا }: بمعنى: أرشدنا، فسياق هذا المثل كأنه ~~قال: أيصلح أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام؛ فيكون ذلك منا ~~ارتدادا على العقب؛ فنكون كرجل على طريق واضح، فاستهوته عنه ~~الشياطين، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا. # وقوله: { له أصحب }: يريد: له أصحاب على الطريق الذي خرج ~~منه، فيشبه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يدعون من ارتد إلى ~~الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويل مجاهد وابن عباس، و { ائتنا } من ~~الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد ب { الذي }؛ في ~~هذه الآية: عبد الرحمن بن أبي بكر: وبالأصحاب: أبواه قول ~~ضعيف؛ يرده قول عائشة في الصحيح: «ما نزل فينا من القرآن ~~شيء إلا براءتي»، قلت: ms0479 تريد وقصة الغار؛ # إذ يقول لصاحبه # [التوبة:40]، وقوله: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم... # [النور:22]؛ إذ نزلت في شأن أبي بكر، وشأن مسطح. # قال * ع *: حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعت الفقيه الإمام أبا ~~عبد الله المعروف بالنحوي المجاور بمكة، يقول: من نازع أحدا ~~من الملحدين، فإنما ينبغي أن يرد عليه بالقرآن والحديث؛ فيكون ~~كمن يدعو إلى الهدى بقوله: { ائتنا } ، ومن ينازعهم بالجدل، ~~ويحلق عليهم به، فكأنه بعد من الطريق الواضح أكثر، ليرد هذا ~~الزائغ، فهو يخاف عليه أن يضل. # قال * ع *: وهذال انتزاع حسن جدا، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { وهو الذي خلق السموات والأرض ~~بالحق } ، أي: لم يخلقها باطلا لغير معنى، بل لمعان مفيدة، ~~وحقائق بينة. # وقوله سبحانه: { ويوم يقول } «يوم»: نصب على الظرف، وتقدير ~~الكلام: واذكر الخلق والإعادة يوم، وتحتمل الآية مع هذا أن يكون ~~معناها، واذكر الإعادة يوم يقول الله للأجساد: كوني معادة. # وقوله تعالى: { يوم ينفخ في الصور } ، الجمهور أن ~~الصور هو القرن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنه ينفخ فيه للصعق ثم للبعث " # ، وباقي الآية بين. ### || [6.74-75] # وقوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر ~~أتتخذ أصناما ءالهة إني أرك وقومك في ~~ضلل مبين } ، قال الطبري: نبه الله نبينا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على الاقتداء بإبراهيم في محاجته قومه؛ إذ كانوا أهل ~~أصنام، وكان قوم النبي صلى الله عليه وسلم أهل أصنام، وقوله: { ~~أصناما ءالهة }: مفعولان، وذكر أن آزر أبا إبراهيم ~~عليه السلام كان نجارا محسنا، ومهندسا، وكان نمرود ~~يتعلق بالهندسة والنجوم، فحظي عنده آزر لذلك، وكان على خطة ~~عمل الأصنام تعمل بأمره وتدبيره، ويطبع هو في الصنم بختم ~~معلوم عنده؛ وحينئذ يعبد ذلك الصنم، فلما نشأ إبراهيم ابنه ~~على الصفة التي تأتي بعد، كان أبوه يكلفه ببيعها، فكان إبراهيم ~~ينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه، ويستخف بها، ويجعلها ~~في الماء منكوسة، ويقول لها: اشربي، فلما اشتهر أمره بذلك، وأخذ ~~في الدعاء إلى الله عز وجل، قال لأبيه هذه ms0480 المقالة، و { أرك ~~}؛ في هذا الموضع: يشترك فيها القلب والبصر، و { مبين }: بمعنى: ~~ظاهر واضح. # وقوله سبحانه: { وكذلك نري إبرهيم ملكوت ~~السموات والأرض }: الآية المتقدمة تقضي بهداية ~~إبراهيم عليه السلام ، والإشارة ب «ذلك» هي إلى تلك الهداية، ~~أي: وكما هديناه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر، أريناه ~~ملكوت، و { نري }: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضي، وهذه الرؤية ~~قيل: هي رؤية البصر، وروي في ذلك؛ أن الله عز وجل فرج ~~لإبراهيم عليه السلام السموات والأرض؛ حتى رأى ببصره ~~الملكوت الأعلى، والملكوت الأسفل؛ وهذا هو قول مجاهد قال: ~~تفرجت له السموات والأرضون، فرأى مكانه في الجنة، وبه قال ~~سعيد بن جبير، وسلمان الفارسي، وقيل: هي رؤية بصر في ظاهر ~~الملكوت، وقع له معها من الاعتبار ورؤية القلب: ما لم يقع لأحد من ~~أهل زمنه الذين بعث إليهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقيل: هي رؤية قلب، ~~رأى بها ملكوت السموات والأرض بفكرته ونظره، و { ملكوت }: بناء ~~مبالغة، وهو بمعنى الملك، والعرب تقول: لفلان ملكوت اليمن، ~~أي: ملكه، واللام في: { ليكون }: متعلقة بفعل مؤخر، تقديره: ~~وليكون من الموقنين، أريناه، والموقن: العالم بالشيء علما لا ~~يمكن أن يطرأ له فيه شك، وروي عن ابن عباس في تفسير: { وليكون ~~من الموقنين } قال: جلى له الأمور سرها وعلانيتها، فلم ~~يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، ~~قال الله له: إنك لا تستطيع هذا، فرده لا يرى أعمالهم. ### || [6.76-79] # وقوله سبحانه: { فلما جن عليه اليل رءا كوكبا ~~قال هذا ربي } الآية: جن الليل: ستر وغطى بظلامه، ~~ذهب ابن عباس وناس كثيرون إلى أن هذه القصة وقعت في حال صباه وقبل ~~البلوغ والتكليف، ويحتمل أن تكون وقعت له بعد بلوغه وكونه مكلفا، ~~وحكى الطبري هذا عن فرقة، وقالت: إنه استفهم قومه؛ على جهة ~~التوقيف والتوبيخ، أي: هذا ربي، وحكي أن النمرود جبار ذلك ~~الزمان رأى له منجموه أن مولودا يولد في سنة كذا في عمله ~~يكون خراب الملك على يديه، فجعل يتتبع الحبالى، ويوكل ~~بهن حراسا، ms0481 فمن وضعت أنثى، تركت، ومن وضعت ذكرا، حمل ~~إلى الملك فذبحه، وأن أم إبراهيم حملت، وكانت شابة قوية، ~~فسترت حملها، فلما قربت ولادتها، بعثت أبا إبراهيم إلى سفر، ~~وتحيلت لمضيه إليه، ثم خرجت هي إلى غار، فولدت فيه إبراهيم، ~~وتركته في الغار، وكانت تتفقده فوجدته يتغذى بأن يمص أصابعه، ~~فيخرج له منها عسل وسمن ونحو هذا، وحكي: بل كان يغذيه ملك، ~~وحكي: بل كانت أمه تأتيه بألبان النساء التي ذبح أبناؤهن، ~~والله أعلم، أي ذلك كان، فشب إبراهيم أضعاف ما يشب غيره، ~~والملك في خلال ذلك يحس بولادته، ويشدد في طلبه، فمكث في الغار ~~عشرة أعوام، وقيل: خمس عشرة سنة، وأنه نظر أول ما عقل من ~~الغار، فرأى الكواكب، وجرت قصة الآية، والله أعلم. # فإن قلنا بأنه وقعت له القصة في الغار في حال الصبا، وعدم ~~التكليف؛ على ما ذهب إليه بعض المفسرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينقسم ~~على وجهين: إما أن يجعل قوله: { هذا ربي } تصميما واعتقادا، ~~وهذا باطل؛ لأن التصميم على الكفر لم يقع من الأنبياء صلوات ~~الله عليهم ، وإما أن نجعله تعريضا للنظر والاستدلال؛ كأنه قال: ~~أهذا المنير البهي ربي؛ إن عضدت ذلك الدلائل. # وإن قلنا: إن القصة وقعت له في حال كبره، وهو مكلف، فلا يجوز ~~أن يقول هذا مصمما ولا معرضا للنظر؛ لأنها رتبة جهل أو شك، ~~وهو عليه السلام منزه معصوم من ذلك كله؛ فلم يبق إلا أن ~~يقولها على جهة التقرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم ~~في عبادة الأصنام؛ كأنه قال: أهذا المنير ربي، وهو يريد: على ~~زعمكم؛ كما قال تعالى: # أين شركائي # [النحل:27]، أي: على زعمكم، ثم عرض إبراهيم عليهم من حركة ~~الكوكب وأفوله أمارة الحدوث، وأنه لا يصلح أن يكون ربا، ثم في آخر ~~أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشمس كذلك؛ فكأنه يقول: فإذا بان في ~~هذه المنيرات الرفيعة؛ أنها لا تصلح للربوبية، فأصنامكم التي هي ~~خشب وحجارة أحرى أن يبين ذلك فيها؛ ويعضد عندي هذا التأويل ~~قوله: { إني بريء ms0482 مما تشركون } ، قلت: وإلى ترجيح هذا ~~أشار عياض في «الشفا»؛ قال: وذهب معظم الحذاق من العلماء ~~والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكتا لقومه، ومستدلا عليهم. # قال * ع *: ومثل لهم بهذه الأمور؛ لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ~~ونظر في الأفلاك، وهذا الأمر كله إنما وقع في ليلة واحدة، رأى ~~الكوكب، وهو الزهرة في قول قتادة، وقال السدي: هو المشتري ~~جانحا إلى الغروب، فلما أفل بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فسرى الليل ~~أجمع، فلما بزغت الشمس، زال ضوء القمر قبلها؛ لانتشار الصباح، ~~وخفي نوره، ودنا أيضا من مغربه، فسمى ذلك أفولا؛ لقربه من ~~الأفول التام؛ على تجوز في التسمية، وهذا الترتيب يستقيم في ~~الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين، وليس يترتب في ~~ليلة واحدة؛ كما أجمع أهل التفسير، إلا في هذه الليالي، وبذلك يصح ~~التجوز في أفول القمر، «وأفل»؛ في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: ~~معناه: ذهب، وهذا خلاف في العبارة فقط، والبزوغ في هذه الأنوار: ~~أول الطلوع، وما في كون هذا الترتيب في ليلة من التجوز في أفول ~~القمر؛ لأن أفوله لو قدرناه مغيبه، لكان ذلك بعد بزوغ الشمس، ~~وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، و { يهدني }: يرشدني؛ وهذا اللفظ ~~يؤيد قول من قال: إن القصة في حال الصغر، والقوم الضالون هنا ~~عبدة المخلوقات؛ كالأصنام وغيرها، ولما أفلت الشمس، لم يبق شيء ~~يمثل لهم به، فظهرت حجته، وقوي بذلك على منابذتهم والتبري ~~من إشراكهم، وقوله: { إني بريء مما تشركون }: يؤيد قول ~~من قال: إن القصة في حال الكبر والتكليف، و { وجهت وجهي } ، ~~أي: أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني للذي فطر السموات ~~والأرض، أي: اخترعها و { حنيفا }: أي مستقيما، والحنف: الميل؛ ~~فكأنه مال عن كل جهة إلى القوام. ### || [6.80-82] # وقوله تعالى: { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ~~} ، أي: أتراجعوني في الحجة في توحيد الله، { وقد هدن } ، أي: ~~قد أرشدني إلى معرفته وتوحيده، { ولا أخاف ما تشركون به } ~~، الضمير في { به } يعود على { الله } والمعنى: ولا أخاف ~~الأصنام التي تشركونها ms0483 بالله في الربوبية، ويحتمل أن يعود على ~~«ما»، والتقدير: ما تشركون بسببه، وقوله: { إلا أن يشاء ~~ربي شيئا }: استثناء ليس من الأول، و { شيئا }: منصوب ب { ~~يشاء } ، ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضررا، استثنى مشيئة ~~ربه تعالى في أن يريده بضر، و { علما }: نصب على التمييز، ~~وهو مصدر بمعنى الفاعل؛ كما تقول العرب: تصبب زيد عرقا، ~~المعنى: تصبب عرق زيد؛ فكذلك المعنى هنا وسع علم ربي ~~كل شيء، { أفلا تتذكرون }: توقيف وتنبيه وإظهار لموضع ~~التقصير منهم، وقوله: { وكيف أخاف ما أشركتم... } الآية ~~إلى { تعلمون } ، هي كلها من قول إبراهيم عليه السلام ~~لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصناما لا خطب ~~لها، إذ نبذتها، ولا تخافون أنتم الله عز وجل، وقد أشركتم به ~~في الربوبية { ما لم ينزل به عليكم سلطنا } ~~والسلطان: الحجة، ثم استفهم؛ على جهة التقرير: { فأي ~~الفريقين } ، مني ومنكم { أحق بالأمن } ، قال أبو حيان: ~~{ وكيف }: استفهام، معناه التعجب والإنكار. انتهى. # وقوله سبحانه: { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم ~~بظلم... } الآية، قال ابن إسحاق، وابن زيد، وغيرهما: هذا قول ~~من الله عز وجل ابتداء حكم فصل عام لوقت محاجة ~~إبراهيم وغيره، ولكل مؤمن تقدم أو تأخر. # قال * ع *: هذا هو البين الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية، ويحسن ~~رصفها، وهو خبر من الله عز وجل، و { يلبسوا }: معناه: ~~يخلطوا، والظلم؛ في هذا الموضع: الشرك؛ تظاهرت بذلك الأحاديث ~~الصحيحة، وفي قراءة مجاهد: «ولم يلبسوا إيمانهم بشرك» { ~~وهم مهتدون } ، أي: راشدون. ### || [6.83-86] # وقوله تعالى: { وتلك حجتنا ءاتينها إبرهيم ~~على قومه }: «تلك»: إشارة إلى هذه الحجة المتقدمة. # وقوله سبحانه: { نرفع درجت من نشاء } ، «الدرجات»: ~~أصلها في الأجسام، ثم تستعمل في المراتب والمنازل المعنوية. # وقوله سبحانه: { ووهبنا له إسحق ويعقوب... } الآية: { ~~ووهبنا }: عطف على «آتينا» وإسحاق ابنه من سارة، ويعقوب هو ~~ابن إسحاق، وقوله: { ومن ذريته }: المعنى: وهدينا من ~~ذريته، والضمير في { ذريته } ، قال الزجاج: جائز أن يعود ~~على إبراهيم، ويعترض هذا بذكر لوط عليه السلام ؛ إذ ليس هو ~~من ms0484 ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، ويتخرج ~~ذلك عند من يرى الخال أبا، وقيل: يعود الضمير على نوح، وهذا هو ~~الجيد، ونصب { داوود }: يحتمل أن يكون ب { وهبنا } ، ~~ويحتمل أن يكون ب { هدينا } ، { وكذلك نجزي ~~المحسنين }: وعد من الله عز وجل لمن أحسن في عبادته، ~~وترغيب في الإحسان، وفي هذه الآية أن عيسى عليه السلام من ~~ذرية نوح أو إبراهيم؛ بحسب الاختلاف في عود الضمير من { ~~ذريته } ، وهو ابن ابنة؛ وبهذا يستدل في الأحباس على أن ~~ولد البنت من الذرية، ويونس هو ابن متى، { وكلا ~~فضلنا على العلمين }: معناه: عالمي زمانهم. ### || [6.87-90] # وقوله سبحانه: { ومن ءابآئهم وذريتهم }: المعنى: ~~وهدينا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعات، ف «من» للتبعيض، ~~والمراد: من آمن منهم، نبيا كان أو غير نبي، و { اجتبيناهم } ، أي: ~~تخيرناهم وهديناهم، أي: أرشدناهم إلى الإيمان، والفوز برضا ~~الله عز وجل، والذرية: الأبناء، ويطلق على جميع البشر ~~ذرية؛ لأنهم أبناء. # وقوله تعالى: { ذلك هدى الله... } الآية: { ذلك }: إشارة إلى ~~النعمة في قوله: { واجتبينهم } و { أولئك }: إشارة إلى ~~من تقدم ذكره، والكتاب يراد به الصحف والتوراة والإنجيل ~~والزبور. # وقوله سبحانه: { فإن يكفر بها هؤلآء }: إشارة إلى كفار ~~قريش، وإلى كل كافر في ذلك العصر؛ قاله ابن عباس وغيره، وقوله: { ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكفرين }: هم ~~مؤمنو أهل المدينة؛ قاله ابن عباس وغيره، والآية على هذا التأويل، وإن ~~كان القصد بنزولها هذين الصنفين، فهي تعم الكفرة والمؤمنين ~~إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره: المراد ب «القوم»: من ~~تقدم ذكره من الأنبياء والمؤمنين، وقال أبو رجاء: المراد: ~~الملائكة. # قلت: ويحتمل أن يكون المراد الجميع. # وقوله سبحانه: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } ، والظاهر في الإشارة ب { أولئك } إلى المذكورين ~~قبل من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين المهديين، ومعنى الاقتداء: ~~اتباع الأثر في القول والفعل والسيرة، وإنما يصح اقتداؤه صلى الله ~~عليه وسلم بجميعهم في العقود، والإيمان، والتوحيد الذي ليس بينهم فيه ~~اختلاف، وأما أعمال الشرائع فمختلفة، وقد قال عز ms0485 وجل: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة:48]، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره ~~مخاطب بشرع من قبله في العقود والإيمان والتوحيد؛ لأنا نجد شرعنا ~~ينبىء أن الكفار الذين كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~كأبويه وغيرهما في النار، ولا يدخل الله تعالى أحدا ~~النار إلا بترك ما كلف، وذلك في قوله سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء:15]، وغير ذلك، وقاعدة المتكلمين: أن العقل لا يوجب ولا ~~يكلف، وإنما يوجب الشرع، فالوجه في هذا أن يقال: إن آدم عليه ~~السلام فمن بعده، دعا إلى توحيد الله (عز وجل) دعاء ~~عاما، واستمر ذلك على العالم، فواجب على الآدمي أن يبحث عن ~~الشرع الآمر بتوحيد الله تعالى، وينظر في الأدلة المنصوبة ~~على ذلك؛ بحسب إيجاب الشرع النظر فيها، ويؤمن، ولا يعبد غير ~~الله، فمن فرضناه لم يجد سبيلا إلى العلم بشرع آمر بتوحيد ~~الله، وهو مع ذلك لم يكفر، ولا عبد صنما، بل تخلى، فأولئك ~~أهل الفترات الذين أطلق عليهم أهل العلم أنهم في الجنة، ~~وهم بمنزلة الأطفال والمجانين، ومن قصر في النظر والبحث، فعبد ~~صنما أو غيره، وكفر، فهو تارك للواجب عليه، مستوجب للعقاب ~~بالنار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ومن كان معه ~~من الناس وقبله مخاطبون على ألسنة الأنبياء قبل ~~بالتوحيد، وغير مخاطبين بفروع شرائعهم؛ إذ هي مختلفة، وإذ لم يدعهم ~~إليها نبي؛ قال الفخر: واحتج العلماء بهذه الآية على أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام ؛ ~~وتقريره: أنا بينا أن خصال الكمال وصفات الشرف كانت ~~مفرقة فيهم، ثم إنه تعالى، لما ذكر الكل، أمر محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن يجمع من خصال الطاعة والعبودية والأخلاق الحميدة كل ~~الصفات التي كانت مفرقة فيهم بأجمعهم، ولما أمره الله تعالى ~~بذلك، امتنع أن يقال: إنه قصر في تحصيلها؛ فثبت أنه حصلها، ~~ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه من خصال الخير ما كان ~~فيهم مفرقا بأسرهم، ومتى كان ms0486 الأمر كذلك، وجب أن يقال: إنه أفضلهم ~~بكليتهم؛ والله أعلم. # انتهى. # وقرأ حمزة والكسائي: «فبهداهم اقتد» بحذف الهاء في ~~الوصل، وإثباتها في الوقف ، وهذا هو القياس شبيهة بألف الوصل ~~في أنها تقطع في الابتداء، وتسقط في الوصل. # وقوله سبحانه: { قل لا أسألكم عليه أجرا } ، أي: قل ~~لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقرآن إلى عبادة ~~الله تعالى أجرة؛ إن هو إلا موعظة وذكرى ودعاء لجميع ~~العالمين. ### || [6.91-92] # وقوله سبحانه: { وما قدروا الله حق قدره... } الآية: ~~قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في بني إسرائيل، قال النقاش: وهي ~~آية مدنية، وقيل: المراد رجل مخصوص منهم، يقال له مالك بن الضيف؛ ~~قاله ابن جبير، وقيل: فنحاص؛ قاله السدي، و { قدروا }: هو ~~من توفية القدر والمنزلة، وتعليله بقولهم: { ما أنزل الله ~~}: يقضي بأنهم جهلوا، ولم يعرفوا الله حق معرفته؛ إذ أحالوا ~~عليه بعثة الرسل، قال الفخر: قال ابن عباس: { ما قدروا ~~الله حق قدره } ، أي: ما عظموا الله حق تعظيمه، وقال ~~الأخفش: ما عرفوه حق معرفته، وقال أبو العالية: ما وصفوه حق ~~قدرته وعظمته، وهذه المعاني كلها صحيحة. انتهى، وروي أن مالك ~~بن الصيف كان سمينا، فجاء يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بزعمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنشدك الله، ألست تقرأ فيما أنزل على ~~موسى: إن الله يبغض الحبر السمين " # ، فغضب، وقال: «والله ما أنزل الله على بشر من ~~شيء»، قال الفخر: وهذه الآية تدل على أن النكرة في سياق النفي ~~تعم، ولو لم تفد العموم، لما كان قوله تعالى: { قل من أنزل ~~الكتب الذي جاء به موسى نورا } إبطالا لقولهم ~~ونقضا عليهم. انتهى. # وقوله تعالى: { قل من أنزل الكتب } ، يعني: التوراة، و { ~~قرطيس }: جمع قرطاس، أي: بطائق وأوراقا، وتوبيخهم بالإبداء ~~والإخفاء هو على إخفائهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وجميع ما ~~عليهم فيه حجة. # وقوله سبحانه: { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~ءاباؤكم } ، يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يقصد به الامتنان عليهم، وعلى آبائهم. # والوجه ms0487 الثاني: أن يكون المقصود ذمهم، أي: وعلمتم أنتم وآباؤكم ما ~~لم تعلموه، فما انتفعتم به؛ لإعراضكم وضلالكم. # ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحجة، أي: قل الله هو الذي ~~أنزل الكتاب على موسى، ثم أمره سبحانه بترك من كفر، ~~وأعرض، وهذه آية منسوخة بآية القتال؛ إن تؤولت موادعة، ويحتمل ~~ألا يدخلها نسخ إذا جعلت تتضمن تهديدا ووعيدا مجردا من ~~موادعة. # وقوله سبحانه: { وهذا كتب أنزلنه مبارك }: «هذا»: ~~إشارة إلى القرآن، وقوله: { مصدق الذي بين يديه } ، ~~يعني: التوراة والإنجيل؛ لأن ما تقدم، فهو بين يدي ما تأخر، و ~~{ أم القرى }: مكة، ثم ابتدأ تبارك وتعالى بمدح قوم ~~وصفهم، وأخبر عنهم؛ أنهم يؤمنون بالآخرة والبعث والنشور، ويؤمنون ~~بالقرآن، ويصدقون بحقيقته، ثم قوى عز وجل مدحهم بأنهم ~~يحافظون على صلاتهم التي هي قاعدة العبادات، وأم الطاعات، وإذا ~~انضافت الصلاة إلى ضمير، لم تكتب إلا بالألف، ولا تكتب في ~~المصحف بواو إلا إذا لم تضف إلى ضمير. # وقد جاءت آثار صحيحة في ثواب من حافظ على صلاته، وفي فضل المشي ~~إليها؛ ففي «سنن أبي داود»، عن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور ~~التام يوم القيامة " # ، وروى أبو داود أيضا بسنده، عن سعيد بن المسيب، قال: حضر ~~رجلا من الأنصار الموت، فقال: إني محدثكم حديثا ما أحدثكموه إلا ~~احتسابا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى ~~الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله ~~له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله ~~عنه سيئة، فليقرب أو ليبعد، فإن أتى ~~المسجد، فصلى في جماعة، غفر له، فإن أتى ~~المسجد، وقد صلوا بعضا، وبقي بعض، صلى ما ~~أدرك وأتم ما بقي كان كذلك فإن أتى ~~المسجد، وقد صلوا، فأتم الصلاة، كان كذلك " # ، وأخرج أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس ~~قد صلوا، أعطاه الله ms0488 عز وجل مثل أجر من ~~صلاها أو حضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم " # انتهى. ### || [6.93] # وقوله سبحانه: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله } ، هذه ألفاظ عامة، فكل ~~من واقع شيئا مما يدخل تحت هذه الألفاظ، فهو داخل في الظلم ~~الذي قد عظمه الله تعالى، وقال قتادة وغيره: المراد بهذه ~~الآيات مسيلمة، والأسود العنسي. # قال عكرمة: أولها في مسيلمة، والآخر في عبد الله بن ~~أبي سرح، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وبالجملة فالآية ~~تتناول من تعرض شيئا من معانيها إلى يوم القيامة؛ كطليحة ~~الأسدي، والمختار بن أبي عبيد وسواهما. # وقوله تعالى: { ولو ترى إذ الظلمون في غمرات ~~الموت... } الآية: جواب «لو» محذوف، تقديره: «لرأيت عجبا ~~أو هولا، ونحو هذا، وحدف هذا الجواب أبلغ في نفس السامع، و { ~~الظلمون } لفظ عام في أنواع الظلم الذي هو كفر، و ~~«الغمرات»: جمع غمرة، وهي المصيبة المذهلة، وهي مشبهة ~~بغمرة الماء، والملائكة، يريد: ملائكة قبض الروح، و { باسطوا ~~أيديهم }: كناية عن مدها بالمكروه، وهذا المكروه هو لا محالة ~~أوائل العذاب، وأماراته، قال ابن عباس: يضربون وجوههم وأدبارهم، ~~وقوله: { أخرجوا أنفسكم }: حكاية لما تقوله الملائكة، ~~والتقدير: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، وذلك على جهة الإهانة، ~~وإدخال الرعب عليهم، ويحتمل: أخرجوا أنفسكم من هذه المصائب ~~والمحن، إن كان ما زعمتموه حقا في الدنيا، وفي ذلك توبيخ وتوقيف ~~على سالف فعلهم القبيح، قلت: والتأويل الأول هو الصحيح، وقد أسند أبو ~~عمر في «التمهيد»، عن ابن وضاح، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي ~~شيبة، ثم ذكر سنده، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل ~~الصالح، قالت: اخرجي، أيتها النفس الطيبة ~~كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري ~~بروح وريحان، ورب غير غضبان، قال: فلا تزال ~~يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى ~~السماء، فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: ~~فلان، فيقال: مرحبا ms0489 بالنفس الطيبة، كانت في ~~الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح ~~وريحان.، ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ~~ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء، يعني: ~~السابعة، وإذا كان الرجل السوء، وحضرته ~~الملائكة عند موته، قالت: اخرجي، أيتها النفس ~~الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، ~~وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، ~~فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج... " # وذكر الحديث. انتهى، و { الهون }: الهوان. # وقوله تعالى: { بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق... } الآية: لفظ عام لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاء ~~على من قرب ذكره. ### || [6.94] # وقوله سبحانه: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم ~~أول مرة... } الآية: هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض ~~أرواحهم، واعلم أيها الأخ؛ أن هذه الآية الكريمة ونحوها من الآي، ~~وإن كان مساقها في الكفار، فللمؤمن الموقن فيها معتبر ~~ومزدجر، وقد قيل: إن القبر بحر الندامات، وقد روى ابن المبارك في ~~«رقائقه» بسنده، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من أحد يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته، ~~يا رسول الله؟ قال: إن كان محسنا، ندم ألا يكون ~~ازداد، وإن كان مسيئا، ندم ألا يكون نزع " # انتهى. # و { كما خلقنكم أول مرة }: تشبيها بالانفراد الأول ~~في وقت الخلقة، و { خولنكم } ، معناه: أعطيناكم، و { وراء ~~ظهوركم }: إشارة إلى الدنيا؛ لأنهم يتركون ذلك موجودا. # وقوله سبحانه: { وما نرى معكم شفعاءكم }: توقيف على ~~الخطإ في عبادة الأصنام، واعتقادهم أنها تشفع وتقرب إلى الله ~~زلفى، قال أبو حيان: { وما نرى }: لفظه لفظ المستقبل، وهو ~~حكاية حال. انتهى. # وقرأ نافع والكسائي: «بينكم» بالنصب ؛ على أنه ظرف، ~~والتقدير: لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم، ونحو هذا، وهذا وجه ~~واضح؛ وعليه فسره الناس؛ مجاهد وغيره، وقرأ باقي السبعة: ~~«بينكم» بالرفع ، وقرأ ابن مسعود وغيره: «لقد تقطع ~~ما بينكم»، و { ضل } ، معناه: تلف وذهب، و { ما كنتم ~~تزعمون } ، يريد: دعواهم أنها تشفع، وأنها تشارك الله في ~~الألوهية، تعالى الله عن قولهم. ### || [6.95-97] # وقوله سبحانه: { إن الله فالق الحب ms0490 والنوى } ، هذا ~~ابتداء تنبيه على العبرة والنظر، ويتصل المعنى بما قبله؛ لأن ~~المقصد أن الله فالق الحب والنوى لا هذه الأصنام، قال قتادة ~~وغيره: هذه إشارة إلى فعل الله سبحانه في أن يشق جميع الحب عن ~~جميع النبات الذي يكون منه، ويشق النوى عن جميع الأشجار ~~الكائنة منه. # وقوله: { يخرج الحي من الميت... } الآية: قال ابن عباس ~~وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة، وإخراج ~~النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك سائر الحيوان من الطير ~~وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا. # وقوله سبحانه: { ذلكم الله } ابتداء وخبر متضمن التنبيه، ~~{ فأنى تؤفكون } ، أي: تصرفون وتصدون، و { فالق ~~الإصباح } ، أي: شاقه ومظهره، والفلق: الصبح، و { ~~حسبانا }: جمع حساب، أي: يجريان بحساب، هذا قول ابن عباس وغيره، ~~وقال مجاهد في «صحيح البخاري»: المراد بحسبان كحسبان الرحى، وهو ~~الدولاب والعود الذي عليه دورانه. # وقوله سبحانه: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا ~~بها في ظلمت البر والبحر... } الآية: هذه المخاطبة ~~تعم المؤمنين والكافرين، والحجة بها على الكافرين قائمة، والعبرة ~~بها للمؤمنين متمكنة. ### || [6.98-99] # وقوله سبحانه: { وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة } ، ~~يريد: آدم عليه السلام ، { فمستقر ومستودع } ، ~~اختلف المتأولون في معنى هذا الاستقرار والاستيداع. # فقال الجمهور: مستقر في الرحم، ومستودع في ظهور الآباء حتى ~~يقضي الله بخروجهم، قال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم ~~النخعي وهو مريض، فقالوا: قد توفي، فأخبرني بعضهم أن عبد ~~الرحمن بن الأسود سأله عن: { مستقر ومستودع } ، فقال: ~~مستقر في الرحم، ومستودع في الصلب، وقال ابن عباس: المستقر: ~~الأرض، والمستودع: عند الرحمن، وقال ابن جبير: المستودع: في ~~الصلب، والمستقر في الآخرة، قال الفخر: والمنقول عن ابن عباس في ~~أكثر الروايات أن المستقر هو الأرحام، والمستودع الأصلاب، ثم قرأ: # ونقر في الأرحام ما نشاء # [الحج:5] ومما يدل على قوة هذا القول؛ أن النطفة لا تبقى في ~~صلب الأب زمانا طويلا، والجنين في رحم الأم يبقى زمانا طويلا، ~~ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب، كان حمل ms0491 الاستقرار ~~على المكث في الرحم أولى. انتهى. # قال * ع *: والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه، ~~وليس بمستقر فيه استقرارا مطلقا؛ لأنه يتنقل لا محالة، ثم ينتقل ~~إلى الرحم، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقل إلى القبر، ثم ينتقل إلى ~~المحشر، ثم ينتقل إلى الجنة أو النار، فيستقر في أحدهما ~~استقرارا مطلقا، وليس فيها مستودع؛ لأنه لا نقلة له بعد، وهو ~~في كل رتبة متوسطة بين هذين الطرفين مستقر بالإضافة إلى التي ~~قبلها، ومستودع بالإضافة إلى التي بعدها؛ لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها ~~نقلة، ولا بد. # وقوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء } ، { السماء }؛ في هذا ~~الموضع: السحاب، وكل ما أظلك فهو سماء، وقوله: { نبات كل ~~شيء } ، قيل: معناه: مما ينبت، وقال الطبري: المراد ب { كل ~~شيء }: كل ما ينمو من جميع الحيوان والنبات والمعادن، وغير ~~ذلك؛ لأن ذلك كله يتعذى وينمو بنزول الماء من السماء، والضمير في { ~~منه } يعود على النبات، وفي الثاني يعود على الخضر، و { خضرا ~~}: بمعنى: أخضر؛ ومنه قوله عليه السلام : # " الدنيا خضرة حلوة " # ، بمعنى: خضراء؛ وكأن خضرا إنما يأتي أبدا لمعنى النضارة، وليس ~~للون فيه مدخل، وأخضر إنما تمكنه في اللون، وهو في النضارة ~~تجوز، و { حبا متراكبا }: يعم جميع السنابل وما شاكلها؛ ~~كالصنوبر، والرمان، وغير ذلك. # وقوله: { ومن النخل } ، تقديره: ونخرج من النخل ~~والطلع أول ما يخرج من النخل، في أكمامه، و { قنون }: جمع ~~قنو، وهو العذق بكسر العين ، وهي الكباسة، والعرجون: ~~عوده الذي فيه ينتظم التمر، و { دانية }: معناه: قريبة من التناول؛ ~~قاله ابن عباس وغيره. # وقرأ الجمهور: «وجنات» بالنصب ؛ عطفا على قوله: «نبات»، ~~وروي عن عاصم: «وجنات» بالرفع ؛ على تقدير: ولكم جنات أو ~~نحو هذا، { والزيتون والرمان } بالنصب إجماعا ؛ ~~عطفا على قوله: «حبا»، و { مشتبها وغير متشابه } ، ~~قال قتادة: معناه يتشابه في الورق ويتباين في الثمر، وقال ~~الطبري: جائز أن يتشابه في الثمر ويتباين في الطعم، ويحتمل أن ~~يريد يتشابه في الطعم ms0492 ويتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة ~~بالاعتبار في أنواع الثمرات. # وقوله سبحانه: { انظروا } ، وهو نظر بصر تتركب عليه فكرة ~~قلب، «والثمر»؛ في اللغة: جنى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ~~ثمارا، فبتجوز، وقرأ جمهور الناس: { وينعه } بفتح الياء ، ~~وهو مصدر ينع يينع؛ إذا نضج، وبالنضج فسره ابن عباس، وقد ~~يستعمل «ينع» بمعنى استقل واخضر ناضرا، قال الفخر: وقدم ~~سبحانه الزرع؛ لأنه غذاء، والثمار فواكه وإنما قدم النخل على ~~الفواكه؛ لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب. انتهى. ### || [6.100-102] # وقوله سبحانه: { وجعلوا لله شركاء الجن }: { جعلوا ~~}: بمعنى صيروا، و { الجن }: مفعول، و { شركاء } مفعول ~~ثان. # قال * ص *: { وجعلوا لله شركاء الجن }: { جعلوا }: ~~بمعنى: صيروا، والجمهور على نصب «الجن»، فقال ابن عطية وغيره: ~~هو مفعول أول ل { جعلوا } ، و { شركاء } الثاني، وجوزوا فيه ~~أن يكون بدلا من { شركاء } ، و { لله } في موضع المفعول ~~الثاني، و { شركاء } الأول، ورده أبو حيان؛ بأن البدل حينئذ لا ~~يصح أن يحل محل المبدل منه؛ إذ لو قلت: وجعلوا لله الجن، لم ~~يصح، وشرط البدل أن يكون على نية تكرار العامل؛ على الأشهر، أو ~~معمولا للعامل، في المبدل منه؛ على قول، وهذا لا يصح؛ كما ذكرنا، ~~قلت: وفيه نظر. انتهى، قلت: وما قاله الشيخ أبو حيان عندي ظاهر، ~~وفي نظر الصفاقسي نظر، وهذه الآية مشيرة إلى العادلين ~~بالله تعالى، والقائلين: إن الجن تعلم الغيب، العابدين للجن، ~~وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك، وتستجير بجن الوادي في أسفارها ~~ونحو هذا، وأما الذين خرقوا البنين، فاليهود في ذكر عزير، ~~والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكرو البنات، فالعرب الذين قالوا: ~~الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم؛ فكأن الضمير في { ~~جعلوا } و { خرقوا }؛ لجميع الكفار؛ إذ فعل بعضهم هذا، ~~وبعضهم هذا، وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد، وقرأ الجمهور: ~~«وخلقهم» بفتح اللام ؛ على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «وهو خلقهم»، والضمير في { خلقهم } يحتمل ~~العودة على الجاعلين، ويحتملها على المجعولين، وقرأ السبعة سوى ~~نافع: «وخرقوا» بتخفيف الراء ms0493 ؛ بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ ~~نافع: «وخرقوا» بتشديد الراء ؛ على المبالغة، وقوله: { ~~بغير علم } نص على قبح تقحم المجهلة، وافتراء الباطل ~~على عمى، و { سبحنه }: معناه: تنزه عن وصفهم الفاسد ~~المستحيل عليه تبارك وتعالى، و { بديع }: بمعنى: مبدع، و { ~~أنى }: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير، ~~وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد. # وقوله سبحانه: { وخلق كل شىء } لفظ عام لكل ما يجوز أن ~~يدخل تحته، ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى، وكلامه، ~~فليس هو عموما مخصصا؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن العموم المخصص هو ~~أن يتناول العموم شيئا، ثم يخرجه التخصيص، وهذا لم يتناول قط هذه ~~التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان: قتلت كل فارس، ~~وأفحمت كل خصم، فلم يدخل القائل قط في هذا العموم ~~الظاهر من لفظه، وأما قوله: { وهو بكل شيء عليم } فهو ~~عموم على الإطلاق؛ لأنه سبحانه يعلم كل شيء، لا رب غيره، وباقي ~~الآية بين. ### || [6.103-107] # وقوله سبحانه: { لا تدركه الأبصر وهو يدرك ~~الأبصر } ، أجمع أهل السنة على أن الله عز وجل يرى ~~يوم القيامة، يراه المؤمنون، والوجه أن يبين جواز ذلك عقلا، ثم ~~يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك: أن ~~يعتبر بعلمنا بالله عز وجل ؛ فمن حيث جاز أن نعلمه؛ لا في ~~مكان، ولا متحيزا، ولا مقابلا، ولم يتعلق علمنا بأكثر من ~~الوجود، جاز أن نراه؛ غير مقابل، ولا محاذى، ولا مكيفا، ولا ~~محددا، وكان الإمام أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم ~~حلقت لحى المعتزلة، ثم ورد الشرع بذلك؛ كقوله عز وجل: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة:22، 23]، وتعدية النظر ب «إلى» إنما هو في كلام العرب؛ ~~لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار؛ على ما ذهب إليه المعتزلة؛ ومنه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه، وتواتر، وكثر نقله: # " إنكم ترون ربكم يوم القيامة؛ كما ترون ~~القمر ليلة البدر " # ، ونحوه من الأحاديث الصحيحة على اختلاف ألفاظها، واستمحل ~~المعتزلة الرؤية ms0494 بآراء مجردة، وتمسكوا بقوله تعالى: { لا ~~تدركه الأبصر } وانفصال أهل السنة عن تمسكهم؛ بأن الآية ~~مخصوصة في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها؛ وأيضا فإنا ~~نفرق بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه ~~الأبصار، ولا تدركه؛ وذلك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء، والوصول ~~إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته، وذلك كله محال في أوصاف ~~الله عز وجل، والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي، ~~ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله: { وهو ~~يدرك الأبصر } ، ويحسن معناه، ونحو هذا روي عن ابن عباس ~~وقتادة وعطية العوفي؛ أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، و { ~~اللطيف }: المتلطف في خلقه واختراعه، والبصائر: جمع بصيرة، ~~فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق، والبصيرة ~~للقلب مستعارة من إبصار العين، والبصيرة أيضا هي المعتقد. # وقوله سبحانه: { فمن أبصر } ، و { من عمي }: عبارة ~~مستعارة فيمن اهتدى، ومن ضل، وقوله: { وما أنا عليكم ~~بحفيظ } كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان ~~صلى الله عليه وسلم حفيظا على العالم، آخذا لهم بالإسلام؛ أو ~~السيف. # وقوله سبحانه: { وكذلك نصرف الأيت } أي: نرددها ~~ونوضحها، وقرأ الجمهور: «وليقولوا درست» بكسر اللام ؛ ~~على أنها لام كي، وهي على هذا لام الصيرورة، أي: لما صار ~~أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «درست»، أي: يا محمد درست في ~~الكتب القديمة ما تجيئنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دارست»، أي: ~~دارست غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «درست» بإسناد الفعل إلى ~~الآيات ؛ كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم؛ حتى بليت في ~~نفوسهم، وامحت، واللام في قوله: { ليقولوا } ، وفي قوله: { ~~ولنبينه }: متعلقان بفعل متأخر، وتقديره: «صرفناها»، ~~وذهب بعض الكوفيين إلى أن «لا»: مضمرة بعد «أن» المقدرة في ~~قوله: { وليقولوا } ، فتقدير الكلام عندهم: ولأن لا يقولوا ~~درست؛ كما أضمروها في قوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء:176]. # قال * ع *: وهذا قلق، ولا يجيز البصريون إضمار «لا» في موضع من ~~المواضع. # قلت: ولكنه حسن جدا من جهة المعنى؛ إذ ms0495 لا يعلمون أنه درس أو ~~دارس أحدا صلى الله عليه وسلم، فتأمله. # وقوله سبحانه: { اتبع ما أوحي إليك من ربك لا ~~إله إلا هو... } الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي ~~منسوخة. ### || [6.108-110] # وقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله... } الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ابن عباس: سببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن ينتهي ~~محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها، وإما أن نسب إلهه ~~ونهجوه، فنزلت الآية، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فلا ~~يحل لمسلم أن يتعرض إلى ما يؤدي إلى سب الإسلام أو النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو الله عز وجل، وعبر عن الأصنام بالذين، ~~وهي لا تعقل، وذلك على معتقد الكفرة فيها، وفي هذه الآية ضرب ~~من الموادعة، و { عدوا }: مصدر من الاعتداء، و { بغير علم }: ~~بيان لمعنى الاعتداء. # وقوله تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم }: ~~إشارة إلى ما زين لهؤلاء من التمسك بأصنامهم، وتزيين الله ~~عمل الأمم هو ما يخلقه سبحانه في النفوس من المحبة للخير ~~والشر، وتزيين الشيطان هو ما يقذفه في النفوس من الوسوسة ~~وخطرات السوء، وقوله: { ثم إلى ربهم مرجعهم... } ~~الآية: تتضمن وعدا جميلا للمحسنين، ووعيدا ثقيلا للمسيئين. # وقوله سبحانه: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن ~~جاءتهم ءاية ليؤمنن بها }: اللام في قوله: { لئن } ~~لام توطئة للقسم، وأما المتلقية للقسم فهي قوله: { ~~ليؤمنن بها } ، وآية: يريد: علامة، وحكي أن الكفار لما ~~نزلت: # إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت ~~أعنقهم لها خضعين # [الشعراء:4]، أقسموا حينئذ؛ أنها إن نزلت، آمنوا، فنزلت هذه ~~الآية، وحكي أنهم اقترحوا أن يعود الصفا ذهبا، وأقسموا على ~~ذلك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في ذلك، فجاءه جبريل، ~~فقال له: إن شئت أصبح ذهبا، فإن لم يؤمنوا، هلكوا عن ~~آخرهم معاجلة؛ كما فعل بالأمم المقترحة، وإن شئت، أخروا ~~حتى يتوب تائبهم، فقال عليه الصلاة والسلام : بل حتى يتوب ~~تائبهم، ونزلت الآية. # قال ابن العربي: قوله: { جهد أيمنهم ms0496 } ، يعني: غاية ~~أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. انتهى من «الأحكام». # ثم قال تعالى: قل لهم، يا محمد؛ على جهة الرد والتخطئة: إنما ~~الآيات عند الله وليست عندي، فتقترح علي، ثم قال: { وما ~~يشعركم } ، قال مجاهد: وابن زيد: المخاطب بهذا الكفار، وقال ~~الفراء وغيره: المخاطب بهذا المؤمنون، { وما يشعركم }: ~~معناه: وما يعلمكم وما يدريكم، وقرأ ابن كثير وغيره: «إنها» ~~ بكسر الألف ، على القطع، واستئناف الأخبار، فمن قرأ ~~«تؤمنون» بالتاء ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة؛ استقامت له ~~المخاطبة، أولا وآخرا، للكفار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءة نافع. ~~وغيره، فيحتمل أن يخاطب، أولا وآخرا، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب ~~بقوله: { وما يشعركم } الكفار، ثم يستأنف الإخبار عنهم ~~للمؤمنين، وقرأ نافع وغيره: «أنها» بفتح الألف ، فقيل: إن ~~«لا» زائدة في قوله: { لا يؤمنون }؛ كما زيدت في قوله تعالى: # وحرام على قرية أهلكنها أنهم لا يرجعون # [الأنبياء:95]، ودعا إلى التزام هذا حفظ المعنى، لأنها لو لم تكن ~~زائدة، لعاد الكلام عذرا للكفار، وفسد المراد بالآية، وضعف ~~الزجاج وغيره زيادة «لا»، ومنهم من جعل { أنها } بمعنى ~~لعلها، وحكام سيبويه عن الخليل، وهذا التأويل لا يحتاج معه إلى ~~تقدير زيادة، «لا»، وحكى الكسائي: أنه كذلك في مصحف أبي «وما ~~أدراكم لعلها إذا جاءت»، ورجح أبو علي أن تكون «لا» ~~زائدة، وبسط شواهده في ذلك. # وقوله سبحانه: { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون } ، فالمعنى؛ على ما قالت فرقة: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~في النار، وفي لهبها في الآخرة، لما لم يؤمنوا في الدنيا، ثم ~~استأنف على هذا: ونذرهم في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالت ~~فرقة: إنما المراد بالتقليب التحويل عن الحق والهدى ~~والترك في الضلالة والكفر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا ~~أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم؛ أن لو ~~جاءت فلا يؤمنون بها؛ كما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من ~~عبادة الله تعالى، فأخبر الله عز وجل على هذا التأويل بصورة ~~فعله بهم، وقالت فرقة: ms0497 قوله: { كما }؛ في هذه الآية: إنما هي بمعنى ~~المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أول مرة، نجازيهم، بأن نقلب أفئدتهم ~~عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحن نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم، جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من الشرع، ~~والضمير في { به } يحتمل أن يعود على الله عز وجل، أو على ~~القرآن، أو على النبي صلى الله عليه وسلم { ونذرهم }: معناه: ~~نتركهم، والطغيان: التخبط في الشر، والإفراط فيما يتناوله المرء، ~~و { يعمهون }: معناه: يترددون في حيرتهم. ### || [6.111-112] # وقوله سبحانه: { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة ~~وكلمهم الموتى... } الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ~~ما اقترحوه من إنزال ملائكة وإحياء سلفهم حسبما اقترحه بعضهم؛ ~~أن يحشر قصي وغيره، فيخبر بصدق محمد عليه السلام ، ~~أو يحشر عليهم كل شيء قبلا ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف ~~الذي يخلقه ويخترعه سبحانه في نفس من يشاء، لا رب غيره. # وقرأ نافع وغيره: «قبلا»، ومعناه مواجهة ومعاينة؛ قاله ابن عباس ~~وغيره، ونصبه على الحال، وقال المبرد: معناه: ناحية؛ كما تقول: لي ~~قبل فلان دين. # قال * ع *: فنصبه؛ على هذا: هو على الظرف، وقرأ حمزة وغيره: ~~«قبلا» بضم القاف والباء ، واختلف في معناه، فقال بعضهم: ~~هو بمعنى «قبل» بكسر القاف، أي: مواجهة؛ كما تقول: قبل ودبر. # وقال الزجاج والفراء: هو جمع قبيل، وهو الكفيل، أي وحشرنا ~~عليهم كل شيء كفلاء بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد ~~وغيره: هو جمع قبيل، أي: صنفا صنفا، ونوعا نوعا، والنصب في هذا ~~كله على الحال، { ولكن أكثرهم يجهلون } ، أي: يجهلون ~~في اعتقادهم أن الآية تقتضي إيمانهم، ولا بد، فيقتضي اللفظ أن ~~الأقل لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت لم يؤمن إلا ~~من شاء الله منه ذلك، قلت: وقال مكي: { ولكن ~~أكثرهم يجهلون } ، أي: في مخالفتك، وهم يعلمون أنك ~~نبي صادق فيما جئتهم به، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يداعب أبا سفيان بعد الفتح بمخصرة في ~~يده، ويطعن بها أبا سفيان، ms0498 فإذا أحرقته، قال: ~~نح عني مخصرتك، فوالله، لو أسلمت إليك هذا ~~الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أسألك بالذي أسلمت له، قتالك إياي عن أي ~~شيء كان؟ فقال له أبو سفيان: تظن أني كنت ~~أقاتلك تكذيبا مني لك، والله، ما شككت في ~~صدقك قط، وما كنت أقاتلك إلا حسدا مني لك، ~~فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يشتهي ذلك منه، ويتبسم " # انتهى من «الهداية». # وقوله سبحانه: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شيطين الإنس والجن... } الآية: تتضمن تسلية النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعرض القدوة عليه، أي: هذا الذي امتحنت به، يا ~~محمد، من الأعداء قد امتحن به غيرك من الأنبياء؛ ليبتلي الله ~~أولي العزم منهم، و { شيطين الإنس والجن }: يريد: ~~المتمردين من النوعين، و { يوحي }: معناه: يلقيه في اختفاء، فهو ~~كالمناجاة والسرار، و { زخرف القول }: محسنه ومزينه ~~بالأباطيل؛ قاله عكرمة ومجاهد، والزخرفة؛ أكثر ما تستعمل في الشر ~~والباطل، و { غرورا }: مصدر، ومعناه يغرون به المضللين، والضمير ~~في { فعلوه } عائد على اعتقادهم العداوة، ويحتمل على «الوحي» ~~الذي تضمنه { يوحي }. # وقوله سبحانه: { فذرهم وما يفترون }: لفظ يتضمن الأمر ~~بالموادعة، وهو منسوخ؛ قال قتادة: كل «ذر» في كتاب الله ~~منسوخ بالقتال. ### || [6.113-115] # وقوله سبحانه: { ولتصغى }: معناه: لتميل، قال الفخر: ~~والضمير في قوله: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالأخرة } يعود على زخرف القول، وكذلك في ~~قوله: { وليرضوه } والاقتراف: معناه الاكتساب. # وقال الزجاج: و { ليقترفوا } ، أي: يختلقوا ويكذبوا، والأول أفصح. ~~انتهى. # والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال؛ على أنها لام كي ~~معطوفة على غرورا و { حكما } أبلغ من حاكم؛ إذ هي صيغة ~~للعدل من الحكام، والحاكم جار على الفعل، فقد يقال للجائر، و { ~~مفصلا }: معناه: مزال الإشكال، والكتاب أولا هو القرآن، وثانيا ~~اسم جنس للتوراة والإنجيل والزبور والصحف. # وقوله تعالى: { فلا تكونن من الممترين }: تثبيت ~~ومبالغة وطعن على الممترين. # قلت: وقد تقدم التنبيه على أنه صلى الله عليه وسلم ms0499 معصوم، ~~وأن الخطاب له، والمراد غيره ممن يمكن منه الشك. # وقوله سبحانه: { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا... } ~~الآية: { تمت }؛ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحت في الأزل ~~صدقا وعدلا، وليس بتمام من نقص، ومثله ما وقع في كتب «السيرة» ~~من قولهم: وتم حمزة على إسلامه، في الحديث مع أبي جهل، ~~والكلمات: ما أنزل على عباده، و { لا مبدل لكلمته }: ~~معناه: في معانيها. ### || [6.116-118] # وقوله سبحانه: { وإن تطع أكثر من في الأرض... } الآية: ~~المعنى: فامض، يا محمد لما أمرت به، وبلغ ما أرسلت به، ~~فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك، قال ابن عباس: الأرض هنا: ~~الدنيا، وحكي أن سبب هذه الآية أن المشركين جادلوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الذبائح، وقالوا: أتأكل ما تقتل، وتترك ما ~~قتل الله، فنزلت الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون ~~بطنونهم ويتبعون تخرصهم، والخرص: الحرز والظن، وهذه الآية ~~خبر في ضمنه وعيد للضالين، ووعد للمهتدين، وقوله سبحانه: { ~~فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآيته ~~مؤمنين... } الآية: القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب ~~وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نسي المؤمن فيه ~~التسمية أو تعمدها بالترك. ### || [6.119-121] # وقوله سبحانه: { وما لكم ألا تأكلوا... } الآية: «ما»: ~~استفهام يتضمن التقرير، { وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم } ، أي: فصل الحرام من الحلال، وانتزعه بالبيان، و «ما» ~~في قوله: { إلا ما اضطررتم إليه } ، يريد بها: من جميع ~~ما حرم؛ كالميتة وغيرها، وهي في موضع نصب بالاستثناء، والاستثناء ~~منقطع. # وقوله سبحانه: { وإن كثيرا } يريد الكفرة المحادين المجادلين، ~~ثم توعدهم سبحانه بقوله: { إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين }. # وقوله جلت عظمته: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } ~~نهي عام، والظاهر والباطن: يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: ~~الظاهر: الأعمال، والباطن: المعتقد، وهذا أيضا حسن؛ لأنه عام، ~~وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أمامة، قال: # " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإثم؟ قال: ما ~~حك في صدرك، فدعه " # ، وروى ابن المبارك أيضا ms0500 بسنده؛ أن رجلا قال: # " يا رسول الله، ما يحل لي مما يحرم علي؟ ~~فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه ثلاث ~~مرات في كل ذلك يسكت رسول الله، ثم قال: ~~أين السائل فقال: أنا ذا، يا رسول الله، قال: ما ~~أنكر قلبك، فدعه " # انتهى، وقد ذكرنا معناه من طرق في غير هذا الموضع، فأغنى عن ~~إعادته. # ثم توعد تعالى كسبة الإثم بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك، ~~والاقتراف: الاكتساب. # وقوله سبحانه: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه وإنه لفسق... } الآية: مقصد الآية النهي عن الميتة؛ ~~إذ هي جواب لقول المشركين: تتركون ما قتل الله، ومع ذلك، ~~فلفظها يعم ما تركت التسمية عليه من ذبائح الإسلام، وبهذا ~~العموم تعلق ابن عمر وابن سيرين والشعبي وغيرهم؛ فقالوا: ما ~~تركت التسمية عليه، لم يؤكل، عمدا كان أونسيانا، وجمهور ~~العلماء على أنه يؤكل إن كان تركها نسيانا؛ بخلاف العمد، وقيل: ~~يؤكل، سواء تركت عمدا أو نسيانا، إلا أن يكون مستخفا. # وقوله تعالى: { وإن الشيطين... } الآية: قال عكرمة: هم ~~مردة الإنس من مجوس فارس، وذلك أنهم كانوا يوالون قريشا على ~~عداوة النبي صلى الله عليه وسلم: { ليوحون إلى أوليائهم ~~}؛ من قريش { ليجدلوكم }؛ بقولهم: تأكلون ما قتلتم ولا ~~تأكلون ما قتل الله؛ فذلك من مخاطبتهم هو الوحي، والأولياء هم ~~قريش، وقال ابن زيد وعبد الله بن كثير: بل الشياطين الجن، ~~واللفظة على وجهها، وأولياؤهم: كفرة قريش، ووحيهم بالوسوسة، وعلى ~~ألسنة الكهان. # ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال في أن ~~يشبه المؤمن بالمشرك، قال ابن العربي: قوله تعالى: { وإن ~~الشيطين ليوحون إلى أوليائهم } ، سمى الله ~~تعالى ما يقع في القلوب في الإلهام وحيا، وهذا مما يطلقه شيوخ ~~المتصوفة، وينكره جهال المتوسمين بالعلم، ولم يعلموا أن الوحي ~~على ثمانية أقسام، وأن إطلاقه في جميعها جائز في دين الله. انتهى ~~من «أحكام القرآن». ### || [6.122-124] # وقوله سبحانه: { أو من كان ميتا فأحيينه } ، لما ~~تقدم ذكر المؤمنين، وذكر الكافرين، مثل سبحانه في ms0501 الطائفتين بأن ~~شبه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أحيوا، هذا معنى قول ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما، وشبه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات ~~يترددون فيها، ولا يمكنهم الخروج منها؛ ليبين عز وجل الفرق ~~بين الطائفتين، والبون بين المنزلتين، و { نورا } أمكن ما يعني ~~به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النور الذي يؤتاه المؤمن يوم ~~القيامة، { وجعلنا }؛ في هذه الآية: بمعنى صيرنا، فهي تتعدى ~~إلى مفعولين، الأول: { مجرميها } ، والثاني: { أكبر } ، وفي ~~الكلام؛ على هذا: تقديم وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كل قرية ~~مجرميها أكابر، وقدم الأهم؛ إذ لعلة كبرهم أجرموا، ويصح أن ~~يكون المفعول الأول: «أكابر»، و «مجرميها»؛ مضاف، والمفعول الثاني: ~~في قوله: { في كل قرية } ، و { ليمكروا }: نصب بلام ~~الصيرورة؛ والأكابر: جمع أكبر؛ كما الأفاضل جمع أفضل، قال الفخر: ~~وإنما جعل المجرمين أكابر؛ لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر ~~والمكر وركوب الباطل من غيرهم؛ ولأن كثرة المال والجاه ~~يحملان الإنسان على المبالغة في حفظهما؛ وذلك الحفظ لا يتم ~~إلا بجميع الأخلاق الذميمة؛ كالغدر والمكر والكذب والغيبة ~~والنميمة والأيمان الكاذبة؛ ولو لم يكن للمال والجاه سوى أن ~~الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الأوصاف الذميمة من كان له ~~مال وجاه، لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه. انتهى، وما ~~ذكره من المال والجاه هو الأغلب. # { ومايشعرون } ، أي: ما يعلمون. # وقوله سبحانه: { وإذا جاءتهم ءاية } ، أي: علامة ودليل ~~على صحة الشرع، تشططوا، وقالوا: لن نؤمن حتى يفلق لنا ~~البحر، ويحيى لنا الموتى، ونحو ذلك، فرد الله تعالى ~~عليهم بقوله: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيمن ~~اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كفر، وجعل يتشطط على الله سبحانه، قال ~~الفخر: قال المفسرون: قال الوليد بن المغيرة: لو كانت ~~النبوة حقا، لكنت أولى بها، قال الضحاك: أراد كل واحد من ~~هؤلاء الكفرة أن يخص بالوحي والرسالة؛ كما أخبر عنهم سبحانه: # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة # [المدثر:52] انتهى. # ثم توعد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند ~~الله صغار ms0502 وذلة. ### || [6.125-129] # وقوله سبحانه: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلم... } الآية: { من }: شرط، و { يشرح } جواب ~~الشرط. # والآية نص في أن الله تعالى يريد هدى المؤمن، وضلال الكافر، وهذا ~~عند جميع أهل السنة بالإرادة القديمة التي هي صفة ذاته تبارك ~~وتعالى، والهدى هنا: هو خلق الإيمان في القلب، وشرح الصدر: ~~هو تسهيل الإيمان، وتحبيبه، وإعداد القلب لقبوله وتحصيله، ~~والصدر: عبارة عن القلب، وفي { يشرح } ضمير يعود على اسم الله ~~عز وجل يعضده اللفظ والمعنى، ولا يحتمل غيره، ~~والقول بأنه عائد على «المهدي» قول يتركب عليه مذهب ~~القدرية في خلق الأعمال، ويجب أن يعتقد ضعفه، والحذر منه، ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أنه لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، كيف ~~يشرح الصدر؟ قال: إذا نزل النور في القلب، ~~انشرح له الصدر، وانفسح، قالوا: وهل لذلك ~~علامة، يا رسول الله؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار ~~الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد ~~للموت، قبل الموت " # ، والقول في قوله: { ومن يرد أن يضله } كالقول في قوله: { ~~فمن يرد الله أن يهديه } ، وقرأ حمزة وغيره: «حرجا» ~~بفتح الراء ، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قرأها يوما ~~بفتح الراء، فقرأها له بعض الصحابة بكسر الراء، فقال: ابغوني ~~رجلا من كنانة، وليكن راعيا، وليكن من بني مدلج، فلما جاء، ~~قال له: يا فتى، ما الحرجة عندكم؟ قال الشجرة تكون ~~بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية، قال عمر: كذلك ~~قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. # وقوله سبحانه: { كأنما يصعد في السماء } ، أي: كأن ~~هذا الضيق الصدر متى حاول الإيمان أو فكر فيه، يجد صعوبته ~~عليه، والعياذ بالله، كصعوبة الصعود في السماء، قاله ابن جريج ~~وغيره، و { في السماء } ، يريد: من سفل إلى علو، وتحتمل الآية ~~أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كئود؛ كأنه يصعد بها في ~~الهواء، ويصعد: معناه: يعلو، ويصعد: معناه: يتكلف من ذلك ما ~~يشق عليه. # وقوله: { كذلك يجعل الله الرجس } ، أي: وكما كان ms0503 الهدى ~~كله من الله، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته؛ كذلك يجعل الله ~~الرجس، قال أهل اللغة: الرجس يأتي بمعنى العذاب، ويأتي بمعنى ~~النجس. # وقوله تعالى: { وهذا صرط ربك مستقيما } الآية: هذا ~~إشارة إلى القرآن والشرع الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ قاله ابن عباس، و { فصلنا } ، معناه: بينا وأوضحنا. # وقوله سبحانه: { لقوم يذكرون } ، أي: للمؤمنين، والضمير في ~~قوله: { لهم دار السلم } عائد عليهم، والسلام: يتجه أن يكون ~~اسما من أسماء الله عز وجل، ويتجه أن يكون مصدرا بمعنى السلامة. # وقوله تعالى: { عند ربهم } يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليهم، ~~أي: ولي الإنعام عليهم، و { بما كانوا يعملون } ، أي: ~~بسبب ما كانوا يقدمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر. # وقوله سبحانه: { ويوم نحشرهم جميعا يمعشر الجن ~~قد استكثرتم من الإنس } ، والمعنى: واذكر يوم، وفي ~~الكلام حذف، تقديره: نقول: يا معشر الجن، وقوله: { قد ~~استكثرتم }: معناه: أفرطتم، و { من الإنس }: يريد: في إضلالهم ~~وأغوائهم؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال الكفار من الإنس، وهم أولياء ~~الجن الموبخين؛ على جهة الاعتذار عن الجن: { ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض } ، أي: انتفع؛ وذلك كاستعاذتهم بالجن؛ إذ كان ~~العربي إذا نزل واديا، ينادي: يا رب الوادي، إني أستجير بك في ~~هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفظ جني ذلك الوادي، ونحو ~~ذلك، وبلوغ الأجل المؤجل: هو الموت، وقيل: هو الحشر. # وقوله تعالى: { قال النار مثواكم... } الآية: إخبار من ~~الله تعالى عما يقول لهم يوم القيامة إثر كلامهم المتقدم، و { ~~مثواكم } ، أي: موضع ثوائكم؛ كمقامكم الذي هو ~~موضع الإقامة؛ قاله الزجاج، والاستثناء في قوله: { إلا ما ~~شاء الله } قالت فرقة: «ما» بمعنى «من»، فالمراد: إلا من شاء ~~الله ممن آمن في الدنيا بعد، إن كان من هؤلاء الكفرة، وقال ~~الطبري: إن المستثنى هي المدة التي بين حشرهم إلى دخولهم ~~النار، وقال الطبري، عن ابن عباس: إنه كان يتأول في هذا الاستثناء؛ ~~أنه مبلغ حال هؤلاء في علم الله، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه ~~الآية ms0504 آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا ينزلهم ~~جنة ولا نارا. # قال * ع *: والإجماع على التخليد الأبدي في الكفار، ولا يصح هذا ~~عن ابن عباس (رضي الله عنه). # قال * ص *: { إلا ما شاء الله }: قيل: استثناء منقطع، أي: ~~لكن ما شاء الله من العذاب الزائد على النار، وقيل: متصل، ~~واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء من الأشخاص، وهم من آمن في ~~الدنيا، ورد بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون ~~منقطعا لا متصلا؛ لأن من شرط المتصل اتحاد زماني المخرج ~~والمخرج منه. انتهى، وقيل غير هذا. # وقوله سبحانه: { وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } ، ~~قال قتادة: معناه: نجعل بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم، وقال أيضا: ~~المعنى نجعل بعضهم يلي بعضا في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: ~~نسلط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة منهم. # قال * ع *: وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين؛ كقول ابن ~~الزبير: ألا إن فم الذبان قتل لطيم الشيطان؛ ~~و { كذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون }. ### || [6.130-132] # وقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم... } ~~الآية: هذا الكلام داخل في القول يوم الحشر. # قال الفخر: قال أهل اللغة: المعشر: كل جماعة أمرهم واحد، ~~وتحصل بينهم معاشرة ومخالطة، فالمعشر: المعاشر. انتهى، و { ~~منكم }: يعني: من الإنس؛ قاله ابن جريج وغيره، وقال ابن عباس: ~~من الطائفتين، ولكن رسل الجن هم رسل الإنس، وهم النذر، و ~~{ يقصون }: من القصص، وقولهم: { شهدنا }: إقرار منهم بالكفر. # وقوله سبحانه: { وغرتهم الحيوة الدنيا }: التفاتة ~~فصيحة تضمنت أن كفرهم كان بأذم الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا ~~يواقعه عاقل، ويحتمل { غرتهم }؛ أن يكون بمعنى: أشبعتهم ~~وأطغتهم بحلوائها؛ كما يقال: غر الطائر فرخه. # وقوله سبحانه: { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كفرين }: الجمع بين هذه الآية وبين الآي التي تقتضي إنكار ~~المشركين الإشراك هو إما بأنها طوائف، وإما بأنها طائفة واحدة في ~~مواطن شتى. # وقوله: { ذلك أن لم يكن } ، أي: ذلك الأمر، و { القرى }: ~~المدن، والمراد: أهل القرى، و ms0505 { بظلم }: يحتمل معنيين: # أحدهما: أنه لم يكن سبحانه ليهلكهم دون نذارة، فيكون ظلما ~~لهم، والله تعالى ليس بظلام للعبيد. # والآخر: أن الله عز وجل لم يهلكهم بظلم واقع منهم دون أن ~~ينذرهم، وهذا هو البين القوي، وذكر الطبري (رحمه الله) التأويلين. # وقوله سبحانه: { ولكل درجت مما عملوا... } الآية: ~~إخبار من الله سبحانه أن المؤمنين في الآخرة على درجات من التفاضل ~~بحسب أعمالهم، وتفضل المولى سبحانه عليهم، ولكن كل راض بما ~~أعطي غاية الرضا، والمشركون أيضا على دركات من العذاب، قلت: ~~وظاهر الآية أن الجن يثابون وينالون الدرجات والدركات، وقد ~~ترجم البخاري على ذلك، فقال: ذكر الجن وثوابهم وعقابهم؛ ~~لقوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم... } الآية، إلى قوله: { وما ربك بغفل ~~عما يعملون... } ، قال الداوودي: قال الضحاك: من الجن ~~من يدخل الجنة، ويأكل ويشرب. انتهى. ### || [6.133-135] # وقوله سبحانه: { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ ~~يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء } الآية ~~متضمنة وعيدا وتحذيرا من بطش الله عز وجل في التعجيل بذلك، ~~وإما مع المهلة ومرور الجديدين؛ فذلك عادته سبحانه في الخلق ~~بإذهاب خلق واستخلاف آخرين. # وقوله سبحانه: { إنما توعدون لأت } ، هو من الوعيد؛ بقرينة: ~~{ وما أنتم بمعجزين } ، أي: وما أنتم بناجين هربا فتعجزوا ~~طالبكم، ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام أن يتوعدهم بقوله: ~~{ اعملوا } ، أي: فسترون عاقبة عملكم الفاسد، وصيغة «افعل» هنا: ~~هي بمعنى الوعيد والتهديد، و { على مكانتكم }: معناه: على ~~حالكم وطريقتكم، و { عقبة الدار } ، أي: مآل الآخرة، ~~ويحتمل مآل الدنيا؛ بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب. ### || [6.136-138] # وقوله: { وجعلوا لله مما ذرأ } ، يعني: مشركي العرب ~~الذين تقدم الرد عليهم من أول السورة، و { ذرأ }: معناه: خلق ~~وأنشأ وبث، وسبب نزول هذه الآية أن العرب كانت تجعل من ~~غلاتها وزروعها وثمارها وأنعامها جزءا تسميه لله، وجزءا ~~تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفي والاهتبال بنصيب الأصنام ~~أكثر منها بنصيب الله؛ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فقر، ~~وليس ذلك بالله سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزرع، فهبت الريح، ~~فحملت ms0506 من الذي لله إلى الذي لشركائهم، أقروه، وإذا حملت من ~~الذي لشركائهم إلى الذي لله، ردوه، وإذا لم يصيبوا في نصيب ~~شركائهم شيئا، قالوا: لا بد للآلهة من نفقة، فيجعلون نصيب الله ~~تعالى في ذلك؛ قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم؛ أنهم ~~كانوا يفعلون هذا ونحوه من الفعل؛ وكذلك في الأنعام؛ كانوا إذا ~~أصابتهم السنة، أكلوا نصيب الله، وتحاموا نصيب شركائهم. # وقوله سبحانه: { وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولدهم شركاؤهم } ، الكثير هنا يراد به من كان ~~يئد من مشركي العرب، والشركاء؛ ههنا: الشياطين الآمرون بذلك، ~~المزينون له، والحاملون عليه أيضا من بني آدم، ومقصد الآية الذم ~~للوأد والإنحناء على فعلته، و { ليردوهم }: معناه: ~~ليهلكوهم من الردى، و { ليلبسوا }: معناه: ليخلطلوا. # وقوله سبحانه: { ولو شاء الله ما فعلوه } يقتضي أن لا شيء ~~إلا بمشيئة الله عز وجل، وفيها رد على من قال بأن المرء ~~يخلق أفعاله، وقوله: { فذرهم }: وعيد محض. # وقوله سبحانه: { وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا ~~يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعم حرمت ~~ظهورها } الآية تتضمن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة ~~كذبا منهم على الله سبحانه، و { حجر }: معناه: التحجير، وهو ~~المنع والتحريم، { وأنعم لا يذكرون اسم الله ~~عليها }: قال جماعة من المفسرين: إنهم كانت لهم سنة في ~~أنعام ما؛ ألا يحج عليها، فكانت تركب في كل وجه إلا في ~~الحج، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائح، جعلوا لآلهتهم نصيبا منها لا ~~يذكرون الله على ذبحها. ### || [6.139-140] # وقوله سبحانه: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا... } الآية: كان ~~من مذاهبهم الفاسدة في بعض الأنعام أن يحرموا ما ولدت على ~~نسائهم، ويخصصونه لذكورهم، ف { أزوجنا }: يراد به جماعة ~~النساء التي هي معدة أن تكون أزواجا؛ قاله مجاهد، وقوله: { وإن ~~يكن ميتة } ، يعني: أنه كان من سنتهم أن ما خرج من الأجنة ~~ميتا من تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلال للرجال والنساء جميعا، ~~وكذلك ما مات من الأنعام الموقوفة نفسها، ثم أعقب تعالى ms0507 بوعيدهم ~~على ما وصفوا أنه من القربات. # وقوله سبحانه: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم ~~سفها بغير علم... } الآية: تتضمن التشنيع بسوء فعلهم، ~~والتعجيب من سوء حالهم فيما ذكر، قال عكرمة: وكان الوأد في ~~ربيعة وفي مضر. # قال * ع *: وكان جمهور العرب لا يفعله، ثم إن فاعليه كان منهم من ~~يفعله خوف العيلة والافتقار، وكان منهم من يفعله غيرة؛ مخافة ~~السباء، و { قد ضلوا }: إخبار عنهم بالحيرة، { وما ~~كانوا }: يريد في هذه الفعلة، ويحتمل أن يريد: وما كانوا قبل ~~ضلالهم بهذه الفعلة مهتدين، ولكنهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا. ### || [6.141-142] # وقوله سبحانه: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت ~~وغير معروشت... } الآية: تنبيه على مواضع الاعتبار، و { ~~أنشأ }: معناه: خلق واخترع، و { معروشت } ، قال ابن ~~عباس: ذلك في ثمر العنب، منها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم ~~يعرش، و { متشبها }: يريد: في المنظر، و { غير ~~متشبه }: في الطعم؛ قاله ابن جريج وغيره، وقوله: { كلوا من ~~ثمره }: نص في الإباحة، وقوله سبحانه: { وءاتوا حقه يوم ~~حصاده }: قال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفروضة. # قال * ع *: وهذا القول معترض بأن السورة مكية؛ وبأنه لا ~~زكاة فيما ذكر من الرمان، وما في معناه، وحكى الزجاج؛ أن هذه ~~الآية قيل فيها: إنها نزلت بالمدينة، وقال مجاهد وغيره: بل قوله: { ~~وءاتوا حقه يوم حصاده }: ندب إلى إعطاء حقوق من ~~المال غير الزكاة، والسنة أن يعطي الرجل من زرعه عند ~~الحصاد، وعند الذرو، وعند تكديسه في البيدر، فإذا صفى ~~وكال، أخرج من ذلك الزكاة. # وقالت طائفة: هذا حكم صدقات المسلمين؛ حتى نزلت الزكاة المفروضة، ~~فنسختها. # قال * ع *: والنسخ غير مترتب في هذه الآية، ولا تعارض بينها ~~وبين آية الزكاة، بل تنبني هذه على الندب، وتلك على الفرض. # وقوله سبحانه: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~} النهي عن الإسراف: إما للناس عن التمنع عن أدائها؛ لأن ذلك إسراف ~~من الفعل، وإما للولاة عن التشطط على الناس والإذاءة لهم، وكل قد ~~قيل به في تأويل الآية. # وقوله سبحانه: { ومن الأنعم حمولة ms0508 وفرشا } { ~~حمولة }: عطف على { جنت معروشت }. التقدير: وأنشأنا ~~من الأنعام حمولة، والحمولة: ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر ~~عند من عادته أن يحمل عليها، والفرش: ما لا يحمل ثقلا؛ كالغنم ~~وصغار البقر والإبل، وهذا هو المروي عن ابن مسعود وابن عباس ~~والحسن وغيرهم، ولا مدخل في الآية لغير الأنعام، وقوله: { كلوا ~~مما رزقكم الله }: نص إباحة، وإزالة ما سنه الكفرة من ~~البحيرة والسائبة وغير ذلك، ثم تابع النهي عن تلك السنن ~~الآفكة؛ بقوله سبحانه: { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } ، ~~وهي جمع خطوة، أي: لا تمشوا في طريقه، قلت: ولفظ البخاري: { ~~خطوت } من الخطو، والمعنى: آثاره. انتهى. ### || [6.143-145] # وقوله سبحانه: { ثمنية أزوج } ، واختلف في نصبها فقيل: ~~على البدل من «ما» في قوله: { كلوا مما رزقكم الله } ، ~~وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: { حمولة وفرشا } ، ~~وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على معنى الآية، والزوج: الذكر، ~~والزوج الأنثى، فكل واحد منهما زوج صاحبه، وهي أربعة أنواع؛ ~~فتجيء ثمانية أزواج، والضأن: جمع ضائنة وضائن. # وقوله سبحانه: { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } ، ~~هذا تقسيم على الكفار؛ حتى يتبين كذبهم على الله، أي: لا بد أن ~~يكون حرم الذكرين؛ فيلزمكم تحريم جميع الذكور، أو الأنثيين؛ ~~فيلزمكم تحريم جميع الإناث، { أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين } ، فيلزمكم تحريم الجميع، وأنتم لم تلتزموا شيئا يوجبه ~~هذا التقسيم، وفي هذه السؤالات تقريع وتوبيخ، ثم أتبع تقريعهم ~~بقوله: { نبئوني } ، أي: أخبروني { بعلم } ، أي: من جهة نبوة ~~أو كتاب من كتب الله { إن كنتم صدقين } ، و { إن } شرط، ~~وجوابه في { نبئوني }. # وقوله سبحانه: { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ~~قل ءالذكرين حرم... } الآية: القول في هذه الآية في ~~المعنى وترتيب التقسيم؛ كما تقدم، فكأنه قال: أنتم الذين تدعون ~~أن الله حرم خصائص من هذه الأنعام لا يخلو تحريمه من أن يكون ~~في الذكرين أو في الأنثيين، أو فيما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين، لكنه لم يحرم لا هذا ولا هذا ولا هذا؛ فلم يبق إلا أنه ~~لم يقع تحريم، قال الفخر: والصحيح عندي ms0509 أن هذه الآية لم ترد على ~~سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، ~~وحاصل الكلام: أنكم لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون ~~هذه الأحكام المختلفة. انتهى. # وقوله سبحانه: { أم كنتم شهداء إذ وصكم الله ~~بهذا }: استفهام؛ على سبيل التوبيخ، و { شهداء }: جمع ~~شهيد، وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { قل لآ أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة... } الآية: هذه ~~الآية نزلت بمكة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير ~~هذه الأشياء، ثم نزلت، سورة المائدة بالمدينة، وزيد في المحرمات؛ ~~كالخمر، وكأكل كل ذي ناب من السباع مما وردت به السنة. # قال * ع *: ولفظة التحريم، إذا وردت على لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية المنع ~~والحظر، وصالحة بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهية ~~ونحوها، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين، وأجمع ~~عليه الكل منهم، ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناس ~~وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع، ~~ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينة ~~اضطراب ألفاظ الحديث، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث؛ كقوله ~~عليه السلام : # " كل ذي ناب من السباع حرام " # ، وقد روي عنه «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ~~كل ذي ناب من السباع»، ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في ~~تحريم ذلك، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على ~~المنع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به قرينة التأويل؛ ~~كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الأنسية، فتأول بعض ~~الصحابة الحاضرين ذلك؛ لأنها لم تخمس، وتأول بعضهم أن ذلك لئلا ~~تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض، وثبت في الأمة ~~الاختلاف في لحمها، فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ ~~التحريم بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بين. ### || [6.146-150] # وقوله سبحانه: { وعلى الذين ms0510 هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر... } الآية: هذا خبر من الله سبحانه يتضمن تكذيب ~~اليهود في قولهم: «إن الله لم يحرم علينا شيئا، وإنما حرمنا ~~على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه»، و { كل ذي ظفر }: ~~يراد به الإبل، والنعام، والإوز ونحوه من الحيوان الذي هو غير ~~منفرج الأصابع، وله ظفر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريم ~~الشحوم عليهم، وهي الثروب وشحم الكلى، وما كان شحما خالصا ~~خارجا عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ~~ذبائحهم، فعن مالك: كراهية شحومهم من غير تحريم. # وقوله تعالى: { إلا ما حملت ظهورهما } ، يريد: ما اختلط ~~باللحم في الظهر والأجناب ونحوه، قال السدي وأبو صالح: ~~الأليات مما حملت ظهورهما، والحوايا: ما تحوى في البطن، ~~واستدار، وهي المصارين والحشوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره: هي ~~المباعر، وقوله: { أو ما اختلط بعظم } ، يريد: في سائر ~~الشخص. # وقوله سبحانه: { ذلك جزينهم ببغيهم } يقتضي أن هذا ~~التحريم إنما كان عقوبة لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم. # وقوله سبحانه: { وإنا لصدقون }: إخبار يتضمن التعريض ~~بكذبهم في قولهم: ما حرم الله علينا شيئا. # وقوله سبحانه: { فإن كذبوك }: أي: فيما أخبرت به؛ أن الله ~~حرمه عليهم، { فقل ربكم ذو رحمة وسعة } أي في إمهاله؛ ~~إذ لم يعاجلكم بالعقوبة، مع شدة جرمكم، ولكن لا تغتروا بسعة ~~رحمته؛ فإن له بأسا لا يرد عن القوم المجرمين، إما في الدنيا ~~وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمها ~~بآية القتال، ثم أخبر سبحانه نبيه عليه السلام ؛ بأن المشركين ~~سيحتجون؛ لتصويب ما هم عليه من شركهم وتدينهم: بتحريم تلك ~~الأشياء بإمهال الله تعالى لهم، وتقريره حالهم، وأنه لو شاء ~~غير ذلك، لما تركهم على تلك الحال، ولا حجة لهم فيما ذكروه؛ ~~لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أن ~~تكون كل طريقة وكل نحلة صوابا، إذ كلها لو شاء الله لم ~~تكن، وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام؛ كأنه قال: سيقول ~~المشركون كذا ms0511 وكذا، وليس في ذلك حجة لهم، ولا شيء يقتضي تكذيبك، ~~ولكن، { كذلك كذب الذين من قبلهم }؛ بنحو هذه الشبهة ~~من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم، وفي قوله ~~تعالى: { حتى ذاقوا بأسنا }: وعيد بين. # وقوله سبحانه: { قل هل عندكم من علم }. أي: من قبل ~~الله، { قل فلله الحجة البلغة } ، يريد البالغة ~~غاية المقصد في الأمر الذي يحتج له، ثم أعلم سبحانه أنه لو شاء، ~~لهدى العالم بأسره، و { هلم }: معناها: هات؛ وهي حينئذ ~~متعدية، وقد تكون بمعنى: «أقبل»؛ فلا تتعدى، وبعض العرب يجعلها ~~اسم فعل؛ ك «رويدك»، وبعضهم يجعلها فعلا، ومعنى الآية: قل ~~هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعمتم تحريمه، { فإن ~~شهدوا } ، أي: فإن افترى لهم أحد أو زور شهادة أو خبرا عن ~~نبوة ونحو ذلك، فجنب أنت ذلك، ولا تشهد معهم، قلت: وهذه ~~الآية والتي بعدها من نوع ما تقدم من أن الخطاب له صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد غيره ممن يمكن ذلك منه، { وهم بربهم يعدلون ~~} ، أي: يجعلون له أندادا يسوونهم به، تعالى الله عن قولهم. ### || [6.151-153] # وقوله سبحانه: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم ألا تشركوا به شيئا }: هذا أمر من الله عز ~~وجل لنبيه عليه السلام أن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ~~ما حرم الله بشرع الإسلام المبعوث به إلى الأسود والأحمر، و { ~~ما } نصبت بقوله: { اتل } ، وهي بمعنى «الذي»، و «أن»، في قوله: ~~{ ألا تشركوا } في موضع رفع، التقدير: الأمر أن، أو ذاك أن، ~~وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتح التوراة: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم...» إلى آخر الآيات، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحكمات ~~المذكورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ~~ملة، وقد قيل: إنها العشر الكلمات المنزلة على موسى، والإملاق: ~~الفقر وعدم المال؛ قاله ابن عباس وغيره، قال القشيري: خوف ~~الفقر قرينة الكفر، وحسن الثقة بالرب سبحانه نتيجة الإيمان. ~~انتهى من «التحبير». # وقوله ms0512 سبحانه: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ~~هي أحسن } ، قال مجاهد: { التي هي أحسن }: التجارة فيه، ~~والأشد هنا: الحزم والنظر في الأمور وحسن التصرف فيها، وليس ~~هذا بالأشد المقرون بالأربعين، بل هذا يكون مع صغر السن في ~~ناس كثير. # وقوله سبحانه: { وأوفوا الكيل والميزان }: أمر بالاعتدال. # وقوله سبحانه: { لا نكلف نفسا إلا وسعها }: يقتضي أن ~~هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ ~~والتحرز. # وقوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا }: يتضمن الشهادات ~~والأحكام والتوسط بين الناس وغير ذلك، أي: ولو كان ميل الحق ~~على قراباتكم. # وقوله سبحانه: { وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه }: ~~الإشارة ب { هذا } هي إلى الشرع الذي جاء به نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وقال الطبري: الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي ~~تقدمت من قوله: { قل تعالوا } ، وقال ابن مسعود: إن الله ~~سبحانه جعل طريقه صراطا مستقيما طرفه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وشرعه، ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ~~ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار، وقال أيضا: خط ~~لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، فقال: # " هذا سبيل الله " # ثم خط عن يمين ذلك وعن شماله خطوطا، فقال: # " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو ~~إليها " # ، ثم قرأ هذه الآية. # قال * ع *: وهذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في ~~الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل، والخوض في الكلام، ~~هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة السوء المعتقد، و { ~~لعلكم } ترج بحسبنا، ومن حيث كانت المحرمات الأول لا يقع ~~فيها عاقل قد نظر بعقله، جاءت العبارة: { لعلكم تعقلون ~~} ، والمحرمات الأخر شهوات، وقد يقع فيها من العقلاء من لم ~~يتذكر، وركوب الجادة الكاملة يتضمن فعل الفضائل، وتلك درجة ~~التقوى. ### || [6.154-157] # وقوله سبحانه: { ثم ءاتينا موسى الكتب تماما على ~~الذي أحسن } ، { ثم }؛ في هذه الآية: إنما مهلتها في ترتيب ~~القول الذي أمر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال: ثم مما ~~قضيناه أنا آتينا موسى ms0513 الكتاب؛ ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه ~~السلام متقدم بالزمان على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وتلاوته ما حرم الله، و { الكتب }: التوراة، و { تماما }: ~~مصدر، وقوله: { على الذي أحسن }: مختلف في معناه، فقالت فرقة: ~~{ الذي } بمعنى الذين و { أحسن }: فعل ماض صلة «الذين»، ~~وكأن الكلام: وآتينا موسى الكتاب تفضلا على المحسنين من أهل ~~ملته، وإتماما للنعمة عليهم، وهذا تأويل مجاهد؛ ويؤيده ما في مصحف ~~ابن مسعود: «تماما على الذين أحسنوا»، وقالت فرقة: ~~المعنى: تماما على ما أحسن هو من عبادة ربه، يعني: موسى ~~عليه السلام وهذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة: المعنى: تماما ~~على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوات وسائر النعم؛ و { ~~بلقاء ربهم } ، أي: بالبعث. # وقوله سبحانه: { وهذا كتب أنزلنه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } ، { هذا } ~~إشارة إلى القرآن، و { مبارك }: وصف بما فيه من التوسعات وأنواع ~~الخيرات، ومعناه: منمى خيره مكثر، والبركة: الزيادة والنمو، ~~{ فاتبعوه }: دعاء إلى الدين، { واتقوا }: أمر بالتقوى ~~العامة في جميع الأشياء؛ بقرينة قوله: { لعلكم ترحمون } ، ~~و «أن» في قوله: { أن تقولوا } في موضع نصب، والعامل فيه: { ~~أنزلنه } ، والتقدير: وهذا كتاب أنزلناه؛ كراهية أن تقولوا، ~~والطائفتان: اليهود والنصارى بإجماع المتأولين، والدراسة: ~~القراءة والتعلم بها، ومعنى الآية: إزالة الحجة من أيدي قريش ~~وسائر العرب، ولما تقرر أن البينة قد جاءتهم، والحجة قد قامت ~~عليهم حسن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله سبحانه: { فمن ~~أظلم ممن كذب بآيت الله وصدف عنها } ، أي: ~~حاد عنها، وزاغ، وأعرض، و { سنجزي الذين }: وعيد. ### || [6.158] # وقوله سبحانه: { هل ينظرون } ، أي: ينتظرون، يعني: العرب ~~المتقدم الآن ذكرهم، و { الملئكة } هنا: هم ملائكة الموت ~~الذين يصحبون عزرائيل المخصوص بقبض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة ~~وابن جريج. # وقوله تعالى: { أو يأتي ربك } ، قال الطبري: لموقف الحساب ~~يوم القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعة من المتأولين، وقال ~~الزجاج: إن المراد: «أو يأتي عذاب ربك». # قال * ع *: وعلى كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف، تقديره: أمر ربك، أو ~~بطش ربك، أو حساب ms0514 ربك، وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل ~~على الله تعالى؛ ألا ترى أن الله عز وجل يقول: # فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر:2]؛ فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجاز، وحذف المضاف. # قال الفخر: والجواب المعتمد عليه هنا أن هذا حكاية مذهب ~~الكفار، واعتقادهم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد ~~بهذه الآيات علامات القيامة. انتهى. # قلت: وما ذكره الفخر من أن هذا حكاية مذهب الكفار هي دعوى تفتقر ~~إلى دليل. # وقوله سبحانه: { أو يأتي بعض ءايت ربك } ، قال مجاهد ~~وغيره هي إشارة إلى طلوع الشمس من مغربها؛ بدليل التي بعدها. # قال * ع *: ويصح أن يريد سبحانه بقوله: { أو يأتي بعض ~~ءايت ربك } جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصص ~~سبحانه بعد ذلك بقوله: { يوم يأتي بعض ءايت ربك } ~~الآية التي ترتفع التوبة معها، وقد بينت الأحاديث الصحاح في ~~البخاري ومسلم؛ أنها طلوع الشمس من مغربها، ومقصد الآية تهديد ~~الكفار بأحوال لا يخلون منها، وقوله: { أو كسبت في ~~إيمنها خيرا }؛ يريد: جميع أعمال البر، وهذا الفصل هو ~~للعصاة من المؤمنين؛ كما أن قوله: { لم تكن ءامنت من قبل ~~} هو للكافرين، فالآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين، قال ~~الداوودي: قوله تعالى: { أو كسبت في إيمنها خيرا } ، ~~يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تقبل منها التوبة ~~يومئذ، وتكون في مشيئة الله تعالى؛ كأن لم تتب، وعن عائشة (رضي ~~الله عنها): إذا خرجت أول الآيات، طرحت الأقلام، وحبست ~~الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. انتهى. # وقوله سبحانه: { قل انتظروا إنا منتظرون }: لفظ يتضمن ~~الوعيد. ### || [6.159-161] # وقوله سبحانه: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم في شيء } ، قال ابن عباس وغيره: المراد ب ~~«الذين» اليهود والنصارى، أي: فرقوا دين إبراهيم، ووصفهم ب ~~«الشيع»؛ إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حض ~~للمؤمنين على الائتلاف وترك الاختلاف، وقال أبو الأحوص وأم سلمة زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الآية في أهل البدع والأهواء والفتن، ~~ومن جرى مجراهم ms0515 من أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ~~فرقوا دين الإسلام، وقرأ حمزة والكسائي: «فارقوا»، ومعناه: تركوا. # وقوله تعالى: { لست منهم في شيء }: أي: لا تشفع لهم، ولا ~~لهم بك تعلق، وهذا على الإطلاق في الكفار، وعلى جهة المبالغة في ~~العصاة. # وقوله سبحانه: { إنما أمرهم إلى الله... } الآية: وعيد ~~محض، وقال السدي: هذه آية لم يؤمر فيها بقتال، فهي منسوخة بالقتال. # قال * ع *: الآية خبر لا يدخله نسخ، ولكنها تضمنت بالمعنى أمرا ~~بموادعة، فيشبه أن يقال: إن النسخ وقع في ذلك المعنى الذي قد تقرر ~~نسخه في آيات أخرى. # وقوله سبحانه: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها... ~~} الآية: قال ابن مسعود وغيره: { الحسنة } هنا: «لا إله إلا ~~الله»، و { السيئة }: الكفر. # قال: * ع *: وهذه هي الغاية من الطرفين، وقالت فرقة: ذلك لفظ عام ~~في جميع الحسنات والسيئات، وهذا هو الظاهر، وتقدير الآية: من جاء ~~بالحسنة، فله ثواب عشر أمثالها، وقرأ يعقوب وغيره: «فله عشر» ~~ بالتنوين «أمثالها» بالرفع . # وقوله تعالى: { قل إنني هداني ربي إلى صرط ~~مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم... } الآية: في غاية ~~الوضوح والبيان، و { قيما }: نعت للدين، ومعناه: مستقيما، و { ~~ملة }: بدل من الدين. ### || [6.162-165] # وقوله سبحانه: { قل إن صلاتي ونسكي... } الآية: أمر من ~~الله عز وجل لنبيه عليه السلام أن يعلن بأن مقصده في ~~صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من ~~إخلاص وإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل، وإرادة وجهه، ~~وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما ~~يلزم المؤمنين التأسي به؛ حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه ~~الله عز وجل، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة؛ أن صلاته ونسكه ~~وحياته ومماته بيد الله عز وجل، والله يصرفه في جميع ذلك ~~كيف شاء سبحانه، ويكون قوله: { وبذلك أمرت }؛ على هذا ~~التأويل راجعا إلى قوله: { لا شريك له } فقط، أو راجعا إلى ~~القول؛ وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذكر من صلاة وغيرها، ~~وقالت فرقة: النسك؛ في ms0516 هذه الآية: الذبائح. # قال * ع *: ويحسن تخصيص الذبيحة بالذكر في هذه الآية؛ أنها ~~نازلة قد تقدم ذكرها، والجدل فيها في السورة، وقالت فرقة: النسك؛ ~~في هذه الآية: جميع أعمال الطاعات؛ من قولك: نسك فلان، فهو ~~ناسك؛ إذا تعبد، وقرأ السبعة سوى نافع: «ومحياي» بفتح ~~الياء ، وقرأ نافع وحده: «ومحياي» بسكون الياء ، قال أبو ~~حيان: وفيه جمع بين ساكنين، وسوغ ذلك ما في الألف من المد ~~القائم مقام الحركة. انتهى، وقوله: «وأنا أول المسلمين»، أي: من هذه ~~الأمة. # وقوله سبحانه: { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب ~~كل شيء... } الآية: حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد ~~آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في ~~دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية، وهي استفهام يقتضي التوبيخ لهم، و ~~{ أبغي }: معناه أطلب؛ فكأنه قال: أفيحسن عندكم أن أطلب ~~إلها غير الله الذي هو رب كل شيء، وما ذكرتم من كفالتكم ~~باطل ليس الأمر كما تظنون، فلا تكسب كل نفس من الشر ~~والإثم إلا عليها وحدها، { ولا تزر } ، أي: تحمل { وزرة } ، ~~أي: حاملة حمل أخرى وثقلها، و «الوزر»: أصله الثقل، ثم استعمل في ~~الإثم؛ تجوزا واستعارة، { ثم إلى ربكم مرجعكم }: ~~تهديد ووعيد، وقوله: { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ~~} ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو ساحر، وبعضكم: هو شاعر، إلى غير ~~ذلك؛ قاله بعض المتأولين، وهذا التأويل يحسن في هذا الموضع، وإن ~~كان اللفظ يعم جميع أنواع الاختلافات بين الأديان والملل ~~والمذاهب وغير ذلك، و { خلئف }: جمع خليفة، أي: يخلف ~~بعضكم بعضا؛ لأن من أتى خليفة لمن مضى، وهذا يتصور في ~~جميع الأمم وسائر أصناف الناس، ولكنه يحسن في أمة نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من ~~يخلفهم؛ إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقوم الساعة، وروى الحسن بن أبي ~~الحسن؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " توفون سبعين أمة أنتم خيرها ms0517 وأكرمها على ~~الله عز وجل " # ، ويروى: # " أنتم آخرها وأكرمها على الله ". # وقوله: { ورفع بعضكم فوق بعض درجت }: لفظ عام ~~في المال، والقوة، والجاه، وجودة النفوس والأذهان، وغير ذلك، وكل ~~ذلك إنما هو ليختبر الله سبحانه الخلق، فيرى المحسن من المسيء، ~~ولما أخبر الله عز وجل بهذا، ففسح للناس ميدان العمل، ~~وحضهم سبحانه على الاستباق إلى الخيرات، توعد ووعد؛ تخويفا منه ~~وترجية، فقال: { إن ربك سريع العقاب } إما بأخذاته في ~~الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحسن أن يوصف عقاب الآخرة ب «سريع»؛ ~~لما كان متحققا مضمون الإتيان والوقوع، وكل آت قريب، { وإنه ~~لغفور رحيم }: ترجية لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب ~~الله كثير، وهو اقتران الوعيد بالوعد؛ لطفا من الله سبحانه ~~بعباده، اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك وغفرانك، بجودك ~~وإحسانك، ومن كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي ~~(رحمه الله) قال: من أراد ألا يضره ذنب، فليقل: رب أعوذ بك من ~~عذابك يوم تبعث عبادك، وأعوذ بك من عاجل العذاب، ومن سوء ~~الحساب، فإنك لسريع الحساب، وإنك لغفور رحيم، رب إني ظلمت نفسي ~~ظلما كثيرا، فاغفر لي وتب علي لا إله إلا أنت، سبحانك، إني ~~كنت من الظالمين. انتهى، نسأل الله أن ينفع به ناظره وأن يجعله ~~لنا ذخرا ونورا يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمد لله الذي ~~بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-3] # قوله جلت عظمته: { المص كتب أنزل إليك فلا يكن ~~في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ~~} تقدم القول في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور، والحرج: ~~الضيق ومنه: الحرجة؛ الشجر الملتف الذي قد تضايق، والحرج هاهنا ~~يعم الشك، والخوف، والهم، وكل ما يضيق الصدر، والضمير في «منه» عائد ~~على الكتاب، أي: بسبب من أسبابه. # وقوله سبحانه: { فلا يكن في صدرك حرج منه } اعتراض في ~~أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تقديما وتأخيرا. # وقوله: { وذكرى } معناه تذكرة وإرشاد. # وقوله سبحانه: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ms0518 ربكم } ~~أمر يعم جميع الناس، { ولا تتبعوا من دونه } ، أي: ~~من دون ربكم { أولياء } يريد: كل من عبد، واتبع من دون ~~الله، { وقليلا }: نعت لمصدر نصب بفعل مضمر. # وقال مكي: هو منصوب بالفعل الذي بعده، و«ما» في قوله: { ما ~~تذكرون } مصدرية. ### || [7.4-5] # وقوله سبحانه: { وكم من قرية أهلكنها فجاءها ~~بأسنا بيتا أو هم قائلون } قالت فرقة: المراد وكم من ~~أهل قرية. # وقالت فرقة: اللفظ يتضمن هلاك القرية وأهلها، وهو أعظم في ~~العقوبة، و«الفاء» في قوله سبحانه: { فجاءها بأسنا } ~~لترتيب القول فقط. # وقيل: المعنى أهلكناها بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بأسنا ~~بعد ذلك و { بيتا } ، نصب على المصدر في موضع الحال، و { ~~قائلون } من القائلة، وإنما خص وقتي الدعة والسكون؛ لأن ~~مجيء العذاب فيهما أفظع وأهول؛ لما فيه من البغتة ~~والفجأة. # قال أبو حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بأسنا ليلا، وبعضهم ~~نهارا انتهى. # وقوله عز وجل: { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ~~إلا أن قالوا إنا كنا ظلمين } هذه الآية يتبين ~~منها أن المراد في الآية قبلها أهل القرى، والدعوى في كلام العرب ~~تأتي لمعنيين: # أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عز وجل: # فما زالت تلك دعواهم # [الأنبياء: 15]. # والثاني: الادعاء، وهذه الآية تحتمل المعنيين، ثم استثنى ~~سبحانه من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دعاء أو ادعاء ~~إلا الإقرار، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء، والادعاء، ~~واعترافهم. # وقولهم: { إنا كنا ظلمين } هو في المدة التي ما بين ~~ظهور العذاب إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مهلة بحسب نوع ~~العذاب تتسع لهذه المقالة، وغيرها. # وروى ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم ". ### || [7.6-7] # وقوله سبحانه: { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ~~ولنسئلن المرسلين... } الآية وعيد من الله عز ~~وجل لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه ~~وعن جميع أعمالهم، ويسأل النبيين عما بلغوا، وهذا هو سؤال ~~التقرير، فإن الله سبحانه قد أحاط علما بكل ذلك قبل السؤال، فأما ~~الأنبياء والمؤمنون، ms0519 فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة، وأما ~~الكفار، ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة، فيعقبهم جوابهم عذابا ~~وتوبيخا. # * ت *: وروى أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» بسنده ~~عن مالك أنه قال: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما ~~تسأل الأنبياء يعني عن تبليغ العلم انتهى. # وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من عبد يخطو خطوة إلا يسأل عنها ما أراد بها ". # وقد ذكرنا حديث مسلم عن أبي برزة في غير هذا الموضع. وخرج ~~الطبراني بسنده عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، ~~فيوقفه بين يديه، فيسأله عن جاهه، كما يسأله عن عمله " # انتهى. # وروى مالك عن يحيى بن سعيد، قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من ~~عمل المرء، الصلاة، فإن قبلت منه نظر فيما بقي من ~~عمله، وإن لم تقبل منه لم ينظر في شيء من عمله. # وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث ~~مرفوعا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة " # قال: يقول ربنا عز وجل للملائكة انظروا في صلاة ~~عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كان ~~انتقص منها شيء، قال الله: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له ~~تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال ~~على ذلك. انتهى. # واللفظ لأبي داود. # وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة» # وقوله سبحانه: { فلنقصن عليهم بعلم } أي: فلنسردن ~~عليهم أعمالهم قصة قصة، { بعلم } أي: بحقيقة ويقين { وما ~~كنا غائبين }. ### || [7.8-10] # وقوله عز وجل: { والوزن يومئذ الحق } التقدير: والوزن ~~الحق ثابت، أو ظاهر يومئذ، أي يوم القيامة. # قال جمهور الأمة: إن الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن ~~الحساب والنظر يوم القيامة هو في غاية التحرير، ونهاية ~~العدل بأمر قد ms0520 عرفوه في الدنيا، وعهدته أفهامهم، فميزان ~~القيامة له عمود وكفتان على هيئة موازين الدنيا، جمع لفظ ~~«الموازين»؛ إذ في الميزان موزونات كثيرة، فكأنه أراد ~~التنبيه عليها. # قال الفخر: والأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد، ~~لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزنات، أو على الميزان الواحد ~~يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ، وذلك إنما يصار إليه عند ~~تعذر حمل الكلام على ظاهره، ولا مانع هاهنا منه، فوجب ~~إجراء اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات ميزان له كفتان، ~~فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة، وما الموجب لتركه، ~~والمصير إلى التأويل. انتهى. قال أبو حيان: موازينه جمع باعتبار ~~الموزونات، وهذا على مذهب الجمهور؛ في أن الميزان واحد. # وقال الحسن: لكل واحد ميزان، فالجمع إذن حقيقة انتهى. # والآيات هنا البراهين والأوامر والنواهي. # وقوله سبحانه: { ولقد مكنكم في الأرض وجعلنا ~~لكم فيها معيش.... } الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر ~~الياء دون همز جمع معيشة، وهي لفظة تعم جميع المأكول الذي ~~يعاش به، والتحرف الذي يؤدي إليه، { وقليلا } نصب ب { ~~تشكرون } ويحتمل أن تكون { ما } مع الفعل بتأوليل المصدر، و { ~~قليلا } نعت لمصدر محذوف، تقديره: شكرا قليلا شكركم، أو شكرا ~~قليلا تشكرون. ### || [7.11-18] # وقوله سبحانه: { ولقد خلقنكم ثم صورنكم... } ~~الآية: هذه الآية معناها التنبيه على مواضع العبرة، ~~والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة. # واختلف العلماء في ترتيب هذه الآية؛ لأن ظاهرها/ يقتضي أن ~~الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا، ~~وقد صححت الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك، فقالت فرقة: المراد ~~بقوله سبحانه: { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } آدم، ~~وإن كان الخطاب لبنيه. # وقال مجاهد: المعنى: ولقد خلقناكم، ثم صورناكم في صلب آدم، وفي ~~وقت استخراج ذرية آدم من ظهره أمثال الذر في صورة البشر، ويترتب ~~في هذين القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمهلة. # وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» ~~فذريته في بطون الأمهات. # وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بطون الأمهات من ms0521 خلق، وتصوير، { ~~وثم } لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجمل في أنفسها. # وقوله سبحانه: { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~السجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها فاخرج إنك من الصغرين * قال أنظرني إلى ~~يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما ~~أغويتني لأقعدن لهم صرطك المستقيم } تقدم ~~الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة». # «وما» في قوله: { ما منعك } استفهام على جهة التوبيخ والتقريع، ~~و«لا» في قوله: { ألا تسجد } قيل: هي زائدة، والمعنى: ما منعك ~~أن تسجد، وكذلك قال أبو حيان: إنها زائدة، كهي في قوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتب # [الحديد: 29]. # قال: ويدل على زيادتها سقوطها في قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد # [ص: 75] في «ص» انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمطابق لما سئل عنه، ~~لكن [لما] جاء بكلام يتضمن الجواب والحجة، فكأنه قال: منعني ~~فضلي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أفضل من الطين، ~~وليس كذلك بل هما في درجة واحدة من حيث إنهما جماد مخلوق، ~~ولما ظن إبليس أن صعود النار، وخفتها يقتضي فضلا على سكون ~~الطين وبلادته، قاس أن ما خلق منها أفضل مما خلق من الطين، ~~فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نفخ في آدم ليس من الطين. # وقال الطبري: ذهب عليه ما في النار من الطيش، والخفة، ~~والاضطراب، وفي الطين من الوقار، والأناة والحلم، والتثبت وروي ~~عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس ~~والقمر إلا بالقياس، وهذا القول منهما ليس هو بإنكار للقياس. وإنما ~~خرج كلامهما نهيا عما كان في زمانهما من مقاييس الخوارج ~~وغيرهم، فأراد حمل الناس على الجادة. # وقوله سبحانه: { فاهبط منها } الآية: يظهر منه أنه أهبط أولا، ~~وأخرج من الجنة، وصار في السماء، لأن الأخبار تظاهرت أنه أغوى ~~آدم وحواء من خارج الجنة، ثم أمر آخرا بالهبوط من السماء مع ms0522 ~~آدم، وحواء، والحية. وقوله: { إنك من الصغرين } حكم عليه ~~بضد معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف ~~شهوته، وأمله والصغار: الذل قاله السدي. # ومعنى: { أنظرني } أخرني فأعطاه الله النظرة إلى ~~النفخة الأولى. قاله أكثر الناس وهو الأصح والأشهر في الشرع. # وقوله: { فبما } يريد به القسم، كقوله في الآية الأخرى: # فبعزتك # [ص: 82] و { أغويتني } قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغي، ~~وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب القرظي: قاتل الله القدرية ~~لإبليس أعلم بالله منهم، يريد في أنه علم أن الله يهدي ~~ويضل. # وقوله: { لأقعدن لهم صرطك } المعنى: لاعترضن لهم في ~~طريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فلأصدنهم عنه. # ومنه قوله عليه السلام: # " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه نهاه عن الإسلام، ~~وقال: تترك دين آبائك، فعصاه فأسلم، فنهاه عن الهجرة فقال: ~~تدع أهلك وبلدك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجهاد، فقال: ~~تقتل وتترك ولدك، فعصاه فجاهد فله الجنة... " # الحديث. # وقوله سبحانه: { ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن ~~خلفهم وعن أيمنهم وعن شمائلهم ولا تجد ~~أكثرهم شكرين * قال اخرج منها مذءوما ~~مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين } مقصد الآية أن إبليس أخبر عن نفسه أنه يأتي إضلال ~~بني آدم من كل جهة، فعبر عن ذلك بألفاظ تقتضي الإحاطة بهم، ~~وفي اللفظ تجوز، وهذا قول جماعة من المفسرين. # قال الفخر: وقوله: { لأقعدن لهم صرطك المستقيم } ~~أي: على صراطك. أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع. انتهى. # وقوله: { ولا تجد أكثرهم شكرين } أخبر اللعين أن ~~سعايته تفعل ذلك ظنا منه، وتوسما في خلقة آدم حين رأى ~~خلقته من أشياء مختلفة، فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي ~~طاعته، كالغل، والحسد، والشهوات، ونحو ذلك. # قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يقل: إنه يأتي بني آدم من ~~فوقهم، ولا جعل الله له سبيلا إلى أن يحول بينهم وبين رحمة ~~الله وعفوه ومنه، وما ظنه إبليس صدقه الله عز وجل. # ومنه قوله سبحانه: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا ms0523 من المؤمنين # [سبأ: 20] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبينه قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الصحيح: # " يقول الله عز وجل: يا آدم أخرج بعث النار، ~~فيقول: يا رب وما بعث النار، فيقول: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة " # ونحوه مما يخص أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: # " ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود " # و { شكرين } معناه: مؤمنين؛ لأن ابن آدم لا يشكر نعمة الله ~~إلا بأن يؤمن. قاله ابن عباس وغيره. # وقوله سبحانه: { اخرج منها } أي: من الجنة { مذءوما } أي ~~معيبا { مدحورا }؛ أي مقصيا مبعدا. # { لمن تبعك } بفتح اللام هي لام قسم. # وقال أبو حيان: الظاهر أنها الموطئة للقسم، و«من» شرطية في ~~موضع رفع بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، ~~ويجوز أن تكون لام ابتداء، و«من» موصولة في موضع رفع بالابتداء، ~~والقسم المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها. انتهى. # وقال الفخر: وقيل: { مذءوما } ، أي: محقورا؛ فالمذؤوم ~~المحتقر. قاله الليث. # وقال ابن الأنباري: المذؤوم المذموم. # وقال الفراء: أذأمته إذا عيبته. انتهى. # وباقي الآية بين. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، وسوء ~~القضاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء. ### || [7.19-21] # وقوله جل وعلا: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظلمين } # إذا أمر الإنسان بشيء، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن ~~يستمر على حاله، ويتمادى في هيئته. # وقوله سبحانه لآدم: { اسكن } هو من هذا الباب، وقد تقدم ~~الكلام في «سورة البقرة» على «الشجرة»، وتعيينها، وقوله سبحانه: ~~«هذه» قال (م): الأصل هذي، والهاء بدل من الياء، ولذلك كسرت ~~الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى. # وقوله عز وجل: { فوسوس لهما الشيطن ليبدي لهما ~~ما ووري عنهما من سوءتهما } الوسوسة الحديث في ~~إخفاء همسا وإسرارا من الصوت، والوسواس صوت الحلي، فشبه الهمس ~~به، وسمى إلقاء الشيطان في نفس ابن آدم وسوسة، إذ هي ~~أبلغ الإسرار وأخفاه. هذا في حال ms0524 الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، ~~فممكن أن تكون وسوسة بمحاورة خفية، أو بإلقاء في نفس، واللام ~~في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصيرورة والعاقبة، ويمكن أن ~~تكون لام «كي» على بابها. # وما { ما ووري } معناه ما ستر من قولك: وارى يواري إذا ستر، ~~والسوأة الفرج والدبر، ويشبه أن يسمى بذلك؛ لأن منظره يسوء. # وقالت طائفة: إن هذه العبارة إنما قصد بها أنها كشفت لهما ~~معائبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القول محتمل، ~~إلا أن ذكر خصف الورق يرده إلا أن يقدر الضمير في { ~~عليهما } عائد على بدنيهما فيصح. # وقوله سبحانه: { وقال ما نهكما... } الآية، هذا القول ~~المحكي عن إبليس يدخله من التأويل ما دخل الوسوسة، فممكن أن ~~يقول هذا مخاطبة وحوارا، وممكن أن يقولها إلقاء في النفس، ~~ووحيا. # و { إلا أن } تقديره عن سيبويه والبصريين: إلا كراهية أن، وتقديره ~~عند الكوفيين " إلا أن لا " على إضمار «لا»، ويرجح قول البصريين أن ~~إضمار الأسماء أحسن من إضمار الحروف. # وقرأ جمهور الناس «ملكين» بفتح اللام. # وقرأ ابن عباس: «ملكين» بكسرها، ويؤيده قوله: # وملك لا يبلى # [طه: 120] وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أفضل من ~~البشر، وهي مسألة اختلف الناس فيها، وتمسك كل فريق بظواهر ~~من الشريعة، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. # و { قاسمهمآ } أي: حلف لهما بالله، وهي مفاعلة، إذ قبول ~~المحلوف له اليمين كالقسم. ### || [7.22-25] # وقوله عز وجل: { فدلهما بغرور } قال: * ع *: يشبه عندي أن ~~تكون هذه استعارة من الرجل يدلي آخر من هوة بحبل قد أرم أو ~~سبب ضعيف يغتر به، فإذا تدلى به، وتورك عليه، انقطع به، وهلك، ~~فيشبه الذي يغر بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يدلي من هوة ~~بسبب ضعيف. # وقوله سبحانه: { بدت } قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، ~~وتطايرت تبريا منهما، و { يخصفان } معناه: يلصقانها، ~~والمخصف الأشفى وضم الورق بعضه إلى بعض أشبه بالخرز منه ~~بالخياطة. # قال البخاري: يخصفان يؤلفان الورق بعضه إلى بعض انتهى. وهو معنى ms0525 ~~ما تقدم. # وروى أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم عليه السلام كان يمشي ~~في الجنة كأنه النخلة السحوق فلما أكل من الشجرة وبدت له حاله ~~فر على وجهه، فأخذت شجرة بشعر رأسه، فقال لها: «أرسليني » ~~فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جل وعلا أمني تفر يا آدم؟ ~~فقال: لا يا رب، ولكن أستحييك، فقال: أما كان لك فيما ~~منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن ~~وعزتك ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: فبعزتي ~~لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا. # وقوله: { عن تلكما } بحسب اللفظ أنه إنما أشار إلى شجرة ~~مخصوصة، { وأقل لكمآ: إن الشيطآن لكما عدو مبين ~~} إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [ طه: 117] وهذا هو العهد الذي نسيه آدم على مذهب من جعل ~~النسيان على بابه، وقولهما: { ربنا ظلمنا أنفسنا } اعتراف من ~~آدم وحواء عليهما السلام وطلب للتوبة، والستر، والتغمد بالرحمة، ~~فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النظرة، ولم يطلب التوبة، فوكل ~~إلى سوء رأيه. # قال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه، ~~وقوله عز وجل: { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ~~المخاطبة بقوله: { اهبطوا }. # قال: أبو صالح، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحواء، وإبليس، ~~والحية. # وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته. # قال * ع *: وهذا ضعيف لعدمهم في ذلك الوقت. # * ت *: وما ضعفه رحمه الله صححه في «سورة البقرة»، فتأمله هناك، ~~وعداوة الحية معروفة. # روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما سالمناهن منذ حاربناهن ". ### || [7.26] # وقوله سبحانه: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يوري سوءتكم } الآية خطاب لجميع الأمم وقت النبي صلى ~~الله عليه وسلم والسبب والمراد: قريش، ومن كان من العرب ~~يتعرى في طوافه بالبيت. # قال مجاهد: ففيهم نزلت هذه الأربع آيات. # وقوله: { أنزلنا } يحتمل التدريج أي: لما أنزل المطر، فكان ~~عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب { أنزلنا } خلقنا، ms0526 كقوله: # وأنزل لكم من الأنعم ثمنية أزوج # [الزمر:6]، # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25] و { لباسا } عام في جميع ما يلبس، و { يوري }: ~~يستر. # وقرأ الجمهور: «وريشا»، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشا» وهما ~~عبارتان عن سعة الرزق، ورفاهة العيش، وجودة الملبس ~~والتمتع. # وقال البخاري: قال ابن عباس: وريشا: المال انتهى. # وقرأ نافع، وغيره: «ولباس» بالنصب. # وقرأ حمزة، وغيره بالرفع. وقوله: { ذلك من آيت الله } ~~إشارة إلى جميع ما أنزل الله من اللباس والريش. وحكى ~~النقاش: أن الإشارة إلى لباس التقوى؛ أي: هو في العبد ~~آية؛ أي: علامة وأمارة من الله تعالى أنه قد رضي عنه، ورحمه. # وقال ابن عباس: لباس التقوى هو السمت الحسن في الوجه. ~~وقاله عثمان بن عفان على المنبر. # وقال ابن عباس أيضا: هو العمل الصالح. # وقال عروة بن الزبير: هو خشية الله وقيل: هو لباس الصوف، وكل ~~ما فيه تواضع لله عز وجل. # وقال الحسن: هو الورع. # وقال معبد الجهني: هو الحياء. # وقال ابن عباس أيضا: لباس التقوى العفة. # قال * ع * وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، و { لعلهم } ~~ترج بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة. ### || [7.27] # وقوله عز وجل: { يبني آدم لا يفتننكم الشيطن ~~كما أخرج أبويكم من الجنة } الآية: خطاب لجميع ~~العالم، والمقصود بها في ذلك الوقت من كان يطوف من العرب بالبيت ~~عريانا. # قيل: كانت العرب تطوف عراة إلا الحمس، وهم قريش، ومن ~~والاها، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب «مكة» في سنة تسع: لا يحج بعد ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان والفتنة في هذه الآية ~~الاستهواء، والغلبة على النفس، وأضاف الإخراج في هذه الآية ~~إلى إبليس تجوزا لما كان هو السبب في ذلك. # قال أبو حيان: { كما أخرج } «كما» في موضع نصب، أي: فتنة مثل ~~فتنة إخراج أبويكم انتهى. # وقوله سبحانه: { إنه يراكم... } الآية زيادة في التحذير، وإعلام ~~بأن الله عز وجل قد مكن إبليس من بني آدم في هذا القدر، وبحسب ~~ذلك يجب أن يكون التحرز بطاعة الله عز وجل وقبيل ~~الشيطان يريد نوعه، ms0527 وصنفه، وذريته، والشيطان موجود، وهو جسم. # قال النووي: وروينا في كتاب ابن السني عن أنس قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم أن يقول ~~الرجل المسلم إذا أراد أن يطرح ثيابه: بسم الله الذي لا ~~إله إلا هو " # انتهى. # وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخلوا الكنف أن ~~يقولوا: بسم الله ". # رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقوي. # قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ~~ويستحب العمل في الفضائل، والترغيب، والترهيب بالحديث ~~الضعيف ما لم يكن موضوعا وأما الأحكام كالحلال، والحرام، والبيع، ~~والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو ~~الحسن إلا أن يكون في احتياط في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث ضعيف ~~بكراهة بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحب أن يتنزه عنه، ولكن ~~لا يجب انتهى. # ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»: ثم أخبر عز وجل أنه ~~صير الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان ~~لهم. ### || [7.28-30] # وقوله: وإذا فعلوا وما بعده داخل في صفة الذين لا يؤمنون، ~~والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عاما هي كشف العورة عند ~~الطواف، فقد روي عن الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية. وقاله ~~ابن عباس ومجاهد. # وقوله عز وجل: { قل أمر ربي بالقسط } تضمن معنى اقسطوا، ~~ولذلك عطف عليه قوله: { وأقيموا } حملا على المعنى، والقسط ~~العدل واختلف في قوله سبحانه: { وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد } فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة، والمقصد على هذا شرع ~~القبلة والتزامها. # وقيل: أراد الأمر بإحضار النية لله في كل صلاة، والقصد نحوه، كما ~~تقول: وجهت وجهي لله قاله الربيع. # وقيل: المراد إباحة الصلاة في كل موضع من الأرض، أي: حيث ما كنتم ~~فهو مسجد لكم تلزمكم عند الصلاة إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل. ~~وقوله سبحانه: { كما ms0528 بدأكم تعودون } قال ابن عباس، ~~وقتادة، ومجاهد: المعنى: كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموت ~~والوقف على هذا التأويل تعودون و«فريقا» نصب ب «هدى» والثاني منصوب ~~بفعل تقديره: وعذب فريقا. # وقال جابر بن عبد الله وغيره، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن المراد الإعلام بأن من سبقت له من الله الحسنى، وكتب ~~سعيدا كان في الآخرة سعيدا، ومن كتب عليه أنه من أهل ~~الشقاء، كان في الآخرة شقيا، ولا يتبدل من الأمور التي أحكمها ~~ودبرها، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله: { تعودون ~~} غير حسن { وفريقا } على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف ~~على الأول. # { ويحسبون أنهم مهتدون } معناه: يظنون. # قال الطبري: وهذه الآية دليل على خطإ من زعم أن الله لا يعذب ~~أحدا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على علم منه ~~بموضع الصواب. ### || [7.31] # وقوله سبحانه: { يبني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } الآية: هذا خطاب عام لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه ~~الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مشركي العرب فيها، ~~والزينة الثياب الساترة. قاله مجاهد وغيره. و { عند كل مسجد } ~~أي: عند كل موضع سجود، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها. # * ت *: ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللباس، فمن أحسن ~~الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي سعيد ~~الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه ~~فيما بينه وبين الكعبين ما أسفل من ذلك، ففي النار " # قال ذلك ثلاث مرات: # " لا ينظر الله عز وجل إلى من جر إزاره بطرا ~~". # وحدث أبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عمر قال: فيما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص يعني ما تحت ~~الكعبين من القميص في النار، كما قال في الإزار، وقد روى أبو ~~خيثمة زهير بن معاوية قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ms0529 ~~أدركتهم وقمصهم إلى نصف الساق أو قريب من ذلك، وكم أحدهم لا ~~يجاوز يده انتهى. وروى أبو داود عن أسماء بنت يزيد قالت: كانت ~~يد كم قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ، وأما ~~أحب اللباس فما رواه أبو داود عن أم سلمة؛ قالت: كان أحب الثياب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص. انتهى. # وجاء في المسبل وعيد شديد؛ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل ~~أسبل إزاره: # " إن هذا كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل ~~صلاة رجل مسبل إزاره " # رواه أبو داود. انتهى. # وقوله سبحانه: { وكلوا واشربوا } إباحة لما التزموه من ~~تحريم اللحم، والودك في أيام المواسم. قاله ابن زيد وغيره، ويدخل ~~في ذلك البحيرة والسائبة، ونحو ذلك نص على ذلك قتادة. # وقوله سبحانه: { ولا تسرفوا } معناه: ولا تفرطوا. قال أهل ~~التأويل: يريد تسرفوا بأن تحرموا ما لم يحرم الله عز وجل ~~واللفظة تقتضي النهي عن السرف مطلقا، ومن تلبس بفعل ~~مباح، فإن مشى فيه على القصد، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفرط جعل ~~أيضا من المسرفين. # وقال ابن عباس في هذه الآية: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن ~~سرفا أو مخيلة. # قال ابن العربي: قوله تعالى: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~} الإسراف تعدي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحلال إلى ~~الحرام. # وقيل: لا يزيد على قدر الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين؛ فقيل حرام. # وقيل: مكروه، وهو الأصح. # فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والإنسان، ~~والطعمان. انتهى من «أحكام القرآن». ### || [7.32] # وقوله سبحانه: { قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده } أي: قل لهم على جهة التوبيخ. وزينة الله هي ما ~~حسنته الشريعة، وقررته، وزينة الدنيا كل ما اقتضته ~~الشهوة، وطلب العلو في الأرض كالمال والبنين. # و { الطيبات } قال الجمهور: يريد المحللات. # وقال الشافعي وغيره: هي المستلذات أي: من الحلال، وإنما قاد ~~الشافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوزغ ونحوها، فإنه يقول: هي ~~من الخبائث. # * ت *: وقال مكي: المعنى قل من ms0530 حرم زينة الله، أي: اللباس ~~الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم الطيبات من الرزق ~~المباحة. # وقيل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة } قال ابن جبير: المعنى: ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ينتفعون بها في ~~الدنيا، ولا يتبعهم إثمها يوم القيامة. # وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: المعنى هو أن يخبر صلى ~~الله عليه وسلم أن هذه الطيبات الموجودات هي في الحياة الدنيا ~~للذين آمنوا، وإن كانت أيضا لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، ~~أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة. # وقرأ نافع وحده «خالصة» بالرفع، والباقون بالنصب. # وقوله سبحانه: { كذلك نفصل الآيت لقوم يعلمون } ~~أي: كما فصلنا هذه الأشياء المتقدمة الذكر { نفصل الآيت } ~~أي: نبين الأمارات، والعلامات، والهدايات لقوم لهم علم ~~ينتفعون به. ### || [7.33] # وقوله عز وجل: { قل إنما حرم ربي الفوحش ما ظهر ~~منها وما بطن... } الآية: لما تقدم إنكار ما حرمه الكفار ~~بآرائهم أتبعه بذكر ما حرم الله عز وجل. # والفواحش في اللغة ما فحش وشنع، وأصله من القبح في النظر، وهي ~~هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشرع، ~~فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جميع الأفعال والأقوال التي يتعلق ~~بمرتكبها إثم. هذا قول الجمهور. # وقال بعض الناس: هي الخمر وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مكية، ~~وإنما حرمت الخمر ب «المدينة» بعد أحد { والبغي } التعدي، ~~وتجاوز الحد. # { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من أنه حرم ~~البحيرة والسائبة ونحوه. ### || [7.34-36] # وقوله سبحانه: { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } المعنى: ولكل أمة أجل ~~مؤقت لمجيء العذاب إذا كفروا، وخالفوا أمر ربهم، فأنتم أيتها ~~الأمة كذلك. قاله الطبري وغيره. # وقوله: { ساعة } لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع ~~أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون ساعة، ولا أقل منها، ولا أكثر. # وقوله عز وجل: ms0531 { يبني آدم إما يأتينكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آيتي فمن اتقى وأصلح ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين ~~كذبوا بآيتنا واستكبروا عنها أولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون } الخطاب في هذه الآية ~~لجميع العالم، و«إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب ~~لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم، ومتحصل منه لحاضري ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا حكم الله في العالم منذ ~~أنشأه، { ويأتينكم } مستقبل وضع موضع ماض ليفهم أن الإتيان ~~باق وقت الخطاب، لتقوى الإشارة بصحة النبوءة إلى نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهذا على مراعاة وقت نزول الآية. # وأسند الطبري إلى أبي سيار السلمي قال: # " إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته، فقال: { يبني آدم ~~إما يأتينكم رسل منكم... } الآية: قال: ثم نظر ~~سبحانه إلى الرسل، فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبت واعملوا صلحا إني بما تعملون عليم ~~* وإن هذه أمتكم أمة وحدة وأنا ربكم ~~فاتقون... } [المؤمنون: 51، 52] " # الحديث. # قال * ع *: ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل. # وقيل: المراد بالرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذكره النقاش { ~~ويقصون } أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لفظ جامع لآيات الكتب ~~المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جميع ~~أنواع مكاره النفس وأنكادها. ### || [7.37] # قوله سبحانه: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بآيته... } الآية: هذه الآية وعيد ~~واستفهام على جهة التقرير، أي: لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح ~~المحفوظ في قول الحسن وغيره. # وقيل: ما تكتبه الحفظة، ونصيبهم من ذلك هو الكفر والمعاصي. ~~قاله مجاهد، وغيره. # وقيل: هو القرآن، وحظهم فيه سواد الوجوه يوم القيامة. # وقال الربيع بن أنس، وغيره: المعنى بالنصيب ما سبق لهم في أم ~~الكتاب من رزق، وعمر، وخير وشر في الدنيا، ورجحه الطبري. # واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك: { حتى إذا جاءتهم رسلنا } ~~أي: عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون، ~~ويتصرفون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءتهم رسلنا ms0532 ~~لموتهم؛ وهذا تأويل جماعة، وعلى هذا يترتب ترجيح الطبري. # وقالت فرقة: { رسلنا } يريد بهم ملائكة العذاب يوم القيامة، ~~و { يتوفونهم } معناه عندهم يستوفونهم عددا في السوق إلى ~~جهنم. # وقوله سبحانه حكاية عن الرسل { أين ما كنتم تدعون } استفهام ~~تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خزي، { وتدعون } معناه: تعبدون، ~~وتؤملون. # وقولهم: { ضلوا عنا } معناه: هلكوا، وتلفوا، وفقدوا. # ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه: { وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كفرين }. ### || [7.38-39] # قوله سبحانه: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ~~من الجن والإنس في النار } هذه حكاية ما يقول الله ~~سبحانه لهم يوم القيامة، بواسطة ملائكة العذاب، نسأل الله ~~العافية. وعبر عن يقول ب «قال» لتحقق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا ~~كثير، و { خلت } حكاية عن حال الدنيا، أي: ادخلوا في النار في ~~جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة. # * ت *: وكذا قدره أبو حيان في جملة «أمم»، قال: وقيل: «في» بمعنى ~~«مع» أي: مع أمم، وتقدم له في «سورة البقرة» أن «في» تجيء للمصاحبة، ~~كقوله تعالى: { ادخلوا في أمم قد خلت } انتهى. # وقدم ذكر الجن؛ لأنهم أعرق/ في الكفر، وإبليس أصل الضلال ~~والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجن في النار، والذي يقتضيه النظر ~~أن مؤمنيهم في الجنة؛ لأنهم عقلاء، مكلفون، مبعوث إليهم، ~~آمنوا وصدقوا، وقد بوب البخاري رحمه الله بابا في ذكر الجن، ~~وثوابهم، وعقابهم. # وذكر عبد الجليل: أن مؤمني الجن يكونون ترابا كالبهائم، وذكر في ذلك ~~حديثا مجهولا، وما أراه يصح. والله أعلم. والإخوة في هذه ~~الآية إخوة الملة. # قال * ص *: في «النار» متعلق ب «خلت»، أو بمحذوف، وهو صفة ل ~~«أمم» أي: في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في ~~النار، ويحتمل أن يتعلق ب «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع»، ~~والثانية للظرفية، وإذا اختلف مدلول الحرفين، جاز تعلقهما بمحل ~~واحد. انتهى. # { اداركوا } معناه: تلاحقوا، أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف ~~الوصل. # وقال البخاري: { اداركوا } اجتمعوا. انتهى. وقوله سبحانه: { ~~قالت أخراهم لأولهم } معناه: قالت ms0533 الأمم الأخيرة التي وجدت ~~ضلالات متقررة، وسننا كاذبة مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على ~~الله، وسلكت سبيل الضلال ابتداء { ربنا هؤلاء ~~أضلونا } ، أي: طرقوا لنا طرق الضلال، { قال لكل ضعف } ~~أي: عذاب مشدد على الأول والآخر { ولكن لا تعلمون } أي ~~المقادير، وصور التضعيف. # قوله سبحانه: { وقالت أولهم لأخراهم فما كان لكم ~~علينا من فضل } أي: قد استوت حالنا وحالكم { فذوقوا ~~العذاب } باجترامكم، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخرة. # وقيل: قوله: { فذوقوا } هو من كلام الله عز وجل لجميعهم. ### || [7.40-42] # وقوله سبحانه: { إن الذين كذبوا بآيتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبوب السماء ~~ولا يدخلون الجنة } الآية، هذه الآية عامة في جميع ~~الكفرة قديمهم وحديثهم. # قرأ نافع وغيره: «تفتح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: ~~«تفتح» بالتاء أيضا وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» ~~بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عمل، ولا ~~روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين. قاله ابن عباس، وغيره. # ثم نفى سبحانه عنهم دخول الجنة، وعلق كونه بكون محال، وهو أن ~~يدخل الجمل في ثقب الإبرة حيث يدخل الخيط، والجمل كما عهد، ~~والسم كما عهد، وقرأ جمهور المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن ~~عباس «الجمل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حبل السفينة والسم: ~~الثقب من الإبرة وغيرها، و { كذلك } أي: وعلى هذه الصفة، وبمثل هذا ~~الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجرائم على الله. # { لهم من جهنم مهاد } أي: فراش، ومسكن، ومضجع يتمهدونه، ~~وهي لهم غواش جمع غاشية، وهي ما يغشى الإنسان أي: يغطيه، ويستره من ~~جهة فوق. # وقوله سبحانه: { لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون } هذه آية وعد مخبرة أن ~~جميع المؤمنين هم أصحاب الجنة، ولهم الخلد فيها، ثم اعترض فيها ~~القول بعقب الصفة التي شرطها في المؤمنين باعتراض يخفف الشرط، ~~ويرجى في رحمة الله، ويعلم أن دينه يسر، وهذه الآية نص في أن ~~الشريعة لا يتقرر من تكاليفها شيء لا يطاق، وقد ms0534 تقدم ذلك في ~~«سورة البقرة». # «والوسع» معناه: الطاقة، وهو القدر الذي يتسع له البشر. ### || [7.43] # وقوله سبحانه: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } هذا ~~إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قلوب ساكني الجنة من الغل، ~~والحقد، وذلك أن صاحب الغل معذب به، ولا عذاب في الجنة. # وورد في الحديث: # " الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من ~~قلوب المؤمنين ". # والغل الحقد والإحنة الخفية في النفس. { وقالوا الحمد ~~لله الذي هدنا لهذا } الإشارة ب «هذا» يتجه أن تكون ~~إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى ~~الجنة نفسها، أي: أرشدنا إلى طرقها. # وقرأ ابن عمر وحده: «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في ~~مصاحف أهل «الشام»، ووجهها أن الكلام متصل، مرتبط بما قبله. # ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن الله سبحانه، وعاينوا ~~إنجاز المواعيد قالوا: { لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا } أي: قيل لهم بصياح، وهذا النداء من قبل الله، ~~«وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي. # وقوله: { بما كنتم تعملون } لا على طريق وجوب ذلك على ~~الله تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من الله سبحانه ~~وطريق إلى قوة الرجاء، ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمته، ~~والقسم فيها على قدر العمل. «وأورثتم» مشيرة إلى الأقسام. ### || [7.44-46] # وقوله سبحانه: { ونادى أصحب الجنة أصحب النار ~~أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا... } الآية. # هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تقريع، وتوبيخ، وزيادة في ~~الكرب، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار. # وقوله سبحانه: { فأذن مؤذن بينهم } أي: أعلم معلم، ~~والظالمون هنا هم الكافرون. # * ت *: حكي عن غير واحد أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملك فقال ~~له: اتق لله، واحذر يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ فقال قوله ~~تعالى: { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظلمين } فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذل الوصف، فكيف ذل ~~المعاينة انتهى. # { ويبغونها عوجا } أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في { ~~يبغونها } عائد ms0535 على السبيل. # وقوله سبحانه: { وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال ~~يعرفون كلا بسيمهم }. # { وبينهما }: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجمعين، ~~والحجاب هو السور الذي ذكره الله عز وجل في قوله: # فضرب بينهم بسور له باب # [الحديد: 13]. # قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار. # وقال ابن عباس أيضا: هو تل بين الجنة والنار. # وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن أحدا جبل يحبنا ونحبه، وإنه يوم القيامة يمثل ~~بين الجنة والنار، يحتبس عليه أقوام، يعرفون ~~كلا بسيماهم، هم إن شاء الله من أهل الجنة ". # والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عرف الفرس، وعرف الديك ~~لعلوهما. # وقال بعض الناس: سمي الأعراف أعرافا؛ لأن أصحابه يعرفون الناس. # قال * ع *: وهذه عجمة، وإنما المراد على أعراف ذلك الحجاب، أي ~~أعاليه. # وقوله: { رجال } قال الجمهور: إنهم رجال من البشر، ثم اختلفوا ~~في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله ~~الذين خرجوا عصاة لآبائهم. # وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~تعادل عقوقهم، واستشهادهم. # وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، ووقع ~~في «مسند خيثمة بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جابر بن عبد ~~الله؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، ~~فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل ~~الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل ~~النار. قيل: يا رسول الله؛ فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: ~~أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون ". # وقيل غير هذا من التأويلات. # قال ع: واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السور، أو على مواضع مرتفعة ~~عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالا من أهل الجنة ~~يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار. # و { يعرفون كلا بسيمهم } ، أي: بعلاماتهم من بياض ~~الوجوه، وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار ~~إلى غير ذلك في حيز ms0536 هؤلاء، وحيز هؤلاء. # وقوله: { لم يدخلوها وهم يطمعون } المراد به: أهل ~~الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مسعود، والسدي، وقتادة، والحسن وقال: ~~والله ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لخير أراده بهم. # قال * ع *: وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نظر ~~لأحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [7.47-49] # وقوله سبحانه: { وإذا صرفت أبصرهم } أي: أبصار أصحاب ~~الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، ~~قالوا: { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين } قاله ~~ابن عباس، وجماعة من العلماء. # وقوله سبحانه: { ونادى أصحب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيمهم } يريد من أهل النار. # { ما أغنى عنكم جمعكم } «ما» استفهام بمعنى التقرير، ~~والتوبيخ، و«ما» الثانية مصدرية، و«جمعكم» لفظ يعم المال والأجناد ~~والخول. # وقوله سبحانه: { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم ~~الله برحمة ادخلوا الجنة } أهل الأعراف هم القائلون: ~~«أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى: ~~أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبؤ ~~بهم، قيل لهم: ادخلوا الجنة. # وقال النقاش: أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار ~~معهم، فنادتهم الملائكة: أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأعراف: ادخلوا ~~الجنة. # وقرأ عكرمة: «دخلوا الجنة» على الإخبار بفعل ماض. ### || [7.50-53] # وقوله سبحانه: { ونادى أصحب النار أصحب الجنة ~~أن أفيضوا علينا من الماء... } الآية: لفظة النداء تتضمن ~~أن أهل النار وقع لهم علم بأن أهل الجنة يسمعون نداءهم، وجائز ~~أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإدراك يجعله الله لهم على بعد ~~السفل من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السور والحجاب المتقدم ~~الذكر. # وروي أن ذلك النداء هو عند اطلاع أهل الجنة عليهم. # وقوله سبحانه: { أو مما رزقكم الله } إشارة إلى الطعام. ~~قاله السدي. # فيقول لهم أهل الجنة: إن الله حرم طعام الجنة وشرابها على ~~الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحكم هو عن أمر الله تعالى. # ومعنى قوله تعالى: { الذين اتخذوا دينهم لهوا } أي ~~بالإعراض والاستهزاء. بمن يدعوهم إلى الإسلام. # { وغرتهم الحيوة الدنيا } أي: خدعتهم ms0537 بزخرفها، ~~واعتقادهم أنها الغاية القصوى. # وقوله: { فاليوم ننسهم } هو من إخبار الله عز وجل عما ~~يفعل بهم والنسيان هنا بمعنى الترك، أي: نتركهم في العذاب، كما ~~تركوا النظر للقاء هذا اليوم. قاله ابن عباس وجماعة. # و«ما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا»، ويحتمل أن تقدر «ما» ~~الثانية زائدة، ويكون قوله: «وكانوا» عطفا على قوله: «نسوا». # وقوله سبحانه: { ولقد جئنهم بكتب } الضمير في «جئناهم» ~~لمن تقدم ذكره، و«الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قسم. # وقال يحيى بن سلام: بل الكلام تم في { يجحدون } ، وهذا الضمير ~~لمكذبي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو ابتداء كلام آخر، والمراد ~~بالكتاب القرآن، و { على علم } معناه: على بصيرة. # وقوله سبحانه: { هل ينظرون } أي ينتظرون { إلا تأويله } ، ~~أي مآله وعاقبته يوم القيامة. قاله ابن عباس وغيره. # وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بدر وغيرها، ويوم القيامة أيضا، ثم ~~أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يقع معه ندمهم، ~~ويقولون تأسفا على ما فاتهم من الإيمان: { قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق } ، فالتأويل على هذا من آل يؤول، { ونسوه } ~~يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بين. # * ت *: وهذا التقرير يرجح تأويل ابن سلام المتقدم. ### || [7.54-55] # وقوله سبحانه: { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام... } الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، ~~والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير، والأحاديث أن الله سبحانه ابتدأ ~~الخلق يوم الأحد، وكملت المخلوقات يوم الجمعة، وهذا كله ~~والساعة اليسيرة في قدرة الله سبحانه سواء. # قال * م *: { في ستة أيام } «ستة» أصلها سدسة، فأبدلوا من ~~السين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة. انتهى. # وقوله سبحانه: { استوى على العرش } معناه عند أبي المعالي ~~وغيره من حذاق المتكلمين: الملك، والسلطان، وخص العرش بالذكر ~~تشريفا له؛ إذ هو أعظم المخلوقات. # وقوله سبحانه: { ألا له الخلق والأمر } «ألا»: استفتاح ~~كلام. وأخذ المفسرون «الخلق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها ملكه، ~~واختراعه، وأخذوا الأمر مصدرا من أمر يأمر. # قال * ع ms0538 *: ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخلق» على المصدر من: خلق يخلق ~~خلقا، أي: له هذه الصفة؛ إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ ~~الأمر على أنه واحد الأمور، فيكون بمنزلة قوله: # وإليه يرجع الأمر كله # [هود: 123] # وإلى الله ترجع الأمور # [البقرة: 210]. # وكيف ما تأولت الآية، فالجميع لله سبحانه. # و { تبرك } معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا ~~الله سبحانه. # و { تبرك } لا يتصرف في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، ~~و { العلمين } جمع علم. # قوله عز وجل: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين } هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه ~~بالأمر به صفات تحسن معه. وقوله: { تضرعا } معناه بخشوع، ~~واستكانة، والتضرع لفظة تقتضي الجهر، لأن التضرع إنما يكون ~~بإشارات جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، و { وخفية } يريد في ~~النفس خاصة، وقد أثنى الله سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: # إذ نادى ربه نداء خفيا # [مريم: 3]، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " خير الذكر الخفي " # والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أجرا من ~~الجهر. # * ت *: ونحو هذا لابن العربي لما تكلم على هذه الآية، قال: الأصل ~~في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال النفلية السر، ~~وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء، والتظاهر بذلك في الدنيا، ~~والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخلق جبلت بالميل إلى ~~أهل الطاعة. انتهى من «الأحكام». # وقوله سبحانه: { إنه لا يحب المعتدين } يريد في الدعاء، ~~وإن كان اللفظ عاما، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجهر ~~الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون ~~أصم ولا غائبا ". # ومنها: أن يدعو في محال، ونحو هذا من التشطط؛ وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن ~~يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من ~~قول، أو عمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من ~~قول، أو عمل ". # وقال ms0539 البخاري: { إنه لا يحب المعتدين } أي: في الدعاء ~~وغيره. انتهى. # * ت *: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله يحب الملحين في الدعاء " # ، وقال: # " إذا دعا أحدكم فليستكثر، فإنما هو يسأل ربه ~~" # انتهى. # وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهر ~~والدعاء " # انتهى. ### || [7.56] # وقوله سبحانه: { ولا تفسدوا فى الأرض... } الآية ألفاظها عامة ~~تتضمن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر، والقصد بالنهي ~~هو [على] العموم، وتخصيص شيء دون شيء، في هذا تحكم إلا أن يقال على ~~جهة المثال. # وقوله سبحانه: { وادعوه خوفا وطمعا } أمر بأن يكون الإنسان ~~في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل لله عز وجل حتى يكون الخوف والرجاء ~~كالجناحين للطير يحملانه في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما ~~هلك الإنسان. # وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول ~~الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. # وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخوف أغلب على المرء بكثير، ~~وهذا كله طريق احتياط، ومنه تمنى الحسن البصري أن يكون الرجل ~~الذي هو آخر من يدخل الجنة، وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن ~~يكون من أصحاب الأعراف. # ثم آنس سبحانه بقوله: { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين }. ### || [7.57-58] # وقوله سبحانه: { وهو الذي يرسل الريح بشرا بين ~~يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا... } الآية: ~~هذه آية اعتبار، واستدلال. وقرأ عاصم الرياح بالجمع، «بشرا» بالباء ~~المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بشرا» بضم الباء والشين، ومن جمع ~~الريح في هذه الآية، فهو أسعد؛ وذلك أن الرياح حيث وقعت في ~~القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله: # ومن آيته أن يرسل الريح مبشرت # [الروم:46] وأكثر ذكر الريح مفردة إنما هو بقرينة عذاب، كقوله ~~سبحانه: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات:41] وقد تقدم إيضاح هذا في «سورة البقرة». # ومن قرأ في هذه ms0540 الآية «الريح» بالإفراد، فإنما يريد به اسم الجنس، ~~وأيضا فتقييدها ب «بشرا» يزيل الاشتراك. # والإرسال في الريح هو بمعنى الإجراء، والإطلاق، وبشرا، أي: ~~تبشر السحاب، وأما «بشرا» بضم الباء والشين، فجمع بشير، كنذير ~~ونذور، والرحمة في هذه الآية المطر، و { بين يدي } ، أي: أمام ~~رحمته وقدامها، و { أقلت } معناه: رفعته من الأرض، واستقلت ~~به، و { ثقالا } معناه من الماء، والعرب تصف السحاب بالثقل، ~~والريح تسوق السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في { ~~سقنه } عائد على السحاب، ووصف البلد بالموت استعارة بسبب شعثه ~~وجدوبته. # والضمير في قوله { فأنزلنا به } يحتمل أن يعود على السحاب، أي ~~منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح. # وقوله تبارك وتعالى: { كذلك نخرج الموتى } يحتمل مقصدين: # أحدهما: أن يراد كهذه القدرة العظيمة هي القدرة على إحياء ~~الموتى، وهذا مثال لها. # الثاني: أن يراد أن هكذا نصنع بالأموات من نزول المطر عليهم، حتى ~~يحيوا به، حسب ما وردت به الآثار، فيكون الكلام خبرا لا مثالا. # وقوله سبحانه: { والبلد الطيب يخرج نباته... } آية ~~متممة للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بعادة الله سبحانه ~~في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مثالا لقلب المؤمن، وقلب ~~الكافر، كما هو محكي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، فذلك ~~مترتب، لكن ألفاظ الآية لا تقتضي أن المثل قصد به ذلك، والطيب: هو ~~الجيد التراب الكريم الأرض وخص بإذن ربه مدحا وتشريفا، ~~وهذا كما تقول لمن تغض منه: أنت كما شاء الله، فهي عبارة تعطي ~~مبالغة في مدح أو ذم. والخبيث هو السباخ ونحوها من رديء ~~الأرض. # والنكد العسير القليل. { كذلك نصرف الآيت } أي هكذا ~~نبين الأمور، و { يشكرون } معناه: يؤمنون ويثنون بآلآء الله ~~سبحانه. ### || [7.59-64] # قوله عز وجل: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ من ~~قومه إنا لنراك في ضلل مبين * قال يقوم ~~ليس بي ضللة ولكني رسول من رب العلمين * ~~أبلغكم ms0541 رسلت ربي وأنصح لكم وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون }. # قال الطبري: أقسم الله تعالى أنه أرسل نوحا، وكذا قال أبو حيان: ~~«لقد» اللام جواب قسم محذوف. انتهى. # و«غيره» بالرفع بدل من قوله: { من إله }؛ لأنه في موضع ~~رفع، ويجوز أن يكون نعتا على الموضع؛ لأن التقدير؛ ما لكم إله ~~غيره، والملأ الجماعة من الأشراف. # قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملؤون النفس والعين، ويحتمل من أنه ~~إذا تمالؤوا على أمر تم. # وقولهم: { إنا لنراك } يحتمل من رؤية البصر، ويحتمل من رؤية ~~القلب، وهو أظهر. # و { في ضلل } أي في تلف وجهالة بما تسلك. # وقوله: لهم جواب عن هذا: # { ليس بي ضللة } مبالغة في حسن الأدب، والإعراض عن ~~الجفاء منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حسب ما تقتضيه خلق النبوءة. # وقوله: { ولكني رسول } تعرض لمن يريد النظر، والبحث، والتأمل ~~في المعجزة. # وقوله عليه السلام: { وأعلم من الله ما لا تعلمون } ~~لفظ مضمنه الوعيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قط بأمة عذبت. # وقوله: { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون * فكذبوه فأنجينه والذين معه في ~~الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآيتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين }. # الاستفهام هنا على جهة التقرير والتوبيخ، وقوله: { على رجل ~~منكم } قيل: «على» بمعنى «مع». # وقيل: هو على حذف مضاف، تقديره: على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه ~~منزل على رجل منكم؛ إذا كل ما يأتي من الله سبحانه فله حكم ~~النزول، و { لعلكم } ترج بحسب حال نوح ومعتقده. # وقوله سبحانه: { فأنجينه والذين معه في الفلك... } ~~الآية. # وفي التفسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رجلا. # وقيل: ثمانون رجلا وثمانون امرأة وقيل: عشرة وقيل: ثمانية. قاله قتادة. # وقيل: سبعة. والله أعلم. # وفي كثير من كتب الحديث؛ الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن ~~من ذرية نوح عليه السلام وقوله: { عمين } جمع عم، ويريد ~~عمي البصائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نوحا أول الرسل. ### || [7.65-70] # وقوله سبحانه: { وإلى عاد أخاهم هودا قال ms0542 يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا ~~لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكذبين * ~~قال يقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب ~~العلمين * أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ~~ناصح أمين } عاد اسم الحي، وهم عرب فيما يذكر، و«أخاهم» نصب ~~ب «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضا نذارة من هود عليه السلام. # وقوله: { أفلا تتقون } استعطاف إلى التقوى، والإيمان. # وقوله: { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على ~~رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من ~~بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا ~~آلآء الله لعلكم تفلحون * قالوا أجئتنا ~~لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ~~فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصدقين }. # قوله: { وزادكم في الخلق } أي في الخلقة، والبسطة ~~الكمال في الطول والعرض. # وقيل: زادكم على أهل عصركم. # وقال الطبري: زادكم على قوم نوح. وقاله قتادة. # قال * ع *: واللفظ يقتضي أن الزيادة على جميع العالم، وهو الذي ~~يقتضيه ما يذكر عنهم. # وروي أن طول الرجل منهم كان مائة ذراع، وطول أقصرهم ستون ~~ونحوها. والآلاء جميع «إلى» على مثل «معى»، وهي النعمة والمنة. # قال الطبري: وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إسحاق من ولد عاد بن إرم بن عوض ~~بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم «الشحر» من أرض «اليمن» وما والى ~~«حضرموت» إلى «عمان». # قال السدي: وكانوا بالأحقاف، وهي الرمال، وكانت بلادهم أخصب ~~بلاد، فردها الله صحارى. # وقال علي بن أبي أبي طالب رضي الله عنه: إن قبر هود عليه السلام ~~هنالك في كثيب أحمر تخالطه مدرة ذات أراك وسدر، وكانوا قد فشوا ~~في جميع الأرض، وملكوا كثيرا بقوتهم وعددهم، وظلموا ~~الناس وكانوا ثلاثة عشر قبيلة، وكانوا أصحاب ~~أوثان، فبعث الله إليهم هودا من أفضلهم وأوسطهم نسبا، فدعاهم ~~إلى توحيد الله سبحانه وإلى ترك الظلم. # قال ابن إسحاق: ولم يأمرهم فيما يذكر بغير ذلك، فكذبوه وعتوا، ~~واستمروا على ذلك إلى أن أراد الله إنفاذ أمره أمسك عنهم ms0543 المطر ~~ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا ~~إلى المسجد الحرام ب «مكة» فدعوا الله فيه تعظيما له مؤمنهم ~~وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذ العماليق، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن ~~بكر، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وفدا إلى «مكة» يستسقون ~~الله لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد ~~الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمنا يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخبيري ~~في سبعين رجلا من قومهم، فلما قدموا «مكة» نزلوا على معاوية بن ~~بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحرم، فأنزلهم، وأقاموا عنده شهرا ~~يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان قينتا معاوية، ولما رأى ~~معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عاد للغوث أشفق على عاد، وكان ابن ~~أختهم أمه: كلهدة ابنة الخبيرى أخت جلهمة، وقال: هلك أخوالي، وشق عليه ~~أن يأمر أضيافه بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قينتيه، فقالتا: ~~اصنع شعرا نغني به، عسى أن ننبههم، فقال: [الوافر] # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يصبحنا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا # قد امسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو # به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهم بخير # فقد أمست نساؤهم عيامى # وإن الوحش تأتيهم جهارا # ولا تخشى لعادي سهاما # وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم # نهاركم وليلكم التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم # ولا لقوا التحية والسلاما # فغنت به الجرادتان، فلما سمعه القوم قال بعضهم: يا قوم إنما ~~بعثكم قومكم لما حل بهم، فادخلوا هذا الحرم، وادعوا لعل الله ~~يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد: إنكم والله ما تسقون ~~بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذ، ~~فخالفه الوفد، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنا ~~مرثدا، ولا يدخل معنا الحرم، فإنه قد اتبع هودا، ومضوا إلى ~~الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال: يا إلاهنا إن كان هود صادقا، فاسقنا، ~~فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله تعالى سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ~~ثم نادى مناد من السماء: ms0544 يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ~~ما شئت، فقال قيل: قد اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فنودي # قد اخترت رمادا رمددا # لا تبقي من عاد أحدا # لا والدا ولا ولدا # إلا جعلتهم همدا # وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت ~~عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها، قالوا هذا عارض ~~ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها: مهدر، فصاحت وصعقت، فلما ~~أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت ريحا فيها كشهب النار، أمامها ~~رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال، وثمانية أيام ~~حسوما، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك، ~~فاعتزل هود، ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه من ريح إلا ~~ما يلتد به. # قال * ع *: وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولا، وفيه اختلاف، ~~فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم: أن الريح كانت تدمغهم ~~بالحجارة، وترفع الظعينة عليها المرأة حتى تلقيها في البحر. # وفي خبرهم: أن أقوياءهم كان أحدهم يسد بنفسه مهب الريح حتى ~~تغلبه فتلقيه في البحر، فيقوم آخر مكانه حتى هلك الجميع. ~~وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعا ربت أولادها في حجاج عين ~~رجل منهم. # وفي خبرهم: أن الله سبحانه لما أهلكهم بعث طيرا، فنقلت جيفهم ~~حتى طرحتها في البحر، فذلك قوله سبحانه: # فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف:25] وفي بعض ما روي من شأنهم أن الريح لم تبعث قط إلا ~~بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة، فغلبتهم، فذلك ~~قوله سحبانه: # فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة:6] وروي أن هودا لما هلكت عاد نزل بمن آمن معه إلى «مكة» ~~فكانوا بها حتى ماتوا، فالله أعلم أي ذلك كان. # وقولهم: { أجئتنا لنعبد الله وحده... } الآية: ظاهر ~~قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة لله مع ~~إقرارهم بالإله الخالق المبدع، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد ~~الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية الله تعالى من الكفرة إلا من ~~أفرطت غباوته. # وقولهم: { فأتنا ms0545 بما تعدنا }: تصميم على التكذيب، واستعجال ~~للعقوبة. ### || [7.71-72] # وقوله سبحانه: { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس ~~وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم ~~وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين ~~معه برحمة منا... } الآية: أعلمهم بأن القضاء قد نفذ، ~~وحل عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب. # وقوله: { أتجادلونني في أسماء سميتموها } أي: في ~~مسميات سميتموها آلهة، و { قطعنا دابر } استعارة تستعمل ~~فيمن يستأصل بالهلاك، والدابر: الذي يدبر القوم، ويأتي ~~خلفهم، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد. # وقوله: { كذبوا بآياتنا } دال على المعجزة، وإن لم تتعين. # * ت *: ومن معجزاته قوله: # فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # [هود:55] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه. ### || [7.73] # وقوله سبحانه: { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب أليم } قرأ الجمهور: و«إلى ثمود» بغير ~~صرف؛ على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: «وإلى ~~ثمود» بالصرف؛ على إرادة الحي والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد ~~قال تعالى: # ألا إن ثمودا كفروا ربهم # [هود:68]، و { أخاهم } عطف على «نوح»، والمعنى: وأرسلنا إلى ثمود ~~أخاهم، وهي أخوة نسب، وهم قوم عرب، فهود وصالح عربيان، ~~وكذلك إسماعيل وشعيب؛ كذا قال الناس، وفي أمر إسماعيل نظر. # * ت *: النظر الذي أشار إليه لا يخفى عليك؛ وذلك أن إسماعيل والده ~~إبراهيم عليه السلام أعجمي، وتعلم إسماعيل العربية من العرب ~~الذين نزلوا عليه بمكة؛ حسب ما ذكره أهل السيرة فهذا وجه ~~النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نظر يمنعني من البحث ~~معه ما أنا له قاصد من الإيجاز والاختصار، دون البسط والانتشار، ~~نعم خرج أبو بكر الآجري من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح ونبيك، يا ~~أبا ذر " # انتهى، ولم يذكر إسماعيل، فهذا الحديث ms0546 قد يعضد ما قاله * ع *: ~~وصالح عليه السلام هو صالح بن عبيد بن عابر بن إرم بن ~~سام بن نوح؛ كذا ذكر مكي. # قال وهب: بعثه الله حين راهق الحلم، ولما هلك قومه، ارتحل ~~بمن معه إلى مكة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقبورهم بين دار ~~الندوة والحجر، أي: كما ارتحل هود بمن معه إلى مكة صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين. # وقوله: { قد جاءتكم بينة من ربكم } أي: آية أو حجة ~~أو موعظة بينة من ربكم، قال بعض الناس: إن صالحا جاء بالناقة من ~~تلقاء نفسه. # وقال الجمهور: بل كانت مقترحة، وهذا أليق بما ورد في الآثار من ~~أمرهم، روي أن قومه طلبوا منه آية تضطرهم إلى الإيمان، ~~وقالوا: يا صالح، إن كنت صادقا، فادع لنا ربك يخرج لنا من ~~هذه الهضبة، وفي بعض الروايات من هذه الصخرة - لصخرة ~~بالحجر - ناقة عشراء، فدعا الله، فتمخضت تلك الهضبة، ~~وانشقت عن ناقة عظيمة، وروي أنها كانت حاملا، فولدت سقبها ~~المشهور. # وروي أنه خرج معها فصيلها من الصخرة. # وقيل لها: { ناقة الله }؛ تشريفا لها، وتخصيصا، وهي إضافة ~~خلق إلى خالق، وجعل الله لها شربا يوما، ولهم شرب يوم، ~~وكانت آية في شربها وحلبها. # قال المفسرون: كانت خلقا عظيما تأتي إلى الماء بين جبلين، ~~فيزحمانها من العظم، وقاسمت ثمود في الماء يوما بيوم، فكانت ~~الناقة ترد يومها، فتستوفي ماء بئرهم شربا، ويحلبونها ما شاؤوا ~~من لبن، ثم تمكث يوما، وترد بعد ذلك غبا، فاستمر ذلك ما شاء ~~الله حتى ملتها ثمود، وقالوا: ما نصنع باللبن؛ الماء ~~أحب إلينا منه، وكان سبب الملل فيما روي: أنها كانت تصيف في ~~بطن الوادي، وادي الحجر وتشتو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفر منها، ~~فتمالؤوا على ملل الناقة، وروي أن صالحا أوحى الله إليه ~~أن قومك سيعقرون الناقة، وينزل بهم العذاب عند ذلك، فأخبرهم ~~بذلك، فقالوا: عياذا بالله أن نفعل ذلك، فقال: إن لم تفعلوا ~~أنتم أوشك أن يولد فيكم من يفعله، وقال لهم صفة عاقرها: ~~أحمر، أشقر، أزرق، فولد ms0547 قدار على الصفة المذكورة، فكان ~~الذي عقرها بالسيف، وقيل: بالسهم في ضرعها، وهرب فصيلها عند ذلك؛ ~~حتى صعد على جبل يقال له القارة، فرغا ثلاثا، فقال: يا ~~صالح، هذا ميعاد ثلاثة أيام للعذاب، وأمرهم قبل رغاء الفصيل ~~أن يطلبوه عسى أن يصلوا إليه، فيندفع عنهم العذاب به، فراموا ~~الصعود إليه في الجبل فارتفع الجبل في السماء؛ حتى ما تناله ~~الطير؛ وحينئذ رغا الفصيل، وروي أن صالحا عليه السلام قال لهم، حين ~~رغا الفصيل: ستصفر وجوهكم في اليوم الأول، وتحمر في الثاني، ~~وتسود في الثالث، فلما ظهرت العلامات التي قال لهم، أيقنوا ~~بالهلاك، واستعدوا، ولطخوا أبدانهم بالمر، وحفروا القبور، ~~وتحنطوا وتكفنوا في الأنطاع، فأخذتهم الصيحة، وخرج صالح ومن ~~آمن معه؛ حتى نزل رملة فلسطين، وقد أكثر الناس في هذا القصص، ~~وهذا القدر كاف، ومن أراد استيفاء هذا القصص، فليطالع الطبري. # قال * ع *: وبلاد ثمود هي بين الشام والمدينة، وهي التي مر ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غزوة تبوك ~~فقال: # " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا ~~أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم ~~اعتجر بعمامة " # ، وأسرع السير، حتى جاز الوادي صلى الله عليه وسلم. # * ت *: ولفظ البخاري: ثم قنع رأسه، وأسرع ~~السير... الحديث. ### || [7.74-79] # وقوله سبحانه: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ~~عاد وبوأكم في الأرض... } { بوأكم }: معناه مكنكم، ~~وهي مستعملة في المكان وظروفه، و«القصور»: جمع قصر، وهي الديار ~~التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصة؛ بخلاف بيوت العمود، وقصرت ~~على الناس قصرا تاما، و«النحت»: النجر والقشر في الشيء ~~الصلب؛ كالحجر والعود، ونحوه، وكانوا ينحتون الجبال لطول ~~أعمارهم، و(تعثوا) معناه تفسدوا. # قال أبو حيان: و { مفسدين }: حال موكدة. انتهى. # و { الذين استكبروا } هم الأشراف والعظماء الكفرة، و { ~~الذين استضعفوا }: هم العامة والأغفال في الدنيا، وهم ~~أتباع الرسل، وقولهم: { أتعلمون }: استفهام؛ على معنى ~~الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصرامة في دين ~~الله، فحملت الأنفة الأشراف على مناقضة المؤمنين في مقالتهم، ~~واستمروا على كفرهم. # وقوله سبحانه: ms0548 { فعقروا الناقة } يقتضي بتشريكهم أجمعين في ~~الضمير أن عقر الناقة كان على تمالؤ منهم واتفاق، وكذلك روي ~~أن قدارا لم يعقرها حتى كان يستشير، و { عتوا }: معناه: ~~خشنوا وصلبوا، ولم يذعنوا للأمر والشرع، وصمموا على تكذيبه، ~~واستعجلوا النقمة بقولهم: { ائتنا بما تعدنا } ، فحل بهم ~~العذاب، و { الرجفة }: ما تؤثره الصيحة أو الطامة التي ~~يرجف بها الإنسان، وهو أن يتحرك ويضطرب، ويرتعد؛ ومنه: « ~~فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده» ~~وروي أن صيحة ثمود كان فيها من كل صوت مهول، وكانت مفرطة ~~شقت قلوبهم، فجثموا على صدورهم، والجاثم اللاطىء بالأرض على ~~صدره، ف { جاثمين }: معناه: باركين قد صعق بهم، وهو تشبيه ~~بجثوم الطير، وجثوم الرماد، وقال بعض المفسرين: معناه: حميما ~~محترقين؛ كالرماد الجاثم، وذهب صاحب هذا القول إلى أن الصيحة اقترن ~~بها صواعق محرقة، وروي أن الصيحة أصابت كل من كان منهم في ~~شرق الأرض وغربها إلا رجلا كان في الحرم، فمنعه الحرم ~~ثم هلك بعد خروجه من الحرم؛ ففي «مصنف أبي داود»، قيل: ~~يا رسول الله؛ من ذلك الرجل؟ قال: أبو رغال، وذكر ~~الطبري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يرد ما في ~~السير من أن أبا رغال هو دليل الفيل، وقوله: { فتولى ~~عنهم } ، أي: تولى عنهم وقت عقر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب؛ ~~وكذلك روي أنه عليه السلام خرج من بين أظهرهم قبل نزول العذاب، ~~وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابه لهم وهم موتى؛ ~~على جهة التفجع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك؛ كما خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أهل قليب بدر. قال الطبري؛ وقيل: إنه لم تهلك ~~أمة، ونبيها معها، وروي أنه ارتحل بمن معه حتى جاء مكة، ~~فأقام بها حتى مات، ولفظ التولي يقتضي اليأس من خيرهم، واليقين ~~في إهلاكهم، وقوله: { ولكن لا تحبون النصحين }: عبارة ~~عن تغليبهم الشهوات على الرأي السديد؛ إذ كلام الناصح صعب مضاد ~~لشهوة الذي ينصح، ولذلك تقول العرب: أمر مبكياتك لا أمر ms0549 ~~مضحكاتك. ### || [7.80-84] # وقوله سبحانه: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * ~~إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل ~~أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف ~~كان عاقبة المجرمين }. # لوط عليه عليه السلام بعثه الله سبحانه إلى أمة تسمى «سدوم» ~~وروي أنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام ونصبه: إما ب ~~«أرسلنا» المتقدم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره: واذكر لوطا، ~~و { الفاحشة }: إتيان الذكور في الأدبار، وروي أنه لم تكن ~~هذه المعصية في أمة قبلهم، وحكم هذه الفاحشة؛ عند مالك وغيره: ~~الرجم، أحصن أم لم يحصن، وحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~رجلا عمل عمل قوم لوط، وقرأ نافع وغيره: «أنكم»؛ على الخبر؛ ~~كأنه فسر الفاحشة، والإسراف: الزيادة الفاسدة، ولم تكن مراجعة ~~قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقلية، وإنما كانت بكفر ~~وخذلان، و { يتطهرون }: معناه: يتنزهون عن حالنا وعادتنا. # قال قتادة: عابوهم بغير عيب، وذموهم بغير ذم واستثنى ~~الله سبحانه امرأة لوط عليه السلام من الناجين، وأخبر أنها ~~هلكت، والغابر: هو الباقي؛ هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء ~~الغابر بمعنى الماضي، وكذلك حكى أهل اللغة «غبر» بمعنى بقي، ~~وبمعنى «مضى»، وقوله: { وأمطرنا عليهم مطرا... } الآية، ~~أي: بحجارة، وروي أن الله تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحه، ~~وهي ست مدن. # وقيل خمس، وقيل: أربع، فرفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا صراخ ~~الديكة، ونباح الكلاب، ثم عكسها، ورد أعلاها ~~أسفلها، وأرسلها إلى الأرض، وتبعتهم الحجارة مع هذا، فأهلكت ~~من كان منهم، من كان في سفر، أو خارجا من البقع المرفوعة، وقالت ~~امرأة لوط، حين سمعت الوجبة: واقوماه، والتفتت، فأصابتها ~~صخرة فقتلتها. ### || [7.85-93] # وقوله سبحانه: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم ~~بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد ms0550 إصلاحها... } الآية: قيل في { مدين } إنه اسم بلد ~~وقطر، وقيل: اسم قبيلة، وقيل: هم من ولد مدين بن إبراهيم ~~الخليل، وهذا بعيد، وروي أن لوطا هو جد شعيب لأمه. # وقال مكي: كان زوج بنت لوط، و { أخاهم }: منصوب ب ~~«أرسلنا» في أول القصص، و«البينة»: إشارة إلى معجزته، { ولا ~~تبخسوا } معناه ولا تظلموا؛ ومنه قولهم: تحسبها حمقاء، ~~وهي باخس، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود»: البخس: ~~النقص. # * ت *: ويحتمل والله أعلم أن البخس هو ما اعتاده الناس من ~~ذم السلع؛ ليتوصلوا بذلك إلى رخصها، فتأمله، والله أعلم ~~بما أراد سبحانه. # قال أبو حيان: ولا تبخسوا: متعد إلى مفعولين، تقول: بخست ~~زيدا حقه، أي: نقصته إياه. انتهى. # و { أشياءهم }: يريد أمتعتهم وأموالهم، { ولا تفسدوا }: ~~لفظ عام في دقيق الفساد وجليله؛ وكذلك الإصلاح عام، { ذلكم ~~خير لكم } ، أي: عند الله { إن كنتم مؤمنين } ، أي: ~~بشرط الإيمان والتوحيد، وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان، { ولا ~~تقعدوا بكل صراط... } الآية: قال السدي: هذا نهي عن ~~العشارين والمتغلبين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل، ~~و«الصراط»: الطريق، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا؛ لأنه من قبيل ~~بخسهم ونقصهم الكيل والوزن، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: هو ~~نهي عن السلب وقطع الطرق، وكان ذلك من فعلهم، وروي في ذلك ~~حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما تقدم من الآية يؤيد هذين ~~القولين، وقال ابن عباس وغيره: قوله: { ولا تقعدوا } نهي ~~لهم عما كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب وذلك أنهم كانوا ~~يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب، فيتوعدون من ~~أراد المجيء إليه، ويصدونه، وما بعد هذا من الألفاظ يشبه هذا ~~من القول، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم الله، وأن يعود ~~على شعيب في قول من رأى القعود على الطرق للرد عن شعيب، قال ~~الداوودي: وعن مجاهد { تبغونها عوجا }: يلتمسون لها الزيغ. ~~انتهى. # ثم عدد عليهم نعم الله تعالى، وأنه كثرهم بعد قلة عدد. # وقيل: أغناهم بعد فقر، ثم حذرهم ومثل لهم ms0551 بمن امتحن من الأمم، ~~وقوله: { وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذي ~~أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا... } الاية: ~~قوله: { فاصبروا } تهديد للطائفة الكافرة، وقولهم: { أو ~~لتعودن في ملتنا } معناه: أو لتصيرن، و«عاد» في كلام ~~العرب على وجهين: # أحدهما: عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك، وهي على ~~هذا الوجه لا تتعدى، فإن عديت، فبحرف؛ ومنه قول الشاعر: ~~[الطويل] # ألا ليت أيام الشباب جديد # وعمرا تولى يا بثين يعود # ومنه قوله تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28]. # والوجه الثاني: أن تكون بمعنى «صار»، وعاملة عملها، ولا تتضمن ~~أن الحال قد كانت متقدمة؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] # تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # ومنه قول الآخر # وعاد رأسي كالثغامة... # ومنه قوله تعالى: # حتى عاد كالعرجون القديم # [يس:39]، على أن هذه محتملة بقوله في الآية: { أو لتعودن } ، ~~وشعيب عليه السلام لم يك قط كافرا، فيقتضي أنها بمعنى «صار»، ~~وأما في جهة المؤمنين به بعد كفرهم، فيترتب المعنى الآخر، ويخرج ~~عنه شعيب، وقوله: { أولو كنا كرهين } توقيف منه لهم على ~~شنعة المعصية، وطلب أن يقروا بألسنتهم بإكراه المؤمنين على ~~الإخراج ظلما وغشما. # قال * ص *: { قد افترينا }: هو بمعنى المستقبل؛ لأنه سد مسد ~~جواب الشرط، وهو: { إن عدنا } أو هو جوابه، على قول. انتهى. # وقوله: { إلا أن يشاء الله ربنا } يحتمل أن يريد إلا ~~أن يسبق علينا في ذلك من الله سابق سوء، وينفذ منه قضاء لا ~~يرد. # قال * ع *: والمؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شعيب، فقد عصمته ~~النبوة، وهذا أظهر مما يحتمل القول، ويحتمل أن يريد استثناء ما ~~يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعله الكفار من ~~القربات. # وقيل: إن هذا الاستثناء إنما هو تسنن وتأدب، وقوله: { ~~وسع ربنا كل شيء علما }: معناه: وسع علم ربنا ~~كل شيء؛ كما تقول: تصبب زيد عرقا أي: تصبب عرق زيد، ~~ووسع بمعنى «أحاط»، وقوله: { افتح } معناه: احكم، وقوله: { ~~على الله توكلنا }: استسلام لله سبحانه، وتمسك بلطفه؛ ~~وذلك ms0552 يؤيد التأويل الأول في قوله: { إلا أن يشاء الله ~~ربنا } وقوله سبحانه: { وقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه لئن اتبعتم شعيبا... } الآية: أي: قال الملأ ~~لتباعهم ومقلديهم، و { الرجفة }: الزلزلة الشديدة التي ~~ينال الإنسان معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتمل أن فرقة ~~من قوم شعيب هلكت بالرجفة، وفرقة بالظلة، ويحتمل أن الظلة ~~والرجفة كانتا في حين واحد. # * ت *: والرجفة هي الصيحة يرجف بسببها الفؤاد؛ وكذلك هو مصرح ~~بها في قصة قوم شعيب في قوله سبحانه: # وأخذت الذين ظلموا الصيحة... # الآية[هود:94] وقوله سبحانه: { كأن لم يغنوا فيها } الضمير ~~في قوله «فيها» عائد على دارهم، ويغنوا: معناه: يقيمون بنعمة ~~وخفض عيش، وهذا اللفظ فيه قوة الإخبار عن هلاكهم، ونزول النقمة ~~بهم، والتنبيه على العبرة والاتعاظ بهم، ونحو هذا قول الشاعر: ~~[الطويل] # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # قال * ع *: فغنيت في المكان، إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة ~~بتنعم وعيش مرضي، وقوله: { يقوم لقد أبلغتكم ~~رسلت ربي ونصحت لكم }: كلام يقتضي حزنا وإشفاقا؛ ~~لما رأى هلاك قومه، إذ كان أمله فيهم غير ذلك، ولما وجد في ~~نفسه ذلك، طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم، فجعل يعدد ~~معاصيهم وإعراضهم، ثم قال لنفسه لما نظر وفكر: { فكيف ءاسى ~~على قوم كفرين } ، ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم لأهل ~~قليب بدر، وأسى معناه: أحزن. # قال مكي: وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا ~~بها. ### || [7.94-96] # وقوله سبحانه: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا ~~أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون } أخبر سبحانه أنه ما بعث نبيا في قرية، وهي المدينة ~~إلا أخذ أهلها المكذبين له { بالبأساء }؛ وهي المصائب في ~~المال، وعوارض الزمن { والضراء } وهي المصائب في البدن؛ ~~كالأمراض ونحوها، { لعلهم يضرعون } ، أي: ينقادون إلى ~~الإيمان، وهكذا قولهم: الحمى أضرعتني لك، { ثم بدلنا ~~مكان السيئة } ، وهي البأساء والضراء { الحسنة } ، وهي ~~السراء والنعمة { حتى عفوا }: معناه: حتى كثروا، يقال: ~~عفا النبات والريش؛ إذا كثر نباته؛ ms0553 ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى " # ولما بدل الله حالهم بالخير؛ لطفا بهم فنموا، رأوا أن ~~إصابة الضراء والسراء إنما هي بالاتفاق، وليست بقصد؛ كما ~~يخبر به النبي، واعتقدوا أن ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق ~~الذي كان لآبائهم، فجعلوه مثالا، أي: قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا ~~أن ننكره، ثم أخبر سبحانه؛ أنه أخذ هذه الطوائف التي هذا ~~معتقدها، وقوله: { بغتة } أي: فجأة وأخذة أسف، وبطشا؛ ~~للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه. # وقوله تعالى: { ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركت من السماء والأرض } ، أي: ~~من بركات المطر والنبات، وتسخير الرياح والشمس والقمر في مصالح ~~العباد؛ وهذا بحسب ما يدركه نظر البشر، ولله سبحانه خدام غير ~~ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر. ### || [7.97-100] # وقوله سبحانه: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ~~بيتا وهم نائمون... } الآية تتضمن وعيدا للكافرين ~~المعاصرين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لما أخبر عما فعل في ~~الأمم الخالية، قال: وهل يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل ~~بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، و { مكر ~~الله } هي إضافة مخلوق إلى خالق، والمراد فعل يعاقب به مكرة ~~الكفرة، والعرب تسمي العقوبة باسم الذنب. # وقوله سبحانه: { أولم يهد للذين يرثون الأرض من ~~بعد أهلها... } الآية: هذه ألف تقرير دخلت على واو العطف، ~~و«يهدي»: معناه: يبين، فيحتمل أن يكون المبين الله سبحانه، ~~ويحتمل أن يكون المبين قوله: { أن لو نشاء } ، أي ~~علمهم بذلك، وقال ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد: يهدي: معناه: ~~يتبين، وهذه أيضا آية وعيد، أي: ألم يظهر لوارثي الأرض بعد ~~أولئك الذين تقدم ذكرهم، وما حل بهم أنا نقدر لو شئنا ~~أصبناهم بذنوبهم؛ كما فعلنا بمن تقدم، وفي العبارة وعظ بحال من ~~سلف من المهلكين. ### || [7.101-108] # وقوله سبحانه: { تلك القرى نقص عليك من أنبائها ~~ولقد جاءتهم رسلهم بالبينت فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله ~~على قلوب ms0554 الكفرين } «تلك» ابتداء، و«القرى» قال قوم: هو ~~نعت، والخبر «نقص»، وعندي: أن «أهل القرى» هي خبر الابتداء، ~~وفي ذلك معنى التعظيم لها، ولمهلكها؛ وهذا كما قيل في قوله تعالى: # ذلك الكتب # [البقرة:2] وكما قال عليه السلام: # " أولئك الملأ " # وكقول ابن أبي الصلت: [البسيط] # تلك المكارم.......... # ....................... # وهذا كثير. # ثم ابتدأ سبحانه الخبر عن جميعهم بقوله: { ولقد جاءتهم ~~رسلهم بالبينت فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل } ، هذا الكلام يحتمل وجوها من التأويل: # أحدها: أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم، فكذبوه لأول أمره، ~~ثم استبانت حجته، وظهرت الآيات الدالة على صدقه، مع استمرار ~~دعوته.، فلجوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سبق به تكذيبهم. # والثاني: من الوجوه: أن يريد: فما كان آخرهم في الزمن ليؤمن بما ~~كذب به أولهم في الزمن، بل مشى بعضهم على سنن بعض في ~~الكفر؛ أشار إلى هذا التأويل النقاش. # والثالث: أن هؤلاء لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكن منهم ~~إيمان؛ قاله مجاهد، وقرنه بقوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام:28]. # والرابع: أنه يحتمل: فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله ~~سبحانه؛ أنهم مكذبون به؛ وذكر هذا التأويل المفسرون. # وقوله سبحانه: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد... } ~~الآية: أخبر سبحانه أنه لم يجد لأكثرهم ثبوتا على العهد الذي أخذه ~~سبحانه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره؛ قاله أبو العالية عن ~~أبي بن كعب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزام ~~عهد، وقبول وصاة مما جاءتهم به الرسل عن الله، ولا شكروا ~~نعم الله عز وجل. # قال * ص *: { لأكثرهم }: يحتمل أن يعود على «الناس» أو على { ~~أهل القرى } أو «الأمم الماضية». انتهى. # وقوله سبحانه: { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنا ~~إلى فرعون وملإيه فظلموا بها... } الآيات؛ في هذه ~~الآية: عام في التسع وغيرها، والضمير في «من بعدهم» عائد على ~~الأنبياء المتقدم ذكرهم، وعلى أممهم. # وقوله سبحانه: { فانظر كيف كان عقبة المفسدين }: ~~فيه وعيد، وتحذير للكفرة المعاصرين لنبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ms0555 وقوله سبحانه: { وقال موسى يفرعون إني رسول ~~من رب العلمين * حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق } ، قرأ نافع وحده: «علي» بإضافة «على» ~~إليه، وقرأ الباقون: «على» بسكون الياء. # قال الفارسي: معنى هذه القراءة أن «على» وضعت موضع الباء؛ كأنه ~~قال: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، وقال قوم: «حقيق» ~~صفة ل«رسول»، تم عندها الكلام، و«علي»: خبر مقدم و«ألا ~~أقول»: ابتداء، وإعراب «أن»، على قراءة من سكن الياء خفض، ~~وعلى قراءة من فتحها مشددة: رفع، وفي قراءة عبد الله: «حقيق ~~أن لا أقول»، وهذه المخاطبة إذا تأملت غاية في ~~التلطف، ونهاية في القول اللين الذي أمر به عليه السلام، وقوله: ~~{ قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ~~إسرءيل * قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت ~~من الصدقين } «البينة»؛ هنا إشارة إلى جميع آياته، وهي على ~~المعجزة منها أدل، وهذا من موسى عليه السلام عرض نبوته، ومن ~~فرعون استدعاء خرق العادة الدال على الصدق، وظاهر هذه الآية ~~وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني إسرائيل ~~فقط، ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل، وذكره: # لعله يتذكر أو يخشى # [طه:44]. وقوله: { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~} ، روي أن موسى قلق به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانه: خذوه، ~~فألقى موسى العصا، فصارت ثعبانا، وهمت بفرعون، فهرب منها. # وقال السدي: إنه أحدث، وقال: يا موسى كفه عني، فكفه، ~~وقال نحوه سعيد بن جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لحييه في ~~الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر. والثعبان: الحية الذكر وهو ~~أهول وأجرأ؛ قاله الضحاك، وقال قتادة: صارت حية أشعر ~~ذكرا، وقال ابن عباس: غرزت ذنبها في الأرض، ورفعت صدرها إلى ~~فرعون، وقوله: { مبين } معناه: لا تخييل فيه، بل هو بين؛ إنه ~~ثعبان حقيقة، { ونزع يده }: معناه: من جيبه، أو من كمه؛ حسب ~~الخلاف في ذلك. # وقوله: { فإذا هي بيضاء للنظرين } ، قال مجاهد: كاللبن ~~أو أشد بياضا، وروي أنها كانت تظهر منيرة ms0556 شفافة كالشمس ~~تأتلق، وكان موسى عليه السلام آدم أحمر إلى السواد، ثم كان ~~يرد يده، فترجع إلى لون بدنه. # قال * ع *: فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارضة، ودعا إلى ~~الله بهما، وخرق العادة بهما. # * ت *: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يدل على أنه أراد ~~بإلقاء العصا الانتصار والتخويف؛ كما يعطيه ما تقدم ذكره من القصص. ### || [7.109-116] # وقوله عز وجل: { قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لسحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا ~~تأمرون } لا محالة أنهم خافوا أمر موسى، وجالت ظنونهم كل ~~مجال، وقوله: { فماذا تأمرون } الظاهر أنه من كلام الملإ ~~بعضهم لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعون لهم، وروى كردم عن نافع: ~~{ تأمرون } بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء:35]. # و«ما»: استفهام، و«ذا»: بمعنى الذي، فهما ابتداء وخبر، وفي ~~«تأمرون»: ضمير عائد على الذي، تقديره: تأمرون به، ويجوز أن ~~تجعل «ماذا» بمنزلة اسم واحد في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر ~~فيه؛ على هذا، وقوله: { قالوا أرجه وأخاه وأرسل في ~~المدائن حشرين * يأتوك بكل سحر عليم } أشار ~~الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون، ويدع النظر في أمرهما، ~~ويجمع السحرة، وحكى النقاش؛ أنه لم يكن يجالس فرعون ولد ~~غية، وإنما كانوا أشرافا؛ ولذلك أشاروا بالإرجاء، ولم يشيروا ~~بالقتل، وقالوا: إن قتلته، دخلت على الناس شبهة، ولكن اغلبه ~~بالحجة. # وقوله سبحانه: { وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا ~~لأجرا إن كنا نحن الغلبين * قال نعم وإنكم ~~لمن المقربين }: «الأجر» هنا: الأجرة. # واختلف الناس في عدد السحرة على أقوال كثيرة ليس لها سند ~~يوقف عنده، والحاصل من ذلك أنهم جمع عظيم، وقوله تعالى: { ~~قالوا يموسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين * قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين ~~الناس } ، وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو ~~يتأخر، وهذا فعل المدل الواثق بنفسه، والظاهر أن ~~التقدم في التخييلات والمخاريق أنجح؛ لأن بديهتها تمضي ~~بالنفوس، فليظهر الله أمر نبوة موسى، قوى نفسه ويقينه، ووثق ~~بالحق، فأعطاهم التقدم، ms0557 فنشطوا وسروا حتى أظهر الله ~~الحق، وأبطل سعيهم، وقوله سبحانه: { سحروا أعين الناس }: ~~نص في أن لهم فعلا ما زائدا على ما يحدثونه من التزويق، { ~~واسترهبوهم } بمعنى: أرهبوهم، أي: فزعوهم، ووصف الله سبحانه ~~سحرهم ب «العظيم»، ومعنى ذلك من كثرته، وروي أنهم جلبوا ~~ثلاثمائة وستين بعيرا موقورة بالحبال، والعصي، ~~فلما ألقوها، تحركت، وملأت الوادي، يركب بعضها بعضا ~~فاستهول الناس ذلك، واسترهبهم، قال الزجاج: قيل: إنهم جعلوا ~~فيهم الزئبق، فكانت لا تستقر. ### || [7.117-119] # وقوله سبحانه: { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون }: وروي أن موسى عليه السلام ~~لما كان يوم الجمع، خرج متكئا عى عصاه، ويده في يد ~~أخيه، وقد صف له السحرة في عدد عظيم، حسبما ذكر، فلما ~~ألقوا واسترهبوا، أوحي الله إليه؛ أن ألق، فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فعظم حتى كان كالجبل. # وروي أن السحرة، لما ألقوا، وألقى موسى، جعلوا يرقون، ~~وجعلت حبالهم تعظم وجعلت عصا موسى تعظم حتى سدت ~~الأفق، وابتلعت الكل، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال ~~والعصي أكلا، وأعدمها الله عز وجل، ومد موسى يده إلى ~~فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند ~~البشر، فخروا سجدا مؤمنين بالله ورسوله، و { تلقف } ~~معناه: تبتلع وتزدرد، وقرأ ابن جبير: «تلقم» بالميم. # وقوله سبحانه: { فوقع الحق... } الآية: أي: نزل ووجد، وقال ~~أبو حيان: فوقع، أي: فظهر، و«الحق»: يريد به سطوع البرهان، وظهور ~~الإعجاز، { ما كانوا يعملون } لفظ يعم سحر السحرة، وسعي ~~فرعون، وشيعته، والضمير في قوله: «فغلبوا»: عائد على جميعهم أيضا، ~~وفي قوله: { وانقلبوا صغرين } ، إن قدرنا انقلاب الجمع ~~قبل إيمان السحرة، فهم في الضمير، وإن قدرناه بعد إيمانهم، فليسوا ~~في الضمير، ولا لحقهم صغار؛ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله ~~عنهم. ### || [7.120-127] # وقوله سبحانه: { وألقي السحرة سجدين * قالوا ~~ءامنا برب العلمين * رب موسى وهرون * قال ~~فرعون ءامنتم به قبل أن ءاذن لكم إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها ~~أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من ms0558 خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين } ، ~~لما رأى السحرة من عظيم القدرة ماتيقنوا به نبوة موسى، آمنوا ~~بقلوبهم، وانضاف إلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة ~~الله عز وجل، فخروا لله سبحانه متطارحين قائلين ~~بألسنتهم: { آمنا برب العلمين * رب موسى ~~وهرون }. # قال * ع *: وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث سنين، وقول فرعون: ~~{ آمنتم به قبل أن آذن لكم }: دليل على وهنه، ~~وضعف أمره؛ لأنه إنما جعل ذنبهم عدم إذنه، والضمير في «به» ~~يحتمل أن يعود على اسم الله سبحانه، ويحتمل أن يعود على موسى ~~عليه السلام، وعنفهم فرعون على الإيمان قبل إذنه، ثم ألزمهم أن ~~هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى ~~اجتمع مع رئيس السحرة، واسمه شمعون، فقال له موسى: ~~أرأيت إن غلبتكم؛ أتؤمنون بي، فقال: نعم، فعلم ~~بذلك فرعون؛ فلهذا قال: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة، ثم ~~توعدهم. # وقوله سبحانه: { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون * وما ~~تنقم منا إلا أن آمنا بآيت ربنا لما ~~جاءتنا.. } الآية: هذا استسلام من مؤمني السحرة، واتكال على ~~الله سبحانه، وثقة بما عنده، وقرأ الجمهور: «تنقم» بكسر القاف ~~، ومعناه: وما تعد علينا ذنبا تؤاخذنا به إلا أن آمنا، قال ~~ابن عباس وغيره فيهم: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء، ~~قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من ~~بني إسرائيل، وقول ملإ فرعون: { أتذر موسى وقومه... } ~~الآية: مقالة تتضمن إغراء فرعون وتحريضه، وقولهم: { ويذرك ~~وآلهتك } ، روي أن فرعون كان في زمنه للناس آلهة من بقر، ~~وأصنام، وغير ذلك، وكان فرعون قد شرع ذلك، وجعل نفسه الإله ~~الأعلى فقوله على هذا # أنا ربكم الأعلى # [النازعات:24] إنما يريد: بالنسبة إلى تلك المعبودات. # وقيل: إن فرعون كان يعبد حجرا يعلقه في صدره. كأنه ياقوتة أو ~~نحوها، وعن الحسن نحوه، وقوله: { سنقتل أبناءهم } ، المعنى: ~~سنستمر على ما كنا عليه من تعذيبهم، وقوله: { وإنا فوقهم } ~~، يريد: في المنزلة، والتمكن من الدنيا، و { قهرون }: يقتضي ~~تحقير أمرهم، أي: هم أقل من أن ms0559 يهتم بهم. قلت: وهذا من عدو الله ~~تجلد، وإلا فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا ~~لغائظون * وإنا لجميع حذرون # [الشعراء:54،55،56] ### || [7.128-132] # وقوله سبحانه: { قال موسى لقومه استعينوا بالله ~~واصبروا... } الآية: لما قال فرعون { سنقتل أبناءهم } ، ~~وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن الله تعالى: { ~~استعينوا بالله } ، والأرض هنا: أرض الدنيا، وهو الأظهر. # وقيل: المراد هنا أرض الجنة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، ~~والصبر في هذه الآية: يعم الانتظار الذي هو عبادة، والصبر في ~~المناجزات، والبأس، وقولهم: { أوذينا من قبل أن تأتينا } ~~، يعنون به الذبح الذي كان في المدة التي كان فرعون يتخوف ~~فيها أن يولد المولود الذي يخرب ملكه، { ومن بعد ما ~~جئتنا } ، يعنون به وعيد فرعون، وسائر ما كان خلال تلك ~~المدة، من الإخافة لهم. # وقال ابن عباس والسدي: إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين ~~اتبعهم فرعون، واضطرهم إلى البحر. # قال * ع *: وبالجملة فهو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل؛ من ~~اضطرابهم على أنبيائهم، وقلة يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: { ~~عسى ربكم أن يهلك عدوكم } ، ووعده لهم بالاستخلاف في ~~الأرض، يدل على أنه يستدعي نفوسا نافرة؛ ويقوي هذا الظن في جهة ~~بني إسرائيل سلوكهم هذا السبيل في غير ما قصة، وقوله: { ~~فينظر كيف تعملون } تنبيه وحض على الاستقامة، ولقد ~~استخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان، وقد فتحوا بيت ~~المقدس مع يوشع. # وقوله سبحانه: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين } ، ~~أي: بالجدوب والقحوط، وهذه سيرة الله في الأمم، وقوله: { ~~ونقص من الثمرات } ، أي: حتى روي أن النخلة من نخلهم لا ~~تحمل إلا ثمرة واحدة، وقال نحوه رجاء بن حيوة وفعل الله ~~تعالى بهم هذا؛ لينيبوا ويزدجروا عما هم عليه من الكفر؛ إذ ~~أحوال الشدة ترق معها القلوب، وترغب فيما عند الله سبحانه. # وقوله عز وجل: { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا ~~هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ~~معه... } الآية: كان القصد في إصابتهم بالقحط والنقص في ~~الثمرات ms0560 أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضلوا، وجعلوها تشاؤما ~~بموسى، فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ونحوها، ~~قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضر، قالوا: هذا بسبب موسى ~~وشؤمه؛ قاله مجاهد وغيره، وقرأ الجمهور «يطيروا» بالياء ~~وشد الطاء والياء الأخيرة ، وقرأ طلحة بن مصرف وغيره: ~~«تطيروا» بالتاء وتخفيف الطاء ، وقرأ مجاهد: ««تشاءموا ~~بموسى» بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم. # وقوله سبحانه: { ألآ إنما طائرهم عند الله } معناه: ~~حظهم ونصيبهم؛ قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من زجر الطير فسمي ~~ما عند الله من القدر للإنسان طائرا؛ لما كان الإنسان يعتقد أن ~~كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في الطائر، فهي لفظة مستعارة، ~~ومهما أصلها عند الخليل؛ ماما، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال ~~سيبويه: هي «مه ما»؛ خلطتا، وهي حرف واحد لمعنى واحد. # وقال غيره: معناها: «مه»، أي: كف، و«ما»: جزاء، ذكره الزجاج، ~~وهذه الآية تتضمن طغيانهم، وعتوهم، وقطعهم على أنفسهم بالكفر ~~البحت. ### || [7.133-137] # وقوله سبحانه: { فأرسلنا عليهم الطوفان... } الآية: ~~الطوفان: مصدر من قولك: طاف يطوف، فهو عام في كل شيء ~~يطوف إلا أن استعمال العرب له كثير في الماء والمطر الشديد، ~~قال ابن عباس وغيره: الطوفان في هذه الآية: هو المطر الشديد، ~~أصابهم وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل: طم ~~فيض النيل عليهم، وروي في كيفيته قصص كثيرة، وقالت عائشة رضي ~~الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الطوفان المراد في هذه الآية هو الموت ". # قلت: ولو صح هذا النقل، لم يبق مجملا وروي أن الله عز وجل ~~لما والى عليهم المطر، غرقت أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا ~~موسى ادع لنا ربك في كشف هذا الغرق، ونحن نؤمن، فدعا، فكشفه ~~الله عنهم، فأنبتت الأرض إنباتا حسنا، فنكثوا، وقالوا: ما نود ~~أنا لم تمطر، وما هذا إلا إحسان من الله إلينا، فبعث الله ~~عليهم حينئذ الجراد، فأكل جميع ما أنبتت الأرض، فروى ابن ~~وهب، عن مالك؛ أنه أكل حتى أبوابهم، وأكل الحديد والمسامير، ~~وضيق ms0561 عليهم غاية التضييق، وترك الله من نباتهم ما يقوم به ~~الرمق، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا ~~الله فكشفه، ورجعوا إلى كفرهم، فبعث الله عليه القمل، وهي ~~الدبى صغار الجراد، الذي يثب ولا يطير؛ قاله ابن عباس وغيره، ~~وقرأ الحسن: «القمل» بفتح القاف، وسكون الميم فهي على هذا ~~القمل المعروف، وروي أن موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل، ~~فضربه، فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا: ادع في ~~كشف هذا، فدعا فرجعوا إلى طغيانهم، وكفرهم، فبعث الله ~~عليهم الضفادع، فكانت تدخل في فرشهم، وبين ثيابهم، ~~وإذا هم الرجل أن يتكلم، وثب ضفدع في فمه. # قال ابن جبير: كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع. # وقال ابن عباس: لما أرسلت الضفادع عليهم، وكانت برية، ~~سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف أنفسها في القدور، وهي تغلي، فأثابها ~~الله بحسن طاعتها برد الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كشف هذا ~~فدعا، فكشف، فرجعوا إلى كفرهم، فبعث الله عليهم الدم، فرجع ~~ماؤهم الذي يستقونه، ويحصل عندهم دما، فروي أنه كان يستقي ~~القبطي والإسرائيلي بإناء واحد، فإذا خرج الماء، كان الذي يلي ~~القبطي دما، والذي يلي الإسرائيلي ماء إلى نحو هذا، وشبهه، من ~~العذاب بالدم المنقلب عن الماء، هذا قول جماعة من المتأولين. # وقال زيد بن أسلم: إنما سلط عليهم الرعاف، فهذا معنى قوله: { ~~والدم } ، وقوله: { آيات مفصلات } التفصيل: أصله في ~~الأجرام: إزالة الاتصال، فهو تفريق شيئين، فإذا استعمل في المعاني، ~~فيراد به أنه فرق بينها، وأزيل اشتباكها وإشكالها، فيجيء من ذلك ~~بيانها. # وقالت فرقة: { مفصلات } يراد بها: مفرقات في الزمن. # قال الفخر: قال المفسرون: كان العذاب يبقى عليهم من السبت ~~إلى السبت، وبين العذاب والعذاب شهر، وهذا معنى قوله: { ~~آيات مفصلات } ، على هذا التأويل، أي: فصل بين بعضها وبعض ~~بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر؛ أيقبلون الحجة والدليل، أم ~~يستمرون على الخلاف والتقليد. انتهى. # وقوله عز وجل: { ولما وقع عليهم الرجز قالوا ~~يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك... } الآية: ~~«الرجز»: ms0562 العذاب، والظاهر من الآية أن المراد بالرجز هنا العذاب ~~المتقدم الذكر من الطوفان والجراد وغيره. # وقال قوم: [إن] الرجز هنا طاعون أنزل الله بهم، والله أعلم، وهذا ~~يحتاج إلى سند، وقولهم: { بما عهد عندك } لفظ يعم جميع ~~الوسائل بين الله وبين موسى من طاعة من موسى ونعمة من ~~الله تبارك وتعالى، ويحتمل أن يكون ذلك منهم على جهة القسم ~~على موسى، وقولهم: { لئن كشفت } أي: بدعائك، { لنؤمنن ~~} { ولنرسلن } قسم وجوابه، وهذا عهد من فرعون وملئه، ~~وروي أنه لما انكشف العذاب، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيث ~~شئت، فخالفه بعض ملئه، فرجع ونكث، و«إذا» هنا للمفاجأة، ~~والأجل: يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك ~~والموت؛ كما تقول: أخرت كذا إلى وقت، وأنت لا تريد وقتا ~~بعينه، فاللفظ متضمن توعدا ما، { وكانوا عنها غفلين ~~} أي: غافلين عما تضمنته الآيات من النجاة والهدى. # وقوله تعالى: { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشرق الأرض ومغربها... } الآية: { ~~الذين كانوا يستضعفون } كناية عن بني إسرائيل، و { ~~مشرق الأرض ومغربها }. قال الحسن وغيره: هي الشام. ~~وقالت فرقة: يريد الأرض كلها؛ وهذا يتجه إما على المجاز؛ لأنه ~~ملكهم بلادا كثيرة، وإما على الحقيقة في أنه ملك ذريتهم، وهم ~~سليمان بن داود، ويترجح التأويل الأول بوصف الأرض بأنها التي ~~بارك فيها سبحانه. # وقوله سبحانه: { وتمت كلمت ربك الحسنى } ، أي: ما سبق ~~لهم في علمه وكلامه في الأزل من النجاة من عدوهم، والظهور عليه؛ ~~قاله مجاهد، و { يعرشون } قال ابن عباس ومجاهد: معناه: يبنون. # قال * ع *: رأيت للحسن البصري رحمه الله؛ أنه احتج بقوله ~~سبحانه: { وتمت كلمت ربك... } إلى آخر الآية؛ على أنه ينبغي ~~ألا يخرج عن ملوك السوء، وإنما ينبغي أن يصبر عليهم؛ فإن ~~الله سبحانه يدمرهم، ورأيت لغيره؛ أنه إذا قابل الناس البلأ ~~بمثله، وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر، وانتظار ~~الفرج، أتى الله بالفرج، وروي هذا أيضا عن الحسن. ### || [7.138-141] # وقوله سبحانه: { وجاوزنا ببني إسرءيل البحر }: أي: ~~بحر القلزم، { فأتوا على قوم } ، قيل: هم ms0563 ~~الكنعانيون. # وقيل: هم من لخم وجذام، والقوم فى كلام العرب: هم الرجال ~~خاصة { يعكفون } ، العكوف: الملازمة { على أصنام ~~لهم } ، قيل كانت بقرا. # وقال ابن جريج: كانت تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوها، وذلك ~~كان أول فتنة العجل، وقولهم: { اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة } ، يظهر منه استحسانهم لما رأوه من تلك الآلهة؛ ~~بجهلهم؛ فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى، وفي جملة ما يتقرب به ~~إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنما ~~نفرده بالعبادة، ونكفر بربك؛ وعلى هذا الذي قلت يقع ~~التشابه الذي نصه النبي صلى الله عليه وسلم في # " قول أبي واقد الليثي اجعل لنا، يا رسول الله، ~~ذات أنواط؛ كما لهم ذات أنواط، فأنكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: الله أكبر! قلتم والله كما قالت ~~بنو إسرائيل؛ { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة }: ~~لتتبعن سنن من قبلكم.... " # الحديث، ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادا، وقال بعض الناس؛ كان ذلك ~~من بني إسرائيل كفرا، ولفظة «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ~~ذكرته أولا أصح، والله أعلم. # قلت: وقولهم: # هذا إلهكم وإله موسى # [طه:88]، وجواب موسى هنا يقوي الاحتمال الثاني، نعم: الذي يجب أن ~~يعتقد أن مثل هذه المقالات إنما صدرت من أشرارهم وقريبي ~~العهد بالكفر، قال الشيخ الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~عبد الله الخثعمي ثم السهيلي ذكر النقاش في قوله ~~تعالى: { فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ~~}؛ أنهم كانوا من لخم، وكانو يعبدون أصناما على صور البقر، ~~وأن السامري كان أصله منهم، ولذلك نزع إلى عبادة العجل. انتهى، ~~والله أعلم، وهذا هو معنى ما تقدم من كلام * ع *، وقوله: { إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه } ، أي: مهلك، مدمر، رديء ~~العاقبة، والتبار: الهلاك، وإنا متبر، أي: مكسور، وكسارته ~~تبر؛ ومنه: تبر الذهب؛ لأنه كسارة، وقوله: { ما هم فيه } ~~يعم جميع أحوالهم و { باطل }: معناه: فاسد ذاهب مضحمل، و { ~~أبغيكم } معناه: أطلب. # ثم عدد عليهم سبحانه في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها ms0564 ~~ألا يكفروا به، ولا يرغبوا في عبادة غيره، فقال: { وإذ ~~أنجينكم من آل فرعون... } الآية: و { يسومونكم } ~~معنا: يحملونكم، ويكلفونكم، ومساومة البيع تنظر إلى هذا؛ فإن ~~كل واحد من المتساومين يكلف صاحبه إرادته، ثم فسر سوء ~~العذاب بقوله: { يقتلون أبناءكم... } الآية. ### || [7.142-145] # وقوله سبحانه: { ووعدنا موسى ثلثين ليلة ~~وأتممناها بعشر... } الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ~~ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشرة هي عشر ذي الحجة، ~~وروي أن الثلاثين إنما وعد بأن يصومها، وأن مدة المناجاة هي ~~العشر، وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة، فذلك إخبار بجملة ~~الأمر، وهو في هذه الآية إخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: { ~~وكلمه ربه }: أنه خلق له إدراكا سمع به الكلام القائم ~~بالذات القديم الذي هو صفة ذات، وكلام الله سبحانه لا يشبه كلام ~~المخلوقين، وليس في جهة من الجهات، وكما هو موجود لا كالموجودات، ~~ومعلوم لا كالمعلومات؛ كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات ~~الحدوث، وجواب «لما» في قوله: { قال } ، والمعنى أنه لما ~~كلمه الله عز وجل، وخصه بهذه المرتبة، طمحت همته إلى ~~رتبة الرؤية، وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه الرؤية، ورؤية الله عز ~~وجل عند أهل السنة جائزة عقلا؛ لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته؛ ~~قالوا: لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من ~~الوجود، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالا، وإنما سأله ~~جائزا، وقوله سبحانه: { لن تراني ولكن انظر إلى ~~الجبل... } الآية: ليس بجواب من سأل محالا، و«لن» تنفي ~~الفعل المستقبل، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا ~~يراه موسى أبدا، ولا في الآخرة، لكن ورد من جهة أخرى بالحديث ~~المتواتر؛ أن أهل الإيمان يرون الله يوم القيامة، فموسى عليه ~~السلام أحرى برؤيته، قلت: وأيضا قال تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة:22،23] فهو نص في الرؤية بينه صلى الله عليه وسلم؛ ففي ~~«الترمذي» عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى ms0565 ~~جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ~~ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى ~~وجهه غدوة وعشية " # ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة:22،23]، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه ~~مرفوعا، وموقوفا. انتهى. # قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكن ~~سأتجلى للجبل، وهو أقوى منك، وأشد؛ فإن استقر وأطاق ~~الصبر لهيبتي، فستمكنك أنت رؤيتي. # قال * ع *: فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالا، قلت: وقول * ع ~~*: ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه ~~موسى أبدا ولا في الآخرة، قول مرجوح لم يتفطن له رحمه الله، ~~والحق الذي لا شك فيه أن «لن» لا تقتضي النفي المؤبد. # قال بدر الدين أبو عبد الله بن مالك في شرح التسهيل: ~~«ولن» كغيرها من حروف النفي في جواز كون استقبال المنفي بها ~~منقطعا عند حد وغير منقطع، وذكر الزمخشري في أنموذجه؛ ~~أن «لن» لتأبيد النفي، وحامله على ذلك اعتقاده أن الله ~~تعالى لا يرى، وهو اعتقاد باطل؛ لصحة ثبوت الرؤية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء ~~استقبال المنفي بها مغيا إلى غاية ينتهي بانتهائها، كما في ~~قوله تعالى: # قالوا لن نبرح عليه عكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى # [طه:91]، وهو واضح. انتهى، ونحوه لابن هشام، ولفظه: ولا تفيد «لن» ~~توكيد المنفي؛ خلافا للزمخشري في «كشافه»، ولا تأبيده، خلافا ~~له في «أنموذجه»، وكلاهما دعوى بلا دليل؛ قيل: ولو كانت للتأبيد، ~~لم يقيد منفيها ب «اليوم» في # فلن أكلم اليوم إنسيا # [مريم:26] ولكان ذكره «الأبد» في # ولن يتمنوه أبدا # [البقرة:95] تكرارا، والأصل عدمه. انتهى من «المغني». # وقوله سبحانه: { فلما تجلى ربه للجبل }: التجلي: هو ~~الظهور من غير تشبيه ولا تكييف، وقوله: { جعله دكا } ، ~~المعنى: جعله أرضا دكا، يقال: ناقة دكاء، أي: لا سنام لها، { ~~وخر موسى صعقا } ، أي: مغشيا عليه، قاله جماعة من المفسرين. # قال * ص *: { وخر } معناه ms0566 سقط، وقوله: { سبحنك } ، أي: ~~تنزيها لك؛ كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: { تبت ~~إليك } ، معناه: من أن أسألك الرؤية في الدنيا، وأنت لا تبيحها ~~فيها. # قال * ع *: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام؛ لشدة هول ~~المطلع، ولم يعن التوبة من شيء معين، ولكنه لفظ لائق ~~بذلك المقام، والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال ~~المحال؛ كما زعمت المعتزلة، وقوله: { وأنا أول ~~المؤمنين } ، أي: من قومه؛ قاله ابن عباس وغيره، أو من أهل ~~زمانه؛ إن كان الكفر قد طبق الأرض، أو أول المؤمنين بأنك لا ~~ترى في الدنيا؛ قاله أبو العالية. # وقوله سبحانه: { فخذ ما آتيتك وكن من الشكرين } ~~فيه تأديب، وتقنيع، وحمل على جادة السلامة، ومثال لكل أحد في ~~حاله، فإن جميع النعم من عند الله سبحانه بمقدار، وكل الأمور ~~بمرأى منه ومسمع، { وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيء } ، أي: من كل شيء ينفع في معنى الشرع، وقوله: { ~~وتفصيلا لكل شيء } مثله، وقوله: { بقوة } ، أي: ~~بجد وصبر عليها؛ قاله ابن عباس، وقوله: { بأحسنها } يحتمل ~~معنيين. # أحدهما: التفضيل؛ كما إذا عرض مثلا مباحان؛ كالعفو والقصاص، ~~فيأخذون بالأحسن منهما. # والمعنى الثاني: يأخذون بحسن وصف الشريعة بجملتها؛ كما تقول: ~~الله أكبر، دون مقايسة. # وقوله سبحانه: { سأوريكم دار الفسقين } ، الرؤية هنا: ~~رؤية عين؛ هذا هو الأظهر إلا أن المعنى يتضمن الوعد للمؤمنين، ~~والوعيد للفاسقين، ودار الفاسقين: قيل: هي مصر، والمراد آل فرعون، ~~وقيل: الشام، والمراد العمالقة وقيل: جهنم، والمراد الكفرة ~~بموسى، وقيل غير هذا مما يفتقر إلى صحة إسناد. ### || [7.146-147] # وقوله تعالى: { سأصرف عن آيتي الذين يتكبرون في ~~الأرض... } الآية: المعنى: سأمنع وأصد، قال سفيان بن ~~عيينة: الآيات هنا كل كتاب منزل. # * ع *: والمعنى عن فهمها وتصديقها، وقال ابن جريج: الآيات: ~~العلامات المنصوبة الدالة على الوحدانية، والمعنى: عن النظر فيها، ~~والتفكر والاستدلال بها، واللفظ يعم الوجهين، والمتكبرون في ~~الأرض بغير الحق: هم الكفار، قلت: ويدخل في هذا المعنى من ~~تشبه بهم من عصاة المؤمنين، والمعنى في هذه ms0567 الآية: سأجعل ~~الصرف عن الآيات؛ عقوبة للمتكبرين على تكبرهم، وقوله: { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها } حتم من الله على ~~الطائفة التي قدر عليهم ألا يؤمنوا، وقوله: { ذلك }: إشارة ~~إلى الصرف المتقدم. # وقوله سبحانه: { والذين كذبوا بآيتنا ولقاء ~~الأخرة... } الآية: هذه الآية مؤكدة للتي قبلها، وفيها تهديد. ### || [7.148-151] # وقوله سبحانه: { واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار }: الخوار: صوت البقر، ~~وقرأت فرقة: «له جؤار» - بالجيم -، أي: صياح، ثم بين سبحانه ~~سوء فطرهم، وقرر فساد اعتقادهم بقوله: { ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم... } الآية: وقوله: { وكانوا ظلمين ~~}: إخبار عن جميع أحوالهم؛ ماضيا، وحالا، ومستقبلا، وقد مر في ~~«البقرة» قصة العجل؛ فأغنى عن إعادته. # قال أبو عبيدة: يقال لمن ندم على أمر، وعجز عنه: سقط في ~~يده، وقول بني إسرائيل: { لئن لم يرحمنا ربنا } ، ~~إنما كان بعد رجوع موسى، وتغيره عليهم، ورؤيتهم أنهم قد ~~خرجوا من الدين، ووقعوا في الكفر. # وقوله سبحانه: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبن ~~أسفا } ، يريد: رجع من المناجاة، والأسف، قد يكون بمعنى ~~الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن، والمعنيان مترتبان ~~هنا. # وعبارة * ص *: { غضبن }: صفة مبالغة، والغضب غليان ~~القلب؛ بسبب ما يؤلم و { أسفا }: من أسف، فهو أسف، كفرق ~~فهو فرق، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذهب به مذهب الزمان، لقيل: ~~آسف؛ على وزن فاعل، والأسف: الحزن. انتهى. # وقوله تعالى: { أعجلتم } ، معناه: أسابقتم قضاء ربكم، ~~واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جبير، عن ~~ابن عباس: كان سبب إلقائه الألواح - غضبه على قومه في ~~عبادتهم العجل، وغضبه على أخيه في إهمال أمرهم. # قال ابن عباس: لما ألقاها، تكسرت، فرفع أكثرها الذي فيه ~~تفصيل كل شيء، وبقي الذي في نسخته الهدى والرحمة، وهو الذي ~~أخذ بعد ذلك، قال ابن عباس: كانت الألواح من زمرد، وقيل: من ~~ياقوت، وقيل: من زبرجد، وقيل: من خشب، والله أعلم. # وقوله: { ابن أم } استعطاف برحم الأم؛ إذ هو ألصق ~~القرابات، وقوله: { كادوا } ، معناه: قاربوا، ولم ms0568 يفعلوا، وقوله: ~~{ ولا تجعلني مع القوم الظلمين } ، يريد: عبدة ~~العجل. ### || [7.152-155] # وقوله سبحانه: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا } ، وقد ~~وقع ذلك النيل بهم في عهد موسى عليه السلام، فالغضب والذلة ~~هو أمرهم بقتل أنفسهم، وقال بعض المفسرين: الذلة: الجزية، ~~ووجه هذا القول أن الغضب والذلة بقيت في عقب هؤلاء، وقال ابن ~~جريج: الإشارة إلى من مات من عبدة العجل قبل التوبة بقتل ~~الأنفس، وإلى من فر، فلم يكن حاضرا وقت القتل، والغضب ~~من الله عز وجل، إن أخذ بمعنى الإرادة، فهو صفة ذات، وإن أخذ ~~بمعنى العقوبة وإحلال النقمة، فهو صفة فعل، وقوله: { ~~وكذلك نجزي المفترين } ، المراد أولا أولئك الذين ~~افتروا على الله سبحانه في عبادة العجل، وتكون قوة اللفظ ~~تعم كل مفتر إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عيينة وأبو ~~قلابة وغيرهما: كل صاحب بدعة أو فرية، ذليل؛ واستدلوا بالآية. # وقوله سبحانه: { والذين عملوا السيئات... } الآية ~~تضمنت وعدا بأن الله سبحانه يغفر للتائبين؛ وقرأ معاوية بن قرة ~~«ولما سكن عن موسى الغضب». # قال أبو حيان: واللام في { لربهم يرهبون } مقوية ~~لوصول الفعل، وهو { يرهبون } إلى مفعوله المتقدم. # وقال الكوفيون: زائدة. # وقال الأخفش: لام المفعول له، أي: لأجل ربهم. انتهى. # قلت: قال ابن هشام في «المغني» ولام التقوية هي المزيدة ~~لتقوية عامل ضعف؛ إما لتأخير؛ نحو: { لربهم يرهبون } ، ~~و # إن كنتم للرءيا تعبرون # [يوسف:43] أو لكونه فرعا في العمل؛ نحو: # مصدقا لما معهم # [البقرة:91] # فعال لما يريد # [البروج:16]، وقد اجتمع التأخير والفرعية في: # وكنا لحكمهم شهدين # [الأنبياء:78]. انتهى. # وقوله: { واختار موسى قومه... } الآية: قال الفخر: قال ~~جماعة النحويين: معناه: واختار موسى من قومه، فحذف «من»، يقال: ~~اخترت من الرجال زيدا، واخترت الرجال زيدا. انتهى. # قال * ع *: معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه هذه ~~العدة؛ ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء، فيكون ~~منه ومنهم اعتذار إلى الله سبحانه من خطإ بني إسرائيل في عبادة ~~العجل، وقد تقدم في ms0569 «سورة البقرة» [البقرة:51] قصصهم، قالت فرقة من ~~العلماء: إن موسى عليه السلام لما أعلمه الله سبحانه بعبادة بني ~~إسرائيل العجل، وبصفته، قال موسى: أي رب، ومن اختاره؟ قال: ~~أنا، قال موسى: فأنت، يا رب، أضللتهم، { إن هي إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء } أي: إن الأمور بيدك تفعل ~~ما تريد. ### || [7.156-157] # وقوله سبحانه: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة... } ~~الآية: { اكتب }: معناه: أثبت واقض، والكتب: مستعمل في كل ~~ما يخلد، و { حسنة }: لفظ عام في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة ~~وطاعة لله سبحانه، وغير ذلك، وحسنة الآخرة: الجنة، لا ~~حسنة دونها، ولا مرمى وراءها، و { هدنا } - بضم الهاء -: ~~معناه: تبنا. # وقوله سبحانه: { قال عذابي أصيب به من أشاء } ، يحتمل أن ~~يريد ب «العذاب» الرجفة التي نزلت بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن ~~رحمته، ويحتمل؛ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخبر عن عذابه، وعن ~~رحمته، وتصريف ذلك في خليقته؛ كما يشاء سبحانه، ويندرج في عموم العذاب ~~أصحاب الرجفة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وطاوس، وعمرو بن فائد: ~~«من أساء» من الإساءة، ولا تعلق فيه للمعتزلة، وأطنب القراء ~~في التحفظ من هذه القراءة، وحملهم على ذلك شحهم على ~~الدين. # وقوله سبحانه: { ورحمتي وسعت كل شيء } ، قال بعض ~~العلماء: هو عموم في الرحمة، وخصوص في قوله: { كل شيء } ، ~~والمراد: من قد سبق في علم الله أن يرحمهم، وقوله سبحانه: { ~~فسأكتبها } ، أي: أقدرها وأقضيها. # وقال نوف البكالي: إن موسى عليه السلام قال: يا رب، ~~جعلت وفادتي لأمة محمد عليه السلام، وقوله: { ويؤتون ~~الزكوة }: الظاهر: أنها الزكاة المختصة بالمال، وروي عن ابن ~~عباس؛ أن المعنى: يؤتون الأعمال التي يزكون بها أنفسهم. # وقوله سبحانه: { الذين يتبعون الرسول النبى ~~الأمي... } الآية: هذه ألفاظ أخرجت اليهود والنصارى من ~~الاشتراك الذي يظهر في قوله: { فسأكتبها للذين يتقون } ~~، وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس ~~وغيره. قلت: وهذه الآية الكريمة معلمة بشرف هذه الأمة على ~~العموم في كل من آمن بالله تعالى، وأقر ms0570 برسالة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم هم يتفاوتون بعد في الشرف؛ بحسب تفاوتهم في حقيقة ~~الاتباعية للنبي صلى الله عليه وسلم، قال الغزالي رحمه الله في ~~«الإحياء»: وإنما أمته صلى الله عليه وسلم من اتبعه، وما اتبعه ~~إلا من أعرض عن الدنيا، وأقبل على الآخرة، فإنه عليه السلام ~~ما دعا إلا إلى الله، واليوم الآخر، وما صرف إلا عن ~~الدنيا والحظوظ العاجلة، فبقدر ما تعرض عن الدنيا، وتقبل على ~~الآخرة، تسلك سبيله الذي سلكه صلى الله عليه وسلم، وبقدر ما ~~سلكت سبيله، فقد اتبعته، وبقدر ما اتبعته، صرت من أمته، ~~وبقدر ما أقبلت على الدنيا، عدلت عن سبيله، ورغبت عن ~~متابعته، والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم: # فأما من طغى * وءاثر الحيوة الدنيا * فإن ~~الجحيم هي المأوى # [النازعات:37،38،39]. انتهى، فإن أردت اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخلقه في كتب ~~الحديث والتفسير. # قال ابن القطان في تصنيفه الذي صنفه في «الآيات والمعجزات»: ~~والقول الوجيز في زهده وعبادته وتواضعه وسائر حلاه ~~ومعاليه صلى الله عليه وسلم: أنه ملك من أقصى اليمن إلى ~~صحراء عمان إلى أقصى الحجاز، ثم توفي عليه السلام، وعليه ~~دين، ودرعه مرهونة في طعام لأهله، ولم يترك دينارا ولا ~~درهما، ولا شيد قصرا، ولا غرس نخلا، ولا شقق نهرا، ~~وكان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض، ويلبس العباءة، ويجالس ~~المساكين، ويمشي في الأسواق، ويتوسد يده، ويلعق أصابعه، ~~ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويصلح خصه، ويمهن لأهله، ولا ~~يأكل متكئا، ويقول: «أنا عبد آكل كما يأكل العبد»، ~~ويقتص من نفسه، ولا يرى ضاحكا ملء فيه ولو دعي إلى ذراع، ~~لأجاب، ولو أهدي إليه كراع لقبل، لا يأكل وحده، ولا يضرب ~~عبده، ولا يمنع رفده ولا ضرب قط بيده إلا في سبيل الله، ~~وقام لله حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون ~~عبدا شكورا»، وكان يسمع لجوفه أزيز؛ كأزيز المرجل ms0571 من ~~البكاء؛ إذا قام بالليل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأتباعه صلاة ~~دائمة إلى يوم القيامة. انتهى. # وقال الفخر: قوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول... } ~~الآية، قال بعضهم: الإشارة بذلك إلى من تقدم ذكره من بني ~~إسرائيل، والمعنى: يتبعونه باعتقاد نبوته؛ من حيث وجدوا صفته ~~في التوراة، وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل. # وقال بعضهم: بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمة ~~الآخرة إلا إذا اتبعوا النبي الأمي. # قال الفخر: وهذا القول أقرب. انتهى. وقوله: { يجدونه } ، أي: ~~يجدون صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونعته؛ ففي «البخاري» ~~وغيره، عن عبد الله بن عمرو؛ أن في التوراة من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم «يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ~~ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ~~ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ~~ولكن يعفو، ويصفح ولن أقبضه حتى أقيم به ~~الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ~~فنقيم به قلوبا غلفا، وأذانا صما، وأعينا ~~عميا»، وفي «البخاري»: «فيفتح به عيونا عميا، وآذانا ~~صما، وقلوبا غلفا»، ونص كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إلا ~~أنه قال: «قلوبا غلوفا، وآذانا صموما». # وقوله سبحانه: { يأمرهم بالمعروف... } الآية: يحتمل أن يكون ~~ابتداء كلام وصف به النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون ~~متعلقا ب «يجدونه» في موضع الحال على تجوز، أي: يجدونه في ~~التوراة آمرا؛ بشرط وجوده، والمعروف: ما عرف بالشرع، وكل معروف من ~~جهة المروءة، فهو معروف بالشرع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " «بعثت لأتمم محاسن الأخلاق» " # و { المنكر }: مقابله، و { الطيبات }؛ عند مالك: هي ~~المحللات، و { الخبئث } هي المحرمات، وكذلك قال ابن عباس، ~~والإصر الثقل، وبه فسر هنا قتادة وغيره، والإصر أيضا: ~~العهد، وبه فسر ابن عباس وغيره، وقد جمعت هذه الآية المعنيين؛ ~~فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم العهد بأن يقوموا بأعمال ثقال، ~~فوضع عنهم نبينا محمد ms0572 صلى الله عليه وسلم، وقال ابن جبير: ~~الإصر: شدة العبادة، وقرأ ابن عامر: «آصارهم» بالجمع فمن وحد ~~«الإصر»؛ فإنما هو اسم جنس عنده، يراد به الجمع، { والأغلل ~~التي كانت عليهم } عبارة مستعارة أيضا لتلك الأثقال، ~~كقطع الجلد من أثر البول، وأن لا دية، ولا بد من قتل ~~القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسرين، وقال ابن زيد: إنما ~~المراد هنا ب { الأغلل } قول الله عز وجل في اليهود: # غلت أيديهم # [المائدة:64]، فمن آمن بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، زالت عنه ~~الدعوة، وتغليلها، ومعنى { عزروه }: أي: وقروه، فالتعزير ~~والنصر: مشاهدة خاصة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم ~~المؤمنون إلى يوم القيامة، والنور: كناية عن جملة الشرع، ~~وشبه الشرع والهدى بالنور، إذ القلوب تستضيء به؛ كما يستضيء ~~البصر بالنور. ### || [7.158-160] # وقوله سبحانه: { قل يأيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا } هذا أمر من الله سبحانه لنبيه بإشهار الدعوة ~~العامة، وهذه من خصائصه صلى الله عليه وسلم من بين سائر الرسل؛ ~~فإنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، وإلى الجن، وكل ~~نبي إنما بعث إلى فرقة دون العموم. # وقوله سبحانه: { فآمنوا بالله ورسوله... } الآية: حض ~~على اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: { الذي يؤمن ~~بالله وكلمته } ، أي: يصدق بالله وكلماته، والكلمات هنا: ~~الآيات المنزلة من عند الله؛ كالتوراة والإنجيل، وقوله: و { ~~اتبعوه } لفظ عام يدخل تحته جميع إلزامات الشريعة، جعلنا الله ~~من متبعيه على ما يلزم بمنه ورحمته. # قلت: فإن أردت الفوز أيها الأخ، فعليك باتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتعظيم شريعته، وتعظيم جميع أسبابه. # قال عياض: ومن إعظامه صلى الله عليه وسلم وإكباره إعظام جميع ~~أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته، ومعاهده، وما لمسه عليه ~~السلام أو عرف به، حدثت أن أبا الفضل الجوهري، لما ورد ~~المدينة زائرا، وقرب من بيوتها، ترجل، ومشى باكيا منشدا: ~~[الطويل] # ولما رأينا رسم من لم يدع لنا # فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا # نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة # لمن بان عنه أن ms0573 نلم به ركبا # وحكي عن بعض المريدين؛ أنه لما أشرف على مدينة الرسول عليه ~~السلام، أنشأ يقول: [الكامل] # رفع الحجاب لنا فلاح لناظري # قمر تقطع دونه الأوهام # وإذا المطي بنا بلغن محمدا # فظهورهن على الرجال حرام # قربننا من خير من وطىء الحصى # فلها علينا حرمة وذمام # وحكي عن بعض المشايخ؛ أنه حج ماشيا، فقيل له في ذلك، فقال: ~~العبد الآبق يأتي إلى بيت مولاه راكبا؟ لو قدرت أن أمشي ~~على رأسي، ما مشيت على قدمي. # قال عياض: وجدير لمواطن عمرت بالوحي، والتنزيل؛ وتردد فيها ~~جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح؛ وضجت عرصاتها ~~بالتقديس والتسبيح، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر؛ ~~وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر، مدارس ~~وآيات؛ ومساجد وصلوات؛ ومشاهد الفضائل والخيرات؛ ~~ومعاهد البراهين والمعجزات - أن تعظم عرصاتها؛ وتتنسم ~~نفحاتها؛ وتقبل ربوعها وجدراتها: [الكامل] # يا دار خير المرسلين ومن به # هدي الأنام وخص بالآيات # عندي لأجلك لوعة وصبابة # وتشوق متوقد الجمرات # الأبيات. انتهى من «الشفا». # وقوله سبحانه: { ومن قوم موسى أمة يهدون } ، أي: ~~يرشدون أنفسهم، وهذا الكلام يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين منهم، ~~على عهد موسى، وما والاه من الزمن، فأخبر سبحانه، أنه كان في ~~بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى واتقى وعدل، ~~ويحتمل أن يريد الجماعة التي آمنت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: { أسباطا ~~}: بدل من { اثنتى } ، والتمييز الذي بين العدد محذوف ~~تقديره: اثنتي عشرة فرقة أو قطعة أسباطا. # وقوله سبحانه: { وأوحينا إلى موسى إذ استسقه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا ~~عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا ~~عليهم الغمام... } الآية: { انبجست }: بمعنى انفجرت، ~~وقد تقدم الكلام على هذه المعاني في «البقرة». ### || [7.161-162] # وقوله سبحانه: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا ~~الباب سجدا نغفر لكم خطيئتكم سنزيد ~~المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير ~~الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء ms0574 ~~بما كانوا يظلمون }: القرية هي بيت المقدس. # وقيل: أريحاء، «وبدل»: معناه غير اللفظ. ### || [7.163-166] # وقوله سبحانه: { وسئلهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر... } الآية: قال بعض المتأولين: إن اليهود ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إن بني إسرائيل لم ~~يكن فيهم عصيان، ولا معاندة لما أمروا به، فنزلت هذه الآية ~~موبخة لهم، فسؤالهم إنما هو على جهة التوبيخ، والقرية هنا: ~~أيلة، قاله ابن عباس وغيره، وقيل: مدين، و«حاضرة البحر»، أي: ~~البحر فيها حاضر، ويحتمل أن يريد معنى «الحاضرة»؛ على جهة التعظيم ~~لها، أي: هي الحاضرة في مدن البحر، و { يعدون }: معناه: يخالفون ~~الشرع؛ من عدا يعدو، و { شرعا } ، أي: مقبلة إليهم ~~مصطفة، كما تقول: شرعت الرماح إذا مدت مصطفة، وعبارة ~~البخاري { شرعا } أي: شوارع انتهى. # والعامل في قوله: { ويوم لا يسبتون } قوله: { لا ~~تأتيهم } ، وهو ظرف مقدم، ومعنى قوله { كذلك } الإشارة إلى ~~أمر الحوت، وفتنتهم به، هذا على من وقف على { تأتيهم } ~~، ومن وقف على { كذلك } ، فالإشارة إلى كثرة الحيتان شرعا، ~~أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، و { نبلوهم } ، أي: ~~نمتحنهم بفسقهم وعصيانهم، وقد تقدم في «البقرة» قصصهم. # وقوله سبحانه: { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا }. # قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق: فرقة ~~عصت، وفرقة نهت، وجاهرت وتكلمت واعتزلت، وفرقة ~~اعتزلت، ولم تعص ولم تنه، وأن هذه الفرقة لما رأت مجاهرة ~~الناهية، وطغيان العاصية وعتوها، قالت للناهية: { لم ~~تعظون قوما } ، يريدون: العاصية { الله مهلكهم أو ~~معذبهم } ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إلى الله، أي: إقامة ~~عذر، ومعنى { مهلكهم } ، أي: في الدنيا، { أو ~~معذبهم } ، [أي]: في الآخرة، والضمير في قوله: { نسوا } ~~للمنهيين، وهو ترك سمي نسيانا مبالغة، و«ما» في قوله: { ما ~~ذكروا به } بمعنى الذي، و { السوء } لفظ عام في جميع ~~المعاصي إلا أن الذي يختص هنا بحسب قصص الآية هو صيد ~~الحوت، و { الذين ظلموا }: هم العاصون، وقوله: { بعذاب ~~بئيس } معناه: مؤلم موجع شديد، واختلف في الفرقة ms0575 التي لم تعص ~~ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلكت مع العاصين. # وقوله: { بما كانوا يفسقون } ، أي: لأجل ذلك، وعقوبة عليه، ~~والعتو الاستعصاء وقلة الطواعية. # وقوله سبحانه: { قلنا لهم كونوا } ، يحتمل أن يكون قولا بلفظ ~~من ملك أسمعهم؛ فكان أذهب في الإعراب والهول والإصغار، ~~ويحتمل أن يكون عبارة عن القدرة المكونة لهم قردة، و { ~~خسئين }: معناه مبعدين ف«خاسئين» خبر بعد خبر، فهذا اختيار ~~أبي الفتح، وضعف الصفة، فروي أن الشباب منهم مسخوا قردة، ~~والرجال الكبار مسخوا خنازير. ### || [7.167-168] # وقوله سبحانه: { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب } معنى ~~هذه الآية: وإذ علم الله ليبعثن، وتقتضي قوة الكلام؛ أن ~~ذلك العلم منه سبحانه مقترن بإنفاذ وإمضاء؛ كما تقول في أمر ~~عزمت عليه: علم الله لأفعلن. # وقال الطبري وغيره: { تأذن } معناه: أعلم، وقال مجاهد: { ~~تأذن } معناه: أمر وقالت فرقة: معنى { تأذن }: تألى، ~~والضمير في { عليهم } ، لبني إسرائيل، وقوله: { من يسومهم } ~~قال ابن عباس: هي إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ~~يسومون اليهود سوء العذاب. # قال * ع *: والصحيح أن هذا حالهم في كل قطر، ومع كل ملة، و ~~{ يسومهم }: معناه: يكلفهم ويحملهم، و { سوء العذاب }: ~~الظاهر منه: أنه الجزية، والإذلال، وقد حتم الله عليهم هذا، ~~وحط ملكهم، فليس في الأرض راية ليهودي، ثم حسن في آخر الآية ~~التنبيه على سرعة العقاب، والتخويف لجميع الناس، ثم رجى ~~سبحانه بقوله: { وإنه لغفور رحيم }؛ لطفا منه بعباده جل ~~وعلا، { وقطعنهم في الأرض } ، معناه: فرقناهم في الأرض. # قال الطبري عن جماعة من المفسرين: ليس في الأرض بقعة إلا وفيها ~~معشر من اليهود، والظاهر في المشار إليهم بهذه الآية؛ أنهم ~~الذين بعد سليمان وقت زوال ملكهم، والظاهر أنهم قبل مدة ~~عيسى عليه السلام؛ لأنهم لم يكن فيهم صالح بعد كفرهم بعيسى صلى ~~الله عليه وسلم و { بلونهم } ، معناه: امتحناهم { ~~بالحسنات } ، أي: بالصحة والرخاء، ونحو هذا مما هو بحسب ~~رأي ابن آدم ونظره، و { السيئات }: مقابلات، هذه { لعلهم ~~يرجعون } إلى الطاعة. ms0576 ### || [7.169-170] # وقوله سبحانه: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتب... } الآية: خلف معناه: حدث خلفهم وبعدهم، و { ~~خلف } - بإسكان اللام - يستعمل في الأشهر: في الذم. # وقوله سبحانه: { يأخذون عرض هذا الأدنى } إشارة إلى ~~الرشاوالمكاسب الخبيثة، والعرض: ما يعرض ويعن، ولا يثبت، ~~والأدنى: إشارة إلى عيش الدنيا، وقولهم: { سيغفر لنا } ~~ذم لهم باغترارهم، وقولهم { سيغفر لنا } ، مع علمهم بما في ~~كتاب الله، من الوعيد على المعاصي، وإصرارهم، وأنهم بحال إذا ~~أمكنتهم ثانية ارتكبوها، فهؤلاء عجزة؛ كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على ~~الله " # ، فهؤلاء قطعوا بالمغفرة وهم مصرون، وإنما يقول: { سيغفر ~~لنا } من أقلع وندم. # وقوله سبحانه: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب... } ~~الآية: تشديد في لزوم قول الحق على الله في الشرع والأحكام، ~~وقوله: { ودرسوا ما فيه } معطوف على قوله: { ألم يؤخذ }؛ ~~لأنه بمعنى المضي، والتقدير: أليس قد أخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب، ودرسوا ما فيه، وبهذين الفعلين تقوم الحجة عليهم ~~في قولهم الباطل، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: «وادارسوا ~~ما فيه». # ثم وعظ وذكر تبارك وتعالى بقوله: { والدار الأخرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون } ، وقرأ أبو عمرو: «أفلا ~~يعقلون» - بالياء - من أسفل. # وقوله سبحانه: { والذين يمسكون بالكتب } عطف على ~~قوله: { للذين يتقون } ، وقرأ عاصم وحده؛ في رواية أبي ~~بكر «يمسكون» - بسكون الميم، وتخفيف السين، وقرأ الأعمش: ~~«والذين استمسكوا». ### || [7.171-174] # وقوله عز وجل: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ~~ظلة } ، { نتقنا }: معناه: اقتلعنا ورفعنا، وقد تقدم قصص ~~الآية في «البقرة»، وقوله سبحانه: { واذكروا ما فيه } ، أي: ~~تدبروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وفوا. # وقوله سبحانه: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا... } الآية، قوله: { من ظهورهم } قال ~~النحاة: هو بدل اشتمال من قوله: { من بني آدم } ، وتواترت ~~الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~طرق: # " أن الله عز وجل استخرج من ظهر آدم عليه السلام ~~نسم بنيه، ففي بعض الروايات كالذر، وفي بعضها: كالخردل ms0577 ". # وقال محمد بن كعب: إنها الأرواح جعلت لها مثالات، وروي عن ~~عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أخذوا من ظهر آدم؛ كما يؤخذ بالمشط من الرأس، ~~وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان، وأخذ ~~عليهم العهد بأنه ربهم، وأن لا إله غيره، ~~فأقروا بذلك، والتزموه؛ وأعلمهم أنه ~~سيبعث الرسل إليهم مذكرة وداعية، فشهد بعضهم على ~~بعض، وشهد الله عليهم وملائكته " # قال الضحاك بن مزاحم: من مات صغيرا، فهو على العهد الأول، ~~ومن بلغ، فقد أخذه العهد الثاني، يعني الذي في هذه الحياة ~~المعقولة الآن. # وقوله { شهدنا } يحتمل أن يكون من قول بعض النسم لبعض، ~~فلا يحسن الوقف على قوله: { بلى } ، ويحتمل أن يكون قوله: { ~~شهدنا } من قول الملائكة، فيحسن الوقف على قوله: { بلى }. # قال السدي: المعنى: قال الله وملائكته: شهدنا ورواه عبد ~~الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله سبحانه: { أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا ~~عن هذا غفلين... } الآية: المعنى: لئلا تقولوا، أو ~~مخافة أن تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أن الكفرة لو لم يؤخذ ~~عليهم عهد، ولا جاءهم رسول مذكر بما تضمنه العهد من توحيد ~~الله وعبادته، لكانت لهم حجتان: # إحداهما: أن يقولوا كنا عن هذا غافلين. # والأخرى: كنا تباعا لأسلافنا، فكيف نهلك، والذنب إنما هو ~~لمن طرق لنا وأضلنا، فوقع شهادة بعضهم على بعض، وشهادة ~~الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذة الحجة. ### || [7.175-177] # وقوله سبحانه: { واتل عليهم نبأ الذي آتينه ~~آيتنا }. # قال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين الجبارين، اسمه ~~بلعم بن باعوراء، وقيل: بلعام بن باعر. # وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجبارين الذي غزاهم موسى عليه ~~السلام، فلما قرب منهم موسى، لجؤوا إلى بلعام، وكان صالحا ~~مستجاب الدعوة، وقيل: كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها. # وقيل: كان يعلم اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس أيضا، وهذا ~~الخلاف هو في المراد بقوله: { آتينه آيتنا } ، فقال له ~~قومه: ادع الله على موسى وعسكره، فقال لهم: وكيف ~~أدعو على نبي ms0578 مرسل، فما زالوا به حتى فتنوه، فخرج حتى ~~أشرف على جبل يرى منه عسكر موسى، وكان قد قال ~~لقومه: لا أفعل حتى أستأمر ربي، ففعل، فنهي عن ذلك، ~~فقال لهم: قد نهيت، فما زالوا به حتى قال: سأستأمر ثانية، ~~ففعل، فسكت عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إن الله لم يدع نهيك ~~إلا وقد أراد ذلك، فخرج، فلما أشرف على العسكر، جعل ~~يدعو على موسى، فتحول لسانه بالدعاء لموسى، والدعاء على ~~قومه، فقالوا له: ما تقول؟ فقال: إني لا أملك هذا، وعلم أنه قد ~~أخطأ، فروي أنه قد خرج لسانه على صدره، فقال لقومه: إني قد ~~هلكت، ولكن لم يبق لكم إلا الحيلة، فأخرجوا النساء إلى ~~عسكر موسى على جهة التجر وغيره، ومروهن ألا تمتنع ~~امرأة من رجل، فإنهم إذا زنوا هلكوا، ففعلوا، فخرج النساء، ~~فزنى بهن رجال [من] بني إسرائيل، وجاء فنحاص بن ~~العيزار بن هارون، فانتظم برمحه امرأة ورجلا من بني ~~إسرائيل، ورفعهما على الرمح، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات ~~منهم في ساعة [واحدة] سبعون ألفا، ثم ذكر المعتمر عن أبيه: ~~أن موسى عليه السلام قتل بعد ذلك الرجل المنسلخ من ~~آيات الله. # قال المهدوي: روي أنه دعا على موسى ألا يدخل ~~مدينة الجبارين؛ فأجيب، ودعا عليه موسى أن ينسى اسم ~~الله الأعظم؛ فأجيب، وفي هذه القصة روايات كثيرة تحتاج إلى ~~صحة إسناد، و { انسلخ }: عبارة عن البراءة منها، والانفصال ~~والبعد، كالمنسلخ من الثياب والجلد، و«أتبعه الشيطان»، ~~أي: صيره تابعا؛ كذا قال الطبري: أما لضلالة رسمها له، وإما ~~لنفسه، و { من الغاوين } ، أي: { من الضالين } ، { ولو ~~شئنا لرفعناه بها } ، قال ابن عباس وجماعة: معنى «لرفعناه» ~~لشرفنا ذكره، ورفعنا منزلته لدينا؛ بهذه الآيات التي آتيناه، ~~ولكنه أخلد إلى الأرض، أي: تقاعس إلى الحضيض الأسفل الأخس من ~~شهوات الدنيا ولذاتها؛ وذلك أن الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا ~~وكل ما عليها فان، ومن أخلد إلى الفاني، فقد حرم حظ الآخرة ~~الباقية. # * ت *: قال الهروي: قوله: { أخلد إلى الأرض }: معناه: ~~سكن إلى ms0579 لذاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إلى كذا، أي: ~~ركن إليه واطمأن به. # انتهى. # قال عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في «العاقبة»: واعلم رحمك ~~الله؛ أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسبابا، ولها طرق ~~وأبواب، أعظمها: الإكباب على الدنيا، والإعراض عن الآخرة، وقد ~~سمعت بقصة بلعام بن باعوراء، وما كان آتاه الله تعالى ~~من آياته؛ وأطلعه عليه من بيناته؛ وما أراه من عجائب ملكوته، ~~أخلد إلى الأرض، واتبع هواه؛ فسلبه الله سبحانه جميع ما ~~كان أعطاه؛ وتركه مع من استماله وأغواه. انتهى. # وقوله: { فمثله كمثل الكلب } ، شبه به في أنه كان ~~ضالا قبل أن يؤتى الآيات، ثم أوتيها، فكان أيضا ضالا لم ~~تنفعه، فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في كل حال؛ هذا ~~قول الجمهور. # وقال السدي وغيره: إن هذا الرجل عوقب في الدنيا، فإنه كان ~~يلهث كما يلهث الكلب، فشبه به صورة وهيئة، وذكر ~~الطبري، عن ابن عباس؛ أن معنى: { إن تحمل عليه }: إن ~~تطرده. # وقوله: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا ~~} ، أي: هذا المثل، يا محمد، مثل هؤلاء الذين كانوا ضالين قبل ~~أن تأتيهم بالهدى والرسالة، ثم جئتهم بها، فبقوا على ضلالتهم، ولم ~~ينتفعوا بذلك، فمثلهم كمثل الكلب. # وقوله: { فاقصص القصص } ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنه من ~~الغيوب التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية ولست منهم؛ { ~~لعلهم يتفكرون } في ذلك؛ فيؤمنوا. ### || [7.178-180] # وقوله سبحانه: { من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ~~فأولئك هم الخسرون } ، القول فيه: أن ذلك كله من عند ~~الله: الهداية منه وبخلقه واختراعه؛ وكذلك الإضلال، وفي الآية ~~تعجيب من حال المذكورين. # وقوله سبحانه: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس } ، هذا خبر من الله تعالى أنه خلق لسكنى ~~جهنم والاحتراق فيها كثير، وفي ضمنه وعيد للكفار، «وذرأ»: معناه: ~~خلق وأوجد، مع بث ونشر. # وقوله سبحانه: { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ~~أولئك كالأنعم بل هم أضل... } الآية: لما كانت ~~هذه الطائفة الكافرة المعرضة عن ms0580 النظر في آيات الله، لم ~~ينفعهم النظر بالقلب، ولا بالعين، ولا ما سمعوه من الآيات ~~والمواعظ، استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون، ولا يبصرون، ولا ~~يسمعون، والفقه: الفهم، { أولئك كالأنعم } في أن ~~الأنعام لا تفقه الأشياء، ولا تعقل المقاييس، ثم حكم سبحانه ~~عليهم بأنهم أضل؛ لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها، ~~وهؤلاء معدون للفهم والنظر، ثم بين سبحانه بقوله: { ~~أولئك هم الغفلون } الطريق الذي به صاروا أضل من ~~الأنعام، وهو الغفلة والتقصير. # قال الفخر: أما قوله تعالى: { أولئك كالأنعم بل ~~هم أضل } ، فتقريره: أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في ~~قوى الطبيعة؛ الغاذية، والنامية، والمولدة، ومتشاركة ~~أيضا في منافع الحواس الخمس؛ الباطنة والظاهرة، وفي أحوال ~~التخيل، والتفكر، والتذكر، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان، ~~وسائر الحيوانات؛ في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى ~~معرفة الحق، فلما أعرض الكفار عن أحوال العقل والفكر، ~~ومعرفة الحق، كانوا كالأنعام، بل هم أضل؛ لأن الحيوانات لا قدرة ~~لها على تحصيل هذه الفضائل، وقد قال حكيم الشعراء: [البسيط] # الروح من عند رب العرش مبدؤه # وتربة الأرض أصل الجسم والبدن # قد ألف الملك الجبار بينهما # ليصلحا لقبول الأمر والمحن # فالروح في غربة والجسم في وطن # فلتعرفن ذمام النازح الوطن # انتهى. # وقوله سبحانه: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها... ~~} الآية: السبب في هذه الآية على ما روي، أن أبا جهل سمع بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، فيذكر الله تعالى في قراءته، ~~ومرة يذكر الرحمن، ونحو ذلك، فقال: محمد يزعم أن ~~إلإله واحد، وهو إنما يعبد آلهة كثيرة، فنزلت هذه الآية، ومن ~~أسماء الله تعالى ما ورد في القرآن، ومنها ما ورد في الحديث ~~وتواتر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه. # وقوله سبحانه: { وذروا الذين يلحدون في أسمئه } ، ~~قال ابن زيد: معناه: اتركوهم، فالآية على هذا منسوخة، وقيل: معناه: ~~الوعيد؛ كقوله سبحانه: # ذرني ومن خلقت وحيدا # [المدثر:11] و # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # [الحجر:3] يقال: ألحد ولحد بمعنى جار، ومال، وانحرف، ~~و«ألحد»: أشهر؛ ومنه لحد القبر، ومعنى الإلحاد في أسماء ms0581 ~~الله عز وجل: أن يسموا اللات نظير اسم الله تعالى؛ ~~قاله ابن عباس، والعزى نظير العزيز؛ قاله مجاهد، ويسمون الله ~~أبا، ويسمون أوثانهم أربابا. # وقوله سبحانه: { سيجزون ما كانوا يعملون }: وعيد محض. ### || [7.181-183] # وقوله سبحانه: { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون * والذين كذبوا بآيتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ، الآية تتضمن ~~الإخبار عن قوم أهل إيمان واستقامة وهداية، وظاهرها، يقتضي ~~كل مؤمن كان من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، ~~وروي عن كثير من المفسرين: أنها في أمة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وروي في ذلك حديث أن: النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " هذه الآية لكم ". # وقوله سبحانه: { والذين كذبوا بآيتنا } الآية وعيد، ~~والإشارة إلى الكفار، و { سنستدرجهم } معناه: سنسوقهم ~~شيئا بعد شيء ودرجة بعد درجة؛ بالنعم عليهم والإمهال لهم؛ حتى ~~يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب، وقوله: { من حيث لا ~~يعلمون } ، أي: من حيث لا يعلمون أنه استدراج لهم، وهذه ~~عقوبة لهم من الله سبحانه على التكذيب لما حتم عليهم ~~بالعذاب، أملى لهم ليزدادوا إثما. # وقوله: { وأملي }: معناه: أؤخر ملاوة من الدهر، أي: مدة ~~و { متين }: معناه: قوي. ### || [7.184-186] # وقوله سبحانه: { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من ~~جنة... } الآية: تقرير يقارنه توبيخ للكفار، والوقف على قوله: ~~{ أو لم يتفكروا } ، ثم ابتدأ القول بنفي ما ذكروه، فقال: ~~{ ما بصاحبهم من جنة } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويحتمل أن يكون المعنى: أو لم يتفكروا أنه ما بصاحبهم من ~~جنة، ويظهر من رصف الآية أنها باعثة لهم على الفكرة في أمره ~~صلى الله عليه وسلم وأنه ليس به جنة كما أحالهم بعد هذه الآية على ~~النظر. # وقال الفخر: قوله تعالى: { أو لم يتفكروا } أمر بالفكر ~~والتأمل والتدبر، وفي اللفظ محذوف، والتقدير: أو لم يتفكروا ~~فيعلموا ما بصاحبهم من جنة، والجنة: حالة من الجنون، ~~كالجلسة، ودخول «من» في قوله: { من جنة } ينفي أنواع ~~الجنون. انتهى. # وقوله سبحانه: { أو لم ينظروا في ملكوت السموات ~~والأرض... } الاية: النظر هنا بالقلب ms0582 عبرة وفكرا، و { ~~ملكوت }: بناء عظمة ومبالغة. # وقوله: { وما خلق الله من شيء }: لفظ يعم جميع ما ينظر ~~فيه، ويستدل به من الصنعة الدالة على الصانع، ومن نفس الإنسان ~~وحواسه ومواضع رزقه، والشيء: واقع على الموجودات، { وأن ~~عسى }: عطف على قوله: { في ملكوت } ، والمعنى: توقيفهم على ~~أن لم يقع لهم نظر في شيء من هذا، ولا في أنهم قربت ~~آجالهم، فماتوا ففات أوان التدارك، ووجب عليهم المحذور، ثم ~~وقفهم «بأي حديث» أو أمر يقع إيمانهم وتصديقهم؛ إذا لم يقع ~~بأمر فيه نجاتهم، ودخولهم الجنة؛ ونحو هذا المعنى قول الشاعر: ~~[الطويل] # ................... # وعن أي نفس دون نفسي أقاتل # والضمير في { بعده } يراد به القرآن. # وقيل: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم وقصته وأمره ~~أجمع، وقيل: هو عائد على الأجل، أي: بعد الأجل، إذ لا عمل بعد ~~الموت. # وقوله سبحانه: { من يضلل الله فلا هادي له... } الآية: ~~هذا شرط وجواب، مضمنه اليأس منهم، والمقت لهم؛ لأن المراد أن ~~هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراط في الشيء، وكأنه مستعمل في غير ~~الصلاح، والعمه: الحيرة. ### || [7.187-188] # وقوله سبحانه: { يسئلونك عن الساعة } ، قال قتادة: ~~السائلون: هم قريش. # وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود. # * ت *: وفي «السيرة» لابن هشام: أن السائلين من أحبار اليهود: ~~حمل بن أبي قشير، وسموءل بن زيد. انتهى. # والساعة: القيامة موت كل من كان حيا حينئذ، وبعث الجميع، و ~~{ أيان }: معناه متى، وهي مبنية على الفتح، قال الشاعر: ~~[الرجز] # أيان تقضي حاجتي أيانا # أما ترى لفعلها أبانا # و { مرسها } معناه: مثبتها ومنتهاها؛ مأخوذ من: أرسى ~~يرسي، ف «مرساها»: رفع بالابتداء، والخبر «أيان»، ~~وعبارة البخاري: { أيان مرسها }: متى خروجها. انتهى، و { ~~يجليها }: معناه يظهرها. # وقوله سبحانه: { ثقلت في السموات والأرض... } ، قيل: ~~معناه: ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها، وقال الحسن بن ~~أبي الحسن: معناه: ثقلت هيئتها والفزع على أهل السموات ~~والأرض، { لا تأتيكم إلا بغتة } ، أي: فجأة. # وقوله سبحانه: { يسئلونك كأنك حفي عنها } ، قال ابن ~~عباس وغيره: المعنى يسألونك كأنك حفي، أي: ms0583 متحف ومهتبل ~~بهم، وهذا ينحو إلى ما قالت قريش: يا محمد، إنا قرابتك، ~~فأخبرنا بوقت الساعة. # وقال ابن زيد وغيره: معناه: كأنك حفي في المسألة عنها، والاشتغال ~~بها، حتى حصلت علمها. # وقرأ ابن عباس فيما ذكر أبو حاتم: «كأنك حفي بها». # وقوله سبحانه: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } قال ~~الطبري: معناه: لا يعلمون أن هذا الأمر لا يعلمه إلا ~~الله، بل يظن أكثرهم أنه مما يعلمه البشر. # وقوله سبحانه: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شاء الله... } الآية: هذا أمر بأن يبالغ في ~~الاستسلام، ويتجرد من المشاركة في قدرة الله، وغيبه، وأن ~~يصف نفسه لهؤلاء السائلين؛ بأنه لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ~~ما سنى الله وشاء ويسر، وهذا الاستثناء منقطع، وأخبر أنه لو ~~كان يعلم الغيب، لعمل بحسب ما يأتي، واستعد لكل شيء ~~استعداد من يعلم قدر ما يستعد له، وهذا لفظ عام في كل ~~شيء. # وقوله: { وما مسني السوء } يحتمل وجهين، وبكليهما قيل. # أحدهما: أن «ما» معطوفة على قوله: { لاستكثرت } أي: ولما ~~مسني السوء. # والثاني: أن يكون الكلام مقطوعا تم في قوله: { لاستكثرت ~~من الخير } وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه، وهو الجنون الذي ~~رموه به. # قال مؤرج السدوسي: { السوء } الجنون؛ بلغة هذيل. # * ت *: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنون، ~~ويترجح الثاني بنحو قوله سبحانه: # ما بصحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم... # [سبأ:46]، و { لقوم يؤمنون }: يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يريد: لقوم يطلب منهم الإيمان، وهؤلاء الناس أجمع. # والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتم الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشير ~~للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه. ### || [7.189-193] # وقوله: جلت عظمته: { هو الذي خلقكم من نفس ~~وحدة... } الآية. # قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة: آدم عليه السلام، ~~وبقوله: { وجعل منها زوجها } حواء، وقوله: { منها } هو ~~ما تقدم ذكره من أن آدم نام، فاستخرجت قصرى أضلاعه، ~~وخلقت منها حواء. # وقوله: { ليسكن إليها } ، أي: ليأنس، ويطمئن، وكان هذا ~~كله في الجنة. ms0584 # ثم ابتدأ بحالة أخرى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: { فلما ~~تغشاها } ، أي: غشيها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الحفيف: ~~هو المني الذي تحمله المرأة في رحمها. وقوله: { فمرت به } ~~أي: استمرت به، وقرأ ابن عباس: «فاستمرت به»، وقرأ ابن ~~مسعود: «فاستمرت بحملها» وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص: ~~«فمارت به»، أي جاءت به، وذهبت، وتصرفت؛ كما تقول: ~~مارت الريح مورا، و { أثقلت }: دخلت في الثقل، كما ~~تقول: أصبح وأمسى، والضمير في قوله { دعوا } ، على هذا التأويل: ~~عائد على آدم وحواء، وروي في قصص ذلك؛ أن الشيطان أشار على حواء، ~~أن تسمي هذا المولود «عبد الحارث»، وهو اسم إبليس، وقال ~~لها: إن لم تفعلي قتلته، فزعموا أنهما أطاعاه؛ حرصا على حياة ~~المولود، فهذا هو الشرك الذي جعلا لله، في التسمية فقط. # وقال الطبري والسدي في قوله: { فتعلى الله عما ~~يشركون } كلام منفصل من خبر آدم وحواء، يراد به مشركو ~~العرب. # * ت *: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقف بعد على ~~صحة ما روي في هذه القصص، ولو صح، لوجب تأويله، نعم؛ روى ~~الترمذي عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: لما حملت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش ~~لها ولد، فقال لها: سميه عبد الحارث، فسمته ~~عبد الحارث، فعاش ذلك، وكان ذلك من وحي ~~الشيطان، وأمره، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، انفرد به ~~عمر بن إبراهيم، عن قتادة، وعمر شيخ بصري. انتهى. # وهذا الحديث ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كل حال: الواجب ~~التوقف، والتنزيه لمن اجتباه الله، وحسن التأويل ما أمكن، ~~وقد قال ابن العربي في توهين هذا القول وتزييفه: وهذا القول ~~ونحوه مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات ~~التي ليس لها ثبات، ولا يعول عليها من له قلب، فإن آدم ~~وحواء - وإن كانا غرهما بالله الغرور - فلا يلدغ المؤمن ~~من جحر مرتين، وما كانا بعد ذلك ليقبلا له نصحا، ولا ~~يسمعا له قولا، والقول الأشبه بالحق: أن المراد ms0585 بهذا جنس ~~الآدميين. انتهى من «الأحكام». # قال * ع *: وقوله { صلحا }: قال الحسن: معناه: غلاما، وقال ~~ابن عباس؛ وهو الأظهر: بشرا سويا سليما. # وقال قوم: إنما الغرض من هذه الآية تعديد النعمة في الأزواج، وفي ~~تسهيل النسل والولادة، ثم ذكر سوء فعل المشركين الموجب ~~للعقاب، فقال مخاطبا لجميع الناس: { هو الذي خلقكم من ~~نفس وحدة وجعل منها زوجها } يريد: آدم وحواء، أي: ~~استمرت حالكم واحدا واحدا كذلك، فهذه نعمة يختص كل واحد بجزء ~~منها، ثم جاء قوله: { فلما تغشاها... } إلى آخر الآية، وصفا ~~لحال الناس واحدا واحدا، أي: هكذا يفعلون، فإذا آتاهم الله ولدا ~~صالحا سليما كما أرادوه، صرفوه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل ~~المشركين. # قال ابن العربي في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحق وأقرب ~~للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها ~~الأنبياء عن النقص الذي لا يليق بجهال البشر، فكيف ~~بساداتهم، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلام حسن؛ وبالله التوفيق. # وقرأ نافع، وعاصم؛ في رواية أبي بكر: «شركا» - بكسر الشين، وسكون ~~الراء -؛ على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ~~وحفص عن عاصم: «شركاء» على الجمع، وهي بينة؛ على هذا التأويل الأخير، ~~وقلقة على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مصحف ~~أبي بن كعب: «فلما آتاهما صالحا أشركا فيه». # وقوله: { أيشركون ما لا يخلق شيئا... } الآية: الآية: ~~ذهب بعض من قال بالقول الأول إلى أن هذه الآية في آدم وحواء على ما ~~تقدم، وفيه قلق وتعسف من التأويل في المعنى وإنما تنسق هذه ~~الآيات، ويروق نظمها، ويتناصر معناها على التأويل الأخير، فإنهم ~~قالوا: إن الآية في مشركي الكفار الذي يشركون الأصنام في ~~العبادة، وإياها يراد في قوله: { ما لا يخلق } ، وعبر عن ~~الأصنام ب { هم }؛ كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها؛ وبحسب ~~أسمائها، { ويخلقون }: معناه: ينحتون ويصنعون، يعني: ~~الأصنام، ويحتمل أن يكون المعنى، وهؤلاء المشركون يخلقون؛ أي: ~~فكان حقهم أن يعبدوا خالقهم، لا من لا يخلق شيئا، وقرأ أبو عبد ~~الرحمن: ms0586 «عما تشركون» بالتاء من فوق «أتشركون». # وقوله سبحانه: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ~~سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون } ، من ~~قال: إن الآيات في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن قال بالقول الآخر، قال: إن هذه مخاطبة للمؤمنين ~~والكفار؛ على قراءة من قرأ: «أيشركون» - بالياء من تحت -، ~~وللكفار فقط على قراءة من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي: ~~هذا حال الأصنام معكم؛ إن دعوتموهم، لم يجيبوكم. ### || [7.194-198] # وقوله سبحانه: { إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صدقين... } الآية مخاطبة للكفار في تحقير شأن أصنامهم، وقوله: ~~{ فادعوهم } أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا. # وقوله سبحانه: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد ~~يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم ~~آذان يسمعون... } الآية. الغرض من هذه الآية { ألهم } حواس ~~الحي وأوصافه، فإذا قالوا: «لا»، حكموا بأنها جمادات من غير شك، ~~لا خير عندها. # قال الزهراوي: المعنى: أنتم أفضل منهم بهذه الجوارح النافعة؛ فكيف ~~تعبدونهم،، ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام أن يعجزهم بقوله: { ~~قل ادعوا شركآءكم } ، أي: استنجدوهم واستنفروهم إلى ~~إضراري وكيدي، ولا تؤخروني، المعنى: فإن كانوا آلهة، فسيظهر ~~فعلكم، ولما أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضرره، وأراهم أن ~~الله سبحانه هو القادر على كل شيء لا تلك، عقب ذلك ~~بالإستناد إلى الله سبحانه، والتوكل عليه، والإعلام بأنه وليه ~~وناصره، فقال: { إن وليي الله الذي نزل الكتب ~~وهو يتولى الصلحين }. # وقوله: { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون ~~نصركم ولا أنفسهم ينصرون }؛ إنما تكرر القول في هذا، ~~وترددت الآيات فيه؛ لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنا من نفوس ~~العرب في ذلك الزمان، ومستوليا على عقولها، فأوعب القول في ذلك؛ ~~لطفا منه سبحانه بهم. # وقوله: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا... } ~~الآية: قالت فرقة: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمر ms0587 ~~الكفار، والهاء والميم في قوله: «تدعوهم» للكفار، ووصفهم بأنهم لا ~~يسمعون، ولا يبصرون؛ إذ لم يتحصل لهم عن النظر والاستماع ~~فائدة؛ قاله مجاهد والسدي. # وقال الطبري: المراد بالضمير المذكور: الأصنام، ووصفهم بالنظر ~~كناية عن المحاذاة والمقابلة؛ ولما فيها من تخييل النظر؛ كما ~~تقول: دار فلان تنظر إلى دار فلان. ### || [7.199-200] # وقوله سبحانه: { خذ العفو وأمر بالعرف... } الآية: ~~وصية من الله سبحانه لنبيه عليه السلام تعم جميع أمته، وأخذ ~~بجميع مكارم الأخلاق. # قال الجمهور: معنى: { خذ العفو } اقبل من الناس في أخلاقهم ~~وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفوا، دون تكلف، فالعفو هنا: الفضل ~~والصفو، قال مكي؛ قوله تعالى: { خذ العفو وأمر ~~بالعرف... } الآية. # قال بعض أهل المعاني، في هذه الآية بيان قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: « أوتيت جوامع الكلم»؛ فهذه الآية قد جمعت معان ~~كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خلق حسن؛ لأن في أخذ ~~العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، ~~وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وطاعته، وصلة الرحم، وصون ~~الجوارح عن المحرمات، وسمي هذا ونحوه عرفا؛ لأن كل نفس ~~تعرفه، وتركن إليه، وفي الإعراض عن الجاهلين: الصبر، والحلم، ~~وتنزيه النفس عن مخاطبة السفيه، ومنازعة اللجوج، وغير ذلك من ~~الأفعال المرضية. انتهى من «الهداية». # وقوله: { وأمر بالعرف }: معناه: بكل ما عرفته النفوس ~~مما لا ترده الشريعة؛ ومن ذلك: « أن تعطي من حرمك، ~~وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك... » الحديث، ~~فالعرف بمعنى المعروف. # وقوله عز وجل: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ، هذه الآية وصية من ~~الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم تعم أمته رجلا رجلا، ~~والنزغ: حركة فيها فساد قلما تستعمل إلا في فعل الشيطان؛ لأن ~~حركته مسرعة مفسدة؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح؛ لا ينزغ ~~الشيطان في يده " # ، فالمعنى في هذه الآية: فإما تلمن بك لمة من الشيطان، ~~فاستعذ بالله، وعبارة البخاري: ينزغنك: يستخفنك. ~~انتهى. # ونزغ الشيطان عام في الغضب، وتحسين المعاصي، واكتساب ~~الغوائل، وغير ذلك ms0588 وفي «جامع الترمذي» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن للملك لمة، وللشيطان لمة.... " # الحديث. # قال * ع *: عن هاتين اللمتين: هي الخواطر من الخير والشر، ~~فالآخذ بالواجب يلقى لمة الملك بالامتثال والاستدامة، ~~ولمة الشيطان بالرفض والاستعاذة، واستعاذ: معناه: طلب أن ~~يعاذ، وعاذ: معناه: لاذ، وانضوى، واستجار. # قال الفخر: قال ابن زيد: # " لما نزل قوله تعالى: { وأعرض عن الجهلين } قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: « كيف يا رب، والغضب؟ فنزل قوله: { ~~وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } » " # ، وقوله: { إنه سميع عليم } يدل على أن الاستعاذة لا ~~تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه ~~تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك؛ فإن سميع، واستحضر ~~معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك؛ فإني عليم بما في ضميرك، وفي ~~الحقيقة: القول اللساني دون المعارف العقلية، عديم الفائدة ~~والأثر. انتهى. ### || [7.201-202] # وقوله سبحانه: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف ~~من الشيطن تذكروا... } الآية خرجت مخرج المدح ~~للمتقين، والتقوى ههنا عامة في اتقاء الشرك والمعاصي، وقرأ ابن ~~كثير وغيره: «طيف». # قال أبو علي الطائف كالخاطر، والطيف كالخطرة، وقوله: { ~~تذكروا }: إشارة إلى الاستعاذة المأمور بها، وإلى ما لله عز ~~وجل من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرض الشيطان فيها، ~~وقرأ ابن الزبير: «من الشيطان تأملوا فإذا هم»، وفي ~~مصحف أبي بن كعب «إذا طاف من الشيطان طائف ~~تأملوا»، وقوله: { مبصرون }: من البصيرة، أي: فإذا هم قد ~~تبينوا الحق، ومالوا إليه، والضمير في { إخونهم } ، عائد ~~على الشياطين، وفي { يمدونهم } عائد على الكفار، وهم المراد ~~ب «الإخوان»، هذا قول الجمهور. # قال * ع *: وقرأ جميع السبعة غير نافع: «يمدونهم»؛ من مددت، ~~وقرأ نافع: «يمدونهم»، من أمددت. # قال الجمهور: هما بمعنى واحد، إلا أن المستعمل في المحبوب ~~«أمد»، والمستعمل في المكروه «مد»، فقراءة الجماعة جارية على ~~المنهاج المستعمل، وقراءة نافع هي مقيدة بقوله: { في الغي }؛ ~~كما يجوز أن تقيد البشارة، فتقول: بشرته بشر ومد ~~الشياطين للكفرة، أي: ومن نحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، ~~والإغواء المتتابع، وقوله: { ثم لا يقصرون }؛ من أقصر، ms0589 ~~والضمير عائد على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا ~~يقصرون في الطاعة للشياطين. ### || [7.203-204] # وقوله سبحانه: { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها } ، سببها فيما روي أن الوحي كان يتأخر أحيانا، ~~فكان الكفار يقولون: هلا اجتبيتها، أي: اخترتها، فأمره الله ~~عز وجل؛ أن يجيب بالتسليم لله، وأن الأمر في الوحي إليه ~~ينزله متى شاء، ثم أشار بقوله: { هذا بصائر } إلى القرآن، أي: ~~علامات هدى، وأنوار تستضيء القلوب به. # وقوله سبحانه: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون } ، ذكر الطبري وغيره؛ أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانوا بمكة يتكلمون في المكتوبة ~~بحوائجهم، فنزلت الآية أمرا لهم بالاستماع والإنصات في الصلاة، ~~وأما قول من قال: إنها في الخطبة، فضعيف، لأن الآية مكية، ~~والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمن ~~تعظيم القرآن وتوقيره، وذلك واجب في كل حالة، والإنصات: السكوت. # قال الزجاج: ويجوز أن يكون: { فاستمعوا له وأنصتوا } ، ~~أي: اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه. # قال ابن العربي في «أحكامه»: روى الترمذي، وأبو داود، عن عبادة ~~بن الصامت، قال: # " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ~~فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف، قال: « إني ~~لأراكم تقرؤون وراء إمامكم، قلنا: يا رسول الله، ~~أي والله، فقال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ ~~فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» " # وقد روى الناس في قراءة المأمومين خلف الإمام بفاتحة الكتاب ~~أحاديث كثيرة، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطني، وقد جمع البخاري ~~في ذلك جزءا، وكان رأيه قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة ~~الجهرية، وهي إحدى روايات مالك، وهو اختيار الشافعي. انتهى، وقد ~~تقدم أول الكتاب ما اختاره ابن العربي. ### || [7.205-206] # وقوله سبحانه: { واذكر ربك في نفسك... } الآية: مخاطبة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعم جميع أمته، وهو أمر من الله ~~تعالى بذكره وتسبيحه وتقديسه، والثناء عليه بمحامده، والجمهور ~~على أن الذكر لا يكون في النفس، ولا يراعى إلا بحركه اللسان، ~~ويدل على ذلك من هذه الآية قوله: ms0590 { ودون الجهر من القول ~~} ، وهذه مرتبة السر، والمخافتة. # وقال الفخر: المراد بقوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك } ~~، كونه عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضرا لصفات ~~الجلال والعظمة، وذلك أن الذكر باللسان، إذا كان عاريا عن ~~الذكر بالقلب، كان عديم الفائدة، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على ~~أن الرجل، إذا قال: بعت واشتريت مع أنه لا يعرف ~~معاني هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئا، فإنه لا ينعقد البيع ~~والشراء، فكذلك هنا، قال المتكلمون: وهذه الآية تدل على إثبات ~~كلام النفس. # وقوله تعالى: { ولا تكن من الغفلين } ، يدل على أن ~~الذكر القلبي يجب أن يكون دائما، وألا يغفل الإنسان لحظة عن ~~استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية، وتحقيق ~~القول في هذا أن بين الروح والبدن علاقة عجيبة؛ لأن كل ~~أثر يحصل في البدن يصعد منه نتائج إلى الروح؛ ألا ترى ~~أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض، ضرس منه، وإذا تخيل ~~حالة مكروهة، أو غضب، سخن بدنه. انتهى. و { تضرعا }: ~~معناه: تذللا وخضوعا، البخاري: { وخيفة } ، أي: خوفا ~~انتهى. # وقوله: { بالغدو والأصال }: معناه: دأبا، وفي كل يوم، ~~وفي أطراف النهار، { ولا تكن من الغفلين } تنبيه منه ~~عز وجل، ولما قال سبحانه: { ولا تكن من الغفلين }: ~~جعل بعد ذلك مثالا من اجتهاد الملائكة؛ ليبعث على الجد في ~~طاعة الله سبحانه. # * ت *: قال صاحب «الكلم الفارقية»: غفلة ساعة عن ربك مكدرة ~~لمرآة قلبك؛ فكيف بغفلة جميع عمرك. انتهى. # قال ابن عطاء الله رحمه الله: لا تترك الذكر، لعدم حضورك ~~مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ~~ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة، إلى ذكر مع وجود ~~يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ~~ذكر مع وجود حضور، إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ~~ذلك على الله بعزيز. انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله ~~تعالى: { ولا تكن من الغفلين }: أي: فيما أمرت به، ~~وكلفته، وهذا خطاب له ms0591 عليه السلام، والمراد به جميع أمته. انتهى. # وقوله: { الذين } ، يريد به الملائكة. # وقوله: { عند } ، إنما يريد به المنزلة، والتشريف، والقرب في ~~المكانة، لا في المكان، فهم بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حالهم؛ من ~~تواضعهم، وإدمانهم العبادة، والتسبيح والسجود»، وفي الحديث: # " أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~شبر إلا وفيه ملك قائم، أو راكع، أو ساجد " # وهذا موضع سجدة. # قال عبد الرحمن بن محمد عفا الله عنه: كمل ما انتخبناه في ~~تفسير السورة، والحمد الله على ما به أنعم، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وسلم تسليما كثيرا. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # قوله عز وجل: { يسئلونك عن الأنفال... } الآية، النفل ~~والنافلة، في كلام العرب: الزيادة على الواجب، والأكثر في هذه ~~الآية أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال، وقالت فرقة: إنما ~~سألوه الأنفال نفسها؛ محتجين بقراءة سعد بن أبي وقاص وغيره: ~~«يسئلونك الأنفال» وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت ~~عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا - أهل ~~بدر - نزلت، حين اختلفنا، وساءت أخلاقنا، ~~فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وقسمه عليه السلام - بين المسلمين على بواء - ~~يريد: على سواء - فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، ~~وصلاح ذات البين. # قال * ع *: ويجيء من مجموع الآثار المذكورة هنا؛ أن نفوس أهل بدر ~~تنافرت، ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر؛ من إرادة الأثرة، ~~لا سيما من أبلى، فأنزل الله عز وجل الآية، فرضي ~~المسلمون، وسلموا، فأصلح ذات بينهم، ورد عليهم غنائمهم. # قال بعض أهل التأويل؛ عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحكم من الله ~~سبحانه لرفع الشغب ثم نسخ بقوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء # [الأنفال:41]. وهذا أولى الأقوال وأصحها. # وقوله سبحانه: { وأصلحوا ذات بينكم }: تصريح بأنه شجر ~~بينهم اختلاف، ومالت النفوس إلى التشاح، و { ذات } في هذا ~~الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته، والذي يفهم من { ~~بينكم } هو معنى يعم جميع الوصل، والالتحامات، ~~والمودات، وذات ذلك هو المأمور بإصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي ~~الآية بين. ms0592 ### || [8.2-4] # وقوله سبحانه: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم... } الآية، { إنما } لفظ لا ~~تفارقه المبالغة والتأكيد؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، ~~بحسب القرينة، فقوله هنا: { إنما المؤمنون } ظاهرها أنها ~~للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون. # قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري ~~الساحلي المالقي في كتابه الذي ألفه في «السلوك»: واعلم أن ~~الإنسان مطلوب بطهارة نفسه، وتزكيتها، وطرق التزكية وإن ~~كثرت، فطريق الذكر أسرع نفعا، وأقرب مراما، وعليه درج ~~أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذكر ضد النسيان، والمطلوب منه ~~عمارة الباطن بالله تعالى في كل زمان، ومع كل حال؛ لأن الذكر ~~يدل على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المحبة له، ~~والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنى [من] معانيه ~~اختصاص بنوع من التحلية والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذكر ~~على قسمين: ذكر العامة، وذكر الخاصة. أما ذكر العامة، وهو ذكر ~~الأجور، فهو أن يذكر العبد مولاه بما شاء من ذكره لا يقصد غير ~~الأجور والثواب، وأما ذكر الخاصة، فهو ذكر الحضور، وهو أن يذكر ~~العبد مولاه بأذكار معلومة، على صفة مخصوصة؛ لينال ~~بذلك المعرفة بالله سبحانه بطهارة نفسه من كل خلق ~~ذميم، وتحليتها بكل خلق كريم. انتهى. # و { وجلت }: معناه: فزعت، ورقت، وخافت، وبهذه المعاني ~~فسرتها العلماء. # و { تليت } معناه: سردت، وقرئت، والآيات هنا: القرآن ~~المتلو. # ومن كلام صاحب «الكلم الفارقية»: إن تيقظت يقظة قلبية، ~~وانتبهت انتباهة حقيقية لم تر في وقتك سعة لغير ذكر ربك، ~~واستشعار عظمته، ومهابته، والإقبال على طاعته، ما في وقت العاقل ~~فضلة في غير ما خلق له من عبادة خالقه، والاهتمام بمصالح ~~آخرته، والاستعداد لمعاده، أعرف العبيد بجلال مولاه أخلاهم ~~عما سواه، وأكثرهم لهجا بذكره، وتعظيما لأمره، وأحسنهم تأملا ~~لآثار صنعته، وبدائع حكمته، وأشدهم شوقا إلى لقائه، ومشاهدته انتهى. # وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج، عن نفس التصديق: منها أن ~~المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز وجل في القرآن، فنزل ~~على النبي صلى ms0593 الله عليه وسلم فسمعه، فآمن به، زاد إيمانا إلى سائر ما ~~قد آمن به؛ إذ لكل حكم تصديق خاص، وهذا يترتب فيمن بلغه ~~ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة، وترتب زيادة الإيمان ~~بزيادة الدلائل، ولهذا قال مالك: الإيمان يزيد ولا ينقص، ويترتب ~~بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى أن لفظة الإيمان ~~واقعة على التصديق والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص. # وقوله سبحانه: { وعلى ربهم يتوكلون } عبارة جامعة ~~لمصالح الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يمتثل ~~الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعدما وعد ~~به من نصر، أو رزق، أو غيره، وهذه أوصاف جميلة وصف الله ~~بها فضلاء المؤمنين، فجعلها غاية للأمة يستبق إليها ~~الأفاضل، ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم بإقامة الصلاة، ~~ومدحهم بها حضا على ذلك. # وقوله: { ومما رزقنهم ينفقون }. قال جماعة من ~~المفسرين: هي الزكاة وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام ~~بإقامة الصلاة، وإلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخير، ~~وصلات المستحقين، ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل. # وقوله سبحانه: { لهم درجت } ظاهره، وهو قول الجمهور أن ~~المراد مراتب الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قدر أعمالهم، { ~~ورزق كريم } يريد مآكل الجنة، ومشاربها، و { كريم } ~~صفة تقتضي رفع المذام، كقوله: ثوب كريم. ### || [8.5-6] # وقوله سبحانه: { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق... } ~~الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفراء: التقدير امض لأمرك ~~في الغنائم، وإن كرهوا كما أخرجك ربك. # قال * ع *: وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شبهت هذه ~~القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي ~~سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل، وتشاجروا، فأخرج ~~الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة، كما كرهوا في هذه القصة ~~انبعاث النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته، فكانت ~~في ذلك الخيرة، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله: { ~~يجدلونك } كلاما مستأنفا يراد به الكفار، أي: يجادلونك في ~~شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق ms0594 فيها، كأنما يساقون إلى ~~الموت في الدعاء إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن { ~~يجدلونك } في الكفار منصوص. # وقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرج ربك من بيتك على ~~كراهية من فريق منهم، كذلك يجادلونك في قتال كفار «مكة»، ~~ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ~~ما أمرت به لا ما يريدون هم، وقائل هذه المقالة يقول: إن المجادلين ~~هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المجادلين هم المشركون، ~~وهذان القولان يتم بها المعنى، ويحسن رصف اللفظ. # وقيل غير هذا. # وقوله: { من بيتك } يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجمهور. ### || [8.7-10] # وقوله سبحانه: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم... } الآية: في هذه الآية قصص حسن، محل استيعابه ~~«كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم» لابن هشام، واختصاره: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا ~~سفيان بن حرب، قد أقبل من «الشام» بالعير التي فيها تجارة ~~قريش وأموالها قال لأصحابه: إن عير قريش قد عنت لكم، فاخرجوا ~~إليها، لعل الله أن ينفلكموها. قال: فانبعث معه من خف، ~~وثقل قوم، وكرهوا الخروح، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يلوي على من تعذر، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث مائة ~~وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد ~~ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حربا، ~~فلم يكثر استعدادهم، وكان أبو سفيان في خلال ذلك يستقصي، ~~ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ضمضم ~~بن عمرو الغفاري إلى «مكة» يستنفر أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل ~~«مكة» في ألف رجل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خروجهم أوحى الله إليه وحيا غير متلو يعده إحدى ~~الطائفتين، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~بذلك، فسروا، وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها، ~~فلما علم أبو سفيان ms0595 بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم منه أخذ ~~طريق الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة»، وأشار بعض ~~الكفار على بعض بالانصراف، وقالوا: هذه عيرنا قد نجت، ~~فلننصرف فحرش أبو جهل ولج، حتى كان أمر الواقعة. وقال بعض ~~المؤمنين: نحن لم نخرج لقتال، ولم نستعد له، فجمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه، وهو بواد يسمى «دقران» وقال: أشيروا ~~علي أيها الناس، فقام أبو بكر، فتكلم، وأحسن، وحرض الناس على ~~لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة، ~~فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الاستشارة، فتكلم المقداد بن الأسود الكندي، فقال: لا نقول لك ~~يا رسول الله كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: إنا معكما مقاتلون، ~~والله لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لقاتلنا معك من ~~دونها، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه، ودعا له بخير، ثم ~~قال: أشيروا علي أيها الناس، فكلمه سعد بن معاذ، وقيل: سعد بن ~~عبادة، ويحتمل هما معا؛ فقال: يا رسول الله، كأنك إيانا تريد ~~معشر الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، فقال: إنا قد ~~آمنا بك، واتبعناك، وبايعناك، فامض لأمر الله، فوالله لو ~~خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: « امضوا على بركة الله، فكأني أنظر إلى مصارع القوم » ~~فالتقوا وكانت وقعة بدر ". # * ت *: وفي «صحيح البخاري» من حديث عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» ~~فلقيه ابن الدغنة عند برك الغماد الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من ~~غير شك. فالله أعلم، ولعلهما موضعان. انتهى. # و { الشوكة } عبارة عن السلاح والحدة. # وقوله سبحانه: { ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ~~ويقطع دابر الكافرين } المعنى: ويريد الله أن يظهر ~~الإسلام، ويعلي دعوة الشرع بكلماته التي سبقت في الأزل، ~~والدابر الذي يدبر القوم، أي يأتي آخرهم، وإذا قطع فقد أتى على آخرهم ~~بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي ms0596 عبارة في كل من أتى الهلاك ~~عليه. # وقوله سبحانه: { ليحق الحق } أي: ليظهر الحق الذي هو دين ~~الإسلام، و { ويبطل البطل } ، أي الكفر، و { تستغيثون } ~~معناه: تطلبون الغوث، و { ممدكم } أي: مكثركم، ومقويكم من: ~~أمددت، و { مردفين } معناه: متبعين. # وقرأ سائر السبعة غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال -، ونافع بفتحها، ~~وروي عن ابن عباس: خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع، ~~يقال: ردف وأردف؛ إذا اتبع، وجاء بعد الشيء، ويحتمل أن ~~يراد مردفين للمؤمنين، ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضا، ~~وأنشد الطبري شاهدا على أن أردف بمعنى جاء تابعا قول الشاعر: ~~[الوافر] # إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا # والثريا تطلع قبل الجوزاء. # وروي في «الصحيح»: الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر. # واختلف في غيره؛ قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر؛ ~~أنه حدث عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رجل من بني غفار، قال: ~~أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على ~~بدر، ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون، فننتهب مع من ~~ينتهب. قال: فبينما نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا ~~فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن ~~عمي، فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ~~ثم تماسكت. # قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ~~ساعدة عن أبي سعيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرا، قال بعد أن ~~ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بصري لأريتكم الشعب الذي ~~خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى. انتهى من «سيرة ~~ابن هشام». # وقوله سبحانه: { وما جعله الله إلا بشرى ~~ولتطمئن به قلوبكم } الضمير في «جعله» عائد على الوعد، ~~وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى. # وقيل: عائد على المدد، والإمداد. # وقيل: عائد على الإرداف. # وقيل: عائد على الألف، وقوله: { وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم } توقيف على أن الأمر كله ~~لله وأن تكسب المرء لا يغني، إذا ms0597 لم يساعده القدر، وإن كان ~~مطلوبا بالجد، كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~درعين. ### || [8.11-13] # وقوله سبحانه: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }. ~~القصد تعديد نعمه سبحانه على المؤمنين في يوم بدر، والتقدير: ~~اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذا» «اذكروا» وقرأ ~~نافع: «يغشيكم» - بضم الياء، وسكون الغين - وقرأ حمزة وغيره: { ~~يغشيكم } - بفتح الغين وشد الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: ~~«يغشاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين - «النعاس» بالرفع، ومعنى { ~~يغشيكم }: يغطيكم، والنعاس أخف النوم، وهو الذي يصيب ~~الإنسان، وهو واقف أو ماش، وينص على ذلك قصص هذه الآية؛ أنهم ~~إنما كان بهم خفق بالرؤوس، وقوله: { أمنة } مصدر من أمن ~~يأمن أمنا وأمنة وأمانا، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما ~~هي في المساءة والحماقة والمشقة. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: النعاس عند حضور القتال ~~علامة أمن، وهو من الله، وهو في الصلاة من الشيطان. # قال * ع *: وهذا إنما طريقه الوحي، فهو لا محالة يسنده وقوله ~~سبحانه: { وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به }. وذلك أن قوما من المؤمنين لحقتهم جنابات ~~في سفرهم، وعدموا الماء قريب بدر، فصلوا كذلك، فوسوس ~~الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العدو وقلتهم، وأيضا ~~فكانت بينهم وبين ماء بدر مسافة، من رمل دهس تسوخ فيها ~~الأرجل، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكفار إلى ماء بدر، فأنزل ~~الله تلك المطرة فسالت الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم الله تعالى ~~فذهب رجز الشيطان، وتدمث الطريق، وتلبدت تلك الرمال، ~~فسهل الله عليهم السير، وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى ماء بدر، ~~وأصاب المشركين من ذلك المطر ما صعب عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، ~~وتبينوا من فعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم، فطابت نفوسهم، ~~واجتمعت، وتشجعت، فذلك الربط على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على ~~الرملة اللينة. # والضمير في «به» على هذا الاحتمال عائد على الماء، ويحتمل عوده ~~على ربط القلوب، ويكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في ~~موطن الحرب، ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية ms0598 النعاس، ولم ~~يترتب كذلك في الآية، إذ القصد فيها تعديد النعم فقط. # وقوله سبحانه: { فثبتوا الذين آمنوا } وتثبيتهم يكون ~~بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المؤنسة، ويحتمل أن يكون التثبيت ~~بما يلقيه الملك في القلب بلمته من توهم الظفر، ~~واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه. # قال * ع *: ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: { سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب } وعلى هذا التأويل يجيء قوله: { ~~سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } مخاطبة للملائكة، ~~ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين. وقوله سبحانه: { فاضربوا فوق ~~الأعنق } قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس، وهذا أنبل ~~الأقوال. # قال * ع *: ويحتمل عندي أن يريد وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها، ~~وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق دون عظم الرأس في المفصل، ~~كما وصف دريد بن الصمة، فيجيء على هذا فوق الأعناق متمكنا. # والبنان: قالت فرقة: هي المفاصل؛ حيث كانت من الأعضاء. # وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح؛ لأنه إذا قطع البنان لم ~~ينتفع صاحبه بشيء من أعضائه واستأسر. # و { شاقوا }: معناه خالفوا ونابذوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من ~~الشق، وهو القطع والفصل بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: { ~~شاقوا } أي: صاروا في شق غير شقه. # قال * ع *: وهذا وإن كان معناه صحيحا، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ~~ذكرناه، وقوله: { فإن الله شديد العقاب } جواب، ~~للشرط تضمن وعيدا وتهديدا. ### || [8.14-16] # وقوله سبحانه: { ذلكم فذوقوه } المخاطبة للكفار، أي ذلكم ~~الضرب والقتل، وما أوقع الله بهم يوم بدر، فكأنه قال: الأمر ~~ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه. # وقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نصب، كقوله: زيدا فاضربه، ~~وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا... } الآية: { زحفا } يراد به متقابلي ~~الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على ~~الألية، ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويدا زاحفا، إذ في ~~مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى ~~شواهد من كلام العرب، ونهى الله سبحانه في هذه الآية عن تولي ~~الأدبار، وهذا مقيد بالشريطة ms0599 المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار ~~هنالك كبيرة موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة. # وقوله: { ومن يولهم يومئذ دبره... } الآية. قال جمهور ~~الأمة: الإشارة ب { يومئذ } إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: { ~~إذا لقيتم } وحكم الآية باق إلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي ~~بينه الله سبحانه. # * ت *: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا، ~~فإن بلغ حرم الفرار، وإن زاد المشركون على الضعف « لن تغلب اثنا عشر ~~ألفا من قلة »، فإن أكثر أهل العلم خصصوا بهذا الحديث ~~عموم الآية. # وعن مالك مثله. انتهى. # وفهم * ع *: الحديث على التعجب، ذكره عند قوله: # ويوم حنين # [التوبة:25]، وما قاله ابن رشد هو الصواب. والله أعلم. # و { متحرفا لقتال } يراد به الذي يرى: أن فعله ذلك أنكى ~~للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب { متحيزا } ، وأما ~~الاستثناء، فهو من المولين الذين تضمنهم «من». # والفئة هنا الجماعة الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور. ### || [8.17-19] # وقوله سبحانه: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } هذه الآية ~~ترد على من يزعم أن أفعال العباد خلق لهم، ومذهب أهل السنة ~~أنها خلق للرب سبحانه كسب للعبد؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ~~يومئذ ثلاث قبضات من حصى وتراب، فرمى بها في وجوه القوم، ~~فانهزموا عند آخر رمية، ويروى أنه قال يوم بدر: « شاهت الوجوه » ~~وهذه الفعلة أيضا كانت يوم «حنين» بلا خلاف. # و { ليبلي المؤمنين } أي: ليصيبهم ببلاء حسن، وظاهر وصفه ~~بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والغزة. # { إن الله سميع } لاستغاثتكم، { عليم } بوجوه الحكمة في ~~جميع أفعاله لا إله إلا هو. # وقوله سبحانه: { ذلكم } إشارة إلى ما تقدم من قتل الله لهم، ~~ورميه إياهم، وموضع { ذلكم } من الإعراب رفع. # قال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم، و { موهن } معناه مضعف مبطل. # وقوله سبحانه: { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح... } ~~الآية:، قال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة لكفار «مكة»؛ روي أن ~~قريشا لما عزموا على الخروج إلى حماية العير، تعلقوا ms0600 بأستار ~~الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر ~~أحب الفئتين إليك، وأظهر خير الدينين عندك، اللهم ~~أقطعنا للرحم فأحنه الغداة، ونحو هذا فقال الله لهم: إن ~~تطلبوا الفتح فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لا لكم، وفي هذا ~~توبيخ لهم، وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خير لكم، وإن تعودوا ~~للاستفتاح نعد بمثل وقعة بدر، وباقي الآية بين. ### || [8.20-23] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله... } الآية:. قيل: إنها نزلت بسبب اختلافهم في النفل، ~~ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم، و { ~~تولوا } أصله: تتولوا. # وقوله: { أنتم تسمعون } يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ. # وقوله: { كالذين قالوا } يريد الكفار؛ إما من قريش لقولهم: # سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا # [الأنفال:31] وأما الكفار على الإطلاق. # وقوله سبحانه: { إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم } مقصد الآية بيان أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار ~~هي شر الناس عند الله سبحانه وأنها في أخس المنازل لديه، ~~وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وقوله: { الصم البكم } عبارة عما في ~~قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم. # وقوله: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } أي ~~سماع هدى، وتفهم، { ولو أسمعهم } أي: ولو فهمهم { ~~لتولوا } بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من ~~الهدى. ### || [8.24-26] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول... } الآية: { استجيبوا } بمعنى: أجيبوا وقوله: { ~~لما يحييكم } قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة، وما يتضمنه ~~القرآن، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل، والطاعة ~~تؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة. # وقوله سبحانه: { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } يحتمل وجوها: # منها: أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضهم على المبادرة ~~والاستعجال، وأعلمهم أنه يحول بين المرء وقلبه بالموت والقبض، أي: ~~فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل قوله: { وأنه إليه ~~تحشرون } ، أي: فبادروا الطاعات، وتزودوها ليوم الحشر. # ومنها: أن يقصد إعلامهم أن قدرة الله وعلمه وإحاطته حائلة بين ~~المرء وقلبه، فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة ms0601 والخوف لله ~~المطلع على الضمائر؛ حكي هذا التأويل عن قتادة ويحتمل أن يريد ~~تخويفهم؛ إن لم يمتثلوا الطاعات، ويستجيبوا لله وللرسول؛ أن ~~يحل بهم ما حل بالكفار الذين أرادهم بقوله: # ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال:23]؛ لأن حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا لم ينتفعوا يقتضي ~~أنه كان قد حال بينهم وبين قلوبهم. # ومنها: أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في ~~قلوبهم من كثرة العدو، فيجعله جراءة وقوة، وبضد ذلك للكفار، ~~أي: فإن الله تعالى هو مقلب القلوب؛ كما كان قسم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقيل غير هذا. # قال مكي، وقال الطبري: هذا خبر من الله عز وجل؛ أنه أملك ~~بقلوب العباد منهم لها، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا ~~يدرك الإنسان شيئا من إيمان ولا كفر، ولا يعي شيئا، ولا يفهم ~~شيئا إلا بإذنه ومشيته سبحانه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~كثيرا ما يقول في دعائه: # " « يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك » " # انتهى من «الهداية». # وروى مالك بن أنس والنسائي، # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبي بن كعب وهو ~~في الصلاة، فلم يجبه، وأسرع في بقية صلاته، ~~فلما فرغ جاء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ~~ألم يقل الله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~}؟ قال أبي: لا جرم، يا رسول الله، لا تدعوني ~~أبدا إلا أجبتك...» " # الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاري ومسلم»؛ أن ذلك وقع مع ~~أبي سعيد بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن ~~اليمان في غزوة الخندق. # وقوله: عز وجل: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خاصة } في الآية تأويلات، أسبقها إلى النفس، ~~أن الله سبحانه حذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص ~~الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا تأويل الزبير ~~بن العوام، والحسن البصري، وكذلك تأويل ابن عباس؛ فإنه قال: أمر ~~الله المؤمنين في هذه الآية ألا ms0602 يقروا المنكر بين أظهرهم، ~~فيعمهم العذاب و { خاصة }: نعت لمصدر محذوف، تقديره إصابة ~~خاصة، فهي نصب على الحال، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره: ~~«لتصيبن» - باللام - على جواب قسم، والمعنى على هذا: وعيد للظلمة ~~فقط. # وقوله سبحانه: { واذكروا إذ أنتم قليل... } الآية: هذه ~~الآية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين، و«إذ»: ظرف لمعمول، ~~«واذكروا»: تقديره: واذكروا حالكم الكائنة، أو الثابتة إذ ~~أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون «إذ» ظرفا للذكر. # وإنما يعمل الذكر في «إذ» لو قدرناها مفعولة، واختلف في الحال ~~المشار إليها بهذه الآية. # فقالت فرقة؛ وهي الأكثر: هي حال المؤمنين بمكة في وقت بداءة ~~الإسلام، والناس الذين يخاف تخطفهم كفار مكة، والمأوى: ~~المدينة، والتأييد بالنصر: وقعة بدر وما انجر معها في ~~وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة: ~~الحال المشار إليها هي حالهم في غزوة بدر، والناس الذين يخاف ~~تخطفهم، على هذا: عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: ~~هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو، والطيبات: الغنيمة. ### || [8.27-29] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول } هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع ~~أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها، والخيانة: التنقص للشيء ~~باختفاء، وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من ~~حفظ أمر ما، مالا كان أو سرا أو غير ذلك، والخيانة لله عز ~~وجل: هي في تنقص أو أمره في سر. # وقوله: { وتخونوا أمنتكم }. # قال الطبري: يحتمل أن يكون داخلا في النهي؛ كأنه قال: لا تخونوا ~~الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم، ويحتمل أن يكون المعنى: لا ~~تخونوا الله والرسول؛ فذلك خيانة لأماناتكم. # وقوله: { فتنة } ، يريد: محنة واختبارا وامتحانا؛ ليرى كيف ~~العمل في جميع ذلك. # وقوله: { وأن الله عنده أجر عظيم } ، يريد: فوز الآخرة، ~~فلا تدعوا حظكم منه؛ للحيطة على أموالكم وأبنائكم؛ فإن المذخور ~~للآخرة أعظم أجرا. # قوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا إن تتقوا ms0603 ~~الله... } الآية: وعد للمؤمنين بشرط التقوى والطاعة لله ~~سبحانه، و { يجعل لكم فرقانا }: معناه: فرقا بين حقكم، ~~وباطل من ينازعكم؛ بالنصر والتأييد، وعبر قتادة، وبعض المفسرين ~~عن «الفرقان» ههنا بالنجاة، وقال مجاهد والسدي: معناه: ~~مخرجا، ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه، وقد يوجد للعرب استعمال ~~«الفرقان»، كما ذكر المفسرون؛ وعلى ذلك شواهد؛ منها قول الشاعر: ~~[الطويل] # وكيف أرجي الخلد والموت طالبي # ومالي من كأس المنية فرقان # * ت *: قال ابن رشد: وأحسن ما قيل في هذا المعنى قوله تعالى: { ~~يجعل لكم فرقانا }؛ أي: فضلا بين الحق والباطل؛ حتى يعرفوا ~~ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه. انتهى من «البيان». ### || [8.30-31] # وقوله سبحانه: { وإذ يمكر بك الذين كفروا... } الآية: ~~تذكير بحال مكة وضيقها مع الكفرة، وجميل صنع الله تعالى في جميع ~~ذلك، والمكر: المخاتلة والتداهي؛ تقول: فلان يمكر بفلان؛ إذا ~~كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر الله تعالى في هذه الآية هو بإجماع ~~من المفسرين: إشارة إلى اجتماع قريش في «دار الندوة» ~~بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في ~~«سيره» الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب، ففي ~~القصة: # " أن أبا جهل قال: الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قويا ~~جلديا، فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفا، ويأتون محمدا في ~~مضجعه، فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا تقدر بنو هاشم على ~~قتال قريش بأسرها، فيأخذون العقل، ونستريح منه، فقال ~~النجدي: صدق الفتى؛ هذا الرأي: لا رأي غيره، فافترقوا على ~~ذلك، فأخبر الله تعالى بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في ~~الخروج إلى المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~ليلته، وقال لعلي بن أبي طالب: « التف في بردي ~~الحضرمي، واضطجع في مضجعي؛ فإنه لا يضرك ~~شيء، ففعل»، فجاء فتيان قريش، فجعلوا يرصدون الشخص، ~~وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رأوا عليا، فقالوا له: ~~أين صاحبك؟ فقال: لا أدري، ms0604 " # وفي «السير»؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم، ~~وهم في طريقه، فطمس الله أعينهم عنه، وجعل على رأس كل واحد ~~منهم ترابا، ومضى لوجهه، فجاءهم رجل، فقال: ما تنتظرون؟ ~~قالوا: محمدا، قال: إني رأيته الآن جائيا من ناحيتكم، وهو ~~لا محالة، وضع التراب على رؤوسكم، فمد كل واحد يده إلى ~~رأسه، فإذا عليه التراب، وجاؤوا إلى مضجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فوجدوا عليا، فركبوا وراءه حينئذ كل صعب ~~وذلول، وهو بالغار، ومعنى: { ليثبتوك }: ليسجنوك؛ قاله ~~عطاء وغيره وقال ابن عباس وغيره: ليوثقوك. # وقوله سبحانه: { وإذا تتلى عليهم آيتنا } ، يعني: ~~القرآن، { قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا } ، وقولهم: { إن هذا إلا أسطير الأولين } ، ~~أي: قصصهم المكتوبة المسطورة، وأساطير: جمع «أسطورة»، ~~ويحتمل حمع: «أسطار»، وتواترت الروايات عن ابن جريج وغيره: أن ~~قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث؛ وذلك أنه كان كثير ~~السفر إلى فارس والحيرة، فكان قد سمع من قصص الرهبان وأخبار ~~رستم وإسفنديار، فلما سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء ~~والأمم، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، # " وكان النضر من مردة قريش النائلين من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ونزلت فيه آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، وأمكن ~~الله منه يوم بدر، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صبرا بالصفراء منصرفه من بدر في موضع يقال له ~~«الأثيل»، وكان أسره المقداد، فلما أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بضرب عنقه، قال المقداد: أسيري، يا رسول الله! ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم« إنه كان يقول في ~~كتاب الله ما قد علمتم»، ثم أعاد الأمر ~~بقتله، فأعاد المقداد مقالته، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: « اللهم، أغن المقداد من فضلك »، ~~فقال المقداد: هذا الذي أردت، فضربت عنق ~~النضر ". ### || [8.32-34] # وقوله عز وجل: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك... } الآية: روي عن مجاهد وغيره: أن قائل هذه ~~المقالة هو النضر بن الحارث المذكور، وفيه نزلت هذه ms0605 الآية. # قال * ع *: وترتب أن يقول النضر مقالة، وينسبها القرآن إلى ~~جميعهم؛ لأن النضر كان فيهم موسوما بالنبل والفهم، مسكونا إلى ~~قوله، فكان إذا قال قولا قاله منهم كثير، واتبعوه عليه؛ حسب ما ~~يفعله الناس أبدا بعلمائهم وفقهائهم. # * ت *: وخرج البخاري بسنده، عن أنس بن مالك، قال: قال أبو ~~جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } ، إلى: { عن المسجد ~~الحرام } ا ه، والمشار إليه ب { هذا } هو القرآن وشرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد، ~~فعميت بصائرهم عن الهدى، وصمموا على أن هذا ليس بحق، نعوذ ~~بالله من جهد البلاء، وسوء القضاء، وحكى ابن فورك: أن هذه ~~المقالة خرجت منهم مخرج العناد، وهذا بعيد في التأويل، ولا يقول ~~هذا على جهة العناد عاقل، وقراءة الناس إنما هي بنصب «الحق»؛ على ~~أنه خبر «كان»، ويكون «هو» فضلا، فهو حينئذ اسم، و«أمطر» ~~إنما تستعمل غالبا في المكروه، و«مطر» في الرحمة؛ قاله أبو ~~عبيدة. # وقوله سبحانه: { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم... } الآية: قالت فرقة: نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقالت ~~فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر؛ حكاية عما مضى. # وقال ابن أبزى: نزل قوله: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } بمكة إثر قولهم: { أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ، ونزل قوله: { وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون } ، عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكة في طريقه إلى المدينة، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل ~~قوله: { وما لهم ألا يعذبهم الله... } إلى آخر الآية، ~~بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم. # * ت *: وهذا التأويل بين، وعليه اعتمد عياض في «الشفا» قال: ~~وفي الآية تأويل آخر، ثم ذكر حديث الترمذي، عن أبي موسى ~~الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنزل الله تعالى علي أمانين لأمتي: { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } ، فإذا مضيت، ms0606 تركت ~~فيهم الاستغفار " # انتهى. # قال * ع *: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله: { وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم } أن الله عز وجل لم ~~يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، أي: فما كان الله ليعذب ~~هذه الأمة، وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم. # وقوله عز وجل: { وما لهم ألا يعذبهم الله } توعد ~~بعذاب الدنيا، والضمير في قوله: { أولياؤه }: عائد على الله ~~سبحانه، أو على المسجد الحرام، كل ذلك جيد، وروي الأخير عن ~~الحسن. # وقال الطبري: عن الحسن بن أبي الحسن أن قوله سبحانه: { وما ~~لهم ألا يعذبهم الله } ناسخ لقوله: { وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون }. # قال * ع *: وفيه نظر؛ لأنه خبر لا يدخله نسخ. ### || [8.35-36] # وقوله سبحانه: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكاء وتصدية } المكاء: الصفير؛ قاله ابن عباس والجمهور، ~~والتصدية: عبر عنها أكثر الناس؛ بأنها التصفيق، وذهب أكثر ~~المفسرين إلى أن المكاء والتصدية إنما أحدثهما الكفار عند ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لتقطع عليه وعلى المؤمنين ~~قراءتهم وصلاتهم، وتخلط عليهم، فلما نفى الله تعالى ولايتهم ~~للبيت، أمكن أن يعترض منهم معترض بأن يقول: وكيف لا نكون ~~أولياءه، ونحن نسكنه، ونصلي عنده؛ فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأن ~~قال: وما كان صلاتهم عند البيت إلا المكاء والتصدية. # قال * ع *: والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان؛ أن المكاء ~~والتصدية كانا من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به ~~والتشرع؛ وعلى هذا يستقيم تغييرهم وتنقصهم بأن شرعهم وصلاتهم لم ~~تكن رهبة ولا رغبة، وإنما كانت مكاء وتصدية من نوع اللعب، ~~ولكنهم كانوا يتزيدون فيهما وقت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصلاة. # وقوله سبحانه: { فذوقوا العذاب... } الآية: إشارة إلى عذابهم ~~ببدر بالسيف؛ قاله الحسن وغيره؛ فيلزم أن هذه الآية الآخرة نزلت ~~بعد بدر، ولا بد. # قال * ع *: والأشبه أن الكل نزل بعد بدر؛ حكاية عما مضى. # وقوله سبحانه: { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ~~ليصدوا عن سبيل الله... } الآية: لما قتل من ms0607 قتل ~~ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لمن خلص ماله في العير: ~~إن محمدا قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي ~~كانت سبب الوقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأرا، يريدون نفقته في ~~غزوة أحد. # وقوله سبحانه: { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون } ، الحسرة: التلهف على فائت، وهذا من أخبار ~~القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، ~~وأنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر: الجمع. ### || [8.37-40] # وقوله سبحانه: { ليميز الله الخبيث من الطيب } ، وقرأ ~~حمزة والكسائي: «ليميز الله» - بضم الياء، وفتح الميم، ~~وشد الياء -، قال ابن عباس وغيره: المعني ب { الخبيث }: ~~الكفار، وب { الطيب } المؤمنون، وقال ابن سلام ~~والزجاج: { الخبيث }: ما أنفقه المشركون في الصد عن سبيل ~~الله، و { الطيب }: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله. # قال * ع *: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله ~~سبحانه يخرج يوم القيامة من الأموال ما كان صدقة ~~أو قربة، ثم يأمر بسائر ذلك، فيلقى في ~~النار: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: { ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض فيركمه جميعا } إنما هي عبارة عن ~~جمع ذلك، وضمه، وتأليف أشتاته، وتكاثفه بالاجتماع، ويركمه؛ ~~في كلام العرب: يكثفه؛ ومنه # سحاب مركوم # [الطور:44] وعبارة البخاري: فيركمه: فيجمعه. انتهى. # وقوله سبحانه: { إن ينتهوا } ، يعني: عن الكفر، { يغفر لهم ~~ما قد سلف }؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، و { إن يعودوا } ~~، يريد به: إلى القتال، ولا يصح أن يتأول: وإن يعودوا إلى ~~الكفر؛ لأنهم لم ينفصلوا عنه. # وقوله: { فقد مضت سنت الأولين }: عبارة تجمع الوعيد ~~والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب ~~الله؛ حين صد في وجه نبيه بمن هلك في يوم بدر بسيف ~~الإسلام. # وقوله سبحانه: { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال ~~ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما: الفتنة: الشرك. # قال * ع *: وهذا هو الظاهر، ويفسر هذه الآية قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله ~~إلا الله " # الحديث. # وقال ابن إسحاق: معناها: حتى ms0608 لا يفتن أحد عن دينه؛ كما كانت قريش ~~تفعل بمكة بمن أسلم. # وقوله: { ويكون الدين كله لله } ، أي: لا يشرك معه ~~صنم، ولا وثن، ولا يعبد غيره سبحانه، ثم قال تعالى: { ~~فإن انتهوا } ، عن الكفر، { فإن الله بما يعملون ~~بصير } بعملهم، مجاز عليه، عنده ثوابه، وجميل المقارضة عليه. # وقوله سبحانه: { وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير }: معادل لقوله: { ~~فإن انتهوا } ، المعنى: وإن تولوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن ~~الله تعالى ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، و ~~{ المولى }؛ هاهنا الموالى والمعين، والمولى في اللغة على ~~معان، هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى: الذي هو ~~السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين. ### || [8.41-44] # وقوله عز وجل: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه... } الآية: الغنيمة؛ في اللغة: ما يناله الرجل ~~بسعي؛ ومنه صلى الله عليه وسلم: # " الصيام في الشتاء هي الغنيمة الباردة " # ، وقوله: { من شيء }: ظاهرة العموم، ومعناه الخصوص، فأما ~~الناض والمتاع والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ~~ويصح تملكه، فالإمام يأخذ خمسه، ويقسم الباقي في الجيش، ~~وأما الأرض، فقال فيها مالك: يقسمها الإمام؛ إن رأى ذلك صوابا؛ ~~كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، أو لا يقسمها، بل ~~يتركها لنوائب المسلمين؛ إن أداه اجتهاده إلى ذلك؛ كما فعل عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بأرض مصر وبسواد الكوفة، وأما ~~الرجال، ومن شارف البلوغ من الصبيان، فالإمام؛ عند مالك وجمهور ~~العلماء، مخير فيهم على خمسة أوجه: # منها: القتل، وهو مستحسن في أهل الشجاعة والنكاية. # ومنها: الفداء، وهو مستحسن في ذي المنصب الذي ليس بشجاع ولا ~~يخاف منه رأي ومكيدة؛ لانتفاع المسلمين بالمال الذي يؤخذ منه. # ومنها: المن، وهو مستحسن فيمن يرجى أن يحنو على أسرى ~~المسلمين، ونحو ذلك من القرائن. # ومنها: الاسترقاق. # ومنها: ضرب الجزية، والترك، في الذمة. # وأما الطعام، والغنم، ونحوها مما يؤكل، فهو مباح في بلد العدو ~~أكله، وما فضل منه كان في المغنم. # ومحل استيعاب فروع هذا الفصل كتب ms0609 الفقه. # وقوله سبحانه: { وما أنزلنا على عبدنا } ، أي: من النصر ~~والظهور الذي أنزله الله سبحانه يوم بدر، ويحتمل أن تكون الإشارة ~~إلى قرآن نزل يوم بدر، أو في قصة يوم بدر، ويوم الفرقان: ~~معناه: يوم الفرق بين الحق والباطل؛ بإعزاز الإسلام وإذلال ~~الشرك، والجمعان: يريد: جمع المسلمين وجمع الكفار، وهو يوم ~~بدر، ولا خلاف في ذلك. # وقوله سبحانه: { والله على كل شيء قدير } ، يعضد ~~أن قوله: { وما أنزلنا على عبدنا } ، يراد به النصر ~~والظفر، أي: الآيات والعظائم من غلبة القليل للكثير، وذلك بقدرة ~~الله عز وجل الذي هو على كل شيء قدير. # وقوله سبحانه: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم } ، العدوة: ~~شفير الوادي، وحرفه الذي يتعذر المشي فيه بمنزلة رجا ~~البئر؛ لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه؛ أن يتجاوز الوادي، ~~أي: منعته؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] # عدتني عن زيارتك العوادي # وحالت دونها حرب زبون # وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { بالعدوة } - بكسر العين -، ~~وقوله: { الدنيا } ، و { القصوى } ، إنما هو بالإضافة إلى ~~المدينة، وبين المدينة ووادي بدر موضع الوقعة مرحلتان، ~~والدنيا: من الدنو، والقصوى: من القصو، وهو البعد، { ~~والركب } ، بإجماع من المفسرين: عير أبي سفيان، وقوله: { ~~أسفل } ، في موضع خفض، تقديره: في مكان أسفل كذا. # قال سيبويه: وكان الركب، ومدبر أمره أبو سفيان بن ~~حرب، قد نكب عن بدر حين نذر بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأخذ سيف البحر، فهو أسفل؛ بالإضافة إلى أعلى الوادي. # وقوله سبحانه: { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعد ~~} ، المقصد من الآية: تبيين نعمة الله سبحانه في شأن قصة ~~بدر، وتيسيره سبحانه ما يسر من ذلك، والمعنى: لو تواعدتم، ~~لاختلفتم في الميعاد بسبب العوارض التي تعرض للناس، إلا مع ~~تيسير الله الذي تمم ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سناه ~~الله تعالى دون تعب كثير: لو بنينا على هذا، وسعينا ~~فيه، لم يتم هكذا، { ولكن ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا } ، أي: لينفذ ويظهر أمرا قد قدره في الأزل ~~مفعولا لكم؛ بشرط وجودكم ms0610 في وقت وجودكم، وهذا كله معلوم عنده ~~عز وجل لم يتجدد له به علم، وقوله عز وجل: { ليهلك ~~من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } ، قال ~~الطبري: المعنى: ليقتل من قتل من كفار قريش وغيرهم؛ ببيان ~~من الله وإعذار بالرسالة، ويحيا أيضا ويعيش من عاش؛ عن ~~بيان منه أيضا وإعذار؛ لا حجة لأحد عليه سبحانه. # * ت *: قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» في قوله ~~عز وجل: { ليهلك من هلك عن بينة... } الآية: ~~البينة: ما بان به الحق. انتهى. # وقال ابن إسحاق وغيره: معنى «ليهلك»، أي: ليكفر، ~~و«يحيا» أي: ليؤمن؛ فالحياة والهلاك على هذا التأويل: مستعارتان. # وقوله سبحانه: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا... } ~~الآية: وتظاهرت الروايات؛ أن هذه الآية نزلت في رؤيا رآها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى فيها عدد الكفار قليلا، فأخبر ~~بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم، وحرصوا على اللقاء؛ قاله مجاهد ~~وغيره، والظاهر أنه رآهم صلى الله عليه وسلم في نومه قليلا قدرهم ~~وبأسهم، ويحتمل أنه رآهم قليلا عددهم، فكان تأويل رؤياه ~~انهزامهم، والفشل: الخور عن الأمر، و { لتنازعتم } ، ~~أي: لتخالفتم في الأمر، يريد: في اللقاء والحرب. و { سلم }: ~~لفظ يعم كل متخوف. # وقوله سبحانه: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم... } الآية:، ~~وهذه الرؤية هي في اليقظة بإجماع، وهي الرؤية التي كانت حين ~~التقوا، ووقعت العين على العين، والمعنى: أن الله تعالى؛ ~~لما أراده من إنفاذ قضاءه في نصرة الإسلام وإظهار دينه، ~~قلل كل طائفة في عيون الأخرى، فوقع الخلل في التخمين ~~والحزر الذي يستعمله الناس في هذا؛ لتجسر كل طائفة على ~~الأخرى، وتتسبب أسباب الحرب، والأمر المفعول المذكور في الآيتين ~~هو القصة بأجمعها. # وقوله: { وإلى الله ترجع الأمور }: تنبيه على أن ~~الحول بأجمعه لله، وأن كل أمر، فله وإليه. ### || [8.45-47] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا... ~~} الآية: هذا أمر من الله سبحانه بما فيه داعية النصر، وسبب ~~العز، وهي ms0611 وصية منه سبحانه بحسب التقييد الذي في آية الضعف، ~~والفئة الجماعة، أصلها: «فئوة»، وهي من: «فأوت»، أي: جمعت، ~~ثم أمر سبحانه بإكثار ذكره هناك؛ إذ هو عصمة المستنجد، ووزر ~~المستعين. # قال قتادة: افترض الله ذكره عند اشغل ما يكون؛ عند الضراب ~~والسيوف. # قال * ع *: وهذا ذكر خفي؛ لأن رفع الصوت في موطن القتال ~~رديء مكروه؛ إذا كان ألغاطا، فأما إن كان من الجميع عند الحملة، ~~فحسن فات في عضد العدو؛ قال قيس بن عباد: كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند ثلاث؛ عند قراءة ~~القرآن، وعند الجنازة، وعند القتال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اطلبوا إجابة الدعاء عند القتال، وإقامة ~~الصلاة، ونزول الغيث " # وكان ابن عباس يكره التلثم عند القتال. # قال النووي: وسئل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، عن ~~القدر الذي يصير به المرء من الذاكرين الله كثيرا، فقال: إذا ~~واظب على الأذكار المأثورة المثبتة؛ صباحا ومساء، وفي ~~الأوقات والأحوال المختلفة؛ ليلا ونهارا - وهي مبينة في كتب «عمل ~~اليوم والليلة» - كان من الذاكرين الله كثيرا؛ والله سبحانه أعلم. ~~انتهى من «الحلية». # * ت *: وأحسن من هذا جوابه صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " سبق المفردون قالوا: «وما المفردون، يا رسول ~~الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» " # ، رواه مسلم، والترمذي، وعنده: «قالوا: يا رسول الله، وما ~~المفردون؟ قال: المستهترون في ذكر الله؛ يضع ~~عنهم الذكر أثقالهم، فيأتون يوم القيامة ~~خفافا » قال صاحب «سلاح المؤمنين»: المستهترون في ذكر الله، ~~- هو بفتح التاءين المثناتين يعني: الذي أولعوا به؛ ~~يقال: استهتر فلان بكذا، أي: أولع به، والله أعلم. انتهى. # فقد بين صلى الله عليه وسلم هنا صفة الذاكرين الله كثيرا، وقد ~~نقلنا في غير هذا المحل بيان صفة الذاكرين الله كثيرا، بنحو هذا ~~من طريق ابن المبارك، وإذا كان العبد مستهترا بذكر مولاه، ~~أنس به، وأحبه، وأحب لقاءه؛ فلم يبال بلقاء العدو، وإن هي ~~إلا إحدى الحسنيين: إما النصر؛ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو ~~الشهادة؛ وذلك مناه، ومطلبه. انتهى. # و ms0612 { تفلحون }: تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم، والجمهور على أن ~~الريح هنا مستعارة. # قال مجاهد: الريح: النصر والقوة، وذهب ريح أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد، وقوله سبحانه: { ~~واصبروا... } إلى آخر الآية: تتميم في الوصية وعدة مؤنسة، ~~وقوله سبحانه: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ~~ديرهم... } الآية: الإشارة إلى كفار قريش، والبطر: الأشر ~~وغمط النعمة، وروي أن أبا سفيان، لما أحرز عيره، بعث إلى ~~قريش، وقال: إن الله قد سلم عيركم، فارجعوا، فأتى رأي ~~الجماعة على ذلك، وخالف أبو جهل، وقال: والله، لا نفعل ~~حتى نأتي بدرا - وكانت بدر سوقا من أسواق العرب لها ~~يوم موسم فننحر عليها الإبل، ونشرب الخمر، وتعزف علينا ~~القيان، وتسمع بنا العرب، ويهابنا الناس، فهذا معنى قوله ~~تعالى: { ورئاء الناس }. ### || [8.48] # وقوله سبحانه: { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم ~~وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } ، الضمير في { ~~لهم } عائد على الكفار، و { الشيطن }: إبليس نفسه، والذي ~~عليه الجمهور، وتظاهرت به الروايات أن إبليس جاء كفار قريش، ~~ففي «السير» لابن هشام: أنه جاءهم بمكة، وفي غيرها: أنه جاءهم، ~~وهم في طريقهم إلى بدر، وقد لحقهم خوف من بني بكر وكنانة؛ ~~لحروب كانت بينهم، فجاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن ~~جعشم، وهو سيد من ساداتهم، فقال لهم: { إني جار لكم } ، ~~ولن تخافوا من قومي، وهم لكم أعوان على مقصدكم، ولن يغلبكم ~~أحد، فروي أنه لما التقى الجمعان، كانت يده في يد الحارث بن ~~هشام، فلما رأى الملائكة، نكص، فقال له الحارث: أتفر يا ~~سراقة؟! فلم يلو عليه، ويروى أنه قال له ما تضمنته ~~الآية، وروي أن عمير بن وهب، أو الحارث بن هشام قال له: ~~أين يا سراق؟ فلم يلو مثل عدو الله، فذهب، ووقعت ~~الهزيمة، فتحدثوا أن سراقة فر بالناس، فبلغ ذلك سراقة ~~بن مالك، فأتى مكة، فقال لهم: والله، ما علمت بشيء من أمركم ~~حتى بلغتني هزيمتكم، ولا رأيتكم، ولا كنت معكم. # * ت *: قال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم كانوا يرونه في ms0613 كل منزل في ~~صورة سراقة لا ينكرونه حتى إذا كان يوم بدر، والتقى ~~الجمعان، نكص عدو الله على عقبيه، فأوردهم ثم أسلمهم. ~~انتهى من «السيرة» لابن هشام. # وقوله: { إني جار لكم } أي: أنتم في ذمتي وحمائي، و«تراءت»: ~~تفاعلت من الرؤية، أي: رأى هؤلاء هؤلاء. # قوله: { نكص على عقبيه } ، أي: رجع من حيث جاء، وأصل ~~النكوص؛ في اللغة: الرجوع القهقرى. # وقوله: { إني أرى ما لا ترون } ، يريد: الملائكة، وهو ~~الخبيث، إنما شرط أن لا غالب لهم من الناس، فلما رأى الملائكة، ~~وخرق العادة، خاف وفر. # وقوله: { إني أخاف الله } ، قال الزجاج وغيره: خاف مما ~~رأى من الأمر، وهوله؛ أنه يومه الذي أنظر إليه؛ ويقوي ~~هذا أنه رأى خرق العادة، ونزول الملائكة للحرب. ### || [8.49-51] # وقوله سبحانه: { إذ يقول المنفقون والذين في ~~قلوبهم مرض... } الآية: قال المفسرون: إن هؤلاء الموصوفين ~~بالنفاق، إنما هم من أهل عسكر الكفار ممن كان الإسلام ~~داخل قلوبهم، خرجوا مع المشركين إلى بدر، منهم مكره وغير ~~مكره، فلما أشرفوا على المسلمين، ورأوا قلتهم، ارتابوا، ~~وقالوا مشيرين إلى المسلمين: غر هؤلاء دينهم. # قال * ع *: ولم يذكر أحد ممن شهد بدرا بنفاق إلا ما ظهر ~~بعد ذلك من معتب ابن قشير؛ فإنه القائل يوم أحد: # لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا # [آل عمران:154] وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة، لما وصلهم خروج ~~قريش في قوة عظيمة، قالوا هذه المقالة، ثم أخبر الله سبحانه بأن ~~من توكل عليه، وفوض أمره إليه، فإن عزته سبحانه وحكمته كفيلة ~~بنصره، وقوله سبحانه: { ولو ترى إذ يتوفى الذين ~~كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبرهم... ~~} الآية هذه الآية تتضمن التعجيب مما حل بالكفار يوم بدر؛ ~~قاله مجاهد وغيره، وفي ذلك وعيد لمن بقي منهم، وقوله: و { ~~أدبرهم } ، قال جل المفسرين: يريد أستاههم، ولكن ~~الله كريم كنى، وقال ابن عباس، والحسن: أراد ظهورهم وما ~~أدبر منهم وباقي الآية بين. ### || [8.52-54] # وقوله سبحانه: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كفروا بآيت الله فأخذهم الله بذنوبهم... } ~~الآية: الدأب: ms0614 العادة في كلام العرب، وهو مأخوذ من دأب على ~~العمل، إذا لازمه. # وقوله سبحانه: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم... } الآية: معنى هذه الآية إخبار من الله سبحانه، ~~إذا أنعم على قوم نعمة، فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها ~~وتنكيدها، حتى يجيء ذلك منهم؛ بأن يغيروا حالهم التي تراد، ~~أو تحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك، غير الله نعمته عندهم ~~بنقمته منهم، ومثال هذه نعمة الله على قريش بنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا به، فغير الله تلك النعمة، بأن ~~نقلها إلى غيرهم من الأنصار، وأحل بهم عقوبته. # وقوله تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآيت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم } ، هذا ~~التكرير هو لمعنى ليس للأول؛ إذ الأول دأب في أن هلكوا لما ~~كفروا، وهذا الثاني دأب في أنه لم يغير نعمتهم؛ حتى ~~غيروا ما بأنفسهم، والإشارة بقوله: { والذين من قبلهم } ~~، إلى قوم شعيب وصالح وهود ونوح وغيرهم. ### || [8.55-59] # وقوله سبحانه: { إن شر الدواب عند الله الذين ~~كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عهدت منهم ثم ~~ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } ، أجمع ~~المتأولون؛ أن الآية نزلت في بني قريظة، وهي بعد تعم ~~كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة، وقوله: { في كل مرة ~~}: يقتضي أن الغدر قد تكرر منهم. # وحديث قريظة هو أنهم عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم؛ على ~~ألا يحاربوه، ولا يعينوا عليه عدوا من غيرهم، فلما اجتمعت ~~الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، غلب على ظن بني ~~قريظة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم مغلوب ومستأصل، وخدع ~~حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب ~~عقد بني قريظة، وعهدهم، فغدروا ووالوا قريشا، وأمدوهم بالسلاح ~~والأدراع، فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أمره الله تعالى بالخروج إليهم وحربهم، فاستنزلوا، وضربت ~~أعناقهم بحكم سعد، واستيعاب قصتهم في «السير» وإنما اقتضبت ~~منها ما يخص تفسير الآية. # وقوله سبحانه: { فإما تثقفنهم في ms0615 الحرب... } معنى { ~~تثقفنهم } تأسرهم، وتحصلهم في ثقافك، أو تلقاهم بحال ~~تقدر عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: { فشرد } أي: طرد، وأبعد، ~~وخوف. والشريد: المبعد عن وطن ونحوه، ومعنى الآية: فإن ~~أسرت هؤلاء الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكون ~~تشريدا لمن يأتي خلفهم في مثل طريقتهم، وعبارة البخاري: ~~«فشرد» فرق. انتهى. # والضمير في { لعلهم } عائد على الفرقة المشردة، وقال ابن عباس: ~~المعنى: نكل بهم من خلفهم. # وقالت فرقة: معناه: سمع بهم، والمعنى متقارب، ومعنى: { ~~خلفهم } أي: بعدهم، و { يذكرون } ، أي: يتعظون. # وقوله سبحانه: { وإما تخافن من قوم خيانة... } الآية: ~~قال أكثر المفسرين: إن الآية في بني قريظة، والذي يظهر من ألفاظ ~~الآية أن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله: { فشرد بهم ~~من خلفهم } ، ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بما ~~يصنعه في المستقبل، مع من يخاف منه خيانة إلى آخر الدهر، ~~وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته، وقوله: { ~~فانبذ إليهم } ، أي: ألق إليهم عهدهم، وقوله: { على ~~سواء } ، قيل: معناه: حتى يكون الأمر في بيانه والعلم به، ~~على سواء منك ومنهم؛ فتكونون في استشعار الحرب سواء، وذكر ~~الفراء؛ أن المعنى: فانبذ إليهم على اعتدال وسواء من الأمر، أي: ~~بين لهم على قدر ما ظهر منهم، لا تفرط، ولا تفجأ بحرب، ~~بل افعل بهم مثل ما فعلوا بك، يعني: موازنة ومقايسة، وقرأ نافع ~~وغيره: «ولا تحسبن» - بالتاء - مخاطبة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، و { سبقوا }: معناه: فاتوا بأنفسهم وأنجوها، { إنهم ~~لا يعجزون } أي: لا يفلتون، ولا يعجزون طالبهم، وروي ~~أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في بدر وغيره فالمعنى: لا ~~تظنهم ناجين، بل هم مدركون، وقرأ حمزة وغيره: «ولا يحسبن» ~~- بالياء من تحت، وبفتح السين. ### || [8.60] # وقوله سبحانه: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ~~المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيح مسلم»: « ألا ~~إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن ~~القوة الرمي » ولما كانت الخيل هي أصل الحرب، وأوزارها، ~~والتي عقد الخير ms0616 في نواصيها، خصها الله تعالى بالذكر، تشريفا ~~لها، ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحرب وأنكاه في العدو ~~وأقربه تناولا للأرواح، خصها صلى الله عليه وسلم بالذكر ~~والتنبيه عليها. # * ت *: وفي «صحيح مسلم»، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من تعلم الرمي، وتركه، فليس منا، أو قد ~~عصى " # ، وفي «سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي»، عن عقبة بن عامر، ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة أنفس ~~الجنة؛ صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي ~~به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب ~~إلي من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل، ~~باطل إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، ~~وملاعبته امرأته " # انتهى. # ورباط الخيل: مصدر من ربط، ولا يكثر ربطها إلا وهي ~~كثيرة، ويجوز أن يكون مصدرا من رابط، وإذا ربط كل واحد من ~~المؤمنين فرسا لأجل صاحبه، فقد حصل بينهم رباط، وذلك الذي حض عليه ~~في الآية، وقد قال عليه السلام: # " من ارتبط فرسا في سبيل الله، فهو كالباسط ~~يده بالصدقة لا يقبضها " # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. # * ت *: وقد ذكرنا بعض ما ورد في فضل الرباط في آخر «آل عمران»؛ ~~قال صاحب «التذكرة»: وعن عثمان بن عفان، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من رابط ليلة في سبيل الله، كانت له كألف ~~ليلة؛ صيامها وقيامها " # ، وعن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة ~~المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان - أعظم ~~أجرا من عبادة مائة سنة؛ صيامها وقيامها، ~~ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة ~~المسلمين من شهر رمضان - أفضل عند الله وأعظم ~~أجرا - أراه قال: من عبادة ألفي سنة؛ صيامها ~~وقيامها - فإن رده الله إلى أهله سالما، لم ~~تكتب عليه سيئة ألف سنة، ويكتب له من ~~الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة ~~" # ، قال القرطبي في «تذكرته»: فدل هذا الحديث على أن رباط يوم في ms0617 ~~رمضان يحصل له هذا الثواب الدائم، وإن لم يمت مرابطا. خرج ~~هذا الحديث، والذي قبله ابن ماجه. انتهى من «التذكرة». # و { ترهبون }: معناه: تخوفون وتفزعون، والرهبة: الخوف: ~~وقوله: { وآخرين من دونهم } ، فيه أقوال: قيل: هم المنافقون، ~~وقيل: فارس، وقيل: غير هذا. # قال * ع *: ويحسن أن يقدر قوله: { لا تعلمونهم } ، بمعنى: ~~لا تعلمونهم فازعين راهبين. # وقال * ص *: لا تعلمونهم بمعنى: لا تعرفونهم، فيتعدى لواحد، ~~ومن عداه إلى اثنين، قدره: محاربين، واستبعد؛ لعدم تقدم ~~ذكره، فهو ممنوع عند بعضهم، وعزيز جدا عند بعضهم انتهى. ### || [8.61-63] # وقوله سبحانه: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } جنح ~~الرجل إلى الأمر؛ إذا مال إليه، وعاد الضمير في «لها» ~~مؤنثا؛ إذ «السلم» بمعنى المسالمة والهدنة، وذهب جماعة من ~~المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة، والضمير في «جنحوا» هو للذين ~~نبذ إليهم على سواء. # وقوله سبحانه: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك ~~الله... } الآية: الضمير في قوله: «وإن يريدوا» عائد على الكفار ~~الذين قال فيهم: { وإن جنحوا } ، أي: { وإن يريدوا أن ~~يخدعوك } ، بأن يظهروا السلم، ويبطنوا الغدر والخيانة، ~~{ فإن حسبك الله } ، أي: كافيك ومعطيك نصره، و { أيدك ~~}: معناه: قواك { وبالمؤمنين } ، يريد الأنصار، بذلك ~~تظاهرت أقوال المفسرين. # وقوله: { وألف بين قلوبهم... } الآية: إشارة إلى العدواة ~~التي كانت بين الأوس والخزرج. # قال * ع *: ولو ذهب ذاهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين ~~والأنصار، وجعل التأليف ما كان بين جميعهم من التحاب، لساغ ذلك، ~~وقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله. # وقال مجاهد: إذا تراءى المتحابان في الله، وتصافحا، ~~تحاتت خطاياهما، فقال له عبدة بن أبي لبابة: إن هذا ~~ليسير، فقال له: لا تقل ذلك، فإن الله تعالى يقول: { لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~} ، قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. # قال * ع *: وهذا كله تمثيل حسن بالآية، لا أن الآية نزلت في ~~ذلك، وقد روى سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المؤمن مألفة لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ms0618 ". # قال * ع *: والتشابه سبب الألفة، فمن كان من أهل الخير، ~~ألف أشباهه وألفوه. # * ت *: وفي «صحيح البخاري»: # " الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، ~~وما تناكر منها اختلف " # انتهى، وروى مالك في «الموطإ»، عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: أين ~~المتحابون لجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ~~ظل إلا ظلي ". # قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: وروينا عن ابن مسعود، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " يا عبد الله بن مسعود، أتدري، أي عرى ~~الإيمان أوثق؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ~~الولاية في الله: الحب والبغض فيه " # ، ورواه البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، وعن ~~عبد الله في قوله تعالى: { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ~~ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم } ، قال: نزلت في المتحابين في الله قال أبو عمر: وأما ~~قوله: اليوم أظلهم في ظلي، فإنه أراد - والله أعلم في ~~ظل عرشه، وقد يكون الظل كناية عن الرحمة؛ كما قال: # إن المتقين في ظلل وعيون # [المرسلات:41]، يعني: بذلك ما هم فيه من الرحمة والنعيم. انتهى. ### || [8.64-66] # وقوله سبحانه: { يأيها النبي حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين } ، قال النقاش: نزلت هذه الآية ~~بالبيداء في غزوة بدر، وحكي عن ابن عباس: أنها نزلت في الأوس ~~والخزرج. # وقيل: إنها نزلت حين أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين. قاله ابن ~~عمر، وأنس؛ فهي على هذا مكية: و«حسبك»؛ في كلام العرب، و«شرعك»: ~~بمعنى كافيك ويكفيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: ~~يكفيك الله، ويكفيك من اتبعك، ف «من» في موضع رفع. # وقال الشعبي وابن زيد: معنى الآية: حسبك الله وحسب ~~من اتبعك من المؤمنين، ف«من» في موضع نصب عطفا على موضع الكاف؛ ~~لأن موضعها نصب على المعنى ب «يكفيك» التي سدت «حسبك» ~~مسدها. # قال * ص *: ورد بأن الكاف ليس موضعها نصب لأن إضافة حسب إليها ~~إضافة صحيحة انتهى. # وقوله سبحانه: { يأيها ms0619 النبي حرض المؤمنين على ~~القتال... } الآية: { حرض المؤمنين } ، أي: حثهم ~~وحضهم، وقوله سبحانه: { إن يكن منكم... } إلى آخر الآية، لفظ ~~خبر، مضمنه وعد بشرط؛ لأن قوله: { إن يكن منكم عشرون ~~صبرون } ، بمنزلة أن يقال: إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ~~ضمنه الأمر بالصبر، قال الفخر: وحسن هذا التكليف لما كان مسبوقا ~~بقوله: { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ، ~~فلما وعد الله المؤمنين بالكفاية والنصر، كان هذا التكليف ~~سهلا؛ لأن من تكلف الله بنصره، فإن أهل العالم لا ~~يقدرون على إيذاءته انتهى، وتظاهرت الروايات عن ابن عباس ~~وغيره من الصحابة؛ بأن ثبوت الواحد للعشرة، كان فرضا على ~~المؤمنين، ثم لما شق ذلك عليهم، حط الله الفرض إلى ثبوت ~~الواحد للاثنين، وهذا هو نسخ الأثقل بالأخف، وقوله: { ~~لا يفقهون }: معناه: لا يفهمون مراشدهم، ولا مقصد قتالهم، ~~لا يريدون به إلا الغلبة الدنيوية، فهم يخافون الموت؛ إذا صبر ~~لهم، ومن يقاتل؛ ليغلب، أو يستشهد، فيصير إلى الجنة، أثبت ~~قدما لا محالة. # وقوله: { والله مع الصبرين }: لفظ خبر في ضمنه وعد ~~وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر؛ بأنه يغلب. ### || [8.67-69] # وقوله سبحانه: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى... } ~~الآية: قال * ع *: هذه آية تتضمن عندي معاتبة من الله عز وجل ~~لأصحاب نبيه عليه السلام والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا ~~الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان؛ ولذلك ~~استمر الخطاب لهم ب { تريدون } والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد صلى الله عليه وسلم ~~قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، وجاء ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية؛ مشيرا إلى دخوله عليه ~~السلام في العتب؛ حين لم ينه عن ذلك حين رآه من العريش، ~~وأنكره سعد بن معاذ، ولكنه صلى الله عليه وسلم شغله ~~بغت الأمر، وظهور النصر؛ عن النهي ومر كثير من المفسرين؛ على ~~أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على النبي صلى ms0620 الله ~~عليه وسلم؛ بأخذ الفدية، حين استشارهم في شأن الأسرى، والتأويل ~~الأول أحسن، والإثخان: هو المبالغة في القتل والجراحة، ثم أمر ~~مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: { تريدون عرض ~~الدنيا } ، أي: مالها الذي يعز ويعرض، والمراد: ما أخذ من ~~الأسرى من الأموال، { والله يريد الأخرة } ، أي: عمل ~~الآخرة، وذكر الطبري وغيره؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال للناس: # " إن شئتم، أخذتم فداء الأسرى، ويقتل منكم في ~~الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم، قتلوا ~~وسلمتم، فقالوا: نأخذ المال، ويستشهد منا " # ، وذكر عبد بن حميد بسنده؛ أن جبريل نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا؛ وعلى هذا، فالأمر في هذا ~~التخيير من عند الله، فإنه إعلام بغيب، وإذا خيروا رضي ~~الله عنهم، فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى: { لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم }؛ فهذا يدلك على صحة ما قدمناه، أن ~~العتب لهم إنما هو على استبقاء الرجال وقت الهزيمة؛ رغبة في أخذ ~~المال، وهو الذي أقول به، وذكر المفسرون أيضا في هذه الآيات تحليل ~~المغانم، ولا أقول ذلك؛ لأن تحليل المغانم قد تقدم قبل بدر ~~في السرية التي قتل فيها ابن الحضرمي، وإنما ~~المبتدع في بدر استبقاء الرجال؛ لأجل المال، والذي من ~~الله به فيها: إلحاق فدية الكافر بالمغانم التي تقدم تحليلها، ~~وقوله سبحانه: { لولا كتب من الله سبق... } الآية:، ~~قال ابن عباس، وأبو هريرة، والحسن، وغيرهم: الكتاب: هو ما كان ~~الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لهذه الأمة، ~~وقال مجاهد وغيره: الكتاب السابق: مغفرة الله لأهل بدر، وقيل: ~~الكتاب السابق: هو ألا يعذب الله أحدا بذنب إلا بعد النهي ~~عنه، حكاه الطبري. # قال ابن العربي في «أحكام القرآن»: وهذه الأقوال كلها صحيحة ~~ممكنة، لكن أقواها ما سبق من إحلال الغنيمة، وقد كانوا غنموا ~~أول غنيمة في الإسلام حين أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عبد ~~الله بن جحش. انتهى، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~« لو نزل في هذا الأمر ms0621 عذاب، لنجا منه عمر بن ~~الخطاب»، وفي حديث آخر: «وسعد بن معاذ»؛ وذلك أن رأيهما كان ~~أن تقتل الأسرى، وقوله سبحانه: { فكلوا مما غنمتم... ~~} الآية: نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى، وإلحاق له ~~بالغنيمة التي كان تقدم تحليها. ### || [8.70-71] # وقوله سبحانه: { يأيها النبي قل لمن في أيديكم ~~من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم } ، روي ~~أن الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن ~~لهم ميلا إلى الإسلام، وأنهم إن رجعوا إلى قومهم، سعوا في ~~جلبهم إلى الإسلام، قال ابن عباس: الأسرى في هذه الآية: ~~عباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: آمنا بما جئت به، ~~ونشهد إنك لرسول الله، ولننصحن لك على قومنا، فنزلت هذه ~~الآية، ومعنى الكلام: إن كان هذا عن جد منكم، وعلم الله ~~من أنفسكم الخير والإسلام، فإنه سيجبر عليكم أفضل مما ~~أعطيتم فدية، ويغفر لكم جميع ما اجترمتموه، وروي أن العباس بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه قال: في وفي أصحابي نزلت هذه ~~الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال ~~البحرين ما قدر أن يقول: هذا خير مما أخذ مني، وأنا ~~بعد أرجو أن يغفر الله لي، وروي عنه؛ أنه قال: ما أود ~~أن هذه الآية لم تنزل، ولي الدنيا بأجمعها؛ وذلك أن الله ~~تعالى قد أتاني خيرا مما أخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي، ~~وقوله: { فقد خانوا الله من قبل } أي: بالكفر، { ~~فأمكن منهم } أي: بأن جعلهم أسرى، { والله عليم } فيما ~~يبطنونه، { حكيم } فيما يجازيهم به. ### || [8.72] # وقوله سبحانه: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين ءاووا ~~ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } ، مقصد ~~هذه الآية وما بعدها: تبيين منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين ~~لم يهاجروا، وذكر المهاجرين بعد الحديبية، فقدم أولا ذكر ~~المهاجرين، وهم أصل الإسلام، وتأمل تقديم عمر لهم في ~~الاستشارة، وهاجر: معناه: هجر أهله وقرابته، وهجروه، { ~~والذين ءاووا ونصروا ms0622 }: هم الأنصار، فحكم سبحانه على ~~هاتين الطائفتين؛ بأن بعضهم أولياء بعض، فقال كثير من ~~المفسرين: هذه الموالاة: هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، ~~وعليه فسر الطبري الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، ~~وقال ابن عباس وغيره: هذه الموالاة هي في المواريث؛ وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري إذا ~~مات، ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجري، ورثه أخوه الأنصاري، ~~وكان المسلم الذي لم يهاجر لا ولاية بينه، وبين قريبه ~~المهاجري، ولا يرثه، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: # وأولوا الأرحام... # الآية [الأنفال:75]؛ وعلى التأويلين، ففي الآية حض على الهجرة، قال ~~أبو عبيدة: الولاية - بالكسر - من وليت الأمر إليه، فهي في ~~السلطان، وبالفتح هي من المولى؛ يقال: مولى بين الولاية ~~- بفتح الواو -. # وقوله سبحانه: { وإن استنصروكم } ، يعني: إن استدعى هؤلاء - ~~المؤمنون الذين لم يهاجروا نصركم - { فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق }؛ فلا تنصروهم ~~عليهم؛ لأن ذلك غدر ونقض للميثاق. ### || [8.73-75] # وقوله سبحانه: { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ~~}؛ وذلك يجمع الموارثة والمعاونة والنصرة، وهذه العبارة تحريض ~~وإقامة لنفوس المؤمنين؛ كما تقول لمن تريد تحريضه: عدوك ~~مجتهد أي: فاجتهد أنت، وحكى الطبري في تفسير هذه الآية، عن ~~قتادة؛ أنه قال: أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر، ~~وذلك في صدر الإسلام، وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا ~~تتراءى نارهما " # الحديث على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إنما هو فيمن كان يقيم ~~متربصا يقول: من غلب، كنت معه؛ وكذلك ذكر في كتاب ~~«الطبري»، وغيره، والضمير في قوله: { إلا تفعلوه } ، قيل: ~~هو عائد على المؤازرة والمعاونة، ويحتمل على الميثاق المذكور، ويحتمل ~~على النصر للمسلمين المستنصرين، ويحتمل على الموارثة ~~والتزامها، ويجوز أن يعود مجملا على جميع ما ذكر، والفتنة: ~~المحنة بالحرب وما انجر معها؛ من الغارات، والجلاء، والأسر، ~~والفساد الكبير: ظهور الشرك. # وقوله سبحانه: { والذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في ~~سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون ms0623 حقا } ، تضمنت الآية تخصيص المهاجرين والأنصار، ~~وتشريفهم بهذا الوصف العظيم. # * ت *: وهي مع ذلك عند التأمل يلوح منها تأويل قتادة المتقدم، ~~فتأمله، والرزق الكريم: هو طعام الجنة؛ كذا ذكر الطبري وغيره. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وإذا كان الإيمان في القلب حقا، ~~ظهر ذلك في استقامة الأعمال؛ بامتثال الأمر واجتناب المنهي عنه، ~~وإذا كان مجازا، قصرت الجوارح في الأعمال؛ إذ لم تبلغ قوته ~~إليها. انتهى. # { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم ~~}: قوله: «من بعد»، يريد به من بعد الحديبية؛ وذلك أن الهجرة ~~من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها ~~الهجرة الثانية، { وجهدوا معكم }: لفظ يقتضي أنهم تبع ~~لا صدر. # وقوله سبحانه: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتب الله } ، قال من تقدم ذكره: هذه في المواريث، وهي ~~ناسخة للحكم المتقدم ذكره. # وقالت فرقة، منها مالك: إن الآية ليست في المواريث، وهذا فرار من ~~توريث الخال والعمة ونحو ذلك. # وقالت فرقة: هي في المواريث، إلا أنها نسخت بآية المواريث ~~المبينة، وقوله: { فى كتب الله }: معناه: القرآن، أي: ذلك ~~مثبت في كتاب الله. # وقيل: في اللوح المحفوظ. # كمل تفسير السورة، والحمد لله، وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # قوله عز وجل: { براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين } ، التقدير: هذه الآية براءة، ~~ويصح أن يرتفع «براءة»؛ بالابتداء، والخبر في قوله: { إلى ~~الذين }. و { براءة } معناه: تخلص وتبر من العهود التي ~~بينكم، وبين الكفار البادئين بالنقض. # قال ابن العربي في «أحكامه»: تقول: برأت من الشيء ~~أبرأ براءة، فأنا منه بريء؛ إذا أنزلته عن نفسك، ~~وقطعت سبب ما بينك وبينه. انتهى. # ومعنى السياحة في الأرض: الذهاب فيها مسرحين آمنين؛ كالسيح من ~~الماء، وهو الجاري المنبسط؛ قال الضحاك، وغيره من العلماء: كان من ~~العرب من لا عهد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم جملة، ~~وكان منهم من بينه وبينهم عهد، وتحسس منهم نقض، وكان منهم من ~~بينه وبينهم ms0624 عهد ولم ينقضوا، فقوله: { فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر } هو أجل ضربه الله لمن كان بينه ~~وبينهم عهد، وتحسس منهم نقضه، وأول هذا الأجل يوم الأذان، وآخره ~~انقضاء العشر الأول من ربيع الآخر، وقوله سبحانه: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين # [التوبة:5] حكم مباين للأول، حكم به في المشركين الذي لا ~~عهد لهم ألبتة، فجاء أجل تأمينهم خمسين يوما، أولها يوم ~~الأذان، وآخرها انقضاء المحرم. # وقوله: { إلى الذين عاهدتم } ، يريد به الذين لهم عهد، ~~ولم ينقضوا، ولا تحسس منهم نقض، وهم فيما روي بنو ضمرة من ~~كنانة، كان بقي من عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر. # وقوله عز وجل: { واعلموا أنكم غير معجزي الله } ، ~~أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا. ### || [9.3-4] # وقوله: { وأذان من الله ورسوله... } الآية: أي: إعلام، ~~و { يوم الحج الأكبر } قال عمر وغيره: هو يوم عرفة، ~~وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النحر، وتظاهرت الروايات؛ أن عليا ~~أذن بهذه الآيات يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر، ثم رأى ~~أنه لم يعم الناس بالاستماع، فتتبعهم بالأذان بها يوم النحر، ~~وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر من يعينه في الأذان بها؛ كأبي ~~هريرة وغيره، وتتبعوا بها أيضا أسواق العرب، كذي المجاز ~~وغيره؛ وهذا هو سبب الخلاف، فقالت طائفة: يوم الحج الأكبر: ~~عرفة؛ حيث وقع أول الأذان. # وقالت أخرى: هو يوم النحر؛ حيث وقع إكمال الأذان. # وقال سفيان بن عيينة: المراد باليوم أيام الحج كلها؛ كما ~~تقول: يوم صفين، ويوم الجمل؛ ويتجه أن يوصف ب ~~«الأكبر»؛ على جهة المدح، لا بالإضافة إلى أصغر معين، بل ~~يكون المعنى: الأكبر من سائر الأيام، فتأمله. # واختصار ما تحتاج إليه هذه الآية؛ على ما ذكر مجاهد وغيره من ~~صورة تلك الحال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح مكة ~~سنة ثمان، فاستعمل عليها عتاب بن أسيد، وقضى أمر ~~حنين والطائف، وانصرف إلى المدينة، فأقام بها حتى خرج إلى ~~تبوك، ثم انصرف من تبوك في رمضان سنة تسع، فأراد ~~الحج، ثم نظر في أن ms0625 المشركين يحجون في تلك السنة، ~~ويطوفون عراة، فقال: لا أريد أن أرى ذلك، فأمر أبا بكر على ~~الحج بالناس، وأنفذه، ثم أتبعه علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه على ناقته العضباء، وأمره أن يؤذن في الناس بأربعين ~~آية: صدر سورة «براءة»، وقيل: ثلاثين، وقيل: عشرين، وفي بعض ~~الروايات: عشر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يؤذن الناس ~~بأربعة أشياء، وهي: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يدخل ~~الجنة إلا نفس مؤمنة، وفي بعض الروايات: ولا يدخل الجنة ~~كافر، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول ~~الله عهد، فهو إلى مدته، وفي بعض الروايات: ومن كان بينه ~~وبين رسول الله عهد، فأجله أربعة أشهر يسيح فيها، فإذا ~~انقضت، فإن الله بريء من المشركين ورسوله. # قال * ع *: وأقول: إنهم كانوا ينادون بهذا كله، فأربعة أشهر؛ للذين ~~لهم عهد وتحسس منهم نقضه، والإبقاء إلى المدة لمن لم يخبر ~~منه نقض، وذكر الطبري أن العرب قالت يومئذ: نحن نبرأ من عهدك، ~~ثم لام بعضهم بعضا، وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟ ~~فأسلموا كلهم، ولم يسح أحد. # قال * ع *: وحينئذ دخل الناس في دين الله أفواجا. # وقوله سبحانه: { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } أي: ورسوله بريء منهم. # وقوله: { فإن تبتم } ، أي: عن الكفر. # وقوله سبحانه: { إلا الذين عهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } ، هذا ~~هو الاستثناء الذي تقدم ذكره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» - ~~بالضاد المعجمة -، و { يظهروا }: معناه: يعاونوا، والظهير: ~~المعين. # وقوله: { إن الله يحب المتقين }: تنبيه على أن ~~الوفاء بالعهد من التقوى. ### || [9.5-7] # قوله سبحانه: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم }: الانسلاخ: ~~خروج الشيء عن الشيء المتلبس به؛ كانسلاخ الشاة عن الجلد، فشبه ~~انصرام الأشهر بذلك. # وقوله سبحانه: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم... ~~} الآية: قال ابن زيد: هذه الآية، وقوله سبحانه: # فإما منا بعد وإما فداء # [محمد:4]: هما محكمتان؛ أي: ليست إحداهما بناسخة للأخرى. # قال * ع *: هذا هو الصواب. # وقوله: { وخذوهم } معناه: ms0626 الأسر. # وقوله: { كل مرصد }: معناه: مواضع الغرة؛ حيث يرصدون ونصب ~~«كل» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كل مرصدة. # وقوله: { فإن تابوا } ، أي: عن الكفر. # وقوله سبحانه: { وإن أحد من المشركين استجارك } ، ~~أي: جلب منك عهدا وجوارا يأمن به، { حتى يسمع كلام ~~الله } ، يعني القرآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية ~~محكمة؛ وذلك سنة إلى يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { إلا الذين عهدتم عند المسجد ~~الحرام... } الآية: قال ابن إسحاق: هي قبائل بني بكر؛ كانوا ~~دخلوا وقت الحديبية في العهد، فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن ~~لم يكن نقض منهم. ### || [9.8-11] # وقوله سبحانه: { كيف وإن يظهروا عليكم... } الآية: في ~~الكلام حذف، تقديره: كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيد ~~للاستبعاد الذي في الأولى، و { لا يرقبوا } معناه: لا ~~يراعوا، ولا يحفظوا، وقرأ الجمهور: «إلا»، وهو الله عز ~~وجل؛ قاله مجاهد، وأبو مجلز، وهو اسمه بالسريانية، وعرب، ~~ويجوز أن يراد به العهد، والعرب تقول للعهد والحلف والجوار ~~ونحو هذه المعاني: «إلا»، والذمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ~~ونحوه. ### || [9.12-13] # وقوله سبحانه: { وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم ~~وطعنوا في دينكم... } الآية، ويليق هنا ذكر شيء من حكم ~~طعن الذمي في الدين، والمشهور من مذهب مالك: أنه إذا فعل شيئا ~~من ذلك؛ مثل تكذيب الشريعة، وسب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتل. # وقوله سبحانه: { فقتلوا أئمة الكفر } ، أي: رؤوسهم ~~وأعيانهم الذين يقودون الناس إليه، وأصوب ما يقال في هذه الآية: أنه ~~لا يعنى بها معين وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود ~~من الكفرة إلى يوم القيامة، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن تكون الإشارة إليهم أولا، ثم كل ~~من دفع في صدر الشريعة إلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم. # وقرأ الجمهور: «لا أيمان لهم » (جمع يمين)، أي: لا أيمان لهم ~~يوفى بها وتبر، وهذا المعنى يشبه الآية، وقرأ ابن عامر وحده من ~~السبعة: « لا إيمان لهم»، وهذا يحتمل وجهين: # أحدهما: لا تصديق لهم، قال أبو علي: ms0627 وهذا غير قوي؛ لأنه ~~تكرير، وذلك أنه وصف أئمة الكفر بأنهم لا إيمان لهم، والوجه ~~في كسر الألف أنه مصدر من آمنته إيمانا؛ ومنه قوله تعالى: # وآمنهم من خوف # [قريش:4] فالمعنى: أنهم لا يؤمنون كما يؤمن أهل الذمة ~~الكتابيون؛ إذ المشركون ليس لهم إلا الإسلام أو السيف، قال أبو ~~حاتم: فسر الحسن قراءته: لا إسلام لهم. # قال * ع *: والتكرير الذي فر أبو علي منه متجه، لأنه بيان ~~المهم الذي يوجب قتلهم. # وقوله عز وجل: { ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم ~~وهموا بإخراج الرسول... } الآية: «ألا»: عرض وتحضيض، ~~قال الحسن: والمراد ب { إخراج الرسول }: إخراجه من المدينة، ~~وهذا مستقيم؛ كغزوة أحد والأحزاب. # وقال السدي: المراد من مكة. # وقوله سبحانه: { وهم بدءوكم أول مرة } ، قيل: يراد ~~أفعالهم بمكة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبالمؤمنين. # وقال مجاهد: يراد به ما بدأت به قريش من معونة بني بكر ~~حلفائهم، على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هذا ~~بدء النقض. # وقال الطبري: يعني فعلهم يوم بدر. # قال الفخر: قال ابن إسحاق والسدي والكلبي: نزلت هذه ~~الآية في كفار مكة؛ نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني ~~بكر على خزاعة. انتهى. # وقوله سبحانه: { أتخشونهم }: استفهام على معنى التقرير ~~والتوبيخ، { فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } ~~، أي: كاملي الإيمان. ### || [9.14-15] # وقوله سبحانه: { قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } ، ~~قررت الآيات قبلها أفعال الكفرة، ثم حض على القتال مقترنا ~~بذنوبهم؛ لتنبعث الحمية مع ذلك، ثم جزم الأمر بقتالهم في هذه ~~الآية مقترنا بوعد وكيد يتضمن النصر عليهم، والظفر ~~بهم. # وقوله سبحانه: { يعذبهم الله بأيديكم } ، معناه: بالقتل ~~والأسر، و { ويخزهم } ، معناه: يذلهم على ذنوبهم، يقال: خزي ~~الرجل يخزى خزيا، إذا ذل من حيث وقع في عار، ~~وأخزاه غيره، وخزي يخزي خزاية إذا استحى، وأما قوله تعالى: { ~~ويشف صدور قوم مؤمنين } ، فيحتمل أن يريد جماعة ~~المؤمنين، لأن كل ما يهد من الكفر هو شفاء من هم صدور ~~المؤمنين، ويحتمل أن يريد تخصيص قوم من المؤمنين، وروي أنهم ~~خزاعة؛ قاله مجاهد ms0628 والسدي، ووجه تخصيصهم أنهم الذين نقض ~~فيهم العهد، ونالتهم الحرب، وكان يومئذ في خزاعة مؤمنون كثير؛ ~~ويقتضي ذلك قول الخزاعي المستنصر بالنبي صلى الله عليه وسلم: ~~[الرجز] # ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا # وفي آخر الرجز: # وقتلونا ركعا وسجدا # وقرأ جمهور الناس: و«يتوب» - بالرفع -، على القطع مما قبله، ~~والمعنى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يتوب على بعض هؤلاء الكفرة ~~الذين أمر بقتالهم. # وعبارة * ص *: و«يتوب»، الجمهور بالرفع على الاستئناف، وليس ~~بداخل في جواب الأمر؛ لأن توبته سبحانه على من يشاء ليست جزاء ~~على قتال الكفار. انتهى. ### || [9.16-18] # وقوله عز وجل: { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم ~~الله الذين جهدوا منكم... } الآية: خطاب للمؤمنين؛ ~~كقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة... # الآية [آل عمران:142] ومعنى الآية: أظننتم أن تتركوا دون اختبار ~~وامتحان، والمراد بقوله: { ولما يعلم الله } ، أي: لم يعلم ~~الله ذلك موجودا؛ كما علمه أزلا بشرط الوجود، وليس يحدث ~~له علم تبارك وتعالى عن ذلك، و { وليجة }: معناه: بطانة ~~ودخيلة، وهو مأخوذ من الولوج، فالمعنى: أمرا باطنا مما ينكر، ~~وفي الآية طعن على المنافقين الذين اتخذوا الولائج، قال الفخر: ~~قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه، فهو وليجة، ~~وأصله من الولوج، قال الواحدي يقال: هو وليجة، للواحد والجمع. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله } ، إلى قوله: { إنما يعمر مسجد الله من آمن ~~بالله... } الآية، لفظ هذه الآية الخبر، وفي ضمنها أمر المؤمنين ~~بعمارة المساجد، وروي أبو سعيد الخدري؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له ~~بالإيمان ". # * ت *: زاد ابن الخطيب في روايته: « فإن الله تعالى ~~يقول: { إنما يعمر مسجد الله من آمن بالله ~~واليوم الأخر }. انتهى من ترجمة محمد بن عبد الله، وفي ~~الحديث عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن الله ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن، ~~والأمان، والجواز على الصراط يوم القيامة " # خرجه علي بن عبد العزيز البغوي في «المسند المنتخب» ~~له، وروى البغوي ms0629 أيضا في هذا «المسند»، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنه قال: # " إذا أوطن الرجل المساجد بالصلاة، والذكر، ~~تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب ~~لغائبهم إذا قدم عليهم " # انتهى من «الكوكب الدري»، قيل: ومعنى «يتبشبش»: أي يفرح ~~به. # وقوله سبحانه: { ولم يخش إلا الله } ، يريد: خشية التعظيم ~~والعبادة، وهذه مرتبة العدل من الناس، ولا محالة أن الإنسان ~~يخشى غيره، ويخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله ~~قضاء الله وتصريفه. ### || [9.19-22] # وقوله سبحانه: { أجعلتم سقاية الحاج } { سقاية ~~الحاج }: كانت في بني هاشم، وكان العباس يتولاها، قال ~~الحسن: ولما نزلت هذه الآية، قال العباس: ما أراني إلا أترك ~~السقاية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا عليها فهي ~~خير لكم » { وعمارة المسجد الحرام }: قيل: هي ~~حفظه ممن يظلم فيه، أو يقول هجرا، وكان ذلك إلى العباس، وقيل: ~~هي السدانة وخدمة البيت خاصة، وكان ذلك في بني عبد ~~الدار، وكان يتولاها عثمان بن طلحة، وابن عمه شيبة، ~~وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم لهما ثاني يوم الفتح، وقال: ~~«خذاها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم». # واختلف الناس في سبب نزول هذه الآية، فقال مجاهد: أمروا بالهجرة، ~~فقال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال عثمان بن طلحة: أنا حاجب ~~الكعبة، وقال محمد بن كعب: إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة ~~تفاخروا فنزلت الآية، وقيل غير هذا. # وقوله سبحانه: { الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا فى ~~سبيل الله بأمولهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله... } الآية: لما حكم سبحانه في الآية المتقدمة بأن الصنفين ~~لا يستوون، بين ذلك في هذه الآية الأخيرة، وأوضحه، فعدد الإيمان ~~والهجرة والجهاد بالمال والنفس، وحكم على أن أهل هذه الخصال ~~أعظم درجة عند الله من جميع الخلق، ثم حكم لهم بالفوز ~~برحمته ورضوانه، والفوز: بلوغ البغية، إما في نيل ~~رغيبة، أو نجاة من هلكة، وينظر إلى معنى هذه الآية الحديث: # " دعوا لي أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل ~~أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # ؛ ولأن أصحاب هذه الخصال على ms0630 سيوفهم انبنى الإسلام، وتمهد ~~الشرع. # وقوله سبحانه: { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضون ~~} ، هذا وعد كريم من رب رحيم، وفي الحديث الصحيح: # " إذا استقر أهل الجنة في الجنة، يقول الله عز ~~وجل لهم: هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى، ~~يا ربنا؟ فيقول: إني سأعطيكم أفضل من ذلك! ~~رضواني أرضى عليكم؛ فلا أسخط عليكم أبدا... " # الحديث. ### || [9.23-24] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان } ، ظاهر هذه المخاطبة: أنها لجميع المؤمنين كافة، ~~وهي باقية الحكم إلى يوم القيامة، وروت فرقة أنها نزلت في الحض ~~على الهجرة، ورفض بلاد الكفر. # قوله سبحانه: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم... } الآية: هذه الآية ~~تقوي مذهب من رأى أن هذه الآية والتي قبلها إنما مقصودهما ~~الحض على الهجرة، وفي ضمن قوله: { فتربصوا }: وعيد بين. # وقوله: { بأمره } ، قال الحسن: الإشارة إلى عذاب أو عقوبة من ~~الله تعالى. # وقال مجاهد: الإشارة إلى فتح مكة، وذكر الأبناء في هذه الآية دون ~~التي قبلها، لما جلبت ذكرهم المحبة، والأبناء: صدر في المحبة ~~وليسوا كذلك، في أن تتبع آراؤهم؛ كما في الآية المتقدمة، واقترفتموها: ~~معناه: اكتسبتموها، ومساكن: جمع مسكن - بفتح الكاف:، مفعل ~~من السكنى، وما كان من هذا معتل الفاء، فإنما يأتي على مفعل ~~(بكسر العين)؛ كموعد وموطن. ### || [9.25-27] # وقوله سبحانه: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ~~ويوم حنين... } ، هذه مخاطبة لجميع المؤمنين يعدد الله تعالى ~~نعمه عليهم، والمواطن المشار إليها بدر والخندق ~~والنضير وقريظة وخيبر وغيرها، وحنين واد بين مكة ~~والطائف. # وقوله: { إذ أعجبتكم كثرتكم } ، روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال حين رأى جملته اثني عشر ألفا: «لن ~~تغلب اليوم من قلة»، وروي أن رجلا من أصحابه قالها ~~فأراد الله تعالى إظهار العجز؛ فظهر حين فر الناس. # * ت *: العجب جائز في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ~~معصوم منه صلى الله عليه وسلم، والصواب في فهم الحديث، أنه خرج ~~مخرج الإخبار، لا على وجه العجب؛ وعلى هذا ms0631 فهمه ابن رشد ~~وغيره، وأنه إذا بلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا حرم ~~الفرار، وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ وعليه عول في ~~الفتوى، وقوله تعالى: { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } ~~، معناه: برحبها؛ كأنه قال: على ما هي عليه في نفسها رحبة ~~واسعة، لشدة الحال وصعوبتها؛ ف «ماء»: مصدرية. # وقوله سبحانه: { ثم وليتم مدبرين } ، أي: فرارا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واختصار هذه القصة: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، وكان في عشرة ألفا من ~~أصحابه، وانضاف إليهم ألفان من الطلقاء، فصار في اثني عشر ~~ألاف، سمع بذلك كفار العرب، فشق عليهم، فجمعت له هوازن ~~وألفافها، وعليهم مالك بن عوف النصري، وثقيف، وعليهم عبد ~~ياليل بن عمرو وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ~~ثلاثين ألفا، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~اجتمعوا بحنين، فلما تصاف الناس، حمل المشركون من محاني ~~الوادي، وانهزم المسلمون، قال قتادة: وكان يقال: إن الطلقاء من ~~أهل مكة فروا، وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء قد ~~اكتنفه العباس عمه، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن ~~عبد المطلب، وبين يديه أيمن بن أم أيمن، وثم ~~قتل رحمه الله والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # فلما رأى نبي صلى الله عليه وسلم شدة الحال، نزل عن ~~بغلته إلى الأرض؛ قاله البراء بن عازب، واستنصر الله عز ~~وجل، فأخذ قبضة من تراب وحصى، فرمى بها في وجوه الكفار، ~~وقال: « شاهت الوجوه»، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالأنصار، وأمر العباس أن ينادي: « أين أصحاب ~~الشجرة؟ أين أصحاب سورة البقرة؟ » فرجع الناس ~~عنقا واحدا للحرب، وتصافحوا بالسيوف والطعن والضرب، وهناك ~~قال عليه السلام: « الآن حمي الوطيس» وهزم الله المشركين، ~~وأعلى كلمة الإسلام إلى يوم الدين، قال يعلى بن عطاء: ~~فحدثني أبناء المنهزمين عن آبائهم، قالوا: لم يبق منا أحد ~~إلا دخل عينيه ms0632 من ذلك التراب واستيعاب هذه القصة في كتب ~~«السير». # و { مدبرين }: نصب على الحال المؤكدة؛ كقوله: # وهو الحق مصدقا # [البقرة:91]، والمؤكدة هي التي يدل ما قبلها عليها كدلالة التولي ~~على الإدبار. # وقوله سبحانه: { ثم أنزل الله سكينته... } الآية: ~~السكينة: النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس، والجنود: ~~الملائكة، والرعب؛ قال أبو حاجز يزيد بن عامر: كان في أجوافنا ~~مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب، { وعذب الذين ~~كفروا } ، أي: بالقتل والأسر، # " وروى أبو داود، عن سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فأطنبوا السير ~~حتى كان عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، ~~إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا ~~وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ~~ونعمهم، وشياههم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: « تلك غنيمة ~~المسلمين غدا، إن شاء الله....» " # الحديث. انتهى، فكانوا كذلك غنيمة بحمد الله، كما أخبر صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [9.28-29] # وقوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس } ، قال ابن عباس وغيره: معنى الشرك هو الذي ~~نجسهم؛ كنجاسة الخمر، ونص الله سبحانه في هذه الآية على ~~المشركين، وعلى المسجد الحرام، فقاس مالك رحمه الله وغيره ~~جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم؛ على المشركين، وقاس سائر ~~المساجد على المسجد الحرام، ومنع من دخول الجميع في جميع ~~المساجد، وقوة قوله سبحانه: { فلا يقربوا } يقتضي أمر ~~المسلمين بمنعهم. # وقوله: { بعد عامهم هذا } ، يريد: بعد عام تسع من ~~الهجرة، وهو عام حج أبو بكر بالناس. # وقوله سبحانه: { وإن خفتم عيلة } ، أي: فقرا، { فسوف ~~يغنيكم الله من فضله } ، وكان المسلمون، لما منع ~~المشركون من الموسم، وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذف ~~الشيطان في نفوسهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ ~~فوعدهم الله سبحانه بأن يغنيهم من فضله، فكان الأمر كما وعد ~~الله سبحانه، فأسلمت العرب، فتمادى حجهم وتجرهم، وأغنى ~~الله من فضله بالجهاد والظهور ms0633 على الأمم. # وقوله سبحانه: { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الأخر... } الآية: هذه الآية تضمنت قتال أهل ~~الكتاب، قال مجاهد: وعند نزول هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزو الروم، ومشى نحو تبوك، ونفى سبحانه عن أهل ~~الكتاب الإيمان بالله واليوم الآخر؛ حيث تركوا شرع الإسلام؛ ~~وأيضا فكانت اعتقاداتهم غير مستقيمة، لأنهم تشعبوا، وقالوا ~~عزير ابن الله، والله ثالث ثلاثة، وغير ذلك؛ ولهم ~~أيضا في البعث آراء فاسدة؛ كشراء منازل الجنة من الرهبان؛ ~~إلى غير ذلك من الهذيان، { ولا يدينون دين الحق } ، أي: ~~لا يطيعون، ولا يمتثلون؛ ومنه قول عائشة: « ما عقلت أبوي ~~إلا وهما يدينان الدين »، والدين هنا: الشريعة، قال ابن ~~القاسم وأشهب وسحنون: وتؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم ~~كلها، وأما عبدة الأوثان والنيران وغير ذلك، فجمهور العلماء على ~~قبول الجزية منهم، وهو قول مالك في «المدونة». # وقال الشافعي وأبو ثور: لا تؤخذ الجزية إلا من اليهود والنصارى ~~والمجوس فقط، وأما قدرها في مذهب مالك وغيره، فأربعة دنانير ~~على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الفضة، وهذا في ~~العنوة، وأما الصلح، فهو ما صالحوا عليه، قليل أو كثير. # وقوله: { عن يد } يحتمل وجوها: # منها: أن يريد عن قوة منكم عليهم، وقهر، واليد في كلام العرب: ~~القوة. # ومنها: أن يريد سوق الذمي لها بيده، لا أن يبعثها مع ~~رسول؛ ليكون في ذلك إذلال لهم. # ومنها: أن يريد نقدها ناجزا، تقول: بعته يدا بيد، أي: لا ~~يؤخروا بها. # ومنها: أن يريد عن استسلام، يقال: ألقى فلان بيده، إذا عجز ~~واستسلم. ### || [9.30-33] # وقوله سبحانه: { وقالت اليهود عزير ابن الله }: الذي ~~كثر في كتب أهل العلم؛ أن فرقة من اليهود قالت هذه المقالة وروي ~~أنه قالها نفر يسير منهم فنحاص وغيره، قال النقاش: ولم يبق الآن ~~يهودي يقولها، بل انقرضوا. # قال * ع *: فإذا قالها ولو واحد من رؤسائهم، توجهت شنعة المقالة ~~على جماعتهم، وحكى الطبري وغيره؛ أن بني إسرائيل أصابتهم فتن وجلاء، ~~وقيل: مرض، وأذهب الله عنهم ms0634 التوراة في ذلك، ونسوها، وكان ~~علماؤهم قد دفنوها أول ما أحسوا بذلك البلاء، فلما طالت المدة، ~~فقدت التوراة جملة، فحفظها الله عزيرا؛ كرامة منه له، فقال ~~لبني إسرائيل: إن الله قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من ~~عنده، ثم إن التوراة المدفونة وجدت، فإذا هي مساوية لما كان ~~عزير يدرس، فضلوا عند ذلك، وقالوا: إن هذا لم يتهيأ ~~لعزير إلا وهو ابن الله، نعوذ بالله من الضلال. # وقوله: { بأفوههم } ، أي: بمجرد الدعوى من غير حجة ولا ~~برهان، و { يضهئون } ، قراءة الجماعة، ومعناه: يحاكون ويماثلون، ~~والإشارة بقوله: { الذين كفروا من قبل }: إما لمشركي العرب؛ ~~إذ قالوا: الملائكة بنات الله؛ قاله الضحاك، وإما لأمم سالفة ~~قبلها، وإما للصدر الأول من كفرة اليهود والنصارى، ويكون { ~~يضهئون } لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان الضمير ~~في { يضهئون } للنصارى فقط، كانت الإشارة ب { الذين ~~كفروا من قبل } إلى اليهود؛ وعلى هذا فسر الطبري، وحكاه غيره ~~عن قتادة. # وقوله: { قتلهم الله }: دعاء عليهم عام لأنواع الشر، وعن ~~ابن عباس؛ أن المعنى: لعنهم الله. قال الداوودي: وعن ابن عباس ~~قاتلهم الله: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن: قتل، فهو لعن. ~~انتهى. و { أنى يؤفكون } ، أي: يصرفون عن الخير. # وقوله سبحانه: { اتخذوا أحبارهم ورهبنهم... } ~~الآية: هذه الآية يفسرها ما حكاه الطبري؛ أن عدي بن حاتم قال: # " جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي صليب ذهب، ~~فقال: يا عدي اطرح هذا الصليب من عنقك، ~~فسمعته يقرأ: { اتخذوا أحبارهم ورهبنهم ~~أربابا من دون الله } ، فقلت: يا رسول الله، ~~وكيف ذلك، ونحن لم نعبدهم؟ فقال: أليس ~~تستحلون ما أحلوا وتحرمون ما حرموا؟ قلت: ~~نعم، قال: فذلك ". # ومعنى: { سبحنه } تنزيها له، و { نور الله }؛ في هذه ~~الآية: هداه الصادر عن القرآن والشرع. # وقوله: { بأفوههم }؛ عبارة عن قلة حيلتهم وضعفها. # وقوله: { بالهدى }: يعم القرآن وجميع الشرع. # وقوله: { ليظهره على الدين كله } ، وقد فعل ذلك سبحانه، ~~فالضمير في { ليظهره }: عائد على الدين، وقيل: على الرسول، وهذا ~~وإن كان صحيحا، فالتأويل الأول أبرع ms0635 منه، وأليق بنظام الآية. ### || [9.34-35] # وقوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالبطل } ، المراد بهذه الآية: بيان نقائص المذكورين، ونهي ~~المؤمنين عن تلك النقائص مترتب ضمن ذلك، واللام في { ليأكلون ~~}: لام التوكيد، وصورة هذا الأكل هي بأنهم يأخذون من أموال أتباعهم ~~ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم ~~أن النفقة فيه من الشرع والتقرب إلى الله، وهم خلال ذلك ~~يحتجنون تلك الأموال، كالذي ذكره سليمان في كتاب «السير»، عن الراهب ~~الذي استخرج كنزه. # وقوله سبحانه: { ويصدون عن سبيل الله } ، أي: عن شريعة ~~الإسلام والإيمان بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله سبحانه: { والذين } ابتداء، وخبره { فبشرهم } والذي ~~يظهر من ألفاظ الآية: أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين ~~للمال بالباطل، ذكر بعد ذلك بقول عام نقص الكانزين المانعين ~~حق المال، وقرأ طلحة بن مصرف: «الذين يكنزون» بغير ~~واو،؛ وعلى هذه القراءة يجري قول معاوية: أن الآية في أهل ~~الكتاب، وخالفه أبو ذر، فقال: بل هي فينا. # و { يكنزون }: معناه: يجمعون ويحفظون في الأوعية، وليس من شرط ~~الكنز: الدفن، والتوعد في الكنز، إنما وقع على منع الحقوق منه، ~~وعلى هذا كثير من العلماء، وقال علي رضي الله عنه: أربعة آلاف ~~درهم فما دونها نفقة، وما زاد عليها فهو كنز، وإن ~~أديت زكاته. # وقال أبو ذر وجماعة معه: ما فضل من مال الرجل على حاجة ~~نفسه، فهو كنز، وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال، لا ~~في منع زكاته فقط. # * ت *: وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن علي بن أبي طالب، ~~وابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله فرض للفقراء في أموال الأغنياء قدر ~~ما يسعهم، فإن منعوهم حتى يجوعوا ويعروا ~~ويجهدوا، حاسبهم الله حسابا شديدا، وعذبهم ~~عذابا نكرا " # انتهى. # وقوله سبحانه: { فتكوى بها جباههم... } الآية: قال ابن ~~مسعود: والله، لا يمس دينار دينارا، بل يمد الجلد حتى ~~يكوى بكل دينار، وبكل درهم قال الفخر: قال ms0636 أبو بكر الوراق: ~~وخصت هذه المواضع بالذكر؛ لأن صاحب المال، إذا رأى الفقير، ~~قبض جبينه، وإذا جلس إلى جنبه، تباعد عنه، وولاه ظهره. ~~انتهى. ### || [9.36] # وقوله سبحانه: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتب الله } ، هذه الآية والتي بعدها تتضمن ما ~~كانت العرب عليه في جاهليتها من تحريم شهور الحل، وتحليل شهور ~~الحرمة، وإذا نص ما كانت العرب تفعله، تبين معنى الآيات، فالذي ~~تظاهرت به الروايات، ويتخلص من مجموع ما ذكره الناس: أن العرب ~~كانت لا عيش لأكثرها إلا من الغارات وإعمال سلاحها، فكانوا ~~إذا توالت عليهم حرمة الأشهر الحرم، صعب عليهم، وأملقوا ~~وكان بنو فقيم من كنانة أهل دين في العرب، وتمسك بشرع ~~إبراهيم عليه السلام، فانتدب منهم القلمس، وهو حذيفة بن عبد ~~فقيم، فنسي الشهور للعرب، ثم خلفه على ذلك بنوه، وذكر ~~الطبري وغيره؛ أن الأمر كان في عدوان قبل بني مالك بن كنانة، وكانت ~~صورة فعلهم: أن العرب كانت إذا فرغت من حجها، جاء إليه من شاء ~~منهم مجتمعين، فقالوا: أنسانا شهرا، أي: أخر عنا حرمة ~~المحرم، فاجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم، فيغيرون فيه، ثم ~~يلتزمون حرمة صفر؛ ليوافقوا عدة الأشهر الحرم الأربعة قال ~~مجاهد: ويسمون ذلك الصفر المحرم، ثم يسمون ربيعا الأول صفرا ~~وربيعا الآخر ربيعا الأول، وهكذا في سائر الشهور، وتجيء السنة ~~من ثلاثة عشر شهرا أولها: المحرم المحلل، ثم المحرم الذي ~~هو في الحقيقة صفر، وفي هذا قال الله عز وجل: { إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } ، أي: ليست ثلاثة ~~عشر، ثم كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة، وهم ~~يسمونه ذا الحجة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سنة عشر في ذي الحجة حقيقة، فذلك قوله عليه السلام: # " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السموات والأرض؛ السنة اثنا عشر شهرا، منها ~~أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ~~ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ". # وقوله في { كتب الله } ، أي: فيما كتبه، وأثبته ms0637 في اللوح ~~المحفوظ، أو غيره، فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه، وليست ~~بمعنى قضاءه وتقديره؛ لأن تلك هي قبل خلق السموات والأرض. # وقوله سبحانه: { منها أربعة حرم }: نص على تفضيل هذه ~~الأربعة وتشريفها، قال قتادة: «اصطفى الله من الملائكة والبشر ~~رسلا، ومن الشهور المحرم ورمضان، ومن البقع ~~المساجد، ومن الأيام الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن ~~الكلام ذكره، فينبغي أن يعظم ما عظم الله». # وقوله سبحانه: { ذلك الدين القيم } ، قالت فرقة: معناه: ~~الحساب المستقيم، وقال ابن عباس، فيما حكى المهدوي: معناه: ~~القضاء المستقيم. # قال * ع *: والأصوب عندي أن يكون { الدين } ههنا على أشهر وجوهه، ~~أي: ذلك الشرع والطاعة. # وقوله: { فلا تظلموا فيهن } ، أي: في الاثني عشر ~~شهرا، أي: لا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في الزمان كله، وقال قتادة: ~~المراد الأربعة الأشهر، وخصصت تشريفا لها. # قال سعيد بن المسيب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم القتال ~~في الأشهر الحرم؛ بما أنزل الله في ذلك؛ حتى نزلت «براءة». # وقوله تعالى: { وقاتلوا المشركين } ، معناه: فيهن فأحرى ~~في غيرهن، وقوله: { كافة } ، معناه: جميعا. ### || [9.37-39] # وقوله سبحانه: { إنما النسيء } ، يعني: فعل العرب في تأخيرهم ~~الحرمة، { زيادة في الكفر } ، أي: جار مع كفرهم بالله، ~~وخلافهم للحق، فالكفر متكثر بهذا الفعل الذي هو باطل في ~~نفسه؛ ومما وجد في أشعارهم قول جذل الطعان: [الوافر] # وقد علمت معد أن قومي # كرام الناس إن لهم كراما # ألسنا الناسئين على معد # شهور الحل نجعلها حراما # وقوله سبحانه: { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ، ~~معناه: عاما من الأعوام، وليس يريد أن تلك كانت مداولة. # وقوله سبحانه: { ليواطئوا عدة ما حرم الله } ، ~~معناه: ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة. # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ، ~~هذه الآية بلا خلاف أنها نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت سنة تسع من ~~الهجرة بعد الفتح بعام، غزا فيها الروم في عشرين ألفا بين ~~راكب وراجل، والنفر: هو التنقل بسرعة ms0638 من مكان إلى مكان، وقوله: ~~«أثاقلتم» أصله تثاقلتم، وكذلك قرأ الأعمش وهو نحو قوله: # أخلد إلى الأرض # [الأعراف:176] وقوله: { أرضيتم } تقرير، والمعنى: أرضيتم نزر ~~الدنيا، على حظير الآخرة، وحظها الأسعد. # قال ابن هشام ف «من» من قوله: { من الأخرة } للبدل. ~~انتهى. ثم أخبر سبحانه، أن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر، ~~فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر الفاني ~~بدل الكثير الباقي. # * ت *: وفي «صحيح مسلم» و«الترمذي»، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم ~~إصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. # وقوله سبحانه: { إلا تنفروا يعذبكم }: شرط وجواب، ولفظ ~~«العذاب» عام يدخل تخته أنواع عذاب الدنيا والآخرة. # وقوله: { ويستبدل قوما غيركم }: توعد بأن يبدل ~~لرسوله عليه السلام قوما لا يقعدون عند استنفاره إياهم، والضمير في ~~قوله: { ولا تضروه شيئا } عائد على الله عز وجل، ويحتمل ~~أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم هو أليق. ### || [9.40-41] # وقوله سبحانه: { إلا تنصروه فقد نصره الله } هذا أيضا ~~شرط وجواب، ومعنى الآية: إنكم إن تركتم نصره، فالله متكفل به؛ ~~إذ قد نصره في موضع القلة والانفراد وكثرة العدو، ولن يترك ~~نصره الآن. # وقوله: { إذ أخرجه الذين كفروا } ، أسند الإخراج إليهم؛ ~~تذنيبا لهم، ولما كان مقصد أبي سفيان بن الحارث الفخر في قوله: ~~من طردت كل مطرد، لم يقره النبي صلى الله عليه وسلم على ما علم ~~في كتب «السيرة»، # " الإشارة إلى خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~المدينة، وفي صحبته أبو بكر، واختصار القصة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان ينتظر إذن الله سبحانه في الهجرة من مكة، ~~وكان أبو بكر حين ترك ذمة ابن الدغنة قد أراد الخروج، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اصبر، لعل الله أن ~~يسهل الصحبة» فلما أذن الله لنبيه في الخروج، ~~تجهز من دار أبي بكر، وخرجا، فبقيا في الغار الذي في جبل ms0639 ~~ثور في غربي مكة ثلاث ليال، وخرج المشركون في إثرهم؛ ~~حتى انتهوا إلى الغار، فطمس الله عليهم الأثر، وقال ~~أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم إلى ~~قدمه، لرآنا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما ~~ظنك باثنين الله ثالثهما » " # هكذا في الحديث الصحيح، ويروى أن العنكبوت نسجت على باب الغار. # ويروى أن الحمامة عششت عند باب الغار، وكان يروح عليهما ~~باللبن عامر بن فهيرة. # وقوله: { ثاني اثنين } ، معناه: أحد اثنين، وقوله: { إن ~~الله معنا } ، يريد: بالنصر والنجاة واللطف. # وقوله سبحانه: { وكلمة الله هي العليا } ، قيل: يريد: لا ~~إله إلا الله، وقيل: الشرع بأسره. # وقوله سبحانه: { انفروا خفافا وثقالا } معنى الخفة ~~والثقل ههنا: مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة، ومن يمكنه بصعوبة، ~~وأما من لا يمكنه، كالعمي ونحوهم، فخارج عن هذا. # وقال أبو طلحة: ما أسمع الله عذر أحد، وخرج إلى الشام، فجاهد حتى ~~مات. # وقال أبو أيوب: ما أجدني أبدا إلا خفيفا أو ثقيلا. # وقوله سبحانه: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون }: ~~تنبيه وهز للنفوس. ### || [9.42-45] # وقوله سبحانه: { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك } ، هذه الآية في المنافقين المتخلفين في غزوة تبوك، ~~وكشف ضمائرهم، وأما الآيات التي قبلها، فعامة فيهم وفي غيرهم، ~~والمعنى: لو كان هذه الغزو لعرض، أي: لمال وغنيمة تنال قريبا؛ ~~بسفر قاصد يسير، لبادروا لا لوجه الله، { ولكن بعدت ~~عليهم الشقة } وهي المسافة الطويلة. # وقوله: { وسيحلفون بالله } ، يريد: المنافقين، وهذا إخبار ~~بغيب. # وقوله عز وجل: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ، هذه ~~الآية هي في صنف مبالغ في النفاق، استأذنوا دون اعتذار، منهم: ~~الجد بن قيس ورفاعة بن التأبوت ومن اتبعهم؛ قال مجاهد: ~~وذلك أن بعضهم قال: نستأذنه، فإن أذن في القعود قعدنا، ~~وإلا قعدنا، وقدم له العفو قبل العتاب: إكراما له صلى الله ~~عليه وسلم، وقالت فرقة: بل قوله سبحانه { عفا الله عنك }: ~~استفتاح كلام كما تقول: أصلحك الله، وأعزك الله، ولم ~~يكن منه عليه السلام ذنب يعفى عنه؛ لأن صورة ms0640 الاستنفار وقبول ~~الأعذار مصروفة إلى اجتهاده. # وقوله: { حتى يتبين لك الذين صدقوا } ، يريد: في ~~استئذانك، وأنك لو لم تأذن لهم، خرجوا معك. # وقوله: { وتعلم الكذبين } ، أي: بمخالفتك، لو لم تأذن؛ ~~لأنهم عزموا على العصيان، أذنت لهم أو لم تأذن، وقال الطبري: ~~معناه: حتى تعلم الصادقين؛ في أن لهم عذرا، والكاذبين، في أن لا ~~عذر لهم، والأول أصوب، والله أعلم، وأما قوله سبحانه: في سورة: # فإذا استئذنوك لبعض شأنهم... # [النور:62] الآية، ففي غزوة الخندق نزلت: { وارتابت ~~قلوبهم } ، أي: شكت و { يترددون } ، أي: يتحيرون؛ إذ ~~كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، وأنه غير ~~صحيح أحيانا، فهم مذبذبون. ### || [9.46-49] # وقوله سبحانه: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~} ، أي: لو أرادوا الخروج بنياتهم، لنظروا في ذلك واستعدوا له. # وقوله: { ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم }. # * ص *: و { ولكن }: أصلها أن تقع بين نقيضين أو ضدين، ~~أو خلافين، على خلاف فيه. انتهى. و { انبعاثهم }: نفوذهم ~~لهذه الغزوة، والتثبيط: التكسيل وكسر العزم. # وقوله سبحانه: { وقيل اقعدوا } ، يحتمل أن يكون حكاية عن ~~الله، أي: قال الله في سابق قضائه: اقعدوا مع القاعدين، ويحتمل ~~أن يكون حكاية عنهم، أي: كانت هذه مقالة بعضهم لبعض، ~~ويحتمل أن يكون عبارة عن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ~~القعود، أي: لما كره الله خروجهم، يسر أن قلت لهم: اقعدوا مع ~~القاعدين، والقعود؛ هنا: عبارة عن التخلف، وكراهية الله ~~انبعاثهم: رفق بالمؤمنين. # وقوله سبحانه: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~} الخبال: الفساد في الأشياء المؤتلفة؛ كالمودات، وبعض ~~الأجرام، { لأوضعوا } معناه: لأسرعوا السير، و { خللكم } ~~معناه: فيما بينكم. # قال * ص *: { خللكم } جمع خلل، وهو الفرجة بين الشيئين، ~~وانتصب على الظرف ب { لأوضعوا } ، و { يبغونكم }: ~~حال، أي: باغين. انتهى. والإيضاع: سرعة السير، ووقعت { ~~لأوضعوا } بألف بعد «لا» في المصحف، وكذلك وقعت في قوله: # أو لأذبحنه # [النمل:21] { يبغونكم الفتنة } ، أي: يطلبون لكم الفتنة، { ~~وفيكم سمعون لهم } ، قال مجاهد وغيره: معناه: جواسيس ~~يسمعون الأخبار، وينقلونها إليهم، وقال الجمهور: معناه: ms0641 وفيكم ~~مطيعون سامعون لهم. # وقوله سبحانه: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } ، في هذه ~~الآية تحقير لشأنهم، ومعنى قوله: { من قبل }: ما كان من حالهم في ~~أحد وغيرها، ومعنى قوله: { وقلبوا لك الأمور }: دبروها ~~ظهرا لبطن، وسعوا بكل حيلة { ومنهم من يقول ائذن لي ~~ولا تفتني } ، نزلت في الجد بن قيس، وأسند الطبري ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر " # فقال الجد: ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء، وقال ابن ~~عباس: إن الجد قال: ولكني أعينك بمالي. # وقوله سبحانه: { ألا في الفتنة سقطوا } ، أي: في الذي ~~أظهروا الفرار منه. ### || [9.50-52] # وقوله سبحانه: { إن تصبك حسنة... } الآية: الحسنة هنا بحسب ~~الغزوة: هي الغنيمة والظفر، والمصيبة: الهزيمة والخيبة، واللفظ ~~عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه، ومعنى قوله: { قد أخذنا ~~أمرنا من قبل } ، أي: قد أخذنا بالحزم في تخلفنا ~~ونظرنا لأنفسنا، ثم أمر تعالى نبيه، فقال: قل لهم يا محمد: { ~~لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } ، وهو إما ظفرا ~~وسرورا عاجلا، وإما أن نستشهد فندخل الجنة، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { قل هل تربصون بنا إلا إحدى ~~الحسنيين } ، أي: قل للمنافقين، و { الحسنيين }: ~~الظفر، والشهادة. # وقوله: { أو بأيدينا } ، يريد: القتل. ### || [9.53-54] # وقوله سبحانه: { قل أنفقوا طوعا أو كرها } الآية: ~~سببها أن الجد بن قيس حين قال: ائذن لي ولا تفتني، ~~قال: إني أعينك بمالي، فنزلت هذه الآية فيه، وهي عامة بعده. # وقوله عز وجل: { وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله }. ~~وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في ~~الطعمة يطعمها " # ونحو ذلك، وهذا مقنع لا يحتاج معه إلى نظر، وأما أن ينتفع ~~بها في الآخرة فلا، و { كسالى }: جمع كسلان. ### || [9.55-57] # وقوله سبحانه: { فلا تعجبك أمولهم ولا أولدهم ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة ~~الدنيا... } الآية: حقر في الآية شأن المنافقين، وعلل إعطاء ~~الله لهم الأموال والأولاد؛ بإرادته تعذيبهم بها ms0642 في الحياة ~~الدنيا، وفي الآخرة. # قال ابن زيد وغيره: تعذيبهم بها في الدنيا هو بمصائبها ~~ورزاياها، هي لهم عذاب؛ إذ لا يؤجرون عليها، ومن ذلك قهر ~~الشرع لهم على أداء الزكاة والحقوق والواجبات. # قال الفخر: أما كون كثرة الأموال والأولاد سببا للعذاب في ~~الدنيا، فحاصل من وجوه: منها: أن كلما كان حب الإنسان للشيء ~~أشد وأقوى، كان حزنه وتألم قلبه على فراقه أعظم وأصعب، ~~ثم عند الموت يعظم حزنه، وتشتد حسرته، لمفارقته المحبوب، ~~فالمشغوف بحب المال والولد لا يزال في تعب، فيحتاج في اكتساب ~~الأموال وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة، ثم عند حصولها ~~يحتاج إلى متاعب أشد وأصعب في حفظها وصونها؛ لأن حفظ المال ~~بعد حصوله أصعب من اكتسابه، ثم إنه لا ينتفع، إلا بالقليل من ~~تلك الأموال، فالتعب كثير، والنفع قليل، ثم قال: واعلم أن ~~الدنيا حلوة خضرة، والحواس الخمس مائلة إليها، فإذا كثرت ~~وتوالت استغرقت فيها، وانصرف الإنسان بكليته إليها، فيصير ذلك ~~سببا لحرمانه من ذكر الله، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة ~~وقوة وقهر، وكلما كان المال والجاه أكثر، كانت تلك القسوة ~~أقوى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: # إن الإنسن ليطغى * أن رءاه استغنى # [العلق:6،7] فظهر أن كثرة الأموال والأولاد سبب قوي في زوال حب ~~الله تعالى وحب الآخرة من القلب، وفي حصول الدنيا وشهواتها ~~في القلب وعند الموت؛ كأن الإنسان ينتقل من البستان إلى ~~السجن، ومن مجالسة الأقرباء والأحبة إلى موضع الغربة ~~والكربة، فيعظم تألمه، ويقوى حزنه، ثم عند الحشر: حلالها ~~حساب، وحرامها عقاب، فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب ~~لحصول العذاب في الدنيا والآخرة. انتهى. # ثم أخبر سبحانه؛ أنهم ليسوا من المؤمنين، وإنما هم يفزعون ~~منهم، والفرق: الخوف. # وقوله سبحانه: { لو يجدون ملجأ }: الملجأ من لجأ ~~يلجأ، إذا أوى واعتصم، وقرأ الجمهور: «أو مغارات» - ~~بفتح الميم -، وهي الغيران في أعراض الجبال، { أو مدخلا } ، ~~معناه: السرب والنفق في الأرض، وهو تفسير ابن عباس في هذه ~~الألفاظ، وقرأ جمهور الناس: «يجمحون»: ومعناه يسرعون. # قال الفخر: ms0643 قوله: { وهم يجمحون } أي: يسرعون إسراعا لا يرد ~~وجوههم شيء، ومن هذا يقال: جمع الفرس، وفرس جموح، وهو ~~الذي إذا حمل، لم يرده اللجام، انتهى. ### || [9.58-59] # وقوله عز وجل: { ومنهم من يلمزك... } الآية: أي: ومن ~~المنافقين من يلمزك، أي: يعيبك ويأخذ منك في الغيبة؛ ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة # وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه # ومنه قوله سبحانه: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة:1] وقوله سبحانه: { ولو أنهم رضوا ما ءاتهم ~~الله ورسوله... } الآية: المعنى: لو أن هؤلاء المنافقين رضوا ~~قسمة الله الرزق لهم، وما أعطاهم على يد رسوله، وأقروا ~~بالرغبة إلى الله، لكان خيرا لهم، وحذف الجواب، لدلالة ~~ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه. ### || [9.60] # وقوله سبحانه: { إنما الصدقت للفقراء... } الآية: { ~~إنما } في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف الصدقات على الثمانية ~~الأصناف، وإنما أختلف في صورة القسمة، ومذهب مالك وغيره؛ ~~أن ذلك على قدر الاجتهاد، وبحسب الحاجة، وأما الفقير ~~والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد ~~وغيرهم: المساكين: الذين يسعون ويسألون، والفقراء: الذين ~~يتصاونون، وهذا القول أحسن ما قيل في هذا، وتحريره أن الفقير هو ~~الذي لا مال له إلا أنه لم يذل نفسه، ولا يذل وجهه؛ وذلك إما ~~لتعفف مفرط، وإما لبلغة تكون له، كالحلوبة وما أشبهها، ~~والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع وسؤال، فهذه هي ~~المسكنة؛ ويقوي هذا أن الله سبحانه قد وصف بني إسرائيل ~~بالمسكنة، وقرنها بالذلة مع غناهم، وإذا تأملت ما قلناه، ~~بان أنهما صنفان موجودان في المسلمين. # * ت *: وقد أكثر الناس في الفرق بين الفقير والمسكين، وأولى ~~ما يعول عليه ما ثبت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ~~روى مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة؛ أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده ~~اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما ~~المسكين الذي ليس له غنى يغنيه، ولا يفطن له ~~فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس " # ، انتهى. وأول أبو ms0644 عمر في «التمهيد» هذا الحديث، فقال: كأنه أراد - ~~والله أعلم - ليس المسكين على تمام المسكنة، وعلى الحقيقة إلا ~~الذي لا يسأل الناس. انتهى. # وأما العاملون: فهم جباتها يستنيبهم الإمام في السعي على الناس، ~~وجمع صدقاتهم، قال الجمهور: لهم قدر تعبهم ومؤنتهم، وأما { ~~المؤلفة قلوبهم } ، فكانوا مسلمين وكافرين مستترين ~~مظهرين للإسلام؛ حتى وثقه الاستئلاف في أكثرهم، واستئلافهم إنما ~~كان لتجلب إلى الإسلام منفعة، أو تدفع عنه مضرة، ~~والصحيح بقاء حكمهم؛ إن احتيج إليهم، وأما { الرقاب } ، ~~فمذهب مالك وغيره هو ابتداء عتق مؤمن، وأما الغارم: فهو ~~الرجل يركبه دين في غير معصية ولا سفه، كذا قال العلماء، ~~وأما { في سبيل الله } ، فهو الغازي، وإن كان مليا ~~ببلده، وأما { ابن السبيل } ، فهو المسافر، وإن كان غنيا ~~ببلده، وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته السبيل. # ومن ادعى الفقر صدق إلا لريبة؛ فيكلف حينئذ البينة، ~~وأما إن ادعى أنه غارم أو ابن السبيل أو غاز، ونحو ذلك مما لا ~~يعلم إلا منه، فلا يعطى إلا ببينة، وأهل بلد الصدقة أحق بها ~~إلا أن تفضل فضلة، فتنقل إلى غيرهم. # قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يأمر السعاة بتفريقها في ~~المواضع التي جبيت فيها، ولا يحمل منها شيء إلى الإمام، وفي ~~الحديث: # " تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم " # وقوله سبحانه: { فريضة من الله }: أي: موجبة محدودة. ### || [9.61-62] # وقول سبحانه: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون ~~هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين }: أي: ومن المنافقين، و { يؤذون }: لفظ يعم ~~أنواع إذاءتهم له صلى الله عليه وسلم، وخص بعد ذلك من قولهم: { هو ~~أذن } ، وروي أن قائل هذه المقالة نبتل بن الحارث، وكان من ~~مردة المنافقين، وفيه قال صلى الله عليه وسلم: # " «من سره أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى ~~نبتل بن الحارث»، وكان ثائر الرأس، منتفش الشعر، أحمر ~~العينين، أسفع الخدين، مشوها " # قال الحسن البصري ومجاهد: قولهم: { هو أذن }: أي: يسمع معاذيرنا ~~ويقبلها، أي: فنحن لا نبالي من الوقوع فيه، وهذا تنقص بقلة الحزم، ~~وقال ابن ms0645 عباس وغيره: إنهم أرادوا بقولهم: { هو أذن }: أي: يسمع ~~كل ما ينقل إليه عنا، ويصغي إليه ويقبله، فهذا تشك منه عليه ~~السلام، ومعنى { أذن }: سماع، وهذا من باب تسمية الشيء بالشيء، إذا ~~كان منه بسبب؛ كما يقال للرؤية: عين؛ وكما يقال للمسنة من الإبل ~~التي قد بزل نابها: ناب. # وقيل: معنى الكلام: ذو أذن، أي: ذو سماع، وقيل: إنه مشتق من ~~قولهم: أذن إلى شيء؛ إذا استمع؛ ومنه قول الشاعر: [البسيط] # > صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وقرأ نافع: «أذن» - بسكون الذال فيهما -، وقرأ الباقون بضمها فيهما، ~~وكلهم قرأ بالإضافة إلى «خير» إلا ما روي عن عاصم، وقرأ الحسن ~~وغيره: «قل أذن خير» - بتنوين «أذن»، ورفع «خير» -، وهذا جار ~~على تأويله المتقدم، والمعنى: من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت ~~هذه القراءة عن عاصم، ومعنى «أذن خير» على الإضافة: أي سماع خير ~~وحق، و { يؤمن بالله }: معناه: يصدق بالله، { ويؤمن ~~للمؤمنين }: قيل: معناه: ويصدق المؤمنين، واللام زائدة، وقيل: ~~يقال: آمنت لك، بمعنى: صدقتك؛ ومنه: # وما أنت بمؤمن لنا # [يوسف:17]. # قال * ع *: وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء، فالمعنى: ~~ويصدق للمؤمنين بما يخبرونه به، وكذلك قوله: { وما أنت بمؤمن ~~لنا } بما نقوله. # * ت *: ولما كانت أخبار المنافقين تصل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم تارة بإخبار الله له، وتارة بإخبار المؤمنين، وهم عدول، ناسب ~~اتصال قوله سبحانه: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ~~}؛ بما قبله، ويكون التصديق هنا خاصا بهذه القضية، وإن كان ظاهر ~~اللفظ عاما؛ إذ من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل ~~مصدقا بالله، وقرأ جميع السبعة إلا حمزة و«رحمة» - بالرفع -؛ ~~عطفا على «أذن»، وقرأ حمزة وحده: و«رحمة» - بالخفض -؛ عطفا على ~~«خير»، وخصص الرحمة للذين آمنوا؛ إذ هم الذين فازوا ونجوا ~~بالرسول عليه السلام، { يحلفون بالله لكم }: يعني: ~~المنافقين. # وقوله: { والله ورسوله أحق أن يرضوه }: التقدير عند ~~سيبويه: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، فحذف ~~الخبر من الجملة الأولى، لدلالة ms0646 الثانية عليه. # وقيل: الضمير في «يرضوه» عائد على المذكور؛ كما قال رؤبة: [الرجز] # فيها خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي: كأن المذكور. ### || [9.63-64] # وقوله: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ~~ورسوله... } الآية: { يحادد }: معناه: يخالف ويشاق. # وقوله سبحانه: { يحذر المنفقون أن تنزل عليهم ~~سورة تنبئهم بما في قلوبهم }: { يحذر }: خبر عن حال ~~قلوبهم. # وقال الزجاج وغيره: «يحذر»: الأمر، وإن كان لفظه لفظ الخبر؛ ~~كأنه قال: «ليحذر». # وقوله سبحانه: { قل استهزءوا }: لفظه لفظ الأمر، ومعناه ~~التهديد، ثم أخبر سبحانه؛ أنه مخرج لهم ما يحذرونه إلى حين ~~الوجود، وقد فعل ذلك تبارك وتعالى في «سورة براءة»، فهي تسمى ~~«الفاضحة»؛ لأنها فضحت المنافقين. ### || [9.65-66] # وقوله سبحانه: { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب... } الآية: نزلت على ما ذكر جماعة من المفسرين ~~في وديعة بن ثابت؛ وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا ~~يسيرون في غزوة تبوك، فقال بعضهم: هذا يريد أن يفتح قصور ~~الشام، ويأخذ حصون بني الأصفر، هيهات هيهات! فوقفهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا: ~~إنما كنا نخوض ونلعب، وذكر الطبري عن عبد الله بن عمر؛ أنه ~~قال: رأيت قائل هذه المقالة «وديعة» متعلقا بحقب ناقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها، والحجارة تنكبه، وهو ~~يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقوله: { ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } ، ثم حكم ~~سبحانه عليهم بالكفر، فقال لهم: { لا تعتذروا قد كفرتم ~~} الآية. # وقوله سبحانه: { إن نعف عن طائفة منكم } ، يريد؛ فيما ~~ذكره المفسرون، رجلا واحدا، قيل: اسمه مخشي بن حمير، قاله ~~ابن إسحاق، وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة، وقد كان تاب، ~~وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد، ويجهل أمره، ~~فكان كذلك، ولم يوجد جسده، وكان مخشي مع المنافقين الذين قالوا: ~~إنما كنا نخوض ونلعب، فقيل: كان منافقا، ثم تاب توبة صحيحة، ~~وقيل: كان مسلما مخلصا إلا أنه سمع المنافقين، فضحك لهم، ولم ~~ينكر عليهم، فعفا الله ms0647 عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب ~~لباقي المنافقين الذين قالوا ما تقدم. ### || [9.67-68] # وقوله سبحانه: { المنفقون والمنفقت بعضهم من ~~بعض }: يريد: في الحكم والمنزلة في الكفر، ولما تقدم قبل: # وما هم منكم # [التوبة:56] حسن هذه الإخبار، و { ويقبضون أيديهم }: أي: ~~عن الصدقة، وفعل الخير، { نسوا الله }: أي: تركوه؛ حين ~~تركوا اتباع نبيه وشرعه، { فنسيهم }: أي: فتركهم ~~حين لم يهدهم، والكفار؛ في الآية: المعلنون، وقوله: { هي ~~حسبهم }: أي: كافيتهم. ### || [9.69-72] # وقوله تعالى: { كالذين من قبلكم }: أي: أنتم، أيها ~~المنافقون، كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة، فعصوا؛ ~~فأهلكوا؛ فأنتم أولى بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق: الحظ ~~من القدر والدين وجميع حال المرء، فخلاق المرء: الشيء الذي ~~هو به خليق، والمعنى: عجلوا حظهم في دنياهم، وتركوا الآخرة، ~~فاتبعتموهم أنتم، { أولئك حبطت أعملهم في ~~الدنيا والأخرة }: المعنى: وأنتم أيضا كذلك، ويحتمل أن يريد ~~ب { أولئك }: المنافقين. # وقوله سبحانه: { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود... } الآية: المعنى ألم يأت هؤلاء ~~المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله؛ بتكذيب رسله، ~~فأهلكها، و { قوم إبراهيم }: نمرود وأصحابه وأتباع ~~دولته، { وأصحب مدين } قوم شعيب، { ~~والمؤتفكت }: أهل القرى الأربعة أو السبعة التي بعث ~~إليهم لوط عليه السلام، ومعنى { والمؤتفكت }: المنصرفات ~~والمنقلبات أفكت فأتفكت لأنها جعل عاليها سافلها، ولفظ ~~البخاري: { والمؤتفكت }: ائتفكت: انقلبت بهم الأرض. ~~انتهى. # والضمير في { أتتهم رسلهم }: عائد على هذه الأمم المذكورة، ثم ~~عقب سبحانه بذكر المؤمنين، وما من به عليهم من حسن ~~الأعمال؛ ترغيبا وتنشيطا؛ لمبادرة ما به أمر؛ لطفا منه بعباده ~~سبحانه، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. # وقوله سبحانه: { ويقيمون الصلوة }: قال ابن عباس: هي الصلوات ~~الخمس. # قال * ع *: وبحسب هذا تكون الزكاة هي المفروضة، والمدح عندي ~~بالنوافل أبلغ؛ إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، والسين ~~في قوله: { سيرحمهم }: مدخلة في الوعد مهلة؛ لتكون ~~النفوس تنعم برجائه سبحانه، وفضله سبحانه زعيم بالإنجاز، وذكر ~~الطبري في قوله تعالى: { ومسكن طيبة } ، عن الحسن أنه ~~سأل عنها عمران بن حصين ms0648 وأبا هريرة، فقالا: على الخبير ~~سقطت! سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~« قصر في الجنة من اللؤلؤ، فيه سبعون دارا من ~~ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمرذة ~~خضراء، في كل بيت سبعون سريرا » ونحو هذا مما يشبه هذه ~~الألفاظ، ويقرب منها، فاختصرتها طلب الإيجاز. # * ت *: وتمام الحديث من «الإحياء»، وكتاب الآجري المعروف ب ~~«كتاب النصيحة»، عن الحسن عن عمران بن حصين وأبي هريرة، قالا: « على ~~كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل ~~فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون ~~مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في ~~كل بيت سبعون وصيفة، ويعطى المؤمن في كل ~~غداة من القوة ما يأتي على ذلك أجمع»، وأما قوله ~~سبحانه: { ورضون من الله أكبر } ، ففي الحديث الصحيح؛ # " أن الله عز وجل يقول لعباده إذا استقروا في ~~الجنة: هل رضيتم؟! فيقولون: وكيف لا نرضى، يا ~~ربنا؟ فيقول: إني سأعطيكم أفضل من هذا كله، ~~رضواني، أرضى عنكم؛ فلا أسخط عليكم أبدا.... " # الحديث، وقوله: { أكبر }: يريد: أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى ~~الآية والحديث متفق، وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إلى قلوبهم ~~برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر ~~لأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة، قال الإمام الفخر: ~~وإنما كان الرضوان أكبر؛ لأنه عند العارفين نعيم روحاني، ~~وهو أشرف من النعيم الجسماني. انتهى. انظره في أوائل «آل ~~عمران». # قال * ع *: ويظهر أن يكون قوله تعالى: { ورضون من الله ~~أكبر } إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنيم، والذين ~~يرون كما يرى النجم الغابر في الأفق، وجميع من في الجنة ~~راض، والمنازل مختلفة، وفضل الله متسع، و { الفوز }: ~~النجاة والخلاص، ومن أدخل الجنة فقد فاز، والمقربون هم في ~~الفوز العظيم، والعبارة عندي ب «سرور وكمال» أجود من العبارة عنها ~~ب «لذة»، واللذة أيضا مستعملة في هذا. ### || [9.73-74] # وقوله سبحانه: { يأيها النبى جهد الكفر }: أي: ~~بالسيف و { المنفقين } ، أي: باللسان والتعنيف والاكفهرار ~~في ms0649 الوجه، وبإقامة الحدود عليهم. # قال الحسن: وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين، ~~ومذهب الطبري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ~~ويسترهم، وأما قوله: { واغلظ عليهم } ، فلفظة عامة في ~~الأفعال والأقوال، ومعنى الغلظ: خشن الجانب، فهو ضد قوله تعالى: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء:215]، وقوله عز وجل: { يحلفون بالله ما ~~قالوا... } الآية، نزلت في الجلاس بن سويد، وقوله: لئن ~~كان ما يقول محمد حقا، لنحن شر من الحمر، فسمعها منه ~~ربيبه أو رجل آخر، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء ~~الجلاس، فحلف بالله؛ ما قال هذه الكلمة، فنزلت الآية، فكلمة ~~الكفر: هي مقالته هذه؛ لأن مضمنها قوي في التكذيب، قال مجاهد: ~~وقوله: { وهموا بما لم ينالوا }: يعني: أن الجلاس قد ~~كان هم بقتل صاحبه الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ~~قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، وقوله في ~~غزوة المريسيع: ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال ~~الأول: سمن كلبك يأكلك، و # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون:8]، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فوقفه، فحلف ~~أنه لم يقل ذلك، فنزلت الآية مكذبة له. # * ت *: وزاد ابن العربي في «أحكامه» قولا ثالثا؛ أن الآية نزلت ~~في جماعة المنافقين؛ قاله الحسن، وهو الصحيح؛ لعموم القول ووجود المعنى ~~فيه، وفيهم، انتهى. # وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده، قال: سئل سفيان بن ~~عيينة عن الهم: أيؤاخذ به صاحبه؟ قال: نعم، إذا ~~كان عزما؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: { وهموا بما ~~لم ينالوا... } الآية، إلى قوله: { فإن يتوبوا يك خيرا ~~لهم } ، فجعل عليهم فيه التوبة، قال سفيان: الهم يسود ~~القلب انتهى. # قال * ع *: وعلى تأويل قتادة، فالإشارة ب { كلمة الكفر } ~~إلى تمثيل ابن أبي «سمن كلبك يأكلك». # قال قتادة: والإشارة ب { هموا } إلى قوله: # لئن رجعنا إلى المدينة # [المنافقون:8]. # وقال الحسن: هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بما لم ينالوا، وقال تعالى: { بعد إسلمهم } ، ~~ولم ms0650 يقل: «بعد إيمانهم»؛ لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم. # وقوله سبحانه: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله... } ~~الآية: كأن الكلام، وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر، وذكر ~~رسول الله في إغنائهم من حيث كثرت أموالهم من الغنائم، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في ذلك، وعلى هذا الحد # " قال عليه السلام للأنصار في غزوة حنين: « كنتم عالة، ~~فأغناكم الله » " # ، قال العراقي: { نقموا }: أي: أنكروا. # وقال * ص *: { إلا أن أغناهم الله }: إن وصلتها: ~~مفعول { نقموا }: أي: ما كرهوا إلا إغناء الله إياهم، وقيل: ~~هو مفعول من أجله، والمفعول به محذوف، أي: ما كرهوا الإيمان إلا ~~للإغناء. انتهى. # ثم فتح لهم سبحانه باب التوبة؛ رفقا بهم ولطفا، فروي أن ~~الجلاس تاب من النفاق، وقال: إن الله قد ترك لي باب ~~التوبة، فاعترف وأخلص، وحسنت توبته. ### || [9.75-79] # وقوله سبحانه: { ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من ~~فضله لنصدقن... } الآية: # " هذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري، قال الحسن: وفي ~~معتب بن قشير معه، واختصار ما ذكره الطبري وغيره من أمره: ~~أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ~~ادع الله أن يجعل لي مالا، فإني لو كنت ذا ~~مال، لقضيت حقوقه، وفعلت فيه الخير، فراده ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: « قليل تؤدي شكره ~~خير من كثير لا تطيقه » فعاود، فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: « ألا تريد أن تكون مثل رسول ~~الله، ولو دعوت الله أن يسير الجبال معي ~~ذهبا، لسارت » فأعاد عليه حتى دعا له النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمو ~~الدود؛ حتى ضاقت به المدينة، فتنحى عنها، وكثرت غنمه، حتى ~~كان لا يصلي إلا الجمعة، ثم كثرت حتى تنحى بعيدا، فترك ~~الصلاة، ونجم نفاقه، ونزل خلال ذلك فرض الزكاة، فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصدقين بكتابه في أخذ زكاة الغنم، ~~فلما بلغوا ثعلبة، وقرأ الكتاب، قال: هذه أخت الجزية، ~~ثم قال لهم: دعوني حى أرى رأيي، فلما ms0651 أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأخبروه، قال:« ويح ثعلبة »ثلاثا، ~~ونزلت الآية فيه، فحضر القصة قريب لثعلبة، فخرج إليه، فقال: ~~أدرك أمرك، فقد نزل فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرغب أن يؤدي زكاته، فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: « إن الله أمرني ~~ألا آخذ زكاتك » " # ، فبقي كذلك حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~ورد ثعلبة على أبي بكر، ثم على عمر، ثم على عثمان، يرغب إلى ~~كل واحد منهم أن يأخذ منه الزكاة، فكلهم رد ذلك وأباه؛ اقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، فبقي ثعلبة كذلك حتى هلك في مدة ~~عثمان. # وفي قوله تعالى: { فأعقبهم }: نص في العقوبة على الذنب بما ~~هو أشد منه. # وقوله: { إلى يوم يلقونه }: يقتضي موافاتهم على ~~النفاق، قال ابن العربي: في ضمير { يلقونه } قولان: # أحدهما: أنه عائد على الله تعالى. # والثاني: أنه عائد على النفاق مجازا؛ على تقدير الجزاء؛ كأنه قال: ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون جزاءه. انتهى من ~~«الأحكام». # و { يلمزون }: معناه: ينالون بألسنتهم، وأكثر الروايات في سبب ~~نرول الآية أن عبد الرحمن بن عوف تصدق بأربعة آلاف، ~~وأمسك مثلها. # وقيل: هو عمر بن الخطاب تصدق بنصف ماله، وقيل: عاصم بن ~~عدي تصدق بمائة وسق، فقال المنافقون: ما هذا إلا رياء، ~~فنزلت الآية في هذا كله، وأما المتصدق بقليل، فهو أبو عقيل تصدق ~~بصاع من تمر، فقال بعضهم: إن الله غني عن صاع أبي عقيل، وخرجه ~~البخاري، وقيل: إن الذي لمز في القليل هو أبو خيثمة؛ قاله ~~كعب بن مالك. # { فيسخرون منهم }: معناه: يستهزئون ويستخفون وروى مسلم عن ~~جرير بن عبد الله، قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي ~~النمار متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم ~~من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما ~~رأى بهم من الفاقة، فذخل ثم خرج، ms0652 فأمر بلالا، فأذن وأقام، ~~فصلى ثم خطب، فقال: { يأيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس وحدة } إلى آخر الآية: # إن الله كان عليكم رقيبا # [النساء:1] والآية التي في سورة الحشر: # اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد # [الحشر:18] تصدق رجل؛ من ديناره، من درهمه، من ~~ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره؛ حتى قال: ولو ~~بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة ~~كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم ~~تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب؛ ~~حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل ~~كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها ~~وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، ~~كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من ~~غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". # انتهى. ### || [9.80-81] # وقوله سبحانه: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم }: ~~المعنى: أن الله خير نبيه في هذا، فكأنه قال له: إن شئت ~~فاستغفر لهم، وإن شئت لا تستغفر، ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم، وإن ~~استغفر سبعين مرة، وهذا هو الصحيح في تأويل الآية، لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعمر: # " إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني ~~إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت... " # الحديث، وظاهر لفظ الحديث رفض إلزام دليل الخطاب، وظاهر صلاته ~~صلى الله عليه وسلم على ابن أبي أن كفره لم يكن يقينا ~~عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ~~ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين، ~~وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية، صح أن ذلك التخيير ~~هو الذي نسخ بقوله تعالى في «سورة المنافقين: [6]»: # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم # * ت *: والظاهر أن الآيتين بمعنى، فلا نسخ، فتأمله، ولولا الإطالة ~~لأوضحت ذلك. # قال * ع *: وأما تمثيله بالسبعين دون غيرها من الأعداد، ms0653 فلأنه عدد ~~كثيرا ما يجيء غاية ومقنعا في الكثرة. # وقوله: { ذلك } إشارة إلى امتناع الغفران. # وقوله عز وجل: { فرح المخلفون بمقعدهم خلف ~~رسول الله... } الآية: هذه آية تتضمن وصف حالهم، على جهة ~~التوبيخ، وفي ضمنها وعيد، وقوله: { المخلفون }: لفظ يقتضي ~~تحقيرهم، وأنهم الذين أبعدهم الله من رضاه و«مقعد»: بمعنى ~~القعود، و«خلاف»: معناه: «بعد»؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] # فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى # تأهب لأخرى مثلها فكأن قد # يريد: بعد الذي مضى. # وقال الطبري: هو مصدر: خالف يخالف، وقولهم: { لا تنفروا ~~في الحر }: كان هذا القول منهم؛ لأن غزوة تبوك كانت في شدة ~~الحر وطيب الثمار. ### || [9.82-84] # وقوله سبحانه: { فليضحكوا قليلا }؛ إشارة إلى مدة العمر في ~~الدنيا. # وقوله: { وليبكوا كثيرا }؛ إشارة إلى تأبيد الخلود في ~~النار، فجاء بلفظ الأمر، ومعناه الخبر عن حالهم، وتقدير الكلام: ~~ليبكوا كثيرا؛ إذ هم معذبون، جزاء بما كانوا يكسبون، وخرج ابن ~~ماجه بسنده، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يرسل البكاء على أهل النار، فيبكون حتى ~~تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى تصير في ~~وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن ~~لجرت " # ، وخرجه ابن المبارك أيضا عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " يأيها الناس، ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، ~~فإن أهل النار تسيل دموعهم في وجوههم، ~~كأنها جداول حتى تنقطع الدموع، فتسيل ~~الدماء، فتقرح العيون، فلو أن سفنا أجريت ~~فيها، لجرت " # ، انتهى من «التذكرة». # وقوله سبحانه: { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم... ~~} الآية: يشبه أن تكون هذه الطائفة قد حتم عليها بالموافاة على ~~النفاق، وعينوا للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { وماتوا وهم فسقون }: نص في موافاتهم على ذلك؛ ~~ومما يؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم عينهم ~~لحذيفة بن اليمان، وكان الصحابة إذا رأوا حذيفة تأخر عن ~~الصلاة على جنازة، تأخروا هم عنها، وروي عن حذيفة؛ أنه قال ~~يوما: بقي من المنافقين كذا وكذا. # وقوله: { أول } هو بالإضافة إلى وقت الاستئذان، ms0654 و«الخالفون»: ~~جمع من تخلف من نساء، وصبيان، وأهل عذر، وتظاهرت الروايات أنه ~~صلى الله عليه وسلم صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول، ~~وأن قوله: { ولا تصل على أحد منهم } نزلت بعد ذلك، ~~وقد خرج ذلك البخاري من رواية عمر بن الخطاب. انتهى. ### || [9.85-89] # وقوله سبحانه: { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم }: ~~تقدم تفسير مثل هذه الآية، والطول في هذه الآية المال؛ قاله ابن ~~عباس وغيره، والإشارة بهذه الآية إلى الجد بن قيس ونظرائه، ~~و«القاعدون»: الزمنى وأهل العذر في الجملة، و { الخوالف ~~}: النساء جمع خالفة؛ هذا قول جمهور المفسرين. # وقال أبو جعفر النحاس: يقال للرجل الذي لا خير فيه: خالفة، ~~فهذا جمعه بحسب اللفظ، والمراد أخسة الناس وأخلافهم؛ ونحوه عن ~~النضر بن شميل، وقالت فرقة: الخوالف: جمع خالف؛ كفارس ~~وفوارس. # { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }: أي: لا ~~يفهمون، و { الخيرات }: جمع خيرة، وهو المستحسن من كل شيء. # وقوله سبحانه: { أعد الله لهم جنت تجري من ~~تحتها الأنهر خلدين فيها ذلك الفوز العظيم ~~}: { أعد }: معناه يسر وهيأ، وباقي الآية بين. ### || [9.90-92] # وقوله سبحانه: { وجاء المعذرون من الأعراب... } الآية: ~~قال ابن عباس وغيره: هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانت أعذارهم صادقة، ~~وأصل اللفظة: «المعتذرون»، فقلبت التاء ذالا وأدغمت، وقال ~~قتادة، وفرقة معه: بل الذين جاؤوا كفرة، وقولهم وعذرهم كذب. # قال * ص *: والمعنى: تكلفوا العذر، ولا عذر لهم، و { كذبوا ~~الله ورسوله } ، أي: في إيمانهم. انتهى. # وقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم... } الآية قوله: { ~~منهم } يؤيد أن المعذرين كانوا مؤمنين، فتأمله، قال ابن ~~إسحاق: المعذرون: نفر من بني غفار؛ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون. # وقوله جلت عظمته: { ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى... } الآية: يقول: ليس على أهل الأعذار من ضعف بدن أو ~~مرض أو عدم نفقة إثم؛ والحرج: الإثم. # وقوله: { إذا نصحوا }: يريد: بنياتهم وأقوالهم سرا وجهرا، { ~~ما على المحسنين من سبيل }: أي: من لائمة تناط بهم، ثم ~~أكد الرجاء بقوله سبحانه: { والله غفور رحيم } ، وقرأ ابن ~~عباس: « والله لأهل الإساءة غفور رحيم»، وهذا على جهة ms0655 ~~التفسير أشبه منه على جهة التلاوة؛ لخلافه المصحف، واختلف فيمن ~~المراد بقوله: { الذين لا يجدون ما ينفقون }: فقالت ~~فرقة: نزلت في بني مقرن: ستة إخوة، وليس في الصحابة ستة ~~إخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعة. # وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو المزني؛ قاله قتادة، وقيل: في ~~عبد الله بن معقل المزني. قاله ابن عباس. # وقوله عز وجل: { ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم } هذه الآية نزلت في البكائين، واختلف في تعيينهم، ~~فقيل: في أبي موسى الأشعري ورهطه، وقيل: في بني مقرن؛ وعلى ~~هذا جمهور المفسرين، وقيل: نزلت في سبعة نفر من بطون شتى، فهم ~~البكاؤون، وقال مجاهد: البكاؤون هم بنو مقرن من مزينة، ~~ومعنى قوله: { لتحملهم }: أي: على ظهر يركب، ويحمل ~~عليه الأثاث. # * ت *: وقصة أبي موسى الأشعري ورهطه مذكورة في الصحيح، قال ~~ابن العربي في «أحكامه»: القول بأن الآية نزلت في أبي موسى وأصحابه ~~هو الصحيح، انتهى. ### || [9.93-94] # وقوله سبحانه: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنياء... } الآية: هذه الآية نزلت في المنافقين ~~المتقدم ذكرهم: عبد الله بن أبي، والجد بن قيس، ~~ومعتب، وغيرهم. # وقوله: { إذا رجعتم }: يريد: من غزوة تبوك، ومعنى: { لن ~~نؤمن لكم }: لن نصدقكم، والإشارة بقوله: { قد نبأنا ~~الله من أخباركم } إلى قوله: # ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خللكم # [التوبة:47]، ونحوه من الآيات. # وقوله سبحانه: { وسيرى الله عملكم }: توعد، والمعنى: فيقع ~~الجزاء عليه، قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي: اعمل للدنيا ~~بقدر مقامك فيها، واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها، واستحيي ~~من الله تعالى بقدر قربه منك، وأطعه بقدر حاجتك ~~إليه، وخفه بقدر قدرته عليك، واعصه بقدر صبرك على ~~النار. انتهى. من «سراج الملوك». # وقوله: { ثم تردون }: يريد البعث من القبور. ### || [9.95-97] # وقوله عز وجل: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم... } الآية: قيل: إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن ~~المنافقين في غزوة تبوك. # وقوله: { إنهم رجس }: أي: نتن وقذر، وناهيك بهذا الوصف ~~محطة دنيوية، ثم عطف بمحطة الآخرة، فقال: { ومأواهم ~~جهنم } ، أي: مسكنهم. # وقوله: { فإن ms0656 ترضوا... } إلى آخر الآية: شرط يتضمن النهي ~~عن الرضا عنهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ~~ونحوها. # وقوله سبحانه: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا }: هذه الآية ~~نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة أن خوفهم هناك كان ~~أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة، ونفاقهم ~~أنجم و { أجدر }: معناه أحرى. # وقال * ص *: معناه أحق، والحدود هنا: السنن والأحكام. ### || [9.98] # وقوله سبحانه: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما... } الآية نص في المنافقين منهم، و«الدوائر»: المصائب، ~~ويحتمل أن تشتق من دوران الزمان، والمعنى: ينتظر بكم ما تأتي به ~~الأيام، وتدور به، ثم قال على جهة الدعاء: { عليهم دائرة ~~السوء } ، وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل، فإنما ~~هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأن الله لا يدعو على مخلوقاته، وهي في ~~قبضته؛ ومن هذا # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة:1]، # ويل للمطففين # [المطففين:1]، فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى. # * ت *: وهذه قاعدة جيدة، وما وقع له رحمه الله مما ظاهره مخالف ~~لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذكره هنا، وقد وقع له ذلك بعد هذا في ~~قوله: # صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون # [التوبة:127]، قال: يحتمل أن يكون دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون ~~خبرا، أي: استوجبوا ذلك، وقد أوضح ذلك عند قوله تعالى: # قتل أصحب الأخدود # [البروج:4]، فانظره هناك. ### || [9.99-100] # وقوله سبحانه: { ومن الأعراب من يؤمن بالله } قال ~~قتادة: هذه ثنية الله تعالى من الأعراب، وروي أن هذه الآية نزلت ~~في بني مقرن؛ وقاله مجاهد { ويتخذ }؛ في الآيتين بمعنى: ~~يجعله قصده، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذكره الله عنهم، و { ~~صلوت الرسول }: دعاؤه، ففي دعائه خير الدنيا والآخرة، ~~والضمير في قوله: { إنها }: يحتمل عوده على النفقة، ويحتمل ~~عوده على الصلوات، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { والسبقون الأولون من المهجرين ~~والأنصر... } الآية: قال أبو موسى الأشعري وغيره: السابقون ~~الأولون من صلى القبلتين، وقال عطاء: هم من شهد بدرا. # وقال الشعبي: من أدرك بيعة الرضوان، { والذين ~~اتبعوهم بإحسان }: يريد: ms0657 سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ: ~~التابعون وسائر الأمة، لكن بشريطة الإحسان، وقرأ عمر بن الخطاب ~~وجماعة: و«الأنصار» - بالرفع -؛ عطفا على «والسابقون»، وقرأ ابن ~~كثير: «من تحتها الأنهار»، وقرأ الباقون: «تحتها»، بإسقاط ~~«من». ### || [9.101] # وقوله سبحانه: { وممن حولكم من الأعراب منفقون ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق }: الإشارة ب ~~«من حولكم» إلى جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وعصية، ~~ولحيان، وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر الله سبحانه عن ~~منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهل المدينة قوم أو منافقون، هذا أحسن ~~ما حمل اللفظ، { مردوا }: قال أبو عبيدة معناه: مرنوا ~~عليه، ولجوا فيه، وقيل غير هذا مما هو قريب منه. # وقال ابن زيد: قاموا عليه، لم يتوبوا؛ كما تاب الآخرون، والظاهر ~~من اللفظة أن التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج ~~والاشتهار به، والعتو على الزاجر، وركوب الرأس في ذلك، وهو ~~مستعمل في الشر لا في الخير؛ ومنه: شيطان مريد ومارد، وقال ~~ابن العربي في «أحكامه»: { المدينة مردوا على النفاق }: ~~أي: استمروا عليه، وتحققوا به. انتهى، ذكره بعد قوله تعالى: # الذين اتخذوا مسجدا ضرارا # [التوبة:107]. # ثم نفى عز وجل علم نبيه لهم على التعيين. # وقوله سبحانه: { سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم }: لفظ الآية يقتضي ثلاث مواطن من العذاب، ولا ~~خلاف بين المتأولين أن العذاب العظيم الذي يردون إليه هو عذاب ~~الآخرة، وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر، واختلف ~~في عذاب المرة الأولى: فقال ابن عباس: عذابهم بإقامة حدود ~~الشرع عليهم، مع كراهيتهم فيه. # وقال أبو إسحاق: عذابهم: هو همهم بظهور الإسلام، وعلو ~~كلمته. وقال ابن عباس أيضا - وهو الأشهر عنه -: عذابهم هو ~~فضيحتهم ووصمهم بالنفاق. وقيل غير هذا. # وقوله عز وجل: ### || [9.102] # { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } الآية. قال ابن عباس، ~~وأبو عثمان: هذه الآية في الأعراب، وهي عامة في الأمة ~~إلى يوم القيامة. قال أبو عثمان: ما في القرآن آية أرجى عندي ~~لهذه الأمة منها. وقال مجاهد: بل نزلت هذه الآية في أبي ~~لبابة الأنصاري خاصة في شأنه ms0658 مع بني قريظة لما أشار ~~لهم إلى حلقه، ثم ندم وربط نفسه في سارية من سواري ~~المسجد، وقالت فرقة عظيمة: بل نزلت هذه الآية في شأن المخلفين ~~عن غزوة تبوك. # * ت *: وخرج «البخاري» بسنده عن سمرة بن جندب قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني فانتهينا إلى ~~مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا ~~رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء. وشطر ~~كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ~~ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ~~ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: ~~هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قالا: أما القوم ~~الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتجاوز الله ~~عنهم " # انتهى. ### || [9.103-104] # وقوله تعالى: { خذ من أمولهم صدقة.... } الآية: روي أن ~~الجماعة التائبة لما تيب عليها، قالوا: يا رسول الله؛ إنا ~~نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا، فقال لهم صلى الله ~~عليه وسلم: «إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من ~~الله»، فتركهم حتى نزلت هذه الآية، فهم المراد بها، ~~فروي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم، مراعاة لقوله ~~تعالى: { من أمولهم } ، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال ~~المتأولين، وقالت جماعة من الفقهاء: المراد بهذه الآية الزكاة ~~المفروضة، وقوله تعالى: { تطهرهم وتزكيهم بها }: أحسن ~~ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقوله سبحانه: { وصل عليهم }: معناه: ادع لهم، فإن في دعائك ~~لهم سكونا لأنفسهم وطمأنينة ووقارا، فهي عبارة عن صلاح المعتقد، ~~والضمير في قوله: { ألم يعلموا } قال ابن زيد: يراد به ~~الذين لم يتوبوا من المتخلفين، ويحتمل أن يراد به الذين تابوا، ~~وقوله: { ويأخذ الصدقت } قال الزجاج: معناه: ويقبل ~~الصدقات، وقد جاءت أحاديث صحاح في معنى الآية؛ منها حديث أبي هريرة: # " إن الصدقة قد تكون قدر اللقمة يأخذها ~~الله بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي ~~أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل ms0659 " # ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة ~~العبد. # وقوله: { عن عباده }: هي بمعنى «من». ### || [9.105-110] # وقوله سبحانه: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون وستردون إلى علم الغيب ~~والشهدة... } الآية، هذه الآية صيغتها صيغة أمر مضمنها ~~الوعيد. # وقال الطبري: المراد بها الذين اعتذروا من المتخلفين وتابوا. # قال * ع *: والظاهر أن المراد بها الذين اعتذروا، ولم يتوبوا وهم ~~المتوعدون، وهم الذين في ضمير { ألم يعلموا } ، ومعنى: { ~~فسيرى الله عملكم } ، أي: موجودا معرضا للجزاء عليه ~~بخير أو بشر. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: قوله سبحانه: { وقل اعملوا ~~فسيرى الله عملكم ورسوله } هذه الآية نزلت بعد ذكر ~~المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: اعملوا بما يرضي الله سبحانه، وأما ~~الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: # قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله ~~عملكم ورسوله # [التوبة:94]؛ فإنها نزلت بعد ذكر المنافقين، ومعناها: التهديد؛ وذلك ~~لأن النفاق موضع ترهيب، والإيمان موضع ترغيب، فقوبل أهل كل ~~محل من الخطاب بما يليق بهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { وآخرون مرجون لأمر الله }: عطف على ~~قوله أولا: { وآخرون اعترفوا }: ومعنى الإرجاء: التأخير، ~~والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وجماعة: الثلاثة الذين ~~خلفوا، وهم كعب بن مالك، وصاحباه؛ على ما سيأتي إن شاء الله، ~~وقيل: إنما نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين ~~للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار، وعلى هذا: يكون { الذين ~~اتخذوا } بإسقاط واو العطف بدلا من { آخرون } ، أو خبر مبتدأ، ~~تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم وعوام القراء، والناس في كل قطر ~~إلا ب «المدينة»: { والذين اتخذوا } ، وقرأ أهل المدينة، ~~نافع وغيره الذين اتخذوا - بإسقاط الواو؛ على أنه مبتدأ، ~~والخبر: { لا يزال بنيانهم } وأما الجماعة المرادة ب { ~~الذين اتخذوا مسجدا } ، فهم منافقو بني غنم بن عوف، ~~وبني سالم بن عوف، وأسند الطبري، عن ابن إسحاق، # " عن الزهري وغيره، أنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غزوة تبوك، حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ~~ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار، قد أتوه صلى ms0660 الله ~~عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله؛ إنا قد ~~بنينا مسجدا؛ لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، ~~وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: « إني على ~~جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله ~~أتيناكم، فصلينا لكم فيه »، فلما قفل، ونزل ~~بذي أوان، نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشن ~~ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، فقال: « ~~انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه، ~~وحرقاه » " # فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه، وذكر النقاش ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمه وتحريقه عمار بن ~~ياسر ووحشيا مولى المطعم بن عدي، وكان بانوه اثني ~~عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن ~~قشير، ونبتل بن الحارث وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلى الله ~~عليه وسلم مسجدا في بني عمرو بن عوف وقت الهجرة، وهو مسجد ~~«قباء» وتشرف القوم بذلك، حسدهم حينئذ رجال من بني عمهم ~~من بني غنم بن عوف، وبني سالم بن عوف، وكان فيهم نفاق، ~~وكان موضع مسجد «قباء» مربطا لحمار امرأة من الأنصار، ~~اسمها: لية، فكان المنافقون يقولون: والله لا نصبر على ~~الصلاة في مربط حمار لية، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو ~~عامر المعروف بالراهب منهم، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، وكان ~~سيدا من نظراء عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما جاء ~~الله بالإسلام، نافق، ولم يزل مجاهرا بذلك، فسماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الفاسق، ثم خرج في جماعة من المنافقين، فحزب ~~على النبي صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردهم الله بغيظهم، ~~أقام أبو عامر ب «مكة» مظهرا لعداوته، فلما فتح الله «مكة»، هرب ~~إلى «الطائف»، فلما أسلم أهل الطائف، خرج هاربا إلى الشام، يريد ~~قيصر مستنصرا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى ~~المنافقين من قومه أن ابنوا مسجدا، مقاومة لمسجد «قباء»، وتحقيرا ~~له، فإني سآتي بجيش من الروم، أخرج به محمدا، وأصحابه من ms0661 ~~«المدينة»، فبنوه وقالوا: سيأتي أبو عامر ويصلي فيه، فذلك قوله: { ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } يعني: أبا عامر، ~~وقولهم: سيأتي أبو عامر، وقوله: { ضرارا } أي: داعية للتضارر ~~من جماعتين. # وقوله: { وتفريقا بين المؤمنين }: يريد: تفريقا بين ~~الجماعة التي كانت تصلي في مسجد «قباء»، فإن من جاور مسجدهم ~~كانوا يصرفونه إليه، وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان، وقيل: أراد ~~بقوله: { بين المؤمنين } جماعة مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وروي: أن مسجد الضرار، لما هدم وأحرق، اتخذ ~~مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات، وروي: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما نزلت: { لا تقم فيه أبدا } كان لا يمر ~~بالطريق التي هو فيها. # وقوله: { لمسجد }: قيل: إن اللام لام قسم، وقيل: هي لام ابتداء، ~~كما تقول: لزيد أحسن الناس فعلا وهي مقتضية تأكيدا، وذهب ~~ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين إلى أن المراد ب «مسجد أسس ~~على التقوى»: مسجد «قباء» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت؛ ~~أنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويليق القول الأول بالقصة ~~إلا أن القول الثاني مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~نظر مع الحديث، قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد روى ابن ~~وهب وأشهب، عن مالك؛ أن المراد ب «مسجد أسس على التقوى»: مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال الله تبارك وتعالى: # وتركوك قائما # [الجمعة:11] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على ~~التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد ~~«قباء»، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« هو مسجدي ~~هذا ». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وخرجه مسلم انتهى. # ومعنى: { أن تقوم فيه }: أي: بصلاتك وعبادتك. # وقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } اختلف في ~~الضمير أيضا، هل يعود على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو على ~~مسجد «قباء»؟ روي أن النبي صلى الله ms0662 عليه وسلم قال: # " « يا معشر الأنصار، إني رأيت الله أثنى ~~عليكم بالطهور، فماذا تفعلون؟ » قالوا: يا رسول ~~الله، إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون ~~بالماء يريدون الاستنجاء، ففعلنا نحن ذلك، ~~فلما جاء الإسلام، لم ندعه، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم:« فلا تدعوه إذن ". # والبنيان الذي أسس على شفا جرف: هو مسجد الضرار؛ بإجماع، ~~و«الشفا»: الحاشية والشفير، و { هار }: معناه متهدم بال، ~~وهو من: هار يهور؛ البخاري: هار هائر تهورت البئر، ~~إذا تهدمت وانهارت مثله. انتهى. # وتأسيس البناء على تقوى؛ إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه ~~الله تعالى، وإظهار شرعه؛ كما صنع في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وفي مسجد «قباء»، والتأسيس على شفا جرف هار إنما هو ~~بفساد النية وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فهذه تشبيهات ~~صحيحة بارعة. # وقوله سبحانه: { فانهار به في نار جهنم }: الظاهر منه ~~أنه خارج مخرج المثل، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المسجد ~~بعينه انهار في نار جهنم؛ قاله قتادة وابن جريج، وروي عن ~~جابر بن عبد الله وغيره؛ أنه قال: رأيت الدخان يخرج ~~منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي في بعض الكتب؛ ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين انهار بلغ الأرض ~~السابعة، ففزع لذلك صلى الله عليه وسلم، وروي أنهم لم يصلوا فيه ~~أكثر من ثلاثة أيام، وهذا كله بإسناد لين، والله أعلم، ~~وأسند الطبري عن خلف بن ياسين، أنه قال: رأيت مسجد ~~المنافقين الذي ذكره الله في القرآن، فرأيت فيه مكانا يخرج ~~منه الدخان وذلك في زمن أبي جعفر المنصور، وروي شبيه بهذا أو ~~نحوه عن ابن جريج: أسنده الطبري. # قال ابن العربي في «أحكامه» وفي قوله تعالى: { فانهار به في ~~نار جهنم } ، مع قوله: # فأمه هاوية # [القارعة:9] إشارة إلى أن النار تحت؛ كما أن الجنة ~~فوق. انتهى. # والريبة: الشك، وقد يسمى ريبة فساد المعتقد، ومعنى ~~الريبة، في هذه الآية: أمر يعم الغيظ والحنق، ويعم اعتقاد ~~صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي ms0663 كله إلى الارتياب في ~~الإسلام، فمقصد الكلام: لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم، ~~يبقي في قلوبهم حزازة وأثر سوء، وبالشك فسر ابن عباس ~~الريبة هنا. # وبالجملة إن الريبة هنا تعم معاني كثيرة يأخذ كل منافق منها ~~بحسب قدره من النفاق. # وقوله: «ألا أن تقطع قلوبهم» - بضم التاء - يعني: بالموت، قاله ~~ابن عباس وغيره وفي مصحف أبي: «حتى الممات»، وفيه: «حتى ~~تقطع». ### || [9.111-112] # وقوله عز وجل: { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأمولهم بأن لهم الجنة... } الآية: هذه ~~الآية نزلت في البيعة الثالثة، وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي ~~التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين؛ وذلك أنهم اجتمعوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقالوا: اشترط لك، ~~ولربك، والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة فاشترط نبي ~~الله حمايته مما يحمون منه أنفسهم، واشترط لربه التزام ~~الشريعة، وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة، ~~فقالوا: ما لنا على ذلك، يا نبي الله؟ فقال: ~~الجنة، فقالوا: نعم، ربح البيع، لا تقيل ولا ~~تقال»، وفي بعض الروايات: «ولا نستقيل» فنزلت الآية في ذلك. # وهكذا نقله ابن العربي في «أحكامه»، عن عبد الله بن رواحة، ثم ~~ذكر من طريق الشعبي، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة نحو كلام ~~ابن رواحة. # قال ابن العربي: وهذا وإن كان سنده مقطوعا، فإن معناه ثابت من ~~طرق. انتهى. # ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من ~~أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، قال بعض العلماء: ~~ما من مسلم إلا ولله في عنقه هذه البيعة، وفى بها ~~أو لم يف، وفي الحديث: # " إن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه، ~~فإذا فعل، فلا بر فوق ذلك " # وأسند الطبري عن كثير من أهل العلم؛ أنهم قالوا: ثامن الله ~~تعالى في هذه الآية عباده، فأغلى لهم؛ وقاله ابن عباس وغيره، ~~وهذا تأويل الجمهور. # وقال ابن عيينة: معنى الآية: اشترى منهم أنفسهم ألا ~~يعملوها إلا في طاعته، وأموالهم ألا ينفقوها ms0664 إلا في ~~سبيله، فالآية على هذا: أعم من القتل في سبيل الله. # وقوله: { يقتلون في سبيل الله } على تأويل ابن ~~عيينة: مقطوع، ومستأنف، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء ~~والبيع إنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال. # وقوله سبحانه: { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن }: قال المفسرون: يظهر من قوله: { في التوراة ~~والإنجيل والقرآن } أن كل أمة أمرت بالجهاد، ووعدت ~~عليه. # قال * ع *: ويحتمل أن ميعاد أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~تقدم ذكره في هذه الكتب، والله أعلم. # قال * ص *: وقوله: { فاستبشروا }: ليس للطلب، بل بمعنى: ~~أبشروا؛ كاستوقد، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه ~~المسمى ب «بهجة المجالس»: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ~~ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء ~~عذبه وإن شاء غفر له " # وعن ابن عباس مثله. انتهى. وباقي الآية بين. # قال الفخر: واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات. # فأولها: قوله سبحانه: { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأمولهم } ، فكون المشتري هو الله المقدس عن ~~الكذب والحيلة من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. # والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق ~~مؤكد. # وثالثها: قوله: { وعدا } ، ووعد الله حق. # ورابعها: قوله: { عليه } ، وكلمة على للوجوب. # وخامسها: قوله: { حقا } ، وهو تأكيد للتحقيق. # وسادسها: قوله: { في التوراة والإنجيل والقرآن } ، وذلك ~~يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء ~~والمرسلين على هذه المبايعة. # وسابعها: قوله: { ومن أوفى بعهده من الله } ، وهو ~~غاية التأكيد. # وثامنها: قوله: { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم ~~به } ، وهو أيضا مبالغة في التأكيد. # وتاسعها: قوله: { وذلك هو الفوز }. # وعاشرها: قوله: { العظيم }. # فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد ~~والتقرير والتحقيق. انتهى. # وقوله عز وجل: { التئبون العبدون } ، إلى قوله: { ~~وبشر المؤمنين } ، هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ~~ذكر الله أنه اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، ومعنى الآية، على ~~ما ms0665 تقتضيه أقوال العلماء والشرع: أنها أوصاف الكملة من ~~المؤمنين، ذكرها سبحانه، ليستبق إليها أهل التوحيد؛ حتى يكونوا ~~في أعلى رتبة، والآية الأولى مستقلة بنفسها، يقع تحت تلك ~~المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي ~~العليا، وإن لم يتصف بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو ~~بأكثرها، وقالت فرقة: بل هذه الصفات جاءت على جهة الشرط، ~~والآيتان مرتبطتان، فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنون الذين ~~هم على هذه الأوصاف، وهذا تحريج وتضييق، والأول أصوب، والله ~~أعلم. # والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد، وقد روي أن الله ~~عز وجل يحمل على الشهيد مظالم العباد، ويجازيهم عنه، ~~ختم الله لنا بالحسنى. # و { السئحون }: معناه: الصائمون، وروي عن عائشة، أنها قالت: ~~سياحة هذه الأمة الصيام؛ أسنده الطبري، وروي أنه من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم. # قال الفخر: ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض، ~~سمي الصائم سائحا؛ لاستمراره على فعل الطاعة وترك المنهي عنه ~~من المفطرات. # قال الفخر: عندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إذا امتنع من ~~الأكل والشرب والوقاع، وسد على نفسه باب الشهوات، انفتحت له ~~أبواب الحكمة وتجلت له أنوار عالم الجلال؛ ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أخلص لله أربعين صباحا، ظهرت ينابيع ~~الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين في عالم ~~جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام، ومن درجة إلى درجة " # انتهى. # قال * ع *: وقال بعض الناس، وهو في كتاب النقاش: { ~~السئحون }: هم الجائلون بأفكارهم في قدرة الله وملكوته ~~وهذا قول حسن، وهو من أفضل العبادات، و { الراكعون ~~السجدون }: هم المصلون الصلوات؛ كذا قال أهل العلم، ولكن لا ~~يختلف في أن من يكثر النوافل هو أدخل في الاسم، وأعرق في ~~الاتصاف. # وقوله: { والحفظون لحدود الله } لفظ عام تحته التزام ~~الشريعة. # * ت *: قال البخاري: قال ابن عباس: الحدود: الطاعة. # قال ابن العربي في «أحكامه»، وقوله: { والحفظون لحدود ~~الله } خاتمة البيان، وعموم الاشتمال لكل أمر ونهي. انتهى. # وقوله سبحانه: ms0666 { وبشر المؤمنين }: قيل: هو لفظ عام، ~~أمر صلى الله عليه وسلم أن يبشر أمته جميعا بالخير من الله، ~~وقيل: بل هذه الألفاظ خاصة لمن لم يغز، أي: لما تقدم في الآية ~~وعد المجاهدين وفضلهم، أمر صلى الله عليه وسلم، أن يبشر سائر ~~المؤمنين ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار، والحمد ~~لله رب العالمين. ### || [9.113-116] # وقوله سبحانه: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين... } الآية: # " جمهور المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، وذلك أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه حين احتضر، ~~فوعظه، وقال: « أي عم؛ قل لا إله إلا الله ~~كلمة أحاج لك بها عند الله »، وكان بالحضرة أبو ~~جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقالا له: يا أبا ~~طالب؛ أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال أبو طالب: يا ~~محمد، والله، لولا أني أخاف أن يعير بها ~~ولدي من بعدي، لأقررت بها عينك، ثم قال: هو ~~على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك؛ إذ لم يسمع منه ~~صلى الله عليه وسلم ما قال العباس، فنزلت { إنك لا تهدي من ~~أحببت } [القصص:56] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ~~والله، لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» " # ، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية، فترك نبي الله ~~الاستغفار لأبي طالب، وروي أن المؤمنين لما رأوا نبي الله ~~يستغفر لأبي طالب، جعلوا يستغفرون لموتاهم، فلذلك دخلوا في ~~النهي، والآية على هذا ناسخة لفعله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أفعاله ~~في حكم الشرع المستقر، وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إنما ~~نزلت الآية بسبب جماعة من المؤمنين قالوا: نستغفر لموتانا؛ كما ~~استغفر إبراهيم عليه السلام، فنزلت الآية في ذلك، وقوله سبحانه: ~~{ وما كان استغفار إبرهيم لأبيه... } الآية: المعنى: ~~لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم عليه السلام، فإن ذلك لم ~~يكن إلا عن موعدة، واختلف في ذلك، فقيل: عن موعدة من إبراهيم، ~~وذلك قوله: # سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم:47] وقيل: عن موعدة من أبيه ms0667 له في أنه سيؤمن، فقوي ~~طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له؛ حتى نهي عنه، وموعدة من ~~الوعد، وأما تبينه أنه عدو لله، قيل: ذلك بموت آزر على ~~الكفر، وقيل: ذلك بأنه نهي عنه، وهو حي، وقوله سبحانه: { إن ~~إبرهيم لأواه حليم } ثناء من الله تعالى على ~~إبراهيم، و«الأواه» معناه الخائف الذي يكثر التأوه ~~من خوف الله عز وجل، والتأوه: التوجع الذي يكثر ~~حتى ينطق الإنسان معه ب «أوه»؛ ومن هذا المعنى قول المثقب ~~العبدي: [الوافر] # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه أهة الرجل الحزين # ويروى: آهة. # وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع وجيب قلبه من الخشية، ~~كما تسمع أجنحة النسور، وللمفسرين في «الأواه» عبارات ~~كلها ترجع إلى ما ذكرته. # * ت *: روى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا عبد الحميد بن ~~بهرام، قال: حدثنا شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد ~~الله بن شداد، قال: # " قال رجل: يا رسول الله، ما الأواه؟ قال: ~~«الأواه الخاشع الدعاء المتضرع؛ قال الله ~~سبحانه: { إن إبرهيم لأواه حليم } » " # انتهى. # و { حليم } معناه: صابر، محتمل، عظيم العقل، والحلم: العقل. ~~وقوله سبحانه: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم... } الآية: معناه التأنيس للمؤمنين، وقيل: إن بعضهم خاف ~~على نفسه من الاستغفار للمشركين، فنزلت الآية مؤنسة، أي: ما ~~كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام، وأنقذ من النار ~~ليحبط ذلك، ويضل أهله؛ لمواقعتهم ذنبا لم يتقدم من الله ~~عنه نهي، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور، ويتجنبون من ~~الأشياء، فحينئذ من واقع شيئا من ذلك بعد النهي، استوجب ~~العقوبة، وباقي الآية بين. ### || [9.117-118] # وقوله سبحانه: { لقد تاب الله على النبي ~~والمهجرين والأنصر... } الآية: التوبة من الله ~~تعالى هو رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في ~~الأكثر رجوعا من حالة طاعة إلى أكمل منها، وهذه توبته سبحانه ~~في هذه الآية على نبيه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين ~~والأنصار، فمعرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ~~ونصرة الدين، وأما توبته ms0668 على الفريق الذي كاد يزيغ، فرجوع من ~~حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا؛ وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ~~رحمه الله: في هذه الآية ذكر الله سبحانه توبة من لم ~~يذنب لئلا يستوحش من أذنب؛ لأنه ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال: { وعلى الثلثة ~~الذين خلفوا } ، فذكر من لم يذنب ليؤنس من قد أذنب، ~~انتهى من «لطائف المنن». # و { ساعة العسرة } يريد: وقت العسرة، والعسرة الشدة، ~~وضيق الحال، والعدم، وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه صلى الله ~~عليه وسلم: # " من جهز جيش العسرة، فله الجنة " # ، فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف جمل، وألف ~~دينار، وجاء أيضا رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر، ~~وهذه غزوة تبوك. # * ت *: وعن ابن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا ~~عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ ~~شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ~~ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه ~~فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله؛ إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله، ~~فقال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه، فلم ~~يرجعهما حتى مالت السماء، فأظلت، ثم سكبت فملؤوا ما ~~معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر، رواه الحاكم في ~~«مستدركه على الصحيحين»، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني: مسلما ~~والبخاري انتهى في «السلاح»، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرح وأيلة وغيرهما ~~على الجزية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذكور هو ما همت به ~~طائفة من الانصراف؛ لما لقوا من المشقة والعسرة. قاله الحسن. # وقيل: زيغها إنما كان بظنون لها ساءت في معنى عزم النبي صلى ~~الله عليه وسلم على تلك الغزوة، لما رأته من شدة الحال وقوة العدو ~~والمقصود، ثم أخبر عز وجل؛ أنه تاب أيضا على هذا الفريق، وراجع ~~به، وأنس بإعلامه للأمة بأنه رؤوف رحيم، والثلاثة ms0669 الذين خلفوا هم ~~كعب بن مالك وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع ~~العامري، وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم، وهو في السير؛ ~~فلذلك اختصرنا سوقه، وهم الذين تقدم فيهم: # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة:106]، ومعنى { خلفوا } أخروا، وترك النظر في أمرهم، ~~قال كعب: وليس بتخلفنا عن الغزو، وهو بين من لفظ الآية. # وقوله: { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } ~~، { ظنوا }؛ هنا بمعنى: أيقنوا، قال الشيخ ابن أبي جمرة رحمه ~~الله: قال بعض أهل التوفيق: « إذا نزلت بي نازلة ما من أي نوع ~~كانت، فألهمت فيها اللجأ، فلا أبالي بها، واللجأ على ~~وجوه؛ منها: الاشتغال بالذكر والتعبد وتفويض الأمر له عز وجل، ~~لقوله تعالى على لسان نبيه: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطي السائلين " # ، ومنها: الصدقة، ومنها: الدعاء، فكيف بالمجموع. انتهى. # وقوله سبحانه: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } لما كان هذا ~~القول في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز ~~وجل؛ ليكون ذلك منها على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو ~~كان هذا القول في تعديد ذنب، لكان الابتداء بالجهة التي هي على ~~المذنب، كما قال عز وجل: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف:5] ليكون ذلك أشد تقريرا للذنب عليهم، وهذا من فصاحة ~~القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه. # وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث ~~الثلاثة الذين خلفوا في الكتب المذكورة، فانظره، وإنما عظم ~~ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب ~~منازلهم منه، وتقدمهم فيه؛ إذ هم أسوة وحجة للمنافقين، ~~والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة، وصاحباه من أهل بدر، وفي هذا ~~ما يقتضي أن الرجل العالم والمقتدى به أقل عذرا في ~~السقوط من سواه، وكتب الأوزاعي رحمه الله إلى أبي جعفر ~~المنصور في آخر رسالة: واعلم أن قرابتك من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظما، ولا ~~طاعته إلا وجوبا، ولا الناس فيما خالف ذلك ms0670 منك إلا ~~إنكارا، والسلام. ### || [9.119-121] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصدقين } هذا الأمر بالكون مع الصادقين ~~حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل ~~المنافقين، وكان ابن مسعود يتأول الآية في صدق الحديث، وإليه نحا ~~كعب بن مالك. # وقوله سبحانه: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله... } الآية؛ هذه ~~الآية معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها، ~~على التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، وقوة الكلام ~~تعطي الأمر بصحبته أين ما توجه غازيا وبذل النفوس دونه، ~~و«المخمصة» مفعلة من خموص البطن، وهو ضموره واستعير ذلك ~~لحالة الجوع، إذ الخموص ملازم له، ومن ذلك قول الأعشى: [الطويل # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم # وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # وقوله: { ولا ينالون من عدو نيلا }: لفظ عام لقليل ~~ما يصنعه المؤمنون بالكفرة - من أخذ مال، أو إيراد هوان - وكثيره ~~و { نيلا }: مصدر نال ينال؛ وفي الحديث: # " ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعدا ~~إلا ازدادوا من الله قربا ". # * ت *: وروى أبو داود في «سننه»، عن أبي مالك الأشعري، قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من فصل في سبيل الله، فمات، أو قتل، فهو ~~شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته ~~هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله ~~فإنه شهيد، وإن له الجنة " # ، انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله عز وجل: { ولا يقطعون ~~واديا إلا كتب لهم }: يعني إلا كتب لهم ثوابه، وكذلك ~~قال في المجاهد: «إن أرواث دوابه وأبوالها حسنات ~~له» وكذلك أعطى سبحانه لأهل العذر من الأجر ما أعطى للقوي ~~العامل بفضله، ففي الصحيح، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه ~~الغزوة بعينها: «إن بالمدينة قوما ما سلكتم واديا ~~ولا قطعتم شعبا إلا وهم معكم حبسهم العذر» ~~انتهى. ### || [9.122] # وقوله سبحانه: { وما كان المؤمنون لينفروا كافة... } ~~الآية: قالت فرقة: إن المؤمنين الذين كانوا بالبادية ms0671 سكانا ومبعوثين ~~لتعليم الشرع، لما سمعوا قول الله عز وجل: # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب... # [التوبة:120]، أهمهم ذلك، فنفروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~خشية أن يكونوا عصاة في التخلف عن الغزو، فنزلت هذه الآية في ~~نفرهم ذلك. # وقالت فرقة: سبب هذه الآية أن المنافقين، لما نزلت الآيات في ~~المتخلفين، قالوا: هلك أهل البوادي، فنزلت هذه الآية مقيمة ~~لعذر أهل البوادي. # قال * ع *: فيجيء قوله: { ما كان لأهل المدينة ومن ~~حولهم من الأعراب }: عموم في اللفظ، والمراد به في المعنى ~~الجمهور والأكثر، وتجيء هذه الآية مبينة لذلك. # وقالت فرقة: هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة ~~النفير والقتال، وقال ابن عباس ما معناه: أن هذه الآية مختصة ~~بالبعوث والسرايا والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، وقالت فرقة: يشبه أن يكون ~~التفقه في الغزو وفي السرايا، لما يرون من نصرة الله ~~لدينه، وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من ~~الكافرين، وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته. # * ع *: والجمهور على أن التفقه إنما هو بمشاهدة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصحبته، وقيل غير هذا. # * ت * وصح عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا ~~استنفرتم فانفزوا " # ، وقد استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في غزوة ~~تبوك، وأعلن بها حسب ما هو مصرح به في حديث كعب بن مالك في ~~«الصحاح»، فكان العتب متوجها على من تأخر عنه بعد العلم، ~~فيظهر والله أعلم، أن الآية الأولى باق حكمها؛ كما قال ابن عباس، ~~وتكون الثانية ليست في معنى الغزو، بل في شأن التفقه في الدين على ~~الإطلاق وهذا هو الذي يفهم من استدلالهم بالآية على فضل العلم، ~~وقد قالت فرقة: إن هذه الآية ليست في معنى الغزو، وإنما سببها ~~قبائل من العرب أصابتهم مجاعة، فنفزوا إلى المدينة لمعنى ~~المعاش، فكادوا يفسدونها، وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان، ~~وإنما أضرعه الجوع، ms0672 فنزلت الآية في ذلك، والإنذار في الآية ~~عام للكفر والمعاصي، والحذر منها أيضا؛ كذلك قال ابن المبارك في ~~«رقائقه» أخبرنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، ~~قال: إذا أراد الله تبارك وتعالى بعبد خيرا، جعل فيه ثلاث ~~خصال: فقها في الدين، وزهادة في الدنيا، وبصره بعيوبه. ~~انتهى. ### || [9.123-127] # وقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } قيل: إن هذه الآية نزلت قبل الأمر ~~بقتال الكفار كافة، فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. # قال * ع *: وهذا ضعيف فإن هذه السورة من آخر ما نزل. # وقالت فرقة: معنى الآية أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين ~~أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يليه من الكفرة. # وقوله سبحانه: { وليجدوا فيكم غلظة }: أي: خشونة وبأسا، ~~ثم وعد سبحانه في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك ~~الدين والدنيا، وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة: إنما ~~تقاتلون الناس بأعمالكم، ووعد سبحانه أنه مع المتقين، ~~ومن كان الله معه، فلن يغلب. # وقوله تعالى: { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمنا... } الآية: هذه الآية نزلت ~~في شأن المنافقين، وقولهم: { أيكم زادته هذه إيمنا } ~~يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم، أو لقوم من قراباتهم؛ على جهة ~~الاستخفاف والتحقير لشأن السورة، ثم ابتدأ عز وجل الرد عليهم ~~بقوله: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } وذلك ~~أنه إذا نزلت سورة، حدث للمؤمنين بها تصديق خاص، لم يكن قبل، ~~فتصديقهم بما تضمنته السورة من أخبار وأمر ونهي أمر زائد على ~~الذي كان عندهم قبل، وهذا وجه من زيادة الإيمان. # ووجه آخر؛ أن السورة ربما تضمنت دليلا أو تنبيها على دليل، ~~فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة، فإذا نزلت السورة، ~~زادت في أدلته، ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الإنسان ربما ~~عرضه شك يسير، أو لاحت له شبهة مشغبة، فإذا نزلت السورة، ~~ارتفعت تلك الشبهة، وقوي إيمانه وارتقى اعتقاده عن معارضة ~~الشبهات، { الذين في قلوبهم مرض }: هم المنافقون، ~~و«الرجس»؛ في ms0673 اللغة: يجيء بمعنى القذر، ويجيء بمعنى العذاب، وحال ~~هؤلاء المنافقين هي قذر، وهي عذاب عاجل، كفيل بآجل، وإذا ~~تجدد كفرهم بسورة، فقد زاد كفرهم، فذلك زيادة رجس إلى ~~رجسهم. # وقوله سبحانه: { أولا يرون } يعني: المنافقين، وقرأ حمزة: ~~«أولا ترون» - بالتاء من فوق -؛ على معنى: أولا ترون أيها ~~المؤمنون؛ { أنهم يفتنون } ، أي: يختبرون، وقرأ مجاهد: ~~«مرضة أو مرضتين»، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها ~~أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله أسرارهم وإفشائه ~~عقائدهم؛ إذ يعلمون أن ذلك من عند الله، وبهذا تقوم الحجة ~~عليهم، وأما الاختبار بالمرض فهو في المؤمنين. # وقوله سبحانه: { وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم }: ~~المعنى: وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أسرار المنافقين، { نظر ~~بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد }: أي: هل معكم ~~من ينقل عنكم، هل يراكم من أحد حين تدبرون أموركم، { ثم ~~انصرفوا } عن طريق الاهتداء؛ وذلك أنهم وقت كشف أسرارهم ~~والإعلام بمغيبات أمورهم، يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ~~ونظر، فلو أريد بهم خير، لكان ذلك الوقت مظنة الاهتداء، ~~وقد تقدم بيان قوله: { صرف الله قلوبهم }. ### || [9.128-129] # وقوله عز وجل: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم... } الآية ~~مخاطبة للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم؛ ~~إذ جاءهم بلسانهم، وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة، وشرفوا ~~به غابر الدهر. # وقوله: { من أنفسكم }: يقتضي مدحا لنسبه صلى الله عليه وسلم، ~~وأنه من صميم العرب، وشرفها، وقرأ عبد الله بن قسيط ~~المكي: «من أنفسكم» - بفتح الفاء -؛ من النفاسة، ورويت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: { ما عنتم }: معناه ~~عنتكم؛ ف «ما» مصدرية، والعنت: المشقة، وهي هنا لفظة ~~عامة، أي: عزيز عليه ما شق عليكم: من قتل وإسار وامتحان؛ ~~بحسب الحق واعتقادكم أيضا معه، { حريص ليكم } أي: على ~~إيمانكم وهداكم. # وقوله: { بالمؤمنين رءوف } أي: مبالغ في الشفقة عليهم، قال ~~أبو عبيدة: الرأفة أرق الرحمة. # ثم خاطب بحانه نبيه بقوله: { فإن تولوا } ، أي: أعرضوا، { ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت ~~وهو ms0674 رب العرش العظيم }: هذه الآية من آخر ما نزل، وصلى ~~الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # قوله عز وجل: { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } المراد ~~ب { الكتب }: القرآن، و { الحكيم }: بمعنى محكم، ويمكن ~~أن يكون: «حكيم» بمعنى ذي حكمة، فهو على النسب. # وقوله عز وجل: { أكان للناس عجبا... } الآية: قال ابن عباس ~~وغيره: سبب هذه الآية استبعاد قريش أن يبعث الله بشرا رسولا، ~~والقدم هنا ما قدم، واختلف في المراد بها ههنا، فقال ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم: هي الأعمال الصالحات من العبادات. وقال ~~الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ~~ابن عباس أيضا وغيره: هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ، ~~وهذا أليق الأقوال بالآية؛ ومن هذه اللفظة قول حسان رضي الله ~~عنه: [الطويل] # لنا القدم العليا إليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه وسلم: « حتى يضع الجبار ~~فيها قدمه » أي ما قدم لها، هذا على أن الجبار اسم الله ~~تعالى، و«الصدق» هنا بمعنى الصلاح، وقال البخاري: قال زيد بن ~~أسلم: { قدم صدق } محمد صلى الله عليه وسلم. انتهى. # وقولهم: { إن هذا لسحر مبين }: إنما هو بسبب أنه ~~فرق بذلك كلمتهم، وحال بين القريب وقريبه؛ فأشبه ذلك ما يفعله ~~الساحر في ظنهم القاصر؛ فسموه سحرا. ### || [10.3-4] # وقوله سبحانه: { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام... } الآية: هذا ابتداء دعاء إلى ~~عبادة الله عز وجل وتوحيده، وذكر بعض الناس أن الحكمة في ~~خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة، وفي ~~القدرة أن يقول لها: كن؛ فتكون، إنما هي ليعلم عباده ~~التؤدة والتماهل في الأمور، قال * ع *: وهذا مما لا يوصل إلى ~~تعليله، وعلى هذا هي الأجنة في البطون، وخلق الثمار، وغير ذلك، ~~والله عز وجل قد جعل لكل شيء قدرا، وهو أعلم بوجه ~~الحكمة في ms0675 ذلك. # وقوله سبحانه: { يدبر الأمر } يصح أن يريد بالأمر اسم ~~الجنس من الأمور، ويصح أن يريد الأمر الذي هو مصدر أمر يأمر، ~~وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ؛ لأنه قد أحاط بكل شيء ~~علما، قال مجاهد: { يدبر الأمر }: معناه: يقضيه وحده. # وقوله سبحانه: { ما من شفيع إلا من بعد إذنه }؛ رد ~~على العرب في اعتقادها؛ أن الأصنام تشفع لها عند الله. # { ذلكم الله } أي: الذي هذه صفاته فاعبدوه، ثم قررهم على ~~هذه الآيات والعبر، فقال: { أفلا تذكرون }. # وقوله: { إليه مرجعكم جميعا... } الاية إنباء بالبعث. # وقوله: { يبدأ الخلق } يريد: النشأة الأولى، والإعادة: هي ~~البعث من القبور. # { ليجزي }: هي لام كي، والمعنى: أن الإعادة إنما هي ليقع ~~الجزاء على الأعمال. # وقوله: { بالقسط }: أي: بالعدل. # وقوله: { الذين كفروا }: ابتداء، والحميم الحار المسخن، ~~وحميم النار فيما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا ~~أدناه الكافر من فيه، تساقطت فروة رأسه» وهو كما ~~وصفه سبحانه: # يشوي الوجوه # [الكهف:29]. ### || [10.5-9] # وقوله سبحانه: { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا... } الآية: هذا استمرار على وصف آياته سبحانه، والتنبيه على ~~صنعته الدالة على وحدانيته، وعظيم قدرته. # وقوله: { قدره منازل }: يحتمل أن يعود الضمير على «القمر» ~~وحده؛ لأنه المراعى في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب، ~~ويحتمل أن يريد الشمس والقمر معا، لكنه اجتزأ بذكر أحدهما؛ ~~كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة:62]. # وقوله: { لتعلموا عدد السنين والحساب } أي: رفقا ~~بكم، ورفعا للالتباس في معايشكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى ~~معرفة التواريخ. # وقوله: { لقوم يعلمون }: إنما خصهم، لأن نفع هذا فيهم ~~ظهر. # وقوله سبحانه: { إن في اختلف اليل والنهار وما ~~خلق الله في السموات والأرض... } الآية: آية اعتبار ~~وتنبيه، والآيات: العلامات، وخصص القوم المتقين؛ تشريفا لهم؛ إذ ~~الاعتبار فيهم يقع، ونسبتهم إلى هذه الأشياء المنظور فيها أفضل ~~من نسبة من لم يهتد ولا اتقى. # وقوله سبحانه: { إن الذين لا يرجون لقاءنا... } الآية: ~~قال أبو عبيدة وغيره: { يرجون } ، في هذه الآية: بمعنى يخافون؛ ~~واحتجوا ببيت ms0676 أبي ذؤيب: [الطويل] # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وحالفها في بيت نوب عوامل # وقال ابن سيده والفراء: لفظة الرجاء، إذا جاءت منفية، ~~فإنها تكون بمعنى الخوف، فعلى هذا التأويل معنى الآية: إن ~~الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم: الرجاء، في هذه الآية: على ~~بابه؛ وذلك أن الكافر المكذب بالبعث لا يحسن ظنا بأنه يلقى ~~الله، ولا له في الآخرة أمل؛ إذ لو كان له فيها أمل؛ لقارنه لا ~~محالة خوف، وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى ~~النجاة. # قال * ع *: والذي أقول به: إن الرجاء في كل موضع هو على بابه، ~~وأن بيت الهذلي معناه: لم يرج فقد لسعها، قال ابن ~~زيد: هذه الآية في الكفار. # وقوله سبحانه: { ورضوا بالحيوة الدنيا }: يريد: كانت ~~منتهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إذا شئت رأيت هذا ~~الموصوف صاحب دنيا، لها يغضب، ولها يرضى، ولها يفرح، ولها يهتم ~~ويحزن، فكأن قتادة صورها في العصاة، ولا يترتب ذلك إلا مع ~~تأول الرجاء على بابه؛ لأن المؤمن العاصي مستوحش من آخرته، ~~فأما على التأويل الأول، فمن لا يخاف الله، فهو كافر. # وقوله: { واطمأنوا بها }: تكميل في معنى القناعة بها، ~~والرفض لغيرها. # وقوله: { والذين هم عن آيتنا غفلون }: يحتمل أن ~~يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى، ثم عقب سبحانه بذكر الفرقة ~~الناجية، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت ~~يهديهم ربهم... } الآية، الهداية في هذه الآية تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم. # الثاني: أن يريد أنه يرشدهم إلى طريق الجنان في الآخرة. # وقوله: { إيمنهم } يحتمل أن يريد: بسبب إيمانهم، ويحتمل أن ~~يكون الإيمان هو نفس الهدى، أي، يهديهم إلى طريق الجنة بنور ~~إيمانهم. قال مجاهد: يكون لهم إيمانهم نورا يمشون به، ويتركب هذا ~~التأويل، على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن العبد المؤمن، إذا قام من قبره للحشر ~~تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة، ~~فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح ~~فيقوده إلى الجنة، وبعكس هذا ms0677 في الكافر " # ، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره. ### || [10.10] # وقوله سبحانه: { دعوهم }: أي: دعاؤهم فيها و { سبحنك ~~اللهم }: تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله سبحانه عن كل ما لا ~~يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلمات رضيها الله تعالى ~~لنفسه، # " وقال طلحة بن عبيد الله: " قلت: يا رسول الله؛ ما معنى ~~سبحان الله؟ فقال: معناها: «تنزيها لله من ~~السوء» " # ، وحكي عن بعض المفسرين أنهم رووا أن هذه الكلمة إنما ~~يقولها المؤمن عند ما يشتهي الطعام، فإنه إذا رأى طائرا أو ~~غير ذلك، قال: { سبحنك اللهم } ، فنزلت تلك الإرادة بين ~~يديه فوق ما اشتهى. رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة، وعبارة ~~الداوودي عن ابن جريج: « دعواهم فيها»: قال: إذا مر بهم ~~الطائر يشتهونه، كان دعواهم به { سبحنك اللهم } ، ~~فيأكلون منه ما يشتهون، ثم يطير، وإذا جاءتهم الملائكة بما ~~يشتهون، سلموا عليهم، فذلك قوله: { وتحيتهم فيها ~~سلام } ، وإذا أكلوا حاجتهم، قالوا: { الحمد لله رب ~~العلمين } ، فذلك قوله: { وآخر دعوهم أن الحمد ~~لله رب العالمين }. # وقوله سبحانه: { وتحيتهم فيها سلام }: يريد تسليم بعضهم ~~على بعض، والتحية: مأخوذة من تمني الحياة للإنسان والدعاء ~~بها، يقال: حياه ويحييه؛ ومنه قول زهير بن جناب: ~~[الكامل] # من كل ما نال الفتى # قد نلته إلا التحيه # يريد: دعاء الناس للملوك بالحياة، وقال بعض العلماء: { ~~وتحيتهم } يريد: تسليم الله تعالى عليهم، والسلام: مأخوذ ~~من السلامة، { وآخر دعوهم }: أي: خاتمة دعائهم وكلامهم ~~في كل موطن حمد الله وشكره، على ما أسبغ عليهم من نعمه، ~~وقال ابن العربي في «أحكامه». في تفسير هذه الآية قولان: # الأول: أن الملك يأتيهم بما يشتهون، فيقول: سلام عليكم، ~~أي: سلمتم، فيردون عليه، فإذا أكلوا، قالوا: { الحمد ~~لله رب العلمين }. # الثاني: أن معنى «تحيتهم»: أي: تحية بعضهم بعضا، فقد ثبت في ~~الخبر: « أن الله تعالى خلق آدم، ثم قال له: اذهب إلى ~~أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم، ~~فجاءهم، فقال لهم: سلام عليكم، فقالوا له: ~~وعليك السلام ورحمة الله، فقال له: هذه ~~تحيتك، وتحية ms0678 ذريتك من بعدك إلى يوم ~~القيامة»، وبين في القرآن ههنا أنها تحيتهم في الجنة، فهي ~~تحية موضوعة من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد روى ابن القاسم، ~~عن مالك في قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام } أي: هذا ~~السلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، والله أعلم. انتهى. # وقرأ الجمهور: «أن الحمد لله»، وهي عند سيبويه «أن» ~~المخففة من الثقيلة؛ قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعشى: ~~[البسيط] # في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل ### || [10.11-14] # وقوله سبحانه: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم... } الآية: ~~هذه الآية نزلت، في دعاء الرجل على نفسه أو ولده، أو ماله، فأخبر ~~سبحانه أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما ~~يريد فعله معهم في إجابته إلى الخير، لأهلكهم، وحذف بعد ذلك جملة ~~يتضمنها الظاهر، تقديرها: فلا يفعل ذلك، ولكن يذر { الذين ~~لا يرجون لقاءنا... } الآية، وقيل: إن هذه الآية نزلت في ~~قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء # [الأنفال:32]، وقيل: نزلت في قولهم: # فأتنا بما تعدنا # [هود:32]، وما جرى مجراه، والعمه: الخبط في ضلال. # وقوله سبحانه: { وإذا مس الإنسن الضر دعانا ~~لجنبه... } الآية: هذه الآية أيضا عتاب على سوء الخلق من بعض ~~الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا، والأمر بالتسليم إلى الله ~~والضراعة إليه في كل حال، والعلم بأن الخير والشر منه، لا رب ~~غيره، وقوله: { لجنبه } ، في موضع الحال؛ كأنه قال: مضطجعا، ~~والضر عام لجميع الأمراض والرزايا. # وقوله: { مر } يقتضي أن نزولها في الكفار، ثم هي بعد تتناول كل ~~من دخل تحت معناها من كافر وعاص. # وقوله سبحانه: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم... } ~~الآية: آية وعيد للكفار، وضرب أمثال لهم، و { خلئف }: جمع ~~خليفة. # وقوله: { لننظر }: معناه: لنبين في الوجود ما علمناه أزلا، ~~لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز، وقال عمر رضي ~~الله عنه: إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء؛ لينظر كيف ~~عملنا؛ ms0679 فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية. ### || [10.15-18] # وقوله سبحانه: { وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات ~~قال الذين لا يرجون لقاءنا } يعني: بعض كفار قريش: { ~~ائت بقرآن غير هذا أو بدله } ، ثم أمر سبحانه نبيه ~~أن يرد عليهم بالحق الواضح، فقال: { قل لو شاء الله ما ~~تلوته عليكم } ولا أعلمكم به، و { أدركم } بمعنى: أعلمكم، ~~تقول: دريت بالأمر، وأدريت به غيري، ثم قال: { فقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله } يعني: الأربعين سنة قبل بعثته ~~عليه السلام، أي: فلم تجربوني في كذب، ولا تكلمت في شيء من ~~هذا { أفلا تعقلون }؛ أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه ~~كذب بعد أن ولى عمره، وتقاصر أمله، واشتدت حنكته وخوفه ~~لربه. # وقوله: { فمن أظلم }: استفهام وتقرير، أي: لا أحد أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا، أو ممن كذب بآياته؛ بعد بيانها، والضمير ~~في { يعبدون } لكفار قريش، وقولهم: { هؤلاء شفعؤنا ~~عند الله }: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيه أن ~~يقررهم ويوبخهم بقوله: { أتنبئون الله بما لا يعلم ~~في السموات ولا في الأرض } ، وذكر السموات؛ لأن من العرب ~~من يعبد الملائكة والشعرى، وبحسب هذا حسن أن يقول: { هؤلاء ~~شفعؤنا } ، وقيل: ذلك على تجوز في الأصنام التي لا تعقل. ### || [10.19-21] # وقوله سبحانه: { وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا } قالت فرقة: المراد آدم كان أمة وحده، ثم اختلف الناس ~~بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه ~~الآخر، ويحتمل أن يريد: كان الناس صنفا واحدا بالفطرة معدا ~~للاهتداء، وقد تقدم الكلام على هذا في قوله سبحانه: # كان الناس أمة وحدة # [البقرة:213]. # وقوله سبحانه: { ولولا كلمة سبقت من ربك } يريد: ~~قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقتة، ويحتمل أن يريد: الكلمة ~~في أمر القيامة، وأن العقاب والثواب إنما يكون حينئذ. # وقوله: { فقل إنما الغيب لله } أي: إن شاء فعل، ~~وإن شاء لم يفعل. # وقوله: { فانتظروا }: وعيد. # وقوله سبحانه: { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ~~ضراء مستهم... } الآية: هذه الآية في الكفار، ms0680 وهي بعد ~~تتناول من العصاة من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه، ~~ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير، والرحمة هنا بعد ~~الضراء؛ كالمطر بعد القحط، والأمن بعد الخوف ونحو هذا مما لا ~~ينحصر، والمكر: الاستهزاء والطعن عليها من الكفار واطراح ~~الشكر والخوف من العصاة. # وقال أبو علي: { أسرع } من «سرع» لا من «أسرع يسرع»، ~~إذ لو كان من «أسرع»، لكان شاذا. # قال * ع * وفي الحديث في نار جهنم: « لهي أسود من القار » ~~وما حفظ للنبي صلى الله عليه وسلم، فليس بشاذ. * ص *: ورد بأن ~~«أسود» من «فعل» لا من «افعل»: تقول: سود فهو ~~أسود، وإنما امتنع من «سود» ونحوه عند البصريين؛ لأنه ~~لون. انتهى. ### || [10.22-25] # وقوله سبحانه: { هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر... } الآية: تعديد نعم منه سبحانه على عباده. # وقوله سبحانه: { دعوا الله مخلصين له الدين }: أي: ~~نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء لله سبحانه، وذكر الطبري في ~~ذلك، عن بعض العلماء حكاية قول العجم: «هيا شرا هيا»، ومعناه: ~~يا حي يا قيوم»، و { يبغون }: معناه: يفسدون. # وقوله: { متاع الحيوة الدنيا } متاع: خبر مبتدأ محذوف، ~~تقديره هو متاع، أو ذلك متاع، ومعنى الآية: إنما بغيكم وإفسادكم ~~مضر لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تلقون عقابه في الآخرة، قال ~~سفيان بن عيينة: إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا: أي ~~تعجل لكم عقوبته؛ وعلى هذا قالوا: البغي يصرع أهله. # قال * ع *: وقالوا: الباغي مصروع: قال تعالى: # ثم بغي عليه لينصرنه الله # [الحج:60]، وقال النبي عليه السلام: # " ما ذنب أسرع عقوبة من بغي ". # وقوله سبحانه: { إنما مثل الحيوة الدنيا } أي: تفاخر ~~الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين، إذ مصير ذلك إلى ~~الفناء؛ كمطر نزل من السماء، { فاختلط به نبات الأرض ~~} ، أي: اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، ولفظ البخاري: قال ~~ابن عباس: { فاختلط به نبات الأرض }: فنبت بالماء من كل ~~لون انتهى. و { أخذت الأرض } لفظة كثرت في مثل هذا، كقوله: # خذوا زينتكم # [الأعراف:31] والزخرف: التزيين بالألوان، وقرأ ms0681 ابن مسعود وغيره: ~~«وتزينت» وهذه أصل قراءة الجمهور. # وقوله: { وظن أهلها }: على بابها، وهذا الكلام فيه تشبيه جملة ~~أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، و { حتى ~~} غاية، وهي حرف ابتداء؛ لدخولها على «إذا»، ومعناهما متصل إلى ~~قوله: { قادرون عليها } ، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر ~~الآتي: واحد الأمور؛ كالريح، والصر والسموم، ونحو ذلك، ~~وتقسيمه { ليلا أو نهارا } ، تنبيه على الخوف وارتفاع ~~الأمن في كل وقت، و { حصيدا } ، بمعنى محصودا، أي: تالفا ~~مستهلكا، { كأن لم تغن }: أي: لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر ~~بغضارتها، ومعنى الآية: التحذير من الاغترار بالدنيا؛ إذ هي معرضة ~~للتلف؛ كنبات هذه الأرض وخص المتفكرين بالذكر؛ تشريفا للمنزلة؛ ~~وليقع التسابق إلى هذه الرتبة. # { والله يدعوا إلى دار السلم... } الآية: نص أن ~~الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر، والهداية التي هي الإرشاد ~~مختصة بمن قدر إيمانه، و { السلم }؛ هنا: قيل: هو اسم من ~~أسماء الله تعالى، والمعنى: يدعو إلى داره التي هي الجنة، وقيل: { ~~السلم } بمعنى السلامة. ### || [10.26-31] # وقوله سبحانه: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }: ~~قال الجمهور: { الحسنى }: الجنة، وال { زيادة }: النظر ~~إلى وجه الله عز وجل؛ وفي «صحيح مسلم» من حديث صهيب: # " فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم ~~من النظر إلى ربهم عز وجل " # ، وفي رواية: ثم تلا هذه الآية: { للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة } وأخرج هذه الزيادة النسائي عن ~~صهيب، وأخرجها عن صهيب أيضا أبو داود الطيالسي ~~انتهى. من «التذكرة». # وقوله سبحانه: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة... } ~~الآية. و { يرهق } معناه: يغشى مع غلبة وتضييق، وال { قتر ~~}: الغبار المسود. # وقوله سبحانه: { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة ~~بمثلها } قالت فرقة: التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، وقالت ~~فرقة: التقدير جزاء سيئة مثلها، والباء زائدة، وتعم السيئات ههنا ~~الكفر والمعاصي، وال { عاصم }: المنجي والمجير، و { ~~أغشيت }: كسيت، و«القطع»: جمع قطعة، وقرأ ابن كثير ~~والكسائي: «قطعا من الليل» - بسكون الطاء -، وهو الجزء ~~من الليل، والمراد: الجزء من سواده، وباقي الآية بين. # و { مكانكم }: اسم فعل الأمر، ومعناه: قفوا ms0682 واسكنوا، * ~~ت *: قال * ص *: وقدر ب «اثبتوا» وأما من قدره ب «الزموا ~~مكانكم»، فمردود، لأن «الزموا» متعد، و { مكانكم }: لا ~~يتعدى، فلا يقدر به، وإلا لكان متعديا، واسم الفعل على حسب ~~الفعل إن متعديا فمتعد، وإن لازما فلازم، ثم اعتذر بأنه يمكن ~~أن يكون تقديره ب «الزموا» تقدير معنى، لا تقدير إعراب، فلا ~~اعتراض، انتهى. # قال * ع *: فأخبر سبحانه عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة ~~يؤمرون بالإقامة في موقف الخزي مع أصنامهم، ثم ينطق الله ~~شركاءهم بالتبري منهم. # وقوله: { فزيلنا بينهم }: معناه: فرقنا في الحجة، ~~والمذهب روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الكفار، إذا ~~رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، قيل لهم: ~~اتبعوا ما كنتم تعبدون، فيقولون: كنا نعبد ~~هؤلاء، فتقول الأصنام: والله، ما كنا نسمع، ~~ولا نعقل، وما كنتم إيانا تعبدون، فيقولون: ~~والله، لإياكم كنا نعبد، فتقول الآلهة: { فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم... } الآية، وظاهر الآية أن ~~محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى؛ بدليل ~~القول لهم: { مكانكم أنتم وشركاؤكم } ، ودون فرعون ~~ومن عبد من الجن؛ بدليل قولهم: { إن كنا عن عبادتكم ~~لغفلين } ، و«إن» هذه عند سيبويه المخففة من الثقيلة ~~موجبة، ولزمتها اللام، فرقا بينها وبين «إن» النافية، وعند ~~الفراء: «إن» نافية بمعنى «ما»، واللام بمعنى «إلا»، وقرأ ~~نافع وغيره: «تبلوا» - بالباء الموحدة -؛ بمعنى: تختبر، وقرأ حمزة ~~والكسائي: «تتلوا» - بتاءين -؛ بمعنى تتبع وتطلب ما أسلفت من ~~أعمالها * ت *: قال * ص *: كقوله: [الرجز] # إن المريب يتبع المريبا # كما رأيت الذيب يتلو الذيبا # أي: يتبعه. انتهى. ويصح أن يكون بمعنى تقرأ كتبها التي ~~تدفع إليها. # وقوله: { ومن يدبر الأمر... } الآية: تدبير الأمر عام في ~~جميع الأشياء، وذلك استقامة الأمور كلها على إرادته عز وجل، ~~وليس تدبيره سبحانه بفكر وروية وتغييرات - تعالى عن ذلك - بل علمه ~~سبحانه محيط كامل دائم. # { فسيقولون الله }: أي: لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا ~~تمكنهم المباهتة بسواه، فإذا أقروا بذلك، { فقل أفلا ~~تتقون } في افترائكم، وجعلكم الأصنام آلهة. ### || [10.32-33] # وقوله: { فذلكم الله ربكم... } الآية: ms0683 يقول: فهذا الذي ~~هذه صفاته ربكم الحق، أي: المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا ~~كان كذلك، فتشريك غيره ضلال وغير حق. # قال * ع *: وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير ~~براعة وإيجازا ووضوحا، وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق ~~والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، ~~وكذلك هو الأمر في نظائرها من مسائل الأصول التي الحق فيها في ~~طرف واحد؛ لأن الكلام فيها إنما في تقرير وجود ذات كيف هي، ~~وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة:48]. # وقوله: { فأنى تصرفون }: تقرير؛ كما قال: # فأين تذهبون # [التكوير:26] ثم قال: { كذلك حقت } أي: كما كانت صفات ~~الله كما وصف، وعبادته واجبة كما تقرر، وانصراف هؤلاء كما ~~قدر عليهم، { كذلك حقت كلمت ربك... } الآية، وقرأ ~~أبو عمرو وغيره: «كلمة»؛ على الإفراد الذي يراد به الجمع؛ ~~كما يقال للقصيدة «كلمة» فعبر عن وعيد الله تعالى ب ~~«كلمة». ### || [10.34-36] # وقوله سبحانه: { قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ~~ثم يعيده... } الآية توقيف على قصور الأصنام وعجزها، وتنبيه ~~على قدرة الله عز وجل، و { تؤفكون }: معناه: تصرفون ~~وتحرمون، وأرض مأفوكة؛ إذا لم يصبها مطر، فهي بمعنى ~~الخيبة. # وقوله تعالى: { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ~~}: أي: يبين طرق الصواب، ثم وصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن ~~تهدى. # وقوله: { إلا أن يهدى }: فيه تجوز، لأنا نجدها لا تهدى ~~وإن هديت، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن ~~تنقل، ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو ~~اهتداؤها، وقرأ نافع وأبو عمرو: «يهدي» - بسكون الهاء، وتشديد ~~الدال -، وقرأ ابن كثير وابن عامر: يهدي - بفتح الياء والهاء، ~~وتشديد الدال - وهذه رواية ورش عن نافع، وقرأ حمزة والكسائي: ~~«يهدي» - بفتح الياء، وسكون الهاء - ومعنى هذه القراءة: «أمن لا ~~يهدي أحدا إلا أن يهدى ذلك الأحد، ووقف القراء: { فما ~~لكم } ، ثم يبدأ: { كيف تحكمون }. # وقوله سبحانه: { وما يتبع أكثرهم إلا ms0684 ظنا... } ~~الآية: أخبر الله سبحانه عن فساد طريقتهم، وضعف نظرهم، وأنه ~~ظن، ثم بين منزلة الظن من المعارف، وبعده عن الحق. ### || [10.37-40] # وقوله سبحانه: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من ~~دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه }: هذا رد ~~لقول من يقول: إن محمدا يفتري القرآن، و { الذي بين ~~يديه }: التوراة والإنجيل، وهم يقطعون أنه لم يطالع تلك ~~الكتب، ولا هي في بلده، ولا في قومه، و { وتفصيل الكتب ~~} هو تبيينه. # وقوله: { أم يقولون افتراه... } الاية: «أم» هذه ليست ~~بالمعادلة لهمزة الاستفهام، في قوله: أزيد قام أم عمرو؟ ومذهب ~~سيبويه: أنها بمنزلة «بل» ثم عجزهم سبحانه بقوله: { قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم... } ~~الآية: والتحدي في هذه الآية عند الجمهور وقع بجهتي الإعجاز ~~اللتين في القرآن: # إحداهما: النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في ~~التعريف. # والأخرى: المعاني من الغيب لما مضى، ولما يستقبل. # وحين تحداهم ب «عشر مفتريات» إنما تحداهم بالنظم وحده، ~~ثم قال * ع *: هذا قول جماعة المتكلمين، ثم اختار أن الإعجاز في ~~الآيتين إنما وقع في النظم لا في الإخبار بالغيوب. # * ت *: والصواب ما تقدم للجمهور، وإليه رجع في «سورة هود» ~~وأوجه إعجاز القرآن أكثر من هذا وانظر «الشفا». # وقوله: { من استطعتم }: إحالة على شركائهم. # وقوله سبحانه: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه... } ~~الآية: المعنى: ليس الأمر كما قالوا من أنه مفترى، { بل كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } ، ~~أي: تفسيره، وبيانه، ويحتمل أن يريد بما لم يأتهم تأويله، أي: ما يؤول ~~إليه أمره؛ كما هو في قوله: # هل ينظرون إلا تأويله # [الأعراف:53] وعلى هذا، فالآية تتضمن وعيدا، و { الذين من ~~قبلهم }: من سلف من أمم الأنبياء. # وقوله سبحانه: { ومنهم من يؤمن به... } الآية: أي: ومن ~~قريش من يؤمن بهذا الرسول، ولهذا الكلام معنيان: # قالت فرقة: معناه: من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل، ومنهم ~~من حتم الله عليه أنه لا يؤمن به أبدا. # وقالت فرقة: معناه: ومنهم من يؤمن بهذا الرسول إلا أنه ms0685 ~~يكتم إيمانه حفظا لرئاسته، أو خوفا من قومه، كالفتية الذين ~~قتلوا مع الكفار ببدر. # قال * ع *: وفائدة الآية على هذا التأويل: التفريق لكلمة الكفار، ~~وإضعاف نفوسهم، وفي قوله: { وربك أعلم بالمفسدين } ~~تهديد ووعيد. ### || [10.41-45] # وقوله سبحانه: { وإن كذبوك فقل لى عملي ولكم ~~عملكم } الآية فيها منابذة ومتاركة، قال كثير من المفسرين، ~~منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { ويوم يحشرهم... } الآية: وعيد بالحشر ~~وخزيهم فيه، وتعارفهم على جهة التلاؤم والخزي من بعضهم ~~لبعض، حيث لا ينفع ذلك. # وقوله سبحانه: { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله... ~~} إلى آخرها: حكم من الله عز وجل على المكذبين بالخسران، ~~وفي اللفظ إغلاظ، وقيل: إن هذا الكلام من كلام المحشورين، على جهة ~~التوبيخ لأنفسهم. # * ت *: والأول أبين. ### || [10.46-47] # وقوله: { وإما نرينك... } الآية: «إما» شرط، وجوابه: { ~~فإلينا } ، والرؤية في { نرينك } بصرية، ومعنى هذه الآية: ~~الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى، أي: إن أريناك عقوبتهم، أو لم ~~نركها، فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب، ثم ~~مع ذلك، فالله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم، ~~و«ثم» لترتيب الأخبار لا لترتيب القصص في أنفسها، و«إما» هي ~~«إن»، زيدت عليها «ما»، ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة، ولو كانت ~~«إن» وحدها، لم يجز. # * ص *: واعترض بأن مذهب سيبويه جواز دخولها، وإن لم تكن ~~«ما» انتهى. # وقوله سبحانه: { ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ~~قضي بينهم بالقسط }: قال مجاهد وغيره: المعنى: فإذا جاء ~~رسولهم يوم القيامة للشهادة عليهم، صير قوم للجنة، وقوم للنار، ~~فذلك القضاء بينهم بالقسط. ### || [10.48-53] # وقوله سبحانه: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صدقين * قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ~~ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا ~~يستأخرون... } الآية: الضمير في { يقولون } لكفار قريش، ~~وسؤالهم عن الوعد تحرير منهم - بزعمهم - للحجة أي: هذا العذاب الذي ~~توعدنا به، حدد لنا وقته؛ لنعلم الصدق في ذلك من ~~الكذب، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول على جهة الرد ms0686 عليهم: { ~~قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء ~~الله } ، ولكن { لكل أمة أجل } انفرد الله بعلم حده ~~ووقته، وباقي الآية بين. # وقوله: { ماذا يستعجل منه المجرمون }: أي: فما ~~تستعجلون منه، وأنتم لا قبل لكم به، والضمير في «منه» يحتمل أن ~~يعود على الله عز وجل، ويحتمل أن يعود على العذاب. # وقوله: { أثم إذا ما وقع آمنتم به } المعنى: إذا وقع ~~العذاب وعاينتموه، آمنتم حينئذ، وذلك غير نافعكم، بل جوابكم: الآن ~~وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به، { ويستنبئونك }: ~~معناه: يستخبرونك، وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما: ~~الكاف، والآخر: الجملة، وقيل: هي بمعنى يستعلمونك؛ فعلى هذا ~~تحتاج إلى ثلاثة مفاعيل. # * ص *: ورد بأن الاستنباء لا يحفظ تعديه إلى ثلاثة، ولا ~~استعلم الذي هو بمعناه. انتهى. # و { أحق هو } قيل: الإشارة إلى الشرع والقرآن، وقيل: إلى ~~الوعيد؛ وهو أظهر. # وقوله: { إي وربي }: أي: بمعنى «نعم»، وهي لفظة تتقدم ~~القسم، ويجيء بعدها حرف القسم، وقد لا يجيء؛ تقول: إي وربي، ~~وإي ربي، و { معجزين }: معناه مفلتين. ### || [10.54-56] # وقوله سبحانه: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض ~~لافتدت به وأسروا الندامة... } الآية، و { أسروا ~~}: لفظة تجيء بمعنى «أخفوا»، وهي حينئذ من السر، وتجيء بمعنى ~~«أظهروا»، وهي حينئذ من أسارير الوجه. # * ص *: قال أبو البقاء: وهو مستأنف، وهو حكاية ما يكون في الآخرة. # وقوله تعالى: { ألا إن لله ما في السموات ~~والأرض... } الآية، «ألا» استفتاح وتنبيه، وباقي الآية بين. ### || [10.57-59] # وقوله سبحانه: { يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ~~ربكم... } الآية: هذه آية خوطب بها جميع العالم، وال { ~~موعظة }: القرآن؛ لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ~~ويزجر، ويرقق القلوب، ويعد ويوعد، وهذه صفة «الكتاب العزيز»، ~~وقوله: { من ربكم } يريد: لم يختلقها محمد ولا غيره، و { ما ~~في الصدور }: يريد به الجهل ونحوه، وجعله موعظة بحسب ~~الناس أجمع، وجعله هدى ورحمة بحسب المؤمنين فقط، وهذا ~~تفسير صحيح المعنى، إذا تؤمل، بان وجهه. # وقوله سبحانه: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا } ، قال ابن عباس ms0687 وغيره: الفضل: الإسلام، والرحمة: ~~القرآن، وقال أبو سعيد الخدري: الفضل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم ~~من أهله. # وقال زيد بن أسلم والضحاك: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام. # قال * ع *: ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند شيء ~~منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي يقتضيه اللفظ، ويلزم ~~منه أن الفضل: هو هداية الله تعالى إلى دينه، والتوفيق ~~إلى اتباع شرعه، والرحمة هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها ~~جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان به، ومعنى الآية: قل، يا محمد، ~~لجميع الناس: بفضل الله ورحمته فليقع الفرح منكم، لا بأمور ~~الدنيا وما يجمع من حطامها، فإن قيل: كيف أمر الله بالفرح في ~~هذه الآية، وقد ورد ذمه في قوله: # لفرح فخور # [هود:10] وفي قوله: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص:76]. # قيل: إن الفرح إذا ورد مقيدا في خير، فليس بمذموم، وكذلك هو في ~~هذه الآية، وإذا ورد مقيدا في شر، أو مطلقا لحقه ذم، إذ ~~ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على دينه، ~~وخوفه لربه. # وقوله: { مما يجمعون }: يريد: مال الدنيا وحطامها الفاني ~~المردي في الآخرة. # وقوله سبحانه: { قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من ~~رزق فجعلتم منه حراما وحلالا... } الآية. # قال * ص *: { أرءيتم }: مضمن معنى: أخبروني، و«ما» موصولة. # قال * ع *: هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر ~~والسوائب وغير ذلك، وقوله: { أنزل }: لفظة فيها تجوز. ### || [10.60-61] # وقوله: { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب ~~يوم القيمة } آية وعيد - لما تحقق عليهم بتقسيم الآية ~~التي قبلها؛ أنهم مفترون على الله - عظم في هذه الآية جرم ~~الافتراء، أي: ظنهم في غاية الرداءة؛ بحسب سوء أفعالهم، ثم ثنى ~~بذكر الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان؛ إذ ~~الإمهال لهم داعية إلى التوبة والإنابة، ثم الآية تعم جميع ~~فضل الله سبحانه، وجميع تقصير الخلق. # وقوله سبحانه: { وما تكون في شأن... } الآية: مقصد هذه ~~الآية وصف إحاطة الله عز وجل بكل شيء، لا رب ms0688 غيره، ومعنى ~~اللفظ: وما تكون يا محمد، والمراد هو وغيره في شأن من جميع ~~الشؤون، { وما تتلوا منه }: الضمير عائد على شأن أي: فيه ~~وبسببه «من قرآن»، ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن. # وقال * ص *: ضمير «منه» عائد على «شأن» و { من قرآن }: تفسير ~~للضمير. انتهى. وهو حسن، ثم عم سبحانه بقوله: { ولا تعملون ~~من عمل } ، وفي قوله سبحانه: { إلا كنا عليكم شهودا } ~~تحذير وتنبيه. # * ت * وهذه الآية عظيمة الموقع لأهل المراقبة تثير من قلوبهم ~~أسرارا، ويغترفون من بحر فيضها أنوارا، و { تفيضون } معناه: ~~تأخذون وتنهضون بجد، { وما يعزب }: معناه: وما يغيب { ~~عن ربك من مثقال ذرة } والكتاب المبين هو اللوح ~~المحفوظ، ويحتمل ما كتبته الحفظة. ### || [10.62-64] # وقوله سبحانه: { ألآ إن أولياء الله... } الآية: «ألا» ~~استفتاح وتنبيه، و { أولياء الله }: هم المؤمنون الذين ~~والوه بالطاعة والعبادة، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من ~~آمن واتقى الله، فهو داخل في أولياء الله، وهذا هو الذي ~~تقتضيه الشريعة في الولي، # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه سئل، من ~~أولياء الله؟ فقال: «الذين إذا رأيتهم ذكرت ~~الله» ". # قال: * ع *: وهذا وصف لازم للمتقين؛ لأنهم يخشعون ~~ويخشعون، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: # " أولياء الله قوم تحابوا في الله، واجتمعوا في ~~ذاته، لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه " # وروى الدارقطني في «سننه» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " خيار عباد الله الذين إذا رؤوا، ذكر الله، ~~وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون ~~بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب " # انتهى من «الكوكب الدري». # وقوله: { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني: في ~~الآخرة، ويحتمل في الدنيا لا يخافون أحدا من أهل الدنيا، ولا من ~~أعراضها، ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأول أظهر، والعموم في ذلك ~~صحيح: لا يخافون في الآخرة جملة، ولا في الدنيا الخوف ~~الدنيوي. # وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث في الأولياء؛ ~~أنهم هم الذين إذا رآهم أحد، ذكر الله، وروي فيهم ms0689 ~~حديث؛ # " أن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله ~~ويجعل لهم يوم القيامة منابر من نور، وتنير ~~وجوههم، فهم في عرصات القيامة لا يخافون ولا ~~يحزنون " # وروى عمر بن الخطاب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا ~~شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء؛ لمكانتهم ~~من الله، قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ قال: قوم ~~تحابوا بروح الله على غير أرحام، ولا أموال... " # الحديث، ثم قرأ: { ألآ إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون }. # * ت * وقد خرج هذا الحديث أبو داود والنسائي، قال أبو داود في هذا ~~الحديث: فوالله، إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، ذكره ~~بإسناد آخر. انتهى. # ورواه أيضا ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي مالك الأشعري؛ ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس، فقال: # " يأيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن ~~لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم ~~النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من ~~الله عز وجل »، فقال أعرابي: انعتهم لنا، يا ~~نبي الله، فقال:«هم ناس من أبناء الناس، لم ~~تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله، ~~وتصافوا فيه، يضع الله لهم يوم القيامة منابر ~~من نور فيجلسهم عليها فيجعل وجوههم نورا ~~وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة، وهم لا ~~يفزعون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون ". # انتهى. # وقوله تعالى: { لهم البشرى... } الآية: أما بشرى الآخرة، ~~فهي بالجنة؛ بلا خلاف قولا واحدا، وذلك هو الفضل الكبير، وأما ~~بشرى الدنيا، فتظاهرت الأحاديث من طرق، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ أنها # " الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له " # ، وقال قتادة والضحاك: البشرى في الدنيا: هي ما يبشر به ~~المؤمن عند موته، وهو حي عند المعاينة، ويصح أن تكون بشرى ~~الدنيا ما في القرآن من الآيات المبشرات؛ ويقوى ذلك بقوله: { لا ~~تبديل لكلمات الله } ، ويؤول قوله صلى الله عليه وسلم:« ~~هي الرؤيا » أنه أعطى مثالا يعم جميع الناس. # وقوله سبحانه: { لا تبديل لكلمات الله }: يريد: ms0690 لا خلف ~~لمواعيده، ولا رد في أمره، وقد أخذ ذلك ابن عمر على نحو غير ~~هذا، وجعل التبديل المنفي في الألفاظ، وذلك أنه روي أن الحجاج ~~خطب، فقال: ألا إن عبد الله بن الزبير قد ~~بدل كتاب الله، فقال له عبد الله بن عمر: ~~إنك لا تطيق ذلك أنت، ولا ابن الزبير؛ لا ~~تبديل لكلمات الله، وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في ~~غير مقاولة الحجاج، ذكره البخاري. ### || [10.65-66] # وقوله تعالى: { ولا يحزنك قولهم }: أي: قول قريش، فهذه ~~الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولفظة القول تعم جحودهم ~~واستزاءهم وخداعهم وغير ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال { إن ~~العزة لله جميعا } أي: لا يقدرون لك على شيء، ولا ~~يؤذونك، إلا بما شاء الله، ففي الآية وعيد لهم، ثم استفتح ~~بقوله: { ألآ إن لله من في السموات ومن في الأرض ~~} أي: بالملك والإحاطة. # وقوله تعالى: { وما يتبع }: يصح أن تكون «ما» استفهاما، ~~ويصح أن تكون نافية. # * ت *: ورجح هذا الثاني. # وقوله: { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون } «إن»: نافية، و { يخرصون }: معناه: يحدسون ~~ويخمنون. ### || [10.67-69] # وقوله عز وجل: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه... } الآية: في هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع؛ ~~لأن العبرة في أن الليل مظلم يسكن فيه، والنهار مبصر ~~يتصرف فيه، فذكر طرفا من هذا وطرفا من الجهة الثانية، ودل ~~المذكوران على المتروكين. # وقوله: { يسمعون } يريد: يوعون، والضمير في { قالوا } لكفار ~~العرب، ثم الآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول؛ كالنصارى، و ~~{ سبحنه } معناه: «تنزيها له، وبراءة من ذلك»؛ فسره بهذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { إن عندكم من سلطان بهذا } «إن» نافية، ~~والسلطان: الحجة، وكذلك معناه حيث تكرر في القرآن، ثم وبخهم ~~تعالى بقوله: { أتقولون على الله ما لا تعلمون }. # وقوله سبحانه: { إن الذين يفترون... } الآية: توعد لهم ~~بأنهم لا يظفرون ببغية، ولا يبقون في نعمة، إذ هذه حال من ~~يصير إلى العذاب، وإن نعم في دنياه يسيرا. ### || [10.70-72] ms0691 # وقوله تعالى: { متع } مرفوع على خبر ابتداء؛ أي: ذلك متاع. # قال * ص *: { متع } جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: كيف لا ~~يفلحون، وهم في الدنيا مفلحون بأنواع التلذذات؟! فقيل: ذلك ~~متاع، فهو خبر مبتدإ محذوف. انتهى، وهذا الذي قدره. # * ص *: يفهم من كلام * ع *. # وقول نوح عليه السلام: { يقوم إن كان كبر عليكم ~~مقامي... } الآية: المقام: وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو ~~نحوه، والمقام - بضم الميم -: إقامته ساكنا في موضع أو بلد، ولم ~~يقرأ هنا بضم الميم فيما علمت، وتذكيره: وعظه وزجره، وقوله: { ~~فأجمعوا }: من أجمع الرجل على الشيء، إذا عزم عليه؛ ~~ومنه الحديث: ما لم يجمع مكثا، و { أمركم }: يريد به: قدرتكم ~~وحيلكم، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر؛ كأنه قال: وادعوا ~~شركاءكم؛ فهو من باب: [الرجز] # علفتها تبنا وماء باردا # حتى شتت همالة عيناها # وفي مصحف أبي: «فأجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم» ~~قال الفارسي: وقد ينتصب «الشركاء» ب«واو مع»؛ كما قالوا: جاء ~~البرد والطيالسة. # وقوله: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة }: أي: ~~ملتبسا مشكلا؛ ومنه قوله عليه السلام في الهلال: « فإن غم ~~عليكم». # وقوله: { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون }: أي: أنفذوا ~~قضاءكم نحوي، ولا تؤخروني، والنظرة: التأخير. ### || [10.73-75] # وقوله سبحانه: { فكذبوه فنجيناه ومن معه في ~~الفلك وجعلناهم خلائف }: مضى شرح هذه المعاني. # وقوله سبحانه: { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين }: ~~مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق. # وقوله سبحانه: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى ~~قومهم }: الضمير في { من بعده } عائد على نوح عليه السلام. # وقوله تعالى: { فجاءوهم بالبينت فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين * ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهرون إلى فرعون وملإيه * بآيتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين }: معنى هذه الآية ~~ضرب المثل لحاضري نبينا محمد عليه السلام؛ ليعتبروا بمن ~~سلف، و { البينت } المعجزات، والضمائر في { ما كانوا ~~ليؤمنوا } وفي { كذبوا } تعود الثلاثة على قوم الرسل، وقيل: ~~الضمير في كذبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدم تفسير نظيرها «في ~~الأعراف». ### || [10.76-82] ms0692 # وقوله سبحانه: { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا ~~إن هذا لسحر مبين } الآية: يريد ب { الحق } ~~آيتي العصا واليد. # وقوله: { أسحر هذا }: قالت فرقة: هو حكاية عن موسى عنهم، ثم ~~أخبرهم موسى عن الله؛ أن الساحرين لا يفلحون، ثم اختلفوا في ~~معنى قول قوم فرعون، فقال بعضهم: قالها منهم كل مستفهم جاهل ~~بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيف، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك على معنى ~~التعظيم للسحر الذي رأوه، وقالت فرقة: ليس ذلك حكاية عن موسى ~~عنهم، وإنما هو من كلام موسى، وتقدير الكلام: أتقولون للحق لما ~~جاءكم سحر، ثم ابتدأ يوقفهم بقوله: { أسحر هذا } على جهة ~~التوبيخ. # وقولهم: { لتلفتنا }: أي: لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين ~~آبائنا، يقال: لفت الرجل عنق الآخر؛ إذا ألواه، ومنه قولهم: ~~التفت؛ فإنه افتعل من لفت عنقه إذا ألواه، و { ~~الكبرياء }: مصدر من الكبر، والمراد به في هذا الموضع ~~الملك؛ قاله أكثر المتأولين؛ لأنه أعظم تكبر الدنيا، وقرأ أبو ~~عمرو وحده: «به آلسحر» - بهمزة استفام ممدودة -، وفي قراءة ~~أبي: «ما أتيتم به سحر»، والتعريف هنا في السحر ~~أرتب؛ لأنه تقدم منكرا في قولهم: { إن هذا لسحر } ، ~~فجاء هنا بلام العهد. # قال * ص *: قال الفراء: إنما قال: «السحر» ب «أل»، لأن ~~النكرة إذا أعيدت، أعيدت ب «أل»، وتبعه ابن عطية، ورد بأن ~~شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرة المعادة؛ كقوله تعالى: # كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون ~~الرسول # [المزمل:15،16] وهنا السحر المنكر هو ما أتى به موسى، والمعروف ~~ما أتوا به هم، فاختلف مدلولهما، والاستفهام هنا: على سبيل ~~التحقير. انتهى. وهو حسن. # وقوله: { إن الله سيبطله }: إيجاب عن عدة من الله ~~تعالى. # وقوله: { إن الله لا يصلح عمل المفسدين }: يحتمل ~~أن يكون ابتداء خبر من الله عز وجل، ويحتمل أن يكون من ~~كلام موسى عليه السلام، وكذلك قوله: { ويحق الله الحق... } ~~الآية، محتمل للوجهين، وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب، وهو الذي ~~ذكر الطبري، وأما قوله: { بكلمته }: فمعناه بكلماته السابقة ~~الأزلية في الوعد بذلك. ms0693 ### || [10.83-86] # وقوله عز وجل: { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ~~على خوف من فرعون وملإيهم } اختلف المتأولون في عود ~~الضمير الذي في { قومه } ، فقالت فرقة: هو عائد على موسى، وذلك في ~~أول مبعثه، وملأ الذرية، هم أشراف بني إسرائيل. # قال * ص *: وهذا هو الظاهر، وقالت فرقة: الضمير في { قومه } عائد ~~على { فرعون } ، وضمير { ملإيهم } عائد على الذرية. # قال * ع *: ومما يضعف عود الضمير على موسى: أن المعروف من ~~أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما تقدمت فيهم النبوات، ولم ~~يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به، فدل على أن ~~الذرية من قوم فرعون. # وقوله سبحانه: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا... } الآية: هذا ابتداء حكاية قول ~~موسى لجماعة بني إسرائيل؛ مؤنسا لهم، ونادبا إلى التوكل على ~~الله عز وجل الذي بيده النصر قال المحاسبي: قلت لأبي ~~جعفر محمد بن موسى: إن الله عز وجل يقول: # وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين # [المائدة:23] فما السبيل إلى هذا التوكل الذي ندب الله ~~إليه، وكيف دخول الناس فيه؟ قال: إن الناس متفاوتون في ~~التوكل، وتوكلهم على قدر إيمانهم وقوة علومهم، قلت: ~~فما معنى إيمانهم؟ قال: تصديقهم بمواعيد الله عز وجل، ~~وثقتهم بضمان الله تبارك وتعالى، قلت: من أين ~~فضلت الخاصة منهم على العامة، والتوكل في عقد الإيمان مع ~~كل من آمن بالله عز وجل؟ قال: إن الذي فضلت به الخاصة ~~على العامة دوام سكون القلب عن الاضطراب والهدو عن الحركة، ~~فعندها، يا فتى، استراحوا من عذاب الحرص، وفكوا من أسر ~~الطمع، وأعتقوا من عبودية الدنيا، وأبنائها، وحظوا ~~بالروح في الدارين جميعا، فطوبى لهم وحسن مآب، قلت: فما ~~الذي يولد هذا؟ قال: حالتان: # دوام لزوم المعرفة، والاعتماد على الله عز وجل، وترك ~~الحيل. # والثانية: الممارسة حتى يألفها إلفا، ويختارها اختيارا، ~~فيصير التوكل والهدو والسكون والرضا والصبر له شعارا ودثارا. ~~انتهى من «كتاب القصد إلى الله سبحانه». # وقولهم: { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظلمين }: المعنى: لا تنزل بنا بلاء بأيديهم ms0694 أو بغير ذلك ~~مدة محاربتنا لهم؛ فيفتنون لذلك، ويعتقدون صلاح دينهم، ~~وفساد ديننا؛ قاله مجاهد وغيره، فهذا الدعاء على هذا التأويل يتضمن ~~دفع فصلين: # أحدهما: القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون. # والآخر: ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق. # ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم: « بئس الميت أبو أمامة» ~~لأن اليهود والمشركين يقولون: لو كان نبيا لم ~~يمت صاحبه. # ورجح * ع * في «سورة الممتحنة: 5» قول ابن عباس: إن معنى: { لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا }: لا تسلطهم علينا؛ ~~فيفتنونا؛ انظره هناك. ### || [10.87-91] # وقوله سبحانه: { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } روي: أن فرعون أخاف بني ~~إسرائيل، وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة، ونحو هذا، ~~فأوحى الله إلى موسى وهارون، أن تبوءا أي: اتخذا وتخيرا ~~لبني إسرائيل بمصر بيوتا، قال مجاهد: مصر؛ في هذه الآية: ~~الإسكندرية، ومصر ما بين أسوان والإسكندرية. # وقوله سبحانه: { واجعلوا بيوتكم قبلة }: قيل: معناه: ~~مساجد، قاله ابن عباس وجماعة، قالوا: خافوا، فأمروا بالصلاة في ~~بيوتهم، وقيل: معناه موجهة إلى القبلة؛ قاله ابن عباس، ومن هذا ~~حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " خير بيوتكم ما استقبل به القبلة ". # وقوله: { وأقيموا الصلاة }: خطاب لبني إسرائيل، وهذا قبل ~~نزول التوراة؛ لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر. # وقوله: { وبشر المؤمنين }: أمر لموسى عليه السلام، وقال ~~الطبري ومكي: هو أمر لنبينا محمد عليه السلام، وهذا غير متمكن. # وقوله سبحانه: { وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون ~~وملأه زينة... } الآية: هذا غضب من موسى على القبط، ودعاء ~~عليهم، لما عتوا وعاندوا، وقدم للدعاء تقرير نعم الله ~~عليهم وكفرهم بها، و { ءاتيت } معناه: أعطيت، واللام في { ~~ليضلوا } لام كي، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة ~~والعاقبة، المعنى: آتيتهم ذلك، فصار أمرهم إلى كذا، وقرأ حمزة ~~وغيره: «ليضلوا» (بضم الياء)؛ على معنى: ليضلوا غيرهم. # وقوله: { ربنا اطمس على أمولهم }: هو من طموس ~~الأثر والعين؛ وطمس الوجوه منه، وتكرير قوله: { ربنا } ~~استغاثة؛ كما يقول الداعي: يا الله، يا الله، روي أنهم حين ms0695 دعا موسى ~~بهذه الدعوة، رجع سكرهم حجارة، ودراهمهم ودنانيرهم وحبوب ~~أطعمتهم، رجعت حجارة؛ قاله قتادة وغيره، وقال مجاهد وغيره: معناه: ~~أهلكها ودمرها. # وقوله: { واشدد على قلوبهم }: بمعنى: اطبع واختم ~~عليهم بالكفر؛ قاله مجاهد والضحاك. # وقوله: { فلا يؤمنوا }: مذهب الأخفش وغيره: أن الفعل منصوب؛ ~~عطفا على قوله: { ليضلوا } ، وقيل: منصوب في جواب الأمر، وقال ~~الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء، وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية؛ ~~وذلك لعلمه من الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه ~~في ذلك الوقت، ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله دعوتهما، قال ~~ابن عباس: العذاب هنا: الغرق، وروي أن هارون كان يؤمن على دعاء ~~موسى؛ فلذلك نسب الدعوة إليهما؛ قاله محمد بن كعب القرظي، قال ~~البخاري: { وعدوا }: من العدوان. انتهى. # وقول فرعون: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل... } الآية: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن جبريل عليه السلام قال: ما أبغضت أحدا ~~قط بغضي لفرعون، ولقد سمعته يقول: { ءامنت... ~~} الآية، فأخذت من حال البحر، فملأت فمه؛ مخافة ~~أن تلحقه رحمة الله " # ، وفي بعض الطرق: « مخافة أن يقول لا إله إلا الله، ~~فتلحقه الرحمة # ». قال * ع *: فانظر إلى كلام فرعون، ففيه مجهلة وتلعثم، ~~ولا عذر لأحد في جهل هذا، وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه، ~~كقول علي رضي الله عنه: أهللت بإهلال كإهلال ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والحال: الطين، والآثار بهذا كثيرة ~~مختلفة الألفاظ، والمعنى واحد. # وقوله سبحانه: { آلآن وقد عصيت قبل } ، وهذا على جهة ~~التوبيخ له، والإعلان بالنقمة منه، وهذا الكلام يحتمل أن يكون من ~~ملك موصل عن الله، أو كيف شاء الله، ويحتمل أن يكون هذا ~~الكلام معنى حاله وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة ~~المعاين. ### || [10.92-93] # وقوله سبحانه: { فاليوم ننجيك ببدنك... } الآية: يقوي ~~أنه صورة حاله؛ لأن هذه الألفاظ إنما يظهر أنها قيلت بعد غرقه، ~~وسبب هذه المقالة؛ على ما روي: أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق ~~فرعون وهلاكه، لعظمه في نفوسهم، ms0696 وكذب بعضهم أن ~~يكون فرعون يموت، فنجي على نجوة من الأرض، حتى رآه ~~جميعهم ميتا؛ كأنه ثور أحمر، وتحققوا غرقه. # والجمهور على تشديد { ننجيك }؛ فقالت فرقة: معناه: من النجاة، ~~أي: من غمرات البحر والماء، وقال جماعة: معناه: نلقيك على ~~نجوة من الأرض، وهي: ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب بسكون النون وتخفيف ~~الجيم، وقوله: { ببدنك } قالت فرقة: معناه: بشخصك، وقالت فرقة: ~~معناه: بدرعك، وقرأ الجمهور: «خلفك» أي: من أتى بعدك، وقرىء ~~شاذا: «لمن خلفك» - بفتح اللام -، والمعنى: ليجعلك الله آية ~~له في عباده، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { ولقد بوأنا بني إسرءيل مبوأ ~~صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم }: المعنى: ولقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن ~~اختيار، وأحللناهم من الأماكن أحسن محل، و { مبوأ صدق }: ~~أي: يصدق فيه ظن قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إحلالهم بلاد ~~الشام وبيت المقدس؛ قاله قتادة وابن زيد، وقيل: بلاد الشام ~~ومصر، والأول أصح، وقوله سبحانه: { فما اختلفوا } أي: في ~~نبوة نبينا محمد عليه السلام، وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب ~~المتأولين كلهم، وهو تأويل يحتاج إلى سند، والتأويل الثاني الذي ~~يحتمله اللفظ: أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول ~~حاله، فلما جاءهم العلم والأوامر، وغرق فرعون، اختلفوا، ~~فالآية ذامة لهم. # * ت *: فر رحمه الله من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمم اختلافهم على ~~أنبيائهم موسى وغيره، وعلى نبينا، لكان أحسن، وما ذهب إليه ~~المتأولون من التخصيص أحسن لقرينة قوله: { فإن كنت في شك ~~} ، فالربط بين الآيتين واضح، والله أعلم. ### || [10.94-97] # وقوله عز وجل: { فإن كنت في شك... } الآية: الصواب في معنى ~~الآية: أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بها سواه ~~من كل من يمكن أن يشك أو يعارض. # * ت *: وروينا عن أبي داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا ~~أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا ~~محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ms0697 # " المراء في القرآن كفر " # ، قال عياض في «الشفا»: تأول بمعنى «الشك»، وبمعنى «الجدال». انتهى. # { الذين يقرءون الكتب من قبلك }: من أسلم من أهل ~~الكتاب، كابن سلام وغيره، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لما نزلت هذه الآية: « أنا لا أشك ولا أسأل»، ثم ~~جزم سبحانه الخبر بقوله: { لقد جاءك الحق من ربك } ، ~~واللام في «لقد» لام قسم. # وقوله: { مما أنزلنا إليك } يريد به: من أن بني إسرائيل ~~لم يختلفوا في أمره إلا من بعد مجيئه عليه السلام؛ هذا قول أهل ~~التأويل قاطبة. # قال * ع *: وهذا هو الذي يشبه أن ترجى إزالة الشك فيه من ~~قبل أهل الكتاب، ويحتمل اللفظ أن يريد ب { ما أنزلنا ~~} جميع الشرع. # * ت *: وهذا التأويل عندي أبين إذا لخص، وإن كان قد استبعده ~~* ع *: ويكون المراد ب { ما أنزلنا }: ما ذكره سبحانه من قصصهم، ~~وذكر صفته عليه السلام، وذكر أنبيائهم وصفتهم وسيرهم وسائر ~~أخبارهم الموافقة لما في كتبهم المنزلة على أنبيائهم؛ كالتوراة ~~والإنجيل والزبور والصحف، وتكون هذه الآية تنظر إلى قوله ~~سبحانه: # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه... # [يوسف:111]، فتأمله، والله أعلم. # وأما قوله: هذا قول أهل التأويل قاطبة، فليس كذلك، وقد تكلم صاحب ~~«الشفا» على الآية، فأحسن، ولفظه: واختلف في معنى الآية، فقيل: ~~المراد: قل يا محمد للشاك: { إن كنت في شك... } الآية، ~~قالوا: وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: # قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني... # الآية [يونس:104]، ثم قال عياض: وقيل: إن هذا الشك: الذي أمر ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الذين يقرؤون الكتاب عنه، ~~إنما هو في ما قصه الله تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إليه ~~من التوحيد والشريعة. انتهى. # وقوله سبحانه: { فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ~~من الذين كذبوا بآيت الله... } الآية: مما خوطب به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد سواه. # قال * ع *: ولهذا فائدة ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدة ms0698 ~~التخويف؛ لأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من ~~مثل هذا، فغيره من الناس أولى أن يحذر ويتقى على نفسه. # وقوله سبحانه: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك ~~}: أي: حق عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه { لا يؤمنون * ولو ~~جاءتهم كل آية } إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه ~~الإيمان؛ كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقت المعاينة. ### || [10.98-100] # وقوله سبحانه: { فلولا كانت قرية آمنت... } الآية: وفي ~~مصحف أبي وابن مسعود: «فهلا»، والمعنى فيهما واحد، وأصل «لولا» ~~التحضيض، أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره، ومعنى الآية: ~~فهلا آمن أهل قرية، وهم على مهل لم يتلبس العذاب بهم، ~~فيكون الإيمان نافعا لهم في هذا الحال، ثم استثنى قوم يونس، فهو ~~بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل لأن تقديره: ما ~~آمن أهل قرية إلا قوم يونس، وروي في قصة قوم يونس: أن ~~القوم لما كفروا، أي: تمادوا على كفرهم، أوحى الله تعالى ~~إليه؛ أن أنذرهم بالعذاب لثالثة، ففعل، فقالوا: هو رجل لا ~~يكذب، فارقبوه فإن أقام بين أظهركم، فلا عليكم، وإن ~~ارتحل عنكم، فهو نزول العذاب لا شك فيه، فلما كان الليل، ~~تزود يونس، وخرج عنهم، فأصبحوا فلم يجدوه، فتابوا ودعوا ~~الله، وآمنوا، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين الأمهات ~~والأولاد من الناس والبهائم، وكان العذاب فيما روي عن ابن ~~عباس: على ثلثي ميل منهم، وروي: على ميل، وقال ابن جبير: غشيهم ~~العذاب؛ كما يغشى الثوب القبر، فرفع الله عنهم العذاب، فلما ~~مضت الثالثة، وعلم يونس أن العذاب لم ينزل بهم، قال: كيف ~~أنصرف، وقد وجدوني في كذب، فذهب مغاضبا؛ كما ذكر الله سبحانه ~~في غير هذه الآية، وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين ~~الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن ~~جماعة من المفسرين، وليس كذلك، والمعاينة التي لا تنفع التوبة ~~معها هي تلبس العذاب أو الموت بشخص الإنسان، كقصة فرعون، ~~وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد. # * ت *: وما قاله الطبري عندي ms0699 أبين، { ومتعناهم إلى ~~حين }: يريد: إلى آجالهم المقدرة في الأزل، وروي أن قوم يونس كانوا ~~ب«نينوى» من أرض الموصل. # وقوله سبحانه: { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين }: المعنى: أفأنت تكره الناس بإدخال الإيمان في ~~قلوبهم، والله عز وجل قد شاء غير ذلك، و { الرجس } هنا ~~بمعنى العذاب. ### || [10.101-103] # وقوله سبحانه: { قل انظروا ماذا في السموات ~~والأرض... } الآية: هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في ~~المصنوعات الدالة على الصانع من آيات السموات وأفلاكها ~~وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ~~ذلك، المعنى: انظروا في ذلك بالواجب، فهو ينهيكم إلى المعرفة ~~بالله وبوحدانيته، ثم أخبر سبحانه أن الآيات والنذر - وهم ~~الأنبياء - لا تغني إلا بمشيئته؛ ف «ما»؛ على هذا: نافية، ويجوز ~~أن تكون استفهاما في ضمنه نفي وقوع الغنى، وفي الآية على هذا: ~~توبيخ لحاضري النبي صلى الله عليه وسلم. # قال * ص *: و { النذر }: جمع نذير، إما مصدر بمعنى الإنذارات، ~~وإما بمعنى منذر. انتهى. # وقوله سبحانه: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم... } الآية: وعيد إذا لجوا في الكفر، ~~حل بهم العذاب. # وقوله سبحانه: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا }: أي: ~~عادة الله سلفت بإنجاء رسله ومتبعيهم عند نزول العذاب ~~بالكفرة { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين }. # قال * ص *: أي: مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل ومؤمنيهم ننجي ~~من آمن بك. انتهى، وخط المصحف في هذه اللفظة «ننج» بجيم مطلقة دون ~~ياء، وكلهم «قرأ ننج» - مشددة الجيم - إلا الكسائي وحفصا عن عاصم؛ ~~فإنهما قرآ بسكون النون وتخفيف الجيم. ### || [10.104-107] # وقوله سبحانه: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني... } الآية، مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم القيامة. # وقوله: { وأن أقم وجهك للدين... } الآية: الوجه في هذه ~~الآية بمعنى المنحى والمقصد، أي: اجعل طريقك واعتمالك للدين ~~والشرع. # وقوله تعالى: { ولا تكونن من المشركين * ولا تدع ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك... } الآية، قد ~~تقدم أن ما كان من هذا النوع، فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد غيره. ms0700 # وقوله سبحانه: { وإن يمسسك الله بضر فلا كشف له ~~إلا هو... } الآية: مقصود هذه الآية أن الحول والقوة لله، ~~وال { ضر } لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان. # وقوله: { وإن يردك بخير } لفظ تام العموم. ### || [10.108-109] # وقوله سبحانه: { قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ~~ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه }: هذه ~~مخاطبة لجميع الكفار ومستمرة مدى الدهر، و { الحق }: هو ~~القرآن والشرع الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { وما أنا عليكم بوكيل }: منسوخة بالقتال. # وقوله سبحانه: { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى ~~يحكم الله وهو خير الحكمين }. قوله: { حتى ~~يحكم الله }: وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يغلبهم، كما ~~وقع، وهذا الصبر منسوخ أيضا بالقتال، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # قوله عز وجل: { الر كتاب أحكمت آيته } أي: أتقنت ~~وأجيدت، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل، ثم فصل بتقطيعه، ~~وتبيين أحكامه وأوامره على محمد نبيه عليه السلام في أزمنة ~~مختلفة؛ ف «ثم» على بابها، فالإحكام صفة ذاتية، والتفصيل ~~إنما هو بحسب من يفصل له، والكتاب بأجمعه محكم ومفصل، ~~والإحكام الذي هو ضد النسخ، والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال، ~~إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك. # قال * ص *: { ثم فصلت }: «ثم» لترتيب الأخبار؛ لا لترتيب ~~الوقوع في الزمان، و { لدن } بمعنى: «عند». انتهى. # قال الداوودي: وعن الحسن: { أحكمت ءايته }: قال: أحكمت ~~بالأمر والنهي، ثم فصلت بالوعد والوعيد، وعنه: فصلت ~~بالثواب والعقاب. انتهى. وقدم ال { نذير }؛ لأن التحذير من ~~النار هو الأهم. { وأن استغفروا ربكم } ، أي: اطلبوا ~~مغفرته؛ وذلك بطلب دخولكم في الإسلام، { ثم توبوا } من ~~الكفر { يمتعكم متاعا حسنا } ، ووصف المتاع بالحسن؛ ~~لطيب عيش المؤمن برجائه في ثواب ربه، وفرحه بالتقرب إليه ~~بأداء مفترضاته، والسرور بمواعيده سبحانه، والكافر ليس في شيء ~~من هذا، { ويؤت كل ذي فضل } ، أي: كل ذي إحسان { ~~فضله } ، فيحتمل أن يعود الضمير من «فضله» على «ذي فضل» أي: ~~ثواب فضله، ويحتمل أن يعود على ms0701 الله عز وجل، أي: يؤتى الله ~~فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين، ونحو هذا المعنى ما وعد به ~~سبحانه من تضعيف الحسنات، { وإن تولوا فإني أخاف ~~عليكم } ، أي: فقل: إني أخاف عليكم عذاب يوم كبير، وهو يوم ~~القيامة. ### || [11.5-8] # وقوله سبحانه: { ألا إنهم يثنون صدورهم... } الآية: ~~قيل: إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم تطامنوا وثنوا صدورهم؛ كالمتستر، ~~وردوا إليه ظهورهم، وغشوا وجوههم بثيابهم، تباعدا منهم، ~~وكراهية للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه، أو عن الله عز ~~وجل، وقيل: هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا ينطوون ~~عليه، فمعنى الآية: ألا إنهم يسرون العداوة، ويتكتمون بها، ~~لتخفى في ظنهم عن الله وهو سبحانه حين تغشيهم بثيابهم، ~~وإبلاغهم في التستر، يعلم ما يسرون، و { يستغشون }: ~~معناه يجعلونها أغشية وأغطية. # قال * ص *: قرأ الجمهور: «يثنون» - بفتح الياء -؛ مضارع ثنى ~~الشيء ثنيا: طواه. انتهى، وقرأ ابن عباس وجماعة: ~~«تثنوني صدورهم» - بالرفع -؛ على وزن «تفعوعل»، وهي ~~تحتمل المعنيين المتقدمين، وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه ~~القراءة. أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لا يأتون النساء ~~والحدث إلا ويستغشون ثيابهم؛ كراهية أن يفضوا بفروجهم ~~إلى السماء. # وقوله عز وجل: { وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها... } الآية، المراد جميع الحيوان المحتاج إلى ~~رزق، والمستقر: صلب الأب، و«المستودع»: بطن الأم، وقيل غير ~~هذا، وقد تقدم. # وقوله: { في كتب }: إشارة إلى اللوح المحفوظ. # قال * ص *: { ليبلوكم } اللام متعلقة ب«خلق» وقيل: بفعل ~~محذوف، أي: أعلم بذلك ليبلوكم، انتهى. # { ولئن قلت }: اللام في «لئن»: مؤذنة بأن اللام في { ~~ليقولن } لام قسم، لا جواب شرط، وقولهم: { إن هذا إلا ~~سحر مبين } تناقض منهم؛ لأنهم مقرون بأن الله خلق السموات ~~والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيسر من ذلك، وهو البعث من ~~القبور، وإذ خلق السموات والأرض، أكبر من خلق الناس. # { ولئن أخرنا عنهم العذاب } ، أي: المتوعد به { ~~إلى أمة معدودة } ، أي مدة معدودة { ليقولن ما ms0702 ~~يحبسه } ، أي: ما هذا الحابس لهذا العذاب؛ على جهة التكذيب، { ~~وحاق }: معناه: حل وأحاط. البخاري: حاق: نزل. ### || [11.9-13] # { ولئن أذقنا الإنسن منا رحمة... } الآية: ~~«الرحمة» هنا: تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه ~~وغير ذلك، و { الإنسن } هنا اسم جنس، والمعنى: إن هذا ~~الخلق في سجية الإنسان، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع ~~والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح، و { كفور } هنا: من كفر ~~النعمة، وال { نعماء }: تشمل الصحة والمال، وال { ~~ضراء }: من الضر، وهو أيضا شامل؛ ولفظة { ذهب السيئات ~~عني }: يقتضي بطرا وجهلا أن ذلك بإنعام من الله تعالى، و { ~~السيئات } هنا: كل ما يسوء في الدنيا، وال { فرح }؛ هنا: ~~مطلق؛ فلذلك ذم، إذ الفرح انهمال النفس، ولا يأتي الفرح في ~~القرآن ممدوحا إلا إذا قيد بأنه في خير. # وقوله: { إلا الذين صبروا }: استثناء متصل؛ على ما قدمنا ~~من أن الإنسان عام يراد به الجنس؛ وهو الصواب، ومن قال: إنه ~~مخصوص بالكافر قال: ههنا الاستثناء منقطع، وهو قول ضعيف من جهة ~~المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس؛ ~~كما تقتضي لفظة الإنسان واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية ~~الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على المكاره، ~~والمثابرة على عبادة الله، وليس شيء من ذلك في سجية البشر، ~~وإنما حمل على ذلك خوف الله وحب الدار الآخرة، والصبر على ~~العمل الصالح لا ينفع إلا مع هداية وإيمان، ثم وعد تعالى ~~أهل هذه الصفة بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر ~~والنعيم. # وقوله سبحانه: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~}: سبب هذه الآية: أن كفار قريش قالوا: يا محمد، لو تركت سب ~~آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لجالسناك واتبعناك، وقالوا له: ائت ~~بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب الله تعالى ~~نبيه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفا ~~رادا على أقوالهم ومبطلا لها، وليس المعنى أنه عليه السلام هم ~~بشيء من ms0703 ذلك، فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي ~~إليه، ولا ضاق صدره به، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم ~~وبعدهم عن الإيمان. # قال * ص، وع *: وعبر ب { ضآئق } وإن كان أقل استعمالا من ~~«ضيق» لمناسبة { تارك }؛ ولأن { ضآئق } وصف عارض؛ بخلاف ~~«ضيق»؛ فإنه يدل على الثبوت، والصالح هنا الأول بالنسبة إليه صلى ~~الله عليه وسلم، والضمير في «به» عائد على البعض، ويحتمل أن يعود على ~~«ما» و { أن يقولوا } أي: كراهة أن يقولوا، أو لئلا يقولوا، ثم ~~آنسه تعالى بقوله: { إنما أنت نذير } ، أي: هذا القدر هو ~~الذي فوض إليك، والله تعالى بعد ذلك هو الوكيل الممضي ~~لإيمان من شاء، وكفر من شاء { أم يقولون افتراه }: «أم» ~~بمعنى: «بل»، والافتراء أخص من الكذب، ولا يستعمل إلا فيما بهت ~~به المرء وكابر. # وقوله سبحانه: { قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صدقين } تقدم تفسير نظيرها، وقال بعض الناس: هذه الآية ~~متقدمة على التي في يونس؛ إذ لا يصح أن يعجزوا في واحدة، ثم ~~يكلفوا عشرا. # قال * ع *: وقائل هذا القول لم يلحظ ما ذكرناه من الفرق ~~بين التكليفين، في كمال المماثلة مرة كما هو في «سورة يونس»، ~~ووقوفها على النظم مرة كما هو هنا، وقوله: { إن كنتم صدقين ~~}: يريد في أن القرآن مفترى. ### || [11.14-21] # وقوله سبحانه: { فإلم يستجيبوا لكم } ، لهذه الآية ~~تأويلان: # أحدهما: أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار، ~~أي: ويكون ضمير { يستجيبوا }؛ على هذا التأويل عائدا على ~~معبوداتهم. # والثاني: أن تكون المخاطبة من الله تعالى للمؤمنين، ويكون قوله؛ ~~على هذا { فاعلموا } بمعنى: دوموا على علمكم قال مجاهد: قوله ~~تعالى: { فهل أنتم مسلمون }: هو لأصحاب محمد عليه السلام. # وقوله سبحانه: { من كان يريد الحيوة الدنيا ~~وزينتها... } الآية: قالت قتادة وغيره: هي في الكفرة، وقال ~~مجاهد: هي في الكفرة وأهل الرياء من المؤمنين. # وإليه ذهب معاوية، والتأويل الأول أرجح؛ بحسب تقدم ذكر ~~الكفار، وقال ابن العربي في «أحكامه»: ms0704 بل الآية عامة في كل من ~~ينوي غير الله بعمله، كان معه إيمان أو لم يكن، وفي هذه الآية ~~بيان لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما ~~نوى " # ، وذلك أن العبد لا يعطى إلا على وجه قصده، وبحكم ما ~~ينعقد في ضميره، وهذا أمر متفق عليه. # وقوله: { نوف إليهم أعمالهم فيها }: قيل: ذلك في صحة ~~أبدانهم وإدرار أرزاقهم، وقيل: إن هذه الآية مطلقة، وكذلك التي ~~في «حم عسق »: # من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حرثه # [الشورى:20] الآية إلى آخرها، قيدتهما وفسرتهما الآية التي في ~~«سورة سبحان»، وهي قوله تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد... # الآية [الإسراء:18]، فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد، والله ~~يحكم ما يريد، ثم ذكر ابن العربي الحديث الصحيح في النفر ~~الثلاثة الذين كانت أعمالهم رياء، وهم رجل جمع القرآن، ورجل ~~قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، وقول الله لكل واحد ~~منهم: «ماذا عملت؟» ثم قال في آخر الحديث: ثم ضرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ركبتي، وقال: يا أبا هريرة، ~~أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم ~~النار، ثم قرأ قوله تعالى: { أولئك الذين ليس لهم ~~في الأخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها } ، أي: ~~في الدنيا وهذا نص في مراد الآية، والله أعلم. انتهى. # و { حبط }: معناه: بطل وسقط، وهي مستعملة في فساد الأعمال. # قال * ص *: قوله: { ما صنعوا }: «ما» بمعنى: «الذي»، أو ~~مصدرية، و«فيها»: متعلق ب «حبط»، والضمير في «فيها» عائد على ~~الآخرة، أي: ظهر حبوط ما صنعوا في الآخرة، أو متعلق ب ~~«صنعوا»؛ فيكون عائدا على الدنيا. انتهى. # و«ال { باطل }: كل ما تقتضي ذاته ألا تنال به غاية في ~~ثواب ونحوه، وقوله سبحانه: { أفمن كان على بينة من ~~ربه }: في الآية تأويلات. # قال * ع *: والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية: أن يكون ~~«أفمن» للمؤمنين، أو لهم وللنبي صلى الله عليه وسلم معهم، وال { ~~بينة }: القرآن وما تضمن، ms0705 وال { شاهد }: الإنجيل، يريد: ~~أو إعجاز القرآن في قول، والضمير في «يتلوه» للبينة، وفي «منه» ~~للرب، والضمير في «قبله» للبينة أيضا، وغير هذا مما ذكر محتمل، ~~فإن قيل: إذا كان الضمير في «قبله» عائدا على القرآن، فلم ~~لم يذكر الإنجيل، وهو قبله، وبينه وبين كتاب موسى؟، ~~فالجواب: أنه خص التوراة بالذكر؛ لأنه مجمع عليه، والإنجيل ليس ~~كذلك؛ لأن اليهود تخالف فيه، فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة ~~على الجميع أولى، وهذا يجري مع قول الجن: # إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى # [الأحقاف:30] والأحزاب؛ ههنا يراد بهم جميع الأمم، وروى سعيد بن ~~جبير، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه ~~قال: # " ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا من ~~اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار " # ، قال سعيد: فقلت: أين مصداق هذا في كتاب الله؟ ~~حتى وجدته في هذه الآية، وكنت إذا سمعت حديثا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم طلبت مصداقه في كتاب الله ~~عز وجل، وقرأ الجمهور: «في مرية» - بكسر الميم -، وهو ~~الشك، والضمير في «منه» عائد على كون الكفرة موعدهم النار، ~~وسائر الآية بين. # وقوله تعالى: { ويقول الأشهاد }: قالت فرقة: يريد الشهداء ~~من الأنبياء والملائكة، وقالت فرقة: الأشهاد: بمعنى المشاهدين، ~~ويريد جميع الخلائق، وفي ذلك إشادة بهم وتشهير لخزيهم، وروي في نحو ~~هذا حديث: « أنه لا يخزى أحد يوم القيامة إلا ~~ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر »، وباقي الآية بين ~~مما تقدم في غيرها. # قال * ص *: وقوله: { ألا لعنة الله على الظلمين } ~~يحتمل أن يكون داخلا في مفعول القول، وإليه نحا بعضهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { ما كانوا يستطيعون السمع وما ~~كانوا يبصرون }: يحتمل وجوها: # أحدها: أنه وصف سبحانه هؤلاء الكفار بهذه الصفة في الدنيا؛ على ~~معنى أنهم لا يسمعون سماعا ينتفعون به، ولا يبصرون كذلك. # والثاني: أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون أن يحملوا نفوسهم على السمع ~~منه، والنظر ms0706 إليه. # «وما»؛ في هذين الوجهين: نافية. # الثالث: أن يكون التقدير: يضاعف لهم العذاب بما كانوا، أي: بسبب ~~ما كانوا؛ ف «ما» مصدرية، وباقي الآية بين. ### || [11.22-24] # وقوله سبحانه: { لا جرم أنهم في الأخرة هم ~~الأخسرون * إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات ~~وأخبتوا إلى ربهم... } الآية: { لا جرم } تقدم بيانها، ~~{ وأخبتوا }: قال قتادة: معناه: خشعوا، وقيل: معناه أنابوا؛ قاله ~~ابن عباس، وقيل: اطمأنوا؛ قاله مجاهد وقيل: خافوا؛ قاله ابن عباس ~~أيضا، وهذه أقوال بعضها قريب من بعض. # وقوله سبحانه: { مثل الفريقين... } الآية، «الفريقان» الكافرون ~~والمؤمنون، شبه الكافر بالأعمى والأصم، وشبه المؤمن بالبصير ~~والسميع، فهو تمثيل بمثالين. ### || [11.25-27] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني ~~لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم أليم* فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا... } ~~الآية: فيها تمثيل لقريش وكفار العرب، وإعلام بأن محمدا عليه ~~السلام ليس ببدع من الرسل، و«الأراذل» جمع الجمع، فقيل: جمع ~~أرذل، وقيل: جمع أرذال، وهم سفلة الناس، ومن لا ~~خلاق له ولا يبالي ما يقول، ولا ما يقال له، وقرأ الجمهور: ~~«بادي الرأي» - بباء دون همز -؛ من بدا يبدو، فيحتمل أن ~~يتعلق «بادي الرأي» ب «نراك»، أي: وما نراك بأول نظر ~~وأقل فكرة، وذلك هو بادي الرأي إلا ومتبعوك أراذلنا، ~~ويحتمل أن يتعلق بقوله: «اتبعك»، أي: وما نراك اتبعك بادي ~~الرأي إلا الأراذل، ثم يحتمل على هذا قوله: { بادي الرأي } ~~معنيين: # أحدهما: أن يريدوا: اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسى أن بواطنهم ~~ليست معك. # والثاني: أن يريدوا: اتبعوك بأول نظر، وبالرأي البادي، دون ~~تثبت. # ويحتمل أن يكون قولهم: { بادي الرأي } وصفا منهم لنوح، أي: ~~تدعي عظيما وأنت مكشوف الرأي، لا حصافة لك، ونصبه على ~~الحال، أو على الصفة ل «بشر». ### || [11.28-34] # وقوله سبحانه: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده... } الآية: ~~كأنه قال: أرأيتم إن هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى، ~~وأنتم له كارهون، وعبارة نوح عليه ms0707 السلام كانت بلغته دالة على ~~المعنى القائم بنفسه، وهو هذا المفهوم من هذه العبارة العربية، ~~فبهذا استقام أن يقال: قال كذا وكذا؛ إذ القوم ما أفاد المعنى القائم ~~في النفس، وقوله: { على بينة } أي: على أمر بين جلي، ~~وقرأ الجمهور: «فعميت» ولذلك وجهان من المعنى: # أحدهما: خفيت. # والثاني: أن يكون المعنى: فعميتم أنتم عنها. # وقوله: { أنلزمكموها }: يريد: إلزام جبر؛ كالقتال ونحوه، وأما ~~إلزام الإيجاب، فهو حاصل. # وقوله: { وما أنا بطارد الذين آمنوا }: يقتضي أن ~~قومه طلبوا طرد الضعفاء الذين بادروا إلى الإيمان به نظير ما ~~اقترحت قريش، و { تزدري }: أصله: تزتري؛ تفتعل من ~~زرى يزري، ومعنى: { تزدري }: تحتقر، و«الخير»؛ هنا: يظهر فيه ~~أنه خير الآخرة، اللهم إلا أن يكون ازدراؤهم من جهة الفقر، ~~فيكون الخير المال؛ وقد قال بعض المفسرين: حيث ما ذكر الله ~~الخير في القرآن، فهو المال. # قال * ع *: وفي هذا الكلام تحامل، والذي يشبه أن يقال: إنه حيث ما ~~ذكر الخير، فإن المال يدخل فيه. # * ت *: وهذا أيضا غير ملخص، والصواب: أن الخير أعم من ذلك ~~كله، وانظر قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7] فإنه يشمل المال وغيره، ونحوه: # وافعلوا الخير لعلكم تفلحون # [الحج:77]، وانظر قوله عليه السلام: # " اللهم لا خير إلا خير الآخرة " # ، وقوله تعالى: # إن علمتم فيهم خيرا # [النور:33]، فههنا لا مدخل للمال إلا على تجوز، وقد يكون الخير ~~المراد به المال فقط؛ وذلك بحسب القرائن، كقوله تعالى: # إن ترك خيرا... # الآية [البقرة:180]. # وقوله: { الله أعلم بما في أنفسهم }: تسليم لله ~~تعالى، وقال بعض المتأولين: هي رد على قولهم: اتبعك أراذلنا في ~~ظاهر أمرهم؛ حسب ما تقدم في بعض التأويلات، ثم قال: { إني ~~إذا } لو فعلت ذلك، { لمن الظلمين } ، وقولهم: { قد ~~جادلتنا }: معناه: قد طال منك هذا الجدال، والمراد بقولهم: { ~~بما تعدنا } العذاب والهلاك، { وما أنتم بمعجزين } ، ~~أي: بمفلتين. ### || [11.35-40] # وقوله سبحانه: { أم يقولون افتراه... } الآية: قال الطبري ~~وغيره: هذه الآية اعترضت في قصة نوح، وهي في شأن النبي صلى ~~الله عليه ms0708 وسلم مع قريش. # قال * ع *: ولو صح هذا بسند، لوجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل ~~أن يكون في شأن نوح عليه السلام، وتتسق الآية، ويكون الضمير في ~~«افتراه» عائدا علي ما توعدهم به، أو على جميع ما أخبرهم به، و " أم ~~" بمعنى «بل». # وقوله سبحانه: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن... } الآية، قيل لنوح هذا بعد أن ~~طال عليه كفر القرن بعد القرن به، وكان يأتيه الرجل بابنه، ~~فيقول: يا بني، لا تصدق هذا الشيخ، فهكذا عهده أبي ~~وجدي كذابا مجنونا، رواه عبيد بن عمير وغيره، فروي ~~أنه لما أوحي إليه ذلك، دعا، فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # [نوح:26]، و { تبتئس } من البؤس، ومعناه: لا تحزن. # وقوله: { بأعيننا }: يمكن أن يريد بمرأى منا، فيكون عبارة عن ~~الإدراك والرعاية والحفظ، ويكون جمع الأعين، للعظمة لا ~~للتكثير؛ كما قال عز من قائل: # فنعم القدرون # [المرسلات:23]، والعقيدة أنه تعالى منزه عن الحواس، والتشبيه، ~~والتكييف، لا رب غيره، ويحتمل قوله: { بأعيننا } أي: ~~بملائكتنا الذين جعلناهم عيونا على مواضع حفظك ومعونتك، فيكون ~~الجمع على هذا التأويل: للتكثير. # وقوله: { ووحينا } معناه: وتعليمنا له صورة العمل بالوحي، ~~وروي في ذلك: « أن نوحا عليه السلام لما جهل كيفية ~~صنع السفينة، أوحى الله إليه، أن اصنعها على مثال ~~جؤجؤ الطائر » إلى غير ذلك مما علمه نوح من عملها. ~~وقوله: { ولا تخطبني في الذين ظلموا... } الآية، قال ~~ابن جريج في هذه الآية: تقدم الله إلى نوح ألا يشفع ~~فيهم. # وقوله: { ويصنع الفلك }: التقدير: فشرع يصنع، فحكيت ~~حال الاستقبال، وال { ملأ } هنا: الجماعة. # وقوله: { سخروا منه... } الآية: السخر: الاستجهال مع ~~استهزاء، وإنما سخروا منه في أن صنعها في برية. # وقوله: { فإنا نسخر منكم } قال الطبري: يريد في الآخرة. # قال * ع *: ويحتمل الكلام - وهو الأرجح - أن يريد: إنا نسخر منكم الآن، ~~والعذاب المخزي: هو الغرق، وال { مقيم }: هو عذاب الآخرة، ~~وال«الأمر»: واحد الأمور، ويحتمل أن يكون مصدر «أمر»، فمعناه: ~~أمرنا للماء بالفوران، ms0709 { وفار } معناه: انبعث بقوة، ~~واختلف الناس في التنور، والذي عليه الأكثر، منهم ابن عباس ~~وغيره: أنه هو تنور الخبز الذي يوقد فيه، وقالوا: كانت هذه ~~أمارة، جعلها الله لنوح، أي: إذا فار التنور، فاركب في ~~السفينة. # وقوله سبحانه: { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن... } ~~الآية، الزوج: يقال في مشهور كلام العرب: للواحد مما له ازدواج، ~~فيقال: هذا زوج هذا، وهما زوجان، والزوج أيضا في كلام العرب: ~~النوع، وقوله: { وأهلك }: عطف على ما عمل فيه { احمل } ~~والأهل، هنا: القرابة، وبشرط من آمن منهم، خصصوا تشريفا، ثم ~~ذكر { من آمن } ، وليس من الأهل، واختلف في الذي سبق عليه القول ~~بالعذاب، فقيل: ابنه يام، أو كنعان، وقيل: امرأته والعة - ~~بالعين المهملة -، وقيل: هو عموم فيمن لم يؤمن من أهل نوح، ثم قال ~~سبحانه إخبارا عن حالهم: { وما آمن معه إلا قليل }. ### || [11.41-43] # وقوله تعالى: { وقال اركبوا فيها }: أي: وقال نوح لمن معه: ~~اركبوا فيها، وقوله: { بسم الله } يصح أن يكون في موضع الحال في ~~ضمير «اركبوا»، أي: اركبوا متبركين باسم الله، أو قائلين: باسم ~~الله، ويجوز أن يكون: { بسم * الله مجريها ومرسها } ~~جملة ثانية من مبتدإ وخبر، لا تعلق لها بالأولى كأنه أمرهم أولا ~~بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم الله. قال الضحاك: كان ~~نوح إذا أراد جري السفينة، جرت، وإذا أراد وقوفها، قال: باسم ~~الله، فتقف، وقرأ الجمهور بضم الميم من «مجراها ومرساها» على ~~معنى إجرائها وإرسائها، وقر الأخوان حمزة والكسائي وحفص ~~بفتح ميم «مجريها» وكسر الراء، وكلهم ضم الميم في «مرساها». # * ت *: قوله: «وكسر الراء»: يريد إمالتها، وفي كلامه تسامح، ولفظ ~~البخاري: مجراها: مسيرها، ومرساها: موقفها، وهو مصدر: ~~أجريت وأرسيت. انتهى. # قال النووي: وروينا في «كتاب ابن السني» بسنده، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " أمان لأمتي من الغرق، إذا ركبوا أن يقولوا: { ~~بسم الله مجريها ومرسها إن ربي لغفور رحيم ~~} { وما قدروا الله حق قدره.. } الآية [الأنعام:91] " # ، هكذا ms0710 هو في النسخ: «إذا ركبوا»، ولم يقل: «في السفينة» ~~انتهى. # وقوله: { وكان فى معزل } أي: في ناحية، أي: في بعد عن ~~السفينة، أو عن الدين، واللفظ يعمهما. # وقوله: { ولا تكن مع الكفرين }: يحتمل أن يكون نهيا ~~محضا مع علمه بأنه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفره؛ ~~والأول أبين. # وقوله: { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ~~}: الظاهر أن { لا عاصم } اسم فاعل على بابه، وقوله: { إلا ~~من رحم }: يريد: إلا الله الراحم، ف «من» كناية عن ~~الله، المعنى: لا عاصم اليوم إلا الذي رحمنا. ### || [11.44-48] # وقوله سبحانه: { وقيل يأرض ابلعي ماءك... } الآية: ~~البلع: تجرع الشيء؛ وازدراده، والإقلاع عن الشيء: تركه، و { ~~غيض } معناه: نقص، وأكثر ما يجيء فيما هو بمعنى الجفوف، ~~وقوله: { وقضي الأمر }: إشارة إلى جميع القصة: بعث الماء، ~~وإهلاك الأمم، وإنجاء أهل السفينة. # قال * ع *: وتظاهرت الروايات وكتب التفسير بأن الغرق نال جميع ~~أهل الأرض، وعم الماء جميعها؛ قاله ابن عباس وغيره، وذلك ~~بين من أمر نوح بحمل الأزواج من كل الحيوان، ولولا خوف ~~فنائها من جميع الأرض، ما كان ذلك، وروي أن نوحا عليه السلام ~~ركب في السفينة من عين الوردة بالشام أول يوم من ~~رجب، واستوت [السفينة] على الجودي في ذي الحجة، وأقامت ~~عليه شهرا، وقيل له: { اهبط } في يوم عاشوراء، فصامه هو ومن ~~معه، وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال؛ أن السفينة ترسي ~~على واحد منها، فتطاولت كلها، وبقي الجودي، وهو جبل بالموصل ~~في ناحية الجزيرة، لم يتطاول؛ تواضعا لله؛ فاستوت السفينة بأمر ~~الله عليه، وقال الزجاج: الجودي: هو بناحية «آمد»، وقال قوم: ~~هو عند باقردي، وأكثر الناس في قصص هذه الآية، والله أعلم بما ~~صح من ذلك. # وقوله: { وقيل بعدا }: يحتمل أن يكون من قول الله عز وجل؛ ~~عطفا على قوله: { وقيل } الأول، ويحتمل أن يكون من قول نوح ~~والمؤمنين، والأول أظهر. # وقوله: { إن ابني من أهلي... } الآية: احتجاج من نوح عليه ~~السلام أن الله أمره بحمل أهله، وابنه من ms0711 أهله، فينبغي أن ~~يحمل، فأظهر الله له أن المراد من آمن من الأهل، وهذه ~~الآية تقتضي أن نوحا عليه السلام ظن أن ابنه مؤمن. # وقوله: { إنه ليس من أهلك } أي: الذين عمهم الوعد؛ ~~لأنه ليس على دينك، وإن كان ابنك بالولادة. # وقوله: { عمل غير صلح }: جعله وصفا له بالمصدر؛ على جهة ~~المبالغة في وصفه بذلك؛ كما قالت الخنساء تصف ناقة ذهب عنها ~~ولدها: [البسيط] # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # أي: ذات إقبال وإدبار؛ ويبين هذا قراءة الكسائي «إنه ~~عمل غير صالح» فعلا ماضيا، ونصب «غير» على المفعول ل ~~«عمل»، وقول من قال: «إن الولد كان لغية» خطأ محض، وهذا قول ~~ابن عباس والجمهور؛ قالوا: وأما قوله تعالى: # فخانتاهما # [التحريم:10] فإن الواحدة كانت تقول للناس: هو مجنون، والأخرى كانت ~~تنبه على الأضياف، وأما خيانة غير هذا، فلا؛ ويعضده المعنى، ~~لشرف النبوة، وجوز المهدوي أن يعود الضمير في «إنه» على ~~السؤال، أي: إن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح؛ ~~قاله النخعي وغيره. انتهى. والأول أبين؛ وعليه الجمهور، وبه ~~صدر المهدوي، ومعنى قوله: { فلا تسألن ما ليس لك به ~~علم } أي: إذا وعدتك، فاعلم يقينا؛ أنه لا خلف في الوعد، ~~فإذا رأيت ولدك لم يحمل، فكان الواجب عليك أن تقف، وتعلم ~~أن ذلك بحق واجب عند الله. # قال * ع *: ولكن نوحا عليه السلام حملته شفقة الأبوة وسجية ~~البشر على التعرض لنفحات الرحمة، وعلى هذا القدر وقع ~~عتابه؛ ولذلك جاء بتلطف وترفيع في قوله سبحانه: { إني أعظك ~~أن تكون من الجهلين } ، ويحتمل قوله: { فلا تسألن ~~ما ليس لك به علم } أي: لا تطلب مني أمرا لا تعلم ~~المصلحة فيه علم يقين، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي، وهذا ~~والأول في المعنى واحد. # وقوله: { رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي ~~به علم }: إنابة منه عليه السلام، وتسليم لأمر ربه، والسؤال الذي ~~وقع النهي عنه، إنما هو سؤال العزم الذي معه محاجة وطلبة ~~ملحة ms0712 فيما قد حجب وجه الحكمة فيه، وأما السؤال؛ على جهة ~~الاسترشاد والتعلم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: { اهبط بسلم ~~} ، وذلك عند نزوله من السفينة، وال { سلم }؛ هنا: السلامة ~~والأمن، وال { بركت } الخير والنمو في كل الجهات، وهذه ~~العدة، تعم جميع المؤمنين إلى يوم القيامة، قاله محمد بن كعب ~~القرظي، ثم قطع قوله: { وأمم } على وجه الابتداء، ~~وهؤلاء هم الكفار إلى يوم القيامة. ### || [11.49-51] # وقوله سبحانه: { تلك } إشارة إلى القصة، وباقي الآية بين. # وقوله عز وجل: { وإلى عاد أخاهم هودا... } الآية: عطف ~~على قوله: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه # [هود:25]. ### || [11.52-59] # وقوله: { ويقوم استغفروا ربكم... } الآية: الاستغفار: ~~طلب المغفرة، فقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب ~~وطلب الاسترشاد. # وقوله: { ثم توبوا إليه } ، أي: بالإيمان من كفركم، ~~والتوبة: عقد في ترك متوب منه، يتقدمها علم بفساد المتوب ~~منه، وصلاح ما يرجع إليه، ويقترن بها ندم على فارط ~~المتوب منه، لا ينفك منه، وهو من شروطها و { مدرارا } بناء ~~تكثير، وهو من در يدر، وقد تقدمت قصة «عاد». # وقوله سبحانه: { ويزدكم قوة إلى قوتكم } ظاهره ~~العموم في جميع ما يحسن الله تعالى فيه إلى العباد، ويحتمل أن ~~خص القوة بالذكر، إذا كانوا أقوى العوالم، فوعدوا ~~بالزيادة فيما بهروا فيه، ثم نهاهم عن التولي عن الحق، ~~وقولهم: { عن قولك } ، أي: لا يكون قولك سبب تركنا، وقال * ~~ص *: { عن قولك }: حال من الضمير في «تاركي»، أي: صادرين عن ~~قولك، وقيل: «عن»: للتعليل، كقوله: # إلا عن موعدة # [التوبة:114] وقولهم: { إن نقول... } الآية: معناه: ما نقول ~~إلا أن بعض آلهتنا التي ضللت عبدتها أصابك بجنون، ~~يقال: عر يعر، واعترى يعتري؛ إذا ألم بالشيء. # وقوله: { فكيدوني جميعا }: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه ~~كانت له عليه السلام معجزة، وذلك أنه حرض جماعتهم عليه مع ~~انفراده وقوتهم وكفرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، و { ~~تنظرون }: معناه: تؤخروني، أي: عاجلوني بما قدرتم عليه. # وقوله: { إن ربي على صرط مستقيم } يريد: إن أفعال ~~الله عز وجل في غاية ms0713 الإحكام، وقوله الصدق ووعده الحق، و ~~{ عنيد }: من عند إذا عتا. ### || [11.60-66] # وقوله سبحانه: { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة... } ~~الآية: حكم عليهم سبحانه بهذا؛ لموافاتهم على الكفر، ولا يلعن ~~معين حي: لا من كافر، ولا من فاسق، ولا من بهيمة، كل ذلك ~~مكروه بالأحاديث. # * ت *: وتعبيره بالكراهة، لعله يريد التحريم، { ويوم }: ظرف، ~~ومعناه: إن اللعنة عليهم في الدنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكر ~~العلة الموجبة لذلك، وهي كفرهم بربهم، وباقي الآية بين. # وقوله عز وجل: { وإلى ثمود أخاهم صلحا... } الآية: ~~التقدير: وأرسلنا إلى ثمود و { أنشأكم من الأرض }: أي: ~~اخترعكم، وأوجدكم، وذلك باختراع آدم عليه. # وقال * ص *: { من الأرض }: لابتداء الغاية باعتبار الأصل ~~المتولد منه النبات المتولد منه الغذاء المتولد منه المني ~~ودم الطمث المتولد عنه الإنسان. انتهى. # وقد نقل * ع *: في غير هذا الموضع نحو هذا، ثم أشار إلى مرجوحيته، ~~وأنه داع إلى القول بالتولد، قال ابن العربي في «أحكامه»: ~~قوله تعالى: { واستعمركم فيها }: أي: خلقكم لعمارتها، ولا ~~يصح أن يقال: هو طلب من الله لعمارتها؛ كما زعم بعض ~~الشافعية. # * ت *: والمفهوم من الآية أنها سيقت مساق الامتنان عليهم. انتهى. ~~وقولهم: { يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا } ، ~~قال جمهور المفسرين: معناه: مسودا نؤمل فيك أن تكون سيدا ~~سادا مسد الأكابر، وقولهم: { وإننا لفي شك مما ~~تدعونا إليه مريب } ، معنى: { مريب }: ملبس متهم، ~~وقوله: { أرءيتم }: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبية، و { آتاني ~~منه رحمة } ، يريد: النبوة وما انضاف إليها. # وقال * ص *: قد تقرر في { أرءيتم }؛ أنها بمعنى أخبروني. انتهى. # وال { تخسير } هو من الخسارة، وليس التخسير في هذه الآية ~~إلا لهم، وفي حيزهم، وهذا كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك ~~خيرا، وأنت تريد بي شرا. # وقال * ص *: { غير تخسير }: من خسر، وهو هنا للنسبية ك ~~«فسقته وفجرته»؛ إذا نسبته إليهما. # * ت *: ونقل الثعلبي عن الحسين بن الفضل، قال: لم يكن صالح ~~في خسارة، حين قال: { فما تزيدونني غير تخسير } ، وإنما ~~المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم للخسارة، ms0714 وهو ~~من قول العرب: فسقته وفجرته؛ إذا نسبته إلى الفسوق ~~والفجور. انتهى. وهو حسن. وباقي الآية بين قد تقدم الكلام في ~~قصصها. ### || [11.67-74] # { وأخذ الذين ظلموا الصيحة }: قال أبو البقاء: في ~~حذف التاء من «أخذ» ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه فصل بين الفعل والفاعل. # والثاني: أن التأنيث غير حقيقي. # والثالث: أن الصيحة بمعنى الصياح، فحمل على المعنى، انتهى. # وقد أشار * ع *: إلى الثلاثة، واختار الأخير. # وقوله سبحانه: { ولقد جاءت رسلنا إبرهيم ~~بالبشرى }: الرسل: الملائكة، قال المهدوي: { بالبشرى ~~} يعني: بالولد، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى. # { قالوا سلاما }: أي: سلمنا عليك سلاما، وقرأ حمزة والكسائي: ~~«قالوا سلاما قال سلم»، فيحتمل أن يريد ب «السلم» ~~السلام، ويحتمل أن يريد ب «السلم» ضد الحرب، و { حنيذ }: ~~بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجل مشوي نضج، يقطر ماؤه، وهذا القطر ~~يفصل الحنيذ من جملة المشويات، وهيئة المحنوذ في اللغة:الذي ~~يغطى بحجارة أو رمل محمى أو حائل بينه وبين النار يغطى ~~به، والمعرض: من الشواء الذي يصفف على الجمر، والمضهب: ~~الشواء الذي بينه وبين النار حائل، ويكون الشواء عليه، لا ~~مدفونا به، والتحنيذ في تضمير الخيل: هو أن يغطى الفرس ~~بجل على جل؛ ليتصبب عرقه، و { نكرهم } على ما ذكر كثير ~~من الناس، معناه: أنكرهم { وأوجس منهم خيفة }؛ من أجل ~~امتناعهم من الأكل؛ إذ عرف من جاء بشر ألا يأكل طعام ~~المنزول به، قال ابن العربي في «أحكامه»: ذهب الليث بن سعد ~~إلى أن الضيافة واجبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ~~ضيفه، جائزته يوم وليلة، وما وراء ذلك صدقة ~~" # ، وفي رواية: # " ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى ~~يحرجه " # وهذا حديث صحيح، خرجه الأئمة، واللفظ للترمذي، وذهب علماء الفقه ~~إلى: أن الضيافة لا تجب، وحملوا الحديث على الندب. # قال ابن العربي: والذي أقول به أن الضيافة فرض على الكفاية، ~~ومن الناس من قال: إنها واجبة في القرى حيث لا مأوى ولا ~~طعام؛ بخلاف الحواضر؛ لتيسر ذلك فيها. # قال ابن العربي: ms0715 ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة، ~~فإن كان عديما، فهي فريضة انتهى، و { أوجس } معناه: أحس ~~والتوجيس: ما يعتري النفس عند الحذر، وأوائل الفزع. # وقوله سبحانه: { فضحكت } قال الجمهور: هو الضحك المعروف، وذكر ~~الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل، قالوا له: إنا ~~لا نأكل طعاما إلا بثمن، فقال لهم: ثمنه: أن تذكروا الله ~~تعالى عليه في أوله، وتحمدوه في آخره، فقال جبريل لأصحابه: ~~بحق اتخذ الله هذا خليلا، ثم بشر الملائكة سارة ~~بإسحاق، وبأن إسحاق سيلد يعقوب، ويسمى ولد الولد وراء، ~~وهو قريب من معنى «وراء» في الظرف، إذ هو ما يكون خلف الشيء ~~وبعده. # وقال * ص *: «وراء»؛ هنا: استعمل غير ظرف، لدخول «من» عليه، أي: ~~ومن بعد إسحاق. انتهى. # وقولها: { يويلتي }: الألف بدل من ياء الإضافة، أصلها: يا ~~ويلتي، ومعنى: «يا ويلتا» في هذا الموضع: العبارة عما ~~دهم النفس من العجب في ولادة عجوز، و { من أمر ~~الله }: واحد الأمور. # وقوله سبحانه: { رحمت الله وبركته عليكم أهل ~~البيت }: يحتمل أن يكون دعاء، وأن يكون خبرا. # * ص *: ونصب { أهل البيت } على النداء أو على الاختصاص، أو على ~~المدح، انتهى. وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته. # * ت *: وهي هنا من أهل البيت على كل حال، لأنها من قرابته، ~~وابنة عمه، و«البيت»، في هذه الآية، وفي «سورة الأحزاب» بيت ~~السكنى. # وقوله: { فلما ذهب عن إبرهيم الروع وجاءته ~~البشرى يجدلنا }: أي: أخذ يجادلنا «في قوم لوط». ### || [11.75-76] # وقوله تعالى: { إن إبرهيم لحليم أواه منيب } ~~وصف عليه السلام بالحلم، لأنه لم يغضب قط لنفسه إلا أن ~~يغضب لله، وأمره بالإعراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت ~~في الكفرة، حرصا على إسلامهم، و { أمر ربك } واحد الأمور، ~~أي: نفذ فيهم قضاؤه سبحانه، وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو ~~أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور، فأما الدعاء في ~~طلب غير المقدور، فغير مجد ولا نافع. # * ت *: والكلام في هذه المسألة متسع رحب، ومن أحسن ما قيل فيها ~~قول ms0716 الغزالي في «الإحياء»: فإن قلت: فما فائدة الدعاء، ~~والقضاء لا يرد؟ فالجواب: أن من القضاء رد البلاء ~~بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب الرحمة؛ كما أن ~~الترس سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات، انتهى. وقد ~~أطال في المسألة، ولولا الإطالة لأتيت بنبذ يثلج لها الصدر، ~~وخرج الترمذي في «جامعه» عن أبي خزامة، واسمه رفاعة، عن أبيه، ~~قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا ~~رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى ~~به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ ~~قال: «هي من قدر الله»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وفي ~~بعض نسخه: حسن صحيح، انتهى. فليس وراء هذا الكلام من السيد ~~المعصوم مرمى لأحد، وتأمل جواب الفاروق لأبي عبيدة، حين ~~هم بالرجوع من أجل الدخول على أرض بها الطاعون، وهي الشام. ### || [11.77-83] # وقوله سبحانه: { ولما جاءت رسلنا لوطا }: الرسل هنا: ~~الملائكة أضياف إبراهيم. # قال المهدوي: والرسل هنا: جبريل وميكائيل وإسرافيل، ذكره جماعة ~~من المفسرين. انتهى، والله أعلم بتعيينهم، فإن صح في ذلك حديث، ~~صير إليه، وإلا فالواجب الوقف، و { سيء بهم } أي: أصابه ~~سوء، و«الذرع»: مصدر مأخوذ من الذراع، ولما كان الذراع موضع ~~قوة الإنسان، قيل في الأمر الذي لا طاقة له به: ضاق بهذا ~~الأمر ذراع فلان، وذرع فلان، أي: حيلته بذراعه، وتوسعوا ~~في هذا حتى قلبوه، فقالوا: فلان رحب الذراع، إذا وصفوه ~~باتساع القدرة، و { عصيب }: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب الناس ~~بالشر، فهو من العصابة، ثم كثر وصفهم لليوم بعصيب؛ ومنه: ~~[الوافر] # ....................... # وقد سلكوك في يوم عصيب # وبالجملة ف «عصيب»: في موضع شديد وصعب الوطأة، و { يهرعون } ~~معناه: يسرعون، { ومن قبل كانوا يعملون السيئات }: ~~أي: كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال. # وقوله: { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم }: يعني: بالتزويج، ~~وقولهم: { وإنك لتعلم ما نريد }: إشارة إلى الأضياف، ~~فلما رأى لوط استمرارهم في غيهم، قال: على جهة التفجع ~~والاستكانة: { لو أن لي بكم قوة }. # قال * ع *: «لو أن»: جوابها محذوف، أي: لفعلت كذا ms0717 وكذا، ~~ويروى أن الملائكة وجدت عليه؛ حين قال هذه الكلمات، وقالوا: ~~إن ركنك لشديد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ~~فالعجب منه لما استكان ". # قال * ع *: وإنما خشي لوط عليه السلام أن يمهل الله أولئك ~~العصابة حتى يعصوه في الأضياف، كما أمهلهم فيما قبل ذلك، ثم ~~إن جبريل عليه السلام ضرب القوم بجناحه، فطمس أعينهم، ثم أمروا ~~لوطا بالسرى، وأعلموه بأن العذاب نازل بالقوم، فقال لهم لوط: ~~فعذبوهم الساعة، فقالوا له: { إن موعدهم الصبح } ، ~~أي: بهذا أمر الله، ثم آنسوه في قلقه بقولهم: { أليس ~~الصبح بقريب } ، و«القطع»: القطعة من الليل. # قال * ص *: { إلا امرأتك }: ابن كثير وأبو عمرو بالرفع، ~~والباقون بالنصب، فقيل: كلاهما استثناء من { أحد } ، وقيل: النصب ~~على الاستثناء من { أهلك } انتهى. # وقوله سبحانه: { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } ~~ذهبت فرقة، منهم ابن عباس إلى أن الحجارة التي رموا بها كانت ~~كالآجر المطبوخ، كانت من طين قد تحجر، وأن سجيلا معناها: ~~ماء وطين، وهذا القول هو الذي عليه الجمهور، وقالت فرقة: «من ~~سجيل»: معناه: من جهنم؛ لأنه يقال: سجيل وسجين، حفظ ~~فيها بدل النون لاما، وقيل غير هذا و { منضود }: معناه: بعضه ~~فوق بعض، متتابع، و { مسومة }: أي: معلمة بعلامة. # وقوله تعالى: { وما هي }: إشارة إلى الحجارة، والظالمون: قيل: ~~يعني قريشا، وقيل: يريد عموم كل من اتصف بالظلم، وهذا هو ~~الأصح، وقيل: يعني بهذا الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من ~~مكة، وما تقدم أبين. ### || [11.84-85] # وقوله عز وجل: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير... } ~~الآية: قوله: { بخير }: قال ابن عباس: معناه: في رخص من الأسعار، ~~وقيل: قوله: { بخير }: عام في جميع نعم الله تعالى، و { ~~تعثوا }: معناه تسعون في فساد، يقال: عثا يعثو، وعثى ~~يعثي؛ إذا فسد. ### || [11.86-94] # وقوله: { بقيت الله خير لكم }: قال ابن عباس: معناه: ~~الذي يبقي الله لكم من أموالكم بعد توفيتكم الكيل ms0718 والوزن ~~خير لكم مما تستكثرون به على غير وجهه، وهذا تفسير يليق بلفظ الآية، ~~وقال مجاهد: معناه: طاعة الله، وهذا لا يعطيه لفظ الآية. # قال * ص *: وقرأ الحسن: «تقية الله»، أي: تقواه. # قال * ع *: وإنما المعنى عندي: إبقاء الله عليكم إن أطعتم، ~~وقولهم: { أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنآ ~~}: قالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أن شعيبا عليه السلام ~~كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا ~~إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وقيل: أرادوا: أدعواتك، وذلك ~~أن من حصل في رتبة من خير أو شر، ففي الأكثر تدعوه رتبته ~~إلى التزيد من ذلك النوع، فمعنى هذا: لما كنت مصليا، تجاوزت ~~إلى ذم شرعنا وحالنا، فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك، فقيل: ~~أمرته؛ كما قال تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت:45]. # قال * ص *: { أو أن نفعل }: معطوف على { ما يعبد } ، ~~و«أو» للتنويع، انتهى. وظاهر حالهم الذي أشاروا إليه هو بخس ~~الكيل والوزن الذي تقدم ذكره، وروي أن الإشارة إلى قرضهم ~~الدينار والدرهم، وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس؛ ~~قاله محمد بن كعب القرظي، وتؤول أيضا بمعنى تبديل ~~السكك التي قصد بها أكل أموال الناس، قال ابن العربي: قال ابن ~~المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض؛ وكذلك قال ~~زيد بن أسلم في هذه الآية، وفسرها به، ومثله عن يحيى بن ~~سعيد من رواية مالك، قال ابن العربي: وإذا كان قطع ~~الدنانير والدراهم وقرضها من الفساد، عوقب من فعل ذلك، ~~وقرض الدراهم غير كسرها؛ فإن الكسر: فساد الوصف، والقرض: ~~تنقيص للقدر، وهو أشد من كسرها، فهو كالسرقة. انتهى من ~~«الأحكام» مختصرا، وبعضه بالمعنى، وقولهم: { إنك لأنت الحليم ~~الرشيد }: قيل: إنهم قالوه؛ على جهة الحقيقة، أي: أنت حليم رشيد، ~~فلا ينبغي لك أن تنهانا عن هذه الأحوال، وقيل: إنما قالوا هذا؛ على ~~جهة الاستهزاء. # وقوله: { ورزقني منه رزقا حسنا }: أي: سالما من ~~الفساد الذي أدخلتم في أموالكم، وجواب الشرط الذي في قوله: { ~~إن كنت على ms0719 بينة من ربي } محذوف، تقديره: أأضل ~~كما ضللتم، أو أترك تبليغ رسالة ربي، ونحو هذا. # وقوله: { لا يجرمنكم }: معناه: لا يكسبنكم، و { ~~شقاقي }: معناه: مشاقتي، وعداوتي و«أن»: مفعولة ب { ~~يجرمنكم }. # قال * ص، وع *: { وما قوم لوط منكم ببعيد }: أي: بزمان ~~بعيد، أو بمكان. # قال * ص *: { ودود } بناء مبالغة من ود الشيء، إذا ~~أحبه، وآثره. # * ع *: ومعناه: أن أفعاله سبحانه ولطفه بعباده لما كانت ~~في غاية الإحسان إليهم، كانت كفعل من يتودد ويود ~~المصنوع له، وقولهم: { ما نفقه }: كقول قريش: # قلوبنا في أكنة # [فصلت:5]، والظاهر من قولهم: { إنا لنراك فينا ضعيفا }: ~~أنهم أرادوا ضعف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة ~~يراعون فيه، والرهط: جماعة الرجل، وقولهم: { لرجمنك } ~~أي: بالحجارة؛ قاله ابن زيد، وقيل: بالسب باللسان، وقولهم: { ~~بعزيز }: أي: بذي منعة وعزة، ومنزلة، و«الظهري»: الشيء ~~الذي يكون وراء الظهر، وذلك يكون في الكلام على وجهين: إما بمعنى ~~الاطراح؛ كما تقول: جعلت كلامي وراء ظهرك، ودبر ~~أذنك، وعلى هذا المعنى حمل الجمهور الآية، أي: اتخذتم أمر الله ~~وشرعه وراء ظهوركم، أي: غير مراعى، وإما بأن يستند إليه ~~ويلجأ؛ كما قال عليه السلام: « وألجأت ظهري إليك »؛ وعلى هذا ~~المعنى حمل الآية قوم: أي: وأنتم تتخذون الله سند ظهوركم ~~وعماد آمالكم. # وقوله: { اعملوا على مكانتكم } معناه: على حالاتكم، وفيه ~~تهديد. # وقوله: { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن ~~هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب }: والصحيح: أن ~~الوقف في قوله: { إني عمل }. # وقوله سبحانه: { وأخذت الذين ظلموا الصيحة... } ~~الآية: { الصيحة }: هي صيحة جبريل عليه السلام. ### || [11.95-99] # وقوله سبحانه: { كأن لم يغنوا فيها... } الآية: { يغنوا ~~}: معناه: يقيمون بنعمة وخفض عيش؛ ومنه المغاني، وهي ~~المنازل المعمورة بالأهل، وضمير «فيها» عائد على الديار. # وقوله: { بعدا }: مصدر دعا به؛ كقولك: سحقا للكافرين، وفارقت ~~هذه قولهم: # سلم عليكم # [النحل:32]؛ لأن { بعدا } إخبار عن شيء قد وجب وتحصل، وتلك ~~إنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البعد في قراءة: «بعدت» - بكسر العين ~~-: الهلاك، وهي قراءة الجمهور؛ ومنه قول خرنق بنت هفان: ~~[الكامل] # لا يبعدن قومي ms0720 الذين هم # سم العداة وآفة الجزر # ومنه قول مالك بن الربيع: [الطويل] # يقولون لا تبعد وهم يدفنونني # وأين مكان البعد إلا مكانيا # وأما من قرأ: «بعدت»، وهو السلمي وأبو حيوة فهو من ~~البعد الذي هو ضد القرب، ولا يدعى به إلا على مبغوض. # قال * ص *: وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك ~~والبعد الذي هو ضد القرب، فيقولون فيهما: بعد يبعد، ~~وبعد يبعد. انتهى. # وقوله سبحانه: { فاتبعوا أمر فرعون }: أي: وخالفوا أمر ~~موسى، { وما أمر فرعون برشيد } ، أي: بمرشد إلى خير. # وقال * ع *: { برشيد }: أي: بمصيب في مذهبه { يقدم ~~قومه }: أي: يقدمهم إلى النار، و { الورد } ، في هذه الآية: هو ~~ورود دخول. # قال * ص *: وال { الورد }: فاعل «بئس»، و { المورود }: ~~المخصوص بالذم، وفي الأول حذف، أي: مكان الورد، ليطابق ~~المخصوص بالذم. # وجوز * ع *: وأبو البقاء أن يكون «المورود» صفة لمكان ~~الورد، والمخصوص محذوف، أي: بئس مكان الورد المورود النار، ~~و«الورد»: يجوز أن يكون مصدرا بمعنى الورود، أو بمعنى الواردة ~~من الإبل، وقيل: الورد: بمعنى الجمع للوارد، والمورود: صفة ~~لهم، والمخصوص بالذم ضمير محذوف، أي: بئس القوم المورود بهم ~~هم، انتهى. # { وأتبعوا في هذه لعنة }: يريد: دار الدنيا. # وقوله: { بئس الرفد المرفود } أي: بئس العطاء المعطى ~~لهم، وهو العذاب، والرفد في كلام العرب: العطية. ### || [11.100-106] # وقوله سبحانه: { ذلك من أنباء القرى... } الآية { ذلك ~~}: إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم ~~المذكورة، { منها قائم وحصيد }: أي: منها قائم الجدرات، ~~ومتهدم دائر، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل ~~للحاضرين من أهل مكة وغيرهم، وال { تتبيب }: الخسران؛ ~~ومنه: # تبت يدا أبي لهب # [المسد:1]. # وقوله: { وكذلك }: الإشارة إلى ما ذكر من الأخذات في الأمم، ~~وهذه اية وعيد يعم قرى المؤمنين والكافرين، فإن «ظالمة»: أعم ~~من «كافرة»، وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة، وأما الظلمة، ~~فمعاجلون في الغالب، وقد يملي لبعضهم، وفي الحديث، من رواية ~~أبي موسى؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ~~يملي للظالم حتى إذا أخذه، ms0721 لم يفلته»، ثم قرأ: { ~~وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة... ~~} الآية، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاء الوعيد، واستمراره في ~~الزمان؛ { إن في ذلك لأية }: أي: لعبرة وعلامة اهتداء، { ~~لمن خاف عذاب الأخرة } ، ثم عظم الله أمر الآخرة، ~~فقال: { ذلك يوم مجموع له الناس } ، وهو يوم ~~الحشر، { وذلك يوم مشهود } يشهده الأولون ~~والآخرون؛ من الملائكة، والإنس، والجن والحيوان؛ في قول ~~الجمهور، { وما نؤخره إلا لأجل معدود } لا يتقدم ~~عنه ولا يتأخر. # قال * ص *: والظاهر أن ضمير فاعل: «يأت»: يعود على ما عاد عليه ~~ضمير «نؤخره»، والناصب ل «يوم» «لا تكلم»، والمعنى: لا ~~تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإذنه سبحانه. انتهى. # وقوله تعالى: { فمنهم }: عائد على الجمع الذي يتضمنه قوله: { ~~نفس } ، إذ هو اسم جنس يراد به الجمع { فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق } وهي أصوات ~~المكروبين والمحزونين والمعذبين، ونحو ذلك، قال قتادة: الزفير: ~~أول صوت الحمار، والشهيق: آخره، فصياح أهل النار كذلك، وقال ~~أبو العالية: «الزفير»: من الصدر، و«الشهيق»: من الحلق، والظاهر ما قال ~~أبو العالية. ### || [11.107-112] # وقوله سبحانه: { خلدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض }: يروى عن ابن عباس: أن الله خلق السموات والأرض ~~من نور العرش، ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة، فلهما ثم ~~بقاء دائم، وقيل: معنى: { ما دامت السموات والأرض }: ~~العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب، وذلك أن من فصيح كلامها، ~~إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء أن تقول: لا أفعل كذا ~~وكذا أمد الدهر، وما ناح الحمام، وما دامت السموات ~~والأرض، وقيل غير هذا. # قال * ص *: وقيل: المراد سموات الآخرة، وأرضها؛ يدل عليه قوله: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم:48] انتهى. وأما قوله: { إلا ما شاء ربك }: في ~~الاستثناء ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه متصل، أي: إلا ما شاء ربك من إخراج الموحدين؛ وعلى ~~هذا يكون قوله: { فأما الذين شقوا... } عاما في الكفرة ~~والعصاة، ويكون الاستثناء من { خلدين } ، وهذا قول قتادة ~~وجماعة. # الثاني: أن هذا الاستثناء ليس بمتصل ولا ms0722 منقطع، وإنما هو على ~~طريق الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام؛ فهو على نحو ~~قوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله # [الفتح:27] }. # الثالث: أن «إلا» في هذه الآية بمعنى «سوى»، والاستثناء منقطع، ~~وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع ب «سوى» ~~وسيبويه يقدره ب «لكن»، أي: سوى ما شاء الله زائدا على ~~ذلك؛ ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: { عطاء غير مجذوذ } ، ~~وقيل: سوى ما أعد الله لهم من أنواع العذاب، وأشد من ذلك كله ~~سخطه سبحانه عليهم، وقيل: الاستثناء في الآيتين من الكون في النار ~~والجنة، وهو زمان الموقف، وقيل: الاستثناء؛ في الآية الأولى: من ~~طول المدة، وذلك على ما روي أن جهنم تخرب، ويعدم أهلها، ~~وتخفق أبوابها، فهم على هذا يخلدون حتى يصير أمرهم إلى هذا. # قال * ع *: وهذا قول محتمل، والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره ~~أن ما يخلى من النار إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة ~~المؤمنين، وهذا الذي يسمى جهنم، وسمي الكل به تجوزا. # * ت *: وهذا هو الصواب - إن شاء الله - وهو تأويل صاحب «العاقبة»؛ ~~أن الذي يخرب ما يخص عصاة المؤمنين، وتقدم الكلام على ~~نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام»: # خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم ~~عليم # [الأنعام:128] }. # قال * ع *: والأقوال المترتبة في الاستثناء الأول مرتبة في ~~الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إلا تأويل من قال: هو استثناء ~~المدة التي تخرب فيها جهنم؛ فإنه لا يترتب هنا، وال { ~~مجذوذ }: المقطوع، والإشارة بقوله: { مما يعبد هؤلاء ~~} إلى كفار العرب، { وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص } معناه: من العقوبة، وقال الداودي عن ابن عباس: { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص }: قال: ما قدر لهم من ~~خير وشر انتهى. # وقوله: { ولقد آتينا موسى الكتب فاختلف فيه }: ~~أي: اختلف الناس عليه، فلا يعظم عليك، يا محمد، أمر من ~~كذبك. # وقال * ص *: «فيه»: الظاهر عوده على الكتاب، ويجوز أن يعود على ~~موسى، وقيل: «في» بمعنى «على»، أي: عليه، انتهى. # وال { كلمة }؛ هنا عبارة عن الحكم ms0723 والقضاء { لقضي ~~بينهم }: أي: لفصل بين المؤمن والكافر؛ بنعيم هذا وعذاب هذا، ~~ووصف الشك بالريب؛ تقوية لمعنى الشك، فهذه الآية يحتمل أن يكون ~~المراد بها أمة موسى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأن يعمهم اللفظ أحسن، ويؤيده قوله: { وإن كلا } ، ~~وقرأ نافع وابن كثير: «وإن كلا لما» وقرأ أبو عمرو، والكسائي ~~بتشديد «إن»، وقرأ حمزة وحفص بتشديد «إن»، وتشديد «لما»، ~~فالقراءتان المتقدمتان بمعنى ف «إن» فيهما على بابها، ~~و«كلا»، اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام، وفي الكلام قسم ~~تدخل لامه أيضا على خبر «إن»، فلما اجتمع لامان، فصل بينهما ~~ب «ما»؛ هذا قول أبي علي، والخبر في قوله: { ليوفينهم } ، ~~وهذه الآية وعيد، ومعنى الآية: أن كل الخلق موفى في عمله. # وقوله عز وجل: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك }: أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وهو عليها إنما هو أمر ~~بالدوام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمة، وروي أن بعض العلماء رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال: يا رسول الله، ~~بلغنا عنك أنك قلت: « شيبتني هود وأخواتها ~~»، فما الذي شيبك من هود؟ فقال له قوله عز ~~وجل: { فاستقم كما أمرت }. # قال * ع *: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: «شيبتني هود ~~وأخواتها» أنه إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السالفة، ~~فكأن حذره على هذه مثل ذلك شيبه عليه السلام. ### || [11.113-115] # وقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا... } ~~الآية: الركون: السكون إلى الشيء، والرضا به، قال أبو العالية: ~~الركون: الرضا. قال ابن زيد: الركون: الادهان. # قال * ع *: فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره، والنهي هنا ~~يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى ~~أقل الرتب من ترك التغيير عليهم مع القدرة، و { الذين ~~ظلموا } هنا: هم الكفرة، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي. # وقوله سبحانه: { وأقم الصلوة طرفي النهار... } الآية: ~~لا خلاف أن { الصلوة } في هذه الآية يراد بها الصلوات ~~المفروضة، واختلف في طرفي النهار وزلف الليل، فقيل: الطرف ~~الأول: الصبح، ms0724 والثاني: الظهر والعصر، والزلف: المغرب ~~والعشاء؛ قاله مجاهد وغيره، # " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في المغرب ~~والعشاء:«هما زلفتا الليل» " # وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر؛ قاله الحسن وقتادة، ~~والزلف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل ~~هي في غيرها. # قال * ع *: والأول أحسن الأقوال عندي، ورجح الطبري القول بأن ~~الطرفين الصبح والمغرب، وهو قول ابن عباس وغيره، وإنه لظاهر، إلا ~~أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى، والزلف: الساعات القريب ~~بعضها من بعض. # وقوله تعالى: { إن الحسنت يذهبن السيئت } ، ذهب ~~جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن الحسنات يراد بها ~~الصلوات الخمس، وإلى هذه الآية ذهب عثمان رضي الله عنه في ~~وضوئه على المقاعد، وهو تأويل مالك، وقال مجاهد: { الحسنت }: ~~قول الرجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر. # قال * ع *: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن ~~أجل أن الصلوات الخمس هي معظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية ~~عام في الحسنات، خاص في السيئات؛ بقوله عليه السلام: « ما ~~اجتنبت الكبائر »، وروي # " أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، وهو أبو اليسر بن ~~عمرو، وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة، فقبلها، وتلذذ بها فيما ~~دون الجماع، ثم جاء إلى عمر، فشكا إليه، فقال له: قد ستر ~~الله عليك، فاستر على نفسك، فقلق الرجل، فجاء أبا ~~بكر، فشكا إليه، فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل، فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى معه، ثم أخبره، وقال: اقض في ~~ما شئت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ~~لعلها زوجة غاز في سبيل الله؟! » قال: نعم، ~~فوبخه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: « ما أدري »، ~~فنزلت " # هذه الآية، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه، ~~فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله: أهذا له ~~خاصة؟ فقال: « بل للناس عامة # ». # قال ابن العربي في «أحكامه»: وهذا الحديث صحيح، رواه الأئمة ~~كلهم، انتهى. # قال * ع *: وروي: أن ms0725 الآية قد كانت نزلت قبل ذلك، واستعملها ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل، وروي أن عمر قال ما ~~حكي عن معاذ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، ورمضان ~~إلى رمضان كفارة لما بينها؛ إن اجتنبت الكبائر ~~". # وقوله: { ذلك ذكرى }: إشارة إلى الصلوات، أي: هي سبب ~~الذكرى، وهي العظة، ويحتمل أن تكون إشارة إلى الإخبار بأن ~~الحسنات يذهبن السيئات. # ويحتمل أن تكون إشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي ~~والقصص في هذه السورة، وهو تفسير الطبري. ### || [11.116-119] # { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا ~~بقية... } الآية، { لولا }: هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا ~~معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه ~~الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله سبحانه: # يحسرة على العباد # [يس:30]، والقرون من قبلنا قوم نوح وعاد وثمود، ومن تقدم ذكره. # وقوله: { أولوا بقية }: أي: أولو بقية من عقل وتمييز ~~ودين، { ينهون عن الفساد } وإنما قيل: { بقية }؛ لأن ~~الشرائع والدول ونحوها، قوتها في أولها، ثم لا تزال تضعف، ~~فمن ثبت في وقت الضعف، فهو بقية الصدر الأول. # و { الفساد في الأرض }: هو الكفر وما اقترن به من ~~المعاصي، وهذه الآية فيها تنبيه لهذه الأمة وحض على تغيير ~~المنكر، ثم استثنى عز وجل القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم، ~~وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم، و { قليلا } استثناء ~~منقطع، أي: لكن قليلا ممن أنجينا منهم، نهوا عن الفساد، ~~و«المترف»: المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك؛ { ~~وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } منه سبحانه وتعالى ~~عن ذلك، { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة }: ~~أي مؤمنة لا يقع منهم كفر؛ قاله قتادة، ولكنه عز وجل لم يشأ ~~ذلك، فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل، هذا تأويل ~~الجمهور، { إلا من رحم ربك } ، أي: بأن هداه إلى ~~الإيمان؛ وقوله تعالى: { ولذلك خلقهم }: قال الحسن: أي: ~~وللاختلاف خلقهم. # قال * ع *: وذلك أن الله تعالى خلق خلقا للسعادة، ms0726 وخلقا ~~للشقاوة، ثم يسر كلا لما خلق له، وهذا نص في الحديث الصحيح، ~~وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة، ~~وبه علق العقاب، فيصح أن يحمل قول الحسن هنا: وللاختلاف ~~خلقهم، أي: لثمرة الاختلاف، وما يكون عنه من شقاوة أو سعادة، ~~وقال أشهب: سألت مالكا عن هذه الآية، فقال: خلقهم؛ ليكون ~~فريق في الجنة، وفريق في السعير، وقيل غير هذا. # وقوله تعالى: { وتمت كلمة ربك } أي: نفذ قضاؤه، وحق ~~أمره، واللام في { لأملأن }: لام قسم. ### || [11.120-123] # وقوله سبحانه: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك } ، و«كلا» مفعول مقدم ب ~~«نقص»، و«ما» بدل من قوله: «وكلا»، و { نثبت به فؤادك ~~} أي: نؤنسك فيما تلقاه، ونجعل لك الإسوة. # { وجاءك في هذه الحق } قال الحسن: { هذه } إشارة ~~إلى دار الدنيا، وقال ابن عباس: { هذه } ، إشارة إلى السورة، وهو ~~قول الجمهور. # قال * ع *: ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها بحق، والقرآن كله حق ~~أن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة، والتنبيه للناظر، أي: جاءك في ~~هذه السورة الحق الذي أصاب الأمم الماضية، وهذا كما يقال عند ~~الشدائد: جاء الحق، وإن كان الحق يأتي في غير الشدائد، ثم ~~وصف سبحانه أن ما تضمنته السورة هو موعظة وذكرى للمؤمنين. # وقوله سبحانه: { وقل للذين لا يؤمنون... } الآية: آية ~~وعيد. # وقوله تعالى: { ولله غيب السموات والأرض... } الآية: ~~أية تعظيم وانفراد بما لا حظ لمخلوق فيه، ثم أمر سبحانه العبد ~~بعبادته، والتوكل عليه، وفيهما زوال همه وصلاحه، ~~ووصوله إلى رضوان الله تعالى، فقال: { فاعبده وتوكل ~~عليه وما ربك بغفل عما تعملون } ، اللهم، ~~اجعلنا ممن توكل عليك، ووفقته لعبادتك كما ترضى، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، والحمد لله ~~على جزيل ما به أنعم. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # وقوله عز وجل: { الر تلك آيت الكتب المبين } { ~~الكتب }؛ هنا القرآن، ووصفه ب { المبين } من جهة بيان ~~أحكامه وحلاله وحرامه ومواعظه وهداه ونوره، ومن جهة بيان ~~اللسان العربي وجودته، والضمير في { أنزلنه }: للكتاب، و ms0727 { ~~قرآنا } حال، و { عربيا }: صفة له، وقيل: { قرآنا }: توطئة ~~للحال، و { عربيا } حال. # وقوله سبحانه: { نحن نقص عليك أحسن القصص... } ~~الآية: روى ابن مسعود، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملوا ~~ملة، فقالوا: لو قصصت علينا، يا رسول الله! فنزلت ~~هذه الآية، ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: لو حدثتنا، يا ~~رسول الله، فنزلت: # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها # [الزمر:23] { والقصص }: الإخبار بما جرى من الأمور. # وقوله: { بما أوحينا إليك }: أي: بوحينا إليك هذا، و { ~~القرآن }: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البدل، والضمير في «قبله»: ~~للقصص العام؛ لما في جميع القرآن منه، و { من الغفلين } ، أي: ~~عن معرفة هذا القصص، وعبارة المهدوي: قال قتادة: أي: نقص عليك ~~من الكتب الماضية، وأخبار الأمم السالفة أحسن القصص؛ بوحينا ~~إليك هذا القرآن، { وإن كنت من قبله لمن الغفلين } ~~عن أخبار الأمم، انتهى. ### || [12.4-6] # وقوله سبحانه: { إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين }: قيل: إنه رأى كواكب حقيقة، والشمس والقمر، ~~فتأولها يعقوب إخوته وأبويه، وهذا هو قول الجمهور، وقيل: ~~الإخوة والأب والخالة؛ لأن أمه كانت ميتة، وروي أن رؤيا ~~يوسف خرجت بعد أربعين سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة. # وقوله: { قال يبني لا تقصص رءياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا } من هنا ومن فعل إخوة يوسف بيوسف: ~~يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت، وما وقع في «كتاب ~~الطبري» لابن زيد؛ أنهم كانوا أنبياء يرده القطع بعصمة ~~الأنبياء عن الحسد الدنيوي، وعن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن ~~للهلاك، والتآمر في قتله. # { وكذلك يجتبيك ربك }: أي: يختارك ويصطفيك. # { ويعلمك من تأويل الأحاديث } قال مجاهد وغيره: هي ~~عبارة الرؤيا وقال الحسن: هي عواقب الأمور وقيل: هي عامة لذلك وغيره ~~من المغيبات. # { ويتم نعمته عليك... } الآية: يريد بالنبوة وما انضاف ~~إليها من سائر النعم، ويروى: أن يعقوب علم هذا من ~~دعوة إسحاق له حين تشبه ب «عيصو»، وباقي الآية بين. ### || [12.7-10] # وقوله سبحانه: { لقد كان في يوسف وإخوته آيت ms0728 ~~للسائلين }؛ إذ كل أحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذا القصص، إذ ~~هي مقر العبر والاتعاظ؛ وقولهم: { وأخوه }: يريدون به «يامين»، ~~وهو أصغر من يوسف، ويقال له: «بنيامين» قيل: وهو شقيقه، { ~~أحب إلى أبينا منا }: أي: لصغرهما وموت أمهما، وهذا من ~~حب الصغير هي فطرة البشر، وقولهم: { ونحن عصبة }: أي: ~~جماعة تضر وتنفع، وتحمي وتخذل، أي: لنا كانت تنبغي المحبة ~~والمراعاة، والعصبة في اللغة: الجماعة، وقولهم: { لفي ضلل ~~مبين } ، أي: لفي انتلاف وخطإ في محبة يوسف وأخيه، وهذا هو ~~معنى الضلال، وإنما يصغر قدره، ويعظم بحسب الشيء الذي فيه ~~يقع الانتلاف، و { مبين }: معناه: ظاهر للمتأمل، وقولهم: { ~~أو اطرحوه أرضا }: أي: بأرض بعيدة؛ ف «أرضا» مفعول ~~ثان بإسقاط حرف الجر، والضمير في «بعده» عائد على يوسف، أو قتله، ~~أو طرحه، { وصالحين }: قال مقاتل وغيره: إنهم أرادوا صلاح ~~الحال عند أبيهم، والقائل منهم: «لا تقتلوه» هو: «روبيل» ~~أسنهم؛ قاله قتادة وابن إسحاق، وقيل: هو شمعون؛ قاله مجاهد، وهذا ~~عطف منه على أخيه لا محالة؛ لما أراد الله من إنفاذ قضائه، ~~و«الغيابة»: ما غاب عنك، و { الجب } البئر التي لم تطو؛ لأنها ~~جبت من الأرض فقط، قال المهدوي: والجب؛ في اللغة: البئر ~~المقطوعة التي لم تطو، انتهى. وال { سيارة }: جمع سيار، ~~وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام. ### || [12.11-15] # وقوله سبحانه: { قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف وإنا له لنصحون... } الآية المتقدمة تقتضي أن ~~أباهم قد كان علم منهم إرادتهم السوء في جهة يوسف، وهذه الآية ~~تقتضي أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر وابن عمرو: ~~«نرتع ونلعب» - بالنون فيهما وإسكان العين والباء -، ~~و«نرتع»؛ على هذا: من الرتوع، وهي الإقامة في الخصب والمرعى ~~في أكل وشرب، وقرأ ابن كثير: «نرتع ونلعب» - بالنون فيهما ~~وكسر العين وإسكان الباء -، وقد روي عنه «ويلعب» - بالياء - ~~و«نرتع» - على هذا: من رعاية الإبل. وقال مجاهد: من المراعاة، ~~أي: يرعى بعضنا بعضا، ويحرسه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «يرتع ~~ويلعب» بإسناد ذلك كله ms0729 إلى يوسف، وقرأ نافع «يرتع ~~ويلعب»، ف «يرتع»؛ على هذا: من رعاية الإبل، قال أبو علي: ~~وقراءة ابن كثير «نرتع» - بالنون - و«يلعب» - بالياء -: منزعها ~~حسن؛ لإسناد النظر في المال، والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف ~~لصباه، ولعبهم هذا داخل في اللعب المباح والمندوب كاللعب بالخيل ~~والرمي؛ وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف ~~لصباه من الرتوع واللعب والنشاط، وإنما خاف يعقوب عليه ~~السلام الذئب دون سواه، وخصصه؛ لأنه كان الحيوان العادي ~~المنبث في القطر، ولصغر يوسف، و { أجمعوا }: معناه: ~~عزموا. # وقوله سبحانه: { وأوحينا إليه } يحتمل أن يكون الوحي إلى ~~يوسف حينئذ برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو بنوم، وكل ذلك قد ~~قيل، وقرأ الجمهور: «لتنبئنهم» بالتاء من فوق. # وقوله: { وهم لا يشعرون }: قال ابن جريج: معناه: لا ~~يشعرون وقت التنبئة؛ أنك يوسف، وقال قتادة: لا يشعرون ~~بوحينا إليك. ### || [12.16-18] # وقوله: { وجاءو أباهم عشاء يبكون }: أي: وقت العشاء، ~~وقرأ الحسن: «عشى»؛ على مثال «دجى»، جمع «عاش»، ومعنى ذلك: أصابهم ~~عشى من البكاء أو شبه العشى، إذ كذلك هي عين الباكي؛ لأنه يتعاشى، ~~ومثل شريح امرأة بكت، وهي مبطلة ببكاء هؤلاء؛ وقرأ الآية، و ~~{ نستبق }: معناه: على الأقدام، وقيل: بالرمي، أي: ننتضل، وهو ~~نوع من المسابقة؛ قاله الزجاج، وقولهم: { وما أنت بمؤمن ~~لنا }: أي بمصدق لنا، { ولو كنا صدقين } ، أي: ولو كنا ~~موصوفين بالصدق، ويحتمل أن يكون قولهم: { ولو كنا صدقين ~~}: بمعنى: وإن كنا صادقين في معتقدنا. # وقوله سبحانه: { وجاءو على قميصه بدم كذب }: روي أنهم ~~أخذوا سخلة أو جديا، فذبحوه، ولطخوا به قميص يوسف، ~~وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه وبكى ثم تأمله، فلم ير خرقا، ~~ولا أثر ناب؛ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: كان الذئب حليما ~~يأكل يوسف، ولا يخرق قميصه؛ قص هذا القصص ابن عباس وغيره، ~~وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحة القميص، واستند الفقهاء ~~إلى هذا في إعمال الأمارات في مسائل؛ كالقسامة بها في قول مالك ~~إلى غير ذلك. قال الشعبي: كان في القميص ثلاث آيات: ms0730 دلالته على ~~كذبهم، وشهادته في قده، ورد بصر يعقوب به، ووصف الدم ~~بالكذب الذي هو مصدر على جهة المبالغة، ثم قال لهم يعقوب: { ~~بل سولت لكم } ، أي: رضيت وجعلت سؤلا ومرادا { أمرا ~~} ، أي: صنعا قبيحا بيوسف. # وقوله: { فصبر جميل }: إما على حذف المبتدأ، أي: فشأني صبر ~~جميل، وإما على حذف الخبر، تقديره: فصبر جميل أمثل، وجميل ~~الصبر: ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من بث، لم يصبر صبرا جميلا ". # وقوله: { والله المستعان على ما تصفون }: تسليم لأمر ~~الله تعالى، وتوكل عليه. ### || [12.19-22] # وقوله سبحانه: { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم }: ~~قيل: إن السيارة جاءت في اليوم الثاني من طرحه، و«السيارة»: بتاء ~~مبالغة للذين يرددون السير في الطرق. # قال * ص *: و«السيارة»: جمع سيار، وهو الكثير السير في ~~الأرض. انتهى. و«الوارد»: هو الذي يأتي الماء يستقي منه لجماعته، وهو ~~يقع على الواحد وعلى الجماعة. وروي أن مدلي الدلو كان ~~يسمى مالك بن دعر، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ~~ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، ويقال: أدلى دلوه؛ إذا ألقاه ~~ليستقي الماء، وفي الكلام حذف، تقديره: فتعلق يوسف بالحبل، ~~فلما بصر به المدلي، قال: { يبشراي } ، وروي أن يوسف كان ~~يومئذ ابن سبع سنين؛ ويرجح هذا لفظة { غلام }؛ فإنها ~~لما بين الحولين إلى البلوغ، فإن قيلت فيما فوق ذلك، فعلى ~~استصحاب حال، وتجوز، وقرأ نافع وغيره: «يا بشراي» بإضافة ~~البشرى إلى المتكلم، وبفتح الياء على ندائها؛ كأنه يقول: ~~احضري، فهذا وقتك، وقرأ حمزة والكسائي: «يا بشرى»، ويميلان ~~ولا يضيفان، وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل، ~~واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي: كان في أصحاب هذا الوارد ~~رجل اسمه «بشرى»؛ فناداه، وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على نداء ~~البشرى؛ كما قدمنا. # وقوله سبحانه: { وأسروه بضعة } قال مجاهد: وذلك أن ~~الوراد خشوا من تجار الرفقة، إن قالوا وجدناه؛ أن يشاركوهم ~~في الغلام الموجود، يعني: أو يمنعوهم من تملكه، إن كانوا ~~أخيارا، فأسروا بينهم أن يقولوا: أبضعه معنا بعض أهل ms0731 ~~المصر، و«بضاعة»: حال، والبضاعة: القطعة من المال يتجر فيها ~~بغير نصيب من الربح؛ مأخوذة من قولهم: «بضعة»؛ أي: قطعة، ~~وقيل: الضمير في «أسروه» يعود على إخوة يوسف. # وقوله سبحانه: { وشروه بثمن بخس }: «شروه»؛ هنا: بمعنى ~~باعوه، قال الداودي: وعن أبي عبيدة: { وشروه } أي: باعوه، ~~فإذا ابتعت أنت، قلت: اشتريت انتهى، وقال ابن العربي في ~~«أحكامه»: قوله تعالى: { وشروه بثمن بخس }: يقال: اشتريت ~~بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت؛ لغة انتهى، وعلى هذا، فلا ~~مانع من حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شروه» بمعنى: «اشتروه». # قال * ع *: روي أن إخوة يوسف لما علموا أن الوراد قد أخذوه ~~جاؤوهم، فقالوا: هذا عبد قد أبق منا، ونحن نبيعه منكم، فقارهم ~~يوسف على هذه المقالة؛ خوفا منهم، ولينفذ الله أمره، وال { بخس ~~}: مصدر وصف به الثمن، وهو بمعنى النقص. # وقوله: { درهم معدودة }: عبارة عن قلة الثمن؛ لأنها دراهم، ~~لم تبلغ أن توزن لقلتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما كان دون ~~الأوقية، وهي أربعون درهما. # وقوله سبحانه: { وكانوا فيه من الزهدين }: وصف يترتب في ~~إخوة يوسف، وفي الوراد، ولكنه في إخوة يوسف أرتب؛ إذ حقيقة ~~الزهد في الشيء إخراج حبه من القلب ورفضه من اليد، وهذه ~~كانت حال إخوة يوسف في يوسف، وأما الوراد، فإن تمسكهم ~~به وتجرهم يمانع زهدهم إلا على تجوز، قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: { وكانوا فيه من الزهدين }: أي: إخوته ~~والواردة، أما إخوته؛ فلأن مقصودهم زوال عينه، وأما الواردة، ~~فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم. # انتهى. # وقوله سبحانه: { وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ~~أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا }: روي أن مبتاع يوسف ~~ورد به مصر البلد المعروف؛ ولذلك لا ينصرف، فعرضه في ~~السوق، وكان أجمل الناس، فوقعت فيه مزايدة حتى بلغ ثمنا ~~عظيما، فقيل: وزنه من ذهب، ومن فضة، ومن حرير، فاشتراه العزيز، وهو ~~كان حاجب الملك وخازنة، واسم الملك الريان بن ~~الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وهو أحد الفراعنة، واسم ~~العزيز المذكور: «قطيفين»؛ قاله ابن عباس، وقيل: «أظفير»، وقيل: ~~«قنطور»، واسم ms0732 امرأته: «راعيل»، قاله ابن إسحاق، وقيل: «زليخا»، ~~قال البخاري: و { مثواه }: مقامه. # وقوله: { أو نتخذه ولدا } أي: نتبناه، وكان فيما يقال: ~~لا ولد له، ثم قال تعالى: { وكذلك } ، أي: وكما وصفنا { مكنا ~~ليوسف في الأرض ولنعلمه } فعلنا ذلك، و { الأحاديث ~~}: الرؤيا في النوم؛ قاله مجاهد، وقيل: أحاديث الأنبياء والأمم، ~~والضمير في «أمره» يحتمل أن يعود على يوسف؛ قاله الطبري، ويحتمل أن ~~يعود على الله عز وجل؛ قاله ابن جبير، فيكون إخبارا منبها ~~على قدرة الله عز وجل ليس في شأن يوسف خاصة، بل عاما في كل ~~أمر، و«الأشد»: استكمال القوة وتناهي بنية الإنسان، وهما ~~أشدان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب. # وقوله سبحانه: و { آتيناه حكما وعلما }: يحتمل أن يريد ~~بالحكم: الحكمة والنبوة، وهذا على الأشد الأعلى، ويحتمل أن يريد ~~بالحكم: السلطان في الدنيا وحكما بين الناس، وتدخل النبوة ~~وتأويل الأحاديث وغير ذلك في قوله: { وعلما } ، وقال ابن العربي: ~~{ آتيناه حكما وعلما }: الحكم: هو العمل بالعلم. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { وكذلك نجزي المحسنين }: عبارة فيها وعد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: فلا يهولنك فعل الكفرة وعتوهم ~~عليك، فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع. ### || [12.23-24] # وقوله سبحانه: { ورودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه }: المراودة: الملاطفة في السوق إلى غرض، و { التي ~~هو في بيتها } هي زليخا امرأة العزيز، وقوله: { عن ~~نفسه }: كناية عن غرض المواقعة، وظاهر هذه النازلة أنها كانت ~~قبل أن ينبأ عليه السلام، وقولها: { هيت لك }: معناه: الدعاء، ~~أي: تعال وأقبل على هذا الأمر، قال الحسن: معناها: هلم، ~~قال البخاري: قال عكرمة: { هيت لك } بالحورانية: هلم. # وقال ابن جبير: تعاله، انتهى. # وقرأ هشام عن ابن عامر: «هئت لك» - بكسر الهاء والهمز وضم ~~التاء -، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل ~~يهيء، إذا حسن هيئته، ويحتمل أن يكون بمعنى: تهيأت، و { ~~معاذ }: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ بالله، ثم قال: { ~~إنه ربي أحسن مثواي } ، فيحتمل أن يعود الضمير في «إنه» ~~على الله عز وجل، ms0733 ويحتمل أن يريد العزيز سيده، أي: فلا يصلح ~~لي أن أخونه، وقد أكرم مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره: «ربي» ~~معناه سيدي وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك، وأحرى أن يحفظ ~~ربه، والضمير في قوله: { إنه لا يفلح } مراد به الأمر والشأن ~~فقط، وحكى بعض المفسرين أن يوسف عليه السلام لما قال: معاذ ~~الله، ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة، امتحنه الله تعالى ~~بالهم بما هم به، ولو قال: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله، ودافع بعنف وتغيير، لم يهم بشيء من المكروه. # وقوله سبحانه: { وهم بها }: اختلف في هم يوسف. # قال * ع *: والذي أقول به في هذه الآية: أن كون يوسف عليه ~~السلام نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح، ولا تظاهرت به رواية، ~~فإذا كان ذلك، فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما، ويجوز عليه الهم ~~الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر ~~الرديء؛ على ما في ذلك من الخطيئة، وإن فرضناه نبيا في ذلك ~~الوقت، فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح ~~عندي شيء مما ذكر من حل تكة، ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع ~~النبوة، وللهم بالشيء مرتبتان، فالخاطر المجرد دون استصحاب ~~يجوز عليه، ومع استصحاب لا يجوز عليه؛ إذ الإجماع منعقد أن ~~الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز، ولا داخل في ~~التجاوز. # * ت *: قال عياض: والصحيح إن شاء الله تنزيههم أيضا قبل ~~النبوة من كل عيب، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب، ثم ~~قال عياض بعد هذا: وأما قول الله سبحانه: { ولقد همت به ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } ، فعلى طريق كثير ~~من الفقهاء والمحدثين؛ أن هم النفس لا يؤاخذ به، وليس بسيئة، ~~لقوله عليه السلام عن ربه: # " إذا هم عبدي بسيئة، فلم يعملها كتبت له ~~حسنة " # ؛ فلا معصية في همه إذن، وأما على مذهب المحققين من ~~الفقهاء والمتكلمين، فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة، ~~وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها، فهو المعفو عنه، ~~وهذا ms0734 هو الحق، فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا، ويكون قوله: # وما أبرئ نفسي... # [يوسف:53]: أي: من هذا الهم، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع. ~~انتهى. # واختلف في البرهان الذي رآه يوسف، فقيل: ناداه جبريل: يا يوسف، ~~تكون في ديوان الأنبياء، وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ~~عاضا على إبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهان فكرته ~~في عذاب الله ووعيده على المعصية، والبرهان في كلام العرب: ~~الشيء الذي يعطي القطع واليقين، كان مما يعلم ضرورة أو بخبر ~~قطعي أو بقياس نظري «وأن» في قوله: { لولا أن رأى } في موضع ~~رفع، تقديره: لولا رؤيته برهان ربه، لفعل، وذهب قوم إلى ~~أن الكلام تم في قوله: { ولقد همت به } ، وأن جواب ~~«لولا» في قوله: { وهم بها } ، وأن المعنى: لولا أن رأى البرهان ~~لهم، أي: فلم يهم عليه السلام، وهذا قول يرده لسان العرب، ~~وأقوال السلف * ت *: وقد ساق عياض هذا القول مساق الاحتجاج به ~~متصلا بما نقلناه عنه آنفا، ولفظه: فكيف، وقد حكى أبو حاتم عن ~~أبي عبيدة، أن يوسف لم يهم، وأن الكلام فيه تقديم وتأخير، أي: ~~ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها، وقد قال الله ~~تعالى عن المرأة: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # [يوسف:32]، وقال تعالى: { كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء } ، وقال: { معاذ الله... } الآية. انتهى. وكذا ~~نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيد بن الحداد: في الكلام تقديم ~~وتأخير، ومعناه: أنه لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلما رأى ~~البرهان لم يهم، انتهى. قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد أخبر ~~الله سبحانه عن حال يوسف من حين بلوغه بأنه آتاه حكما وعلما، ~~والحكم: هو العمل بالعلم، وكلام الله صادق، وخبره صحيح، ووصفه ~~حق، فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنا، وتحريم ~~خيانة السيد في أهله، فما تعرض لامرأة العزيز، ولا أناب إلى ~~المراودة، بل أدبر عنها، وفر منها؛ حكمة خص بها، وعمل ~~بما علمه الله تعالى، وهذا يطمس وجوه ms0735 الجهلة من الناس ~~والغفلة من العلماء في نسبتهم إلى الصديق ما لا يليق، ~~وأقل ما اقتحموا من ذلك هتك السراويل، والهم بالفتك فيما ~~رأوه من تأويل، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون ~~يفقهون حديثا؛ يقولون: فعل فعل، والله تعالى إنما قال ~~هم بها، قال علماء الصوفية: إن فائدة قوله تعالى: # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما... # [يوسف:22] أن الله عز وجل أعطاه العلم والحكمة؛ بأن غلب ~~الشهوة؛ ليكون ذلك سببا للعصمة، انتهى. # والكاف من قوله تعالى: { كذلك لنصرف عنه السوء }: ~~متعلقة بمضمر، تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا كذلك؛ لنصرف، ويصح ~~أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير عصمتنا له كذلك، وقرأ ابن ~~كثير وغيره: «المخلصين» - بكسر اللام - في سائر القرآن، ونافع وغيره ~~بفتحها. ### || [12.25-29] # وقوله تعالى: { واستبقا الباب... } الآية: معناه: سابق كل ~~واحد منهما صاحبه إلى الباب، هي لترده إلى نفسها، وهو ليهرب ~~عنها، فقبضت في أعلى قميصه، فتخرق القميص عند طوقه، ونزل ~~التخريق إلى أسفل القميص، قال البخاري: { وألفيا }: أي: ~~وجدا؛ # ألفوا آبآءهم # [الصافات:69] وجدوهم. انتهى، و«القد»: القطع، وأكثر ما يستعمل فيما ~~كان طولا، والقط: يستعمل فيما كان عرضا، و { ألفيا }: ~~وجدا، والسيد: الزوج؛ قاله زيد بن ثابت ومجاهد. # وقوله سبحانه: { قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا... ~~} الآية: قال نوف الشامي: كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف ~~القصة، فلما بغت عليه، غضب، فقال الحق، فأخبر أنها هي ~~راودته عن نفسه، فروي أن الشاهد كان ابن عمها، قال: انظروا ~~إلى القميص، وقال ابن عباس: كان رجلا من خاصة الملك؛ وقاله مجاهد ~~وغيره، والضمير في «رأى» هو للعزيز، وهو القائل: { إنه من ~~كيدكن }؛ قاله الطبري، وقيل: بل الشاهد، قال ذلك، ونزع بهذه ~~الآية من يرى الحكم بالإمارة من العلماء؛ فإنها معتمدهم، و«يوسف» ~~في قوله: { يوسف أعرض عن هذا }: منادى، قال ابن عباس: ~~ناداه الشاهد، وهو الرجل الذي كان مع العزيز، و { أعرض عن ~~هذا }: معناه: عن الكلام به، أي: اكتمه، ولا تتحدث به، ثم ~~رجع إليها، فقال: ms0736 { واستغفري لذنبك } ، أي: استغفري ~~زوجك وسيدك، وقال: { من الخاطئين } ، ولم يقل «من ~~الخاطئات»؛ لأن الخاطئين أعم. ### || [12.30-34] # وقوله سبحانه: { وقال نسوة في المدينة امرأت ~~العزيز ترود فتها عن نفسه }: { نسوة }: جمع ~~قلة، وجمع التكثير نساء، ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعا: ~~امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة بوابة، وامرأة سجانة، ~~والعزيز: الملك، والفتى: الغلام، وعرفه في المملوك، ولكنه قد ~~قيل في غير المملوك؛ ومنه: # وإذ قال موسى لفته # [الكهف:60]، وأصل الفتى، في اللغة: الشاب، ولكن لما كان جل ~~الخدمة شبابا، استعير لهم اسم الفتى، و { شغفها }: معناه ~~بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو؛ على أكثر القول: ~~غلاف من أغشية القلب. # وقيل: الشغاف: سويداء القلب. # وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب. # { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن }؛ ليحضرن. # { وأعتدت لهن متكأ }: أي: أعدت ويسرت ما يتكأ ~~عليه من فرش ووسائد وغير ذلك، وقرأ ابن عباس وغيره: «متكا» - ~~بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف -، واختلف في معناها، فقيل: هو ~~الأترنج، وقيل: هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين، ~~وقولها: { اخرج عليهن }: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك. # وقوله: { أكبرنه }: معناه: أعظمنه واستهولن جماله، هذا ~~قول الجمهور. # { وقطعن أيديهن }: أي: كثرن الحز فيها ~~بالسكاكين، وقرأ أبو عمرو وحده: «حاشى لله»، وقرأ سائر السبعة: { ~~حاش لله } ، فمعنى «حاش لله»: أي: حاشى يوسف؛ لطاعته ~~لله، أو لمكانه من الله أن يرمى بما رميته به، أو يدعى ~~إلى مثله، لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم، إنما هو ملك، ~~هكذا رتب بعضهم معنى هذا الكلام على القراءتين، وقرأ الحسن ~~وغيره: «ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم» - بكسر ~~اللام من «ملك»؛ وعلى هذه القراءة، فالكلام فصيح: لما ~~استعظمن حسن صورته، قلن ما هذا مما يصلح أن يكون عبدا ~~بشرا، إن هذا إلا مما يصلح أن يكون ملكا كريما. # * ت *: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإسراء: # " ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، ففتح لنا، ~~فإذا بيوسف صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد أعطي شطر ~~الحسن، فرحب ms0737 بي، ودعا لي بخير " # انتهى. # وقولها: { فذلكن الذي لمتنني فيه }: المعنى: فهذا ~~الذي لمتنني فيه، وقطعتن أيديكن بسببه: هو الذي جعلني ~~ضالة في هواه، ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة، واستأمنت ~~إليهن في ذلك؛ إذ علمت أنهن قد عذرنها. # و { استعصم } معناه طلب العصمة، وتمسك بها، وعصاني، ثم ~~جعلت تتوعده، وهو يسمع بقولها. # { ولئن لم يفعل ما ءامره... } إلى آخر الآية. # * ت *: واعترض * ص *: بأن تفسير «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله ~~للطلب، إذ لا يلزم من طلب الشيء حصوله. انتهى، واللام في ~~«ليسجنن»: لام قسم، واللام الأولى هي المؤذنة بالمجيء ~~بالقسم، و«الصاغرون»: الأذلاء، وقول يوسف عليه السلام: { رب ~~السجن أحب إلي } إلى قوله: { من الجهلين } ، ~~كلام يتضمن التشكي إلى الله تعالى من حاله معهن، و { أصب }: ~~مأخوذ من الصبوة، وهي أفعال الصبا، ومن ذلك قول دريد بن ~~الصمة: [الطويل] # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه # فلما علاه قال للباطل ابعد # قال * ص *: «أصب» معناه: أمل، وهو جواب الشرط، والصبابة: ~~إفراط الشوق. انتهى. # { فاستجاب له ربه } أي: أجابه إلى إرادته، وصرف عنه ~~كيدهن؛ في أن حال بينه وبين المعصية. ### || [12.35] # وقوله سبحانه: { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيت ~~ليسجننه حتى حين }: { بدا } معناه: ظهر، ولما أبى ~~يوسف عليه السلام من المعصية، ويئست منه امرأة العزيز، طالبته ~~بأن قالت لزوجها: إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في ~~الناس، وهو يعتذر إليهم، ويصف الأمر بحسب اختياره، وأنا ~~محبوسة محجوبة، فإما أذنت لي، فخرجت إلى الناس، فاعتذرت ~~وكذبته، وإما حبسته كما أنا محبوسة، فحينئذ بدا لهم ~~سجنه. # * ع *: و { ليسجننه }: جملة دخلت عليها لام قسم، و { ~~الأيت }: ذكر فيها أهل التفسير؛ أنها قد القميص، وخمش ~~الوجه، وحز النساء أيديهن، وكلام الصبي؛ على ما روي. # قال * ع *: ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوا سجنه بعد ظهور ~~الآيات المبرئة له من التهمة، فهكذا يبين ظلمهم له ~~وال { حين }؛ في كلام العرب، وفي هذه الآية الوقت من الزمان غير ~~محدود يقع للقليل والكثير، ms0738 وذلك بين من موارده في القرآن. ### || [12.36-38] # وقوله سبحانه: { ودخل معه السجن فتيان... } الآية: ~~المعنى: فسجنوه، فدخل معه السجن، غلامان سجنا أيضا، ~~وروي أنهما كانا للملك الأعظم الوليد بن الريان؛ ~~أحدهما: خبازه، واسمه مجلث، والآخر: ساقيه، واسمه نبو، وروي أن ~~الملك اتهمهما بأن الخباز منهما أراد سمه، ووافقه على ذلك ~~الساقي، فسجنهما، قاله السدي، فلما دخل يوسف السجن، استمال ~~الناس فيه بحسن حديثه وفضله ونبله، وكان يسلي حزينهم، ويعود ~~مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويندبهم إلى الخير، فأحبه ~~الفتيان، ولزماه، وأحبه صاحب السجن، والقيم عليه، وكان يوسف ~~عليه السلام قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وأجيد، ~~فروي عن ابن مسعود: أن الفتيين استعملا هاتين ~~المنامتين ليجرباه. وروي عن مجاهد: أنهما رأيا ذلك حقيقة، قال ~~أحدهما: إني أراني أعصر خمرا: قيل فيه: إنه سمى العنب خمرا، ~~بالمآل، وقيل: هي لغة أزد عمان؛ يسمون العنب خمرا، وفي ~~قراءة أبي وابن مسعود: «أعصر عنبا». # وقوله: { إنا نراك من المحسنين }: قال الجمهور: يريدان في ~~العلم، وقال الضحاك وقتادة: المعنى: من المحسنين في جريه مع أهل ~~السجن وإجماله معهم. # وقوله عز وجل: { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما }: روي ~~عن السدي وابن إسحاق: أن يوسف عليه السلام لما علم شدة ~~تعبير منامة الرائي الخبز، وأنها تؤذن بقتله، ذهب إلى غير ~~ذلك من الحديث عسى ألا يطالباه بالتعبير، فقال لهما؛ معلما ~~بعظيم علمه للتعبير: إنه لا يجيئكما طعام في نومكما تريان ~~أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل ذلك الطعام، أي: بما ~~يؤول إليه أمره في اليقظة قبل أن يظهر ذلك التأويل الذي ~~أعلمكما به، فروي أنهما قالا: ومن أين لك ما تدعيه من ~~العلم، وأنت لست بكاهن ولا منجم؟! فقال لهما: ذلك ~~مما علمني ربي، ثم نهض ينحي لهما على الكفر ويقبحه، ~~ويحسن الإيمان بالله، فروي أنه قصد بذلك وجهين؛ أحدهما: ~~تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه؛ إذ في ذلك النذارة بقتل ~~أحدهما، والآخر: الطماعية في إيمانهما؛ ليأخذ المقتول بحظه من ~~الإيمان، وتسلم ms0739 له آخرته، وقال ابن جريج: أراد يوسف عليه السلام ~~لا يأتيكما طعام في اليقظة. # قال * ع *: فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها ~~برؤيا، وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين، وهذا على ما روي أنه ~~نبىء في السجن فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام. # وقوله: { تركت } ، مع أنه لم يتشبث بها جائز صحيح؛ وذلك أنه ~~أخبر عن تجنبه من أول بالترك، وساق لفظ الترك استجلابا لهما عسى أن ~~يتركا الترك الحقيقي الذي هو بعد الأخذ في الشيء، والقوم ~~المتروك ملتهم: الملك وأتباعه. # وقوله: { واتبعت... } الآية: تماد من يوسف عليه السلام في ~~دعائهما إلى الملة الحنيفية. # وقوله: { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } ، ~~«من»: هي الزائدة المؤكدة التي تكون مع الجحود. # وقوله: { لا يشكرون }: يريد: الشكر التام الذي فيه ~~الإيمان بالله عز وجل. ### || [12.39-42] # وقوله: { يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار }: وصفه لهما ب { يصاحبي ~~السجن } من حيث سكناه؛ كما قال: { أصحب الجنة } و { ~~أصحب النار } ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صحبتهما له في ~~السجن، كأنه قال: يا صاحباي في السجن، وعرضه عليهما بطلان ~~أمر الأوثان بأن وصفها بالتفرق، ووصف الله تعالى بالوحدة ~~والقهر تلطف حسن، وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما ~~نفرت منه طباع الجاهل وعاندته، وهكذا الوجه في محاجة ~~الجاهل: أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا ~~قبلها، لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك أبدا حتى يصل إلى ~~الحق، وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة ~~أباه للحين وعانده، ولقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم ~~أبناء الدنيا ويؤملهم. # وقوله: { ما تعبدون من دونه إلا أسماء }: أي: ~~مسميات، ويحتمل - وهو الراجح المختار - أن يريد: ما تعبدون من ~~دونه ألوهية، ولا لكم تعلق بإله إلا بحسب أن سميتم ~~أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لله إلا بالاسم فقط لا بالحقيقة، وأما ~~الحقيقة: فهي وسائر الحجارة والخشب سواء، وإنما تعلقت عبادتكم ~~بحسب الاسم الذي وضعت، فذلك هو مبعودكم، ومفعول «سميتم» الثاني ~~محذوف، تقديره: ms0740 آلهة؛ هذا على أن الأسماء يراد بها ذوات الأصنام، وأما ~~على المعنى المختار من أن عبادتهم إنما هي لمعان تعطيها الأسماء، ~~وليست موجودة في الأصنام، فقوله: { سميتموها } بمنزلة ~~وضعتموها، { إن الحكم إلا لله }: أي ليس لأصنامكم، و { ~~القيم }: معناه المستقيم، و { أكثر الناس لا يعلمون ~~}؛ لجهالتهم وكفرهم، ثم نادى: { يصاحبي السجن } ثانية؛ ~~لتجتمع أنفسهما، لسماع الجواب، فروي أنه قال لنبو: أما أنت، فتعود ~~إلى مرتبتك وسقاية ربك، وقال لمجلث: أما أنت، فتصلب، وذلك كله ~~بعد ثلاث، فروي أنهما قالا له: ما رأينا شيئا، وإنما تحالمنا ~~لنجربك، وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب، وقيل: ~~كانا رأيا، ثم أنكرا، ثم أخبرهما يوسف عن غيب علمه من ~~الله تعالى، أن الأمر قد قضي ووافق القدر. # وقوله: { وقال للذي ظن أنه ناج منهما... } الآية: ~~الظن؛ هنا: بمعنى اليقين؛ لأن ما تقدم من قوله: { قضي الأمر ~~} يلزم ذلك، وقال قتادة: الظن هنا على بابه؛ لأن عبارة الرؤيا ظن. # قال * ع *: وقول يوسف عليه السلام: { قضي الأمر }: دال على ~~وحي، ولا يترتب قول قتادة إلا بأن يكون معنى قوله: { قضي ~~الأمر }: أي: قضي كلامي، وقلت ما عندي، وتم، والله ~~أعلم بما يكون بعد، وفي الآية تأويل آخر: وهو أن يكون «ظن» ~~مسندا إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمرا؛ لأنه داخله السرور بما ~~بشر به، وغلب على ظنه ومعتقده أنه ناج. ### || [12.43-45] # وقوله سبحانه: { وقال الملك إني أرى سبع بقرت ~~سمان يأكلهن سبع عجاف }: روي أنه قال: رأيتها ~~خارجة من نهر، وخرجت وراءها سبع عجاف، فأكلت تلك السمان، ~~وحصلت في بطونها، ورأى السنابل أيضا؛ كما ذكر، و«ال { عجاف }: ~~التي بلغت غاية الهزال، ثم قال لحاضريه: { يأيها الملأ ~~أفتوني في رءيي إن كنتم للرءيا تعبرون } ، ~~وعبارة الرؤية: مأخوذة من عبر النهر، وهو تجاوزه من شط إلى ~~شط، فكأن عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها. # قال * ص *: وإنما لم يضف «سبع» إلى عجاف؛ لأن اسم العدد لا يضاف ~~إلى الصفة إلا في الشعر، انتهى. ms0741 # وقوله سبحانه: { قالوا أضغث أحلام... } الآية: ~~«الضغث»؛ في كلام العرب: أقل من الحزمة، وأكثر من القبضة من ~~النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد، وربما كان ~~من أخلاط النبات، والمعنى: أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط ~~من الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بما هو مختلط ~~ورديء، وال { أحلام }: جمع حلم، وهو ما يخيل إلى الإنسان في ~~منامه، والأحلام والرؤيا مما أثبتته الشريعة، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الرؤيا من الله، وهي من المبشرة والحلم ~~المحزن من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره ~~فليتفل عن يساره ثلاث مرات، وليقل: أعوذ ~~بالله من شر ما رأيت، فإنها لا تضره " # وما كان عن حديث النفس في اليقظة، فإنه لا يلتفت إليه، ولما سمع ~~الساقي الذي نجا هذه المقالة من الملك، ومراجعة أصحابه، تذكر ~~يوسف، وعلمه بالتأويل، فقال مقالته في هذه الآية، { وادكر }: ~~أصله: «اذتكر» من الذكر، فقلبت التاء دالا، وأدغم الأول في ~~الثاني، وقرأ جمهور الناس: «بعد أمة»، وهي المدة من الدهر، وقرأ ~~ابن عباس وجماعة: «بعد أمة»، وهو النسيان، وقرأ مجاهد وشبل: ~~«بعد أمة» - بسكون الميم -، وهو مصدر من «أمه»؛ إذا نسي، ~~وبقوله: { ادكر } يقوي قول من قال: إن الضمير في «أنساه» عائد ~~على الساقي، والأمر محتمل، وقرأ الجمهور: «أنا أنبئكم»، وقرأ ~~الحسن بن أبي الحسن: «أنا آتيكم»، وكذلك في مصحف أبي. # وقوله: { فأرسلون }: استئذان في المضي. ### || [12.46-49] # وقوله: { يوسف أيها الصديق أفتنا }: المعنى: فجاء ~~الرسول، وهو الساقي، إلى يوسف، فقال له: يوسف أيها الصديق، ~~وسماه صديقا من حيث كان جرب صدقه في غير ما شيء، وهو ~~بناء مبالغة من الصدق، ثم قال له: { أفتنا في سبع بقرت ~~} ، أي: فيمن رأى في المنام سبع بقرات. # وقوله: { لعلهم يعلمون } ، أي: تأويل هذه الرؤيا، فيزول ~~هم الملك لذلك، وهم الناس، وقيل: { لعلهم يعلمون } ~~مكانتك من العلم، وكنه فضلك؛ فيكون ذلك سببا لتخلصك و { ~~دأبا }: معناه: ملازمة لعادتكم في الزراعة. # وقوله: { فما حصدتم فذروه في سنبله }: إشارة برأي ms0742 ~~نافع؛ بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا ~~بحيلة إبقائها في السنبل، والمعنى: اتركوا الزرع في السنبل ~~إلا ما لا غنى عنه للأكل فيجتمع الطعام هكذا، ويتركب ويؤكل ~~الأقدم فالأقدم، وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ~~ووصف هذا الترتيب للملك، وأعجبه أمره، قال له الملك: قد ~~أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين ~~المقبلة، فكان هذا أول ما ولي يوسف، و { تحصنون } ~~معناه: تحرزون وتخزنون؛ قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من الحصن، وهو ~~الحرز والملجأ؛ ومنه: تحصن النساء؛ لأنه بمعنى التحرز. # وقوله: { يغاث الناس }: جائز أن يكون من الغيث، وهو قول ابن ~~عباس، وجمهور المفسرين، أي: يمطرون، وجائز أن يكون من أغاثهم ~~الله: إذا فرج عنهم؛ ومنه الغوث، وهو الفرج، { وفيه ~~يعصرون }: قال جمهور المفسرين: هي من عصر النباتات، كالزيتون، ~~والعنب، والقصب، والسمسم، والفجل، ومصر بلد عصر ~~لأشياء كثيرة. ### || [12.50-53] # وقوله سبحانه: { وقال الملك ائتوني به فلما جاءه ~~الرسول... } الآية: لما رأى الملك وحاضروه نبل التعبير ~~وحسن الرأي، وتضمن الغيب في أمر العام الثامن، مع ما وصف ~~به من الصدق عظم يوسف في نفس الملك، وقال: { ائتوني به ~~فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك }: يعني: ~~الملك، { فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن } ، وقصده عليه السلام بيان براءته، وتحقق منزلته ~~من العفة والخير، فرسم القصة بطرف منها، إذا وقع النظر ~~عليه، بان الأمر كله، ونكب عن ذكر امرأة العزيز؛ حسن ~~عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له، وفي «صحيح البخاري»، عن عبد ~~الرحمن بن القاسم صاحب مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ولو لبثت في السجن لبث يوسف لأجبت الداعي " # المعنى: لو كنت أنا، لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان عذري ~~بعد ذلك؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل، إنما هي معرضة ليقتدي ~~الناس بها إلى يوم القيامة، فأراد صلى الله عليه وسلم حمل الناس ~~على الأحزم من الأمور؛ وذلك أن التارك لمثل هذه الفرصة ربما ~~نتج له بسبب التأخير خلاف مقصوده، وإن كان يوسف ms0743 قد أمن ذلك؛ ~~بعلمه من الله، فغيره من الناس لا يأمن ذلك، فالحالة التي ~~ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح؛ ~~ليقتدى به، وما فعله يوسف عليه السلام حالة صبر وتجلد، قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: وانظر إلى عظيم حلم يوسف عليه السلام ~~ووفور أدبه، كيف قال: { ما بال النسوة التي قطعن ~~أيديهن } ، فذكر النساء جملة؛ لتدخل فيهن امرأة العزيز ~~مدخل العموم؛ بالتلويح دون التصريح. انتهى. وهذه كانت أخلاق ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لا يقابل أحدا بمكروه، وإنما يقول: ~~« ما بال أقوام يفعلون كذا »، من غير تعيين، وبالجملة ~~فكل خصلة حميدة مذكورة في القرآن اتصف بها الأنبياء ~~والأصفياء، فقد اتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ كان ~~خلقه القرآن، كما روته عائشة في الصحيح، وكما ذكر الله سبحانه: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90] انتهى. # وقوله: { إن ربي بكيدهن عليم } ، فيه وعيد، وقوله: { ~~ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه }: المعنى: ~~فجمع الملك النسوة، وامرأة العزيز معهن، وقال لهن: { ~~ما خطبكن... } الآية: أي: أي شيء كانت قصتكن، فجاوب ~~النساء بجواب جيد، تظهر منه براءة أنفسهن، وأعطين يوسف ~~بعض براءة، فقلن: { حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~} ، فلما سمعت امرأة العزيز مقالتهن وحيدتهن، حضرتها ~~نية وتحقيق، فقالت: { الآن حصحص الحق } ، أي: تبين ~~الحق بعد خفائه؛ قاله الخليل وغيره، قال البخاري: حاش وحاشى: ~~تنزيه واستثناء، وحصحص: وضح. انتهى. # ثم أقرت على نفسها بالمراودة، والتزمت الذنب، وأبرأت يوسف ~~البراءة التامة. # وقوله: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } إلى ~~قوله: { إن ربي غفور رحيم }: اختلف فيه أهل التأويل، هل ~~هو من قول يوسف أو من قول امرأة العزيز. ### || [12.54-57] # وقوله سبحانه: { وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي }: المعنى: أن الملك، لما تبينت له براءة يوسف ~~وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضا صبره وعلو همته، عظمت ~~عنده منزلته، وتيقن حسن خلاله، فقال: { ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي } ، فلما جاءه وكلمه قال: { إنك ~~اليوم لدينا مكين أمين ms0744 }: قال ابن العربي في «أحكامه»: ~~قوله: { إنك اليوم لدينا مكين أمين }: أي: متمكن مما ~~أردت، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء؛ أما أمانته فلظهور ~~براءته، وأما مكانته، فلثبوت عفته: ونزاهته انتهى، ولما ~~فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة ~~بنظره، قال: { اجعلني على خزائن الأرض } ، لما في ذلك ~~من مصالح العباد. # قال * ع *: وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام ~~في رغبته في أن يقع العدل، وجائز أيضا للمرء أن يثني على نفسه ~~بالحق، إذا جهل أمره، و { خزائن }: لفظ عام لجميع ما تختزنه ~~المملكة من طعام ومال وغيره. # وقوله سبحانه: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }: ~~الإشارة ب «ذلك» إلى جميع ما تقدم من جميل صنع الله به، فروي ~~أن العزيز مات في تلك الليالي، وقال ابن إسحاق: بل عزله الملك، ~~ثم مات أظفير، فولاه الملك مكانه، وزوجه زوجته، فلما ~~دخلت عليه عروسا، قال لها: أليس هذا خيرا مما كنت ~~أردت، فدخل يوسف بها، فوجدها بكرا، وولدت له ولدين، ~~وروي أيضا؛ أن الملك عزل العزيز، وولى يوسف موضعه، ثم ~~عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع، قال مجاهد: ~~وأسلم الملك آخر أمره، ودرس أمر العزيز، وذهبت دنياه، ~~ومات، وافتقرت زوجته، وشاخت، فلما كان في بعض الأيام، لقيت ~~يوسف في طريق، والجنود حوله ووراءه، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب: # هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من ~~المشركين # [يوسف:108] فصاحت به، وقالت: سبحان الله من أعز ~~العبيد بالطاعة، وأذل الأرباب بالمعصية، فعرفها، وقالت ~~له: تعطف علي وارزقني شيئا، فدعا لها، وكلمها، وأشفق ~~لحالها ودعا الله تعالى فرد عليها جمالها، وتزوجها، وروي ~~في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام ~~بسوقه، وباقي الآية بين واضح للمستبصرين، ونور وشفاء لقلوب ~~العارفين. # وقوله: «ليوسف»: أبو البقاء: اللام زائدة، أي: مكنا يوسف، ~~ويجوز ألا تكون زائدة، فالمفعول محذوف، أي: مكنا ليوسف الأمور. انتهى. ### || [12.58-67] # وقوله عز ms0745 وجل: { وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه ~~فعرفهم وهم له منكرون } ، قال السدي وغيره: سبب ~~مجيئهم أن المجاعة اتصلت ببلادهم، وكان الناس يمتارون من ~~عند يوسف، وهو في رتبة العزيز المتقدم، وكان لا يعطي الوارد أكثر ~~من حمل بعير يسوي بين الناس، فلما ورد إخوته، عرفهم، ولم ~~يعرفوه لبعد العهد وتغير سنه، ولم يقع لهم بسبب ملكه ~~ولسانه القبطي ظن عليه، وروي في بعض القصص، أنه لما عرفهم ~~أراد أن يخبروه بجميع أمرهم، فباحثهم بأن قال لهم بترجمان: ~~«أظنكم جواسيس»، فاحتاجوا حينئذ إلى التعريف بأنفسهم، فقالوا: ~~نحن أبناء رجل صديق، وكنا اثني عشر ذهب منا واحد في ~~البرية، وبقي أصغرنا عند أبينا، وجئنا نحن للميرة، وسقنا بعير ~~الباقي منا، وكنا عشرة، ولهم أحد عشر بعيرا، فقال لهم يوسف: ~~ولم تخلف أحدكم؟ قالوا: لمحبة أبينا فيه، قال: فأتوا بهذا الأخ؛ ~~حتى أعلم حقيقة قولكم، وأرى لم أحبه أبوكم أكثر منكم؛ إن ~~كنتم صادقين، وروي في القصص أنهم وردوا مصر واستأذنوا على العزيز، ~~وانتسبوا في الاستئذان، فعرفهم، وأمر بإنزالهم وأدخلهم في ثاني ~~يوم على هيئة عظيمة لملكه، وروي أنه كان متلثما أبدا سترا ~~لجماله، وأنه كان يأخذ الصواع، فينقره، ويفهم من طنينه صدق ~~الحديث من كذبه، فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا، قال لهم يوسف: ~~صدقتم، فلما قالوا: وكان لنا أخ أكله الذئب، أطن يوسف ~~الصواع، وقال: كذبتم، ثم تغير لهم، وقال: أراكم جواسيس، ~~وكلفهم سوق الأخ الباقي؛ ليظهر صدقهم في ذلك؛ في قصص طويل، جاءت ~~الإشارة إليه في القرآن، «والجهاز» ما يحتاج إليه المسافر من زاد ~~ومتاع. # وقوله: { بأخ لكم } * ص *: نكره، ليريهم أنه لا يعرفه، ~~وفرق بين غلام لك، وبين غلامك، ففي الأول أنت جاهل به، وفي الثاني ~~أنت عالم، لأن التعريف به يفيد نوع عهد في الغلام بينك وبين ~~المخاطب، انتهى. # وقول يوسف: { ألا ترون أني أوفي الكيل... } الآية: ~~يرغبهم في نفسه آخرا ويؤنسهم ويستميلهم، و { المنزلين }: ~~يعني: المضيفين، ثم توعدهم بقوله: { فإن لم تأتوني به ~~فلا كيل لكم عندي ولا ms0746 تقربون } ، أي: في المستأنف، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب ~~فيطن، فيقول لهم: إن هذا الإناء يخبرني أن ~~لكم أبا شيخا " # ، وروي أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام، إظهارا لعزته ~~بحسب غلائه، وروي أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس، ~~ثم أملاكهم، وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر، ~~وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن ~~الله تعالى أعلمه بما يصنع؛ ليكمل أجر يعقوب ومحنته، ~~وتتفسر الرؤيا الأولى. # وقوله: { لعلهم يعرفونها }: يريد: لعلهم يعرفون لها يدا ~~وتكرمة يرون حقها؛ فيرغبون في الرجوع إلينا، وأما ميز ~~البضاعة، فلا يقال فيه: «لعل» وقيل: قصد يوسف برد البضاعة ~~أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن، فيرجعوا لدفع الثمن، ~~وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة، وقولهم: { هذه ~~بضعتنا ردت إلينا } يكشف أن يوسف لم يقصد هذا، ~~وإنما قصد أن يستميلهم، ويصلهم، ويظهر أن ما فعله يوسف من صلتهم ~~وجبرهم في تلك الشدة كان واجبا عليه، وقيل: علم عدم ~~البضاعة والدراهم عند أبيه؛ فرد البضاعة إليهم؛ لئلا يمنعهم ~~العدم من الرجوع إليه، وقيل: جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل ~~أخيه بعد ذلك، ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة، والظاهر من ~~القصة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة الرحم، وأصل «نكتل»: ~~«نكتئل»، وقولهم: { منع منا الكيل }: ظاهره أنهم أشاروا ~~إلى قوله: { فلا كيل لكم عندي } ، فهو خوف في المستأنف، ~~وقيل: أشاروا إلى بعير يامين، والأول أرجح، ثم تضمنوا له ~~حفظه وحيطته، وقول يعقوب عليه السلام: { هل آمنكم ~~عليه... } الآية: «هل» توقيف وتقرير ولم يصرح بمنعهم من ~~حمله؛ لما رأى في ذلك من المصلحة، لكنه أعلمهم بقلة ~~طمأنينته إليهم، ولكن ظاهر أمرهم أنهم قد أنابوا إلى الله ~~سبحانه، وانتقلت حالهم، فلم يخف على يامين، كخوفه على يوسف، ~~وقرأ نافع وغيره: «خير حفظا»، وقرأ حمزة وغيره: «خير ~~حافظا»، ونصب ذلك في القراءتين؛ على التمييز والمعنى: أن حفظ الله ~~خير ms0747 من حفظكم، فاستسلم يعقوب عليه السلام لله، وتوكل عليه، ~~وقولهم: { ما نبغي }: يحتمل أن تكون «ما» استفهاما؛ قاله قتادة: و ~~{ نبغي }: من البغية، أي: ماذا نطلب بعد هذه التكرمة؛ ~~هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا، قال الزجاج: ويحتمل أن ~~تكون «ما» نافية، أي: ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أن تكون أيضا ~~نافية، و { نبغي } من البغي، أي: ما تعدينا فكذبنا على ~~هذا الملك، ولا في وصف إجماله وإكرامه، هذه البضاعة ردت ~~إلينا، وقرأ أبو حيوة: «ما تبغي»؛ على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى ما ~~تريد، وما تطلب وقولهم: { ونزداد كيل بعير } يريدون ~~بعير أخيهم؛ إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة، ولم ~~يحمل الحادي عشر؛ لغيب صاحبه، وقولهم: { ذلك كيل يسير }: ~~قيل: معناه: يسير على يوسف أن يعطيه. # وقال السدي: { يسير } ، أي: سريع لا نحبس فيه ولا نمطل. # وقوله تعالى: { فلما آتوه موثقهم } الآية: أي لما ~~عاهدوه، أشهد الله بينه وبينهم بقوله: { الله على ما نقول ~~وكيل } ، و«الوكيل»: القيم الحافظ الضامن. # وقوله: { إلا أن يحاط بكم }: لفظ عام لجميع وجوه الغلبة، ~~وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة، وأشهد ~~الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، فهذا توكل مع سبب، ~~وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شذ في رفض السعي بالكلية، ~~وقنع بالماء وبقل البرية، فتلك غاية التوكل، وعليها بعض ~~الأنبياء عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، ~~قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة رضي ~~الله عنه: وقد اشتمل القرآن على أحكام عديدة، فمنها: التعلق ~~بالله تعالى، وترك الأسباب، ومنها: عمل الأسباب في الظاهر، ~~وخلو الباطن من التعلق بها، وهو أجلها وأزكاها؛ لأن ذلك جمع ~~بين الحكمة وحقيقة التوحيد، وذلك لا يكون إلا للأفذاذ الذين ~~من الله عليهم بالتوفيق؛ ولذلك مدح الله تعالى يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام في كتابه، فقال: # وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون # [يوسف:68] لأنه عمل الأسباب، واجتهد في توفيتها، وهو مقتضى الحكمة، ثم ms0748 ~~رد الأمر كله لله تعالى، واستسلم إليه، وهو حقيقة التوحيد، ~~فقال: { وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم ~~إلا لله... } الآية:، فأثنى الله تعالى عليه من أجل ~~جمعه بين هاتين الحالتين العظيمتين. # وقوله: { لا تدخلوا من باب واحد }: قيل: خشي عليهم ~~العين، لكونهم أحد عشر لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة؛ ~~قاله ابن عباس وغيره. ### || [12.68-69] # وقوله سبحانه: { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } ~~، روي أنه لما ودعوا أباهم، قال لهم: بلغوا ملك مصر ~~سلامي، وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك، ويدعو لك، ويشكر ~~صنيعك معنا، وفي كتاب أبي منصور المهراني أنه خاطبه بكتاب ~~قرىء على يوسف، فبكى. # وقوله سبحانه: { ما كان يغني عنهم من الله من شيء ~~إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها }: بمثابة قولهم: لم يكن ~~في ذلك دفع قدر الله، بل كان أربا ليعقوب قضاه، فالاستثناء ~~ليس من الأول، والحاجة هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب ~~متفرقة؛ خوف العين، ونظير هذا الفعل # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سد كوة في قبر بحجر، ~~وقال: " إن هذا لا يغني شيئا، ولكنه تطييب لنفس ~~الحي " # ، ثم أثنى الله عز وجل على يعقوب؛ بأنه لقن ما علمه الله ~~من هذا المعنى، وأن أكثر الناس ليس كذلك، وقال قتادة: معناه: ~~لعامل بما علمناه، وقال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالما. # قال * ع *: وهذا لا يعطيه اللفظ، أما أنه صحيح في نفسه يرجحه ~~المعنى وما تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام. # وقوله: { إني أنا أخوك } قال ابن إسحاق وغيره: أخبره بأنه ~~أخوه حقيقة، واستكتمه، وقال له: لا تبال بكل ما تراه من ~~المكروه في تحيلي في أخذك منهم، وكان يامين شقيق يوسف. # وقوله: { فلا تبتئس بما كانوا يعملون }: يحتمل أن ~~يشير إلى ما عمله الإخوة، ويحتمل الإشارة إلى ما يعمله فتيان ~~يوسف من أمر السقاية، ونحو ذلك، و { تبتئس }: من البؤس، أي: ~~لا تحزن، ولا تهتم، وهكذا عبر المفسرون. ### || [12.70-72] # وقوله سبحانه: { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية ~~في ms0749 رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون }: هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف ~~عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يعقوب؛ أن يستبعد السارق، ~~وكان في دين مصر؛ أن يضرب، ويضعف عليه الغرم، فعلم يوسف ~~أن إخوته لثقتهم ببراءة ساحتهم سيدعون في السرقة إلى ~~حكمهم، فتحيل لذلك، واستسهل الأمر على ما فيه من رمي أبرياء ~~وإدخال الهم على يعقوب وعليهم؛ لما علم في ذلك من الصلاح ~~في الآجل، وبوحي لا محالة، وإرادة من الله محنتهم بذلك، و ~~{ السقاية }: الإناء الذي به يشرب الملك؛ وبه كان يكيل ~~الطعام للناس؛ هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس وغيره، وروي أنه ~~كان من فضة، وهذا قول الجمهور، وكان هذا الجعل بغير علم من ~~«يامين»؛ قاله السدي وهو الظاهر، «فلما فصلت العير» بأوقارها، ~~وخرجت من مصر فيما روي أمر بهم فحبسوا، وأذن مؤذن أيتها العير ~~إنكم لسارقون، ومخاطبة العير مجاز، والمراد أربابها. # * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { أيتها العير }: «العير»: ~~الإبل والحمير التي يحمل عليها الأحمال، وأراد أصحاب العير؛ وهذا كقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا خيل الله، اركبي " # أراد: يا أصحاب خيل الله اركبي، وأنث «أيا»؛ لأنه ~~للعير، وهي جماعة، انتهى. فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة، ~~أقبلوا عليهم، وساءهم أن يرموا بهذه المثلبة، وقالوا: ماذا ~~تفقدون، ليقع التفتيش، فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإنكار من ~~أول، بل سألوا إكمال الدعوى؛ عسى أن يكون فيها ما تبطل به، فلا ~~يحتاج إلى خصام، قالوا: نفقد صواع الملك، وهو المكيال، ~~وهو السقاية، قال أبو عبيدة: يؤنث الصواع؛ من حيث سمي ~~سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. # * ت *: ولفظ أبي عبيدة الهروي قال الأخفش: الصاع: يذكر ~~ويؤنث، قال الله تعالى: { ثم استخرجها من وعاء أخيه ~~} فأنث، وقال: { لمن جاء به حمل بعير } فذكر لأنه ~~عنى به الصواع. انتهى. # وقوله: { ولمن جاء به حمل بعير }: أي: لمن دل على ~~سارقه، وجبر الصواع، وهذا جعل. # وقوله: { وأنا به زعيم }: حمالة، قال مجاهد: «الزعيم»: ~~هو المؤذن الذي قال ms0750 أيتها العير و«الزعيم»: الضامن في كلام ~~العرب. ### || [12.73-76] # وقوله تعالى: { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد في الأرض }: روي أن إخوة يوسف كانوا ردوا ~~البضاعة الموجودة في الرحال، وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ~~ثمن؛ فلذلك قالوا: { لقد علمتم }؛ أي: لقد علمتم منا ~~التحري، وروي أنهم كانوا قد اشتهروا بمصر بصلاح وتعفف، ~~وكانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم، لئلا تنال زروع ~~الناس؛ فلذلك قالوا: { لقد علمتم } ، والتاء في «تالله» بدل ~~من الواو، ولا تدخل التاء في القسم إلا في هذا الاسم. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قال الطبري: قوله تعالى: { قالوا ~~جزآؤه من وجد في رحله } على حذف مضاف، تقديره: جزاؤه ~~استعباد و استرقاق من وجد في رحله. انتهى. # وقولهم: { كذلك نجزي الظلمين }: أي: هذه سنتنا ~~وديننا في أهل السرقة؛ أن يتملك السارق؛ كما تملك هو الشيء ~~المسروق. # وقوله سبحانه: { فبدأ بأوعيتهم... } الآية: بدؤه أيضا من ~~أوعيتهم تمكين للحيلة، وإبعاد لظهور أنها حيلة، وأضاف الله ~~سبحانه الكيد إلى ضميره؛ لما خرج القدر الذي أباح به ~~ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتقاد الناس كيد، وقال ~~السدي والضحاك: { كدنا }: معناه: صنعنا، و { دين ~~الملك }: فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء ~~والحكم، وهذا متقارب، قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { ~~كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك } ، إذ كان الملك لا يرى استرقاق السارق، وإنما كان ~~دينه أن يأخذ المجني عليه من السارق مثلي السرقة. { إلا ~~أن يشاء الله }: التزام الإخوة لدين يعقوب بالاسترقاق، ~~فقضى عليهم به، انتهى. # قال * ع *: والاستثناء في هذه الآية حكاية حال التقدير، إلا أن ~~يشاء الله ما وقع من هذه الحيلة، وروى أبو عمر بن عبد ~~البر بسنده، عن مالك، عن زيد بن أسلم؛ أنه قال في قوله عز ~~وجل: { نرفع درجت من نشاء }: قال: بالعلم، انتهى من ~~«كتاب العلم». # وقوله سبحانه: { وفوق كل ذي علم عليم } ، المعنى: أن ~~البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، ~~فإما ms0751 من البشر، وإما الله عز وجل، فهذا تأويل الحسن ~~وقتادة وابن عباس وروي أيضا عن ابن عباس: إنما العليم الله، وهو ~~فوق كل ذي علم. # قال ابن عطاء في «التنوير»: اعلم أن العلم حيث ما تكرر في الكتاب ~~العزيز، أو في السنة، فإنما المراد به العلم النافع الذي ~~تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. انتهى. # قال الشيخ العارف أبو القاسم عبد الرحمن بن يوسف اللجائي ~~رحمه الله: إذا كملت للعبد ثلاث خصال، وصدق فيها، ~~تفجر العلم من قلبه على لسانه، وهي الزهد، والإخلاص، ~~والتقوى، قال: ولا مطمع في هذا العلم المذكور إلا بعد معالجة ~~القلب من علله التي تشينه، كالكبر، والحسد، والغضب، والرياء، ~~والسمعة، والمحمدة والجاه، والشرف، وعلو المنزلة، ~~والطمع، والحرص، والقسوة، والمداهنة، والحقد، والعداوة، ~~وكل ما عددناه من العلل، وما لم نعده راجع إلى أصل واحد، ~~وهو حب الدنيا، لأن حبها عنه يتفرع كل شر، وعنه يتشعب كل ~~قبيح، فإذا زالت هذه العلل ظهر الصدق، والإخلاص، والتواضع، ~~والحلم، والورع، والقناعة، والزهد، والصبر، والرضا، ~~والأنس، والمحبة، والشوق، والتوكل، والخشية، والحزن، ~~وقصر الأمل، ومزاج النية بالعمل، فينبع العلم، وينتفي ~~الجهل، ويضيء القلب بنور إلاهي، ويتلألأ الإيمان، وتوضح ~~المعرفة، ويتسع اليقين، ويتقوى الإلهام، وتبدو الفراسات، ~~ويصفى السر، وتتجلى الأسرار، وتوجد الفوائد. # قال رحمه الله: وليس بين العبد والترقي من سفل إلى علو ~~إلا حب الدنيا؛ فإن الترقي يتعذر من أجل حبها؛ لأنها ~~جاذبة إلى العالم الظلماني، وطباع النفوس لذلك مائلة، فإن ~~أردت أن تقتفي أثر الذاهبين إلى الله تعالى، فاستخف ~~بدنياك، وانظرها بعين الزوال، وأنزل نفسك عند أخذ ~~القوت منها منزلة المضطر إلى الميتة، والسلام. انتهى. # وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل، فلم يجد فيه ~~شيئا، استغفر الله عز وجل من فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة ~~وغيره؛ أن المستغفر هو يوسف حتى انتهى إلى رحل ~~بنيامين، فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئا، فقال ~~له إخوته: والله، لا تبرح حتى تفتشه، فهو أطيب ~~لنفسك ونفوسنا، ففتش حينئذ، فأخرج ms0752 السقاية، وروي أن ~~أخوة يوسف لما رأوا ذلك، عنفوا بنيامين، وقالوا له: كيف ~~سرقت هذه السقاية؟ فقال لهم: والله، ما فعلت، فقالوا ~~له: فمن وضعها في رحلك؟ قال: الذي وضع البضاعة في ~~رحالكم، والضمير في قوله: { استخرجها }: عائد على السقاية، ~~ويحتمل على السرقة. ### || [12.77-79] # وقوله سبحانه: { قالوا إن يسرق }: أي قالوا إخوة يوسف: إن ~~كان هذا قد سرق، فغير بدع من ابني راحيل؛ لأن أخاه يوسف ~~قد كان سرق، فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل يوسف ~~ويامين، وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب ~~الظاهر، وموجب الحكم في النازلتين، فلم يعنوا في غيبة ~~ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى؛ ليزول بعض المعرة ~~عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان، وأما ما روي في سرقة يوسف، ~~فالجمهور على أن عمته كانت ربته، فلما شب، أراد يعقوب ~~أخذه منها، فولعت به، وأشفقت من فراقه، فأخذت ~~منطقة إسحاق، وكانت متوارثة عندهم، فنطقته بها من تحت ~~ثيابه، ثم صاحت، وقالت: إني قد فقدت المنطقة، ويوسف قد ~~خرج بها، ففتشت، فوجدت عنده، فاسترقته، حسب ما كان في ~~شرعهم، وبقي عندها حتى ماتت، فصار عند أبيه. # وقوله: { فأسرها يوسف }: يعني: أسر الحزة التي حدثت في ~~نفسه من قول الإخوة. # وقوله: { أنتم شر مكانا... } الآية: الظاهر منه أنه قالها ~~إفصاحا؛ كأنه أسر لهم كراهية مقالتهم، ثم نجههم بقوله: { ~~أنتم شر مكانا }: أي: لسوء أفعالكم، والله أعلم؛ أن كان ما ~~وصفتموه حقا، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم؛ ومما يقوي هذا ~~عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم، وعدلوا إلى الشفاعة بأبيهم ~~عليه السلام، وقالت فرقة: لم يقل هذا الكلام إلا في نفسه، وإنه ~~تفسير للذي أسر في نفسه، فكأن المراد: قال في نفسه: أنتم شر ~~مكانا، وذكر الطبري هنا قصصا اختصاره أنه لما استخرجت ~~السقاية من رحل يامين، قال إخوته: يا بني راحيل، لا يزال ~~البلاء ينالنا من جهتكم، فقال يامين: بل بنو راحيل ~~ينالهم البلاء منكم، ذهبتم بأخي، فأهلكتموه، ووضع هذا ~~الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم، ms0753 فقالوا: لا ~~تذكر الدراهم، لئلا نؤخذ بها، ثم دخلوا على يوسف، فأخذ ~~الصواع، فنقره، فطن، فقال: إنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم، ~~فبعتموه، فسجد يامين، وقال: أيها العزيز، سل صواعك هذا ~~يخبرك بالحق، في قصص يطول آثرنا اختصاره. # وروي أن روبيل غضب، وقف شعره، حتى خرج من ثيابه، فأمر ~~يوسف بنيا له، فمسه فسكن غضبه، فقال روبيل: لقد مسني أحد من ~~ولد يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة يوسف، وكانوا أهل ~~قوة، لا يدانون في ذلك، فلما أحس يوسف بذلك، قام إلى ~~روبيل، فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه، ~~وقالوا: { يأيها العزيز... } الآية، وخاطبوه باسم العزيز، ~~إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته، على ما روي في ~~ذلك، وقولهم: { فخذ أحدنا مكانه } يحتمل أن يكون ذلك منهم ~~مجازا، ويحتمل أن يكون حقيقة على طريق الحمالة؛ حتى يصل ~~يامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف من ذلك، ~~وقال: { معاذ الله... } الآية. ### || [12.80-84] # وقوله سبحانه: { فلما استيئسوا منه... } الآية يقال: ~~يئس واستيأس بمعنى واحد، قال البخاري: { خلصوا نجيا ~~}: اعتزلوا، والجمع أنجية، وللاثنين والجمع نجي وأنجية ~~انتهى. # وقال الهروي: { خلصوا نجيا }: أي تميزوا عن الناس ~~متناجين انتهى. # و { كبيرهم }: قال مجاهد هو شمعون، كان كبيرهم رأيا ~~وعلما، وإن كان روبيل أسنهم، وقال قتادة: هو روبيل، لأنه ~~أسنهم، وهذا أظهر ورجحه الطبري، وذكرهم أخوهم ميثاق أبيهم: # لتأتنني به إلا أن يحاط بكم # [يوسف:66]. # وقوله: { فلن أبرح الأرض }: قال: * ص *: «برح» التامة ~~بمعنى ذهب وظهر؛ ومنه: برح الخفاء، أي: ظهر، والمتوجه هنا: ~~معنى «ذهب»، لكنه لا ينصب الظرف المكاني المختص إلا بواسطة، ~~فاحتيج إلى تضمينه معنى «فارق»، والأرض مفعول به، ولا يجوز أن تكون ~~«أبرح»: ناقصة انتهى. # وقوله: { ارجعوا إلى أبيكم }: الأمر بالرجوع قيل: هو ~~من قول كبيرهم، وقيل: من قول يوسف، والأول أظهر، وذكر الطبري ~~أن يوسف قال لهم: إذا أتيتم أباكم فاقرؤوا عليه السلام، وقولوا ~~له: إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك ~~يوسف، ليعلم ms0754 أن في أرض مصر صديقين مثله، وقرأ الجمهور: ~~«سرق»، وروي عن الكسائي وغيره: «سرق» - ببنائه للمفعول -. # { وما شهدنآ إلا بما علمنا }: أي: باعتبار الظاهر، ~~والعلم في الغيب إلى الله، ليس ذلك في حفظنا، هذا تأويل ~~ابن إسحاق، ثم استشهدوا بالقرية التي كانوا فيها، وهي مصر؛ قاله ابن ~~عباس، والمراد أهلها، قال البخاري: { سولت }: أي: زينت، ~~وقول يعقوب: { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } يعنى ~~بيوسف ويامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا ~~من جهات، منها: حسن ظنه بالله سبحانه في كل حال، ومنها: ~~رؤيا يوسف المتقدمة؛ فإنه كان ينتظرها، ومنها: ما أخبروه عن ~~ملك مصر؛ أنه يدعو له برؤية ابنه. # وقوله سبحانه: { وتولى عنهم }: أي: زال بوجهه عنهم ~~ملتجئا إلى الله: { وقال يأسفى على يوسف }. # قال الحسن: خصت هذه الأمة بالاسترجاع؛ ألا ترى إلى قول ~~يعقوب: { يأسفى }. # قال * ع *: والمراد يا أسفي، لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ~~ألفا؛ نحو: يا غلاما، ويا أبتا، ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع، ~~ويا أسفى لهذه الأمة، وليعقوب عليه السلام، وروي أن يعقوب عليه ~~السلام حزن حزن سبعين ثكلى، وأعطي أجر مائة شهيد، وما ~~ساء ظنه بالله قط، رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، { فهو كظيم } بمعنى: كاظم، كما قال: # والكظمين الغيظ # [آل عمران:134] ووصف يعقوب بذلك، لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان ~~يكمد في نفسه، ويمسك همه في صدره، فكان يكظمه، أي: يرده إلى ~~قلبه. # * ت * وهذا ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " القلب يحزن والعين تدمع ولا نقول إلا ما ~~يرضي الرب... " # الحديث، ذكر هذا صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم، قال ~~ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: { ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } ، قال: كظم ~~على الحزن، فلم يقل إلا خيرا انتهى، قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال ~~في ابنه إبراهيم: # " إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا ms0755 نقول إلا ~~ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم ~~لمحزونون " # ، وقال أيضا في الصحيح صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن ~~القلب، وإنما يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - ~~أو يرحم " # انتهى. خرجه البخاري وغيره. ### || [12.85-88] # وقوله تعالى: { قالوا تالله تفتؤا } الآية: المعنى: تالله ~~لا تفتأ فتحذف «لا» في هذا الموضع من القسم؛ لدلالة الكلام عليها؛ فمن ~~ذلك قول امرىء القيس: [الطويل] # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # ومنه قول الآخر: [البسيط] # تالله يبقى على الأيام ذو حيد # ......................... # أراد: لا أبرح، ولا يبقى، و«فتىء»: بمنزلة زال وبرح في ~~المعنى والعمل؛ تقول: والله، لا فتئت قاعدا؛ كما تقول: لا ~~زلت ولا برحت، وعبارة الداوودي: وعن ابن عباس: تفتأ؛ أي: لا ~~تزال تذكر يوسف، { حتى تكون حرضا }. انتهى، والحرض: ~~الذي قد نهاه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء ~~والبدن والحس، يقال: رجل حارض، أي: ذو هم وحزن؛ ومنه قول ~~الشاعر: [البسيط] # إني امرؤ لج بي حب فأحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # والحرض بالجملة الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد: الحرض: ما دون ~~الموت؛ وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما من مؤمن يمرض حتى يحرضه المرض إلا غفر ~~له " # انتهى من «رقائق ابن المبارك». # ثم أجابهم يعقوب عليه السلام بقوله: { إنما أشكوا بثي ~~وحزني إلى الله }: أي: إني لست ممن يجزع ويضجر، ~~وإنما أشكو إلى الله، والبث: ما في صدر الإنسان مما هو ~~معتزم أن يبثه وينشره. # وقال أبو عبيدة وغيره: البث: أشد الحزن قال الداوودي عن ابن ~~جبير، قال: من بث، فلم يصبر، ثم قرأ: { إنما أشكوا ~~بثي وحزني إلى الله }. انتهى. # وقوله: { ولا تايئسوا من روح الله... } الآية: ~~«الروح»: الرحمة، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة ~~الكافرين؛ إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات ~~الله تعالى، وال { بضعة }: القطعة من المال يقصد بها ~~شراء شيء، ولزمها عرف الفقه فيما لا حظ لحاملها من ms0756 الربح، ~~وال { مزجاة }: معناها: المدفوعة المتحيل لها، وبالجملة؛ ~~فمن يسوق شيئا، ويتلطف في تسييره، فقد أزجاه، فإذا كانت الدراهم ~~مدفوعة نازلة القدر، تحتاج أن يعتذر معها، ويشفع لها، فهي ~~مزجاة، فقيل: كان ذلك لأنها كانت زيوفا، قاله ابن عباس. # وقيل: كانت بضاعتهم عروضا، وقولهم: { وتصدق علينا }: معناه ~~ما بين الدراهم الجياد وبين هذه المزجاة، قاله السدي ~~وغيره وقال الداوودي عن ابن جريج: { وتصدق علينا }: قال: ~~اردد علينا أخانا، انتهى، وهو حسن. ### || [12.89-92] # وقوله تعالى: { هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ~~إذ أنتم جهلون } ، روي أن يوسف عليه السلام لما قال له ~~إخوته: # مسنا وأهلنا الضر # [يوسف:88]، واستعطفوه رق ورحمهم، قال ابن إسحاق: وارفض دمعه ~~باكيا، فشرع في كشف أمره إليهم، فروي أنه حسر قناعه، وقال ~~لهم: { هل علمتم... } الآية، و { ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه }: أي: التفريق بينهما في الصغر وما نالهما بسببكم ~~من المحن؛ { إذ أنتم جهلون } ، نسبهم إما إلى جهل ~~المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم ~~هذه المخاطبة، تنبهوا، ووقع لهم من الظن القوي وقرائن الحال؛ ~~أنه يوسف فقالوا: { أءنك لأنت يوسف }؛ مستفهمين، فأجابهم ~~يوسف كاشفا عن أمره، { قال أنا يوسف وهذا أخي } وباقي ~~الآية بين. # وقوله سبحانه: { قالوا تالله لقد ءاثرك الله علينا ~~وإن كنا لخطئين }: هذا منهم استنزال ليوسف، وإقرار ~~بالذنب في ضمنه استغفار منه، و { ءاثرك }: لفظ يعم جميع ~~التفضيل. # وقوله: { لا تثريب عليكم } عفو جميل، وقال عكرمة: أوحى ~~الله إلى يوسف بعفوك عن إخوتك، رفعت لك ذكرك، ~~و«التثريب»: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ~~ونحوه، وعبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير، ووقف بعض ~~القرأة { عليكم } ، وابتدأ: { اليوم يغفر الله لكم ~~}؛ ووقف أكثرهم: { اليوم } وابتدأ: { يغفر الله لكم } على ~~جهة الدعاء وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو الصحيح الراجح في ~~المعنى؛ لأن الوقف الآخر فيه حكم على مغفرة الله، اللهم ~~إلا أن يكون ذلك بوحي. ### || [12.93-96] # وقوله: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه ~~أبي }: قال النقاش: روي أن هذا القميص كان ms0757 من ثياب الجنة، ~~كساه الله إبراهيم، ثم توارثه بنوه. # قال * ع *: هذا يحتاج إلى سند والظاهر أنه قميص يوسف كسائر ~~القمص، وقول يوسف: { يأت بصيرا } فيه دليل على أن هذا كله ~~بوحي وإعلام من الله تعالى، وروي أن يعقوب وجد ريح يوسف ~~وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام؛ قاله ابن عباس، وقال: ~~هاجت ريح، فحملت عرفه، وقول يعقوب: { إني لأجد ريح ~~يوسف }: مخاطبة لحاضريه، فروي أنهم كانوا حفدته، وقيل: كانوا ~~بعض بنيه، وقيل: كانوا قرابته و { تفندون } معناه: تردون ~~رأيي، وتدفعون في صدره، وهذا هو التفنيد لغة، قال منذر بن ~~سعيد: يقال: شيخ مفند، أي: قد فسد رأيه والذي يشبه أن تفنيدهم ~~ليعقوب؛ إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في ~~جانب يوسف. # وقال * [ص] *: معنى { تفندون }: تسفهون، انتهى، وقولهم: { ~~إنك لفي ضللك القديم }: يريدون: لفي انتلافك في ~~محبة يوسف، وليس بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد؛ لأن ذلك ~~من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به. # وقوله سبحانه: { فلما أن جاء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا }: روي عن ابن عباس؛ أن البشير كان ~~يهوذا؛ لأنه كان جاء بقميص الدم و { بصيرا }: معناه: ~~مبصرا، وروي أنه قال للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على ~~الإسلام؛ قال: الحمد لله؛ الآن كملت النعمة. ### || [12.97-100] # وقوله تعالى: { قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا... } ~~الآية: روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لإخوته، وتحققوا أن ~~أباهم يغفر لهم، قال بعضهم لبعض: ما يغني عنا هذا إن لم يغفر ~~الله لنا، فطلبوا حينئذ من يعقوب عليه السلام أن يطلب لهم ~~المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطإ، فقال لهم يعقوب: { ~~سوف أستغفر لكم ربي }. # * [ت] *: وعن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي ~~الله عنه: # " إذا كان ليلة الجمعة، فإن استطعت أن تقوم في ~~ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة مشهودة والدعاء ~~فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: { سوف أستغفر ~~لكم ربي } ، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة... " # وذكر ms0758 الحديث، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ~~الوليد بن مسلم، ورواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين»، وقال: ~~صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلما انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { ءاوى إليه أبويه } قال ابن إسحاق، ~~والحسن: أراد بالأبوين: أباه وأمه، وقيل: أراد؛ أباه وخالته. # قال * ع *: والأول أظهر؛ بحسب اللفظ، إلا أن يثبت بسند أن أمه ~~قد كانت ماتت. # وقوله تعالى: { إن شاء الله } هذا الاستثناء هو الذي ندب ~~القرآن إليه؛ أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه في المستقبل، و { ~~العرش }: سرير الملك، و { خروا له سجدا }: أي: سجود ~~تحية، فقيل: كان كالسجود المعهود عندنا من وضع الوجه ~~بالأرض. # وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم ~~للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون؛ أنه كان سجود تحية لا ~~سجود عبادة، وقال الحسن: الضمير في «له» لله عز وجل، ورد ~~هذا القول على الحسن. # وقوله عز وجل: { وقال يأبت هذا تأويل رؤيي من ~~قبل قد جعلها ربي حقا }: المعنى: قال يوسف ليعقوب، هذا ~~السجود الذي كان منكم هو ما آلت إليه رؤياي قديما في الأحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر، { قد جعلها ربي حقا } ثم ~~أخذ عليه السلام يعدد نعم الله عليه، وقال: وقد أخرجني من السجن، ~~وترك ذكر إخراجه من الجب؛ لأن في ذكره تجديد فعل إخوته ~~وخزيهم، وتحريك تلك الغوائل، وتخبيث النفوس، ووجه آخر ~~أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، ~~فالنعمة هنا أوضح، { إن ربي لطيف لما يشاء } ، أي: من ~~الأمور أن يفعله؛ { إنه هو العليم الحكيم }. # قال * ع *: ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج ~~من السجن إلى العز إلا الوحي من الله تعالى؛ لما ~~أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم، لا إله إلا ~~هو. # وقال النقاش: كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله سبحانه: # وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم ~~لا يشعرون # [يوسف:15]، وهذا محتمل. ### || [12.101-104] # وقوله: { رب قد ms0759 آتيتني من الملك وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث... } الآية: ذكر كثير من المفسرين أن يوسف ~~عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده، تشوق إلى ~~لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى ~~أن الدنيا قليلة فتمنى الموت في قوله: { توفني مسلما ~~وألحقني بالصلحين }. # وقال ابن عباس: لم يتمن الموت نبي غير يوسف، وذكر ~~المهدوي تأويلا آخر، وهو الأقوى عندي: أنه ليس في الآية تمني ~~موت، وإنما تمنى عليه السلام الموافاة على الإسلام لا الموت، ~~وكذا قال القرطبي في «التذكرة»؛ أن معنى الآية: إذا جاء أجلي، ~~توفني مسلما، قال: وهذا القول هو المختار عند أهل التأويل، والله ~~أعلم، انتهى، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به " # ؛ إنما يريد ضرر الدنيا؛ كالفقر، والمرض ونحو ذلك، ويبقى ~~تمني الموت؛ مخافة فساد الدين مباحا، وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~في بعض أدعيته: # " وإذا أردت بالناس فتنة، فاقبضني إليك غير ~~مفتون ". # وقوله: { أنت وليي }: أي القائم بأمري، الكفيل بنصرتي ~~ورحمتي. # وقوله عز وجل: { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك }: ~~{ ذلك }: إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض ~~لقريش، وتنبيه على آية صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ~~ضمن ذلك الطعن على مكذبيه، والضمير في { لديهم }: عائد على ~~إخوة يوسف، و { أجمعوا }: معناه: عزموا، و«الأمر»، هنا: هو ~~إلقاء يوسف في الجب، وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني؛ أنه ~~قال: والله ما قص الله نبأهم؛ ليعيرهم؛ إنهم الأنبياء ~~من أهل الجنة، ولكن الله قص علينا نبأهم؛ لئلا يقنط ~~عبده. # وقوله سبحانه: { وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين... } الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { وما تسألهم عليه من أجر... } الآية توبيخ ~~للكفرة، وإقامة للحجة عليهم، ثم ابتدأ الإخبار عن كتابه ~~العزيز؛ أنه ذكر وموعظة لجميع العالم، نفعنا الله به، ووفر ~~حظنا منه. ### || [12.105-107] # وقوله سبحانه: { وكأين من آية في السموات والأرض ~~}: يعني بال { آية }؛ هنا: المخلوقات المنصوبة للاعتبار الدالة ~~على توحيد ms0760 خالقها سبحانه، وفي مصحف عبد الله: «يمشون ~~عليها». # وقوله سبحانه: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون }: قال ابن عباس: هي في أهل الكتاب، وقال مجاهد وغيره: ~~هي في العرب، وقيل: نزلت بسبب قول قريش في الطواف، ~~والتلبية: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ~~تملكه وما ملك»، وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع أحدهم ~~يقول: لبيك لا شريك لك، يقول له: قط قط " # ،أي: قف هنا، ولا تزد: إلا شريكا هو لك، وال { غاشية }: ~~ما يغشى ويغطي ويغم، و { بغتة }: أي: فجأة، وهذه الآية من ~~قوله: { وكأين من آية } ، وإن كانت في الكفار، فإن ~~العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ ويكون الإيمان حقيقة، والشرك ~~لغويا، كالرياء، فقد قال عليه السلام: # " الرياء الشرك الأصغر ". ### || [12.108-111] # وقوله سبحانه: { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله... } ~~الآية: إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها، قال ابن زيد: ~~المعنى هذا أمري وسنتي ومنهاجي وال { بصيرة }: اسم لمعتقد ~~الإنسان في الأمر من الحق واليقين. # وقوله: { أنا ومن اتبعني }: يحتمل أن يكون «أنا» تأكيدا ~~للضمير المستكن في «أدعوا» و«من» معطوف عليه؛ وذلك بأن تكون ~~الأمة كلها أمرت بالمعروف داعية إلى الله الكفرة ~~والعصاة. # قال * ص *: ويجوز أن يكون «أنا» مبتدأ، و«على بصيرة» خبر مقدم، ~~و«من» معطوف عليه انتهى، { وسبحن الله } تنزيه لله، أي: ~~وقل: سبحان الله متبريا من الشرك. # وقوله سبحانه: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم... } الآية: تتضمن الرد على من استغرب إرسال ~~الرسل من البشر، و { القرى }: المدن. قال الحسن: لم يبعث ~~الله رسولا قط من أهل البادية. # قال * ع *: والتبدي مكروه إلا في الفتنة، وحين يفر ~~بالدين، ولا يعترض هذا ببدو يعقوب؛ لأن ذلك البدو لم يكن في ~~أهل عمود، بل هو بتقر، وفي منازل وربوع؛ وأيضا إنما جعله ~~بدوا بالإضافة إلى مصر؛ كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة ~~إلى الحواضر، ثم أحال سبحانه على الاعتبار في الأمم السالفة، ثم حض ~~سبحانه على الآخرة، والاستعداد لها بقوله: { ولدار ms0761 الأخرة ~~خير... } الآية. # قال * ص *: { ولدار الأخرة }: خرجه الكوفيون على أنه من ~~إضافة الموصوف لصفته، وأصله: «وللدار الآخرة»، والبصريون على ~~أنه من حذف الموصوف، وإقامة صفته مقامه، وأصله: «ولدار ~~المدة الآخرة أو النشأة الآخرة». انتهى. # ويتضمن قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عقبة الذين من قبلهم }؛ أن الرسل الذين ~~بعثهم الله من أهل القرى، دعوا أممهم، فلم يؤمنوا بهم، حتى ~~نزلت بهم المثلات، فصاروا في حيز من يعتبر بعاقبته، ~~فلهذا المضمن حسن أن تدخل «حتى» في قوله: { حتى إذا ~~استيئس الرسل }. # وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «وظنوا أنهم قد ~~كذبوا» - بتشديد الذال -، وقرأ الباقون: «كذبوا» - بضم الكاف، ~~وكسر الذال المخففة، فأما الأولى، فمعناها أن الرسل ظنوا أن ~~أممهم قد كذبتهم، و«الظن»؛ هنا: يحتمل أن يكون بمعنى ~~اليقين، ويحتمل أن يكون الظن على بابه، ومعنى القراءة الثانية؛ ~~على المشهور من قول ابن عباس وابن جبير: أي: حتى إذا استيأس ~~الرسل من إيمان قومهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد ~~كذبوهم فيما ادعوه من النبوة، أو فيما توعدوهم به من العذاب، ~~لما طال الإمهال، واتصلت العافية، جاءهم نصرنا، وأسند الطبري ~~أن مسلم بن يسار، قال لسعيد بن جبير: يا أبا عبد ~~الله، آية بلغت مني كل مبلغ: «حتى إذا استيئس ~~الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا»؛ فهذا هو الموت أن ~~تظن الرسل أنهم قد كذبوا - مخففة -، فقال له ابن جبير: يا أبا ~~عبد الرحمن، إنما يئس الرسل من قومهم؛ أن يجيبوهم، وظن ~~قومهم أن الرسل قد كذبتهم، فقام مسلم إلى سعيد، فاعتنقه، ~~وقال: فرجت عني، فرج الله عنك. # قال * ع *: فرضي الله عنهم، كيف كان خلقهم في العلم، ~~وقال بهذا التأويل جماعة، وهو الصواب، وأما تأويل من قال: إن ~~المعنى: وظنوا أنهم قد كذبهم من أخبرهم عن الله، فغير صحيح، ~~ولا يجوز هذا على الرسل، وأين العصمة والعلم. # * ت *: قال عياض: فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: { حتى إذا ~~استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا }؛ على ~~قراءة ms0762 التخفيف؟ قلنا: المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله ~~عنها معاذ الله، أن تظن الرسل ذلك بربها، ~~وإنما معنى ذلك أن الرسل، لما استيأسوا، ظنوا ~~أن من وعدهم النصر من أتباعهم، كذبوهم؛ وعلى هذا أكثر ~~المفسرين، وقيل: الضمير في «ظنوا» عائد على الأتباع والأمم، لا ~~على الأنبياء والرسل؛ وهو قول ابن عباس والنخعي وابن جبير ~~وجماعة، وبهذا المعنى قرأ مجاهد: «كذبوا» بالفتح، فلا تشغل ~~بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء، ~~فكيف بالأنبياء، انتهى من «الشفا». # وقوله سبحانه: { جاءهم نصرنا }: أي: بتعذيب أممهم الكافرة. # { فنجي من نشاء }: أي: من أتباع الرسل. # { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين }: أي: ~~الكافرين، و«البأس»: العذاب. # وقوله سبحانه: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألبب }: أي: في قصص يوسف وإخوته وسائر الرسل الذين ~~ذكروا على الجملة، ولما كان ذلك كله في القرآن، قال عنه: { ما ~~كان حديثا يفترى } ، و { الذي بين يديه } التوراة ~~والإنجيل، وباقي الآية بين واضح. # * ت *: كنت في وقت أنظر في «السيرة» لابن هشام، وأتأمل في ~~خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أول خطبة خطبها ~~بالمدينة، فإذا هاتف يقول: { لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألبب ما كان حديثا يفترى } ، وقد كان ~~حصل في القلب عبرة في أمره صلى الله عليه وسلم وأفاضل ~~أصحابه، رضي الله عنهم أجمعين، وسلك بنا مناهجهم المرضية، ~~والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى وصلى الله على سيدنا ~~محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # قوله عز وجل: { المر تلك آيت الكتب والذي أنزل ~~إليك من ربك الحق }: قال ابن عباس: هذه الحروف هي من ~~قوله: «أنا الله أعلم وأرى». # وقوله سبحانه: { الله الذي رفع السموات بغير ~~عمد... } الاية: قال جمهور الناس: لا عمد للسموات ألبتة، ~~وهذا هو الحق و«العمد»: اسم جمع. # قوله سبحانه: { ثم استوى على العرش }: «ثم»؛ هنا: لعطف ~~الجمل، لا للترتيب؛ لأن الاستواء على العرش قبل رفع السموات، ~~ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ms0763 أنه قال: # " كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على ~~الماء، ثم خلق السموات والأرض " # وقد تقدم القول في هذا، وفي معنى الاستواء. # * ت *: والمعتقد في هذا: أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه ~~الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده استواء منزها عن المماسة ~~والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل ~~العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، ~~كان الله ولا شيء معه، كان سبحانه قبل أن يخلق المكان ~~والزمان، وهو الآن على ما عليه كان. # وقوله سبحانه: { وسخر الشمس والقمر }: تنبيه على ~~القدرة، وفي ضمن الشمس والقمر الكواكب، ولذلك قال: { كل ~~يجري } أي: كل ما هو في معنى الشمس والقمر، و«الأجل ~~المسمى»: هو انقضاء الدنيا، وفساد هذه البنية. # { يدبر الأمر }: معناه: يبرمه وينفذه، وعبر بالتدبير، ~~تقريبا للأفهام، وقال مجاهد: { يدبر الأمر }: معناه يقضيه ~~وحده. # و { لعلكم بلقاء ربكم توقنون }: أي: توقنون ~~بالبعث. ### || [13.3-4] # وقوله سبحانه: { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها ~~رواسي }: لما فرغت آيات السماء، ذكرت آيات الأرض، وال { ~~رواسي }: الجبال الثابتة. # وقوله سبحانه: { جعل فيها زوجين اثنين }: «الزوج»؛ في ~~هذه الآية: الصنف والنوع، وليس بالزوج المعروف في المتلازمين ~~الفردين من الحيوان وغيره؛ ومنه قوله سبحانه: # سبحن الذي خلق الأزوج كلها مما تنبت الأرض # [يس:36]، ومنه: # وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج # [ق:7]، وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة، فموجود منها نوعان، فإن ~~اتفق أن يوجد من ثمرة أكثر من نوعين، فغير ضار في معنى الآية، ~~و { قطع }: جمع قطعة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما ~~جاور وقرب بعضه من بعض؛ لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب، وقرأ ~~الجمهور: «وجنات» - بالرفع -؛ عطفا على «قطع»، وقرأ نافع وغيره: ~~«وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } - بالخفض في الكل -؛ ~~عطفا على «أعناب»، وقرأ ابن كثير وغيره: «وزرع» - بالرفع في الكل -؛ ~~عطفا على «قطع»، و { صنوان }: جمع صنو، وهو الفرع يكون مع الآخر ~~في أصل واحد، قال البراء بن عازب: «الصنوان»: المجتمع، ~~وغير الصنوان: المفترق فردا فردا وفي «الصحيح»: ms0764 «العم صنو ~~الأب»، وإنما نص على الصنوان في هذه الآية؛ لأنها بمثابة التجاور ~~في القطع تظهر فيها غرابة اختلاف الأكل، و { الأكل } - بضم الهمزة ~~-: اسم ما يؤكل، والأكل المصدر، وحكى الطبري عن ابن عباس وغيره: { ~~قطع متجورت }: أي: واحدة سبخة، وأخرى عذبة، ونحو هذا من ~~القول، وقال قتادة: المعنى: قرى متجاورات. # قال * ع *: وهذا وجه من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات ~~بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماء واحد، ولكن تختلف فيما ~~تخرجه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور؛ أنها من تربة واحدة، ~~ونوع واحد، وموضع العبرة في هذا أبين، وعلى المعنى الأول ~~قال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم: الأرض واحدة، ~~وينزل عليها ماء واحد من السماء، فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج ~~هذه سبخة وملحا وخبثا، وكذلك الناس خلقوا من آدم، فنزلت عليهم ~~من السماء تذكرة، فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ولهت. # قال الحسن: فوالله، ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه ~~بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظلمين إلا خسارا # [الاسراء:82]. ### || [13.5-7] # وقوله سبحانه: { وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ~~ترابا أءنا لفي خلق جديد } ، المعنى: وإن تعجب، يا ~~محمد، من جهالتهم وإعراضهم عن الحق، فهم أهل لذلك، ~~وعجب غريب قولهم: أنعود بعد كوننا ترابا، خلقا جديدا؛ { ~~أولئك الذين كفروا بربهم }؛ لتصميمهم على الجحود ~~وإنكارهم للبعث، { وأولئك الأغلل في أعناقهم }: ~~أي: في الآخرة، ويحتمل أن يكون خبرا عن كونهم مغللين عن الإيمان؛ ~~كقوله تعالى: # إنا جعلنا في أعنقهم أغللا فهي إلى ~~الأذقان فهم مقمحون # [يس:8]. # وقوله سبحانه: { ويستعجلونك بالسيئة قبل ~~الحسنة... } الآية: تبيين لخطئهم كطلبهم سقوط كسف من ~~السماء، وقولهم: # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال:32] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناس كثير، وقرأ الجمهور: { ~~المثلاث } - بفتح الميم وضم الثاء -، وقرأ مجاهد «المثلاث» - ~~بفتح الميم والثاء - أي: الأخذة الفذة بالعقوبة، ثم رجى سبحانه ~~بقوله: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ~~} ، ثم خوف بقوله: ms0765 { وإن ربك لشديد العقاب }: قال ابن ~~المسيب: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لولا عفو الله ومغفرته ما تهنأ أحد عيشا، ~~ولولا عقابه لاتكل كل أحد " # ، وقال ابن عباس: ليس في القرآن أرجى من هذه الآية: { والمثلاث ~~}: هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلا يتمثل به؛ ~~ومنه التمثيل بالقتلى؛ ومنه: المثلة بالعبيد. # ويقولون: { لولا أنزل عليه آية من ربه }: هذه من ~~اقتراحاتهم، والآية هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش؛ ~~كالملك، والكنز، وغير ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال ~~عكرمة، وأبو الضحى: المراد ب «الهادي» محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ ف «هاد» عطف على «منذر»؛ كأنه قال: إنما أنت منذر ~~وهاد لكل قوم، و«هاد»؛ على هذا التأويل: بمعنى داع إلى طريق ~~الهدى، وقال مجاهد وابن زيد: المعنى: إنما أنت منذر، ولكل ~~أمة سلفت هاد، أي: نبي يدعوهم، أي: فليس أمرك يا محمد ~~ببدع، ولا منكر، وهذا يشبه غرض الآية، وقالت فرقة: «الهادي» ~~في هذه الآية: الله عز وجل، والألفاظ تقلق بهذا المعنى، ويعرف ~~أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع، والقولان الأولان ~~أرجح ما تؤول في الآية. ### || [13.8-11] # وقوله سبحانه: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد }: هذه الآيات أمثال منبهات على ~~قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث، { وما تغيض ~~الأرحام }: معناه: ما تنقص، ثم اختلف المتأولون في صورة ~~الزيادة والنقصان، وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم ~~وهو نقص الدم على الحمل، وقال الضحاك: غيض الرحم: أن ~~تسقط المرأة الولد، والزيادة أن تضعه لمدة كاملة، ونحوه لقتادة. # وقوله: { وكل شيء عنده بمقدار }: عام في كل ما يدخله ~~التقدير، و { الغيب }: ما غاب عن الإدراكات، و { الشهدة }: ~~ما شوهد من الأمور. # وقوله: { الكبير }: صفة تعظيم، و { المتعال }: من العلو. # وقوله سبحانه: { سواء منكم من أسر القول... } الآية: ~~أي: لا يخفى على الله شيء، وال { سارب }؛ في اللغة: المتصرف ~~كيف شاء. # وقوله سبحانه: { له معقبت من بين يديه ومن ms0766 ~~خلفه يحفظونه من أمر الله }: المعنى: جعل الله للعبد ~~معقبات يحفظونه في كل حال من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا ~~جاء المقدور الواقع، أسلم المرء إليه، وال { معقبت }؛ ~~على هذا التأويل: الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم ~~أيضا؛ قاله الحسن، وروى فيه عن عثمان بن عفان حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارة البخاري: { ~~معقبت }: ملائكة حفظة يعقب الأول منها الآخر. ~~انتهى. # وقالت فرقة: الضمير في «له» عائد على اسم الله المتقدم ذكره، ~~أي: لله معقبات يحفظون عبده، والضمير في قوله: { يديه } وما ~~بعده عن الضمائر عائد على العبد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغير هذه ~~الحالة من الحفظ للعبد؛ حتى يغير العبد ما بنفسه، وال { ~~معقبت }: الجماعات التي يعقب بعضها بعضا، وهي الملائكة، ~~وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار... " # الحديث، وفي قراءة أبي بن كعب: «من بين يديه ورقيب ~~من خلفه»، وقرأ ابن عباس: «ورقباء من خلفه ~~يحفظونه بأمر الله»، وقوله: { يحفظونه }: أي: يحرسونه ~~ويذبون عنه، ويحفظون أيضا أعماله، ثم أخبر تعالى؛ أنه إذا أراد ~~بقوم سوءا، فلا مرد له، ولا حفظ منه. ### || [13.12-14] # وقوله سبحانه: { هو الذي يريكم البرق... } الآية: قد ~~تقدم في أول البقرة تفسيره، والظاهر أن الخوف إنما هو من ~~صواعق البرق، والطمع في الماء الذي يكون معه، وهو قول الحسن، ~~و { السحاب }: جمع سحابة؛ ولذلك جمع الصفة، وال { الثقال }: ~~معناه: بحمل الماء، قاله قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، وروى أبو ~~هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد، ~~قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده» " # ، وقال ابن أبي زكرياء: من قال إذا سمع الرعد: سبحان ~~الله، وبحمده، لم تصبه صاعقة. # * ت *: وعن عبد الله بن عمر، قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد ~~والصواعق، قال: «اللهم، لا تقتلنا بغضبك، ولا ~~تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» " # ، رواه الترمذي والنسائي والحاكم في «المستدرك»، ولفظهم واحد ms0767 ~~انتهى من «السلاح»، قال الداوودي: وعن ابن عباس، قال: من سمع ~~الرعد، فقال: « سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة ~~من خيفته، وهو على كل شيء قدير»، فإن أصابته صاعقة، فعلي ديته، ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { ويرسل الصوعق... } الآية: قال ابن جريج: ~~كان سبب نزولها قصة أربد، وعامر بن الطفيل، سألا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأمر بعده لعامر بن ~~الطفيل، ويدخلا في دينه، فأبى عليه السلام ثم تآمرا في قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر لأربد: أنا أشغله ~~لك بالحديث، واضربه أنت بالسيف، فجعل عامر يحدثه، ~~وأربد لا يصنع شيئا، فلما انصرفا، قال له عامر: ~~والله، يا أربد، لا خفتك أبدا، ولقد كنت أخافك ~~قبل هذا، فقال له أربد: والله، لقد أردت إخراج السيف، ~~فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه، ~~أفأضربك، فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، و { المحال }: القوة ~~والإهلاك. # * ت *: وفي «صحيح البخاري»: { المحال }: العقوبة. # وقوله عز وجل: { له دعوة الحق }: الضمير في «له» عائد على ~~اسم الله عز وجل. # قال ابن عباس: و { دعوة الحق }: «لا إله إلا الله»، ~~يريد: وما كان من الشريعة في معناها. # وقوله: { والذين }: يراد به ما عبد من دون الله، والضمير في ~~{ يدعون } لكفار قريش وغيرهم، ومعنى الكلام: والذين يدعونهم ~~الكفار في حوائجهم ومنافعهم { لا يستجيبون لهم ~~بشيء إلا } ، ثم مثل سبحانه مثالا لإجابتهم بالذي ~~يبسط كفيه نحو الماء، ويشير إليه بالإقبال إلى فيه، فلا يبلغ ~~فمه أبدا، فكذلك إجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع. # وقوله: { هو }: يريد به الماء، وهو البالغ، والضمير في { بالغه ~~} للفم، ويصح أن يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في ~~{ بالغه } للماء؛ لأن الفم لا يبلغ الماء أبدا على تلك الحال، ثم ~~أخبر سبحانه عن دعاء الكافرين؛ أنه في انتلاف وضلال لا يفيد. ### || [13.15-18] # وقوله تعالى: { ولله يسجد من في السموات ~~والأرض... } الآية: تنبيه على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخير ~~الأشياء له، والطعن ms0768 على الكفار التاركين للسجود، و { من }: ~~تقع على الملائكة عموما، و«سجودهم»: طوع، وأما أهل الأرض، ~~فالمؤمنون داخلون في { من } ، وسجودهم أيضا طوع، وأما سجود ~~الكفرة، فهو الكره، وذلك على معنيين، فإن جعلنا السجود هذه الهيئة ~~المعهودة، فالمراد من الكفرة من أسلم، خوف سيف الإسلام؛ كما ~~قاله قتادة، وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل، حسب ما هو في ~~اللغة، فيدخل الكفار أجمعون في { من }؛ لأنه ليس من كافر إلا ~~ويلحقه من التذلل والاستكانة لقدرة الله تعالى أنواع أكثر من أن ~~تحصى بحسب رزاياه، واعتباراته. # وقوله سبحانه: { وظللهم بالغدو والأصال }: إخبار عن ~~أن الظلال لها سجود لله تعالى؛ كقوله تعالى: # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلله # [النحل:48]، وقال مجاهد: ظل الكافر يسجد طوعا، وهو كاره وروي أن ~~الكافر إذا سجد لصنمه، فإن ظله يسجد لله حينئذ، وباقي الآية ~~بين، ثم مثل الكفار والمؤمنين بقوله: { قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير } ، وشبه الكافر بالأعمى، والكفر بالظلمات، ~~وشبه المؤمن بالبصير، والإيمان بالنور. # وقوله سبحانه: { قل الله خلق كل شيء }: لفظ عام يراد ~~به الخصوص؛ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع. # وقوله سبحانه: { أنزل من السماء مآء }: يريد به المطر، { ~~فسالت أودية بقدرها }: «الأودية»: ما بين الجبال من ~~الانخفاض والخنادق، وقوله: { بقدرها }: يحتمل أن يريد بما ~~قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحمله على قدر صغرها ~~وكبرها. # * ت *: وقوله: { فاحتمل } بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر. قاله ~~* [ص] *. # و { الزبد } ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، و«الرابي»: المنتفخ ~~الذي قد ربا، ومنه الربوة. # وقوله سبحانه: { ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ~~حلية أو متع زبد مثله }: المعنى: ومن الأشياء التي ~~توقدون عليها ابتغاء الحلي، وهي الذهب والفضة، أو ابتغاء ~~الاستمتاع بها في المرافق، وهي الحديد والرصاص والنحاس ~~ونحوها من الأشياء التي توقدون عليها، فأخبر تعالى أن من هذه ~~أيضا إذا أحمي عليها يكون لها زبد مماثل للزبد الذي يحمله ~~السيل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثلا للحق والباطل، أي: إن الماء ~~الذي ms0769 تشربه الأرض من السيل، فيقع النفع به هو كالحق، والزبد ~~الذي يخمد وينفش ويذهب هو كالباطل، وكذلك ما يخلص من الذهب ~~والفضة والحديد ونحوه هو كالحق، وما يذهب في الدخان هو ~~كالباطل. # وقوله: { جفاء }: مصدر من قولهم: «أجفأت القدر» إذا غلت ~~حتى خرج زبدها وذهب. # وقال * ص *: { جفاء }: حال، أي: مضمحلا متلاشيا، أبو البقاء: ~~وهمزته منقلبة عن واو، وقيل: أصل. انتهى. # وقوله: { ما ينفع الناس }: يريد الخالص من الماء ومن تلك ~~الأحجار. # وقوله سبحانه: { للذين استجابوا لربهم الحسنى }: ~~ابتداء كلام، و { الحسنى }: الجنة. { والذين لم ~~يستجيبوا له }: هم الكفرة، و { سوء الحساب }: هو التقصي ~~على المحاسب، وألا يقع في حسابه من التجاوز شيء؛ قاله شهر ~~بن حوشب والنخعي وفرقد السبخي وغيرهم. ### || [13.19-25] # وقوله سبحانه: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ~~ربك الحق كمن هو أعمى... } المعنى: أسواء من هداه ~~الله، فعلم صدق نبوتك، وآمن بك؛ كمن هو أعمى البصيرة باق ~~على كفره؛ روي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب، ~~وأبي جهل، وهي بعد هذا مثال في جميع العالم، { إنما ~~يتذكر أولوا الألبب }: «إنما»؛ في هذه الآية: حاصرة، ~~أي: إنما يتذكر، فيؤمن ويراقب الله من له لب، ثم أخذ في وصفهم، ~~فقال: { الذين يوفون بعهد الله... } الآية: قال الثعلبي: ~~قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مسيرة إلى ثمانية ~~أبواب الجنة، وقال أبو بكر الوراق: هذه ثمان جسور، فمن أراد ~~القربة من الله عبرها. انتهى. وباقي الآية ألفاظها واضحة، ~~وأنوارها لذوي البصائر لائحة. # { ويدرءون }: يدفعون. # قال الغزالي: لما ذكر هذه الآية: والذي آثر غرور الدنيا على ~~نعيم الآخرة، فليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له ~~أسرار الكتاب، انتهى. # و { جنت }: بدل من { عقبى } وتفسير لها، و { عدن }: هي ~~مدينة الجنة ووسطها، ومعناها: جنات الإقامة؛ من عدن في ~~المكان، إذا أقام فيه طويلا، ومنه المعادن، و { جنت ~~عدن }: يقال: هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط؛ ~~قاله عبد الله بن عمرو بن العاص، ويروى أن لها خمسة آلاف ms0770 باب، ~~وقوله: { ومن صلح }: أي: عمل صالحا، { والملئكة ~~يدخلون عليهم من كل باب * سلم عليكم }: أي: ~~يقولون: سلام عليكم، والمعنى: هذا بما صبرتم، وباقي الآية ~~واضح. # وقوله سبحانه: { والذين ينقضون عهد الله... } الآية: هذه ~~صفة حال مضادة للمتقدمة - نعوذ بالله من سخطه -. ### || [13.26-29] # وقوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشاء... } الآية: ~~لما أخبر عمن تقدم وصفه بأن لهم اللعنة وسوء الدار، أنحى بعد ~~ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن أموالهم، المعنى: إن هذا ~~كله بمشيئة الله يهب الكافر المال؛ ليهلكه به، ويقدر على ~~المؤمن؛ ليعظم ذلك أجره وذخره. # وقوله: { ويقدر }: من التقدير المناقض للبسط والاتساع. # { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ~~ربه قل إن الله يضل من يشاء... } الآية: رد على ~~مقترحي الآيات من كفار قريش؛ كما تقدم. # وقوله سبحانه: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله }: «الذين»: بدل من «من» في قوله: { من أناب } ، ~~وطمأنينة القلوب هي الاستكانة والسرور بذكر الله، والسكون به، ~~كمالا به، ورضا بالثواب عليه، وجودة اليقين، ثم قال سبحانه: { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب }: أي: لا بالآيات ~~المقترحة التي ربما كفر بعدها؛ فنزل العذاب، «والذين» الثاني: ~~مبتدأ، وخبره { طوبى } لهم. # واختلف في معنى { طوبى } ، فقال ابن عباس: { طوبى }: اسم ~~الجنة بالحبشية، وقيل: { طوبى }: اسم الجنة بالهندية، ~~وقيل: { طوبى }: اسم شجرة في الجنة، وبهذا تواترت الأحاديث؛ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " طوبى اسم شجرة في الجنة يسير الراكب المجد في ~~ظلها مائة عام لا يقطعها... " # الحديث. # قال * ص *: { طوبى }: «فعلى» من الطيب، والجمهور أنها مفرد ~~مصدر؛ ك «سقيا وبشرى». # قال الضحاك: ومعناها: غبطة لهم، قال القرطبي: والصحيح أنها ~~شجرة؛ للحديث المرفوع. انتهى. # * ت *: وروى الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن ~~الخطيب البغدادي في «تاريخه»، عن شيخه أبي نعيم ~~الأصبهاني بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " أن رجلا قال له: يا رسول الله، طوبى لمن رآك ~~وآمن بك! قال: «طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم ms0771 طوبى، ~~ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني»، فقال ~~له رجل: يا رسول الله، ما طوبى؟ قال: «شجرة في ~~الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج ~~من أكمامها» ". # انتهى من ترجمة «أحمد بن الحسن». ### || [13.30-32] # وقوله تعالى: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من ~~قبلهآ أمم }: أي: كما أجرينا عادتنا، { كذلك ~~أرسلناك... } الآية. # وقوله: { وهم يكفرون بالرحمن }: قال قتادة: نزلت في ~~قريش: لما كتب في الكتاب: { بسم الله الرحمن الرحيم ~~} في قصة الحديبية، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن. # قال * ع *: وذلك منهم إباءة اسم فقط، وهروب عن هذه العبارة التي لم ~~يعرفوها إلا من قبل النبي عليه السلام، وال { متاب }: ~~المرجع؛ ك «المآب» لأن التوبة هي الرجوع. # وقوله سبحانه: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو ~~قطعت به الأرض... } الآية: قال ابن عباس وغيره: إن الكفار ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أزح عنا وسير جبلي ~~مكة، فقد ضيقا علينا، واجعل لنا أرضنا قطع ~~غراسة وحرث، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا، وفلانا ~~وفلانا، فنزلت الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون، ولو كان ~~ذلك كله. # وقوله تعالى: { أفلم ييأس الذين آمنوا... } الآية: ~~«ييئس»: معناه: يعلم، وهي لغة هوازن، وقرأ علي بن أبي طالب وابن ~~عباس وجماعة: «أفلم يتبين»، ثم أخبر سبحانه عن كفار قريش ~~والعرب؛ أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغزواته، ثم قال: «أو تحل أنت يا محمد قريبا من ~~دارهم». [هذا تأويل ابن عباس وغيره. # وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى: أو تحل القارعة قريبا من ~~دارهم]، و { وعد الله }؛ على قول ابن عباس وغيره: هو فتح ~~مكة، وقال الحسن: الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة، ~~وإن حال الكفرة هكذا هي إلى يوم القيامة، { وعد الله }: ~~قيام الساعة، وال { قارعة }: الرزية التي تقرع قلب صاحبها. # وقوله سبحانه: { ولقد استهزئ برسل... } الآية: تأنيس ~~وتسلية له عليه السلام، قال البخاري: { فأمليت }: أي: أطلت من ~~المليي والملاوة؛ ومنه: مليا، ويقال للواسع ms0772 الطويل من الأرض: ~~ملى من الأرض. انتهى. ### || [13.33-35] # وقوله تعالى: { أفمن هو قائم على كل نفس بما ~~كسبت }: أي: أهو أحق بالعبادة أم الجمادات. # وقوله: { قل سموهم }: أي: سموا من له صفات يستحق بها ~~الألوهية، و { مكرهم }: يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل ~~مناقضة الشرع، و { لهم عذاب في الحياة الدنيا }: أي: ~~بالقتل والأسر والجدوب وغير ذلك، و { أشق }: من المشقة، أي: ~~أصعب، والواقي الساتر على جهة الحماية من الوقاية. # وقوله سبحانه: { مثل الجنة التي وعد المتقون ~~تجري من تحتها الأنهر أكلها دائم وظلها }: قد ~~تقدم تفسير نظيره، وقوله: { أكلها }: معناه: ما يؤكل فيها. ### || [13.36-38] # وقوله سبحانه: { والذين آتينهم الكتب يفرحون... ~~} الآية: قال ابن زيد: المراد بالآية: من آمن من أهل الكتاب؛ ~~كعبد الله بن سلام وغيره. # قال * ع *: والمعنى مدحهم، وباقي الآية بين. ### || [13.39-43] # وقوله سبحانه: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت... }: المعنى ~~أن الله سبحانه يمحو من الأمور ما يشاء، ويغيرها عن أحوالها مما ~~سبق في علمه محوه وتغييره، ويثبتها في الحالة التي ~~ينقلها إليها حسب ما سبق في علمه. # قال * ع *: وأصوب ما يفسر به { أم الكتب }: أنه كتاب ~~الأمور المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن، وسبق ~~ألا تبدل ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء ~~أن تبدل وتمحى وتثبت؛ قال نحوه قتادة، وقوله سبحانه: { وإن ~~ما نرينك بعض الذي نعدهم }: «إن»: شرط دخلت عليها ~~«ما»، وقوله: { أو نتوفينك } ، «أو» عاطفة، وقوله: { ~~فإنما }: جواب الشرط، ومعنى الآية: إن نبقك يا محمد، لترى ~~بعض الذي نعدهم، أو نتوفينك قبل ذلك، فعلى كلا الوجهين، فإنما ~~يلزمك البلاغ فقط، والضمير في قوله: { أولم يروا }: عائد ~~على كفار قريش؛ كالذي في { نعدهم }. # وقوله: { نأتي }: معناه: بالقدرة والأمر. و { الأرض }: يريد بها ~~اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفار المذكورين، المعنى: أو لم يروا أنا ~~نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك، فننقصها بما يدخل في دينك من ~~القبائل والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضا؛ ~~قاله ابن عباس، ms0773 وهذا على أن الآية مدنية، ومن قال: إن الأرض ~~اسم جنس، جعل انتقاص الأرض بتخريب العمران الذي يحله الله ~~بالكفار، وقيل: الانتقاص بموت البشر، ونقص الثمار والبركة، ~~وقيل: بموت العلماء والأخيار؛ قاله ابن عباس أيضا، وكل ما ذكر يدخل ~~في لفظ الآية، وجملة معنى هذه الآية: الموعظة وضرب المثل، وقال ~~أبو عمر بن عبد البر في كتاب العلم بسنده عن عطاء بن أبي رباح في ~~معنى { ننقصها من أطرافها } قال: بذهاب فقهائها، وخيار ~~أهلها؛ وعن وكيع نحوه. # وقال الحسن: نقصانها: هو بظهور المسلمين على المشركين. # قال أبو عمر: وقول عطاء في تأويل الآية حسن جدا، تلقاه أهل ~~العلم بالقبول، وقول الحسن أيضا حسن. انتهى. # وقوله سبحانه: { فلله المكر جميعا }: أي: العقوبات التي ~~أحلها بهم، وسماها مكرا على عرف تسمية العقوبة باسم الذنب، ~~وباقي الآية تحذير ووعيد. # { ويقول الذين كفروا لست مرسلا }: المعنى: ويكذبك ~~يا محمد هؤلاء الكفرة؛ ويقولون: لست مرسلا. { قل كفى ~~بالله شهيدا }: أي: شاهدا بيني وبينكم، { ومن عنده علم ~~الكتب }: قال قتادة: يريد من آمن منهم؛ كعبد الله بن ~~سلام وغيره، كمل تفسير السورة، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # قوله عز وجل: { الر كتاب أنزلنه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمت إلى النور } قال القاضي ابن الطيب، ~~وأبو المعالى وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي ~~هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى ~~جبريل عليه السلام من الكلام. # وقوله: { لتخرج الناس من الظلمت إلى النور }: في ~~هذه اللفظة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وعم الناس؛ إذ هو ~~مبعوث إلى جميع الخلق، وقرأ نافع وابن عامر: «الله الذي ~~له ما في السموات وما في الأرض» برفع اسم الله؛ على ~~القطع والابتداء، وقرأ الباقون بخفض الهاء، { وويل }: معناه: ~~وشدة وبلاء، وباقي الآية بين. ### || [14.4-6] # وقوله سبحانه: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم... } الآية، هذه الآية طعن ورد على ~~المستغربين أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وباقي ms0774 الآية بين. # وقوله سبحانه لموسى: { وذكرهم بأيام الله }: أي: عظهم ~~بالتهديد بنقم الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم، ~~وبالتعديد لنعمه عليهم، وعبر عن النعم والنقم ب ~~«الأيام»؛ إذ هي في أيام، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن ~~المذكر بها، وفي الحديث الصحيح: «بينما موسى في قومه ~~يذكرهم أيام الله...» الحديث، في قصة موسى مع الخضر. # قال عياض في «الإكمال»: { أيام الله }: نعماؤه وبلاؤه، ~~انتهى. وقال الداوودي: وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " { وذكرهم بأيام الله }: قال: بنعم الله " # وعن قتادة: { لأيت لكل صبار شكور }: قال: نعم، ~~والله، العبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر. انتهى. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: وفي { أيام الله } قولان: ~~أحدهما: نعمه. والثاني: نقمه. انتهى. ### || [14.7-9] # وقوله: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم... } الآية: «تأذن»: بمعنى آذن، أي: أعلم. # قال بعض العلماء: الزيادة على الشكر ليست في الدنيا، وإنما هي ~~من نعم الآخرة، والدنيا أهون من ذلك. # قال * ع *: وجائز أن يزيد الله المؤمن على شكره من نعم الدنيا ~~والآخرة، «والكفر»؛ هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتمل أن يكون ~~كفر النعم، لا كفر الجحد، وفي الآية ترجية وتخويف، وحكى ~~الطبري عن سفيان وعن الحسن؛ أنهما قالا: معنى الآية: لئن شكرتم ~~لأزيدنكم من طاعتي. # قال * ع *: وضعفه الطبري، وليس كما قال، بل هو قوي حسن، ~~فتأمله. # * ت *: وتضعيف الطبري بين؛ من حيث التخصيص، والأصل التعميم. # وقوله: { ألم يأتكم }: هذا أيضا من التذكير بأيام الله، ~~وقوله سبحانه: { فردوا أيديهم في أفواههم }: قيل: ~~معناه: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم؛ إشارة على الأنبياء ~~بالسكوت، وقال الحسن: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتا ~~لهم، وهذا أشنع في الرد. ### || [14.10-14] # وقوله عز وجل: { قالت رسلهم أفي الله شك }: التقدير: ~~أفي إلاهية الله شك أو: أفي وحدانية الله شك، و«ما»؛ في ~~قوله { ما ءاذيتمونا } مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة ~~بمعنى «الذي»، قال الداودي: عن أبي عبيدة { لمن خاف مقامي }: ~~مجازه حيث أقيمه بين يدي للحساب انتهى. قال عبد الحق في ms0775 ~~«العاقبة» قال الربيع بن خيثم: من خاف الوعيد، قرب عليه ~~البعيد، ومن طال أمله، ساء عمله. انتهى، وباقي الآية بين. ### || [14.15-16] # وقوله سبحانه: { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد }: { ~~استفتحوا }: أي: طلبوا الحكم، و«الفتاح» الحاكم، والمعنى: ~~أن الرسل استفتحوا، أي: سألوا الله تبارك وتعالى إنفاذ ~~الحكم بنصرهم. # وقيل: بل استفتح الكفار على نحو قول قريش: # عجل لنا قطنا... # [ص:16] وعلى نحو قول أبي جهل يوم بدر: اللهم، أقطعنا للرحم، ~~وأتيانا بما لا نعرف، فاحنه الغداة، وهذا قول ابن زيد، ~~وقرأت فرقة: «واستفتحوا» - بكسر التاء -؛ على معنى الأمر ~~للرسل، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن: { وخاب }: ~~معناه: خسر ولم ينجح، وال { جبار }: المتعظم في نفسه، وال { ~~عنيد }: الذي يعاند ولا يناقد. # وقوله: { من ورائه }: قال الطبري وغيره: من أمامه، وعلى ذلك ~~حملوا قوله تعالى: # وكان وراءهم ملك # [الكهف:79]، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوراء هنا وهناك على بابه، ~~أي: هو ما يأتي بعد في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث ~~بالأمام والوراء، إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام، وهو ~~بين اليد؛ كما نقول في التوراة والإنجيل: إنهما بين يدي القرآن، ~~والقرآن وراءهم، وعلى هذا فما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم، ~~{ ويسقى من ماء صديد }: «الصديد»: القيح والدم، وهو ما ~~يسيل من أجساد أهل النار؛ قاله مجاهد والضحاك. ### || [14.17-21] # وقوله: { يتجرعه ولا يكاد يسيغه }: عبارة عن صعوبة ~~أمره عليهم، وروي أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار، ~~فيتكرهها، فإذا أدنيت منه، شوت وجهه، وسقطت فيها فروة رأسه، ~~فإذا شربها، قطعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله ~~عز وجل، { ويأتيه الموت من كل مكان } ، أي: من كل ~~شعرة في بدنه؛ قاله إبراهيم التيمي، وقيل: من جميع جهاته ~~الست، { وما هو بميت }: لا يراح بالموت، { ومن ورائه ~~عذاب غليظ }: قال الفضيل بن عياض العذاب الغليظ: حبس ~~الأنفاس في الأجساد، وفي الحديث: # " تخرج عنق من النار تكلم بلسان طلق ذلق ~~لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تكلم به، ms0776 ~~فتقول: إني أمرت بمن جعل مع الله إلها آخر، ~~وبكل جبار عنيد، وبمن قتل نفسا بغير نفس، ~~فتنطلق بهم قبل سائر الناس بخمسمائة عام، ~~فتنطوي عليهم، فتقذفهم في جهنم " # ، خرجه البزار، انتهى من «الكوكب الدري». # وقوله: { في يوم عاصف } وصف اليوم بالعصوف، وهي من صفات ~~الريح بالحقيقة؛ لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل] # ....................... # ونمت وما ليل المطي بنائم # وباقي الآية بين. # { وبرزوا لله جميعا }: معناه: صاروا في البراز، وهي ~~الأرض المتسعة، { فقال الضعفاء } ، وهم الأتباع { ~~للذين استكبروا } ، وهم القادة وأهل الرأي، وقولهم: { ~~سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ~~«المحيص»: المفر والملجأ مأخوذ من حاص يحيص؛ إذا نفر وفر؛ ~~ومنه في حديث هرقل: « فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى ~~الأبواب » وروي عن ابن زيد، وعن محمد بن كعب؛ أن أهل النار ~~يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على طاعة الله، ~~فتعالوا فلنصبر، فيصبرون خمسمائة سنة، فلا ~~ينتفعون، فيقولون: هلم فلنجزع، فيضجون ويصيحون ~~ويبكون خمسمائة سنة أخرى، فحينئذ يقولون هذه المقالة { ~~سواء علينا... } الآية، وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في ~~موقف العرض وقت البروز بين يدي الله عز وجل. ### || [14.22-23] # وقوله عز وجل: { وقال الشيطن لما قضي الأمر }: ~~المراد هنا ب «الشيطان» إبليس الأقدم، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من طريق عقبة بن عامر، أنه قال: يقوم يوم ~~القيامة خطيبان؛ أحدهما: إبليس يقوم في الكفرة بهذه ~~الألفاظ، والثاني: عيسى ابن مريم يقوم بقوله: # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به... # الآية [المائدة:117]، وروي في حديث؛ أن إبليس إنما يقوم بهذه ~~الألفاظ في النار على أهلها عند قولهم: # ما لنا من محيص # [إبراهيم:21] في الآية المتقدمة؛ فعلى هذه الرواية، يكون معنى قوله: { ~~قضي الأمر } ، أي: حصل أهل النار في النار، وأهل الجنة في ~~الجنة، وهو تأويل الطبري. # وقوله: { وما كان لي عليكم من سلطن }: أي: من حجة ~~بينة، و { إلا أن دعوتكم }؛ استثناء منقطع، ويحتمل أن ~~يريد ب «السلطان» في هذه الآية: الغلبة والقدرة والملك، أي: ما ms0777 ~~اضطررتكم، ولا خوفتكم بقوة مني، بل عرضت عليكم شيئا ~~فأتى رأيكم عليه. # وقوله: { فلا تلوموني }: يريد: بزعمه؛ إذ لا ذنب لي، { ~~ولوموا أنفسكم } ، أي: في سوء نظركم في اتباعي، وقلة ~~تثبتكم؛ { ما أنا بمصرخكم }: «المصرخ»: المغيث، ~~والصارخ: المستغيث، وأما الصريخ، فهو مصدر بمنزلة البريح، ~~وقوله: { إني كفرت بما أشركتمون }: «ما» مصدرية، وكأنه ~~يقول: إني الآن كافر بإشراككم إياي مع الله قبل هذا ~~الوقت، فهذا تبر منه، وقد قال تعالى: # ويوم القيمة يكفرون بشرككم # [فاطر:14]. وقوله عز وجل: { وأدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصلحات جنت تجري من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها بإذن ربهم }: «الإذن»؛ هنا: ~~عبارة عن القضاء والإمضاء. ### || [14.24-26] # وقوله سبحانه: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة }: { ألم تر }: بمعنى: ألم تعلم، قال ابن عباس ~~وغيره: الكلمة الطيبة: هي لا إله إلا الله، مثلها الله ~~سبحانه بالشجرة الطيبة، وهي النخلة في قول أكثر المتأولين، ~~فكأن هذه الكلمة أصلها ثابت في قلوب المؤمنين، وفضلها وما ~~يصدر عنها من الأفعال الزكية وأنواع الحسنات هو فرعها يصعد ~~إلى السماء من قبل العبد، والحين: القطعة من الزمان غير ~~محدودة؛ كقوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص:88]، وقد تقتضي لفظة «الحين» بقرينتها تحديدا؛ كهذه الآية، ~~و«الكلمة الخبيثة»: هي كلمة الكفر، وما قاربها من كلام السوء في ~~الظلم ونحوه، و«الشجرة الخبيثة»: قال أكثر المفسرين: هي شجرة ~~الحنظل؛ ورواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عندي على جهة ~~المثل، «اجتثت»: أي: اقتلعت جثتها بنزع الأصول، وبقيت في ~~غاية الوهن والضعف، فتقلبها أقل ريح، فالكافر يرى أن بيده ~~شيئا، وهو لا يستقر ولا يغني عنه؛ كهذه الشجرة الذي يظن بها ~~على بعد أو للجهل بها أنها شيء نافع، وهي خبيثة الجني غير ~~باقية. ### || [14.27-30] # وقوله سبحانه: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحيوة الدنيا وفي الأخرة }: { القول ~~الثابت في الحيوة الدنيا }: كلمة الإخلاص والنجاة من ~~النار: «لا إله إلا الله»، والإقرار بالنبوة، وهذه الآية ~~تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة. ms0778 قال ~~طاوس، وقتادة، وجمهور من العلماء: { الحيوة الدنيا } هي ~~مدة حياة الإنسان، { وفي الأخرة } وقت سؤاله في قبره، ~~وقال البراء بن عازب وجماعة: { في الحيوة الدنيا }: هي ~~وقت سؤاله في قبره، ورواه البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~لفظ متأول، وفي الآخرة: هو يوم القيامة عند العرض، والأول أحسن، ~~ورجحه الطبري. # * ت *: ولفظ البخاري عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: ~~{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحيوة الدنيا وفي الأخرة } " # انتهى، وحديث البراء خرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ~~وابن ماجه، قال صاحب «التذكرة»: وقد روى هذا الحديث أبو هريرة وابن ~~مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد الخدري: ~~كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " يأيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ~~فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ~~ملك بيده مطراق، فأقعده، فقال: ما تقول في هذا ~~الرجل... " # الحديث، وفيه: فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «ما أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق ~~إلا هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: { يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة ~~الدنيا وفي الأخرة ويضل الله الظلمين ~~ويفعل الله ما يشاء } انتهى. # قال أبو عمر بن عبد البر: وروينا من طرق؛ # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر: " كيف بك ~~يا عمر، إذا جاءك منكر ونكير، إذا مت، وانطلق ~~بك قومك، فقاسوا ثلاثة أذرع وشبرا في ذراع ~~وشبر، ثم غسلوك، وكفنوك، وحنطوك، ثم ~~احتملوك، فوضعوك فيه، ثم أهالوا عليك التراب، ~~فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر: منكر ~~ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما ~~كالبرق الخاطف يجران شعورهما معهما مرزبة، ~~لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلبوها، فقال ~~عمر: يا رسول الله، إن فرقنا فحق لنا أن نفرق ~~أنبعث على ما نحن عليه؟ قال: نعم، ms0779 إن شاء ~~الله، قال: إذن أكفيكهما " # ، انتهى، و«الظالمون»؛ في هذه الآية: الكافرون، { ويفعل الله ~~ما يشاء } ، أي: بحق الملك؛ فلا راد لأمره، ولا معقب ~~لحكمه، وجاءت أحاديث صحيحة في مساءلة العبد في قبره، وجماعة ~~السنة تقول: إن الله سبحانه يخلق للعبد في قبره ~~إدراكات وتحصيلا: إما بحياة؛ كالمتعارفة، وإما بحضور النفس، ~~وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف، كل هذا جائز في قدرة الله ~~تبارك وتعالى غير أن في الأحاديث الصحيحة؛ « أنه يسمع ~~خفق النعال »، ومنها: أنه يرى الضوء كأن الشمس دنت ~~للغروب، وفيها أنه يراجع، وفيها: « فيعاد روحه إلى جسده ~~»، وهذا كله يتضمن الحياة، فسبحان من له هذه القدرة ~~العظيمة، وقوله سبحان: { ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمت الله كفرا }: المراد ب { الذين بدلوا ~~نعمت الله }: كفرة قريش، وقد خرجه البخاري وغيره مسندا ~~عن ابن عباس انتهى، والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرا، ~~ونعمة الله تعالى؛ في هذه الآية: هو محمد صلى الله عليه وسلم ~~ودينه، { وأحلوا قومهم } ، أي: من أطاعهم، وكأن ~~الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، و { البوار }: ~~الهلاك، قال عطاء بن يسار: نزلت هذه الآية في قتلى بدر، ~~و«الأنداد»: جمع ند، وهو المثيل، والمراد: الأصنام، واللام في قوله: ~~{ ليضلوا } - بضم الياء -: لام كي، وبفتحها: لام عاقبة ~~وصيرورة، والقراءتان سبعيتان. ### || [14.31-34] # وقوله سبحانه: { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ~~الصلاة... } الآية: «العباد»: جمع عبد، وعرفه في التكرمة بخلاف ~~العبيد، و«السر»: صدقة التنقل، و«العلانية»: المفروضة؛ هذا هو مقتضى ~~الأحاديث، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاة الأموال مجملا، وكذلك ~~فسر الصلاة؛ بأنها الخمس وهذا عندي منه تقريب للمخاطب. ~~و«الخلال»: مصدر من «خالل»، إذا واد وصافى؛ ومنه الخلة ~~والخليل، والمراد بهذا اليوم يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { الله الذي خلق السموات والأرض ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرت ~~رزقا لكم }: هذه الآية تذكير بآلائه سبحانه، وتنبيه على ~~قدرته التي فيها إحسان إلى البشر؛ لتقوم الحجة عليهم، وقوله: { ~~بأمره }: مصدر أمر يأمر، وهذا راجع إلى الكلام القديم ~~القائم بالذات، و { دائبين }: معناه: متماديين، ms0780 ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش إليه: « إن ~~هذا الجمل شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه»، أي: تديمه ~~في الخدمة والعمل، وظاهر الآية أن معناه: دائبين في الطلوع ~~والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة، وعن ابن ~~عباس أنه قال: معناه: دائبين في طاعة الله، وقوله سبحانه: { ~~وآتاكم من كل ما سألتموه } المعنى: أن جنس الإنسان ~~بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس ~~وغيره: «من كل ما سألتموه» - بتنوين كل -، ورويت عن ~~نافع، وقوله تعالى: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~} ، أي: لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى، والإيجاد بعد العدم ~~والهداية للإيمان وغير ذلك، وقال طلق بن حبيب: إن حق ~~الله تعالى: أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر ~~من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا ~~توابين. # * ت *: ومن «الكلم الفارقية»: أيها الحريص على نيل عاجل ~~حظه ومراده؛ الغافل عن الاستعداد لمعاده تنبه لعظمة من وجودك ~~بإيجاده؛ وبقاؤك بإرفاده؛ ودوامك بإمداده، وأنت طفل في حجر ~~لطفه؛ ومهد عطفه؛ وحضانة حفظه، يغذك بلبان بره؛ ويقلبك ~~بأيدي أياديه وفضله؛ وأنت غافل عن تعظيم أمره؛ جاهل بما أولاك من ~~لطيف سره؛ وفضلك به على كثير من خلقه، واذكر عهد الإيجاد، ~~ودوام الإمداد والإرفاد؛ وحالتي الإصدار والإيراد؛ وفاتحة ~~المبدأ وخاتمة المعاد. انتهى. # وقوله سبحانه: { إن الإنسن }: يريد به النوع والجنس، ~~المعنى: توجد فيه هذه الخلال، وهي الظلم والكفر، فإن كانت ~~هذه الخلال من جاحد، فهي بصفة، وإن كانت من عاص فهي بصفة ~~أخرى. ### || [14.35-39] # وقوله سبحانه: { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا ~~البلد آمنا } تقدم تفسيره. # وقوله: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام }: و { ~~واجنبني }: معناه: امنعني، يقال: جنبه كذا، وأجنبه؛ ~~إذا منعه من الأمر وحماه منه. # * ت *: وكذا قال * ص *: و«اجنبني»: معناه: امنعني، أصله من الجانب، ~~وعبارة المهدوي: أي: اجعلني جانبا من عبادتها. # وقال الثعلبي: { واجنبني } ، أي: بعدني واجعلني منها على ~~جانب بعيد. انتهى، وهذه الألفاظ كلها متقاربة ms0781 المعاني، وأراد ~~إبراهيم عليه السلام بني صلبه، وأما باقي نسله، فمنهم من عبد ~~الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على ~~نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنما، لكن هذه الآية ~~ينبغي أن يقتدى بها في الخوف، وطلب حسن الخاتمة، و { ~~الأصنام }: هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتا على ~~غير خلقة البشر، فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد، ونسب إلى ~~الأصنام أنها أضلت كثيرا من الناس تجوزا، وحقيقة الإضلال إنما ~~هي لمخترعها سبحانه، وقيل: أراد ب { الأصنام } هنا: الدنانير ~~والدراهم. # وقوله: { ومن عصاني }: ظاهره بالكفر؛ لمعادلة قوله: { فمن ~~تبعني فإنه مني } ، وإذا كان ذلك كذلك، فقوله: { فإنك ~~غفور رحيم }: معناه: بتوبتك على الكفرة؛ حتى يؤمنوا لا ~~أنه أراد أن الله يغفر لكافر، وحمله على هذه العبارة ما كان ~~يأخذ نفسه به من القول الجميل، والنطق الحسن، وجميل ~~الأدب صلى الله عليه وسلم، قال قتاد: اسمعوا قول الخليل صلى ~~الله عليه وسلم: والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك ~~قول نبي الله عيسى عليه السلام: # وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة:118]، وأسند الطبري عن عبد الله بن عمرو حديثا: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، تلا هاتين الآيتين، ثم دعا لأمته ~~فبشر فيهم، وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن على نفسه ~~بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام. # وقوله: و { من ذريتي }: يريد: إسماعيل عليه السلام، وذلك أن ~~سارة لما غارت بهاجر بعد أن ولدت إسماعيل، تشوش قلب ~~إبراهيم منهما، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر، والطفل، ~~فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فتركهما هناك، ~~وركب منصرفا من يومه ذلك، وكان ذلك كله بوحي من الله تعالى، ~~فلما ولى، دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر، وما ~~صنعت، وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري وغيره، وفي السير، ~~ذكر ذلك كله مستوعبا. # * ت *: وفي «صحيح البخاري» من حديثه الطويل في قصة إبراهيم مع ~~هاجر وولدها، لما ms0782 حملهما إلى مكة، قال: وليس بمكة ~~يومئذ أحد، وليس فيها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما ~~جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته ~~أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب، وتتركنا بهذا ~~الوادي الذي ليس فيه أنيس، ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، ~~وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: ~~نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق ~~إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، ~~استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع ~~يديه، فقال:« رب { إني أسكنت من ذريتي بواد ~~غير ذي زرع عند بيتك المحرم } ، حتى بلغ: { ~~يشكرون }. # .. »الحديث بطوله وفي الطريق: «قالت: ياإبراهيم إلى من ~~تتركنا؟ قال: إلى الله عز وجل، قالت: رضيت. انتهى. ~~وفي هذا الحديث من الفوائد لأرباب القلوب والمتوكلين وأهل ~~الثقة بالله سبحانه ما يطول بنا سردها، فإليك استخراجها، ~~ولما انقطعت هاجر وابنها إلى الله تعالى، آواهما الله، ~~وأنبع لهما ماء زمزم المبارك الذي جعله غذاء، قال ابن ~~العربي: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ماء زمزم لما شرب له ". # قال ابن العربي: ولقد كنت مقيما بمكة سنة سبع وثمانين ~~وأربعمائة، وكنت أشرب ماء زمزم كثيرا، وكلما شربت، ~~نويت به العلم والإيمان، ونسيت أن أشربه للعمل، ففتح ~~لي في العلم، ويا ليتني شربته لهما معا؛ حتى يفتح لي ~~فيهما، ولم يقدر، فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى ~~العمل، انتهى من «الأحكام». # و«من»؛ في قوله: و { من ذريتي }؛ للتبعيض؛ لأن إسحاق كان ~~بالشام، و«الوادي»: ما بين الجبلين، وليس من شرطه أن يكون فيه ~~ماء، وجمعه الضمير في قوله: { ليقيموا }: يدل على أن الله ~~قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هناك، ويكون له نسل، واللام في ~~{ ليقيموا }: لام كي؛ هذا هو الظاهر، ويصح أن تكون لام الأمر؛ ~~كأنه رغب إلى الله سبحانه أن يوفقهم لإقامة الصلاة، ~~و«الأفئدة» القلوب جمع فؤاد، سمي بذلك، لاتقاده، مأخوذ من ~~«فأد»، ومنه: «المفتأد»، وهو مستوقد النار حيث يشوى ~~اللحم. # وقوله: { من ms0783 الناس }: تبعيض، ومراده المؤمنون، وباقي الآية ~~بين. ### || [14.40-41] # وقوله: { رب اجعلني مقيم الصلوة }: دعاء إبراهيم عليه ~~السلام في أمر كان مثابرا عليه، متمسكا به، ومتى دعا الإنسان في مثل ~~هذا، فإنما المقصد إدامة ذلك الأمر، واستمراره قال ~~السهيلي: قوله تعالى: { رب اجعلني مقيم الصلوة ~~ومن ذريتي } بحرف التبعيض، ولذلك أسلم بعض ذريته دون بعض، ~~انتهى، وفاقا لما تقدم الآن. # وقوله: { ربنا اغفر لي ولوالدي }: اختلف في تأويل ذلك، ~~فقالت فرقة: كان ذلك قبل يأسه من إيمان أبيه، وتبينه أنه عدو ~~لله، فأراد أباه وأمه؛ لأنها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم ونوحا ~~عليهما السلام، وقرأ الزهري وغيره: «ولولدي»؛ على أنه دعاء ~~لإسماعيل وإسحاق، وأنكرها عاصم الجحدري، وقال: «إن في ~~مصحف أبي بن كعب ولأبوي». ### || [14.42-44] # وقوله عز وجل: { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل ~~الظلمون إنما يؤخرهم... } الآية: هذه الآية بجملتها ~~فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله: { تحسبن ~~} للنبي صلى الله عليه وسلم، و { تشخص فيه الأبصر } ، ~~معناه: تحد النظر، لفرط الفزع ولفرط ذلك يشخص ~~المختضر، و«المهطع» المسرع في مشيه؛ قاله ابن جبير وغيره، ~~وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير ونحوه، وهذا أرجح الأقوال، ~~وقال ابن عباس وغيره: الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرف، وقال ~~ابن زيد: «المهطع»: الذي لا يرفع رأسه، قال أبو عبيدة: قد ~~يكون: الإهطاع للوجهين جميعا: الإسراع، وإدامة النظر، ~~و«المقنع»: هو الذي يرفع رأسه قدما بوجهه نحو الشيء، ~~ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر] # يباكرن العضاه بمقنعات # نواجذهن كالحدإ الوقيع # يصف الإبل عند رعيها أعالي الشجر، وقال الحسن في تفسير هذه ~~الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى ~~أحد، وذكر المبرد فيما حكى عنه مكي: أن الإقناع يوجد في كلام ~~العرب بمعنى: خفض الرأس من الذلة. # قال * ع *: والأول أشهر. # وقوله سبحانه: { لا يرتد إليهم طرفهم }؛ أي: لا ~~يطرفون من الحذر والجزع وشدة الحال. # وقوله: { وأفئدتهم هواء }: تشبيه محض، وجهة التشبيه ~~يحتمل أن تكون في فراغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في ~~الرحمة، ms0784 فهي متخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء، ~~وانخراقه، ويحتمل أن تكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم، ~~وأنها تذهب وتجيء وتبلغ على ما روي حناجرهم، فهي في ذلك ~~كالهواء الذي هو أبدا في اضطراب. # وقوله سبحانه: { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب }: ~~المراد باليوم: يوم القيامة، ونصبه على أنه مفعول ب ~~«أنذر»، ولا يجوز أن يكون ظرفا، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، ~~قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: يجب ~~التصديق بكل ما أخبر الله ورسوله به، ولا يتعرض إلى ~~الكيفية في كل ما جاء من أمر الساعة وأحوال يوم القيامة، ~~فإنه أمر لا تسعه العقول، وطلب الكيفية فيه ضعف في ~~الإيمان، وإنما يجب الجزم بالتصديق بجميع ما أخبر الله به، ~~انتهى. # قال الغزالي: فأعلم العلماء وأعرف الحكماء ينكشف له ~~عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله، ~~ولا اختلج به ضميره، فلو لم يكن للعاقل هم ولا غم، إلا ~~التفكر في خطر تلك الأحوال، وما الذي ينكشف عنه الغطاء من ~~شقاوة لازمة، أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع ~~العمر، والعجب من غفلتنا، وهذه العظائم بين أيدينا. انتهى من ~~«الإحياء». # وقوله: { أولم تكونوا... } الآية: معناه: يقال لهم، وقوله: { ~~ما لكم من زوال }: هو المقسم عليه، وهذه الآية ناظرة إلى ~~ما حكى الله سبحانه عنهم في قوله: # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # [النحل:38]. ### || [14.45-47] # وقوله سبحانه: { وسكنتم... } الآية: المعنى: بقول الله عز ~~وجل: وسكنتم أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم ~~في مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر من الأمم السالفة، فنزلت ~~بهم المثلاث، فكان حقكم الاعتبار والاتعاظ. وقوله: { وعند ~~الله مكرهم }: أي: جزاء مكرهم، وقرأ السبعة سوى الكسائي: ~~«وإن كان مكرهم لتزول» - بكسر اللام من «لتزول» وفتح ~~الأخيرة -؛ وهذا على أن تكون «إن» نافية بمعنى «ما»، ومعنى الآية ~~تحقير مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات ~~وإقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، هذا تأويل ~~الحسن ms0785 وجماعة المفسرين وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى ~~تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديدا، وقرأ الكسائي: «وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال» - بفتح اللام الأولى من ~~لتزول، وضم الأخيرة -، وهي قراءة ابن عباس وغيره، ومعنى الآية: ~~تعظيم مكرهم وشدته، أي: أنه مما يشقى به، ويزيل الجبال عن ~~مستقراتها، لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا ~~أشد في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي: «وإن ~~كاد مكرهم»، وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي: «ولولا ~~كلمة الله لزال من مكرهم الجبال». # وقوله سبحان: { فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله... } الآية: تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من ~~أمته، ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسبن مثل هذا، ~~ولكن خرجت العبارة هكذا، والمراد بما فيها من الزجر غيره؛ { ~~إن الله عزيز }: لا يمتنع منه شيء، { ذو انتقام }: من ~~الكفرة. ### || [14.48-52] # وقوله سبحانه: { يوم تبدل الأرض... } ، الآية: { يوم } ~~ظرف للانتقام المذكور قبله، وروي في تبديل الأرض أخبار ~~منها في الصحيح: # " يبدل الله هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء ~~كأنها قرصة نقي " # ، وفي الصحيح: # " إن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها ~~من تحت قدميه " # وروي أنها تبدل أرضا من فضة، وروي أنها أرض كالفضة من ~~بياضها، وروي أنها تبدل من نار. # قال * ع *: وسمعت من أبي رحمه الله؛ أنه روي أن التبديل يقع في ~~الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما يقتضيه حاله، فالمؤمن يكون ~~على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة، إن ~~صح السند بها، وفريق الكفرة يكونون على نار، ونحو هذا مما ~~كله واقع تحت قدرة الله عز وجل، وأكثر المفسرين على أن ~~التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها، ولا ~~سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش " # ، وروي عنه أنه قال: # " الناس وقت التبديل على الصراط " # ، وروي أنه قال: # " الناس حينئذ أضياف الله، فلا يعجزهم ما ms0786 لديه " # وفي «صحيح مسلم» من حديث ثوبان # " في سؤال الحبر، وقوله: يا محمد، أين يكون الناس ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: « هم في الظلمة دون الجسر» " # الحديث بطوله، وخرجه مسلم وابن ماجه جميعا، قالا: حدثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة، ثم أسندا عن عائشة، قالت: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض السموات } فأين ~~يكون الناس؟ قال: على الصراط " # ، وخرجه الترمذي من حديث عائشة، " قالت: يا رسول الله، { ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت ~~مطويت بيمينه } [الزمر:67]، فأين يكون المؤمنون ~~يومئذ؟ قال:« على الصراط يا عائشة»، قال أبو عيسى: ~~هذا حديث حسن صحيح. انتهى من «التذكرة». # { وترى المجرمين }: أي الكفار، و { مقرنين }: أي: ~~مربوطين في قرن، وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل ~~والبقر، و { الأصفاد }: هي الأغلال، واحدها صفد، والسرابيل: ~~القمص، وال { قطران }: هو الذي تهنأ به الإبل، وللنار فيه ~~اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه، وقرأ عمر بن ~~الخطاب وعلي وأبو هريرة وابن عباس وغيرهم: «من قطر آن»، ~~والقطر: القصدير، وقيل: النحاس، وروي عن عمر أنه قال: ليس ~~بالقطران، ولكنه النحاس يسر بلونه، و«آن»: صفة، وهو الذائب ~~الحار الذي تناهى حره؛ قال الحسن: قد سعرت عليه جهنم ~~منذ خلقت، فتناهى حره. # وقوله سبحانه: { ليجزي الله كل نفس ما كسبت... } ~~الآية: جاء من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن؛ لينبه على ~~أن المحسن أيضا يجازى بإحسانه خيرا. # وقوله سبحانه: { هذا بلغ للناس... } الآية: إشارة إلى ~~القرآن والوعيد الذي تضمنه، والمعنى: هذا بلاغ للناس، وهو لينذروا به ~~وليذكر أولو الألباب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وصحبه وسلم تسليما. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-2] # قوله عز وجل: { الر تلك آيات الكتب وقرآن مبين ~~}: قال مجاهد وقتادة: { الكتب }: في الآية: ما نزل من الكتب ~~قبل القرآن، ويحتمل أن يراد ب { الكتب } القرآن: ثم تعطف ~~الصفة عليه، و«ربما»: للتقليل، وقد تجيء شاذة للتكثير. # وقال قوم: إن هذه ms0787 من ذلك، وأنكر الزجاج أن تجيء «رب» ~~للتكثير، واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن ~~يكونوا مسلمين، فقالت فرقة: هو عند معاينة الموت، حكى ذلك ~~الضحاك، وقالت فرقة: هو عند معاينة أهوال يوم القيامة، ~~وقال ابن عباس وغيره: هو عند دخولهم النار، ومعرفتهم، بدخول ~~المؤمنين الجنة، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى. ### || [15.3-5] # وقوله سبحانه: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا... } الآية: ~~وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف، وروى ابن ~~المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا الأوزاعي عن عروة بن رويم، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم، وغذوا به، ~~همتهم ألوان الطعام، وألوان الثياب، ~~يتشدقون بالكلام " # انتهى. # وقوله: { فسوف يعلمون }: وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض ~~العلماء؛ أنه قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فكيف تطيب ~~حياة بين هذين الوعيدين. # وقوله: { ويلههم الأمل }: أي: يشغلهم أمهلم في الدنيا، ~~والتزيد منها. # قال عبد الحق في «العاقبة»: اعلم رحمك الله أن تقصير الأمل ~~مع حب الدنيا متعذر، وانتظار الموت مع الإكباب عليها غير ~~متيسر، ثم قال: واعلم أن كثرة الاشتغال بالدنيا والميل ~~بالكلية إليها، ولذة أمانيها تمنع مرارة ذكر الموت؛ ~~أن ترد على القلب، وأن تلج فيه؛ لأن القلب إذا امتلأ ~~بشيء، لم يكن لشيء آخر فيه مدخل، فإذا أراد صاحب هذا ~~القلب سماع الحكمة، والانتفاع بالموعظة، لم يكن له بد من ~~تفريقه، ليجد الذكر فيه منزلا، وتلفي الموعظة فيه محلا ~~قابلا، قال ابن السماك رحمه الله: إن الموتى لم يبكوا من ~~الموت؛ لكنهم بكوا من حسرة الفوت، فاتتهم والله، دار ~~لم يتزودوا منها؛ ودخلوا دارا لم يتزودوا لها. انتهى. وإنما حصل ~~لهم الفوت؛ بسبب استغراقهم في الدنيا، وطول الأمل الملهي عن ~~المعاد، ألهمنا الله رشدنا بمنه. # وقوله سبحانه: { ومآ أهلكنا من قرية... } الآية: أي: فلا ~~تستبطئن هلاكهم، فليس من قرية مهلكة إلا بأجل، وكتاب ~~معلوم محدود. ### || [15.6-9] # { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر... } ~~الآية: القائلون هذه المقالة هم كفار قريش، ms0788 «ولو ما» بمعنى: لولا، ~~فتكون تحضيضا؛ كما هي في هذه الآية، وفي البخاري: { لو ما ~~تأتينا }: هلا تأتينا. # وقوله: { إلا بالحق }: قال مجاهد: المعنى: بالرسالة والعذاب، ~~والظاهر أن معناه كما ينبغي ويحق من الوحي والمنافع التي أراها ~~الله لعباده، لا على اقتراح كافر، ثم ذكر عادته سبحانه في ~~الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح، إلا ومعها العذاب في ~~إثرها إن لم يؤمنوا، والنظرة: التأخير. # وقوله سبحانه: { إنا نحن نزلنا الذكر }: رد على ~~المستخفين في قولهم: { يأيها الذي نزل عليه ~~الذكر } ، وقوله: { وإنا له لحفظون }: قال مجاهد ~~وغيره: الضمير في «له» عائد على القرآن، المعنى: وإنا له لحافظون ~~من أن يبدل أو يغير. ### || [15.10-15] # وقوله سبحانه: { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين } الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: أي: لا يضق ~~صدرك، يا محمد، بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: { ~~يأيها الذي نزل عليه الذكر } ، وغير ذلك، ~~و«الشيعة»: الفرقة التابعة لرأس ما. # * ت *: قال الفراء { في شيع الأولين } إنه من إضافة ~~الموصوف إلى صفته ك # حق اليقين # [الواقعة:95]، و # جانب الغربي # [القصص:44]، وتأوله البصريون على حذف الموصوف، أي: شيع الأمم ~~الأولين. انتهى من * ص * # وقوله سبحانه: { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين * لا ~~يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين }: يحتمل أن يكون ~~الضمير في { نسلكه } يعود على الذكر المحفوظ المتقدم، وهو ~~القرآن، ويكون الضمير في «به» عائدا عليه أيضا، ويحتمل أن يعود ~~الضميران معا على الاستهزاء والشرك ونحوه، والباء في «به»: باء السبب، ~~أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويحتمل أن يكون الضمير في { ~~نسلكه } عائدا على الاستهزاء والشرك، والضمير في «به» عائدا على ~~القرآن، والمعنى، في ذلك كله، ينظر بعضه إلى بعض، و { نسلكه }: ~~معناه: ندخله و { المجرمين }؛ هنا: يراد بهم كفار قريش، ومعاصرو ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { لا يؤمنون به } عموم، معناه الخصوص فيمن حتم ~~عليه، وقوله: { وقد خلت سنة الأولين }: أي: على هذه ~~الوتيرة، { ولو فتحنا عليهم } ، أي: على قريش وكفرة ~~العصر، والضمير ms0789 في قوله: { فظلوا } عائد عليهم، وهو تأويل ~~الحسن، و { يعرجون }: معناه يصعدون، ويحتمل أن يعود على ~~الملائكة، أي: ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب مفتوح ~~في السماء لما آمنوا، وهذا هو تأويل ابن عباس، وقرأ السبعة سوى ~~ابن كثير: «سكرت» - بضم السين وشد الكاف -، وقرأ ابن كثير ~~بتخفيف الكاف، تقول العرب: سكرت الريح تسكر سكورا، إذا ~~ركدت، ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولا، وسكر الرجل من الشراب، ~~إذا تغيرت حاله وركد، ولم ينفذ لما كان بسبيله أن ينفذ فيه، وتقول ~~العرب: سكرت البثق في مجاري الماء سكرا؛ إذا طمسته ~~وصرفت الماء عنه، فلم ينفذ لوجهه. # قال * ع *: فهذه اللفظة «سكرت» - بشد الكاف - إن كانت من ~~سكر الشراب، أو من سكور الريح، فهي فعل عدي بالتضعيف، وإن ~~كانت من سكر مجاري الماء، فتضعيفها للمبالغة، لا للتعدي، لأن ~~المخفف من فعله متعد، ومعنى هذه المقالة منهم: أي: غيرت ~~أبصارنا عما كانت عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء: كما ~~كانت تفعل. ### || [15.16-21] # وقوله سبحانه: { ولقد جعلنا في السماء بروجا }: ~~«البروج»: المنازل، واحدها برج، وسمي بذلك لظهوره؛ ومنه تبرج ~~المرأة: ظهورها وبدوها، و«حفظ السماء»: هو بالرجم بالشهب؛ على ~~ما تضمنته الأحاديث الصحاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الشياطين تقرب من السماء أفواجا، قال: ~~فينفرد المارد منها، فيعلو فيسمع، فيرمى ~~بالشهاب، فيقول لأصحابه: إنه من الأمر كذا ~~وكذا، فيزيد الشياطين في ذلك، ويلقون إلى ~~الكهنة، فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا... " # الحديث: «وإلا»: بمعنى: «لكن»، ويظهر أن الاستثناء من الحفظ، ~~وقال محمد بن يحيى عن أبيه: { إلا من استرق السمع } ، ~~فإنها لم تحفظ منه. # وقوله: { موزون }: قال الجمهور: معناه: مقدر محرر بقصد ~~وإرادة، فالوزن على هذا: مستعار. # وقال ابن زيد: المراد ما يوزن حقيقة؛ كالذهب والفضة وغير ذلك ~~مما يوزن، وال { معيش }: جمع معيشة، وقوله: { ومن ~~لستم له برزقين }: يحتمل أن يكون عطفا على { معيش ~~}؛ كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، وهي ما يؤكل ويلبس، ~~ثم عدد النعم في الحيوان ms0790 والعبيد وغير ذلك مما ينتفع به ~~الناس، وليس عليهم رزقهم. # وقوله تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه }. # قال ابن جريج: هو المطر خاصة. # قال * ع *: وينبغي أن يكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات. ### || [15.22-25] # وقوله سبحانه: { وأرسلنا الرياح لواقح }: أي: ذات لقح؛ ~~يقال: لقحت الناقة والشجر، فهي لاقحة، إذا حملت، فالوجه في ~~الريح ملقحة، لا لاقحة، قال الداوودي: وعن ابن عمر: ~~الرياح ثمان: أربع رحمة، وأربع عذاب؛ فالرحمة: المرسلات، ~~والمبشرات، والناشرات، والذاريات، وأما العذاب: فالصرصر، ~~والعقيم، والقاصف، والعاصف، وهما في البحر. انتهى. # وقوله جلت عظمته: { وإنا لنحن نحيي ونميت... } الآيات: ~~هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة ~~الله تعالى، وما يوجب توحيده وعبادته، المعنى: وإنا لنحن ~~نحيي من نشاء بإخراجه من العدم إلى وجود الحياة، ونميت بإزالة ~~الحياة عمن كان حيا، { ونحن الورثون } ، أي: لا يبقى ~~شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه، لا رب غيره. # { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستئخرين }: أي: من لدن آدم إلى يوم القيامة، قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: روى الترمذي وغيره في سبب نزول هذه الآية، عن ~~ابن عباس؛ أنه قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: ولا، والله، ما ~~رأيت مثلها قط، قال: فكان بعض المسلمين، إذا صلوا ~~تقدموا، وبعضهم يستأخر، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت ~~أيديهم، فأنزل الله الآية، ثم قال ابن العربي: في شرح المراد ~~بهذه الآية خمسة أقوال: # أحدهما: هذا. # القول الثاني: المتقدمين في الخلق إلى اليوم، والمتأخرين الذين ~~لم يخلقوا بعد، بيان أن الله يعلم الموجود والمعدوم، قاله ~~قتادة وجماعة. # الثالث: من مات، ومن بقي؛ قاله ابن عباس أيضا. # الرابع: المستقدمين: سائر الأمم، والمستأخرين أمة سيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد. # الخامس: قال الحسن: معناه: المتقدمين في الطاعة، والمستأخرين في ~~المعصية. انتهى. # قلت * ت *: والحديث المتقدم، إن صح، فلا بد من تأويله، فإن ~~الصحابة ينزهون عن فعل ما ذكر فيه، فيؤول ms0791 بأن ذلك صدر من ~~بعض المنافقين، أو بعض الأعراب الذين قرب عهدهم بالإسلام، ولم ~~يرسخ الإيمان في قلوبهم، وأما ابن عباس، فإنه كان يومئذ ~~صغيرا بلا شك، هذا إن كانت الآية مدنية، فإن كانت مكية، فهو ~~يومئذ في سن الطفولية، وبالجملة فالظاهر ضعف هذا الحديث من ~~وجوه. انتهى، وباقي الآية بين. ### || [15.26-33] # { ولقد خلقنا الإنسن }: يعني: آدم، قال ابن عباس: خلق ~~من ثلاثة: من طين لازب، وهو اللازق الجيد، ومن صلصال، وهو ~~الأرض الطيبة يقع عليها الماء، ثم ينحسر؛ فيتشقق وتصير ~~مثل الخزف، ومن حمإ مسنون، وهو الطين فيه الحماة، وال { ~~مسنون }: قال معمر: هو المنتن، وهو من أسن الماء؛ إذا ~~تغير، ورد من جهة التصريف، وقيل غير هذا، وفي الحديث: # " إن الله تعالى عز وجل خلق آدم من جميع ~~أنواع التراب: الطيب والخبيث، والأسود ~~والأحمر " # وقوله: { والجآن }: يراد به: جنس الشياطين، وسئل وهب بن ~~منبه عنهم، فقال هم أجناس. # قال * ع *: والمراد بهذه الخلقة إبليس أبو الجن، وقوله: { من ~~قبل }؛ لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة، و { السموم }؛ في كلام ~~العرب: إفراط الحر حتى يقتل: من نار، أو شمس، أو ريح، وأما ~~إضافة «النار» إلى «السموم» في هذه الآية، فيحتمل أن تكون النار ~~أنواعا، ويكون السموم أمرا يختص بنوع منها، فتصح الإضافة ~~حينئذ، وإن لم يكن هذا، فيخرج هذا على قولهم: «مسجد الجامع، ~~ودار الآخرة»؛ على حذف مضاف. # قوله عز وجل: { وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق ~~بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن ~~يكون مع الساجدين * قال يإبليس ما لك ألا ~~تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون }: # أخبر الله سبحانه الملائكة بعجب عندهم، وذلك أنهم كانوا ~~مخلوقين من نور، فهي مخلوقات لطاف، فأخبرهم سبحانه أنه ~~يخلق جسما حيا ذا بشرة، وأنه يخلقه من صلصال، والبشرة هي ~~وجه الجلد في الأشهر من القول، وقوله: { من ms0792 روحي }: ~~إضافة خلق وملك إلى خالق ومالك، وقول إبليس: { لم أكن ~~لأسجد لبشر خلقته من صلصال... } الآية: ليس ~~إباءته نفس كفره عند الحذاق؛ لأن إباءته إنما هي معصية ~~فقط، وإنما كفره بمقتضى قوله، وتعليله، إذ يقتضي أن الله ~~خلق خلقا مفضولا، وكلف خلقا أفضل منه؛ أن يذل له، ~~فكأنه قال: وهذا جور، وقد تقدم تفسير أكثر هذه المعاني. ### || [15.34-40] # وقوله عز وجل: { قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن ~~عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني ~~إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بمآ أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض... } الآية: قوله: { بمآ ~~أغويتني }: قال أبو عبيدة وغيره: أقسم بالإغواء. # قال * ع *: كأنه جعله بمنزلة قوله: رب بقدرتك علي، وقضائك، ~~ويحتمل أن تكون باء السبب. ### || [15.41-44] # وقوله سبحانه: { هذا صرط علي مستقيم }: المعنى: هذا أمر ~~إلي يصير؛ والعرب تقول: طريقك في هذا الأمر على فلان، أي: ~~إليه يصير النظر في أمرك، والآية تتضمن وعيدا، وظاهر قوله: { ~~عبادي }: الخصوص في أهل الإيمان والتقوى، فيكون الاستثناء ~~منقطعا، وإن أخذنا العباد عموما، كان الاستثناء متصلا، ويكون ~~الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار؛ والنظر الأول أحسن، ~~وإنما الغرض ألا يقع في الاستثناء الأكثر من الأقل، وإن كان ~~الفقهاء قد جوزوه. # وقوله: { لموعدهم }: أي: موضع اجتماعهم، عافانا الله من ~~عذابه بمنه، وعاملنا بمحض جوده وكرمه. ### || [15.45-50] # وقوله سبحانه: { إن المتقين في جنت وعيون * ~~ادخلوها بسلام... } الآية: ال { سلم }؛ هنا: يحتمل أن يكون ~~السلامة، ويحتمل أن يكون التحية، وال { غل }: الحقد، قال ~~الداوودي: # " عن النبي صلى الله عليه وسلم: { ونزعنا ما في صدورهم... ~~} الآية، قال: " إذا خلص المؤمنون من الصراط، حبسوا ~~على صراط بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم ~~من بعض بمظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى ~~إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، ~~والله، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من ~~منزله في الدنيا " # انتهى. # وال { سرر }: جمع سرير، و { متقبلين }: الظاهر أن معناه: ~~في الوجوه، إذ الأسرة متقابلة، ms0793 فهي أحسن في الرتبة. # قال مجاهد: لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وقيل غير هذا مما لا ~~يعطيه اللفظ، وال { نصب }: التعب، و { نبئ }: معناه: أعلم. # قال الغزالي رحمه الله في «منهاجه»: «ومن الآيات اللطيفة ~~الجامعة بين الرجاء والخوف قوله تعالى: { نبئ عبادي ~~أني أنا الغفور الرحيم } ، ثم قال في عقبه: { وأن ~~عذابي هو العذاب الأليم }؛ لئلا يستولي عليك الرجاء ~~بمرة، وقوله تعالى: # شديد العقاب # [غافر:3]، ثم قال في عقبه: # ذي الطول # [غافر:3]، لئلا يستولي عليك الخوف، وأعجب من ذلك قوله ~~تعالى: # ويحذركم الله نفسه # [آل عمران:30]، ثم قال في عقبه: # والله رءوف بالعباد # [آل عمران:30]، وأعجب منه قوله تعالى: # من خشي الرحمن بالغيب # [ق:33]، فعلق الخشية باسم الرحمن، دون اسم الجبار أو ~~المنتقم أو المتكبر ونحوه، ليكون تخويفا في تأمين، وتحريكا في ~~تسكين كما تقول: «أما تخشى الوالدة الرحيمة، أما تخشى الوالد ~~الشفيق»، والمراد من ذلك أن يكون الطريق عدلا، فلا تذهب إلى ~~أمن وقنوط جعلنا الله وإياكم من المتدبرين لهذا الذكر ~~الحكيم، العاملين بما فيه، إنه الجواد الكريم انتهى. ### || [15.51-56] # وقوله سبحانه: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم... } الآية: هذا ~~ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول، و«الضيف»: مصدر وصف به، فهو ~~للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث؛ بلفظ واحد، وقوله: { ~~إنا منكم وجلون } ، أي: فزعون، وإنما وجل منهم؛ لما ~~قدم إليهم العجل الحنيذ، فلم يرهم يأكلون، وكانت عندهم العلامة ~~المؤمنة أكل الطعام؛ وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للنازل، ~~والمنزول به. # وقوله: { أن مسني الكبر } ، أي: في حالة قد مسني فيها ~~الكبر، وقول إبراهيم عليه السلام: { فبم تبشرون }: تقرير على ~~جهة التعجب والاستبعاد، لكبرهما، أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة ~~بالمسرات الدنيوية، لمضي العمر، واستيلاء الكبر، وقولهم: { ~~بشرنك بالحق }: فيه شدة ما، أي: أبشر بما بشرت ~~به، ولا تكن من القانطين، والقنوط: أتم اليأس. ### || [15.57-65] # وقوله سبحانه: { قال فما خطبكم أيها المرسلون }: ~~لفظة الخطب إنما تستعمل في الأمور الشداد، وقولهم: { إلا آل ~~لوط }: استثناء منقطع، و«الآل»: القوم الذي يؤول أمرهم إلى ms0794 ~~المضاف إليه؛ كذا قال سيبويه؛ وهذا نص وفي أن لفظة «آل» ليست ~~لفظة «أهل»؛ كما قال النحاس، و { إلا امرأته }: استثناء ~~متصل، والاستثناء بعد الاستثناء يرد المستثنى الثاني في حكم الأمر ~~الأول، و { الغبرين }؛ هنا: أي: الباقين في العذاب، و«وغبر»: ~~من الأضداد، يقال في الماضي وفي الباقي، وقول الرسل للوط: { بل ~~جئنك بما كانوا فيه يمترون } ، أي: بما وعدك ~~الله من تعذيبهم الذي كانوا يشكون فيه، و«القطع»: الجزء من ~~الليل. # وقوله سبحانه: { واتبع أدبرهم } ، أي: كن خلفهم، وفي ~~ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، { ولا يلتفت }: مأخوذ من ~~الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد: المعنى: لا ينظر أحد وراءه، ~~ونهوا عن النظر مخافة العلقة، وتعلق النفس بمن خلف، ~~وقيل: لئلا تنفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في ~~رفعها وطرحها. ### || [15.66-77] # وقوله سبحانه: { وقضينآ إليه ذلك الأمر } ، أي: أمضيناه ~~وحتمنا به، ثم أدخل في الكلام إليه من حيث أوحي ذلك إليه، ~~وأعلمه الله به، وقوله: { يستبشرون } ، أي: بالأضياف طمعا ~~منهم في الفاحشة، وقولهم: { أولم ننهك عن العلمين }: ~~روي أنهم كانوا تقدموا إليه في ألا يضيف أحدا، والعمر والعمر ~~- بفتح العين وضمها - واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في القسم ~~إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن الله عز وجل أقسم بحياته، ولم يفعل ذلك مع بشر سواه؛ ~~قاله ابن عباس. # * ت *: وقال: * ص *: اللام في { لعمرك } للابتداء، والكاف خطاب ~~للوط عليه السلام، والتقدير: قالت الملائكة له: لعمرك، واقتصر ~~على هذا. # وما ذكره * ع *: هو الذي عول عليه عياض وغيره. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم ~~الله في هذه الآية بحياة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أدري ~~ما أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد عليه السلام، وما المانع ~~أن يقسم الله بحياة لوط، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ~~ما يعطي الله للوط من فضل، ويؤتيه من شرف، فلنبينا ~~محمد عليه السلام، ضعفاه؛ لأنه أكرم على الله ms0795 منه، وإذا أقسم ~~الله بحياة لوط، فحياة نبينا محمد عليه السلام أرفع، ولا يخرج من ~~كلام إلى كلام آخر غيره، لم يجر له ذكر؛ لغير ضرورة. انتهى # * ت *: وما ذكره الجمهور أحسن؛ لأن الخطاب خطاب مواجهة؛ ولأنه ~~تفسير صحابي، وهو مقدم على غيره. # و { يعمهون }: معناه: يترددون في حيرتهم، و { مشرقين }: ~~معناه: قد دخلوا في الإشراق، وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره؛ قاله ابن ~~زيد، وهذه الصيحة هي صيحة الوجبة، وليست كصيحة ثمود، وأهلكوا بعد ~~الفجر مصبحين، واستوفاهم الهلاك مشرقين، وباقي قصص الآية ~~تقدم تفسير. # و«للمتوسمين»: قال مجاهد: المتفرسون، وقال أيضا: المعتبرون، وقيل ~~غير هذا، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما تفسير اللفظة، فالمتوسم هو ~~الذي ينظر في وسم المعنى، فيستدل به على المعنى، وكأن معصية ~~هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسما، فمن رأى الوسم، ~~استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي؛ لئلا ينزل ~~به ما نزل بهم؛ ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر: [الطويل] # توسمته لما رأيت مهابة # عليه وقلت المرء من آل هاشم # والضمير في قوله: { وإنها لبسبيل مقيم }: يحتمل أن يعود ~~على المدينة المهلكة، أي: أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر، وهذا ~~تأويل مجاهد وغيره، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتمل أن يعود على ~~الحجارة، ويقويه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إن حجارة العذاب معلقة بين السماء والأرض ~~منذ ألفي سنة لعصاة أمتي ". ### || [15.78-84] # وقوله سبحانه: { وإن كان أصحب الأيكة لظلمين * ~~فانتقمنا منهم }: { الأيكة }: الغيضة والشجر الملتف ~~المخضر، قال الشاعر: [الطويل] # ألا إنما الدنيا غضارة أيكة # إذا اخضر منها جانب جف جانب # وكان هؤلاء قوما يسكنون غيضة، ويرتفقون بها في معايشهم، فبعث ~~إليهم شعيب، فكفروا به، فسلط الله عليهم الحر، فدام عليهم ~~سبعة أيام، ثم رأوا سحابة، فخرجوا، فاستظلوا بها، فأمطرت عليهم ~~نارا، وحكى الطبري قال: بعث شعيب إلى أمتين، فكفرتا، ~~فعذبتا بعذابين مختلفين: أهل مدين عذبوا بالصيحة، ~~وأصحاب الأيكة بالظلة. # وقوله: { وإنهما لبإمام مبين }: الضمير في «وإنهما»: ~~يحتمل أن يعود على ms0796 مدينة قوم لوط، ومدينة أصحاب الأيكة، ويحتمل ~~أن يعود على لوط وشعيب عليهما السلام، أي: أنهما على طريق من ~~الله وشرع مبين، و«الإمام»، في كلام العرب: الشيء الذي يهتدى به، ~~ويؤتم به؛ فقد يكون الطريق، وقد يكون الكتاب، وقد يكون الرجل ~~المقتدى به، ونحو هذا، ومن رأى عود الضمير على المدينتين، قال: ~~«الإمام»: الطريق، وقيل على ذلك الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، و { ~~أصحب الحجر }: هم ثمود، وقد تقدم قصصهم، و«الحجر»: مدينتهم، ~~وهي ما بين المدينة وتبوك، وقال: { المرسلين }؛ من حيث يلزم من ~~تكذيب رسول واحد تكذيب الجميع، إذ القول في المعتقدات واحد. # وقوله: { ينحتون من الجبال بيوتا آمنين }: «النحت»: ~~النقر بالمعاول، و«آمنين»: قيل: معناه: من انهدامها، وقيل: من ~~حوادث الدنيا، وقيل: من الموت؛ لاغترارهم بطول الأعمار، وأصح ما ~~يظهر في ذلك؛ أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة، فكانوا لا يعملون ~~بحسبها. ### || [15.85-87] # { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق } ، أي: لم تخلق عبثا ولا سدى، { وإن الساعة ~~لأتية } ، أي: فلا تهتم يا محمد بأعمال الكفرة؛ فإن الله ~~لهم بالمرصاد، وقوله عز وجل؛ { ولقد آتينك سبعا ~~من المثاني }: ذهب ابن مسعود وغيره إلى أن السبع المثاني ~~هنا هي السبع الطوال: «البقرة»، و«آل عمران»، و«النساء» و«المائدة»، ~~و«الأنعام»، و«المص»، و«الأنفال» مع «براءة»، وذهب جماعة من الصحابة ~~ومن بعدهم إلى أن السبع هنا: آيات الفاتحة، وهو نص حديث أبي بن ~~كعب وغيره. # * ت *: وهذا هو الصحيح، وقد تقدم بيان ذلك أول الكتاب. ### || [15.88-91] # وقوله سبحانه: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم }: حكى الطبري عن سفيان بن عيينة؛ أنه ~~قال: هذه الآية آمرة بالاستغناء بكتاب الله عن جميع زينة ~~الدنيا. # قال * ع *: فكأنه قال: آتيناك عظيما خطيرا، فلا تنظر إلى غير ~~ذلك من أمور الدنيا وزينتها التي متعنا بها أنواعا من هؤلاء ~~الكفرة؛ ومن هذا المعنى: قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أعطي أفضل ~~مما أعطي، فقد عظم صغيرا وصغر عظيما ". # * ت *: وفي «صحيح مسلم» ms0797 عن أبي سعيد قال: قام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فخطب الناس، فقال: # " لا والله، ما أخشى عليكم، أيها الناس، إلا ما ~~يخرج الله لكم من زهرة الدنيا... " # الحديث، وفي رواية: # " أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من ~~زهرة الدنيا»، قالوا: وما زهرة الدنيا، يا رسول ~~الله؟ قال: « بركات الأرض... " # الحديث، وفي رواية: # " إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح لكم من ~~زهرة الدنيا وزينتها... " # الحديث، انتهى. والأحاديث في هذه الباب أكثر من أن يحصيها كتاب، ~~قال الغزالي في «المنهاج»: وإذا أنعم الله عليك بنعمة ~~الدين، فإياك أن تلتفت إلى الدنيا وحطامها، فإن ذلك منك ~~لا يكون إلا بضرب من التهاون بما أولاك مولاك من نعم ~~الدارين؛ أما تسمع قوله تعالى لسيد المرسلين: { ولقد ~~آتينك سبعا من المثاني والقرآن العظيم * لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم... } الآية، تقديره: إن من أوتي القرآن العظيم حق له ~~ألا ينظر إلى الدنيا الحقيرة نظرة باستحلاء، فضلا عن أن يكون له ~~فيها رغبة، فليلتزم الشكر على ذلك، فإنه الكرامة التي حرص عليها ~~الخليل لأبيه، والمصطفى عليه السلام لعمه، فلم يفعل، وأما حطام ~~الدنيا، فإن الله سبحانه يصبه على كل كافر وفرعون وملحد ~~وزنديق وجاهل وفاسق؛ الذين هم أهون خلقه عليه، ويصرفه عن ~~كل نبي وصفي وصديق وعالم وعابد؛ الذين هم أعز خلقه ~~عليه؛ حتى إنهم لا يكادون يصيبون كسرة وخرقة، ويمن عليهم ~~سبحانه بألا يلطخهم بقذرها، انتهى. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { لا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم }: المعنى: ~~أعطيناك الآخرة، فلا تنظر إلى الدنيا، وقد أعطيناك العلم، فلا ~~تتشاغل بالشهوات، وقد منحناك لذة القلب، فلا تنظر إلى لذة ~~البدن، وقد أعطيناك القرآن، فاستغن به، فمن استغنى به، لا ~~يطمح بنظره إلى زخارف الدنيا، وعنده معارف المولى، حيي ~~بالباقي، وفني عن الفاني. انتهى. # وقوله سبحانه: { وقل إني أنا النذير المبين * كمآ ~~أنزلنا على المقتسمين }. # قال * ع *: والذي أقول به في هذا: المعنى: وقل ms0798 أنا نذير، كما قال ~~قبلك رسلنا، ونزلنا عليهم كما أنزلنا عليك، واختلف في { ~~المقتسمين } ، من هم؟ فقال ابن عباس، وابن جبير: ~~«المقتسمون»: هم أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم، وجعلوا كتاب ~~الله أعضاء، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض؛ وقال نحوه مجاهد، وقالت ~~فرقة: «المقتسمون»: هم كفار قريش جعلوا القرآن سحرا وشعرا ~~وكهانة، وجعلوه أعضاء بهذا التقسيم، وقالت فرقة: «عضين»: جمع ~~عضة، وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش؛ وقاله عكرمة. # * ت *: وقال الواحدي: كما أنزلنا عذابا على المقتسمين الذين ~~اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان. انتهى من ~~«مختصره». ### || [15.92-99] # وقوله سبحانه: { فوربك لنسئلنهم أجمعين... } ~~الآية: ضمير عام، ووعيد محض، يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه ~~وعصيانه، فالكافر يسأل عن التوحيد والرسالة، وعن كفره وقصده ~~به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، وكل مكلف عما كلف ~~القيام به؛ وفي هذا المعنى أحاديث، قال ابن عباس في هذه الآية يقال ~~لهم: لم عملتم كذا وكذا، قال: وقوله تعالى: # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن:39] معناه: لا يقال له: ماذا أذنبت، لأن الله تعالى ~~أعلم بذنبه منه، وقوله سبحانه: { فاصدع بما تؤمر }: «اصدع»: ~~معناه: أنفذ، وصرح بما بعثت به. # وقوله: { وأعرض عن المشركين }: من آيات المهادنة التي ~~نسختها آية السيف؛ قاله ابن عباس، ثم أعلمه الله تعالى بأنه قد ~~كفاه المستهزئين به من كفار مكة ببوائق أصابتهم من ~~الله تعالى. # قال ابن إسحاق وغيره: وهم الذين قذفوا في قليب بدر؛ كأبي ~~جهل وغيره. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون }: آية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، و { اليقين }؛ ~~هنا: الموت؛ قاله ابن عمر وجماعة، قال الداوودي: وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " ما أوحي إلي أن أجمع المال، وأكون من ~~التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك ~~وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين " # انتهى، وباقي الآية بين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم تسليما. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-4] # قوله سبحانه: { أتى ms0799 أمر الله فلا تستعجلوه }: روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال جبريل في سرد الوحي: ~~{ أتى أمر الله } ، وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قائما، فلما قال: { فلا تستعجلوه } ، سكن، وقوله: { أمر ~~الله }: قال فيه جمهور المفسرين: إنه يريد القيامة، وفيها ~~وعيد للكفار، وقيل: المراد نصر محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ~~قال: إن الأمر القيامة، قال: إن قوله تعالى: { فلا تستعجلوه ~~}: رد على المكذبين بالبعث، القائلين: متى هذا الوعد، واختلف ~~المتأولون في قوله تعالى: { ينزل الملئكة بالروح } ، ~~فقال مجاهد: الروح: النبوة، وقال ابن عباس: الروح الوحي، وقال ~~قتادة: بالرحمة والوحي، وقال الربيع بن أنس: كل كلام الله ~~روح، ومنه قوله تعالى: # أوحينا إليك روحا من أمرنا # [الشورى:52]، وقال الزجاج: الروح: ما تحيا به القلوب من هداية ~~الله عز وجل، وهذا قول حسن، قال الداوودي، عن ابن عباس قال: ~~الروح: خلق من خلق الله، وأمر من أمر الله على صور بني ~~آدم، وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه روح؛ كالحفيظ عليه، لا ~~يتكلم ولا يراه ملك، ولا شيء مما خلق الله، وعن مجاهد: ~~الروح: خلق من خلق الله، لهم أيد وأرجل. انتهى، والله أعلم ~~بحقيقة ذلك، وهذا أمر لا يقال بالرأي، فإن صح فيه شيء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وجب الوقوف عنده انتهى، و«من» في ~~قوله: { من يشآء } هي للأنبياء. # وقوله تعالى: { خلق الإنسن من نطفة }: يريد ب ~~«الإنسان» الجنس، وقوله: { خصيم } يحتمل أن يريد به الكفرة ~~الذين يجادلون في آيات الله؛ قاله الحسن البصري، ويحتمل أن يريد ~~أعم من هذا، على أن الآية تعديد نعمة الذهن والبيان على ~~البشر. ### || [16.5-12] # وقوله سبحانه: { والأنعم خلقها لكم فيها دفء }: ال ~~{ دفء }: السخانة، وذهاب البرد بالأكسية ونحوها، وقيل: ~~ال { دفء }: تناسل الإبل، وقال ابن عباس: هو نسل كل شيء، ~~والمعنى الأول هو الصحيح، وال { منفع }: ألبانها وما تصرف ~~منها، وحرثها والنضح عليها وغير ذلك. # وقوله: { جمال } ، أي: في المنظر، و { تريحون }: معناه: حين ~~تردونها وقت ms0800 الرواح إلى المنازل، و { تسرحون }: معناه: ~~تخرجونها غدوة إلى السرح، و«الأثقال»: الأمتعة، وقيل: الأجسام؛ ~~كقوله: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة:2] أي: أجساد بني آدم، وسميت الخيل خيلا؛ لاختيالها في ~~مشيتها. # * ت *: ويجب على من ملكه الله شيئا من هذا الحيوان أن يرفق ~~به، ويشكر الله تعالى على هذه النعمة التي خولها، وقد روى مالك ~~في «الموطأ» عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن ~~خالد بن معدان يرفعه، قال: # " إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا ~~يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم، فأنزلوها ~~منازلها، فإن كانت الأرض جدبة، فانجوا عليها بنقيها، ~~وعليكم بسير الليل؛ فإن الأرض تطوى بالليل ما لا ~~تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس على الطريق؛ فإنها طرق ~~الدواب، ومأوى الحيات ". # قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديث يستند عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه كثيرة، فأما «الرفق»، فمحمود في كل شيء، وما كان ~~الرفق في شيء إلا زانه، وقد روى مالك بسنده عن عائشة، وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: # " إن الله عز وجل يحب الرفق في الأمر كله ~~" # ، وأمر المسافر في الخصب بأن يمشي رويدا، ويكثر النزول، لترعى ~~دابته، فأما الأرض الجدبة، فالسنة للمسافر أن يسرع ~~السير؛ ليخرج عنها، وبدابته شيء من الشحم والقوة، و«النقي» ~~في كلام العرب: الشحم والودك. انتهى. # وروى أبو داود عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن ~~الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم ~~الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم " # انتهى. # وقوله سبحانه: { ويخلق ما لا تعلمون }: عبرة منصوبة على ~~العموم، أي: إن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط ~~بعلمها بشر، بل ما يخفى عنه أكثر مما يعلمه. # وقوله سبحانه: { وعلى الله قصد السبيل... } الآية: هذه ~~أيضا من أجل نعم الله تعالى، أي: على الله تقويم طريق الهدى، ~~وتبيينه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، وإلى هذا ذهب المتأولون، ~~ويحتمل أن ms0801 يكون المعنى: أن من سلك السبيل القاصد، فعلى الله، ~~ورحمته وتنعيمه طريقه، وإلى ذلك مصيره، و«طريق قاصد»: معناه: ~~بين مستقيم قريب، والألف واللام في { السبيل } ، للعهد، وهي ~~سبيل الشرع. # وقوله: { ومنها جائر }: يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم، ~~فالضمير في { منها } يعود على السبل التي يتضمنها معنى الآية. # وقوله سبحانه: { فيه تسيمون }: يقال: أسام الرجل ~~ماشيته؛ إذا أرسلها ترعى. ### || [16.13-17] # وقوله سبحانه: { وما ذرأ لكم }: ذرأ: معناه: بث ونشر. # و { مختلفا ألوانه } أي أصنافه، ويحتمل أن يكون التنبيه على ~~اختلاف الألوان من حمرة وصفرة وغير ذلك، والأول أبين. # وقوله سبحانه: { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون }: البحر: الماء الكثير، ملحا كان أو ~~عذبا. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { وتستخرجوا ~~منه حلية تلبسونها }: يعني به اللؤلؤ والمرجان، وهذا ~~امتنان عام للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء من ذلك. انتهى. و { ~~مواخر }: جمع ماخرة، والمخر؛ في اللغة: الصوت الذي يكون من ~~هبوب الريح على شيء يشق أو يصحب في الجملة الماء؛ فيترتب منه أن ~~يكون المخر من الريح، وأن يكون من السفينة ونحوها، وهو في هذه ~~الآية من السفن، وقال بعض النحاة: المخز؛ في كلام العرب: ~~الشق؛ يقال: مخر الماء الأرض، وهذا أيضا بين أن يقال فيه ~~للفلك مواخر. # وقوله: { وسبلا لعلكم تهتدون }: يحتمل: تهتدون في ~~مشيكم وتصرفكم في السبل، ويحتمل تهتدون بالنظر في ~~دلالة هذه المصنوعات على صانعها. { وعلمت وبالنجم ~~هم يهتدون }: قال ابن عباس: العلامات: معالم الطرق ~~بالنهار، والنجوم: هداية الليل، وهذا قول حسن؛ فإنه عموم ~~بالمعنى، واللفظة عامة؛ وذلك أن كل ما دل على شيء ~~وأعلم به، فهو علامة، و { النجم }؛ هنا: اسم جنس، وهذا هو ~~الصواب. ### || [16.18-21] # وقوله سبحانه: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ... } ~~الآية: وبحسب العجز عن عد نعم الله تعالى يلزم أن يكون الشاكر ~~لها مقصرا عن بعضها؛ فلذلك قال عز وجل: { لغفور رحيم } ، ~~أي: عن تقصيركم في الشكر ms0802 عن جميعها؛ نحا هذا المنحى الطبري؛ ~~ويرد عليه أن نعمة الله في قول العبد: «الحمد لله رب ~~العالمين»، مع شرطها من النية والطاعة يوازي جميع النعم، ~~ولكن أين قولها بشروطها، والمخاطبة بقوله: { وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوهآ }. عامة لجميع الناس. { والذين ~~يدعون من دون الله }؛ أي: تدعونهم آلهة، و { أموات }: ~~يراد به الذين يدعون من دون الله، ورفع { أموات }؛ على أنه ~~خبر مبتدإ مضمر، تقديره: هم أموات، وقوله: { غير أحياء }: أي: ~~لم يقبلوا حياة قط، ولا اتصفوا بها، وقوله سبحانه: { وما ~~يشعرون أيان يبعثون }: أي: وما يشعر الكفار متى يبعثون ~~إلى التعذيب. ### || [16.22-25] # وقوله سبحانه: { إلهكم إله وحد فالذين لا ~~يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة } أي: منكرة اتحاد ~~الإله. # * ت *: وهذا كما حكى عنهم سبحانه في قولهم: # أجعل الألهة إلها وحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص:5]. # وقوله: { لا جرم } عبرت فرقة من اللغويين عن معناها ب ~~«لا بد ولا محالة»، وقالت فرقة: معناها: حق أن الله، ومذهب ~~سيبويه أن «لا» نفي لما تقدم من الكلام، و«جرم»: معناه: ~~وجب أو حق ونحوه، هذا مذهب الزجاج، ولكن مع مذهبهما، «لا» ~~ملازمة ل «جرم» لا تنفك هذه من هذه. # وقوله سبحانه: { إنه لا يحب المستكبرين }: عام في ~~الكافرين والمؤمنين يأخذ كل أحد منهم بقسطه، قال الشيخ العارف ~~بالله عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله موت النفوس ~~حياتها، من أحب أن يحيا يموت ببذل أهل التوفيق ~~نفوسهم وهوانها عليهم، نالوا ما نالوا، وبحب أهل الدنيا ~~نفوسهم هانوا وطرأ عليهم الهوان هنا وهناك، وقد ورد في الحديث: ~~«أنه ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك، ~~فإن تعاظم، وارتفع، ضرب الملك في رأسه، وقال ~~له: اتضع وضعك الله، وإن تواضع رفعه الملك، ~~وقال له: ارتفع، رفعك الله»، من الله علينا بما ~~به يقربنا إليه بمنه. انتهى. # وقوله سبحانه: { وإذا قيل لهم }: يعني: كفار قريش: { ماذا ~~أنزل ربكم... } الآية، يقال: إن سببها النضر بن الحارث، ~~واللام في قوله: { ليحملوا } يحتمل أن تكون لام العاقبة، ms0803 ويحتمل ~~أن تكون لام كي، ويحتمل أن تكون لام الأمر؛ على معنى الحتم عليهم ~~والصغار الموجب لهم. # وقوله سبحانه: { ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم }: «من»: للتبعيض؛ وذلك أن هذا الرأس المضل يحمل وزر نفسه ~~ووزرا من وزر كل من ضل بسببه، ولا ينقص من أوزار أولئك شيء، ~~والأوزار هي الأثقال. ### || [16.26-29] # وقوله سبحانه: { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله ~~بنينهم... } الآية: قال ابن عباس وغيره من المفسرين: ~~الإشارة ب { الذين من قبلهم } إلى نمروذ الذي بنى ~~صرحا؛ ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما أفرط في علوه، ~~وطوله في السماء فرسخين؛ على ما حكى النقاش، بعث الله ~~عليه ريحا، فهدمته، وخر سقفه عليه، وعلى أتباعه، وقيل: إن جبريل ~~هدمه بجناحه، وألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله، ~~وقالت فرقة: المراد ب { الذين من قبلهم }: جميع من كفر ~~من الأمم المتقدمة، ومكر، ونزلت به عقوبة، وقوله؛ على هذا: { ~~فأتى الله بنينهم من القواعد... } إلى آخر الآية، ~~تمثيل وتشبيه، أي: حالهم كحال من فعل به هذا. # وقوله: { يخزيهم }: لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم؛ ~~وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار، ودخولهم فيها. # و { تشقون }: معناه: تحاربون، أي: تكونون في شق، والحق ~~في شق، و { الذين أوتوا العلم }: هم الملائكة فيما قال ~~بعض المفسرين، وقال يحيى بن سلام: هم المؤمنون. # قال * ع *: والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من ~~ملائكة وأنبياء وغيرهم، وقد تقدم تفسير الخزي، وأنه الفضيحة ~~المخجلة، وفي الحديث: # " إن العار والتخزية لتبلغ من العبد في ~~المقام بين يدي الله تعالى ما أن يتمنى أن ~~ينطلق به إلى النار وينجو من ذلك المقام " # أخرجه البغوي في «المسند المنتخب» له. انتهى من «الكوكب الدري». # وقوله سبحانه: { الذين تتوفهم الملئكة ظالمي ~~أنفسهم }: { الذين }: نعت ل { الكفرين }؛ في قول ~~أكثر المتأولين، و { الملئكة } يريد القابضين لأرواحهم، و { ~~السلم }؛ هنا: الاستسلام، واللام في قوله: { فلبئس } لام ~~تأكيد، وال { مثوى }: موضع الإقامة. ### || [16.30-32] # وقوله سبحانه: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ~~ربكم... ms0804 } الآية: لما وصف سبحانه مقالة الكفار الذين قالوا: # أسطير الأولين... # [النحل:24] عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق، وقولهم: { خيرا } ~~جواب بحسب السؤال، واختلف في قوله تعالى: { للذين ~~أحسنوا... } إلى آخر الآية، هل هو ابتداء كلام أو هو تفسير ~~ل «الخير» الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبرا أن من ~~أحسن في الدنيا بالطاعة، فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة، وروى ~~أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أن الله لا يظلم المؤمن حسنة؛ يثاب عليها ~~الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة ". # وقوله سبحانه: { جنت عدن يدخلونها... } الآية: تقدم ~~تفسير نظيرها، و { طيبين }: عبارة عن صالح حالهم، واستعدادهم ~~للموت، و«الطيب»؛ الذي لا خبث معه، وقول الملائكة: { سلم ~~عليكم }: بشارة من الله تعالى، وفي هذا المعنى أحاديث صحاح ~~يطول ذكرها، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن محمد بن كعب القرظي ~~قال: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن، جاءه ملك، فقال: ~~السلام عليك، ولي الله، الله يقرىء عليك ~~السلام، ثم نزع بهذه الآية: { الذين تتوفهم ~~الملئكة طيبين يقولون سلم عليكم... } انتهى. # وقوله سبحانه: { بما كنتم تعملون }: علق سبحانه دخولهم ~~الجنة بأعمالهم؛ من حيث جعل الأعمال أمارة لإدخال العبد ~~الجنة، ولا معارضة بين الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل أحد الجنة بعمله! » قالوا: ولا أنت ~~يا رسول الله؟ قال: « ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله بفضل منه ورحمة " # فإن الآية ترد بالتأويل إلى معنى الحديث. # قال * ع *: ومن الرحمة والتغمد أن يوفق الله العبد إلى ~~أعمال برة، ومقصد الحديث نفي وجوب ذلك على الله تعالى ~~بالعقل؛ كما ذهب إليه فريق من المعتزلة. ### || [16.33-35] # وقوله سبحانه: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملئكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم }: { ينظرون }: معناه: ينتظرون، «ونظر» ~~متى كانت من رؤية العين، فإنما تعديها العرب ب «إلى» ومتى لم ~~تتعد ب «إلى»، فهي بمعنى «انتظر»؛ ومنها: # انظرونا نقتبس ms0805 من نوركم # [الحديد:13]، ومعنى الكلام: أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ~~ظالمي أنفسهم. # وقوله: { أو يأتي أمر ربك }: وعيد يتضمن قيام الساعة، ~~أو عذاب الدنيا، ثم ذكر تعالى أن هذا كان فعل الأمم قبلهم، ~~فعوقبوا. # وقوله سبحانه: { فأصابهم سيئات ما عملوا }: أي: جزاء ~~ذلك في الدنيا والآخرة، و { حاق }: معناه: نزل وأحاط. # وقوله سبحانه: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء... } الآية: تقدم تفسير نظيرها في ~~«الأنعام»، وقولهم: { ولا حرمنا }: يريد: من البحيرة ~~والسائبة والوصيلة وغير ذلك. ### || [16.36-40] # وقوله سبحانه: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله... } الآية: إلى قوله: { فإن الله لا ~~يهدي من يضل } ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «لا يهدي» - ~~بفتح الياء وكسر الدال -، وذلك على معنيين: أي: إن الله لا يهدي ~~من قضى بإضلاله، والمعنى الثاني: أن العرب تقول: هدى الرجل، ~~بمعنى اهتدى. # وقوله سبحانه: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا ~~يبعث الله من يموت }: الضمير في { أقسموا } لكفار ~~قريش، ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: { بلى } ، فأوجب بذلك ~~البعث، و { أكثر الناس } في هذه الآية: الكفار المكذبون ~~بالبعث. # وقوله سبحانه: { ليبين }: التقدير: بلى يبعثه؛ ليبين لهم الذي ~~يختلفون فيه. # وقوله سبحانه: { إنما قولنا لشيء إذا أردناه... } ~~الآية: المقصد بهذه الآية إعلام منكري البعث بهوان أمره ~~على الله تعالى، وقربه في قدرته، لا رب غيره. ### || [16.41-47] # وقوله سبحانه: { والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا }: هؤلاء هم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول ~~الجمهور، وهو الصحيح في سبب نزول الآية؛ لأن هجرة المدينة لم تكن ~~وقت نزول الآية، والآية تتناول كل من هاجر أولا وآخرا، وقرأ ~~جماعة خارج السبع: «لنثوينهم»، واختلف في معنى ال { ~~حسنة } هنا، فقالت فرقة: الحسنة عدة ببقعة شريفة، وهي ~~المدينة، وذهبت فرقة إلى أن الحسنة عامة في كل أمر مستحسن ~~يناله ابن آدم، وفي هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: أنه كان يعطي المال وقت القسمة الرجل من ~~المهاجرين، ويقول ms0806 له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، ~~ولأجر الآخرة أكبر، ثم يتلو هذه الآية، ويدخل في هذا القول ~~النصر على العدو، وفتح البلاد، وكل أمل بلغه المهاجرون، ~~والضمير في { يعلمون } عائد على كفار قريش. # وقوله: { الذين صبروا }: من صفة المهاجرين. # وقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم }: هذه الآية رد على كفار قريش الذين استبعدوا أن ~~يبعث الله بشرا رسولا، ثم قال تعالى: { فاسئلوا } ، أي: قل ~~لهم: { فاسئلوا } ، و { أهل الذكر }؛ هنا: أحبار اليهود ~~والنصارى؛ قاله ابن عباس وغيره، وهو أظهر الأقوال، وهم في هذه ~~النازلة خاصة إنما يخبرون بأن الرسل من البشر، وأخبارهم ~~حجة على هؤلاء، وقد أرسلت قريش إلى يهود يثرب يسألونهم ~~ويسندون إليهم. # وقوله: { بالبينت }: متعلق بفعل مضمر، تقديره: أرسلناهم ~~بالبينات، وقالت فرقة: الباء متعلقة ب { أرسلنا } في أول ~~الآية، والتقدير على هذا: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر ~~إلا رجالا، ففي الآية تقديم وتأخير، و { الزبر }: الكتب ~~المزبورة. # وقوله سبحانه: { لتبين للناس ما نزل إليهم... } ~~الآية. # * ت *: وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، فبين عن الله، وأوضح، ~~وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فأعرب عن دين الله، ~~وأفصح، ولنذكر الآن طرفا من حكمه، وفصيح كلامه بحذف أسانيده، ~~قال عياض في «شفاه»: وأما كلامه صلى الله عليه وسلم المعتاد، ~~وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فمنها ما لا ~~يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة؛ كقوله: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم ~~أدناهم، وهم يد على من سواهم " # وقوله: # " الناس كأسنان المشط " # و # " المرء مع من أحب " # و # " لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له " # و # " الناس معادن " # و # " ما هلك امرء عرف قدره " # و # " المستشار مؤتمن " # و # " هو بالخيار ما لم يتكلم " # و # " رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت عن ~~شر فسلم " # وقوله: # " أسلم تسلم " # و # " أسلم يؤتك الله أجرك مرتين " # و # " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم ~~القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا ~~الذين يألفون ويؤلفون ms0807 " # وقوله: # " لعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما ~~لا يغنيه " # وقوله: # " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها " # ونهيه عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة ~~المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ~~وقوله: # " اتق الله حيث كنت، وأتبع السيئة الحسنة ~~تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " # و # " خير الأمور أوساطها " # وقوله: # " أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك ~~يوما ما " # ، وقوله: # " الظلم ظلمات يوم القيامة " # ، وقوله في بعض دعائه: # " اللهم، إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها ~~قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح ~~بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، ~~وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني ~~بها من كل سوء، اللهم، إني أسألك الفوز في ~~القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر ~~على الأعداء " # ، إلى غير ذلك من بيانه، وحسن كلامه مما روته الكافة ~~عن الكافة مما لا يقاس به غيره، وحاز فيه سبقا لا يقدر ~~قدره؛ كقوله: # " السعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في ~~بطن أمه " # في أخواتها مما يدرك الناظر العجب في مضمنها، ويذهب به الفكر ~~في أداني حكمها، وقال صلى الله عليه وسلم: # " بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد " # فجمع الله له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ~~ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي ~~مدده الوحي، الذي لا يحيط بعلمه بشري. انتهى. وبالجملة فليس ~~بعد بيان الله ورسوله بيان لمن عمر الله قلبه ~~بالإيمان. # وقوله سبحانه: { أفأمن الذين مكروا السيئات... } ~~الآية: تهديد لكفار مكة ونصب السيئات ب { مكروا } ~~وعدي { مكروا } لأنه في معنى عملوا، قال البخاري: قال ابن ~~عباس: { في تقلبهم } ، أي: في اختلافهم انتهى. # وقال المهدوي: قال قتادة: { في تقلبهم }: في أسفارهم ~~الضحاك: { في تقلبهم }: بالليل انتهى. # وقوله: { على تخوف } ، أي على جهة التخوف، والتخوف ~~التنقص، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خفي عليه معنى ~~التخوف في هذه الآية، وأراد الكتب إلى الأمصار يسأل عن ذلك، فيروى ~~أنه جاءه فتى من العرب، فقال: يا أمير ms0808 المؤمنين، إن أبي ~~يتخوفني مالي، فقال عمر: الله أكبر! { أو ~~يأخذهم على تخوف } ومنه قول النابغة: [الطويل] # تخوفهم حتى أذل سراتهم # بطعن ضرار بعد فتح الصفائح # وهذا التنقص يتجه به الوعيد على معنيين: # أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخوف، أي: أفذاذا يتنقصهم ~~بذلك الشيء بعد الشيء، ويصيرهم إلى ما أعد لهم من العذاب، وفي هذه ~~الرتبة الثالثة من الوعيد رأفة ورحمة وإمهال؛ ليتوب التائب، ~~ويرجع الراجع، والثاني: ما قاله الضحاك: أن يأخذ بالعذاب ~~طائفة أو قرية، ويترك أخرى، ثم كذلك حتى يهلك الكل. # وقالت فرقة: «التخوف» هنا: من الخوف، أي: فيأخذهم بعد تخوف ينالهم ~~يعذبهم به. ### || [16.48-53] # وقوله سبحانه: { أولم يروا إلى ما خلق الله من ~~شيء... } الآية: قوله: { من شيء } لفظ عام في كل شخص وجرم ~~له ظل كالجبال والشجر وغير ذلك، وفاء الظل رجع، ولا يقال: ~~الفيء إلا من بعد الزوال؛ في مشهور كلام العرب، لكن هذه الآية: ~~الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره فكأن الآية جارية في بعض؛ ~~على تجوز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤية القلب ولكن ~~الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيات بالعين، و { عن ~~اليمين والشمآئل }؛ هنا: فيه تجوز وآتساع، وذكر الطبري ~~عن الضحاك، قال: إذا زالت الشمس، سجد كل شيء قبل القبلة ~~من نبت أو شجر؛ ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت. ~~قال الداوودي: وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن ~~في صلاة السحر » قال: « وليس شيء إلا يسبح ~~لله تلك الساعة " # وقرأ: { يتفيأ ظلله... } الآية كلها. انتهى. و«الداخر»: ~~المتصاغر المتواضع. # وقوله سبحانه: { يخافون ربهم }: عام لجميع الحيوان، و { ~~من فوقهم }: يريد: فوقية القدر والعظمة والقهر. # وقوله سبحانه: { وله ما في السموات والأرض }: { ~~السموات } هنا: كل ما ارتفع من الخلق من جهة فوق، فيدخل ~~في ذلك العرش والكرسي وغيرهما، و { الدين }: الطاعة والملك، ~~و«الواصب»: الدائم؛ قاله ابن عباس. # ثم ذكر سبحانه بنعمه، ثم ذكر بأوقات المرض، والتجاء ~~العباد إليه سبحانه، ms0809 و«الضر»، وإن كان يعم كل مكروه، فأكثر ما ~~يجيء عن أرزاء البدن، و { تجئرون } معناه: ترفعون أصواتكم ~~باستغاثة وتضرع. ### || [16.54-56] # { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم ~~بربهم يشركون }: ال { فريق } ، هنا: يراد به ~~المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالا من شفاء المرضى، وجلب ~~النفع، ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله، عظموا أصنامهم، وأضافوا ~~ذلك الشفاء إليها. # وقوله سبحانه: { ليكفروا }: يجوز أن تكون اللام لام الصيرورة، ~~ويجوز أن تكون لام أمر؛ على معنى التهديد. # وقوله: { بمآ آتينهم }: أي: بما أنعمنا عليهم. # وقوله سبحانه: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقنهم }: أي: لما لا يعلمون له حجة، ولا برهانا، ويحتمل أن ~~يريد بنفي العلم الأصنام، أي: لجمادات لا تعلم شيئا نصيبا، ~~و«النصيب» المشار إليه هو ما كانت العرب سنته من الذبح لأصنامها، ~~والقسم من الغلات وغيره. ### || [16.57-59] # وقوله سبحانه: { ويجعلون لله البنت سبحنه... } ~~الآية: تعديد لقبائح الكفرة في قولهم: «الملائكة بنات الله»، ~~تعالى الله عن قولهم، والمراد بقوله: { ولهم ما يشتهون } ، ~~الذكران من الأولاد. # وقوله: { ظل وجهه مسودا }: عبارة عما يعلو وجه المغموم. # قال * ص *: «ظل»: تكون بمعنى «صار»، وبمعنى «أقام نهارا»؛ على ~~الصفة المسندة إلى اسمها، وتحتمل هنا الوجهين. انتهى، و { كظيم }: ~~بمعنى: كاظم، والمعنى: أنه يخفي وجده وهمه بالأنثى، ومعنى { ~~يتورى }: يتغيب من القوم، وقرأ الجحدري: «أيمسكها ~~أم يدسها»، وقرأ الجمهور: «على هون»، وقرأ عاصم الجحدري: ~~«على هوان»، ومعنى الآية: يدبر، أيمسك هذه الأنثى على هوان ~~يتحمله، وهم يتجلد له، أم يئدها فيدفنها حية، وهو الدس ~~في التراب. ### || [16.60-62] # وقوله سبحانه: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء }: قالت فرقة: { مثل } ، في هذه الآية: بمعنى صفة، أي: ~~لهؤلاء صفة السوء ولله المثل الأعلى. # قال * ع *: وهذا لا يضطر إليه؛ لأنه خروج عن اللفظ، بل قوله: { ~~مثل } على بابه، فلهم على الإطلاق مثل السوء في كل سوء، ولا ~~غاية أخزى من عذاب النار، ولله سبحانه { المثل الأعلى } على ~~الإطلاق أيضا، أي: الكمال المستغني. # وقوله سبحانه: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ms0810 ما ~~ترك عليها من دآبة }: الضمير في «عليها» عائد على الأرض، ~~وتمكن ذلك مع أنه لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها وتمكن الإشارة ~~إليها، وسمع أبو هريرة رجلا يقول: «إن الظالم لا يهلك ~~إلا نفسه» فقال أبو هريرة: بلى، إن الله ~~ليهلك الحبارى في وكرها هزلا بذنوب الظلمة. ~~«والأجل المسمى»؛ في هذه الآية: هو بحسب شخص شخص. # وقوله: { ما يكرهون } يريد البنات. # وقوله سبحانه: { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم ~~الحسنى }: قال مجاهد وقتادة { الحسنى }: الذكور من الأولاد، ~~وقالت فرقة: يريد الجنة. # قال * ع *: ويؤيده قوله: { لا جرم أن لهم النار } ، ~~وقرأ السبعة سوى نافع: «مفرطون» - بفتح الراء وخفتها - أي: ~~مقدمون إلى النار، وقرأ نافع: «مفرطون» - بكسر الراء ~~المخففة ، أي: متجاوزون الحد في معاصي الله. ### || [16.63-66] # وقوله سبحانه: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك... } الآية: هذه آية ضرب مثل لهم بمن سلف، في ضمنها وعيد ~~لهم، وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: { فهو وليهم ~~اليوم }: يحتمل أن يريد ب { اليوم } يوم الإخبار، ويحتمل ~~أن يريد يوم القيامة، أي: وليهم في اليوم المشهور. # وقوله سبحانه: { إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه ~~}: { لتبين }: في موضع المفعول من أجله، أي: إلا لأجل البيان، ~~و { الذي اختلفوا فيه }: لفظ عام لأنواع كفر الكفرة، ~~لكن الإشارة هنا إلى تشريكهم الأصنام في الإلهية. # ثم أخذ سبحانه ينص العبر المؤدية إلى بيان وحدانيته، وعظيم ~~قدرته، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك ~~الحياة، وهي في غاية الظهور، لا يخالف فيها عاقل. # وقوله: { مما في بطونه }: الضمير عائد على الجنس، وعلى ~~المذكور، وهذا كثير. # وقوله سبحانه: { سآئغا للشاربين } «السائغ»: السهل في ~~الشرب اللذيذ. # * ت *: وعن ابن عباس، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أطعمه الله طعاما، فليقل: اللهم بارك ~~لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله ~~لبنا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ليس شيء يجزىء مكان الطعام والشراب غير ~~اللبن " # رواه أبو داود والترمذي ms0811 وابن ماجه، وقال الترمذي، واللفظ له: هذا ~~حديث حسن، انتهى من «السلاح». ### || [16.67-70] # وقوله سبحانه: { ومن ثمرت النخيل والأعنب ~~تتخذون منه سكرا... } الآية: «السكر»: ما يسكر؛ هذا ~~هو المشهور في اللغة، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم ~~الخمر، وأراد ب« السكر»: الخمر، وب «الرزق الحسن» جميع ~~ما يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين، فالحسن؛ هنا: ~~الحلال، وقال بهذا القول ابن جبير وجماعة وصحح ابن العربي هذا ~~القول، ولفظه: والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر، فإن هذه ~~الآية مكية باتفاق العلماء، وتحريم الخمر مدني انتهى من «أحكام ~~القرآن»، وقال مجاهد وغيره: السكر المائع من هاتين الشجرتين، ~~كالخل، والرب، والنبيذ، والرزق الحسن: العنب والتمر. # قال الطبري: والسكر أيضا في كلام العرب ما يطعم، ورجح ~~الطبري هذا القول، ولا مدخل للخمر فيه، ولا نسخ في الآية. # وقوله تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل... } الآية: ~~الوحي؛ في كلام العرب: إلقاء المعنى من الموحى إلى الموحى إليه في ~~خفاء، فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك، ومنه وحي ~~الرؤيا، ومنه وحي الإلهام، وهو الذي في آيتنا؛ باتفاق من ~~المتأولين، والوحي أيضا بمعنى الأمر؛ كما قال تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة:5]، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع: ~~إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف الأشجار، وإما فيما ~~يعرش ابن آدم من الأجباح والحيطان، ونحوها، وعرش: معناه: ~~هيأ، وال { سبل } الطرق، وهي مسالكها في الطيران وغيره، و { ~~ذللا }: يحتمل أن يكون حالا من «النحل»، أي: مطيعة منقادة، قاله ~~قتادة. قال ابن زيد: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون، وهي تتبعهم وقرأ: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعما... # [يس:71] الآية، ويحتمل أن يكون حالا من «السبل»، أي: مسهلة ~~مستقيمة؛ قاله مجاهد، لا يتوعر عليها سبيل تسلكه. # ثم ذكر تعالى؛ على جهة تعديد النعمة، والتنبيه على العبرة - أمر ~~العسل في قوله: { يخرج من بطونها شراب } ، وجمهور الناس ~~على أن العسل يخرج من أفواه النحل، واختلاف الألوان في العسل ~~بحسب اختلاف النحل والمراعي، أي ms0812 والفصول. # * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه } ، وذلك أنه يستحيل في بطونها، ثم تمجه من ~~أفواهها انتهى. # وقوله: { فيه شفآء للناس } الضمير للعسل؛ قاله الجمهور: قال ~~ابن العربي في «أحكامه»؛ وقد روى الأئمة، واللفظ للبخاري، عن عائشة، ~~قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ~~والعسل، وروى أبو سعيد الخدري: # " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي ~~يشتكى بطنه فقال: « اسقه عسلا»، ثم أتاه الثانية، ~~فقال:« اسقه عسلا»، ثم أتاه فقال: فعلت فما زاده ~~ذلك إلا استطلاقا، فقال عليه السلام: « صدق ~~الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا » فسقاه، فبرأ " # وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ ~~فقال: ائتوني بماء سماء، فإن الله تعالى يقول: # ونزلنا من السماء ماء مبركا # [ق:9] وائتوني بعسل؛ فإن الله تعالى يقول: { فيه شفآء ~~للناس } وائتوني بزيت؛ فإن الله تعالى يقول: # من شجرة مبركة # [النور:35] فجاءوه بذلك كله فخلطه جميعا، ثم شربه، فبرأ ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } ، ~~وأرذل العمر الذي تفسد فيه الحواس، ويختل العقل، وخص ذلك ~~بالرذيلة، وإن كانت حالة الطفولة كذلك من حيث كانت هذه لا ~~رجاء معها، وقال بعض الناس: أول أرذل العمر خمس وسبعون ~~سنة، روي ذلك عن علي رضي الله عنه. # قال * ع *: وهذا في الأغلب، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة، ~~وإنما هو بحسب إنسان إنسان، ورب من يكون ابن خمسين ~~سنة، وهو في أرذل عمره، ورب ابن تسعين ليس في أرذل عمره، واللام ~~في { لكي } يشبه أن تكون لام الصيرورة، والمعنى: ليصير أمره بعد ~~العلم بالأشياء إلى ألا يعلم شيئا، وهذه عبارة عن قلة علمه، لا ~~أنه لا يعلم شيئا البتة. ### || [16.71-74] # وقوله سبحانه: { والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق } إخبار يراد به العبرة وإنما هي قاعدة بني المثل ~~عليها، والمثل هو أن المفضلين لا يصح منهم أن يساهموا مماليكهم ~~فيما أعطوا؛ حتى تستوي أحوالهم، فإذا كان هذا ms0813 في البشر، فكيف ~~تنسبون أيها الكفرة إلى الله؛ أنه يسمح بأن يشرك في الألوهية ~~الأوثان والأصنام وغيرها مما عبد من دونه، وهم خلقه ~~وملكه، هذا تأويل الطبري، وحكاه عن ابن عباس قال المفسرون: هذه ~~الآية كقوله تعالى: # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمنكم من شركاء في ما رزقنكم فأنتم فيه ~~سواء... # الآية [الروم:28] ثم وقفهم سبحانه على جحدهم بنعمته في تنبيهه لهم على ~~مثل هذا من مواضع النظر المؤدية إلى الإيمان. # وقوله سبحانه: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~} هذه أيضا آية تعديد نعم، «والأزواج»؛ هنا: الزوجات، وقوله: { ~~من أنفسكم }: يحتمل أن يريد خلقة حواء من نفس آدم، وهذا ~~قول قتادة والأظهر عندي أن يريد بقوله { من أنفسكم } ، أي: ~~من نوعكم كقوله: # لقد جاءكم رسول من أنفسكم # [التوبة:128] وال { حفدة }: قال ابن عباس: هم أولاد البنين وقال ~~الحسن: هم بنوك وبنو بنيك،وقال مجاهد: ال { حفدة } ~~الأنصار والأعوان وقيل غير هذا، ولا خلاف أن معنى «الحفد» ~~الخدمة والبر والمشي مسرعا في الطاعة؛ ومنه في القنوت: ~~«وإليك نسعى ونحفد»، والحفدان أيضا: خبب فوق المشي. # وقوله سبحانه: { فلا تضربوا لله الأمثال... } الآية: أي: ~~لا تمثلوا لله الأمثال، وهو مأخوذ من قولك: هذا ضريب هذا، أي: ~~مثيله، والضرب: النوع. ### || [16.75-78] # وقوله تعالى: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا } الآية: ~~الذي هو مثال في هذه الآية هو عبد بهذه الصفة، مملوك لا يقدر ~~على شيء من المال، ولا أمر نفسه، وإنما هو مسخر بإرادة سيده، ~~مدبر، وبإزاء العبد في المثال رجل موسع عليه في المال، فهو ~~يتصرف فيه بإرادته، واختلف الناس في الذي له المثل، فقال ابن ~~عباس وقتادة: هو مثل الكافر والمؤمن، وقال مجاهد والضحاك: هذا ~~المثال والمثال الآخر الذي بعده، إنما هو مثال لله تعالى، ~~والأصنام، فتلك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله ~~تعالى تتصرف قدرته دون معقب، وكذلك فسر الزجاج على نحو قول ~~مجاهد، وهذا التأويل أصوب؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها، ~~ومدارها في ms0814 تبيين أمر الله والرد على أمر الأصنام. # وقوله: { الحمد لله } أي: على ظهور الحجة. # وقوله سبحانه: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما ~~أبكم... } الآية: هذا مثل لله عز وجل والأصنام، فهي كالأبكم ~~الذي لا نطق له ولا يقدر على شيء، «والكل» الثقيل المؤونة، ~~كما الأصنام تحتاج إلى أن تنقل وتخدم ويتعذب بها، ثم لا ~~يأتي من جهتها خير أبدا، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى. # وقوله تعالى: { ومآ أمر الساعة... } الآية: المعنى، على ما ~~قاله قتادة وغيره: ما تكون الساعة وإقامتها في قدرة الله تعالى ~~إلا أن يقول لها: كن، فلو اتفق أن يقف على ذلك محصل من ~~البشر، لكانت من السرعة بحيث يشك، هل هي كلمح البصر أو هي ~~أقرب، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئي. ### || [16.79-83] # وقوله سبحانه: { ألم يروا إلى الطير مسخرت في ~~جو السمآء... } الاية: «الجو مسافة ما بين السماء والأرض، ~~وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآية عبرة بينة المعنى، تفسيرها ~~تكلف محت، و { يوم ظعنكم } معناه رحيلكم، والأصواف: للضأن ~~والأوبار: للإبل، «والأشعار»: للمعز، ولم تكن بلادهم بلاد قطن ~~وكتان، فلذلك اقتصر على هذه، ويحتمل أن ترك ذكر القطن ~~والكتان والحرير إعراض عن السرف، إذ ملبس عباد الله ~~الصالحين إنما هو الصوف، قال ابن العربي في «أحكامه» عند قوله ~~تعالى: # لكم فيها دفء # [النحل:5]: في هذه الآية دليل على لباس الصوف، فهو أول ذلك ~~وأولاه، لأنه شعار المتقين، ولباس الصالحين، وشارة الصحابة ~~والتابعين، واختيار الزهاد والعارفين، وإليه نسب جماعة من ~~الناس «الصوفية»؛ لأنه لباسهم في الغالب انتهى. # «والأثاث» متاع البيت، واحدها أثاثة؛ هذا قول أبي زيد ~~الأنصاري وقال غيره: «الأثاث»: جميع أنواع المال، ولا واحد له ~~من لفظه. # قال * ع *: والاشتقاق يقوي هذا المعنى الأعم؛ لأن حال الإنسان ~~تكون بالمال أثيثة؛ كما تقول: شعر أثيث، ونبات أثيث، ~~إذا كثر والتف، وال { سرابيل }: جميع ما يلبس على ~~جميع البدن، وذكر وقاية الحر، إذ هو أمس بتلك البلاد، والبرد ~~فيها معدوم في الأكثر، وأيضا: فذكر أحدهما يدل على ms0815 الآخر، وعن عمر ~~رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من لبس ثوبا جديدا، فقال: «الحمد لله الذي ~~كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم ~~عمد إلى الثوب الذي خلق، فتصدق به - كان في كنف ~~الله، وفي حفظ الله، وفي ستر الله حيا وميتا» " # رواه الترمذي، واللفظ له، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»، وعن ~~عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار، فحمد ~~الله عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر ~~الله له " # رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: هذا الحديث لا أعلم في إسناده أحدا ~~ذكر بجرح. انتهى من «السلاح». والسرابيل التي تقي البأس: هي الدروع ~~ونحوها، ومنه قول كعب بن زهير في المهاجرين: [البسيط] # شم العرانين أبطال لبوسهم # من نسج داود في الهيجا سرابيل # والبأس: مس الحديد في الحرب، وقرأ الجمهور «تسلمون» وقرأ ابن ~~عباس: «تسلمون»؛ من السلامة، فتكون اللفظة مخصوصة في بأس ~~الحرب. ### || [16.84-88] # وقوله سبحانه: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } أي: ~~شاهدا على كفرهم وإيمانهم، { ثم لا يؤذن } ، أي: لا يؤذن ~~لهم في المعذرة، وهذا في موطن دون موطن، و { يستعتبون } بمعنى: ~~يعتبون؛ تقول: أعتبت الرجل، إذا كفيته ما عتب ~~فيه؛ كما تقول: أشكيته؛ إذا كفيته ما شكا. # وقال قوم: معناه: لا يسألون أن يرجعوا عما كانوا عليه في ~~الدنيا. # وقال الطبري: معنى { يستعتبون } يعطون الرجوع إلى الدنيا ~~فتقع منهم توبة وعمل. # * ت *: وهذا هو الراجح، وهو الذي تدل عليه الأحاديث، وظواهر الآيات ~~في غير ما موضع. # وقوله سبحانه: { وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم } ~~أي: إذا رأوهم بأبصارهم { قالوا ربنا هؤلآء ~~شركآؤنا... } الآية، كأنهم أرادوا بهذه المقالة تذنيب ~~المعبودين، وقوله سبحانه: { فألقوا إليهم القول... } ~~الآية: الضمير في { ألقوا } للمعبودين؛ أنطقهم الله بتكذيب ~~المشركين، وقد قال سبحانه في آية أخرى: # فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون # [يونس:28] انظر تفسيرها في سورة يونس وغيرها. # وقوله: { وألقوا إلى الله يومئذ ms0816 السلم } الضمير في ~~{ ألقوا } هنا عائد على «المشركين»، و { السلم } الاستسلام. # وقوله تعالى: { زدنهم عذابا فوق العذاب... } الآية: ~~روي في ذلك عن ابن مسعود، أن الله سبحانه يسلط عليهم ~~عقارب وحيات، لها أنياب، كالنخل الطوال، وقال عبيد بن ~~عمير: حيات لها أنياب كالنخل ونحو هذا، وروي عن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص: أن لجهنم سواحل، فيها هذه الحيات وهذه العقارب، ~~فيفر الكافرون إلى السواحل، فتلقاهم هذه الحيات والعقارب ~~فيفرون منها إلى النار، فتتبعهم حتى تجد حر النار، ~~فترجع. قال: وهي في أسراب. ### || [16.89-91] # وقوله سبحانه: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا } يعني: ~~رسولها، ويجوز أن يبعث الله شهودا من الصالحين مع الرسل، وقد ~~قال بعض الصحابة: إذا رأيت أحدا على معصية، فانهه، فإن أطاعك، ~~وإلا كنت شاهدا عليه يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { وجئنا بك شهيدا على هؤلآء } الإشارة ~~ب«هؤلاء» إلى هذه الأمة. # وقوله عز وجل: { إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان... } الآية: قال ابن مسعود رضي الله عنه: أجمع آية في ~~كتاب الله هذه الآية، وروي عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، أنه ~~قال: لما نزلت هذه الآية، قرأتها على أبي طالب، فعجب، وقال: ~~يا آل غالب، اتبعوه تفلحوا فوالله، إن الله ~~أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق. # قال * ع *: و { العدل } فعل كل مفروض، و { الإحسن } فعل ~~كل مندوب إليه، { وإيتآئ ذي القربى }: لفظ يقتضي صلة ~~الرحم، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة، و { الفحشاء } ~~الزنا؛ قاله ابن عباس ويتناول اللفظ سائر المعاصي التي شنعتها ~~ظاهرة، { والمنكر } أعم منه؛ لأنه يعم جميع المعاصى والرذائل، ~~والإذاءات على اختلاف أنواعها، { البغي } هو إنشاء ظلم الإنسان، ~~والسعاية فيه، «وكفيلا» معناه: متكفلا بوفائكم، وباقي الآية بين. ### || [16.92-93] # وقوله سبحانه: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها... } ~~الآية: شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد ويبرم عقده، ~~بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما، ثم تنقض قوى ذلك الغزل، ~~فتحله بعد إبرامه، و { أنكثا } نصب على الحال، «والنكث» ~~النقص، والعرب تقول انتكث الحبل، إذا انتقضت قواه، ~~و«الدخل» الدغل بعينه، ms0817 وهو الذرائع إلى الخدع والغدر، وذلك أن ~~المحلوف له مطمئن، فيتمكن الحالف من ضرره بما يريد. # وقوله سبحانه: { أن تكون أمة هي أربى من أمة } ~~المعنى: لا تنقضوا الأيمان من أجل أن تكون قبيلة أزيد من قبيلة ~~في العدد والعزة والقوة، و { يبلوكم } أي: يختبركم، والضمير ~~في «به» يحتمل أن يعود على «الربا»، أي: أن الله ابتلى عباده ~~بالربا، وطلب بعضهم الظهور على بعض، واختبرهم بذلك؛ ليرى من ~~يجاهد بنفسه، ممن يتبع هواها، وباقي الآية وعيد بيوم القيامة. ### || [16.94-97] # وقوله سبحانه: { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا ~~بينكم... } الآية: «الدخل»؛ كما تقدم: الغوائل والخدائع، ~~وكرر مبالغة، قال الثعلبي: قال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن ~~صحيحا فهو دخل انتهى. # وقوله: { فتزل قدم بعد ثبوتها } استعارة للمستقيم الحال ~~يقع في شر عظيم. # وقوله سبحانه: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا... } الآية: هذه آية نهي عن الرشا، وأخذ الأموال، ثم أخبر ~~تعالى أن ما عنده من نعيم الجنة، ومواهب الآخرة خير لمن اتقى ~~وعلم واهتدى، ثم بين سبحانه الفرق بين حال الدنيا، وحال الآخرة، ~~بأن هذه تنفد وتنقضي عن الإنسان، أو ينقضي عنها، ومنن الآخرة ~~باقية دائمة، و { صبروا } معناه عن الشهوات وعلى مكاره الطاعات، ~~وهذه إشارة إلى الصبر عن شهوة كسب المال بالوجوه المكروهة. # واختلف الناس في معنى «الحياة الطيبة» فقال ابن عباس: هو الرزق ~~الحلال وقال الحسن وعلي بن أبي طالب: هي القناعة. # قال * ع *: والذي أقول به أن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما ~~هو بنشاط نفوسهم ونبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس ~~أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها ~~عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة أو قناعة، فذلك ~~كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب. # وقوله سبحانه: { ولنجزينهم } الآية: وعد بنعيم الجنة. # قال أبو حيان: وروي عن نافع: «وليجزينهم» بالياء؛ التفاتا ~~من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة، وينبغي أن يكون على تقدير قسم ~~ثان لا معطوفا على «فلنحيينه»، فيكون من عطف جملة ~~قسمية على جملة قسمية، وكلتاهما محذوفة، ms0818 وليس من عطف جواب، ~~لتغاير الإسناد. انتهى. ### || [16.98-100] # وقوله سبحانه: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله... ~~} الآية: التقدير فإذا أخذت في قراءة القرآن، والاستعاذة ندب، وعن ~~عطاء أن التعوذ واجب، ولفظ الاستعاذة هو على رتبة هذه الآية، ~~والرجيم المرجوم باللعنة، وهو إبليس ثم أخبر تعالى أن إبليس ليس ~~له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر السلطان عندي في هذه الآية، وذلك أن ~~السلطان إن جعلناه الحجة، فليس لإبليس حجة في الدنيا على أحد لا ~~على مؤمن ولا على كافر، إلا أن يتأول متأول: ليس له سلطان يوم ~~القيامة، فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على ~~الكافرين؛ أنه دعاهم بغير دليل، فاستجابوا له من قبل أنفسهم، و { ~~يتولونه }: معناه يجعلونه وليا، والضمير في «به» يحتمل أن ~~يعود على اسم الله عز وجل، والظاهر أنه يعود على اسم العدو ~~الشيطان، بمعنى من أجله، وبسببه، فكأنه قال: والذين هم بسببه ~~مشركون بالله، وهذا الإخبار بأن لا سلطان للشيطان على المؤمنين ~~بعقب الأمر بالاستعاذة - يقتضي أن الاستعاذة تصرف كيده، كأنها ~~متضمنة للتوكل على الله، والانقطاع إليه. ### || [16.101-104] # وقوله سبحانه: { وإذا بدلنآ آية مكان آية } يعني بهذا ~~التبديل النسخ، { قالوا إنما أنت مفتر }: أي قال كفار ~~مكة و { روح القدس }: هو جبريل؛ بلا خلاف. # وقوله سبحانه: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر } قال ابن عباس: كان بمكة غلام أعجمي لبعض قريش ~~يقال له: «بلعام»، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه الإسلام، ~~ويرومه عليه، فقال بعض الكفار هذا يعلم محمدا، وقيل: اسم ~~الغلام «جبر»، وقيل: يسار، وقيل: يعيش، والأعجمي هو الذي لا يتكلم ~~بالعربية، وأما العجمي، فقد يتكلم بالعربية، ونسبته قائمة. # وقوله: { وهذا } إشارة إلى القرآن والتقدير: وهذا سرد لسان، أو ~~نطق لسان. ### || [16.105-106] # وقوله سبحانه: { إنما يفتري الكذب }: بمعنى: إنما يكذب، ~~وهذه مقاومة للذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: # إنما أنت مفتر # [النحل:101، ومن في قوله { من كفر } بدل من قوله: { ~~الكذبون } ، فروي: أن قوله سبحانه: { وأولئك هم ~~الكذبون } يراد به ms0819 مقيس بن ضبابة وأشباهه ممن كان آمن، ~~ثم ارتد باختياره من غير إكراه. # وقوله سبحانه: { إلا من أكره } ، أي: كبلال وعمار بن ~~ياسر وأمه وخباب وصهيب وأشباههم؛ ممن كان يؤذى في ~~الله سبحانه، فربما سامح بعضهم بما أراد الكفار من القول؛ ~~لما أصابه من تعذيب الكفرة، فيروى: أن عمار بن ياسر فعل ~~ذلك، فاستثناه الله في هذه الآية، وبقية الرخصة عامة في الأمر ~~بعده، # " ويروى أن عمار بن ياسر شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~صنع به من العذاب، وما سامح به من القول، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: « كيف تجد قلبك » قال: أجده مطمئنا ~~بالإيمان، قال: « فأجبهم بلسانك؛ فإنه لا يضرك، ~~وإن عادوا فعد» ". # وقوله سبحانه: { ولكن من شرح بالكفر صدرا } معناه: ~~انبسط إلى الكفر باختياره. # * ت *: وقد ذكر * ع * هنا نبذا من مسائل الإكراه، تركت ذلك خشية ~~التطويل، وإن محل بسطها كتب الفقه. ### || [16.107-109] # وقوله سبحانه: { ذلك بأنهم استحبوا الحيوة ~~الدنيا على الآخرة... } الآية: { ذلك } إشارة إلى ~~الغضب، والعذاب الذي توعد به قبل هذه الآية، والضمير في أنهم ~~لمن شرح بالكفر صدرا. ### || [16.110-111] # وقوله سبحانه: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا... } الآية: قال ابن إسحاق: نزلت هذه الآية في عمار ~~بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد. # قال * ع *: وذكر عمار في هذا عندي غير قويم، فإنه أرفع ~~من طبقة هؤلاء، وإنما هؤلاء من تاب ممن شرح بالكفر صدرا، ~~فتح الله له باب التوبة في آخر الآية، وقال عكرمة والحسن: نزلت ~~هذه الآية في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه فكأنه يقول: ~~من بعد ما فتنهم الشيطان، وهذه الآية مدنية بلا خلاف، وإن ~~وجد، فهو ضعيف، وقرأ الجمهور: «من بعد ما فتنوا»؛ مبنيا ~~للمفعول، وقرأ ابن عامر وحده: «من بعد ما فتنوا» - بفتح الفاء ~~والتاء أي فتنوا أنفسهم، والضمير في { بعدها } عائد على ~~الفتنة، أو على الفعلة، أو الهجرة، أو التوبة، والكلام يعطيها، ~~وإن لم يجر لها ذكر ms0820 صريح. # وقوله: { يوم تأتي كل نفس }: المعنى لغفور رحيم «ونفس» ~~الأولى: هي النفس المعروفة، والثانية هي بمعنى الذات. # * ت *: قال المهدوي: يجوز أن ينتصب { يوم }؛ على تقدير لغفور ~~رحيم يوم، فلا يوقف على { رحيم }. # وقال * ص *: { يوم } تأتي ظرف منصوب ب { رحيم } أو مفعول ~~به ب «اذكر» انتهى، وهذا الأخير أظهر، والله أعلم. # وقوله سبحانه: { وتوفى كل نفس ما عملت } ، أي: يجازى ~~كل من أحسن بإحسانه، وكل من أساء بإساءته. ### || [16.112-115] # وقوله سبحانه: { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ~~مطمئنة... } الآية: قال ابن عباس: القرية؛ هنا مكة، والمراد ~~الضمائر كلها في الآية أهل القرية، ويتوجه عندي في الآية أنها ~~قصد بها قرية غير معينة جعلت مثلا لمكة، على معنى التحذير، ~~لأهلها ولغيرها من القرى إلى يوم القيامة وهو الذي يفهم من كلام ~~حفصة أم المؤمنين، و «أنعم» جمع نعمة. # وقوله سبحانه: { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ~~استعارات، أي: لما باشرهم ذلك، صار كاللباس، والضمير في { جاءهم ~~} لأهل مكة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، و { العذاب }: ~~الجوع وأمر بدر ونحو ذلك، إن كانت الآية مدنية، وإن كانت ~~مكية، فهو الجوع فقط. # وقوله سبحانه: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا... } الآية: هذا ابتداء كلام آخر، أي: وأنتم أيها المؤمنون، ~~لستم كهذه القرية فكلوا واشكروا الله على تباين حالكم، من حال ~~الكفرة، وقوله: { حللا } حال، وقوله: { طيبا }: أي ~~مستلذا؛ إذ فيه ظهور النعمة، ويحتمل أن يكون «الطيب» بمعنى ~~الحلال، كرر مبالغة وتأكيدا. ### || [16.116-118] # وقوله سبحانه: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلل وهذا حرام... } الآية: هذه الآية ~~مخاطبة للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، قال ابن ~~العربي في «أحكامه» ومعنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلال أو ~~حرام من قبل أنفسكم، إنما المحرم والمحلل هو الله سبحانه، ~~قال ابن وهب: قال مالك لم يكن من فتيا الناس أن يقال ~~لهم: هذا حلال، وهذا حرام، ولكن يقول: أنا أكره هذا، ~~ولم أكن لأصنع هذا، فكان الناس يطيعون ذلك، ويرضونه، ومعنى ~~هذا: أن التحليل ms0821 والتحريم إنما هو لله؛ كما تقدم بيانه، فليس لأحد ~~أن يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر ~~بذلك عنه، وما يؤدي إليه الاجتهاد أنه حرام يقول فيه: إني ~~أكره كذا، وكذلك كان مالك يفعل، اقتداء بمن تقدم من أهل ~~الفتوى انتهى. # وقوله: { متع قليل } إشارة إلى عيشهم في الدنيا، { ولهم ~~عذاب أليم } بعد ذلك في الآخرة، وقوله: { ما قصصنا عليك ~~من قبل } إشارة إلى ما في «سورة الأنعام» من ذي الظفر ~~والشحوم. ### || [16.119-123] # وقوله سبحانه: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء ~~بجهلة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ~~ربك من بعدها لغفور رحيم } هذه آية تأنيس لجميع ~~العالم فهي تتناول كل كافر وعاص تاب من سوء حاله، قالت فرقة: ~~«الجهالة»؛ هنا: العمد، والجهالة؛ عندي في هذا الموضع: ليست ضد العلم، ~~بل هي تعدي الطور وركوب الرأس. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " « أو أجهل أو يجهل علي» " # وقد تقدم بيان هذا، وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم ~~بحظر المعصية التي يواقع. # وقوله سبحانه: { إن إبرهيم كان أمة قانتا لله... ~~} الآية: لما كشف الله فعل اليهود وتحكمهم في شرعهم بذكر ما ~~حرم عليهم - أراد أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم عليه السلام، ~~«والأمة»، في اللغة: لفظة مشتركة تقع للحين، وللجمع الكثير، ~~وللرجل المنفرد بطريقة وحده، وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم عليه ~~السلام أمة، قال مجاهد: سمي إبراهيم أمة؛ لانفراده بالإيمان في ~~وقته مدة ما، وفي البخاري؛ أنه قال لسارة: «ليس على ~~الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك»، وفي البخاري قال ابن مسعود: ~~الأمة معلم الخير والقانت: المطيع الدائم على العبادة، ~~والحنيف: المائل إلى الخير والصلاح. # وقوله سبحانه: { وآتينه في الدنيا حسنة } ، الآية ~~«الحسنة»: لسان الصدق، وإمامته لجميع الخلق؛ هذا قول جميع ~~المفسرين، وذلك أن كل أمة متشرعة، فهي مقرة أن إيمانها ~~إيمان إبراهيم، وأنه قدوتها، وأنه كان على الصواب. # * ت *: وهذا كلام فيه بعض إجمال، وقد تقدم في غير هذا الموضع ~~بيانه، فلا ms0822 نطول بسرده. # وقوله سبحانه: { أن اتبع ملة إبرهيم... } الآية: ال ~~{ ملة }: الطريقة في عقائد الشرع. ### || [16.124-125] # وقوله سبحانه: { إنما جعل السبت... } الآية: أي: لم يكن من ~~ملة إبراهيم، وإنما جعل الله فرضا عاقب به القوم المختلفين ~~فيه؛ قاله ابن زيد؛ وذلك أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل أن ~~يجعلوا من الجمعة يوما مختصا بالعبادة، وأمرهم أن يكون الجمعة، ~~فقال جمهورهم: بل يكون يوم السبت؛ لأن الله تعالى فرغ فيه ~~من خلق مخلوقاته، وقال غيرهم: بل نقبل ما أمر به موسى، فراجعهم ~~الجمهور، فتابعهم الآخرون، فألزمهم الله يوم السبت إلزاما ~~قويا، عقوبة لهم، ثم لم يكن منهم ثبوت، بل عصوا فيه، وتعدوا ~~فأهلكهم، وورد في الحديث الصحيح، # " أن اليهود والنصارى اختلفوا في اليوم الذي يختص من الجمعة، ~~فأخذ هؤلاء السبت، وأخذ هؤلاء الأحد، فهدانا الله نحن إلى يوم ~~الجمعة، قال صلى الله عليه وسلم: «فهذا يومهم الذي ~~اختلفوا فيه» " # فليس الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف في هذا الحديث. # * ت *: يعنى أن الاختلاف المذكور في الآية هو بين اليهود فيما ~~بينهم، والاختلاف المذكور في الحديث الصحيح هو فيما بين اليهود ~~والنصارى. # وقوله سبحانه: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة } هذه الآية نزلت بمكة، أمر عليه ~~السلام أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف، وهكذا ينبغى أن ~~يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. ### || [16.126-128] # وقوله سبحانه: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به... } الآية: أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، ~~نزلت في شأن التمثيل بحمزة وغيره في يوم أحد، ووقع ذلك في ~~«صحيح البخاري» وغيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " «لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بثلاثين » " # كتاب «النحاس» وغيره: « بسبعين منهم »، فقال الناس: إن ~~ظفرنا، لنفعلن ولنفعلن، فنزلت هذه الآية، ثم عزم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصبر عن المجازاة بالتمثيل في القتلى، ويروى أنه ~~عليه السلام قال لأصحابه: # " «أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ ~~فقالوا: نصبر يا رسول الله كما ندبنا!!!» " # وقوله: { وما صبرك إلا ms0823 بالله } أي بمعونة الله وتأييده ~~على ذلك. # وقوله سبحانه: { ولا تحزن عليهم } قيل: الضمير في قوله: { ~~عليهم } يعود على الكفار، أي: لا تتأسف عليهم أن لم ~~يسلموا، وقالت فرقة: بل يعود على القتلى حمزة وأصحابه الذين ~~حزن عليهم صلى الله عليه وسلم والأول أصوب. { ولا تك في ضيق ~~مما يمكرون } قرأ الجمهور: «في ضيق» - بفتح الضاد -، وقرأ ~~ابن كثير بكسر الضاد، وهما لغتان. # { إن الله مع الذين اتقوا }: أي بالنصر والمعونة، و ~~{ اتقوا } يريد المعاصي، و { محسنون } هم الذين يتزيدون ~~فيما ندب إليه من فعل الخير وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله عز وجل: { سبحن الذي أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام }: جل العلماء على أن الإسراء كان بشخصه ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه ركب البراق من مكة، ووصل إلى بيت المقدس، ~~وصلى فيه، وقالت عائشة ومعاوية: إنما أسري بروحه، والصحيح ما ~~ذهب إليه الجمهور، ولو كانت منامة، ما أمكن قريشا التشنيع، ولا ~~فضل أبو بكر بالتصديق، ولا قالت له أم هانىء: لا تحدث الناس ~~بهذا، فيكذبوك، إلى غير هذا من الدلائل، وأما قول عائشة فإنها كانت ~~صغيرة، ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك معاوية. # قال ابن العربي: قوله تعالى: { سبحن الذي أسرى بعبده ~~ليلا } قال علماؤنا: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم هو ~~أشرف منه، لسماه الله تعالى به في تلك الحالة العلية، وقد قال ~~الأستاذ جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن: لما رفعه ~~الله إلى حضرته السنية وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ الزمه ~~اسم العبودية، تواضعا وإجلالا للألوهية. انتهى من «الأحكام». # و { سبحن } مصدر معناه: تنزيها لله، وروى طلحة بن عبيد الله ~~الفياض أحد العشرة، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما معنى ~~سبحان الله؟ قال: تنزيه الله من كل سوء، وكان الإسراء فيما ~~قال مقاتل وقتادة: قبل الهجرة بعام، وقيل: بعام ونصف، والمتحقق أن ~~ذلك كان بعد شق الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ms0824 ووقع في «الصحيحين» ~~لشريك بن أبي نمر، وهم في هذا المعنى؛ فإنه روى حديث الإسراء، ~~فقال فيه: وذلك قبل أن يوحى إليه، ولا خلاف بين المحدثين؛ أن هذا ~~وهم من شريك. # قال * ص *: { أسرى بعبده } بمعنى: سرى، وليست همزته ~~للتعدية، بل ك«سقى وأسقى»، والباء للتعدية، و { ليلا } ظرف ~~للتأكيد؛ لأن السرى لا يكون لغة إلا بليل، وقيل: يعنى به في جوف ~~الليل، فلم يكن إدلاجا ولا ادلاجا انتهى. # و { المسجد الأقصى }: بيت المقدس، «والأقصى» البعيد، والبركة ~~حوله من وجهين: # أحدهما: النبوة والشرائع والرسل الذين كانوا في ذلك القطر، وفي ~~نواحيه. # والآخر: النعم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة. # وقوله سبحانه: { لنريه } يريد لنري محمدا بعينه آياتنا في ~~السموات والملائكة والجنة والسدرة وغير ذلك من العجائب، مما رآه ~~تلك الليلة، ولا خلاف أن في هذا الإسراء فرضت الصلوات الخمس على ~~هذه الأمة. # وقوله سبحانه: { إنه هو السميع البصير } وعيد للمكذبين ~~بأمر الإسراء، أي: هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم. ### || [17.2-4] # { وآتينآ موسى الكتب } ، أي: التوراة. # وقوله: { ألا تتخذوا من دوني وكيلا... } الآية: ~~التقدير: فعلنا ذلك؛ لئلا تتخذوا يا ذرية ف { ذرية }: ~~منصوب على النداء، وهذه مخاطبة للعالم، ويتجه نصب (ذرية) على أنه ~~مفعول ب «تتخذوا» ويكون المعنى ألا يتخذوا بشرا إلاها من دون ~~الله، وقرأ أبو عمر وحده: «ألا يتخذوا» بالياء، على لفظ ~~الغائب، «والوكيل»؛ هنا من التوكيل، أي: متوكلا عليه في الأمور، فهو ~~ند لله بهذا الوجه، وقال مجاهد: { وكيلا }: «شريكا»، ووصف نوح ~~بالشكر؛ لأنه كان يحمد الله في كل حال، وعلى كل نعمة من المطعم ~~والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلى الله عليه وسلم قاله سلمان ~~الفارسي وغيره، وقال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا ابن أبي ذئب عن ~~سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام: أن موسى عليه ~~السلام قال: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: يا موسى لا ~~يزال لسانك رطبا من ذكري، انتهى، وقد رويناه مسندا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعني قوله: ms0825 # " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ". # وقوله سبحانه: { وقضينا إلى بني إسرءيل... } الآية: ~~قالت فرقة: { قضينا } معناه: في أم الكتاب. # قال * ع *: وإنما يلبس في هذا المكان تعدية { قضينا } ب ~~«إلى»، وتلخيص المعنى عندي: أن هذا الأمر هو مما قضاه الله عز ~~وجل في أم الكتاب على بني إسرائيل، وألزمهم إياه، ثم أخبرهم به في ~~التوراة على لسان موسى، فلما أراد هنا الإعلام لنا بالأمرين جميعا ~~في إيجاز، جعل { قضينا } دالة على النفوذ في أم الكتاب، وقرن ~~بها «إلى» دالة على إنزال الخير بذلك إلى بني إسرائيل، والمعنى ~~المقصود مفهوم خلال هذه الألفاظ، ولهذا فسر ابن عباس مرة بأن قال: ~~{ قضينا إلى بني إسرءيل } ، معناه: أعلمناهم، وقال ~~مرة: «قضينا عليهم»، و { الكتب } هنا؛ التوراة لأن القسم في ~~قوله: { لتفسدن } غير متوجه مع أن نجعل { الكتب } هو ~~اللوح المحفوظ. # وقال * ص *: و { قضينا }: مضمن معنى «أوحينا»؛ ولذلك تعدى ~~ب «إلى» وأصله أن يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد؛ كقوله سبحانه: # فلما قضى موسى الأجل # [القصص:29] انتهى، وهو حسن موافق لكلام * ع *، وقوله «ولتعلن» أي: ~~لتتجبرن، وتطلبون في الأرض العلو، ومقتضى الآيات أن الله ~~سبحانه أعلم بني إسرائيل في التوراة، أنه سيقع منهم عصيان وكفر ~~لنعم الله، وأنه سيرسل عليهم أمة تغلبهم وتذلهم، ثم يرحمهم بعد ~~ذلك، ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم من الظهور، ثم تقع منهم ~~أيضا تلك المعاصي والقبائح، فيبعث الله تعالى عليهم أمة أخرى ~~تخرب ديارهم، وتقتلهم، وتجليهم جلاء، مبرحا، وأعطى الوجود بعد ~~ذلك هذا الأمر كله، قيل: كان بين المرتين مائتا سنة، وعشر ~~سنين ملكا مؤيدا بأنبياء، وقيل: سبعون سنة. ### || [17.5-8] # وقوله سبحانه: { فإذا جآء وعد أولهما } الضمير في قوله: { ~~أولهما } عائد على قوله { مرتين } ، وعبر عن الشر ب ~~«الوعد»؛ لأنه قد صرح بذكر المعاقبة. # قال * ص *: { وعد أولهما } ، أي: موعود، وهو العقاب، لأن الوعد ~~سبق بذلك، وقيل: هو على حذف مضاف، أي وعد عقاب أولاهما. انتهى، وهو معنى ~~ما تقدم. # واختلف الناس في العبيد المبعوثين، وفي ms0826 صورة الحال اختلافا شديدا ~~متباعدا، عيونه أن بني إسرائيل عصوا وقتلوا زكرياء عليه ~~السلام، فغزاهم سنجاريب ملك بابل، قاله ابن إسحاق وابن جبير. # وقال ابن عباس: غزاهم جالوت من أهل الجزيرة، وقيل: غزاهم بخت ~~نصر، وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس، وهو خامل يسير في مطبخ ~~الملك، فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم تعلمه الفرس، فلما ~~انصرف الجيش، ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة، جعله الملك ~~رئيس جيش، وبعثه فخرب بيت المقدس، وقتلهم، وأجلاهم، ثم انصرف، فوجد ~~الملك قد مات، فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ~~ذلك، وقالت فرقة: إنما غزاهم بخت نصر في المرة الأخيرة حين ~~عصوا وقتلوا يحيى بن زكرياء، وصورة قتله: أن الملك أراد أن ~~يتزوج بنت امرأته، فنهاه يحيى عنها، فعز ذلك على امرأته، فزينت ~~بنتها، وجعلتها تسقي الملك الخمر، وقالت لها: إذا راودك عن ~~نفسك، فتمنعي حتى يعطيك الملك ما تتمنين، فإذا قال لك: ~~تمني علي ما أردت، فقولي: رأس يحيى بن زكرياء، ففعلت الجارية ~~ذلك، فردها الملك مرتين، وأجابها في الثالثة، فجيء بالرأس في ~~طست، ولسانه يتكلم، وهو يقول: لا تحل لك، وجرى دم يحيى، فلم ~~ينقطع، فجعل الملك عليه التراب، حتى ساوى سور المدينة، والدم ينبعث، ~~فلما غزاهم الملك الذي بعث عليهم بحسب الخلاف الذي فيه، قتل ~~منهم على الدم سبعين ألفا حتى سكن، هذا مقتضى خبرهم، وفي بعض ~~الروايات زيادة ونقص، وقرأ الناس: «فجاسوا»، وقرأ أبو السمال: ~~بالحاء، وهما بمعنى الغلبة والدخول قهرا، وقال مؤرج: جاسوا ~~خلال الأزقة. # * ت * قال * ص *: { جاسوا } مضارعه يجوس، ومصدره جوس ~~وجوسان، ومعناه: التردد، و { خلال } ظرف، أي: وسط الديار انتهى. # وقوله سبحانه: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم... } ~~الآية عبارة عما قاله سبحانه لبني إسرائيل في التوراة، وجعل «رددنا» ~~موضع «نرد»، لما كان وعد الله في غاية الثقة، وأنه واقع لا ~~محالة، فعبر عن المستقبل بالماضي، وهذه الكرة هي بعد الجولة الأولى، ~~كما وصفنا، فغلبت بنو إسرائيل على بيت ms0827 المقدس، وملكوا فيه، ~~وحسنت حالهم برهة من الدهر، وأعطاهم الله الأموال والأولاد ~~وجعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس، فلما قال الله: إني ~~سأفعل بكم هكذا، اعقب بوصيتهم في قوله: { إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم. # .. } الآية، والمعنى: إنكم بعملكم تجازون، و { وعد الآخرة } ~~معناه: من المرتين. # وقوله: { ليسوءوا } اللام لام أمر، وقيل: المعنى: بعثناهم، ~~ليسوؤوا وليدخلوا، فهي لام كي كلها، والضمير للعباد أولي البأس ~~الشديد، و { المسجد } مسجد بيت المقدس، «وتبر» معناه: أفسد بغشم ~~وركوب رأس. # وقوله: { ما علوا } ، أي: ما علوا عليه من الأقطار، وملكوه من ~~البلاد، وقيل: «ما» ظرفية، والمعنى مدة علوهم وغلبتهم على البلاد. # وقوله سبحانه: { عسى ربكم أن يرحمكم... } الآية: يقول ~~الله عز وجل لبقية بني إسرائيل: عسى ربكم إن أطعتم في أنفسكم ~~واستقمتم أن يرحمكم، وهذه العدة ليست برجوع دولة، وإنما هي بأن ~~يرحم المطيع منهم، وكان من الطاعة اتباعهم لعيسى ومحمد عليهما ~~السلام، فلم يفعلوا، وعادوا إلى الكفر والمعصية، فعاد عقاب الله عليهم ~~بضرب الذلة عليهم، وقتلهم وإذلالهم بيد كل أمة، ~~و«الحصير»: من الحصر بمعنى السجن، وبنحو هذا فسره مجاهد وغيره، ~~وقال الحسن: «الحصير» في الآية: أراد به ما يفترش ويبسط؛ كالحصير ~~المعروف عند الناس. # قال * ع *: وذلك الحصير أيضا هو مأخوذ من الحصر. ### || [17.9-10] # وقوله سبحانه: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم... } الآية: { يهدي } ، في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه ~~فيها أن تكون بمعنى «يدعو» و «التي» يريد بها الحالة والطريقة، وقالت ~~فرقة «التي هي أقوم»: لا إله إلا الله، والأول أعم، «والأجر ~~الكبير» الجنة؛ وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير، وأجر كبير، ~~فهو الجنة، قال الباجي قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: إن ~~استطعت أن تجعل القرآن إماما، فافعل، فهو الإمام الذي يهدي إلى ~~الجنة. قال أبو سليمان الداراني: ربما أقمت في الآية الواحدة ~~خمس ليال، ولولا أني أدع التفكر فيها، ما جزتها، وقال: إنما ~~يؤتى على أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة، أراد آخرها. قال الباجي. ~~وروى ابن لبابة ms0828 عن العتبي عن سحنون؛ أنه رأى عبد الرحمن بن القاسم في ~~النوم، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببت! ~~قال له: فأي أعمالك وجدت أفضل؟ قال: تلاوة القرآن، قال: قلت له: ~~فالمسائل، فكان يشير بأصبعه؛ كأنه يلشيها، فكنت أسأله عن ابن وهب، ~~فيقول لي: هو في عليين. انتهى من «سنن الصالحين». ### || [17.11-12] # وقوله سبحانه: { ويدع الإنسن بالشر دعاءه ~~بالخير وكان الإنسن عجولا }: سقطت الواو من { يدع } ~~في خط المصحف. # قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس ~~من الدعاء على أموالهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر سبحانه أنهم ~~يدعون بالشر في ذلك الوقت، كما يدعون بالخير في وقت التثبت، فلو ~~أجاب الله دعاءهم، أهلكهم، لكنه سبحانه يصفح ولا يجيب دعاء ~~الضجر المستعجل، ثم عذر سبحانه بعض العذر في أن الإنسان له ~~عجلة فطرية، { الإنسن } هنا: يراد به الجنس؛ قاله مجاهد وغيره. # وقال ابن عباس وسليمان: الإشارة إلى آدم لما نفخ الروح في رأسه، ~~عطس وأبصر، فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ~~ليمشي مستعجلا لذلك، فلم يقدر، والمعنى؛ على هذا فأنتم ذووا عجلة ~~موروثة من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية: معاتبة الناس في دعائهم ~~بالشر مكان ما يجب أن يدعوه بالخير. # * ت *: قول هذه الفرقة نقله * ع * غير ملخص، فأنا لخصته. # وقوله سبحانه: { وجعلنا اليل والنهار آيتين... } ~~الآية هنا العلامة المنصوبة للنظر والعبرة. # وقوله سبحانه: { فمحونا آية اليل } قالت فيه فرقة: سبب ~~تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين، فمحا بعد ~~ذلك القمر، محاه جبريل بجناحه ثلاث مرات، فمن هنالك كلفه، ~~وقالت فرقة: إن قوله: { فمحونا آية اليل } إنما يريد في ~~أصل خلقته، { وجعلنا آية النهار مبصرة } ، أي: ~~يبصر بها ومعها، ليبتغي الناس الرزق وفضل الله، وجعل ~~سبحانه القمر مخالفا لحال الشمس؛ ليعلم به العدد من السنين ~~والحساب للأشهر والأيام، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة ~~القمر، لا من جهة الشمس، وحكى عياض في «المدارك» ms0829 في ترجمة الغازي بن ~~قيس قال: روي عن الغازي بن قيس؛ أنه كان يقول: ما من يوم يأتي ~~إلا ويقول: أنا خلق جديد، وعلى ما يفعل في شهيد، ~~فخذوا مني قبل أن أبيد، فإذا أمسى ذلك اليوم، خر ~~لله ساجدا، وقال: الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم ~~العقيم. انتهى. «والتفصيل» البيان. ### || [17.13-15] # وقوله سبحانه: { وكل إنسن ألزمنه طئره } قال ابن ~~عباس: { طئره } ما قدر له وعليه، وخاطب الله العرب في هذه ~~الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم ~~بالطير في كونها سانحة وبارحة، وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء ~~وحيوان الفلا، وسمت ذلك كله تطيرا، وكانت تعتقد أن تلك ~~الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر، فأخبرهم الله ~~تعالى في هذه الآية بأوجز لفظ، وأبلغ إشارة، أن جميع ما يلقى الإنسان ~~من خير وشر قد سبق به القضاء، وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه، وذلك ~~في قوله عز وجل: { وكل إنسن ألزمنه طئره في ~~عنقه } ، فعبر عن الحظ والعمل؛ إذ هما متلازمان، بالطائر؛ قاله ~~مجاهد وقتادة: بحسب معتقد العرب في التطير: { ونخرج له يوم ~~القيمة كتبا يلقه منشورا }: هذا الكتاب هو عمل ~~الإنسان وخطيئاته، { اقرأ كتبك } أي: يقال له: اقرأ كتابك، ~~وأسند الطبري عن الحسن، أنه قال: يا بن آدم بسطت لك صحيفة، ~~ووكل بك ملكان كريمان؛ أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، ~~والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك، فأملل ما شئت وأقلل أو أكثر ~~حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى ~~تخرج لك يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا { اقرأ كتبك ~~كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } قد عدل والله ~~فيك، من جعلك حسيب نفسك. # قال * ع * فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل ~~مع ابن آدم من عمله في قبره، فتأمل لفظه، وهذا قول ابن عباس، وقال ~~قتادة في قوله: اقرأ كتابك: إنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ. ### || [17.16-20] # وقوله سبحانه: { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها } قرأ الجمهور: ms0830 «أمرنا»؛ على صيغة الماضي، وعن نافع ~~وابن كثير، في بعض ما روي عنهما: «آمرنا» بمد الهمزة؛ بمعنى ~~كثرنا، وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه: «أمرنا» بتشديد الميم، وهي ~~قراءة أبي عثمان النهدي، وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن ~~علي، قال الطبري القراءة الأولى معناها: أمرناهم بالطاعة، فعصوا ~~وفسقوا فيها، وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية: معناها: ~~كثرناهم، والثالثة: هي من الإمارة، أي ملكناهم على الناس، قال ~~الثعلبي: واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة الجمهور، قال أبو عبيد: ~~وإنما اخترت هذه القراءة، لأن المعاني الثلاثة مجتمعة فيها، وهي ~~معنى الأمر والإمارة والكثرة انتهى. # * ت *: وعبارة ابن العربي: { أمرنا مترفيها } يعني بالطاعة، ~~ففسقوا بالمخالفة انتهى من كلامه على الأفعال الواقعة في القرآن، ~~«والمترف» الغني من المال المتنعم، والترفة: النعمة، وفي ~~مصحف أبي بن كعب: «قرية بعثنا أكابر مجرميها ~~فمكروا فيها». # وقوله سبحانه: { فحق عليها القول } ، أي: وعيد الله لها ~~الذي قاله رسولهم، «والتدمير» الإهلاك مع طمس الآثار وهدم البناء. # { وكم أهلكنا من القرون... } الآية: مثال لقريش ووعيد ~~لهم، أي: لستم ببعيد مما حصلوا فيه إن كذبتم، واختلف في القرن، وقد روى ~~محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن بسر، قال: # " وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه، وقال: ~~«سيعيش هذا الغلام قرنا» قلت: كم القرن؟ قال: مائة ~~سنة " # قال محمد بن القاسم: فما زلنا نعد له حتى كمل مائة سنة، ~~ثم مات رحمه الله. # والباء في قوله: { بربك } زائدة، التقدير وكفى ربك، وهذه ~~الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم، وقد يجيء «كفى» دون ~~باء، كقول الشاعر: [الطويل] # .................................... # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا # وكقول الآخر: [الطويل] # ويخبرني عن غائب المرء هديه # كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا # وقوله سبحانه: { من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد... } الآية: المعنى فإن الله ~~يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء سبحانه؛ على قراءة النون، أو ما يشاء ~~هذا المريد؛ على قراءة الياء، وقوله: { لمن نريد ms0831 } شرط كاف على ~~القراءتين، وقال ابن إسحاق الفزاري: المعني لمن نريد هلكته، ~~و«المدحور» المهان المبعد المذلل المسخوط عليه. # وقوله سبحانه: { ومن أراد الآخرة } ، أي: إرادة يقين ~~وإيمان بها، وبالله ورسالاته، ثم شرط سبحانه في مريد الآخرة ~~أن يسعى لها سعيها، وهو ملازمة أعمال الخير على حكم الشرع، { ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا } ولا يشكر الله سعيا ولا ~~عملا إلا أثاب عليه، وغفر بسببه؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش: « فشكر الله له ~~فغفر له». # وقوله سبحانه: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ~~ربك } يحتمل أن يريد ب«العطاء» الطاعات لمريد الآخرة، والمعاصي ~~لمريد العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد بالعطاء ~~رزق الدنيا، وهو تأويل الحسن بن أبي الحسن، وقتادة، المعنى أنه سبحانه ~~يرزق في الدنيا من يريد العاجلة ومريد الآخرة، وإنما يقع التفاضل ~~والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله: { وما كان ~~عطاء ربك محظورا } ، أي: ممنوعا، وقلما تصلح هذه ~~العبارة لمن يمد بالمعاصي. ### || [17.21-22] # وقوله: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } الآية ~~تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها الرزق، وباقي الآية ~~معناه أوضح من أن يبين. # وقوله سبحانه: { لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا } هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد لجميع الخلق، قاله الطبري وغيره، ولا مرية في ذم من نحت ~~عودا أو حجرا، وأشركه في عبادة ربه. # قال * ص *: { فتقعد } ، أي: فتصير؛ بهذا فسره الفراء وغيره ا ~~ه. # «والخذلان»؛ في هذا بإسلام الله لعبده، ألا يتكفل له بنصر، ~~والمخذول الذي أسلمه ناصروه، والخاذل من الظباء التي تترك ولدها. ### || [17.23-28] # وقوله سبحانه: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إيه... } الآية: { قضى } ، في هذه الآية: هي بمعنى أمر وألزم ~~وأوجب عليكم؛ وهكذا قال الناس، وأقول: إن المعنى وقضى ربك أمره، ~~فالمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود: «ووصى ربك»، ~~وهي قراءة ابن عباس وغيره، والضمير في { تعبدوا } لجميع الخلق؛ وعلى ~~هذا ms0832 التأويل مضى السلف والجمهور، ويحتمل أن يكون { قضى } على مشهورها ~~في الكلام، ويكون الضمير في { تعبدوا } للمؤمنين من الناس إلى يوم ~~القيامة. # وقوله: { فلا تقل لهما أف } معنى اللفظة أنها اسم فعل؛ كأن ~~الذي يريد أن يقول: أضجر أو أتقذر أو أكره، ونحو هذا، يعبر ~~إيجازا بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعل المذكور، وإذا كان النهي عن ~~التأفيف فما فوقه من باب أحرى، وهذا هو مفهوم الخطاب الذي ~~المسكوت عنه حكمه حكم المذكور. # قال * ص *: وقرأ الجمهور { الذل } بضم الذال، وهو ضد العز، وقرأ ~~ابن عباس وغيره بكسرها، وهو الانقياد ضد الصعوبة انتهى، وباقي الآية ~~بين. # قال ابن الحاجب في «منتهى الوصول»، وهو المختصر الكبير: المفهوم ~~ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، وهو: مفهوم موافقة، ~~ومفهوم مخالفة، فالأول: أن يكون حكم المفهوم موافقا للمنطوق في ~~الحكم، ويسمى فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، كتحريم الضرب ~~من قوله تعالى: { فلا تقل لهما أف } وكالجزاء بما فوق ~~المثقال من قوله تعالى: # ومن يعمل مثقال ذرة # [الزلزلة:8]، وكتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى: # ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك # [آل عمران:75] وعدم تأدية ما فوق الدينار من قوله تعالى: # بدينار لا يؤده إليك # [آل عمران:75] وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، والأعلى على ~~الأدنى، فلذلك كان الحكم في المسكوت أولى، وإنما يكون ذلك إذا عرف ~~المقصود من الحكم، وأنه أشد مناسبة في المسكوت؛ كهذه الأمثلة، ~~ومفهوم المخالفة: أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق به في ~~الحكم ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام: مفهوم الصفة؛ مثل: # " في الغنم السائمة الزكاة " # ،ومفهوم الشرط، مثل: # وإن كن أولت حمل # [الطلاق:6] ومفهوم الغاية، مثل: # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة:230] ومفهوم إنما مثل: # " إنما الربا في النسيئة " # ومفهوم الاستثناء مثل: «لا إله إلا الله» ومفهوم العدد الخاص، ~~مثل: # فاجلدوهم ثمانين جلدة # [النور:4]، ومفهوم حصر المبتدإ مثل: العالم زيد، وشرط مفهوم ~~المخالفة عند قائله ألا يظهر أن المسكوت عنه أولى ولا مساويا؛ ~~كمفهوم الموافقة، ولا خرج ms0833 مخرج الأعم الأغلب، مثل: # وربائبكم التي في حجوركم # [النساء:23] فأما مفهوم الصفة، فقال به الشافعي، ونفاه الغزالي ~~وغيره. انتهى. # وفسر الجمهور الأوابين بالرجاعين إلى الخير، وهي لفظة لزم ~~عرفها أهل الصلاح. # * ت *: قال عبد الحق الأشبيلي: واعلم أن الميت كالحي ~~فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر؛ لأن الحي قد يستقل ~~ما يهدى إليه، ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئا من ~~ذلك، ولو كان مقدار جناح بعوضة، أو وزن مثقال ذرة، لأنه يعلم ~~قيمته، وقد كان يقدر عليه، فضيعه، وقد قال عليه السلام: # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلات: ~~إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد ~~صالح يدعو له " # فهذا دعاء الولد يصل إلى والده، وينتفع به، وكذلك أمره عليه السلام ~~بالسلام على أهل القبور والدعاء لهم ما ذاك إلا لكون ذلك ~~الدعاء لهم والسلام عليهم، يصل إليهم ويأتيهم، والله أعلم، وروي عنه ~~عليه السلام؛ أنه قال: # " لكون الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه ~~من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته، كانت ~~أحب إليه من الدنيا وما فيها " # والأخبار في هذا الباب كثيرة انتهى من «العاقبة». # * ت *: وروى مالك في «الموطإ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، ~~أنه قال: كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده وأشار ~~بيده نحو السماء. قال أبو عمرو: وقد رويناه بإسناده جيد، ثم ~~أسند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ليرفع العبد الدرجة، فيقول: أي ~~رب، أنى لي هذه الدرجة؟ فيقال: باستغفار ولدك ~~لك " # انتهى من «التمهيد»، وروينا في «سنن أبي داود»؛ # " أن رجلا من بني سلمة قال: يا رسول الله، هل بقي ~~من بر أبوي شيء، أبرهما به بعد موتهما؟ ~~قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما وإنفاذ ~~عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل ~~إلا بهما، وإكرام صديقهما " # انتهى. # وقوله سبحانه: { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل... } الآية: قال الجمهور: الآية ms0834 وصية للناس كلهم بصلة ~~قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة، ~~«والحق»، في هذه الآية، ما يتعين له؛ من صلة الرحم، وسد ~~الخلة، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه؛ قال بنحو ~~هذا الحسن وابن عباس وعكرمة وغيرهم، «والتبذير» إنفاق المال في فساد ~~أو في سرف في مباح. # وقوله تعالى: { وإما تعرضن عنهم } ، أي: عمن تقدم ~~ذكره من المساكين وابن السبيل، { فقل لهم قولا ميسورا } ، ~~أي: فيه ترجية بفضل الله، وتأنيس بالميعاد الحسن، ودعاء في توسعة ~~الله وعطائه، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد نزول هذه ~~الآية، # " إذا لم يكن عنده ما يعطي: يرزقنا الله ~~وإياكم من فضله " # وال { رحمة } على هذا التأويل: الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس ~~وغيره، والميسور: من اليسر. ### || [17.29-30] # وقوله سبحانه: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ~~استعارة لليد المقبوضة عن الانفاق جملة، واستعير لليد التي تستنفذ ~~جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق ~~الخير، وأما إنفاق الفساد، فقليله وكثيره حرام، أو الملامة هنا لاحقة ~~ممن يطلب من المستحقين، فلا يجد ما يعطى، «والمحسور» الذي قد استنفدت ~~قوته، تقول: حسرت البعير؛ إذا أتعبته حتى لم تبق له ~~قوة؛ ومنه البصر الحسير. # قال ابن العربي وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد أمته، وكثيرا ما جاء هذا المعنى في القرآن، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم، عبر به عنهم، ~~على عادة العرب في ذلك. انتهى من «الأحكام»، «والحسير»: هو الكال. # { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } معنى { ~~يقدر } يضيق. # وقوله سبحانه: { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } ، أي: ~~يعلم مصلحة قوم في الفقر، ومصلحة آخرين في الغنى. # وقال بعض المفسرين: الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها ~~الفقر، وكانت إذا شبعت، طغت. # * ت *: وهذا التأويل يعضده قوله تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى:27] ولا خصوصية لذكر العرب إلا من حيث ضرب المثل. ### || [17.31-35] ms0835 # وقوله سبحانه: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملق... ~~} الآية: نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، «والإملاق». الفقر ~~وعدم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من كانت له ابنة فلم يئدها، ولم يهنها، ولم ~~يؤثر ولده عليها - قال: يعني الذكور - أدخله ~~الله الجنة " # انتهى. والحق الذي تقتل به النفس: قد فسره النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: # " لا يحل دم المسلم إلا إحدى ثلاث خصال: كفر ~~بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس " # أي: وما في هذا المعنى من حرابة أو زندقة ونحو ذلك. # { ومن قتل مظلوما } أي: بغير الوجوه المذكورة، { فقد ~~جعلنا لوليه سلطنا } ، ولا مدخل للنساء في ولاية ~~الدم؛ عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند آخرين، «والسلطان»: ~~الحجة والملك الذي جعل إليه من التخيير في قبول الدية أو العفو؛ قاله ~~ابن عباس. قال البخاري: قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو ~~حجة. انتهى، وقال قتادة: «السلطان» القود. # وقوله سبحانه: { فلا يسرف في القتل } المعنى: فلا يتعد ~~الولي أمر الله بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل اثنين ~~بواحد إلى غير ذلك من وجوه التعدي، وقرأ حمزة والكسائي، وابن عامر: ~~«فلا تسرف» - بالتاء من فوق -، قال الطبري: على الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والأئمة بعده. # قال * ع *: ويصح أن يراد به الولي، أي: فلا تسرف أيها الولي، ~~والضمير في «إنه» عائد على «الولي»، وقيل: على المقتول، وفي قراءة ~~أبي بن كعب: «فلا تسرفوا في القتال إن ولي المقتول كان ~~منصورا»، وباقي الآية تقدم بيانه، قال الحسن: { القسطاس } هو ~~القبان، وهو القرسطون، وقيل: { القسطاس }: هو الميزان، صغيرا ~~كان أو كبيرا. # قال * ع *: وسمعت أبي رحمه الله تعالى يقول: رأيت الواعظ أبا ~~الفضل الجوهري رحمه الله في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس ~~في الوزن، فقال في جملة كلامه: إن في هيئة اليد بالميزان عظة، ~~وذلك أن الأصابع يجيء منها صورة المكتوبة ألف ولامان وهاء، ~~فكأن الميزان ms0836 يقول: الله، الله. # قال * ع *: وهذا وعظ جميل، «والتأويل»، في هذه الآية المآل؛ قاله ~~قتادة، ويحتمل أن يكون التأويل مصدر تأول، أي: يتأول عليكم الخير ~~في جميع أموركم، إذا أحسنتم الكيل والوزن. # وقال * ص *: { تأويلا } أي: عاقبة انتهى. ### || [17.36-38] # وقوله سبحانه: { ولا تقف } معناه لا تقل ولا تتبع، واللفظة ~~تستعمل في القذف؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن بنو النضر لا نقفوا أمنا، ولا ننتفى من ~~أبينا " # ، وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قفوت الأثر، وحكى ~~الطبري عن فرقة؛ أنها قالت: قفا وقاف، مثل عثا وعاث، فمعنى ~~الآية: ولا تتبع لسانك من القول من ما لا علم لك به، وبالجملة: فهذه ~~الآية تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة ~~والمردية. # { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسئولا } عبر عن هذه الحواس ب { أولئك }. لأن لها ~~إدراكا وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل. # * ت *: قال * ص *: وما توهمه ابن عطية { أولئك } تختص بمن ~~يعقل ليس كذلك؛ إذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و «أولئك» ~~على من لا يعقل. # * ت *: وقد نقل * ع * الجواز عن الزجاج وفي ألفية ابن ~~مالك: [الرجز] # وبأولى أشر لجمع مطلقا # .......................... # فقال والده بدر الدين: أي سواء كان مذكرا أو مؤنثا، وأكثر ما ~~يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء لغيره؛ كقوله: [الكامل] # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # وقد حكى * ع * البيت، وقال: الرواية فيه «الأقوام»، والله أعلم ~~انتهى. # والضمير في { عنه } يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون ~~المعنى: إن الله تعالى يسأل سمع الإنسان وبصره وفؤاده ~~عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية ~~الخزي، ويحتمل أن يعود على { كل } التي هي السمع والبصر والفؤاد، ~~والمعنى: إن الله تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده. # قال صاحب «الكلم الفارقية»: لا تدع جدول سمعك يجرى ~~فيه أجاج الباطل؛ فيلهب باطنك بنار الحرص على ms0837 العاجل، السمع ~~قمع تغور فيه المعاني المسموعة إلى قرار وعاء القلب، فإن ~~كانت شريفة لطيفة، شرفته ولطفته وهذبته وزكته، وإن ~~كانت رذيلة دنية، رذلته وخبثته، وكذلك البصر منفذ ~~من منافذ القلب، فالحواس الخمس كالجداول والرواضع ترضع من ~~أثداء الأشياء التي تلابسها، وتأخذ ما فيها من معانيها وأوصافها، ~~وتؤديها إلى القلب وتنهيها. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولا تمش في الأرض مرحا } قرأ الجمهور { ~~مرحا } بفتح الحاء مصدر: مرح يمرح؛ إذا تسيب مسرورا ~~بدنياه، مقبلا على راحته، فنهي الإنسان أن يكون مشيه في الأرض على ~~هذا الوجه، وقرأت فرقة: «مرحا» بكسر الراء، ثم قيل له: إنك أيها ~~المرح المختال الفخور، لن تخرق الأرض، ولن تطاول الجبال بفخرك ~~وكبرك، «وخرق الأرض» قطعها ومسحها واستيفاؤها بالمشي. # وقوله سبحانه: { كل ذلك كان سيئه } قرأ نافع وابن كثير ~~وأبو عمرو: «سيئة» فالإشارة بذلك على هذه القراءة إلى ما تقدم ~~ذكره مما نهي عنه كقوله: # أف # [الإسراء:23] وقذف الناس، والمرح، وغير ذلك، وقرأ عاصم وابن عامر ~~وحمزة والكسائي «سيئه» على إضافة «سيىء» إلى الضمير، فتكون ~~الإشارة؛ على هذه القراءة إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات؛ من بر ~~ومعصية، ثم اختص ذكر السيىء منه، بأنه مكروه عند الله تعالى. ### || [17.37-40] # وقوله سبحانه: { ذلك مما أوحى إليك ربك... } الآية: ~~الإشارة ب { ذلك } إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات ~~المتقدمة، و { الحكمة } قوانين المعاني المحكمة، والأفعال ~~الفاضلة. # * ت *: فينبغي للعاقل أن يتأدب بآداب الشريعة، وأن يحسن العشرة مع ~~عباد الله، قال الإمام فخر الدين ابن الخطيب في «شرح أسماء ~~الله الحسنى» كان بعض المشايخ يقول: مجامع الخيرات ~~محصورة في أمرين صدق مع الحق، وخلق مع الخلق انتهى، ~~وذكر هشام بن عبد الله القرطبي في تاريخه المسمى ب «بهجة ~~النفس»، قال: دخل عبد الملك بن مروان على معاوية، وعنده ~~عمرو بن العاص، فلم يلبث أن نهض، فقال معاوية لعمرو: ما ~~أكمل مروءة هذا الفتى! فقال له عمرو: إنه أخذ بأخلاق أربعة، ~~وترك أخلاقا ثلاثة، أخذ بأحسن البشر إذا لقي، وبأحسن ms0838 الاستماع ~~إذا حدث، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الرد إذا ~~خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، وترك مخالطة لئام ~~الناس، وترك من الحديث ما يعتذر منه انتهى. # وقوله سبحانه: { ولا تجعل مع الله إلها آخر... } ~~الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، «والمدحور» ~~المهان المبعد. # وقوله سبحانه: { أفأصفكم... } الآية خطاب للعرب، وتشنيع ~~عليهم فساد قولهم. ### || [17.41-44] # وقوله سبحانه: { ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~ليذكروا } ، أي صرفنا فيه الحكم والمواعظ. # وقوله سبحانه: { إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } ~~قال سعيد بن جبير وغيره: معنى الكلام: لابتغوا إليه سبيلا في ~~إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا: فالآية بيان ~~للتمانع، وجارية مع قوله تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22]. # قال * ع *: ونقتضب شيئا من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع ~~الله تبارك وتعالى إله غيره؛ على ما قال أبو المعالي وغيره: أنا ~~لو فرضناه، لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ~~ومستحيل أن تنفذ الإرادتان ومستحيل ألا تنفذا جميعا، فيكون ~~الجسم لا متحركا، ولا ساكنا، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر، ~~فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل: نفرضهما لا يختلفان، ~~قلنا: اختلافهما جائز غير ممتنع عقلا، والجائز في حكم ~~الواقع، ودليل آخر: أنه لو كان الاثنان، لم يمتنع أن يكونوا ~~ثلاثة، وكذلك ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، ودليل آخر: أن الجزء الذي ~~لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة لا يصح فيها ~~اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة ~~شرحها بحسب التقصي يطول. # وقوله سبحانه: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده... } ~~الآية: اختلف في هذا «التسبيح»، هل هو حقيقة أو مجاز، * ت *: والصواب ~~أنه حقيقة، ولولا خشية الإطالة، لأتينا من الدلائل على ذلك بما يثلج ~~له الصدر. ### || [17.45-47] # وقوله سبحانه: { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني كفار مكة و ~~{ حجابا مستورا } يحتمل أن يريد به حماية نبيه منهم ms0839 وقت ~~قراءته وصلاته بالمسجد الحرام؛ كما هو معلوم مشهور ويحتمل أنه أراد ~~أنه جعل بين فهم الكفرة وبين فهم ما يقرؤه صلى الله عليه وسلم ~~حجابا، فالآية على هذا التأويل: في معنى التي بعدها. # وقال الواحدي: قوله تعالى: { وإذا قرأت القرآن... } الآية: ~~نزلت في قوم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ القرآن ~~فحجبه الله عن أعينهم عند قراءة القرآن، حتى يكونوا يمرون به ~~ولا يرونه. # وقوله: { مستورا } معناه ساترا انتهى. # «والأكنة» جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، «والوقر»: الثقل في ~~الأذن، المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي ~~حفهم الله به. # وقوله سبحانه: { نحن أعلم بما يستمعون به... } ~~الآية: هذا كما تقول: فلان يستمع بإعراض وتغافل واستخفاف، «وما» ~~بمعنى «الذي»، قيل: المراد بقوله: { وإذ هم نجوى } اجتماعهم في ~~دار الندوة، ثم انتشرت عنهم. ### || [17.48-51] # قوله سبحانه: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال... } الآية: ~~حكى الطبري أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه. # وقوله سبحانه: { فلا يستطيعون سبيلا } ، أي: إلى إفساد أمرك ~~وإطفاء نورك، وقولهم: { أءذا كنا عظما ورفتا } الآية ~~في إنكارهم البعث، وهذا منهم تعجب وإنكار واستبعاد و«الرفات» ~~من الأشياء: ما مر عليه الزمان حتى بلغ غاية البلى، وقربه من ~~حالة التراب. # وقال ابن عباس: { رفاتا } غبارا وقال مجاهد: ترابا، وقوله ~~سبحانه: { قل كونوا حجارة أو حديدا... } الآية: المعنى: قل ~~لهم، يا محمد، كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة ~~التأتي لا بد من بعثكم، ثم احتج عليهم سبحانه في الإعادة ~~بالفطرة الأولى من حيث خلقهم واختراعهم من تراب. # وقوله سبحانه: { فسينغضون } معناه يرفعون ويخفضون، يريد على ~~جهة التكذيب والاستهزاء. قال الزجاج: وهو تحريك من يبطل الشيء ~~ويستبطئه ومنه قول الشاعر: [الرجز] # أنغض نحوي رأسه وأقنعا # كأنما أبصر شيئا أطمعا # ويقال: أنغضت السن؛ إذا تحركت، قال الطبري وابن ~~سلام: { عسى } من الله واجبة، فالمعنى: هو قريب، وفي ضمن ~~اللفظ توعد. ### || [17.52] # وقوله سبحانه: { يوم يدعوكم }: بدل من قوله: { قريبا } ~~ويظهرأن يكون المعنى «هو يوم» جوابا لقولهم: «متى ms0840 هو»، ويريد يدعوكم ~~من قبوركم بالنفخ في الصور لقيام الساعة. # وقوله: { فتستجيبون } ، أي: بالقيام، والعودة والنهوض نحو ~~الدعوة. # وقوله: { بحمده } قال ابن جبير: إن جميع العالمين يقومون، ~~وهم يحمدون الله ويمجدونه، لما يظهر لهم من قدرته * ص *: ~~أبو البقاء { بحمده } أي: حامدين، وقيل: { بحمده } من قول ~~الرسول، أي: وذلك بحمد الله على صدق خبري، ووقع في لفظ * ع * حين ~~قرر هذا المعنى: «عسى أن الساعة قريبة» وهو تركيب لا يجوز؛ لا ~~تقول: عسى أن زيدا قائم انتهى. # وقوله سبحانه: { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } يحتمل ~~معنيين: # أحدهما: أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ~~ظن أنهم لم ينفصلوا عن حال الدنيا إلا قليلا لمغيب علم مقدار ~~الزمان عنهم؛ إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا؛ إذ هم لا محالة ~~أشد مفارقة لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عول الطبري. # والآخر: أن يكون الظن بمعنى اليقين، فكأنه قال: يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلا من حيث هو ~~منقض منحصر. # وحكى الطبري عن قتادة أنهم لما رأوا هول يوم القيامة، احتقروا ~~الدنيا، فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلا. ### || [17.53-55] # وقوله سبحانه: { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } ~~اختلف الناس في { التي هي أحسن }: فقالت فرقة: هي لا إله ~~إلا الله؛ وعلى هذا، ف «العباد»: جميع الخلق، وقال الجمهور { ~~التي هي أحسن }: هي المحاورة الحسنة، بحسب معنى معنى، قال ~~الحسن يقول: يغفر الله لك، يرحمك الله وقوله: { ~~لعبادي } خاص بالمؤمنين، قالت فرقة: أمر الله المؤمنين فيما ~~بينهم بحسن الأدب، وخفض الجناح، وإلانة القول، واطراح ~~نزعات الشيطان، ومعنى النزغ: حركات الشيطان بسرعة؛ ليوجب ~~فسادا، وعداوة الشيطان البينة: هي من قصة آدم عليه السلام، فما بعد، ~~وقالت فرقة: إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين بإلانة القول ~~للمشركين بمكة أيام المهادنة، ثم نسخت بآية السيف. # وقوله سبحانه: { ربكم أعلم بكم }: يقوي هذا التأويل؛ إذ ~~هو مخاطبة لكفار مكة؛ بدليل قوله: { وما أرسلنك ~~عليهم وكيلا } فكأن الله عز وجل أمر ms0841 المؤمنين ألا يخاشنوا ~~الكفار في الدين، ثم قال للكفار إنه أعلم بهم ورجاهم وخوفهم، ~~ومعنى { يرحمكم } بالتوبة عليكم من الكفر؛ قاله ابن جريج ~~وغيره. # وقوله سبحانه: { وآتينا داوود زبورا } قرأ الجمهور: ~~«زبورا» بفتح الزاي، وهو فعول بمعنى مفعول، وهو قليل؛ لم ~~يجىء إلا في قدوع وركوب وحلوب، وقرأ حمزة: بضم الزاي ~~قال قتادة: زبور داود مواعظ ودعاء، وليس فيه حلال ولا حرام. ### || [17.56-58] # وقوله سبحانه: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } هذه الآية ~~ليست في عبدة الأصنام، وإنما هي في عبدة من يعقل، كعيسى وأمه ~~وعزير وغيرهم. قاله ابن عباس، فلا يملكون كشف الضر ولا ~~تحويله، ثم أخبر تعالى، أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إلى ~~الله والتزلف إليه، وأن هذه حقيقة حالهم. # وقوله سبحانه: { ويرجون رحمته... } الآية: قال عز الدين ~~بن عبد السلام، في اختصاره ل «رعاية المحاسبي»: ~~الخوف والرجاء: وسيلتان إلى فعل الواجبات والمندوبات، وترك ~~المحرمات والمكروهات، ولكن لا بد من الإكباب على استحضار ذلك ~~واستدامته في أكثر الأوقات؛ حتى يصير الثواب والعقاب نصب عينيه، ~~فيحثاه على فعل الطاعات، وترك المخالفات، ولن يحصل له ذلك ~~إلا بتفريغ القلب من كل شيء سوى ما يفكر فيه، أو يعينه على ~~الفكر، وقد مثل القلب المريض بالشهوات بالثوب المتسخ ~~الذي لا تزول أدرانه إلا بتكرير غسله وحته وقرضه، انتهى. ~~وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها... } ~~الآية: أخبر سبحانه في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي ~~هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها ~~جزءا جزءا، أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة. # وقوله: { في الكتب }: يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم ~~في اللوح المحفوظ، «والمسطور» المكتوب أسطارا. ### || [17.59] # وقوله سبحانه: { وما منعنا أن نرسل بالآيت... } الآية: ~~هذه العبارة في { منعنا } هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى ~~سبحانه سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه - منعا؛ وسبب هذه ~~الآية أن قريشا اقترحوا على النبي صلى الله ms0842 عليه وسلم أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا، ونحو هذا من الاقتراحات، فأوحى الله إلى نبيه عليه ~~السلام: إن شئت أفعل لهم ذلك، ثم إن لم يؤمنوا، عاجلتهم ~~بالعقوبة، وإن شئت، استأنيت بهم؛ عسى أن أجتبي منهم مؤمنين، ~~فقال عليه السلام: بل استأن بهم يا رب، فأخبر سبحانه في هذه ~~الآية؛ أنه لم يمنعه جل وعلا من إرسال الآيات المقترحة إلا ~~الاستئناء؛ إذ قد سلفت عادته سبحانه بمعاجلة الأمم الذين جاءتهم الآيات ~~المقترحة، فلم يؤمنوا كثمود وغيرهم. قال الزجاج: أخبر تعالى أن ~~موعد كفار هذه الأمة الساعة؛ بقوله سبحانه: # بل الساعة موعدهم # [القمر:46] فهذه الآية تنظر إلى ذلك، و { مبصرة } أي: ذات ~~إبصار وهي عبارة عن بيان أمر الناقة، ووضوح إعجازها، وقوله: { ~~فظلموا بها } ، أي: بعقرها، وبالكفر في أمرها، ثم أخبر ~~تعالى أنه إنما يرسل بالآيات غير المقترحة؛ تخويفا للعباد، وهي ~~آيات معها إمهال، فمن ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح، ~~وغير ذلك، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام: فقسم عام ~~في كل شيء، إذ حيث ما وضعت نظرك، وجدت آية، وهنا فكرة ~~للعلماء، وقسم معتاد غالبا؛ كالكسوف ونحوه، وهنا فكرة الجهلة، ~~وقسم خارق للعادة، وقد انقضى بانقضاء النبوة، وإنما يعتبر به، ~~توهما لما سلف منه. ### || [17.60-65] # وقوله سبحانه: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ~~} هذه الآية إخبار للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه محفوظ من الكفرة ~~آمن، أي: فلتبلغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحدا من المخلوقين؛ ~~قاله الطبري؛ ونحوه للحسن والسدي. # وقوله سبحانه: { وما جعلنا الرءيا التي أرينك... } ~~الآية: الجمهور أن هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما كان صبيحة الإسراء، وأخبر بما رأى في تلك ~~الليلة من العجائب، قال الكفار: إن هذا لعجب، واستبعدوا ذلك؛ ~~فافتتن بهذا قوم من ضعفة المسلمين؛ فارتدوا؛ وشق ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت هذه الآية؛ فعلى هذا يحسن أن ~~يكون معنى قوله: { أحاط بالناس } في إضلالهم وهدايتهم، أي: فلا ~~تهتم، يا محمد، بكفر من ms0843 كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية ~~هي رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة، فعجل في سنة ~~الحديبية، فصد فافتتن المسلمون لذلك، يعني بعضهم، وليس ~~بفتنة كفر. # وقوله: { والشجرة الملعونة في القرآن } معطوفة على ~~قوله: { الرءيا } ، أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة { ~~والشجرة الملعونة }؛ في قول الجمهور: هي شجرة الزقوم، ~~وذلك أن أمرها لما نزل في سورة «والصافات» قال أبو جهل وغيره: ~~هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها ~~تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر ~~بالزبد، ثم أحضر تمرا وزبدا، وقال لأصحابه، تزقموا، فافتتن ~~أيضا بهذه المقالة بعض الضعفاء، قال الطبري عن ابن عباس: أن الشجرة ~~الملعونة، يريد المعلون أكلها؛ لأنها لم يجر لها ذكر. # قال * ع * ويصح أن يريد الملعونة هنا، فأكد الأمر بقوله: { في ~~القرآن } ، وقالت فرقة: { الملعونة } ، أي: المبعدة ~~المكروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصل ~~الجحيم هو في نهاية البعد من رحمة الله سبحانه. # وقوله سبحانه: { ونخوفهم } يريد كفار مكة. # وقوله: { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } الكاف في ~~«أرأيتك» هي كاف خطاب ومبالغة في التنبه، لا موضع لها من ~~الإعراب، فهي زائدة، ومعنى «أرأيت»: أتأملت ونحوه، كأن المخاطب ~~بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه بعد. # وقوله: { لأحتنكن } معناه لأميلن ولأجرن، وهو مأخوذ ~~من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره، ~~فتقاد، والسنة تحتنك المال، أي: تجتره، وقال الطبري ~~«لأحتنكن» معناه لأستأصلن، وعن ابن عباس: لأستولين، وقال ابن زيد: ~~لأضلن. # قال * ع * وهذا بدل اللفظ، لا تفسير. # وقوله: { اذهب فمن تبعك منهم } ، وما بعده من الأوامر: هي ~~صيغة «افعل» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40] «الموفور»، المكمل، { واستفزز } معناه: استخف ~~واخدع، وقوله: { بصوتك }: قيل: هو الغناء والمزامير والملاهي، ~~لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى الشيطان، قاله ~~مجاهد، وقيل: بدعائك إياهم إلى طاعتك. # قال ابن عباس: صوته دعاء كل من دعا إلى معصية الله، ms0844 والصواب ~~أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. # وقوله: { وأجلب } ، أي: هول، و«الجلبة» الصوت الكثير ~~المختلط الهائل. # وقوله: { بخيلك ورجلك } قيل: هذا مجاز واستعارة بمعنى اسع ~~سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإن له خيلا ورجلا من الجن، قاله ~~قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرفون في الباطل، ~~فإنهم كلهم أعوان لإبليس على غيرهم؛ قاله مجاهد. # { وشاركهم في الأمول والأولد } عام لكل معصية ~~يصنعها الناس بالمال، ولكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي، ~~كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عبد شمس، وأبا الكويفر، وعبد ~~الحارث، وكل اسم مكروه؛ ومن ذلك: وأد البنات؛ ومن ذلك: صبغهم في ~~أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النقاش من وطء الجن، وأنه ~~يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. # * ت *: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضعفه، وفساد قول ناقله، ولم ~~أر في ذلك حديثا لا صحيحا ولا سقيما، ولو أمكن أن يكون الحبل من ~~الجن، كما زعم ناقله، لكان ذلك شبهة يدرأ بها الحد عمن ظهر ~~بها حبل من النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ لاحتمال أن يكون ~~حبلها من الجن؛ كما زعم هذا القائل، وهو باطل، وأما ما ذكره من ~~الوطء، فقد قيل ذلك؛ وظواهر الأحاديث تدل عليه، وقد خرج البخاري ~~ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن ابن عباس، قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: ~~باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب ~~الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ~~ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبدا " # فظاهر قوله عليه السلام: « اللهم، جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا » - يقتضي أن لهذا اللعين مشاركة ~~ما في هذا الشأن، وقد سمعت من شيخنا أبي الحسن علي بن عثمان ~~الزواوي المانجلاتي سيد علماء بجاية في وقته، قال: ~~حدثني بعض الناس ممن يوثق به يخبر عن زوجته؛ أنها تجد هذا ~~الأمر، قال المخبر: وأصغيت إلى ما أخبرت به الزوجة، فسمعت ~~حس ذلك الشىء، والله أعلم. ### || [17.66-69] # وقوله سبحانه: { ربكم الذي يزجى ms0845 لكم الفلك في ~~البحر }: إزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة والمجاذيف، و { ~~لتبتغوا من فضله } لفظ يعم التجر وغيره، وهذه الآية ~~المباركة توقيف على آلاء الله وفضله ورحمته بعباده، و { ~~الضر } ، هنا لفظ يعم الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر واضطرابه ~~وتموجه، و { ضل } معناه تلف وفقد. # وقوله: { أعرضتم } ، أي: فلم تفكروا في جميل صنع الله بكم. # وقوله: { كفورا } أي: بالنعم و { الإنسن }؛ هنا: الجنس، ~~«والحاصب»: العارض الرامي بالبرد والحجارة؛ ومنه الحاصب الذي أصاب ~~قوم لوط، «والحصب» الرمي بالحصباء، «والقاصف»: الذي يكسر ~~كل ما يلقى ويقصفه، «وتارة» معناه: مرة أخرى، «والتبيع» الذي ~~يطلب ثأرا أو دينا؛ ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع " # فالمعنى: لا تجدون من يتتبع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وهذه ~~الآيات أنوارها واضحة للمهتدين. ### || [17.70-73] # وقوله جلت عظمته { ولقد كرمنا بني آدم... } الآية: عدد ~~الله سبحانه على بني آدم ما خصهم به من المزايا من بين سائر ~~الحيوان، ومن أفضل ما أكرم به الآدمي العقل الذي به يعرف الله ~~تعالى، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه. # وقوله سبحانه: { على كثير ممن خلقنا } المراد ~~ب«الكثير المفضول» الحيوان والجن، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن ~~الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضل من الإنس؛ ~~كما زعمت فرقة؛ بل الأمر محتمل أن يكونوا أفضل من الإنس، ويحتمل ~~التساوي. # وقوله سبحانه: { يوم ندعوا كل أناس بإممهم } يحتمل ~~أن يريد باسم إمامهم، فيقول: يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ~~ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إمامهم أن تجيء كل أمة معها إمامها من ~~هاد ومضل، واختلف في «الإمام»، فقال ابن عباس والحسن: كتابهم الذي فيه ~~أعمالهم، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم، وقال ابن زيد: كتابهم الذي نزل ~~عليهم، وقالت فرقة: متبعهم من هاد أو مضل، ولفظة «الإمام» ~~تعم هذا كله. # وقوله سبحانه: { فمن أوتي كتبه بيمينه }: حقيقة في أن ~~في القيامة صحائف تتطاير، وتوضع في الأيمان لأهل الأيمان، وفي ~~الشمائل لأهل الكفر والخذلان، وتوضع في أيمان المذنبين ms0846 الذين ~~ينفذ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار. # وقوله سبحانه: { يقرءون كتبهم }: عبارة عن السرور بها، أي: ~~يرددونها ويتأملونها. # وقوله سبحانه: { ولا يظلمون فتيلا } أي: ولا أقل، وقوله ~~سبحانه: { ومن كان في هذه أعمى }: قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وابن زيد: الإشارة ب { هذه } إلى الدنيا، أي: من كان ~~في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره، والإيمان ~~بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى؛ على معنى أنه حيران لا يتوجه لصواب ~~ولا يلوح له نجح. قال مجاهد: فهو في الآخرة أعمى عن حجته، ويحتمل ~~أن يكون صفة تفضيل، أي: أشد عمى وحيرة؛ لأنه قد باشر الخيبة ~~ورأى مخايل العذاب؛ ويقوي هذا التأويل قوله، عطفا عليه: { وأضل ~~سبيلا } الذي هو «أفعل من كذا» والعمى في هذه الآية هو عمى ~~القلب، وقول سيبويه: لا يقال أعمى من كذا، إنما هو في عمى ~~العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب، فيقال ذلك؛ لأنه يقع ~~فيه التفاضل * ت *: وكذا قال * ص * وقوله سبحانه: { وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري ~~علينا غيره... } الآية: الضمير في قوله: { كادوا } هو لقريش، ~~وقيل: لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت الآية، لأنهم ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لا ندعك تستلم الحجر ~~الأسود حتى تمس أيضا أوثاننا على معنى التشرع، وقال ابن ~~إسحاق وغيره: إنهم اجتمعوا إليه ليلة، فعظموه، وقالوا له: أنت ~~سيدنا، ولكن أقبل على بعض أمرنا، ونقبل على بعض أمرك، ~~فنزلت الآية في ذلك. # قال * ع *: فهي في معنى قوله: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم:9] وأما لثقيف، فقال ابن عباس وغيره: لأنهم طلبوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها ~~اللات، وقالوا: إنما نريد أن نأخذ ما يهدى لها ولكن إن خفت أن ~~تنكر ذلك عليك العرب، فقل: أوحى الله ذلك إلي، فنزلت الآية ~~في ذلك. * ت *: والله أعلم بصحة هذه التأويلات، وقد تقدم ما يجب ~~اعتقاده في حق النبي ms0847 صلى الله عليه وسلم، فالتزمه تفلح. # وقوله: { وإذا لاتخذوك خليلا }: توقيف على ما نجاه الله ~~منه من مخالة الكفار، والولاية لهم. ### || [17.74-75] # وقوله سبحانه: { ولولا أن ثبتنك... } الآية: تعديد نعمه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~نزلت هذه الآية، قال: # " اللهم، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # وقرأ الجمهور (تركن) بفتح الكاف، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يركن، لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم؛ طمعا منه في استئلافهم، ~~وذهب ابن الأنباري إلى أن معنى الآية: لقد كادوا أن يخبروا عنك ~~أنك ركنت ونحو هذا؛ ذهب في ذلك إلى نفي الهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فحمل اللفظ ما لا يحتمل؛ وقوله: { شيئا قليلا } ~~يبطل ذلك. # * ت *: وجزى الله ابن الأنباري خيرا، وإن تنزيه سائر الأنبياء ~~لواجب، فكيف بسيد ولد آدم صلى الله عليه وعليهم أجمعين. # قال أبو الفضل عياض في «الشفا»: قوله تعالى: { ولولا أن ~~ثبتنك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا }: ~~قال بعض المتكلمين: عاتب الله تعالى نبينا عليه السلام قبل وقوع ما ~~يوجب العتاب؛ ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه ~~غاية العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عاتبه ~~عليه، وخيف أن يركن إليه، وفي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه ~~تأمينه. # قال عياض رحمه الله: ويجب على المؤمن المجاهد نفسه الرائض ~~بزمام الشريعة خلقه؛ أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ~~ومعاطاته ومحاوراته فهو عنصر المعارف الحقيقة، وروضة الآداب الدينية ~~والدنيوية انتهى. # قال * ع *: وهذا الهم من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان خطرة ~~مما لا يمكن دفعه، ولذلك قيل: { كدت } وهي تعطي أنه لم يقع ركون، ~~ثم قيل: { شيئا قليلا }؛ إذ كانت المقاربة التي تضمنتها { كدت ~~} قليلة خطرة لم تتأكد في النفس. # وقوله: { إذا لأذقنك... } الآية: يبطل أيضا ما ذهب إليه ابن ~~الأنباري. # * ت *: وما ذكره * ع * رحمه الله تعالى من البطلان لا يصح، وما ~~قدمناه عن عياض حسن؛ فتأمله. # وقوله: ms0848 { ضعف الحيوة }: قال ابن عباس وغيره: يريد ضعف عذاب ~~الحياة، وضعف عذاب الممات. ### || [17.76-77] # وقوله سبحانه: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها... } الآية: قال الحضرمي: الضمير في «كادوا» ~~ليهود المدينة وناحيتها، ذهبوا إلى المكر بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، فإن كنت نبيا، ~~فاخرج إلى الشام، فإنها أرض الأنبياء، فنزلت الآية، وأخبر سبحانه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرج، لم يلبثوا بعده إلا قليلا، ~~وقالت فرقة: الضمير لقريش، قال ابن عباس: وقد وقع استفزازهم وإخراجهم ~~له، فلم يلبثوا خلفه إلا قليلا يوم بدر. # وقال مجاهد: ذهبت قريش إلى هذا، ولكنه لم يقع منها؛ لأنه لما أراد ~~الله سبحانه استبقاء قريش، وألا يستأصلها، أذن لرسوله في ~~الهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله، لا بقهر قريش، واستبقيت ~~قريش؛ ليسلم منها ومن أعقابها من أسلم. # * ت *: قال * ص *: قوله { لا يلبثون } جواب قسم محذوف، أي: ~~والله، إن استفززت، فخرجت، لا يلبثون خلفك إلا قليلا. ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { سنة من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا... } الآية: معنى الآية الإخبار أن سنة الله تعالى في ~~الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها، نالها ~~العذاب، واستأصلها، فلم تلبث خلفه إلا قليلا. ### || [17.78] # وقوله سبحانه: { أقم الصلوة لدلوك الشمس... } الآية: ~~إجماع المفسرين على أن الإشارة هنا إلى الصلوات المفروضة، ~~والجمهور أن دلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، و { ~~غسق اليل }: أشير به إلى المغرب والعشاء، و { وقرآن ~~الفجر }: يريد به صلاة الصبح، فالآية تعم جميع الصلوات، ~~«والدلوك»؛ في اللغة: هو الميل، فأول الدلوك هو الزوال، وآخره هو ~~الغروب، قال أبو حيان: واللام في { لدلوك الشمس }: للظرفية ~~بمعنى بعد انتهى، و { غسق اليل }: اجتماعه وتكاثف ظلمته، ~~وعبر عن صلاة الصبح خاصة بالقرآن، لأن القرآن هو عظمها؛ إذ ~~قراءتها طويلة مجهور بها. # وقوله سبحانه: { إن قرآن الفجر كان مشهودا } معناه: ~~يشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة؛ حسبما ورد في الحديث ~~الصحيح: # " يتعاقبون فيكم ms0849 ملائكة بالليل، وملائكة ~~بالنهار؛ فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة ~~العصر... " # الحديث بطوله، وفي «مسند البزار» عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: # " إن أفضل الصلوات صلاة الصبح يوم الجمعة، في ~~جماعة، وما أحسب شاهدها منكم إلا مغفور له " # انتهى من «الكوكب الدري». ### || [17.79-81] # { ومن اليل فتهجد به } «من» للتبعيض، التقدير: ووقتا ~~من الليل، أي: قم وقتا، والضمير في «به» عائد على هذا المقدر، ~~ويحتمل أن يعود على القرآن، و«تهجد» معناه: اطرح الهجود عنك، ~~«والهجود»: النوم، المعنى: ووقتا من الليل اسهر به في صلاة ~~وقراءة، وقال علقمة وغيره: التهجد بعد نومة، وقال الحجاج بن عمرو: ~~إنما التهجد بعد رقدة، وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء ~~الآخرة. # وقوله: { نافلة لك } قال ابن عباس: معناه: زيادة لك في ~~الفرض، قال: وكان قيام الليل فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقال مجاهد: إنما هي نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مغفور ~~له،والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، يعني: ويجبرون بها فرائضهم؛ حسبما ~~ورد في الحديث، قال صاحب «المدخل»، وهو أبو عبد الله بن الحاج؛ وقد ~~قالوا: إن من كان يتفلت منه القرآن، فليقم به في الليل، فإن ~~ذلك يثبته له ببركة امتثال السنة سيما الثلث الأخير من ~~الليل؛ لما ورد في ذلك من البركات والخيرات، وفي قيام الليل من ~~الفوائد جملة، فلا ينبغي لطالب العلم أن يفوته منها شيء. # فمنها: أنه يحط الذنوب؛ كما يحط الريح العاصف الورق اليابس من ~~الشجرة. # الثاني: أنه ينور القلب. # الثالث: أنه يحسن الوجه. # الرابع: أنه يذهب الكسل، وينشط البدن. # الخامس: أن موضعه تراه الملائكة من السماء؛ كما يتراءى الكوكب ~~الدري لنا في السماء، وقد روى الترمذي عن أبي أمامة؛ أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عليكم بقيام الليل، فإنه من دأب الصالحين ~~قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، ~~ومنهاة عن الآثام، وتكفير للسيئات، ومطردة ~~للداء عن الجسد " # وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال ms0850 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن ~~قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف ~~آية، كتب من المقنطرين " # انتهى من «المدخل». # وقوله سبحانه: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }: ~~عدة من الله عز وجل لنبيه، وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه ~~الأنبياء حتى ينتهي إليه صلى الله عليه وسلم، والحديث بطوله في ~~البخاري ومسلم. # قال ابن العربي في «أحكامه»: واختلف في وجه كون قيام الليل ~~سببا للمقام المحمود؛ على قولين للعلماء: # أحدهما: أن الباري تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببا لفضله من غير ~~معرفة لنا بوجه الحكمة. # الثاني: أن قيام الليل فيه الخلوة بالباري تعالى، والمناجاة معه ~~دون الناس، فيعطى الخلوة به ومناجاته في القيامة، فيكون مقاما ~~محمودا، ويتفاضل فيه الخلق؛ بحسب درجاتهم، وأجلهم فيه درجة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يعط أحد، ~~ويشفع فيشفع. # انتهى. # وقوله سبحانه: { وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق... } الآية: ظاهر الآية: والأحسن أن ~~يكون دعا عليه السلام في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من ~~الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرف المقادير في ~~الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه: رب، أصلح لي وردي ~~في كل الأمور، وصدري. # وذهب المفسرون إلى تخصيص اللفظ، فقال ابن عباس وغيره: أدخلني ~~المدينة، وأخرجني من مكة، وقال ابن عباس أيضا: الإدخال بالموت في ~~القبر، والإخراج: البعث، وقيل غير هذا، وما قدمت من العموم التام ~~الذي يتناول هذا كله أصوب، «والصدق»؛ هنا صفة تقتضي رفع المذام ~~واستيعاب المدح، { واجعل لي من لدنك سلطنا نصيرا ~~} قال مجاهد: يعني حجة تنصرني بها على الكفار. # وقوله سبحانه: { وقل جاء الحق... } الآية: قال قتادة: { ~~الحق } القرآن، و { البطل } الشيطان. # وقالت فرقة: { الحق } الإيمان، و { البطل }: الكفران، ~~وقيل غير هذا، والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة؛ فيكون التفسير: ~~جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه، وزهق الكفر بجميع ما انطوى ~~فيه، وهذه الآية نزلت ms0851 بمكة، وكان يستشهد بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها ~~بالمخصرة. ### || [17.82-84] # وقوله سبحانه: { وننزل من القرآن ما هو شفاء... } ~~الآية: أي شفاء بحسب إزالته للريب، وكشفه غطاء القلب، وشفاء ~~أيضا من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه. # وقوله سبحانه: { وإذا أنعمنا على الإنسن أعرض ~~ونأى بجانبه }: يحتمل أن يكون { الإنسن } عاما للجنس، ~~فالكافر يبالغ في الإعراض، والعاصي يأخذ بخط منه و(نأى) أي: ~~بعد، { قل كل يعمل على شاكلته } ، أي: على ما يليق ~~به، قال ابن عباس: { على شاكلته } معناه: على ناحيته، وقال ~~قتادة: معناه: على ناحيته وعلى ما ينوي. وقوله سبحانه: { فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا } توعد بين. ### || [17.85-87] # وقوله سبحانه: { ويسئلونك عن الروح } روى ابن مسعود أن ~~اليهود قال بعضهم لبعض: سلوا محمدا عن الروح فإن أجاب فيه، ~~عرفتم أنه ليس بنبي. # قال * ع *: وذلك أنه كان عندهم في التوراة؛ أن الروح مما انفرد ~~الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحد من عباده، فسألوه، فنزلت الآية. # وقيل: إن الآية مكية، والسائلون هم قريش، بإشارة اليهود، واختلف ~~الناس في الروح المسؤول عنه، أي روح هو؟ فقال الجمهور: وقع ~~السؤال عن الأرواح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي، فالروح: اسم ~~جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له. # وقوله سبحانه: { من أمر ربي } يحتمل أن يريد أن الروح من ~~جملة أمور الله التي استأثر سبحانه بعلمها، وهي إضافة خلق إلى ~~خالق، قال ابن راشد في «مرقبته»: أخبرني شيخي شهاب الدين ~~القرافي عن ابن دقيق العيد؛ أنه رأى كتابا لبعض الحكماء ~~في حقيقة النفس، وفيه ثلاثمائة قول، قال رحمه الله: وكثرة ~~الخلاف تؤذن بكثرة الجهالات، ثم علماء الإسلام اختلفوا في جواز ~~الخوض فيها على قولين، ولكل حجج يطول بنا سردها، ثم ~~القائلون بالجواز اختلفوا، هل هي عرض أو جوهر، أو ليست بجوهر ~~ولا عرض، ولا توصف بأنها داخل الجسم ولا خارجه، وإليه ميل الإمام ~~أبي حامد وغيره، والذي عليه المحققون من ms0852 المتأخرين أنها جسم ~~نوراني شفاف سار في الجسم سريان النار في الفحم؛ والدليل ~~على أنها في الجسم قوله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة:83] فلو لم تكن في الجسم، لما قال ذلك، وقد أخبرني الفقيه ~~الخطيب أبو محمد البرجيني رحمه الله عن الشيخ الصالح أبي الطاهر ~~الركراكي رحمه الله قال: حضرت عند ولي من الأولياء حين ~~النزع، فشاهدت نفسه قد خرجت من مواضع من جسده، ثم ~~تشكلت على رأسه بشكله وصورته، ثم صعدت إلى السماء، وصعدت ~~نفسي معها، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا، شاهدت بابا ورجل ~~ملك ممدودة عليه، فأزال ذلك الملك رجله، وقال لنفس ذلك ~~الولي: اصعدي، فصعدت، فأرادت نفسي أن تصعد معها، فقال ~~لها: ارجعي، فقد بقي لك وقت، قال: فرجعت فشاهدت الناس دائرين على ~~جسمي، وقائل يقول: مات، وآخر يقول: لم يمت، فدخلت من أنفي، أو ~~قال: من عيني، وقمت. انتهى. # * ت *: وهذه الحكاية صحيحة، ورجال إسنادها ثقات معروفون بالفضل، ~~فابن راشد هو شارح ابن الحاجب الفرعي، والبرجيني معروف ~~عند أهل إفريقية وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معطم عند أهل ~~تونس، مزاره وقبره بالزلاج معروف زرته رحمه الله، وقرأ الجمهور: «وما ~~أوتيتم»، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ~~وقالت فرقة: العالم كله، وقد نص على ذلك صلى الله عليه وسلم؛ على ما ~~حكاه الطبري. # وقوله: { ولئن شئنا لنذهبن... } الآية: المعنى وما أوتيتم ~~أنت يا محمد، وجميع الخلائق من العلم إلا قليلا، فالله يعلم ~~من علمه بما شاء، ويدع ما شاء، ولو شاء لذهب بالوحي الذي آتاك، ~~وقوله { إلا رحمة } استثناء منقطع، أي: لكن رحمة من ربك ~~تمسك عليك قال الداوودي: وما روي عن ابن مسعود من أنه سينزع ~~القرآن من الصدور، وترفع المصاحف لا يصح وإنما قال سبحانه: { ~~ولئن شئنا } فلم يشأ سبحانه، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى ~~يأتي أمر الله، وهم ظاهرون " # قال البخاري: وهم أهل العلم، ولا يكون العلم مع فقد القرآن. ms0853 ~~انتهى كلام الداوودي، وهو حسن جدا، وقد جاء في الصحيح ما هو ~~أبين من هذا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا ولكن يقبض ~~العلم بقبض العلماء... " # الحديث. ### || [17.88-89] # وقوله سبحانه: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن... } الآية: سبب هذه الآية أن ~~جماعة من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو جئتنا بآية ~~غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر نحن على المجيء ~~بمثله، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز لجميع الخلائق. # قال * ص *: واللام في { لئن اجتمعت } اللام الموطئة للقسم، ~~وهي الداخلة على الشرط، كقوله: # لئن أخرجوا # [الحشر:12] # ولئن قوتلوا # [الحشر:12] والجواب بعد للقسم لتقدمه، إذا لم يسبق ذو خبره لا ~~للشرط، هذا مذهب البصريين خلافا للفراء في إجازته الأمرين، إلا ~~أن الأكثر أن يجيء جواب قسم، «والظهير» المعين. # قال * ع *: وفهمت العرب الفصحاء بخلوص فهمها في ميز الكلام ~~ودربتها به ما لا نفهمه نحن ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا ~~العجز عنه ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس بعدهم استدلالا ونظرا، ~~ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة واحدة. ### || [17.90-95] # وقوله سبحانه: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الأرض ينبوعا... } الآية: روي في قول هذه المقالة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم حديث طويل، مقتضاه: أن عتبة وشيبة ابني ~~ربيعة، وعبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث ~~وغيرهم من مشيخة قريش وساداتها، اجتمعوا عليه، فعرضوا عليه أن ~~يملكوه إن أراد الملك، أو يجمعوا له كثيرا من المال؛ إن أراد ~~الغنى ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم صلى الله عليه وسلم عند ذلك إلى ~~الله، وقال: إنما جئتكم بأمر من الله فيه صلاح دنياكم ~~ودينكم، فإن أطعتم، فحسن، وإلا صبرت حتى يحكم الله بيني ~~وبينكم فقالوا له حينئذ: فإن كان ما تزعم حقا، ففجر لنا من ~~الأرض ينبوعا... الحديث بطوله، «والينبوع»: الماء النابع، { ~~وخلالها } ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها. # وقوله: { كما زعمت } إشارة إلى ما تلا عليهم قبل ذلك في ms0854 قوله ~~سبحانه: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء... # الآية: [سبأ:9] «والكسف» الشيء المقطوع، وقال الزجاج المعنى: أو ~~تسقط السماء علينا طبقا، وقوله: { قبيلا } قيل: معناه مقابلة ~~وعيانا، وقيل: معناه ضامنا وزعيما بتصديقك؛ ومنه القبالة وهي الضمان، ~~وقيل: معناه نوعا وجنسا لا نظير له عندنا، { أو يكون لك بيت ~~من زخرف } ، قال المفسرون: الزخرف الذهب في هذا الموضع، ~~{ أو ترقى في السماء } ، أي: في الهواء علوا، ويحتمل أن ~~يريد السماء المعروفة، وهو أظهر. # * ت *: وذكر * ع * هنا كلمات الواجب طرحها، ولهذا أعرضت عنها، و { ~~ترقى } معناه تصعد، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن ~~أبي أمية، ويروى أن جماعتهم طلبت هذه النحو منه، فأمره عز وجل ~~أن يقول: { سبحان ربي } ، أي: تنزيها له من الإتيان إليكم مع ~~الملائكة قبيلا، ومن اقتراحي أنا عليه هذه الأشياء، وهل أنا إلا ~~بشر، إنما علي البلاغ المبين فقط. # وقوله: { مطمئنين } ، أي: وادعين فيها مقيمين. ### || [17.96-98] # وقوله سبحانه: { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } ~~روي أن من تقدم الآن ذكرهم من قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في آخر قولهم: فلتجىء معك بطائفة من الملائكة تشهد لك ~~بصدقك في نبوتك، وروي أنهم قالوا: فمن يشهد لك؟ ففي ذلك نزلت ~~الآية، أي: الله يشهد بيني وبينكم، ثم أخبر سبحانه؛ أنه يحشرهم على ~~الوجوه حقيقة، وفي هذا المعنى حديث، # " قيل: يا رسول الله، كيف يمشي الكافر على وجهه؟ ~~قال: أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجلين ~~قادرا على أن يمشيه في الآخرة على وجهه؟ " # قال قتادة: بلى، وعزة ربنا. # * ت *: وهذا الحديث قد خرجه الترمذي من طريق أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: ~~ركبانا، ومشاة، وعلى وجوههم... " # الحديث، وقوله: { كلما خبت } أي: كلما فرغت من إحراقهم، فسكن ~~اللهيب القائم عليهم قدر ما يعادون، ثم يثور، فتلك زيادة السعير، ~~قاله ابن عباس. # قال * ع *: فالزيادة في حيزهم، وأما جهنم، فعلى ms0855 حالها من الشدة، ~~لا فتور، وخبت النار، معناه: سكن اللهيب، والجمر على حاله، ~~وخمدت معناه، سكن الجمر وضعف، وهمدت معناه: طفئت جملة. # وقوله سبحانه: { ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا ~~بآيتنا... } الآية: الإشارة ب { ذلك } إلى الوعيد ~~المتقدم بجهنم. ### || [17.99-100] # قوله عز وجل: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السموات والأرض... } الآية: الرؤية في هذه الآية هي رؤية ~~القلب، وهذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من البعث، ~~«والأجل»؛ ههنا: يحتمل أن يريد به القيامة، ويحتمل أن يريد أجل ~~الموت. # وقوله سبحانه: { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ~~ربي... } الآية: ال { رحمة } ، في هذه الآية: المال والنعم ~~التي تصرف في الأرزاق. # وقوله: { خشية الإنفاق } المعنى: خشية عاقبة الإنفاق، وهو ~~الفقر، وقال بعض اللغويين، أنفق الرجل معناه: افتقر؛ كما ~~تقول أترب وأقتر. # وقوله: { وكان الإنسن قتورا } أي: ممسكا، يريد أن في ~~طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله، ~~لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث، ~~والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى. ### || [17.101-104] # وقوله سبحانه: { ولقد آتينا موسى تسع آيت ~~بينات... } الآية: اتفق المتأولون والرواة؛ أن الآيات الخمس ~~التي في «سورة الأعراف» هي من هذه التسع، وهي: الطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع. * ت *: وفي هذا ~~الاتفاق نظر، وروى في هذا صفوان بن عسال؛ # " أن يهوديا من يهود المدينة، قال لآخر: سر بنا إلى هذا ~~النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لاتقل له إنه ~~نبي، فإنه لو سمعها، صار له أربعة أعين، قال: فسارا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: « هي لا تشركوا بالله ~~شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا ~~الربا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا يوم الزحف، ~~وعليكم - خاصة معشر اليهود ألا تعدوا في السبت » " # انتهى، وقد ذكر * ع * هذا الحديث. # وقوله سبحانه: { فسئل بني إسرءيل إذ جاءهم } ، أي: ~~إذ ms0856 جاءهم موسى واختلف في قوله: { مسحورا } فقالت فرقة: هو مفعول ~~على بابه، وقال الطبري: هو بمعنى ساحر، كما قال # حجابا مستورا # [الاسراء:45] وقرأ الجمهور: «لقد علمت»، وقرأ الكسائي: «لقد ~~علمت» بتاء المتكلم مضمومة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وغيره، ~~وقال: ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى والإشارة ب { ~~هؤلاء } إلى التسع. # وقوله: { بصائر }: جمع بصيرة، وهي الطريقة، أي طرائق يهتدى ~~بها، و«المثبور» المهلك؛ قاله مجاهد، { فأراد أن يستفزهم ~~من الأرض } ، أي: يستخفهم ويقتلهم، والأرض هنا أرض مصر، ومتى ~~ذكرت الأرض عموما، فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، ~~واقتضبت هذه الآية قصص بني إسرائيل مع فرعون، وإنما ذكرت عظم ~~الأمر وخطيره، وذلك طرفاه؛ أراد فرعون غلبتهم وقتلهم، وهذا كان بدء ~~الأمر؛ فأغرقه الله وجنوده، وهذا كان نهاية الأمر، ثم ذكر سبحانه ~~أمر بني إسرائيل بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام و { وعد ~~الآخرة } هو يوم القيامة، «واللفيف» الجمع المختلط الذي قد لف ~~بعضه إلى بعض. ### || [17.105-109] # وقوله سبحانه: { وبالحق أنزلناه } يعني القرآن نزل ~~بالمصالح والسداد للناس، و { بالحق نزل } يريد: بالحق في ~~أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور الناس: «فرقناه» بتخفيف الراء، ~~ومعناه: بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقانا، وقرأ جماعة خارج ~~السبع: «فرقناه» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئا بعد شيء، لا ~~جملة واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: { لتقرأه على الناس ~~على مكث } ، وتأولت فرقة قوله: { على مكث } أي: على ترسل ~~في التلاوة، وترتل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد، ~~والتأويل الآخر، أي على مكث وتطاول في المدة شيئا بعد شيء. # وقوله سبحانه: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } فيه تحقير ~~للكفار، وضرب من التوعد، و { الذين أوتوا العلم من ~~قبله }: قالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب، و«الأذقان»: أسافل ~~الوجوه حيث يجتمع اللحيان. # قال الواحدي: { إن كان وعد ربنا } أي: بإنزال القرآن، ~~وبعث محمد { لمفعولا }. انتهى. # وقوله سبحانه: { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا } هذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم وحض لكل من توسم ~~بالعلم، وحصل ms0857 منه شيئا أن يجري إلى هذه الرتبة النفيسة وحكى ~~الطبري عن التميمي؛ أن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق ~~ألا يكون أوتي علما ينفعه؛ لأن الله سبحانه نعت العلماء، ثم تلا ~~هذه الآية كلها. # * ت *: وإنه والله لكذلك، وإنما يخشى الله من عباده ~~العلماء، اللهم انفعنا بما علمتنا، ولا تجعله علينا حجة ~~بفضلك، ونقل الغزالي عن ابن عباس؛ أنه قال: إذا قرأتم سجدة ~~«سبحان»، فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين ~~أحدكم، فليبك قلبه. قال الغزالي: فإن لم يحضره حزن ~~وبكاء؛ كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد الحزن ~~والبكاء، فإن ذلك من أعظم المصائب. قال الغزالي: واعلم أن ~~الخشوع ثمرة الإيمان، ونتيجة اليقين الحاصل بعظمة الله تعالى، ~~ومن رزق ذلك، فإنه يكون خاشعا في الصلاة وغيرها؛ فإن موجب الخشوع ~~استشعار عظمة الله، ومعرفة اطلاعه على العبد، ومعرفة تقصير ~~العبد، فمن هذه المعارف يتولد الخشوع، وليست مختصة بالصلاة، ~~ثم قال: وقد دلت الأخبار على أن الأصل في الصلاة الخشوع، وحضور ~~القلب، وأن مجرد الحركات مع الغفلة قليل الجدوى في المعاد، قال: ~~وأعلم أن المعاني التي بها تتم حياة الصلاة تجمعها ست جمل، وهي: ~~حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء، ~~فحضور القلب: أن يفرغه من غير ما هو ملابس له، والتفهم: أمر زائد ~~على الحضور، وأما التعظيم، فهو أمر وراء الحضور والفهم، وأما ~~الهيبة، فأمر زائد علي التعظيم، وهي عبارة عن خوف منشؤه ~~التعظيم، وأما التعظيم، فهو حالة للقلب تتولد من معرفتين: إحداهما: ~~معرفة جلال الله سبحانه وعظمته، والثانية: معرفة حقارة النفس، ~~واعلم أن حضور القلب سببه الهمة، فإن قلبك تابع لهمتك، ~~فلا يحضر إلا فيما أهمك، ومهما أهمك أمر، حضر القلب، شاء أم ~~أبى، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة، لم يكن متعطلا؛ بل يكون ~~حاضرا فيما الهمة مصروفة إليه. انتهى من «الإحياء». ### || [17.110-111] # وقوله سبحانه: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن... ~~} الآية: سبب نزول هذه الآية: أن بعض المشركين سمع النبي صلى الله ms0858 ~~عليه وسلم يدعو: يا الله يا رحمان، فقالوا: كان محمد يأمرنا ~~بدعاء إله واحد، وهو يدعو إلهين، قاله ابن عباس، فنزلت الآية ~~مبينة، أنها أسماء لمسمى واحد، وتقدير الآية: أي الأسماء تدعو ~~به، فأنت مصيب، فله الأسماء الحسنى، وفي «صحيح البخاري» بسنده عن ~~ابن عباس في قوله سبحانه: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها } قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف ~~بمكة، كان إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه ~~المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله تبارك ~~وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تجهر بصلاتك } ، ~~أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، { ولا تخافت بها ~~} عن أصحابك؛ فلا تسمعهم، { وابتغ بين ذلك سبيلا } ، وأسند ~~البخاري عن عائشة: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ~~} قالت: أنزل ذلك في الدعاء انتهى. # قال الغزالي في «الإحياء»: وقد جاءت أحاديث تقتضي استحباب ~~السر بالقرآن، وأحاديث تقتضي استحباب الجهر به، والجمع بينهما ~~أن يقال: إن التالي إذا خاف على نفسه الرياء والتصنع أو تشويش ~~مصل، فالسر أفضل، وإن أمن ذلك، فالجهر أفضل؛ لأن العمل فيه ~~أكثر؛ ولأن فائدته أيضا تتعدى إلى غيره؛ والخير المتعدي أفضل من ~~اللازم؛ ولأنه يوقظ قلب القارىء، ويجمع همته إلى الفكر فيه، ويصرف ~~إليه سمعه، ويطرد عنه النوم برفع صوته، ولأنه يزيد في نشاطه في ~~القراءة، ويقلل من كسله؛ ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم، فيكون سببا ~~في إعانته على الخير، ويسمعه بطال غافل، فينشط بسببه، ويشتاق لخدمة ~~خالقه، فمهما حضرت نية من هذه النيات، فالجهر أفضل، وإن ~~اجتمعت هذه النيات، تضاعف الأجر، وبكثرة النيات يزكو عمل ~~الأبرار وتتضاعف أجورهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولم يكن له ولي من الذل } هذه الآية ~~رادة على كفرة العرب في قولهم: لولا أولياء الله، لذل - تعالى ~~الله عن قولهم - وقيد سبحانه نفي الولاية له بطريق الذل، ~~وعلى جهة الانتصار؛ إذ ولايته سبحانه موجودة بفضله ورحمته لمن والى ~~من صالح عباده. # قال مجاهد: المعنى لم يخالف أحدا ولا ابتغى نصر ms0859 أحد سبحانه، لا ~~إله إلا هو وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم تسليما. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتب } كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله: { عوجا } سكتة ~~خفيفة، وعند # مرقدنا # في يس [يس:52] وسبب هذه البداءة في هذه السورة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما سألته قريش عن المسائل الثلاث: الروح، وأصحاب ~~الكهف، وذي القرنين، حسب ما أمرتهم به يهود - قال لهم صلى الله ~~عليه وسلم: « غدا أخبركم بجواب ما سألتم » ولم يقل: ~~إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل، وأمسك عنه الوحي ~~خمسة عشر يوما، وأرجف به كفار قريش، وشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله ~~عتاب نبيه، جاءه الوحي بجواب ما سألوه، وغير ذلك، فافتتح الوحي ~~ب { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب } ~~، وهو القرآن. # وقوله: { ولم يجعل له عوجا } ، أي: لم ينزله عن طريق ~~الاستقامة، «والعوج» فقد الاستقامة، ومعنى { قيما } ، أي: ~~مستقيما؛ قاله ابن عباس وغيره، وقيل: معنا أنه قيم على سائر الكتب ~~بتصديقها، ولم يرتضه * ع *، قال: ويصح أن يكون معنى «قيم» قيامه بأمر ~~الله على العالم وهذا معنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة ~~اللتين عمتا العالم، «والبأس الشديد» عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج ~~معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها، و { من لدنه } ، ~~أي: من عنده، والمعنى: لينذر العالم و«الأجر الحسن» نعيم الجنة، ~~ويتقدمه خير الدنيا. # وقوله تعالى: { إن يقولون إلا كذبا } ، أي: ما يقولون، فهي ~~النافية. ### || [18.6-8] # وقوله سبحانه: { فلعلك بخع نفسك } هذه آية تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والباخع نفسه هو مهلكها. # قال * ص *: «لعل» للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور، وهي هنا ~~للإشفاق. انتهى. # وقوله: { على آثرهم }: استعارة فصيحة من حيث لهم إدبار ~~وتباعد عن الإيمان؛ فكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا، فهو في ~~آثارهم يحزن عليهم. # وقوله: { بهذا الحديث } ، أي: بالقرآن، «والأسف» المبالغة في ~~حزن أو ms0860 غضب، وهو في هذا الموضع الحزن؛ لأنه على من لا يملك، ولا هو ~~تحت يد الآسف، ولو كان الأسف من مقتدر على من هو في قبضته ~~وملكه، لكان غضبا، كقوله تعالى: # فلما آسفونا # [الزخرف:55] أي: أغضبونا. قال قتادة: { أسفا }: حزنا. # وقوله سبحانه: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها... ~~} الآية: بسط في التسلية، أي: لا تهتم بالدنيا وأهلها، فإن أمرها ~~وأمرهم أقل؛ لفناء ذلك وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة ~~وامتحانا واختبارا، وفي معنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى ~~مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا ~~الدنيا واتقوا النساء " # { لنبلوهم } أي: لنختبرهم، وفي هذا وعيد ما. # قال سفيان الثوري: أحسنهم عملا: أزهدهم فيها، وقال أبو عاصم ~~العسقلاني: { أحسن عملا }. الترك لها. # قال * ع *: وكان أبي رحمه الله يقول: أحسن العمل: أخذ بحق، ~~وإنفاق في حق، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، والإكثار من ~~المندوب إليه. # وقوله سبحانه: { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } ~~أي: يرجع ذلك كله ترابا، «والجرز»: الأرض التي لا شيء فيها من ~~عمارة وزينة، فهي البلقع، وهذه حالة الأرض العامرة لا بد ~~لها من هذا في الدنيا جزءا جزءا من الأرض، ثم يعمها ذلك بأجمعها عند ~~القيامة، و«الصعيد» وجه الأرض، وقيل: «الصعيد»: التراب خاصة. ### || [18.9-10] # وقوله سبحانه: { أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم ~~كانوا من آيتنا عجبا } ، أي: ليسوا بعجب من آيات الله، ~~أي فلا يعظم ذلك عليك بحسب ما عظمه السائلون، فإن سائر آيات ~~الله أعظم من قصتهم، وهو قول ابن عباس وغيره، واختلف الناس في { ~~الرقيم } ما هو؟ اختلافا كثيرا، فقيل: «الرقيم» كتاب في لوح ~~نحاس، وقيل: في لوح رصاص، وقيل: في لوح حجارة كتبوا فيه قصة ~~أهل الكهف، وقيل غير هذا، وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: ما أدري ما ~~الرقيم؟ # قال * ع *: ويظهر من هذه الروايات؛ أنهم كانوا قوما مؤرخين، وذلك ~~من نبل المملكة، وهو أمر مفيد. # وقوله سبحانه: { إذ أوى الفتية إلى الكهف }: { ~~الفتية } ، فيما ms0861 روي؛ قوم من أبناء أشراف مدينة دقيوس الملك ~~الكافر، ويقال فيه «دقيانوس»، وروي أنهم كانوا مطوقين مسورين ~~بالذهب، وهم من الروم، واتبعوا دين عيسى، وقيل: كانوا قبل عيسى، ~~واختلف الرواة في قصصهم، ونذكر من الخلاف عيونه، وما لا تستغني ~~الآية عنه: فروي عن مجاهد عن ابن عباس، أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ~~ملك يعبد الأصنام، فوقع للفتية علم من بعض الحواريين، حسبما ~~ذكره النقاش، أو من مؤمني الأمم قبلهم، فآمنوا بالله، ورأوا ~~ببصائرهم قبيح فعل الناس، فرفع أمرهم إلى الملك، فاستحضرهم، ~~وأمرهم بالرجوع إلى دينه، فقالوا له فيما روي: # ربنا رب السموات والأرض... # [الكهف:14] الآية، فقال لهم الملك: إنكم شبان أغمار، لا ~~عقل لكم، وأنا لا أعجل عليكم، وضرب لهم أجلا ثم سافر خلال ~~الأجل، فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم، فقال لهم أحدهم: إني ~~أعرف كهفا في جبل كذا، فلنذهب إليه. # وروت فرقة إن أمر أصحاب الكهف إنما كان أنهم من أبناء الأشراف، ~~فحضر عيد لأهل المدينة، فرأى الفتية ما ينتحله الناس في ذلك ~~العيد من الكفر وعبادة الأصنام، فوقع الإيمان في قلوبهم، وأجمعوا ~~على مفارقة دين الكفرة، وروي أنهم خرجوا، وهم يلعبون ~~بالصولجان والكرة، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم؛ لئلا يشعر ~~الناس بهم؛ حتى وصلوا إلى الكهف، وأما الكلب فروي أنه كان كلب ~~صيد لبعضهم، وروي أنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب، فاتبعهم ~~الراعي على رأيهم، وذهب الكلب معهم، فدخلوا الغار، فروت فرقة أن ~~الله سبحانه ضرب على آذانهم عند ذلك، لما أراد من سترهم وخفي ~~على أهل المملكة مكانهم، وعجب الناس من غرابة فقدهم، فأرخوا ~~ذلك ورقموه في لوحين من رصاص أو نحاس، وجعلوه على باب المدينة، ~~وقيل على الرواية: إن الملك بنى باب الغار، وإنهم دفنوا ذلك في ~~بناء الملك على الغار، وروت فرقة، أن الملك لما علم بذهاب ~~الفتية، أمر بقص آثارهم إلى باب الغار، وأمر بالدخول عليهم، ~~فهاب الرجال ذلك، فقال له بعض وزرائه: «ألست أيها الملك إن ~~أخرجتهم قتلتهم؟ قال: نعم، قال: ms0862 فأي قتلة أبلغ من الجوع ~~والعطش، ابن عليهم باب الغار، ودعهم يموتوا فيه، ففعل، وقد ضرب ~~الله على آذانهم كما تقدم، ثم أخبر الله سبحانه عن الفتية أنهم ~~لما أووا إلى الكهف، أي: دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام ~~دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة، وهي الرزق فيما ذكره ~~المفسرون، وأن يهيىء لهم من أمرهم رشدا؛ خلاصا جميلا، وهذا ~~الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظهم تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة ~~من رشد الآخرة ورحمتها، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر ~~دنياه بهذه الآية الكريمة فقط؛ فإنها كافية، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد ~~بها أمر الآخرة. ### || [18.11-13] # وقوله تعالى: { فضربنا على آذانهم... } الآية: عبارة عن ~~إلقاء الله تعالى النوم عليهم. # وقوله: { عددا } نعت ل«السنين» والقصد به العبارة عن التكثير. # وقوله: { لنعلم }: عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، أي: ~~لنعلم ذلك موجودا وإلا فقد كان سبحانه علم أي الحزبين أحصى ~~الأمد، و«الحزبان»: الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم ~~الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلا، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث ~~الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول ~~الجمهور من المفسرين، وأما قوله: { أحصى } فالظاهر الجيد فيه أنه ~~فعل ماض، و { أمدا } منصوب به على المفعول، «والأمد»: الغاية، ويأتي ~~عبارة عن المدة، وقال الزجاج: { أحصى } هو «أفعل»، ويعترض ~~بأن «أفعل» لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ، و { أحصى ~~}: فعل رباعي؛ ويحتج لقول الزجاج بأن «أفعل» من الرباعي قد ~~كثر كقولك: ما أعطاه للمال، وكقوله عليه الصلاة والسلام في صفة ~~جهنم: « أسود من القار » وفي صفة حوضه « أبيض من ~~اللبن». # * ت *: وقد تقدم أن «أسود» من «سود»، وما في ذلك من النقد، وقال ~~مجاهد: { أمدا } معناه عددا، وهذا تفسير بالمعنى. # وقوله سبحانه: { وزدنهم هدى } أي: يسرناهم للعمل الصالح، ~~والانقطاع إلى الله عز وجل، ومباعدة الناس، والزهد في الدنيا، ~~وهذه زيادات على الإيمان. ### || [18.14-16] # وقوله سبحانه: { وربطنا على قلوبهم }: عبارة ms0863 عن شدة ~~عزم، وقوة صبر، ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب ~~الانحلال، حسن في شدة النفس، وقوة التصميم أن يشبه ~~الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش؛ إذا كان لا تفرق نفسه ~~عند الفزع والحروب وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى. # وقوله تعالى: { إذ قاموا } يحتمل أن يكون وصف قيامهم بين يدي ~~الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب، ويحتمل ~~أن يعبر بالقيام على انبعاثهم بالعزم على الهروب إلى الله ومنابذة ~~الناس؛ كما تقول: قام فلان إلى أمر كذا؛ إذا اعتزم عليه بغاية ~~الجد، وبهذه الألفاظ التي هي: { قاموا فقالوا } ، تعلقت ~~الصوفية في القيام والقول، «والشطط»: الجور وتعدي الحد ~~والحق بحسب أمر أمر و«السلطان»: الحجة، وقال قتادة: المعنى ~~بعذر بين، ثم عظموا جرم الداعين مع الله غيره، وظلمهم بقولهم: { ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ، وقولهم: { ~~وإذ اعتزلتموهم... } الآية: المعنى قال بعضهم لبعض، وبهذا ~~يترجح أن قوله تعالى: { إذ قاموا فقالوا } إنما المراد به إذ ~~عزموا ونفذوا لأمرهم، وفي مصحف ابن مسعود: «وما يعبدون من ~~دون الله»، ومضمن هذه الآية الكريمة أن بعضهم قال لبعض: إذ قد ~~فارقنا الكفار، وانفردنا بالله تعالى، فلنجعل الكهف مأوى، ~~ونتكل على الله تعالى، فإنه سيبسط علينا رحمته، وينشرها علينا ~~ويهيىء لنا من أمرنا مرفقا، وهذا كله دعاء بحسب الدنيا، وهم على ~~ثقة من الله في أمر آخرتهم، وقرأ نافع وغيره: «مرفقا» بفتح الميم ~~وكسر الفاء، وقرأ حمزة وغيره بكسر الميم وفتح الفاء، ويقالان معا في ~~الأمر، وفي الجارحة، حكاه الزجاج. ### || [18.17-18] # وقوله سبحانه: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين } و { تزاور } ، أي: تميل، و { ~~تقرضهم } معناه تتركهم، والمعنى: أنهم كانوا لا تصيبهم شمس ~~ألبتة، وهو قول ابن عباس، وحكى الزجاج وغيره، قال: كان باب الكهف ~~ينظر إلى بنات نعش، وذهب الزجاج إلى أن فعل الشمس كان ~~آية من الله تعالى دون أن يكون باب الكهف إلى جهة توجب ذلك، ~~وال { فجوة }: المتسع، قال قتادة: في فضاء منه؛ ms0864 ومنه الحديث: # " فإذا وجد فجوة نص ". # وقوله سبحانه: { ذلك من آيت الله } الإشارة إلى الأمر ~~بجملته. # وقوله سبحانه: { ونقلبهم ذات اليمين... } الآية: ذكر بعض ~~المفسرين أن تقليبهم إنما كان حفظا من الأرض، وروي عن ابن عباس، ~~أنه قال لو مستهم الشمس، لأحرقتهم، ولولا التقليب، لأكلتهم الأرض، ~~وظاهر كلام المفسرين أن التقليب كان بأمر الله وفعل ملائكته، ~~ويحتمل أن يكون ذلك بإقدار الله إياهم على ذلك، وهم في غمرة ~~النوم. # وقوله: { وكلبهم }: أكثر المفسرين على أنه كلب حقيقة. # قال * ع *: وحدثني أبي رحمه الله قال: سمعت أبا الفضل بن ~~الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع ~~وستين وأربعمائة: من أحب أهل الخير، نال من بركتهم، كلب ~~أحب أهل الفضل، وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله. # و«الوصيد» العتبة التي لباب الكهف أو موضعها إن لم تكن، وقال ~~ابن عباس: «الوصيد» الباب والأول أصح، والباب الموصد هو المغلق، ~~ثم ذكر سبحانه ما حفهم به من الرعب، واكتنفهم من الهيبة، حفظا ~~منه سبحانه لهم، فقال: { لو اطلعت عليهم... } الآية. ### || [18.19-21] # وقوله سبحانه: { وكذلك بعثنهم ليتساءلوا بينهم ~~} الإشارة ب«ذلك» إلى الأمر الذي ذكره الله في جهتهم، ~~والعبرة التي فعلها فيهم، «والبعث»: التحريك عن سكون، واللام في قوله: ~~{ ليتساءلوا } لام الصيرورة، وقول القائل: { كم لبثتم } ~~يقتضى أنه هجس في خاطره طول نومهم، واستشعر أن أمرهم خرج عن ~~العادة بعض الخروج، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حال من الوقت، ~~والهواء الزماني لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم: { ~~فابعثوا أحدكم بورقكم } يروى أنهم انتبهوا، وهم جياع، ~~وأن المبعوث هو تمليخا، وروي أن باب الكهف انهدم بناء الكفار ~~منه؛ لطول السنين، ويروى أن راعيا هدمه؛ ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ~~ثيابا رثة منكرة ولبسها، وخرج من الكهف، فأنكر ذلك البناء ~~المهدوم؛ إذ لم يعرفه بالأمس، ثم مشى، فجعل ينكر الطريق ~~والمعالم، ويتحير وهو في ذلك لا يشعر شعورا تاما، بل يكذب ظنه ~~فيما تغير عنده حتى بلغ باب المدينة، فرأى على بابها أمارة ~~الإسلام، فزادت ms0865 حيرته، وقال: كيف هذا ببلد دقيوس، وبالأمس ~~كنا معه تحت ما كنا، فنهض إلى باب آخر، فرأى نحوا من ذلك؛ حتى مشى ~~الأبواب كلها، فزادت حيرته، ولم يميز بشرا، وسمع الناس ~~يقسمون باسم عيسى، فاستراب بنفسه، وظن أنه جن، أو انفسد عقله، ~~فبقي حيران يدعو الله تعالى، ثم نهض إلى باب الطعام الذي أراد ~~اشتراءه، فقال: يا عبد الله، بعني من طعامك بهذه الورق، فدفع ~~إليه دراهم، كأخفاف الربع فيما ذكر، فعجب لها البائع ~~ودفعها إلى آخر يعجبه، وتعاطاها الناس، وقالوا له: هذه ~~دراهم عهد فلان الملك، من أين أنت؟ وكيف وجدت هذا ~~الكنز، فجعل يبهت ويعجب، وقد كان بالبلد مشهورا هو وبيته، ~~فقال: ما أعرف غير أني وأصحابي خرجنا بالأمس من هذه المدينة، ~~فقال الناس: هذا مجنون، اذهبوا به إلى الملك، ففزع عند ذلك، ~~فذهب به حتى جيء به إلى الملك، فلما لم ير دقيوس الكافر، ~~تأنس، وكان ذلك الملك مؤمنا فاضلا يسمى تبدوسيس، فقال له ~~الملك: أين وجدت هذا الكنز؟ فقال له: إنما خرجت أنا وأصحابي ~~أمس من هذه المدينة، فأوينا إلى الكهف الذي في جبل أنجلوس، فلما ~~سمع الملك ذلك، قال في بعض ما روي: لعل الله قد بعث لكم ~~أيها الناس آية فلنسر إلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي ~~أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاء هم الفتية الذين ورخ أمرهم على عهد ~~دقيوس الملك، وكتب على لوح النحاس بباب المدينة، فسار الملك ~~إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تمليخا: أدخل ~~عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمر، وأن الأمة أمة ~~إسلام، فروي أنهم سروا وخرجوا إلى الملك، وعظموه، وعظمهم، ثم ~~رجعوا إلى الكهف، وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم ~~تمليخا، فانتظرهم الناس، فلما أبطأ خروجهم، دخل الناس إليهم، ~~فرعب كل من دخل، ثم أقدموا فوجدوهم موتى، فتنازعوا بحسب ما يأتى، ~~وفي هذه القصص من الاختلاف ما تضيق به الصحف فاختصرته، وذكرت المهم ~~الذي به تتفسر ألفاظ الآية، واعتمدت الأصح والله المعين ms0866 ~~برحمته، وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة، وصحتها. # و { أزكى } معناه: أكثر فيما ذكر عكرمة، وقال ابن جبير: المراد ~~أحل، وقولهم: { يرجموكم } قال الزجاج: بالحجارة، وهو الأصح وقال ~~حجاج: «يرجموكم» معناه: بالقول وقوله سبحانه: { وكذلك ~~أعثرنا عليهم }: الإشارة في قوله: { وكذلك } إلى بعثهم ~~ليتساءلوا، أي: كما بعثناهم، أعثرنا عليهم، والضمير في قوله: { ~~ليعلموا } يحتمل أن يعود على الأمة المسلمة الذين بعث أهل ~~الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبري؛ وذلك أنهم فيما روي دخلتهم ~~حينئذ فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور، فشك في ذلك ~~بعض الناس، واستبعدوه، وقالوا: إنما تحشر الأرواح، فشق ذلك على ~~ملكهم، وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم، حتى لبس ~~المسوح، وقعد على الرماد وتضرع إلى الله في حجة وبيان، ~~فأعثرهم الله على أهل الكهف، فلما بعثهم الله، وتبين الناس ~~أمرهم؛ سر الملك، ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين ~~به، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله: { إذ يتنزعون بينهم ~~أمرهم }؛ على هذا التأويل، ويحتمل أن يعود الضمير في { يعلموا ~~} على أصحاب الكهف، وقوله: { إذ يتنزعون }؛ على هذا التأويل: ~~ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم، والتنازع على هذا ~~التأويل إنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، وقد قيل: ~~إن التنازع إنما هو في أن اطلعوا عليهم، فقال بعضهم: هم أموات، ~~وبعض: هم أحياء، وروي أن بعض القوم ذهبوا إلى طمس الكهف عليهم، ~~وتركهم فيه مغيبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر: { ~~لنتخذن عليهم مسجدا } ، فاتخذوه، قال قتادة: { ~~الذين غلبوا } هم الولاة. ### || [18.22] # وقوله سبحانه: { سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم... } ~~الآية: الضمير في { سيقولون } يراد به أهل التوراة من معاصري ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف. # وقوله: { رجما بالغيب }: معناه ظنا وهو مستعار من الرجم، ~~كأن الإنسان يرمي الموضع المشكل المجهول عنده بظنه المرة بعد ~~المرة يرجمه به، عسى أن يصيبه، والواو في قوله: { وثامنهم ~~كلبهم }: طريق النحاة فيها أنها واو عطف ms0867 دخلت في آخر الكلام؛ ~~إخبارا عن عددهم، لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو ~~سقطت، لصح الكلام، وتقول فرقة منهم ابن خالويه: هي واو ~~الثمانية، وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش وأن قريشا ~~كانت تقول في عددها: ستة، سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية. # * ع *: وهي في القرآن في قوله: # والناهون عن المنكر # [التوبة:112] وفي قوله: # وفتحت أبوبها # [الزمر:73] وأما قوله: # وأبكارا # [التحريم:5] وقوله: # وثمنية أيام # [الحاقة:7] فليست بواو الثمانية بل هي لازمة إذ لا يستغني الكلام ~~عنها، وقد أمر الله سبحانه نبيه في هذه الآية، أن يرد علم عدتهم ~~إليه، ثم قال: { ما يعلمهم إلا قليل } يعني: من أهل ~~الكتاب، وكان ابن عباس؛ يقول: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة، ~~وثامنهم كلبهم. # قال * ع *: ويدل على هذا من الآية أنه سبحانه لما حكى قول من قال: ~~ثلاثة، وخمسة، قرن بالقول؛ أنه رجم بالغيب، ثم حكى هذه المقالة، ولم ~~يقدح فيها بشيء، وأيضا فيقوى ذلك على القول بواو الثمانية؛ لأنها ~~إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح. # وقوله سبحانه: { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظهرا } ~~معناه على بعض الأقوال: أي: بظاهر ما أوحينا إليك، وهو رد علم عدتهم ~~إلى الله تعالى، وقيل: معنى الظاهر؛ أن يقول: ليس كما تقولون، ونحو ~~هذا، ولا يحتج هو على أمر مقرر في ذلك، وقال التبريزي: { ~~ظاهرا } معناه: ذاهبا وأنشد: [الطويل] # .................................... # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # ولم يبح له في هذه الآية أن يماري، ولكن قوله: { إلا مرآء } مجاز ~~من حيث يماريه أهل الكتاب، سميت مراجعته لهم مراء، ثم قيد بأنه ~~ظاهر، ففارق المراء الحقيقي المذموم، و«المراء»: مشتق من ~~المرية، وهو الشك، فكأنه المشاككة. * ت *: وفي سماع ابن القاسم، ~~قال: كان سليمان بن يسار، إذا ارتفع الصوت في مجلسه، أو كان ~~مراء، أخذ نعليه، ثم قام. قال ابن رشد: هذا من ورعه وفضله، ~~و«المراء» في العلم منهي عنه، فقد جاء أنه لا تؤمن فتنته، ولا ~~تفهم حكمته انتهى من «البيان». ms0868 # والضمير في قوله: { ولا تستفت فيهم } عائد على أهل الكهف، ~~وفي قوله: { منهم } عائد على أهل الكتاب. # وقوله: { فلا تمار فيهم } ، أي: في عدتهم. ### || [18.23-26] # وقوله سبحانه: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا * إلا أن يشاء الله } قد تقدم أن هذه الآية عتاب من ~~الله تعالى لنبيه حيث لم يستثن، والتقدير: إلا أن تقول إلا ~~أن يشاء الله أو إلا أن تقول: إن شاء الله، والمعنى: إلا أن ~~تذكر مشيئة الله. # وقوله سبحانه: { واذكر ربك إذا نسيت } قال ابن عباس والحسن ~~معناه: الاشارة به إلى الاستثناء، أي: ولتستثن بعد مدة إذا نسيت، ~~أولا لتخرج من جملة من لم يعلق فعله بمشيئة الله، وقال ~~عكرمة: واذكر ربك إذا غضبت، وعبارة الواحدي: { واذكر ~~ربك إذا نسيت } ، أي: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله، ~~فاذكره وقله إذا تذكرت. ا ه. # وقوله سبحانه: { وقل عسى أن يهدين ربي... } الآية: ~~الجمهور أن هذا دعاء مأمور به، والمعنى: عسى أن يرشدني ربي فيما ~~أستقبل من أمري، والآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي بعد ~~تعم جميع أمته. # وقال الواحدي: { وقل عسى أن يهدين } ، أي: يعطيني ربي ~~الآيات من الدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من ~~قصة أصحاب الكهف، ثم فعل الله له ذلك حيث آتاه علم غيوب ~~المرسلين وخبرهم. انتهى. # وقوله سبحانه: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين... ~~} الآية: قال قتادة وغيره: الآية حكاية عن بني إسرائيل، أنهم قالوا ~~ذلك؛ واحتجوا بقراءة ابن مسعود وفي مصحفه: «وقالوا لبثوا في ~~كهفهم»، ثم أمر الله نبيه بأن يرد العلم إليه؛ ردا على ~~مقالهم وتفنيدا لهم، وقال المحققون: بل قوله تعالى: { ولبثوا في ~~كهفهم... } الآية خبر من الله تعالى عن مدة لبثهم، وقوله ~~تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا } ، أي: فليزل اختلافكم ~~أيها المخرصون، وظاهر قوله سبحانه: { وازدادوا تسعا } أنها ~~أعوام. # وقوله سبحانه: { أبصر به وأسمع } ، أي: ما أسمعه ~~سبحانه، وما أبصره، قال قتادة: لا أحد أبصر من الله، ولا ~~أسمع. # قال * ع * وهذه عبارة ms0869 عن الإدراك، ويحتمل أن يكون المعنى: أبصر به ~~أي: بوحيه وإرشاده، هداك، وحججك، والحق من الأمور، وأسمع ~~به العالم، فتكون اللفظتان أمرين لا على وجه التعجب. # وقوله سبحانه: { ما لهم من دونه من ولي }: الضمير في { ~~لهم } يحتمل أن يرجع إلى أهل الكهف، ويحتمل أن يرجع إلى ~~معاصري النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار، ويكون في الآية تهديد ~~لهم. ### || [18.27-28] # وقوله سبحانه: { اتل ما أوحي إليك } ، أي: اتبع، وقيل: ~~اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا نقض في قوله، ولا ~~مبدل لكلماته، وليس لك سواه جانب تميل إليه، وتستند، ~~و«الملتحد»الجانب الذي يمال إليه؛ ومنه اللحد. # * ت * قال النووي: يستحب لتالي القرآن إذا كان منفردا أن يكون ~~ختمه في الصلاة، ويستحب أن يكون ختمه أول الليل أو أول النهار، ~~وروينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه ~~وبراعته أبي محمد الدارمي رحمه الله تعالى، عن سعد بن ~~أبي وقاص رضي الله عنه قال: إذا وافق ختم القرآن ~~أول الليل، صلت عليه الملائكة حتى يصبح، ~~وإن وافق ختمه أول النهار صلت عليه ~~الملائكة حتى يمسي. قال الدارمي: هذا حديث حسن وعن طلحة بن ~~مطرف، قال: من ختم القرآن أية ساعة كانت من ~~النهار، صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ~~ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى ~~يصبح، وعن مجاهد نحوه انتهى. # وقوله سبحانه: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم... } الآية: تقدم تفسيرها. # وقوله سبحانه: { ولا تعد عيناك عنهم } ، أي: لا تتجاوز ~~عنهم إلى أبناء الدنيا، وقرأ الجمهور: «من أغفلنا قلبه» بنصب ~~الباء على معنى جعلناه غافلا، «والفرط»: يحتمل أن يكون بمعنى ~~التفريط، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، وقد فسره المتأولون ~~بالعبارتين. ### || [18.29] # وقوله سبحانه: { وقل الحق من ربكم } المعنى: وقل لهم يا ~~محمد هذا القرآن هو الحق، * ت *: وقد ذم الله تعالى الغافلين عن ~~ذكره والمعرضين عن آياته في غيرما آية من كتابه، فيجب الحذر مما وقع ~~فيه أولئك، ولقد أحسن العارف في قوله: غفلة ساعة ms0870 عن ربك ~~مكدرة لمرآة قلبك، فكيف بغفلتك جميع عمرك. وقد روى أبو هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم ~~يصلوا على نبيهم، إلا كان عليهم ترة، فإن شاء ~~عذبهم وإن شاء غفر لهم " # رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان في «صحيحهما» ~~وهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط ~~مسلم، «والترة» - بكسر التاء المثناة من فوق وتخفيف الراء - ~~النقص، وقيل: التبعة، ولفظ ابن حبان: # " إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا ~~الجنة " # انتهى من «السلاح». # وقوله: { فمن شاء فليؤمن... } الآية: توعد وتهديد، أي: ~~فليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غدا عند الله عز وجل، وقال ~~الداوودي، عن ابن عباس: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } يقول: من شاء الله له الإيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، ~~كفر، هو كقوله: # وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العلمين # [التكوير:29] وقال غيره: هو كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت:40] بمعنى الوعيد، والقولان معا صحيحان. انتهى و { أعتدنا } ~~مأخوذ من العتاد، وهو الشيء المعد الحاضر، «والسرادق» هو ~~الجدار المحيط كالحجرة التي تدور وتحيط بالفسطاط، قد تكون من ~~نوع الفسطاط أديما أو ثوبا أو نحوه، وقال الزجاج: ~~«السرادق»: كل ما أحاط بشيء، واختلف في سرادق النار، فقال ابن ~~عباس: سرادقها حائط من نار، وقالت فرقة: سرادقها دخان يحيط ~~بالكفار، وهو قوله تعالى: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب # [المرسلات:30] وقيل غير هذا، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~طريق أبي سعيد الخدري؛ أنه قال # " سرادق النار أربعة جدر كثف عرض كل جدار ~~مسيرة أربعين سنة " # " و«المهل» قال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو دردي ~~الزيت، إذا انتهى حره " # وقال أبو سعيد وغيره: هو كل ما أذيب من ذهب أو فضة، وقالت فرقة: ~~«المهل» هو الصديد والدم إذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر رضي الله ~~عنه في الكفن: إنما هو للمهلة، يريد لما يسيل ms0871 من الميت في قبره، ~~ويقوى هذا بقوله سبحانه: # ويسقى من ماء صديد # [ابراهيم:16] و«المرتفق»: الشيء الذي يطلب رفقه. ### || [18.30-32] # وقوله سبحانه: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات ~~إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } تقدم تفسير نظيره، ~~والله الموفق بفضله، و { أساور } جمع «أسوار»، وهي ما كان من ~~الحلي في الذراع، وقيل: «أساور» جمع أسورة، وأسورة جمع ~~أسوار، و«السندس»: رقيق الديباج «والإستبرق» ما غلظ منه، قيل: ~~إستبرق من البريق، و { الأرائك } جمع أريكة، وهي السرير في ~~الحجال، والضمير في قوله: { وحسنت } للجنات، وحكى النقاش عن ~~أبي عمران الجوني، أنه قال: «الإستبرق»: الحرير المنسوج بالذهب. # وقوله سبحانه: { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعنب... } الآية الضمير في { لهم ~~} عائد على الطائفة المتجبرة التي أرادت من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يطرد فقراء المؤمنين، فالمثل مضروب للطائفتين، إذ الرجل الكافر ~~صاحب الجنتين هو بإزاء متجبري قريش، أو بني تميم؛ على الخلاف في ~~ذلك، والرجل المؤمن المقر بالربوبية هو بإزاء فقراء المؤمنين، ~~«وخففنا» بمعنى جعلنا ذلك لهما من كل جهة، وظاهر هذا المثل ~~أنه بأمر وقع في الوجود، وعلى ذلك فسره أكثر المتأولين، ~~فروي في ذلك أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل، ورثا أربعة آلاف ~~دينار، فصنع أحدهما بماله ما ذكر، واشترى عبيدا، وتزوج، وأثرى، ~~وأنفق الآخر ماله في طاعة الله عز وجل حتى افتقر، والتقيا، ~~فافتخر الغني، ووبخ المؤمن، فجرت بينهما هذه المحاورة، وروي ~~أنهما كانا شريكين حدادين كسبا مالا كثيرا، وصنعا نحو ما ~~روي في أمر الأخوين، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه. # قال السهيلي: وذكر أن هذين الرجلين هما المذكوران في ~~«والصافات» في قوله تعالى: { قال قائل منهم إني كان لي ~~قرين * يقول أءنك لمن المصدقين } إلى قوله { ~~فاطلع فرءاه في سواء الجحيم } وإلى قوله: # لمثل هذا فليعمل العملون # [الصافات:51-61] انتهى. ### || [18.33-34] # وقوله سبحانه: { كلتا الجنتين آتت أكلها } الأكل: ~~ثمرها الذي يؤكل { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص عن ~~العرف الأتم الذي يشبه فيها، ومنه ms0872 قول الشاعر: [الطويل] # ويظلمني مالي كذا ولوى يدي # لوى يده الله الذي هو غالبه # وقرأ الجمهور: «ثمر» و «بثمره»[الكهف:42] - بضم الثاء والميم - ~~جمع «ثمار»، وقرأ أبو عمرو - بسكون الميم - فيهما، واختلف المتأولون ~~في «الثمر» - بضم الثاء والميم - فقال ابن عباس وغيره: «الثمر»: ~~جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وقال ابن زيد: هي ~~الأصول، و«المحاورة»: مراجعة القول، وهو من «حار يحور». # وقوله: { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا }: هذه ~~المقالة بإزاء مقالة متجبري قريش، أو بني تميم، على ما تقدم في ~~«سورة الأنعام». * ت * وقوله: { وأعز نفرا } يضعف قول من قال: ~~«إنهما أخوان» فتأمله، والله أعلم بما صح من ذلك. ### || [18.35-37] # وقوله سبحانه: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه... } ~~الآية: أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك إذ لا يدخلهما معا في وقت ~~واحد، وظلمه لنفسه هو كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، ~~وفي شكه في حدوث العالم، إن كانت إشارته ب { هذه } إلى الهيئة ~~من السموات والأرض وأنواع المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته ~~فقط، فإنما الكلام تساخف واغترار مفرط، وقلة تحصيل، كأنه من ~~شدة العجب بها والسرور، أفرط في وصفها بهذا القول، ثم قاس أيضا ~~الآخرة على الدنيا وظن أنه لم يمل له في دنياه إلا لكرامة ~~يستوجبها في نفسه، فقال: فإن كان ثم رجوع، فستكون حالي كذا وكذا. # وقوله: { قال له صاحبه } يعني المؤمن. # وقوله: { خلقك من تراب } إشارة إلى آدم عليه السلام. ### || [18.38-41] # وقوله: { لكنا هو الله ربي } معناه: لكن أنا أقول هو ~~الله ربي، وروى هارون عن أبي عمرو «لكنه هو الله ربي»، ~~وباقي الآية بين. # وقوله: { ولولا إذ دخلت جنتك... } الآية: وصية من ~~المؤمن للكافر، { ولولا }: تحضيض بمعنى «هلا»، و { ما } تحتمل أن ~~تكون بمعنى «الذي» بتقدير: الذي شاء الله كائن، وفي { شاء } ضمير ~~عائد على «ما»، ويحتمل أن تكون شرطية بتقدير: ما شاء الله كان، ~~أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو ما شاء الله، أو الأمر ما شاء ~~الله. # وقوله: { لا قوة إلا ms0873 بالله }: تسليم، وضد لقول الكافر: # ما أظن أن تبيد هذه أبدا # [الكهف:35]، وفي الحديث: # " إن هذه الكلمة كنز من كنوز الجنة، إذا ~~قالها العبد، قال الله عز وجل: «أسلم عبدي ~~واستسلم " # قال النووي: وروينا في «سنن أبي داود والترمذي والنسائي» ~~وغيرهما، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال يعني - إذا خرج من بيته - باسم الله، ~~توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ~~يقال له: هديت، وكفيت، ووقيت، وتنحى عنك ~~الشيطان " # قال الترمذي: حديث حسن، زاد أبو داود في روايته: # " فيقول: - يعني الشيطان لشيطان آخر - كيف لك ~~برجل قد هدي وكفي ووقي " # انتهى. وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله؛ ~~فإنها كنز من كنوز الجنة " # انتهى. # قال المحاسبي في «رعايته»: وإذا عزم العبد في القيام بجميع حقوق ~~الله سبحانه، فليرغب إليه في المعونة من عنده على أداء ~~حقوقه، ورعايتها، وناجاه بقلب راغب راهب؛ أني أنسى إن لم ~~تذكرني، وأعجز إن لم تقوني، وأجزع إن لم تصبرني، وعزم ~~وتوكل، واستغاث واستعان، وتبرأ من الحول والقوة إلا بربه، ~~وقطع رجاءه من نفسه، ووجه رجاءه كله إلى خالقه، فإنه سيجد ~~الله عز وجل قريبا مجيبا متفضلا متحننا. انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه» قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله ~~أن يقول كما قال الله تعالى: { ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله } انتهى. # وقوله: { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك } هذا ~~الترجي ب«عسى» يحتمل أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في ~~الآخرة، وتمني ذلك في الآخرة أشرف وأذهب مع الخير والصلاح، وأن ~~يكون ذلك يراد به الدنيا - أذهب في نكاية هذا المخاطب، ~~و«الحسبان» العذاب؛ كالبرد والصر ونحوه، و «الصعيد» وجه الأرض، ~~«والزلق»: الذي لا تثبت فيه قدم، يعني: تذهب منافعها حتى منفعة ~~المشي فهي وحل لا تثبت فيه قدم. ### || [18.42-44] # وقوله سبحانه: { وأحيط بثمره... } الآية: هذا ms0874 خبر من الله ~~عز وجل عن إحاطة العذاب بحال هذا الممثل به، و { يقلب ~~كفيه }: يريد يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى، وذلك فعل ~~المتلهف المتأسف. # وقوله: { خاوية على عروشها } يريد أن السقوف وقعت، وهي ~~العروش، ثم تهدمت الحيطان عليها؛ فهي خاوية والحيطان على العروش. # * ت *: فسر * ع * رحمه الله لفظ { خاوية } في «سورة الحج ~~والنمل» ب«خالية»، والأحسن أن تفسر هنا وفي الحج ب«ساقطة»، ~~وأما التي في «النمل»، فيتجه أن تفسر ب«خالية» وب «ساقطة» قال ~~الزبيدي في «مختصر العين» خوت الدار: باد أهلها، وخوت: ~~تهدمت انتهى، وقال الجوهري في كتابه المسمى ب «تاج ~~اللغة وصحاح العربية»: خوت النجوم خيا: أمحلت، ~~وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها، وأخوت مثله، وخوت ~~الدار خواء ممدودا: أقوت وكذلك إذا سقطت، ومنه قوله تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # [النمل:52] أي: خالية، ويقال: ساقطة؛ كما قال: # فهي خاوية على عروشها # [الحج:45] أي ساقطة على سقوفها. انتهى وهو تفسير بارع، وبه أقول، وقد ~~تقدم إيضاح هذا المعنى في «سورة البقرة». # وقوله: { يليتني لم أشرك بربي أحدا } قال بعض ~~المفسرين: هي حكاية عن مقالة هذا الكافر في الآخرة، ويحتمل أن يكون ~~قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلول المصيبة، ويكون فيها زجر ~~لكفرة قريش وغيرهم، «والفئة»: الجماعة التي يلجأ إلى نصرها. # وقوله سبحانه: { هنالك } يحتمل أن تكون ظرفا لقوله: { منتصرا ~~} ويحتمل أن يكون { الولية } مبتدأ، و { هنالك }: خبره، وقرأ ~~حمزة والكسائي: «الولاية - بكسر الواو -، وهي بمعنى الرياسة ~~ونحوه، وقرأ الباقون: «الولاية» - بفتح الواو - وهي بمعنى الموالاة ~~والصلة ونحوه، وقرأ أبو عمرو والكسائي: «الحق» بالرفع؛ على ~~النعت ل«الولاية» وقرأ الباقون بالخفض على النعت ل { لله } ~~عز وجل، وقرأ الجمهور: «عقبا» - بضم العين والقاف - وقرأ حمزة ~~وعاصم - بسكون القاف - والعقب والعقب: بمعنى العاقبة. ### || [18.45-48] # { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا } يريد حياة الإنسان، ~~كماء أنزلناه من السماء { فاختلط به } ، أي: فاختلط النبات بعضه ~~ببعض بسبب النماء، { فأصبح هشيما } أصبح عبارة عن صيرورته إلى ~~ذلك، و «الهشيم» المتفتت من ms0875 يابس العشب، و { تذروه } بمعنى ~~تفرقه، فمعنى هذا المثل تشبيه حال المرء في حياته وماله ~~وعزته وبطره، بالنبات الذي له خضرة ونضرة عن الماء النازل، ثم ~~يعود بعد ذلك هشيما، ويصير إلى عدم، فمن كان له عمل صالح يبقى في ~~الآخرة، فهو الفائز. # وقوله سبحانه: { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا ~~} لفظه الخبر، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأنه في المثل ~~قبل حقر أمر الدنيا وبينه؛ فكأنه يقول: المال والبنون زينة ~~هذه الحياة الدنيا المحقرة، فلا تتبعوها نفوسكم، والجمهور ~~أن { الصلحات }. هي الكلمات المذكور فضلها في الأحاديث: # " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم»، وقد جاء ذلك مصرحا به من لفظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله: « وهن الباقيات الصالحات ". # وقوله سبحانه: { خير عند ربك ثوابا وخير أملا } أي: ~~صاحبها ينتظر الثواب، وينبسط أمله، فهو خير من حال ذي المال ~~والبنين، دون عمل صالح، وعن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " استكثروا من الباقيات الصالحات » قيل: وما هن، ~~يا رسول الله؟ قال: » التكبير والتهليل والتسبيح ~~والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله " # رواه النسائي وابن حبان في «صحيحه» انتهى من «السلاح». # وفي «صحيح مسلم» عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لا ~~يضرك بأيهن بدأت " # وفي «صحيح مسلم»، عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان، ~~وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين ~~السموات والأرض... " # الحديث انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وروى مالك عن سعيد بن المسيب، أن ~~الباقيات الصالحات قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله» وروي عن ابن عباس وغيره؛ أن الباقيات الصالحات الصلوات ~~الخمس. انتهى. ms0876 # * ت *: وما تقدم أولى، ومن كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن ~~الشاذلي رضي الله عنه قال: عليك بالمطهرات الخمس في الأقوال؛ ~~والمطهرات الخمس في الأفعال، والتبري من الحول والقوة في جميع ~~الأحوال، وغص بعقلك إلى المعاني القائمة بالقلب، واخرج عنها وعنه ~~إلى الرب واحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده أمامك واعبد ~~الله بها، وكن من الشاكرين، فالمطهرات الخمس في الأقوال: ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والمطهرات الخمس في الأفعال: ~~الصلوات الخمس، والتبري من الحول والقوة: هو قولك: لا حول ولا ~~قوة إلا بالله. # انتهى. # وقوله سبحانه: { وترى الأرض بارزة }: يحتمل أن الأرض؛ ~~لذهاب الجبال، والضراب والشجر - برزت، وانكشفت ويحتمل ~~أن يريد بروز أهلها من بطنها للحشر، و«المغادرة»: الترك، { ~~وعرضوا على ربك صفا } ، أي: صفوفا وفي الحديث الصحيح: # " يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ~~صفوفا يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر... " # الحديث بطوله، وفي حديث آخر: # " أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفا، ~~أنتم منها ثمانون صفا ". # وقوله سبحانه: { لقد جئتمونا كما خلقنكم أول ~~مرة }: يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا " # كمآ بدأنا أول خلق نعيده # [الأنبياء:104]. ### || [18.49-50] # وقوله سبحانه: { ووضع الكتب فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه... } الآية: { الكتب } اسم جنس يراد به ~~كتب الناس التي أحصتها الحفظة لواحد واحد، ويحتمل أن يكون ~~الموضوع كتابا واحدا حاضرا، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { إلا إبليس كان من الجن } قالت فرقة: ~~إبليس لم يكن من الملائكة، بل هو من الجن، وهم الشياطين ~~المخلوقون من مارج من نار، وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور، ~~واختلفت هذه الفرقة، فقال بعضهم: إبليس من الجن، وهو أولهم ~~وبدأتهم، كآدم من الإنس، وقالت فرقة: بل كان إبليس وقبيله ~~جنا، لكن جميع الشياطين اليوم من ذريته، فهو كنوح في الإنس، ~~واحتجوا بهذه الآية. # وقوله: { ففسق } معناه فخرج عن أمر ربه وطاعته. # وقوله عز وجل: { أفتتخذونه } يريد: أفتتخذون ~~إبليس. # وقوله: { وذريته }: ظاهر ms0877 اللفظ يقتضي الموسوسين من ~~الشياطين، الذين يأمرون بالمنكر، ويحملون على الأباطيل. # وقوله تعالى: { بئس للظلمين بدلا } أي: بدل ولاية الله ~~عز وجل بولاية إبليس وذريته، وذلك هو التعوض من الحق بالباطل. ### || [18.51-53] # وقوله سبحانه: { ما أشهدتهم خلق السموات ~~والأرض... } الآية: الضمير في { أشهدتهم } عائد على ~~الكفار، وعلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على طوائف من ~~المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل ~~من يتخرص في هذه الأشياء، وقيل: عائد على ذرية إبليس، فالآية على هذا ~~تتضمن تحقيرهم، والقول الأول أعظم فائدة، وأقول: إن الغرض أولا ~~بالآية هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف ~~المذكورة، وعلى الكهان والعرب المصدقين لهم، والمعظمين للجن، ~~حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي، إذ الجميع من هذه الفرق ~~متعلقون بإبليس وذريته، وهم أضل الجميع، فهم المراد الأول ب { ~~المضلين } ، وتندرج هذه الطوائف في معناهم، وقرأ الجمهور: «وما ~~كنت»، وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن، بخلاف «وما كنت»، ~~«والعضد»: استعارة للمعين والمؤازر، { ويوم يقول نادوا ~~شركاءي } أي: على جهة الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: { موبقا ~~} ، فقال ابن عباس: معناه مهلكا، وقال عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ~~ومجاهد: { موبقا } هو واد في جهنم يجري بدم وصديد. قال أنس: ~~يحجز بين أهل النار وبين المؤمنين. # وقوله سبحانه: { فظنوا أنهم مواقعوها } ، أي: مباشروها، ~~وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين. # قال * ع *: والعبارة بالظن لا تجيء أبدا في موضع يقين تام قد ~~قاله الحسن بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقق، لكنه لم يقع ~~ذلك المظنون، والا فمذ يقع ويحس لا يكاد توجد في كلام ~~العرب العبارة عنه بالظن، وتأمل هذه الآية، وتأمل كلام العرب، ~~وروى أبو سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الكافر ليرى جهنم، ويظن أنها مواقعته ~~من مسيرة أربعين سنة " # و«المصرف»: المعدل والمراغ، وهو مأخوذ من الانصراف من شيء إلى ~~شيء. ### || [18.54-59] # وقوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ~~من كل مثل وكان الإنسن أكثر شيء ms0878 جدلا } { ~~الإنسن } هنا يراد به الجنس، وقد استعمل صلى الله عليه وسلم الآية ~~على العموم في مروره بعلي ليلا، وأمره له بالصلاة بالليل، ~~فقال علي: إنما أنفسنا يا رسول الله بيد الله، أو كما ~~قال، فخرج صلى الله عليه وسلم، وهو يضرب فخذه بيده، ويقول: { وكان ~~الإنسن أكثر شيء جدلا }. # وقوله سبحانه: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى... } الآية: { الناس } ، هنا يراد بهم كفار عصر النبي ~~صلى الله عليه وسلم، و { سنة الأولين } ، هي عذاب الأمم ~~المذكورة في القرآن، { أو يأتيهم العذاب قبلا } ، أي: ~~مقابلة عيانا، والمعنى: عذابا غير المعهود، فتظهر فائدة التقسيم، وقد ~~وقع ذلك بهم يوم بدر، وكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم، وعلى ~~ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسران - عافانا الله من ذلك -. # و { ليدحضوا } معناه: يزهقوا، «والدحض»: الطين. # وقوله: { فلن يهتدوا إذا }: لفظ عام يراد به الخاص ممن حتم ~~الله عليه أنه لا يؤمن، ولا يهتدي أبدا، كأبي جهل وغيره. # وقوله: { بل لهم موعد } قالت فرقة: هو أجل الموت، وقالت ~~فرقة: هو عذاب الآخرة، وقال الطبري هو يوم بدر والحشر. # وقوله سبحانه: { لن يجدوا من دونه موئلا } ، أي: لا يجدون ~~عنه منجى، يقال: وأل الرجل يئل؛ إذ نجا، ثم عقب سبحانه ~~توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء ~~بمثله، و { القرى }: المدن، والإشارة إلى عاد وثمود وغيرهم، وباقي ~~الآية بين. # قال * ص *: وقوله: { لما ظلموا } في { لما ظلموا }: ~~إشعار بعلة الإهلاك؛ وبهذا استدل ابن عصفور على حرفية ~~«لما»؛ لأن الظرف لا دلالة فيها على العلية. ### || [18.60] # وقوله سبحانه: { وإذ قال موسى لفته لا أبرح... } ~~الآية: { موسى } هو ابن عمران، وفتاه هو يوشع بن نون، وفي ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن موسى عليه السلام ~~جلس يوما في مجلس لبني إسرائيل، وخطب، فأبلغ، ~~فقيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال: لا، ~~فأوحى الله إليه: بلى عبدنا خضر، فقال: يا ~~رب، دلني على السبيل إلى لقيه، فأوحى الله إليه ~~أن ms0879 يسير بطول سيف البحر، حتى يبلغ مجمع ~~البحرين، فإذا فقد الحوت، فإنه هنالك، وأمر أن ~~يتزود حوتا، ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ~~ذلك، وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة: لا ~~أبرح أسير، أي: لا أزال، وإنما قال هذه المقالة، وهو ~~سائر، قال السهيلي: كان موسى عليه السلام أعلم بعلم الظاهر، ~~وكان الخضر أعلم بعلم الباطن، وأسرار الملكوت، فكانا بحرين ~~اجتمعا بمجمع البحرين، والخضر شرب من عين الحياة، فهو ~~حي إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال، ~~وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث، منهم شيخنا أبو بكر بن ~~العربي رحمه الله: مات الخضر قبل انقضاء المائة من قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة عام ~~منها لا يبقى على الأرض ممن هو عليها أحد " # يعني من كان حيا حين قال هذه المقالة، وأما اجتماع الخضر مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيته لأهل بيته، فمروي من طرق ~~صحاح، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة ~~بيضاء، فاهتزت تحته خضراء ". # قال الخطابي: الفروة وجه الأرض، ثم أنشد على ذلك شاهدا انتهى. # واختلف الناس في «مجمع البحرين»، فقال مجاهد وقتادة هو ~~مجمع بحر فارس وبحر الروم، وقالت فرقة { مجمع البحرين ~~}: هو عند طنجة، وقيل غير هذا، واختلف في «الحقب»، فقال ابن عباس ~~وغيره: الحقب: أزمان غير محدودة، وقال عبد الله بن عمرو ثمانون سنة، ~~وقال مجاهد: سبعون، وقيل: سنة. ### || [18.61-74] # وقوله سبحانه: { فلما بلغا مجمع بينهما } الضمير في { ~~بينهما }: للبحرين، قاله مجاهد، وفي الحديث الصحيح: " ثم ~~انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى أتيا ~~الصخرة وضعا رؤوسهما، فناما، واضطرب الحوت في ~~المكتل، فخرج منه فسقط في البحر، واتخذ سبيله في ~~البحر سربا، أي: مسلكا في جوف الماء، وأمسك الله عن ~~الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما ~~استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا ~~بقية يومهما، وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال ~~موسى ms0880 لفتاه: { فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } ويعني ب «النصب» تعب ~~الطريق، قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره ~~الله به، قال له فتاه: { أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة ~~فإني نسيت الحوت } ، يريد: ذكر ما جرى فيه، { وما ~~أنسانيه } ، أي أن أذكره { إلا الشيطن } ، و { اتخذ ~~سبيله في البحر عجبا } قال: فكان للحوت سربا ولموسى ~~وفتاه عجبا، فقال موسى: { ذلك ما كنا نبغ فارتدا ~~على آثارهما قصصا } ، قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى ~~انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال ~~الخضر: وأنى بأرضك السلام قال: أنا موسى، قال: موسى ~~بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما ~~علمت رشدا، { قال إنك لن تستطيع معي صبرا } ~~يعني: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي علمك ~~لا تعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ، ولم تخبر بوجه الحكمة ~~فيه؟ يا موسى، إني على علم من علم الله، علمنيه لا تعلمه، ~~يريد: علم الباطن، وأنت على علم من علم الله علمكه الله، لا ~~أعلمه، يريد: علم الظاهر، فقال له موسى: { ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا } ، فقال له الخضر: { فإن ~~اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا } ، أي: حتى أشرح لك ما ينبغي شرحه، فانطلقا يمشيان على ساحل ~~البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، ~~فحملوهم بغير نول، يقول: بغير أجر، فلما ركبا في السفينة، لم ~~يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة ~~بالقدوم، فقال له موسى؛ قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى ~~سفينتهم، فخرقتها لتغرق أهلها، { لقد جئت شيئا إمرا } ، أي ~~شنيعا من الأمور، وقال مجاهد: الإمر المنكر، { قال ألم ~~أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني ~~بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا } قال أبي ~~بن كعب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « فكانت الأولى من ~~موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور، ms0881 فوقع على حرف ~~السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما ~~علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا ~~العصفور من هذا البحر»، وفي رواية: « والله، ما علمي ~~وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر ~~بمنقاره من البحر »، وفي رواية:« ما علمي وعلمك وعلم ~~الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا ~~العصفور منقاره ». # قال * ع *: وهذا التشبيه فيه تجوز؛ إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى ~~في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء، ولم يتعرض ~~الخضر لتحرير موازنة بين المثال وبين علم الله تعالى، إذ ~~علمه سبحانه غير متناه، ونقط البحر متناهية، ثم خرج من السفينة، ~~فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب ~~مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده، فاقتلعه فقتله، فقال له ~~موسى: أقتلت نفسا زاكية. # قال * ع *: قيل: كان هذا الغلام لم يبلغ الحلم، فلهذا قال موسى: ~~نفسا زاكية، وقالت فرقة: بل كان بالغا. # وقوله: { بغير نفس } يقتضي أنه لو كان عن قتل نفس، لم يكن ~~به بأس، وهذا يدل على كبر الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم، لم ~~يجب قتله بنفس ولا بغير نفس. * ت *: وهذا إذا كان شرعهم ~~كشرعنا، وقد يكون شرعهم أن النفس بالنفس عموما في البالغ ~~وغيره، وفي العمد والخطأ؛ فلا يلزم من الآية ما ذكر. # وقوله: { لقد جئت شيئا نكرا } معناه: شيئا ينكر قال * ع ~~*: ونصف القرآن بعد الحروف. انتهى إلى النون من قوله: { نكرا }. ### || [18.75-82] # { قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } ~~قال: وهذه أشد من الأولى - { قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * ~~فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض } ، قال: مائل، فقال الخضر بيده هكذا، فأقامه، ~~فقال موسى: قوم أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيفونا { لو شئت ~~لتخذت عليه أجرا } قال سعيد بن جبير: أجرا نأكله - ~~«قال هذا فراق بيني ms0882 وبينك» إلى قوله: { ذلك تأويل ما لم ~~تسطع عليه صبرا } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من ~~خبرهما» قال سعيد: فكان ابن عباس يقرأ: «وكان أمامهم ~~ملك يأخذ كل سفينة [صالحة] غضبا»، وكان يقرأ: ~~«وأما الغلام [فكان كافرا] وكان أبواه مؤمنين»، ~~وفي رواية للبخاري: يزعمون عن غير سعيد بن جبير؛ أن اسم ~~الملك: هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون حيسور، ~~ويقال: جيسور ملك { يأخذ كل سفينة غصبا } ، فأردت ~~إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا ~~أصلحوها، فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من ~~يقول بالقار، { فكان أبواه مؤمنين } ، وكان كافرا، { ~~فخشينا أن يرهقهما طغينا وكفرا } أن يحملهما حبه ~~على أن يتابعاه على دينه، { فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكوة } لقوله: «أقتلت نفسا زاكية»، { وأقرب ~~رحما } هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر، وزعم غير سعيد ~~أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم، فقال عن غير واحد: ~~إنها جارية. انتهى لفظ البخاري. # * ت *: وقد تحرينا في هذا المختصر بحمد الله التحقيق فيما ~~علقناه جهد الاستطاعة، والله المستعان، وهو المسؤول أن ينفع به ~~بجوده وكرمه. قال * ع *: ويشبه أن تكون هذه القصة أيضا أصلا ~~للآجال في الأحكام التي هي ثلاثة، وأيام التلوم ثلاثة، فتأمله. # وقوله سبحانه: { فأبوا أن يضيفوهما } وفي الحديث: ~~«أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم ~~يستطعمانهم». # قال * ع *: وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله عز وجل. * ص ~~*: وقوله: { فراق بيني } الجمهور بإضافة «فراق»، أبو البقاء، أي ~~تفريق وصلنا، وقرأ ابن أبي عبلة «فراق» بالتنوين، أبو البقاء ~~و«بين»: منصوب على الظرف انتهى. # قال * ع *: و { وراءهم } هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ ~~إنما تجيء مراعى بها الزمان، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو ~~الأمام، والذي يأتي بعد هو الوراء، وتأمل هذه الألفاظ في ~~مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، ومن قرأ: «أمامهم»، أراد في ~~المكان. # قال * ع *: وفي الحديث، «أن هذا ms0883 الغلام طبع يوم طبع ~~كافرا»، والضمير في «خشينا» للخضر، قال الداوودي: قوله: { ~~فخشينا أن يرهقهما } ، أي: علمنا انتهى. «والزكاة» شرف ~~الخلق والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية، «والرحم» ~~الرحمة، وروي عن ابن جريج، أنهما بدلا غلاما مسلما، وروي عنه ~~أنهما بدلا جارية، وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها ~~سبعين نبيا، وذكره المهدوي عن ابن عباس، وهذا بعيد، ولا تعرف ~~كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، واختلف ~~الناس في هذا الكنز المذكور هنا، فقال ابن عباس: كان علما في صحف ~~مدفونة، وقال عمر مولى غفرة: كان لوحا من ذهب قد كتب فيه: ~~«عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبا للموقن بالحساب كيف ~~يغفل، وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح»، وروي نحو هذا مما هو ~~في معناه، وقال الداوودي: { كان تحته كنز لهما } ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ذهب وفضة» انتهى، فإن صح هذا ~~الحديث، فلا نظر لأحد معه، فالله أعلم أي ذلك كان. # وقوله سبحانه: { وكان أبوهما صلحا } ظاهر اللفظ، والسابق ~~منه إلى الذهن أنه والدهما دنية، وقيل: هو الأب السابع، وقيل: ~~العاشر، فحفظا فيه، وفي الحديث: # " إن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته " # ، وقول الخضر: { وما فعلته عن أمري } ، يقتضي أنه نبي، ~~وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبي، وقيل: عبد صالح، وليس بنبي؛ وكذلك ~~اختلف في موته وحياته، والله أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة ~~منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ". # قال القرطبي في «تذكرته»: وذكر عن عمرو بن دينار: الخضر ~~وإلياس عليهما السلام حيان، فإذا رفع القرآن ماتا قال القرطبي: ~~وهذا هو الصحيح انتهى، وحكايات من رأى الخضر من الأولياء لا ~~تحصى كثرة فلا نطيل بسردها، وانظر «لطائف المنن» لابن عطاء ~~الله. # وقوله: { ذلك تأويل }: أي مآل، وحكى السهيلي أنه لما حان ~~للخضر وموسى أن يفترقا، قال له الخضر: لو صبرت، لأتيت على ~~ألف عجب، كلها ms0884 أعجب مما رأيت، فبكى موسى، وقال للخضر: ~~أوصني يرحمك الله، فقال: يا موسى، اجعل همك في ~~معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن من الخوف في ~~أمنك، ولا تيئس من الأمن في خوفك، وتدبر الأمور في علانيتك، ~~ولا تذر الإحسان في قدرتك، فقال له موسى: زدني يرحمك الله، ~~فقال له الخضر: يا موسى، إياك واللجاجة، ولا تمش في غير ~~حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير أحدا، وابك على ~~خطيئتك يا بن عمران. انتهى. ### || [18.83-92] # وقوله سبحانه: { ويسألونك عن ذي القرنين } «ذو القرنين»، ~~هو الملك الإسكندر اليوناني، واختلف في وجه تسميته ب «ذي ~~القرنين» وأحسن ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شعرهما ~~قرناه، والتمكين له في الأرض: أنه ملك الدنيا، ودانت له الملوك ~~كلها، وروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة، مؤمنان ~~وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود عليهما السلام، ~~والإسكندر، والكافران: نمرود، وبخت نصر. # وقوله سبحانه: { وآتينه من كل شيء سببا } معناه: ~~علما في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء، وقوله: { ~~كل شيء } عموم معناه الخصوص في كل ما يمكنه أن يعلمه ويحتاج ~~إليه، وقوله: { فأتبع سببا } ، أي: طريقا مسلوكة، وقرأ نافع ~~وابن كثير: وحفص عن عاصم: «في عين حمئة»، أي: ذات حمأة، وقرأ ~~الباقون: «في عين حامية»، أي: حارة، وذهب الطبري إلى الجمع ~~بين الأمرين، فقال: يحتمل أن تكون العين حارة ذات حمأة؛ واستدل ~~بعض الناس على أن ذا القرنين نبي بقوله تعالى: { قلنا يذا ~~القرنين } ، ومن قال: إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من ~~الله له بإلهام. # قال * ع *: والقول بأنه نبي ضعيف، و { إما أن تعذب } معناه: ~~بالقتل على الكفر، { وإما أن تتخذ فيهم حسنا } ، ~~أي: إن آمنوا، وذهب الطبري إلى أن اتخاذه الحسن هو الأسر مع ~~كفرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية، ولكن تقسيم ذي القرنين ~~بعد هذا الأمر إلى كفر وإيمان يرد هذا القول بعض الرد، و { ~~ظلم }؛ في هذه الآية: بمعنى كفر، وقوله: { عذابا نكرا ms0885 } ، ~~أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، و { الحسنى } يراد بها ~~الجنة. # وقوله تعالى: { ثم أتبع سببا } المعنى: ثم سلك ذو القرنين ~~الطرق المؤدية إلى مقصده، وكان ذو القرنين، على ما وقع في ~~كتب التاريخ يدوس الأرض بالجيوش الثقال، والسيرة الحميدة، ~~والحزم المستيقظ، والتأييد المتواصل، وتقوى الله عز وجل، ~~فما لقي أمة، ولامر بمدينة إلا ذلت ودخلت في طاعته، ~~وكل من عارضه أو توقف عن أمره، جعله عظة وآية لغيره، وله في هذا ~~المعنى أخبار كثيرة وغرائب، محل ذكرها كتب التاريخ. # وقوله: { وجدها تطلع على قوم } المراد ب«القوم» ~~الزنج، قاله قتادة، وهم الهنود وما وراءهم، وقال الناس في قوله ~~سبحانه: { لم نجعل لهم من دونها سترا } معناه: أنهم ليس ~~لهم بنيان، إذ لا تحتمل أرضهم البناء وإنما يدخلون من حر الشمس ~~في أسراب، وقيل: يدخلون في ماء البحر؛ قاله الحسن وغيره، وأكثر ~~المفسرون في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن ~~قرب الشمس منهم، ولو كان لهم أسراب تغني لكان سترا كثيفا. # وقوله: { كذلك } معناه: فعل معهم كفعله مع الأولين أهل ~~المغرب، فأوجز بقوله: { كذلك }. ### || [18.93-95] # وقوله: { حتى إذا بلغ بين السدين... } الآية: ~~«السدان»، فيما ذكر أهل التفسير: جبلان سدا مسالك تلك الناحية، ~~وبين طرفي الجبلين فتح هو موضع الردم، وهذان الجبلان في ~~طرف الأرض مما يلي المشرق، ويظهر من ألفاظ التواريخ؛ أنهما إلى ~~ناحية الشمال. # وقوله تعالى: { ووجد عندها قوما }: قال السهيلي: هم أهل ~~جابلص، ويقال لها بالسريانية «جرجيسا» يسكنها قوم من نسل ~~ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح. # وقوله تعالى: { وجدها تطلع على قوم } هم: أهل جابلق، ~~وهم من نسل مؤمني قوم عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لها بالسريانية: ~~«مرقيسيا» ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب، بين كل ~~بابين فرسخ، ومر بهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ~~فدعاهم، فأجابوه، وآمنوا به، ودعا من ورائهم من الأمم، فلم يجيبوه في ~~حديث طويل رواه الطبري عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة عن ابن عباس، ~~عن النبي صلى ms0886 الله عليه وسلم، والله أعلم. انتهى، والله أعلم ~~بصحته. # و { يأجوج ومأجوج }: قبيلان من بني آدم، لكنهم ينقسمون ~~أنواعا كثيرة، اختلف الناس في عددها، واختلف في إفسادهم الذي وصفوهم ~~به، فقيل: أكل بني آدم، وقالت فرقة: إفسادهم: هو الظلم والغشم ~~وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وهذا أظهر الأقوال، وقولهم: { ~~فهل نجعل لك خرجا }: استفهام على جهة حسن الأدب، ~~«والخرج»: المجبى، وهو الخراج، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ~~«خراجا»، وروي في أمر يأجوج ومأجوج أن أرزاقهم هي من التنين ~~يمطرون به، ونحو هذا مما لم يصح، وروي أيضا أن الذكر منهم ~~لا يموت حتى يولد له ألف والأنثى كذلك، وروي أنهم يتسافدون في ~~الطرق كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرت ذلك؛ ~~لعدم صحته. # * ت *: والذي يصح من ذلك كثرة عددهم على الجملة، على ما هو معلوم ~~من حديث: «أخرج بعث النار» وغيره من الأحاديث. # وقوله: { ما مكني فيه ربي خير } المعنى: قال لهم ذو ~~القرنين: ما بسطه الله لي من القدرة والملك خير من ~~خراجكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، وهذا من تأييد الله تعالى له، ~~فإنه تهدى في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه، فإن القوم لو ~~جمعوا له الخراج الذي هو المال، لم يعنه منهم أحد، ولوكلوه ~~إلى البنيان، ومعونتهم بالقوة أجمل به. ### || [18.96-99] # وقوله: { آتوني زبر الحديد... } الآية قرأ حمزة وغيره: ~~«ائتوني» بمعنى «جيئوني»، وقرأ نافع وغيره: «آتوني» بمعنى «أعطوني»، ~~وهذا كله إنما هو استدعاء المناولة، وإعمال القوة «والزبر» جمع ~~زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه { حتى ~~إذا ساوى بين الصدفين } ، وهما الجبلان، وقوله: { قال ~~انفخوا... } الآية إلى آخر الآية، معناه: أنه كان يأمر بوضع طاقة من ~~الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها حتى تحمى ثم يؤتى بالنحاس ~~المذاب أو بالرصاص أو بالحديد؛ بحسب الخلاف في «القطر»، فيفرغه على ~~تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد، استأنف رصف طاقة أخرى ~~إلى أن استوى العمل، وقال أكثر المفسرين: «القطر»: النحاس ~~المذاب، ويؤيد هذا ما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0887 جاءه رجل فقال: يا رسول ~~الله، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج، فقال: كيف ~~رأيته؟ قال: رأيته كالبرد المحبر؛ طريقة ~~صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم « قد رأيته» " # و { يظهروه } ومعناه: يعلونه بصعود فيه؛ ومنه قوله في ~~«الموطإ»، «والشمس في حجرتها قبل أن تظهر»، { وما ~~استطعوا له نقبا } لبعد عرضه وقوته، ولا سبيل سوى ~~هذين: إما ارتقاء، وإما نقب، وروي أن في طوله ما بين طرفي ~~الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسين فرسخا، وروي غير هذا مما ~~لم نقف على صحته، فاختصرناه، إذ لا غاية للتخرص؛ وقوله في الآية ~~{ انفخوا } يريد بالأكيار. # وقوله: { هذا رحمة من ربي } الآية: القائل ذو القرنين، ~~وأشار ب { هذا } إلى الردم والقوة عليه، والانتفاع به، ~~والوعد يحتمل أن يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقت خروج ~~يأجوج ومأجوج، وقرأ نافع وغيره: «دكا» مصدر «دك يدك»، إذا ~~هدم ورض، وناقة دكاء لا سنام لها، والضمير في { تركنا } لله ~~عز وجل. # وقوله: { يومئذ } يحتمل أن يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد ~~به يوم كمال السد، والضمير في قوله: { بعضهم } على هذا ~~ليأجوج ومأجوج، واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة، وتردد ~~بعضهم في بعض، كالمولهين من هم وخوف ونحوه، فشبههم بموج ~~البحر الذي يضطرب بعضه في بعض. # وقوله: { ونفخ في الصور... } إلى آخر الآية: يعني به يوم ~~القيامة بلا احتمال لغيره، و { الصور } في قول الجمهور وظاهر ~~الأحاديث الصحاح: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للقيامة. ### || [18.100-106] # وقوله سبحانه: { وعرضنا جهنم يومئذ للكفرين ~~عرضا } معناه أبرزناها لهم؛ لتجمعهم وتحطمهم، ثم أكد بالمصدر ~~عبارة عن شدة الحال. # وقوله: { أعينهم } كناية عن البصائر، والمعنى: الذين كانت ~~فكرهم بينها، وبين ذكري والنظر في شرعي حجاب، وعليها ~~غطاء { وكانوا لا يستطيعون سمعا } يريد لإعراضهم ~~ونفارهم عن دعوة الحق، وقرأ الجمهور، «أفحسب الذين كفروا» - ~~بكسر السين - بمعنى «أظنوا» وقرأ علي بن أبي طالب وغيره وابن كثير، ~~بخلاف عنه: «أفحسب» بسكون السين وضم الباء، بمعنى «أكافيهم ~~ومنتهى ms0888 غرضهم»، وفي مصحف ابن مسعود: «أفظن الذين كفروا» وهذه ~~حجة لقراءة الجمهور. # وقوله: { أن يتخذوا عبادي } قال جمهور المفسرين: يريد كل ~~من عبد من دون الله؛ كالملائكة وعزير وعيسى، والمعنى: أن الأمر ~~ليس كما ظنوا، بل ليس لهم من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا ~~يجدون عندهم منتفعا و { أعتدنا } معناه: يسرنا، و«النزل» ~~موضع النزول، و«النزل» أيضا: ما يقدم للضيف أو القادم من ~~الطعام عند نزوله، ويحتمل أن يريد بالآية هذا المعنى: أن المعد ~~لهؤلاء بدل النزل جهنم، والآية تحتمل الوجهين، ثم قال تعالى: ~~{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } الآية: المعنى ~~قل لهؤلاء الكفرة؛ على جهة التوبيخ: هل نخبركم بالذين خسر عملهم، ~~وضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما ~~يصنعوه، فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم: { أولئك الذين كفروا ~~بآيت ربهم ولقائه } ، وعن سعد بن أبي وقاص في معنى ~~قوله تعالى: { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } قال: ~~هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات وعن ~~علي: هم الخوارج؛ ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك: { ~~أولئك الذين كفروا بآيت ربهم ولقائه } ، ~~وليس هذه الطوائف ممن يكفر بالله ولقائه، وإنما هذه صفة مشركي ~~عبدة الأوثان، وعلي وسعد رضي الله عنهما، ذكرا قوما أخذوا ~~بحظهم من صدر الآية. # وقوله سبحانه: { فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا } ~~يريد أنهم لا حسنة لهم توزن؛ لأن أعمالهم قد حبطت، أي: ~~بطلت، ويحتمل المجاز والاستعارة، كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا ~~يومئذ، وهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن جناح ~~بعوضة ثم قرأ: { فلا نقيم لهم يوم القيمة ~~وزنا } ". # وقوله ذلك اشارة الى ترك إقامة الوزن. ### || [18.107-108] # وقوله سبحانه: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات ~~كانت لهم جنت الفردوس }: اختلف المفسرون في ~~«الفردوس» فقال قتادة: إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو ~~هريرة: إنه جبل تتفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة: ~~إنه سرة الجنة ووسطها، وروى أبو سعيد الخدري، أنه تتفجر ms0889 منه ~~أنهار الجنة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ". # * ت *: ففي «البخاري» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما ~~بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه ~~الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ~~وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة " # انتهى. # وقوله تعالى: { لا يبغون عنها حولا } «الحول» بمعنى ~~المتحول. # قال مجاهد: متحولا. ### || [18.109] # وأما قوله سبحانه: { قل لو كان البحر مدادا لكلمت ~~ربي... } الآية: فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها ~~وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت ~~مقصر، قد سئلت عن الروح، فلم تجب فيه؟، ونحو هذا ~~من القول؛ فأنزل الله الآية معلمة باتساع معلومات الله عز ~~وجل، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع، فالمعنى: لو كان ~~البحر مدادا تكتب به معلوماته تعالى، لنفد قبل أن يستوفيها، ~~«وكلمات ربي» هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات ~~الله عز وجل لا تتناهى والبحر متناه ضرورة، وذكر الغزالي ~~في آخر «المنهاج» أن المفسرين يقولون في قوله تعالى: { لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمت ربي } ، أن هذه هي الكلمات ~~التي يقول الله عز وجل لأهل الجنة في الجنة باللطف ~~والإكرام، مما لا تكيفه الأوهام، ولا يحيط به علم مخلوق، ~~وحق أن يكون ذلك كذلك، وهو عطاء العزيز العليم؛ على مقتضى الفضل ~~العظيم، والجود الكريم، ألا لمثل هذا فليعمل العاملون. ~~انتهى. # وقوله: { مددا } ، أي زيادة. * ت *: وكذا فسره الهروي ولفظه: ~~وقوله تعالى: { ولو جئنا بمثله مددا } ، أي زيادة انتهى. ### || [18.110] # وقوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم } أي: أنا بشر ~~ينتهي علمي إلى حيث يوحى إلي، ومما يوحى إلي { أنما ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صلحا } وباقي الآية بين في الشرك بالله ~~تعالى، وقال ابن جبير في ms0890 تفسيرها لا يرائي في عمله، وقد ورد حديث ~~أنها نزلت في الرياء. # * ت *: وروى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم، عن أبيه، أنه كان يصف أمر الرياء، فيقول: ما كان ~~من نفسك فرضيته نفسك لها، فإنه من نفسك فعاتبها، ~~وما كان من نفسك، فكرهته نفسك لها، فإنه من الشيطان؛ فتعوذ ~~بالله منه، وكان أبو حازم يقول ذلك، وأسند ابن المبارك عن عبد ~~الرحمن بن أبي أمية، قال: كل ما كرهه العبد فليس منه ~~انتهى، وخرج الترمذي عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان ~~من الصحابة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب ~~فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمله لله أحدا، ~~فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله ~~أغنى الشركاء عن الشرك " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب انتهى، وقد خرج مسلم معناه. * ت ~~*: ومما جربته، وصح من خواص هذه السورة، أن من أراد أن يستيقظ ~~أي وقت شاء من الليل، فليقرأ عند نومه قوله سبحانه: { أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أولياء... } إلى آخر السورة، فإنه يستيقظ بإذن الله في الوقت ~~الذي نواه، ولتكن قراءته عند آخر ما يغلب عليه النعاس؛ بحيث ~~لا يتجدد له عقب القراءة خواطر، هذا مما لا شك فيه، وهو من عجائب ~~القرآن المقطوع بها، والله الموفق بفضله. # تنبيه: روينا في «صحيح مسلم»، عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل ~~الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه ~~إياه " # وذلك كل ليلة، فإن أردت أن تعرف هذه الساعة، فاقرأ عند نومك ~~من قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات ~~كانت لهم جنت الفردوس } إلى آخر السورة، فإنك تستيقظ ~~في تلك الساعة - إن شاء الله تعالى - بفضله، ويتكرر تيقظك، ~~ومهما استيقظت، فادع لي ولك، وهذا مما ألهمنيه الله ms0891 سبحانه، ~~فاستفده، وما كتبته إلا بعد استخارة، وإياك أن تدعو هنا على ~~مسلم، ولو كان ظالما، فإن خالفتني، فالله حسيبك وبين يديه ~~أكون خصيمك، وأنا أرغب إليك أن تشركني في دعائك، إذ أفدتك ~~هذه الفائدة العظيمة وكنت شيخك فيها، وللقرآن العظيم أسرار ~~يطلع الله عليها من يشاء من أوليائه، جعلنا الله منهم ~~بفضله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-11] # قوله عز وجل: { كهيعص } قد تقدم الكلام في فواتح السور. # وقوله: { ذكر رحمت ربك } مرتفع بقوله: { كهيعص } في ~~قول فرقة. # وقيل: إنه ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ~~هذا ذكر، وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ: «ذكر ~~رحمة ربك»: بفتح الذال، وكسر الكاف المشددة، ونصب ~~الرحمة. # وقوله { نادى }: معناه بالدعاء والرغبة؛ قاله ابن العربي ~~في «أحكامه». # وقوله تعالى: { إذ نادى ربه نداء خفيا }: يناسب ~~قوله: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # [الأعراف:55]. # وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي " # وذلك؛ لأنه أبعد من الرياء، فأما دعاء زكرياء عليه السلام ~~فإنما كان خفيا لوجهين: # أحدهما: أنه كان ليلا. # والثاني: أنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى الإخفاء؛ ~~كقوله: { وإني خفت المولي من ورآئي }. وهذا مما ~~يكتم. انتهى. # و { وهن العظم } معناه ضعف، { واشتعل } مستعار ~~للشيب من اشتعال النار. # وقوله: { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } شكر لله ~~عز وجل على سالف أياديه عنده، معناه: قد أحسنت إلي فيما سلف، ~~وسعدت بدعائي إياك؛ فالإنعام يقتضي أن يشفع أوله آخره. # * ت *: وكذا فسر الداوودي، ولفظه: «ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا»، يقول: كنت تعرفني الإجابة فيما مضى، وقاله قتادة: انتهى. # وقوله: { وإني خفت المولي... } الآية، قيل: معناه خاف أن ~~يرث الموالي ماله، والموالي: بنو العم، والقرابة. # وقوله { من ورآئي } أي: من بعدي. # وقالت فرقة: إنما كان مواليه مهملين للدين؛ فخاف بموته أن يضيع ~~الدين؛ فطلب وليا يقوم بالدين بعده؛ حكى هذا القول: الزجاج، ~~وفيه: أنه لا ms0892 يجوز أن يسأل زكرياء من يرث ماله؛ إذا ~~الأنبياء لا تورث. # قال * ع *: وهذا يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا، فهو ~~صدقة " # والأظهر الأليق بزكرياء عليه السلام أن يريد وراثة العلم ~~والدين، فتكون الوارثة مستعارة، وقد بلغه الله أمله. # قال ابن هشام: و { من ورآئي } متعلق ب { المولي } ، أو ~~بمحذوف هو حال من الموالي، أو مضاف إليهم، أي: كائنين من ~~ورائي، أو فعل الموالي من ورائي، ولا يصح تعلقه ب «خفت»؛ ~~لفساد المعنى. انتهى. من «المغني». # و { خفت المولي } ، هي قراءة الجمهور، وعليها هو هذا التفسير. # وقرأ عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وجماعة ~~«خفت» بفتح الخاء، وفتح الفاء، وشدها، وكسر التاء، والمعنى على ~~هذا: قد انقطع أوليائي، وماتوا، وعلى هذه القراءة، فإنما طلب ~~وليا يقوم بالدين. # قال ابن العربي في «أحكامه»: ولم يخف زكرياء وارث المال، وإنما ~~أراد إرث النبوءة، وعليها خاف أن تخرج عن عقبه، وصح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه ~~صدقة " # انتهى. # وقرأ علي بن أبي طالب، وابن عباس، وغيرهما رضي الله عنهم ~~ «يرثني وارث من آل يعقوب». # * ت *: وقوله: { فهب لي } قال ابن مالك في «شرح الكافية» اللام ~~هنا: هي لام التعدية؛ وقاله ولده في «شرح الخلاصة». # قال ابن هشام: والأولى عندي أن يمثل للتعدية بنحو: ما أكرم زيدا ~~لعمرو، وما أحبه لبكر، انتهى. # وقوله: { من ءال يعقوب } يريد يرث منهم الحكمة، وكذلك ~~العاقر من الرجال. # وقوله: { لم نجعل له من قبل سميا } معناه في اللغة: لم ~~نجعل له مشاركا في هذا الاسم، أي: لم يسم به قبل يحيى، وهذا قول ~~ابن عباس وغيره. # وقال مجاهد: وغيره: { سميا } معناه: مثيلا، ونظيرا، وفي هذا ~~بعد: لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل ~~في خاص؛ كالسودد، والحصر. # والعتي، والعسي: المبالغة في الكبر، أو يبس العود، أو شيب الرأس، ~~أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية ms0893 هارون - عليهما السلام - ومعنى قوله: { ~~سويا } فيما قال الجمهور، صحيحا من غير علة، ولا خرس. # وقال ابن عباس: ذلك عائد على الليالي، أراد: كاملات مستويات. # وقوله: { فأوحى إليهم } قال قتادة، وغيره: كان ذلك بإشارة. # وقال مجاهد: بل بكتابة في التراب. # قال * ع *: وكلا الوجهين وحي. # وقوله: { أن سبحوا } قال قتادة: معناه صلوا السبحة، ~~والسبحة: الصلاة، وقالت فرقة: بل أمرهم بذكر الله، وقول: سبحان ~~الله. ### || [19.12-16] # قوله: عز وجل: { ييحيى خذ الكتب بقوة } المعنى: قال ~~الله له: يا يحيى خذ الكتاب، وهو التوراة، وقوله: { بقوة } ~~أي: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه. # وقوله: { صبيا } يريد: شابا لم يبلغ حد الكهولة، ففي لفظ صبي ~~على هذا، تجوز، واستصحاب حال. # وروى معمر أن الصبيان دعوا يحيى إلى اللعب، وهو ~~طفل، فقال: إني لم أخلق للعب، فتلك الحكمة التي آتاه الله عز ~~وجل وهو صبي، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن ~~أوتي الحكمة صبيا. «والحنان»: الرحمة، والشفقة، والمحبة؛ قاله ~~جمهور المفسرين، وهو تفسير اللغة؛ ومن الشواهد في «الحنان» قول ~~النابغة: [الطويل] # أبا منذر، أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقال عطاء بن أبي رباح: «حنانا من لدنا» بمعنى تعظيما من ~~لدنا. # قال * ع *: وهو أيضا ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول ~~زيد بن عمر بن نفيل في خبر بلال: والله، لئن قتلتم ~~هذا العبد لاتخذن قبره حنانا. # قال * ص *: قال أبو عبيدة: وأكثر ما يستعمل مثنى. انتهى، ~~والزكاة التنمية، والتطهير في وجوه الخير. # قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وكان للدمع في خده مجار ثابتة. ~~{ ولم يكن جبارا عصيا } روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع ~~معصية قط صغيرة، ولا كبيرة والبر كثير البر، والجبار: المتكبر، ~~كأنه يجبر الناس على أخلاقه. # وقوله: { وسلم عليه } قال الطبري، وغيره: معناه وأمان ~~عليه. # قال * ع *: والأظهر عندي: أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف، ~~وأنبه من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه، وهو ms0894 ~~أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه، وحياه في المواطن ~~التي الإنسان فيها في غاية الضعف، والحاجة، وقلة الحيلة. # { واذكر في الكتب مريم } ، الكتاب: هو القرآن ~~والانتباذ: التنحي. # قال السدي: انتبذت؛ لتطهر من حيض، وقال غيره: لتعبد الله عز وجل. # قال * ع *: وهذا أحسن. # وقوله: { شرقيا } يريد: في جهة الشرق من مساكن أهلها، وكانوا ~~يعظمون جهة المشرق؛ قاله الطبري. # وقال بعض المفسرين: اتخذت المكان بشرقي المحراب. ### || [19.17-19] # وقوله سبحانه: { فاتخذت من دونهم حجابا } ، أي: لتستتر به ~~عن الناس؛ لعبادتها. «والروح»: جبريل عليه السلام. # وقوله تعالى: { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا } ، المعنى: قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشرا، لما ~~رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته؛ فأساءت به الظن: أعود بالرحمن ~~منك إن كنت ذا تقى، فقال لها جبريل عليه السلام: { إنمآ أنا ~~رسول ربك لأهب لك غلما زكيا }. # وقرأ أبو عمرو، ونافع بخلاف عنه «ليهب». ### || [19.20-23] # { قالت أنى يكون لي غلم ولم يمسسني بشر ~~ولم أك بغيا } ، والبغي: الزانية، وروي: أن جبريل عليه ~~السلام حين قاولها هذه المقاولة، نفخ في جيب درعها؛ فسرت النفخة ~~بإذن الله تعالى حتى حملت منها؛ قاله وهب بن منبه، وغيره. # وقال أبي بن كعب: دخل الروح المنفوخ من فمها؛ فذلك قوله تعالى: ~~{ فحملته } أي: فحملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، ~~فلما أحست بذلك، وخافت تعنيف الناس، وأن يظن بها الشر { ~~انتبذت } أي: تنحت مكانا بعيدا؛ حياء وفرارا على وجهها، و { ~~أجآءها } معناه: اضطرها، وهو تعدية [جاء] بالهمزة. # و { المخاض }: الطلق، وشدة الولادة، وأوجاعها، وروي: أنها ~~بلغت إلى موضع كان فيه جذع نخلة بال يابس، في أصله مذود بقرة، ~~على جرية ماء، فاشتد بها الأمر هنالك، واحتضنت الجذع؛ لشدة الوجع، ~~وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها؛ لما رأته من صعوبة الحال ~~من غير ما وجه: { يليتني مت قبل هذا } فتمنت الموت من ~~جهة الدين؛ أن يظن بها الشر، وخوف أن تفتتن بتعيير قومها، ~~وهذا مباح؛ وعلى هذا ms0895 الحد تمناه عمر - رضي الله عنه -. # { وكنت نسيا } أي: شيئا متروكا محتقرا، والنسي في ~~كلام العرب؛ الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى، فلا يتألم ~~لفقده؛ كالوتد، والحبل للمسافر، ونحوه. # وهذه القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملا على عرف البشر، ~~واستحيت من ذلك؛ ومرت بسببه، وهي حامل، وهو قول جمهور المتأولين. # وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس إلا أن حملت، فوضعت في ساعة واحدة؛ ~~والله أعلم. # وظاهر قوله: { فأجاءها المخاض } أنها كانت على عرف النساء. ### || [19.24-28] # وقوله سبحانه: { فناداها من تحتهآ } قرأ ابن كثير، وأبو ~~عمرو، وابن عامر، وعاصم: «فناداها من تحتها» على أن «من» ~~فاعل بنادى، والمراد ب «من» عيسى؛ قاله مجاهد، والحسن، وابن ~~جبير، وأبي بن كعب. وقال ابن عباس: المراد ب «من» جبريل, ~~ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. # والقول الأول أظهر وأبين، وبه يتبين عذر مريم، ولا تبقى بها ~~استرابة. # وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم: «من ~~تحتها» بكسر الميم، واختلفوا أيضا فقالت فرقة: المراد عيسى، ~~وقالت فرقة: المراد جبريل المحاور لها قبل. # قالوا: وكان في بقعة أخفض من البقعة التي كانت هي عليها؛ ~~والأول أظهر. # وقرأ ابن عباس: «فناداها ملك من تحتها». # والسري: من الرجال العظيم السيد، والسري: أيضا الجدول من ~~الماء؛ وبحسب هذا اختلف الناس في هذه الآية. # فقال قتادة، وابن زيد: أراد جعل تحتك عظيما من الرجال، له شأن. # وقال الجمهور: أشار لها إلى الجدول، ثم أمرها بهز الجذع اليابس؛ ~~لترى آية أخرى. # وقالت فرقة: بل كانت النخلة مطعمة رطبا، وقال السدي: كان ~~الجذع مقطوعا، وأجري تحتها النهر لحينه. # قال * ع *: والظاهر من الآية: أن عيسى هو المكلم لها، وأن ~~الجذع كان يابسا؛ فهي آيات تسليها، وتسكن إليها. # قال * ص *: قوله: { وهزي إليك } تقرر في علم النحو أن الفعل ~~لا يتعدى إلى ضمير متصل، وقد رفع المتصل، وهما لمدلول واحد، وإذا ~~تقرر هذا؛ ف «إليك» لا يتعلق ب «هزي»، ولكن يمكن أن يكون «إليك» ~~حالا من جذع النخلة؛ فيتعلق بمحذوف؛ أي: ms0896 هزي بجذع النخلة ~~منتهيا إليك. انتهى. # والباء في قوله: { بجذع }: زائدة موكدة، و { جنيا }: معناه: ~~قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. # وقال عمرو بن ميمون: ليس شيء للنفساء خيرا من التمر، ~~والرطب. # وقرة العين مأخوذة من القر؛ وذلك، أنه يحكى: أن دمع ~~الفرح بارد المس، ودمع الحزن سخن المس، وقيل: غير هذا. # قال * ص *: { وقري عينا } أي: طيبي نفسا. أبو البقاء: ~~«عينا»: تمييز. اه. # وقوله سبحانه: { فإما ترين من البشر أحدا... } الآية، ~~المعنى: أن الله عز وجل أمرها على لسان جبريل عليه السلام أو ~~ابنها؛ على الخلاف المتقدم: بأن تمسك عن مخاطبة البشر، وتحيل على ابنها ~~في ذلك؛ ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية؛ فيقوم عذرها. # وظاهر الآية: أنها أبيح لها أن تقول مضمن هذه الألفاظ التي في ~~الآية؛ وهو قول الجمهور. # وقالت فرقة: معنى { قولي } بالإشارة، لا بالكلام. # قال * ص *: وقوله: { فقولي } جواب الشرط، وبينهما جملة محذوفة ~~يدل عليها المعنى؛ أي فإما ترين من البشر أحدا، وسألك أو ~~حاورك الكلام، فقولي. # انتهى. # و { صوما } معناه عن الكلام؛ إذ أصل الصوم الإمساك. # وقرأت فرقة: «إني نذرت للرحمن صمتا» ولا يجوز في ~~شرعنا نذر الصمت؛ فروي: أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما ~~رأت من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين عذرها، أتت به ~~تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت منتبذة به، والفري: ~~العظيم الشنيع؛ قاله مجاهد، والسدي، وأكثر استعماله في ~~السوء. # واختلف في معنى قوله تعالى: { يأخت هرون } ، فقيل: كان لها ~~أخ اسمه هارون؛ لأن هذا الاسم كان كثيرا في بني إسرائيل. # وروى المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله ~~إلى أهل نجران في أمر من الأمور، فقالت له النصارى: إن ~~صاحبك يزعم أن مريم هي أخت هارون، وبينهما في المدة ست ~~مائة سنة. # قال المغيرة: فلم أدر ما أقول، فلما قدمت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون ~~بأسماء الأنبياء والصالحين. # قال * ع *: فالمعنى أنه ms0897 اسم وافق اسما. # وقيل: نسبوها إلى هارون أخي موسى؛ لأنها من نسله؛ ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أخا صداء أذن، ومن أذن، فهو يقيم ". # وقال قتادة: نسبوها إلى هارون اسم رجل صالح في ذلك الزمان. # وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمان رجل فاجر اسمه هارون نسبوها ~~إليه؛ على جهة التعيير. # * ت *: والله أعلم بصحة هذا، وما رواه المغيرة إن ثبت هو ~~المعول عليه، وقولهم: { ما كان أبوك امرأ سوء } المعنى: ~~ما كان أبوك، ولا أمك أهلا لهذه الفعلة، فكيف جئت أنت بها؟ ~~والبغي: التي تبغي الزنا، أي: تطلبه. ### || [19.29-33] # وقوله تعالى: { فأشارت إليه } يقوى قول من قال: إن أمرها ~~ب { قولي } ، إنما أريد به الإشارة. # وقوله: { ءاتني الكتب } يعني الإنجيل، ويحتمل أن يريد ~~التوراة والإنجيل، و«آتاني» معناه: قضى بذلك سبحانه وأنفذه ~~في سابق حكمه، وهذا نحو قوله تعالى: # أتى أمر الله # [النحل:1]. # { وأوصني بالصلوة والزكوة } قيل: هما المشروعتان في ~~البدن، والمال. # وقيل: الصلاة: الدعاء، والزكاة: التطهر من كل عيب، ونقص، ~~ومعصية. والجبار؛ المتعظم؛ وهي خلق مقرونة بالشقاء؛ لأنها ~~مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروها، وكان ~~عيسى عليه السلام في غاية التواضع؛ يأكل الشجر، ويلبس ~~الشعر، ويجلس على الأرض، ويأوي حيث جنة الليل. لا مسكن ~~له. # قال قتادة: وكان يقول: سلوني؛ فإني لين القلب، صغير في نفسي. # وقالت فرقة: إن عيسى عليه السلام كان أوتي الكتاب وهو في سن ~~الطفولية، وكان يصوم، ويصلي. # قال * ع *: وهذا في غاية الضعف. # * ت *: وضعفه من جهة سنده؛ وإلا فالعقل لا يحيله؛ لا سيما ~~وأمره كله خرق عادة، وفي قصص هذه الآية؛ عن ابن زيد، وغيره: أنهم لما ~~سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا: إن هذا الأمر عظيم. ### || [19.34-36] # وقوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي ~~فيه يمترون } المعنى: قل يا محمد، لمعاصريك من اليهود ~~والنصارى ذلك الذي هذه قصته؛ عيسى ابن مريم. # وقرأ نافع، وعامة الناس: «قول الحق» برفع القول؛ على معنى ~~هذا هو قول ms0898 الحق. # وقرأ عاصم، وابن عامر: «قول الحق» بنصب اللام؛ على المصدر. # وقوله: { إن الله ربي وربكم... } الآية، هذا من تمام ~~القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم: أن يقوله، ويحتمل أن ~~يكون من قول عيسى عليه السلام ويكون قوله: «أن» بفتح الهمزة، عطفا ~~على قوله: «الكتاب». # وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم: أن الله ربي وربكم. # * ت *: وما ذكره وهب مصرح به في القرآن، ففي آخر المائدة: # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم... # الآية. [المائدة:117]. وامتراؤهم في عيسى هو اختلافهم؛ فيقول بعضهم: ~~لزنية، وهم اليهود، ويقول بعضهم: هو الله؛ تعالى الله عن ~~قولهم علوا كبيرا، فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك بإثر هذا. ### || [19.37-39] # وقوله: { فاختلف الأحزاب من بينهم } هذا ابتداء خبر من ~~الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن بني إسرائيل اختلفوا ~~أحزابا، أي: فرقا. # وقوله: { من بينهم } بمعنى: من تلقائهم، ومن أنفسهم ثار ~~شرهم، وإن الاختلاف لم يخرج عنهم؛ بل كانوا هم المختلفين. # وروي في هذا عن قتادة: أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة ~~أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم أن يبينوا لهم ~~أمر عيسى فقال أحدهم: عيسى هو الله؛ تعالى الله عن قولهم. # وقال له الثلاثة: كذبت، واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة؛ فقال ~~أحدهم: عيسى ابن الله، [تعالى الله عن قولهم] فقال له الاثنان: كذبت، ~~واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين؛ فقال أحدهما: عيسى أحد ~~ثلاثة: الله إله، ومريم إله، وعيسى إله؛ تعالى الله عن قولهم علوا ~~كبيرا فقال له الرباع: كذبت، واتبعته الإسرائيلية, فقيل ~~للرابع؛ فقال: عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، فاتبع كل ~~واحد فريق من بني إسرائيل، ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون، ~~وقتلوا، وظهرت اليعقوبية على الجميع. # و «الويل»: الحزن، والثبور، وقيل: «الويل»: واد في جهنم، و { ~~مشهد يوم عظيم }: هو يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { أسمع بهم وأبصر } أي: ما أسمعهم، ~~وأبصرهم يوم يرجعون إلينا، ويرون ما نصنع بهم، { لكن ~~الظلمون اليوم ms0899 } أي: في الدنيا في { ضلل مبين } ~~أي بين، { وأنذرهم يوم الحسرة } وهو يوم ذبح ~~الموت؛ قاله الجمهور. # وفي هذا حديث صحيح خرجه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح، ~~فيذبح على الصراط بين الجنة والنار، وينادى: ~~يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، ~~خلود لا موت، ثم قرأ: { وأنذرهم يوم ~~الحسرة... } [الآية]. # قال * ع *: وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها. # وقال ابن زيد، وغيره: يوم الحسرة: هو يوم القيامة. # قال * ع *: ويحتمل أن يكون يوم الحسرة اسم جنس شامل لحسرات ~~كثيرة؛ بحسب مواطن الآخرة: منها يوم موت الإنسان، وأخذ الكتاب ~~بالشمال، وغير ذلك، { وهم في غفلة } يريد: في الدنيا. ### || [19.40-46] # قوله سبحانه: { إنا نحن نرث الأرض... } الآية، عبارة عن ~~بقائه - جل وعلا - بعد فناء مخلوقاته، لا إله غيره. # وقوله: - عز وجل -: { واذكر في الكتب إبرهيم إنه ~~كان صديقا نبيا.... } الآية، قوله: { واذكر } بمعنى اتل ~~وشهر؛ لأن الله تعالى هو الذاكر؛ و { الكتب }: هو القرآن، ~~والصديق: بناء مبالغة فكان إبراهيم عليه السلام [يوصف] بالصدق ~~في أفعاله وأقواله. # وقوله: { يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن... } الآية، قال الطبري: «أخاف» بمعنى أعلم. # قال * ع *: والظاهر عندي أنه خوف على بابه؛ وذلك أن إبراهيم عليه ~~السلام في وقت هذه المقالة لم يكن آيسا من إيمان أبيه. # * ت *: ونحو هذا عبارة المهدوي، قال: قيل: «أخاف» معناه: أعلم، ~~أي: إني أعلم إن مت على ما أنت عليه. # ويجوز أن يكون «أخاف» على بابه، ويكون المعنى: إني أخاف أن ~~تموت على كفرك؛ فيمسك العذاب. انتهى. # وقوله: { لأرجمنك } قال الضحاك، وغيره: معناه بالقول، ~~أي: لأشتمنك. # وقال الحسن: معناه: لأرجمنك بالحجارة. # وقالت فرقة: معناه لأقتلنك، وهذان القولان بمعنى واحد. # وقوله: { واهجرني } على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر ~~على حياله؛ كأنه قال: إن لم تنته قتلتك بالرجم، ثم قال له: ~~واهجرني، أي: مع انتهائك، و { مليا } معناه: دهرا طويلا ~~مأخوذ من الملوين؛ وهما ms0900 الليل والنهار؛ هذا قول الجمهور. ### || [19.47-50] # وقوله: { قال سلم عليك } اختلف في معنى تسليمه على ~~أبيه، فقال بعضهم: هي تحية مفارق, وجوزوا تحية الكافر وأن ~~يبدأ بها. # وقال الجمهور: ذلك السلام بمعنى المسالمة، لا بمعنى التحية. # وقال الطبري: معناه أمنة مني لك؛ وهذا قول الجمهور؛ وهم لا ~~يرون ابتداء الكافر بالسلام. # وقال النقاش: حليم خاطب سفيها؛ كما قال تعالى: # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلما # [الفرقان:63]. # قوله: { سأستغفر لك ربي } معناه: سأدعو الله تعالى في ~~أن يهديك, فيغفر لك بإيمانك، ولما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه. # والحفي: المهتبل المتلطف، وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله ~~تعالى عليه، ثم أخبر إبراهيم عليه السلام بأنه يعتزلهم، أي: ~~يصيرعنهم بمعزل, ويروى: أنهم كانوا بأرض كوثى، فرحل عليه السلام ~~حتى نزل الشام، وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم هاجر... ~~الحديث الصحيح بطوله، و { تدعون } معناه: تعبدون. # وقوله: { عسى }: ترج في ضمنه خوف شديد. # وقوله سبحانه: { فلما اعتزلهم... } إلى آخر الآية: إخبار من ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه لما رحل إبراهيم عن بلد ~~أبيه وقومه، عوضه الله تعالى من ذلك ابنه إسحاق، وابن ابنه ~~يعقوب - على جميعهم السلام - وجعل الولد له تسلية، وشدا ~~لعضده. # وإسحاق أصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل، غارت ~~سارة؛ فحملت بإسحاق، هكذا فيما روي. # وقوله تعالى: { ووهبنا لهم من رحمتنا } يريد: العلم، ~~والمنزلة، والشرف في الدنيا، والنعيم في الآخرة؛ كل ذلك من ~~رحمة الله عز وجل، ولسان الصدق: هو الثناء الباقي عليهم ~~آخر الأبد؛ قاله ابن عباس وإبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم وذريته ~~معظمة في جميع الأمم والملل. # قال * ص *: و { كلا جعلنا نبيا } أبو البقاء: هو منصوب ب ~~{ جعلنا } انتهى. ### || [19.51-53] # وقوله عز وجل: { واذكر في الكتاب موسى } ، أي: على جهة ~~التشريف له، { وندينه } هو تكليم الله له، والأيمن: ~~صفة لجانب، وكان على يمين موسى، وإلا فالجبل نفسه لا يمنة ~~له ولا يسرة، ويحتمل أن يكون الأمن مأخوذا من الأيمن { ~~وقربنه } ، أي: تقريب ms0901 تشريف، والنجي: من المناجاة. ### || [19.54-58] # وقوله تعالى: { واذكر في الكتب إسمعيل } هو أيضا من ~~لسان الصدق المضمون بقاؤه على إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه ~~السلام: هو أبو العرب اليوم؛ وذلك أن اليمنية والمضرية ترجع ~~إلى ولد إسماعيل، وهو الذبيح في قول الجمهور. # وهو الراجح؛ من وجوه: منها قوله تعالى: # ومن وراء إسحق يعقوب # [هود:71]. # فولد بشر أبواه بأن سيكون منه ولد كيف يؤمر بذبحه؟!. # ومنها أن أمر الذبح كان بمنى بلا خلاف، وما روي قط أن ~~إسحاق دخل تلك البلاد، وإسماعيل بها نشأ، وكان أبوه يزوره ~~مرارا كثيرة يأتي من الشام، ويرجع من يومه على البراق؛ ~~وهو مركب الأنبياء. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: # " أنا ابن الذبيحين " # وهو أبوه عبد الله، والذبيح الثاني هو إسماعيل. # ومنها [ترتيب] آيات سورة «والصافات» يكاد ينص على أن ~~الذبيح غير إسحاق، ووصفه الله تعالى بصدق الوعد؛ لأنه كان ~~مبالغا في ذلك؛ وروي أنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع، ~~فبقي في انتظاره يومه وليلته، فلما كان في اليوم الآخر جاء ~~الرجل، فقال له إسماعيل: ما زلت هنا في انتظارك منذ أمس، وقد ~~فعل مثله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، خرجه ~~الترمذي وغيره. # قال سفيان بن عيينة: أسوأ الكذب إخلاف الميعاد، ~~ورمي الأبرياء بالتهم. # و { أهله } المراد بهم قومه، وأمته؛ قاله الحسن. # وفي مصحف ابن مسعود: «وكان يأمر قومه». # وإدريس عليه السلام من أجداد نوح عليه السلام. # و { ورفعناه مكانا عليا } قالت فرقة من العلماء: رفع ~~إلى السماء. # قال ابن عباس: كان ذلك بأمر الله تعالى. # وقوله: { وبكيا } قالت فرقة: جمع باك، وقالت فرقة: هو مصدر ~~بمعنى البكاء؛ التقدير: وبكوا بكيا. # واحتج الطبري، ومكي لهذا القول؛ بأن عمر رضي الله عنه قرأ ~~سورة مريم، فسجد ثم قال: هذا السجود، فأين البكى؟ يعني: ~~البكاء. # قال * ع *: ويحتمل أن يريد عمر رضي الله عنه فأين الباكون؟ وهذا ~~الذي ذكروه عن عمر، ذكره أبو حاتم، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [19.59-63] # وقوله تعالى: ms0902 { فخلف من بعدهم خلف... } الآية، الخلف، ~~ [بسكون] اللام مستعمل إذا كان الآتي مذموما؛ هذا مشهور ~~كلام العرب، والمراد بالخلف: من كفر وعصى بعد من بني ~~إسرائيل، ثم يتناول معنى الآية من سواهم إلى يوم القيامة، وإضاعة ~~الصلاة يكون بتركها وبجحدها، وبإضاعة أوقاتها. # وروى أبو داود الطيالسي «في مسنده» بسنده عن عبادة بن ~~الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحسن الرجل الصلاة، فأتم ركوعها، ~~وسجودها، قالت الصلاة: حفظك الله؛ كما حفظتني، ~~وترفع، وإذا أساء الصلاة؛ فلم يتم ركوعها، ولا ~~سجودها، قالت الصلاة: ضيعك الله؛ كما ضيعتني، ~~وتلف كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجهه " # انتهى من «التذكرة» والشهوات: عموم، والغي: الخسران؛ قاله ~~ابن زيد. # وقد يكون الغي بمعنى الضلال، والتقدير: يلقون جزاء الغي. # وقال عبد الله بن عمرو، وابن مسعود: الغي: واد في جهنم، وبه ~~وقع التوعد في هذه الآية. # وقال * ص *: الغي عندهم كل شر؛ كما أن الرشاد كل خير. [انتهى]. # و { جنت عدن }: بدل من الجنة في قوله { يدخلون ~~الجنة }. # وقوله { بالغيب } ، أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم، وفي هذا ~~مدح لهم على سرعة إيمانهم وبدارهم إذ لم يعاينوا، و { مأتيا } ~~مفعول على بابه. # وقال جماعة من المفسرين: هو مفعول في اللفظ؛ بمعنى فاعل؛ ف { ~~مأتيا } بمعنى آت، وهذا بعيد. # * ت *: بل هو الظاهر، وعليه اعتمد * ص *. # واللغو: السقط من القول. # وقوله { بكرة وعشيا } يريد في التقدير. ### || [19.64-65] # وقوله عز وجل: { وما نتنزل إلا بأمر ربك... } ~~الآية، قال ابن عباس، وغيره: سبب هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبطأ عنه جبريل عليه السلام مدة فلما جاءه قال: # " يا جبريل، قد اشتقت إليك، أفلا تزورنا أكثر ~~مما تزورنا " # فنزلت هذه الآية. # وقال الضحاك، ومجاهد: سببها أن جبريل تأخر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند قوله في السؤالات المتقدمة في سورة ~~الكهف: «غدا أخبركم». # وقال الداوودي عن مجاهد: أبطأت الرسل عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم أتى جبريل عليه السلام قال: ms0903 ما حبسك؟ قال: وكيف ~~نأتيكم. وأنتم لا تقصون أظفاركم. ولا تأخذون ~~شواربكم ولا تستاكون، وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك. انتهى. # وقد جاءت في فضل السواك آثار كثيرة، فمنها: ما رواه البزار في ~~«مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي، قام الملك ~~خلفه، فيسمع لقراءته، فيدنو منه حتى يضع ~~فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن ~~إلا صار في جوف الملك " # انتهى من «الكوكب الدري». # وفيه: عن ابن أبي شيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " صلاة على إثر سواك أفضل من سبعين صلاة ~~بغير سواك " # انتهى. # وفي «البخاري»: أن السواك مطهرة للفم، مرضاة ~~للرب. اه. # وقوله سبحانه: { له ما بين أيدينا... } الآية، المقصود بهذه ~~الآية الإشعار بملك الله تعالى لملائكته، وأن قليل تصرفهم، ~~وكثيره إنما هو بأمره وانتقالهم من مكان إلى مكان إنما [هو] ~~بحد منه. # وقوله: { وما كان ربك نسيا } أي: ممن يلحقه نسيان ~~لبعثنا إليك، ف { نسيا }. فعيل من النسيان، وهو الذهول ~~عن الأمور. # وقرأ ابن مسعود: «وما نسيك ربك». # وقوله { سميا } قال قوم: معناه موافقا في الاسم. # قال * ع *: وهذا يحسن فيه أن يريد بالاسم ما تقدم من قوله { ~~رب السموت والأرض وما بينهما } أي: هل تعلم من يسمى ~~بهذا، أو يوصف بهذه الصفة؛ وذلك أن الأمم والفرق لا يسمون بهذا ~~الاسم وثنا، ولا شيئا سوى الله تعالى. # قال القشيري في «التحبير»: قوله تعالى: { واصطبر ~~لعبدته }: الاصطبار: نهاية الصبر ومن صبر، ظفر، ~~ومن لازم، وصل؛ وفي معناه أنشدوا: [البسيط]. # لا تيئسن وإن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته # ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # وأنشدوا: [البسيط] # إني رأيت وفي الأيام تجربة # للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في شيء يحاوله # واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر # انتهى. # وقال ابن عباس، وغيره: { سميا } معناه: مثيلا، أو شبيها، ~~ونحو ذلك؛ وهذا قول حسن، وكأن السمي بمعنى: المسامي، والمضاهي؛ ms0904 فهو ~~من السمو. ### || [19.66-70] # وقوله تعالى: { ويقول الإنسن أءذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا } ، الإنسان: اسم جنس يراد به الكافرون، وروي أن ~~سبب نزول هذه الآية هو: أن رجالا من قريش كانوا يقولون هذا ونحوه، ~~وذكر: أن القائل هو أبي بن خلف. # وروي أن القائل هو العاصي بن وائل، وفي قوله تعالى: { ولم ~~يك شيئا } دليل على أن المعدوم لا يسمى شيئا. # وقال: أبو علي الفارسي: أراد شيئا موجودا. # قال * ع *: وهذه من أبي علي نزعة اعتزالية؛ [فتأملها]، والضمير في { ~~لنحشرنهم } عائد على الكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر ~~تعالى: أنه يقرن بهم الشياطين المغوين لهم، و { جثيا } جمع ~~جاث، فأخبر سبحانه: أنه يحضر هؤلاء المنكرين البعث مع الشياطين ~~[المغوين]، فيجثون حول جهنم؛ وهو قعود لخائف الذليل على ~~ركبتيه كالأسير، ونحوه. # قال ابن زيد: الجثي: شر الجلوس، و«الشيعة»: الفرقة ~~المرتبطة بمذهب واحد، المتعاونة فيه، فأخبر سبحانه أنه ينزع من ~~كل شيعة أعتاها وأولاها بالعذاب، فتكون مقدمتها إلى النار. # قال أبو الأحوص: المعنى: نبدأ بالأكابر جرما، وأي وهنا ~~بنيت لما حذف الضمير العائد عليها من صدر صلتها، وكان ~~التقدير: أيهم هو أشد، و { صليا }: مصدر صلي يصلى ~~إذا باشره. ### || [19.71-74] # وقوله عز وجل: { وإن منكم إلا واردها } قسم، والواو ~~تقتضيه، ويفسره قوله صلى الله عليه وسلم: # " من مات له ثلاثة أولاد، لم تمسه النار إلا ~~تحلة القسم " # وقرأ ابن عباس، وجماعة: «وإن منهم» بالهاء على إرادة ~~الكفار. # قال * ع *: ولا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين ~~«منكم». المعنى: قل لهم يا محمد، فالخطاب ب { منكم } ~~للكفرة، وتأويل هؤلاء أيضا سهل التناول. # وقال الأكثر: المخاطب العالم كله، ولا بد من ورود الجميع، ~~ثم اختلفوا في في كيفية ورود المؤمنين، فقال ابن عباس، ~~وابن مسعود، وخالد بن معدان، وابن جريج، وغيرهم: هو ورود ~~دخول، لكنها لا تعدو عليهم، ثم يخرجهم الله عز وجل منها بعد ~~معرفتهم حقيقة ما نجوا منه. # وروى جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه ms0905 وسلم أنه قال: # " الورود في هذه الآية هو الدخول " # ، وقد أشفق كثير من العلماء من تحقق الورود مع الجهل ~~بالصدر جعلنا الله تعالى من الناجين بفضله ورحمته -، وقالت فرقة: ~~بل هو ورود إشراف، واطلاع، وقرب، كما تقول: وردت الماء؛ ~~إذا جئته، وليس يلزم أن تدخل فيه، قالوا: وحسب المؤمن بهذا ~~هولا؛ ومنه قوله تعالى: # ولما ورد ماء مدين # [القصص: الآية 23]. # وروت فرقة أثرا: أن الله تعالى يجعل النار يوم القيامة جامدة ~~الأعلى كأنها إهالة فيأتي الخلق كلهم؛ برهم وفاجرهم فيقفون ~~عليها, ثم تسوخ بأهلها, ويخرج المؤمنون الفائزون, لم ينلهم ضر, ~~قالوا فهذا هو الورود. # قال المهدوي: وعن قتادة قال: يرد الناس جهنم وهي سوداء ~~مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم، فنجوا منها، ~~وأما الكفار فأوبقتهم سيئاتهم، واحتبسوا بذنوبهم. [انتهى]. # وروت حفصة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية ~~قالت: فقلت: يا رسول الله، وأين قول الله تعالى: ~~{ وإن منكم إلا واردها } فقال صلى الله عليه وسلم: ~~فمه، { ثم ننجي الذين اتقوا } " # ورجح الزجاج هذا القول؛ بقوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون # [الأنبياء:101]. # * ت *: وحديث حفصة هذا أخرجه مسلم، وفيه: «أفلم تسمعيه ~~يقول: { ثم ننجي الذين اتقوا }. # وروى ابن المبارك في «رقائقه» أنه لما نزلت هذه الآية { وإن ~~منكم إلا واردها } ذهب ابن رواحة إلى بيته فبكى: [فجاءت ~~امرأته، فبكت]، وجاءت الخادم فبكت، وجاء أهل ~~البيت فجعلوا يبكون، فلما انقضت عبرته، قال: ~~يا أهلاه، ما يبكيكم، قالوا: لا ندري، ولكن ~~رأيناك بكيت فبكينا، فقال: آية نزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبئني فيها ربي أني ~~وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذلك ~~الذي أبكاني. # انتهى. # وقال ابن مسعود: ورودهم: هو جوازهم على الصراط، وذلك ~~أن الحديث الصحيح تضمن أن الصراط مضروب على متن جهنم. # والحتم: الأمر المنفد المجزوم، و { الذين اتقوا }: معناه ~~اتقوا الكفر { ونذر } دالة على أنهم كانوا فيها. # قال أبو ms0906 عمر بن عبد البر في «التمهيد» بعد أن ذكر رواية ~~جابر، وابن مسعود في الورود، وروي عن كعب أنه تلا؟ { وإن ~~منكم إلا واردها } فقال: أتدرون ما ورودها؟ إنه ~~يجاء بجهنم فتمسك للناس كأنها متن إهالة: يعني: الودك الذي ~~يجمد على القدر من المرقة، حتى إذا استقرت عليها أقدام ~~الخلائق: برهم وفجارهم، نادى مناد: أن خذي أصحابك، ~~وذري أصحابي، فيخسف بكل ولي لها، فلهي أعلم بهم ~~من الوالدة بولدها، وينجو المؤمنون ندية ثيابهم. # وروي هذا المعنى عن أبي نضرة، وزاد: وهو معنى قوله تعالى: # فاستبقوا الصرط فأنى يبصرون # [يس:66]. انتهى. # وقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ~~قال الذين كفروا للذين ءامنوا أي الفريقين ~~خير مقاما... } الآية، هذا افتخار من كفار قريش؛ وأنه إنما ~~أنعم الله عليهم؛ لأجل أنهم على الحق بزعمهم. والندي، ~~والنادي: المجلس، ثم رد الله تعالى حجتهم وحقر أمرهم؛ ~~فقال تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن ~~أثثا ورءيا } أي: فلم يغن ذلك عنهم شيئا، والأثاث: ~~المال العين، والعرض والحيوان. # وقرأ نافع وغيره: «ورءيا» بهمزة بعدها ياء؛ من رؤية العين. # قال البخاري: ورءيا: منظرا. # وقرأ نافع أيضا، وأهل المدينة: «وريا» بياء مشددة، فقيل: هي ~~بمعنى القراءة الأولى، وقيل: هي بمعنى الري في السقيا؛ إذ ~~أكثر النعمة من الري والمطر. # وقرأ ابن جبير، وابن عباس، ويزيد البريري: «وزيا» بالزاي ~~المعجمة؛ بمعنى: الملبس. ### || [19.75-76] # قوله سبحانه: { قل من كان في الضللة فليمدد له ~~الرحمن مدا } ، فيحتمل أن يكون بمعنى الدعاء ~~والابتهال؛ كأنه يقول: الأضل منا ومنكم مد الله له، أي: ~~أملى له؛ حتى يؤول ذلك إلى عذابه، ويحتمل أن يكون بمعنى ~~الخبر؛ أنه سبحانه هذه عادته: الإملاء للضالين: { حتى ~~إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب } ، أي: في الدنيا ~~بنصر الله للمؤمنين عليهم، { وإما الساعة } فيصيرون إلى ~~النار، والجند الناصرون: القائمون بأمر الحرب، و { شر ~~مكانا } بإزاء قولهم { خير مقاما } و { أضعف جندا } ~~بإزاء قولهم: { أحسن نديا } ولما ذكر سبحانه ضلالة الكفرة ~~وافتخارهم بنعم الدنيا عقب ذلك بذكر نعمة ms0907 الله على ~~المؤمنين في أنه يزيدهم هدى في الارتباط بالأعمال الصالحة، ~~والمعرفة بالدلائل الواضحة، # " وقد تقدم تفسير الباقيات الصالحات عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «وأنها: سبحان الله، والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر» وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ~~الدرداء: «خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال ~~بينك، وبينهن؛ فهن الباقيات الصالحات، وهن ~~من كنوز الجنة» " # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " خذوا جنتكم، قالوا: يا رسول الله، أمن عدو ~~حضر؟ قال: من النار، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ ~~قال: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر، وهن الباقيات الصالحات ". # وكان أبو الدرداء يقول إذا ذكر هذا الحديث: لأهللن، ~~ولأكبرن الله، ولأسبحنه حتى إذا رآني الجاهل ~~ظنني مجنونا. # * ت *: ولو ذكرنا ما ورد من صحيح الأحاديث في هذا الباب، لخرجنا ~~بالإطالة عن مقصود الكتاب. ### || [19.77-79] # وقوله سبحانه: { أفرأيت الذي كفر بآيتنا } هو ~~العاصي بن وائل السهمي؛ قاله جمهور المفسرين، وكان خبره ~~أن خباب بن الأرت كان قينا في الجاهلية، فعمل له عملا، ~~واجتمع له عنده دين؛ فجاءه يتقاضاه، فقال له العاصي: لا أقضيك ~~حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: لا أكفر بمحمد حتى يميتك ~~الله، ثم يبعثك؛ فقال العاصي: أو مبعوث أنا بعد الموت؟! فقال: نعم، ~~فقال: فإنه إذا كان ذلك، فسيكون لي مال، وولد، وعند ذلك أقضيك ~~دينك؛ فنزلت الآية في ذلك. # وقال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة. # قال: * ع *: وقد كانت للوليد أيضا، أقوال تشبه هذا الغرض. # * ت *: إلا أن المسند الصحيح في «البخاري» هو الأول. # وقوله: { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } معناه ~~بالأيمان، والأعمال الصالحات. # { وكلا } زجر، ورد، وهذا المعنى لازم ل «كلا»، ثم أخبر ~~سبحانه: أن قول هذا الكافر سيكتب على معنى حفظه عليه، ومعاقبته ~~وبه ومد العذاب؛ هو إطالته وتعظيمه. ### || [19.80-83] # وقوله سبحانه: { ونرثه ما يقول } أي: هذه الأشياء التي سمى ~~أنه يؤتاها في الآخرة، يرث الله ماله منها في الدنيا؛ بإهلاكه، ~~وتركه لها، فالوراثة مستعارة. ms0908 # وقال النحاس: { نرثه ما يقول } معناه: نحفظه عليه؛ لنعاقبه به؛ ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " العلماء ورثة الأنبياء " # أي: حفظة ما قالوا. # قال * ع *: فكأن هذا المجرم يورث هذه المقالة. # وقوله: { ويكونون عليهم ضدا } معناه: يجدونهم خلاف ما ~~كانوا أملوه في معبوداتهم؛ فيؤول ذلك بهم إلى ذلة، وضد ~~ما أملوه من العز، وغيره، وهذه صفة عامة. # و { تؤزهم } معناه: تقلقهم وتحركهم إلى الكفر والضلال. # قال قتادة: تزعجهم إزعاجا، وقال ابن زيد: تشليهم إشلاء، ~~ومنه: أزيز القدر، وهو غليانه وحركته؛ ومنه الحديث: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يصلي، ~~وهو يبكي، ولصدره أزيز كأزيز المرجل ". # * ت *: هذا الحديث خرجه مسلم، وأبو داود عن مطرف عن ~~أبيه. # وقال العراقي: { تؤزهم } أي: تدفعهم: انتهى. ### || [19.84-87] # وقوله سبحانه: { فلا تعجل عليهم } أي: لا تستبطىء ~~عذابهم. # وقوله تعالى: { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا }. # قال * ع *: وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب، وإنما هي ~~النهوض إلى الجنة، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار. # و { وفدا } قال المفسرون: معناه ركبانا، وهي عادة الوفود؛ لأنهم ~~سراة الناس، وأحسنهم شكلا، وإنما شبههم بالوفد هيئة، ~~وكرامة. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنهم يجيئون ركبانا على ~~النوق المحلاة بحلية الجنة: خطمها من ياقوت، وزبرجد، ~~ونحو هذا. # وروى عمرو بن قيس الملائي: أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم ~~الصالحة، وهي في غاية الحسن. # وروي: أنه يركب كل واحد منهم ما أحب؛ فمنهم: من يركب الإبل، ~~ومنهم: من يركب الخيل، ومنهم من يركب السفن، فتجيء عائمة ~~بهم، وقد ورد في «الضحايا»: أنها مطاياكم إلى الجنة؛ ~~وأكثر هذه فيها ضعف من جهة الإسناد، والسوق: يتضمن ~~هوانا، والورود: العطاش؛ قاله ابن عباس وأبو هريرة، والحسن. # واختلف في الضمير في قوله: { لا يملكون } فقالت فرقة: ~~هو عائد على { المجرمين } أي: لا يملكون أن يشفع لهم؛ وعلى ~~هذا فالاستثناء منقطع، أي: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يشفع ~~له. # والعهد على هذا الأيمان، وقال ابن عباس: العهد: لا إله إلا ms0909 ~~الله، وفي الحديث: يقول الله تعالى يوم القيامة: # " من كان له عندي عهد، فليقم ". # قال * ع *: ويحتمل: أن يكون المجرمون يعم الكفرة والعصاة، ~~أي: إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا من عصاة المؤمنين؛ فإنه ~~يشفع لهم، ويكون الاستثناء متصلا. # وقالت فرقة: الضمير في { لا يملكون } للمتقين. # وقوله: { إلا من اتخذ... } الآية أي: إلا من كان له عمل ~~صالح مبرور؛ [فيشفع] فيشفع، وتحتمل الآية أن يراد ب ~~«من» النبي صلى الله عليه وسلم وبالشفاعة الخاصة له العامة في ~~أهل الموقف، ويكون الضمير في { لا يملكون } لجميع أهل ~~الموقف؛ ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة إذ ~~ذاك، حتى تصير إليه صلى الله عليه وسلم. ### || [19.88] # وقوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا }. # قال الباجي في «سنن الصالحين» له روي عن ابن مسعود، أنه ~~قال: إن الجبل ليقول للجبل: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر ~~لله تعالى؟ فإن قال: نعم، سر به، ثم قرأ عبد الله: { ~~وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا } إلى قوله: { وتخر الجبال هدا أن دعوا ~~للرحمن ولدا } قال: أترونها تسمع الزور، ولا تسمع ~~الخير. انتهى. # وهكذا رواه ابن المبارك في «رقائقه» وما ذكره ابن مسعود لا يقال ~~من جهة الرأي، وقد روي عن أنس، وغيره نحوه. # قال الباجي بإثر الكلام المتقدم: وروى جعفر بن زيد، عن ~~أنس بن مالك: أنه قال: ما من صباح ولا رواح إلا ~~وتنادي بقاع الأرض بعضها بعضا: أي جارة، هل مر بك ~~اليوم عبد يصلي أو يذكر الله؟ فمن قائلة: لا، ومن ~~قائلة: نعم، فإذا قالت: نعم، رأت لها فضلا بذلك. انتهى. ### || [19.89-96] # وقوله سبحانه: { لقد جئتم شيئا إدا } الآية، الإد: ~~الأمر الشنيع الصعب. # * ت *: وقال العراقي: «إدا»، أي: عظيما، انتهى. # والانفطار: الانشقاق، والهد: الانهدام، قال محمد بن ~~كعب: كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة. # وقوله: { إن كل من في السموت... } الآية، إن نافية ~~بمعنى ما. # وقوله: { فردا } يتضمن عدم النصير، والحول والقوة، أي: ~~لا مجير له مما يريد الله ms0910 به. # وعبارة الثعلبي: «فردا» أي: وحيدا بعمله، ليس معه من الدنيا ~~شيء. اه. # * ت *: وهذه الآية تنظر إلى قوله تعالى # ولقد جئتمونا فرادى... # الآية [الأنعام:94]. # وقوله تعالى: { سيجعل لهم الرحمن ودا } ذهب أكثر ~~المفسرين إلى: أن هذا الود هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من ~~عباده؛ حسبما في الحديث الصحيح المأثور، وقال عثمان بن عفان - ~~رضي الله عنه-: أنها بمنزلة قول النبي صلى الله عليه وسلم # " من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ". # * ت *: والحديث المتقدم المشار إليه أصله في «الموطإ» ولفظه: ~~مالك، عن سهيل بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا أحب الله العبد قال لجبريل، يا جبريل قد ~~أحببت فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي ~~في أهل السماء: إن الله أحب فلانا، فأحبوه، ~~فيحبه أهل السماء، ثم يضع له القبول في ~~الأرض ". # وإذا أبغض العبد، قال مالك: لا أحسبه إلا قال في ~~البغض مثل ذلك. # قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»، وممن روى هذا الحديث ~~عن سهيل، بإسناده هذا فذكر البغض من غير شك معمر وعبد العزيز ~~بن المختار، وحماد بن سلمة، قالوا في آخره: وإذا أبغض بمثل ذلك، ~~ولم يشكوا. # قال أبو عمر: وقد قال المفسرون في قوله تعالى: { سيجعل ~~لهم الرحمن ودا }: يحبهم ويحببهم إلى الناس، وقاله ~~مجاهد، وابن عباس، ثم أسند أبو عمر عن كعب أنه قال: والله ~~ما استقر لعبد ثناء في أهل الدنيا حتى يستقر له في ~~أهل السماء. # قال كعب: وقرأت في التوراة أنه لم تكن محبة لأحد من أهل ~~الأرض إلا كان بدأها من الله عز وجل ينزلها على أهل ~~السماء، ثم ينزلها على أهل الأرض، ثم قرأت القرآن، فوجدت فيه: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا } وأسند أبو عمر، عن قتادة قال: قال هرم ~~بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا أقبل ~~الله بقلوب أهل الإيمان عليه حتى يرزقه مودتهم ~~ورحمتهم. ms0911 انتهى. # قال ابن المبارك في «رقائقه»:أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ~~ثابت قال: # " قيل: يا رسول الله، من أهل الجنة؟ قال: من لا ~~يموت حتى يملأ الله سمعه مما يحب قال: فقيل: يا ~~رسول الله، من أهل النار؟ قال: من لا يموت حتى ~~يملأ الله سمعه مما يكره " # انتهى. # قال * ع *: وفي حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من عبد إلا وله في السماء صيت، فإن كان ~~حسنا، وضع في الأرض حسنا، وإن كان سيئا وضع في ~~الأرض سيئا ". # * ت *: وهذا الحديث خرجه أبو داود في كتاب «الزهد». ### || [19.97-98] # وقوله تعالى: { فإنما يسرنه بلسانك } أي: القرآن { ~~لتبشر به المتقين } أي: بالجنة، والنعيم الدائم، ~~والعز في الدنيا. # و { قوما لدا } هم: قريش، ومعناه: مجادلين مخاصمين، ~~والألد: المخاصم المبالغ في ذلك، ثم مثل لهم بإهلاك من ~~قبلهم إذ كانوا أشد منهم، وألد وأعظم قدرا، و«الركز»: ~~الصوت الخفي. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # قوله سبحانه وتعالى: { طه * مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } قيل: طه: آسم من أسماء نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل: معناه: يا رجل؛ بالسريانية، وقيل: بغيرها ~~من لغات العجم. # قال البخاري: قال ابن جبير: { طه }: يا رجل، بالنبطية. ~~انتهى. # وقيل: إنها لغة يمانية في «عك»؛ وأنشد الطبري في ذلك: ~~[الطويل] # دعوت ب «طه» في القتال فلم يجب # فخفت عليه أن يكون موائلا # وقال آخر: [البسيط] # إن السفاهة طه من خلائقكم # لا بارك الله في القوم الملاعين # وقالت فرقة من العلماء: سبب نزول هذه الآية أن قريشا لما ~~نظرت إلى عيش النبي صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته؛ ~~قالت: إن محمدا مع ربه في شقاء فنزلت الآية؛ رادة عليهم. # وأسند عياض في «الشفا» من طريق أبي ذر الهروي، عن الربيع بن ~~أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، قام على ~~رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله؛ { طه } يعني: طإ الأرض ~~يا محمد، { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } ولا ~~خفاء بما في هذا كله ms0912 من الإكرام له صلى الله عليه وسلم وحسن ~~المعاملة. انتهى. # قال * ص *: { لتشقى * إلا تذكرة } علتان لقوله: { ~~ما أنزلنا }. انتهى. # وقد تقدم القول في مسألة الاستواء، وباقي الآية بين. # قال ابن هشام: قوله تعالى: { وإن تجهر بالقول } أي: ~~فاعلم أنه غني عن جهرك؛ { فإنه يعلم السر وأخفى } ~~، فالجواب محذوف. انتهى. ### || [20.9-14] # وقوله سبحانه: { وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا ~~فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي ~~آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى } هذا ~~الاستفهام توقيف مضمنه: تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، ~~وهذا كما تبدأ الرجل إذا أردت إخباره بأمر غريب؛ فتقول: ~~أعلمت كذا، وكذا، ثم تبدأ تخبره. # وكان من قصة موسى - عليه السلام - أنه رحل من مدين بأهله بنت ~~شعيب - عليه السلام - وهو يريد أرض مصر، وقد طالت مدة جنايته ~~هنالك، فرجا خفاء أمره، وكان فيما يزعمون رجلا غيورا، ~~فكان يسير الليل بأهله، ولا يسير بالنهار مخافة كشفة ~~الناس، فضل عن طريقه في ليلة مظلمة، فبينما هو كذلك، وقد ~~قدح بزنده، فلم يور شيئا { إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا } ، أي: أقيموا، وذهب هو إلى النار، فإذا هي مضطرمة ~~في شجرة خضراء يانعة، قيل: كانت من عناب، وقيل: من ~~عوسج، وقيل: من عليق، فكلما دنا منها، تباعدت منه، ~~ومشت فإذا رجع عنها اتبعته، فلما رأى ذلك أيقن أن هذا ~~من أمور الله الخارقة للعادة، ونودي، وانقضى أمره ~~كله في تلك الليلة؛ هذا قول الجمهور، وهو الحق، وما حكي عن ~~ابن عباس: أنه قال: أقام في ذلك الأمر حولا، فغير صحيح ~~عن ابن عباس. # و { آنست }: معناه: أحسست، والقبس: الجذوة من النار، تكون ~~على رأس العود. # والهدى: أراد هدى الطريق، أي: لعلي أجد مرشدا لي، أو ~~دليلا. # وفي قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم عما لقي في تبليغه من المشقات صلى الله عليه وسلم ~~والضمير في قوله: { أتاها }: عائد على النار. # وقوله: «نودي»: كناية عن تكليم الله تعالى له (عليه ms0913 السلام). # وقرأ نافع وغيره: إني بكسر الهمزة على الابتداء، وقرأ ~~أبو عمرو، وابن كثير: «أني» بفتحها على معنى: لأجل ~~أني أنا ربك، فاخلع نعليك. # واختلف في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين: فقالت ~~فرقة: كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بطرح ~~النجاسة. # وقالت فرقة: بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي؛ لكن ~~أمر بخلعهما لينال بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه ~~تربة الوادي. # قال * ع *: وتحتمل الآية معنى آخر، هو الأليق بها عندي؛ وهو: ~~أن الله تعالى أمره أن يتأدب، ويتواضع؛ لعظم الحال التي ~~حصل فيها، والعرف عند الملوك: أن تخلع النعلان، ~~ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى - عليه السلام - ~~أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كيف كانت نعلاه من ~~ميتة أو غيرها. # و { المقدس }: معناه المطهر، و { طوى }: معناه مرتين. # فقالت فرقة: معناه قدس مرتين، وقالت فرقة: معناه طويت لك ~~الأرض مرتين من ظنك. # قال الفخر: وقيل: إن طوى اسم واد بالشام، وهو عند الطور ~~الذي أقسم الله به في القرآن. # وقيل: إن { طوى } بمعنى: يا رجل، بالعبرانية، كأنه ~~قيل: يا رجل اذهب إلى فرعون. انتهى. # «من تفسيره لسورة والنازعات». # قال * ع *: وحدثني أبي - رحمه الله - قال: سمعت أبا الفضل بن ~~الجوهري - رحمه الله تعالى - يقول: لما قيل لموسى: استمع لما يوحى، ~~وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله ~~وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع، وكان كل لباسه صوفا. # وقوله تعالى: { وأقم الصلوة لذكري }: يحتمل أن يريد: ~~لتذكرني فيها، أو يريد: لأذكرك في عليين بها، فالمصدر ~~محتمل الإضافة إلى الفاعل، أو المفعول. # وقالت فرقة: معنى قوله { لذكري } أي: عند ذكرى، أي: إذا ~~ذكرتني، وأمري لك بها. # * ت *: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك ~~وقتها؛ قال الله تعالى: { أقم الصلوة لذكري } " # انتهى. # فقد بين له صلى الله عليه وسلم ما تحتمله الآية، والله الموفق ~~بفضله؛ وهكذا استدل ابن العربي هنا بالحديث، ولفظه: وقد ms0914 روى مالك ~~وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها؛ ~~فإن الله تعالى يقول: { أقم الصلوة لذكري } " # انتهى. # من «الأحكام». وقرأت فرقة: «للذكرى»، وقرأت فرقة: ~~«للذكر»، وقرأت فرقة: «لذكرى» بغير تعريف. ### || [20.15-36] # وقوله تعالى: { إن الساعة }: يريد: القيامة آتية، فيه تحذير ~~ووعيد. # وقرأ ابن كثير، وعاصم: «أكاد أخفيها» - بفتح الهمزة - بمعنى: ~~أظهرها، أي: إنها من تيقن وقوعها تكاد تظهر، لكن تنحجب ~~إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول: خفيت الشيء بمعنى: ~~أظهرته. # وقرأ الجمهور: «أخفيها» - بضم الهمزة - فقيل: معناه: أظهرها، ~~وزعموا: أن «أخفيت» من الأضداد. # وقالت فرقة: { أكاد } بمعنى أريد، أي: أريد إخفاءها عنكم؛ ~~لتجزى كل نفس بما تسعى، واستشهدوا بقول الشاعر: [الكامل] # كادت وكدت وتلك خير إرادة # ................. # وقالت فرقة: أكاد: على بابها بمعنى: بأنها مقاربة ما لم يقع لكن ~~الكلام جار على استعارة العرب، ومجازها، فلما كانت الآية ~~عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها، وكان القطع ~~بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس؛ بالغ ~~سبحانه في إبهام وقتها، فقال: { أكاد أخفيها }؛ ~~حتى لا تظهر ألبتة، ولكن ذلك لا يقع، ولا بد من ظهورها، ~~وهذا التأويل هو الأقوى عندي. # وقوله سبحانه: { فلا يصدنك عنها }: أي: عن الإيمان ~~بالساعة، ويحتمل عود الضمير على الصلاة. # وقوله: { فتردى }: معناه فتهلك، والردى: الهلاك، وهذا ~~الخطاب كله لموسى عليه السلام، وكذلك ما بعده. # وقال النقاش: الخطاب ب { لا يصدنك }: لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهذا بعيد. # وقوله سبحانه: { وما تلك بيمينك يموسى } تقرير مضمنه ~~التنبيه، وجمع النفس؛ لتلقى ما يورد عليها، وإلا فقد علم ~~سبحانه ما هي في الأزل. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وأجاب موسى عليه السلام بقوله: { ~~هي عصاي... } الآية, بأكثر مما وقع السؤال عنه؛ وهذا كقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته " # لمن سأله عن طهورية ماء البحر. انتهى. # * ت *: والمستحسن من الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال، أو ~~أعم منه؛ كما في الآية، والحديث، أما كونه أخص منه، فلا. ~~انتهى. ms0915 # { وأهش }: معناه: أخبط بها الشجر؛ حتى ينتثر الورق ~~للغنم، وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت ~~عصي الأنبياء عليهم السلام الذي كان عند شعيب عليه السلام ~~حين اتفقا على الرعي، وكانت عصا آدم عليه السلام، هبط بها من ~~الجنة، وكانت من العير الذي في ورق الريحان، وهو الجسم ~~المستطيل في وسطها، ولما أراد الله سبحانه تدريب موسى في ~~تلقي النبوءة، وتكاليفها، أمره بإلقاء العصا، فألقاها، فإذا ~~هي حية تسعى، أي تنتقل، وتمشي، وكانت عصا ذات ~~شعبتين، فصارت الشعبتان فما يلتقم الحجارة، فلما رآها ~~موسى رأى عبرة؛ فولى مدبرا ولم يعقب؛ فقال الله ~~تعالى له: { خذها ولا تخف } فأخذها بيده، فصارت عصا كما كانت ~~أول مرة؛ وهي سيرتها الأولى، { واضمم يدك إلى جناحك ~~} ، أي: جنبك. # قال * ع *: وكل مرعوب من ظلمة ونحوها فإنه إذا ضم يده ~~إلى جناحه، فتر رعبه، وربط جأشه، فجمع الله سبحانه لموسى عليه ~~السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد. # وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء؛ كأنها شمس ~~من غير سوء، أي: من غير برص، ولا مثلة، بل هو أمر ينحسر، ~~ويعود بحكم الحاجة إليه، ولما أمره الله تعالى بالذهاب ~~إلى فرعون، علم أنها الرسالة، وفهم قدر التكليف؛ فدعا الله في ~~المعونة؛ إذ لا حول له إلا به. # و { اشرح لي صدري } معناه: لفهم ما يرد علي من الأمور، ~~والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة في فيه، ~~حين جربه فرعون، وروي في ذلك: أن فرعون أراد قتل موسى، وهو ~~طفل حين مد يده عليه السلام إلى لحية فرعون، فقالت له ~~امرأته: إنه لا يعقل، فقال: بل هو يعقل، وهو عدوي، فقالت ~~له: نجربه، فقال لها: أفعل، فدعا بجمرات من النار، وبطبق ~~فيه ياقوت، فقالا: إن أخذ الياقوت، علمنا أنه يعقل، وإن أخذ ~~النار، عذرناه، فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها، فلم تعد على ~~يده، فجعلها في فيه، فأحرقته، وأورثت لسانه عقدة، ~~وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة ms0916 قدرا يفقه معه ~~قوله، فجائز أن تكون تلك العقدة قد زالت كلها، وجائز أن ~~يكون قد بقي منها القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله، وأن ~~يقول فرعون: # ولا يكاد يبين # [الزخرف:52]. # ولو فرضنا زوال العقدة جملة، لكان قول فرعون سبا لموسى ~~بحالته القديمة. # والوزير: المعين القائم بوزر الأمور, وهو ثقلها فيحتمل ~~الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل ~~هرون من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد: واجعل هرون ~~وزيرا، فيكون مفعولا أولا ل { اجعل } ، وكان هرون عليه ~~السلام أكبر من موسى عليه السلام بأربع سنين، والأزر: الظهر؛ ~~قاله أبو عبيدة. # وقوله: { كثيرا } نعت لمصدر محذوف، أي: تسبيحا كثيرا. ### || [20.37-46] # وقوله سبحانه: { ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ ~~أوحينآ إلى أمك ما يوحى } قيل: هو وحي إلهام، وقيل: ~~بملك، وقيل: برؤيا رأتها، وكان من قصة موسى عليه السلام فيما ~~روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يد غلام من ~~بني إسرائيل؛ فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، ثم ~~إنه رأى مع أهل مملكته: أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط ~~بالضرر؛ إذ هم كانوا عملة الأرض، والصناع، ونحو هذا؛ فعزم على ~~أن يقتل الولدان سنة، ويستحييهم سنة، فولد هرون ~~عليه السلام في سنة الاستحياء، ثم ولد موسى عليه السلام في ~~العام الرابع سنة القتل، فخافت عليه أمه؛ فأوحى الله ~~إليها: { أن اقذفيه في التابوت } فأخذت تابوتا فقذفت ~~فيه موسى راقدا في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون ~~جالسا في موضع يشرف منه على النيل إذ رأى التابوت ~~فأمر به، فسيق إليه، وامرأته معه، ففتح فرأوه فرحمته ~~امرأته؛ وطلبته لتتخذه ابنا، فأباح لها ذلك، ثم إنها عرضته ~~للرضاع، فلم يقبل امرأة فجعلت تنادي عليه في المدينة, ويطاف به ~~يعرض للمراضع, فكلما عرضت عليه امرأة أباها، وكانت أمه ~~قالت لأخته: # قصيه فبصرت به # [القصص:11] وفهمت أمره، فقالت لهم: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم، وهم له ناصحون، فتعلقوا بها، وقالوا: أنت تعرفين ~~هذا الصبي، ms0917 فأنكرت، وقالت: لا، غير أني أعلم من أهل ~~هذا البيت الحرص على التقرب إلى المملكة، والجد في خدمتها، ~~ورضاها، فتركوها وسألوها الدلالة، فجاءت بأم موسى، ~~فلما قربته، شرب ثديها، فسرت بذلك آسية امرأة فرعون ~~رضي الله عنها وقالت لها: كوني معي في القصر، فقالت لها: ما ~~كنت لأدع بيتي وولدي، ولكنه يكون عندي، فقالت: نعم، ~~فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية الإحسان، واعتز بنو إسرائيل ~~بهذا الرضاع، والسبب من المملكة, وأقام موسى عليه السلام حتى ~~كمل رضاعه، فأرسلت إليها آسية: أن جيئني بولدي ليوم كذا، ~~وأمرت خدمها، ومن معها أن يلقينه بالتحف، والهدايا، ~~واللباس؛ فوصل إليها على ذلك، وهو بخير حال وأجمل ثياب، فسرت ~~به، ودخلت به على فرعون؟ ليراه ويهب له فرآه وأعجبه، ~~وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون، وجبذها، ~~فاستشاط فرعون، وقال: هذا عدو لي، وأمر بذبحه، ~~فناشدته فيه امرأته، وقالت: إنه لا يعقل، فقال ~~فرعون: بل يعقل، فاتفقا على تجريبه بالجمرة ~~والياقوت؛ حسب ما تقدم، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى ~~أمه، فشب عندها، فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، ~~وكان فتى جلدا فاضلا كاملا، فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك ~~الرضاع، وكان يحميهم، ويكون ضلعه معهم، وهو يعلم من نفسه أنه ~~منهم، ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم أكيدة، وكان ~~يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل، ثم وقعت له قصة القبطي ~~المتقاتل مع الإسرائيلي على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعدد ~~الله سبحانه على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة: من ~~لطفه سبحانه به في كل فصل، وتخليصه من قصة إلى أخرى، ~~وهذه الفتون التي فتنه بها، أي: اختبره بها، وخلصه حتى صلح ~~للنبوة، وسلم لها. # وقوله { ما يوحى } إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته وهذا ~~كقوله تعالى: # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم:16] # فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم:10]. وهو كثير في القرآن، والكلام الفصيح. # وقوله: { فليلقه اليم بالساحل } خبر خرج في صيغة ~~الأمر مبالغة؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " قوموا ms0918 فلأصل لكم " # فأخرج الخبر في صيغة الأمر لنفسه، مبالغة، وهذا كثير، ~~والمراد بالعدو في الآية: فرعون ثم أخبر تعالى موسى عليه السلام ~~أنه ألقى عليه محبة منه. # قالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار ~~عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر؛ وهذا أقوى ما ~~قيل هنا من الأقوال. # وقرأ الجمهور: «ولتصنع» بكسر اللام، وضم التاء؛ على معنى: ~~ولتغذى، وتطعم، وتربى. # وقوله: { على عيني } معناه: بمرأى مني. # وقوله: { على قدر } أي: لميقات محدود للنبوءة التي قد ~~أرادها الله تعالى، { واصطنعتك }: معناه جعلتك موضع ~~الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان. # وقوله: { لنفسي } إضافة تشريف؛ وهذا كما تقول: بيت الله، ~~ونحوه: «والصيام لي» وعبر بالنفس عن شدة القرب وقوة ~~الاختصاص. # وقوله تعالى { ولا تنيا في ذكري } معناه: لا تبطئا وتضعفا؛ ~~تقول: ونى فلان في كذا، إذا تباطأ فيه عن ضعف، والوني: ~~الكلال، والفشل في البهائم والإنس. # وفي مصحف ابن مسعود: «ولا تهنا في ذكري» معناه: لا ~~تلينا؛ من قولك: هين لين. { فقولا له قولا ~~لينا } أي: حسنا له الكلمة مع إكمال الدعوة. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وفي الآية دليل على جواز ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر باللين لمن معه القوة، وفي ~~الإسرائيليات: أن موسى عليه السلام أقام بباب فرعون سنة لا ~~يجد من يبلغ كلامه حتى لقيه حين خرج، فجرى له ما قص ~~الله تعالى علينا من خبره؛ وكان ذلك تسلية لمن جاء بعده ~~من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين. انتهى. # وقولهما: { إننا نخاف أن يفرط } معناه: يعجل، ويتسرع إلينا ~~بمكروه. # وقوله عز وجل { إنني معكما } أي بالنصر والمعونة. ### || [20.47-54] # وقوله تعالى: { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ~~معنا بني إسرءيل ولا تعذبهم... } الآية جملة ما ~~دعي إليه فرعون الإيمان، وإرسال بني إسرائيل، وأما تعذيبه بني ~~إسرائيل، فبذبح أولادهم، وتسخيرهم وإذلالهم. # وقولهما: { والسلام على من اتبع الهدى } يحتمل أن ~~يكون آخر كلام؛ فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية؛ كأنهما ~~رغبا بها عنه، وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من ms0919 ~~القول. # ويحتمل أن يكون في درج القول، فيكون خبرا بأن السلامة للمهتدين، ~~وبهذين المعنيين قالت كل فرقة من العلماء. # وقوله سبحانه: { أعطى كل شيء خلقه } قالت فرقة: المعنى ~~أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته، وصورته، أي: أكمل ذلك له، وأتقنه { ~~ثم هدى } ، أي: يسر كل شيء لمنافعه؛ وهذا أحسن ما قيل هنا، ~~وأشرف معنى وأعم في الموجودات. # وقول فرعون: { فما بال القرون الأولى } يحتمل أن يريد ما ~~بال القرون الأولى لم تبعث لها، ولم يوجد أمرك عندها؟ ويحتمل أن يريد ~~فرعون قطع الكلام، والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الأمم؛ ~~روغانا في الحجة، وحيدة. # وقيل: البال: الحال، فكأنه سأله عن حالهم، وقول موسى [عليه السلام]: ~~{ علمها عند ربي في كتاب } يريد في اللوح المحفوظ، و ~~{ لا يضل }: معناه لا ينتلف ويعمه، «والأزواج» هنا: بمعنى الأنواع. # وقوله { شتى } نعت للأزواج، أي: مختلفة. # وقوله { كلوا وارعوا } بمعنى هي صالحة للأكل والرعي، فأخرج العبارة ~~في صيغة الأمر؛ لأنه أرجى الأفعال، وأهزها للنفوس. و { النهى } جمع ~~نهية، والنهية: العقل الناهي عن القبائح. ### || [20.55-66] # وقوله سبحانه: { منها خلقناكم } يريد من الأرض { وفيها ~~نعيدكم } أي: بالموت، والدفن. { ومنها نخرجكم } أي: ~~بالبعث ليوم القيامة. # وقوله: { ولقد أريناه آياتنا } إخبار لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله { كلها } عائد على الآيات التي رآها فرعون، لا أنه رأى كل ~~آية لله عز وجل وإنما المعنى: أن الله أراه آيات ما؛ كاليد، والعصا، ~~والطمسة، وغير ذلك. وكانت رؤيته لهذه الآيات مستوعبة يرى الآيات ~~كلها كاملة. ومعنى { سوى } أي: عدلا ونصفه، أي: حالنا فيه ~~مستوية. # وقالت فرقة: معناه مستويا من الأرض؛ لا وهد فيه، ولا نشز، فقال ~~موسى: { موعدكم يوم الزينة } وروي. أن يوم الزينة كان عيدا لهم، ~~ويوما مشهورا. # وقيل: هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. # وقوله: { وأن يحشر الناس } عطفا على { الزينة }؛ فهو في ~~موضع خفض. # { فتولى فرعون فجمع كيده } أي: جمع السحرة، وأمرهم ~~بالاستعداد لموسى، فهذا هو كيده. # { ثم أتى } فرعون بجمعه، فقال موسى ms0920 للسحرة: { ويلكم لا ~~تفتروا على الله كذبا } وهذه مخاطبة محذر، وندبهم ~~في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، ألا يباهتوا بكذب؛ { ~~فيسحتكم } أي: فيهلككم، ويذهبكم، فلما سمع السحرة هذه ~~المقالة، هالهم هذا المنزع، ووقع في نفوسهم من هيبته شديد الموقع. و ~~{ تنازعوا أمرهم } والتنازع يقتضي اختلافا كان بينهم في ~~السر؛ فقائل منهم يقول: هو محق، وقائل يقول: هو مبطل، ومعلوم أن ~~جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى عليه السلام و { النجوى } ~~المسارة، أي: كل واحد يناجي من يليه سرا؛ مخافة من فرعون أن يتبين ~~له فيهم ضعف. # وقالت فرقة: إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا. # { إن هذان لسحرن } قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة ~~والكسائي: «إن هذان لساحران» فقالت فرقة: قوله: «إن» بمعنى: نعم؛ ~~كما قال صلى الله عليه وسلم إن الحمد لله، برفع الحمد. # وقالت فرقة: إن هذه القراءة على لغة بلحارث بن كعب، وهي إبقاء ~~ألف التثنية في حال النصب، والخفض، وتعزى هذه اللغة لكنانة، ~~وتعزى لخثعم. # وقال الزجاج: في الكلام ضمير تقديره: إنه هذان لساحران # وقرأ أبو عمرو وحده: «إن هذين لساحران». # وقرأ ابن كثير: «إن هذان لساحران» بتخفيف إن، وتشديد نون ~~هذان لساحران. # وقرأ حفص عن عاصم: «إن» بالتخفيف «هذان» خفيفة أيضا ~~«لساحران». # وعبر كثير من المفسرين عن الطريقة بالسادة أهل العقل والحجا؛ ~~وحكوا أن العرب تقول: فلان طريقة قومه، أي: سيدهم، وإلا ظهر في ~~الطريقة هنا أنها السيرة، والمملكة، والحال التي كانوا عليها. # و { المثلى } تأنيث أمثل، أي: الفاضلة الحسنة. # وقرأ جمهور القراء: «فأجمعوا»: بقطع الهمزة، وكسر الميم؛ على ~~معنى: انفذوا، واعزموا. # وقرأ أو عمرو وحده «فاجمعوا» من جمع، أي: ضموا سحركم بعضه إلى ~~بعض. # وقوله { صفا } أي: مصطفين، وتداعوا إلى هذا؛ لأنه أهيب، وأظهر لهم، { ~~وأفلح } معناه: ظفر ببغيته، وباقي الآية بين مما تقدم. ### || [20.67-73] # وقوله: { فأوجس } عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في ~~أمر على شيء يسوؤه، وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر؛ وهذه العبارة ~~أعم من الوجيس بكثير. # { إنك ms0921 أنت الأعلى } أي الغالب، وروي في قصص هذه الآية: أن ~~فرعون (لعنه الله) جلس في علية له طولها ثمانون ذراعا، والناس ~~تحته في بسيط، وجاء سبعون ألف ساحر، فألقوا من حبالهم وعصيهم ~~ما فيه وقر ثلاث مئة بعير، فهال الأمر، ثم إن موسى عليه السلام ~~ألقى عصاه من يده، فاستحالت ثعبانا، وجعلت تنمو حتى روي أنها ~~عبرت النهر بذنبها، وقيل: البحر، وفرعون في هذا كله يضحك؛ ويرى أن ~~الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها، ثم ~~فغرت فاها نحو فرعون؛ ففزع عند ذلك؛ واستغاث بموسى، فمد موسى يده ~~إليها، فرجعت عصا كما كانت، فنظر السحرة، وعلموا الحق، ورأوا عدم ~~الحبال والعصي؛ فأيقنوا أن الأمر من الله عز وجل فآمنوا رضي ~~الله عنهم. # وقوله سبحانه: { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا ~~برب هارون وموسى * قال آمنتم له قبل أن ءاذن ~~لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل }. # قال * ص *: «في» على بابها، وقيل: بمعنى على. # * ت *: والأول أصوب. # { ولتعلمن أينآ } قوله: أينا؛ يريد نفسه، ورب ~~موسى عليه السلام. # وقال الطبري: يريد نفسه، وموسى، والأول أذهب مع مخرقة فرعون، ~~وباقي الآية بين، ثم قال السحرة لفرعون: { لن نؤثرك } أي: ~~لن نفضلك، ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله ~~تعالى، وآياته وعلي الذي فطرنا، هذا على قول جماعة: أن الواو في ~~قوله { والذي }: عاطفة. # وقالت فرقة: هي واو القسم، { وفطرنا } أي: خلقنا، واخترعنا، فافعل ~~يا فرعون ما شئت؛ وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا، والآخرة من ~~وراء ذلك لنا بالنعيم، ولك بالعذاب الأليم. # وهؤلاء السحرة اختلف الناس: هل نفذ فيهم وعيد فرعون، أم لا؟ ~~والأمر في ذلك محتمل. # وقولهم: { والله خير وأبقى } رد لقول فرعون: { أينا ~~أشد عذابا وأبقى }. ### || [20.74-79] # وقوله عز وجل: { إنه من يأت ربه مجرما فإن له ~~جهنم لا يموت فيها ولا يحيى... } الآية. # قالت فرقة: هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة ~~الموعظة له، والبيان فيما ms0922 فعلوه. # وقالت فرقة: بل هي من كلام الله عز وجل لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم تنبيها على قبح ما فعل فرعون، وحسن ما فعل السحرة، ~~وموعظة، وتحذيرا قد تضمنت القصة المذكورة مثاله. # وقوله: { لا يموت فيها ولا يحيى } مختص بالكافر؛ فإنه ~~معذب عذابا ينتهي به إلى الموت، ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد ~~جلده، ويجدد عذابه. # وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي، فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة ~~في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم، ولا يجدد عذابهم؛ ~~فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار، وفي الحديث الصحيح: # " أنهم يماتون فيها إماتة " # ، وهذا هو معناها؛ لأنه لا موت في الآخرة: و { تزكى } معناه: ~~أطاع الله، وأخذ بأزكى الأمور. # وقوله سبحانه: { ولقد أوحينا إلى موسى } هذا استئناف ~~إخبار عن شيء من أمر موسى، وباقي الآية بين، وقد تقدم ذكر ما يخصها ~~من القصص. # وقوله تعالى: { لا تخاف دركا } أي: من فرعون، وجنوده، { ولا ~~تخشى } غرقا من البحر. # وقوله { ما غشيهم } إبهام أهول من النص؛ وهذا كقوله: # إذ يغشى السدرة ما يغشى # [النجم:16] # { وأضل فرعون قومه } يريد: من أول أمره إلى هذه النهاية، { ~~وما هدى } مقابل لقوله: # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر:29]. ### || [20.80-82] # وقوله عزوجل: { يبني إسرءيل قد أنجينكم... } الآية، ~~ظاهر هذه الآية: أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول ~~النعم التي عددها الله عليهم، ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها ~~معاصرو النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: هذا فعلنا بأسلافكم؛ ~~وتكون الآية على هذا اعتراضا في أثناء قصة موسى، والقصد به توبيخ ~~هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى ~~الأول أظهر وأبين. # وقوله سبحانه: { وواعدنكم جانب الطور الأيمن... } ~~الآية، وقصص هذه الآية: أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل، وغرق ~~فرعون، وعد بني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سينا؛ ليكلم فيه موسى، ~~ويناجيه بما فيه صلاحهم، فلما أخذوا في السير، تعجل موسى عليه السلام؛ ~~ابتغاء مرضاة ms0923 ربه، حسبما يأتي بعد. # وقرأ جمهور الناس: «فيحل» بكسر الحاء، «ويحلل» بكسر اللام. # وقرأ الكسائي وحده بضمهما، ومعنى الأول: فيجب، ويحق، ومعنى ~~الثاني: فيقع وينزل، و { هوى } معناه: سقط أي: هوى في جهنم، ~~وفي سخط الله - عافانا الله من ذلك -، ثم رجى سبحانه عباده بقوله: { ~~وإني لغفار لمن تاب... } الآية, والتوبة من ذنب تصح مع ~~الإقامة على غيره وهي توبة مفيدة وإذا تاب العبد، ثم عاود الذنب بعينه ~~بعد مدة؛ فيحتمل عند حذاق أهل السنة: ألا يعيد الله تعالى ~~عليه الذنب الأول؛ لأن التوبة قد كانت محته، ويحتمل: أن يعيده؛ ~~لأنها توبة لم يوف بها، واضطرب الناس في قوله سبحانه: { ثم ~~اهتدى } من حيث وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل؛ فقالت فرقة: ~~ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه. # وقيل: غير هذا، والذي يقوى في معنى: { ثم اهتدى } أن يكون: ثم ~~حفظ معتقداته من أن تخالف الحق في شيء من الأشياء؛ فإن الاهتداء على ~~هذا الوجه غير الإيمان، وغير العمل؛ ورب مؤمن عمل صالحا قد ~~أوبقه عدم الاهتداء؛ كالقدرية والمرجئة، وسائر أهل البدع، فمعنى: { ~~ثم اهتدى }: ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم - جعلنا ~~الله منهم بمنه - وفي حفظ المعتقدات ينحصر معظم أمر الشرع. ### || [20.83-98] # وقوله سبحانه: { وما أعجلك عن قومك يموسى } الآية، ~~وقصص هذه الآية: أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل ~~إلى جانب الطور؛ حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما لهم فيه شرف ~~العاجل والآجل رأى موسى عليه السلام على جهة الاجتهاد أن يتقدم ~~وحده مبادرا لأمر الله سبحانه؛ طلبا لرضائه، وحرصا على القرب منه، ~~وشوقا إلى مناجاته، واستخلف عليهم هارون، وقال لهم موسى: تسيرون إلى ~~جانب الطور، فلما انتهى موسى صلى الله عليه وسلم وناجى ربه، زاده ~~الله في الأجل عشرا، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم؛ ~~ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقع الإعلام له بما صنعوا، وأعلمه موسى ~~أنه إنما استعجل طلب الرضى، فأعلمه الله سبحانه: أنه قد فتن بني ~~إسرائيل، ms0924 أي: اختبرهم بما صنع السامري، ويحتمل أن يريد: ألقيناهم في ~~فتنة، فلما أخبر الله تعالى موسى بما وقع، رجع موسى إلى قومه ~~غضبان أسفا، وباقي الآية بين، وقد تقدم قصصها مستوفى؛ وسمى ~~العذاب غضبا من حيث هو عن الغضب. # وقرأ نافع، وعاصم: «بملكنا» بفتح الميم، وقرأ حمزة ~~الكسائي: «بملكنا» بضمة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، ~~وابن عامر: «بملكنا» بكسرة؛ فأما فتح الميم، فهو مصدر من ~~ملك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وفقنا له، بل ~~غلبتنا أنفسنا. # وأما كسر الميم، فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليد، ولكنه يستعمل في ~~الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها كمعنى التي قبلها، والمصدر ~~مضاف في الوجهين إلى الفاعل. # وقولهم: { ولكنا حملنا أوزارا... } الآية؛ سموها أوزارا ~~من حيث هي ثقيلة الأجرام، أو من حيث تأثموا في قذفها، وقرأ أبو ~~عمرو، وحمزة، والكسائي: «حملنا» بفتح الحاء، والميم. # وقولهم: { فكذلك } أي: فكما قذفنا نحن، فكذلك أيضا ألقى السامري. # قال * ع *: وهذه الألفاظ تقتضى أن العجل لم يصغه، ثم أخبر ~~تعالى عن فعل السامري بقوله: { فأخرج لهم عجلا } ومعنى قوله ~~{ جسدا } أي شخصا لا روح فيه، وقيل معناه، جسدا لا يتغذى، ~~«والخوار»: صوت البقر. # قالت فرقة منهم ابن عباس: كان هذا العجل يخور ويمشي، وقيل غير هذا. # وقوله سبحانه: { فقالوا } يعني: بني إسرائيل: { هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي } موسى إلهه، وذهب يطلبه في غير موضعه، ~~ويحتمل أن يكون قوله { فنسي } إخبارا من الله تعالى عن ~~السامري؛ أي: فنسي السامري دينه، وطريق الحق، فالنسيان في ~~التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك. # * ت *: وعلى التأويل الأول عول البخاري: وهو الظاهر. # ولقولهم أيضا قبل ذلك: # اجعل لنا إلها # [الأعراف:138]. # وقول هارون: { فاتبعوني } أي: إلى الطور الذي واعدكم الله ~~تعالى إليه { وأطيعوا أمري } فيما ذكرته لكم؛ فقال بنو إسرائيل ~~حين وعظهم هارون، وندبهم إلى الحق: { لن نبرح } عابدين لهذا ~~الإله عاكفين عليه، أي: ملازمين له. # ويحتمل قوله: { ألا تتبعن } أي: ببني إسرائيل نحو جبل ~~الطور، ويحتمل قوله: { ألا تتبعن ms0925 } أي: ألا تسير بسيري، ~~وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد. # وقوله: { يبنؤم } قالت فرقة: إن هارون لم يكن أخا موسى إلا من ~~أمه. # قال * ع *: وهذا ضعيف. وقالت فرقة: كان شقيقه؛ وإنما دعاه ~~بالأم استعطافا برحم الأم، وقول موسى: { فما خطبك يسمري ~~} هو كما تقول: ما شأنك، وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضى انتهارا؛ ~~لأن الخطب مستعمل في المكاره، و { بصرت } بضم الصاد: من البصيرة، ~~وقرأت فرقة بكسرها، فيحتمل أن يراد من البصيرة، ويحتمل من البصر. # وقرأ حمزة، والكسائي أي: «بما لم تبصروا» بالتاء من فوق، يريد ~~موسى مع بني إسرائيل، والرسول هنا: هو جبريل عليه السلام والأثر: ~~هو تراب تحت حافر فرسه. # وقوله: { فنبذتها } أي: على الحلي، فكان منها ما ترى، { ~~وكذلك سولت لي نفسي } أي: وكما وقع وحدث قربت لي نفسي، ~~وجعلت لي سؤلا وإربا حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني ~~إسرائيل إلا في حد أو بوحي، فعاقبه باجتهاد نفسه؛ بأن أبعده ~~ونحاه عن الناس، وأمر بني إسرائيل باجتنابه، واجتناب قبيلته وألا ~~يؤاكلوا ولا يناكحوا، ونحو هذا، وجعل له أن يقول مدة حياته: لا ~~مساس، أي: لا مماسة، ولا إذاية. # وقرأ الجمهور: «لن تخلفه» بفتح اللام، أي: لن يقع فيه خلف، وقرأ ~~ابن كثير، وأبو عمرو: «تخلفه» بكسر اللام، على معنى لن تستطيع ~~الروغان، والحيدة عن موعد العذاب، ثم وبخه عليه السلام بقوله: { ~~وانظر إلى إلهك... } الآية، و { ظلت } وظل معناه: أقام ~~يفعل الشيء نهارا، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلا ونهارا، بمثابة ~~طفق. # وقرأ ابن عباس وغيره: «لنحرقنه» بضم الراء وفتح النون؛ بمعنى ~~لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره: «لنحرقنه» وهي قراءة تحتمل ~~الحرق بالنار، وتحتمل بالمبرد. وفي مصحف ابن مسعود: «لنذبحنه ثم ~~لنحرقنه ثم لننسفنه» وهذه القراءة هي مع رواية من روى أن العجل صار ~~لحما ودما، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار، وإلا ~~فإذا كان جمادا من ذهب ونحوه، فإنما هو حرق بمبرد، اللهم إلا أن ~~تكون إذابة، ويكون النسف مستعارا، ms0926 لتفريقه في اليم مذابا. # وقرأت فرقة: «لننسفنه» بكسر السين، وقرأت فرقة بضمها، ~~والنسف: تفريق الريح الغبار، وكل ما هو مثله؛ كتفريق الغربال ونحوه، ~~فهو نسف، و { اليم }: غمر الماء من بحر أو نهر، وكل ما غمر ~~الإنسان من الماء فهو يم، واللام في قوله { لنحرقنه } لام ~~قسم، وقال مكي (رحمه الله تعالى): وأسند أن موسى عليه السلام كان مع ~~السبعين في المناجات، وحينئذ وقع أمر العجل، وأن الله تعالى أعلم ~~موسى بذلك، فكتمه موسى عنهم، وجاء بهم حتى سمعوا لغط بني إسرائيل حول ~~العجل، فحينئذ أعلمهم. # قال * ع *: وهذه رواية ضعيفة، والجمهور على خلافها، وإنما تعجل موسى ~~عليه السلام وحده فوقع أمر العجل، ثم جاء موسى، وصنع ما صنع بالعجل، ثم ~~خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل، وأن ~~يطلعهم أيضا على أمر المناجات، فكان لموسى عليه السلام نهضتان، والله ~~أعلم. ### || [20.99-104] # وقوله سبحانه: { كذلك نقص عليك } مخاطبة لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل، كذلك نقص عليك من ~~أنباء ما قد سبق مدتك، والذكر: القرآن. # وقوله: { من أعرض عنه } يريد بالكفر به، و { زرقا } قالت ~~فرقة معناه: يحشرون أول قيامهم سود الألوان، زرق العيون، فهو ~~تشويه، ثم يعمون بعد ذلك، وهي مواطن. # وقالت فرقة: أراد زرق الألوان، وهي غاية في التشويه، لأنهم يجيئون ~~كلون الرماد، و مهيع في كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق: { ~~يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا } أي: يتخافت ~~المجرمون بينهم، أي: يتسارون، والمعنى: أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب ~~أذهانهم، قد عزب عنهم قدر مدة لبثهم. # واختلف الناس في ماذا، فقالت فرقة في دار الدنيا، ومدة العمر، ~~وقالت فرقة في الأرض مدة البرزخ. # و { أمثلهم طريقة } معناه: أثبتهم نفسا يقول: إن لبثتم إلا ~~يوما، أي: فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم. ### || [20.105-110] # وقوله سبحانه: { ويسئلونك عن الجبال... } الآية، السائل: ~~قيل: رجل من ثقيف، وقيل: السائل: جماعة من المؤمنين، وروي: أن ~~الله تعالى ms0927 يرسل على الجبال ريحا، فتدكدكها حتى تكون كالعهن ~~المنفوش، ثم تتوالى عليها حتى تعيدها كالهباء المنبث، فذلك هو ~~النسف. # والقاع: هو المستوي من الأرض، والصفصف: نحوه في المعنى. ~~والأمت: ما يعتري الأرض من ارتفاع وانخفاض. # وقوله: { لا عوج له } يحتمل: أن يريد الإخبار به، أي: لا ~~شك فيه، ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل: أن يريد لا محيد لأحد عن ~~اتباع الداعي، والمشي نحو صوته، والخشوع: التطامن، ~~والتواضع، وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء. # والهمس: الصوت الخفي الخافت، وهو تخافتهم بينهم، ~~وكلامهم السر، ويحتمل أن يريد صوت الأقدام؛ وفي «البخاري»: { ~~همسا }: صوت الأقدام، انتهى. ومن في قوله { إلا من أذن له ~~الرحمن } يحتمل أن تكون للشافع، ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه. ### || [20.111] # وقوله تعالى: { وعنت الوجوه } معناه: ذلت، وخضعت، والعاني: ~~الأسير؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: «هن عوان عندكم» ~~وهذه حالة الناس يوم القيامة. # قال * ص *: وعنت: من عنا يعنو: ذل، وخضع؛ قال أمية ~~ابن أبي الصلت: [الطويل] # مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # انتهى. # * ت *: وأحاديث الشفاعة قد استفاضت، وبلغت حد التواتر، ومن ~~أعظمها شفاعة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى ففي «صحيح مسلم»، من حديث ~~أبي سعيد الخدري قال: فيقول الله عز وجل: # " شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع ~~المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض ~~قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا ~~خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في ~~أفواه الجنة " # وفيه: # " فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، ~~يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين ~~أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير ~~قدموه... " # الحديث، وخرج أبو القاسم إسحاق، بن إبراهيم الختلي بسنده عن ابن ~~عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا فرغ الله تعالى من القضاء بين خلقه، أخرج كتابا من ~~تحت العرش؛ أن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم ~~الراحمين، قال: فيخرج من النار مثل أهل ~~الجنة، أو قال: مثلي أهل الجنة، قال: وأكبر ~~ظني أنه قال: مثلي أهل ms0928 الجنة، مكتوب بين ~~أعينهم: عتقاء الله " # انتهى من «التذكرة». # { وقد خاب من حمل ظلما } ، معنى خاب: لم ينجح، ولا ظفر ~~بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي، وخيبة كل حامل بقدر ~~ما حمل من الظلم. ### || [20.112] # وقوله سبحانه: { ومن يعمل من الصلحت } معادل لقوله: { ~~من حمل ظلما } والظلم. والهضم: هما متقاربان في المعنى، ولكن ~~من حيث تناسقا في هذه الآية؛ ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما ~~بمعنى، فقالوا: الظلم: أن تعظم عليه سيئاته، وتكثر أكثر مما يجب. # والهضم: أن ينقص من حسناته، ويبخسها. # وكلهم قرأ: «فلا يخاف» على الخبر غير ابن كثير؛ فإنه قرأ: ~~«فلا يخف» على النهي. ### || [20.113-114] # { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه ~~من الوعيد لعلهم } بحسب توقع البشر، وترجيهم { يتقون } ~~الله، ويخشون عقابه؛ فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم، وما ~~حذرهم من أليم عقابه هذا تأويل فرقة في قوله: { أو يحدث لهم ~~ذكرا }. # وقالت فرقة: معناه أو يكسبهم شرفا، ويبقى عليهم إيمانهم ~~ذكرا صالحا في الغابرين. # وقوله تعالى: { ولا تعجل بالقرءان... } قالت فرقة: سببها: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف وقت تكليم جبريل له أن ينسى ~~أول القرآن، فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل عليه السلام الوحي؛ فنزلت ~~في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله: # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة:16]. # وقيل غير هذا. ### || [20.115-117] # وقوله عز وجل: { ولقد عهدنا إلى ءادم من قبل ~~فنسي... } الآية، العهد هنا بمعنى الوصية، والشيء الذي عهد إلى ~~آدم عليه السلام هو ألا يقرب الشجرة. # * ت *: قال عياض: وأما قوله تعالى: # وعصى آدم ربه فغوى # [طه:121] أي: جهل، فإن الله تعالى أخبر بعذره بقوله: { ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } ~~قيل: نسي، ولم ينو المخالفة؛ فلذلك قال تعالى: { ولم نجد له ~~عزما } ، أي: قصدا للمخالفة. # * ت *: وقيل: غير هذا مما لا أرى ذكره هنا، ولله در ابن ~~العربي حيث قال: يجب تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عما ~~نسب إليهم الجهال. ولكن الباري سبحانه بحكمه النافذ، ms0929 وقضائه ~~السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمدا للأكل، ناسيا للعهد، ~~فقال في تعمده: { وعصى آدم } وقال في بيان عذره: { ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل فنسي } فمتعلق العهد غير ~~متعلق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عصى تثريبا، ~~ويعود عليه بفضله فيقول: نسي تقريبا، ولا يجوز لأحد منا أن يطلق ~~ذلك على آدم، أو يذكره إلا في تلاوة القرآن أو قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم. انتهى. من «الأحكام». ### || [20.118-119] # وقوله سبحانه: { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى } ~~المعنى: إن لك يا آدم في الجنة نعمة تامة، لا يصيبك جوع، ولا عري، ~~ولا ظمأ، ولا بروز للشمس يؤذيك، وهو الضحاء. ### || [20.120-127] # وقوله: { فوسوس إليه } * ص *: عدي هنا ب «إلى» على معنى ~~أنهى الوسوسة إليه، وفي «الأعراف» باللام، فقال أبو البقاء: لأنه بمعنى ~~ذكر لهما. انتهى. # ثم أعلمهم سبحانه: أن من اتبع هداه فلا يضل في الدنيا، ولا ~~يشقى في الآخرة، وأن من أعرض عن ذكر الله، وكفر به؛ فإن له ~~معيشة ضنكا، و«الضنك»: النكد الشاق من العيش والمنازل، ونحو ~~ذلك. # وهل هذه المعيشة الضنك تكون في الدنيا، أو في البرزخ، أو في الآخرة؟ ~~أقوال. # * ت *: ويحتمل في الجميع، قال القرطبي: قال أبو سعيد الخدري، ~~وابن مسعود: ضنكا: عذاب القبر، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أتدرون فيمن نزلت هذه الآية: { فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } أتدرون ما ~~المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~عذاب الكافر في القبر؛ والذي نفسي بيده، إنه ~~ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا وهي ~~الحيات لكل حية تسعة رؤوس، ينفخن في ~~جسمه، ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة، ~~ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى " # انتهى من «التذكرة» فإن صح هذا الحديث، فلا نظر لأحد معه، وإن لم ~~يصح، فالصواب حمل الآية على عمومها؛ والله أعلم. # قال الثعلبي: قال ابن عباس: { فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى } قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن ms0930 ~~يضل في الدنيا، أو يشقى في الآخرة. وفي لفظ آخر: «ضمن الله تعالى لمن ~~قرأ القرآن...» الحديث، وعنه: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، هداه ~~الله تعالى من الضلالة ووقاه الله تعالى يوم القيامة ~~سوء الحساب. انتهى. # وقوله سبحانه: «ونحشره يوم القيامة أعمى» قالت فرقة: ~~وهو عمى البصر، وهذا هو الأوجه، وأما عمى البصيرة، فهو حاصل ~~للكافر. # وقوله سبحانه: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها» النسيان هنا: ~~هو الترك، ولا مدخل للذهول في هذا الموضع، و { تنسى } أيضا ~~بمعنى: تترك في العذاب. ### || [20.128-133] # وقوله سبحانه: { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون } المعنى: أفلم يبين لهم. # وقرأت فرقة: «نهد» بالنون، والمراد بالقرون المهلكين: عاد، ~~وثمود، والطوائف التي كانت قريش تجوز على بلادهم في المرور إلى ~~الشام وغيره، ثم أعلم سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن العذاب كان ~~يصير لهم لزاما لولا كلمة «سبقت من الله تعالى في تأخيره عنهم ~~إلى أجل مسمى عنده، فتقدير الكلام. ولولا كلمة سبقت في ~~التأخير، وأجل مسمى، لكان العذاب لزاما؛ كما تقول لكان ~~حتما، أو واقعا، لكنه قدم وأخر؛ لتشابه رؤوس الآي. # واختلف في الأجل المسمى: هل هو يوم القيامة، أو موت كل واحد منهم، أو ~~يوم بدر؟ وفي «صحيح البخاري»: أن يوم بدر هو: اللزام، وهو: ~~البطشة الكبرى، يعني: وقع في البخاري من تفسير ابن مسعود، ~~وليس هو من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم. # قال * ص *: و { لزاما }: إما مصدر، وإما بمعنى ملزم، وأجاز أبو ~~البقاء: أن يكون جمع لازم، كقائم وقيام. انتهى. # ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على ~~أقوالهم: إنه ساحر، إنه كاهن، إنه كاذب إلى غير ذلك. # وقوله سبحانه: { وسبح بحمد ربك... } الآية، قال أكثر ~~المفسرين: هذه إشارة إلى الصلوات الخمس؛ فقبل طلوع الشمس صلاة الصبح، ~~وقبل غروبها صلاة العصر، ومن آناء الليل العشاء، وأطراف ~~النهار المغرب والظهر. # قال ابن العربي: والصحيح أن المغرب من طرف الليل، لا من طرف ~~النهار. انتهى من «الأحكام». # وقالت ms0931 فرقة: آناء الليل: المغرب والعشاء، وأطراف النهار: الظهر وحدها، ~~ويحتمل اللفظ أن يراد به قول: سبحان الله وبحمده. # وقالت فرقة: في الآية: إشارة إلى نوافل، فمنها آناء الليل، ومنها قبل ~~طلوع الشمس ركعتا الفجر. # * ت *: ويتعذر على هذا التأويل قوله: { وقبل غروبها }؛ إذ ~~ليس ذلك الوقت وقت نفل، على ما علم إلا أن يتأول ما قبل الغروب ~~بما قبل صلاة العصر وفيه بعد. # قال * ص *: { بحمد ربك } في موضع الحال، أي: وأنت حامد. انتهى. # وقرأ الجمهور: { لعلك ترضى } بفتح التاء، أي: لعلك تثاب ~~على هذه الأعمال بما ترضى به. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وهذه الآية تماثل قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى:5]. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة ~~البدر؛ فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل ~~طلوع الشمس يعني: الصبح، وقبل غروبها؛ فافعلوا ~~". # وفي الحديث الصحيح أيضا: # " من صلى البردين، دخل الجنة " # انتهى. # وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «ترضى» أي: لعلك تعطى ما يرضيك، ~~ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: بالاحتقار لشأن الكفرة، والإعراض ~~عن أموالهم، وما في أيديهم من الدنيا؛ إذ ذلك منحسر عنهم صائر إلى ~~خزي، والأزواج: الأنواع، فكأنه قال: إلى ما متعنا به أقواما منهم، ~~وأصنافا. # وقوله: { زهرة الحيوة الدنيا } شبه سبحانه نعم هؤلاء ~~الكفار بالزهر، وهو ما اصفر من النور، وقيل: الزهر: النور جملة؛ ~~لأن الزهر له منظر، ثم يضمحل عن قرب، فكذلك مآل هؤلاء، ثم أخبر سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم: أن ذلك إنما هو ليختبرهم به، ويجعله فتنة ~~لهم وأمرا يجازون عليه أسوأ الجزاء؛ لفساد تقلبهم فيه. # * ص *: و { زهرة }: منصوب على الذم، أو مفعول ثان ل: { ~~متعنا } مضمن معنى أعطينا. اه. # ورزق الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده، خير وأبقى، أي: رزق ~~الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره ~~سبحانه وتعالى بأن يأمر أهله بالصلاة، ويمتثلها معهم ويصطبر عليها ~~ويلازمها، وتكفل هو ms0932 تعالى برزقه لا إله إلا هو، وأخبره أن ~~العاقبة للمتقين بنصره في الدنيا، ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه: جميع أمته. # وروي: أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى ~~شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم، بادر إلى منزله، فدخله وهو يقول: { ~~ولا تمدن عينيك... } الآية إلى قوله { وأبقى } ثم ~~ينادي: الصلاة الصلاة رحمكم الله، ويصلي. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره ~~لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بالآية. # قال الداوودي: وعن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة، ثم ~~قرأ: { وأمر أهلك بالصلوة } إلى قوله { للتقوى }. ~~انتهى. # قال ابن عطاء الله في «التنوير» واعلم. أن هذه الآية علمت أهل ~~الفهم عن الله تعالى كيف يطلبون رزقهم، فإذا توقفت عليهم أسباب ~~المعيشة، أكثروا من الخدمة والموافقة، وقرعوا باب الرزق ~~بمعاملة الرزاق - جل وعلا - ثم قال: وسمعت شيخنا أبا العباس ~~المرسي رضي الله عنه يقول: والله ما رأيت العز إلا في ~~رفع الهمة عن الخلق، واذكر رحمك الله هنا: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون:8]. # ففي العز الذي أعز الله به المؤمن رفع همته إلى مولاه، وثقته به ~~دون من سواه، واستحي من الله بعد أن كساك حلة الإيمان، وزينك ~~بزينة العرفان؛ أن تستولي عليك الغفلة والنسيان؛ حتى تميل إلى الأكوان، ~~أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال: ورفع الهمة عن الخلق: هو ~~ميزان ذوي الكمال ومسبار الرجال، كما توزن الذوات كذلك توزن ~~الأحوال والصفات. انتهى. # ومن كتاب «صفوة التصوف» لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حديث ~~بسنده عن ابن عمر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، ~~فقال: يا رسول الله، حدثني حديثا، واجعله ~~موجزا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " صل صلاة مودع، كأنك تراه، فإن كنت لا تراه، ~~فإنه يراك، وايأس مما في أيدي الناس، تعش ~~غنيا، وإياك وما يعتذر منه ms0933 " # ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. # { وقالوا لولا يأتينا } محمد { بآية من ربه } أي: ~~بعلامة مما اقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: { أو لم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي: ما في ~~التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر، آية له سبحانه. ### || [20.134-135] # قوله سبحانه: { ولو أنا أهلكنهم بعذاب من ~~قبله... } أي: من قبل إرسالنا إليهم محمدا، { لقالوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا... } الآية، وروى أبو سعيد ~~الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: ~~الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي ~~الصغير: فيقول المغلوب على عقله: رب، لم تجعل ~~لي عقلا، ويقول الصبي نحوه، ويقول الهالك في ~~الفترة. رب، لم يرسل إلي رسولا، ولو جاءني، ~~لكنت أطوع خلقك لك، قال: فترتفع لهم نار، ~~ويقال لهم: ردوها، فيردها من كان في علم الله ~~أنه سعيد ويكع عنها الشقي، فيقول الله ~~تعالى: إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم ". # قال (ع): أما الصبي، والمغلوب على عقله، فبين أمرهما، وأما صاحب ~~الفترة، فليس ككفار قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ~~كفار قريش، وغيرهم ممن علم وسمع نبوة ورسالة في أقطار الأرض، ليس ~~بصاحب فترة، وقد، قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: # " أبي وأبوك في النار " # ورأى صلى الله عليه وسلم، عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا ~~مما يطول ذكره، وإنما صاحب الفترة يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه ~~أن الله تعالى بعث رسولا، ولا دعا إلى دين، وهذا قليل الوجود ~~إلا أن يشذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران. # * ت *: والصحيح في هذا الباب: «أن أولاد المشركين في ~~الجنة، وأما أولاد المسلمين ففي الجنة من غير ~~شك» متفق عليه. # وقد أسند أبو عمر في «التمهيد» من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " سألت ربي في اللاهين من ذرية البشر ألا ~~يعذبهم فأعطانيهم " # قال أبو عمر إنما قيل للأطفال: اللاهون؛ لأن ms0934 أعمالهم كاللهو، ~~واللعب من غير عقد، ولا عزم، ثم أسند أبو عمر، عن أنس، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أولاد المشركين خدم أهل الجنة ". # قال أبو عمر، وروى شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عوانة، عن ~~قتادة، عن أبي سراية العجلي، عن سلمان قال: أطفال المشركين ~~خدم أهل الجنة. # وذكر البخاري حديث الرؤيا الطويل، وفيه: # " وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه ~~إبراهيم عليه السلام وأما الولدان حوله، فكل مولود ~~يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد ~~المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد ~~المشركين " # ، وفي رواية: # " والصبيان حوله أولاد الناس " # وظاهره العموم في جميع أولاد الناس. انتهى من التمهيد والذل، ~~والخزي مقترنان بعذاب الآخرة. # وقوله: { قل كل } أي: منا ومنكم { متربص } والتربص: ~~التأني، والصراط: الطريق، وهذا وعيد بين؛ والله الموفق، ~~والهادي إلى الرشاد بفضله. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # قوله عز وجل: { اقترب للناس حسبهم... } الآية: روي أن ~~رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كان يبني جدارا، فمر به ~~آخر يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم ~~من القرآن؟ فقال الآخر: نزل اليوم { اقترب للناس حسابهم ~~وهم في غفلة معرضون } فنفض يديه من البنيان، وقال: ~~والله لا بنيت، قال أبو بكر بن العربي: قال لي شيخي: في ~~العبادة لا يذهب لك الزمان؛ في مصاولة الأقران؛ ومواصلة الإخوان، ~~ولم أر للخلاص شيئا أقرب من طريقين. إما أن يغلق الإنسان على نفسه ~~بابه، وإما أن يخرج إلى موضع لا يعرف فيه، فإن اضطر إلى مخالطة ~~الناس، فليكن معهم ببدنه، ويفارقهم بقلبه ولسانه، فإن لم يستطع، ~~فبقلبه، ولا يفارق السكوت. قال القرطبي: ولأبي سليمان ~~الخطابي في هذا المعنى: [الوافر] # أنست بوحدتي ولزمت بيتي # فدام الأنس لي ونما السرور # وأدبني الزمان فلا أبالي # بأني لا أزار ولا أزور # ولست بسائل ما دمت حيا # أسار الجيش أم ركب الأمير # انتهى من «التذكرة». # وقوله: { اقترب للناس حسابهم } عام في جميع الناس، وإن كان ms0935 ~~المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش؛ ويدل على ذلك ما يأتي بعد من ~~الآيات. # قال * ص *: اقترب: بمعني الفعل المجرد وهو قرب، وقيل: اقترب أبلغ: ~~للزيادة { وهم في غفلة } الواو للحال، انتهى. # وقوله: { وهم في غفلة معرضون } يريد: الكفار، ويأخذ عصاة ~~المؤمنين من هذه الألفاظ قسطهم. # * ت *: أيها الأخ أشعر قلبك مهابة ربك، فإليه مآلك؛ ~~وتأهب للقدوم عليه؛ فقد، أن ارتحالك؛ أنت في سكرة لذاتك؛ وغشية ~~شهواتك؛ وإغماء غفلاتك؛ ومقراض الفناء يعمل في ثوب حياتك؛ ويفصل ~~أجزاء عمرك جزءا جزءا في سائر ساعاتك؛ كل نفس من أنفاسك جزء منفصل ~~من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهب الجمل، أنت جملة تؤخذ، آحادها ~~وأبعاضها، إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية، والأقدار محدقة بأسوار ~~الأعمار؛ تهدمها بمعاول الليل والنهار؛ فلو أضاء لنا مصباح ~~الاعتبار؛ لم يبق لنا في جميع أوقاتنا سكون ولا قرار. انتهى من ~~«الكلم الفارقية والحكم الحقيقة». ### || [21.2-5] # وقوله: { ما يأتيهم من ذكر } وما بعده مختص بالكفار، ~~والذكر: القرآن، ومعناه محدث نزوله، لا هو في نفسه. # وقوله: { وهم يلعبون } جملة في موضع الحال، أي: استماعهم في ~~حال لعب؛ فهو غير نافع، ولا واصل إلى النفس. # وقوله { لاهية } حال بعد حال، واختلف النحاة في إعراب قوله: { ~~وأسروا النجوى الذين ظلموا } فمذهب سيبويه (رحمه الله ~~تعالى): أن الضمير في { أسروا }: فاعل، وأن { الذين } بدل منه، ~~وقال: ليس في القرآن لغة من قال: أكلوني البراغيث، ومعنى: { ~~أسروا النجوى } تكلموا بينهم في السر، ومناجات بعضهم ~~لبعض. # وقال أبو عبيدة: أسروا: أظهروا، وهو من الأضداد، ثم بين ~~تعالى الأمر الذي تناجوا به، وهو قول بعضهم لبعض على جهة التوبيخ ~~بزعمهم: { أفتأتون السحر }؛ المعنى: أفتتبعون السحر ~~وأنتم تبصرون، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم ~~وللناس جميعا: قل { ربي يعلم القول في السماء ~~والأرض } أي: يعلم أقوالكم هذه، وهو بالمرصاد في المجازاة عليها، ~~ثم عدد سبحانه جميع ما قالته طوائفهم ووقع الاضراب بكل ~~مقالة عن المتقدمة لها؛ ليبين اضطراب أمرهم فقال تعالى: ms0936 { بل ~~قالوا أضغاث أحلم بل افتراه بل هو شاعر } ~~والأضغاث: الأخلاط، ثم حكى سبحانه اقتراحهم، آية تضطرهم؛ كناقة ~~صالح وغيرها، وقولهم: { كمآ أرسل الأولون } دال على ~~معرفتهم بإتيان الرسل الأمم المتقدمة. ### || [21.6-7] # وقوله سبحانه: { ما ءامنت قبلهم } فيه محذوف يدل عليه ~~المعنى تقديره: والآية التي طلبوها عادتنا أن القوم إن كفروا ~~بها عاجلناهم، وما آمنت قبلهم قرية من القرى التي نزلت بها ~~هذه النازلة، أفهذه كانت تؤمن؟. # وقوله: { أهلكنها } جملة في موضع الصفة ل { قرية } ~~والجمل: إذا اتبعت النكرات؛ فهي صفات لها، وإذا اتبعت ~~المعارف؛ فهي أحوال منها. # وقوله سبحانه: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~} هذه الآية رد على من استبعد منهم أن يبعث الله بشرا رسولا و ~~{ الذكر } هو كل ما يأتي من تذكير الله عباده، فأهل القرآن ~~أهل ذكر، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن ~~يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت؛ لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أحيلوا ~~على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لكفار قريش ~~على ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [21.8-12] # وقوله سبحانه: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام } قيل: الجسد من الأحياء: ما لا يتغذى، وقيل: الجسد ~~يعم المتغذي من الأجسام وغير المتغذي ف { جعلناهم ~~جسدا } على التأويل الأول: منفي، وعلى الثاني: موجب، ~~والنفي واقع على صفته. # وقوله سبحانه: { ثم صدقنهم الوعد } الآية، هذه آية ~~وعيد. # وقوله: { ومن نشاء } يعني من المؤمنين، و { المسرفين }: ~~الكفار، ثم وبخهم تعالى بقوله: { لقد أنزلنا ~~إليكم كتبا } يعني: القرآن، { فيه ذكركم } ، أي: ~~شرفكم، آخر الدهر، وفي هذا تحريض لهم، ثم أكد التحريض ~~بقوله: { أفلا تعقلون } و { كم } للتكثير، و { قصمنا } ~~معناه: أهلكنا، وأصل القصم: الكسر في الأجرام، فإذا ~~استعير للقوم والقرية ونحو ذلك فهو ما يشبه الكسر وهو ~~إهلاكهم، و { أنشأنا } ، أي: خلقنا وبثثنا أمة أخرى ~~غير المهلكة. # وقوله: { فلما أحسوا } وصف عن حال قرية من القرى ~~المجملة أولا؛ قيل: كانت باليمن تسمى ms0937 «حضور»، بعث ~~الله تعالى إلى أهلها رسولا فقتلوه، فأرسل الله تعالى عليهم ~~بختنصر صاحب بني إسرائيل فهزموا جيشه مرتين، فنهض في ~~الثالثة بنفسه، فلما هزمهم، وأخذ القتل فيهم ركضوا هاربين، ~~ويحتمل أن لا يريد بالآية قرية بعينها، وأن هذا وصف حال ~~كل قرية من القرى المعذبة إذا أحسوا العذاب؛ من أي نوع ~~كان، أخذوا في الفرار و { أحسوا } باشروه بالحواس. # * ص *: { إذا هم منها يركضون } «إذا» الفجائية، وهي وما ~~بعدها جواب لما. انتهى. ### || [21.13-16] # وقوله: { لا تركضوا } يحتمل على الرواية المتقدمة ~~أن يكون من قول رجال بختنصر على جهة الخداع والاستهزاء ~~بهم، فلما انصرفوا راجعين أمر بختنصر أن ينادي فيهم: يا ~~ثارات النبي المقتول، فقتلوا بالسيف عن آخرهم. # قال * ع *: وهذا كله مروي، ويحتمل أن يكون: { لا ~~تركضوا } إلى آخر الآية. من كلام ملائكة العذاب على جهة ~~الهزء بهم. # وقوله: { حصيدا } أي: بالعذاب كحصيد الزرع بالمنجل، و { ~~خمدين } أي: موتى مشبهين بالنار إذا طفئت، ثم وعظ سبحانه ~~السامعين بقوله: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما لاعبين }. ### || [21.17-20] # وقوله سبحانه: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } الآية: ظاهر ~~الآية: الرد على من قال من الكفار في أمر مريم - عليها ~~السلام -، وما ضارعه من الكفر تعالى الله عن قول ~~المبطلين و «إن» في قوله: { إن كنا فاعلين } يحتمل ~~أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون نافية بمعنى: ما كنا فاعلين، ~~وكل هذا قد قيل، و «الحق» عام في القرآن والرسالة والشرع، ~~وكل ما هو حق، { فيدمغه } معناه: يصيب دماغه، وذلك ~~مهلك في البشر؛ فكذلك الحق يهلك الباطل، و { الويل ~~}: الخزي. # وقيل: هو اسم واد في جهنم، وأنه المراد في هذه الآية، وهذه ~~مخاطبة للكفار الذين وصفوا الله عز وجل بما لا يجوز ~~عليه تعالى الله عن قولهم. # وقوله { ومن عنده... } الآية: عند هنا ليست في المسافات وإنما هي ~~تشريف في المنزلة، { ولا يستحسرون } أي لا يكلون، والحسير من ~~الإبل: المعيي. # وقوله: { لا يفترون } وفي «الترمذي» عن أبي ذر قال: قال رسول ~~الله صلى الله ms0938 عليه وسلم: # " إني أرى مالا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، ~~أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع ~~أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله " # الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وفي الباب عن عائشة، وابن ~~عباس، وأنس، انتهى من أصل الترمذي، أعني: جامعه. ### || [21.21-26] # وقوله سبحانه: { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون } ، أي: يحيون غيرهم، ثم بين تعالى أمر ~~التمانع بقوله: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا } وقد تقدم إيضاح ذلك عند قوله تعالى: # إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء:42]. # وقوله: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } يحتمل ~~أن يريد بالإشارة بقوله: { هذا } إلى جميع الكتب ~~المنزلة قديمها وحديثها أنها تبين أن ~~الله الخالق واحد لا شريك له، ويحتمل أن يريد بقوله: { ~~هذا } القرآن والمعنى: فيه نبأ الأولين والآخرين فنص ~~أخبار الأولين، وذكر الغيوب في أمورهم، حسبما هي في الكتب ~~المتقدمة، وذكر الآخرين بالدعوة. وبيان الشرع لهم، ثم حكم ~~عليهم سبحانه بأن أكثرهم لا يعلمون الحق، لإعراضهم عنه، وليس ~~المعنى: فهم معرضون؛ لأنهم لا يعلمون؛ بل المعنى: فهم معرضون، ولذلك ~~لا يعلمون الحق، وباقي الآية بين، ثم بين سبحانه نوعا آخر ~~من كفرهم بقوله: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا } ~~الآية؛ كقول بعضهم: اتخذ الملائكة بناتا، وكما قالت ~~النصارى في عيسى ابن مريم، واليهود في عزير. # وقوله سبحانه: { بل عباد مكرمون } عبارة تشمل ~~الملائكة وعيسى وعزير. وقال * ص *: بل إضراب عن نسبة الولد إليه ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا. و { عباد } خبر مبتدإ محذوف أي هم ~~عباد قاله أبو البقاء انتهى. ### || [21.27-33] # وقوله سبحانه وتعالى: { لا يسبقونه بالقول } عبارة عن ~~حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر، ثم أخبر تعالى: ~~أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له، قال بعض ~~المفسرين: لأهل لا إله إلا الله، والمشفق: المبالغ في ~~الخوف، المحترق النفس من الفزع على أمر ما. # وقوله سبحانه: { ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه... } الآية, المعنى: ومن يقل منهم كذا أن لو ms0939 قاله، وليس ~~منهم من قال هذا، وقال بعض المفسرين: المراد بقوله: { ومن ~~يقل... } الآية: إبليس، وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرو ~~قط أنه ادعى الربوبية، ثم وقفهم سبحانه على ~~عبرة دالة على وحدانيته جلت قدرته، فقال: { ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا } ، والرتق: الملتصق بعضه ببعض، الذي ~~لا صدع فيه ولا فتح، ومنه: امرأة رتقاء، واختلف في معنى ~~قوله: { كانتا رتقا ففتقناهما } فقالت فرقة: كانت ~~السماء ملتصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء، وقالت فرقة: كانت ~~السموات ملتصقة بعضها ببعض، والأرض كذلك ففتقهما الله سبعا ~~سبعا؛ فعلى هذين القولين فالرؤية الموقف عليها رؤية قلب، وقالت ~~فرقة: السماء قبل المطر رتق، والأرض قبل النبات رتق ~~ففتقهما الله تعالى بالمطر والنبات؛ كما قال تعالى: # والسماء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع # [الطارق:11، 12]. # وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة ~~بمحسوس بين، ويناسب قوله تعالى: { وجعلنا من المآء ~~كل شيء حي } ، أي: من الماء الذي كان عن الفتق، فيظهر ~~معنى الآية، ويتوجه الاعتبار بها، وقالت فرقة: السماء والأرض ~~رتق بالظلمة ففتقهما الله بالضوء؛ والرؤية على هذين ~~القولين رؤية العين، وباقي الآية بين. # قال * ص *: قال الزجاج: السموات جمع أريد به الواحد؛ ولذا ~~قال: { كانتا رتقا }. وقال الحوفي: «قال: { كانتا } ~~والسموات جمع -: لأنه أراد الصنفين» انتهى. # وقوله: { سقفا محفوظا } الحفظ هنا عام في الحفظ من ~~الشيطان، ومن الوهي والسقوط، وغير ذلك من الآفات، والفلك: الجسم ~~الدائر دورة اليوم والليلة. و { يسبحون } معناه: ~~يتصرفون، وقالت فرقة: الفلك موج مكفوف، قوله: { ~~يسبحون } من السباحة وهي: العوم. ### || [21.34-35] # وقوله عز وجل: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد... ~~} الآية، وتقدير الكلام: أفهم الخالدون إن مت؟! # وقوله سبحانه: { كل نفس ذائقة الموت... } الآية: موعظة ~~بليغة لمن وفق؛ قال أبو نعيم: كان الثوري (رضي الله ~~عنه) إذا ذكر الموت لا ينتفع به أياما. انتهى. من ~~«التذكرة» للقرطبي. # قال عبد الحق في «العاقبة»، وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذكر الموت، وأعاد القول فيه؛ تهويلا لأمره، وتعظيما ~~لشأنه، ثم ms0940 قال: واعلم أن كثرة ذكر الموت يردع عن المعاصي، ~~ويلين القلب القاسي. # قال الحسن ما رأيت عاملا قط إلا وجدته حذرا من الموت, حزينا من ~~أجله، ثم قال: واعلم: أن طول الأمل يكسل عن العمل، ويورث ~~التواني، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى، وهذا أمر قد شوهد ~~بالعيان؛ فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطالب صاحبه بالبرهان؛ كما ~~أن قصره يبعث على العمل، ويحمل على المبادرة، ~~ويحث على المسابقة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا النذير والموت المغير، والساعة الموعد " # ذكره القاضي أبو الحسن بن صخر في الفوائد. انتهى. # { ونبلوكم } معناه: نختبركم، وقدم { الشر } على ~~لفظة { الخير }؛ لأن العرب من عادتها أن تقدم ~~الأقل والأزدى؛ ومنه قوله تعالى: # فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات # [فاطر:32]. فبدأ تعالى في تقسيم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالظالم. و { فتنة } معناه: امتحانا. ### || [21.36-38] # وقوله تعالى: { وإذا رءاك الذين كفروا }: كأبي جهل ~~وغيره، «وإن» بمعنى: «ما»، وفي الكلام حذف تقديره: يقولون: أهذا ~~الذي؟ # وقال * ص *: «إن»: نافية، والظاهر أنها وما دخلت عليه جواب ~~إذا، انتهى. # قوله سبحانه: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } ~~روي: أن الآية نزلت حين أنكروا هذه اللفظة، وقالوا: ~~ما نعرف الرحمن إلا في اليمامة، وظاهر الكلام: أن { ~~الرحمن } قصد به العبارة عن الله عز وجل، ووصف سبحانه ~~الإنسان الذي هو اسم جنس بأنه خلق من عجل، وهذا على جهة ~~المبالغة؛ كما تقول للرجل البطال: أنت من لعب ولهو. ### || [21.39-50] # وقوله سبحانه: { لو يعلم الذين كفروا حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار... } الآية: حذف جواب «لو»؛ ~~إيجازا لدلالة الكلام عليه، وتقدير المحذوف: لما استعجلوا، ونحوه، ~~وذكر الوجوه؛ لشرفها من الإنسان، ثم ذكر الظهور؛ ليبين ~~عموم النار لجميع أبدانهم، والضمير في قوله: { بل ~~تأتيهم بغتة }: للساعة التي تصيرهم إلى العذاب، ~~ويحتمل أن يكون للنار، و { ينظرون } معناه: يؤخرن، و { ~~حاق } معناه: حل ونزل، و { يكلؤكم } ، أي: يحفظكم. # وقوله سبحانه: { ولا هم منا يصحبون } يحتمل ~~تأويلين: # أحدهما: يجارون ويمنعون. # والآخر: ms0941 ولا هم منا يصحبون بخير وتزكية ونحو هذا. # وقوله سبحانه: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها ~~من أطرافها.. } الآية { نأتي الأرض } معناه: بالقدرة، ~~ونقص الأرض: إما أن يريد بتخريب المعمور، وإما بموت ~~البشر. # وقال قوم: النقص من الأطراف: موت العلماء، ثم خاطب سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم متوعدا لهؤلاء الكفرة بقوله: ~~{ ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك... } الآية، ~~والنفحة: الخطرة والمسة، والمعنى: ولئن مستهم ~~صدمة عذاب ليندمن، وليقرن بظلمهم، وباقي الآية ~~بين. # وقال الثعلبي: { نفحة } ، أي: طرف؛ قاله ابن عباس، انتهى. # وقوله سبحانه: { ليوم القيمة } قال أبو حيان: اللام للظرفية ~~بمعنى «في» انتهى. # قال القرطبي في «تذكرته»: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده ~~وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد ~~المحاسبة، واختلف في الميزان والحوض: أيهما قبل ~~الآخر، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل الميزان، ~~وذهب صاحب «القوت» وغيره إلى: أن حوض النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما هو بعد الصراط. # قال القرطبي: والصحيح: «أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين، ~~وكلاهما يسمى كوثرا، وأن الحوض الذي ذاد عنه من ~~بدل وغير يكون في الموقف قبل الصراط، وكذا حياض ~~الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - تكون في الموقف؛ على ما ورد في ~~ذلك من الأخبار» انتهى. # والفرقان الذي أوتي موسى وهارون قيل: التوراة، وهي الضياء ~~والذكر. # وقالت فرقة: الفرقان: هو ما رزقهما الله تعالى من نصر ~~وظهور على فرعون وغير ذلك، والضياء: التوراة، والذكر: ~~بمعنى التذكرة. # وقوله سبحانه: { وهذا ذكر مبارك } يعني: القرآن، ثم وقفهم سبحانه؛ ~~تقريرا وتوبيخا: هل يصح لهم إنكار بركته وما فيه من الدعاء ~~إلى الله تعالى وإلى صالح العمل؟. ### || [21.51-56] # وقوله سبحانه: { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده... } الآية. ~~الرشد عام، أي: في جميع المراشد وأنواع الخيرات. # وقال الثعلبي: { رشده } ، أي: توفيقه، وقيل: صلاحه, انتهى. # وقوله: { وكنا به عالمين }: مدح لإبراهيم عليه السلام، ~~أي: عالمين بما هل له؛ وهذا نحو قوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام:124] والتماثيل: الأصنام. ### || [21.57-58] # وقوله: { وتالله لأكيدن ms0942 أصنمكم... } الآية. روي: ~~أنه حضرهم عيد لهم، فعزم قوم منهم على إبراهيم في حضوره؛ ~~طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أحوالهم، فمشى معهم، فلما كان ~~في الطريق ثنى عزمه على التخلف عنهم، فقعد، وقال لهم: إني ~~سقيم، فمر به جمهورهم، ثم قال في خلوة من نفسه: { وتالله ~~لأكيدن أصنمكم } فسمعه قوم من ضعفتهم ممن ~~كان يسير في آخر الناس. # وقوله: { بعد أن تولوا مدبرين } معناه: إلى عيدكم، ثم ~~انصرف إبراهيم عليه السلام إلى بيت أصنامهم فدخله، ومعه قدوم، فوجد ~~الأصنام قد وقفت، أكبرها أول، ثم الذي يليه فالذي يليه، ~~وقد جعلوا أطعمتهم في ذلك اليوم بين يدي الأصنام؛ تبركا لينصرفوا ~~من ذلك العيد إلى أكله، فجعل عليه السلام يقطعها بتلك القدوم، ~~ويهشمها حتى أفسد أشكالها، حاشا الكبير؛ فإنه تركه بحاله ~~وعلق القدوم في يده، وخرج عنها، و { جذاذا }: معناه: قطعا ~~صغارا، والجذ: القطع، والضمير في { إليه } أظهر ما فيه ~~أنه عائد على إبراهيم، أي: فعل هذا كله؛ ترجيا منه أن ~~يعقب ذلك منهم رجعة إليه وإلى شرعه، ويحتمل أن يعود ~~على كبيرهم. ### || [21.59-63] # وقوله سبحانه: { قالوا من فعل هذا... } الآية. المعنى: ~~فانصرفوا من عيدهم فرأوا ما حدث بآلهتهم، ف { قالوا من ~~فعل هذا بآلهتنا }؟ و { قالوا } الثاني: الضمير فيه للقوم ~~الضعفة الذين سمعوا قول إبراهيم: { تالله لأكيدن ~~أصنمكم }. # وقوله: { على أعين الناس } يريد في الحفل، وبمحضر ~~الجمهور، وقوله: { يشهدون }: يحتمل أن يريد: الشهادة. عليه ~~بفعله، أو بقوله: { لأكيدن } ، ويحتمل أن يريد به: المشاهدة، ~~أي: يشاهدون عقوبته أو غلبته المؤدية إلى عقوبته، وقوله ~~عليه السلام: { بل فعله كبيرهم هذا } على معنى الاحتجاج ~~عليهم، أي: إنه غار من أن يعبد هو وتعبد الصغار ~~معه، ففعل هذا بها لذلك؛ وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: ~~قوله: { إني سقيم } [الصافات:89]، وقوله: { بل فعله ~~كبيرهم هذا } ، وقوله للملك: هي أختي " # وكانت مقالاته هذه في ذات الله، وذهبت فرقة إلى أن معنى الحديث: ~~لم ms0943 يكذب إبراهيم، أي: لم يقل كلاما ظاهره الكذب أو يشبه الكذب،، وذهب ~~الفراء إلى جهة أخرى في التأويل بأن قال: قوله: فعله ليس من الفعل، ~~وإنما هو فعله على جهة التوقع، حذف اللام على قولهم: عله بمعنى: ~~لعله، ثم خففت اللام. # قال * ع *: وهذا تكلف. # قلت: قال عياض: واعلم، (أكرمك الله) أن هذه الكلمات كلها خارجة عن ~~الكذب، لا في القصد ولا في غيره، وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها ~~مندوحة عن الكذب، فأما قوله: { بل فعله كبيرهم هذا } ~~فإنه علق خبره بشرط النطق، كأنه قال: إن كان ينطق فهو فعله؛ على ~~طريق التبكيت لقومه. انتهى. # ثم ذكر بقية التوجيه وهو واضح لا نطيل بشرده. ### || [21.64-70] # وقوله سبحانه: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون } ، أي: في توقيف هذا الرجل على هذا الفعل وأنتم ~~معكم من تسألون ثم رأوا ببديهة العقل أن الأصنام لا تنطق، فقالوا ~~لإبراهيم حين نكسوا في حيرتهم: { لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون } ، فوجد إبراهيم عليه السلام عند هذه المقالة موضع ~~الحجة ووقفهم مويبخا لهم بقوله: { أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا... } الآية. ثم حقر شأنهم ~~وشأنها بقوله: { أف لكم ولما تعبدون من دون الله... ~~} الآية. # * ص *: وقولهم: { لقد علمت }: جواب قسم محذوف معمول لقول ~~محذوف في موضع الحال، أي: قائلين، لقد علمت. انتهى. # وقال الثعلبي: { فرجعوا إلى أنفسهم } ، أي: تفكروا بعقولهم ~~فقالوا: ما نراه إلا كما قال، إنكم أنتم الظالمون في عبادتكم ~~الأصنام الصغار مع هذا الكبير. اه. # وما قدمناه عن * ع * هو الأوجه و { أف } لفظة تقال عند ~~المستقذرات من الأشياء، ويستعار ذلك للمستقبح من ~~المعاني، ثم أخذتهم العزة بالإثم وانصرفوا إلى طريق الغلبة والغشم، ~~فقالوا: { حرقوه }؛ روي: أن قائل هذه المقالة هو رجل من ~~الأكراد من أعراب فارس، أي: من باديتها، فخسف الله به الأرض، ~~فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، وروي: أنه لما أجمع رأيهم على ~~تحريقه حبسه نمرود الملك (لعنه الله) وأمر بجمع الحطب حتى ~~اجتمع منه ما شاء ms0944 الله، ثم أضرم نارا فيما أرادوا طرح إبراهيم ~~فيها لم يقدروا على القرب منها، فجاءهم إبليس في صورة شيخ فقال لهم: أنا ~~أصنع لكم آلة يلقى بها، فعلمهم صنعة المنجنيق، ثم ~~أخرج إبراهيم عليه السلام فشد رباطا ووضع في كفة المنجنيق ~~ورمي به, فتلقاه جبريل - عليه السلام - في الهواء فقال له: ألك ~~حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى. # قلت: قال ابن عطاء الله في «التنوير»: وكن أيها الأخ ~~إبراهيميا؛ إذ زج به في المنجنيق، فتعرض له جبريل فقال: ألك ~~حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى ربي، فبلى، قال: فاسأله. قال: ~~حسبي من سؤالي علمه بحالي، فانظر كيف رفع همته عن الخلق، ~~ووجهها إلى الملك الحق، فلم يستغث بجبريل، ولا احتال على السؤال، ~~بل رأى ربه تعالى أقرب إليه من جبريل ومن سؤاله؛ فلذلك سلمه من ~~نمرود ونكاله، وأنعم عليه بنواله وأفضاله. انتهى. # وقوله سبحانه: { قلنا ينار كوني بردا وسلما } قال بعض ~~العلماء فيما روي: إن الله تعالى لو لم يقل: { وسلما } لهلك ~~إبراهيم من برد النار، وروي أنه لما وقع في النار سلمه ~~الله، واحترق الحبل الذي ربط به، وقد أكثر الناس في قصصه ~~فاختصرناه؛ لعدم صحة أكثره، وروي: أن إبراهيم عليه السلام كان له ~~بسط وطعام في تلك النار كل ذلك من الجنة، وروي: أن العيدان أينعت ~~وأثمرت له هناك ثمارها، وروي: أنهم قالوا: إن هذه نار مسحورة، لا ~~تحرق، فرموا فيها شيخا منهم فاحترق،، والله أعلم بما كان من ذلك. # قلت: قال صاحب «غاية المغنم في اسم الله الأعظم» وهو من الأئمة ~~المحدثين، وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إنه يكتب ~~للمحموم ويعلق عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، با الله يا ~~الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، { ينار كوني بردا ~~وسلما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأخسرين } ، اللهم رب جبريل وميكائيل اشف ~~حاملها بحولك وقوتك وجبروتك يا أرحم الراحمين» انتهى. # وقوله: { وسلما } معناه: وسلامة، و«الكيد»: هو ما أرادوه من ~~حرقه. ms0945 ### || [21.71-76] # وقوله سبحانه: { ونجينه ولوطا... } الآية. روي أن ~~إبراهيم عليه السلام لما خرج من النار أحضره نمرود، وقال له في بعض ~~قوله: يا إبراهيم، أين جنود ربك الذي تزعم؟ فقال له عليه السلام: ~~سيريك فعل أضعف جنوده، فبعث الله تعالى على نمرود وأصحابه سحابة ~~من بعوض فأكلتهم عن آخرهم ودوابهم حتى كانت العظام تلوح بيضاء، ~~ودخلت منها بعوضة في رأس نمرود، فكان رأسه يضرب بالعيدان وغيرها، ~~ثم هلك منها، وخرج إبراهيم وابن أخيه لوط - عليهما السلام - من تلك ~~الأرض مهاجرين، وهي «كوثى» من العراق، ومع إبراهيم بنت عمه، ~~سارة زوجته، وفي تلك السفرة لقي الجبار الذي رام أخذها منه، ~~واختلف في الأرض التي بورك فيها ونحا إليها إبراهيم ولوط - عليهما ~~السلام -، فقالت فرقة: هي مكة، وقال الجمهور: هي الشام، فنزل إبراهيم ~~بالسبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالموتكفة، «والنافلة»: ~~العطية، وباقي الآية بين، وخبائث قرية لوط هي إتيان الذكور، ~~وتضارطهم في مجالسهم، إلى غير ذلك من قبيح أفعالهم. ### || [21.77-84] # وقوله سبحانه في نوح عليه السلام: { ونصرنه من القوم... } ~~الآية، لما كان جل نصرته النجاة، وكانت غلبة قومه بأمر أجنبي ~~منه حسن أن يقول: «نصرناه من»، ولا تتمكن هنا «على». # قال * ص *: عدي «نصرناه» ب «من»؛ لتضمنه معنى: نجينا، وعصمنا، ~~ومنعنا. وقال أبو عبيدة: «من» بمعنى «على». # قلت: وهذا أولى، وأما الأول ففيه نظر؛ لأن تلك الألفاظ ~~المقدمة كلها غير مرادفة ل «نصرنا»، انتهى. # قلت: وكذا يظهر من كلام ابن هشام: ترجيح الثاني، وذكر هؤلاء ~~الأنبياء - عليهم السلام - ضرب مثل لقصة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم مع قومه، ونجاة الأنبياء، وهلاك مكذبيهم ضمنها توعد ~~لكفار قريش. # وقوله تعالى: { وداود وسليمن } المعنى: واذكر داود وسليمان، ~~هكذا قدره جماعة من المفسرين، ويحتمل أن يكون المعنى: وآتينا ~~داود، «والنفش»: هو الرعي ليلا، ومضى الحكم في الإسلام بتضمين أرباب ~~النعم ما أفسدت بالليل؛ لأن على أهلها أن يثقفوها، وعلى أهل الزروع ~~حفظها بالنهار، هذا هو مقتضى الحديث في ناقة ابن عازب، ms0946 وهو مذهب مالك ~~وجمهور الأمة، وفي كتاب ابن سحنون: إن الحديث إنما جاء في أمثال ~~المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير ~~محظرة فيضمن أرباب النعم ما أفسدت بالليل والنهار. # قال * ص *: والضمير في قوله: { لحكمهم } يعود على الحاكمين ~~والمحكوم له؛ وعليه أبو البقاء. # وقيل: الضمير لداود وسليمان - عليهما السلام - فقط، وجمع؛ لأن ~~الاثنين جمع انتهى. # قال ابن العربي في «أحكامه»: المواشي على قسمين: ضوار، وغير ضوار، ~~وهكذا قسمها مالك، فالضواري: هي المعتادة بأكل الزرع والثمار، فقال ~~مالك: تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه، ورواه ابن القاسم في ~~الكتاب وغيره. # قال ابن حبيب: وإن كره ذلك أربابها، وكان قول مالك في الدابة ~~التي ضريت بفساد الزرع أن تغرب وتباع، وأما ما يستطاع ~~الاحتراز منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه عن ملكه، وهذا بين. انتهى. # وقوله: { يسبحن } ، أي: يقلن: سبحان الله؛ هذا قول الأكثر، ~~وذهبت فرقة منهم منذر بن سعيد إلى أنه بمعنى: يصلين معه بصلاته، ~~واللبوس في اللغة: هو السلاح، فمنه الدرع وغيره. # قال * ص *: و { لبوس } معناه: ملبوس؛ كالركوب بمعنى ~~المركوب؛ قال الشاعر [الطويل]. # عليها أسود ضاريات لبوسهم # سوابع بيض لا تخرقها النبل # { ولسليمن الريح } ، أي: وسخرنا لسليمان الريح، هذا على ~~قراءة النصب وقرأت فرقة «الريح» بالرفع، ويروى أن الريح العاصفة كانت ~~تهب على سرير سليمان الذي فيه بساطه، وقد مد حول البساط بالخشب ~~والألواح حتى صنع سريرا يحمل جميع عسكره وأقواته، فتقله من الأرض ~~في الهواء، ثم تتولاه الريح الرخاء بعد ذلك فتحمله إلى حيث أراد ~~سليمان. # قال * ص *: والعصف: الشدة، والرخاء: اللين. انتهى. # وقوله تعالى: { إلى الأرض التي بركنا فيها } اختلف ~~فيها، فقالت فرقة: هي الشام، وكانت مسكنه وموضع ملكه، وقد قال بعضهم: ~~إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى ~~الوطن، وإن الرخاء كانت في البدأة حيث أصاب، أي: حيث يقصد؛ لأن ~~ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي، ويحتمل: أن يريد الأرض التي يسير ~~إليها سليمان كائنة ms0947 ما كانت، وذلك أنه لم يكن يسير إلى أرض إلا ~~أصلحها الله تعالى به صلى الله عليه وسلم، ولا بركة أعظم من هذا، ~~والغوص: الدخول في الماء والأرض، والعمل دون ذلك البنيان وغيره من ~~الصنائع والخدمة ونحوها، { وكنا لهم حفظين } قيل: معناه: ~~من إفسادهم ما صنعوه، وقيل: غير هذا. # قلت: وقوله سبحانه: { وأنت أرحم الرحمين } هذا الاسم ~~المبارك مناسب لحال أيوب عليه السلام، وقد روى أسامة بن زيد (رضي ~~الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن لله تعالى ملكا موكلا بمن يقول: يا ~~أرحم الراحمين، فمن قالها ثلاثا، قال له الملك: ~~إن أرحم الراحمين قد أقبل عليك؛ فاسأل " # رواه الحكام في «المستدرك»، وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) ~~قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، وهو يقول: يا ~~أرحم الراحمين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~سل؛ فقد نظر الله إليك " # رواه الحاكم، انتهى من «السلاح». وفي قصص أيوب عليه السلام طول ~~واختلاف، وتلخيص بعض ذلك: أن أيوب عليه السلام أصابه الله تعالى ~~بأكلة في بدنه، فلما عظمت، وتقطع بدنه، أخرجه الناس من بينهم، ولم ~~يبق معه غير زوجته، ويقال: كانت بنت يوسف الصديق عليه السلام قيل: ~~اسمها رحمة، وقيل في أيوب: إنه من بني إسرائيل وقيل: إنه من «الروم» من ~~قرية «عيصو»، فكانت زوجته تسعى عليه، وتأتيه بما يأكل، وتقوم عليه، ~~ودام عليه ضره مدة طويلة، وروي أن أيوب (عليه السلام) لم يزل ~~صابرا شاكرا، لا يدعو في كشف ما به، حتى إن الدودة تسقط منه فيردها، ~~فمر به قوم كانوا يعادونه فسمتوا به؛ فحينئذ دعا ربه سبحانه ~~فاستجاب له، وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها، فأنبع الله تعالى ~~له عينا، وأمر بالشرب منها فبرىء باطنه، وأمر بالاغتسال فبرىء ~~ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأوتي بأحسن ثياب، وهب عليه رجل من جراد ~~من ذهب فجعل يحتفن منه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه وتعالى: «يا أيوب ألم ~~أكن أغنيتك عن ms0948 هذا؟ فقال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك» فبينما ~~هو كذلك إذ جاءت امرأته، فلم تره في الموضع، فجزعت وظنت أنه ~~أزيل عنه، فجعلت تتوله رضي الله عنها، فقال لها: ما شأنك أيتها ~~المرأة؟ فهابته؛ لحسن هيئته، وقالت: إني فقدت مريضا لي في هذا الموضع، ~~ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملته في أثناء المقاولة فرأت أيوب، فقالت ~~له: أنت أيوب؟ فقال لها: نعم، واعتنقها، وبكى، فروي أنه لم ~~يفارقها حتى أراه الله جميع ماله حاضرا بين يديه. # واختلف الناس في أهله وولده الذين آتاه الله، فقيل: كان ذلك كله في ~~الدنيا فرد الله عليه ولده بأعيانهم، وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، ~~وقيل: بل أوتي جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال. # * ت *: وقد قدم * ع * في صدر القصة: إن الله سبحانه أذن ~~لإبليس (لعنه الله) في إهلاك مال أيوب، وفي إهلاك بنيه وقرابته، ففعل ~~ذلك أجمع، والله أعلم بصحة ذلك، ولو صح لوجب تأويله. # وقوله سبحانه: { وذكرى للعبدين } ، أي: وتذكرة وموعظة ~~للمؤمنين، ولا يعبد الله إلا مؤمن. ### || [21.85-88] # وقوله سبحانه: { وإسمعيل وإدريس } المعنى: واذكر إسماعيل، ~~وقوله سبحانه: { وذا النون إذ ذهب مغضبا } التقدير واذكر ~~ذا النون، قال السهيلي: لما ذكر الله تعالى يونس هنا في معرض ~~الثناء، قال: { وذا النون } ، وقال في الآية الأخرى: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم:48] والمعنى واحد، ولكن بين اللفظين تفاوت كثير في حسن الإشارة ~~إلى الحالتين، وتنزيل الكلام في الموضعين والإضافة بذي أشرف من الإضافة ~~بصاحب؛ لأن قولك: ذو يضاف بها إلى التابع، وصاحب يضاف بها إلى ~~المتبوع، انتهى. # والنون: الحوت، والصاحب: يونس بن متى عليه السلام وهو نبي من أهل ~~نينوى. # وقوله: { مغضبا } قيل: إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم. ~~وتعنتهم، فذهب فارا بنفسه، وقد كان الله تعالى أمره ~~بملازمتهم والصبر على دعائهم، فكان ذلك ذنبه، أي: في خروجه عن قومه ~~بغير إذن ربه. # قال عياض: والصحيح في قوله تعالى: { إذ ذهب مغضبا» أنه ~~مغاضب لقومه؛ لكفرهم، وهو قول ابن ms0949 عباس، والضحاك وغيرهما، لا ~~لربه؛ إذ مغاضبة الله تعالى معاداة له، ومعاداة الله كفر لا يليق ~~بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء - عليهم السلام -؟! وفرار يونس عليه السلام ~~خشية تكذيب قومه بما وعدهم به من العذاب. # وقوله سبحانه: { فظن أن لن نقدر عليه } معناه: أن لن ~~نضيق عليه، وقيل: معناه: نقدر عليه ما أصابه، وقد قرىء { نقدر } ~~عليه بالتشديد، وذلك، كما قيل لحسن ظنه بربه: أنه لا يقضى عليه ~~بعقوبة، وقال عياض في موضع آخر: وليس في قصة يونس عليه السلام نص على ~~ذنب، وإنما فيها أبق وذهب مغاضبا، وقد تكلمنا عليه، وقيل: إنما نقم ~~الله - تعالى - عليه خروجه عن قومه من نزول العذاب. وقيل: بل لما ~~وعدهم العذاب، ثم عفا الله عنهم، قال: والله لا ألقاهم بوجه ~~كذاب أبدا، وهذا كله ليس فيه نص على معصية. انتهى. # وقوله سبحانه: { فظن أن لن نقدر عليه }. قالت فرقة: ~~معناه: أن لن نضيف عليه في مذهبه؛ من قوله تعالى: # يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر # [الرعد:26]، وقرأ الزهري: «نقدر» بضم النون، وفتح القاف، ~~وشد الدال، ونحوه عن الحسن. # وروي: أن يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان ~~في قعر البحر. # وقوله: { إني كنت من الظلمين }: يريد فيما خالف فيه من ~~ترك ملازمة قومه والصبر عليهم، وهذا أحسن الوجوه، فاستجاب الله له. # * ت * وليس في هذه الكلمة ما يدل أنه اعترف بذنب، كما أشار إليه ~~بعضهم، وفي الحديث الصحيح: # " دعوة أخي ذي النون، في بطن الحوت: { لا إله إلا ~~أنت سبحانك، إني كنت من الظلمين } ، ما دعا ~~بها عبد مؤمن أو قال: مسلم ، إلا استجيب ~~له " # الحديث. انتهى. وعن سعد ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال في قوله تعالى: { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } # " أيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة ~~فمات في مرضه ذلك أعطي أجر شهيد، وإن برىء ~~وقد غفر الله له جميع ذنوبه " # أخرجه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح». # وذكر ms0950 صاحب «السلاح» أيضا عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا ~~إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين؛ ~~فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا ~~استجاب الله تعالى له " # رواه الترمذي، واللفظ له, والنسائي والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح ~~الإسناد، وزاد فيه من طريق آخر: # " فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصة، ~~أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ألا تسمع إلى قول الله عز وجل: { ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين } " # انتهى. # والغم: ما كان ناله حين التقمه الحوت. ### || [21.89-91] # وقوله سبحانه: { وزكريا إذ نادى ربه... } الآية تقدم أمر ~~زكرياء. # وقوله سبحانه: { وأصلحنا له زوجه } قيل: بأن جعلت ~~ممن تحمل وهي عاقر قاعد، وعموم اللفظ يتناول جميع الإصلاح. # وقوله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا } المعنى: أنهم يدعون ~~في وقت تعبداتهم، وهم بحال رغبة ورجاء، ورهبة وخوف في حال واحدة؛ لأن ~~الرغبة والرهبة متلازمان،، والخشوع: التذلل بالبدن المتركب على التذلل ~~بالقلب. # قال القشيري في «رسالته» سئل الجنيد عن الخشوع فقال: تذلل ~~القلوب لعلام الغيوب، قال سهل بن عبد الله: من خشع قلبه ~~لم يقرب منه الشيطان انتهى. # وقوله سبحانه: { والتي أحصنت فرجها } المعنى: واذكر التي ~~أحصنت فرجها، وهي الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، وفي أحصانها هو ~~المدح، وقالت فرقة: الفرج هنا هو فرج ثوبها الذي منه نفخ الملك. وهذا قول ~~ضعيف، وقد تقدم أمرها. # * ت * وعكس (رحمه الله) في سورة التحريم النقل، فقال: قال الجمهور: هو ~~فرج الدرع. ### || [21.92-95] # وقوله تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاعبدون } يحتمل أن يكون منقطعا خطابا لمعاصري ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبر عن الناس أنهم تقطعوا، ثم وعد ~~وأوعد، ويحتمل أن يكون متصلا بقصة مريم وابنها - عليهما السلام -. # * ص *: أبو البقاء: { وتقطعوا أمرهم } أي، في أمرهم، يريد ~~أنه منصوب على إسقاط حرف الجر. # وقيل: عدي بنفسه؛ لأنه ms0951 بمعنى قطعوا، أي فرقوا، انتهى. # وقال البخاري: { أمتكم أمة واحدة } ، أي: دينكم دين ~~واحد. انتهى. # وقرأ جمهور السبعة: «وحرام»، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: «وحرم» ~~ بكسر الحاء وسكون الراء وهما مصدران بمعنى، فأما معنى الآية، ~~فقالت فرقة: حرام وحرم معناه: جزم وحتم، فالمعنى: وحتم على قرية ~~أهلكناها، أنهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، بل هم صائرون ~~إلى العقاب. # وقالت طائفة: حرام وحرم، أي: ممتنع. ### || [21.96] # وقوله سبحانه: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم ~~من كل حدب ينسلون... } الآية, تحتمل «حتى» في هذه الآية أن ~~تتعلق ب { يرجعون } ، وتحتمل أن تكون حرف ابتداء، وهو الأظهر ~~بسبب «إذا»؛ لأنها تقتضي جوابا، واختلف هنا في الجواب، والذي أقول به: ~~أن الجواب في قوله { فإذا هي شاخصة } وهذا هو المعنى الذي ~~قصد ذكره. # قال * ص *: قال أبو البقاء: { حتى إذا } متعلقة في المعنى ب { ~~حرام } أي: يستمر الامتناع إلى هذا الوقت، ولا عمل لها في «إذا». انتهى. # وقرأ الجمهور: «فتحت» بتخفيف التاء، وقرأ ابن عامر وحده «فتحت» ~~بالتشديد، وروي أن يأجوج ومأجوج يشرفون في كل يوم على الفتح، ~~فيقولون: غدا نفتح، ولا يردون المشيئة إلى الله تعالى، فإذا كان غد ~~وجدوا الردم كأوله حتى إذا أذن الله تعالى في فتحه، قال قائلهم: ~~غدا نفتحه إن شاء الله تعالى، فيجدونه كما تركوه قريب الانفتاح ~~فيفتحونه حينئذ. # * ت * وقد تقدم في «سورة الكهف» كثير من أخبار يأجوج ومأجوج فأغنانا عن ~~إعادته، وهذه عادتنا في هذا المختصر أسأل الله تعالى أن ينفعنا ~~وإياكم به، ويجعله لنا نورا بين أيدينا، يوم لا ينفع مال ولا بنون ~~إلا من أتى الله بقلب سليم، والحدب: كل مسنم من الأرض، ~~كالجبل والظرب والكدية، والقبر ونحوه. # وقالت فرقة: المراد بقوله: { وهم } يأجوج ومأجوج، يعني أنهم يطلعون ~~من كل ثنية ومرتفع ويملؤون الأرض من كثرتهم. # وقالت فرقة: المراد بقوله: «وهم» جميع العالم، وإنما هو تعريف بالبعث ~~من القبور. # وقرأ ابن مسعود: «وهم من كل جدث» بالجيم والثاء المثلثة، ~~وهذه القراءة تؤيد ms0952 هذا التأويل، و { ينسلون }: معناه: يسرعون في ~~تطامن، وأسند الطبري عن أبي سعيد قال: # " يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحدا إلا قتلوه، إلا أهل ~~الحصون، فيمرون على بحيرة طبرية فيمر آخرهم فيقول: كان هنا مرة ماء، ~~قال فيبعث الله عليهم النغف حتى تكسر أعناقهم، فيقول أهل الحصون: لقد ~~هلك أعداء الله، فيدلون رجلا ينظر، فيجدهم قد هلكوا، قال: فينزل ~~الله من السماء ماء فيقذف بهم في البحر، فيظهر الله الأرض منهم " # وفي حديث حذيفة نحو هذا، وفي آخره قال: وعند ذلك طلوع الشمس من ~~مغربها. ### || [21.97-101] # وقوله سبحانه: { واقترب الوعد الحق } يريد يوم القيامة. # وقوله: { فإذا هي }: مذهب سيبويه أنها ضمير القصة، وجوز ~~الفراء أن تكون ضمير الإبصار، تقدمت؛ لدلالة الكلام، ومجيء ما يفسرها، ~~والشخوص بالبصر إحداد النظر دون أن يطرف، وذلك يعترى من الخوف المفرط ~~ونحوه، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم... } الآية: هذه الآية مخاطبة لكفار مكة، أي: ~~إنكم وأصنامكم حصب جهنم، والحصب: ما توقد به النار؛ إما لأنها تحصب ~~به، أي: ترمى، وإما أن يكون لغة في الحطب إذا رمي، وإما قبل ~~أن يرمى فلا يسمى حصبا إلا بتجوز، وحرق الأصنام بالنار على جهة ~~التوبيخ لعابديها، ومن حيث تقع «ما» لمن يعقل في بعض المواضع، اعترض في ~~هذه الآية عبد الله بن الزبعري على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن عيسى وعزيرا ونحوهما قد عبدا من دون ~~الله، فيلزم أن يكونوا حصبا لجهنم؛ فنزلت: { إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى } الآية. والوردو في هذه ~~الآية: ورود الدخول، والزفير: صوت المعذب، وهو كنهيق الحمير ~~وشبهه إلا أنه من الصدر. ### || [21.102-105] # وقوله سبحانه: { لا يسمعون حسيسها } هذه صفة الذين سبقت لهم ~~الحسنى، وذلك بعد دخولهم الجنة؛ لأن الحديث يقتضي أن في الموقف ~~تزفر جهنم زفرة لا يبقى نبي ولا ملك إلا جثا على ركبتيه، قال ~~البخاري: الحسيس والحس: واحد، وهو الصوت الخفي، انتهى. والفزع ~~الأكبر عام في كل هول يكون ms0953 يوم القيامة، فكأن يوم القيامة بجملته ~~هو الفزع الأكبر. # وقوله سبحانه: { وتتلقاهم الملائكة } يريد: بالسلام عليهم ~~والتبشير لهم، أي: هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم، و ~~{ السجل } في قول فرقة: هو الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى: ~~كما يطوى السجل من أجل الكتاب الذي فيه، فالمصدر مضاف إلى المفعول؛ ~~وهكذا قال البخاري: السجل: الصحيفة، انتهى، وما خرجه أبو داود في ~~«مراسيله» من أن السجل: اسم رجل من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال السهيلي فيه: هذا غير معروف. انتهى. # وقوله سبحانه: { كما بدأنآ أول خلق نعيده } يحتمل ~~معنيين: أحدهما: أن يكون خبرا عن البعث، أي كما اخترعنا الخلق أولا ~~على غير مثال كذلك ننشئهم تارة أخرى، فنبعثهم من القبور. # والثاني أن يكون خبرا عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على ~~هيئته التي خرج بها إلى الدنيا، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا؛ { ~~كما بدأنآ أول خلق نعيده } ". # وقوله: { كما بدأنآ } الكاف متعلقة بقوله: { نعيده } ~~، وقالت فرقة: { الزبور } هنا يعم جميع الكتب المنزلة؛ لأنه ~~مأخوذ من: زبرت الكتاب إذا كتبته، و { الذكر } أراد به اللوح ~~المحفوظ، وقالت فرقة: { الزبور } هو زبور داود عليه السلام، و { ~~الذكر }: التوراة. # وقالت فرقة: { الزبور }: ما بعد التوراة من الكتب، و { الذكر ~~}: التوراة. # وقالت فرقة: { الأرض } هنا: أرض الدنيا، أي: كل ما يناله المؤمنون ~~من الأرض، وقالت فرقة: أراد أرض الجنة، واستشهدوا بقوله تعالى: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء # [الزمر:74]. ### || [21.106-112] # وقوله سبحانه: { إن في هذا لبلاغا }: الإشارة ب «هذا» إلى ~~هذه الآيات المتقدمة في قول فرقة. # وقالت فرقة: الإشارة إلى القرآن بجملته، والعبادة تتضمن الإيمان. # وقوله سبحانه: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~}: قالت فرقة: هو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين عموما أما ~~للمؤمنين فواضح، وأما للكافرين فلأن الله تعالى رفع عنهم ما كان ~~يصيب الأمم والقرون السابقة قبلهم من التعجيل بأنواع العذاب ~~المستأصلة؛ كالطوفان وغيره. # وقوله { آذنتكم } معناه: عرفتكم بنذارتي، وأردت أن ms0954 تشاركوني ~~في معرفة ما عندي من الخوف عليكم من الله تعالى، وقال البخاري: { ~~آذنتكم }: أعلمتكم، فإذا أعلمتهم فأنت وهم على سواء، انتهى، ثم أخبر ~~أنه لا يعرف تعيين وقت لعقابهم، هل هو قريب أم بعيد؟ وهذا أهول وأخوف. # قال * ص *: { وإن أدري } بمعنى: ما أدري، انتهى. والضمير في ~~قوله: { لعله } عائد على الإملاء لهم، و { فتنة } معناه: ~~إمتحان وابتلاء، وال { متاع }: ما يستمتع به مدة الحياة ~~الدنيا، ثم أمره تعالى أن يقول على جهة الدعاء: { رب احكم ~~بالحق } وهذا دعاء فيه توعد، ثم توكل في آخر الآية واستعان ~~بالله تعالى؛ قال الداوودي: وعن قتادة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا شهد قتالا قال: { رب احكم بالحق }. ~~انتهى. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # قوله عز وجل: { يأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم } الزلزلة: التحريك العنيف، وذلك ~~مع نفخة الفزع، ومع نفخة الصعق؛ حسبما تضمنه حديث أبي هريرة من ثلاث ~~نفخات، والجمهور على أن «زلزلة الساعة» هي كالمعهودة في الدنيا إلا ~~أنها في غاية الشدة، واختلف المفسرون في الزلزلة المذكورة، ~~هل هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، أم هي في يوم ~~القيامة على جميع العالم؟ فقال الجمهور: هي في الدنيا، والضمير في { ~~ترونها } عائد عندهم على الزلزلة، وقوى قولهم أن الرضاع ~~والحمل إنما هو في الدنيا، وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، ~~والضمير عندهم عائد على الساعة، والذهول: الغفلة عن الشيء بطريان ما ~~يشغل عنه من هم أوجع أو غيره؛ قال ابن زيد: المعنى: تترك ~~ولدها للكرب الذي نزل بها. # قلت: وخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، فيقول: ~~لبيك ربنا وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار، ~~قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى ~~الجنة، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب ~~الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد ms0955 " # الحديث. انتهى. # وهذا الحديث نص صريح في أنه يوم القيامة، وانظر قوله: # يوما يجعل الولدان شيبا # [المزمل:17]، وقوله: # وإذا العشار عطلت # [التكوير:4] تجده موافقا للحديث، وجاء في حديث أبي هريرة فيما ذكره ~~علي بن معبد: # " أن نفخة الفزع تمتد، وأن ذلك يوم ~~الجمعة في النصف من شهر رمضان، فيسير الله ~~الجبال، فتمر مر السحاب، ثم تكون سرابا، ثم ~~ترتج الأرض بأهلها رجا، وتضع الحوامل ما في ~~بطونها، ويشيب الولدان، ويولي الناس مدبرين، ~~ثم ينظرون إلى السماء، فإذا هي كالمهل، ثم ~~انشقت " # ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والموتى لا يعلمون شيئا من ذلك، قلت: يا ~~رسول الله، فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: { ~~ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله }؟ قال: أولئك هم الشهداء " # انتهى مختصرا، وهذا الحديث ذكره الطبري، والثعلبي، وصححه ابن العربي ~~في «سراج المريدين». # وقال عبد الحق: بل هو حديث منقطع، لا يصح، والذي عليه المحققون ~~أن هذه الأهوال هي بعد البعث، قاله صاحب «التذكرة» وغيره، انتهى. # والحمل: - بفتح الحاء - ما كان في بطن أو على رأس شجرة. # وقوله سبحانه: { وترى الناس سكرى } تشبيها لهم، أي: من ~~الهم، ثم نفي عنهم السكر الحقيقي الذي هو من الخمر، قاله الحسن ~~وغيره، وقرأ حمزة والكسائي: «سكرى» في الموضعين. # قال سيبويه: وقوم يقولون: سكرى جعلو مثل مرضى، ثم جعلوا: روبى مثل ~~سكرى، وهم المستثقلون نوما من شرب الرائب. ### || [22.3-4] # وقوله سبحانه: { ومن الناس من يجادل في الله بغير ~~علم ويتبع كل شيطان مريد }. # قال ابن جريج: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف، ~~وقيل في أبي جهل بن هشام، ثم هي بعد تتناول كل من اتصف بهذه الصفة، ~~ومجادلتهم في أن الله تعالى لا يبعث من يموت، والشيطان هنا هو ~~مغويهم من الجن، ويحتمل من الأنس، والمريد: المتجرد من الخير ~~للشر، ومنه الأمرد، وشجرة مرداء، أي: عارية من الورق، وصرح ~~ممرد، أي: مملس، والضمير في { عليه } عائد على الشيطان؛ قاله ~~قتادة، ms0956 ويحتمل أن يعود على المجادل، وأنه في موضع رفع على المفعول ~~الذي لم يسم فاعله، و «أنه» الثانية عطف على الأولى مؤكدة ~~مثلها، وقيل: هي مكررة للتأكيد فقط، وهذا معترض بأن الشيء ~~لا يؤكد إلا بعد تمامه، وتمام «أن» الأولى إنما هو بصلتها في ~~قوله: { السعير } وكذلك لا يعطف عليه، ولسيبويه في مثل هذا: أنه ~~بدل، وقيل: «أنه» الثانية خبر مبتدإ محذوف تقديره: فشأنه أنه يضله. # قال * ع *: ويظهر لي أن الضمير في { أنه } الأولى للشيطان، وفي ~~الثانية لمن الذي هو المتولي، وقرأ أبو عمرو: «فإنه» بالكسر فيهما. ### || [22.5-7] # وقوله عز وجل: { يأيها الناس إن كنتم فى ريب من ~~البعث... } الآية: هذا احتجاج على العالم بالبدأة الأولى، وضرب ~~سبحانه وتعالى في هذه الآية مثلين، إذا اعتبرهما الناظر جوز في ~~العقل البعثة من القبور، ثم ورد الشرع بوقوع ذلك. # وقوله: { فإنا خلقناكم من تراب } يريد آدم عليه السلام. # { ثم من نطفة } يريد: المني والنطفة: تقع على قليل الماء ~~وكثيره. # { ثم من علقة } يريد: من الدم الذي تعود النطفة إليه في ~~الرحم أو المقارن للنطفة، والعلق الدم الغليظ، وقيل: العلق الشديد ~~الحمرة. # { ثم من مضغة } يريد مضغة لحم على قدر ما يمضغ. # وقوله: { مخلقة } معناه: متممة، { وغير مخلقة } ~~غير متممة، أي: التي تسقط، قاله مجاهد وغيره، فاللفظة بناء مبالغة من ~~خلق، ولما كان الإنسان فيه أعضاء متباينة، وكل واحد منها مختص بخلق ~~حسن في جملته تضعيف الفعل؛ لأن فيه خلقا كثيرا. # وقوله سبحانه: { لنبين لكم } قالت فرقة: معناه أمر البعث، { ~~ونقر } أي: ونحن نقر في الأرحام، والأجل المسمى مختلف بحسب ~~حين حين، فثم من يسقط، وثم من يكمل أمره ويخرج حيا. # وقوله سبحانه: { ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } قد ~~تقدم بيان هذه المعاني، والرد اإلى أرذل العمر هو حصول الإنسان ~~في زمانة، واختلال العقل والقوة، فهذا مثال واحد يقتضي للمعتبر به ~~أن القادر على هذه المناقل، ms0957 المتقن لها قادر على إعادة تلك ~~الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل، إلى حالها الأولى. # وقوله عز وجل: { وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج ~~بهيج } هذا هو المثال الثاني الذي يعطي للمعتبر فيه جواز بعث ~~الأجساد؛ وذلك أن إحياء الأرض بعد موتها بين؛ فكذلك الأجساد، و { ~~هامدة }: معناه: ساكنة دارسة بالية، واهتزاز الأرض: هو حركتها بالنبات ~~وغير ذلك مما يعتريها بالماء، { وربت }: معناه: نشزت وارتفعت؛ ~~ومنه الربوة وهي المكان المرتفع، والزوج: النوع، والبهيج: من ~~البهجة، وهي الحسن؛ قاله قتادة وغيره. # وقوله: { ذلك } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره، وباقي الآية بين. ### || [22.8-10] # وقوله سبحانه: { ومن الناس من يجدل في الله بغير ~~علم... } الآية, الإشارة بقوله: { ومن الناس } إلى القوم الذين ~~تقدم ذكرهم، وكرر هذه الآية؛ على جهة التوبيخ فكأنه يقول: فهذه ~~الأمثال في غاية الوضوح، ومن الناس مع ذلك من يجادل، و { ثاني }: ~~حال من الضمير في { يجدل }. # وقوله: { ثاني عطفه }: عبارة عن المتكبر المعرض؛ قاله ~~ابن عباس وغيره؛ وذلك أن صاحب الكبر يرد وجهه عمن يتكبر عنه، ~~فهو يرد وجهه يصعر خده، ويولي صفحته، ويلوي ~~عنقه، ويثني عطفه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب. # وقوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك } أي: يقال له ذلك، ~~واختلف في الوقف على: «يداك» فقيل: لا يجوز: لأن التقدير: ~~وبأن الله، أي: أن هذا هو العدل فيك بجرائمك. # وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد. ### || [22.11-18] # وقوله سبحانه: { ومن الناس من يعبد الله على حرف... ~~} الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يقين لهم؛ كان أحدهم إذا أسلم فاتفق ~~له اتفاقات حسان: من نمو مال، وولد يرزقه، وغير ذلك قال: ~~هذا دين جيد، وتمسك به لهذه المعاني، وإن كان الأمر بخلاف ذلك، ~~تشاءم به، وارتد؛ كما فعل العرنيون، قال هذا المعنى ابن عباس وغيره. # وقوله: { على حرف } معناه: على انحراف منه عن العقيدة البيضاء، ~~وقال البخاري: { على حرف }: على شك، ثم أسند عن ابن عباس ما ~~تقدم ms0958 من حال الأعراب، انتهى. # وقوله: { يدعوا من دون الله ما لا يضره } يريد ~~الأوثان، ومعنى { يدعوا }: يعبد، ويدعو أيضا في ملماته، ~~واللام في قوله: { لمن ضره }: لام مؤذنة بمجيء القسم، ~~والثانية في { لبئس }: لام القسم، و { العشير }: القريب ~~المعاشر في الأمور. # وفي الحديث في شأن النساء: # " ويكفرن العشير " # يعني الزوج. # قال أبو عمر بن عبد البر: قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة ~~والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: { لبئس المولى ولبئس ~~العشير }. # انتهى من «التمهيد»، والذي يظهر: أن المراد بالمولى والعشير هو الوثن ~~الذي ضره أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد، ثم عقب سبحانه بذكر حالة ~~أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: { إن الله يدخل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجري من تحتها ~~الأنهر... } الآية، ثم أخذت الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه ~~يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظنوا أن الله تعالى ~~لن ينصر محمدا وأتباعه، ونحن إنما أمرناهم بالصبر وانتظار وعدنا، ~~فمن ظن غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟ ~~قال هذا المعنى قتادة، وهذا على جهة المثل السائر في قولهم: «دونك ~~الحبل فاختنق»، و { السماء } على هذا القول: الهواء ~~علوا، فكأنه أراد سقفا أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: ~~«بسبب إلى سقف البيت»، انتهى، والجمهور على أن القطع هنا هو ~~الاختناق. # قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل ~~المعنى من ظن أن محمدا لا ينصر فليمت كمدا؛ هو منصور لا ~~محالة، فليختنق هذا الظان غيظا وكمدا، ويؤيد هذا: أن الطبري ~~والنقاش قالا: ويقال: نزلت في نفر من بني أسد وغطفان، قالوا: ~~نخاف ألا ينصر محمد؛ فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهود من ~~المنافع، والمعنى الأول الذي قيل للعابدين على حرف ليس بهذا؛ ~~ولكنه بمعنى: من قلق واستبطأ النصر، وظن أن محمدا لا ينصر ~~فليختنق سفاهة؛ إذ تعدى الأمر الذي حد له في الصبر وانتظار صنع ~~الله، وقال مجاهد: الضمير في { ينصره } عائد على { من ms0959 } والمعنى: ~~من كان من المتقلقين من المؤمنين،، وما في قوله: { ما يغيظ } بمعنى ~~الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية حرفا؛ فلا عائد عليها، وأبين الوجوه في ~~الآية: التأويل الأول وباقي الآية بين. # وقوله: { وكثير من الناس } ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، ~~وقوله: { وكثير حق عليه العذاب } معادل له، ويؤيد هذا ~~قوله تعالى بعد هذا: { ومن يهن الله فما له من مكرم } ~~الآية. ### || [22.19-22] # وقوله سبحانه: { هذان خصمان اختصموا في ربهم... } ~~الآية، نزلت هذه الآية في المتبارزين يوم بدر، وهم ستة نفر: ~~حمزة، وعلي، وعبيدة ابن الحارث (رضي الله عنهم) برزوا ~~لعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وشيبة بن ربيعة، قال علي بن أبي ~~طالب: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، ~~وأقسم أبو ذر على هذا القول ووقع في «صحيح البخاري» (رحمه الله ~~تعالى): أن الآية فيهم، وقال ابن عباس: الإشارة إلى المؤمنين ~~وأهل الكتاب؛ وذلك أنه وقع بينهم تخاصم، فقالت اليهود: نحن ~~أقدم دينا منكم، ونحو هذا؛ فنزلت الآية، وقال مجاهد وجماعة: الإشارة ~~إلى المؤمنين والكفار على العموم. # قال * ع *: وهذا قول تعضده الآية؛ وذلك أنه تقدم قوله: { ~~وكثير من الناس } المعنى: هم مؤمنون ساجدون، ثم قال تعالى: { ~~وكثير حق عليه العذاب } ، ثم أشار إلى هذين الصنفين بقوله: { ~~هذان خصمان } والمعنى: أن الإيمان وأهله، والكفر وأهله ~~خصمان مذ كانا إلى يوم القيامة بالعداوة والجدال والحرب، وخصم مصدر ~~يوصف به الواحد والجمع، ويدل على أنه أراد الجمع قوله: { ~~اختصموا }؛ فإنه قراءة الجمهور وقرأ ابن أبي عبلة: «اختصما». # * ت *: وهذه التأويلات متفقات في المعنى، وقد ورد أن أول ~~ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء، ومن المعلوم أن أول ~~مبارزة وقعت في الإسلام مبارزة علي وأصحابه، فلا جرم كانت ~~أول خصومة وحكومة يوم القيامة؛ وفي «صحيح مسلم» عنه صلى الله عليه ~~وسلم: # " نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم ~~القيامة؛ المقضي لهم قبل الخلائق " # وفي رواية: # " المقضي بينهم ". # وقوله: { في ربهم } أي: في شأن ربهم وصفاته وتوحيده، ms0960 ويحتمل في ~~رضى ربهم وفي ذاته. # وقال * ص *: { في ربهم } أي: في دين ربهم، انتهى، ثم بين ~~سبحانه حكم الفريقين، فتوعد تعالى الكفار بعذابه الأليم، و { ~~قطعت } معناه جعلت لهم بتقدير كما يفصل الثوب، وروي: ~~أنها من نحاس، و { يصهر } معناه: يذاب، وقيل: معناه: ينضج؛ ~~قيل: إن الحميم بحرارته يهبط كل ما في الجوف ويكشطه، ويسلته، وقد ~~روى أبو هريرة نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه يسلته، ويبلغ به قدميه، ويذيبه ثم ~~يعاد كما كان ". # وقوله سبحانه: { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } روي ~~فيه: أن لهب النار إذا ارتفع رفعهم؛ فيصلون إلى أبواب النار، فيريدون ~~الخروج، فتردهم الزبانية بمقامع الحديد، وهي المقارع. ### || [22.23-24] # وقوله سبحانه: { إن الله يدخل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت جنت... } الآية معادلة لقوله: # فالذين كفروا # [الحج:19] واللؤلؤ: الجوهر، وأخبر سبحانه: بأن لباسهم فيها حرير؛ ~~لأنه من أكمل حالات الدنيا؛ قال ابن عباس: لا تشبه أمور الآخرة ~~أمور الدنيا إلا في الأسماء فقط، وأما الصفات فمتباينة، والطيب ~~من القول: لا إله إلا الله وما جرى معها من ذكر الله وتسبيحه، وتقديسه، ~~وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب؛ فإنها لا تسمع فيها ~~لاغية، و { صرط الحميد } هو طريق الله الذي دعا عباده إليه، ~~ويحتمل أن يريد بالحميد نفس الطريق، فأضاف إليه على حد إضافته في ~~قوله: { دار الآخرة } ، وقال البخاري: { وهدوا إلى الطيب }: ~~أي: ألهموا إلى قراءة القرآن، { وهدوا إلى صرط الحميد ~~}: أي: إلى الإسلام، انتهى. ### || [22.25-29] # وقوله سبحانه: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله } هذه الآية نزلت عام الحديبية حين صد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وجاء { يصدون } مستقبلا؛ اذ هو فعل يديمونه، ~~وخبر { إن } محذوف مقدر عند قوله: و { الباد }: تقديره: خسروا ~~أو هلكوا. و { العكف }: المقيم في البلد، و «البادي»: القادم عليه ~~من غيره. # وقوله: { بإلحاد } قال أبو عبيدة: الباء فيه زائدة. # * ت * قال ابن العربي في «أحكامه»: وجعل الباء زائدة لا يحتاج ~~إليه في سبيل العربية؛ ms0961 لأن حمل المعنى على القول أولى من حمله على ~~الحروف، فيقال: المعنى ومن يهم فيه بميل، لأن الإلحاد هو الميل ~~في اللغة إلا أنه قد صار في عرف الشرع ميلا مذموما، فرفع ~~الله الإشكال، وبين سبحانه أن الميل بالظلم هو المراد هنا، ~~انتهى. # قال * ع *: والإلحاد الميل وهو يشمل جميع المعاصي من الكفر إلى ~~الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومن ~~نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب بذلك إلا في مكة هذا قول ~~ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم. # قال * ص *: وقوله: { أن لا تشرك }: أن: مفسرة لقول ~~مقدر، أي: قائلين له، أو موحين له: لا تشرك، وفي التقدير الأول ~~نظر فانظره، انتهى. # وقوله تعالى: { وطهر بيتي للطائفين والقائمين... } ~~الآية: تطهير البيت عام في الكفر، والبدع، وجميع الأنجاس، ~~والدماء، وغير ذلك، { والقائمين }: هم المصلون، وخص سبحانه ~~بالذكر من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود، ~~وروي: «أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بالأذان ~~بالحج قال: يا رب، وإذا أذنت، فمن يسمعني؟ فقيل له: ~~ناد يا إبراهيم، فعليك النداء وعلينا البلاغ؛ فصعد على أبي قبيس، ~~وقيل: على حجر المقام، ونادى: أيها الناس، إن الله تعالى قد ~~أمرهم بحج هذا البيت؛ فحجوا، فروي أن يوم نادى أسمع ~~كل من يحج إلى يوم القيامة في أصلاب الرجال، وأجابه كل شيء في ~~ذلك الوقت: من جماد، وغيره: لبيك اللهم لبيك؛ فجرت التلبية ~~على ذلك» قاله ابن عباس، وابن جبير،، و { رجالا }: جمع راجل، وال ~~{ ضامر }: قالت فرقة: أراد بها الناقة؛ وذلك أنه يقال: ناقة ضامر، ~~وقالت فرقة: لفظ «ضامر» يشمل كل من اتصف بذلك من جمل، أو ناقة، وغير ~~ذلك. # قال * ع *: وهذا هو الأظهر، وفي تقديم { رجالا } تفضيل للمشاة في ~~الحج؛ وإليه نحا ابن عباس. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { يأتين } رد الضمير ~~إلى الإبل؛ تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال تعالى: # والعديت ضبحا # [العاديات:1]. # في خيل الجهاد؛ تكرمة لها حين سعت في ms0962 سبيل الله، انتهى. # والفج: الطريق الواسعة، والعميق: معناه: البعيد؛ قال الشاعر ~~[الطويل]: # إذا الخيل جاءت من فجاج عميقة # يمد بها في السير أشعث شاحب # وال { منفع } في هذه الآية التجارة في قول أكثر المتأولين، ابن ~~عباس وغيره، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أرادذ الأجر ومنافع الآخرة، ~~وقال مجاهد بعموم الوجهين. # * ت * وأظهرها عندي قول أبي جعفر؛ يظهر ذلك من مقصد الآية، والله أعلم. # وقال ابن العربي: الصحيح: القول بالعموم، انتهى. # وقوله سبحانه: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ذهب ~~قوم إلى: أن المراد ذكر اسم الله على النحر والذبح، وقالوا: إن ~~في ذكر الأيام دليلا على أن الذبح في الليل لا يجوز، وهو مذهب مالك ~~وأصحاب الرأي. # وقالت فرقة فيها مالك وأصحابه: الأيام المعلومات: يوم النحر ويومان ~~بعده. # وقوله: { فكلوا } ندب، واستحب أهل العلم أن يأكل الإنسان من ~~هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر، والبائس: الذي قد ~~مسه ضر الفاقة وبؤسها، والمراد أهل الحاجة، والتفث: ما يصنعه ~~المحرم عند حله من تقصير شعر وحلقه، وإزالة شعث ونحوه، { ~~وليوفوا نذورهم }: وهو ما معهم من هدي وغيره، { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق }: يعني: طواف الإفاضة الذي ~~هو من واجبات الحج. # قال الطبري: ولا خلاف بين المتأولين في ذلك. # قال مالك: هو واجب، ويرجع تاركه من وطنه إلا أن يطوف طواف الوداع؛ ~~فإنه يجزيه عنه، ويحتمل أن تكون الإشارة بالآية إلى طواف الوداع، ~~وقد أسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله ~~تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق } فقال: هو طواف ~~الوداع؛ وقاله مالك في الموطإ، واختلف في وجه وصف البيت بالعتيق، ~~فقال مجاهد وغيره: عتيق، أي: قديم. # وقال ابن الزبير: لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة. # وقيل: أعتقه من غرق الطوفان، وقيل غير هذا. ### || [22.30-31] # وقوله: { ذلك } يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو ~~الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في محل نصب بتقدير: امتثلوا ذلك ونحو هذا ~~الإضمار، وأحسن الأشياء مضمرا أحسنها مظهرا؛ ms0963 ونحو هذه ~~الإشارة البليغة قول زهير: [البسيط] # هذا، وليس كمن يعيا بخطبته # وسط الندي إذا ما ناطق نطقا # والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: الحرمات امتثال ما أمر الله تعالى به، ~~واجتناب ما نهى عنه؛ فإن للقسم الأول حرمة المبادرة إلى ~~الامتثال، وللثاني حرمة الانكفاف والانزجار. انتهى. # وقوله: { فهو خير } ظاهر أنها ليست للتفضيل، وإنما هي عدة بخير، ~~ويحتمل أن يجعل { خير } للتفضيل على تجوز في هذا الموضع. # * ص *: { فهو خير له } أي: فالتعظيم خير له، انتهى. # وقوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثن } يحتمل ~~معنيين. # أحدهما: أن تكون «من» لبيان الجنس أي: الرجس الذي هو الأوثان؛ فيقع ~~النهي عن رجس الأوثان فقط، وتبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا ~~الموضع. # والمعنى الثاني: أن تكون «من» لابتداء الغاية فكأنه نهاهم سبحانه عن ~~الرجس عموما، ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن ~~جامعة لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان ~~فيكون هذا مما يتلى عليهم، والمروي عن ابن عباس وابن جريج: ~~أن الآية نهي عن عبادة الأوثان، و { الزور } عام في الكذب ~~والكفر؛ وذلك أن كل ما عدا الحق فهو كذب وباطل. # وقال ابن مسعود وغيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عدلت شهادة الزور بالشرك، وتلا هذه الآية " # والزور: مشتق من الزور، وهو الميل، ومنه في جانب فلان زور، ~~ويظهر أن الإشارة إلى زور أقوالهم في تحريم وتحليل ما كانوا قد ~~شرعوا في الأنعام، و { حنفاء } معناه مستقيمين أو مائلين إلى الحق، ~~بحسب أن لفظة الحنف من الأضداد، تقع على الاستقامة، وتقع على ~~الميل، والسحيق: البعيد. ### || [22.32-35] # وقوله سبحانه: { ذلك ومن يعظم شعئر الله } التقدير ~~في هذا الموضع: الأمر ذلك، و { الشعائر } جمع شعيرة وهي كل شيء لله ~~عز وجل فيه أمر أشعر به وأعلم. # قال الشيخ ابن أبي جمرة: { ومن يعظم شعئر الله ~~فإنها من تقوى القلوب } قال تعظيم شعائر الله، كان من ~~البقع أو من ms0964 البشر أو ممن شاء الله تعالى زيادة في الإيمان ~~وقوة في اليقين. انتهى. # وقال العراقي في أرجوزته: [الرجز] # أعلام طاعة هي الشعائر # ......................... # البيت. # وقالت فرقة: قصد بالشعائر في هذه الآية الهدي والأنعام المشعرة، ~~ومعنى تعظيمها التسمين والاهتبال بأمرها، قاله ابن عباس وغيره، ثم ~~اختلف المتأولون في قوله سبحانه: { لكم فيها منفع... } ~~الآية: فقال مجاهد وقتادة: أراد أن للناس في أنعامهم منافع من ~~الصوف، واللبن، والذبح للأكل، وغير ذلك ما لم يبعثها ربها ~~هديا، فإذا بعثها فهو الأجل المسمى، وقال عطاء: أراد لكم في الهدي ~~المبعوث منافع، من الركوب، والاحتلاب لمن اضطر، والأجل نحرها، وتكون ~~«ثم» من قوله: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق } لترتيب ~~المحل؛ لأن المحل قبل الأجل، ومعنى الكلام عند هذين الفريقين: ثم ~~محلها إلى موضع النحر، وذكر البيت؛ لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود ~~بالهدي وغيره. # وقال ابن زيد، والحسن، وابن عمر، ومالك: الشعائر في هذه الآية: مواضع ~~الحج كلها ومعالمه بمنى، وعرفة، والمزدلفة، والصفا والمروة، ~~والبيت وغير ذلك، وفي الآية التي تأتي أن البدن من الشعائر، ~~والمنافع: التجارة وطلب الرزق أو الأجر والمغفرة، والأجل المسمى: ~~الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة، ومحلها مأخوذ من إحلال المحرم، ~~والمعنى: ثم أخروا هذا كله إلى طواف الإفاضة بالبيت العتيق، فالبيت ~~على هذا التأويل مراد بنفسه، قاله مالك في «الموطإ». # * ت * وأظهر هذه التأويلات عندي تأويل عطاء، وفي الثالث بعض ~~تكلف، ثم أخبر تعالى أنه جعل لكل أمة من الأمم المؤمنة منسكا، أي: ~~موضع نسك وعبادة، هذا على أن المنسك ظرف، ويحتمل أن يريد به ~~المصدر كأنه قال: عبادة، والناسك العابد. # وقال مجاهد: سنة في هراقة دماء الذبائح. # وقوله: { ليذكروا اسم الله } معناه أمرناهم عند ذبائحهم ~~بذكر الله، وأن يكون الذبح له؛ لأنه رازق ذلك، وقوله: { فله ~~أسلموا } أي: آمنوا، ويحتمل أن يريد استسلموا، ثم أمر سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبشر بشارة على الإطلاق، وهي أبلغ ~~من المفسرة؛ لأنها مرسلة مع نهاية التخيل للمخبتين المتواضعين ~~الخاشعين المؤمنين، والخبت ما انخفض ms0965 من الأرض، والمخبت المتواضع ~~الذي مشيه متطامن كأنه في حدور من الأرض، وقال عمرو بن أوس: ~~المخبتون الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. # قال * ع *: وهذا مثال شريف من خلق المؤمن الهين اللين، وقال ~~مجاهد: هم المطمئنون بأمر الله تعالى، ووصفهم سبحانه بالخوف والوجل ~~عند ذكر الله تعالى، وذلك لقوة يقينهم ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين ~~يديه جل وعلا، ووصفهم بالصبر وبإقامة الصلاة وإدامتها، وروي: ~~أن هذه الآية قوله: { وبشر المخبتين } نزلت في أبي بكر، ~~وعمر، وعثمان، وعلي (رضي الله عنهم أجمعين). ### || [22.36] # وقوله سبحانه: { والبدن جعلناها لكم من شعائر ~~الله } البدن: جمع بدنة، وهي ما أشعر من ناقة أو بقرة؛ قاله عطاء ~~وغيره، وسميت بذلك؛ لأنها تبدن، أي: تسمن. # وقيل: بل هذا الاسم خاص بالإبل، والخير هنا قيل فيه ما قيل في المنافع ~~التي تقدم ذكرها، والصواب عمومه في خير الدنيا والآخرة. # وقوله: { عليها } يريد عند نحرها، و { صوآف } ، أي: ~~مصطفة، وقرأ ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صوافن» ~~جمع صافنة، وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل؛ لئلا تضطرب، ومنه ~~في الخيل # الصافنات الجياد # [ص:31]، و«وجبت» معناه: سقطت. # وقوله: { فكلوا منها }: ندب، وكل العلماء يستحب أن يأكل ~~الإنسان من هديه، وفيه أجر وامتثال؛ إذ كان أهل الجاهلية لا ~~يأكلون من هديهم، وتحرير القول في { القانع }: أنه السائل و { ~~والمعتر } المتعرض من غير سؤال؛ قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، ~~وعكست فرقة هذا القول، فحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: القانع: ~~المستغني بما أعطيته، والمعتر: هو المتعرض, وحكي عنه أنه قال: ~~القانع: المتعفف، والمعتر: السائل. # قال * ع *: يقال: قنع الرجل - بفتح النون - يقنع قنوعا ~~فهو قانع إذا سأل؛ فالقانع: هو السائل بفتح النون في الماضي، وقنع ~~- بكسر النون - يقنع قناعة فهو قنع إذا تعفف واستغنى ~~ببلغته؛ قاله الخليل بن أحمد. ### || [22.37-39] # وقوله سبحانه: { لن ينال الله لحومها... } الاية: عبارة ~~مبالغة، وهي بمعنى: لن ترفع عنده سبحانه، وتتحصل سبب ثواب، والمعنى: ~~ولكن تنال الرفعة عنده، وتحصل الحسنة لديه بالتقوى. # وقوله تعالى: ms0966 { لتكبروا الله على ما هداكم وبشر ~~المحسنين } روي: أن قوله: «وبشر المحسنين» نزلت في الخلفاء ~~الأربعة حسبما تقدم في التي قبلها، وظاهر اللفظ العموم في كل ~~محسن. # وقوله سبحانه: { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا... } ~~الآية، وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: «يدفع» # ولولا دفع # [الحج:40]. # قال أبو علي: أجريت «دافع» مجرى «دفع» كعاقبت اللص وطارقت النعل، ~~قال أبو الحسن الأخفش: يقولون: دافع الله عنك، ودفع عنك، إلا ~~أن «دفع» أكثر في الكلام. # قال * ع *: ويحسن «يدافع»؛ لأنه قد عن للمؤمنين من يدفعهم ~~ويؤديهم، فيجيء دفعه سبحانه مدافعة عنهم، وروي أن هذه الآية نزلت ~~بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار؛ هم بعضهم أن ~~يقتل من أمكنه من الكفار، ويغتال، ويغدر، فنزلت هذه الآية ~~إلى قوله: { كفور } ، ثم أذن الله سبحانه في قتال المؤمنين لمن ~~قاتلهم من الكفار بقوله: { أذن للذين يقاتلون }. # وقوله: { بأنهم ظلموا } معناه: كان الإذن بسبب أنهم ظلموا, ~~قال ابن جريج: وهذه الآية أول ما نقضت الموادعة. # قال ابن عباس, وابن جريج: نزلت عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة. # وقال: أبو بكر الصديق: لما سمعتها، علمت أنه سيكون قتال. # قلت: وهذا الحديث خرجه الترمذي، قال ابن العربي: ومعنى { ~~أذن }: أبيح، وقرئ «يقاتلون» بكسر التاء وفتحها، فعلى قراءة ~~الكسر: تكون الآية خبرا عن فعل المأذون لهم، وعلى قراءة الفتح: فالآية ~~خبر عن فعل غيرهم، وأن الإذن وقع من أجل ذلك لهم، ففي فتح التاء ~~بيان سبب القتال، وقد كان الكفار يتعمدون النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين بالإذاية ويعاملونهم بالنكاية، وقد قتل أبو جهل سمية أم ~~عمار بن ياسر، وعذب بلال، وبعد ذلك جاء الانتصار بالقتال، انتهى، ثم ~~وعد سبحانه بالنصر في قوله: { وإن الله على نصرهم ~~لقدير }. ### || [22.40-41] # وقوله سبحانه: { الذين أخرجوا من ديارهم } يريد كل ~~من خرج من مكة وآذاه أهلها حتى أخرجوه بإذايتهم، - طائفة إلى الحبشة ~~وطائفة إلى المدينة -، ونسب الإخراج إلى الكفار؛ لأن الكلام في معرض ~~تقرير الذنب، وإلزامه لهم. # وقوله: { إلا ms0967 أن يقولوا ربنا الله } استثناء ~~منقطع. # قال * ص *: وأجاز أبو إسحاق وغيره أن يكون في موضع جر بدلا من ~~حق، أي: بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب ~~الإقرار، لا موجب الإخراج، ومثله: # هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله # [المائدة:59] انتهى، وهو حسن من حيث المعنى، والانتقاد عليه ~~مزيف. # وقوله: { ولولا دفع الله الناس } الآية تقوية للأمر ~~بالقتال، وذكر أنه متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، ~~فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون، ولولا القتال والجهاد ~~لتغلب على الحق في كل أمة، هذا أصوب تأويلات الآية، ~~والصومعة: موضع العبادة، وهي بناء مرتفع، منفرد، حديد الأعلى، والأصمع ~~من الرجال: الحديد القول، وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى، ~~وعباد الصابئين؛ قاله قتادة، ثم استعملت في مئذنة المسلمين، ~~والبيع: كنائس النصارى، واحدتها: بيعة. # وقال الطبري: قيل: هي كنائس اليهود، ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك، ~~والصلوات مشتركة لكل ملة؛ واستعير الهدم للصلوات من حيث تعطيلها، أو ~~أراد موضع صلوات، وقال أبو العالية: الصلوات مساجد الصابئين، وقيل: غير ~~هذا. # وقوله: { يذكر فيها } الضمير عائد على جميع ما تقدم، ثم وعد ~~سبحانه بنصرة دينه وشرعه، وفي ذلك حض على القتال والجد فيه، ثم ~~الآية تعم كل من نصر حقا إلى يوم القيامة. # وقوله سبحانه: { الذين إن مكنهم في الأرض ~~أقاموا الصلوة... } الآية: قالت فرقة: هذه الآية في الخلفاء ~~الأربعة، والعموم في هذا كله أبين، وبه يتجه الأمر في جميع الناس، ~~وإنما الآية آخذة عهدا على كل من مكن في الأرض على قدر ما ~~مكن، والآية أمكن ما هي في الملوك. # وقوله سبحانه: { ولله عاقبة الأمور }: توعد للمخالف عن ~~هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن. ### || [22.42-51] # وقوله سبحانه: { وإن يكذبوك }: يعني: قريشا، { فقد ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم ~~إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب ~~موسى... } الآية فيها وعد لقريش، و { فأمليت } معناه: أمهلت، ~~والنكير مصدر بمعنى الإنكار. # وقوله: «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش, وقيل: على القرية؛ ms0968 وهو ~~أصوب. # ثم وبخهم تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: { أفلم ~~يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ } ~~وهذه الآية تقتضي أن العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا ينكر ~~أن للدماغ اتصالا بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ. # وقوله: { فتكون }: نصب بالفاء في جواب الاستفهام؛ صرف الفعل من ~~الجزم إلى النصب. # وقوله سبحانه: { فإنها لا تعمى الأبصار } لفظ مبالغة كأنه ~~قال: ليس العمى عمى العين، وإنما العمى كل العمى عمى القلب، ~~ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما ذكرنا؛ وهذا كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة " # ، و # " ليس المسكين بهذا الطواف " # ، والضمير في { إنها } للقصة ونحوها من التقدير، والضمير في { ~~يستعجلونك } لقريش. # وقوله: { ولن يخلف الله وعده } وعيد وإخبار بأن كل شيء ~~إلى وقت محدود، والوعد هنا مقيد بالعذاب. # وقوله سبحانه: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون } قالت فرقة: معناه وإن يوما من أيام عذاب الله كألف ~~سنة من هذه؛ لطول العذاب وبؤسه، فكان المعنى أي من هذه السنين فما ~~أجهل من يستعجل هذا، وكرر قوله: { وكأين }؛ ~~لأنه جلب معنى آخر؛ ذكر أولا القرى المهلكة دون إملاء، بل ~~بعقب التكذيب، ثم ثنى سبحانه بالممهلة؛ لئلا يفرح هؤلاء بتأخير ~~العذاب عنهم، وباقي الآية بين، والرزق الكريم: الجنة، و { ~~معجزين } معناه: مغالبين، كأنهم طلبوا عجز صاحب الآيات، ~~والآيات تقتضي تعجيزهم؛ فصارت مفاعلة. ### || [22.52] # وقوله سبحانه: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطن في ~~أمنيته... } الآية. # قلت: قال القاضي أبو الفضل عياض: وقد توجهت ها هنا لبعض الطاعنين ~~سؤالات منها ما روي من # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة «والنجم» وقال: { ~~أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ~~[النجم:19، 20] قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها ~~لترتجى ". # قال عياض: اعلم (أكرمك الله) أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث ~~مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. # والثاني: على تقدير تسليمه. # أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد ms0969 من أهل الصحة، ~~ولا رواه ثقة بسند متصل سليم؛ وإنما أولع به وبمثله ~~المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف ~~كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي أبو بكر ابن العلاء المالكي (رحمه الله ~~تعالى) حيث يقول: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، ثم قال ~~عياض: قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره؛ وإنما يعرف عن ~~الكلبي، قال عياض: والكلبي ممن لا تجوز الرواية عنه ولا ~~ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، وقد أجمعت ~~الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذا، انتهى، ونحو هذا ~~لابن عطية قال: وهذا الحديث الذي فيه: هن الغرانقة وقع في كتب التفسير ~~ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي ~~مصنف مشهور؛ بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى ولا ~~يعينون هذا السبب ولا غيره. # قال * ع *: وحدثني أبي (رحمه الله تعالى) أنه لقي بالمشرق من ~~شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو المعصوم في التبليغ؛ وإنما الأمر يعني على تقدير صحته ~~أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم:19، 20]. # وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على ~~المشركين، وقالوا: محمد قرأها، هذا على تقدير صحته، وقد روي نحو هذا ~~التأويل عن الإمام أبي المعالي. # قلت: قال عياض: وقد أعادنا الله من صحته، وقد حكى موسى بن عقبة في ~~«مغازيه» نحو هذا، وقال: إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ~~ذلك في أسماع المشركين، ومعنى قوله تعالى: { تمنى } أي: تلا ومنه ~~قوله تعالى: # لا يعلمون الكتب إلا أماني # [البقرة:78]. أي: تلاوة، { فينسخ الله ما يلقي الشيطن ~~} أي: يذهبه، ويزيل اللبس به ويحكم آياته، وعبارة البخاري: وقال ~~ابن عباس: { إذا تمنى ألقى الشيطن في أمنيته } ~~، أي: إذا حدث ألقى الشيطان ms0970 في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان ويحكم ~~آياته، ويقال: { أمنيته }: قراءته انتهى. # قال عياض: وقيل: معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~السهو إذا قرأ فيتنبه لذلك، ويرجع عنه، انتهى. ### || [22.53-57] # وقوله سبحانه: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة } ~~الفتنة: الامتحان والاختبار، والذين في قلوبهم مرض: عامة الكفار، ~~{ والقاسية قلوبهم } خواص منهم عتاة: كأبي جهل وغيره، ~~والشقاق: البعد عن الخير والكون في شق غير شق الصلاح، و { ~~الذين أوتوا العلم }: هم أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والضمير في { أنه }: عائد على القرآن، { فتخبت له ~~قلوبهم }: معناه: تتطامن وتخضع، وهو مأخوذ من الخبت وهو المطمئن ~~من الأرض كما تقدم. # { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه } أي: من ~~القرآن، والمرية: الشك، { حتى تأتيهم الساعة } يعني ~~يوم القيامة، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } قيل: يوم ~~بدر، وقيل: الساعة ساعة موتهم، واليوم العقيم يوم القيامة. ### || [22.58-62] # وقوله سبحانه: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا... } الآية, ابتداء معنى آخر؛ وذلك أنه ~~لما مات عثمان بن مظعون، وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس: من ~~قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه. فنزلت هذه الآية ~~مسوية بينهم في أن الله تعالى يرزق جميعهم رزقا حسنا، وليس ~~هذا بقاض بتساويهم في الفضل، وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل، وقد ~~قال بعض الناس: المقتول والميت في سبيل الله شهيدان، ولكن للمقتول ~~مزية ما أصابه في ذات الله، والرزق الحسن يحتمل: أن يريد به رزق ~~الشهداء عند ربهم في البرزخ، ويحتمل أن يريد بعد يوم القيامة في الجنة، ~~وقرأت فرقة: «مدخلا» - بضم الميم -؛ من أدخل؛ فهو محمول على الفعل ~~المذكور، وقرأت فرقة: «مدخلا» بفتح الميم؛ من دخل؛ فهو محمول على فعل ~~مقدر تقديره: فيدخلون مدخلا، ثم أخبر سبحانه عمن عاقب ~~من المؤمنين من ظلمه من الكفرة، ووعد المبغي عليه بأنه ينصره، ~~وذلك أن هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفار في الأشهر ~~الحرم؛ فأبى المؤمنون من ms0971 قتالهم، وأبى المشركون إلا القتال، فلما ~~اقتتلوا، جد المؤمنون ونصرهم الله تعالى؛ فنزلت الآية فيهم، وجعل ~~تقصير الليل وزيادة النهار وعكسهما إيلاجا؛ تجوزا وتشبيها، وباقي ~~الآية بين. ### || [22.63-64] # وقوله سبحانه: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير * له ~~ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو ~~الغني الحميد } قوله: { فتصبح } عبارة عن استعجالها إثر ~~نزول الماء؛ وروي عن عكرمة أنه قال: هذا لا يكون إلا ب «بمكة» ~~وتهامة. # قال * ع *: ومعنى هذا أنه أخذ قوله: { فتصبح } مقصودا به صباح ~~ليلة المطر، وذهب إلى أن ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخر. # قال * ع *: وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى، نزل المطر ليلا بعد ~~قحط، وأصبحت تلك الأرض الرملة التي تسفيها الرياح قد اخضرت بنبات ~~ضعيف دقيق. # قلت: وقد شاهدت أنا ذلك بصحراء سواكن بالمشرق، وهي في حكم مكة إلا ~~أن البحر قد حال بينهما؛ وذلك أن التعدية من جده إلى «سواكن» ~~مقدار يومين في البحر أو أقل بالريح المعتدلة، وكان ذلك في أول ~~الخريف، وأجرى الله العادة أن أمطار تلك البلاد تكون بالخريف فقط، ~~هذا هو الغالب، ولما شاهدت ذلك تذكرت هذه الآية الكريمة، فسبحان ~~الله ما أعظم قدرته! واللطيف: المحكم للأمور برفق. ### || [22.65-67] # وقوله سبحانه: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره } أي: سخر ~~لنا سبحانه ما في الأرض من الحيوان والمعادن وسائر المرافق، وباقي ~~الآية بين مما ذكر في غير هذا الموضع. # وقوله سبحانه: { لكل أمة جعلنا منسكا } المنسك: المصدر، ~~فهو بمعنى: العبادة والشرعة، وهو أيضا موضع النسك، وقوله: { هم ~~ناسكوه } يعطي أن المنسك: المصدر، ولو كان الموضع لقال: هم ~~ناسكون فيه. ### || [22.68-71] # وقوله سبحانه: { وإن جدلوك... } الآية موادعة محصنة ~~نسختها آية السيف، وباقي الآية وعيد. # وقوله سبحانه: { إن ذلك في كتب } يعني: اللوح المحفوظ. # وقوله سبحانه: { إن ذلك على الله يسير } يحتمل أن تكون ~~الإشارة إلى الحكم في الاختلاف. ### || [22.72-74] # وقوله سبحانه: ms0972 { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ~~تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } يعني: أن ~~كفار قريش كانوا إذا تلي عليهم القرآن، وسمعوا ما فيه من رفض ~~آلهتهم والدعاء إلى التوحيد عرفت المساءة في وجوههم والمنكر ~~من معتقدهم وعداوتهم، وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتالين، ~~والسطو إيقاع ببطش، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم على ~~جهة الوعيد والتقريع: { أفأنبئكم } أي: أخبركم. { بشر من ~~ذلكم }. والإشارة بذلكم إلى السطو، ثم ابتدأ بخبر؛ كأن قائلا قال ~~له: وما هو؟ قال: { النار } أي: نار جهنم. # وقوله: { وعدها الله الذين كفروا } يحتمل أن يكون ~~أراد: أن الله تعالى وعدهم بالنار، فيكون الوعد في الشر، ويحتمل ~~أنه أراد: أن الله سبحانه وعد النار بأن يطعمها ~~الكفار، فيكون الوعد على بابه، إذ الذي يقتضي قولها: # هل من مزيد # [ق:30] ونحو ذلك أن ذلك من مسارها. # قلت: والظاهر الأول. # وقوله سبحانه: { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه... } الآية: ذكر تعالى أمر سالب الذباب، وذلك أنهم ~~كانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يتسلط ويذهب بذلك ~~الطيب، وكانوا يتألمون من ذلك، فجعلت مثلا، واختلف ~~المتأولون في قوله تعالى: { ضعف الطالب والمطلوب } فقالت ~~فرقة: أراد بالطالب: الأصنام، وبالمطلوب: الذباب، أي: أنهم ينبغي أن ~~يكونوا طالبين لما يسلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان، وقيل: ~~معناه: ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، ~~وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته. # قال * ع *: ويحتمل أن يريد: ضعف الطالب وهو الذباب في استلابه ما على ~~الأصنام، وضعف الأصنام في أن لا منعة لهم، وبالجملة فدلتهم الآية على ~~أن الأصنام في أحط رتبة، وأخس منزلة لو كانوا يعقلون. و { ~~ما قدروا الله حق قدره } المعنى: ما وفوه حقه ~~سبحانه من التعظيم والتوحيد. ### || [22.75-77] # وقوله سبحانه: { الله يصطفي من الملئكة رسلا ومن ~~الناس... } الآية: نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة: # أأنزل عليه الذكر من بيننا # [ص:8]. # * ص *: أبو البقاء: { ومن الناس } أي: رسلا، انتهى، ثم أمر ~~سبحانه بعبادته وخص الركوع ms0973 والسجود بالذكر؛ تشريفا للصلاة، واختلف ~~الناس: هل في هذه الآية سجدة أم لا؟. # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { يأيها الذين ~~ءامنوا اركعوا واسجدوا } تقبلها قوم على أنها ~~سجدة تلاوة؛ فسجدوها. # وقال آخرون: هو سجود الصلاة فقصروه عليه، ورأى عمر وابنه عبد الله ~~رضي الله عنهما: أنها سجدة تلاوة، وإني لأسجدها وأراها كذلك؛ لما ~~روى ابن وهب، وغيره عن مالك، وغيره، انتهى. # وقوله سبحانه: { وافعلوا الخير } ندب فيما عدا الواجبات. # قلت: وهذه الآية الكريمة عامة في أنواع الخيرات، ومن أعظمها ~~الرأفة والشفقة على خلق الله، ومواساة الفقراء وأهل الحاجة، وقد ~~روى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه ~~الله من خضر الجنة،، وأيما مسلم أطعم مسلما ~~على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما ~~مسلم سقى مسلما على ظمإ، سقاه الله من الرحيق ~~المختوم " # انتهى. وروى علي بن عبد العزيز البغوي في «المسند المنتخب» عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا، كان في حفظ الله ~~ما بقيت عليه منه رقعة " # وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما أهل عرصة ظل فيهم امرؤ جائعا، فقد ~~برئت منهم ذمة الله " # انتهى. من «الكوكب الدري». ### || [22.78] # وقوله سبحانه: { وجهدوا في الله حق جهده } قالت ~~فرقة: الآية في قتال الكفار. # وقالت فرقة: بل هي أعم من هذا، وهو جهاد النفس، وجهاد الكفار ~~والظلمة، وغير ذلك، أمر الله عباده بأن يفعلوا ذلك في ذات ~~الله حق فعله. # قال * ع *: والعموم أحسن، وبين أن عرف اللفظة يقتضي القتال في ~~سبيل الله. # وقوله: { هو اجتبكم } أي: تخيركم، { وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج } أي: من تضييق، وذلك أن الملة حنيفية ~~سمحة، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة ~~والكفارات، والرخص، ونحو. هذا مما يكثر عده، ورفع الحرج ~~عن هذه الأمة لمن استقام منهم على منهاج الشرع، وأما السلابة ms0974 ~~والسراق وأصحاب الحدود فهم أدخلوا الحرج على أنفسهم بمفارقتهم ~~الدين، وليس في الدين أشد من إلزام رجل لاثنين في سبيل الله، ~~ومع صحة اليقين، وجودة العزم ليس بحرج و { ملة } نصب بفعل ~~مضمر من أفعال الإغراء. # وقوله: { هو سمكم المسلمين } قال ابن زيد: الضمير ل { ~~إبرهيم } - عليه السلام - والإشارة إلى قوله: # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة:128]، وقال ابن عباس، وقتادة، ومجاهد: الضمير لله عز وجل: و { ~~من قبل } معناه: في الكتب القديمة، { وفي هذا } أي: في القرآن، ~~وهذه اللفظة تضعف قول من قال: الضمير لإبراهيم عليه السلام، ولا ~~يتوجه إلا على تقدير محذوف من الكلام مستأنف. # قال * ص *: { هو } قيل: يعود على الله تعالى، وقيل: على إبراهيم، وعلى ~~هذا فيكون: { وفي هذا }: القرآن، أي: وسميتم بسببه فيه، انتهى. # وقوله سبحانه: { ليكون الرسول شهيدا عليكم } أي: ~~بالتبليغ. # وقوله: { وتكونوا شهدآء على الناس } أي: بتبليغ رسلهم ~~إليهم على ما أخبركم نبيكم، ثم أمر سبحانه بالصلاة المفروضة أن ~~تقام ويدام عليها بجميع حدودها، وبالزكاة أن تؤدى، ثم أمر ~~سبحانه بالاعتصام به، أي: بالتعلق به والخلوص له وطلب النجاة منه، ~~ورفض التوكل على سواه. # وقوله سبحانه: { هو مولكم فنعم المولى ونعم ~~النصير } المولى: في هذه الآية معناه: الذي يليكم نصره وحفظه، وباقي ~~الآية بين. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-4] # قوله سبحانه: { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون } أخبر الله سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم ~~نالوا البغية، وأحرزوا البقاء الدائم. # قلت: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي، ~~يسمع عند وجهه صلى الله عليه وسلم دوي كدوي النحل، ~~فأنزل عليه يوما، فمكثنا ساعة، وسري عنه، ~~فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: اللهم، ~~زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ~~ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا ~~وارض عنا " # ، ثم قال: # " أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ~~" # ، ثم قرأ: { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم عشر آيات؛ ~~رواه الترمذي واللفظ له والنسائي ms0975 والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح ~~الإسناد، انتهى من «سلاح المؤمن». # قلت: وقد نص بعض أئمتنا على وجوب الخشوع في الصلاة، قال الغزالي ~~رحمه الله: ومن مكائد الشيطان أن يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة ~~وتدبير فعل الخيرات؛ لتمتنع عن فهم ما تقرأه، واعلم أن كل ~~ما أشغلك عن معاني قراءتك فهو وسواس؛ فإن حركة اللسان غير مقصودة؛ بل ~~المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء». # وروي عن مجاهد: أن الله تعالى لما خلق الجنة، وأتقن حسنها ~~قال: { قد أفلح المؤمنون } ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: ~~فقال: { الذين هم في صلاتهم خاشعون } والخشوع التطامن، ~~وسكون الأعضاء، والوقار، وهذا إنما يظهر في الأعضاء ممن في قلبه ~~خوف واستكانة؛ لأنه إذا خشع قلبه خشعت جوارحه، وروي أن سبب ~~الآية أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة؛ فنزلت ~~هذه الآية، وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء قبلته أو بين ~~يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، و { اللغو }: سقط القول، وهذا يعم ~~جميع ما لا خير فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، أي: يعرضون عن اللغو، وكأن الآية فيها موادعة. # { والذين هم للزكاة فاعلون } ذهب الطبري وغيره إلى: ~~أنها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بين، ويحتمل اللفظ أن ~~يريد بالزكاة: الفضائل، كأنه أراد الأزكى من كل فعل؛ كما قال تعالى: # خيرا منه زكوة وأقرب رحما # [الكهف:81]. ### || [23.5-12] # وقوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون } إلى قوله: ~~{ هم العادون } يقتضي تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة ~~البهائم، وكل ذلك داخل في قوله: { ورآء ذلك } ويريد: وراء هذا ~~الحد الذي حد، والعادي: الظالم، والأمانة والعهد يجمع كل ما ~~تحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولا وفعلا. وهذا يعم معاشرة ~~الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حفظه والقيام به، والأمانة ~~أعم من العهد؛ إذ كل عهد فهو أمانة، وقرأ الجمهور: «صلواتهم» ~~وقرأ حمزة والكسائي: «صلاتهم» بالإفراد، و { الورثون } يريد الجنة، ~~وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكنا في ms0976 الجنة، ~~ومسكنا في النار، فأما المؤمنون فيأخذون ~~منازلهم، ويرثون منازل الكفار، ويحصل الكفار ~~في منازلهم في النار ". # قلت: وخرجه ابن ماجه أيضا بمعناه عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما منكم إلا من له منزلان: منزل في الجنة، ~~ومنزل في النار، فإذا مات يعني الإنسان ودخل ~~النار، ورث أهل الجنة منزله؛ فذلك قوله تعالى: { ~~أولئك هم الوارثون } " # قال القرطبي في «التذكرة»: إسناده صحيح، انتهى من التذكرة. # قال * ع *: أن يسمي الله تعالى حصولهم في الجنة وارثة من حيث ~~حصلوها دون غيرهم، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله أحاط الجنة: لبنة من ذهب، ولبنة من ~~فضة، وغرس غراسها بيده، وقال لها: تكلمي، ~~فقالت: «قد أفلح المؤمنون» فقال: طوبى لك منزل ~~الملوك " # خرجه البغوي في «المسند المنتخب» له، انتهى من «الكوكب الدري». ### || [23.13-14] # وقوله سبحانه: { ولقد خلقنا الإنسن من سللة من ~~طين... } الآية: اختلف في قوله: «الإنسان» فقال قتادة وغيره أراد ~~آدم - عليه السلام -؛ لأنه استل من الطين. # وقال ابن عباس وغيره: المراد ابن آدم، والقرار المكين من المرأة: هو ~~موضع الولد، والمكين: المتمكن، والعلقة: الدم الغليظ، ~~والمضغة: بضعة اللحم قدر ما يمضغ، واختلف الناس في الخلق ~~الآخر، فقال ابن عباس وغيره: هو نفخ الروح فيه. # وقال ابن عباس أيضا: هو خروجه إلى الدنيا. # وقال أيضا: تصرفه في أمور الدنيا، وقيل: هو نبات شعره. # قال * ع *: وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عام في هذا ~~وغيره: من وجوه النطق، والإدراك، وحسن المحاولة، و { تبارك } ~~مطاوع بارك، فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة. # وقوله: { أحسن الخلقين } معناه: الصانعين: يقال لمن صنع ~~شيئا: خلقه،، وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس؛ فقال ~~ابن جريج: إنما قال: { الخلقين }؛ لأنه تعالى أذن لعيسى ~~في أن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك. # قال * ع *: ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي ~~منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. ### || [23.15-19] # وقوله سبحانه: ms0977 { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } أي: بعد ~~هذه الأحوال المذكورة، ويريد بالسبع الطرائق: السموات، والطرائق: كل ~~ما كان طبقات بعضه فوق بعض؛ ومنه طارقت نعلي. ويجوز أن تكون الطرائق ~~بمعنى المبسوطات؛ من طرقت الشيء. # قلت: وقوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ماء بقدر... } ~~الآية: ظاهر الآية أنه ماء المطر، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في أول ~~«تاريخ بغداد» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: ~~سيحون: وهو نهر الهند، وجيحون: وهو نهر بلخ، ~~ودجلة والفرات: وهما نهرا العراق، والنيل: وهو ~~نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من ~~عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على ~~جناحي جبريل، فاستودعها الجبال، وأجراها في ~~الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف ~~معايشهم، فذلك قوله تعالى: { وأنزلنا من السماء ~~ماء بقدر فأسكناه في الأرض } فإذا كان عند ~~خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله تعالى جبريل ~~فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله، والحجر ~~من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى عليه ~~السلام بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك ~~كله إلى السماء؛ فذلك قوله تعالى: { وإنا على ذهاب ~~به لقدرون } ، فإذا رفعت هذه الأشياء من ~~الأرض، فقد أهلها خير الدين والدنيا " # وفي رواية: «خير الدنيا والآخرة». انتهى، فإن صح هذا ~~الحديث، فلا نظر لأحد معه، ونقل ابن العربي في «أحكامه» هذا الحديث ~~أيضا عن ابن عباس وغيره، ثم قال في آخره: وهذا جائز في القدرة إن ~~صحت به الرواية، انتهى. # قال * ع *: قوله تعالى: { ماء بقدر } قال بعض العلماء: أراد المطر. # وقال بعضهم: إنما أراد الأنهار الأربعة سيحان وجيحان والفرات ~~والنيل. # قال * ع *: والصواب أن هذا كله داخل تحت الماء الذي أنزله الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: { لكم فيها فوكه كثيرة } يحتمل: أن يعود ~~الضمير على الجنات؛ فيشمل أنواع الفواكه، ويحتمل أن يعود على النخيل ~~والأعناب خاصة؛ إذ فيهما مراتب وأنواع، والأول أعم لسائر ~~الثمرات. ### || [23.20-26] # وقوله سبحانه: { وشجرة } عطف على قوله: { جنت } ويريد ms0978 بها ~~الزيتونة، وهي كثيرة في طور سيناء من أرض الشام، وهو الجبل الذي ~~كلم فيه موسى عليه السلام؛ قاله ابن عباس، وغيره، وال { طور }: ~~الجبل في كلام العرب، واختلف في { سينآء } فقال قتادة: معناه ~~الحسن، وقال الجمهور: هو اسم الجبل، كما تقول جبل أحد، وقرأ ~~الجمهور: «تنبت» بفتح التاء وضم الباء، فالتقدير تنبت ومعها ~~الدهن؛ كما تقول خرج زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ~~«تنبت» بضم التاء وكسر الباء واختلف في التقدير على هذه القراءة، ~~فقالت فرقة: الباء زائدة، كما في قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة:195]، وقالت فرقة: التقدير تنبت جناها ومعه الدهن، ~~فالمفعول محذوف، وقيل: نبت وأنبت بمعنى؛ فيكون المعنى كما مضى في ~~قراءة الجمهور، والمراد بالآية تعديد النعم على الإنسان، وباقي الآية ~~بين. # وقوله سبحانه: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا ~~تتقون * فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم... ~~} الآية: هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها ~~فأهلكوا، وفي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل ~~بأولئك، والملأ: الأشراف، والجنة، الجنون، و { حتى حين } ~~معناه إلى وقت يريحكم القدر منه، ثم إن نوحا عليه السلام دعا على ~~قومه حين يئس منهم، وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص؛ ~~وإنما هو ظاهر من قوله: { بما كذبون } فهذا يقتضي طلب العقوبة، ~~وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى الإيمان. ### || [23.27-30] # وقوله عز وجل: { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك فقل الحمد لله } قوله: { ~~بأعيننا }: عبارة عن الإدراك هذا مذهب الحذاق، ووقفت ~~الشريعة على أعين وعين، ولا يجوز أن يقال: عينان من حيث لم توقف ~~الشريعة على التثنية، و { وحينا } معناه في كيفية العمل، ms0979 ووجه ~~البيان لجميع حكم السفينة وما يحتاج إليه، و { أمرنا } يحتمل أن ~~يكون واحد الأوامر، ويحتمل أن يريد واحد الأمور، والصحيح من الأقوال في ~~{ التنور } أنه تنور الخبز، وأنها أمارة كانت بين الله ~~تعالى وبين نوح عليه السلام. # وقوله: { فاسلك }: معناه: فأدخل؛ يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص ~~عن عاصم: { من كل } بالتنوين، والباقون بغير تنوين، والزوجان: كل ~~ما شأنه الاصطحاب من كل شيء؛ نحو: الذكر، والأنثى من الحيوان، ونحو: ~~النعال وغيرها، هذا موقع اللفظة في اللغة. # وقوله: { وأهلك } يريد: قرابته، ثم استثنى من سبق عليه القول ~~بأنه كافر، وهو ابنه وإمرأته، ثم أمر نوح ألا يراجع ربه، ~~ولا يخاطبه شافعا في أحد من الظالمين، ثم أمر بالدعاء في بركة ~~المنزل. # وقوله سبحانه: إن في ذلك لآيت» خطاب لنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثم أخبر سبحانه أنه يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على ~~جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، واللام في { لمبتلين } ~~لام تأكيد، و «مبتلين»: معناه: مصيبين ببلاء، ومختبرين اختبارا ~~يؤدي إلى ذلك. ### || [23.31-39] # وقوله سبحانه: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين }. # قال الطبري - رحمه الله -: إن هذا القرن هم ثمود، قوم صالح. # قال * ع *: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم ~~لم يهلكوا بصيحة. # قلت: وهو ظاهر ترتيب قصص القرآن أن عادا أقدم، { ~~وأترفنهم } معناه نعمناهم، وبسطنا لهم الأموال ~~والأرزاق وقولهم: { أيعدكم } استفهام على جهة الاستبعاد و { ~~أنكم }: الثانية بدل من الأولى عند سيبويه، وقولهم: { ~~هيهات هيهات } استبعاد، وهيهات أحيانا تلي الفاعل دون لام ~~تقول هيهات مجيء زيد، أي: بعد ذلك ومنه قول جرير [الطويل] # فهيهات هيهات العقيق ومن به # وهيهات خل بالعقيق نواصله # وأحيانا يكون الفاعل محذوفا، وذلك عند وجود اللام كهذه الآية، ~~التقدير: بعد الوجود؛ لما توعدون قال صلى الله عليه وسلم ورد بأن فيه حذف ~~الفاعل وحذف المصدر وهو الوجود وذلك غير جائز عند البصريين، وذكر أبو ~~البقاء: أن اللام زائدة «وما» فاعل، أي: بعد ما توعدون. # قال أبو حيان: ms0980 وهذا تفسير معنى لا إعراب؛ لأنه لم تثبت ~~مصدرية «هيهات»، انتهى. وقولهم: { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا } أرادوا: أنه لا وجود لنا غير الوجود؛ وإنما تموت ~~منا طائفة فتذهب، وتجيء طائفة جديدة، وهذا هو كفر الدهرية. ### || [23.40-48] # وقوله: { قال عما قليل ليصبحن ندمين } المعنى: ~~قال الله لهذا النبي الداعي: عما قليل يندم قومك على كفرهم ~~حين لا ينفعهم الندم، ومن ذكر الصيحة ذهب الطبري إلى أنهم قوم ~~ثمود. # وقوله: { بالحق } أي: بما استحقوا بأفعالهم وبما حق منا في ~~عقوبتهم، والغثاء: ما يحمله السيل من زبده الذي لا ينتفع ~~به، فيشبه كل هامد وتالف بذلك. # قال أبو حيان: «وبعدا» منصوب بفعل محذوف، أي: بعدوا بعدا، أي: ~~هلكوا، انتهى، ثم أخبر سبحانه: إنه أنشأ بعد هؤلاء أمما كثيرة، كل ~~أمة بأجل، وفي كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها، وتترى: مصدر من ~~تواتر الشيء. # وقوله سبحانه: { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي: في الإهلاك. # وقوله تعالى: { وجعلناهم أحاديث } يريد أحاديث مثل، ~~وقلما يستعمل الجعل حديثا إلا في الشر، و { عالين } ~~معناه: قاصدين للعلو بالظلم، وقولهم: { وقومهما لنا ~~عبدون } معناه: خادمون متذللون، والطريق المعبد المذلل، ~~و { من المهلكين }: يريد بالغرق. ### || [23.49-50] # وقوله سبحانه: { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: ~~التوراة، و { لعلهم } يريد: بني إسرائيل؛ لأن التوراة إنما ~~نزلت بعد هلاك فرعون والقبط، والربوة: المرتفع من الأرض، ~~والقرار: التمكن، وبين أن ماء هذه الربوة يرى معينا ~~جاريا على وجه الأرض؛ قاله ابن عباس، والمعين: الظاهر الجري للعين، ~~فالميم زائدة، وهو الذي يعاين جريه، لا كالبئر ونحوه، ويحتمل أن ~~يكون من قولهم: معن الماء إذا كثر، وهذه الربوة هي الموضع الذي ~~فرت إليه مريم وقت وضع عيسى عليه السلام هذا قول بعض المفسرين، ~~واختلف الناس في موضع الربوة، فقال ابن المسيب: هي الغوطة بدمشق ~~وهذا أشهر الأقوال؛ لأن صفة الغوطة أنها ذات قرار ومعين على ~~الكمال. # وقال كعب الأحبار: الربوة بيت المقدس، وزعم أن في التوراة ~~أن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء وأنه يزيد على الأرض ms0981 ~~ثمانية عشر ميلا. # قال * ع *: ويترجح: أن الربوة في بيت لحم من بيت المقدس؛ ~~لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء، وقال ابن العربي ~~في «أحكامه»: اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما ~~تفسر لغة ومنها: ما تفسر نقلا، فيفتقر إلى صحة سنده إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ها هنا نكتة، وذلك أنه إذا ~~نقل للناس نقل تواتر أن هذا موضع كذا، وأن هذا الأمر ~~جرى كذا وقع العلم به، ولزم قبوله, لأن الخبر المتواتر ليس من ~~شرطه الإيمان، وخبر الآحاد لا بد من كون المخبر به بصفة ~~الإيمان؛ لأنه بمنزلة الشاهد، والخبر المتواتر بمنزلة العيان، ~~وقد بينا ذلك في «أصول الفقه»، والذي شاهدت عليه الناس ورأيتهم ~~يعينونه تعيين تواتر موضع في سفح الجبل في غربي دمشق، انتهى، ~~وما ذكره: من أن التواتر ليس من شرطه الإيمان هذا هو الصحيح، وفيه ~~خلاف إلا أنا لا نسلم أن هذا متواتر؛ لاختلال شرطه، انظر ~~«المنتهى» لابن الحاجب. ### || [23.51-60] # وقوله سبحانه: { يأيها الرسل كلوا من الطيبت ~~واعملوا صلحا إني بما تعملون عليم } يحتمل أن ~~يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسل، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: { ~~يأيها الرسل } للنبي صلى الله عليه وسلم. # قال * ع *: والوجه في هذا أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وخرج بهذه الصيغة، ليفهم وجيزا أن المقالة قد خوطب بها كل ~~نبي، أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها؛ كما تقول لعالم: يا ~~علماء إنكم أئمة يقتدى بكم؛ فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبري: ~~الخطاب لعيسى عليه السلام. # قلت: والصحيح في تأويل الآية: أنه أمر للمرسلين كما هو نص ~~صريح في الحديث الصحيح؛ فلا معنى للتردد في ذلك وقد روى مسلم والترمذي ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله طيب ولا يقبل إلا طيبا، وإن الله ~~أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: { ~~يأيها الرسل كلوا من الطيبت واعملوا ~~صلحا إني بما تعملون عليم } [المؤمنون:الآية51]. وقال: ~~{ يأيها ms0982 الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقنكم } [البقرة:172]. ثم ذكر الرجل يطيل ~~السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ~~رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، ~~وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب ~~لذلك؟! " # اه. # وقوله تعالى: { وإن هذه أمتكم أمة وحدة ~~وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } ، وهذه الآية ~~تقوى أن قوله تعالى: { يأيها الرسل } إنما هو مخاطبة ~~لجميعهم، وأنه بتقدير حضورهم، وإذا قدرت: { يأيها ~~الرسل } مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم قلق اتصال هذه ~~واتصال وقوله: { فتقطعوا } ، ومعنى الأمة هنا: الملة ~~والشريعة، والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه ~~السلام، وهو دين الإسلام. # وقوله سبحانه: { فتقطعوا } يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل ~~مطاوع؛ كما تقول: تقطع الثوب؛ بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا، ~~وقرأ نافع: «زبرا» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين. # أحدهما: أن الأمم تنازعت كتبا منزلة فاتبعت فرقة ~~الصحف، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكل ~~وبدل، وهذا قول قتادة والثاني: أنهم تنازعوا أمرهم كتبا ~~وضعوها وضلالة ألفوها؛ قاله ابن زيد، وقرأ أبو عمرو بخلاف: «زبرا» ~~بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقا كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكر ~~الأمم في هذه الآية مثالا لقريش خاطب الله سبحانه نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم في شأنهم متصلا بقوله: { فذرهم } أي: فذر ~~هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم، والغمرة: ما عمهم من ضلالهم ~~وفعل بهم فعل الماء الغمر بما حصل فيه، والخيرات هنا نعم الدنيا. # وقوله سبحانه: { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم ~~وجلة. # .. } الآية: أسند الطبري عن عائشة أنها قالت: # " قلت: يا رسول الله، قوله تعالى: { يؤتون ما آتوا } أهي في ~~الذي يزني ويسرق؟ قال: لا، يا بنت أبي بكر، بل هي ~~في الرجل يصوم ويتصدق وقلبه وجل، يخاف ألا ~~يتقبل منه " # قال * ع *: ولا نظر مع الحديث، والوجل: نحو الاشفاق والخوف، وصورة ~~هذا الوجل إما المخلط؛ فينبغي أن يكون أبدا تحت خوف من أن ~~يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وإما ms0983 التقي أو التائب، فخوفه ~~أمر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وفي قوله تعالى: { أنهم ~~إلى ربهم رجعون }: تنبيه على الخاتمة، وقال الحسن: معناه ~~الذين يفعلون ما يفعلون من البر، ويخافون ألا ينجيهم ذلك من ~~عذاب ربهم، وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضا أنه قال: ~~المؤمن يجمع إحسانا وشفقة، والمنافق يجمع إساءة وأمنا. # قلت: ولهذا الخطب العظيم أطال الأولياء في هذه الدار حزنهم ~~وأجروا على الوجنات مدامعهم. # قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان قال: إنما الحزن على ~~قدر البصيرة. # قال ابن المبارك: وأخبرنا مالك بن مغول عن رجل عن الحسن قال: ما عبد ~~الله بمثل طول الحزن، وقال ابن المبارك أيضا: أخبرنا مسعر عن عبد ~~الأعلى التيمي قال: أن من أوتي من العلم ما لا يبكيه ~~لخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه؛ لأن الله تعالى نعت ~~العلماء فقال: # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم # إلى قوله: # ويخرون للأذقان يبكون # [الإسراء:107-109]، انتهى. ### || [23.61-65] # وقوله سبحانه: { أولئك يسارعون في الخيرات وهم ~~لها سابقون } أي: إليها سابقون، وهذا قول بعضهم في قوله: «لها»، ~~وقالت فرقة: معناه وهم من أجلها سابقون، وقال الطبري عن ابن عباس: ~~المعنى: سبقت لهم السعادة في الأزل؛ فهم لها، ورجحه الطبري ~~بأن اللام متمكنة في المعنى. # وقوله سبحانه: { ولدينا كتاب ينطق بالحق } أظهر ما قيل ~~فيه أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وقيل: الإشارة ~~إلى القرآن، والأول أظهر. # وقوله سبحانه: { بل قلوبهم في غمرة من هذا } ~~اختلف في الإشارة بقوله: { من هذا } هل هي: إلى القرآن، أو ~~إلى كتاب الإحصاء، أو إلى الدين بجملته، أو إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ { ولهم أعمال } أي: من الفساد { هم لها عاملون }: ~~في الحال والاستقبال, والمترف: المنعم في الدنيا، الذي هو ~~منها في سرف، و { يجأرون } معناه: يستغيثون بصياح كصياح البقر، ~~وكثر استعمال الجؤار في البشر؛ ومنه قول الأعشى: [المتقارب] # يراوح من صلوات المليك # طورا سجودا وطورا جؤارا # وقال *ص*: جأر الرجل إلى الله تعالى، ms0984 أي: تضرع؛ قاله الحوفي، ~~انتهى, وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور هو الوعيد بيوم ~~بدر، وقيل: غير هذا. # وقوله سبحانه: { لا تجأروا اليوم } أي: يقال لهم يوم العذاب: ~~لا تجأروا اليوم. ### || [23.66-76] # وقوله: { قد كانت آياتي تتلى عليكم } يعني القرآن و { ~~تنكصون } معناه: ترجعون وراءكم، وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن ~~الحق و { مستكبرين } حال والضمير في { به }: عائد على ~~الحرم والمسجد وإن لم يتقدم له ذكر؛ لشهرته، والمعنى: إنكم ~~تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد الحرام أعظم الحقوق على الناس ~~والمنزلة عند الله، فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق. # وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن والمعنى: يحدث لكم سماع آياتي ~~كبرا وطغيانا، وهذا قول جيد، وذكر منذر ابن سعيد: أن الضمير للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بما بعده، كأن الكلام تم في قوله: ~~{ مستكبرين } ثم قال: بمحمد عليه السلام سامرا تهجرون، و { ~~سامرا } حال، وهو مفرد بمعنى الجمع؛ يقال: قوم سمر وسمرة ~~وسامر، ومعناه: سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على ~~الأشخاص من ضوء القمر، وكانت العرب تجلس للسمر تتحدث وهذا أوجب ~~معرفتها بالنجوم؛ لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب، ~~وقرأ أبو رجاء: «سمارا» وقرأ ابن عباس وغيره: «سمرا» وكانت قريش ~~تسمر حول الكعبة في أباطيلها وكفرها، وقرأ السبعة غير نافع: ~~«تهجرون»: بفتح التاء وضم الجيم؛ قال ابن عباس معناه: تهجرون ~~الحق وذكر الله، وتقطعونه؛ من الهجران المعروف، وقال ابن زيد: هو ~~من هجر المريض: إذا هذى، أي: تقولون اللغو من القول؛ وقاله أبو حاتم، ~~وقرأ نافع وحده: «تهجرون»: بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل ~~المدينة، ومعناه: تقولون الفحش والهجر من القول، وهذه إشارة إلى ~~سبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ قال ابن عباس أيضا ~~وغيره، ثم وبخهم سبحانه بقوله: { أفلم يدبروا القول } ~~لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد قال بعضهم: شعر، وبعضهم: سحر وغير ~~ذلك، أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أي: ليس ببدع بل قد جاء ~~آباءهم ms0985 الأولين، وهم سالف الأمم الرسل؛ كنوح، وإبراهيم، ~~وإسماعيل وغيرهم، وفي هذا التأويل من التجوز أن جعل سالف ~~الأمم، آباء؛ إذ الناس في الجملة آخرهم من أولهم. # { أم لم يعرفوا رسولهم } المعنى: ألم يعرفوا صدقه وأمانته ~~مدة عمره صلى الله عليه وسلم. # وقوله سبحانه: { ولو اتبع الحق أهوآءهم }. # قال ابن جريج، وأبو صالح: الحق: الله تعالى. # قال * ع *: وهذا ليس من نمط الآية، وقال غيرهما: الحق هنا: الصواب ~~والمستقيم. # قال * ع *: وهذا هو الأحرى، ويستقيم على هذا فساد السموات والأرض ~~ومن فيهن لو كان بحكم هوى هؤلاء؛ وذلك أنهم جعلوا لله شركاء ~~وأولادا، ولو كان هذا حقا لم تكن لله عز وجل الصفات العلية، ~~ولو لم تكن له سبحانه لم تكن الصنعة، ولا القدرة كما هي، ~~وكان ذلك فساد السموات والأرض ومن فيهن: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22]. # وقوله سبحانه: { بل أتيناهم بذكرهم } قال ابن عباس: ~~بوعظهم، ويحتمل: بشرفهم، وهو مروي. # { أم تسألهم خرجا } الخرج والخراج بمعنى، وهو: المال ~~الذي يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة. # وقوله سبحانه: { فخراج ربك خير } يريد ثوابه، ويحتمل أن ~~يريد بخراج ربك: رزقه، ويؤيده قوله: { وهو خير ~~الرازقين }. # و «الصراط المستقيم» دين الإسلام، «وناكبون»: أي: مجادلون ومعرضون، ~~وقال البخاري: { لناكبون }: لعادلون، انتهى. # قال أبو حيان: يقال: نكب عن الطريق ونكب بالتشديد، أي: عدل عنه، ~~انتهى، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط، ومن الله ~~عليهم بالخصب، ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم ولجوا في طغيانهم، ~~وهذه الآية نزلت في المدة التي أصاب فيها قريشا السنون ~~الجدبة والجوع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # ، الحديث. # { ولقد أخذناهم بالعذاب } ، قال ابن عباس وغيره: هو ~~الجوع والجدب حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها، وروي أنهم ~~لما بلغهم الجهد ركب أبو سفيان، وجاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة فقال: يا محمد، ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين؟ قال: بلى، قال: قد قتلت الآباء بالسيف، ms0986 ~~والأبناء بالجوع، وقد أكلنا العلهز؛ فنزلت الآية، و { ~~استكانوا } معناه: تواضعوا وانخفضوا. ### || [23.77-83] # وقوله سبحانه: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب ~~شديد... } الآية توعد بعذاب غير معين، وهذا هو الصواب، وهذه ~~المجاعة إنما كانت بعد وقعة بدر، والمبلس الذي قد نزل به شر ~~ويئس من زواله ونسخه بخير، ثم ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس ~~تعديدها استدلال بها على عظم قدرته سبحانه، فقال: { وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار... } الآية, أنشأ بمعنى: اخترع، ~~والأفئدة: القلوب، وذرأ: بث وخلق. # وقوله: { بل } إضراب، والجحد قبله مقدر كأنه قال: ليس لهم نظر ~~في هذه الآيات أو نحو هذا، و { الأولون }: يشير به إلى الأمم ~~الكافرة: كعاد وثمود. # وقوله تعالى: { لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من ~~قبل... } الآية, قولهم: { وءاباؤنا } إن حكي المقالة عن ~~العرب فمرادهم من سلف من العالم، جعلوهم آباء من حيث النوع ~~واحد، وكونهم سلفا، وفيه تجوز، وإن حكي ذلك عن الأولين ~~فالأمر مستقيم فيهم. ### || [23.84-91] # وقوله سبحانه: { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل ~~من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون } ~~أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بتوقيفهم على هذه الأشياء التي ~~لا يمكنهم إلا الإقرار بها، ويلزم من الإقرار بها توحيد الله ~~وإذعانهم لشرعه ورسالة رسله، وقرأ الجميع في الأول: «لله» بلا خلاف، ~~واختلف في الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده: «الله» جوابا على ~~اللفظ، وقرأ باقي السبعة: «لله» جوابا على المعنى، كأنه قال في ~~السؤال: لمن ملك السموات السبع؟ # وقوله سبحانه: { فأنى تسحرون } استعارة وتشبيه لما وقع منهم من ~~التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها ما يقع من المسحور؛ ~~عبر عنهم بذلك. # وقالت فرقة: { تسحرون } معناه: تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، ~~والإجارة: المنع، والمعنى: أن الله تعالى إذا أراد منع أحد فلا يقدر ~~عليه، وإذا أراد ms0987 أخذه فلا مانع له. # وقوله سبحانه: { وإنهم لكاذبون } أي: فيما ذكروه من الصاحبة، ~~والولد، والشريك، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وفي قوله ~~سبحانه: { وما كان معه من إله } الآية. # دليل التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله تعالى: # لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء:22]. # والجزء المخترع محال أن تتعلق به قدرتان فصاعدا، وقد ~~تقدم الكلام على هذا الدليل؛ فأغنى عن إعادته. # وقوله: { إذا } جواب لمحذوف تقديره: لو كان معه إله إذا لذهب. ### || [23.92-98] # وقوله: { علم الغيب } المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو ~~وغيره: «عالم» بالجر؛ اتباعا للمكتوبة. # وقوله سبحانه: { قل رب إما تريني ما يوعدون * رب ~~فلا تجعلني في القوم الظالمين } أمر الله تعالى ~~نبيه - عليه السلام - أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن ~~كان قضي أن يرى ذلك، «وإن» شرطية و «ما» زائدة و «تريني» جزم ~~بالشرط لزمته النون الثقيلة وهي لا تفارق، «أما» عند ~~المبرد، ويجوز عند سيبويه أن تفارق، ولكن استعمال القرآن ~~لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية ~~والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في ~~حسن الخاتمة، وقوله ثانيا: «رب» اعتراض بين الشرط وجوابه. # وقوله سبحانه: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } أمر ~~بالصفح ومكارم الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو محكم باق في ~~الأمة أبدا، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال. # وقوله: { نحن أعلم بما يصفون } يقتضي أنها آية ~~موادعة. # وقال مجاهد: الدفع بالتي هي أحسن: هو السلام، تسلم عليه إذا ~~لقيته. # وقال الحسن والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه، ~~ويصفح عما يكره، وفي الآية عدة للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: ~~اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتعوذ من همزات ~~الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه؛ وكأنها هي ~~التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المجادلة، ولذلك اتصلت ~~بهذه الآية، وقال ابن زيد: همز الشيطان: الجنون، وفي «مصنف أبي ~~داود»: أن رسول الله ms0988 صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان: همزه، ~~ونفخه، ونفثه " # قال أبو داود: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: السحر. # قال * ع *: والنزغات وسورات الغضب من الشيطان، وهي المتعوذ ~~منها في الآية، وأصل الهمز: الدفع والوكز بيد أو غيرها. # قلت: قال صاحب «سلاح المؤمن»: وهمزات الشياطين: خطراتها التي ~~تخطرها بقلب الإنسان، انتهى. # وقال الواحدي: همزات الشياطين: نزغاتها ووساوسها، ~~انتهى. ### || [23.99-104] # وقوله سبحانه: { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ~~ارجعون * لعلي أعمل صلحا فيما تركت } { حتى } ~~في هذا الموضع حرف ابتداء، والضمير في قوله: { أحدهم } للكفار، ~~وقوله: { ارجعون } أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: { ارجعون ~~}: نون العظمة؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: # " إذا عاين المؤمن الموت، قالت له الملائكة: ~~نرجعك؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ بل قدما إلى ~~الله، وأما الكافر، فيقول: { ارجعون * لعلي أعمل ~~صالحا } " # وقوله: { كلا }: رد وزجر. # وقوله: { إنها كلمة هو قائلها } تحتمل ثلاثة معان: # أحدها: الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع، ويقول هذه الكلمة. # الثاني: أن يكون المعنى: إنها كلمة لا تغني أكثر من أنه يقولها، ولا ~~نفع له فيها ولا غوث الثالث: أن يكون إشارة إلى أنه لو لو ~~رد لعاد، والضمير في: { ورآئهم } للكفار، والبرزخ في كلام العرب: ~~الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك، وهو هنا: للمدة ~~التي بين موت الإنسان وبين بعثه؛ هذا، إجماع من المفسرين. # وقوله عز وجل: { فإذا نفخ في الصور فلا أنسب ~~بينهم... } قال ابن مسعود وغيره: هذا عند النفخة الثانية وقيام ~~الناس من القبور؛ فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرىء بنفسه ~~قد انقطعت بينهم الوسائل، وزال انتفاع الأنساب؛ فلذلك نفاها سبحانه، ~~والمعنى: فلا أنساب نافعة، وروي عن قتادة أنه: ليس أحد أبغض ~~إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف، لأنه يخاف أن يكون له ~~عنده مظلمة، وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه؛ وأمه وأبيه؛ ~~وصاحبته وبنيه، ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه ~~وأبيه، وقد ورد بهذا ms0989 حديث، وكأن ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم ~~تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف. # قال * ع *: وهذا التأويل حسن، وهو مروي المعنى عن ابن عباس، وذكر ~~البزار من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ملك موكل بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف ~~بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك ~~بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى ~~بعدها أبدا، وإن خف ميزانه، نادى الملك بصوت ~~يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها ~~أبدا " # ، انتهى من «العاقبة». وروى أبو داود في «سننه» عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل ~~تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحد ~~أحدا، عند الميزان حتى يعلم: أيخف ميزانه أم ~~يثقل، وعند الكتاب حتى يقول: { هاؤم اقرءوا ~~كتابيه } [الحاقة:19]، حتى يعلم أين يعطى كتابه: ~~أفي يمينه أم في شماله، أم من وراء ظهره، ~~وعند الصراط، إذا وضع بين ظهري جهنم " # ، انتهى. ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشاف الشفتين ~~عن الأسنان، وقد شبه ابن مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكباش ~~إذا شيطت بالنار؛ فإنها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد. # قلت: وفي «الترمذي» عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " { وهم فيها كلحون } قال: تشويه النار، فتقلص ~~شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي ~~شفته السفلى حتى تضرب سرته... " # الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى. # وهذا هو المعول عليه في فهم الآية، وأما قول البخاري: { ~~كالحون } معناه: عابسون فغير ظاهر، ولعله لم يقف على ~~الحديث. ### || [23.105-108] # وقوله سبحانه: { ألم تكن آياتي } أي: يقال لهم، والآيات هنا ~~القرآن، وقرأ حمزة: «شقاوتنا» ثم وقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه ~~الله من عذابهم بقوله: { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ويقال: ~~إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا من كل خير، فتنطبق ms0990 عليهم جهنم، ~~ويقع اليأس عافانا الله من عذابه بمنه وكرمه -! # وقوله: { اخسئوا } زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب. ### || [23.109-118] # وقوله عز وجل: { إنه كان فريق من عبادي يقولون ~~ربنا ءامنا... } الآية الهاء في { إنه }: مبهمة: وهي ضمير ~~الأمر والشأن، والفريق المشار إليه: كل مستضعف من المؤمنين ~~يتفق أن تكون حاله مع كفار مثل هذه الحال، ونزلت الآية في ~~كفار قريش مع صهيب، وعمار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة ~~فيمن جرى مجراهم قديما وبقية الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: ~~«سخريا» بضم السين، والباقون بكسرها؛ فقيل هما بمعنى واحد؛ ذكر ذلك ~~الطبري. # وقال ذلك أبو زيد الأنصاري: إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة ~~وغيره: إن ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو ~~الاستهزاء، ومعنى الاستهزاء هنا أليق؛ ألا ترى إلى قوله: { وكنتم ~~منهم تضحكون }. # وقوله سبحانه: { كم لبثتم في الأرض عدد سنين... } ~~الآية قوله: { في الأرض }. # قال الطبري معناه: في الدنيا أحياء، وعن هذا وقع السؤال، ونسوا ~~لفرط هول العذاب حتى قالوا: { يوما أو بعض يوم } ، والغرض ~~توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب ~~طويل، عافانا الله من ذلك بمنه وكرمه!. # وقال الجمهور: معناه: كم لبثتم في جوف التراب أمواتا؟ قال * ع *: ~~وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث. وكان قولهم: إنهم لا يقومون من ~~التراب، وقوله آخرا: { وأنكم إلينا لا ترجعون } يقتضي ~~ما قلناه. # قلت: الآيات محتملة للمعنيين، والله أعلم بما أراد سبحانه؛ قال ~~البخاري: قال ابن عباس: { فسئل العآدين } أي: الملائكة، ~~انتهى. # * ص *: قرأ الجمهور: «العادين» - بتشديد الدال - اسم فاعل من ~~«عد»، وقرأ الحسن وفي رواية: «العادين» بتخفيف الدال، أي: ~~الظلمة، و«إن» من قوله: { إن لبثتم } نافية، أي: ما لبثتم ~~إلا قليلا، اه. و { عبثا }: معناه: باطلا، لغير غاية ~~مرادة، وخرج أبو نعيم الحافظ عن حنش الصنعاني عن ابن ~~مسعود # " أنه قرأ في أذن مبتلى: { أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا... } إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما قرأت في أذنه؟ قال: ms0991 قرأت: { أفحسبتم... } إلى آخر ~~السورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أن رجلا ~~موقنا قرأها على جبل لزال " # ، انتهى، وخرجه ابن السني أيضا، ذكره النووي. # وقوله سبحانه: { فتعالى الله الملك الحق }: المعنى: ~~فتعالى الله عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم توعد ~~سبحانه عبدة الأوثان بقوله: { فإنما حسابه عند ربه } ~~، وفي حرف عبد الله: «عند ربك»، وفي حرف أبي: «عند الله» ثم أمر ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالدعاء والذكر له فقال: { وقل ~~رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-3] # قوله تعالى: { سورة أنزلنها وفرضنها... } الآية معنى ~~«فرضنا». أوجبنا وأثبتنا، وقال الثعلبي والواحدي: { ~~فرضنها } أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام، انتهى، وقال البخاري: ~~قال ابن عباس: { سورة أنزلنها }: بيناها، انتهى. وما تقدم ~~أبين. # * ص *: { فرضناها } الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو ~~عمرو وابن كثير: بتشديد الراء: إما للمبالغة في الإيجاب، وإما ~~لأن فيها فرائض شتى، انتهى، والآيات البينات: أمثالها ~~ومواعظها وأحكامها. # وقوله تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة... } الآية, هذه الآية ناسخة لآية الحبس ~~باتفاق، وحكم المحصنين منسوخ بآية الرجم والسنة المتواترة ~~على ما تقدم في سورة النساء، وقرأ الجمهور: «رأفة» بهمزة ساكنة؛ من ~~رأف إذا رق ورحم، والرأفة المنهي عنها هي في إسقاط ~~الحد، أي: أقيموه ولا بد، وهذا تأويل ابن عمر وغيره. # وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم ~~أن يخفف ضرب الخمر، والفرية دون ضرب الزنا. # وقوله تعالى: { وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين } أي: إغلاظا على الزناة، وتوبيخا لهم، ولا خلاف أن ~~الطائفة كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أقل ما ~~يجزىء فقال الزهري: الطائفة: ثلاثة فصاعدا، وقال عطاء: لا ~~بد من اثنين، وهذا هو مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة. # وقوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~} مقصد الآية تشنيع الزنا وتشنيع أمره، وأنه محرم على ~~المؤمنين ويريد بقوله: { لا ينكح } أي: لا يطأ، فالنكاح هنا ~~بمعنى: الجماع؛ ms0992 كقوله تعالى: # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة:230]. # وقد بينه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه بمعنى الوطء، حيث ~~قال: # " لا حتى تذوقي عسيلته... " # الحديث, وتحتمل الآية وجوها هذا أحسنها. ### || [24.4-5] # وقوله سبحانه: { والذين يرمون المحصنت ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء... } الآية نزلت بسبب القاذفين، وذكر ~~تعالى في الآية: قذف النساء من حيث هو أهم وأبشع، وقذف الرجال ~~داخل في حكم الآية بالمعنى والإجماع على ذلك، و { المحصنت } ~~هنا: العفائف، وشدد تعالى على القاذف بأربعة شهداء؛ رحمة بعباده، ~~وسترا لهم، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود ~~في المكحلة في موطن واحد، فإن اضطرب منهم واحد جلد الثلاثة، ~~والجلد: الضرب، ثم أمر تعالى: ألا تقبل للقذفة المحدودين ~~شهادة أبدا، وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم بفسقهم، ثم استثنى ~~تعالى من تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غير عامل في جلده ~~بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واختلف في عمله في رد الشهادة، ~~والجمهور أنه عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت ~~شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته، فقيل بأن يكذب نفسه، ~~وإلا لم تقبل وقالت فرقة منها مالك: توبته أن يصلح وتحسن ~~حاله. وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاء المالكية متى تسقط ~~شهادة القاذف فقال ابن الماجشون: بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وغيره: ~~لا تسقط حتى يجلد، فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ~~ترد شهادته، قال اللخمي: شهادته في مدة الأجل للإثبات ~~موقوفة، و { تابوا } معناه: رجعوا، وقد رجح الطبري وغيره قول ~~مالك، واختلف أيضا على القول بجواز شهادته، فقال مالك تجوز في كل ~~شيء بإطلاق، وكذلك كل من حد في شيء. # وقال سحنون: من حد في شيء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، ~~واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا. ### || [24.6-10] # وقوله سبحانه: { والذين يرمون أزوجهم ولم يكن ~~لهم شهداء إلا أنفسهم... } الآية: لما رمى هلال بن ~~أمية الواقفي زوجته بشريك بن سحماء عزم النبي ms0993 صلى ~~الله عليه وسلم على ضربه حد القذف؛ فنزلت هذه الآية حسبما ~~هو مشروح في الصحاح، فجمعهما صلى الله عليه وسلم في ~~المسجد، وتلاعنا، وجاء أيضا عويمر العجلاني فرمى ~~امرأته ولاعن، والمشهور: أن نازلة هلال قبل، وأنها سبب ~~الآية، والأزواج في هذه الآية: يعم المسلمات والكافرات والإماء؛ ~~فكلهن يلاعنهن الزوج؛ للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة ~~بدفع حد القذف عن نفسها، وقرأ السبعة غير نافع: { أن لعنت } ~~، و { أن غضب } بتشديد «أن» فيهما ونصب اللعنة والغضب، ~~والعذاب المدرأ في قول الجمهور: هو الحد، وجعلت اللعنة للرجل ~~الكاذب؛ لأنه مفتر مباهت، فأبعد باللعنة، وجعل ~~الغضب، الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت ~~وباهتت بالقول، والله أعلم، وأجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان ~~بادعاء الرؤية زنا لا وطئا من الزوج بعده، وذلك مشهور المذهب. # وقال مالك: إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء ~~والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه، فيقول ~~الزوج: أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني، وإني في ذلك لمن الصادقين، ~~ثم يقول في الخامسة: أن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وأما ~~في لعان نفي الحمل فيقول: ما هذا الولد مني، وتقول المرأة: أشهد ~~بالله ما زنيت، وأنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول: غضب الله ~~علي إن كان من الصادقين، فإن منع جهلهما من ترتيب هذه ~~الألفاظ، وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، ومشهور المذهب: أن نفس تمام ~~اللعان بينهما فرقة، ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم، وتحريم اللعان ~~أبدي باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك، وجواب { لولا } محذوف ~~تقديره: لكشف الزناة بأيسر من هذا، أو لأخذهم بعقابه ونحو هذا. ### || [24.11-13] # وقوله تعالى: { إن الذين جاءو بالإفك... } الآية: نزلت في ~~شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ففي «البخاري» في غزوة بني ~~المصطلق عن عائشة رضي الله عنها قالت: وأنزل الله العشر ~~الآيات في براءتي: { إن الذين جاءو بالإفك... } ~~الآيات: والإفك: الزور والكذب، وحديث الإفك في «البخاري» و «مسلم» ~~وغيرهما ms0994 مستوعب، والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين. # وقوله سبحانه: { لا تحسبوه } خطاب لكل من ساءه ذلك من ~~المؤمنين. # وقوله تعالى: { بل هو خير لكم } معناه: أنه تبرئة في ~~الدنيا, وترفيع من الله تعالى في أن نزل وحيه بالبراءة من ~~ذلك، وأجر جزيل في الآخرة، وموعظة للمؤمنين في غابر الدهر، و { ~~اكتسب }: مستعملة في المآثم، والإشارة بقوله تعالى: { والذي ~~تولى كبره } هي إلى: عبد الله بن أبي ابن سلول وغيره من ~~المنافقين، وكبره: مصدر كبر الشيء وعظم ولكن استعملت العرب ~~ضم الكاف في السن. # وقوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنت بأنفسهم خيرا... } الآية: الخطاب للمؤمنين ~~حاشا من تولى كبره، وفي هذا عتاب للمؤمنين، أي: كان الإنكار ~~واجبا عليهم، ويقيس فضلاء المؤمنين الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك ~~يبعد فيهم فأم المؤمنين أبعد، لفضلها، ووقع هذا ~~النظر الشديد من أبي أيوب وامرأته؛ وذلك أنه دخل عليها ~~فقالت له: «يا أبا أيوب، أسمعت ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذب؛ ~~أكنت أنت يا أم أيوب، تفعلين ذلك؟ فقالت: لا، والله، قال: فعائشة ~~ والله أفضل منك، قالت أم أيوب: نعم» فهذا الفعل ونحوه هو ~~الذي عاتب الله فيه المؤمنين؛ إذ لم يفعله جميعهم، والضمير في قوله: { ~~لولا جاءو } للذين تولوا كبره. ### || [24.14-18] # وقوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى ~~الدنيا والأخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب ~~عظيم } هذا عتاب من الله تعالى، بليغ في تعاطيهم هذا الحديث وإن لم ~~يكن المخبر والمخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من ~~لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه، وقرأ ~~ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر: «إذ ~~تلقونه» بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف ، ومعنى هذه ~~القراءة من قول العرب: ولق الرجل ولقا إذا كذب، وحكى الطبري: ~~أن هذه اللفظة مأخوذة من: الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء؛ ~~يقال: ولق في سيره إذ أسرع، والضمير في: { تحسبونه } للحديث ~~والخوض فيه والإذاعة له. # وقوله تعالى: { سبحنك ms0995 } أي: تنزيها لله أن يقع هذا من زوج ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وحقيقة البهتان: أن يقال في الإنسان ~~ما ليس فيه، والغيبة: أن يقال في الإنسان ما فيه، ثم وعظهم تعالى في ~~العودة إلى مثل هذه الحالة. ### || [24.19-21] # وقوله سبحانه: { إن الذين يحبون أن تشيع الفحشة ~~في الذين ءامنوا... } الآية: قال مجاهد وغيره: الإشارة بهذه ~~الآية إلى المنافقين، وعذابهم الأليم في الدنيا: الحدود، وفي الآخرة: ~~النار، وقالت فرقة: الآية عامة في كل قاذف، وهذا هو الأظهر. # وقوله تعالى: { والله يعلم } معناه: يعلم البريء من ~~المذنب، ويعلم سائر الأمور، وجواب { لولا } أيضا محذوف تقديره: ~~لفضحكم بذنوبكم، أو لعذبكم ونحوه. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا ~~خطوت الشيطن... } الآية: خطوات جمع خطوة، وهي ما بين ~~القدمين في المشي، فكأن المعنى: لا تمشوا في سبله وطرقه. # قلت: وفي قوله سبحانه: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا }: ما يردع العاقل ~~عن الاشتغال بغيره، ويوجب له الاهتمام بإصلاح نفسه قبل هجوم ~~منيته وحلول رمسه، وحدث أبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ~~إسماعيل بن كثير قال: سمعت مجاهدا يقول: «إن الملائكة مع ابن آدم، ~~فإذا ذكر أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مثله، وإذا ذكره ~~بشر، قالت الملائكة: ابن آدم المستور عورته، أربع على نفسك، ~~واحمد الله الذي يستر عورتك» انتهى وروينا في «سنن أبي داود» عن ~~سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم) ~~قال: # " من حمى مؤمنا من منافق أراه قال: بعث الله ~~ملكا يحمي لحمة يوم القيامة من نار جهنم، ~~ومن رمى مسلما بشيء يريد به شينه، حبسه الله ~~ عز وجل على جسر جهنم حتى يخرج مما قال " # وروينا أيضا عن أبي داود بسنده عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن ~~سهل الأنصاريين أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من امرىء يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك ~~فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله ms0996 ~~الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرىء ~~ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، ~~وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في ~~موضع يحب فيه نصرته " # ، انتهى، ثم ذكر تعالى أنه يزكي من شاء ممن سبقت له السعادة، ~~وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له. ### || [24.22] # وقوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم... } الآية: ~~المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي الله عنه ~~ومسطح بن أثاثة، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق ~~عليه، لمسكنته، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أنه: وقع مسطح ~~مع من وقع؛ فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء ~~مسطح معتذرا وقال: إنما كنت أسمع ولا أقول، فنزلت الآية، ~~والفضل: الزيادة في الدين، والسعة هنا: هي المال، ثم قال تعالى: { ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم... } الآية، أي: كما تحبون ~~عفو الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أن أبا بكر ~~قال: بلى، إني أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح ما ~~كان يجري عليه من النفقة والإحسان. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وفي هذه الآية دليل على أن الحنث ~~إذا رآه الإنسان خيرا هو أولى من البر، ولقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، ~~وليكفر عن يمينه " # انتهى. وقال بعض الناس: هذه أرجى، آية في كتاب الله عز وجل من حيث ~~لطفه سبحانه بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. # قال * ع *: وإنما تعطى الآية تفضلا من الله تعالى في الدنيا، ~~وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس، أي: ~~إذا أمر أولي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته ~~سبحانه لا رب غيره، وإنما آيات الرجاء: قوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم # [الزمر:53]. # وقوله تعالى: # الله لطيف بعباده # [الشورى:19]. وسمعت أبي رحمه الله يقول: أرجى آية في كتاب الله عندي ~~قوله تعالى: # وبشر المؤمنين ms0997 بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب:47]. وقال بعضهم: أرجى آية قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى:5]. ### || [24.23-25] # وقوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنت... } الآية: ~~قال ابن جبير: هذه الآية خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس وغيره: ~~بل ولجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لمكانهن من الدين ولم يقرن ~~بآخر الآية توبة. # قال * ع *: وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، ولعن ~~الدنيا: الإبعاد، وضرب الحد، والعامل في قوله: { يوم } فعل مضمر ~~تقديره: يعذبون يوم أو نحو هذا، والدين في هذه الآية: الجزاء، وفي ~~مصحف ابن مسعود وأبي: { يومئذ يوفيهم الله الحق ~~دينهم } بتقديم الصفة على الموصوف. # وقوله: { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } ~~يقوي قول من ذهب: أن الآية في المنافقين عبد الله بن ~~أبي وغيره. ### || [24.26-28] # وقوله تعالى: { الخبيثت للخبيثين... } الآية: قال ابن عباس ~~وغيره: الموصوف بالخبث والطيب: الأقوال والأفعال، وقال ابن زيد: ~~الموصوف بالخبث والطيب، النساء والرجال، ومعنى هذا التفريق بين ~~حكم ابن أبي وأشباهه وبين حكم النبي صلى الله عليه وسلم وفضلاء ~~أصحابه وأمته. # وقوله تعالى: { أولئك مبرءون مما يقولون } إشارة ~~إلى الطيبين المذكورين، وقيل: الإشارة ب { أولئك } إلى عائشة - رضي ~~الله عنها - ومن في معناها. # وقوله تعالى: { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا } سبب هذه الآية فيما روى الطبري: أن امرأة من ~~الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي ~~لا أحب أن يراني أحد عليها، لا والد ولا ولد، وإنه لا ~~يزال يدخل علي رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال؛ فنزلت هذه الآية، ~~ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر، وبيت الإنسان: هو الذي لا أحد ~~معه فيه، أو البيت الذي فيه زوجته أو أمته، وما عدا هذا فهو غير ~~بيته، و { تستأنسوا } معناه: تستعملوا من في البيت، وتستبصروا, ~~تقول: آنست: إذا علمت عن حس وإذا أبصرت؛ ومنه قوله تعالى: # آنستم منهم رشدا # [النساء:6]. # و «استأنس» وزنه: استفعل، فكأن المعنى في { تستأنسوا }: تطلبوا ~~أن ms0998 تعلموا ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم ~~أمر البيت الذي يريد دخوله، فذلك يكون بالاستئذان على من فيه، أو بأن ~~يتنحنح ويشعر بنفسه بأي وجه أمكنه، ويتأتى قدر ما يتحفظ منه، ~~ويدخل إثر ذلك. # وذهب الطبري في: { تستأنسوا } إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل ~~البيت بأنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه، وتؤنسوا نفوسكم بأن تعلموا أن ~~قد شعر بكم. # قال * ع *: وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس، وقرأ أبي وابن ~~عباس: «حتى: تستأذنوا وتسلموا» وصورة الاستئذان أن يقول ~~الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع ~~انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، ~~والضمير في قوله: { تجدوا فيها }: للبيوت التي هي بيوت الغير، ~~وأسند الطبري عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري ~~كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول: لي ~~ارجع، فأرجع وأنما مغتبط؛ لقوله تعالى: { هو أزكى لكم }. # وقوله تعالى: { والله بما تعملون عليم } توعد لأهل ~~التجسس. ### || [24.29-31] # وقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا ~~غير مسكونة... } الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفع ~~الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد؛ لأن العلة في الاستئذان ~~خوف الكشفة على المحرمات، فإذا زالت العلة زال الحكم، وباقي ~~الآية بين ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه الله: أنه بلغه أنه كان ~~يستحب إذا دخل البيت غير المسكون أن يقول، الذي يدخله: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، انتهى، أخرجه ~~في «الموطإ». # وقوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } ~~أظهر ما في { من } أن تكون للتبعيض، لأن أول نظرة لا يملكها ~~الإنسان؛ وإنما يغض فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج؛ ~~إذ حفظها عام لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر ~~السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وحفظ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه ~~حيث لا يحل. # قلت: النواظر صوارم مشهورة فاغمدها في غمد الغض والحياء من نظر ms0999 ~~المولى وإلا جرحك بها عدو الهوى، لا ترسل بريد النظر فيجلب لقلبك ~~رديء الفكر، غض البصر يورث القلب نورا، وإطلاقه يقدح في ~~القلب نارا، انتهى من «الكلم الفارقية في الحكم الحقيقية». # قال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { ذلك أزكى لهم } ~~يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غض بصره كان أطهر له من الذنوب وأنمى ~~لعمله في الطاعة. # قال ابن العربي: ومن غض، البصر: كف التطلع إلى المباحات من ~~زينة الدنيا وجمالها؛ كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجا ~~منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ~~ورزق ربك خير وأبقى # [طه:131]. يريد ما عند الله تعالى، انتهى. # وقوله تعالى: { وقل للمؤمنت يغضضن من ~~أبصرهن... } الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية ~~بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر إليه، وفي ~~حديث أم سلمة قالت: كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " احتجبن، فقلن: إنه أعمى فقال صلى الله عليه وسلم: ~~أفعمياوان أنتما " # و { من } الكلام فيها كالتي قبلها. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وكما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ~~لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقته بها كعلاقتها به، ~~وقصده منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أم سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ ~~الفرج يعم الفواحش، وستر العورة، وما دون ذلك مما فيه حفظ، ثم ~~أمر تعالى بألا يبدين زينتهن إلا ما يظهر من الزينة؛ قال ~~ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. # وقال ابن جبير وغيره: الوجه والكفان والثياب. # وقيل: غير هذا. # قال: زينتها * ع *: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة ~~بألا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء ~~في كل ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح ~~شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في ~~تفسير ms1000 الآية كما تقدم؛ قال وروي عن أبي هريرة في قوله تعالى: { ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال: القلب ~~والفتخة. # قال جرير بن حازم: القلب: السوار، والفتخة: الخاتم، انتهى من ~~«التمهيد». # وقوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن }. # قال ابن العربي: الجيب هو الطوق، والخمار: هو المقنعة, انتهى. # قال * ع *: سبب الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين ~~رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر؛ فيبقى النحر والعنق ~~والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلي الخمار على ~~الجيوب، وهيئة ذلك يستر جميع ما ذكرناه، وقالت عائشة - رضي الله ~~عنها - رحم الله المهاجرات الأول؛ لما نزلت هذه الآية ~~عمدن إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة، وضربن بها على الجيوب. # وقوله سبحانه: { أو نسائهن } يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء ~~المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل ~~الذمة أن يدخلن الحمام مع نساء المسلمين فامتثل. # وقوله سبحانه: { أو ما ملكت أيمنهن } يدخل فيه الإماء ~~الكتابيات والعبيد. # وقال ابن عباس وجماعة: لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها إلا أن ~~يكون وغدا. # وقوله تعالى: { أو التبعين } يريد الأتباع ليطعموا، وهم ~~فسول الرجال الذين لا إربة لهم في الوطء، ويدخل في هذه الصنيفة: ~~المجبوب، والشيخ الفاني، وبعض المعتوهين، والذي لا إربة له ~~من الرجال قليل، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس، ويقال: طفل ~~ما لم يراهق الحلم، و { يظهروا } معناه: يطلعوا بالوطء. # وقوله تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن... } الآية، قيل: ~~سببها أن امرأة مرت على قوم فضربت برجلها الأرض فصوت ~~الخلخال، وسماع صوت هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها؛ ~~ذكره الزجاج، ثم أمر سبحانه بالتوبة مطلقة عامة من كل شيء ~~صغير وكبير. ### || [24.32-34] # وقوله تعالى: { وأنكحوا الأيمى منكم } الأيم: من ~~لا زوجة له أو لا زوج لها؛ فالأيم: يقال للرجل والمرأة. # وقوله: { والصلحين } يريد: للنكاح، وهذا الأمر بالنكاح يختلف ~~بحسب شخص شخص، ففي نازلة: يتصور وجوبه، وفي نازلة: الندب ~~وغير ذلك حسبما هو مذكور في كتب ms1001 الفقه؛ قال ابن العربي في «أحكامه»: ~~قوله تعالى: { والصلحين من عبادكم } الأظهر فيه: أنه أمر ~~بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السادة في ~~العبيد والإماء؛ كما هو في الأحرار بيد الأولياء، انتهى. ثم وعد تعالى ~~بإغناء الفقراء المتزوجين؛ طلب رضا الله عنهم، واعتصاما من معاصيه، ~~ثم أمر تعالى كل من يتعذر عليه النكاح أن يستعفف حتى ~~يغنيهم الله من فضله، إذ الغالب من موانع النكاح عدم المال، ~~فوعد سبحانه المتعفف بالغنى. والمكاتبة: مفاعلة من حيث يكتب ~~هذا على نفسه وهذا على نفسه، ومذهب مالك: أن الأمر بالكتابة هو على ~~الندب. # وقال عطاء: ذلك واجب، وهو ظاهر مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # وقوله: { إن علمتم فيهم خيرا } قالت فرقة: الخير هنا المال. # وقال مالك: إنه ليقال: القوة والأداء، وقال عبيدة ~~السلماني: الخير هو: الصلاح في الدين. # وقوله تعالى: { وءاتوهم } قال المفسرون: هو أمر لكل مكاتب أن ~~يضع عن العبد من مال كتابته، ورأى مالك هذا الأمر على الندب، ولم ~~ير لقدر الوضيعة حدا، واستحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ~~يوضع عنه الربع، وقيل: الثلث، وقيل: العشر، ورأى عمر أن ~~يكون ذلك من أول نجومه؛ مبادرة إلى الخير، وخوف ألا يدرك ~~آخرها، ورأى مالك وغيره: أن يكون الوضع من آخر نجم؛ وعلة ذلك ~~أنه: ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه ~~وضيعته وهي شبه الصدقة. # قلت: والظاهر أن هذا لا يعد رجوعا كما لو رجع إليه بالميراث، ~~ورأى الشافعي وغيره: أن الوضيعة واجبة يحكم بها. # وقال الحسن وغيره: الخطاب بقوله تعالى: { وءاتوهم }: للناس أجمعين في ~~أن يتصدقوا على المكاتبين. # وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب لولاة الأمور. # وقوله سبحانه: { ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن ~~أردن تحصنا } الآية: روي: أن سبب الآية هو أن عبد الله ~~بن أبي ابن سلول كانت له أمة، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، ~~فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فيه، وفيمن ~~فعل ms1002 فعله من المنافقين. # وقوله: { إن أردن تحصنا } راجع إلى الفتيات؛ وذلك أن ~~الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون ~~السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد ~~التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها: لأن ~~الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للفساد، فهذا أمر في سادة وفتيات ~~حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين: فقال بعضهم: قوله: { ~~إن أردن } راجع إلى الأيامى في قوله: { وأنكحوا الأيمى ~~منكم } ، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: { إن أردن } ملغي ~~ونحو هذا مما هو ضعيف، والله الموفق للصواب برحمته. # قلت: وما اختاره * ع * هو الذي عول عليه ابن العربي ونصه، ~~وإنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي ~~يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنا، لم يتحصل الإكراه ~~فحصلوه إن شاء الله، انتهى من «الأحكام» وقرأ ابن مسعود وغيره: «فإن ~~الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم» ثم عدد ~~سبحانه نعمه على المؤمنين في قوله: { ولقد أنزلنا ~~إليكم ءايت مبينت ومثلا من الذين خلوا ~~من قبلكم } ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه. ### || [24.35-37] # وقوله تعالى: { الله نور السموات والأرض... } الآية: ~~النور في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر، ويستعمل مجازا ~~فيما صح من المعاني ولاح؛ فيقال: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير ~~والله تعالى ليس كمثله شيء فواضح أنه ليس من الأضواء المدركة، ~~ولم يبق إلا أن المعنى منور السموات والأرض، أي: به وبقدرته ~~أنارت أضواؤها واستقامت أمورها كما تقول الملك نور الأمة أي قوام أمورها ~~وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة ~~محضة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: «الله نور» بفتح ~~النون والواو المشددة وفتح الراء والضمير في { نوره } يعود على الله ~~تعالى؛ قاله جماعة، وهو إضافة خلق إلى خالق، كما تقول: ناقة الله، وبيت ~~الله، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور، فقيل: هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: هو المؤمن، وقيل: ms1003 هو الإيمان والقرآن، وفي قراءة أبي ابن ~~كعب: «مثل نور المؤمنين» والمشكاة: هي الكوة غير النافذة ~~فيها القنديل ونحوه، وهذه الأقوال الثلاثة يطرد فيها مقابلة جزء من ~~المثال بجزء من الممثل، فعلى قول من قال: الممثل محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهو قول كعب الأحبار فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من علمه ~~وهداه، والزجاجة: قلبه، والشجرة المباركة: هي الوحي، والزيت: هو الحجج ~~والبراهين. وعلى قول من قال: إن الممثل به هو المؤمن وهو ~~قول أبي بن كعب ، فالمشكاة صدره، والمصباح: الإيمان، والعلم، ~~والزجاجة: قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها: هو الحجج، والحكمة التي تضمنها ~~قول أبي فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور ~~الأموات، وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أن يريد: مثل نور الله الذي ~~هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور، الذي تتخذونه أنتم على هذه ~~الصفة؛ التي هي أبلغ صفات النور، الذي هو بين أيديكم أيها البشر؛ وقال ~~أبو موسى: المشكاة: الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها القنديل في ~~جوف الزجاجة، والأول أصح. # وقوله: { في زجاجة } لأنه جسم شفاف، المصباح فيه أنور منه ~~في غير الزجاجة، والمصباح: الفتيل بناره. # وقوله: { كأنها كوكب دري } أي في الإنارة والضوء، وذلك ~~يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد ~~أنها في نفسها؛ لصفائها وجودة جوهرها، وهذا التأويل أبلغ في التعاون ~~على النور؛ قال الضحاك: الكوكب الدري: الزهرة. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «توقد» بفتح التاء والدال ، ~~والمراد: المصباح، وقرأ نافع وغيره: «يوقد» أي: المصباح. # وقوله: { من شجرة } أي من زيت شجرة، والمباركة: المنماة. # وقوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية } قال الحسن: أي: ~~ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا؛ وإنما هو مثل ضربه الله تعالى ~~لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية، وقيل ~~غير هذا. # وقوله سبحانه: { يكاد زيتها يضيء... } الآية مبالغة في صفة ~~صفائه وحسنه. # وقوله: { نور على نور } أي: هذه ms1004 كلها ومعان تكامل بها هذا ~~النور الممثل به، وفي هذا الموضع تم المثال، وباقي الآية ~~بين. # وقوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع } قال ابن عباس ~~وغيره: هي المساجد المخصوصة بعبادة الله التي من عادتها أن تنور ~~بهذا النوع من المصابيح. وقوله: { أذن الله }: بمعنى: أمر وقضى، و ~~{ ترفع } قيل: معناه تبنى وتعلى؛ قاله مجاهد وغيره؛ كقوله ~~تعالى: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت... # [البقرة:127]. # وقال الحسن: معناه تعظم ويرفع شأنها، وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة ~~والعبادة قولا وفعلا، و { يسبح له فيها } أي: في المساجد، { ~~بالغدو والأصال } قال ابن عباس: أراد ركعتي الضحى. والعصر، ~~وإن ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص؛ ثم وصف ~~تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم رضاه، لا يشغلهم ~~عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا. # قلت: وعن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ~~ويسمعهم الداعي، فينادي مناد: سيعلم أهل ~~الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات، ثم يقول: ~~أين الذين كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ~~[السجدة:16]؟ ثم يقول: أين الذين كانوا { لا ~~تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله } إلى آخر ~~الآية، ثم ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع لمن ~~الكرم اليوم، ثم يقول: أين الحمادون الذين ~~يحمدون ربهم " # مختصرا رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وله طرق عن أبي ~~إسحاق، انتهى من «السلاح»، ورواه أيضا ابن المبارك من طريق ابن عباس ~~قال: # " إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ستعلمون ~~اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحامدون لله ~~تعالى على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى ~~الجنة، ثم ينادي ثانية: ستعلمون من أصحاب ~~الكرم؛ ليقم الذين كانت جنوبهم تتجافى عن ~~المضاجع؛ يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون؛ قال: فيقومون، فيسرحون إلى ~~الجنة، ثم ينادي ثالثة: ستعلمون اليوم من ~~أصحاب الكرم؛ ليقم الذين كانت: { لا تلهيهم ~~تجرة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة ~~وإيتاء الزكوة يخفون يوما تتقلب ms1005 فيه ~~القلوب والأبصر } فيقومون، فيسرحون إلى الجنة " # انتهى من «التذكرة». والزكاة هنا عند ابن عباس: الطاعة لله. # وقال الحسن: هي الزكاة المفروضة في المال، واليوم المخوف: هو يوم ~~القيامة، ومعنى الآية: إن ذلك اليوم لشدة هوله القلوب والأبصار ~~فيه مضطربة قلقة متقلبة. # قلت: ومن «الكلم الفارقية»: سعادة القلب إقباله على مقلبه ~~والعالم بحال مآله ومنقلبه، القلوب بحار جواهرها المعارف، ~~وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غواص بحر الصور يغوص ~~بصورته في طلب مكسبه، والعارف يغوص بمعنى قلبه في بحار غيب ربه، ~~فيلتقط جواهر الحكمة ودرر الدراية قلوب العارفين، كالبحار ~~تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهر المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى ~~من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده, أما من بذر نفسه ووسواسه العفن ~~المسوس, أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى. # قلت: فإن أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلا على طاعة ~~مولاك؛ فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم. # قال الواحدي: تتقلب فيه القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من ~~الهلاك، والأبصار تتقلب في أي ناحية يؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات ~~الشمال، ومن أي جهة يؤتون كتبهم، انتهى. ### || [24.38-40] # وقوله سبحانه: { ليجزيهم } أي فعلوا ذلك ليجزيهم { أحسن ما ~~عملوا } أي: ثواب أحسن ما عملوا، ولما ذكر تعالى حالة المؤمنين ~~وتنويره قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة وأعمالهم، فقال: { ~~والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } وهي جمع ~~قاع، والقاع: المنخفض البساط من الأرض، ويريد ب { جآءه }: جاء موضعه ~~الذي تخيله فيه، ويحتمل أن يعود الضمير في: { جآءه } على ~~السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره: ~~فكذلك الكافر يوم القيامة، يظن عمله نافعا حتى إذا جاءه لم يجده ~~شيئا. # وقوله: { ووجد الله عنده } أي بالمجازات الضمير في { عنده ~~} عائد على العمل، وباقي الآية وعيد بين. # وقوله تعالى: { أو كظلمت } عطف على قوله: { كسراب } وهذا ~~المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي أنهم من الضلال في مثل ~~هذه الظلمات ms1006 المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بعض الناس إلى أن في ~~هذا المثال أجزاء تقابل أجزاء من الممثل به فقال: الظلمات: ~~الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة، والبحر اللجي: صدر ~~الكافر وقلبه، واللجي معناه: ذو اللجة وهي معظم الماء وغمره، ~~واجتماع ما به أشد لظلمته، والموج: هو الضلال والجهالة التي قد غمرت ~~قلبه، والسحاب هو شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان. # قال * ع *: وهذا التأويل سائغ وألا يقدر هذا التقابل سائغ. # وقوله: { إذآ أخرج يده لم يكد يرها } لفظ يقتضي ~~مبالغة الظلمة، واختلف في هذه اللفظة، هل معناها أنه لم يريده ~~ألبتة؟ أو المعنى أنه رآها بعد عسر وشدة وكاد ألا يراها، ~~ووجه ذلك أن «كاد» إذا صحبها حرف النفي، وجب الفعل الذي بعدها، ~~وإذا لم يصحبها انتفى الفعل، وكاد معناها: قارب. # وقوله تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور } قالت فرقة: يريد في الدنيا، أي: من لم يهده الله لم ~~يهتد، وقالت فرقة: أراد في الآخرة، أي: من لم يرحمه الله ~~وينور حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له. # قال * ع *: والأول أبين وأليق بلفظ الآية، وأيضا فذلك متلازم، ~~ونور الآخرة إنما هو لمن نور قلبه في الدنيا. ### || [24.41-44] # وقوله تعالى: { ألم تر أن الله يسبح له من فى ~~السموت والأرض... } الآية: الرؤية هنا قلبية، والتسبيح: ~~التنزيه والتعظيم، والآية عامة عند المفسرين لكل شيء من العقلاء ~~والجمادات. # وقوله تعالى: { كل قد علم صلاته وتسبيحه } قال ~~الزجاج وغيره: المعنى: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه. # وقال الحسن: المعنى: كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. # وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين ~~أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خلق إلى خالق، وباقي الآية وعيد، و ~~{ يزجي } معناه: يسوق، والركام، الذي يركب بعضه بعضا ويتكاثف، ~~والودق: المطر، قال البخاري: { من خلله } أي: من بين أضعاف ~~السحاب، انتهى. # وقوله تعالى: { وينزل من السمآء من جبال فيها من ~~برد } قيل: ذلك حقيقة، وقد جعل الله في السماء جبالا من ms1007 برد، ~~وقالت فرقة: ذلك مجاز، وإنما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان ~~جبال من مال وجبال من العلم. # قلت: وحمل اللفظ على حقيقته أولى إن لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب ~~«الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن ~~الدارقطني والمختصين به قال: أخبرنا أبو بكر الصولي ~~عن بعض العلماء قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد فذهب ~~بزرعها، فجاء الناس: يعزونها فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم ~~أنت المأمول لأحسن الخلف وبيدك التعويض مما تلف، ~~فافعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: ~~فلم أبرح حتى مر رجل من الأجلاء، فحدث بما كان؛ فوهب لها ~~خمسمائة دينار، فأجاب الله دعوتها وفرج في الحين كربتها، ~~انتهى. وال { سنا } مقصورا: الضوء، وبالمد: المجد، والباء في قوله ~~{ بالأبصار } يحتمل أن تكون زائدة. ### || [24.45-51] # وقوله سبحانه: { والله خلق كل دابة من ماء } الآية ~~آية اعتبار، والدابة: كل ما دب من جميع الحيوان، وقوله: { من ~~ماء } قال الجمهور: يعني أن خلقة كل حيوان فيها ماء؛ كما ~~خلق آدم من الماء والطين، وقال النقاش: أراد مني الذكور، والمشي ~~على البطن: للحيات، والحوت، والدود، وغيره، وعلى رجلين: ~~للإنسان، والطير إذا مشى، وعلى أربع لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي ~~بن كعب: «ومنهم من يمشي على أكثر» فعمم بهذه ~~الزيادة جميع الحيوان. # وقوله تعالى: { لقد أنزلنا ءايت مبينت } يعم ~~كل ما نصب الله تعالى من آية. # وقوله تعالى: { ويقولون } يعني المنافقين؛ روي أن رجلا من ~~المنافقين اسمه بشر دعاه يهودي إلى التحاكم عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان المنافق مبطلا، فأبى، ودعا اليهودي إلى كعب بن ~~الأشرف، فنزلت هذه الآية، فيه والحيف: الميل. # وقوله سبحانه: { إنما كان قول المؤمنين... } الآية ~~المعنى: إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون إذا دعوا إلى حكم الله ~~ورسوله سمعنا وأطعنا. ### || [24.52-55] # وقوله سبحانه: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفآئزون } قال الغزالي في ~~«المنهاج»: التقوى في القرآن تطلق ms1008 على ثلاثة أشياء: # أحدها بمعنى الخشية والهيبة؛ قال الله عز وجل: # وإيي فاتقون # [البقرة:41]. وقال سبحانه: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة:281]. # والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة؛ قال تعالى: # يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران:102]. قال ابن عباس: أطيعوا الله حق طاعته، وقال مجاهد: ~~هو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر ~~فلا يكفر. # والثالث: بمعنى تنزيه القلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون ~~الأوليين؛ ألا ترى أن الله تعالى يقول: { ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفآئزون } ذكر الطاعة والخشية ثم ذكر التقوى، فعلمت أن حقيقة ~~التقوى معنى سوى الطاعة والخشية، وهي تنزيه القلب عن الذنوب، انتهى. # وقوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم... } ~~الآية: جهد اليمين: بلوغ الغاية في تعقيدها، و { ليخرجن } معناه: ~~إلى الغزو، وهذه في المنافقين الذين تولوا حين دعوا إلى الله ورسوله. # وقوله تعالى: { قل لا تقسموا طاعة معروفة } يحتمل ~~معاني: # أحدها: النهي عن القسم الكاذب؛ إذ قد عرف أن طاعتهم دغلة فكأنه ~~يقول: لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه. # والثاني: أن المعنى: لا تتكلفوا القسم؛ فطاعة معروفة على قدر ~~الاستطاعة أمثل وأجدر بكم، وفي هذا التأويل إبقاء عليهم، وقيل غير ~~هذا. # وقوله: { تولوا } معناه: تتولوا، والذي حمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو التبليغ، والذي حمل الناس هو السمع والطاعة واتباع الحق، وباقي ~~الآية بين. ### || [24.56-57] # وقوله تعالى: { وعد الله الذين ءامنوا منكم ~~وعملوا الصلحات ليستخلفنهم... } الآية عامة ~~لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أن يملكهم الله ~~البلاد كما هو الواقع، فسبحانه ما أصدق وعده وقال الضحاك في كتاب ~~«النقاش»: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله ~~عنهم, والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واللام في { ~~ليستخلفنهم } لام القسم. # وقوله: { يعبدونني } فعل مستأنف، أي: هم يعبدونني. # وقوله: { ومن كفر } يحتمل أن يريد كفر هذه النعم، ويحتمل الكفر ~~المخرج عن الملة عياذا بالله من سخطه! وباقي الآية ms1009 بين ~~مما تقدم في غيرها. ### || [24.58] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمنكم } الآية: قيل: «الذين ملكت أيمانهم»: ~~الرجال والنساء، ورجحه الطبري، وقيل: الرجال خاصة، وقيل: النساء ~~خاصة، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء: أن الله تعالى أدب ~~عباده بأن يكون العبيد والأطفال الذين عقلوا معاني الكشفة ~~ونحوها يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، وهي الأوقات ~~التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري في ~~المضاجع، وهي: عند الصباح، وفي وقت القائلة وهي الظهيرة؛ لأن النهار ~~يظهر فيها إذا علا واشتد حره، وبعد العشاء؛ لأنه وقت ~~التعري للنوم، وأما في غير هذه الأوقات فالعرف من الناس ~~التحرز والتحفظ فلا حرج في دخول هذه الصنيفة بغير إذن؛ إذ ~~هم طوافون يمضون ويجيئون، لا يجد الناس بدا من ذلك. # وقوله: { بعضكم على بعض } بدل من قوله: { طوفون } و { ~~ثلث مرت } نصب على الظرف؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ~~ثلاثا؛ وإنما أمروا بالاستئذان في ثلاث مواطن، فالظرفية في ثلاث ~~بينة. # وقوله سبحانه: { وكذلك يبين الله الأيت لكم ~~والله عليم حكيم } بين للمتأمل ### || [24.59-60] # وقوله سبحانه: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم... } ~~الآية: أمر تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا الحلم على ~~حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت، وهذا بيان من الله عز وجل. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم ءايته ~~والله عليم حكيم } بين لا يحتاج إلى تفسير. # { والقوعد من النساء }: هن اللواتي قد أسنن وقعدن ~~عن الولد، واحدتهن قاعد، وقال ربيعة: هي هنا التي تستقذر من ~~كبرها، قال غيره: وقد تقعد المرأة عن الولد وفيها ~~مستمتع، ولما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا ~~مذهب للرجال فيهن أبيح لهن ما لم يبح لغيرهن، وقرأ ابن ~~مسعود وأبي: «أن يضعن من ثيابهن» والعرب تقول: امرأة ~~واضع للتي كبرت، فوضعت خمارها، ثم استثنى عليهن في وضع الثياب ~~ألا يقصدن به التبرج وإبداء الزينة؛ فرب عجوز يبدو منها ~~الحرص على أن يظهر لها جمال، والتبرج: طلب البدو والظهور ~~للعين، ms1010 ومنه: بروج مشيدة، والذي أبيح وضعه لهن الجلباب الذي فوق ~~الخمار والرداء، قاله ابن مسعود وغيره، ثم ذكر تعالى أن تحفظ ~~الجميع منهن، واستعفافهن عن وضع الثياب، والتزامهن ما يلتزم ~~الشواب من الستر أفضل لهن وخير. # وقوله تعالى: { والله سميع عليم } أي: سميع لما يقول كل ~~قائل وقائلة عليم بمقصد كل أحد، وفي هاتين الصفتين توعد وتحذير. ### || [24.61] # وقوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج } إلى قوله { كذلك ~~يبين الله لكم الأيت لعلكم تعقلون } ظاهر ~~الآية: وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه ~~العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم ~~الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصات يطول ~~ذكرها، وذكر الله تعالى بيوت القرابات، وسقط منها بيوت الأبناء؛ فقال ~~المفسرون: ذلك لأنها داخلة في قوله: { من بيوتكم } لأن بيت ابن ~~الرجل بيته. # وقوله تعالى: { أو ما ملكتم مفاتحه } يريد ما خزنتم وصار ~~في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل ~~الضحاك ومجاهد، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاء ~~والعبيد والأجراء بالمعروف. وقرأ ابن جبير: «ملكتم مفاتيحه» ~~مبنيا للمفعول وزيادة يا بين التاء والحاء، وقرن تعالى في هذه الآية ~~الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة؛ لأن قرب المودة لصيق؛ قال ~~معمر: قلت: لقتادة: ألا أشرب من هذا الجب؟ قال: أنت لي صديق، فما ~~هذا الاستئذان؟ قال ابن عباس في كتاب «النقاش»: الصديق أوكد من القرابة؛ ~~ألا ترى استغاثة الجهنميين: # فما لنا من شفعين * ولا صديق حميم # [الشعراء:100، 101]. # وقوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا ~~أو أشتاتا }: رد لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفذاذا ~~ألبتة، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأن إحضار الأكيل ~~لحسن ولكن بألا يحرم الانفراد، قال البخاري: أشتاتا وشتى ~~واحد، انتهى. # وقال بعض أهل العلم: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام: # " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " # الحديث، وبقوله تعالى: { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ~~حتى تستأنسوا } الآية، وبقوله عليه ms1011 السلام من حديث ابن عمر: ~~«لا يجلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه» الحديث. # قلت: والحق أن لا نسخ في شيء مما ذكر، وسيأتي مزيد بيان لهذا ~~المعنى. # وقوله سبحانه: { فإذا دخلتم بيوتا }: قال النخعي: أراد ~~المساجد، والمعنى: سلموا على من فيها، فإن لم يكن فيها أحد ~~فالسلام أن يقول: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وقال ابن عباس وغيره: المراد البيوت المسكونة، أي: سلموا على من ~~فيها، قالوا: ويدخل في ذلك غير المسكونة، ويسلم المرء فيها على ~~نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # قلت: وفي «سلاح المؤمن»، وعن ابن عباس في قوله عز وجل: { فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال: هو المسجد ~~إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين رواه الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلما، انتهى، ~~وهذا هو الصحيح عن ابن عباس، وفهم النووي أن الآية في البيوت ~~المسكونة، قال: ففي الترمذي عن أنس قال: قال لي النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " يا بني، إذا دخلت على أهلك، فسلم، يكن ~~بركة عليك وعلى أهل بيتك " # قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي أبي داود عن أبي أمامة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل : رجل ~~خرج غازيا في سبيل الله عز وجل فهو ضامن على الله ~~تعالى حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما ~~نال من أجر أو غنيمة، ورجل راح إلى المسجد؛ ~~فهو ضامن على الله تعالى حتى يتوفاه فيدخله ~~الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة؛ ورجل ~~دخل بيته بسلام؛ فهو ضامن على الله تعالى " # حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواه آخرون، والضمان: الرعاية ~~للشيء، والمعنى: أنه في رعاية الله عز وجل، انتهى. وقوله تعالى: { ~~تحية من عند الله مبركة } وصفها تعالى بالبركة؛ ~~لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه. # قلت: وقد ذكرنا في سورة النساء: ما ورد في ms1012 المصافحة من رواية ابن ~~السني قال النووي: وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ~~ماجه عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر ~~لهما قبل أن يفترقا " # انتهى. والكاف من قوله: { كذلك }: كاف تشبيه؛ وذلك: إشارة إلى هذه ~~السنن. # وقال أيضا بعض الناس في هذه الآية: أنها منسوخة بآية الاستئذان ~~المتقدمة. # قال * ع *: والنسخ لا يتصور في شيء من هذه الآيات، بل هي ~~محكمة، أما قوله: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة:188] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة طعام ~~هذه الأصناف التي يسرها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية ~~الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكشفة، فإذا استأذن المرء ودخل ~~المنزل بالوجه المباح صح له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس ~~يكون في الآية نسخ فتأمله. ### || [24.62-64] # وقوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ~~ورسوله... } الآية: إنما هنا: للحصر والأمر الجامع يراد به ما ~~للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك ألا ~~يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، والإمام الذي يترقب إذنه هو إمام ~~الإمارة، وروي: أن هذه الآية نزلت في وقت حفر النبي صلى الله عليه ~~وسلم خندق المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ~~ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالاستغفار لصنفي المؤمنين: من ~~أذن له، ومن لم يؤذن له. وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم. # وقوله تعالى: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم ~~كدعآء بعضكم بعضا } أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، ~~وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أن يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه؛ ~~وذلك هو مقتضى التوقير، فالأدب في الدعاء أن يقول: يا رسول الله، ~~ويكون ذلك بتوقير وبر، وخفض صوت، قاله محاهد، واللواذ: الروغان، ~~ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونقمته إذا خالفوا أمره ومعنى ~~{ يخالفون عن أمره } أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى ~~أنه قد علم ما أهل الأرض والسماء عليه، وباقي ms1013 الآية بين، والحمد ~~لله. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # قوله تعالى: { تبرك }. هو مطاوع «بارك» من البركة، و«بارك» ~~فاعل من واحد، ومعناه: زاد، و«تبارك»: فعل مختص بالله تعالى، لم ~~يستعمل في غيره، وهو صفة فعل، أي: كثرت بركاته، ومن جملتها: ~~إنزال كتابه الذي هو الفرقان بين الحق والباطل، والضمير في قوله: ~~{ ليكون }. # قال ابن زيد: هو لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو عبده المذكور، ~~ويحتمل أن يكون للفرقان. # وقوله: { وخلق كل شيء } عام في كل مخلوق، ثم عقب تعالى ~~بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لها صفات الألوهية. والنشور: ~~بعث الناس من القبور. ### || [25.4-6] # { وقال الذين كفروا } يعني: قريشا { إن هذا إلا ~~إفك افتره }: محمد، { وأعانه عليه قوم ءاخرون } ~~تقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة النحل، ثم أكذبهم الله تعالى، وأخبر ~~أنهم ما جاؤوا إلا إثما وزورا، أي: ما قالوا إلا باطلا ~~وبهتانا؛ قال البخاري: { تملى عليه } تقرأ عليه؛ من أمليت ~~وأمللت، انتهى. ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول: إن الذي ~~أنزله هو الذي يعلم سر جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة ~~الشيخ العارف بالله، سيدي عبد الله بن أبي جمرة (رضي الله عنه): ولما ~~كان المراد منا بمقتضى الحكمة الربانية العبادة ~~ودوامها؛ ولذلك خلقنا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، ~~يعني: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # الآية [الذاريات:56]. # وهو عز وجل غني عن عبادتنا وعن كل شيء؛ لكن الحكمة اقتضته لأمر لا ~~يعلمه إلا هو؛ كما قال الله عز وجل: { الذي يعلم السر في ~~السموت والأرض } أي: الذي يعلم الحكمة في خلقها وكذلك في ~~خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى. ### || [25.7-14] # { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام... } ~~الآية: المعنى عندهم: أن من كان رسولا فهو مستغن عن الأكل ~~والمشي في الأسواق، ومحاجتهم بهذا مذكورة في السير، ثم أخبر ~~تعالى عن كفار قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أنهم قالوا: { إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } أي: قد سحر، ثم نبه ~~تعالى نبيه مسليا له عن مقالتهم فقال: ms1014 { انظر كيف ~~ضربوا لك الأمثال... } الآية، والقصور التي في هذه الآية ~~تأولها الثعلبي وغيره أنها في الدنيا، والقصور هي البيوت ~~المبنية بالجدرات، لأنها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية ~~بين، والضمير في { رأتهم } لجهنم. ### || [25.15-18] # وقوله سبحانه: { قل أذلك خير أم جنة الخلد } المعنى: ~~قل يا محمد لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار: أذلك خير ~~أم جنة الخلد، وهذا استفهام على جهة التوقيف والتوبيخ؛ لأن ~~الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء؛ ليرى هل يجيبه ~~بالصواب أو بالخطإ. # وقوله تعالى: «ويوم يحشرهم» يعني الكفار، { وما يعبدون ~~من دون الله } يريد كل شيء عبد من دون الله، وقرأ ابن عامر: ~~«فنقول» بالنون، قال جمهور المفسرين: والموقف المجيب كل من ظلم بأن ~~عبد ممن يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضحاك ~~وعكرمة: الموقف المجيب: الأصنام التي لا تعقل يقدرها الله ~~تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزي الكفرة لذلك أبلغ، وقرأ الجمهور: ~~«نتخذ» بفتح النون ، وذهبوا بالمعنى إلى أنه من قول ~~من يعقل، وأن هذه الآية بمعنى التي في سورة سبإ: # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة # الآية [سبأ:40]. # وكقول عيسى: # ما قلت لهم إلا ما أمرتني به # [المائدة:117]. # وقولهم: { حتى نسوا الذكر } أي: ما ذكر به الناس على ألسنة ~~الأنبياء - عليهم السلام -، وقرأ زيد بن ثابت وجماعة: «نتخذ» ~~بضم النون . ### || [25.19-24] # وقوله تعالى: { فقد كذبوكم... } الآية: خطاب من الله تعالى ~~للكفرة، أخبرهم أن معبوداتهم كذبتهم، وفي هذا الإخبار خزي ~~وتوبيخ لهم، وقرأ حفص عن عاصم: «فما تستطيعون» بالتاء من ~~فوق ؛ قال مجاهد: الضمير في «يستطيعون» هو للمشركين، و { صرفا } ~~معناه رد التكذيب أو العذاب. # وقوله تعالى: { ومن يظلم منكم } قيل: هو خطاب للكفار، ~~وقيل: للمؤمنين، والظلم هنا: الشرك، قاله الحسن وغيره، وقد يحتمل أن ~~يعم غيره من المعاصي، وفي حرف أبي: «ومن يكذب منكم ~~نذقه عذابا كبيرا». # وقوله تعالى: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين... } ~~الآية: رد على قريش في قولهم: { مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق ms1015 } ثم أخبر عز وجل أن السبب في ~~ذلك أنه جعل بعض عبيده فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن ~~وكافر، والتوقيف ب { أتصبرون } خاص بالمؤمنين المحققين، قال ~~ابن العربي في «الأحكام»: ولما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيه المناكر ~~ كره علماؤنا دخولها لأرباب الفضل والمقتدى يهم في الدين؛ ~~تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله تعالى فيها، انتهى. ثم أعرب ~~قوله تعالى: { وكان ربك بصيرا } عن الوعد للصابرين والوعيد ~~للعاصين وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من دخل السوق، فقال: لا إله إلا الله وحده، ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ~~وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء ~~قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ~~ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة " # رواه الترمذي وابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي، وزاد في رواية أخرى: ~~«وبنى له بيتا في الجنة» ورواه الحاكم في «المستدرك» من عدة ~~طرق، انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا... } الآية: ~~الرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، ولما تمنت كفار ~~قريش رؤية ربهم أخبر تعالى عنهم أنهم عظموا أنفسهم، ~~وسألوا ما ليسوا له بأهل. # * ص * { لقد } جواب قسم محذوف، انتهى. والضمير في قوله: { ~~ويقولون } قال مجاهد، وغيره: هو للملائكة، والمعنى: يقول الملائكة ~~للمجرمين: حجرا محجورا عليكم البشرى، أي: حراما محرما، ~~والحجر: الحرام، وقال مجاهد أيضا وابن جريج: الضمير للكافرين ~~المجرمين، قال ابن جريج: كانت العرب إذا كرهوا شيئا، قالوا: حجرا، ~~قال مجاهد: عوذا يستعيذون من الملائكة. # قال * ع *: ويحتمل أن يكون المعنى: ويقولون حرام محرم علينا ~~العفو، وقد ذكر أبو عبيدة أن هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها من ~~خاف آخر في الحرم، أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة؛ قال ~~الداودي: وعن مجاهد: { وقدمنا } أي: عمدنا، انتهى. # قال * ع *: { وقدمنا } أي: حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، ~~ومعنى الآية: وقصدنا إلى أعمالهم ms1016 التي لا تزن شيئا فصيرناها هباء، ~~أي: شيئا لا تحصيل له، والهباء: ما يتطاير في الهواء من الأجزاء ~~الدقيقة ولا يكاد يرى إلا في الشمس، قاله ابن عباس وغيره، ومعنى هذه ~~الآية: جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة، ووصف تعالى الهباء في ~~هذه الآية بمنثور، ووصفه في غيرها بمنبث فقالت فرقة: هما سواء، ~~وقالت فرقة: المنبث: أرق وأدق من المنثور؛ لأن المنثور ~~يقتضي أن غيره نثره، والمنبث كأنه انبث من دقته. # وقوله تعالى: { وأحسن مقيلا } ذهب ابن عباس والنخعي وابن ~~جريج: إلى أن حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، ويقيل أهل ~~الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فالمقيل: القائلة. # قال * ع *: ويحتمل أن اللفظة إنما تضمنت تفضيل الجنة ~~جملة، وحسن هوائها؛ فالعرب تفضل البلاد بحسن المقيل؛ لأن ~~وقت القائلة يبدي فساد هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء ~~حسنا حاز الفضل، وعلى ذلك شواهد. ### || [25.25-29] # { ويوم تشقق السماء } يريد: يوم القيامة. # * ص *: { بالغمم } الباء: للحال، أي: متغيمة، أو للسبب، أو بمعنى ~~«عن»، انتهى. وفي قوله تعالى: { وكان يوما على الكفرين ~~عسيرا }: دليل على أنه سهل على المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن الله ليهون يوم القيامة على المؤمن، حتى ~~يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في ~~الدنيا " # وعض اليدين هو فعل النادم؛ قال ابن عباس وجماعة من المفسرين: الظالم ~~في هذه الآية عقبة بن أبي معيط؛ وذلك أنه كان أسلم أو جنح ~~إلى الإسلام، وكان أبي بن خلف الذي قتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم بيده يوم أحد خليلا لعقبة، فنهاه عن الإسلام، فقبل ~~نهيه؛ فنزلت الآية فيهما، فالظالم: عقبة، و { فلانا } أبي قال ~~السهيلي: وكنى سبحانه عن هذا الظالم ولم يصرح باسمه؛ ~~ليكون هذا الوعيد غير مخصوص به ولا مقصور عليه؛ بل يتناول جميع من ~~فعل مثل فعله، انتهى. # وقال مجاهد وغيره: { الظالم } عام، اسم جنس، وهذا هو الظاهر، وأن ~~مقصد الآية تعظيم يوم القيامة وذكر هوله بأنه ms1017 يوم تندم فيه ~~الظلمة، وتتمنى أنها لم تطع في دنياها إخلاءها، ~~والسبيل المتمناة: هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نهية ~~تنبيه على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة ~~مشهورة، و { الذكر }: ما ذكر الإنسان أمر آخرته من قرآن، أو موعظة ~~ونحوه. # { وكان الشيطان للإنسن خذولا } يحتمل: أن يكون من ~~قول الظالم، ويحتمل: أن يكون ابتداء إخبار من الله عز وجل على وجه ~~التحذير من الشيطان الذي بلغهم ذلك المبلغ ### || [25.30-34] # وقوله تعالى: { وقال الرسول } حكاية عن قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا وتشكيه ما يلقى من قومه؛ هذا قول الجمهور، وهو ~~الظاهر، وقالت فرقة: هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة، و { مهجورا } ~~يحتمل: أن يريد مبعدا مقصيا من الهجر بفتح الهاء، وهذا قول ~~ابن زيد، ويحتمل: أن يريد مقولا فيه الهجر بضم الهاء؛ ~~ إشارة إلى قولهم: شعر وكهانة ونحوه؛ قاله مجاهد. # قال * ع *: وقول ابن زيد منبه للمؤمن على ملازمة المصحف، ~~وألا يكون الغبار يعلوه في البيوت، ويشتغل بغيره، وروى أنس عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من علق مصحفا، ولم يتعاهده جاء يوم ~~القيامة متعلقا به يقول: يا رب، هذا اتخذني ~~مهجورا؛ اقض بيني وبينه " # وفي حلية النووي قال: وروينا في سنن أبي داود ومسند الدارمي ~~عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لمن قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله تعالى يوم ~~القيامة أجذم " # ، وروينا في كتاب أبي داود والترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها ~~الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم ~~أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها ~~رجل ثم نسيها " # تكلم الترمذي فيه، انتهى، ثم سلاه تعالى عن فعل قومه بقوله: { ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } ~~أي: فاصبر كما صبروا؛ قاله ابن عباس، ثم وعد تعالى بقوله: { وكفى ~~بربك هاديا ونصيرا } والباء في { بربك ms1018 }: للتأكيد ~~دالة على الأمر؛ إذ المعنى: اكتف بربك. # { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة } قال ابن عباس وغيره: قالوا في بعض معارضاتهم: لو ~~كان من عند الله لنزل جملة كالتوراة والإنجيل. # وقوله: { كذلك } يحتمل أن يكون من قول الكفار؛ إشارة إلى ~~التوراة والإنجيل، ويحتمل أن يكون من الكلام المستأنف وهو أولى، ~~ومعناه: كما نزل أردناه، فالإشارة إلى نزوله متفرقا، والترتيل: ~~التفريق بين الشيء المتتابع، ومنه ترتيل القرآن، وجعل الله تعالى ~~السبب في نزوله متفرقا تثبيت قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأن ينزله في النوازل والحوادث التي قد قدرها وقدر نزوله ~~فيها، وأن هؤلاء الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة ~~منهم إلا جاء القرآن بالحق في ذلك والجلية، ثم هو أحسن تفسيرا، ~~وأفصح بيانا، وباقي الآية بين تقدم تفسير نظيره، والجمهور: أن ~~هذا المشي على الوجوه حقيقة، وقد جاء كذلك في الحديث، وقد تقدم ولفظ ~~البخاري عن أنس رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا نبي ~~الله، أيحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: # " أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا ~~قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة " # قال قتادة: بلى وعزة ربنا، انتهى. ### || [25.35-44] # وقوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى الكتب... } الآيات ~~تنبيه لكفار قريش، وتوعد أن يحل بهم ما حل بهؤلاء ~~المعذبين؛ قال قتادة: أصحاب الرس، وأصحاب الأيكة: قومان ~~أرسل إليهما شعيب، وقاله وهب بن منبه، وقيل غير هذا. # وقوله تعالى: { وقرونا بين ذلك كثيرا } إبهام لا يعلم ~~حقيقته إلا الله عز وجل، والتبار: الهلاك، والقرية التي ~~أمطرت مطر السوء هي: «سدوم» مدينة قوم لوط، وما لم نذكر تفسيره ~~قد تقدم بيانه للفاهم المتيقظ، ثم ذكر سبحانه أنهم إذا رأوا محمدا ~~عليه السلام قالوا على جهة الاستهزاء: { أهذا الذي بعث ~~الله رسولا }. # قال * ص *: { إن يتخذونك } إن نافية، جواب «إذا»، انتهى، ثم ~~أنس الله تعالى نبيه بقوله: { أرءيت من اتخذ إلهه ~~هواه... } الآية, المعنى: لا تتأسف عليهم ومعنى { اتخذ إلهه ~~هوه } أي: ms1019 جعل هواه مطاع فصار كالإله { إن هم إلا ~~كالأنعم } أي: بل هم كالأنعام. # قلت: وعبارة الواحدي: { إن هم } أي: ما هم إلا كالأنعام، انتهى. ### || [25.45-52] # وقوله سبحانه: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل... } ~~الآية: مد الظل بإطلاق: هو ما بين أول الإسفار إلى بزوغ الشمس، ومن ~~بعد مغيبها أيضا وقتا يسيرا؛ فإن في هذين الوقتين على الأرض ~~كلها ظلا ممدودا. # { ولو شآء لجعله ساكنا } أي: ثابتا غير متحرك ولا منسوخ، ~~لكنه جعل الشمس ونسخها إياه، وطردها له من موضع إلى موضع؛ دليلا عليه ~~مبينا لوجوده ولوجه العبرة فيه، وحكى الطبري أنه: لولا الشمس ~~لم يعلم أن الظل شيء، إذ الأشياء إنما تعرف بأضدادها. # وقوله تعالى: { قبضا يسيرا } يحتمل أن يريد، لطيفا، أي: شيئا ~~بعد شيء، لا في مرة واحدة. # قال الداوودي: قال الضحاك: { قبضا يسيرا } يعني: الظل ~~إذا علته الشمس، انتهى. قال الطبري: ووصف الليل باللباس من حيث يستر ~~الأشياء ويغشاها، والسبات: ضرب من الإغماء يعترى اليقظان مرضا، ~~فشبه النوم به، والنشور هنا: الإحياء، شبه اليقظة به، ويحتمل ~~أن يريد بالنشور وقت انتشار وتفرق، و { أناسي }: قيل هو جمع إنسان، ~~والياء المشددة بدل من النون في الواحد، قاله سيبويه، وقال ~~المبرد: هو جمع إنسي، والضمير في { صرفناه } عائد على القرآن ~~وإن لم يتقدم له ذكر، ويعضد ذلك قوله: { وجاهدهم به جهادا ~~كبيرا }. ### || [25.53-57] # وقوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين هذا عذب ~~فرات وهذا ملح أجاج } مرج معناه: خلط. # قال * ع *: والذي أقول به في معنى هذه الآية: أن المقصود بها ~~التنبيه على قدرة الله تعالى في أن بث في الأرض مياها عذبة ~~كثيرة، جعلها خلال الأجاج، وجعل الأجاج خلالها، كما هو مرئي ~~تجد البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفته، وتجد الماء العذب في ~~الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج، وكل باق على حاله ومطعمه؛ ~~فالبحران: يراد بهما جميع الماء العذب، وجميع الماء الأجاج، والبرزخ ~~والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس؛ قاله الحسن،، والفرات: الصافي ~~اللذيذ المطعم، ms1020 والأجاج أبلغ ما يكون من الملوحة. # وقوله تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشرا... } الآية ~~تعديد نعم على الناس، والنسب: هو أن يجتمع إنسان مع آخر في أب ~~أوأم، والصهر هو تواشج المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، ~~وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار يقع عاما لذلك كله. # وقوله تعالى: { وكان الكفر على ربه ظهيرا } أي: ~~معينا؛ يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان، وهذا ~~تأويل مجاهد وغيره، والكافر هنا اسم جنس، وقال ابن عباس: هو أبو جهل. # قال * ع *: فيشبه أن أبا جهل هو سبب الآية، ولكن اللفظ عام ~~للجنس كله. # قلت: والمعنى: على دين ربه ظهيرا. # وقوله تعالى: { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ~~} الظاهر فيه: أنه استثناء منقطع، والمعنى: لكن مسؤولي ومطلوبي ~~من شاء أن يهتدي ويؤمن، ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة. ### || [25.58-59] # وقوله سبحانه: { وتوكل على الحي الذي لا يموت }. # قال القشيري في «التحبير»: وإذا علم العبد أن مولاه حي لا ~~يموت، صح توكله عليه؛ قال تعالى: { وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت } قيل: إن رجلا كتب إلى آخر أن صديقي فلانا ~~قد مات، فمن كثرة ما بكيت عليه ذهب بصري، فكتب إليه: ~~الذنب لك حين أحببت الحي الذي يموت، فهلا أحببت الحي الذي لا ~~يموت حتى لا تحتاج إلى البكاء عليه، انتهى. وعن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام ~~فقال يا محمد، قل: توكلت على الحي الذي لا ~~يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم ~~يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من ~~الذل، وكبره تكبيرا " # رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { وسبح بحمده } أي: قل: سبحان الله وبحمده أي: ~~تنزيهه واجب وبحمده أقول، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قال في كل يوم سبحان الله وبحمده مائة ~~مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ~~" # فهذا ms1021 معنى قوله: { وسبح بحمده } وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين ~~على اللسان الثقيلتين في الميزان، الحديث في البخاري وغيره. # * ت *: وعن جويرية - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في ~~مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة ~~فقال: # " ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: ~~نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك ~~أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ ~~اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد ~~خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته " # رواه الجماعة إلا البخاري، زاد النسائي في آخره: «والحمد ~~لله كذلك» وفي رواية له: «سبحان الله وبحمده، ولا ~~إله إلا الله، والله إكبر عدد خلقه ورضا نفسه ~~وزنة عرشه ومداد كلماته» انتهى من «السلاح». وقوله ~~سبحانه: { وكفى به بذنوب عباده خبيرا }: وعيد بين. # وقوله تعالى: «الرحمن»: يحتمل أن يكون: رفعه بإضمار مبتدإ، أي: هو ~~الرحمن، ويحتمل أن يكون: بدلا من الضمير في قوله: { استوى }. # وقوله: { فسئل به خبيرا } فيه تأويلان: أحدهما: فاسأل عنه ~~خبيرا والمعنى: اسأل جبريل والعلماء وأهل الكتاب، والثاني: أن يكون ~~المعنى كما تقول: لو لقيت فلانا لقيت له البحر كرما، أي: لقيت منه، ~~والمعنى: فاسأل الله عن كل أمر، وقال عياض في «الشفا» قال القاضي ~~أبو بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم انتهى. # قال أبو حيان: والظاهر تعلق به { فاسأل } وبقاء الباء على بابها، و { ~~خبيرا } من صفاته تعالى، نحو: لقيت بزيد أسدا، أي: أنه ~~الأسد شجاعة، والمعنى: فاسأل الله الخبير بالأشياء، انتهى. ### || [25.60-61] # { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما ~~الرحمن } يعني أن كفار قريش قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن ~~اليمامة، وهو مسيلمة الكذاب، وكان مسيلمة تسمى ~~بالرحمن. # { أنسجد لما تأمرنا وزادهم } هذا اللفظ { نفورا } ~~والبروج هي التي علمتها العرب، وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل ~~الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل ms1022 القمر التي ذكرها الله ~~تعالى في قوله: # والقمر قدرنه منازل # [يس:39]. ### || [25.62-63] # { وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة } أي: هذا ~~يخلف هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره: { لمن أراد أن ~~يذكر } أي: يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله تعالى على آلائه، وقال ~~عمر وابن عباس والحسن: معناه: لمن أراد أن يذكر ما فاته من الخير ~~والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه، وقرأ حمزة وحده: ~~«يذكر» بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى: { لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا } جاء بصفات عباده الذين هم أهل ~~التذكرة والشكور. # وقوله: { الذين يمشون }. خبر مبتدإ، والمعنى: وعباده حق عباده ~~هم الذين يمشون. # وقوله: { يمشون على الأرض } عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم ~~وتصرفاتهم، و { هونا } بمعنى أن أمرهم كله هين، أي: ~~لين حسن؛ قال مجاهد: بالحلم والوقار. # وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع، وقال الحسن: حلماء، إن ~~جهل عليهم لم يجهلوا. # قال الثعلبي: قال الحسن: يمشون حلماء علماء مثل الأنبياء، لا يؤذون ~~الذر في سكون وتواضع وخشوع، وهو ضد المختال الفخور الذي يختال ~~في مشيه، اه. # قال عياض في صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: يخطو تكفؤا، ~~ويمشي هونا، كأنما ينحط من صبب، انتهى من «الشفا». # قال أبو حيان: { هونا }: نعت لمصدر محذوف، أي: مشيا هونا، أول حال، ~~أي: هينين، انتهى، وروى الترمذي عن ابن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن ~~تحرم عليه النار؟ على كل قريب، هين، سهل " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى. # { وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلما } العامل في { ~~سلاما } { قالوا } ، والمعنى: قالوا هذا اللفظ، وقال مجاهد: معنى { ~~سلاما }: قولا سدادا، أي: يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق ولين، ~~وهذه الآية كانت قبل آية السيف فنسخ منها ما يخص الكفرة، ~~وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، قال صاحب «الحكم ~~الفارقية»: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإن الكلمة الأولى أنثى ~~واجباتها فحلها، فإن أمسكت عنها بترتها وقطعت ms1023 نسلها، وإن أجبتها ~~ألقحتها، فكم من نسل مذموم يتولد بينهما في ساعة واحدة، انتهى. ### || [25.64-66] # { والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما } هذه آية ~~فيها تحريض على قيام الليل بالصلاة، قال الحسن: لما فرغ من وصف نهارهم، ~~وصف في هذه ليلهم، و { غراما }: معناه: ملازما ثقيلا، و { ~~مقاما }: من الإقامة، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، # " من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: ~~اللهم، أدخله الجنة، ومن استجار من النار ~~ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أجره من النار " # رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» بلفظ ~~واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من ~~«السلاح». ### || [25.67] # وقوله سبحانه: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا... } ~~الآية: عبارة أكثر المفسرين أن الذي لا يسرف هو المنفق في ~~الطاعة وإن أفرط، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل ~~إنفاقه، وإن المقتر هو الذي يمنع حقا عليه؛ وهذا قول ابن عباس ~~وغيره، والوجه أن يقال: إن النفقة في المعصية أمر قد حظرت ~~الشريعة قليله وكثيره، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما ~~التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمباحات، فأدب الشريعة فيها ~~إلا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا، ~~ألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، ~~والحسن في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله ~~وحاله، وخير الأمور أوساطها؛ ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبا بكر الصديق يتصدق بجميع ماله؛ لأن ذلك وسط ~~بنسبة جلده وصبره في الدين، ومنع غيره من ذلك. # وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ~~ما نفقتك؟ فقال له عمر: الحسنة بين السيئتين، ثم ~~تلا الآية، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كفى بالمرء سرفا ألا ~~يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله. و { قواما }: خبر { كان ~~} واسمها مقدر، أي: الإنفاق. ### || [25.68-72] # { والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } الآية: في ~~نحو هذه ms1024 الآية قال ابن مسعود: قلت يوما: يا رسول الله، ~~أي الذنب أعظم؟ قال: # " أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي قال: ~~أن تقتل ولدك، خشية أن يطعم معك: قلت: ثم ~~أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك " # ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية والأثام في ~~كلام العرب: العقاب، وبه فسر ابن زيد وقتادة هذه الآية. # قال * ع *: { يضعف }: بالجزم بدل من { يلق } قال سيبويه: ~~مضاعفة العذاب هو لقي الأثام. # وقوله تعالى: { إلا من تاب } بلا خلاف بين العلماء أن الاستثناء ~~عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة ~~النساء». # وقوله سبحانه: { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنت } أي: بأن يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأولى طاعة؛ قاله ~~ابن عباس وغيره، ويحتمل أن يكون ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات ~~الحسنات؛ تكرما منه سبحانه وتعالى؛ كما جاء في «صحيح مسلم»، وهو ~~تأويل ابن المسيب. # * ص *: والأولى: ويحتمل أن يكون الاستثناء هنا منقطعا، أي: ~~لكن من تاب وآمن، وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات، انتهى. ثم أكد سبحانه أمر التوبة، ومدح المتاب فقال: { ومن ~~تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } كأنه ~~قال: فإنه يجد بابا للفرج والمغفرة عظيما، ثم استمرت الآيات في صفة ~~عباد الله المؤمنين بأن نفى عنهم شهادة الزور، و { يشهدون } في ~~هذا الموضع ظاهر، معناها: يشاهدون ويحضرون، والزور: كل باطل ~~زور، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضحاك، ومنه الغناء، وبه ~~فسر مجاهد، وقال علي وغيره: معناه لا يشهدون بالزور، فهي من ~~الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأول أعم. واللغو: كل سقط من ~~فعل أو قول، وقال الثعلبي: اللغو كل ما ينبغي أن يطرح ويلغى، ~~انتهى. و { كراما } معناه: معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون ~~على الأذى فيه. # قال * ع *: وإذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغيره، وحدود ~~التغير معروفة. ### || [25.73-76] # وقوله تعالى: { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم } ~~يريد: ذكروا بالقرآن أمر آخرتهم ومعادهم. # وقوله: { لم يخروا عليها ms1025 صما وعميانا } يحتمل ~~تأويلين: أحدهما: أن يكون المعنى: لم يكن خرورهم بهذه الصفة؛ بل ~~يكونوا سجدا وبكيا، وهذا كما تقول: لم يخرج زيد إلى الحرب جزعا، ~~أي: إنما خرج جريئا مقداما، وكأن الذي يخر أصم أعمى هو ~~المنافق أو الشاك، والتأويل الثاني: ذهب إليه الطبري وهو أن ~~يخروا صما وعميانا هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم. # وقال الفراء: { لم يخروا } ، أي: لم يقيموا، وهو نحو تأويل ~~الطبري، انتهى. وقال ابن العربي في «أحكامه»: قوله تعالى: { ~~والذين إذا ذكروا بئايت ربهم لم يخروا ~~عليها صما وعميانا }. # قال علماؤنا: يعني الذين إذا قرأوا القرآن قرأوه بقلوبهم قراءة فهم ~~وتثبيت، ولم ينثروه الدقل، فإن المرور عليه بغير فهم ولا ~~تثبيت صمم وعمى، انتهى. وقرة العين: من القر وهذا هو الأشهر؛ ~~لأن دمع السرور بارد، ودمع الحزن سخن؛ فلهذا يقال: أقر ~~الله عينك، وأسخن الله عين العدو، وقرة العين في الأزواج ~~والذرية أن يراهم الإنسان مطيعين لله تعالى؛ قاله ابن عباس ~~والحسن وغيرهما، وبين المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنه كان في ~~أول الإسلام يهتدي الأب، والابن كافر، والزوج والزوجة كافرة، ~~فكانت قرة أعينهم في إيمان أحبابهم. # { واجعلنا للمتقين إماما } أي: اجعلنا يأتم بنا ~~المتقون، وذلك بأن يكون الداعي متقيا قدوة وهذا هو قصد الداعي، قال ~~النخعي لم يطلبوا الرياسة، بل أن يكونوا قدوة في الدين، وهذا حسن ~~أن يطلب ويسعى له. # قال الثعلبي: قال ابن عباس: المعنى: واجعلنا أئمة هدى، انتهى، وهو حسن، ~~لأنهم طلبوا أن يجعلهم أهلا لذلك. والغرفة من منازل الجنة وهي الغرف ~~فوق الغرف، وهي اسم جنس؛ كما قال: [من الهزج] # ولولا الحبة السمرا # ء لم نحلل بواد يكم # * ت *: وأخرج أبو القاسم، زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامي عن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة لغرفا ليس لها معاليق من فوقها ~~ولا عماد من تحتها، قيل: يا رسول الله، وكيف ~~يدخلها أهلها؟ قال: يدخلونها أشباه الطير، قيل: ~~هي ms1026 يا رسول الله لمن؟ قال: هي لأهل الأسقام ~~والأوجاع والبلوى " # انتهى من «التذكرة». وقرأ حمزة وغيره: «يلقون» بفتح الياء وسكون ~~اللام وتخفيف القاف. ### || [25.77] # وقوله تعالى: { قل ما يعبأ بكم } الآية، ما نافية وتحتمل ~~التقرير، ثم الآية تحتمل أن تكون خطابا لجميع الناس، فكأنه قال لقريش ~~منهم: ما يبالي الله بكم، ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إياه، أن لو ~~كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله؛ قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات:56]. # وقال النقاش وغيره: المعنى: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد، وقرأ ابن ~~الزبير وغيره: «فقد كذب الكافرون» وهذا يؤيد أن الخطاب ~~بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه ~~فسوف يكون العذاب أو التكذيب الذي هو سبب العذاب لزاما، ويحتمل أن يكون ~~الخطاب بالآيتين لقريش خاصة وقال الداوودي: وعن ابن عيننة: { ~~لولا دعآؤكم } معناه: لولا دعاؤكم إياه لتيطعوه، انتهى، قال ~~ابن العربي في «أحكامه»: زعم بعض الأدباء أن { لولا دعآؤكم } ~~معناه: لولا سؤالكم إياه وطلبكم منه، ورأى أنه مصدر أضيف إلى ~~فاعل، وليس كما زعم؛ وإنما هو مصدر أضيف إلى مفعول، والمعنى: قل يا محمد ~~للكفار: لولا دعاؤكم ببعثة الرسول إليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم؛ ~~فسوف يكون لزاما؛ ذكر هذا عند قوله تعالى: # لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا # [النور:63] # في آخر سورة النور، انتهى. # * ت * والحق أن الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومن ادعى التخصيص ~~فعليه بالدليل، والله أعلم. # ويعبأ: مشتق من العبء وهو الثقل الذي يعبأ ويرتب كما يعبأ ~~الجيش. # قال الثعلبي: قال أبو عبيدة: يقال: ما عبأت به شيئا، أي: ~~لم أعده شيئا فوجوده وعدمه سواء، انتهى. # وقال العراقي: { ما يعبأ } أي: ما يبالي، انتهى. وأكثر الناس على ~~أن اللزام المشار إليه هو يوم بدر، وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة، ~~وقال ابن عباس: اللزام الموت، وقال البخاري: { فسوف يكون ~~لزاما } أي: هلكة، انتهى. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-4] # قوله تعالى: { طسم * تلك آيات الكتاب ms1027 المبين * لعلك ~~باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } تقدم الكلام على ~~الحروف التي في أوائل السور، والباخع: القاتل والمهلك نفسه بالهم، ~~والخضوع للآية المنزلة إما لخوف هلاك كنتق الجبل على بني إسرائيل، ~~وإما لأجل الوضوح وبهر العقول، بحيث يقع الإذعان لها،، والأعناق ~~الجارحة المعلومة، وذلك أن خضوع العنق والرقبة هو علامة الذلة ~~والانقياد. # وقيل: المراد بالأعناق جماعتهم؛ يقال: جاء عنق من الناس، أي: جماعة. ### || [26.5-9] # وقوله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن ~~محدث إلا كانوا عنه معرضين * فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون * ~~أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم } تقدم تفسير هذه الجملة فانظره في محله، وقوله ~~تعالى: { فسيأتيهم } وعيد بعذاب الدنيا كبدر وغيرها، ووعيد بعذاب ~~الآخرة، والزوج: النوع والصنف، والكريم: الحسن المتقن قاله مجاهد ~~وغيره. # وقوله تعالى: { وما كان أكثرهم مؤمنين } حتم على أكثرهم ~~بالكفر، ثم توعد تعالى بقوله: { وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } أي: عزيز في انتقامه من الكفار، رحيم بأوليائه المؤمنين. ### || [26.10-21] # وقوله تعالى: { وإذ نادى ربك موسى } التقدير: واذكر إذ ~~نادى ربك موسى، وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { فأرسل إلى هرون } معناه: يعينني { ولهم ~~علي ذنب } يعني قتله القبطي. # وقوله تعالى: { كلا } رد لقوله: { إني أخاف } أي: لا تخف ~~ذلك، وقول فرعون لموسى: { ألم نربك فينا وليدا } هو على جهة ~~المن عليه والاحتقار، أي: ربيناك صغيرا، ولم نقتلك في جملة ~~من قتلنا { ولبثت فينا من عمرك سنين }: فمتى كان ~~هذا الذي تدعيه، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: { وفعلت ~~فعلتك } والفعلة - بفتح الفاء -: المرة، وقوله: { وأنت ~~من الكفرين } يريد: وقتلت القبطي وأنت في قتلك أباه من ~~الكافرين؛ إذ هو نفس لا يحل قتلها؛ قاله الضحاك، أو يريد: وأنت ~~من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه؛ قاله ابن زيد؛ ويحتمل أن يريد: وأنت ~~الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي ~~وبين رجوعه نبيا إلى فرعون أحد ms1028 عشر عاما غير أشهر. # وقوله: { قال فعلتها إذا }: من كلام موسى عليه السلام والضمير ~~في قوله: { فعلتها } لقتلة القبطي. وقوله: { وأنا من ~~الضالين } قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي ~~على نفسه، وقال أبو عبيدة: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: # أن تضل إحداهما # [البقرة:282]، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: «وأنا من ~~الجاهلين»، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، و { حكما ~~} يريد: النبوة وحكمتها. # وقوله: { وجعلني من المرسلين } درجة ثانية للنبوة، ~~فرب نبي ليس برسول. ### || [26.22-34] # وقوله: { وتلك نعمة تمنها علي } الآية: قال قتادة: هذا ~~من موسى على جهة الإنكار على فرعون لعنه الله كأنه يقول: أو ~~يصح لك أن تعد علي نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني ~~إسرائيل وقتلتهم؟! أي: ليست بنعمة؛ لأن الواجب كان ألا تقتلني ولا ~~تقتلهم، ولا تستعبدهم،، وقرأ الضحاك: «وتلك نعمة ما لك ~~أن تمنها علي» وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وقال الطبري ~~والسدي: هذا الكلام من موسى عليه السلام علي جهة الإقرار بالنعمة ~~كأنه يقول: نعم، وتربيتك نعمة علي؛ من حيث عبدت غيري وتركتني، ~~ولكن ذلك لا يدفع رسالتي، ولما لم يجد فرعون حجة رجع إلى معارضة ~~موسى في قوله: { وما رب العالمين } واستفهمه استفهاما فقال ~~موسى هو { رب السماوات والأرض... } الآية, فقال فرعون لعنه ~~الله عند ذلك: { ألا تستمعون }: على معنى الإغراء والتعجب من ~~شنعة المقالة إذا كانت عقيدة القوم؛ أن فرعون ربهم ومعبودهم، ~~والفراعنة قبله كذلك، فزاده موسى في البيان بقوله: { ربكم ورب ~~آبآئكم الأولين } فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف: { إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } فزاده موسى في ~~بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون، وتبين أنه في غاية البعد عن ~~القدرة عليها، وهي ربوبية المشرق والمغرب، ولم يكن لفرعون إلا ~~ملك مصر، ولما انقطع فرعون في باب الحجة، رجع إلى الاستعلاء والتغلب ~~فقال لموسى: { لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من ~~المسجونين } وفي توعده بالسجن ضعف؛ لأنه خارت طباعه معه، ~~وكان فيما روي أنه ms1029 يفزع من موسى فزعا شديدا حتى كان لا يمسك ~~بوله، وكان عند موسى من أمر الله والتوكل عليه ما لا يفزعه توعد ~~فرعون، فقال له موسى على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: { أولو ~~جئتك بشيء مبين }: يتضح لك معه صدقي، فلما سمع فرعون ذلك ~~طمع أن يجد أثناءه موضع معارضة فقال له: { فأت به إن كنت من ~~الصادقين } فألقى موسى عصاه { فإذا هي ثعبان مبين } ~~على ما تقدم بيانه ونزع يده: من جيبه { فإذا هي }: تتلألأ كأنها ~~قطعة من الشمس، فلما رأى فرعون ذلك هاله، ولم يكن له فيه مدفع غير ~~أنه فزع إلى رميه بالسحر. ### || [26.35-45] # وقوله: { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } تقدم ~~بيانه، وكذلك قولهم: { وابعث في المدآئن حاشرين * ~~يأتوك بكل سحار عليم } تقدم بيانه. # وقوله تعالى: { قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين ~~} يريد بتقريبهم الجاه الزائد على العطاء الذي طلبوه. ### || [26.46-68] # وقوله تعالى: { فألقي السحرة سجدين * قالوا ~~ءامنا برب العلمين * رب موسى وهرون * قال ~~ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم ~~أجمعين * قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون ~~} تقدم بيان هذه الجملة، والحمد لله فانظره في محله؛ قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: قال مالك: دعا موسى فرعون أربعين سنة إلى ~~الإسلام، وأن السحرة آمنوا في يوم واحد، انتهى، وقولهم: { لا ضير } ~~أي: لا يضرنا ذلك مع انقلابنا إلى مغفرة الله ورضوانه، وقولهم: { ~~أن كنا أول المؤمنين } يريدون: من القبط وصنيفتهم، ~~وإلا فقد كانت بنو إسرائيل آمنت، والشرذمة: الجمع القليل ~~المحتقر، وشرذمة كل شيء: بقيته الخسيسة. # وقوله: { لغائظون } يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية و { ~~حذرون } جمع حذر، والضمير في قوله: { فأخرجنهم } عائد ~~على القبط والجنات والعيون بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد؛ قاله ابن ~~عمر وغيره، والمقام الكريم: قال ابن لهيعة: هو الفيوم، وقيل: هو ~~المنابر، وقيل: مجالس الأمراء والحكام، وقيل: المساكن الحسان، و { ~~مشرقين } معناه: عند شروق الشمس، وقيل: معناه: نحو ms1030 المشرق ~~والطود: هو الجبل، و { أزلفنا } معناه: قربنا، وقرأ ابن ~~عباس: { وأزلقنا } بالقاف. ### || [26.69-82] # { واتل عليهم نبأ إبرهيم... } الآية: هذه الآية تضمنت ~~الإعلام بغيب، والعكوف: اللزوم. # وقوله: { فإنهم عدو لي إلا رب العلمين } قالت ~~فرقة: هو استثناء متصل، لأن في الآباء الأقدمين من قد عبد ~~الله تعالى، وقالت فرقة: هو استثناء منقطع؛ لأنه إنما أراد ~~عباد الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم عليه السلام المرض ~~إلى نفسه والشفاء إلى ربه عز وجل، وهذا حسن أدب في العبارة، والكل ~~من عند الله، وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل ~~على شدة خوفه مع علو منزلته عند الله، وروى الترمذي عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه ~~مناد: أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة ~~منزلا " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى. وفي «صحيح مسلم» عن ثوبان ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى ~~يرجع، قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: ~~جناها " # انتهى، وعنه صلى الله عليه وسلم: # " من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع ~~مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ~~يشفيك إلا عافاه الله سبحانه " # خرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» ~~بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النووي»، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عند رأسه ~~سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ~~ أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض " # رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي والنسائي والحاكم وابن حبان ~~في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، يعني: ~~البخاري ومسلما، وفي رواية النسائي وابن حبان: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد المريض، جلس عند ~~رأسه، ثم قال»، ms1031 فذكر مثله بمعناه انتهى من «السلاح». # وقوله: { خطيئتي } ذهب أكثر المفسرين إلى: أنه أراد كذباته ~~الثلاث، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: # إني سقيم # [الصافات:89]. # وقوله: # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء:63], وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره ~~من غير تعيين. # قال * ع *: وهذا أظهر عندي. ### || [26.83-106] # وقوله: { رب هب لي حكما }: أي حكمة ونبوة، ودعاؤه في مثل ~~هذا هو في معنى التثبيت والدوام، ولسان الصدق: هو الثناء ~~الحسن، واستغفاره لأبيه في هذه الآية هو قبل أن يتبين له ~~أنه عدو لله. # وقوله: { بقلب سليم } معناه: خالص من الشرك والمعاصي وعلق الدنيا ~~المتروكة، وإن كانت مباحة؛ كالمال والبنين؛ قال سفيان هو الذي يلقى ~~ربه وليس في قلبه شيء غيره. # قال * ع *: وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم من الشرك هو ~~الأهم، وقال الجنيد: بقلب لديغ من خشية الله، والسليم: ~~اللديغ. # * ص *: { إلا من أتى الله } الظاهر أنه استثناء منقطع، ~~أي: لكن من أتى الله بقلب سليم، نفعته سلامة قلبه، انتهى. { ~~وأزلفت } معناه: قربت، والغاوون الذين برزت لهم الجحيم ~~هم: المشركون، ثم أخبر سبحانه عن حال يوم القيامة من أن الأصنام ~~تكبكب في النار، أي: تلقى كبة واحدة. # وقال * ص *: { فكبكبوا } ، أي: قلب بعضهم على بعض، وحروفه ~~كلها أصول عند جمهور البصريين، وذهب الزجاج وابن عطية وغيرهما إلى ~~أنه مضاعف الباء من «كب». # وقال غيرهما: وجعل التكرير من اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، ~~وذهب الكوفيون إلى: أن أصله «كبب» والكاف بدل من الباء الثانية، ~~انتهى. والغاوون: الكفرة الذين شملتهم الغواية وجنود إبليس: نسله وكل ~~من يتبعه؛ لأنهم جند له وأعوان، ثم وصف تعالى أن أهل النار ~~يختصمون فيها ويتلاومون قائلين لأصنامهم: { تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين }: في أن نعبدكم ونجعلكم سواء مع الله الذي هو رب ~~العالمين، ثم عطفوا يردون الملامة على غيرهم، أي: ما أضلنا إلا ~~كبراؤنا وأهل الجرم والجراءة، ثم قالوا على جهة التلهف والتأسف حين ~~رأوا شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء نافعة في أهل ms1032 الإيمان عموما، ~~وشفاعة الصديق في صديقه خصوصا { فما لنا من شافعين * ولا ~~صديق حميم } , والحميم: الولي والقريب الذي يخصك أمره وتخصه ~~أمرك، وحامة الرجل خاصته، وباقي الآية بين. ### || [26.107-127] # وقول نوح عليه السلام: { إني لكم رسول أمين } أي: أمين على ~~وحي الله ورسالته. # * ص *: قرأ الجمهور: «واتبعك» والجملة حال، أي وقد اتبعك، ويعقوب: ~~«وأتباعك» وعن اليماني: «وأتباعك» بالجر؛ عطفا على الضمير ~~في «لك» انتهى، و { الأرذلون }: جمع الأرذل، ولا يستعمل إلا ~~معرفا أو مضافا، أو بمن. # قال * ع *: ويظهر من الآية أن مراد قوم نوح بنسبة الرذيلة إلى ~~المؤمنين تهجين أفعالهم لا النظر في صنائعهم وذهب أشراف قوم نوح في ~~استنقاصهم ضعفة المؤمنين مذهب كفار قريش في شأن عمار ~~بن ياسر. وصهيب وبلال وغيرهم، وقولهم: { من المرجومين } ~~يحتمل أن يريدوا بالحجارة أو بالقول والشتم، وقوله: { افتح } معناه: ~~احكم، والفتاح، القاضي بلغة يمانية، و { الفلك }: السفينة، و ~~{ المشحون } معناه: المملوء. ### || [26.128-145] # وقول هود عليه السلام لقومه: { أتبنون } هو على جهة التوبيخ، ~~والريع: المرتفع من الأرض وله في كلام العرب شواهد، وعبر المفسرون ~~عن الريع بعبارات، وجملة ذلك أنه المكان المشرف، وهو الذي يتنافس ~~البشر في مبانيه، والآية: البنيان؛ قال ابن عباس: آية علم. # وقال مجاهد: أبراج الحمام، وقيل: القصور الطوال، والمصانع جمع مصنع وهو ~~ما صنع وأتقن في بنيانه من قصر مشيد ونحوه، قال البخاري: كل ~~بناء مصنعة، انتهى. # وقوله: { لعلكم تخلدون } أي: كأنكم تخلدون وكذا نقله ~~البخاري عن ابن عباس غير مسند، انتهى. والبطش: الأخذ بسرعة، والجبار: ~~المتكبر، ثم ذكرهم عليه السلام بأياد الله تعالى فيما منحهم، ~~وحذرهم من عذابه، فكانت مراجعتهم أن سووا بين وعظه وتركه الوعظ، وقرأ ~~نافع وغيره: «خلق الأولين» - بضم اللام - فالإشارة بهذا إلى ~~دينهم، أي ما هذا الذي نحن عليه إلا خلق الناس وعادتهم، وقرأ ابن ~~كثير وغيره: «خلق» بسكون اللام، فيحتمل المعنى: ما هذا الذي تزعمه إلا ~~أخلاق الأولين من الكذبة؛ فأنت على منهاجهم، وروى علقمة عن ابن ~~مسعود,: إلا اختلاق الأولين. ### || [26.146-159] # وقول ms1033 صالح لقومه: { أتتركون فيما ههنآ }: تخويف لهم بمعنى: ~~أتطمعون أن تقروا في النعم على معاصيكم، والهضيم: معناه اللين ~~الرطب. والطلع الكفرى. وهو عنقود التمر قبل أن يخرج من ~~الكم في أول نباته، فكأن الإشارة إلى أن طلعها يتم ويرطب؛ قال ~~ابن عباس: إذا أينع وبلغ فهو هضيم، وقال الزجاج: هو فيما قيل الذي ~~رطبه بغير نوى، وقال الثعلبي: قال ابن عباس هضيم: لطيف ما دام في ~~كفراه، انتهى. وقرأ الجمهور: «تنحتون»: بكسر الحاء، و«فرهين»: ~~من الفراهة وهي جودة منظر الشيء وخبرته وقوته. # وقوله: { ولا تطيعوا أمر المسرفين } خاطب به جمهور قومه ~~وعنى بالمسرفين: كبراءهم وأعلام الكفر والإضلال فيهم { قالوا ~~إنمآ أنت من المسحرين } أي: قد سحرت. # * ص *: قرأ: الجمهور: «شرب» بكسر الشين، أي: نصيب، وقرأ ابن أبي ~~عبلة: بضم الشين فيهما، انتهى. ### || [26.160-175] # وقوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال ~~لهم أخوهم لوط } قال النقاش: إن في مصحف ابن مسعود وأبي ~~وحفصة: «إذ قال لهم لوط» وسقط أخوهم. # وقوله: { إني لعملكم من القالين } القلى: البغض، ~~فنجاه الله بأن أمره بالرحلة على ما تقدم في قصصهم. ### || [26.176-191] # وقوله تعالى: { كذب أصحب لئيكة المرسلين } قرأ ~~نافع وابن كثير وابن عامر: «أصحاب ليكة» على وزن فعلة هنا، ~~وفي ص وقرأ الباقون: «الأيكة» وهي: الدوحة الملتفة من الشجر ~~على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقماري ~~ونحوها، و«ليكة» اسم البلد في قراءة من قرأ ذلك؛ قاله بعض المفسرين، ~~وذهب قوم إلى أنها مسهلة من الأيكة، أنها وقعت في المصحف هنا ~~وفي «ص» بغير ألف. # وقوله تعالى: # كذبت قوم نوح المرسلين # [الشعراء:105] وكذلك ما بعده بلفظ الجمع من حيث إن تكذيب نبي واحد ~~يستلزم تكذيب جميع الأنبياء؛ لأنهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان ~~بالله تعالى واليوم الآخر، وفي قول الأنبياء عليهم السلام: «ألا تتقون» ~~عرض رفيق وتلطف، كما قال تعالى: # فقل هل لك إلى أن تزكى # [النازعات:18] والجبلة: الخليقة والقرون الماضية، والكسف: ~~القطع، واحدها كسفة، و { يوم الظلة }: هو يوم عذابهم، ms1034 ~~وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بحر شديد، وأنشأ الله ~~سحابة في بعض قطرهم فجاء بعضم إلى ظلها فوجد لها بردا وروحا، ~~فتداعوا إليها حتى تكاملوا فاضطرمت عليهم نارا، فأحرقتهم عن آخرهم. # وقيل غير هذا، والحق أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم. ### || [26.192-199] # وقوله تعالى: { وإنه لتنزيل رب العلمين } يعني ~~القرآن. # وقوله: { بلسان عربي } متعلق ب { نزل } ، أي: سمعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من جبريل حروفا عربية، وهذا هو القول الصحيح، وما ~~سوى هذا فمردود. # وقوله سبحانه: { وإنه لفي زبر الأولين } أي: القرآن ~~مذكور في الكتب المنزلة القديمة، منبه عليه، مشار إليه { ~~أولم يكن لهم ءاية أن يعلمه علمؤا بني ~~إسرءيل }؛ كعبد الله بن سلام ونحوه؛ قاله ابن عباس ~~ومجاهد، قال مقاتل: هذه الآية مدنية، ومن قال إن الآية ~~مكية ذهب إلى أن علماء بني إسرائيل ذكروا لقريش أن في التوراة ~~صفة النبي الأمي، وأن هذا زمانه، فهذا الإشارة إلى ذلك؛ ~~وذلك أن قريشا بعثت إلى الأحبار يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم أخبر تعالى أن هذا القرآن لو سمعوه من أعجم، أي: من حيوان ~~غير ناطق، أو من جماد، والأعجم: كل ما لا يفضح ما كانوا يؤمنون، ~~والأعجمون: جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح، وإن كان عربي ~~النسب، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات، ومنه الحديث: # " جرح العجماء جبار " # والعجمي هو الذي نسبه في العجم، وإن كان أفصح الناس، وقرأ ~~الحسن: الأعجميين. # قال أبو حاتم: أراد جمع الأعجمي المنسوب إلى العجم. # وقال الثعلبي: معنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس لعربي اللسان، ~~فقرأه عليهم بغير لغة العرب لما آمنوا أنفة من اتباعه، انتهى. ### || [26.200-203] # وقوله تعالى: { كذلك سلكنه في قلوب المجرمين }. # قال * ع *: و { سلكناه } معناه: أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي ~~يتضمنه قوله: # ما كانوا به مؤمنين # [الشعراء:199]؛ قاله الحسن، وقيل الضمير للتكذيب، وقيل للقرآن ورجح ~~بأنه المتبادر إلى الذهن، والمجرمون أراد به مجرمي كل أمة، أي: ~~أن هذه عادة الله فيهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب، ms1035 فكفار فريش ~~كذلك و { هل نحن منظرون } أي: مؤخرون. ### || [26.204-211] # وقوله سبحانه: { أفبعذابنا يستعجلون } توبيخ لقريش على ~~استعجالهم العذاب، وقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: أسقط علينا ~~كسفا من السماء، وقولهم: أين ما تعدنا؟ ثم خاطب سبحانه نبيه عليه ~~السلام بقوله: { أفرأيت إن متعناهم سنين }. # قال عكرمة: { سنين }: يريد عمر الدنيا، ثم أخبر تعالى أنه لم ~~يهلك قرية من القرى إلا بعد إرسال من ينذرهم عذاب الله عز وجل؛ ~~ذكرى لهم وتبصرة. # وقوله تعالى: { وما تنزلت به الشيطين } الضمير في { ~~به } عائد على القرآن. ### || [26.212-217] # وقوله تعالى: { إنهم عن السمع لمعزولون } أي: لأن ~~السماء محروسة بالشهب الجارية إثر الشياطين، ثم وصى تعالى نبيه ~~بالثبوت على التوحيد والمراد: أمته فقال: { فلا تدع مع ~~الله إلها ءاخر... } الآية. # وقوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين... } الآية: وفي ~~«صحيح البخاري» وغيره عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: # " يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، ~~فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من ~~سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما ~~جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين ~~يدي عذاب شديد " # الحديث، وخص بإنذاره عشيرته؛ لأنهم مظنة الطواعية، وإذ ~~يمكنه من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم، ولأن الإنسان غير ~~متهم على عشيرته، والعشيرة: قرابة الرجل، وخفض الجناح: استعارة ~~معناه: لين الكلمة، وبسط الوجه، والبر، والضمير في { عصوك } ~~عائد على عشيرته، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالتوكل عليه في كل ~~أموره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة. ### || [26.218-220] # وقوله: { الذي يراك حين تقوم } يراك عبارة عن الإدراك، وظاهر ~~الآية أنه أراد قيام الصلاة، ويحتمل سائر التصرفات؛ وهو تأويل مجاهد ~~وقتادة. # وقوله سبحانه: { وتقلبك في السجدين } قال ابن عباس ~~وغيره: يريد أهل الصلاة، أي: صلاتك مع المصلين. ### || [26.221-226] # وقوله تعالى: { هل أنبئكم } أي: قل لهم يا محمد: هل أخبركم { ~~على من تنزل الشياطين }؟ والأفاك: الكذاب، ~~والأثيم: الكثير الإثم، ويريد الكهنة؛ لأنهم ms1036 كانوا يتلقون ~~من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من ~~السماء فيخلطون معها مائة كذبة، حسبما جاء في ~~الحديث، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع، والضمير في { يلقون } يحتمل ~~أن يكون للشياطين، ويحتمل أن يكون للكهنة، ولما ذكر الكهنة بإفكهم ~~وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام الله تعالى عقب ذلك بذكر الشعراء ~~وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن إذ قال بعض الكفرة في القرآن ~~أنه شعر والمراد شعراء الجاهلية ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح ~~شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور. # وقوله: { الغاوون }. قال ابن عباس: هم المستحسنون لأشعارهم ~~المصاحبون لهم. # وقال عكرمة: هم الرعاع الذين يتبعون الشاعر ويغتنمون إنشاده. # وقوله: في كل واد يهيمون، عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث ~~الكلام وباطله، قاله ابن عباس وغيره، ورى جابر بن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # " من مشى سبع خطوات في شعر, كتب من الغاوين " # ذكره أسد بن موسى وذكره النقاش. ### || [26.227] # وقوله تعالى { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات... ~~} الآية: هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحسان بن ثابت, وكعب ~~بن مالك, وعبد الله بن رواحة, وكل من اتصف بهذه الصفة, ويروى ~~عن عطاء بن يسار وغيره أن هؤلاء شق عليهم ما ذكر قبل ~~في الشعراء, فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت آية الاستثناء ~~بالمدينة. # وقوله تعالى { وذكروا الله كثيرا } يحتمل أن يريد في ~~أشعارهم, وهو تأويل ابن زيد, ويحتمل أن ذلك خلق لهم وعبادة؛ قاله ~~ابن عباس, فكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدح عن غير حق فهو داخل في ~~هذه الآية وكل تقي منهم يكثر من الزهد, ويمسك عن كل ما يعاب ~~فهو داخل في الاستثناء. # * ت * قد كتبنا - والحمد لله - في هذا المختصر جملة صالحة في فضل ~~الأذكار عسى الله أن ينفع به من وقع بيده, ففي جامع الترمذي عن أبي ~~سعيد الخدري، قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العباد ~~أفضل درجة عند الله ms1037 تعالى يوم القيامة؟ قال: # " الذاكرون الله كثيرا, قلت: ومن الغازي في سبيل ~~الله عز وجل؟! قال: لو ضرب بسيفه الكفار ~~والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما - لكان ~~الذاكرون الله تعالى أفضل منه " # وروى الترمذي, وابن ماجه عن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ~~مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من ~~إنفاق الذهب والورق؛ وخير لكم من أن تلقوا ~~عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ~~قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى " # قال الحاكم أبو عبد الله في كتابه «المستدرك على ~~الصحيحين»: هذا حديث صحيح الإسناد، انتهى من «حلية ~~النووي». وقوله: { وانتصروا من بعد ما ظلموا } ~~إشارة إلى ما رد به حسان وعلي وغيرهما على قريش. # قلت: قيل: وأنصف بيت قالته العرب: قول حسان لأبي ~~سفيان أو لأبي جهل: [الوافر] # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # وباقي الآية وعيد لظلمة كفار مكة وتهديد لهم. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-5] # قوله تعالى: { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين * ~~هدى وبشرى للمؤمنين } تقدم القول في الحروف ~~المقطعة، وعطف الكتاب على القرآن وهما لمسمى واحد؛ من ~~حيث هما صفتان لمعنيين، فالقرءان: لأنه اجتمع، والكتاب: ~~لأنه يكتب، «وإقامة الصلاة»: إدامتها وأداؤها على ~~وجهها. # وقوله تعالى: { زينا لهم أعمالهم } أي: جعل ~~سبحانه عقابهم على كفرهم أن حتم عليهم الكفر، وحبب ~~إليهم الشرك وزينه في نفوسهم. والعمه: الحيرة والتردد ~~في الضلال. ثم توعدهم تعالى بسوء العذاب؛ فمن ناله ~~منه شيء في الدنيا بقي عليه عذاب الآخرة، ومن لم ~~ينله عذاب الدنيا كان سوء عذابه في موته وفي ما ~~بعده. ### || [27.6-9] # وقوله تعالى: { وإنك لتلقى القرءان } تلقى: مضاعف ~~لقي يلقى، ومعناه تعطى، كما قال: # وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم # [فصلت:35]. # وهذه الآية رد على كفار قريش في قولهم: إن القرآن من ~~تلقاء محمد؛ و { من لدن } معناه: من عنده؛ ومن ~~جهته. ثم قص تعالى خبر موسى؛ حين خرج بزوجه؛ بنت ~~شعيب عليه السلام يريد مصر، وقد تقدم في «طه» قصص ms1038 الآية. # وقوله: { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب ~~قبس... } الآية، أصل الشهاب: الكوكب المنقض فأثر مسترق ~~السمع؛ وكل ما يقال له «شهاب» من المنيرات؛ فعلى التشبيه، ~~والقبس: يحتمل أن يكون اسما، ويحتمل أن يكون صفة. وقرأ ~~الجمهور بإضافة «شهاب» إلى «قبس»، وقرأ حمزة والكسائي ~~وعاصم بتنوين «شهاب قبس»: فهذا على الصفة. # * ص *: وقوله: { جاءها } ضمير المفعول، عائد على النار، وقيل ~~على الشجرة، انتهى. و { بورك } معناه: قدس ونمي خيره، ~~والبركة، مختصة بالخير. # وقوله تعالى: { من في النار } قال ابن عباس: أراد النور، ~~وقال الحسن وابن عباس: وأراد ب { من حولها } الملائكة وموسى. # قال * ع *: ويحتمل أن تكون { من } للملائكة؛ لأن ذلك النور ~~الذي حسبه موسى نارا؛ لم يخل من ملائكة، { ومن حولها } ~~لموسى والملائكة المطيفين به. # وقرأ أبي بن كعب «أن بوركت النار ومن حولها». # وقوله تعالى: { وسبحان الله رب العالمين } ، هو تنزيه ~~لله تعالى مما عساه أن يخطر ببال؛ وفي معنى النداء من ~~الشجرة، أي: هو منزه عن جميع ما تتوهمه الأوهام؛ وعن ~~التشبيه والتكييف، والضمير في { إنه } للأمر والشأن. ### || [27.10-14] # وقوله سبحانه: { وألق عصاك... } الآية، أمره تعالى ~~بهذين الأمرين إلقاء العصا، وأمر اليد تدريبا له في ~~استعمالهما، والجان: الحيات؛ لأنها تجن أنفسها؛ أي: ~~تسترها. وقالت فرقة: الجان: صغار الحيات. # وقوله تعالى: { ولى مدبرا ولم يعقب } ، أي: ولى ~~فارا. قال مجاهد: ولم يرجع، وقال قتادة: ولم يلتفت. # قال * ع *: وعقب الرجل إذا ولى عن أمر؛ ثم صرف بدنه أو ~~وجهه إليه. ثم ناداه سبحانه مؤنسا له: { يموسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون }. # وقوله تعالى: { إلا من ظلم } قال الفراء؛ وجماعة: ~~الاستثناء منقطع، وهو إخبار عن غير الأنبياء، كأنه ~~سبحانه قال: لكن من ظلم من الناس ثم تاب؛ فإني ~~غفور رحيم، وهذه الآية تقتضي المغفرة للتائب، ~~والجيب الفتخ في الأوب لرأس الإنسان. # وقوله تعالى: { في تسع ءايت } متصل بقوله: { ألق } ، ~~{ وأدخل يدك } وفيه اقتضاب وحذف، والمعنى في جملة تسع، ~~آيات، وقد تقدم بيانها، والضمير في { جاءتهم } لفرعون ~~وقومه، ms1039 وظاهر قوله تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها ~~} حصول الكفر عنادا؛ وهي مسألة خلاف؛ قد تقدم بيانها ~~و { ظلما } معناه: على غير استحقاق للجحد، والعلو في ~~الأرض أعظم آفة على طالبه، قال الله تعالى: # تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا # [القصص:83]. ### || [27.15-18] # وقوله تعالى: { ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما... ~~} الآية، هذا ابتداء قصص فيه غيوب وعبر. # { وورث سليمن داود } ، أي: ورث ملكه ومنزلته من ~~النبوة؛ بعد موت أبيه، وقوله: { علمنا منطق الطير } ~~إخار بنعمة الله تعالى عندهما؛ في ان فهمهما من أصوات ~~الطير المعاني التي في نفوسها، وهذا نحو ما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسمع أصوات الحجارة بالسلام عليه؛ وغير ~~ذلك حسب ما هو في الآثار. # قال قتادة وغيره: إنما كان هذا الأمر في الطير خاصة، والنملة ~~طائر؛ إذ قد يوجد لها جناحان. # وقالت فرقة: بل كان ذلك في جميع الحيوان؛ وإنما خص ~~الطير؛ لأنه كان جندا من جنود سليمان؛ يحتاجه في التظليل من ~~الشمس؛ وفي البعث في الأمور. والنمل حيوان فطن قوي ~~شمام جدا؛ يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين ~~لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع؛ لأنها تنبت إذا ~~قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستقي سائره ~~عدة. قال ابن العربي في «أحكامه»: ولا خلاف عند العلماء في ~~أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول، وقد قال الشافعي: ~~الحمام أعقل الطير، انتهى. # وقوله: { وأوتينا من كل شيء } معناه: يصلح لنا ~~ونتمناه؛ وليست على العموم. ثم ذكر شكر فضل الله ~~تعالى، واختلف في مقدار جند سليمان عليه السلام اختلافا ~~شديدا؛ لا أرى ذكره؛ لعدم صحة التحديد، غير أن الصحيح ~~في هذا أن ملكه كان عظيما ملأ الأرض، وانقادت له ~~المعمورة كلها، وكان كرسيه يحمل أجناده من الأنس ~~والجن، وكانت الطير تظله من الشمس، ويبعثها في الأمور، و { ~~يوزعون } معناه: يرد أولهم إلى آخرهم، ويكفون، قال ~~قتادة: فكأن لكل صنف وزعة، ومنه قول الحسن البصري ~~حين ولي قضاء البصرة: لا بد للحاكم من وزعة، ms1040 ومنه ~~قول أبي قحافة للجارية: ذلك يا بنية الوازع؛ ومنه قول ~~الشاعر: [الطويل] # على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت: ألما أصح والشيب وازع # أي: كاف، وهكذا نقل ابن العربي عن مالك؛ فقال: { يوزعون } ~~أي: يكفون. # قال ابن العربي: وقد يكون بمعنى يلهمون؛ من قوله { أوزعني أن ~~أشكر نعمتك } أي: ألهمني، انتهى من «الإحكام». ### || [27.19-24] # وقوله تعالى: { فتبسم ضاحكا من قولها } التبسم هو ~~ضحك الأنبياء في غالب أمرهم؛ لا يليق بهم سواه، وكان ~~تبسمه سرورا بنعمة الله تعالى عليه في إسماعه وتفهيمه. ~~وفي قول النملة: { وهم لا يشعرون } ثناء على سليمان وجنوده ~~يتضمن تنزيههم عن تعمد القبيح. ثم دعا سليمان عليه السلام ربه أن ~~يعينه ويفرغه لشكر نعمته، وهذا معنى إيزاع الشكر، وقال ~~الثعلبي وغيره: «أوزعني» معناه: ألهمني، وكذلك قال ~~العراقي: { أوزعني } ألهمني، انتهى. # وقوله تعالى: { وتفقد الطير... } الآية، قالت فرقة: ذلك ~~بحسب ما تقتضيه العناية بالمملكة والتهمم بكل جزء ~~منها، وهذا ظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير، وقالت فرقة: بل ~~تفقد الطير؛ لأن الشمس دخلت من موضع الهدهد؛ ~~فكان ذلك سبب تفقد الطير؛ ليبين من أين دخلت الشمس، وقال ~~عبد الله بن سلام: إنما طلب الهدهد؛ لأنه احتاج إلى معرفة ~~الماء؛ على كم هو من وجه الأرض؛ لأنه كان نزل في مفازة ~~عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها؛ ~~فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة، ~~وقيل غير هذا؛ والله أعلم بما صح من ذلك. ثم توعد عليه السلام ~~الهدهد بالعذاب، فروي عن ابن عباس وغيره: أن تعذيبه للطير كان بنتف ~~ريشه. والسلطان: الحجة؛ حيث وقع في القرآن العظيم؛ قاله ابن عباس. ~~وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين؛ وعقابا على إخلاله ~~بنبوته ورتبته، والضمير في { مكث } يحتمل أن يكون لسليمان أو ~~للهدهد، وفي قراءة ابن مسعود «فتمكث ثم جاء فقال» وفي قراءة أبي ~~«فتمكث ثم قال أحطت». # * ت *: وهاتان القراءتان تبينان أن الضمير في «مكث» للهدهد؛ وهو ~~الظاهر أيضا في قراءة ms1041 الجماعة، ومعنى { مكث }: أقام. # وقوله: { غير بعيد } يعني: في الزمن. # وقوله: { أحطت } أي: علمت. # وقرأ الجمهور «سبأ» بالصرف على أنه اسم رجل؛ وبه جاء الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فروة بن مسيك وغيره، سئل ~~عليه السلام عن سبإ فقال: # " كان رجلا له عشرة من الولد تيامن منهم ~~ستة وتشاءم أربعة " # ورواه الترمذي من طريق فروة بن مسيك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~«سبأ» بفتح الهمزة وترك الصرف؛ على أنه اسم ~~بلدة؛ وقاله الحسن وقتادة. # وقوله: { وأوتيت من كل شيء } أي: مما تحتاجه المملكة، قال ~~الحسن: من كل أمر الدنيا، وهذه المرأة هي «بلقيس»، ووصف عرشها ~~بالعظم في الهيئة ورتبة الملك، وأكثر بعض الناس في قصصها ~~بما رأيت اختصاره؛ لعدم صحته، وإنما اللازم من الآية: أنها امرأة ~~ملكة على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وكانت كافرة من قوم ~~كفار. ### || [27.25-35] # وقوله: { ألا يسجدوا لله } إلى قوله { العظيم } ، ~~ظاهره: أنه من قول الهدهد؛ وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويحتمل أن ~~يكون من قول الله تعالى اعتراضا بين الكلامين، وقراءة التشديد ~~في { ألا } تعطى: أن الكلام للهدهد؛ وهي قراءة الجمهور، وقراءة ~~التخفيف؛ وهي للكسائي تمنعه وتقوي الآخر؛ فتأمله، وقرأ الأعمش ~~{ هلا يسجدون } وفي حرف عبد الله «ألا هل تسجدون» ~~بالتاء، و { الخبء }: الخفي من الأمور؛ وهو من خبأت الشيء، ~~واللفظة تعم كل ما خفي من الأمور؛ وبه فسر ابن عباس. وقرأ ~~الجمهور: «يخفون ويعلنون» بياء الغائب؛ وهذه القراءة تعطى ~~أن الآية من كلام الهدهد. وقرأ الكسائي وحفص عن عاصم «تخفون ~~وتعلنون» بتاء الخطاب؛ وهذه القراءة تعطى أن الآية من خطاب الله ~~تعالى لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله: { فألقه إليهم ثم تول عنهم } ، قال وهب بن ~~منبه: أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به ~~مع الملوك، بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعاتهم، ولكيل الأمر، إلى ~~حكم ما في الكتاب دون أن تكون للرسول ملازمة ولا إلحاح. وروى ~~وهب بن منبه في قصص هذه الآية: ms1042 أن الهدهد وصل؛ فوجد دون هذه ~~الملكة حجب جدرات، فعمد إلى كوة كانت بلقيس ~~صنعتها، لتدخل منها الشمس عند طلوعها؛ لمعنى عبادتها ~~إياها؛ فدخل منها ورمى بالكتاب إليها؛ فقرأته وجمعت أهل ~~ملكها؛ فخاطبتهم بما يأتي بعد. { قالت يأيها الملأ } ~~تعني: الأشراف: { إني ألقي إلي كتاب كريم } وصفت ~~الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم، أو لأنه بدىء باسم كريم. ثم ~~أخذت تصف لهم ما في الكتاب، ثم أخذت في حسن الأدب مع رجالها ~~ومشاورتهم في أمرها؛ فراجعها قومها بما يقر عينها من إعلامهم ~~إياها بالقوة، والبأس. ثم سلموا الأمر إلى نظرها؛ وهذه محاورة ~~حسنة من الجميع. وفي قراءة عبد الله: «ما كنت قاضية أمرا» ~~بالضاد من القضاء، ثم أخبرت بلقيس بفعل الملوك بالقرى التي ~~يتغلبون عليها، وفي كلامها خوف على قومها وحيطة لهم، قال ~~الداوودي: وعن ابن عباس: رضي الله عنه { إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها } قال: إذا أخذوها عنوة، أخربوها، انتهى. # وقوله: { وكذلك يفعلون } قالت فرقة: هو من قول بقليس، وقال ~~ابن عباس: هو من قول الله تعالى معرفا لمحمد عليه السلام ~~وأمته بذلك. # { وإني مرسلة إليهم بهدية... } الآية، روي أن بلقيس ~~قالت لقومها: إني أجرب هذا الرجل بهدية فيها نفائس الأموال، ~~فإن كان ملكا دنيويا أرضاه المال؛ وإن كان نبيا لم يقبل ~~الهدية، ولم يرضه منا إلا أن نتبعه على دينه، فينبغي أن ~~نؤمن به، ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة. ### || [27.36-42] # وقوله تعالى: { فلما جاء سليمن } يعني: رسل بقليس، وقول ~~سليمان: { ارجع } خطاب لرسلها؛ لأن الرسول يقع على الجمع ~~والإفراد والتذكير والتأنيث. وفي قراءة ابن مسعود: «فلما جاؤوا سليمان» ~~وقرأ «ارجعوا» ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على الكفر، قال ~~البخاري: { لا قبل لهم بها } أي: لا طاقة لهم، انتهى. ثم قال ~~سليمان لجمعه { يأيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها }. # قال ابن زيد: وغرضه في استدعاء عرشها؛ أن يريها القدرة التي من ~~عند الله وليغرب عليها، و { مسلمين } في هذا التأويل بمعنى: ~~مستسلمين، ويحتمل أن يكون بمعنى الإسلام. # وقال ms1043 قتادة: كان غرض سليمان عليه السلام قبل أن يعصمهم الإسلام؛ ~~فالإسلام على هذا التأويل يراد به الدين. # * ت *: والتأويل الأول أليق يمنصب النبوة، فيتعين حمل ~~الآية عليه، والله أعلم. # وروي أن عرشها كان من ذهب وفضة؛ مرصعا بالياقوت ~~والجوهر، وأنه كان في جوفه سبعة أبيات عليها سبعة أغلاق. ~~والعفريت هو من الشياطين؛ القوي المارد. # وقوله: { قبل أن تقوم من مقامك } قال مجاهد وقتادة: معناه: ~~قبل قيامك من مجلس الحكم, وكان يجلس من الصبح إلى وقت الظهر في كل ~~يوم، وقيل: معناه: قبل أن تستوي من جلوسك قائما. وقول الذي عنده ~~علم من الكتاب: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك } قال ابن جبير وقتادة: معناه: قبل أن يصل إليك من يقع ~~طرفك عليه في أبعد ما ترى. وقال مجاهد: معناه: قبل أن تحتاج إلى ~~التغميض، أي: مدة ما يمكنك أن تمد ببصرك دون تغميض؛ وذلك ارتداده. # قال * ع *: وهذان القولان يقابلان القولين قبلهما. # وقوله: { لقوي أمين } معناه: قوي على حمله؛ أمين على ما فيه. ~~ويروى أن الجن كانت تخبر سليمان بمناقل سير بلقيس، ~~فلما قربت، قال: { أيكم يأتيني بعرشها } فدعا الذي عنده ~~علم من التوراة، وهو الكتاب المشار إليه باسم الله الأعظم؛ الذي ~~كاانت العادة في ذلك الزمان أن لا يدعو به أحد، إلا أجيب، فشقت الأرض ~~بذلك العرش، حتى نبع بين يدي سليمان عليه السلام : ~~وقيل: بل جيء به في الهواء. وجمهور المفسرين على أن هذا الذي عنده ~~علم من الكتاب كان رجلا صالحا من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا، ~~روي أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان عليه السلام: يا نبي الله؛ امدد ~~بصرك نحو اليمن، فمد بصره؛ فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا ~~وهو عنده. وقال قتادة: اسمه بلخيا. وقول سليمان عليه السلام : { ~~نكروا لها عرشها } يريد تجربة ميزها ونظرها، ~~وروت فرقة أن الجن أحست من سليمان أو ظنت به أنه ربما تزوجها، ~~فكرهوا ذلك وعيبوها عنده، بأنها غير عاقلة ولا مميزة؛ وأن رجلها ~~كحافر ms1044 دابة، فجرب عقلها وميزها بتنكير السرير، وجرب أمر ~~رجلها بأمر الصرح، لتكشف عن ساقيها عنده، وتنكير العرش: تغيير ~~وضعه وستر بعضه. وقولها { كأنه هو } تحرز فصيح، وقال ~~الحسن بن الفضل: شبهوا عليها فشبهت عليهم. ولو قالوا: ~~{ أهذا عرشك؟ } لقالت: نعم، ثم قال سليمان عليه السلام عند ذلك: { ~~وأوتينا العلم من قبلها } الآية، وهذا منه؛ على جهة تعديد ~~نعم الله تعالى عليه وعلى آبائه. ### || [27.43-44] # وقوله تعالى: { وصدها ما كانت تعبد } أي: عن الإيمان، وهذا ~~الكلام يحتمل أن يكون من قول سليمان، أو من قول الله، ~~إخبارا لمحمد عليه السلام: قال محمد ابن كعب القرظي وغيره: ولما ~~وصلت بلقيس أمر سليمان الجن فصنعت له صرحا؛ وهو السطح في ~~الصحن من غير سقف وجعلته مبنيا كالصهريج وملىء ~~ماء وبث فيه السمك وطبقه بالزجاج الأبيض الشفاف، ~~وبهذا جاء صرحا. والصرح أيضا كل بناء عال، وكل هذا من التصريح؛ ~~وهو الإعلان البالغ. ثم وضع سليمان في وسط الصرح كرسيا، فلما ~~وصلته بلقيس؛ قيل لها: ادخلي إلى النبي عليه السلام ، فلما رأت ~~الصرح حسبته لجة وهو معظم الماء، ففزعت ~~وظنت أنها قصد بها الغرق، وتعجبت من كون كرسيه ~~على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن لها بد من امتثال ~~الأمر، فكشفت عن ساقيها، فرأى سليمان ساقيها سليمة مما ~~قالت الجن غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد قال ~~لها سليمان عليه السلام: { إنه صرح ممرد من قوارير } ~~والممرد: المحكوك المملس؛ ومنه الأمرد، فعند ذلك قالت: { رب ~~إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العلمين } فروي أن سليمان عليه السلام تزوجها عند ذلك، ~~وأسكنها الشام؛ قاله الضحاك. وقيل: تزوجها وردها إلى ملكها باليمن ~~وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه ~~داود؛ مات في حياته. وروي أن سليمان لما أراد زوال شعر ~~ساقيها؛ أمر الجن بالتلطف في زواله، فصنعوا النورة ولم ~~تكن قبل وصنعوا الحمام ### || [27.45-53] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم ~~صلحا... } الآية، تمثيل لقريش، و { فريقان }: يريد بهما ms1045 من ~~آمن بصالح. ومن كفر به. واختصامهم هو تنازعهم. وقد ذكر تعالى ~~ذلك في سورة الأعراف، ثم إن صالحا عليه السلام ترفق ~~بقومه ووقفهم على خطأهم في استعجالهم العذاب؛ قبل الرحمة. أو ~~المعصية لله قبل الطاعة، ثم أجابو بقولهم: { اطيرنا بك } ~~أي: تشاءمنا بك. و { تسعة رهط } هم رجال كانوا من أوجه ~~القوم وأعتاهم؛ وهم أصحاب قدار، والمدينة مجتمع ثمود ~~وقريتهم. # وقوله تعالى: { تقاسموا }. # قال الجمهور: هو فعل أمر، أشار بعضهم على بعض بأن يتحالفوا على ~~هذا الفعل بصالح، وحكى الطبري أنه يجوز أن يكون تقاسموا فعلا ~~ماضيا في موضع الحال، كأنه قال: متقاسمين أو متحالفين بالله ~~لنبيتنه وأهله، وتؤيده قراءة عبد الله: «ولا يصلحون ~~تقاسموا» بإسقاط «قالوا». # قال * ع *: وهذه الألفاظ الدالة على قسم تجاوب باللام، وإن لم ~~يتقدم قسم ظاهر، فاللام في { لنبيتنه }: جواب القسم. ~~وروي في قصص هذه الآية أن هؤلاء التسعة؛ لما كان في صدر ~~الثلاثة الأيام. بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء ~~العذاب، اتفق هؤلاء التسعة فتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ~~ليلا فيقتلوه وأهله المختصين به، قالوا فإن كان كاذبا في ~~وعيده أوقعناه به ما يستحق، وإن كان صادقا كنا قد عجلناه ~~قبلنا وشفينا به نفوسنا، فجاءوا واختفوا لذلك في غار ~~قريب من داره، فروي أنه انحدرت عليهم صخرة شدختهم ~~جميعا وروي أنها طبقت عليهم الغار فهلكوا فيه حين ~~هلك قومهم، وكل فريق لا يعلم بما جرى على الآخر، وقد ~~كانوا على جحود الأمر من قرابة صالح، ويعني بالأهل كل من آمن ~~به؛ قاله الحسن. # وقوله سبحانه: { ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } قال ابن ~~العربي الحاتمي: المكر إرداف النهم مع المخالفة وإبقاء الحال ~~مع سوء الأدب، انتهى من شرحه لألفاظ الصوفية. والتدمير: الهلاك و { ~~خاوية } معناه: قفرا، وهذه البيوت المشار إليها هي التي قال ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم عام تبوك: # " لا تدخلوا بيوت المعذبين إلا أن تكونوا باكين ~~" # الحديث في «صحيح مسلم» وغيره. ### || [27.54-58] # وقوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ms1046 ~~الفحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم ~~تجهلون } تقدم قصص هؤلاء القوم، و { تبصرون } معناه: ~~بقلوبكم. # قال أبو حيان: و { شهوة } مفعول من أجله، انتهى. وعن ابن عباس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله من عمل عمل قوم لوط " # رواه أبو داود والترمذي والنسائي؛ واللفظ له؛ وابن ماجه وابن ~~حبان في صحيحه، انتهى من «السلاح». ### || [27.59-61] # وقوله تعالى: { قل الحمد لله وسلم على عباده ~~الذين اصطفى ءآلله خير أما يشركون } الآيات، هذا ~~ابتداء تقرير وتنبيه لقريش والعرب وهو بعد يعم كل مكلف ~~من الناس جميعا، وافتتح ذلك بالقول بحمده سبحانه وتمجيده ~~وبالسلام على عباده الذين اصطفاهم للنبوة والإيمان، فهذا اللفظ ~~عام لجمعيهم من ولد آدم، وكأن هذا صدر خطبة للتقرير المذكور، ~~قالت فرقة: وفي الآية حذف مضاف في موضعين التقدير: أتوحيد ~~الله خير أم عبادة ما تشركون, ف «ما»، على هذا: موصولة بمعنى: ~~الذي، وقالت فرقة: «ما» مصدرية، وحذف المضاف إنما هو أولا تقديره: ~~أتوحيد الله خير أم شرككم. # * ت *: ومن كلام الشيخ العارف بالله أبى الحسن الشاذلي قال ~~رحمه الله : إن أردت أن لا يصدأ لك قلب؛ ولا يلحقك هم؛ ولا ~~كرب؛ ولا يبقى عليك ذنب فأكثر من قولك: «سبحان الله وبحمده؛ ~~سبحان الله العظيم، لا إله إلا الله، اللهم ثبت علمها في قلبي، ~~واغفر لي ذنبي، واغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقل الحمد لله وسلام على ~~عباده الذين اصطفى» انتهى. # وقوله تعالى: { أمن خلق } وما بعدها من التقريرات توبيخ لهم ~~وتقرير على ما لا مندوحة عن الإقرار به، و«الحدائق» مجتمع ~~الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك، قال قوم: لا يقال حديقة إلا ~~لما عليه جدار قد أحدق له. # وقال قوم: يقال ذلك كان جدار أو لم يكن؛ لأن البياض محدق ~~بالأشجار، والبهجة الجمال والنضارة. # وقوله سبحانه: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أي: ليس ~~ذلك في قدرتكم، و { يعدلون } يجوز أن يراد به: يعدلون عن طريق ~~الحق، ويجوز أن يراد ms1047 به يعدلون بالله غيره، أي: يجعلون ~~له عديلا ومثيلا، و { خلالها } معناه: بينها، والرواسي: ~~الجبال، والبحران: الماء العذب والماء الأجاج؛ على ما تقدم، والحاجز: ~~ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها على رقتها ~~في بعض المواضع، ولطافتها؛ لولا قدرة الله لغلب المالح العذب. ### || [27.62-66] # وقوله سبحانه: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه... } الآية، ~~وعن حبيب بن مسلمة الفهري؛ وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ~~ويؤمن بعضهم إلا أجابهم الله تعالى»، رواه الحاكم في ~~«المستدرك»، انتهى من «سلاح المؤمن»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن ~~الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه " # رواه الترمذي؛ وهذا لفظه. قال «صاحب السلاح»: ورواه الحاكم في ~~«المستدرك» وقال: مستقيم الإسناد، انتهى. و { السوء } عام في كل ~~ضر يكشفه الله تعالى عن عباده، قال ابن عطاء الله: ما طلب ~~لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب لك مثل الذلة ~~والافتقار، انتهى. و«الظلمات» عام؛ لظلمة الليل؛ ولظلمة الجهل ~~والضلال، والرزق من السماء. هو بالمطر؛ ومن الأرض بالنبات؛ هذا هو ~~مشهور ما يحسه البشر، وكم لله بعد من لطف خفي. ثم أمر ~~تعالى نبيه عليه السلام أن يوقفهم على أن الغيب ~~مما انفرد الله بعلمه؛ ولذلك سمي غيبا لغيبه عن المخلوقين. ~~روي: أن هذه الآية من قوله: { قل لا يعلم } إنما نزلت ~~لأجل سؤال الكفار عن الساعة الموعود بها، فجاء بلفظ ~~يعم الساعة وغيرها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون إيان يبعثون. # * ص *: { أيان } اسم استفهام بمعنى: متى، وهي معمولة ل { ~~يبعثون } ، والجملة في موضع نصب ب { يشعرون } ، انتهى. # وقرأ جمهور القراء: { بل ادرك } أصله: تدارك. وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر «بل ادرك» على وزن افتعل وهي بمعنى تفاعل. # وقرأ ابن كثير وأبو عمر: «بل أدرك» وهذه القراءات تحتمل ~~معنيين: أحدهما: ادرك علمهم، أي: تناهى، كما تقول ادرك ~~النبات، والمعنى: ms1048 قد تناهى علمهم بالآخرة إلى أن لا يعرفوا لها ~~مقدارا، فيؤمنوا وإنما لهم ظنون كاذبة، أو إلى أن لا يعرفوا لها ~~وقتا، والمعنى الثاني: بل ادرك بمعنى: يدرك أي أنهم في الآخرة ~~يدرك علمهم وقت القيامة، ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا ~~بها، وأما في الدنيا؛ فلا، وهذا هو تأويل ابن عباس، ونحا إليه الزجاج، ~~فقوله { في الأخرة } على هذا التأويل: ظرف؛ وعلى التأويل الأول: ~~{ في } بمعنى الباء. ثم وصفهم عز وجل بأنهم في شك منها، ثم ~~أردف بصفة هي أبلغ من الشك وهي العمى بالجملة عن أمر ~~الآخرة، و { عمون }: أصله: (عميون) فعلون كحذرون. ### || [27.67-82] # وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا أءذا كنا تربا ~~وءاباؤنا أئنا لمخرجون * لقد وعدنا هذا نحن ~~وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أسطير الأولين ~~} ، هذه الآية معناها واضح مما تقدم في غيرها. ثم ذكر - تعالى - ~~استعجال كفار قريش أمر الساعة والعذاب بقولهم: { متى ~~هذا الوعد } على معنى التعجيز، و { ردف } معناه: ~~قرب وأزف؛ قاله ابن عباس وغيره، ولكنها عبارة عما يجيء بعد ~~الشيء قريبا منه، والهاء في { غائبة } للمبالغة، أي ما من ~~شيء في غاية الغيب والخفاء إلا في كتاب عند الله وفي ~~مكنون علمه، لا إله إلا هو. ثم نبه تعالى على أن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الأشياء التي كان بينهم اختلاف ~~في صفتها، جاء بها القرآن على وجهها، { وإنه لهدى ورحمة ~~للمؤمنين } كما أنه عمى على الكافرين المحتوم عليهم، ثم سلى ~~نبيه بقوله: { إنك لا تسمع الموتى } فشبههم مرة ~~بالموتى، ومرة بالصم من حيث إن فائدة القول لهؤلاء ~~معدومة. # وقرأ حمزة: «وما أنت تهدي العمي» بفعل مستقبل، ومعنى قوله ~~تعالى { وإذا وقع القول عليهم } ، أي: إذا انتجز وعد ~~عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك، وهذا بمنزلة ~~قوله تعالى: # حقت كلمة العذاب # [الزمر:71]. # فمعنى الآية وإذا أراد الله أن ينفذ في الكافرين سابق علمه ~~لهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ~~ينقطع الخير، ولا ms1049 يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، ولا يبقى ~~منيب ولا تائب، و { وقع } عبارة عن الثبوت واللزوم، وفي الحديث ~~أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من أول الأشراط، وهذه ~~الدابة روي أنها تخرج من الصفا بمكة؛ قاله ابن عمر ~~وغيره، وقيل غير هذا. # وقرأ الجمهور: { تكلمهم } من الكلام. وقرأ ابن عباس وغيره، { ~~تكلمهم } بفتح التاء وتخفيف اللام ، من الكلم وهو ~~الجرح، وسئل ابن عباس عن هذه الآية «تكلمهم أو تكلمهم»؟ فقال: كل ذلك، ~~والله تفعل: تكلمهم وتكلمهم، وروي أنها تمر على ~~الناس فتسم الكافر في جبهته وتزبره وتشتمه وربما ~~خطمته، وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه، ويعرف بعد ذلك ~~الإيمان والكفر من أثرها، وفي الحديث: # " تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، ~~فتجلو وجوه المؤمنين بالعصا؛ وتختم أنف الكافر ~~بالخاتم، حتى أن الناس ليجتمعون، فيقول هذا: ~~يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر " # رواه البزار، انتهى من «الكوكب الدري». # وقرأ الجمهور: «إن الناس» بكسر «إن». # وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «أن» بفتحها. # وفي قراءة عبد الله: «تكلمهم بأن»، وعلى هذه القراءة؛ ~~فيكون قوله: «أن الناس» إلى آخرها من كلام الدابة، وروي ذلك ~~عن ابن عباس. ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى. ### || [27.83-87] # وقوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا }: هو ~~تذكير بيوم القيامة، والفوج: الجماعة الكثيرة، و { يوزعون } ~~معناه: يكفون في السوق، أي يحبس أولهم على آخرهم؛ قاله ~~قتادة، ومنه وازع الجيش، ثم أخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم ~~القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ: { أكذبتم... } الآية، ثم قال: ~~{ أماذا كنتم تعملون } على معنى استيفاء الحجج، أي: إن كان ~~لكم عمل أو حجة فهاتوها. ثم أخبر عن وقوع القول عليهم، أي: نفوذ ~~العذاب وحتم القضاء وأنهم لا ينطقون بحجة، وهذا في موطن من ~~مواطن القيامة. ولما تكلم المحاسبي على أهوال القيامة، قال: ~~واذكر الصراط بدقته وهو له؛ وزلته وعظيم خطره؛ وجهنم تخفق ~~بأمواجها من تحته، فيا له من منظر؛ ما أفظعه وأهوله، ~~فتوهم ذلك بقلب فارغ، وعقل جامع، فإن أهوال يوم القيامة ms1050 ~~إنما خفت على الذين توهموها في الدنيا بعقولهم، فتحملوا في ~~الدنيا الهموم خوفا من مقام ربهم، فخففها ~~مولاهم يوم القيامة عنهم، انتهى من «كتاب التوهم». # { ويوم ينفخ في الصور } وهو القرن في قول جمهور الأمة، ~~وصاحب الصور هو إسرافيل عليه السلام ، وهذه النفخة المذكورة هنا ~~هي نفخة الفزع، وروى أبو هريرة أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ~~وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ~~ونفخة القيام من القبور. وقالت فرقة: إنما هما نفختان: كأنهم جعلوا ~~الفزع والصعق في نفخة واحدة مستدلين بقوله تعالى: # ثم نفخ فيه أخرى... # الآية [الزمر:68]. # قالوا: وأخرى لا يقال إلا في الثانية. # قال * ع *: والأول أصح، وأخرى يقال في الثالثة، ومنه قوله تعالى: # ومنوة الثالثة الأخرى # [النجم:20]. # وقوله تعالى: { إلا من شاء الله } استثناء فيمن قضى الله ~~سبحانه من ملائكته، وأنبيائه، وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع ~~النفخ في الصور، حسب ما ورد في ذلك من الآثار. # قال * ع *: وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون ~~أن لا ينالهم هذا. # وقرأ حمزة: «وكل أتوه» على صيغة الفعل الماضي، والداخر: ~~المتذلل الخاضع، قال ابن عباس وابن زيد: الداخر: الصاغر، وقد ~~تظاهرت الروايات بأن الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به ~~الشهداء: لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم أهل للفزع؛ ~~لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم. # * ت *: واختار الحليمي هذا القول قال: وهو مروي عن ابن عباس : ~~إن المستثنى هم الشهداء. وضعف ما عداه من الأقوال، قال القرطبي، في ~~تذكرته: وقد ورد في حديث أبي هريرة؛ بأنهم الشهداء، وهو ~~حديث صحيح، انتهى. ### || [27.88-90] # وقوله تعالى: { وترى الجبال تحسبها جامدة... } الآية، ~~هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ في الصور، ~~والرؤية: هي بالعين، قال ابن عباس: جامدة: قائمة، والحسنة ~~الإيمان، وقال ابن عباس وغيره: هي «لا إله إلا الله» وروي عن علي ~~بن الحسين أنه قال: كنت في بعض خلواتي فرفعت صوتي: ب «لا ~~إله إلا الله» فسمعت قائلا يقول: إنها الكلمة التي قال ms1051 الله فيها: ~~«من جاء بالحسنة فله خير منها». # وقال ابن زيد: يعطى بالحسنة الواحدة عشرا. # قال * ع *: والسيئة التي في هذه الآية هي الكفر والمعاصي. فيمن ~~حتم الله عليه من أهل المشيئة بدخول النار. ### || [27.91-93] # وقوله: { إنما أمرت } المعنى قل يا محمد؛ لقومك: إنما أمرت أن ~~أعبد رب هذه البلدة، يعني: مكة، { وأن أتلوا القرءان } ~~معناه تابع في قراءتك، أي: بين آياته واسرد. # قال * ص *: { وأن أتلوا } معطوف على «أن أكون». # وقرأ عبد الله: «وأن اتل» بغير واو وقوله: { ومن ضل } جوابه ~~محذوف يدل عليه ما قبله، أي: فوبال ضلاله عليه، أو يكون ~~الجواب: فقل، ويقدر ضمير عائد من الجواب على الشرط؛ لأنه اسم ~~غير ظرف، أي: من المنذرين له، انتهى. وتلاوة القرآن سبب الاهتداء ~~إلى كل خير. # وقوله تعالى: { سيريكم ءاياته } توعد بعذاب الدنيا ~~كبدر ونحوه، وبعذاب الآخرة. # { وما ربك بغفل عما تعملون } فيه وعيد. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-9] # قوله تعالى: { طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا ~~عليك من نبإ موسى... } الآية، معنى { نتلوا }: نقص ~~وخص تعالى بقوله { لقوم يؤمنون } من حيث إنهم هم ~~المنتفعون بذلك دون غيرهم، و { علا في الأرض } أي: علو ~~طغيان وتغلب، و { في الأرض } يريد أرض مصر، والشيع: ~~الفرق، والطائفة المستضعفة: هم بنو إسرائيل، { يذبح ~~أبناءهم } خوف خراب ملكه على ما أخبرته كهنته، أو لأجل ~~رؤيا رآها؛ قاله السدي. وطمع بجهله أن يرد القدر، وأين هذا المنزع ~~من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: # " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا ~~خير لك في قتله " # يعني: ابن صياد؛ إذ خاف عمر أن يكون هو الدجال، وباقي ~~الآية بين؛ وتقدم قصصه. والأئمة: ولاة الأمور؛ قاله قتادة. # { ونجعلهم الورثين } يريد: أرض مصر والشام، وقرأ حمزة: ~~«ويرى فرعون» بالياء وفتح الراء والمعنى: ويقع فرعون ~~وقومه فيما خافوه وحذروه من جهة بني إسرائيل، وظهورهم، وهامان: هو ~~وزير فرعون وأكبر رجاله, وهذا الوحي إلى أم موسى، قيل: وحي ~~إلهام، وقيل: بملك. # وقيل: في منام # وجملة الأمر ms1052 أنها علمت أن هذا الذي وقع في نفسها هو من عند ~~الله، قال السدي وغيره: أمرت أن ترضعه عقب الولادة، ~~وتصنع به ما في الآية؛ لأن الخوف كان عقب كل ولادة، ~~واليم: معظم الماء، والمراد: نيل مصر، واسم أم موسى يوحانذ وروي ~~في قصص هذه الآية: أن أم موسى لفته في ثيابه وجعلت ~~له تابوتا صغيرا، وسدته عليه بقفل، وعلقت مفتاحه ~~عليه، وأسلمته ثقة بالله وانتظارا لوعده سبحانه، فلما غاب ~~عنها عاودها بثها وأسفت عليه، وأقنطها الشيطان فاهتمت ~~به وكادت تفتضح، وجعلت الأخت تقصه، أي: تطلب أثره ~~وتقدم باقي القصة في «طه» وغيرها، والالتقاط: اللقاء عن غير قصد، ~~وآل فرعون: أهله وجملته، واللام في { ليكون }: لام ~~العاقبة. # وقال * ص *: { ليكون }: اللام للتعليل المجازي، ولما كان ~~مآله إلى ذلك، عبر عنه بلام العاقبة، وبلام الصيرورة، انتهى. # وقرأ حمزة، والكسائي «وحزنا» - بضم الحاء وسكون الزاي -، ~~والخاطىء: متعمد الخطإ، والمخطىء الذي لا يتعمده. # وقوله: { وهم لا يشعرون } أي: بأنه هو الذي يفسد ملك ~~فرعون على يده؛ قاله قتادة وغيره. ### || [28.10-14] # { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } أي: فارغا من كل شيء ~~إلا من ذكر موسى. # قاله ابن عباس. # قال مالك: هو ذهاب العقل، وقالت فرقة: { فارغا } من الصبر. # وقوله تعالى: { إن كادت لتبدي به } أي: أمر ابنها، ~~وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كادت أم موسى أن ~~تقول: «وابناه وتخرج سائحة على وجهها». والربط ~~على القلب: تأنيسه وتقويته، { ولتكون من المؤمنين } أي: ~~من المصدقين بوعد الله سبحانه وما أوحي إليها به، و { عن جنب ~~} أي: ناحية، فمعنى { عن جنب }: عن بعد لم تدن منه ~~فيشعر لها. # وقوله: { وهم لا يشعرون } معناه: أنها أخته، ووعد الله ~~المسار إليه هو الذي أوحاه إليها أولا، إما بملك أو بمنامة، ~~حسبما تقدم، والقول بالإلهام ضعيف أن يقال فيه وعد. # وقوله: { أكثرهم } يريد به القبط، والأشد: شدة البدن ~~واستحكام أمره وقوته، و { استوى } معناه: تكامل عقله، وذلك ~~عند الجمهور مع الأربعين. والحكم: الحكمة، والعلم: المعرفة ~~بشرع إبراهيم ms1053 عليه السلام. ### || [28.15-24] # وقوله تعالى: { ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها }. # قال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق ~~بفرعون، وكان يركب مراكبه حتى إنه كان يدعى موسى بن ~~فرعون، فركب فرعون يوما وسار إلى مدينة من مدائن مصر، فركب ~~موسى بعده ولحق بتلك المدينة في وقت القائلة، وهو حين ~~الغفلة؛ قاله ابن عباس، وقال أيضا: هو بين العشاء والعتمة، وقيل ~~غير هذا. # وقوله تعالى: { هذا من شيعته } أي من بني إسرائيل، و { ~~عدوه } هم القبط، و«الوكز»: الضرب باليد مجموعة، وقرأ ~~ابن مسعود: «فلكزه» والمعنى: واحد؛ إلا أن اللكز في اللحي، ~~والوكز على القلب، و { قضى عليه } معناه: قتله مجهزا، ولم ~~يرد عليه السلام قتل القبطي، لكن وافقت ~~وكزته الأجل؛ فندم، ورأى أن ذلك من نزع الشيطان. في ~~يده، إن ندامة موسى عليه السلام حملته على الخضوع لربه ~~والاستغفار من ذنبه، فغفر الله له، ذلك، ومع ذلك لم يزل عليه ~~السلام يعيد ذلك على نفسه مع علمه أنه قد غفر له، حتى إنه في ~~القيامة يقول: «وقتلت نفسا لم أومر بقتلها»؛ ~~حسبما صح في حديث الشفاعة، ثم قال موسى عليه السلام ~~معاهدا لربه: رب بنعمتك علي وبسبب إحسانك وغفرانك، فأنا ~~ملتزم ألا أكون معينا للمجرمين؛ هذا أحسن ما تأول. # وقال الطبري: إنه قسم؛ أقسم بنعمة الله عنده. # قال * ع *: واحتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة ~~أهل الجور ومعونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ~~ذلك؛ نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره. # قال ابن عباس: ثم إن موسى عليه السلام مر وهو بحالة ~~الترقب؛ وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس ~~يقاتل آخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي على الناس ~~واكتتم، فلما رأى الإسرائيلي موسى، استصرخه، بمعنى صاح به مستغيثا ~~فلما رأى موسى عليه السلام قتاله لآخر؛ أعظم ذلك وقال له ~~معاتبا ومؤنبا: { إنك لغوى مبين } وكانت إرادة موسى ~~ عليه السلام مع ذلك، أن ينصر الإسرائيلي، فلما دنا منهما، وحبس ms1054 ~~الإسرائيلي وفزع منه، وظن أنه ربما ضربه، وفزع من قوته التي رأى ~~بالأمس، فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول، ولما اشتهر أن ~~موسى قتل القتيل، وكان قول الإسرائيلي يغلب على النفوس ~~تصديقه على موسى، مع ما كان لموسى من المقدمات أتى رأي ~~فرعون وملائه على قتل موسى، وغلب على نفس فرعون أنه ~~المشار إليه بفساد المملكة، فأنفد فيه من يطلبه ويأتي ~~به للقتل، وألهم الله رجلا؛ يقال إنه مؤمن من آل فرعون ~~أو غيره، فجاء إلى موسى وبلغه قبلهم و { يسعى } معناه: ~~يسرع في مشيه؛ قاله الزجاج وغيره، وهو دون الجري، فقال: { ~~يموسى إن الملأ يأتمرون بك. # .. } الآية. # * ت * قال الهروي: قوله تعالى: { يأتمرون بك } أي: يؤامر ~~بعضهم بعضا في قتلك، وقال الأزهري: الباء في قوله: { يأتمرون ~~بك } بمعنى: «في» يقال: ائتمر القوم إذا شاور بعضهم بعضا، ~~انتهى. وعن أبي مجلز واسمه لاحق بن حميد قال: من خاف من أمير ~~ظلما فقال: رضيت بالله، ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ~~وبالقرآن حكما وإماما نجاه الله منه؛ رواه ابن أبي شيبة في ~~«مصنفه»، انتهى من «السلاح». و { تلقاء } معناه ناحية مدين، وبين ~~مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، وكان ملك مدين لغير ~~فرعون، ولما خرج عليه السلام فارا بنفسه منفردا حافيا؛ لا شيء ~~معه ولا زاد وغير عارف بالطريق؛ أسند أمره إلى الله تعالى ~~وقال: { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ومشى ~~عليه السلام حتى ورد ماء مدين، ووروده الماء، معناه: ~~بلوغه، ومدين: لا ينصرف إذ هو بلد معروف، والأمة: الجمع ~~الكثير، و { يسقون } معناه: ماشيتهم، و { من دونهم } معناه: ~~ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل ~~وصوله إلى الأمة، و { تذودان } معناه: تمنعان، ~~وتحبسان غنمهما عن الماء؛ خوفا من السقاة الأقوياء، و ~~{ أبونا شيخ كبير } ، أي: لا يستطيع؛ لضعفه أن يباشر ~~أمر غنمه. # وقوله تعالى: { فسقى لهما }. # قالت فرقة: كانت آبارهم مغطاة بحجارة كبار، فعمد إلى بئر، ~~وكان حجرها لا يرفعه إلا جماعة، فرفعه وسقى للمرأتين. ~~فعن رفع الصخرة وصفته ms1055 إحداهما بالقوة، وقيل وصفته ~~بالقوة؛ لأنه زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى لهما. # وقرأ الجمهور «يصدر الرعاء» على حذف المفعول تقديره: ~~مواشيهم، وتولى موسى إلى الظل وتعرض لسؤال ما يظعمه بقوله: ~~{ رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } ولم ~~يصرح بسؤال؛ هكذا، روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا ~~الكلام ما يأكله، قال ابن عباس: وكان قد بلغ به عليه السلام ~~الجوع إلى أن اخضر لونه من أكل البقل، ورئيت خضرة البقل ~~في بطنه، وإنه لأكرم الخلق يومئذ على الله، وفي هذا ~~معتبر وحاكم بهوان الدنيا على الله تعالى، وعن معاذ بن أنس ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أكل طعاما، فقال: الحمد لله الذي ~~أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ~~ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن ~~لبس ثوبا، فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ~~الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " # رواه أبو داود؛ واللفظ له، والترمذي وابن ماجه والحاكم في ~~«المستدرك»، وقال: صحيح على شرط البخاري، وقال الترمذي: حسن غريب، ~~انتهى من «السلاح». ### || [28.25-28] # وقوله تعالى: { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء... ~~} الآية: في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر، قدره ابن ~~إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من الرجل، فأمر إحدى ~~ابنتيه أن تدعوه له، فجاءته، على ما في الآية. وقوله: { على ~~استحياء } أي: خفرة، قد سترت وجهها بكم درعها؛ ~~قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وروى الترمذي عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحياء من الإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء؛ ~~والجفاء في النار " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ انتهى. # والجمهور أن الداعي لموسى عليه السلام هو شعيب عليه ~~السلام وأن المرأتين ابنتاه. ف { قالت إن أبي يدعوك... } ~~الآية، فقام يتبعها فهبت ريح ضمت قميصها إلى ~~بدنها فتحرج موسى عليه السلام من النظر إليها فقال امشي خلفي ~~وأرشديني إلى الطرق ms1056 ففهمت عنه؛ فذلك سبب وصفها له ~~بالأمانة؛ قاله ابن عباس. { فلما جآءه وقص عليه ~~القصص } فآنسه بقوله: { لا تخف نجوت من القوم ~~الظلمين } فلما فرغ كلامهما قالت إحدى الابنتين { ~~يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين } فقال لها أبوها: ومن أين عرفت هذا منه؟ قالت: أما ~~قوته ففي رفع الصخرة، وأما أمانته ففي تحرجه عن ~~النظر إلي؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له الأب ~~عند ذلك: { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين... } الآية، قال ابن العربي: في «أحكامه» قوله: { إني ~~أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } يدل على أنه ~~عرض لا عقد؛ لأنه لو كان عقدا، لعين المعقود عليها؛ ~~لأن العلماء وإن اختلفوا في جواز البيع، إذ قال له: بعتك ~~أحد عبدي هذين بثمن كذا، فإنهم اتفقوا على أن ذلك لا ~~يجوز في النكاح؛ لأنه خيار وشيء من الخيار لا يلحق ~~بالنكاح. وروي أنه قال شعيب: أيتهما تريد؟ قال: الصغرى، ~~انتهى. «وتأجر» معناه: تثيب وجعل شعيب الثمانية الأعوام ~~شرطا ووكل العامين إلى المروءة، ولما فرغ كلام ~~شعيب قرره موسى؛ وكرر معناه على جهة التوثق في أن الشرط ~~إنما وقع في ثمان حجج، و { أيما } استفهام نصب ب { قضيت } و ~~«ما» صلة للتأكيد و «لا عدوان» لاتباعة علي، و «الوكيل»: ~~الشاهد القائم بالأمر. ### || [28.29-40] # وقوله تعالى: { فلما قضى موسى الأجل } قال ابن عباس: قضى ~~أكملهما عشر سنين؛ وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر ~~أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما ~~أتها نودى... } ، تقدم قصصها، فانظره في محاله، قال ~~البخاري: والجذوة قطعة غليظة من الخشب فيها لهب، انتهى. ~~قال العراقي و«آنس» معناه: أبصر، انتهى. # وقوله: { من الشجرة } يقتضي: أن موسى عليه السلام سمع ~~ما سمع من جهة الشجرة، وسمع وأدرك غير مكيف ولا محدد. # قال السهيلي: قيل إن هذه الشجرة عوسجة، وقيل: عليقة، ~~والعوسج إذا عظم قيل له: الغرقد، انتهى. { ولم يعقب ~~} معناه: لم يرجع على عقبه من ms1057 توليته. # وقوله تعالى: { واضمم إليك جناحك من الرهب } ذهب ~~مجاهد وابن زيد إلى: أن ذلك حقيقة أمره بضم عضده ~~وذراعه؛ وهو الجناح إلى جنبه؛ ليخف بذلك فزعه؛ ~~ورهبه، ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات فزعه؛ أن يقوى ~~قلبه، وذهبت فرقة إلى أن ذلك على المجاز وأنه أمر بالعزم على ~~ما أمر به، كما تقول العرب: اشدد حيازيمك؛ واربط ~~جأشك، أي: شمر في أمرك ودع عنك الرهب. # وقوله تعالى: { فذنك برهانن من ربك } قال مجاهد ~~والسدي: هي إشارة إلى العصا واليد. # وقرأ الجمهور: «ردءا» بالهمز . # وقرأ نافع وحده «ردا» بتنوين الدال دون همز وذلك على ~~التخفيف من ردء، والردء: الوزير المعين، وشد العضد: ~~استعارة في المعونة، والسلطان: الحجة. # وقوله: { بئايتنا }: متعلق بقوله { الغلبون } أي: ~~تغلبون بآياتنا؛ وهي المعجزات، ثم إن فرعون استمر في طريق مخرقته على ~~قومه، وأمر هامان بأن يطبخ له الآجر وأن يبني له صرحا أي ~~سطحا في أعلى الهواء، موهما لجهلة قومه أن يطلع ~~بزعمه في السماء، ثم قال: { وإني لأظنه من ~~الكذبين } يعني: موسى في أنه أرسله مرسل و { نبذنهم } ~~معناه: طرحناهم، واليم: بحر القلزم في قول أكثر الناس؛ وهو ~~الأشهر. ### || [28.41-43] # وقوله تعالى: { وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار... ~~} الآية، عبارة عن حالهم وأفعالهم، وخاتمتهم، أي: هم بذلك ~~كالداعين إلى النار؛ وهم فيه أئمة من حيث اشتهروا، وبقي ~~حديثهم، فهم قدوة لكل كافر وعات إلى يوم القيامة، و { ~~المقبوحين } الذين يقبح كل أمرهم، قولا لهم وفعلا ~~بهم، قال ابن عباس: هم الذين قبحوا بسواد الوجوه وزرقة ~~العيون، و { يوم } طرف مقدم { ولقد ءاتينا موسى ~~الكتب } يعني: التوراة والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش؛ بما ~~تقدم في غيرها من الأمم و«بصائر» نصب على الحال، أي: طرائق ~~هادية. ### || [28.44-45] # وقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي... } الآية، أي: ما ~~كنت يا محمد حاضرا لهذه الغيوب التي تخبرهم بها، ~~ولكنها صارت إليك بوحينا، أي: فكان الواجب أن يسارعوا ~~إلى الإيمان بك. # قال السهيلي: وجانب الغربي هو جانب الطور الأيمن، فحين ms1058 ~~ذكر سبحانه نداءه لموسى قال: # وندينه من جانب الطور الأيمن # [مريم:52] وحين نفى عن محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون بذلك ~~الجانب قال: { وما كنت بجانب الغربي } والغربي: هو ~~الأيمن، وبين اللفظين في ذكر المقامين ما لا يخفى في حسن ~~العبارة وبديع الفصاحة والبلاغة؛ فإن محمدا عليه السلام لا يقال ~~له: ما كنت بالجانب الأيمن؛ فإنه لم يزل بالجانب الأيمن ~~مذ كان في ظهر آدم عليه السلام، انتهى. # وقوله سبحانه: { فتطاول عليهم العمر } قال الثعلبي: أي: ~~فنسوا عهد الله، انتهى. و { قضينا } معناه: أنفذنا، و { الأمر } ~~يعني: التوراة. # وقالت فرقة: يعني به: ما أعلمه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم. # قال * ع *: وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله { ~~ولكنا أنشأنا قرونا }. # * ت *: قال أبو بكر بن العربي: قوله تعالى: { إذ قضينا إلى ~~موسى الأمر } معناه: أعلمناه، وهو أحد ما يرد تحت لفظ ~~القضاء مرادا، انتهى من كتاب «تفسير الأفعال الواقعة في القرآن». ~~و«الثاوي»: المقيم. ### || [28.46-47] # وقوله تعالى: { وما كنت بجانب الطور } يريد وقت إنزال ~~التوراة إلى موسى عليه السلام . وقوله: { إذ نادينا } ~~روي عن أبي هريرة: أنه نودي يومئذ من السماء: «يا ~~أمة محمد، استجبت لكم قبل أن تدعوني، وغفرت لكم ~~قبل أن تسألوني» فحينئذ قال موسى عليه السلام : اللهم، ~~اجعلني من أمة محمد، فالمعنى: إذ نادينا بأمرك وأخبرنا ~~بنبوتك. # وقال الطبري: معنى قوله: { إذ نادينا }: بأن # سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة # الآية[الأعراف:156]. # وقوله سبحانه: { ولولا أن تصيبهم مصيبة... } الآية، ~~المصيبة: عذاب في الدنيا على كفرهم، وجواب { لولا } محذوف ~~يقتضيه الكلام؛ تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه. # وقال الزجاج: تقديره: لما أرسلنا الرسل. ### || [28.48-50] # وقوله سبحانه: { فلما جاءهم الحق } يريد القرآن ومحمدا ~~عليه السلام، والمقالة التي قالتها قريش: { لولا أوتي مثل ~~ما أوتي موسى } كانت من تعليم اليهود لهم؛ قالوا لهم: لم لا ~~يأتي بآية باهرة كالعصا واليد، وغير ذلك، فعكس الله عليهم ~~قولهم، ووقفهم على أنهم قد وقع منهم في تلك الآيات ما وقع ~~من هؤلاء ms1059 في هذه، فالضمير في قوله { يكفروا } لليهود، وقرأ ~~الجمهور: «ساحران» والمراد: موسى وهارون. # قال * ع *: ويحتمل أن يريد ب { ما أوتي موسى } من أمر ~~محمد والإخبار به الذي هو في التوراة. # وقوله: { وقالوا إنا بكل كفرون } يؤيد هذا ~~التأويل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «سحران» والمراد بهما: ~~التوراة والقرآن؛ قاله ابن عباس، و { تظهرا }: معناه: تعاونا. # وقوله: { أهدى منهمآ }. # قال الثعلبي: يعني: أهدى من كتاب محمد وكتاب موسى؛ انتهى. # * ت *: ويحتمل أن يكون الضمير في { يكفروا } لقريش كما أشار ~~إليه الثعلبي، وكذا في { قالوا } لقريش عنده. و { ساحران } يريدون ~~موسى ومحمدا عليهما السلام وهو ظاهر قولهم: { إنا بكل ~~كافرون }؛ لأن اليهود لا يقولون ذلك في موسى في عصر نبينا محمد عليه ~~السلام، ويبين هذا كله قوله تعالى: { فإن لم يستجيبوا ~~لك... } الآية، فإن ظاهر الآية أن المراد قريش وعلى هذا كله ~~مر الثعلبي، انتهى. ### || [28.51-60] # وقوله تعالى: { ولقد وصلنا لهم القول... } الآية؛ ~~الذين وصل لهم القول: هم قريش؛ قاله مجاهد وغيره، قال ~~الجمهور: والمعنى: واصلنا لهم في القرآن، وتابعناه موصولا بعضه ~~ببعض في المواعظ والزواجر، والدعاء، إلى الإسلام. وذهبت فرقة إلى: أن ~~الإشارة بتوصيل القول إنما هي إلى الألفاظ، فالمعنى: ولقد وصلنا لهم ~~قولا معجزا دالا على نبوءتك. # قال * ع *: والمعنى الأول تقديره: ولقد وصلنا لهم قولا يتضمن ~~معان؛ من تدبرها اهتدى. ثم ذكر تعالى القوم الذين ~~آمنوا بمحمد من أهل الكتاب مباهيا بهم قريشا. واختلف في ~~تعيينهم فقال الزهري: الإشارة: إلى النجاشي. # وقيل: إلى سلمان، وابن سلام، وأسند الطبري إلى رفاعة القرظي، قال: ~~نزلت هذه الآية في اليهود في عشرة أنا أحدهم، أسلمنا ~~فأوذينا؛ فنزلت فينا هذه الآية. والضمير في { قبله } يعود على ~~القرآن. و { أجرهم مرتين } معناه: على ملتين؛ وهذا ~~المعنى هو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين؛ رجل من أهل ~~الكتاب آمن بنبيه وآمن بي... " # الحديث. و { يدرءون } معناه: يدفعون؛ وهذا وصف لمكارم ~~الأخلاق، أي: يتغابون ومن قال لهم سوءا لا ينوه وقابلوه ms1060 من ~~القول الحسن بما يدفعه، واللغو سقط القول، والقول يسقط ~~لوجوه يعز حصرها، والمراد منه في الآية: ما كان سبا وأذى ~~ونحوه؛ فأدب الإسلام الإعراض عنه. و { سلام } في هذا الموضع ~~قصد به المتاركة لا التحية. قال الزجاج: وهذا قبل الأمر ~~بالقتال، و { لا نبتغي الجهلين } معناه: لا نطلبهم ~~للجدال والمراجعة والمشاتمة. # * ت *: قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا حبيب بن حجر القيسي، ~~قال: كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن ~~العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، ~~وما أضفت إلى شيء، مثل حلم إلى علم، انتهى. وأجمع جل ~~المفسرين على أن قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت ~~} إنما نزلت في شأن أبي طالب، فروى أبو هريرة وغيره # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه، وهو يجود ~~بنفسه، فقال له: أي عم، قل: لا إله إلا الله، ~~كلمة أشهد لك بها عند الله... " # الحديث قد ذكرناه في سورة: «براءة»، فمات أبو طالب على كفره، ~~فنزلت هذه الآية فيه. # قال أبو روق: قوله تعالى: { ولكن الله يهدي من يشاء } ~~إشارة إلى العباس، والضمير في قوله { وقالوا } لقريش. # قال ابن عباس: والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل، وحكى ~~الثعلبي أنه قال له: إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن ~~اتبعناك تخطفتنا العرب. و { تجبى }: معناه: تجمع ~~وتجلب. # وقوله: { كل شيء } يريد مما به صلاح حالهم، ثم توعد قريشا ~~بقوله { وكم أهلكنا من قرية } و { بطرت } معناه: ~~سفهت وأشرت وطغت؛ قاله ابن زيد وغيره. # * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { بطرت معيشتها } ، أي: في ~~معيشتها، والبطر: الطغيان عند النعمة، انتهى. ثم أحالهم ~~على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود، ~~وغيره. ثم خاطب تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفتخرون به ~~من مال وبنين، وأن ذلك متاع الدنيا الفاني، وأن الآخرة وما ~~فيها من النعيم الذي أعده الله للمؤمنين خير وأبقى. # * ت *: وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو كانت الدنيا تعدل عند الله ms1061 جناح بعوضة ~~ما سقى كافرا منها شربة " # رواه الترمذي من طريق سهل بن سعد، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، قال ~~أبو عيسى: هذا حديث صحيح، انتهى. وباقي الآية بين لمن أبصر ~~واهتدى، جعلنا الله منهم بمنه. ### || [28.61-64] # وقوله سبحانه: { أفمن وعدنه وعدا حسنا فهو ~~لاقيه... } الآية، معناها، يعم جميع العالم و { من ~~المحضرين }: معناه: في عذاب الله؛ قاله مجاهد وقتادة، ولفظة { ~~محضرين } مشيرة إلى سوق [بجبر]. # وقوله تعالى: { ويوم يناديهم } الضمير المتصل ب «ينادي» ~~لعبدة الأوثان، والإشارة إلى قريش وكفار العرب. # وقوله: { قال الذين حق عليهم القول } هؤلاء المجيبون ~~هم كل مغو داع إلى الكفر من الشياطين والإنس؛ طمعوا في ~~التبري من متبعيهم؛ فقالوا ربنا هؤلاء إنما أضللناهم ~~كما ضلنا نحن باجتهاد لنا ولهم، وأحبوا الكفر كما أحببناه ~~{ تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون }. ثم أخبر ~~تعالى: أنه يقال للكفرة العابدين للأصنام: { ادعوا شركاءكم } ~~يعني: الأصنام، { فدعوهم }. فلم يكن في الجمادات ما يجيب، ~~ورأى الكفار العذاب. # وقوله تعالى: { لو أنهم كانوا يهتدون } ذهب الزجاج ~~وغيره إلى أن جواب «لو» محذوف. تقديره «لما نالهم العذاب». # وقالت فرقة: لو: متعلقة بما قبلها، تقديره فودوا حين ~~رأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون. ### || [28.65-72] # وقوله سبحانه { ويوم ينديهم فيقول ماذا أجبتم ~~المرسلين } هذا النداء أيضا للكفار، و { فعميت ~~عليهم الأنبآء }: معناه أظلمت عليهم جهاتها. # وقوله: { فهم لا يتساءلون } معناه، في قول مجاهد: لا ~~يتساءلون بالأرحام ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأبناء، ~~ليقين جميعهم أنه لا حجة لهم. # وقوله سبحانه: { فعسى أن يكون من المفلحين }. # قال كثير من العلماء: «عسى» من الله واجبة. # قال * ع *: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه كرمه وفضله ~~سبحانه، واللازم من «عسى»: أنها ترجية لا واجبة، وفي كتاب ~~الله تعالى: # عسى ربه إن طلقكن # [التحريم:5]. # * ت *: ومعنى الوجوب هنا: الوقوع. # وقوله سبحانه: { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ، قيل: ~~سببها، قول قريش: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف:31]. # ونحو ذلك من قولهم؛ فرد الله ms1062 عليهم بهذه الآية، وجماعة ~~المفسرين: أن «ما» نافية، أي: ليس لهم الخيرة، وذهب الطبري إلى أن ~~{ ما } مفعولة ب { يختار } أي: ويختار الذي لهم فيه الخيرة، ~~وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من سعادة ابن آدم استخارته الله، ومن شقاوته ~~تركه " # رواه الحاكم في «المستدرك»؛ وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح». ~~وباقي الآية بين. والسرمد من الأشياء: الدائم الذي لا ~~ينقطع. ### || [28.73-75] # * ت *: وقوله سبحانه: { ومن رحمته جعل لكم ~~اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله... } , الآية معناها بين، وينبغي للعاقل ألا يجعل ~~ليله كله نوما؛ فيكون ضائع العمر جيفة بالليل ~~بطالا بالنهار، كما قيل: [الطويل] # نهارك بطال وليلك نائم # كذلك في الدنيا تعيش البهائم # فإن أردت أيها الأخ؛ أن تكون من الأبرار فعليك بالقيام في ~~الأسحار، وقد نقل صاحب «الكوكب الدري» عن البزار؛ أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أتدرون ما قالت أم سليمان لسليمان عليه ~~السلام : يا بني، لا تكثر النوم بالليل؛ فإن ~~كثرة النوم بالليل، يدع الرجل فقيرا يوم ~~القيامة " # ، انتهى. وابتغاء الفضل: هو بالمشي والتصرف. # وقوله تعالى: { ونزعنا من كل أمة شهيدا } أي: عدول ~~الأمم وأخيارها، فيشهدون على الأمم بخيرها وشرها، فيحق العذاب ~~على من شهد عليه بالكفر، وقيل له: على جهة الإعذار في المحاورة: ~~{ هاتوا برهنكم } ومن هذه الآية، انتزع قول القاضي عند ~~إرادة الحكم: أبقيت لك حجة. ### || [28.76-79] # وقوله تعالى: { إن قرون كان من قوم موسى فبغى ~~عليهم... } الآية، كان قارون من قرابة موسى: ممن آمن بموسى ~~وحفظ التوراة وكان عند موسى عليه السلام من عباد ~~المؤمنين، ثم إن الله أضله وبغى على قومه بأنواع ~~البغي؛ من ذلك كفره بموسى. # وقال الثعلبي: قال ابن المسيب: كان قارون عاملا لفرعون ~~على بني إسرائيل؛ ممن يبغي عليهم ويظلمهم. قال قتادة: بغى عليهم ~~بكثرة ماله وولده، انتهى. # * ت *: وما ذكره ابن المسيب، هو الذي يصح في النظر لمتأمل ~~الآية، ولولا الإطالة لبينت وجه ذلك، والمفاتح ~~ظاهرها: أنها التي يفتح ms1063 بها، ويحتمل أن يريد بها: الخزائن ~~والأوعية الكبار؛ قاله الضحاك؛ لأن المفتح في كلام العرب ~~الخزانة، وأما قوله: { لتنوء } فمعناه: تنهض بتحامل ~~واشتداد، قال كثير من المفسرين: إن المراد: أن العصبة تنوء ~~بالمفاتح المثقلة لها فقلب. # * قلت *: وقال: عريب الأندلسي في كتاب «الأنواء» له نوء كذا؛ معناه: ~~مثله ومنه: { لتنوأ بالعصبة } ، انتهى، وهو حسن إن ساعده ~~النقل. وقال الداوودي عن ابن عباس: { لتنوأ بالعصبة أولى ~~القوة } يقول تثقل؛ وكذا قال الواحدي، انتهى. واختلف في ~~العصبة: كم هم؟ فقال ابن عباس - رضي الله عنه -: ثلاثة، ~~وقال قتادة: هم من العشرة إلى الأربعين، قال البخاري: يقال: ~~الفرحين المرحين. # قال الغزالي: في «الإحياء»: الفرح بالدنيا والتنعم ~~بها سم قاتل يسري في العروق؛ فيخرج من القلب ~~الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال القيامة؛ وهذا هو موت القلب ~~والعياذ بالله، فأولوا الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم ~~في حال الفرح بمواتاة الدنيا، وعلموا أن النجاة في الحزن ~~الدائم، والتباعد من أسباب الفرح، والبطر؛ فقطعوا النفس ~~عن ملاذها وعودوها الصبر عن شهواتها؛ حلالها ~~وحرامها وعلموا أن حلالها حساب وهو نوع عذاب، ومن ~~نوقش الحساب عذب، فخلصوا أنفسهم من عذابها، ~~وتوصلوا إلى الحرية والملك في الدنيا والآخرة؛ بالخلاص من أسر ~~الشهوات ورقها، والأنس بذكر الله تعالى والاشتغال ~~بطاعته، انتهى. # قال ابن الحاج في «المدخل»: قال يمن بن رزق رحمه الله ~~تعالى : وأنا أوصيك بأن تطيل النظر في مرآة الفكرة مع ~~كثرة الخلوات، حتى يريك شين المعصية وقبحها، ~~فيدعوك ذلك النظر إلى تركها، ثم قال يمن بن رزق: ولا ~~تفرحن بكثرة العمل مع قلة الحزن، واغتنم قليل ~~العمل مع الحزن، فإن قليل حزن الآخرة الدائم في القلب؛ ~~ينفي كل سرور ألفته من سرور الدنيا، وقليل سرور الدنيا في ~~القلب؛ ينفي عنك جميع حزن الآخرة. والحزن لا يصل إلى القلب ~~إلا مع تيقظه؛ وتيقظه حياته، وسرور الدنيا لغير ~~الآخرة لا يصل إلى القلب إلا مع غفلته؛ وغفلة القلب موته، ~~وعلامة ثبات اليقين في القلب استدامة الحزن فيه. # وقال رحمه الله ms1064 : اعلم أني لم أجد شيئا أبلغ في الزهد ~~في الدنيا من ثبات حزن الآخرة في القلب، وعلامة ثبات حزن ~~الآخرة في القلب أنس العبد بالوحدة، انتهى. # وقولهم له: { ولا تنس نصيبك من الدنيا }. # قال ابن عباس والجمهور: معناه: لا تضيع عمرك في ألا تعمل ~~عملا صالحا في دنياك؛ إذ الآخرة يعمل لها في الدنيا، فنصيب ~~الإنسان عمره وعمله الصالح فيها؛ فينبغي أن لا يهمله. وحكى ~~الثعلبي أنه قيل: أرادوا بنصيبه الكفن. # قال: * ع *: وهذا كله وعظ متصل؛ ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل] # نصيبك مما تجمع الدهر كله # رداءان تلوى فيهما وحنوط # وقال ابن العربي في «أحكامه»: وفي معنى النصيب ثلاثة أقوال: الأول: لا ~~تنس حظك من الدنيا، أي: لا تغفل أن تعمل في الدنيا للآخرة، ~~الثاني: أمسك ما يبلغك؛ فذلك حظ الدنيا، وأنفق الفضل ~~فذلك حظ الآخرة، الثالث: لا تغفل عن شكر ما أنعم ~~الله به عليك، انتهى. وقولهم: { وأحسن كمآ أحسن ~~الله إليك } أمر بصلة المساكين وذوي الحاجات. # * ص *: { كما أحسن }: - الكاف للتشبيه أو للتعليل -، انتهى. وقول ~~قارون: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي } قال ~~الجمهور: ادعى أن عنده علما استوجب به أن يكون صاحب ذلك ~~المال، ثم اختلفوا في ذلك العلم، فقال ابن المسيب: أراد علم ~~الكيمياء. # وقال أبو سليمان الداراني: أراد العلم بالتجارة ووجوه تثمير المال، ~~وقيل غير هذا. # وقوله تعالى: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون }. # قال محمد بن كعب: هو كلام متصل بمعنى ما قبله، والضمير في { ~~ذنوبهم } عائد على من أهلك من القرون، أي: أهلكوا ولم ~~يسئل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم، أي: كل أحد إنما يكلم ~~ويعاتب بحسب ما يخصه، وقالت فرقة: هو إخبار مستأنف عن ~~حال يوم القيامة، وجاءت آيات أخر تقتضي السؤال، فقال ~~الناس في هذا: إنها مواطن وطوائف. # وقيل غير هذا، ويوم القيامة هو مواطن. ثم أخبر تعالى عن خروج ~~قارون على قومه في زينته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا ~~وأكثر الناس في تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا ~~صحة له؛ فتركته، ms1065 وباقي الآية بين في اغترار ~~الجهلة والإغمار من الناس. ### || [28.80-82] # وقوله سبحانه: { وقال الذين أوتوا العلم ويلكم... } ~~الآية: أخبر تعالى عن الذين أوتوا العلم والمعرفة بالله وبحق ~~طاعته أنهم زجروا الأغمار الذين تمنوا حال ~~قارون وحملوهم على الطريقة المثلى؛ من أن ~~النظر والتمني إنما ينبغى أن يكون في أمور الآخرة، ~~وأن حالة المؤمن العامل الذي ينتظر ثواب الله تعالى خير من ~~حال كل ذي دنيا. ثم أخبر تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة في ~~الخبر والدين أنها { لا يلقاها } أي: لا يمكن فيها ~~ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه؛ وهذا ~~هو جماع الخير كله. # وقال الطبري: الضمير عائد على الكلمة؛ وهي قوله: { ثواب الله ~~خير لمن آمن وعمل صالحا } ، أي: لا يلقن هذه الكلمة ~~إلا الصابرون؛ وعنهم تصدر، وروي في الخسف بقارون وداره أن موسى عليه ~~السلام لما أمضه فعل قارون به وتعديه عليه؛ استجار بالله تعالى ~~وطلب النصرة؛ فأوحى الله إليه، أني قد أمرت الأرض أن تطيعك في ~~قارون وأتباعه، فقال موسى: يا أرض؛ خذيهم فأخذتهم إلى الركب، فاستغاثوا: ~~يا موسى؛ يا موسى؛ فقال: خذيهم، فأخذتهم شيئا فشيئا إلى أن تم الخسف ~~بهم، فأوحى الله إليه: يا موسى؛ لو بي استغاثوا وإلي تابوا ~~لرحمتهم. قال قتادة وغيره: روي أنه يخسف به كل يوم قامة؛ فهو ~~يتجلجل إلى يوم القيامة. # * ت *: وفي الترمذي؛ عن معاذ بن أنس الجهني، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " من ترك اللباس تواضعا لله، وهو يقدر ~~عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس ~~الخلائق؛ حتى يخيره؛ من أي حلل الإيمان شاء ~~يلبسها " # وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لنا قرام ستر ~~فيه تماثيل على بابي فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " انزعيه فإنه يذكرني الدنيا " # ، الحديث وروى الترمذي عن كعب ابن عياض قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي: المال " # ؛ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وفيه ms1066 عن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت ~~يسكنه، وثوب يواري عورته، وحلف الخبز والماء ~~". # قال النضر بن شميل: «جلف الخبز» يعني: ليس معه إدام. انتهى. فهذه ~~الأحاديث وأشباهها تزهد في زينة الدنيا وغضارة عيشها الفاني. # وقوله: { ويكأن } مذهب الخليل وسيبويه: أن «وي» حرف تنبيه منفصلة من ~~(كأن)، لكن أضيفت لكثرة الاستعمال. # وقال أبو حاتم وجماعة: ويك: هي (ويلك) حذفت اللام منها لكثرة ~~الاستعمال. # وقالت فرقة: و«يكأن» بجملتها كلمة. ### || [28.83-84] # وقوله تعالى: { تلك الدار الأخرة نجعلها للذين لا ~~يريدون علوا في الأرض ولا فسادا... } الآية: هذا إخبار ~~مستأنف من الله تعالى لنبيه عليه السلام ، يراد به جميع ~~العالم، ويتضمن الحض على السعي، حسب ما دلت عليه الآية، ويتضمن ~~الانحناء على حال قارون ونظرائه، والمعنى: أن الآخرة ليست في شيء ~~من أمر قارون؛ وأشباهه؛ وإنما هي لمن صفته كذا وكذا، والعلو المذموم: هو ~~بالظلم والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " وذلك أن تريد أن يكون شراك نعلك أفضل من شراك نعل أخيك " # ، والفساد يعم وجوه الشر. ### || [28.85-88] # وقوله تعالى: { إن الذي فرض عليك القرءان } قالت ~~فرقة: معناه فرض عليك أحكام القرآن. # وقوله تعالى: { لرادك إلى معاد } قال الجمهور: معناه: لرادك ~~إلى الآخرة، أي: باعثك بعد الموت، وقال ابن عباس وغيره: المعاد: ~~الجنة، وقال ابن عباس؛ أيضا ومجاهد: المعاد: مكة، وفي البخاري بسنده عن ~~ابن عباس: { لرادك إلى معاد }: إلى مكة، انتهى. وهذه الآية ~~نزلت بالجحفة؛ كما تقدم، والمعاد: الموضع الذي يعاد إليه. # وقوله تعالى: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب ~~إلا رحمة من ربك } هو تعديد نعم، والظهير: المعين. # وقوله تعالى: { ولا يصدنك عن ءايت الله }: بأقوالهم؛ ~~ولا تلتفت نحوهم؛ وامض لشأنك، وادع إلى ربك، وآيات ~~الموادعة كلها منسوخة. # وقوله تعالى: { كل شيء هالك وجهه } قالت فرقة: المعنى: ~~كل شيء هالك إلا هو سبحانه؛ قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي ~~رحمه الله وقال الزجاج: ms1067 إلا إياه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # قوله تعالى: { الم } تقدم الكلام على هذه الحروف. # وقوله تعالى: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~ءامنا وهم لا يفتنون } نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين ~~بمكة؛ وكان كفار قريش يؤذونهم، ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم ~~تضيق لذلك؛ وربما استنكر بعضهم أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين. ~~قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية، ومعلمة أن هذه هي سيرة الله ~~في عباده اختبارا للمؤمنين. ليعلم الصادق من الكاذب، و«حسب» بمعنى: ~~ظن. # { والذين من قبلهم } يريد بهم: المؤمنين مع الأنبياء في ~~سالف الدهر. ### || [29.4-7] # وقوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات } أم: ~~معادلة للهمزة؛ في قوله: # أحسب # [العنكبوت:2] وكأنه تعالى قرر الفريقين: قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا ~~يفتنون، وقرر الكافرين الذين يعملون السيئات؛ في تعذيب المؤمنين؛ ~~وغير ذلك على ظنهم؛ أنهم يسبقون عقاب الله تعالى؛ ويعجزونه، ثم الآية ~~بعد تعم كل عاص، وعامل سيئة من المسلمين؛ وغيرهم، وفي الآية ~~وعيد شديد للكفرة الفاتنين، وفي قوله تعالى: { من كان يرجو لقاء ~~الله } تثبيت للمؤمنين، وباقي الآية بين، والله الموفق. # وقال * ص *: قول * ع *: أم: معادلة للألف في قوله: { أحسب } يقتضي ~~أنها هنا متصلة؛ وليس كذلك؛ بل «أم» هنا: منقطعة مقدرة ب «بل»؛ ~~للإضراب، بمعنى: الانتقال؛ لا بمعنى الإبطال، وهمزة الاستفهام؛ للتقرير ~~والتوبيخ؛ فلا تقتضي جوابا، انتهى. # وقوله تعالى: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم }. إخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين ~~هم في أعلى رتبة من البدار إلى الله تعالى؛ نوه بهم عز وجل ~~وبحالهم؛ ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة؛ وهم الذين فتنهم الكفار. # { ولنجزينهم أحسن } ، أي: ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. ### || [29.8-11] # وقوله تعالى: { ووصينا الإنسن بوالديه حسنا وإن ~~جهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما } روي عن قتادة وغيره: أنها نزلت في شأن سعد بن أبي ~~وقاص؛ وذلك أنه هاجر؛ فحلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يرجع إليها؛ ~~ويكفر بمحمد، فلج هو في هجرته، ونزلت الآية. # وقيل: بل نزلت ms1068 في عياش بن أبي ربيعة؛ وكانت قصته كهذه ثم خدعه أبو ~~جهل؛ ورده إلى أمه. الحديث في كتب السيرة، وباقي الآية بين. ثم كرر ~~تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين؛ ليحرك النفوس إلى نيل ~~مراتبهم. # قال الثعلبي: قوله تعالى: { لندخلنهم في الصلحين } أي: ~~في زمرتهم. # وقال محمد بن جرير في مدخل الصالحين: وهو الجنة. # وقيل: { في } بمعنى: «مع» و «الصالحون»: هم الأنبياء والأولياء، انتهى. # وقوله تعالى: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله } إلى ~~قوله: { المنفقين } ، نزلت في المتخلفين عن الهجرة؛ المتقدم ~~ذكرهم؛ قاله ابن عباس. ثم قررهم تعالى على علمه بما في صدورهم، أي: لو ~~كان يقينهم تاما وإسلامهم خالصا؛ لما توقفوا ساعة ولركبوا ~~كل هول إلى هجرتهم ودار نبيهم. # وقوله تعالى: { وليعلمن الله الذين ءامنوا ~~وليعلمن المنفقين } هنا؛ انتهى المدني من هذه السورة. ### || [29.12-13] # وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا ~~اتبعوا سبيلنا... } الآية، روي: أن قائل هذه المقالة هو: ~~الوليد بن المغيرة، وقيل: بل كانت شائعة من كفار قريش؛ لاتباع النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { وليحملن أثقالهم } لأنه يلحق كل داع إلى ~~ضلالة؛ كفل منها حسبما صرح به الحديث المشهور. ### || [29.14-18] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم... } الآية، العطف بالفاء يقتضي ظاهره أنه لبث هذه المدة ~~رسولا؛ يدعو إلى عبادة الله تعالى، و { الطوفان }: العظيم الطامي، ~~ويقال ذلك لكل طام خرج عن العادة من ماء، أو نار، أو موت. # وقوله: { وهم ظلمون } يريد: بالشرك. ثم ذكر تعالى قصة إبراهيم ~~عليه السلام وقومه، وذلك أيضا تمثيل لقريش. # وقوله تعالى: { وتخلقون إفكا } قال ابن عباس: هو نحت الأصنام. # وقال مجاهد: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان؛ وغير ذلك. ### || [29.19-25] # وقوله تعالى: { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ~~ثم يعيده... } الآية، هذه الحالة هي على ما يظهر مع الأحيان من ~~إحياء الأرض، والنبات؛ وإعادته؛ ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من ~~القبور، ثم أمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن ~~يكون إبراهيم عليه ms1069 السلام بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج, بالسير في ~~الأرض، والنظر في أقطارها، و { النشأة الأخرة }: نشأة القيام ~~من القبور. # وقوله تعالى: { وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في ~~السماء... } الآية، قال ابن زيد: لا يعجزه أهل الأرض في الأرض، ولا ~~أهل السماء في السماء؛ إن عصوه. وقيل: معناه: ولا في السماء لو كنتم ~~فيها. وقيل: المعنى: ليس للبشر حيلة إلى صعود أو نزول؛ يفلتون بها. قال ~~قتادة: ذم الله قوما هانوا عليه؛ فقال: { أولئك يئسوا ~~من رحمتي... } الآية. # قال * ع *: وما تقدم من قوله: { أولم يروا كيف... } إلى ~~هذه الآية المستأنفة؛ يحتمل أن يكون خطابا لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، ويكون اعتراضا في قصة إبراهيم عليه السلام، ويحتمل أن ~~يكون خطابا لإبراهيم عليه السلام؛ ومجاورة لقومه؛ وعند آخر ذلك ذكر ~~جواب قومه. # وقوله تعالى: { فأنجاه الله من النار } أي بأن جعلها بردا ~~وسلاما. # قال كعب الأحبار رضي الله عنه : ولم تحرق النار إلا الحبل ~~الذي أوثقوه به؛ وجعل سبحانه ذلك آية، وعبرة، ودليلا على توحيده لمن ~~شرح صدره؛ ويسره للإيمان. ثم ذكر تعالى أن إبراهيم عليه السلام ~~قررهم على أن اتخاذهم الأوثان؛ إنما كان اتباعا من بعضهم لبعض؛ ~~وحفظا لمودتهم الدنيوية؛ وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضا، ~~ويتلاعنون؛ لأن توادهم كان على غير تقوى، # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف:67]. ### || [29.26-35] # وقوله تعالى: { فئامن له لوط } معناه: صدق، وآمن: يتعدى باللام ~~والباء، والقائل { إني مهاجر } هو إبراهيم عليه السلام. قاله ~~قتادة والنخعي؛ وقالت فرقة: هو لوط عليه السلام . # وقوله تعالى: { ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا ~~في ذريته النبوة والكتب وءاتيناه أجره ~~في الدنيا... } الآية، الأجر الذي آتاه الله في الدنيا: العافية ~~من النار ومن الملك الجائر. والعمل الصالح؛ أو الثناء الحسن؛ ~~قاله مجاهد ويدخل في عموم اللفظ غير ما ذكر. # قوله تعالى: { وإنه في الأخرة لمن الصلحين } ، أي: ~~في عداد الصالحين الذين نالوا رضا الله عز وجل، وقول لوط عليه السلام: { ~~أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } ، قالت ~~فرقة: ms1070 كان قطع الطريق بالسلب فاشيا فيهم، وقيل غير هذا، والنادي، ~~المجلس الذي يجتمع الناس فيه. واختلف في هذا المنكر الذي يأتونه ~~في ناديهم: فقالت فرقة: كانوا يحذفون الناس بالحصباء؛ ويستخفون ~~بالغريب والخاطر عليهم؛ وروته أم هانىء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~وكانت خلقهم مهملة؛ لا يربطهم دين؛ ولا ~~مروءة، وقال مجاهد: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم؛ وبعضهم ~~يرى بعضا. # وقال ابن عباس: كانوا يتضارطون ويتصافعون في مجالسهم، وقيل ~~غير هذا، وقد تقدم قصص الآية مكررا والرجز: العذاب. # وقوله تعالى: { ولقد تركنا منها }؛ أي: من خبرها وما بقي من ~~آثارها، والآية: موضع العبرة، وعلامة القدرة، ومزدجر النفوس عن الوقوع في ~~سخط الله تعالى. ### || [29.36-41] # وقوله تعالى: { وإلى مدين أخهم شعيبا فقال ~~يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر... } الآية، ~~الرجاء في الآية: على بابه، وذهب أبو عبيدة إلى أن المعنى؛ وخافوا، ~~و { تعثوا } معناه: تفسدوا، و { السبيل }: هي طريق الإيمان، ~~ومنهج النجاة من النار، و { ما كانوا سبقين } ، أي: مفلتين ~~أخذنا وعقابنا، وقيل: معناه: وما كانوا سابقين الأمم إلى الكفر، ~~وباقي الآية بين. ### || [29.42-45] # وقوله تعالى: { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من ~~شيء } ، قيل: معناه: إن الله يعلم الذين تدعون من دونه من جميع ~~الأشياء، وقيل: ما نافية؛ وفيه نظر، وقيل: ما استفهامية، قال جابر: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: { وما يعقلها إلا ~~العلمون }: العالم: من عقل عن الله تعالى ~~فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته. # قوله تعالى: { وخلق الله السموات والأرض بالحق } ~~أي: لا للعبث واللعب؛ بل ليدل على سلطانه؛ وتثبيت شرائعه، ويضع الدلالة ~~لأهلها ويعم بالمنافع؛ إلى غير ذلك مما لا يحصى عدا. ثم أمر تعالى ~~نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره؛ وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه وإقامة ~~الصلاة، أي: إدامتها؛ والقيام بحدودها. ثم أخبر سبحانه حكما منه أن ~~الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر. # قال * ع *: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع، ~~والإخبات وتذكر الله، وتوهم الوقوف بين يديه، ms1071 وإن قلبه وإخلاصه ~~مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه، وتذللت، وخامرها ~~ارتقاب الله تعالى؛ فاطرد ذلك في أقواله، وأفعاله، وانتهى عن ~~الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى؛ يرجع ~~بها إلى أفضل حاله؛ فهذا معنى هذا الإخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي ~~أن تكون، وقد روي عن بعض السلف: أنه كان إذا أقام الصلاة ارتعد، واصفر ~~لونه، فكلم في ذلك، فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى. # قال * ع *: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، وأما من ~~كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، بلا تذكر ولا خشوع، ولا فضائل؛ فتلك تترك ~~صاحبها من منزلته حيث كان. # وقوله تعالى: { ولذكر الله أكبر } قال ابن عباس وأبو ~~الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة: معناه: ولذكر الله إياكم؛ أكبر من ~~ذكركم إياه. # وقيل: معناه: ولذكر الله أكبر؛ مع المداومة من الصلاة في النهي عن ~~الفحشاء والمنكر. وقال ابن زيد وغيره: معناه: ولذكر الله أكبر من كل ~~شيء. وقيل لسلمان: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ { ~~ولذكر الله أكبر }. والأحاديث في فضل الذكر كثيرة؛ لا ~~تنحصر. # وقال ابن العربي في «أحكامه»: قوله: و { لذكر الله أكبر } ~~فيه أربعة أقوال. # الأول: ذكر الله لكم أفضل من ذكركم له؛ أضاف المصدر إلى الفاعل. # الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء. # الثالث: ذكر الله في الصلاة؛ أفضل من ذكره في غيرها؛ يعني: لأنهما ~~عبادتان. # الرابع: ذكر الله في الصلاة؛ أكبر من الصلاة؛ وهذه الثلاثة الأخيرة من ~~إضافة المصدر إلى المفعول، وهذه كلها صحيحة، وإن للصلاة بركة عظيمة، ~~انتهى. # قال * ع *: وعندي، أن المعنى: ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي: هو ~~الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة؛ يفعل ذلك، ~~وكذلك يفعل في غير الصلاة، لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر ~~لله تعالى، مراقب له، وثواب ذلك الذكر أن يذكره الله تعالى، كما ~~في الحديث الصحيح: # " ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم " # والحركات التي في الصلاة؛ ms1072 لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع ~~العلم؛ وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى. وأما ما لا يتجاوز ~~اللسان ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى للعبد؛ هو إفاضة الهدى ونور ~~العلم عليه؛ وذلك ثمرة ذكر العبد ربه. قال الله عز وجل: # فاذكروني أذكركم # [البقرة:152]. # وعبارة الشيخ ابن أبي جمرة: { ولذكر الله أكبر } معناه: ~~ذكره لك في الأزل أن جعلك من الذاكرين له؛ أكبر من ذكرك أنت الآن له، ~~انتهى. # قال القشيري في «رسالته» الذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه؛ وهو ~~العمدة في هذا الطريق؛ ولا يصل أحد إلى الله سبحانه إلا بدوام الذكر، ثم ~~الذكر على ضربين: باللسان، وذكر بالقلب، فذكر اللسان: به يصل العبد إلى ~~استدامة ذكر القلب، والتأثير لذكر القلب، فإذا كان العبد ذاكرا بلسانه، ~~وقلبه؛ فهو الكامل في وصفه، سمعت أبا علي الدقاق يقول: الذكر: منشور ~~الولاية، فمن وفق للذكر؛ فقد وفق للمنشور، ومن سلب الذكر فقد ~~عزل والذكر بالقلب مستدام في عموم الحالات. وأسند القشيري عن المظفر ~~الجصاص قال: كنت أنا ونصر الخراط ليلة في موضع؛ فتذاكرنا شيئا من ~~العلم؛ فقال الخراط: الذاكر لله تعالى فائدته في أول ذكره: أن يعلم ~~أن الله ذكره؛ فبذكر الله له ذكره، قال: فخالفته، فقال: لو كان ~~الخضر ها هنا لشهد لصحته، قال فإذا نحن بشيخ يجيء بين السماء والأرض، ~~حتى بلغ إلينا وقال صدق؛ الذاكر لله بفضل الله، وذكره له ذكره، ~~فعلمنا أنه الخضر عليه السلام، انتهى. وباقي الآية ضرب من ~~التوعد وحث على المراقبة، قال الباجي في «سنن الصالحين»: قال ~~بعض العلماء: إن الله عز وجل يقول: # " أيما عبد اطلعت على قلبه؛ فرأيت الغالب ~~عليه التمسك بذكري؛ توليت سياسته وكنت ~~جليسه ومحادثه وأنيسه " # انتهى. ### || [29.46-49] # وقوله تعالى: { ولا تجدلوا أهل الكتب إلا ~~بالتي هي أحسن }. هذه الآية مكية، ولم يكن يومئذ قتال، ~~وكانت اليهود يومئذ بمكة؛ وفيما جاورها، فربما وقع بينهم وبين بعض ~~المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين؛ وتكذيب، فأمر الله المؤمنين ~~ألا ms1073 يجادلوهم إلا بالتي هي أحسن؛ دعاء إلى الله تعالى وملاينة، ثم ~~استثنى من ظلم منهم المؤمنين؛ وحصلت منه أذية؛ فإن هذه الضيفة استثني ~~لأهل الإسلام معارضتها؛ بالتغيير عليها، والخروج معها عن التي هي ~~أحسن. ثم نسخ هذا بعد بآية القتال؛ وهذا قول قتادة؛ وهو أحسن ما ~~قيل في تأويل الآية. # * ت *: قال، عز الدين بن عبد السلام في «اختصاره لقواعد الأحكام»؛ ~~فائدة: لا يجوز الجدال والمناظرة إلا الإظهار الحق ونصرته؛ ~~ليعرف ويعمل به، فمن جادل لذلك؛ فقد أطاع، ومن جادل لغرض آخر، ~~فقد عصى وخاب، ولا خير فيمن يتحيل لنصرة مذهبه؛ مع ضعفه ~~وبعد أدلته من الصواب، انتهى. # تنبيه: روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " الحياء والعي: شعبتان من الإيمان، والبذاء ~~والبيان شعبتان من النفاق " # وروى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل ~~بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها " # حديث غريب، انتهى؛ وهما في «مصابيح البغوي». وروى أبو داود عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال، ~~أو الناس لم يقبل الله منه يوم القيامة ~~صرفا ولا عدلا " # انتهى. # وقوله تعالى: { وقولوا ءامنا } الآية، قال أبو هريرة: كان أهل ~~الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية؛ ويفسرونها بالعربية للمسلمين، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم»، وقولوا: ~~{ ءامنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } " # وروى ابن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن ~~يهدوكم؛ وقد ضلوا: إما أن تكذبوا بحق، وإما ~~أن تصدقوا بباطل ". # وقوله تعالى: { فالذين ءاتينهم الكتب } يريد: ~~التوراة والإنجيل؛ كانوا في وقت نزول الكتاب عليهم يؤمنون بالقرآن. ثم ~~أخبر عن معاصري نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن منهم أيضا من يؤمن ~~به ولم يكونوا آمنوا بعد، ففي هذا إخبار بغيب؛ بينه الوجود ~~بعد ذلك. ms1074 # قوله تعالى: { وما يجحد بآيتنا إلا الكفرون } ~~يشبه أن يراد بهذا الانحناء كفار قريش. ثم بين تعالى ~~الحجة وأوضح البرهان: أن مما يقوى أن نزول هذا القرآن من عند ~~الله؛ أن محمدا عليه السلام جاء به في غاية الإعجاز والطول ~~والتضمن للغيوب، وغير ذلك؟ وهو أمي؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولا يتلو ~~كتابا ولا يخط حروفا؛ ولا سبيل له إلى التعلم، ولو كان ممن يقرأ أو ~~يخط، لارتاب المبطلون، وكان لهم في ارتيابهم معلق، وأما ارتيابهم مع ~~وضوح هذه الحجة؛ فظاهر فساده { بل هو ءايت بينت } ~~يعني: القرآن، ويحتمل: أن يعود على أمر محمد صلى الله عليه وسلم و { ~~الظلمون } و { المبطلون } يعم لفظهما كل مكذب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش؛ لأنهم ~~الأهم؛ قاله مجاهد. ### || [29.50-52] # { وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه } ~~الضمير في: { قالوا } لقريش ولبعض اليهود؛ لأنهم كانوا يعلمون قريشا ~~مثل هذه الحجة؛ على ما مر في غير ما موضع. ثم احتج عليهم في اقتراحهم آية ~~بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات؛ ومعجز للجن والإنس؛ فقال سبحانه: { ~~أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب... }. # وقوله: { ءامنوا بالبطل } يريد: الأصنام وما في معناها. ### || [29.53-56] # وقوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب } يريد: كفار قريش، ~~وباقي الآية بين مما تقدم مكررا والله الموفق بفضله. و { بغتة ~~}: معناه: فجأة: وهذا هو عذاب الدنيا؛ كيوم بدر ونحوه. ثم توعدهم سبحانه ~~بعذاب الآخرة في قوله: { يستعجلونك بالعذاب وإن ~~جهنم... } الآية. # وقوله تعالى: { يعبادي الذين ءامنوا إن أرضي ~~واسعة فإياي فاعبدون... } الآيات، هذه الآيات نزلت في ~~تحريض المؤمنين الكائنين بمكة على الهجرة. قال ابن جبير، وعطاء ~~ومجاهده: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر؛ تترتب فيها هذه الآية ~~وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق؛ وقاله مالك. ### || [29.57-63] # وقوله سبحانه: { كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون } تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها، كأن بعض المؤمنين نظر في ~~عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه؛ أنه يموت أو يجوع ونحو هذا؛ فحقر الله ~~سبحانه شأن ms1075 الدنيا، أي وأنتم لا محالة ميتون ومحشرون إلينا، ~~فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه أولى ما يمتثل. ذكر هشام بن ~~عبد الله القرطبي في تاريخه المسمى ب «بهجة النفس» قال: بينما ~~المنصور جالس في منزله في أعلى قصره؛ إذ جاءه سهم عائر فسقط بين يديه؛ ~~فذعر المنصور منه ذعرا شديدا، ثم أخذه فجعل بقلبه، فإذا مكتوب ~~عليه بين الريشتين: [الوافر] # أتطمع في الحياة إلى التنادي # وتحسب أن مالك من معاد # ستسأل عن ذنوبك والخطايا # وتسأل بعد ذاك عن العباد # ومن الجانب الآخر: [البسيط] # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت # ولم تخف سوء ما يأتي به القدر # وساعدتك الليالي فاغتررت بها # وعند صفو الليالي يحدث الكدر # وفي الآخر: [البسيط] # هي المقادير تجري في أعنتها # فاصبر فليس لها صبر على حال # يوما تريك خسيس القوم ترفعه # إلى السماء ويوما تخفض العالي # ثم قرأ على الجانب الآخر من السهم: [البسيط] # من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه # يوما فللدهر إحلاء وإمرار # لكل شيء وإن طالت سلامته # إذا انتهى مده لا بد إقصار # انتهى. # وقرأ حمزة: «لنثوينهم من الجنة غرفا»: من أثوى يثوي بمعنى: أقام. # وقوله تعالى: { وكأين من دابة... } الآية: تحريض على ~~الهجرة؛ لأن بعض المؤمنين فكر في الفقر والجوع الذي يلحقه في الهجرة، ~~وقالوا: غربة في بلد لا دار لنا فيه ولا عقار، ولا من يطعم، فمثل لهم ~~بأكثر الدواب التي لا تتقوت ولا تدخر، ثم قال تعالى: { الله ~~يرزقها وإياكم } فقوله: { لا تحمل } يجوز أن يريد من ~~الحمل، أي: لا تنتقل ولا تنظر في ادخاره. # قاله مجاهد وغيره. # قال * ع *: والادخار ليس من خلق الموقنين، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لابن عمر: # " كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس؛ يخبئون ~~رزق سنة بضعف اليقين " # ويجوز أن يريد من الحمالة؛ أي: لا تتكفل لنفسها. # قال الداوودي: وعن علي بن الأقمر: { لا تحمل رزقها } أي: لا ~~تدخر شيئا لغد، انتهى. وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال قال رسول ~~الله صلى ms1076 الله عليه وسلم: # " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، ~~لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح ~~بطانا " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. # ثم خاطب تعالى في أمر الكفار وإقامة الحجة عليهم، بأنهم إن سئلوا عن ~~الأمور العظام التي هي دلائل القدرة، لم يكن لهم إلا التسليم بأنها ~~لله تعالى، و { يؤفكون } معناه: يصرفون. ### || [29.64-69] # وقوله تعالى: { وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ~~ولعب } وصف الله تعالى الدنيا في هذه الآية بأنها لهو ولعب، أي: ~~ما كان منها لغير وجه الله تعالى؛ وأما ما كان لله تعالى فهو من ~~الآخرة، وأما أمور الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قوام ~~العيش، والقوة على الطاعات؛ فإنما هي لهو ولعب، وتأمل ذلك في ~~الملابس، والمطاعم، والأقوال، والمكتسبات، وغير ذلك، وانظر أن حالة ~~الغني والفقير من الأمور الضرورية واحدة: كالتنفس في الهواء، وسد الجوع، ~~وستر العورة، وتوقي الحر والبرد؛ هذه عظم أمر العيش، و { ~~الحيوان } و { الحياة } بمعنى، والمعنى: لا موت فيها، قاله ~~مجاهد وهو حسن، ويقال: أصله: حييان؛ فأبدلت إحداهما واوا لاجتماع ~~المثلين. ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر؛ عند الخوف العظيم؛ ~~ونسيانهم عند ذلك للأصنام، وغيرها، على ما تقدم بيانه في غير هذا ~~الموضع: و { ليكفروا } نصب ب «لام كي» ثم عدد تعالى على ~~كفرة قريش نعمته عليهم؛ في الحرم و«المثوى»: موضع الإقامة، ~~وألفاظ هذه الآية في غاية الاقتضاب والإيجاز؛ وجمع المعاني. ثم ذكر ~~تعالى حال أوليائه والمجاهدين فيه. # وقوله: { فينا } معناه: في مرضاتنا وبغية ثوابنا. # قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل فرض القتال. # قال * ع *: فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين ~~الله وطلب مرضاته. # قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال إبراهيم بن أدهم: ~~هي في الذين يعملون بما علموا. وقال أبو سليمان الداراني: ليس ~~الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط؛ بل هو نصر الدين والرد على ~~المبطلين وقمع الظالمين؛ وأعظمه الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، ومنه، ms1077 مجاهدة النفوس في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد ~~الأكبر؛ قاله الحسن وغيره، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم # " رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # و«السبل» هنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ويحتمل ~~أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة، قال يوسف بن أسباط: هي ~~إصلاح النية في الأعمال، وحب التزيد والتفهم، وهو أن يجازى ~~العبد على حسنة بازدياد حسنة وبعلم ينقدح من علم ~~متقدم. # قال * ص *: { والذين جهدوا }: مبتدأ خبره القسم المحذوف، ~~وجوابه وهو: { لنهدينهم } ، انتهى. # وقال الثعلبي: قال سهل بن عبد الله: { والذين جهدوا } في ~~إقامة السنة { لنهدينهم } سبل الجنة؛ انتهى. واللام في قوله { ~~لمع } لام تأكيد. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-8] # قوله تعالى: { الم * غلبت الروم } قرأ الجمهور: «غلبت» ~~بضم الغين، وقالوا: معنى الآية: أنه بلغ أهل مكة أن الملك ~~كسرى هزم جيش الروم بأذرعات؛ وهي أدنى الأرض إلى مكة؛ قاله ~~عكرمة. فسر بذلك كفار مكة فبشر الله تعالى المؤمنين بأن الروم ~~سيغلبون في بضع سنين، فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى المسجد ~~الحرام؛ فقال للكفار: أسركم أن غلبت الروم؟ فإن نبينا أخبرنا عن ~~الله تعالى: أنهم سيغلبون في بضع سنين، فقال له أبي بن خلف وأخوه ~~أمية بن خلف: يا أبا بكر: تعال فلنتناحب، أي: نتراهن في ذلك، ~~فراهنهم أبو بكر على خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم ~~القمار, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فقال له: إن البضع إلى ~~التسع، ولكن زدهم في الرهن؛ واستزدهم في الأجل، ففعل أبو بكر، فجعلوا ~~القلائص مائة، والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم فارس في ~~أثناء الأجل يوم بدر وروي أن ذلك كان يوم الحديبية، يوم ~~بيعة الرضوان؛ وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر ~~الناس سرور المؤمنين بغلبة الروم؛ من أجل أنهم أهل كتاب، وفرحت قريش ~~بغلبة الفرس؛ من أجل أنهم أهل أوثان. ونحوه من عبادة النار. # وقوله تعالى: { لله الأمر من قبل ومن بعد }. أي: له ~~إنفاذ ms1078 الأحكام من قبل ومن بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء؛ ثم أخبر تعالى ~~أن يوم غلبة الروم للفرس يفرح المؤمنون بنصر الله، { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } يريد: كفار قريش والعرب، أي: ~~لا يعلمون أن الأمور من عند الله، وأن وعده لا يخلف، وأن ما يورده ~~نبيه حق. # قال * ع *: وهذا الذي ذكرناه عمدة ما قيل. ثم وصف تعالى الكفرة ~~الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما: { يعلمون ~~ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الأخرة هم ~~غفلون } ، قال صاحب «الكلم الفارقية»: الدنيا طبق مسموم، لا ~~يعرف ضرره إلا أرباب الفهوم. قوة الرغبة في الدنيا علامة ضعفها في ~~الآخرة. بحسب انصراف الرغبة إلى الشيء، يجد الراغب في طلبه، ~~وتتوفر دواعيه على تحصيله. المطلوبات تظهر وتبين أقدار ~~طلابها؛ فمن شرفت همته شرفت رغبته؛ وعزت طلبته. يا غافل، ~~سكر حبك لدنياك؛ وطول متابعتك لغاوي هواك - أنساك عظمة مولاك؛ ~~وثناك عن ذكره وألهاك؛ وصرف وجه رغبتك عن آخرتك إلى دنياك. إن ~~كنت من أهل الاستبصار، فألق ناظر رغبتك عن زخارف هذه الدار؛ فإنها ~~مجمع الأكدار، ومنبع المضار؛ وسجن الأبرار؛ ومجلس سرور الأشرار. ~~الدنيا كالحية تجمع في أنيابها؛ سموم نوائبها؛ وتفرغه في صميم ~~قلوب أبنائها، انتهى. # قال عياض في الشفا: قال أبو العباس المبرد رحمه الله قسم ~~كسرى أيامه؛ فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ~~ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. قال ابن خالويه: ~~ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، { يعلمون ظاهرا من الحيوة ~~الدنيا وهم عن الأخرة هم غفلون } ، لكن نبينا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم جزأها ثلاثة أجزاء: جزءا لله تعالى، ~~وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه. ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين ~~بالخاصة على العامة؛ ويقول: أبلغوا حاجة من لا يستطيع ~~إبلاغي؛ فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع، ~~أمنه الله يوم الفزع الأكبر، انتهى. والمؤمن المنهمك في ~~أمور الدنيا التي هي أكبر همه، يأخذ من هذه الآية بحظ. نور الله ~~قلوبنا بهداه. # * ت *: قد تقدم ما جاء ms1079 في الفكرة في «آل عمران». قال ابن عطاء الله: ~~الفكرة سراج القلب؛ فإذا ذهبت فلا إضاءة له. وقال: ما نفع القلب شيء ~~مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة، انتهى وباقي الآية بين. ### || [30.9-13] # وقوله عز وجل: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم ~~قوة وأثاروا الأرض... } الآية، يريد أثاروا الأرض ~~بالمباني، والحرث، والحروب وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها ~~إثارة للأرض؛ بعضها حقيقة وبعضها بتجوز، والضمير في { عمروها } ~~الأول للماضين، وفي الثاني للحاضرين المعاصرين. # وقوله تعالى: { ثم كان عقبة الذين أساءوا السوأى ~~أن كذبوا بئايت الله }. # قرأ نافع وغيره: «عاقبة» بالرفع على أنها اسم { كان } ، ~~والخبر يجوز أن يكون { السوأى } ، ويجوز أن يكون { أن كذبوا } ~~، وتكون { السوأى } على هذا مفعولا ب { أساءوا } وإذا كان { ~~السوأى } خبرا ف { أن كذبوا } مفعول من أجله. # وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما «عاقبة» بالنصب على أنها خبر مقدم، ~~واسم كان أحد ما تقدم، { والسوأى }: مصدر كالرجعى، والشورى، ~~والفتيا. قال ابن عباس: { أساءوا } هنا بمعنى: كفروا، و { ~~السوأى } هي النار. وعبارة البخاري: وقال مجاهد { السوأى } أي: ~~الإساءة جزاء المسيئين، انتهى. والإبلاس: الكون في شر، مع اليأس ~~من الخير. # * ص *: وقال الزجاج: المبلس: الساكت المنقطع في حجته؛ اليائس من أن ~~يهتدي إليها، انتهى. ### || [30.14-16] # وقوله جلت عظمته: { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون } معناه: في المنازل والأحكام والجزاء. قال قتادة: ~~فرقة؛ والله لا اجتماع بعدها. و { يحبرون } معناه ~~ينعمون؛ قاله مجاهد. والحبرة والحبور: السرور وقال يحيى بن ~~أبي كثير: { يحبرون } معناه: يسمعون الأغاني؛ وهذا نوع من الحبرة. # * ت *: وفي الصحيح من قول أبي موسى: لو شعرت بك يا رسول الله ~~لحبرته لك تحبيرا؛ أو كما قال. # وقال * ص *: { يحبرون }: قال الزجاج: التحبير: التحسين، والحبر ~~العالم، إنما هو من هذا المعنى؛ لأنه متخلق بأحسن أخلاق المؤمنين، ~~والحبر المداد إنما سمي به؛ لأنه يحسن به، انتهى. قال ~~الأصمعي: ولا يقال: روضة حتى يكون فيها ماء؛ يشرب منه. ومعنى: { في ~~العذاب محضرون } أي: مجموعون له: ms1080 لا يغيب أحد عنه. ### || [30.17-29] # وقوله تعالى: { فسبحان الله... } الآية خطاب للمؤمنين بالأمر ~~بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول سبحانه: إذا كان ~~أمر هذه الفرق هكذا من النقمة والعذاب، فجد أيها المؤمن في طريق الفوز ~~برحمة الله. وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قال حين يصبح { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ~~} إلى قوله: { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه ذلك، ~~ومن قالهن حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " # رواه أبو داود، انتهى من «السلاح». # قال ابن عباس وغيره: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب، ~~والصبح، والظهر، والعصر، قالوا: والعشاء الأخيرة هي في آية أخرى: في ~~زلف الليل، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في محاله. # وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت... } الآية، تقدم ~~بيانها. ثم بعد هذه الأمثلة القاضية بتجويز بعث الأجساد عقلا؛ ساق ~~الخبر سبحانه بأن كذلك خروجنا من قبورنا، و { تنتشرون } معناه: ~~تتصرفون وتتفرقون، والمودة والرحمة: هما على بابهما المشهور من التواد ~~والتراحم؛ هذا هو البليغ. وقيل: غير هذا. # وقرأ الجمهور: «للعالمين» بفتح اللام يعني: جميع العالم. وقرأ ~~حفص عن عاصم بكسرها على معنى: أن أهل الانتفاع بالنظر فيها ~~إنما هم أهل العلم، وباقي الآية اطلبه في محاله؛ تجده إن شاء الله ~~مبينا، وهذا شأننا إلاحالة في هذا المختصر؛ على ما تقدم بيانه، فاعلمه ~~راشدا. # * ت *: وهذه الآيات والعبر إنما يعظم موقعها في قلوب العارفين ~~بالله سبحانه، ومن أكثر التفكر في عجائب صنع الله تعالى حصلت ~~له المعرفة بالله سبحانه. # قال الغزالي في «الإحياء»: وبحر المعرفة لا ساحل له؛ والإحاطة بكنه ~~جلال الله محال، وكلما كثرت المعرفة بالله تعالى وصفاته. وأفعاله ~~وأسرار مملكته وقويت كثر النعيم في الآخرة؛ وعظم، كما أنه كلما كثر ~~البذر وحسن كثر الزرع وحسن. # وقال أيضا في كتاب «شرح عجائب القلب» من «الإحياء»: وتكون سعة ملك ~~العبد في الجنة؛ بحسب سعة معرفته بالله، وبحسب ما يتجلى له من ~~عظمة الله سبحانه ms1081 ، وصفاته، وأفعاله، انتهى. # وقوله تعالى: { أن تقوم السماء والأرض } معناه: تثبت كقوله ~~تعالى: # وإذا أظلم عليهم قاموا # [البقرة:20]. # وهذا كثير، والدعوة من الأرض: هي البعث ليوم القيامة، قال مكي: والأحسن ~~عند أهل النظر أن الوقف في هذه الآية يكون في آخرها، { تخرجون ~~}؛ لأن مذهب سيبويه والخليل في «إذا» الثانية: أنها جواب الأولى، كأنه ~~قال: ثم إذا دعاكم خرجتم؛ وهذا أسد الأقوال. # وقال * ص *: { إذا أنتم } ، «إذا»: للمفاجأة، وهل هي ظرف مكان أو ~~ظرف زمان؟ خلاف، و { من الأرض } علقه الحوفي ب «دعا»، ~~وأجاز * ع *: أن يتعلق ب «دعوة» انتهى. # وقرأ حمزة والكسائي: «تخرجون» بفتح التاء، والباقون بضمها ، ~~والقنوت هنا بمعنى الخضوع، والانقياد في طاعته سبحانه. وإعادة الخلق: ~~هو بعثهم من القبور. # وقوله تعالى: { وهو أهون عليه } قال ابن عباس وغيره: المعنى: ~~وهو هين عليه، وفي مصحف ابن مسعود «وهو هين عليه»، وفي بعض المصاحف «وكل ~~هين عليه». # وقال ابن عباس أيضا وغيره: المعنى: وهو أيسر عليه، قال: ولكن هذا ~~التفضيل إنما هو بحسب معتقد البشر؛ وما يعطيهم النظر في الشاهد من ~~أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة. ولما جاء بلفظ ~~فيه استعارة، وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم خلص جانب العظمة؛ بأن ~~جعل له المثل الأعلى الذي لا يلحقه تكييف؛ ولا تماثل مع شيء. ثم بين ~~تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا ~~المثل ؛ وهو قوله: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم... } ~~الآية، ومعناه: أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم؛ فإنكم ~~لا تشركونهم في أموالكم، ومهم أموركم، ولا في شيء على جهة استواء ~~المنزلة. وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم ~~إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض؛ فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: ~~أن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته؛ هذا تفسير ابن عباس ~~والجماعة. ### || [30.30-32] # وقوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا... } الآية، إقامة ~~الوجه: هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين. وخص الوجه؛ ms1082 ~~لأنه جامع حواس الإنسان؛ ولشرفه. و { فطرت الله } نصب على ~~المصدر. # وقيل: بفعل مضمر تقديره اتبع أو التزم فطرة الله، واختلف في الفطرة ~~ها هنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة ~~والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة مهيئة لأن ~~يميز بها مصنوعات الله، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه؛ ~~ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو ~~فطرة الله الذي على الإعداد له. فطر البشر؛ لكن تعرضهم العوارض؛ ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه، أو ينصرانه... " # الحديث ، ثم يقول: { فطرت الله } الآية، إلى { القيم } ~~فذكر الأبوين إنما هما مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال البخاري: ~~فطرة الله: هي الإسلام، انتهى. # وقوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله } يحتمل أن يريد بها ~~هذه الفطرة، ويحتمل أن يريد بها الإنحاء على الكفرة؛ اعترض به أثناء ~~الكلام؛ كأنه يقول: أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا، فإن هؤلاء ~~الكفرة قد خلق الله لهم الكفر، و { لا تبديل لخلق ~~الله } ، أي: أنهم لا يفلحون، وقيل غير هذا، وقال البخاري: { لا ~~تبديل لخلق الله } أي: لدين الله، وخلق الأولين دينهم. ~~انتهى. و { القيم } بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى ~~الاستقامة، و { منيبين } يحتمل أن يكون حالا من قوله { فطر ~~الناس } لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في ~~المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالا من قوله { أقم وجهك } وجمعه: لأن ~~الخطاب بإقامة الوجه هو للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته نظيرها قوله ~~تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النساء # [الطلاق:1]. والمشركون المشار إليهم في هذه الآية: هم اليهود ~~والنصارى؛ قاله قتادة، وقيل غير هذا. ### || [30.33-47] # وقوله تعالى: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه... } الآية، ابتداء إنحاء على عبدة ~~الأصنام. # قال * ع *: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين؛ إذا جاءهم فرج بعد ~~شدة؛ فعلقوا ذلك بمخلوقين، أو بحذق آرائهم، وغير ذلك؛ لأن فيه قلة ms1083 ~~شكر لله تعالى؛ ويسمى تشريكا مجازا. والسلطان هنا البرهان من ~~رسول أو كتاب، ونحوه. # وقوله تعالى: { فهو يتكلم } معناه فهو يظهر حجتهم، ويغلب ~~مذهبهم، وينطق بشركهم. ثم قال تعالى: { وإذا أذقنا الناس ~~رحمة فرحوا بها } ، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، ~~فالمقل والمكثر، إلا من ربطت الشريعة جأشه، ونهجت السنة سبيله، ~~وتأدب بآداب الله، فصبر عند الضراء؛ وشكر عند السراء، ولم يبطر ~~عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، والقنط: اليأس الصريح. ثم ~~ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره؛ لم ييأس من روح الله وهو ~~أنه سبحانه يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق، ويقدر على من يشاء ~~منهم. فينبغي لكل عبد أن يكون راجيا ما عند ربه. ثم أمر تعالى ~~نبيه عليه السلام أمرا تدخل فيه أمته على جهة الندب ~~ بإيتاء ذي القربى حقه من صلة المال، وحسن المعاشرة ولين القول، ~~قال الحسن: حقه المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر. # قال * ع *: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال. # وقرأ الجمهور: { وما ءاتيتم } بمعنى: أعطتيم، وقرأ ابن كثير بغير ~~مد، وما فعلتم، وأجمعوا على المد في قوله { وما ءاتيتم من ~~زكوة } والربا: الزيادة. # قال ابن عباس وغيره: هذه الآية نزلت في هبات الثواب. # قال * ع *: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه؛ ~~كالسلم وغيره، فهو وإن كان لا إثم فيه؛ فلا أجر فيه ولا ~~زيادة عند الله تعالى، وما أعطى الإنسان تنمية لماله ~~وتطهيرا؛ يريد بذلك وجه الله تعالى؛ فذلك هو الذي يجازى به ~~أضعافا مضاعفة على ما شاء الله له. وقرأ جمهور السبعة «ليربوا» ~~بإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ نافع وحده «لتربوا» وباقي الآية ~~بين. ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب ~~المعاصي، قال مجاهد: البر البلاد البعيدة من البحر، والبحر السواحل ~~والمدن التي على ضفة البحر، وظهور الفساد فيهما: هو بارتفاع ~~البركات، ووقوع الرزايا، وحدوث الفتن وتغلب العدو، وهذه الثلاثة ~~توجد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفساد في البحر: انقطاع صيده ms1084 ~~بذنوب بني آدم، وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة ~~الأعمال؛ إلا يدفع الله عنها هذه الأمور، والأمر بالعكس في المعاصي، ~~وبطر النعمة؛ ليذيقهم عاقبة بعض ما عملوا ويعفوا عن كثير. # و { لعلهم يرجعون } ، أي: يتوبون ويراجعون بصائرهم في ~~طاعة ربهم؛ ثم حذر تعالى من يوم القيامة تحذيرا يعم ~~العالم وإياهم المقصد بقوله { فأقم وجهك للدين القيم ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } الآية ~~{ ولا مرد له }: معناه: ليس فيه رجوع لعمل، ويحتمل ~~أن يريد لا يرده راد. وهذا ظاهر بحسب اللفظ و { ~~يصدعون }: معناه: يتفرقون بعد جمعهم إلى الجنة وإلى ~~النار. ثم ذكر تعالى من آياته أشياء وهي ما في الريح من المنافع ~~وذلك أنها بشرى بالمطر ويلقح بها الشجر، وغير ذلك، وتجري بها السفن ~~في البحر. ثم آنس سبحانه نبيه عليه السلام بقوله: { ولقد ~~أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم ~~بالبينات... } الآية، ثم وعد تعالى محمدا عليه السلام وأمته ~~النصر بقوله: { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } وحقا ~~خبر كان قدمه اهتماما. ### || [30.48-53] # وقوله تعالى: { الله الذي يرسل الريح فتثير ~~سحابا... } الآية. الإثارة: تحريكها من سكونها، وتسييرها، ~~وبسطه في السماء هو نشره في الآفاق, والكسف: القطع. # وقوله: { من قبله }: تأكيد أفاد الإعلام بسرعة تقلب قلوب ~~البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، والإبلاس: الكون في حال ~~سوء مع اليأس من زوالها. # وقوله تعالى: { كيف يحيي } الضمير في { يحيي } يحتمل أن ~~يكون للأثر ويحتمل أن يعود على الله تعالى وهو أظهر. ثم ~~أخبر تعالى عن حال تقلب بني إدم، في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إن ~~بعث الله ريحا فاصفر بها النبات؛ ظلوا يكفرون قلقا منهم ~~وقلة تسليم لله تعالى، والضمير في { رأوه } للنبات واللام في { ~~لئن } مؤذنة بمجيء القسم وفي { لظلوا } لام القسم. # وقوله تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى... } الآية: ~~استعارة للكفار وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النمل». ### || [30.54-60] # وقوله تعالى: { الله الذي خلقكم من ضعف } قال كثير من ~~اللغويين: ضم الضاد في البدن، وفتحها في العقل، ms1085 وهذه الآية إنما يراد ~~بها حال الجسم، والضعف الأول هو: كون الإنسان من ماء مهين، ~~والقوة بعد ذلك: الشبيبة وشدة الأسر والضعف الثاني هو ~~الهرم والشيخوخة، هذا قول قتادة وغيره وروى أبو داود في ~~سننه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # " لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في ~~الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة " # وفي رواية # " إلا كتب الله عز وجل له بها حسنة وحط ~~عنه بها خطيئة " # انتهى. # ثم أخبر عز وجل عن يوم القيامة فقال: { ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا } أي: تحت التراب { غير ~~ساعة } وقيل: المعنى: ما لبثوا في الدنيا كأنهم استقلوها. { كذلك ~~كانوا } في الدنيا { يؤفكون } أي: يصرفون عن الحق. # قال * ص *: { ما لبثوا }: جواب القسم على المعنى، ولو حكي قولهم ~~لكان ما لبثنا؛ انتهى. ثم أخبر تعالى أن الكفرة لا ~~ينفعهم يومئذ اعتذار ولا يعطون عتبى، وهي الرضا وباقي ~~الآية بين، ولله الحمد. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-6] # قوله عز وجل: { الم * تلك ءايت الكتب الحكيم * ~~هدى ورحمة للمحسنين }: خصه للمحسنين من حيث لهم نفعه، ~~وإلا فهو هدى في نفسه. # وقوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } ~~روي: أن الآية نزلت في شأن رجل من قريش؛ اشترى جارية مغنية؛ ~~لتغني له بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: إنه ابن خطل. # وقيل: نزلت في النضر بن الحارث وقيل غير هذا والذي يترجح أن الآية ~~نزلت في لهو حديث. مضاف إلى كفر؛ فلذلك اشتدت ألفاظ ~~الآية، و { لهو الحديث } كل ما يلهى من غناء وخناء. ونحوه، والآية ~~باقية المعنى في الأمة غابر الدهر؛ لكن ليس ليضلوا عن سبيل ~~الله، ولا ليتخذوا آيات الله هزوا، ولا عليهم هذا الوعيد؛ بل ليعطلوا ~~عبادة، ويقطعوا زمنا بمكروه. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن ~~المنكدر: أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون ~~أنفسهم ms1086 وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؛ أدخلوهم في أرض المسك، ثم ~~يقول الله تعالى للملائكة: أسمعوهم ثنائي وحمدي؛ وأخبروهم أن لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون. انتهى. ### || [31.7-11] # وقوله عز وجل: { وإذا تتلى عليه ءايتنا ولى ~~مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا ~~فبشره بعذاب أليم } الوقر في الأذن: الثقل الذي ~~يعسر معه إدراك المسموعات، و«الرواسي»: هي الجبال و«الميد»: ~~التحرك يمنة ويسرة، وما قرب من ذلك، والزوج: النوع والصنف. و { ~~كريم }: مدحه بكرم جوهره، وحسن منظره، وغير ذلك. ثم وقف تعالى ~~الكفرة على جهة التوبيخ فقال: { هذا خلق الله فأروني ~~ماذا خلق الذين من دونه }. ### || [31.12-13] # وقوله تعالى: { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } اختلف في ~~لقمان؛ هل هو نبي أو رجل صالح فقط، وقال ابن عمر: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " لم يكن لقمان نبيا؛ ولكن كان عبدا كثير ~~التفكير، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن ~~عليه بالحكمة وخيره في أن يجعله خليفة؛ ~~يحكم بالحق، فقال: رب إن خيرتني، قبلت ~~العافية، وتركت البلاء، وإن عزمت علي، فسمعا ~~وطاعة، فإنك ستعصمني، وكان قاضيا في بني إسرائيل ~~نوبيا أسود، مشقق الرجلين، ذا مشافر " # ، قاله سعيد بن المسيب وابن عباس وجماعة: وقال له رجل كان قد ~~رعى معه الغنم : ما بلغ بك يا لقمان ما أرى؟ قال: ~~صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركي ما لا يعنيني، وحكم ~~لقمان كثيرة مأثورة. # قال ابن العربي في «أحكامه»: وروى علماؤنا عن مالك قال: قال لقمان ~~لابنه: يا بني، إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى ~~الآخرة سراعا يذهبون، وإنك قد استدبرت الدنيا مذ كنت، واستقبلت ~~الآخرة مع أنفاسك، وإن دارا ستسير إليها؛ أقرب إليك من دار تخرج ~~منها، انتهى. # وقوله: { أن اشكر } يجوز أن تكون «أن» في موضع نصب على إسقاط ~~حرف الجر، أي: بأن اشكر لله ويجوز أن تكون مفسرة، أي: كانت ~~حكمته دائرة على الشكر لله، وجميع العبادات داخلة في الشكر لله عز ~~وجل، و { حميد } بمعنى: محمود، أي: هو مستحق ذلك ms1087 بذاته وصفاته. ### || [31.14-21] # وقوله تعالى: { ووصينا الإنسن بولديه حملته ~~أمه وهنا على وهن } هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان ~~و { وهنا على وهن } معناه ضعفا على ضعف، كأنه قال: حملته أمه ~~والضعف يتزيد بعد الضعف إلى أن ينقضي أمده. # وقال * ص *: { وهنا على وهن } حال من أمه أي شدة بعد شدة، ~~أو جهدا على جهد، وقيل { وهنا } نطفة، ثم علقة، فيكون ~~حالا من الضمير المنصوب في { حملته }. انتهى. # وقوله تعالى: { أن اشكر لي ولولديك }. # قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ~~ومن دعا لوالديه في إدبار الصلوات فقد شكرهما. # وقوله سبحانه: { وإن جهداك على أن تشرك بي } روي ~~أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة بنت ~~أبي سفيان، على ما تقدم بيانه، وجملة هذا الباب؛ أن طاعة الأبوين لا ~~تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما ~~في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات الندب. # وقوله سبحانه: { واتبع سبيل من أناب إلي } وصية لجميع ~~العالم. وهذه سبيل الأنبياء والصالحين. # وقوله تعالى حاكيا عن لقمان { يبني إنها إن تك ~~مثقال حبة... } الآية: ذكر كثير من المفسرين: إنه أراد مثقال ~~حبة من أعمال المعاصي والطاعات، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية ~~وتخويف منضاف إلى تبيين قدرة الله تعالى. # وقوله: { واصبر على مآ أصابك } يقتضي حضا على تغيير ~~المنكر وإن نال ضررا، فهو إشعار بأن المغير يؤذي أحيانا. # وقوله: { إن ذلك من عزم الأمور } يحتمل أن يريد مما ~~عزمه الله وأمر به، قاله ابن جريج: ويحتمل أن يريد أن ذلك من ~~مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة؛ قاله جماعة. ~~والصعر: الميل، فمعنى الآية: ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم ~~وإعجابا واحتقارا لهم؛ قاله ابن عباس وجماعة. وعبارة البخاري: ولا ~~تصاعر، أي: لا تعرض والتصاعر: الإعراض بالوجه؛ انتهى. ~~والمرح: النشاط، والمشي مرحا: هو في غير شغل، ولغير حاجة، ~~وأهل هذه الخلق ملازمون للفخر والخيلاء، فالمرح مختال في ~~مشيه، وقد ms1088 ورد من صحيح الأحاديث في جميع ذلك وعيد شديد يطول بنا ~~سرده. # قال عياض: كان أبو إسحاق الجبنياني قل ما يترك ثلاث كلمات؛ ~~وفيهن الخير كله: اتبع ولا تبتدع. اتضع ولا ~~ترتفع، من ورع لا يتسع, انتهى. وغض الصوت أوقر ~~للمتكلم وأبسط لنفس السامع وفهمه، ثم عارض ممثلا بصوت الحمير على ~~جهة التشبيه، أي: تلك هي التي بعدت عن الغض فهي أنكر الأصوات، ~~فكذلك ما بعد عن الغض من أصوات البشر؛ فهو في طريق تلك، وفي الحديث: # " إذا سمعتم نهيق الحمير، فتعوذوا بالله من ~~الشيطان؛ فإنها رأت شيطانا ". # وقال سفيان الثوري: صياح كل شيء تسبيح إلا صياح الحمير. # * ت *: ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : # " إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، ~~فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمار، ~~فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فأنه رأى شيطانا ~~" # رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وفي لفظ النسائي: # " إذا سمعتم الديكة تصيح بالليل " # ، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير من ~~الليل، فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم؛ ~~فإنها ترى ما لا ترون، وأقلوا الخروج إذا جدت؛ ~~فإن الله يبث في ليله من خلقه ما يشاء " # رواه أبو داود النسائي والحاكم في «المستدرك». واللفظ له، وقال صحيح على ~~شرط مسلم؛ انتهى، من «السلاح». # وقوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة ~~}. # قال المحاسبي رحمه الله الظاهرة: نعم الدنيا، والباطنة: ~~نعم العقبى. والظاهر عندي التعميم. ثم وقف تعالى الكفرة على ~~اتباعهم دين آبائهم أيكون وهم بحال من يصير إلى عذاب السعير، ~~فكأن القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى ~~السعير. فدخلت ألف التوقيف على حرف العطف؛ كما كان اتساق الكلام فيه؛ ~~فتأمله. ### || [31.22-26] # وقوله تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى الله } معناه يخلص ~~ويوجه ويستسلم به والوجه هنا: الجارحة، استعير للمقصد؛ ~~لأن القاصد إلى شيء فهو مستقبله بوجهه، فاستعير ذلك للمعاني، ~~والمحسن: الذي جمع القول والعمل، وهو ms1089 الذي شرحه صلى الله عليه ~~وسلم حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان. والمتاع القليل ~~هنا هو العمر في الدنيا. وقوله: { قل الحمد لله } أي: على ~~ظهور الحجة. ### || [31.27-32] # وقوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام... ~~} الآية. روي عن ابن عباس: أن سبب نزولها أن اليهود قالت: يا محمد؛ كيف ~~عنيتنا: هذا القول، # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء:85]. # ونحن قد أوتينا التوراة تبيانا لكل شيء؟ فنزلت الآية، وقيل غير ~~هذا. # قال * ع *: وهذه الآية بحر نظر وفكرة، نور الله قلوبنا ~~بهداه. # وقوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~وحدة } أي: لأنه كله ب «كن» فيكون، قاله مجاهد. # وقوله تعالى: { كل يجري إلى أجل مسمى } يريد: القيامة. # وقوله: { بنعمت الله } يحتمل أن يريد ما تحمله السفن من ~~الطعام والأرزاق والتجارات، فالباء: للإلزاق، ويحتمل أن يريد ~~بالريح وتسخير الله البحر ونحو هذا، فالباء باء السبب. وذكر ~~تعالى من صفات المؤمن الصبار والشكور؛ لأنهما عظم أخلاقه، ~~الصبر على الطاعات وعلى النوائب، وعن الشهوات، والشكر على الضراء ~~والسراء. وقال الشعبي: الصبر نصف الإيمان، والشكر نصفه الآخر، ~~واليقين الإيمان كله. و«غشي» غطى أو قارب، والظلل: السحاب. # وقوله تعالى: { فمنهم مقتصد }. # قال الحسن: منهم مؤمن يعرف حق الله في هذه النعم، والختار القبيح ~~الغدر، وذلك أن منن الله على العباد كأنها عهود ومنن يلزم عنها ~~أداء شكرها، والعبادة لمسديها، فمن كفر ذلك، وجحد به، فكأنه ختر، وخان، ~~قال الحسن: الختار هو الغدار. و { كفور }: بناء مبالغة. ### || [31.33-34] # وقوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا ~~يوما لا يجزي والد عن ولده... } الآية يجزي معناه ~~يقضي، والمعنى: لا ينفعه بشيء، وقرأ الجمهور: «الغرور»: بفتح ~~الغين وهو الشيطان؛ قاله مجاهد وغيره، واعلم أيها الأخ أن من ~~فهم كلام ربه ورزق التوفيق لم ينخدع بغرور الدنيا ~~وزخرفها الفاني؛ بل يصرف همته بالكلية إلى التزود لآخرته؛ ~~ساعيا في مرضاة ربه، وأن من أيقن أن الله يطلبه صدق ~~الطلب إليه كما قاله الإمام العارف بالله ابن عطاء ms1090 الله. وإنه لا بد ~~لبناء هذا الوجود أن تنهدم دعائمه وأن تسلب كرائمه، فالعاقل؛ ~~من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى، قد أشرق نوره وظهرت تباشيره، ~~فصدف عن هذه الدار مغضيا، وأعرض عنها موليا، فلم يتخذها ~~وطنا، ولا جعلها سكنا؛ بل أنهض الهمة فيها إلى الله تعالى ~~وصار فيها مستعينا به في القدوم عليه، فما زالت مطية ~~عزمه لا يقر قرارها. دائما تسيارها، إلى أن أناخت ~~بحضرة القدس، وبساط الإنس، انتهى. # وروينا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو ~~حظ من الصلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في ~~السر، وكان غامضا في الناس؛ لا يشار إليه ~~بالأصابع، وكان رزقه كفافا؛ فصبر على ذلك، ~~ثم نفض بيده فقال: عجلت منيته، قلت ~~نوائحه؛ قل تراثه " # ، قال أبو عيسى: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، ~~قلت لا، يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، ~~أو قال: ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت، تضرعت ~~إليك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وفي الباب عن فضالة بن ~~عبيد، انتهى. والغرور: التطميع بما لا يحصل. وقال ابن ~~جبير: معنى الآية: أن تعمل المعصية وتتمنى المغفرة، وفي ~~الحديث الصحيح: عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله تعالى؛ ~~وتلا الآية: { إن الله عنده علم الساعة وينزل ~~الغيث... } إلى آخرها " # قال أبو حيان { بأي أرض }: الباء ظرفية والجملة في موضع ~~نصب ب { تدري }. انتهى. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-4] # قال جابر: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام حتى يقرأ: { ~~الم } السجدة، و { تبارك الذي بيده الملك }. و { ~~تنزيل } يصح أن يرتفع بالابتداء، والخبر: { لا ريب } ~~ويصح أن يرتفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي: ذلك تنزيل، والريب: ~~الشك، وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله # ريب المنون # [الطور:30]. # وقوله: { أم ms1091 يقولون } إضراب؛ كأنه قال: بل أيقولون: ثم رد ~~على مقالتهم وأخبر أنه الحق من عند الله. # وقوله سبحانه: { ما ءاتهم } أي: لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا ~~آباؤهم العرب. # وقوله تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر:24] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به، فالعرب من الأمم ~~التي خلت فيها النذر على هذا الوجه، لأنها علمت بإبراهيم وبنيه، ~~وبدعوتهم، ولم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى: لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ونبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [32.5-9] # وقوله تعالى: { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض... } ~~الآية، الأمر اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ سبحانه ~~قضاءه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا؛ ~~مقداره أن لو سير فيه السير المعروف، من البشر ألف سنة، أي: نزولا ~~وعروجا لأن ما بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس ~~ومجاهد وغيرهما. # وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في مدة الدنيا، ثم يعرج ~~إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عدنا، وهو على ~~الكفار قدر خمسين ألف سنة. وقيل: غير هذا وقرأ الجمهور: «الذي ~~أحسن كل شيء خلقه»: بفتح اللام على أنه فعل ماض ومعنى: ~~«أحسن»: أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد ~~لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خلقه»: بسكون اللام ~~وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألهم وأن ~~هذه الآية بمعنى قوله تعالى: # أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه:50]. # أي: ألهم. والإنسان هنا آدم عليه السلام والمهين: الضعيف، { ~~ونفخ }: عبارة عن إفاضة الروح في جسد آدم عليه السلام ~~والضمير في { روحه } لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى مالك ~~وخلق إلى خالق، ويحتمل أن يكون الإنسان في هذه الآية اسم ~~جنس و { قليلا } صفة لمصدر محذوف. ### || [32.10-15] # وقوله تعالى: { وقالوا أءذا ضللنا في الأرض ms1092 } أي: ~~تلفنا وتقطعت أوصالنا، فذهبنا في التراب حتى لم ~~نوجد؛ { أءنا لفي خلق جديد } أي: أنخلق بعد ذلك ~~خلقا جديدا؛ إنكارا منهم للبعث واستبعادا له، و { يتوفكم } ~~معناه يستوفيكم؛ روي عن مجاهد: أن الدنيا بين يدي ~~ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث ~~أمر. # وقوله تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم } الآية تعجيب لمحمد عليه السلام وأمته من حال ~~الكفرة، وما حل بهم، وجواب { لو } محذوف؛ لأن حذفه أهول ~~في النفوس، وتنكيس رؤوسهم هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب. ~~وقولهم { أبصرنا وسمعنا } أي: ما كنا نخبر به في الدنيا، ~~ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك. ثم أخبر تعالى عن ~~نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجميعن؛ بأن يلطف بهم لطفا ~~يؤمنون به، ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا مذهب أهل السنة، و { ~~الجنة }: الشياطين، و { نسيتم } معناه: تركتم؛ قاله ابن عباس ~~وغيره. # وقوله: { إنا نسينكم } سمى العقوبة باسم الذنب. ثم أثنى ~~سبحانه على القوم الذين يؤمنون بآياته، ووصفهم بالصفة الحسنى من ~~سجودهم عند التذكير، وتسبيحهم وعدم استكبارهم. ### || [32.16-22] # وقوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع... } الآية، ~~تجافى الجنب عن موضعه إذا تركه قال الزجاج وغيره: التجافي ~~التنحي إلى فوق. # قال * ع *: وهذا قول حسن، والجنوب جمع جنب، والمضاجع موضع ~~الاضطجاع للنوم. # * ت *: وقال الهروي: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ~~أي: ترتفع وتتباعد والجفاء بين الناس هو التباعد، ~~انتهى. وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة أن عبد الله بن ~~رواحة رضي الله عنه قال: [الطويل] # وفينا رسول الله يتلو كتابه # إذا انشق معروف من الفجر ساطع # أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا # به موقنات أن ما قال واقع # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالكافرين المضاجع # انتهى. وجمهور المفسرين: على أن المراد بهذا التجافي صلاة النوافل ~~بالليل. # قال * ع *: وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح وفيه ~~أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر عليه السلام قيام الليل؛ ثم ~~يستشهد بالآية؛ ففي حديث معاذ # " ألا أدلك ms1093 على أبواب الخير: الصوم جنة، ~~والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، ~~وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم قرأ { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } ، حتى بلغ { يعملون } " # رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ ورجح الزجاج ما قاله ~~الجمهور بأنهم: جوزوا بإخفاء، فدل ذلك على أن العمل إخفاء ~~أيضا، وهو قيام الليل { يدعون ربهم خوفا } أي: من عذابه { ~~وطمعا } ، أي: في ثوابه. # قال * ص *: { تتجافى } أعربه أبو البقاء: حالا، و { يدعون }: ~~حال أو مستأنف و { خوفا وطمعا }: مفعولان من أجله أو ~~مصدران في موضع الحال؛ انتهى. وفي الترمذي عن معاذ بن جبل قال: قلت: ~~يار رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ~~ويباعدني عن النار، قال: # " لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من ~~يسره الله تعالى عليه؛ تعبد الله لا تشرك به ~~شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على ~~أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفىء ~~الخطيئة كما يطفىء الماء النار، وصلاة الرجل في ~~جوف الليل، ثم تلا: { تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع } حتى بلغ { يعملون }. ثم قال: ألا أخبرك ~~برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى، يا ~~رسول الله. قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا ~~أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول ~~الله، فأخذ بلسانه، وقال: كف عليك هذا. قلت: ~~يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ ~~فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار ~~على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! " # قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى. # وقرأ حمزة وحده: «أخفي» بسكون الياء كأنه قال: أخفي أنا. # وقرأ الجمهور «أخفي» بفتح الياء ، وفي معنى هذه الآية قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " قال الله - عز وجل -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~ذخرا بله ما اطلعتم عليه، واقرءوا إن شئتم: { ~~فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين... } ~~الآية " # انتهى. # قال القرطبي في «تذكرته»: «وبله» معناه: غير، وقيل: هو اسم ms1094 ~~فعل بمعنى دع، وهذا الحديث خرجه البخاري، وغيره. # * ت *: وفي رواية للبخاري قال أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: { ~~فلا تعلم نفس... } الآية. انتهى. # وقال ابن مسعود: في التوراة مكتوب «على الله للذين ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، وباقي الآية ~~بين؛ والضمير في قوله تعالى: { ولنذيقنهم } لكفار قريش، ولا ~~خلاف أن العذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، واختلف في تعيين ~~العذاب الأدنى؛ فقيل هو السنون التي أجاعهم الله فيها، وقيل هو ~~مصائب الدنيا من الأمراض؛ ونحوها، وقيل هو القتل بالسيف كبدر ~~وغيرها. # وقوله سبحانه: { إنا من المجرمين منتقمون } ظاهر ~~الإجرام هنا أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أنه قال: # " ثلاث من فعلهن، فقد أجرم: من عقد لواء في ~~غير حق، ومن عق والديه، ومن نصر ظالما ". ### || [32.23-25] # وقوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى الكتب فلا تكن في ~~مرية من لقائه } اختلف في الضمير الذي في { لقائه } ~~على من يعود؟ فقال قتادة وغيره: يعود على موسى، والمعنى: فلا تكن يا ~~محمد، في شك من أنك تلقى موسى، أي: في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من ~~السلف، وقالت فرقة: الضمير: عائد على الكتاب، أي: فلا تكن في شك من ~~لقاء موسى للكتاب. # * ص *: وقيل: يعود على الكتاب على تقدير مضمر، أي: من لقاء مثله، ~~أي: أتيناك مثل ما آتينا موسى، والتأويل الأول هو الظاهر، انتهى. ~~والمرية: الشك، والضمير في جعلناه: يحتمل أن يعود ~~على الكتاب أو على موسى؛ قاله قتادة. # وقوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم } ، حكم ~~يعم جميع الخلق، وذهب بعضهم إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف. ### || [32.26-30] # وقوله تعالى: { أولم يهد } معناه يبين؛ قاله ابن عباس، ~~والفاعل ب { يهد } هو الله؛ في قول فرقة، والرسول؛ في قول فرقة، ~~وقرأ أبو عبد الرحمن: «نهد» بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، ~~فالفاعل الله تعالى، والضمير في { يمشون } يحتمل أن يكون ~~للمخاطبين أو للمهلكين، و { الجرز }: الأرض العاطشة التي ~~قد ms1095 أكلت نباتها من العطش والقيظ؛ ومنه قيل للأكول جروز. وقال ابن ~~عباس وغيره: { الأرض الجرز }: أرض أبين من اليمن وهي أرض تشرب ~~بسيول لا بمطر، وفي «البخاري»: وقال ابن عباس: { الجرز }: التي ~~لم تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا. انتهى. # ثم حكى سبحانه عن الكفرة أنهم يستفتحون؛ ويستعجلون فصل ~~القضاء بينهم وبين الرسل على معنى الهزء.والتكذيب، و { الفتح }: ~~الحكم، هذا قول جماعة من المفسرين، وهو أقوى الأقوال. # قال مجاهد و { الفتح } هنا هو حكم الآخرة. ثم أمر تعالى نبيه عليه ~~السلام بالإعراض عن الكفرة وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية ~~السيف. # وقوله: { إنهم منتظرون } أي: العذاب بمعنى هذا حكمهم ~~وإن كانوا لا يشعرون. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-5] # قوله تعالى: { يأيها النبي اتق الله... } الآية. قوله: ~~{ اتق } معناه: دم على التقوى، ومتى أمر أحد بشيء وهو به ~~متلبس؛ فإنما معناه الدوام في المستقبل على مثل الحالة ~~الماضية. وحذره تعالى من طاعة الكافرين والمنافقين تنبيها على ~~عداوتهم، وألا يطمئن إلى ما يبدونه من نصائحهم. والباء ~~في قوله: { وكفى بالله } زائدة على مذهب سيبويه، وكأنه قال ~~وكفى الله، وغيره يراها غير زائدة متعلقة ب «كفى» على أنه ~~بمعنى: اكتف بالله. واختلف في السبب في قوله تعالى: { ما جعل ~~الله لرجل من قلبين في جوفه } فقال ابن عباس: سببها ~~أن بعض المنافقين قال: إن محمدا له قلبان، وقيل غير هذا. # قال * ع *: ويظهر من الآية بجملتها أنها نفي لأشياء ~~كانت العرب تعتقدها في ذلك الوقت، وإعلام بحقيقة الأمر، فمنها أن ~~العرب كانت تقول: إن الإنسان له قلب يأمره، وقلب ينهاه، وكان ~~تضاد الخواطر يحملها على ذلك، وكذلك كانت العرب تعتقد الزوجة إذا ~~ظاهر منها بمنزلة الأم، وتراه طلاقا، وكانت تعتقد الدعي ~~المتبنى ابنا، فنفى الله ما اعتقدوه من ذلك. # وقوله سبحانه: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } سببها ~~أمر زيد بن حارثة كانوا يدعونه: زيد بن محمد و { السبيل } ~~هنا سبيل الشرع والإيمان. ثم أمر تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء ~~لآبائهم، أي: إلى آبائهم ms1096 للصلب، فمن جهل ذلك فيه؛ كان مولى وأخا ~~في الدين، فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة، إلى غير ذلك و ~~{ أقسط }: معناه: أعدل. # وقوله عز وجل: { وليس عليكم جناح... } الآية: رفع ~~الحرج عمن وهم ونسي وأخطأ، فجرى على العادة من نسبة ~~زيد إلى محمد، وغير ذلك. مما يشبهه، وأبقى الجناح في المتعمد، ~~والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا ~~عليه " # وقال عليه السلام : # " ما أخشى عليكم الخطأ وإنما أخشى العمد ". # قال السهيلي: ولما نزلت الآية وامتثلها زيد فقال: أنا ~~زيد بن حارثة؛ جبر الله وحشته وشرفه بأن سماه باسمه في ~~القرآن فقال: # فلما قضى زيد منها وطرا # [الأحزاب:37] ومن ذكره سبحانه باسمه في الذكر الحكيم، حتى ~~صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب، فقد نوه به غاية ~~التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر ~~بأبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له؛ ألا ترى إلى قول ~~أبي بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة ~~كذا، فبكى أبي وقال: أو ذكرت هنالك " # ، وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله تعالى ذكره؛ ~~فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد، يتلوه ~~أهل الدنيا إذا قرؤوا القرآن، وأهل الجنة كذلك في ~~الجنان، ثم زاده في الآية غاية الإحسان أن قال: # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه # [الأحزاب:37] يعني بالإيمان؛ فدل على أنه عند الله من أهل الجنان، ~~وهذه فضيلة أخرى هي غاية منتهى أمنية الأنسان، انتهى. ### || [33.6] # وقوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~} أزال الله بهذه الآية أحكاما كانت في صدر الإسلام منها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على ميت عليه دين، فذكر الله ~~تعالى؛ أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فجمع هذا أن المؤمن يلزم ~~أن يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، حسب حديث ~~عمر بن الخطاب، ms1097 ويلزم أن يمتثل أوامره، أحبت نفسه ذلك أو ~~كرهت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: # " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك ~~مالا فلورثته، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي ~~وعلي، أنا وليه، اقرءوا إن شئتم: { النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم... } ". # * ت *: ولفظ البخاري من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا ~~والآخرة، اقرءوا إن شئتم: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } ، فأيما مؤمن ترك ~~مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ~~ضياعا، فليأتني فأنا مولاه ". # قال ابن العربي: في «أحكامه»: فهذا الحديث هو تفسير الولاية في هذه ~~الآية. انتهى. # قال * ع *: وقال بعض العارفين: هو صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدوعهم إلى النجاة. # قال * ع *: ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون ~~فيها تقحم الفراش ". # قال عياض في «الشفا»: قال أهل التفسير في قوله تعالى: { النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم } أي: ما أنفذه فيهم من ~~أمر؛ فهو ماض عليهم؛ كما يمضي حكم السيد على عبده، وقيل اتباع أمره ~~أولى من اتباع رأي النفس. انتهى، وشرف تعالى أزواج نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن جعلهن أمهات المؤمنين في المبرة وحرمة ~~النكاح، وفي مصحف أبي بن كعب: «وأزواجه أمهاتهم ~~وهو أب لهم» وقرأ ابن عباس «من أنفسهم، وهو أب ~~لهم» ووافقه أبي على ذلك. ثم حكم تعالى: بأن أولى ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارث، مما كانت الشريعة قررته من ~~التوارث بأخوه الإسلام، و { في كتب الله } يحتمل أن ~~يريد القرآن أو اللوح المحفوظ. # وقوله: { من المؤمنين } متعلق ب { أولى } الثانية. # وقوله تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا } يريد الأحسان في الحياة والصلة والوصية عند ~~الموت و«الكتاب المسطور»: يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا. ### || [33.7-8] # وقوله سبحانه: { وإذ أخذنا من النبيين ميثقهم } ~~المعنى واذكر إذ أخذنا من النبيين، وهذا ms1098 الميثاق. # قال الزجاج وغيره: إنه الذي أخذ عليهم وقت استخراج البشر من صلب ~~آدم. كالذر، بالتبليغ وبجميع ما تضمنته النبوة. وروي نحوه ~~عن أبي بن كعب. # وقالت فرقة: بل أشار إلى أخذ الميثاق عليهم وقت بعثهم وإلقاء ~~الرسالة إليهم، وذكر تعالى النبيين جملة، ثم خصص أولي العزم ~~منهم تشريفا لهم، واللام في قوله { ليسئل } يحتمل أن تكون لام ~~كي، أو لام الصيرورة. ### || [33.9-12] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جاءتكم جنود... } الآيات إلى قوله ~~تعالى: # يأيها النبي قل لأزوجك # [الأحزاب:28] نزلت في شأن غزوة الخندق، وما اتصل بها من أمر ~~بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني ~~النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر، ~~فاجتمعت جماعة منهم، ومن غيرهم من اليهود، ~~وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشا إلى حرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجسروهم على ذلك، ~~وأزمعت قريش السير إلى المدينة، ونهض اليهود ~~إلى غطفان، وبني أسد، ومن أمكنهم من أهل نجد ~~وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك وتحزبوا وساروا ~~إلى المدينة، واتصل خبرهم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فحفر الخندق حول المدينة، وحصنها، فوردت ~~الأحزاب، وحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس، وقيل: ~~أربع من الهجرة، وكانت قريظة قد عاهدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعاقدوه ألا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن ذلك ~~الحصار، وداخلهم بنو النضير غدروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونقضوا عهده، وضاق الحال على المؤمنين، ونجم النفاق وساءت ~~ظنون قوم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع ذلك يبشر ~~ويعد النصر، فألقى الله عز وجل الرعب في قلوب الكافرين، ~~وتخاذلوا ويئسوا من الظفر، وأرسل الله عليهم ريحا وهي الصبا، ~~وملائكة تسدد الريح، وتفعل نحو فعلها، وتلقي الرعب في ~~قلوب الكفرة، وهي الجنود التي لم تر، فارتحل الكفرة وانقلبوا ~~خائبين. # قوله تعالى: { إذ جاءوكم من فوقكم } يريد: أهل نجد مع ~~عيينة بن حصن { ومن أسفل منكم }: يريد أهل مكة وسائر ~~تهامة قاله مجاهد: { وزاغت الأبصر } معناه مالت ms1099 عن ~~مواضعها وذلك فعل الواله الفزع المختبل. { وبلغت ~~القلوب الحناجر } عبارة عما يجده الهلع من ثوران ~~نفسه وتفرقها ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد علوا، ~~وروى أبو سعيد أن المؤمنين قالوا يوم الخندق: يا ~~نبي الله، بلغت القلوب الحناجر؛ فهل من شيء ~~نقوله؟ قال: نعم؛ قولوا: # " اللهم، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا " # فقالوها؛ فضرب الله وجوه الكفار بالريح ~~فهزمهم. # وقوله سبحانه: { وتظنون بالله الظنونا... } الآية: ~~عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن البشر دفعها، وأما ~~المنافقون فنطقوا، ونجم نفاقهم. و { ابتلي المؤمنون } ~~معناه: اختبروا { وزلزلوا }: معناه: حركوا بعنف. ثم ذكر ~~تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب؛ على جهة الذم لهم { ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } فروي عن ~~يزيد بن رومان أن معتب بن قشير قال: يعدنا محمد ~~أن نفتتح كنوز كسرى وقيصر ومكة؛ ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب ~~إلى الغائط؛ ما يعدنا إلا غرورا، وقال غيره من المنافقين نحو هذا. ### || [33.13-21] # وقوله سبحانه: { وإذ قالت طائفة منهم } أي: من المنافقين ~~{ لا مقام لكم } أي: لا موضع قيام وممانعة، فارجعوا إلى ~~منازلكم وبيوتكم، وكان هذا على جهة التخذيل عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والفريق المتسأذن هو أوس بن قيظي؛ استأذن في ذلك على ~~اتفاق من أصحابه المنافقين؛ فقال: { إن بيوتنا عورة } ~~أي: منكشفة للعدو فأكذبهم الله - تعالى - ولو دخلت المدينة { ~~من أقطارها } أي: من نواحيها، واشتد الخوف الحقيقي، ثم سئلوا ~~الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه لبادروا إليها ~~وآتوها محبين فيها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيرا. # قيل: قدر ما يأخذون سلاحهم. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قد كانوا ~~عاهدوا الله إثر أحد لا يولون الأدبار وفي قوله تعالى: { ~~وكان عهد الله مسؤولا } توعد وباقي الآية بين. ثم ~~وبخهم بقوله: { قد يعلم الله المعوقين منكم } ~~وهم الذين يعوقون الناس عن نصرة الرسول ويمنعونهم بالأقوال ~~والأفعال من ذلك ويسعون على الدين، وأما القائلون لإخوانهم هلم ~~إلينا فقال ابن زيد وغيره: أراد من كان من المنافقين يقول لإخوانه ms1100 في ~~النسب وقرابته هلم، أي: إلى المنازل والأكل والشرب، واترك ~~القتال. وروي: أن جماعة فعلت ذلك وأصل { هلم }: ها ~~المم. وهذا مثل تعليل «رد» من «اردد» والبأس: القتال: و { ~~إلا قليلا } معناه إلا إتيانا قليلا، و { أشحة } جمع ~~شحيح والصواب تعميم الشح أن يكون بكل ما فيه للمؤمنين ~~منفعة. # وقوله: { فإذا جاء الخوف } قيل: معناه: فإذا قوي الخوف رأيت ~~هؤلاء المنافقين ينظرون إليك نظر الهلع المختلط؛ الذي ~~يغشى عليه، فإذا ذهب ذلك الخوف العظيم وتنفس المختنق: { ~~سلقوكم } أي: خاطبوكم مخاطبة بليغة، يقال: خطيب سلاق ومسلاق ~~ومسلق ولسان أيضا كذلك إذا كان فصيحا مقتدرا ووصف الألسنة ~~بالحدة لقطعها المعاني ونفوذها في الأقوال، قالت فرقة: وهذا ~~السلق هو في مخادعة المؤمنين بما يرضيهم من القول على جهة ~~المصانعة والمخاتلة. # وقوله: { أشحة } حال من الضمير في { سلقوكم }. # وقوله: { على الخير } يدل على عموم الشح في قوله أولا: { ~~أشحة عليكم } وقيل: المراد بالخير: المال، أي: أشحة على مال ~~الغنائم، والله أعلم. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لم يؤمنوا، وجمهور ~~المفسرين على أن هذه الإشارة إلى منافقين لم يكن لهم قط إيمان، ويكون ~~قوله: { فأحبط الله أعملهم } أي: أنها لم تقبل قط، ~~والإشارة بذلك في قوله { وكان ذلك } إلى حبط أعمال هؤلاء ~~المنافقين، والضمير في قوله: { يحسبون الأحزاب } للمنافقين، ~~والمعنى: أنهم من الفزع والجزع بحيث رحل الأحزاب وهزمهم الله ~~تعالى، وهؤلاء يظنون أنها من الخدع؛ وأنهم لم يذهبوا، { وإن ~~يأت الأحزاب } ، أي: يرجعوا إليهم كرة ثانية { يودوا } من ~~الخوف والجبن { لو أنهم بادون } أي: خارجون إلى البادية. # { في الأعراب } وهم أهل العمود ليسلموا من القتال. { ~~يسألون } أي من ورد عليهم. ثم سلى سبحانه عنهم وحقر ~~شأنهم بأن أخبر أنهم لو حضروا لما أغنوا ولما ~~قاتلوا إلا قتالا قليلا؛ لا نفع له. ثم قال تعالى على ~~جهة الموعظة : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة } حين صبر وجاد بنفسه، و { أسوة } معناه قدوة، ~~ورجاء الله تابع للمعرفة به, ورجاء اليوم الآخر؛ ثمرة العمل ~~الصالح، وذكر ms1101 الله كثيرا من خير الأعمال فنبه عليه. # * ت *: وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ~~ذكرني وتحركت بي شفتاه " # رواه ابن ماجه، واللفظ له وابن حبان في «صحيحه» ورواه الحاكم في ~~«المستدرك» من حديث أبي الدرداء. # وروى جابر بن عبد الله؛ قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " يأيها الناس، إن لله سرايا من الملائكة تحل ~~وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في ~~رياض الجنة، قالوا: وأين رياض الجنة يا رسول ~~الله؟ قال: مجالس الذكر؛ فاغدوا وروحوا في ذكر ~~الله؛ وذكروه أنفسكم من كان يحب أن يعلم ~~منزلته عند الله؛ فلينظر كيف منزلة الله ~~عنده؛ فإن الله ينزل العبد منه، حيث أنزله ~~من نفسه " # رواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد. # " وعن معاذ بن جبل قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: «أن تموت ~~ولسانك رطب من ذكر الله» " # رواه ابن حبان في «صحيحه»، انتهى من «السلاح». ولولا خشية ~~الإطالة، لأتيت في هذا الباب بأحاديث كثيرة، وروى ابن ~~المبارك في «رقائقه» قال أخبرنا سفيان ابن عيينة عن ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: لا يكون الرجل من الذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات؛ حتى يذكر الله قائما ~~وقاعدا ومضطجعا، انتهى. وفي «مصحف ابن مسعود» «يحسبون ~~الأحزاب قد ذهبوا فإذا وجدوهم لم يذهبوا ودوا ~~أنهم بادون في الأعراب». ### || [33.22-25] # وقوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب... } الآية. ~~قالت فرقة: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ~~أعلمهم بأنهم سيحصرون، وأمرهم بالاستعداد لذلك، وأعلمهم بأنهم ~~سينصرون بعد ذلك, فلما رأوا الأحزاب: { قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله } الآية، وقالت فرقة: أرادوا بوعد الله ~~ما نزل في سورة البقرة من قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة:214] إلى قوله # قريب # [البقرة:214]. # قال * ع *: ويحتمل أنهم أرادوا جميع ذلك. ثم أثنى سبحانه على ms1102 ~~رجال عاهدوا الله على الاستقامة فوفوا، وقضوا ~~نحبهم، أي: نذرهم، وعهدهم، «والنحب» في كلام ~~العرب: النذر والشيء الذي يلتزمه الإنسان، وقد يسمى ~~الموت نحبا، وبه فسر ابن عباس وغيره هذه الآية، ويقال للذي ~~جاهد في أمر حتى مات: قضى فيه نحبه، ويقال لمن مات: قضى فلان ~~نحبه؛ فمن سمى المفسرون أنه أشير إليه بهذه الآية أنس بن النضر ~~عم أنس بن مالك، وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك، وقال لئن ~~شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا ليرين الله ما ~~أصنع. فلما كان أحد أبلى بلاء حسنا حتى قتل ووجد فيه ~~نيف على ثمانين جرحا، فكانوا يرون أن هذه الآية في أنس بن ~~النضر ونظرائه. # وقالت فرقة: الموصوفون بقضاء النحب؛ هم جماعة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفوا بعهود الإسلام على ~~التمام، فالشهداء منهم، والعشرة الذين شهد لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالجنة منهم، إلى من حصل في هذه المرتبة ~~ممن لم ينص عليه، ويصحح هذه المقالة أيضا ما روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر، فقال ~~له أعرابي: يا رسول الله، من الذي قضى نحبه؟ ~~فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم دخل ~~طلحة بن عبيد الله على باب المسجد، وعليه ~~ثوبان أخضران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أين السائل؟ فقال: هأنذا، يا رسول الله، قال: هذا ~~ممن قضى نحبه» ". # قال * ع *: فهذا أدل دليل على أن النحب ليس من شرطه ~~الموت. # وقال معاوية بن أبي سفيان: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: طلحة ممن قضى نحبه، وروت عائشة نحوه. # وقوله تعالى: { ومنهم من ينتظر } يريد ومنهم من ينتظر ~~الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح، وهم بسبيل ذلك وما بدلوا ~~ولا غيروا واللام في: { ليجزي } يحتمل أن تكون لام الصيرورة ~~أو «لام كي»، وتعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق ~~إلى موتهم، والتوبة موازية لتلك الإدامة، وثمرة التوبة تركهم دون ~~عذاب، فهما ms1103 درجتان: إدامة على نفاق أو توبة منه، وعنهما ~~ثمرتان: تعذيب أو رحمة. ثم عدد سبحانه نعمه على المؤمنين في ~~هزم الأحزاب؛ فقال: { ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم }. ### || [33.26-27] # وقوله تعالى: { وأنزل الذين ظهروهم } يريد: بني ~~قريظة، وذلك أنهم لما غدروا وظاهروا الأحزاب، ~~أراد الله النقمة منهم فلما ذهب الأحزاب؛ جاء ~~جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت الظهر؛ ~~فقال: يا محمد، إن الله يأمرك بالخروج إلى بني ~~قريظة، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، ~~وقال لهم: # " «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، ~~فخرج الناس إليهم، وحصرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد ~~بن معاذ؛ فحكم فيهم سعد بأن تقتل المقاتلة ~~وتسبى الذرية والعيال والأموال، وأن تكون ~~الأرض والثمار للمهاجرين دون الأنصار، فقالت ~~له الأنصار في ذلك، فقال: أردت أن يكون ~~للمهاجرين أموال كما لكم أموال، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم ~~الملك من فوق سبعة أرقعة» " # فأمر صلى الله عليه وسلم برجالهم فضربت أعناقهم، ~~وفيهم حيي بن أخطب النضيري، وهو الذي كان ~~أدخلهم في الغدر، و { ظهروهم }: معناه: عاونوهم، ~~و«الصياصي»: الحصون، واحدها صيصية وهي كل ما يتمنع به ومنه ~~يقال لقرون: البقر الصياصي، والفريق المقتول: الرجال والفريق ~~المأسور: العيال والذرية. # وقوله سبحانه: { وأرضا لم تطؤوها } يريد بها: البلاد التي فتحت ~~على المسلمين بعد كالعراق والشام واليمن وغيرها، فوعد الله تعالى ~~بها عند فتح حصون بني قريظة، وأخبر أنه قد قضى بذلك قاله عكرمة. ### || [33.28-34] # وقوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزوجك إن كنتن ~~تردن الحيوة الدنيا وزينتها... } الآية، ذكر جل ~~المفسرين أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من ~~عرض الدنيا، وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فهجرهن ~~وآلى ألا يقربهن شهرا، فنزلت هذه الآية، فبدأ بعائشة، وقال: # " يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا ولا عليك ألا ~~تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم تلا عليها ~~الآية، فقالت له: وفي أي هذا أستأمر أبوي؟ ~~فإني ms1104 أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: ~~وقد علم أن أبوي لا يأمراني بفراقه، ثم تتابع ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على مثل قول عائشة ~~فاخترن الله ورسوله رضي الله عنهن ". # قالت فرقة قوله: { بفحشة مبينة } يعم جميع ~~المعاصي ولزمهن رضي الله عنهن بحسب مكانتهن، أكثر ~~مما يلزم غيرهن، فضوعف لهن الأجر والعذاب. # وقوله: { ضعفين } معناه: يكون العذاب عذابين، أي: يضاف إلى ~~عذاب سائر الناس عذاب آخر مثله و { يقنت }: معناه: يطيع ~~ويخضع بالعبودية؛ قاله الشعبي وقتادة والرزق الكريم: الجنة. ثم ~~خاطبهن الله سبحانه بأنهن لسن كأحد من نساء عصرهن؛ ~~فما بعد، بل هن أفضل بشرط التقوى، وإنما خصصنا النساء ~~لأن فيمن تقدم آسية ومريم فتأمله؛ وقد أشار إلى هذا قتادة. ثم ~~نهاهن سبحانه عما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة ~~الرجال برخيم القول؛ و { لا تخضعن } معناه: لا تلن. # قال ابن زيد: خضع القول ما يدخل في القلوب العزل؛ والمرض في ~~هذه الآية قال قتادة: هو النفاق. # وقال عكرمة: الفسق، والغزل، والقول المعروف هو الصواب الذي لا ~~تنكره الشريعة ولا النفوس. وقرأ الجمهور: «وقرن» بكسر القاف ~~، وقرأ نافع وعاصم: «وقرن» بالفتح ، فأما الأولى فيصح أن ~~تكون من الوقار، ويصح أن تكون من القرار، وأما قراءة الفتح ~~فعلى لغة العرب قررت بكسر الراء ، أقر بفتح ~~القاف في المكان، وهي لغة ذكرها أبو عبيد في «الغريب» المصنف وذكرها ~~الزجاج وغيره، فأمر الله تعالى في هذه الآية نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن، ونهاهن عن التبرج؛ والتبرج ~~إظهار الزينة والتصنع بها، ومنه الروج لظهورها وانكشافها ~~للعيون، واختلف الناس في { الجهلية الأولى } فقال ~~الشعبي: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقيل: غير هذا. # قال * ع *: والذي يظهر عندي؛ أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها ~~فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل ~~الشرع من سيرة الكفرة، وجعلها أولى بالإضافة إلى حالة ~~الإسلام، وليس المعنى. أن ثم جاهلية أخرة، و { الرجس } اسم ~~يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى ms1105 النجاسات والنقائص، فأذهب الله ~~جميع ذلك عن أهل البيت، قالت أم سلمة نزلت هذه الآية في بيتي؛ # " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا ~~وحسينا فدخل معهم تحت كساء خيبري، وقال «هؤلاء أهل بيتي، ~~وقرأ الآية، وقال اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا قالت أم سلمة: فقلت: وأنا يا رسول ~~الله، فقال: أنت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنت إلى خير» " # والجمهور على هذا، وقال ابن عباس وغيره: أهل البيت: أزواجه خاصة، ~~والجمهور على ما تقدم. # قال * ع *: والذي يظهر لي: أن أهل البيت أزواجه وبنته وبنوها وزوجها ~~أعنى عليا، ولفظ الآية: يقتضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن ~~والمخاطبة لهن. # قال * ص *: و { أهل البيت }: منصوب على النداء أو على المدح ~~أو على الاختصاص وهو قليل في المخاطب، وأكثر ما يكون في ~~المتكلم، كقوله [الرجز] # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # انتهى. # واستصوب ابن هشام نصبه على النداء، قاله في «المغني»: وقوله ~~تعالى: { واذكرن } يعطي أن أهل البيت نساؤه، وعلى قول ~~الجمهور: هي ابتداء مخاطبة والحكمة السنة، فقوله: { واذكرن } ~~يحتمل مقصدين: كلاهما موعظة أحدهما: أن يريد تذكرنه، ~~واقدرنه قدره، وفكرن في أن من هذه حاله ينبغي أن ~~تحسن أفعاله، والثاني: أن يريد: { اذكرن } بمعنى: ~~احفظن واقرأن وألزمنه ألسنتكن. # * ت *: ويحتمل أن يراد ب { اذكرن } إفشاؤه ونشره للناس، ~~والله أعلم. وهذا هو الذي فهمه ابن العربي من الآية، فإنه قال: ~~أمر الله أزواج رسوله أن يخبرن بما ينزل من القرآن في بيوتهن وبما ~~يرين من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله، حتى يبلغ ذلك ~~إلى الناس، فيعملوا بما فيه ويقتدوا به، انتهى. وهو حسن وهو ظاهر ~~الآية وقد تقدم له نحو هذا في قوله تعالى: # وإن امرأة خفت من بعلها نشوزا أو إعراضا # [النساء:128] الآية. # ذكره في «أحكام القرآن». ### || [33.35] # وقوله تعالى: { إن المسلمين والمسلمت... } الآية: ~~روي في سببها؛ أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، ~~يذكر الله تعالى الرجال في كتابه ms1106 في كل شيء، ~~ولا يذكرنا، فنزلت الآية في ذلك، وألفاظ الآية في غاية ~~البيان. # وقوله سبحانه: { والذكرين الله كثيرا والذكرت... } ~~الآية. وفي الحديث: الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " سبق المفردون قالوا: وما المفردون، يا رسول ~~الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " # رواه مسلم، واللفظ له والترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول الله، ~~وما المفردون؟ قال: # " المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم ~~أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا ". # قال عياض: «والمفردون» ضبطناه على متقني شيوخنا بفتح ~~الفاء وكسر الراء . # وقال ابن الأعرابي: فرد الرجل إذا تفقه واعتزل الناس، ~~وخلا لمراعاة الأمر والنهي، وقال الأزهري: هم المتخلون من ~~الناس بذكر الله تعالى، وقوله المستهترون في ذكر الله هو ~~بفتح التاءين المثناتين يعني: الذين أولعوا بذكر الله، يقال: ~~استهتر فلان بكذا، أي: أولع به، انتهى، من «سلاح المؤمن». ### || [33.36] # وقوله سبحانه: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة... } الآية: ~~قوله: { وما كان } لفظه النفي، ومعناه الحظر والمنع والخيرة مصدر ~~بمعنى التخير. # قال ابن زيد: نزلت هذه الآية بسبب أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~وهبت نفسها للنبي، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها، فنزلت ~~الآية بسبب ذلك، فأجابا إلى تزويج زيد، وقيل غير هذا، والعصيان هنا يعم ~~الكفر فما دون، وفي حديث الترمذي؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " من سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن ~~شقاوة ابن آدم سخطه بما قضاه الله له " # انتهى. ### || [33.37] # وقوله تعالى: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ~~وأنعمت عليه... } الآية. ذهب جماعة من المتأولين إلى أن ~~الآية لا كبير عتب فيها على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~فروي عن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ~~أوحي إليه أن زيدا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها له، ~~فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب، وأنها لا تطيعه، ~~وأعلمه بأنه يريد طلاقها، ms1107 قال له النبي صلى الله عليه وسلم على جهة ~~الأدب والوصية: # " اتق الله - أي: في قولك - وأمسك عليك زوجك " # وهو يعلم أنه سيفارقها وهذا هو الذي أخفى ~~صلى الله عليه وسلم في نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم ~~من أنه سيتزوجها وخشي صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من ~~الناس، في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، ~~فعاتبه الله على هذا، القدر من أن خشي الناس في شيء؛ قد أباحه الله ~~تعالى له. # قال عياض: وتأويل علي بن الحسين أحسن التأويلات وأصحها، وهو قول ابن ~~عطاء، وصححه واستحسنه، انتهى. # وقوله: { أنعم الله عليه } يعني بالإسلام وغير ذلك { ~~وأنعمت عليه } يعني بالعتق، وهو زيد بن حارثة وزينب هي بنت ~~جحش بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم ~~أعلم تعالى نبيه أنه زوجها منه لما قضى زيد وطره منها؛ ~~لتكون سنة للمسلمين في أزواج أدعيائهم وليبينن أنها ليست كحرمة ~~البنوة، والوطر: الحاجة والبغية. # وقوله تعالى: { وكان أمر الله مفعولا }: فيه حذف مضاف ~~تقديره وكان حكم أمر الله أو مضمن أمر الله وإلا فالأمر ~~قديم لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل أن يكون الأمر واحد الأمور التي شأنها ~~أن تفعل وعبارة الواحدي: { وكان أمر الله مفعولا } أي: ~~كائنا لا محالة، وكان قد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. انتهى. ### || [33.38-39] # وقوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له... } الآية: هذه مخاطبة من الله تعالى لجميع الأمة؛ ~~أعلمهم أنه لا حرج على نبيه في نيل ما فرض الله له وأباحه من ~~تزويجه لزينب بعد زيد، ثم أعلم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في ~~الأنبياء، من أن ينالوا ما أحله الله لهم، وعبارة الواحدي: { ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله له } أي: أحل ~~الله له من النساء. { سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل } ، يقول: هذه سنة قد مضت لغيرك؛ ms1108 يعني كثرة أزواج داود ~~وسليمان، عليهما السلام، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ~~قضاء مقضيا. وقوله تعالى: { الذين يبلغون رسلت الله ~~} من نعت قوله: { في الذين خلوا من قبل } ، انتهى. ### || [33.40-44] # وقوله تعالى: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } ~~إلى قوله { كريما } أذهب الله بهذه الآية ما وقع في نفوس ~~المنافقين وغيرهم؛ لأنهم استعظموا أن يتزوج زوجة ابنه، فنفى ~~القرآن تلك البنوة، وقوله: { أبا أحد من رجالكم } ~~يعني المعاصرين له وباقي الآية بين. ثم أمر سبحانه عباده بأن يذكروه ~~ذكرا كثيرا، وجعل تعالى ذلك دون حد ولا تقدير؛ لسهولته على العبد، ~~ولعظم الأجر فيه. قال ابن عباس: لم يعذر أحد في ترك ذكر الله ~~عز وجل إلا من غلب على عقله، وقال: الذكر الكثير أن لا ~~تنساه أبدا. # وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم # " أكثروا ذكر الله؛ حتى يقولوا: مجنون " # * ت *: وهذا الحديث خرجه ابن حبان في «صحيحه». # وقوله: { وسبحوه بكرة وأصيلا } أراد في كل الأوقات ~~فحدد الزمن بطرفي نهاره وليله، والأصيل من العصر إلى ~~الليل، وعن ابن أبي أوفى قال: قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس ~~والقمر والأظلة لذكر الله " # رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { هو الذي يصلي عليكم وملئكته }: ~~صلاة الله على العبد هي رحمته له، وصلاة الملائكة هي دعاؤهم ~~للمؤمنين. ثم أخبر تعالى برحمته بالمؤمنين تأنيسا لهم. # وقوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلم } قيل: يوم ~~القيامة تحي الملائكة المؤمنين بالسلام، ومعناه: السلامة من كل ~~مكروه، وقال قتادة: يوم دخولهم الجنة يحي بعضهم بعضا بالسلام، ~~والأجر الكريم: جنة الخلد في جوار الله تبارك وتعالى. ### || [33.45-49] # وقوله تعالى: { يأيها النبي إنا أرسلنك شاهدا ~~ومبشرا... } الآية، هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين، وتكريم لجميعهم. # وقوله: { وداعيا إلى الله بإذنه } أي: بأمره { وسراجا ~~منيرا } استعارة للنور الذي تضمنه شرعه. # وقوله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا }. # قال * ع *: قال ms1109 لنا أبي رحمه الله : هذه الآية من أرجى آية ~~عندي في كتاب الله عز وجل . # قال أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ ثم ذكر سنده إلى ابن عباس ~~قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم # " أنزلت علي آية { يأيها النبي إنا أرسلنك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا } قال: شاهدا: على أمتك، ومبشرا: ~~بالجنة، ونذيرا: من النار، وداعيا: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، ~~بإذنه: بأمره، وسراجا منيرا: بالقرآن " # انتهى، من «تاريخ بغداد» له، من ترجمة «محمد بن نصر». # وقوله تعالى: { ودع أذاهم } يحتمل أن يريد أن يأمره تعالى بترك ~~أن يؤذيهم هو ويعاقبهم، فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، ويحتمل ~~أن يريد: أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك به، فالمصدر على هذا التأويل ~~مضاف إلى الفاعل؛ وهذا تأويل مجاهد، وباقي الآية بين. ### || [33.50] # وقوله تعالى: { يأيها النبي إنا أحللنا لك ~~أزوجك... } الآية، ذهب ابن زيد والضحاك في تفسير هذه الآية إلى: أن ~~الله تعالى أحل لنبيه أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له ~~كل النساء بهذا الوجه، وإنما خصص هؤلاء بالذكر تشريفا لهن فالآية ~~على هذا التأويل فيها إباحة مطلقة في جميع النساء، حاشى ذوات المحارم ~~المذكور حكمهن: في غير هذه الآية. ثم قال بعد هذا { ترجي من ~~تشآء منهن } أي: من هذه الأصناف كلها، ثم تجرى الضمائر بعد ذلك ~~على العموم إلى قوله تعالى: # ولا أن تبدل بهن # [الأحزاب:52] فيجيء هذا الضمير مقطوعا من الأول عائدا على أزواجه ~~التسع فقط؛ على الخلاف في ذلك وتأويل غير ابن زيد في قوله: { ~~أحللنا لك أزوجك } من في عصمته ممن تزوجها ~~بمهر؛ وأن ملك اليمين بعد حلال؛ وأن الله أباح له مع ~~المذكورات بنات عمه وعماته، وخاله، وخالاته، ممن هاجر معه، ~~والواهبات خاصة، فيجيء الأمر على هذا التأويل أضيق على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس: كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي النساء شاء، ~~وكان ذلك يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، ms1110 ~~وحرم عليه بها النساء؛ إلا من سمي سر نساؤه ~~بذلك. # وقوله سبحانه: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي... } الآية، قال السهيلي: ذكر البخاري عن عائشة ~~ رضي الله عنها أنها قالت: كانت خولة بنت حكيم ~~من اللاتي وهبن أنفسهن؛ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فدل على أنهن كن غير واحدة، انتهى: وقوله: { خالصة لك } ~~أي: هبة النساء أنفسهن خاصة بك دون أمتك. # قال: * ع *: ويظهر من لفظ أبي بن كعب أن معنى قوله: «خالصة لك» ~~يراد به جميع هذه الإباحة؛ لأن المؤمنين لم يبح لهم الزيادة ~~على أربع. وقوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزوجهم } يريد هو كون النكاح بالولي والشاهدين، والمهر، ~~والاقتصار على أربع؛ قاله قتادة ومجاهد. # وقوله: { لكي لا } أي: بينا هذا البيان. { لكي لا يكون ~~عليك حرج } ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك. ### || [33.51] # وقوله تعالى: { ترج من تشاء منهن... } الآية، ترجي معناه: ~~تؤخر و { تؤوي } معناه: تضم وتقرب، ومعنى هذه الآية: أن ~~الله تعالى فسح لنبيه فيما يفعله في جهة النساء، والضمير في { ~~منهن } عائد على من تقدم ذكره من الأصناف؛ حسب ~~الخلاف المذكور في ذلك، وهذا الإرجاء والإيواء يحتمل معاني؛ منها؛ أن ~~المعنى في القسم، أي: تقرب من شئت في القسمة لها من ~~نفسك وتؤخر عنك من شئت وتكثر لمن شئت وتقل لمن ~~شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن هن أن هذا هو حكم الله لك؛ ~~رضين وقرت أعينهن؛ وهذا تأويل مجاهد وقتادة والضحاك. # قال * ع *: لأن سبب هذه الآية تغابر وقع بين زوجات ~~النبي صلى الله عليه وسلم تأذى به. # وقال ابن عباس: المعنى في طلاق من شاء وإمساك من شاء. # وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى في تزوج من شاء؛ وترك من شاء. # قال * ع *: وعلى كل معنى فالآية معناها: التوسعة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم والإباحة له وذهب هبة الله في «الناسخ والمنسوخ» له ~~إلى أن قوله { ترجي من تشاء... } الآية، ناسخ لقوله: # لا يحل لك ms1111 النساء من بعد # [الأحزاب:52] الآية. # وقوله تعالى: { ومن ابتغيت ممن عزلت } يحتمل معاني: ~~أحدها؛ أن تكون «من» للتبعيض، أي: من أردت؛ وطلبته نفسك ممن كنت ~~قد عزلته وأخرته؛ فلا جناح عليك في رده إلى نفسك وإيوائه إليك، ~~ووجه ثان؛ وهو أن يكون مقويا ومؤكدا لقوله: { ترجي من ~~تشاء } و { تؤوي من تشاء } فيقول بعد ومن ابتغيت ومن عزلت ~~فذلك سواء؛ لا جناح عليك في رده إلى نفسك وإيوائه إليك. # وقوله: { ويرضين بما ءاتيتهن } أي من نفسك، ومالك، ~~واتفقت الروايات على أنه عليه السلام مع ما جعل الله له ~~من ذلك كان يسوي بينهن في القسم تطييبا لنفوسهن؛ وأخذا ~~بالفضل، وما خصه الله من الخلق العظيم صلى الله عليه وعلى آله ~~ غير أن سودة وهبت يومها العائشة تقمنا لمسرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [33.52-55] # وقوله تعالى: { لا يحل لك النساء من بعد } قيل كما ~~قدمنا: إنها حظرت عليه النساء إلا التسع وما عطف عليهن؛ على ~~ما تقدم لابن عباس وغيره، قال ابن عباس وقتادة؛ جازاهن الله بذلك، ~~لما اخترن الله ورسوله، ومن قال: بأن الإباحة كانت له مطلقة ~~قال هنا: { لا يحل لك النساء } معناه: لا يحل لك اليهوديات ~~ولا النصرانيات، ولا ينبغي أن يكن أمهات المؤمنين؛ وروي هذا عن ~~مجاهد وكذلك قدر ولا أن تبدل اليهوديات والنصرانيات بالمسلمات؛ ~~وهو قول أبي رزين وابن جبير وفيه بعد. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~نظرين إنه } هذه الآية تضمنت قصتين: إحداهما: ~~الأدب في أمر الطعام والجلوس، والثانية: أمر الحجاب. # قال الجمهور: سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب ~~بنت جحش، أو لم عليها؛ ودعا الناس، فلما طعموا، ~~قعد نفر في طائفة من البيت يتحدثون، فثقل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم مكانهم، فخرج؛ ~~ليخرجوا بخروجه، ومر على حجر نسائه، ثم عاد ~~فوجدهم في مكانهم، وزينب في البيت معهم، ~~فلما دخل ورآهم، انصرف، فخرجوا عند ذلك، قال ~~أنس ms1112 بن مالك: فأعلم أو أعلمته بانصرافهم، ~~فجاء، فلما وصل الحجرة، أرخى الستر بيني ~~وبينه؛ ودخل، ونزلت آية الحجاب بسبب ذلك. # قال إسماعيل بن أبي حكيم: هذا أدب الله به الثقلاء، وقالت ~~عائشة وجماعة: سبب الحجاب: كلام عمر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مرارا في أن يحجب نساءه، و { نظرين } معناه: منتظرين، ~~و { إنه }: مصدر «أنى» الشيء يأني أني، إذا فرغ وحان، ~~ولفظ البخاري يقال: إناه: إدراكه أنى يأنى إناءة، انتهى. # وقوله تعالى: { والله لا يستحي من الحق } معناه: لا يقع ~~منه ترك الحق، ولما كان ذلك يقع من البشر لعلة الاستحياء؛ نفى ~~عنه تعالى العلة الموجبة لذلك في البشر، وعن ثوبان، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن؛ لا يؤم رجل ~~قوما؛ فيخص نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل، ~~فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت؛ قبل أن ~~يستأذن؛ فإن فعل، فقد خان، ولا يصلي وهو ~~حاقن حتى يتخفف " # رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، وقال الترمذي: حديث ~~حسن، ورواه أبو داود أيضا من حديث أبي هريرة، انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { وإذا سألتموهن متعا... } الآية، هي آية ~~الحجاب، والمتاع عام في جميع ما يمكن أن يطلب من المواعين ~~وسائر المرافق، وباقي الآية بين. وقد تقدم في سورة النور طرف ~~من بيانه فأغنى عن إعادته. ### || [33.56-59] # وقوله تعالى: { إن الله وملئكته يصلون على ~~النبي... } الآية، تضمنت شرف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعظيم منزلته عند الله تعالى. # قالت فرقة: تقدير الآية: أن الله يصلي وملائكته يصلون, ~~فالضمير في قوله { يصلون }: للملائكة فقط. وقالت فرقة: بل ~~الضمير في { يصلون } لله والملائكة؛ وهذا قول من الله تعالى، ~~شرف به ملائكته؛ فلا يرد عليه الاعتراض الذي جاء في قول ~~الخطيب: من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن ~~يعصيهما، فقد ضل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بئس الخطيب أنت " # وهذا القدر كاف هنا، وصلاة الله تعالى: رحمة منه وبركة، وصلاة ~~الملائكة: دعاء، وصلاة المؤمنين: دعاء، ms1113 وتعظيم، والصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في كل حين؛ من الواجبات وجوب السنن المؤكدة ~~التي لا يسع تركها؛ ولا يغفلها إلا من لا خير فيه، وفي ~~حديث ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال قوم من الصحابة: «هذا ~~السلام عليك يا رسول الله؛ قد عرفناه، فكيف ~~نصلي عليك؟» الحديث. # * ت *: ولفظ البخاري: # " عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله؛ أما ~~السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: ~~«قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ ~~كما صليت على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم ~~بارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت ~~على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد» " # انتهى؛ وفيه طرق يزيد فيها بعض الرواة على بعض، وفي الحديث عنه ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا ~~علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي " # الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، ورواه ~~الحاكم في «المستدرك» من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقال: صحيح الإسناد، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي ~~روحي؛ حتى أرد عليه السلام " # وعنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " صلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " # رواهما أبو داود، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي ~~صلاة " # رواه الترمذي، وابن حبان. في «صحيحيه»، ولفظهما سواء، وقال الترمذي ~~حسن غريب. انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { يدنين عليهن من جلبيبهن } ~~الجلباب: ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابن عباس وابن مسعود: ~~أنه الخمار، واختلف في صورة إدنائه: فقال ابن عباس وغيره: ~~ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة ~~تبصر بها، وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه الجبين وتشده، ~~ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها؛ لكنه يستر الصدر ~~ومعظم الوجه. # وقوله: { ذلك ms1114 أدنى أن يعرفن }: حتى لا يختلطن بالإماء، ~~فإذا عرفن لم يقابلن بأذى. من المعارضة؛ مراقبة لرتبة ~~الحرائر، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي؛ وكان عمر ~~إذا رأى أمة قد تقنعت قنعها بالدرة محافظة على زي ~~الحرائر. ### || [33.60-71] # وقوله تعالى: { لئن لم ينته المنفقون... } الآية. ~~اللام في قوله: { لئن } هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في { ~~لنغرينك }: هي لام القسم. # قلت: وروى الترمذي عن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: # " يا معشر من قد أسلم بلسانه، ولم يفض ~~الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا ~~تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من ~~يتبع عورة أخيه المسلم؛ يتبع الله عورته؛ ~~ومن يتبع الله عورته يفضحه، ولو في جوف ~~رحله... " # الحديث. انتهى. ورواه أبو داود في «سننه» من طريق أبي برزة الأسلمي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتوعد الله سبحانه هذه الأصناف في هذه ~~الآية. # وقوله سبحانه { والذين في قلوبهم مرض } المرض، هنا: هو ~~الغزل وحب الزنا؛ قاله عكرمة. { والمرجفون في المدينة }: ~~هم قوم كانوا يتحدثون بغزو العرب المدينة؛ ونحو هذا مما يرجفون ~~به نفوس المؤمنين، فيحتمل أن تكون هذه الفرق داخلة في جملة ~~المنافقين، ويحتمل أن تكون متباينة و { نغرينك } معناه: نحضك عليهم بعد ~~تعيينهم لك. في البخاري: وقال ابن عباس: { لنغرينك }: لنسلطنك. ~~انتهى. # وقوله تعالى: { ثم لا يجاورونك } أي: بعد الإغراء لأنك ~~تنفيهم بالإخافة والقتل. # وقوله: { إلا قليلا } يحتمل: أن يريد إلا جوارا قليلا، أو ~~وقتا قليلا، أو عددا قليلا، كأنه قال: إلا أقلاء، و { ثقفوا }: ~~معناه: حصروا وقدر عليهم و { أخذوا }: معناه: أسروا ~~والأخيذ الأسير: { والذين خلوا } هم منافقوا الأمم، وباقي ~~الآية متضح المعنى. و { السبيلا }: مفعول ثان ؛ ~~لأن { أضل } متعد بالهمزة، وهي سبيل الإيمان والهدى، { ~~والذين ءاذوا موسى }: هم قوم من بني إسرائيل. قال ابن ~~عباس وأبو هريرة وجماعة: الإشارة إلى ما تضمنه حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " من أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، وكان ~~موسى ms1115 عليه السلام رجلا ستيرا حييا، لا يكاد يرى ~~من جسده شيء؛ فقالوا: والله، ما يمنع موسى أن ~~يغتسل معنا إلا أنه آدر أو به برص، فذهب ~~يغتسل؛ فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر ~~بثوبه، فلج موسى في إثره يقول: ثوبي حجر، ~~ثوبي حجر، فمر بهم فنظروا إليه؛ فقالوا: ~~والله، ما بموسى من بأس " # الحديث خرجه البخاري وغيره، وقيل في إذايتهم غير هذا. { ~~فبرأه الله مما قالوا } والوجيه: المكرم الوجه، ~~والقول السديد: يعم جميع الخيرات وقال عكرمة: أراد «لا إله ~~إلا الله» وباقي الآية بين. ### || [33.72-73] # وقوله سبحانه: { إنا عرضنا الأمانة على السموات ~~والأرض... } الآية، ذهب الجمهور: إلى أن الأمانة كل شيء يؤتمن ~~الإنسان عليه من أمر؛ ونهي وشأن دين ودنيا؛ فالشرع كله أمانة؛ ومعنى ~~الآية: إنا عرضنا على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر ~~والنواهي ولها الثواب إن أحسنت، والعقاب إن أساءت فأبت هذه ~~المخلوقات وأشفقت، فيحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها ~~ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، ~~وحمل الإنسان الأمانة، أي: التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ~~ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه؛ وهذا هو تأويل ابن عباس ~~وابن جبير. قال ابن عباس وأصحابه: و { الإنسن } آدم تحمل ~~الأمانة؛ فما تم له يوم حتى وقع في أمر الشجرة. ~~وقال بعضهم: { الإنسن }: النوع كله؛ فعلى تأويل الجمهور يكون ~~قولهما في الآية الأخرى { أتينا طائعين } إجابة لأمر أمرت ~~به وتكون هذه الآية إباية وإشفاقا من أمر عرض عليها ~~وخيرت فيه. # وقوله تعالى: { ليعذب }: اللام لام العاقبة، وكذا قال أبو ~~حيان: اللام في { ليعذب }: للصيرورة؛ لأنه لم يحمل ~~الأمانة ليعذب، ولكن آل أمره إلى ذلك. # * ص *: أبو البقاء: اللام تتعلق ب: { حملها } وقرأ الأعمش: ~~«ويتوب» بالرفع على الاستئناف، والله أعلم. انتهى. وباقي ~~الآية بين. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي له ما في السموات ~~وما في الأرض } الألف واللام في { الحمد }: لاستغراق جنس ~~المحامد، أي: الحمد على تنوعه هو لله تعالى من ms1116 جميع ~~جهات الفكرة، { ويلج } معناه: يدخل، و { يعرج } معناه: يصعد. ### || [34.3-11] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } ~~روي: أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، واللام ~~من قوله: { ليجزي } يصح أن تكون متعلقة بقوله: { ~~لتأتينكم } و { الذين } معطوف على { الذين } ~~الأولى، أي: وليجزي الذين سعوا و { معجزين } معناه: ~~محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، ثم أخبر تعالى ~~بأن الذين أوتوا العلم يرون الوحي المنزل على ~~محمد عليه السلام حقا، والذين أوتوا العلم قيل: هم ~~من أسلم من أهل الكتاب، وقال قتادة: هم أمة ~~محمد المؤمنون به، ثم حكى الله تعالى عن ~~الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب ~~والهزء واستبعاد البعث، هل ندلكم على رجل؛ ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { ينبئكم إذا مزقتم ~~كل ممزق } بالبلى وتقطع الأوصال في القبور ~~وغيرها و { جديد } بمعنى مجدد، وقولهم: { أفترى على ~~الله كذبا } هو أيضا من قول بعضهم لبعض، ثم ~~أضرب عن قولهم؛ فقال: { بل الذين لا يؤمنون ~~بالأخرة في العذاب }: يريد عذاب الآخرة؛ لأنهم ~~صائرون إليه، ويحتمل أن يريد عذاب الدنيا أيضا، ~~والضمير في قوله: { أفلم يروا } لهؤلاء الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وقفهم الله على قدرته، وخوفهم من إحاطتها بهم، ~~والمعنى: أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي، ~~وباقي الآية بين، ثم ذكر الله تعالى نعمته على داود ~~وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا، و { أوبي } ~~معناه: رجعي معه، قال ابن عباس وغيره: معناه: يا جبال ~~سبحي معه، أي: يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي: ~~تردده بالذكر. # وقال مؤرج: { أوبي } سبحي بلغة الحبشة، وقرأ عاصم: ~~«والطير» بالرفع عطفا على لفظ قوله: «يا جبال» وقرأ ~~نافع وابن كثير: «والطير» بالنصب. # قال سيبويه: عطف على موضع قوله: «يا جبال» لأن ~~موضع المنادى المفرد نصب، وقيل: نصبها بإضمار فعل تقديره ~~وسخرنا الطير، { وألنا له الحديد } معناه: ~~جعلناه لينا، وروى قتادة وغيره: أن الحديد ~~كان له كالشمع؛ لا يحتاج في عمله إلى نار، ~~و«السابغات»: الدروع الكاسيات ذوات الفضول. # وقوله تعالى: { وقدر في ms1117 السرد } قال ابن زيد: الذي ~~أمر به هو في قدر الحلقة، أي: لا تعملها صغيرة ~~فتضعف؛ فلا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها ~~كبيرة، فينال لابسها من خلالها. # وقال ابن عباس: التقدير: الذي أمر به هو في المسمار، ~~وذكر البخاري في «صحيحه» ذلك؛ فقال: المعنى: لا ~~تدق المسمار فيتسلل ولا تغلظه فينقصم ~~بالقاف وبالفاء أيضا رواية. # * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { وقدر في السرد } ~~«السرد» متابعة حلق الدرع شيئا بعد شيء حتى يتناسق، ~~يقال: فلان يسرد الحديث سردا، أي: يتابعه. انتهى. ### || [34.12-13] # وقوله تعالى: { ولسليمن الريح } المعنى: ~~ولسليمان سخرنا الريح، و { غدوها شهر ورواحها شهر ~~}. # قال قتادة: معناه: إنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب ~~الزوال؛ مسيرة شهر، وتقطع في الرواح من بعد ~~الزوال إلى الغروب، مسيرة شهر وكان سليمان إذا أراد ~~قوما لم يشعروا حتى يظلهم في جو السماء. وقوله ~~تعالى: { وأسلنا له عين القطر }: # قال ابن عباس، وغيره: كانت تسيل له باليمن عين جارية ~~من نحاس؛ يصنع له منها جميع ما أحب، و { القطر ~~}: النحاس، و { يزغ }: معناه: يمل، أي: ينحرف عاصيا، ~~وقال: { عن أمرنا } ولم يقل: «عن أرادتنا» لأنه لا يقع في ~~العالم شيء يخالف إرادته سبحانه تعالى ويقع ما يخالف الأمر، ~~وقوله: { من عذاب السعير } قيل: عذاب الآخرة. # وقيل: بل كان قد وكل بهن ملك بيده سوط من نار ~~السعير؛ فمن عصى ضربه فأحرقه، و«المحاريب»: ~~الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة: القصور ~~والمساجد والتماثيل، قيل: كانت من زجاج ونحاس ~~تماثيل أشياء ليست بحيوان، «والجوابي»: جمع جابية ~~وهي البركة التي يجبى إليها الماء و { راسيت } ~~معناه: ثابتات لكبرها، ليست مما ينقل أو يحمل ولا ~~يستطيع على عمله إلا الجن، ثم أمروا مع هذه ~~النعم بأن يعملوا بالطاعات، و { شكرا } يحتمل نصبه ~~على الحال، أو على جهة المفعول، أي: اعملوا عملا هو ~~الشكر كأن العبادات كلها هي نفس الشكر، وفي الحديث: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية، ~~ثم قال: # " ثلاث من أوتيهن فقد ms1118 أوتي العمل شكرا: العدل في ~~الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله ~~في السر والعلانية " # ، وهكذا نقل ابن العربي هذا الحديث في «أحكامه» ~~وعبارة الداوودي: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قرأ على المنبر: { اعملوا آل داود شكرا } ، وقال: # " ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل ~~داود: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر ~~والغنى، وذكر الله تعالى في السر والعلانية " # قال القرطبي الشكر تقوى الله والعمل بطاعته ~~انتهى. # قال ثابت: روي أن داود كان قد جزأ ساعات ~~الليل والنهار على أهله؛ فلم تكن تأتي ساعة ~~من ساعات الليل والنهار؛ إلا وإنسان من آل داود ~~قائم يصلي؛ يتناوبون دائما، وكان سليمان ~~عليه السلام فيما روي يأكل الشعير ويطعم ~~أهله الخشكار، ويطعم المساكين الدرمك، وروي ~~أنه ما شبع قط، فقيل له في ذلك؛ فقال: أخاف إن شبعت ~~أن أنسى الجياع. # وقوله تعالى: { وقليل من عبادي الشكور } يحتمل: ~~أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل: أن تكون مخاطبة ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى كل وجه؛ ففيها ~~تحريض وتنبيه، قال ابن عطاء الله في «الحكم»: من ~~لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها ~~فقد قيدها بعقالها. # وقال صاحب «الكلم الفارقية»: لا تغفل عن شكر ~~الصنائع؛ وسرعة استرجاع الودائع، وقال أيضا: يا ~~ميتا نشر من قبر العدم، بحكم الجود والكرم، لا ~~تنس سوالف العهود والذمم، اذكر عهد الإيجاد، ~~وذمة الإحسان والإرفاد، وحال الإصدار والإيراد، ~~وفاتحة المبدإ وخاتمة المعاد، وقال: رحمه الله : ~~يا دائم الغفلة عن عظمة ربه، أين النظر في ~~عجائب صنعه، والتفكر في غرائب حكمته، أين ~~شكر ما أفاض عليك من ملابس إحسانه ونعمه، يا ~~ذا الفطنة، اغتنم نعمة المهلة، وفرصة المكنة، ~~وخلسة السلامة، قبل حلول الحسرة والندامة. ~~انتهى. ### || [34.14] # وقوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت... } الآية. ~~روي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية كلام ~~طويل، حاصله: أن سليمان عليه السلام لما أحس بقرب ~~أجله؛ اجتهد عليه السلام وجد في العبادة؛ ~~وجاءه ملك الموت، ms1119 وأخبره أنه أمر بقبض ~~روحه، وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة. # قال الثعلبي: وقال سليمان عند ذلك: اللهم، عم ~~على الجن موتي؛ حتى يعلم الإنس أن الجن لا ~~يعلمون الغيب, وكانت الجن تخبر الإنس أنهم ~~يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، ~~ولما أعلمه ملك الموت بقرب الأجل؛ أمر ~~حينئذ الجن، فصنعت له قبة من زجاج تشف؛ ~~ودخل فيها يتعبد؛ ولم يجعل لها بابا، وتوكأ ~~على عصاه على وضع يتماسك معه. وإن مات، ثم ~~توفي عليه السلام على تلك الحالة، ~~فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه، والعصا قد ~~أكلتها الأرضة؛ وهي الدودة التي تأكل العود؛ ~~فرأت الجن انخراره فتوهمت موته؛ «والمنسأة»: ~~العصا، وقرأ الجمهور: { تبينت الجن } بإسناد الفعل ~~إليها، أي: بان أمرها، كأنه قال: افتضحت الجن، أي: ~~للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله: { ~~تبينت الجن } بمعنى: علمت الجن وتحققت، ~~ويريد بالجن: جمهورهم؛ والخدمة منهم، ويريد ~~بالضمير في { كانوا }: رؤساءهم وكبارهم لأنهم ~~هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن ~~والإنس. # وقرأ يعقوب: «تبينت الجن» على بناء الفعل للمفعول، ~~أي: تبينها الناس، و { العذاب المهين }: ما هم فيه من ~~الخدمة والتسخير وغير ذلك، والمعنى: أن الجن لو كانت ~~تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان؛ وقد ~~ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة ~~الصعبة، وهو ميت ف { المهين } المذل، من ~~الهوان، وحكى الثعلبي: أن الشياطين قالت للأرضة: ~~لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ~~والشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين؛ فهم ~~ينقلون إليها ذلك حيث كانت شكرا لها انتهى. ### || [34.15-17] # وقوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم ءاية... ~~} الآية، هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم فلم ~~يشكروا؛ فانتقم منهم، أي: فأنتم أيها القوم مثلهم، ~~و«سبأ» هنا يراد به القبيل، واختلف: لم سمي القبيل ~~بذلك فقالت فرقة: هو اسم امرأة. # وقيل: اسم موضع سمي به القبيل، وقال الجمهور: ~~هو اسم رجل، هو أبو القبيل، كله، وفيه حديث ~~فروة بن مسيك المتقدم في «سورة النمل»؛ خرجه ~~الترمذي، ms1120 و { ءاية }: معناه: عبرة وعلامة على فضل ~~الله وقدرته، و { جنتان }: مبتدأ وخبره: { عن يمين ~~وشمال } ، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هي جنتان، ~~وقيل: { جنتان } بدل من { ءاية } وضعف، وروي في ~~قصصهم أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين ~~جبلين، وكانت جنبتا الوادي فواكه وزروعا، وكان قد ~~بني في رأس الوادي عند أول الجبلين؛ جسر عظيم ~~من حجارة من الجبل إلى الجبل، فاحتبس الماء فيه، ~~وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى ~~مرتفعا يسقى جنات كثيرة جنبتي الوادي، قيل: ~~بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل ~~اليمانية كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد عيش، ~~وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن ~~إلى الشام، وكانو أرباب تلك البلاد في ذلك ~~الزمان. # * ت *: وقول * ع *: «وكان قد بني في رأس الوادي ~~عند أول الجبلين» صوابه: وكان قد بني في أسفل ~~الوادي عند آخر الجبلين، و { كلوا }: فيه حذف معناه: ~~قيل لهم: كلوا، و { طيبة } معناه: كريمة التربة حسنة ~~الهواء، وروي أن هذه المقالة؛ من الأمر بالأكل ~~والشكر والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب ~~مع الإيمان به؛ هي من قول الأنبياء لهم، وبعث إليهم ~~فيما روي ثلاثة عشر نبيا فكفروا بهم وأعرضوا؛ ~~فبعث الله على ذلك السد جرذا أعمى؛ توالد فيه؛ ~~وخرقه شيئا بعد شيء؛ فانخرق السد وفاض الماء ~~على أموالهم وجناتهم فغرقها؛ وأهلك كثيرا من ~~الناس ممن لم يمكنه الفرار، واختلف في { العرم ~~}. فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة: هو كل ما ~~بني أو سنم ليمسك الماء، وقال ابن عباس وغيره: ~~{ العرم }: اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان ~~السد بني له، وقال ابن عباس أيضا { العرم } ~~الشديد. # قال * ع *: فكأنه صفة للسيل من العرامة، ~~والإضافة إلى الصفة مبالغة؛ وهي كثيرة في كلام ~~العرب، وقيل: { العرم }: صفة للمطر الشديد الذي كان عنه ~~ذلك السيل. # وقوله تعالى: { وبدلنهم بجنتيهم جنتين } فيه ~~تجوز واستعارة، وذلك أن البدل - من الخمط ~~والأثل - لم يكن جنات؛ لكن هذا كما تقول لمن ~~جرد ثوبا ms1121 جيدا وضرب ظهره: هذا الضرب ثوب ~~صالح لك؛ ونحو هذا، و«الخمط»: شجر الأراك، قاله ابن ~~عباس وغيره، وقيل: «الخمط»: كل شجر له شوك ~~وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حموضة أو نحوه، ~~ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه و«الأثل»: ضرب ~~من الطرفاء، هذا هو الصحيح، و«السدر»: معروف وهو له نبق ~~شبه العناب لكنه دونه في الطعم بكثير، وللخمط ثمر ~~غث هو البرير، وللأثل ثمر قليل الغناء غير حسن ~~الطعم، وقرأ نافع وابن كثير: «أكل»: بضم الهمزة ~~وسكون الكاف ، والباقون: بضمهما وهما بمعنى ~~الجنى والثمرة، ومنه: # تؤتي أكلها كل حين # [سورة إبراهيم:25]. # أي: جناها، وقرأ أبو عمرو: «أكل خمط» بإضافة «أكل» إلى «خمط». # وقوله تعالى: { ذلك } إشارة إلى ما أجراه عليهم. # وقوله: «وهل يجازى»، أي: يناقش ويقارض بمثل فعله قدرا ~~بقدر، لأن جزاء المؤمن إنما هو بتفضل وتضعيف ~~ثواب، وأما الذي لا يزاد ولا ينقض فهو الكافر، ~~وقرأ حمزة والكسائي: «وهل نجازي» بالنون وكسر الزاي ~~ «الكفور» بالنصب . ### || [34.18-19] # وقوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى... } الآية، ~~هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، ~~وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من ~~الجنتين والنعمة الخاصة بهم؛ كان قد أصلح ~~لهم البلاد المتصلة؛ وعمرها وجعلهم أربابها؛ ~~وقدر السير بأن قرب القرى بعضها من بعض؛ حتى ~~كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ~~ويقيل في قرية فلا يحتاج إلى حمل زاد، و { القرى }: ~~المدن، والقرى التي بورك فيها: هي بلاد الشام بإجماع ~~المفسرين، والقرى الظاهرة: هي التي بين الشام ~~ومأرب وهي اسم بلدهم. # قال ابن عباس وغيره: هي قرى عربية بين المدينة والشام ~~واختلف في معنى { ظهرة } فقالت فرقة: معناه: ~~مستعلية مرتفعة في الآكام وهي أشرف القرى، ~~وقالت فرقة: معناه: يظهر بعضها من بعض؛ فهي أبدا ~~في قبضة عين المسافر؛ لا يخلو عن رؤية شيء ~~منها. # قال * ع *: والذي يظهر لي أن معنى { ظهرة } خارجة عن ~~المدن فهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ~~ظواهر المدن؛ والله أعلم، و { ءامنين ms1122 } ، أي: من الخوف ~~والجوع والعطش وآفات السفر، ثم حكى سبحانه ~~عنهم مقالة قالوها على جهة البطر والأشر؛ وهي طلب ~~البعد بين الأسفار كأنهم ملوا النعمة في ~~القرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير، وظلموا أنفسهم ففرق الله شملهم وخرب ~~بلادهم وجعلهم أحاديث؛ ومنه المثل السائر ~~«تفرقوا أيادي سبا وأيدي سبا» يقال المثل ~~بالوجهين؛ وهذا هو تمزيقهم كل ممزق؛ فتيامن ~~منهم ستة قبائل، وتشاءمت منهم أربعة حسبما ~~في الحديث، ثم أخبر تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأمته على جهة التنبيه؛ بأن هذا القصص فيه آيات ~~وعبر مؤمن متصف بالصبر والشكر. ### || [34.20-24] # وقوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه... } ~~الآية، قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر: «ولقد صدق» ~~بتخفيف الدال، وقرأ حمزة والكسائي: «صدق» ~~بتشديدها؛ فالظن على هذه القراءة مفعول «بصدق» ~~ومعنى الآية: أن إبليس ظن فيهم ظنا حيث قال: # ولا تجد أكثرهم شكرين # [الأعراف:17]. # وغير ذلك فصدق ظنه فيهم؛ وأخبر تعالى أنهم ~~اتبعوه وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم ~~كفار. # وقوله: { ممن هو منها في شك } يدل على ذلك و ~~«من» في قوله: { من المؤمنين } لبيان الجنس لا ~~للتبعيض. # وقوله: { وما كان له عليهم من سلطن }. أي: من ~~حجة، قال الحسن: والله ما كان له سيف ولا سوط ~~ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه. # وقوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~} يريد: الأصنام والملائكة؛ وذلك أن منهم من كان ~~يعبد الملائكة؛ وهذه آية تعجيز وإقامة حجة؛ ~~ويروى أن الآية نزلت عند الجوع الذي أصابت ~~قريشا، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة أنهم ~~لا يملكون ملك اختراع مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض؛ وأنهم لا شرك لهم فيهما، وهذان ~~نوعا الملك: إما استبداد وإما مشاركة؛ فنفى ~~جميع ذلك ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في ~~شيء، و «الظهير»: المعين، ثم قرر في الآية بعد أن ~~الذين يظنون أنهم يشعفون لهم عند الله؛ لا ~~تصح منهم شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن ~~الله في ms1123 الشفاعة في كافر، وقرأ حمزة والكسائي وأبو ~~عمرو و«أذن» بضم الهمزة . # وقوله تعالى: { حتى إذا فزع عن قلوبهم... } الآية، ~~الضمير في { قلوبهم } عائد على الملائكة الذين ~~دعوهم آلهة. # قال * ع *: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن هذه الآية أعني قوله: { حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم... } إنما هي في الملائكة؛ إذا سمعت ~~الوحي إلى جبريل، أو الأمر يأمر الله به سمعت ~~كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ~~ذلك تعظيما وهيبة لله تبارك وتعالى وقيل: ~~خوفا أن تقوم الساعة؛ فإذا فرغ ذلك، فزع عن ~~قلوبهم، أي: أطير الفزع عنها وكشف، فيقول ~~بعضهم لبعض ولجبريل: ماذا قال ربكم؟ فيقول ~~المسؤولون: قال الحق، وهو العلي الكبير. # * ت *: ولفظ الحديث من طريق أبي هريرة؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قضى الله أمرا في السماء ضربت الملائكة ~~بأجنحتها خضعانا لقوله: كأنه سلسلة على ~~صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا الحق، وهو العلي الكبير " # انتهى. # وقرأ الجمهور «فزع» بضم الفاء ومعناه ~~أطير الفزع عنهم وقولهم: { وهو العلي الكبير ~~} تمجيد وتحميد، ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على الرازق ~~لهم من السموات والأرض من هو، ثم أمره أن ~~يقتضب الاحتجاج بأن يأتي بجواب السؤال؛ إذ هم ~~في بهتة ووجمة من السؤال؛ وإذ لا جواب لهم إلا ~~أن يقولوا: هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه ~~في غاية الوضوح؛ لأن المحتج يريد أن يقتضب ~~ويتجاوز إلى حجة أخرى بوردها، ونظائرها في ~~القرآن كثير. # وقوله تعالى: { وإنا أو إياكم } تلطف في الدعوة ~~والمحاورة والمعنى: كما تقول لمن خالفك في مسألة ~~أحدنا مخطىء تثبت وتنبه؛ والمفهوم من كلامك ~~أن مخالفك هو المخطىء فكذلك هذا، معناه: وإنا لعلى ~~هدى أو في ضلال مبين؛ وإنكم لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين؛ فتنبهوا، والمقصد أن الضلال في حيزهم؛ ~~وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه. ### || [34.25-30] # وقوله: { قل لا تسئلون } الآية مهادنة ومتاركة ~~منسوخة. # وقوله ms1124 تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا } إخبار ~~بالبعث و { يفتح } معناه: يحكم: والفتاح: القاضي، وهو ~~مشهور في لغة اليمن و { أروني }: هي رؤية قلب، ~~وهذا هو الصحيح، أي: أروني بالحجة والدليل. # وقوله { كلا } رد لما تقرر من مذهبهم في ~~الإشراك. # وقوله تعالى: { وما أرسلنك إلا كافة للناس ~~} الآية: إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى جميع العالم وهي إحدى خصائصه التي ~~خص بها من بين سائر الأنبياء وباقي الآية بين. # قال أبو عبيدة: الوعد والوعيد والميعاد: بمعنى؛ وخولف في ~~هذا، والذي عليه الناس أن الوعد إذا أطلق ففي الخير؛ ~~والوعيد في المكروه؛ والميعاد يقع لهذا ولهذا. ### || [34.31-33] # وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرءان ولا بالذي بين يديه } هذه المقالة قالها ~~بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا ~~بالذي بين يديه من التوراة والإنجيل والزبور، ~~فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله عز وجل ~~وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في ~~التوراة من أمر محمد عليه السلام . # قال الواحدي: قوله تعالى: { يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول } ، أي: في التلاؤم، انتهى. وباقي الآية بين. ~~وقولهم: { بل مكر الليل والنهار } ، المعنى: بل ~~كفرنا بمكركم بنا في الليل والنهار؛ وأضاف المكر إلى ~~الليل والنهار من حيث هو فيهما، ولتدل هذه ~~الإضافة على الدءوب والدوام، والضمير في { أسروا } ~~عام لجميعهم من المستضعفين والمستكبرين. ### || [34.34-37] # وقوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نذير إلا ~~قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كفرون } هذه ~~الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش ~~وقولها، أي: هذه يا محمد سيرة الأمم، فلا ~~يهمنك أمر قومك والقرية: المدينة، والمترف: ~~الغني المنعم القليل تعب النفس والبدن، ~~فعادتهم المبادرة بالتكذيب. # وقوله: { وقالوا نحن أكثر أمولا... } الآية: يحتمل ~~أن يعود الضمير في { قالوا } على المترفين؛ ~~ويحتمل أن يكون لقريش، ويكون كلام المترفين ~~قد تم قبله، وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ms1125 ~~ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " # انتهى. # واعلم أن المال الزائد على قدر الحاجة قل أن ~~يسلم صاحبه من الآفات إلا من عصمه الله تعالى، # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى:27]. # وقد جاء في «صحيح البخاري» وغيره من رواية ~~أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الأكثرون مالا هم الأقلون يوم القيامة إلا ~~من قال بالمال هكذا وهكذا " # وأشار ابن شهاب بين يديه وعن يمينه وعن ~~شماله وقليل ما هم اه. وروى ابن المبارك في ~~«رقائقه» قال: أخبرنا حيوة بن شريح عن عقيل ~~بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الشيطان قال: لن ينجو مني الغني من ~~إحدى ثلاث: إما أن أزين ماله في عينيه ~~فيمنعه من حقه؛ وإما أن أسهل له سبيله ~~فينفقه في غير حقه؛ وإما أن أحببه فيكسبه ~~بغير حقه " # ؛ انتهى. و«الزلفى»: مصدر بمعنى القرب. # وقوله: { إلا من ءامن } استثناء منقطع، وقرأ ~~الجمهور: «جزاء الضعف»، بالإضافة و { الضعف }: هنا اسم ~~جنس، أي: بالتضعيف، إذ بعضهم يجازى إلى عشرة ~~وبعضهم أكثر صاعدا إلى سبع مائة بحسب الأعمال ~~ومشيئة الله فيها. ### || [34.38-43] # وقوله تعالى: { والذين يسعون في ءايتنا معجزين ~~} تقدم تفسيره و { محضرون } من الإحضار والإعداد، ~~ثم كرر القول ببسط الرزق لا على المعنى ~~الأول؛ بل هذا هنا على جهة الوعظ، والتزهيد في ~~الدنيا، والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد ~~بالخلف في ذلك. إما في الدنيا، إما في الآخرة، وفي ~~«البخاري» أن ملكا ينادي كل يوم: اللهم، أعط ~~منفقا خلفا، ويقول ملك آخر: اللهم، أعط ~~ممسكا تلفا. وروى الترمذي عن أبي كبشة ~~الأنصاري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، ~~قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد ~~مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح ~~عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، أو ~~كلمة ms1126 نحوها " # الحديث، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. ~~وقوله تعالى: { ويوم نحشرهم } الآية تقدم ~~تفسير نظيرها مكررا، وفي القرآن آيات يظهر منها ~~أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها؛ ثم قال ~~تعالى: { فاليوم } أي: يقال لمن عبد ومن عبد: ~~«اليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا». ### || [34.44-46] # وقوله تعالى: { ومآ ءاتينهم من كتب ~~يدرسونها... } الآية المعنى: أن هؤلاء الكفرة يقولون ~~بآرائهم في كتاب الله، فيقول بعضهم: سحر، ~~وبعضهم: افتراء، وذلك منهم تسور لا ~~يستندون فيه إلى أثارة علم؛ فإنا ما آتيناهم ~~من كتب يدرسونها؛ وما أرسلنا إليهم قبلك من ندير ~~يباشرهم ويشافههم فيمكنهم أن يسندوا ~~دعواهم إليه. # وقوله تعالى: { وما بلغوا معشار ما ءاتينهم } ~~الضمير في: { بلغوا } يعود على قريش، وفي آتيناهم ~~على الأمم الذين من قبلهم، والمعنى: من القوة ~~والنعم والظهور في الدنيا؛ قاله ابن عباس ~~وقتادة وابن زيد: والمعشار: العشر ولم يأت هذا ~~البناء إلا في العشرة والأربعة، فقالوا: مرباع ~~ومعشار؛ و«النكير» مصدر كالإنكار في المعنى، ~~وكالعزيز في الوزن، و { كيف }: تعظيم للأمر وليست ~~استفهاما مجردا؛ وفي هذا تهديد لقريش، أي: أنهم ~~متعرضون لنكير مثله، ثم أمر تعالى ~~نبيه عليه السلام أن يدعوهم إلى عبادة الله ~~تعالى والنظر في حقيقة نبوته هو، ويعظهم ~~بأمر مقرب للأفهام، فقوله: { بوحدة } معناه: ~~بقضية واحدة إيجازا لكم وتقريبا عليكم وهو ~~أن تقوموا لله، أي: لأجل الله أو لوجه الله مثنى ~~أي: اثنين اثنين متناظرين وفرادى، أي: واحدا واحدا، ~~ثم تتفكروا، هل بصاحبكم، جنة أو هو بريء، من ~~ذلك، والوقف عند أبي حاتم { تتفكروا } فيجيء: { ~~ما بصاحبكم } نفيا مستأنفا، وهو عند سيبويه ~~جواب ما تنزل منزلة القسم؛ وقيل في الآية غير ~~هذا مما هو بعيد من ألفاظها فتعين تركه. ### || [34.47-50] # وقوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~} معنى الآية بين واضح لا يفتقر إلى بيان. # وقوله: { يقذف بالحق } يريد بالوحي وآيات القرآن ~~واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون ~~بآياته وحكمه. # وقوله سبحانه: { قل جاء الحق } يريد ms1127 الشرع ~~بجملته، { وما يبدئ البطل وما يعيد } قالت ~~فرقة: الباطل غير الحق من الكذب والكفر ونحوه، ~~استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه ~~قال: وما يصنع الباطل شيئا. # وقوله: { فبما يوحي } يحتمل أن تكون «ما» بمعنى ~~الذي أو مصدرية. ### || [34.51-54] # وقوله تعالى : { ولو ترى إذ فزعوا... } الآية. قال ~~الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم ~~من القبور في القيامة. # قال * ع *: وهو أرجح الأقوال هما، وأما معنى ~~الآية فهو التعجب من حالهم إذا فزعوا من أخذ ~~الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد ~~{ وأخذوا من مكان قريب } ، أي: أن الأخذ يجيئهم ~~من قرب في طمأنينتهم وبعقبها، بينما الكافر ~~يؤمل ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ ~~من قريب؛ فلا حيلة له ولا روية، و { قالوا آمنا ~~به } الضمير في { به } عائد على الله تعالى ، ~~وقيل: على محمد وشرعه والقرآن وقرأ نافع وعامة ~~القراء: «التناوش» دون همز ومعناه التناول، من ~~قولهم ناش ينوش إذا تناول، وعبارة الواحدي { ~~وأنى لهم التناوش } أي: كيف يتناولون التوبة ~~وقد بعدت عنهم. انتهى. # وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: «التناؤش» بالهمز فيحتمل ~~أن يكون تفسيره كالقراءة الأولى، ويحتمل أن ~~يكون من الطلب؛ تقول: انتأشت الخير إذا طلبته ~~من بعد. # * ت *: وقال البخاري: التناوش الرد من الآخرة إلى ~~الدنيا، انتهى. # { ويقذفون بالغيب } أي: يرجمون بظنونهم ~~ويرمون بها الرسول وكتاب الله، وذلك غيب ~~عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله ~~مجاهد، وقال قتادة: قدفهم بالغيب هو قولهم ~~لا بعث ولا جنة ولا نار. # وقوله سبحانه: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون ~~}. # قال الحسن: معناه من الإيمان والتوبة والرجوع ~~إلى الإنابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه ~~في وقت لا تنفع فيه التوبة وقاله أيضا قتادة؛ ~~وقال مجاهد: معناه: وحيل بينهم وبين نعيم ~~الدنيا. # وقيل: معناه حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها ~~كما فعل بأشياعهم من قبل، والأشياع الفرق ~~المتشابهة، أشياع هؤلاءهم الكفرة من كل ~~أمة. # * ص *: قال أبو حيان: و { مريب } اسم فاعل من ~~أراب، أي: أتى ms1128 بريبة وأربته وأوقعته في ريبة، ~~ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. # قال * ع *: والشك المريب أقوى ما يكون من الشك ~~وأشده إظلاما، انتهى. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-4] # قوله تعالى: { الحمد لله فاطر السموات والأرض ~~جاعل الملئكة رسلا أولي أجنحة... } الآية { ~~رسلا } معناه: بالوحي وغير ذلك من أوامره ~~سبحانه، كجبريل وميكائيل رسل، والملائكة ~~المتعاقبون رسل وغير ذلك، و { مثنى وثلث ~~وربع } ألفاظ معدولة عن اثنين اثنين ~~وثلاثة وأربعة أربعة, عدلت في حالة التنكير ~~فتعرفت بالعدل فهي لا تنصرف للعدل ~~والتعريف، وقيل: للعدل والصفة، وفائدة العدل ~~الدلالة على التكرار لأن مثنى بمنزلة قولك: ~~اثنين اثنين. # قال قتادة: إن أنواع الملائكة هم هكذا منها ~~ما له جناحان؛ ومنها ماله ثلاثة، ومنها ما له ~~أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي: ~~أن لجبريل عليه السلام ست مائة جناح ~~منها اثنان يبلغان من المشرق إلى المغرب. # وقوله تعالى: { يزيد في الخلق ما يشاء } تقرير ~~لما يقع في النفوس من التعجب عند الخبر ~~بالملائكة أولي الأجنحة، أي: ليس هذا ببدع في ~~قدرة الله تعالى، فإنه يزيد في الخلق ما يشاء؟ ~~وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا: المزيد ~~هو حسن الصوت، قال الهيثم الفارسي: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: أنت ~~الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله ~~خيرا. # وقيل: من الأقوال في الزيادة غير هذا وذلك ~~على جهة المثال لا أن المقصد هي فقط. # وقوله تعالى: { ما يفتح الله } { ما } شرط و { ~~يفتح } مجزوم بالشرط. # وقوله: { من رحمة } عام في كل خير يعطيه الله ~~تعالى لعباده. # وقوله: { من بعده } فيه حذف مضاف، أي: من بعد ~~إمساكه ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه ~~من الأموال والمطاعم وغير ذلك «الفتوحات». ### || [35.5-7] # وقوله تعالى: { يأيها الناس } خطاب لقريش ~~وهو متوجه لكل كافر. # وقوله سبحانه: { فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ~~}. # * ت *: هذه الآية معناها بين، قال ابن عطاء الله ~~ينبغي للعبد أن يقلل الدخول في أسباب ~~الدنيا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms1129 # " إن قليل الدنيا يلهي عن كثير الآخرة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما طلعت شمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان: ~~يأيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإن ما قل ~~وكفى خير مما كثر وألهى " # انتهى. من «لطائف المنن» وقرأ جمهور الناس: «الغرور» ~~ بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس. # وقوله: { إن الشيطن لكم عدو } الآية يقوي ~~قراءة الجمهور { فاتخذوه عدوا }. أي: بالمباينة ~~والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع. ### || [35.8-10] # وقوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله فرءاه ~~حسنا } توقيف وجوابه محذوف يمكن أن يقدر ~~كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير ما دل اللفظ ~~بعد عليه؛ وقرأ الجمهور: { فلا تذهب } بفتح ~~التاء والهاء : { نفسك } بالرفع ، وقرأ ~~قتادة وغيره «تذهب» بضم التاء وكسر الهاء ~~ «نفسك» بالنصب ورويت عن نافع والحسرة هم ~~النفس على فوات أمر، وهذه الآية تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم عن كفر قومه، ووجب التسليم لله ~~عز وجل في إضلال من شاء وهداية من شاء. ~~وقوله سبحانه: { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحبا فسقناه إلى بلد ميت } هذه آية احتجاج ~~على الكفرة في إنكارهم البعث من القبور. # وقوله تعالى: { من كان يريد العزة } يحتمل أن ~~يريد: من كان يريد العزة بمغالبة فلله ~~العزة: أي: ليست لغيره ولا تتم إلا به، ونحا ~~إليه مجاهد وقال: من كان يريد العزة بعبادة ~~الأوثان. # قال * ع *: وهذا تمسك بقوله تعالى: # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا # [مريم:81]. # ويحتمل أن يريد: من كان يريد العزة وطريقها ~~القويم ويحب نيلها على وجهها فلله العزة، أي: ~~به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته، ~~ونحا إليه قتادة. # وقوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب } أي: ~~التوحيد، والتحميد، وذكر الله ونحوه. # وقوله تعالى: { والعمل الصلح يرفعه } قيل: المعنى؛ ~~يرفعه الله، وهذا أرجح الأقوال. # وقال ابن عباس وغيره: إن العمل الصالح هو الرافع للكلم، وهذا ~~التأويل إنما يستقيم بأن يتأول على معنى أنه يزيد في رفعه وحسن ~~موقعه. # * ت *: وعن ابن مسعود؛ «قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك في ms1130 ~~كتاب الله سبحانه؛ إن العبد إذا قال: «سبحان الله والحمد لله والله ~~أكبر وتبارك الله» قبض عليهن ملك؛ فضمهن تحت جناحه؛ وصعد بهن ~~لا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجاء بهن ~~وجه الرحمن سبحانه. ثم تلا عبد الله بن مسعود: { إليه يصعد ~~الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه } ». رواه ~~الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد: انتهى من «السلاح». و { ~~يمكرون السيئات } أي: المكرات السيئات. و { يبور } معناه: ~~يفسد ويبقى لا نفع فيه. ### || [35.11-14] # وقوله تعالى: { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم جعلكم أزوجا وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من ~~عمره } الآية. قيل: معنى الأزواج هنا: الأنواع، وقيل: أراد تزويج ~~الرجال النساء، والضمير في { عمره } قال ابن عباس وغيره، ما ~~مقتضاه أنه عائد على { معمر } الذي ههو اسم جنس؛ والمراد غير الذي ~~يعمر، وقال ابن جبير وغيره: بل المراد شخص واحد وعليه يعود الضمير، أي: ~~ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصى ما مضى منه إذا مر حول ~~كتب ما مضى منه، فإذا مر حول آخر كتب ذلك، ثم حول، ثم حول؛ فهذا هو ~~النقص. # قال ابن جبير: فما مضى من عمره؛ فهو النقص وما يستقبل؛ فهو الذي يعمره. # وقوله تعالى: { وما يستوي البحران هذا عذب فرات ~~سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون ~~لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى ~~الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون } تقدم تفسير نظير هذه الآية. # وقوله تعالى: { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى } الآية. الأجل المسمى هو قيام الساعة، وقيل: آماد الليل، ~~وآماد النهار، والقطمير: القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة. وقال ~~الضحاك وغيره: القطمير القمع الذي في رأس التمرة، والأول أشهر ~~وأصوب. ثم بين تعالى بطلان الأصنام بثلاثة أشياء: أولها: أنها لا ~~تسمع إن دعيت، والثاني: أنها لا تجيب إن لو سمعت، وإنما جاء بهذه؛ ~~لأن القائل متعسف أن يقول: عساها تسمع، والثالث: ms1131 أنها تتبرأ يوم ~~القيامة من الكفرة. # وقوله تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير } قال المفسرون: ~~الخبير هنا هو الله سبحانه فهو الخبير الصادق الخبر، ونبأ بهذا؛ ~~فلا شك في وقوعه. ### || [35.15-18] # وقوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى ~~الله } الآية: آية وعظ وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى ~~ في دقائق الأمور وجلائلها؛ لا يستغني عنه طرفة عين؛ وهو ~~به مستغن عن كل أحد، { والله هو الغني الحميد } أي: ~~المحمود بالإطلاق. # وقوله: { بعزيز } أي: بممتنع و { تزر } تحمل، وهذه ~~الآية في الذنوب، وأنثت { وازرة } لأنه ذهب بها مذهب النفس ~~وعلى ذلك أجريت { مثقلة } ، واسم { كان } مضمر تقديره: ولو كان ~~الداعي. ثم أخبر تعالى نبيه أنه إنما ينذر أهل الخشية. ثم حض على ~~التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية. ثم توعد بعد ذلك بقوله: { وإلى ~~الله المصير }. # قال * ع *: وكل عبارة فهي مقصرة عن تفسير هذه الآية، وكذلك كتاب ~~الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في ~~مواضع؛ بحسب تقصيرنا. ### || [35.19-28] # وقوله سبحانه: { وما يستوي الأعمى والبصير } الآية: ~~مضمن هذه الآية الطعن على الكفرة وتمثيلهم بالعمي والظلمات؛ ~~وتمثيل المؤمنين بإزائهم بالبصراء والأنوار. و { الحرور }: ~~شدة الحر. # قال الفراء وغيره: إن السموم يختص بالنهار و { الحرور } يقال ~~في حر الليل وحر النهار. وتأول قوم الظل في هذه الآية ~~الجنة والحرور جهنم وشبه المؤمنين بالأحياء، والكفرة ~~بالأموات؛ من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه. # وقوله سبحانه: { وما أنت بمسمع من في القبور } تمثيل ~~بما يحسه البشر ويعهده جميعا من أن الميت الشخص الذي في ~~القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر، بل تتضمن ~~الأحاديث أن أرواح المؤمنين؛ في شجر عند العرش، وفي قناديل وغير ذلك، ~~وأن أرواح الكفرة في سجين، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند ~~القبور؛ فربما سمعت، وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم؛ فلا ~~تعارض بين الآية وحديث القليب. # وقوله تعالى: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ~~معناه: أن دعوة الله ms1132 تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من ~~لم تباشره النذارة؛ فهو ممن بلغته؛ لأن آدم بعث إلى ~~بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم و { ~~البينات } و { الزبر } و { الكتاب المنير }: شيء واحد؛ لكنه أكد أوصاف ~~بعضها ببعض. # وقوله تعالى: { ومن الجبال جدد... } الآية: جمع «جدة» وهي: ~~الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولا، وحكى أبو ~~عبيدة في بعض كتبه: أنه يقال: جدد في جمع «جديد»، ولا معنى لمدخل ~~الجديد في هذه الآية، وقال الثعلبي: وقيل الجدد القطع؛ جددت ~~الشيء؛ إذا قطعته، انتهى. # وقوله: { وغرابيب سود } لفظان لمعنى واحد، وقدم الوصف ~~الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر، وكذلك هو في المعنى؛ لكن الكلام ~~العرب الفصيح يأتي كثيرا على هذا النحو، والمعنى: ومنها، أي: من ~~الجبال؛ سود غرابيب، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله يبغض الشيخ الغربيب " # ؛ يعني: الذي يخضب بالسواد. { ومن الناس والدواب ~~والأنعم } ، أي: خلق مختلف ألوانه. # وقوله تعالى: { كذلك } يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء ~~الوقف عليه حسنا، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين. ويحتمل أن ~~يكون من الكلام الثاني؛ خرج مخرج السبب كأنه قال: كما جاءت ~~القدرة في هذا كله كذلك { إنما يخشى الله من عباده ~~العلمؤا } ، أي: المحصلون لهذه العبر، الناظرون فيها، وفي الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أعلمكم بالله أشدكم له خشية " # ؛ وقال صلى الله عليه وسلم # " رأس الحكمة مخافة الله ". # وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم، وقال ابن عباس ~~في تفسير هذه الآية: كفى بالزهد علما، ويقال: إن فاتحة الزبور؛ «رأس ~~الحكمة خشية الله»، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما، ~~وبالاغترار به جهلا. # وقال مجاهد والشعبي: إنما العالم من يخشى الله. و { إنما } ~~في هذه الآية تخصيص للعلماء؛ لا للحصر. قال ابن عطاء الله في ~~«الحكم»: العلم النافع هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف ~~به عن القلب قناعه، خير العلم ما كانت ms1133 الخشية معه؛ والعلم إن ~~قارنته الخشية فلك؛ وإلا؛ فعليك. # وقال في «التنوير»: اعلم أن العلم؛ حيث ما تكرر في الكتاب العزيز ~~أو في السنة؛ فإنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية ~~وتكتنفه المخافة: قال تعالى: { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } فبين سبحانه أن الخشية تلازم العلم، ~~وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. انتهى. # قال ابن عباد في «شرح الحكم»: واعلم أن العلم النافع المتفق عليه ~~فيما سلف وخلف؛ إنما هو العلم الذي يؤدي صاحبه إلى الخوف، والخشية، ~~وملازمة التواضع، والذلة، والتخلق بأخلاق الإيمان، إلى ما ~~يتبع ذلك من بغض الدنيا، والزهادة فيها، وإيثار الآخرة ~~عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات ~~العلية والمناحي السنية» انتهى. وهذه المعاني كلها ~~محصلة في كتب الغزالي وغيره؛ رضي الله عن جميعهم، ونفعنا ببركاتهم. # قال صاحب: «الكلم الفارقية والحكم الحقيقية»: العلم النافع ما زهدك ~~في دنياك، ورغبك في أخراك، وزاد في خوفك وتقواك، وبعثك على طاعة ~~مولاك، وصفاك من كدر هواك. وقال رحمه الله : العلوم ~~النافعة ما كانت للهمم رافعة، وللأهواء قامعة، وللشكوك ~~صارفة دافعة. انتهى. ### || [35.29-31] # وقوله تعالى: { إن الذين يتلون كتب الله ~~وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقنهم... } ~~الآية، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء. # قال * ع *: وهذا على أن { يتلون } بمعنى: يقرؤون، وإن جعلناه ~~بمعنى: يتبعون, صح معنى الآية؛ وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف ~~بأوصاف الآية، وكتاب الله هو القرآن، وإقامة الصلاة، أي: بجميع شروطها، ~~والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر و { لن تبور } معناه: لن ~~تكسد. و { يزيدهم من فضله } قالت فرقة: هو تضعيف ~~الحسنات، وقالت فرقة: هو إما النظر إلى وجه الله عز وجل، وإما أن ~~يجعلهم شافعين في غيرهم؛ كما قال: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس:26]. # وقد خرج أبو نعيم بإسناده عن الثوري عن شقيق # " عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ~~ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } " # قال: أجورهم: يدخلهم الجنة، ويزيدهم ms1134 من فضله: الشفاعة لمن وجبت ~~له النار ممن صنع إليه المعروف في الدنيا. وخرج ابن ماجه في ~~«سننه» عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يصف الناس صفوفا ". # وقال ابن نمير: أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل ~~النار على الرجل من أهل الجنة، فيقول: يا ~~فلان، أما تذكر يوم استسقيتني، فسقيتك ~~شربة؟ قال: فسيشفع له. ويمر الرجل على الرجل ~~فيقول: أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع ~~له»، قال ابن نمير: «ويقول: يا فلان؛ أما تذكر يوم ~~بعثتني لحاجة كذا وكذا، فذهبت لك؟ فيشفع له». ~~وخرجه الطحاوي وابن وضاح بمعناه، انتهى من «التذكرة». ### || [35.32-35] # وقوله تعالى: { ثم أورثنا الكتب الذين ~~اصطفينا... } الآية: { أورثنا } معناه: أعطيناه فرقة بعد، ~~موت فرقة و { الكتب } هنا يريد به: معاني الكتاب، وعلمه، ~~وأحكامه، وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم القرآن؛ وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة قبله؛ ~~فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. قال ابن ~~عطاء الله في «التنوير»: قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه ~~الله تعالى : أكرم المؤمنين؛ وإن كانوا عصاة فاسقين، ~~وأمرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم؛ لا ~~تعززا عليهم، فلو كشف عن نور المؤمن العاصي، لطبق السماء ~~والأرض، فما ظنك بنور المؤمن المطبع، ويكفيك في تعظيم المؤمنين ~~وإن كانوا عن الله غافلين قول رب العالمين: { ثم ~~أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرت بإذن الله } فانظر كيف أثبت لهم الاصطفاء ~~مع وجود ظلمهم، واعلم أنه لا بد في مملكته من عباد هم نصيب ~~الحلم، ومحل ظهور الرحمة والمغفرة، ووقوع الشفاعة، انتهى. و { ~~الذين اصطفينا } يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قاله ~~ابن عباس وغيره. و { اصطفينا } معناه: اخترنا وفضلنا، والعباد ~~عام في جميع العالم، واختلف في عود الضمير من قوله: { ~~فمنهم } فقال ابن عباس وغيره؛ ما مقتضاه: أن الضمير عائد على { ~~الذين اصطفينا } وإن الأصناف الثلاثة هي ms1135 كلها في أمة ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فالظالم لنفسه: العاصي المسرف، ~~والمقتصد: متقي الكبائر، وهم جمهور الأمة، والسابق: المتقي على ~~الإطلاق، وقالت هذه الفرقة: الأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد ~~الخدري والضمير في { يدخلونها } عائد على الأصناف الثلاثة، قالت ~~عائشة رضي الله عنها وكعب رضي الله عنه: دخلوها كلهم ورب ~~الكعبة وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ~~ناج. # وقال ابن مسعود: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث: يدخلون الجنة بغير ~~حساب، وثلث: يحاسبون حسابا يسيرا؛ ثم يدخلون الجنة، وثلث: يجيئون بذنوب ~~عظام؛ فيقول الله عز وجل : ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم ~~فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا؛ فيقول عز وجل ~~أدخلوهم في سعة رحمتي. # " وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية وقال: «كلهم في الجنة» " # وقرأ عمر هذه الآية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " # ؛ وقال عكرمة والحسن وقتادة؛ ما مقتضاه: أن الضمير في { منهم } عائد ~~على العباد فالظالم لنفسه: الكافر، والمقتصد: المؤمن العاصي، ~~والسابق: التقي على الإطلاق. وقالوا هذه الآية نظير قوله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلثة # [الواقعة:7] الآية. # والضمير في { يدخلونها } على هذا التأويل خاص بالمقتصد ~~والسابق، وباقي الآية بين، و { الحزن } في هذه الآية عام في جميع ~~أنواع الأحزان وقولهم: { إن ربنا لغفور شكور } وصفوه ~~سبحانه بأنه يغفر الذنوب، ويجازي على القليل من الأعمال بالكثير من ~~الثواب، وهذا هو شكره. لا رب سواه، و { دار المقامة }: الجنة، ~~و { المقامة }: الإقامة و«النصب»: تعب البدن و«اللغوب»: ~~تعب النفس اللازم عن تعب البدن. ### || [35.36-41] # وقوله سبحانه: { والذين كفروا لهم نار جهنم } هذه ~~الآية تؤيد التأويل الأول من أن الثلاثة الأصناف هي كلها ~~في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد ها هنا. # وقوله: { لا يقضى عليهم } أي لا يجهز عليهم. # وقولهم: { ربنا أخرجنا } أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على ~~جهة التوبيخ: { أو لم نعمركم } الآية. واختلف في ms1136 المدة ~~التي هي حد للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغ، يريد أنه أول ~~حال التذكر. وقال ابن عباس أربعون سنة؛ وهذا قول حسن؛ ورويت فيه آثار. ~~وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب؛ مسح الشيطان على وجهه، ~~وقال: بأبي وجه لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث. # * ت *: وفي البخاري: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه؛ لقوله: { ~~أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجاءكم النذير } يعني: الشيب. ثم أسند عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " أعذر الله امرأ أخر أجله حتى بلغ ستين ~~سنة " # انتهى. و { النذير } في قول الجمهور: الأنبياء. قال الطبري: وقيل: ~~النذير: الشيب، وهذا أيضا قول حسن. # وقوله: { فعليه كفره } أي وبال كفره و«المقت»: احتقارك ~~الإنسان من أجل معصيته، والخسار: مصدر خسر يخسر، ~~و { أرءيتم } ، تتنزل عند سيبويه منزلة أخبروني، ولذلك لا تحتاج ~~إلى مفعولين، والرؤية في قوله { أروني } رؤية بصر. # * ت *: قال ابن هشام: قوله { من الأرض } ، «من»: مرادفة «في». ثم ~~قال: والظاهر أنها لبيان الجنس، مثلها: # ما ننسخ من ءاية # [البقرة:106] الآية.انتهى. ثم أضرب سبحانه عنهم بقوله: { بل إن ~~يعد } أي: بل إنما يعدون أنفسهم غرورا. # وقوله: { أن تزولا } أي: لئلا تزولا, ومعنى الزوال هنا: التنقل من ~~مكانها، والسقوط من علوها. وعن ابن مسعود أن السماء لا ~~تدور وإنما تجري فيها الكواكب. # وقوله تعالى: { ولئن زالتا } قيل: أراد يوم القيامة. وقوله تعالى: ~~{ إن أمسكهما من أحد من بعده } أي: من بعد تركه ~~الإمساك. # قال * ص *: { إن أمسكهما }: أن: نافية بمعنى، ما وأمسك: جواب ~~القسم المقدر قبل اللام الموطئة في { لئن } ، وهو بمعنى: يمسك؛ ~~لدخول أن الشرطية؛ كقوله تعالى: # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب بكل ءاية ما ~~تبعوا قبلتك # [البقرة:145] أي: ما يتبعون وكقوله: # ولئن أرسلنا ريحا # [الروم:51] إلى قوله: # لظلوا من بعده # [الروم:51] أي: ليظلون، وحذف جواب إن في هذه المواضع لدلالة جواب ~~القسم عليه. # وقوله: { من إحدى } { من }: زائدة لتأكيد الاستغراق انتهى. ### || [35.42-45] # وقوله تعالى: ms1137 { وأقسموا بالله } يعني: قريشا { لئن ~~جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } وذلك ~~أنه روي: أن كفار قريش كانت قبل الإسلام تنكر على اليهود ~~والنصارى، وتأخذ عليهم في تكذيب بعضهم بعضا وتقول: لو جاءنا نحن ~~رسول لكنا أهدى من هؤلاء، و { إحدى الأمم }: يريدون: ~~اليهود والنصارى، { فلما جاءهم نذير } وهو: محمد صلى الله ~~عليه وسلم { ما زادهم إلا نفورا } وقرأ ابن مسعود: و«مكرا ~~سيئا»، و { يحيق }: معناه: يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل إلا في ~~المكروه و { ينظرون } معناه: ينتظرون والسنة: الطريقة والعادة. ~~وقوله: { فلن تجد لسنت الله تبديلا } أي: لتعذيبه ~~الكفرة المكذبين وفي هذا وعيد بين. # وقوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم ~~قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموت ~~ولا في الأرض } لما توعدهم سبحانه بسنة الأولين وقفهم في هذه ~~الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره؛ كديار ثمود ~~ونحوها، و«يعجزه»: معناه: يفوته ويفلته. # وقوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ~~ترك على ظهرها من دابة } الآية: قوله: { من دابة }: ~~مبالغة، والمراد: بنو آدم؛ لأنهم المجاوزن، وقيل: المراد الإنس ~~والجن، وقيل: المراد: كل ما دب من الحيوان وأكثره إنما هو ~~لمنفعة ابن آدم، وبسببه، والضمير في: { ظهرها } عائد على ~~الأرض والأجل المسمى القيامة. # وقوله تعالى: { فإن الله كان بعباده بصيرا }: وعيد, ~~وفيه للمتقين وعد, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~تسليما والحمد لله على ما أنعم به. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-7] # قوله عز وجل: { يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن ~~المرسلين } قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة، ويختص هذا ~~الموضع بأقوال، منها: أن ابن جبير قال: يس اسم من أسماء محمد ~~ عليه السلام وقال ابن عباس: معناه: يا إنسان، بالحبشية. # وقال أيضا: هو بلغة طيىء، وقال قتادة: «يس» قسم و«الصراط» ~~الطريق، والمعنى: إنك على طريق هدى بين ومهيع رشاد، واختلف ~~المفسرون في قوله تعالى: { ما أنذر ءابآؤهم } فقال عكرمة: ~~«ما» ms1138 بمعنى: الذي، والتقدير: الشيء الذي أنذر آباؤهم من النار ~~والعذاب، ويحتمل أن تكون «ما» مصدرية على هذا القول، ويكون الآباء ~~هم الأقدمون على مر الدهر. # وقوله: { فهم } مع هذا التأويل بمعنى: فإنهم، دخلت الفاء لقطع ~~الجملة من الجملة، وقال قتادة: «ما» نافية، فالآباء على هذا هم ~~الأقربون منهم، وهذه الآية كقوله تعالى: # وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير # [سبأ:44] وهذه النذارة المنفية: هي نذارة المباشرة، كما ~~قدمنا، و { حق القول } ، معناه: وجب العذاب وسبق ~~القضاء به، وهذا فيمن لم يؤمن من قريش كمن قتل ببدر، ~~وغيرهم. ### || [36.8-10] # وقوله تعالى: { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } ~~الآية. # قال مكي: قيل: هي حقيقة في الآخرة إذا دخلوا النار. # وقال ابن عباس وغيره: الآية استعارة لحال الكفرة الذين أرادوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسوء، فجعل الله هذه مثلا لهم في ~~كفه إياهم عنه ومنعهم من إذايته حين بيتوه. # وقالت فرقة: الآية مستعارة المعاني من منع الله تعالى ~~إياهم من الإيمان، وحوله بينهم وبينه، وهذا أرجح ~~الأقوال، و«الغل»: ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف ~~والتضييق والتعذيب. # وقوله: { فهى } يحتمل أن تعود على الأغلال، أي: هي عريضة ~~تبلغ بحرفها الأذقان، والذقن: مجتمع اللحيين، ~~فيضطر المغلول إلى رفع وجهه نحو السماء، وذلك هو الإقماح، وهو ~~نحو الإقناع في الهيئة. # قال قتادة: المقمح: الرافع رأسه، ويحتمل: وهو قول الطبري أن تعود ~~(هي) على الأيدي؛ وذلك أن الغل إنما يكون في العنق مع ~~اليدين، وروي أن في مصحف ابن مسعود وأبي «إنا جعلنا في ~~أيمانهم» وفي بعضها «في أيديهم»، وأرى الناس علي بن أبي ~~طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألصقهما ~~ورفع رأسه، وقرأ الجمهور: «سدا» بضم السين في ~~الموضعين ، وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما (سدا) بفتح السين ~~، فقيل: هما بمعنى، أي: حائلا يسد طريقهم، وقال عكرمة: ما ~~كان مما يفعله البشر فهو بالضم، وما كان خلقة فهو ~~بالفتح، ومعنى الآية: أن طريق الهدى سد دونهم. ### || [36.11-12] # وقوله تعالى: { إنما تنذر من اتبع الذكر... } الآية، ~~«إنما» ليست للحصر هنا؛ ms1139 بل هي على جهة تخصيص من ينفعه الإنذار، ~~«واتباع الذكر» هو العمل بما في كتاب الله والاقتداء به. قال ~~قتادة: الذكر: القرآن. # وقوله: { بالغيب } ، أي: بالخلوات عند مغيب الإنسان عن ~~أعين البشر. ثم أخبر تعالى بإحيائه الموتى ردا على ~~الكفرة، ثم توعدهم بذكر كتب الآثار وإحصاء كل شيء، ~~وكل ما يصنعه الإنسان فيدخل فيما قدم، ويدخل في ~~آثاره، لكنه سبحانه؛ ذكر الأمر من الجهتين؛ ولينبه على الآثار ~~التي تبقى، وتذكر بعد الإنسان من خير وشر. # وقال جابر بن عبد الله وأبو سعيد: إن هذه الآية نزلت في بني ~~سلمة؛ على ما تقدم، وقول النبي عليه السلام لهم: # " دياركم تكتب آثاركم " # والإمام المبين: قال قتادة وابن زيد: هو اللوح المحفوظ، وقالت ~~فرقة: أراد صحف الأعمال. ### || [36.13-27] # وقوله تعالى: { واضرب لهم مثلا أصحب القرية... } ~~الآية، روي عن ابن عباس والزهري وعكرمة: أن القرية هنا هي ~~أنطاكية، واختلف في هؤلاء المرسلين؛ فقال قتادة وغيره: كانوا ~~من الحواريين الذين بعثهم عيسى حين رفع، وصلب الذي ألقي ~~عليه شبهه، فتفرق الحواريون في الآفاق، فقص الله ~~ تعالى هنا قصة الذين نهضوا إلى أنطاكية. # وقالت فرقة: بل هؤلاء أنبياء من قبل الله عز وجل. # قال * ع *: وهذا يرجحه قول الكفرة { ما أنتم إلا ~~بشر مثلنا } فإنها محاورة إنما تقال لمن ادعى الرسالة من ~~الله تعالى، والآخر محتمل، وذكر المفسرون في قصص الآية ~~أشياء يطول ذكرها والصحة فيها غير متيقنة، ~~فاختصرته واللازم من الآية أن الله تعالى بعث ~~إليها رسولين، فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله ~~وتوحيده، فكذبوهما فشدد الله أمرهما بثالث، وقامت الحجة ~~على أهل القرية، وآمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، وقتلوه في آخر أمره ~~وكفروا، وأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا، وقرأ الجمهور: ~~«فعززنا» بشد الزاي، على معنى: قوينا. وشددنا؛ وبهذا ~~فسره مجاهد وغيره، وهذه الأمة أنكرت النبوات بقولها: { وما ~~أنزل الرحمن من شىء } قال بعض المتأولين: لما كذب ~~أهل القرية المرسلين أسرع فيهم الجذام. # وقال مقاتل: احتبس عنهم المطر؛ فلذلك قالوا: { إنا تطيرنا ~~بكم } ، أي: ms1140 تشاءمنا بكم، والأظهر أن تطير هؤلاء إنما ~~كان بسبب ما دخل قريتهم من اختلاف كلمتهم ~~وافتتان الناس. # وقوله: { أئن ذكرتم } جوابه محذوف، أي: تطيرتم، قاله أبو ~~حيان وغيره، انتهى، وقولهم عليهم السلام ، { طئركم ~~معكم } ، معناه: حظكم وما صار لكم من خير وشر معكم ~~أي: من أفعالكم ومن تكسباتكم، ليس هو من أجلنا، وقرأ ~~حمزة والكسائي وابن عامر: «أإن ذكرتم» بهمزتين؛ الثانية ~~مكسورة. وقرأ نافع وغيره بتسهيل الثانية، وردها ياء: «أين ~~ذكرتم». وأخبر تعالى عن حال رجل جاء من أقصى المدينة يسعى؛ ~~سمع المرسلين وفهم عن الله تعالى، فدعا عند ذلك قومه ~~إلى اتباعهم والإيمان بهم، إذ هو الحق. فروي عن ابن عباس ~~وغيره، أن اسم هذا الرجل حبيب، وكان نجارا وكان فيما قال وهب ~~بن منبه: قد تجذم. # وقيل: كان في غار يعبد ربه فقال: { يقوم اتبعوا ~~المرسلين... } الآية، وذكر الناس في أسماء الرسل: صادق، ~~وصدوق، وشلوم، وغير هذا، والله أعلم بصحته، واختلف ~~المفسرون في قوله { فاسمعون } فقال ابن عباس وغيره: خاطب بها ~~قومه، أي: على جهة المبالغة والتنبيه. # وقيل: خاطب بها الرسل على جهة الاستشهاد بهم والاستحفاظ ~~للأمر عندهم. # قال * ع *: وهنا محذوف تواترت به الأحاديث والروايات وهم ~~أنهم قتلوه فقيل له عند موته: { ادخل الجنة } فلما ~~أقر الله عينه بما رأى من الكرامة قال: { يليت ~~قومى يعلمون. # .. } الآية، قيل: أراد بذلك الإشفاق والنصح لهم أي: لو علموا ~~ذلك، لآمنوا بالله تعالى، وقيل: أراد أن يعلموا ذلك فيندموا ~~على فعلهم به، وبخزيهم ذلك، وهذا موجود في جبلة البشر إذا نال ~~الشخص عزا وخيرا في أرض غربة ود أن يعلم ذلك جيرانه ~~وأترابه الذين نشأ فيهم، كما قيل: [السريع] # العز مطلوب وملتمس # وأحبه ما نيل في الوطن # قال * ع *: والتأويل الأول أشبه بهذا العبد الصالح؛ وفي ذلك قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " نصح قومه حيا وميتا " # ؛ وقال قتادة: نصحهم على حالة الغضب والرضا وكذلك لا ~~تجد المؤمن إلا ناصحا للناس. ### || [36.28-32] # وقوله تعالى: { وما أنزلنا على قومه من بعده ms1141 من ~~جند... } الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم فيها توعد ~~لقريش وتحذير أن ينزل بهم من العذاب ما نزل بقوم ~~حبيب النجار. # قال مجاهد: لم ينزل الله عليهم من جند أراد أنه لم يرسل ~~إليهم رسولا ولا استعتبهم، قال قتادة: والله، ما عاتب ~~الله قومه بعد قتله حتى أهلكهم. # وقال ابن مسعود: أراد: لم يحتج في تعذيبهم إلى جند، بل ~~كانت صيحة واحدة؛ لأنهم كانوا أيسر وأهون من ذلك، ~~واختلف في قوله تعالى: { وما كنا منزلين } فقالت فرقة: ~~«ما» نافية، وقالت فرقة: «ما» عطف على جند، أي: من جند ومن الذي ~~كنا منزلين على الأمم مثلهم قبل ذلك، و«خامدون» أي: ساكنون ~~موتى. # وقوله تعالى: { يحسرة } الحسرة التلهف: وذلك أن طباع كل ~~بشر توجب عند سماع حالهم وعذابهم على الكفر ~~وتضييعهم أمر الله، أن يشفق ويتحسر على العباد، ~~وقال الثعلبي: قال الضحاك: إنها حسرة الملائكة على العباد ~~في تكذيبهم الرسل، وقال ابن عباس: حلوا محل من يتحسر ~~عليه، انتهى. وقرأ الأعرج وأبو الزناد ومسلم بن جندب: (يا حسره) ~~بالوقف على الهاء وهو أبلغ في معنى التحسر والتشفيق وهز ~~النفس. # وقوله تعالى: { ما يأتيهم من رسول... } الآية، تمثيل ~~لفعل قريش؛ وإياهم عنى بقوله: { ألم يروا كم ~~أهلكنا } ، وقرأ جمهور الناس «لما جميع» بتخفيف الميم ، ~~وذلك على زيادة «ما» للتأكيد والمعنى: لجميع، وقرأ عاصم والحسن ~~وابن جبير (لما) بشد الميم ، قالوا: هي بمنزلة «إلا» و { ~~محضرون } قال قتادة: محشرون يوم القيامة. ### || [36.33-36] # وقوله تعالى: { وءاية لهم الأرض الميتة ~~أحيينها... } الآية، و { ءاية }: معناه وعلامة على الحشر ~~وبعث الأجساد، والضمير في (لهم) لكفار قريش، والضمير في ~~(ثمره) قيل هو عائد على الماء الذي تضمنه ذكر العيون، ~~وقيل: هو عائد على جميع ما تقدم مجملا: كأنه قال: من ~~ثمر ما ذكرنا «وما» في قوله: { وما عملته أيديهم } ~~قال الطبري: هي اسم معطوف على الثمر، أي: يقع الأكل من الثمر، ومما ~~عملته الأيدي بالغرس والزراعة ونحوه. # وقالت فرقة: هي مصدرية وقيل: هي نافية، والتقدير أنهم ms1142 يأكلون من ثمره ~~وهو شيء لم تعمله أيديهم؛ بل هي نعمة من الله تعالى ~~عليهم، والأزواج: الأنواع من جميع الأشياء. # وقوله: { ومما لا يعلمون } نظير قوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل:8]. ### || [36.37-40] # وقوله تعالى: { وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار ~~} هذه الآيات جعلها الله عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية ~~له، و { نسلخ } معناه نكشط ونقشر: فهي استعارة. # قلت: قال الهروي: قوله تعالى: { وءاية لهم اليل نسلخ ~~منه النهار } أي: نخرجه منه إخراجا لا يبقى من ضوء النهار ~~معه شيء، انتهى. و { مظلمون } داخلون في الظلام، ومستقر ~~الشمس: على ما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي ~~ذر، # " بين يدي العرش تسجد فيه كل ليلة بعد ~~غروبها " # وهو في البخاري؛ وفي حديث آخر # " أنها تسجد في عين حمئة " # و { منازل } منصوب على الظرف وهي المنازل المعروفة عند ~~العرب، وهي ثمانية وعشرون منزلة يقطع القمر منها كل ~~ليلة منزلة، وعودته هي استهلاله رقيقا وحينئذ يشبه ~~العرجون، وهو الغصن من النخلة الذي فيه شماريخ ~~التمر، فإنه ينحني ويصفر إذا قدم، ويجيء أشبه ~~شيء بالهلال؛ قاله الحسن، والوجود يشهد له، و { القديم } ~~معناه: العتيق الذي قد مر عليه زمن طويل، و { ~~ينبغى } هنا مستعملة فيما لا يمكن خلافه؛ لأنها لا ~~قدرة لها على غير ذلك، وال«فلك» فيما روي عن ابن ~~عباس متحرك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع ~~الكواكب و { يسبحون } معناه: يجرون ويعومون. ### || [36.41-46] # وقوله تعالى: { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم فى ~~الفلك } الآية، ذكر الذرية لضعفهم عن السفر، فالنعمة فيهم ~~أمكن، والضمير المتصل بالذريات، هو ضمير الجنس، كأنه قال: ذريات ~~جنسهم أو نوعهم؛ هذا أصح ما يتجه في هذا. # وأما معنى الآية؛ فقال ابن عباس وجماعة: يريد بالذريات المحمولين ~~أصحاب نوح في السفينة، ويريد بقوله: { من مثله } السفن ~~الموجودة في جنس بني آدم إلى يوم القيامة، وإياها أراد بقوله: { ~~وإن نشأ نغرقهم } ، وقال مجاهد وغيره: المراد بقوله: { ~~أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون }: السفن ~~الموجودة في ms1143 بني آدم إلى يوم القيامة، ويريد بقوله: { وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون } الإبل وسائر ما يركب؛ ~~فتكون المماثلة في أنه مركوب مبلغ إلى الأقطار فقط، ويعود قوله: ~~{ وإن نشأ نغرقهم } على السفن الموجودة في الناس، ~~والصريخ؛ هنا بمعنى المصرخ المغيث. # وقوله تعالى: { إلا رحمة منا } قال الكسائي: نصب { ~~رحمة } على الاستثناء، كأنه قال: إلا أن نرحمهم. # وقوله: { إلى حين } يريد إلى آجالهم المضروبة لهم، ثم ابتدأ ~~الإخبار عن عتو قريش بقوله: { وإذا قيل لهم اتقوا ~~ما بين أيديكم } قال قتادة ومقاتل: ما بين أيديهم: هو عذاب ~~الأمم الذي قد سبقهم في الزمن؛ وهذا هو النظر الجيد: وقال الحسن: ~~خوفوا بما مضى من ذنوبهم؛ وبما يأتي منها، قال * ع *: وهذا نحو ~~الأول في المعنى. ### || [36.47-50] # وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم ~~الله... } الآية، الضمير في قوله { لهم } لقريش؛ وسبب الآية أن ~~الكفار لما أسلم حواشيهم من الموالي وغيرهم، والمستضعفين، ~~قطعوا عنهم نفقاتهم وصلاتهم، وكان الأمر بمكة أولا فيه بعض ~~الاتصال في وقت نزول آيات الموادعة، فندب أولئك المؤمنون ~~قراباتهم من الكفار، إلى أن يصلوهم وينفقوا عليهم، ~~مما رزقهم الله؛ فقالوا عند ذلك: { أنطعم من لو ~~يشاء الله أطعمه }. # وقالت فرقة: سبب الآية أن قريشا شحت بسبب أزمة على ~~المساكين جميعا مؤمن وغير مؤمن، فندبهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى النفقة على المساكين، وقولهم يحتمل معنيين: # أحدهما يخرج على اختيار لجهال العرب، فقد روي أن ~~أعرابيا كان يرعى إبله فيجعل السمان في الخصب، ~~والمهازيل في المكان الجدب، فقيل له في ذلك؛ فقال: أكرم ما ~~أكرم الله وأهين ما أهان الله، فيخرج قول قريش على هذا ~~المعنى، ومن أمثالهم: «كن مع الله على المدبر». # والتأويل الثاني: أن يكون كلامهم بمعنى الاستهزاء بقول محمد ~~عليه السلام إن ثم إلها هو الرزاق، فكأنهم قالوا: لم لا ~~يرزقهم إلهك الذي تزعم، أي: نحن لا نطعم من لو يشاء هذا الإله ~~الذي زعمت، لأطعمه. # وقوله تعالى: { إن أنتم إلا فى ضلل مبين } يحتمل ms1144 ~~أن يكون من قول الكفرة للمؤمنين، أي: في أمركم لنا بالنفقة؛ وفي ~~غير ذلك من دينكم، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى للكفرة. ~~وقولهم: { متى هذا الوعد } أي: متى يوم القيامة. # وقيل: أرادوا: متى هذا العذاب الذي تتهددنا به، و { ما ~~ينظرون } أي: ينتظرون، و«ما» نافية، وهذه الصيحة هي صيحة ~~القيامة؛ وهي النفخة الأولى، وفي حديث أبي هريرة أن بعدها ~~نفخة الصعق، ثم نفخة الحشر، وهي التي تدوم؛ فما لها ~~من فواق، وأصل { يخصمون }: يختصمون، والمعنى: وهم ~~يتحاورون ويتراجعون الأقوال بينهم، وفي مصحف أبي ~~بن كعب «يختصمون»، { ولا إلى أهلهم يرجعون }؛ لإعجال ~~الأمر، بل تفيض أنفسهم؛ حيث ما أخذتهم الصيحة. ### || [36.51-54] # وقوله سبحانه: { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ~~إلى ربهم ينسلون }: هذه نفخة البعث، والأجداث: ~~القبور، و { ينسلون } أي يمشون مسرعين. وفي قراءة ابن ~~مسعود: «من أهبنا من مرقدنا»، وروي عن أبي بن ~~كعب وغيره: أن جميع البشر ينامون نومة قبل الحشر. # قال * ع *: وهذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في قولهم: { من ~~مرقدنا }: أنها استعارة؛ كما تقول في قتيل: هذا مرقده ~~إلى يوم القيامة. # وقوله: { هذا ما وعد الرحمن } جوز الزجاج أن يكون ~~«هذا» إشارة إلى المرقد، ثم استأنف { ما وعد الرحمن } ~~ويضمر الخبر «حق» أو نحوه، وقال الجمهور: ابتداء الكلام: { هذا ~~ما وعد الرحمن } واختلف في هذه المقالة من قالها؟ ~~فقال ابن زيد: هي من قول الكفرة، وقال قتادة ومجاهد: هي من قول ~~المؤمنين للكفار. # وقال الفراء: هي من قول الملائكة، وقالت فرقة: هي من قول ~~الله تعالى على جهة التوبيخ، وباقي الآية بين. ### || [36.55-58] # وقوله تعالى: { إن أصحب الجنة اليوم فى شغل } قال ~~ابن عباس وغيره: هو افتضاض الأبكار. # وقال ابن عباس أيضا: هو سماع الأوتار. # وقال مجاهد: معناه: نعيم قد شغلهم. # قال * ع *: وهذا هو القول الصحيح؛ وتعيين شيء دون شيء لا قياس ~~له. # وقوله سبحانه: { هم وأزوجهم فى ظلل } جاء في «صحيح ~~البخاري» وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سبعة ms1145 يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل ~~قلبه متعلق بالمسجد، ورجلان تحابا في الله، ~~اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ~~ذات منصب وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل ~~تصدق بصدقة؛ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما ~~تنفق يمينه، ورجل ذكر الله تعالى خاليا ~~ففاضت عيناه " # انتهى. وهذا الظل المذكور في الحديث؛ هو في المحشر. # قال الشيخ ابن أبي جمرة (رضي الله عنه): وظلال الآخرة، ما ~~فيها مباح؛ بل كلها قد تملكت بالأعمال التي عملها العاملون الذين ~~هداهم الله تعالى؛ فليس هناك لصعلوك الأعمال ظل، انتهى؛ وهو ~~كما قال، فشمر عن ساق الجد؛ إن أردت الفوز؛ أيها الأخ ~~والسلام. و { الأرائك }: السرر المفروشة، قيل: ومن شرطها أن ~~تكون عليها حجلة وإلا فليست بأريكة؛ وبذلك قيدها ابن ~~عباس وغيره. # وقوله: { ما يدعون } بمنزلة ما يتمنون. # قال أبو عبيدة: العرب تقول: ادع علي ما شئت بمعنى: ~~تمن علي. # وقوله: { سلم } قيل: هي صفة، أي: مسلم لهم، وخالص، ~~وقيل: هو مبتدأ، وقيل: هو خبر مبتدإ. ### || [36.59-65] # وقوله تعالى: { وامتازوا اليوم } فيه حذف تقديره؛ ونقول ~~للكفرة، «وامتازوا» معناه: انفصلوا وانحجزوا؛ لأن العالم في ~~الموقف إنما هم مختلطون. قلت: وهذا يحتاج إلى سند صحيح، وفي ~~الكلام إجمال، ويوم القيامة هو مواطن، ثم خاطبهم تعالى لما ~~تميزوا، توبيخا وتوقيفا على عهده إليهم ومخالفتهم له، ~~وعبادة الشيطان هي طاعته والانقياد لإغوائه. # وقوله: { هذا صرط مستقيم } إشارة إلى الشرائع؛ إذ بعث ~~الله آدم إلى ذريته؛ ثم لم تخل الأرض من شريعة إلى ختم ~~الرسالة بسيدنا محمد خاتم النبيين، و«الجبل»: الأمة ~~العظيمة، ثم أخبر سبحانه نبيه محمدا عليه السلام ~~أخبارا تشاركه فيه أمته؛ بقوله: { اليوم نختم على ~~أفوههم } وذلك أن الكفار يجحدون، ويطلبون شهيدا عليهم من ~~أنفسهم؛ حسبما ورد في الحديث الصحيح؛ فعند ذلك يختم الله ~~ تعالى على أفواههم، ويأمر جوارحهم بالشهادة؛ ~~فتشهد. ### || [36.66-69] # وقوله سبحانه { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } ~~الضمير في «أعينهم» لكفار قريش، ومعنى الآية: تبيين ms1146 أنهم ~~في قبضة القدرة، وبمدرج العذاب. # قال الحسن وقتادة: أراد الأعين حقيقة، والمعنى: ~~لأعميناهم؛ فلا يرون كيف يمشون؛ ويؤيد هذا مجانسة ~~المسخ للعمى الحقيقي. # وقوله: { فاستبقوا الصرط } معناه: على الفرض والتقدير، ~~كأنه قال: ولو شئنا لأعميناهم، فاحسب أو قدر ~~أنهم يستبقون الصراط؛ وهو الطريق، فأنى لهم ~~بالإبصار، وقد أعميناهم، وعبارة الثعلبي: وقال ~~الحسن والسدي: ولو نشاء لتركناهم عميا يترددون؛ ~~فكيف يبصرون الطريق حينئذ، انتهى، وقال ابن عباس: أراد: ~~أعين البصائر؛ والمعنى: لو شئنا لحتمنا عليهم ~~بالكفر؛ فلم يهتد منهم أحد أبدا، وبين تعالى في تنكيسه ~~المعمرين، وأن ذلك مما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه، ~~وتنكيسه: تحول خلقه من القوة إلى الضعف؛ ومن الفهم ~~إلى البله، ونحو ذلك. # ثم أخبر تعالى عن حال نبيه محمد عليه السلام رادا على ~~من قال من الكفرة: إنه شاعر وإن القرآن شعر بقوله: { وما ~~علمنه الشعر... } الآية. ### || [36.70-76] # وقوله تعالى: { لينذر من كان حيا } أي: حي القلب ~~والبصيرة، ولم يكن ميتا لكفره؛ وهذه استعارة، قال الضحاك: { ~~من كان حيا } معناه: عاقلا، { ويحق القول } معناه: ~~يحتم العذاب ويجب الخلود. # وقوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا } الآية. مخاطبة ~~لقريش أيضا. # وقوله: { أيدينا } عبارة عن القدرة، والله تعالى منزه ~~عن الجارحة. # وقوله تعالى: { فهم لها ملكون } تنبيه على النعمة. # وقوله: { وهم لهم جند محضرون } أي: يحضرون لهم في ~~الآخرة على معنى التوبيخ والنقمة، وسمى الأصنام جندا؛ ~~إذ هم عدة للنقمة من الكفرة، ثم أنس الله نبيه ~~عليه الصلاة والسلام بقوله: { فلا يحزنك قولهم } ~~وتوعد الكفرة بقوله: { إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون }. ### || [36.77-83] # وقوله تعالى: { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من ~~نطفة } الآية، والصحيح في سبب نزول الآية هو ما رواه ابن ~~وهب عن مالك؛ وقاله ابن إسحاق وغيره أن أبي بن ~~خلف؛ جاء بعظم رميم، ففته في وجه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحياله، وقال: من يحيي هذا يا محمد؛ ولابي هذا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم مقامات ومقالات إلى أن ~~قتله النبي صلى الله ms1147 عليه وسلم بيده يوم أحد؛ طعنه ~~بحربة في عنقه. # وقوله: { ونسى خلقه } يحتمل أن يكون نسيان الذهول، ~~ويحتمل أن يكون نسيان الترك، والرميم: البالي ~~المتفتت، وهو الرفات، ثم دلهم سبحانه على الاعتبار ~~بالنشأة الأولى، ثم عقب تعالى بدليل ثالث في إيجاد النار ~~في العود الأخضر المرتوي ماء، وهذا هو زناد العرب، ~~والنار موجودة في كل عود غير أنها في المتخلخل المفتوح ~~المسام أوجد، وكذلك هو المرخ والعفار، وجمع الضمير جمع ~~من يعقل في قوله: { مثلهم }؛ من حيث إن السموات والأرض ~~متضمنة من يعقل من الملائكة والثقلين؛ هذا تأويل ~~جماعة، وقيل: { مثلهم } عائد على الناس، وباقي الآية بين. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-10] # قوله عز وجل: { والصفت صفا } الآية، أقسم تعالى في هذه ~~الآية بأشياء من مخلوقاته، قال ابن مسعود وغيره: «الصافات» هي ~~الملائكة تصف في السماء في عبادة الله عز وجل. # وقالت فرقة: المراد: صفوف بني آدم في القتال في سبيل الله، قال * ع ~~*: واللفظ يحتمل أن يعم هذه المذكورات كلها، قال مجاهد: ~~«والزاجرات» هي الملائكة تزجر السحاب وغير ذلك من مخلوقات الله ~~تعالى، وقال قتادة: «الزاجرات» هي آيات القرآن، و«التاليات ذكرا» ~~معناه: القارئات، قال مجاهد: أراد الملائكة التي تتلو ذكره، وقال ~~قتادة: أراد بني آدم الذين يتلون كتبه المنزلة وتسبيحه ~~وتكبيره ونحو ذلك، والمقسم عليه: قوله: { إن إلهكم ~~لواحد }. # وقوله: { مارد } قال العراقي: مارد سخط عليه، وهكذا # مريد # [الحج:3] انتهى؛ وهذا لفظه، والملأ الأعلى: أهل السماء ~~الدنيا فما فوقها، وسمي الكل منهم أعلى؛ بالإضافة إلى ملإ ~~الأرض الذي هو أسفل، والضمير في { يسمعون } للشياطين، وقرأ ~~حمزة، وعاصم في رواية حفص: «لا يسمعون»، بشد السين والميم ~~، بمعنى: لا يتسمعون، فينتفي على قراءة الجمهور سماعهم، ~~وإن كانوا يستمعون؛ وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى: # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء:212] { ويقذفون } معناه: يرجمون، والدحور: ~~الإصغار والإهانة، لأن الدحر هو الدفع بعنف، وقال ~~البخاري: { ويقذفون } يرمون و { دحورا } مطردين، ~~وقال ابن عباس: «مدحورا» مطرودا، انتهى، والواصب: الدائم؛ قاله ~~مجاهد وغيره، وقال أبو صالح: الواصب: ms1148 الموجع، ومنه الوصب، ~~والمعنى: هذه الحال هي الغالبة على جميع الشياطين إلا من شذ ~~فخطف خبرا أو نبأ، { فأتبعه شهاب } فأحرقه، ~~والثاقب، النافذ بضوئه وشعاعه المنير؛ قاله قتادة وغيره. ### || [37.11-13] # وقوله تعالى: { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من ~~خلقنآ } أي: فلا يمكنهم أن يقولوا إلا أن خلق من سواهم ~~من الأمم والملائكة، والجن والسموات والأرض والمشارق ~~والمغارب وغير ذلك هو أشد من هؤلاء المخاطبين، وبأن ~~الضمير في { خلقنآ } يراد به ما تقدم ذكره، قال مجاهد وقتادة ~~وغيرهما: ويؤيده ما في مصحف ابن مسعود «أم من عددنا»؛ وكذلك ~~قرأ الأعمش. # وقوله تعالى: { إنا خلقنهم من طين } أي: خلق أصلهم وهو ~~آدم عليه السلام ، واللازب: اللازم: يلزم ما جاوره ~~ويلصق به، وهو الصلصال، { بل عجبت } يا محمد من ~~إعراضهم عن الحق، وقرأ حمزة والكسائي «بل عجبت» بضم التاء ~~؛ وذلك على أن يكون تعالى هو المتعجب ومعنى ذلك من ~~الله تعالى: أنه صفة فعل، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم ~~: # " يعجب الله من الشاب ليست له صبوة " # فإنما هي عبارة عما يظهره الله تعالى في ~~جانب المتعجب منه من التعظيم أو التحقير حتى يصير ~~الناس متعجبين منه، قال الثعلبي: قال الحسين بن الفضل: التعجب ~~من الله إنكار الشيء، وتعظيمه؛ وهو لغة العرب، انتهى. # وقوله: { ويسخرون } أي: وهم يسخرون من نبوتك. ### || [37.14-26] # وقوله: { وإذا رأوا ءاية يستسخرون } يريد بالآية: ~~العلامة والدلالة، وروي أنها نزلت في ركانة وهو رجل من ~~المشركين من أهل مكة؛ لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في جبل ~~خال وهو يرعى غنما له؛ وكان أقوى أهل زمانه، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا ركانة؛ أرأيت إن صرعتك؛ أتؤمن بي؟ قال: ~~نعم، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا " # ، ثم عرض عليه آيات من دعاء شجرة وإقبالها، ~~ونحو ذلك مما اختلفت فيه ألفاظ الحديث، فلما فرغ ذلك ~~لم يؤمن، وجاء إلى مكة، فقال: يا بني هاشم، ساخروا ~~بصاحبكم أهل الأرض، فنزلت هذه الآية فيه وفي نظرائه، و { ~~يستسخرون } قال مجاهد ms1149 وقتادة: معناه: يسخرون، ثم أمر تعالى ~~نبيه أن يجيب تقريرهم واستفهامهم عن البعث ب { ~~نعم } ، وأن يزيدهم في الجواب، أنهم مع البعث في صغار ~~وذلة واستكانة، والداخر: الصاغر الذليل، وقد تقدم ~~بيانه غير ما مرة، والزجرة الواحدة: هي نفخة البعث، ~~قال العراقي: الزجرة: الصيحة بانتهار، انتهى. و { ~~الدين }: الجزاء، وأجمع المفسرون على أن قوله تعالى: { هذا ~~يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } ليس هو من قول ~~الكفرة وإنما المعنى: يقال لهم. # وقوله: { وأزوجهم } معناه: أنواعهم وضرباؤهم؛ قاله عمر ~~وابن عباس وقتادة، ومعهم { وما كانوا يعبدون * من ~~دون الله } من آدمي رضي بذلك، ومن صنم ووثن؛ ~~توبيخا لهم وإظهارا لسوء حالهم، وقال الحسن: { أزوجهم } ~~نساؤهم المشركات: وقاله ابن عباس أيضا. # وقوله تعالى: { فاهدوهم } معناه: قدموهم واحملوهم على طريق ~~الجحيم، ثم يأمر الله تعالى بوقوفهم على جهة التوبيخ لهم ~~ والسؤال، قال جمهور المفسرين: يسألون عن أعمالهم ويوقفون ~~على قبحها، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تزول قدما عبد... " # الحديث، قال * ع *: ويحتمل عندي أن يكون المعنى على نحو ما ~~فسره تعالى بقوله: { مالكم لا تنصرون } أي: إنهم ~~مسؤلون عن امتناعهم عن التناصر؛ وهذا على جهة التوبيخ، ~~وقرأ خلق «لا تتناصرون». * ت *: قال عياض في «المدارك»: كان أبو ~~إسحاق الجبنياني ظاهر الحزن، كثير الدمعة يسرد ~~الصيام، قال ولده أبو الطاهر: قال لي أبي: إن إنسانا بقي في آية ~~سنة لم يتجاوزها، وهي قوله تعالى: { وقفوهم إنهم ~~مسئولون } فقلت له: أنت هو؟ فسكت، فعلمت أنه هو، ~~وكان إذا دخل في الصلاة: لو سقط البيت الذي هو فيه، ما ~~التفت، إقبالا على صلاته، واشتغالا بمناجاة ربه، وكان ~~رحمه الله من أشد الناس تضييقا على نفسه؛ ثم ~~على أهله، وكان يأكل البقل البري والجراد إذا وجده ~~ويطحن قوته بيده شعيرا، ثم يجعله بنخالته ~~دقيقا في قدر مع ما وجد من بقل بري وغيره، حتى ~~إنه ربما رمى بشيء منه لكلب أو هر؛ فلا ~~يأكله، وكان لباسه يجمعه من خرق المزابل ~~ويرفعه، وكان يتوطأ الرمل، ms1150 وفي الشتاء يأخذ ~~قفاف المعاصر الملقاة على المزابل يجعلها تحته، قال ~~ولده أبو الطاهر: وكنا إذا بقينا بلا شيء نقتاته، ~~كنت أسمعه في الليل يقول: [البسيط] # مالي تلاد ولا استطرفت من نشب # وما أؤمل غير الله من أحد # إن القنوع بحمد الله يمنعني # من التعرض للمنانة النكد # انتهى. ### || [37.27-34] # وقوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } ~~هذه الجماعة التي يقبل بعضها على بعض هي جن وإنس؛ قاله ~~قتادة، وتساؤلهم هو على معنى التقريع واللوم والتسخط، ~~والقائلون: { إنكم كنتم تأتوننا } إما أن يكون الإنس ~~يقولونها للشياطين؛ وهذا قول مجاهد وابن زيد، وإما أن يكون ضعفة ~~الإنس يقولونها للكبراء والقادة، واضطرب المتأولون في ~~معنى قولهم: { عن اليمين }؛ فعبر ابن زيد وغيره عنه بطريق ~~الجنة، ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى، ولا ~~يختص بنفس اللفظة، والذي يخصها معان: منها أن يريد ~~باليمين: القوة. أي: تحملوننا على طريق الضلالة بقوة، ومنها أن ~~يريد باليمين. اليمن، أي: تأتوننا من جهة النصائح والعمل الذي ~~يتيمن به، ومن المعاني التي تحتملها الآية؛ أن يريدوا أنكم كنتم ~~تجيئوننا من جهة الشهوات، وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع ~~إغواء الشياطين، وقيل: المعنى تحلفون لنا، فاليمين على هذا: ~~القسم، وقد ذهب بعض العلماء في ذكر إبليس جهات بني آدم في ~~قوله: # من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن ~~شمآئلهم # [الأعراف:17] إلى ما ذكرناه من جهة الشهوات. ثم أخبر تعالى عن قول ~~الجن المجيبين لهؤلاء بقولهم: { بل لم تكونوا مؤمنين } ~~، أي: ليس الأمر كما ذكرتم؛ بل كان لكم اكتساب الكفر؛ وما كان ~~لنا عليكم حجة، وبنحو هذا فسر قتادة وغيره أنه ~~قول الجن إلى { غوين }. ثم أخبر تعالى بأنهم جميعا في ~~العذاب مشتركون، وأن هذا فعله بأهل الجرم والكفر. ### || [37.35-39] # وقوله سبحانه: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله... } الآية، قلت: جاء في فضل «لا إله إلا ~~الله» أحاديث كثيرة؛ فمنها ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " قال موسى: ms1151 يا رب؛ علمني شيئا أذكرك به، ~~وأدعوك به، قال: قل، يا موسى: «لا إله إلا الله» قال: ~~يا رب، كل عبادك يقول هذا، قال: قل: «لا إله ~~إلا الله» قال: إنما أريد شيئا تخصني به، قال: ~~يا موسى، لو أن السموات السبع والأرضين السبع ~~في كفة، و«لا إله إلا الله» في كفة مالت بهن ~~«لا إله إلا الله» " # رواه النسائي وابن حبان في «صحيحه»، واللفظ لابن حبان، وعنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " وقول لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا ~~يشبهها عمل " # ، رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وقال صحيح ~~الإسناد، انتهى من «السلاح»، والطائفة التي قالت: { أئنا ~~لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون } هي قريش وإشارتهم ~~بالشاعر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم ~~بقوله: { بل جآء بالحق وصدق المرسلين } الذين ~~تقدموه، ثم أخبر تعالى مخاطبا لهم بقوله: { إنكم ~~لذآئقو العذاب الأليم } الآية. ### || [37.40-48] # وقوله تعالى: { إلا عباد الله المخلصين } استثناء ~~منقطع وهؤلاء المؤمنون. # وقوله: { معلوم } معناه: عندهم. # وقوله: { بيضآء } يحتمل أن يعود على الكأس، ويحتمل أن ~~يعود على الخمر، وهو أظهر قال الحسن: خمر الجنة أشد ~~بياضا من اللبن، وفي قراءة ابن مسعود: «صفراء» فهذا وصف الخمر ~~وحدها، والغول: اسم عام في الأذى، وقال ابن عباس وغيره: الغول: ~~وجع في البطن، وقال قتادة هو صداع في الرأس و { ينزفون ~~} من قولك: نزف الرجل إذا سكر، وبإذهاب العقل فسره ابن ~~عباس، وقرأ حمزة والكسائي «ينزفون» بكسر الزاي من «أترف» وله ~~معنيان. # [أحدهما: سكر. # والثاني: نفد شرابه. # وهذا كله منفي عن أهل الجنة. # و { قصرت الطرف } قال ابن عباس وغيره معناه على أزواجهن، أي: ~~لا ينظرن إلى غيرهم، و { عين }: جمع «عيناء»، وهي الكبيرة ~~العينين في جمال. ### || [37.49-53] # وقوله تعالى: { كأنهن بيض مكنون } قال ابن جبير ~~والسدي: شبه ألوانهن بلون قشر البيضة الداخلي، ~~وهو المكنون، أي المصون، ورجحه الطبري، وقال الجمهور: شبه ~~ألوانهن بلون قشر البيضة من النعام، وهو بياض ~~قد خالطته صفرة حسنة، و { مكنون } أي: بالريش، ms1152 وقال ~~ابن عباس فيما حكى الطبري: «البيض المكنون» أراد به ~~الجوهر المصون، قال * ع *: وهذا يرده لفظ الآية، فلا ~~يصح عن ابن عباس. # وقوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * ~~قال قآئل منهم... } الآية، هذا التساؤل الذي بين أهل ~~الجنة هو تساؤل راحة وتنعم؛ يتذاكرون أمورهم في ~~الجنة وأمر الدنيا وحال الطاعة والإيمان فيها، ثم أخبر ~~تعالى عن قول قائل منهم في قصته، وهو مثال لكل من ~~له قرين سوء، فيعطي هذا المثال التحفظ من ~~قرناء السوء، قال الثعلبي: قوله: { إنى كان لى قرين } ~~قال مجاهد: كان شيطانا، انتهى، وقال ابن عباس وغيره: كان هذان من ~~البشر؛ مؤمن وكافر، وقال فرات بن ثعلبة ~~البهراني في قصص هذين: إنهما كانا شريكين ~~بثمانية آلاف دينار، فكان أحدهما مشغولا بعبادة الله، ~~وكان الآخر كافرا مقبلا على ماله، فحل الشركة مع ~~المؤمن وبقي وحده لتقصير المؤمن في التجارة، وجعل ~~الكافر كلما اشترى شيئا من دار أو جارية أو بستان ~~ونحوه، عرضه على المؤمن وفخر عليه، فيمضي المؤمن عند ~~ذلك، ويتصدق بنحو ذلك؛ ليشتري به من الله تعالى في ~~الجنة، فكان من أمرهما في الآخرة ما تضمنته هذه ~~الآية، وحكى السهيلي أن هذين الرجلين هما المذكوران في قوله ~~تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعنب # الآية [الكهف:32] انتهى، و { مدينون } معناه: مجازون ~~محاسبون؛ قاله ابن عباس وغيره. ### || [37.54-61] # وقوله تعالى: { قال هل أنتم مطلعون } الآية، في الكلام ~~حذف، تقديره: فقال لهذا الرجل حاضروه من الملائكة: إن ~~قرينك هذا في جهنم يعذب فقال عند ذلك: { هل أنتم ~~مطلعون } يخاطب ب«أنتم» الملائكة أو رفقاءه في الجنة أو ~~خدمته؛ وكل هذا حكى المهدوي، وقرأ أبو عمرو في رواية ~~حسين «مطلعون» بسكون الطاء وفتح النون، وقرىء شاذا ~~«مطلعون» بسكون الطاء وكسر النون ، قال ابن عباس وغيره: { ~~سوآء الجحيم } وسطه، فقال له المؤمن عند ذلك: { تالله ~~إن كدت لتردين } أي: لتهلكني بإغوائك، والردى: ~~الهلاك، وقول المؤمن: { أفما نحن بميتين } إلى قوله: { ~~بمعذبين } يحتمل أن تكون مخاطبة لرفقائه ms1153 في الجنة، ~~لما رأى ما نزل بقرينه، ونظر إلى حاله في الجنة ~~وحال رفقائه؛ قدر النعمة قدرها، فقال لهم على جهة ~~التوقيف على النعمة: أفما نحن بميتين ولا معذبين، ويجيء على ~~هذا التأويل قوله: { إن هذا لهو الفوز العظيم } إلى ~~قوله: { العملون } متصلا بكلامه خطابا لرفقائه، ~~ويحتمل قوله: { أفما نحن بميتين } أن تكون مخاطبة لقرينه؛ ~~على جهة التوبيخ، كأنه يقول: أين الذي كنت تقول من أنا نموت ~~وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب، ويكون قوله تعالى: { ~~إن هذا لهو الفوز العظيم } إلى قوله: { العملون ~~} يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه؛ وإليه ذهب قتادة، ~~ويحتمل أن يكون من خطاب الله تعالى لمحمد عليه ~~السلام وأمته، ويقوي هذا قوله: { لمثل هذا ~~فليعمل العملون } وهو حض على العمل؛ والآخرة ~~ليست بدار عمل ### || [37.62-72] # وقوله تعالى: { أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم } المراد بالآية: تقرير قريش والكفار، قال * ع *: وفي ~~بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة ~~مسمومة لها لبن، إن مس جسم أحد؛ تورم ومات ~~منه في أغلب الأمر؛ تسمى شجرة الزقوم، والتزقم في ~~كلام العرب: البلع على شدة وجهد. # وقوله تعالى: { إنا جعلنها فتنة للظلمين } قال ~~قتادة ومجاهد والسدي: يريد أبا جهل ونظراءه، وقد تقدم بيان ذلك. # وقوله تعالى: { كأنه رءوس الشيطين } اختلف في معناه؛ ~~فقالت فرقة: شبه طلعها بثمر شجرة معروفة يقال لها ~~«رءوس الشياطين»، وهي بناحية اليمن، يقال لها: ~~«الأستن»، وقالت فرقة: شبه برؤوس صنف من الحيات ~~يقال لها «الشياطين»، وهي ذوات أعراف، وقالت فرقة: شبه بما ~~استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها؛ وإن ~~كانت لا ترى؛ لأن الناس إذا وصفوا شيئا بغاية القبح ~~قالوا: كأنه شيطان؛ ونحو هذا قول امرىء القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فإنما شبه بما استقر في النفوس من هيئتها، والشوب: المزاج ~~والخلط؛ قاله ابن عباس وقتادة، والحميم: السخن جدا من الماء؛ ~~ونحوه، فيريد به ههنا شرابهم الذي هو طينة الخبال ~~صديدهم وما ينماع منهم؛ هذا قول جماعة من المفسرين. ms1154 # وقوله تعالى: { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } كقوله ~~تعالى: # يطوفون بينها وبين حميم ءان # [الرحمن:44] وقوله سبحانه: { إنهم ألفوا ءاباءهم... } ~~الآية، تمثيل لقريش و { يهرعون } معناه: يسرعون؛ قاله قتادة ~~وغيره، وهذا تكسبهم للكفر وحرصهم عليه. ### || [37.73-76] # وقوله تعالى: { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ~~يقتضي الإخبار بأنه عذبهم؛ ولذلك حسن الاستثناء في قوله: { ~~إلا عباد الله المخلصين } ونداء نوح تضمن ~~أشياء؛ كطلب النصرة والدعاء على قومه وغير ذلك، قال أبو حيان: ~~وقوله: { فلنعم المجيبون } جواب قسم كقوله: [من الطويل] # يمينا لنعم السيدان وجدتما # ...................... # والمخصوص بالمدح محذوف، أي: فلنعم المجيبون نحن، انتهى. ### || [37.77-82] # وقوله تعالى: { وجعلنا ذريته هم البقين } قال ابن ~~عباس وقتادة: أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، وقالت فرقة: إن ~~الله تعالى أبقى ذرية نوح ومد نسله، وليس الأمر بأن ~~أهل الدنيا انحصروا إلى نسله، بل في الأمم من لا ~~يرجع إليه، والأول أشهر عن علماء الأمة، وقالوا: نوح هو ~~آدم الأصغر، قال السهيلي: ذكر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أنه قال في قوله عز وجل : { وجعلنا ذريته هم ~~البقين }: [إنهم] سام وحام ويافث، انتهى. # وقوله تعالى: { وتركنا عليه فى الأخرين } معناه: ثناء ~~حسنا جميلا باقيا آخر الدهر؛ قاله ابن عباس وغيره، و { ~~سلم } رفع بالابتداء مستأنف، سلم الله به عليه ~~ليقتدي بذلك البشر. * ت *: قال أبو عمر في «التمهيد»: قال ~~سعيد يعني: ابن عبد الرحمن الجمحي : بلغني أنه من قال ~~حين يمسي: { سلم على نوح فى العلمين } لم ~~تلدغه عقرب، ذكر هذا عند قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للأسلمي الذي لدغته عقرب: # " أما لو أنك قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات ~~الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء ~~الله " # ، قال أبو عمر: وروى [ابن وهب] هذا الحديث عن مالك ~~يعني: حديث: # " أعوذ بكلمات الله التامات " # بإسناده مثل ما في الموطإ، إلا أنه قال في آخره: # " لم يضرك شيء " # انتهى. # وقوله تعالى: { ثم أغرقنا الأخرين } قال جماعة من العلماء: ~~إن الغرق عم جميع الناس، وأسندوا ms1155 في ذلك أحاديث، ~~قالوا: ولم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة؛ لأن عهد ~~آدم كان قريبا، وكانت دعوة نوح ونبوته قد بلغت ~~جميعهم، لطول المدة واللبث فيهم، فتمادوا على ~~كفرهم، ولم يقبلوا ما دعاهم إليه من عبادة الرحمن؛ ~~فلذلك أغرق الله جميعهم. ### || [37.83-87] # وقوله تعالى: { وإن من شيعته } قال ابن عباس وغيره: ~~الضمير عائد على نوح، والمعنى: في الدين والتوحيد، وقال ~~الطبري وغيره عن الفراء: الضمير عائد على محمد، والإشارة ~~إليه. # وقوله: { أئفكا } استفهام بمعنى التقرير، أي: أكذبا ومحالا، ~~{ ءالهة دون الله تريدون }. # وقوله: { فما ظنكم } توبيخ وتحذير وتوعد. ### || [37.88-90] # وقوله تعالى: { فنظر نظرة فى النجوم } روي أن ~~قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوا إبراهيم عليه ~~السلام إلى الخروج معهم، فنظر حينئذ، واعتذر ~~بالسقم، وأراد البقاء ليخالفهم إلى الأصنام، وروي ~~أن علم النجوم كان عندهم منظورا فيه مستعملا؛ ~~فأوهمهم هو من تلك الجهة، قالت فرقة: وقوله: { إنى سقيم } ~~من المعاريض الجائزة. ### || [37.91-102] # وقوله تعالى: { فراغ إلى ءالهتهم } «راغ» معناه: مال. # وقوله: { ألا تأكلون } هو على جهة الاستهزاء بعبدة ~~تلك الأصنام، ثم مال عند ذلك إلى ضرب تلك الأصنام ~~بفأس حتى جعلها جذاذا، واختلف في معنى قوله: { ~~باليمين } فقال ابن عباس: أراد يمنى يديه، وقيل: ~~أراد بقوته؛ لأنه كان يجمع يديه معا بالفأس، ~~وقيل: أراد باليمين، القسم في قوله: # وتالله لأكيدن أصنمكم # [الأنبياء:57] والضمير في «أقبلوا» لكفار قومه و { يزفون ~~} معناه: يسرعون، واختلف المتأولون في قوله: { وما ~~تعملون } فمذهب جماعة من المفسرين: أن «ما» مصدرية، والمعنى: ~~أن الله خلقكم وأعمالكم، وهذه الآية عندهم قاعدة ~~في خلق الله تعالى أفعال العباد؛ وهو مذهب أهل ~~السنة، وقالت فرقة: «ما» بمعنى: الذي، «والبنيان» قيل: كان في ~~موضع إيقاد النار، وقيل: بل كان للمنجنيق الذي رمي ~~عنه، والله أعلم. # وقوله: { إنى ذاهب إلى ربى... } الآية، قالت فرقة: كان ~~قوله هذا بعد خروجه من النار، وأنه أشار بذهابه ~~إلى هجرته من [أرض] بابل؛ حيث كانت مملكة ~~نمرود، فخرج إلى الشام، وقالت فرقة: قال هذه المقالة ~~قبل ms1156 أن يطرح في النار؛ وإنما أراد لقاء الله؛ لأنه ~~ظن أن النار سيموت فيها، وقال: { سيهدين } أي: إلى ~~الجنة؛ نحا إلى هذا المعنى قتادة، قال * ع *: وللعارفين ~~بهذا الذهاب تمسك واحتجاج في الصفاء، وهو محمل ~~حسن في { إنى ذاهب } وحده، والتأويل الأول أظهر في ~~نمط الآية، بما يأتي بعد؛ لأن الهداية معه تترتب، ~~والدعاء في الولد كذلك، ولا يصح مع ذهاب الموت، ~~وباقي الآية تقدم قصصها، وأن الراجح أن الذبيح هو ~~إسماعيل، وذكر الطبري أن ابن عباس قال: الذبيح، إسماعيل، ~~وتزعم اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود، وذكر أيضا ~~أن عمر بن عبد العزيز سأل عن ذلك رجلا يهوديا ~~كان أسلم وحسن إسلامه، فقال: الذبيح هو إسماعيل، وإن ~~اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب: ~~أن تكون هذه الآيات والفضل والله في أبيكم، ~~والسعي في هذه الآية: العمل والعبادة والمعونة، قاله ابن ~~عباس وغيره، وقال قتادة: السعي على القدم يريد سعيا ~~متمكنا، وهذا في المعنى نحو الأول. # وقوله: { إنى أرى فى المنام... } الآية، يحتمل أن ~~يكون رأى ذلك بعينه؛ ورؤيا الأنبياء وحي، وعين له ~~وقت الامتثال، ويحتمل أنه أمر في نومه بذبحه، ~~فعبر عن ذلك بقوله: { إنى أرى } أي: أرى ما يوجب أن ~~أذبحك، قال ابن العربي في «أحكامه»: واعلم أن رؤيا الأنبياء ~~وحي فما ألقي إليهم، ونفث به الملك في روعهم، ~~وضرب المثل له عليهم فهو حق؛ ولذلك قالت ~~عائشة: وما كنت أظن أنه ينزل في قرآن يتلى، ~~ولكني رجوت أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رؤيا يبرئني الله بها، وقد بينا حقيقة الرؤيا، ~~وأن الباري تعالى يضربها مثلا للناس، فمنها أسماء ~~وكنى، ومنها رؤيا تخرج بصفتها، ومنها رؤيا تخرج ~~بتأويل، وهو كنيتها. ولما استسلم إبراهيم وولده إسماعيل ~~ عليهما السلام لقضاء الله، أعطي إبراهيم ذبيحا ~~فداء، وقيل له: هذا فداء ولدك، فامتثل فيه ما رأيت؛ ~~فإنه حقيقة ما خاطبناك فيه، وهو كناية لا اسم، وجعله ~~مصدقا للرؤيا بمبادرة الامتثال، انتهى. ### || [37.103-124] # وقوله تعالى: { فلما أسلما } أي: أسلما أنفسهما، ms1157 واستسلما ~~لله عز وجل ، وقرأ ابن عباس وجماعة: «سلما»، والمعنى ~~فوضا إليه في قضائه وقدره سبحانه ، فأسلم إبراهيم ~~ابنه، وأسلم الابن نفسه، قال بعض البصريين: جواب «لما» ~~محذوف تقديره: فلما أسلما وتله للجبين، أجزل أجرهما، ~~ونحو هذا مما يقتضيه المعنى، { وتله } معناه: وضعه ~~بقوة ومنه الحديث في القدح: فتله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في يده، أي: وضعه بقوة، و { للجبين } معناه: لتلك ~~الجهة وعليها، كما يقولون في المثل: [الطويل] # ............. # وخر صريعا لليدين وللفم # وكما تقول: سقط لشقه الأيسر، والجبينان: ما اكتنف ~~الجبهة من ههنا، ومن ههنا، و«أن» من قوله: { أن يإبرهيم ~~} مفسرة لا موضع لها من الإعراب، و { صدقت ~~الرؤيا } يحتمل أن يريد بقلبك أو بعملك، و«الرؤيا» اسم ~~لما يرى من قبل الله تعالى ، والمنام والحلم: ~~اسم لما يرى من قبل الشيطان؛ ومنه الحديث الصحيح: # " الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان " # ، و { البلاء }: الاختبار، والذبح العظيم في قول الجمهور: ~~كبش أبيض أعين، وجده وراءه مربوطا بسمرة، ~~وأهل السنة على أن هذه القصة نسخ فيها العزم ~~على الفعل؛ خلافا للمعتزلة، قال أحمد بن نصر الداوودي: وإن ~~نسخ الله آية قبل العمل بها؛ فإنما ينسخها بعد ~~اعتقاد قبولها وهو عمل انتهى من تفسيره عند قوله تعالى: # ما ننسخ من ءاية # [البقرة:106] قال * ع *: ولا خلاف أن إبراهيم أمر ~~الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع، والجمهور أن ~~أمر الذبح كان بمنى، وقال الشعبي: رأيت قرني ~~كبش إبراهيم معلقتين في الكعبة، وروى عمران ~~بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا فاطمة، قومي لاضحيتك، فاشهديها؛ فإنه ~~يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب ~~عملتيه، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت ~~وأنا من المسلمين " # قال عمران: قلت: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك ~~خاصة، أم للمسلمين عامة؟ قال: «لا، بل ~~للمسلمين عامة» رواه الحاكم في «المستدرك» انتهى من ~~«السلاح». # وقوله تعالى: { وظلم لنفسه } توعد لمن كفر من اليهود ~~بمحمد عليه ms1158 السلام ، و { الكتب المستبين }: هو ~~التوراة، قال قتادة وابن مسعود: إلياس: هو إدريس عليه السلام ~~، وقالت فرقة: هو من ولد هارون، وقرأ نافع وابن عامر: ~~«على آل ياسين»، وقرأ الباقون: «على إلياسين» بألف ~~مكسورة ولام ساكنة ، فوجهت الأولى؛ على أنها بمعنى: ~~«أهل»، و«ياسين»: اسم لإلياس، وقيل: هو اسم لمحمد عليه السلام ~~، ووجهت الثانية على أنها جمع «إلياسي»، وقرأ ابن ~~مسعود والأعمش: «وإن إدريس لمن المرسلين، وسلام على ~~إدريسين»، قال السهيلي: قال ابن جني: العرب تتلاعب ~~بالأسماء الأعجمية تلاعبا؛ ف«ياسين»، و«إلياس» و«الياسين» شيء ~~واحد، انتهى. # * ت *: وحكى الثعلبي هنا حكاية عن عبد العزيز بن أبي رواد، ~~عن رجل لقي إلياس في أيام مروان بن الحكم، وأخبره بعدد ~~الأبدال وعن الخضر في حكاية طويلة لا ينبغي إنكار مثلها؛ ~~فأولياء الله يكاشفون بعجائب، فلا يحرم الإنسان ~~التصديق بها، جعلنا الله من زمرة أوليائه، انتهى. ### || [37.125-138] # وقوله: { أتدعون بعلا } معناه: أتعبدون، قال الحسن ~~والضحاك وابن زيد: بعل: اسم صنم: كان لهم، ويقال له: ~~بعلبك، وذكر ابن إسحاق عن فرقة: أن بعلا اسم امرأة كانت ~~أتتهم بضلالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «الله ربكم ورب ~~آبائكم» كل ذلك بالنصب بدلا من قوله: { أحسن الخالقين ~~} وقرأ الباقون كل ذلك بالرفع على القطع والاستئناف، والضمير في ~~{ فكذبوه } عائد على قوم إلياس، و { لمحضرون } معناه: ~~مجموعون لعذاب الله. # وقوله تعالى: { وإنكم لتمرون عليهم } مخاطبة لقريش، ~~ثم وبخهم بقوله: { أفلا تعقلون }. ### || [37.139-142] # وقوله تعالى: { وإن يونس... } الآية هو يونس بن متى صلى ~~الله عليه وسلم، وهو من بني إسرائيل. # وقوله تعالى: { إذ أبق } الآية، وذلك أنه لما أخبر قومه ~~بوقت مجيء العذاب، وغاب عنهم، ثم إن قومه لما رأوا ~~مخايل العذاب أنابوا إلى الله، فقبل توبتهم، فلما ~~مضى وقت العذاب، ولم يصبهم، قال يونس: لا أرجع إليهم ~~بوجه كذاب، وروي أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا ~~الكذاب فأبق إلى الفلك، أي: أراد الهروب، ودخل في ~~البحر، وعبر عن هروبه بالإباق من حيث [إنه] فر ~~عن غير إذن مولاه، فروي عن ms1159 ابن مسعود؛ أنه لما حصل ~~في السفينة، وأبعدت في البحر، ركدت ولم تجر؛ وغيرها من ~~السفن يجري يمينا وشمالا، فقال أهلها إن فينا لصاحب ذنب ~~وبه يحبسنا الله تعالى، فقالوا: لنقترع، فأخذوا ~~لكل واحد سهما، واقترعوا، فوقعت القرعة على ~~يونس، ثلاث مرات، فطرح حينئذ نفسه، والتقمه ~~الحوت، وروي أن الله تعالى أوحى إلى الحوت أني لم ~~أجعل يونس لك رزقا، وإنما جعلت بطنك له حرزا ~~وسجنا، فهذا معنى { فسهم }. # والمدحض: المغلوب في محاجة أو مساهمة، وعبارة ابن ~~العربي في «الأحكام»: «وأوحى الله تعالى إلى الحوت: إنا ~~لم نجعل يونس لك رزقا، وإنما جعلنا بطنك له مسجدا» ~~الحديث، انتهى، ولفظة «مسجد»: أحسن من السجن، فرحم ~~الله عبدا لزم الأدب لا سيما مع أنبيائه ~~وأصفيائه، وال«مليم»: الذي أتى ما يلام عليه؛ وبذلك ~~فسر مجاهد وابن زيد. ### || [37.143-144] # وقوله سبحانه: { فلولا أنه كان من المسبحين } قيل: ~~المراد: القائلين: سبحان الله في بطن الحوت؛ قاله ابن ~~جريج، وقالت فرقة: بل التسبيح هنا الصلاة، قال ابن ~~عباس وغيره: صلاته في وقت الرخاء نفعته في وقت ~~الشدة؛ وقال هذا جماعة من العلماء، وقال الضحاك بن قيس على ~~منبره: اذكروا الله؛ عباد الله؛ في الرخاء يذكركم ~~في الشدة، إن يونس كان عبدا لله ذاكرا له، فلما ~~أصابته الشدة نفعه ذلك، قال الله عز وجل : { ~~فلولا أنه كان من المسبحين * للبث فى بطنه ~~إلى يوم يبعثون } ، وإن فرعون كان طاغيا باغيا ~~فلما أدركه الغرق، قال: آمنت، فلم ينفعه ذلك، ~~فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، وقال ابن ~~جبير: الإشارة بقوله: { من المسبحين } إلى قوله: # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # [الأنبياء:87]. ### || [37.145-146] # وقوله سبحانه: { فنبذنه بالعراء... } الآية، «العراء»: ~~الأرض الفيحاء التي لا شجر فيها ولا معلم، قال ابن عباس ~~وغيره قي قوله: { وهو سقيم }: إنه كالطفل المنفوس، بضعة ~~لحم، وقال بعضهم: كاللحم النيء، إلا أنه لم ينقص ~~من خلقه شيء، فأنعشه الله في ظل اليقطينة ~~بلبن أروية [كانت تغاديه وتراوحه، وقيل: بل كان ~~يتغذى ms1160 من اليقطينة، ويجد منها ألوان الطعام وأنواع] ~~شهواته، قال ابن عباس وأبو هريرة وعمرو بن ميمون: اليقطين: ~~القرع خاصة، وقيل، كل ما لا يقوم على ساق كالبقول ~~والقرع والبطيخ ونحوه مما يموت؛ من عامه، ومشهور اللغة ~~أن اليقطين هو القرع، فنبت لحم يونس عليه السلام ~~وصح، وحسن لونه، لأن ورق القرع أنفع شيء لمن ~~تسلخ جلده، وهو يجمع خصالا حميدة، برد الظل ~~[ولين] الملمس، وأن الذباب لا يقربها، حكى النقاش أن ~~ماء ورق القرع إذا رش به مكان، لم يقربه ذباب، ~~وروي أنه كان يوما نائما، فأيبس الله تلك ~~اليقطينة، وقيل: بعث عليها الأرضة فقطعت ورقها، ~~فانتبه يونس لحر الشمس، فعز عليه شأنها، وجزع ~~له؛ فأوحى الله إليه: يا يونس، جزعت ليبس ~~اليقطينة، ولم تجزع لإهلاك مائة ألف أو يزيدون ~~تابوا فتبت عليهم. ### || [37.147-157] # وقوله تعالى: { وأرسلنه إلى مائة ألف أو ~~يزيدون } قال الجمهور: إن هذه الرسالة هي رسالته الأولى ذكرها ~~الله في آخر القصص، وقال قتادة وغيره: هذه رسالة أخرى ~~بعد أن نبذ بالعراء، وهي إلى أهل «نينوى» من ناحية ~~الموصل، وقرأ الجمهور: «أو يزيدون» فقال ابن عباس: «أو» بمعنى «بل» ~~وروي عنه أنه قرأ: «بل يزيدون» وقالت فرقة: «أو» هنا بمعنى الواو، ~~وقرأ جعفر بن محمد: «ويزيدون» وقال المبرد، وكثير من ~~البصريين: قوله: { أو يزيدون } المعنى: على نظر البشر ~~وحزرهم، أي: من رآهم قال: مائة ألف أو يزيدون، وروى أبي بن ~~كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مائة وعشرين ~~ألفا. * ت *: وعبارة أحمد بن نصر الداوودي: وعن أبي بن كعب ~~قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين: # الحسنى وزيادة # [يونس:26] { وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون } ~~قال يزيدون عشرين ألفا، وأحسبه قال: الحسنى: الجنة، «والزيادة» النظر ~~إلى وجه الله عز وجل ، انتهى، وفي قوله: { فئامنوا ~~فمتعنهم إلى حين } مثال لقريش إن آمنوا، ومن هنا ~~حسن انتقال القول والمحاورة إليهم بقوله: { فاستفتهم ~~}؛ فإنما يعود على ضميرهم، على ما في المعنى من ذكرهم، ~~والاستفتاء: السؤال؛ ms1161 وهو هنا بمعنى التقريع والتوبيخ في جعلهم ~~البنات لله، تعالى الله عن قولهم، ثم أخبر [الله] تعالى ~~عن فرقة منهم بلغ بها الإفك والكذب إلى أن قالت: ولد الله ~~الملائكة؛ لأنه نكح في سروات الجن، تعالى الله عن ~~قولهم، وهذه فرقة، من بني مدلج فيما روي، وقرأ الجمهور: ~~«أصطفى البنات» بهمزة الاستفهام على جهة التقريع ~~والتوبيخ. ### || [37.158-160] # وقوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ~~الجنة هنا: قيل: هم الملائكة: لأنها مستجنة، أي: ~~مستترة، وقيل: الجنة هم الشياطين، والضمير في { وجعلوا ~~} لفرقة من كفار قريش والعرب، { ولقد علمت الجنة ~~إنهم لمحضرون } أي: ستحضر أمر الله وثوابه ~~وعقابه، ثم نزه تعالى نفسه عما يصفه الكفرة، ومن ~~هذا استثنى عباده المخلصين؛ لأنهم يصفونه بصفاته ~~العلا، وقالت فرقة: استثناهم من قوله: { لمحضرون } ~~وعبارة الثعلبي: { ولقد علمت الجنة } أي: الملائكة أن ~~قائلي هذه المقالة من الكفرة { لمحضرون } في النار، وقيل ~~للحساب، والأول أولى لأن الإحضار متى جاء في هذه الصورة ~~عني به العذاب { إلا عباد الله المخلصين } فإنهم ~~ناجون من النار، انتهى، وفي البخاري { لمحضرون } أي: ~~سيحضرون للحساب، انتهى. ### || [37.161-173] # وقوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون } بمعنى: قل لهم يا محمد، ~~إنكم وأصنامكم ما أنتم بمضلين أحدا بسببها وعليها ~~إلا من قد سبق عليه القضاء؛ فإنه يصلى الجحيم في ~~الآخرة وليس لكم إضلال من هدى الله تعالى، وقالت فرقة: { ~~عليه } بمعنى: «به» والفاتن: المضل في هذا الموضع؛ وكذلك ~~فسره ابن عباس وغيره، وحذفت الياء من { صال } للإضافة. # ثم حكى سبحانه قول الملائكة { وما منا إلا له ~~مقام معلوم }؛ وهذا يؤيد أن الجنة أراد بها ~~الملائكة، وتقدير الكلام وما منا ملك، وروت عائشة - رضي ~~الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم : # " أن السماء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ~~ساجد أو واقف يصلي " # ، وعن ابن مسعود وغيره نحوه. # و { الصافون } معناه: الواقفون صفوفا، و { المسبحون } ، ~~يحتمل أن يريد به الصلاة، ويحتمل أن يريد قول: سبحان ~~الله، قال الزهراوي: قيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في ~~الصلاة؛ ms1162 مذ نزلت هذه الآية، ولا يصطف أحد من أهل الملل ~~غير المسلمين، ثم ذكر تعالى مقالة بعض الكفار، قال ~~قتادة وغيره: فإنهم قبل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قالوا: لو كان لنا كتاب أو جاءنا رسول، لكنا عباد الله ~~المخلصين، فلما جاءهم محمد كفروا به، فسوف يعلمون، ~~وهذا وعيد محض، ثم آنس تعالى نبيه وأولياءه بأن القضاء قد ~~سبق، والكلمة قد حقت بأن رسله سبحانه هم المنصورون، ~~على من ناوأهم، وجند الله هم الغزاة. ### || [37.174-182] # وقوله تعالى: { فتول عنهم } أمر لنبيه بالموادعة، ~~ووعد جميل، و { حتى حين } قيل هو يوم بدر، وقيل: يوم ~~القيامة. # وقوله تعالى: { وأبصرهم فسوف يبصرون } وعد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم، ثم وبخهم على استعجال ~~العذاب { فإذا نزل } أي: العذاب، { بساحتهم فساء ~~صباح المنذرين } والساحة الفناء، وسوء الصباح: أيضا ~~مستعمل في ورود الغارات، قلت: ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أشرف على خيبر: # " الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة ~~قوم، فساء صباح المنذرين " # انتهى، وقرأ ابن مسعود: «فبئس صباح»، والعزة في قوله: { ~~رب العزة } هي العزة المخلوقة الكائنة للأنبياء ~~والمؤمنين؛ وكذلك قال الفقهاء من أجل أنها مربوبة؛ قال ~~محمد بن سحنون وغيره: من حلف بعزة الله، فإن كان ~~أراد صفته الذاتية، فهي يمين، وإن كان أراد ~~عزته التي خلق بين عباده، وهي التي في قوله: { ~~رب العزة } فليست بيمين، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إذا سلمتم علي، فسلموا على المرسلين؛ فإنما ~~أنا أحدهم " # صلى الله عليه وعلى آله وعلى جميع النبيين وسلم. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-5] # قرأ أبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق: «صاد» بكسر ~~الدال ، والمعنى: ماثل القرآن بعملك، وقاربه بطاعتك، ~~وكذا فسره الحسن، أي: انظر أين عملك منه، وقال الجمهور: ~~إنه حرف معجم يدخله ما يدخل أوائل السور من ~~الأقوال، ويختص هذا بأن قال بعض الناس: معناه: صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الضحاك: معناه: صدق الله، وقال ~~محمد بن ms1163 كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله: صمد ~~صادق، ونحوه. # وقوله: { والقرءان ذى الذكر } قسم؛ قال ابن عباس وغيره: ~~معناه: ذي الشرف الباقي المخلد، وقال قتادة: ذي التذكرة ~~للناس والهداية لهم، وقالت فرقة: ذي الذكر للأمم والقصص ~~والغيوب، * ت *: ولا مانع [من] أن يراد الجميع، قال * ع *: ~~وأما جواب القسم، فاختلف فيه؛ فقالت فرقة: الجواب في قوله: { ~~ص }؛ إذ هو بمعنى: صدق الله أو صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقال الكوفيون والزجاج: الجواب في قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص:64]، وقال بعض البصريين ومنهم الأخفش: الجواب في قوله: # إن كل إلا كذب الرسل # [ص:14] قال * ع *: وهذان القولان بعيدان، وقال قتادة والطبري: ~~الجواب مقدر قبل «بل»، وهذا هو الصحيح، وتقديره: والقرآن، ما ~~الأمر كما يزعمون، ونحو هذا من التقدير، ~~فتدبره، وقال أبو حيان: الجواب: إنك لمن المرسلين، وهو ما ~~أثبت جوابا للقرآن حين أقسم به، انتهى، وهو حسن، قال أبو ~~حيان: وقوله: { فى عزة } هي قراءة الجمهور، وعن الكسائي بالغين ~~المعجمة والراء، أي: في غفلة، انتهى. # والعزة هنا: المعازة والمغالبة والشقاق ونحوه، أي: ~~هم في شق، والحق في شق، وكم للتكثير، وهي خبر فيه مثال ~~ووعيد، وهي في موضع نصب ب { أهلكنا }. # وقوله: { فنادوا } معناه: مستغيثين، والمعنى: أنهم فعلوا ذلك ~~بعد المعاينة، فلم ينفعهم ذلك؛ ولم يكن في وقت نفع، { ~~ولات } بمعنى: ليس، واسمها مقدر عند سيبويه، تقديره: ~~ولات الحين حين مناص، والمناص: المفر، ناص ينوص: ~~إذا فر وفات، قال ابن عباس: المعنى: ليس بحين نزو ~~ولا فرار ضبط القوم، والضمير في { وعجبوا } لكفار قريش. ### || [38.6-8] # قوله تعالى: { وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على ءالهتكم } الآية، # " روي في قصص هذه الآية، أن أشراف قريش اجتمعوا ~~عند مرض أبي طالب، وقالوا: إن من القبيح علينا أن يموت أبو ~~طالب، ونؤذي محمدا بعده، فتقول العرب: تركوه مدة ~~عمه، فلما مات آذوه، ولكن لنذهب إلى أبي طالب ~~فينصفنا منه ويربط بيننا وبينه ربطا، ~~فنهضوا إليه، فقالوا: يا أبا طالب: إن ms1164 محمدا يسب آلهتنا، ~~ويسفه آراءنا، ونحن لا نقاره على ذلك، ولكن افصل ~~بيننا وبينه في حياتك بأن يقيم في منزله يعبد ربه ~~الذي يزعم ويدع آلهتنا وسبها، ولا يعرض لأحد منا بشيء من ~~هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن ~~قومك قد دعوك إلى النصفة، وهي أن تدعهم وتعبد ~~ربك وحدك، فقال: أو غير ذلك يا عم؟ قال: وما هو؟ قال: ~~يعطونني كلمة تدين لهم بها العرب، وتؤدي ~~إليهم الجزية بها العجم، قالوا: وما هي؟! فإنا ~~نبادر إليها! قال: «لا إله إلا الله»؛ فنفروا ~~عند ذلك، وقالوا: ما يرضيك منا غير هذا؟ قال: ~~«والله، لو أعطيتموني الأرض ذهبا ومالا» " # وفي رواية # " لو جعلتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما ~~أرضى منكم غيرها " # فقاموا عند ذلك، وبعضهم يقول لبعض: { أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ، ~~ويرددون هذا المعنى، وعقبة بن أبي معيط يقول: { ~~امشوا واصبروا على ءالهتكم } ، فقوله تعالى: { ~~وانطلق الملأ } عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وانطلاقهم من ~~ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين. # وقوله: { أن امشوا } نقل الإمام الفخر أن «أن» بمعنى: ~~«أي»، انتهى، وقولهم: { إن هذا لشىء يراد } يريدون ظهور ~~محمد وعلوه، أي: يراد منا الانقياد له، وأن نكون له ~~أتباعا، ويريدون بالملة الآخرة ملة عيسى، قاله ابن ~~عباس، وغيره؛ وذلك أنها ملة شهر فيها التثليث. # ثم توعدهم سبحانه بقوله: { بل لما يذوقوا ~~عذاب } أي: لو ذاقوه، لتحققوا أن هذه الرسالة [حق]. ### || [38.9-14] # وقوله تعالى: { أم عندهم خزائن رحمة ربك... } الآية، ~~عبارة الثعلبي: { أم عندهم خزائن رحمة ربك } يعني: ~~مفاتيح النبوة حتى يعطوا من اختاروا، نظيرها # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف:32]. # قوله تعالى: { أم لهم ملك السموات والأرض وما ~~بينهما } يعني: أن ذلك لله تعالى؛ يصطفي من يشاء { ~~فليرتقوا فى الأسباب } فليصعدوا فيما يوصلهم ~~إلى السموات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون، وهذا أمر ~~توبيخ وتعجيز، انتهى، ونحوه كلام * ع. # ثم وعد الله نبيه النصر، فقال: { جند ms1165 ما هنالك ~~مهزوم } أي: مغلوب ممنوع من الصعود إلى السماء، { من ~~الأحزاب } أي: من جملة الأحزاب، قال * ع *: وهذا تأويل قوي، ~~وقالت فرقة: الإشارة ب { هنالك } إلى حماية الأصنام وعضدها، ~~أي: هؤلاء القوم جند مهزوم في هذه السبيل، وقال مجاهد: الإشارة ~~ب«هنالك» إلى يوم بدر، وهي من الأمور المغيبة أخبر بها عليه ~~السلام. # «وما» في قوله: { جند ما } زائدة مؤكدة، وفيها تخصيص، وباقي ~~الآية بين. # وقال أبو حيان { جند } خبر مبتدإ محذوف، أي: هم جند وما ~~زائدة أو صفة أريد بها التعظيم على سبيل الهزء بهم أو ~~الاستخفاف؛ لأن الصفة تستعمل على هذين المعنيين، و { ~~هنالك } ظرف مكان يشار به إلى البعيد، في موضع صفة ~~ل { جند } ، أي: كائن هنالك، أو متعلق ب { مهزوم } ، انتهى. ### || [38.15-19] # وقوله تعالى: { وما ينظر هؤلآء } أي: ينتظر، { إلا ~~صيحة وحدة } قال قتادة: توعدهم سبحانه بصيحة ~~القيامة والنفخ في الصور، قال الثعلبي: وقد روي هذا ~~التفسير مرفوعا، وقالت طائفة: توعدهم الله بصيحة ~~يهلكون بها في الدنيا، { ما لها من فواق } قرأ الجمهور ~~ بفتح الفاء ، وقرأ حمزة والكسائي «فواق» بضم الفاء ، ~~قال ابن عباس: هما بمعنى، أي: ما لها من انقطاع وعودة، بل ~~هي متصلة حتى تهلكهم، ومنه: فواق الحلب، وهو ~~المهلة التي بين «الشخبين»، وقال ابن زيد وغيره: ~~المعنى مختلف، فالضم كما تقدم من معنى فواق ~~الناقة، والفتح بمعنى الإفاقة، أي: لا يفيقون فيها كما ~~يفيق المريض، والمغشي عليه، والقط: الحظ والنصيب، ~~والقط أيضا الصك والكتاب من السلطان بصلة، ونحوه، ~~واختلف في القط هنا، ما أرادوا به؟ فقال ابن جبير: أرادوا به: ~~عجل لنا نصيبنا من الخير والنعيم في دنيانا، وقال أبو ~~العالية: أرادوا عجل لنا صحفنا بأيماننا؛ وذلك لما سمعوا في ~~القرآن أن الصحف تعطى يوم القيامة بالأيمان والشمائل، ~~وقال ابن عباس وغيره: أرادوا ضد هذا من العذاب ونحوه، وهذا نظير ~~قولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # [الأنفال:32] قال * ع *: وعلى كل تأويل، فكلامهم خرج على جهة ~~الاستخفاف والهزء. # { واذكر عبدنا * داوود ذا الأيد ms1166 } أي: فتأس به ~~ولا تلتفت إلى هؤلاء، «والأيد» القوة في الدين والشرع ~~والصدع به، وال { أواب } الرجاع إلى طاعة الله، وقاله ~~مجاهد وابن زيد وفسره السدي: بالمسبح، وتسبيح الجبال ~~هنا حقيقة، و { الإشراق }: ضياء الشمس وارتفاعها، وفي هذين ~~الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل، قال الثعلبي: وليس الإشراق ~~طلوع الشمس، وإنما هو صفاؤها وضوءها، انتهى. قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: قال [ابن عباس]: ما كنت أعلم صلاة الضحى في القرآن ~~حتى سمعت الله تعالى يقول: { يسبحن بالعشى والإشراق ~~} قال ابن العربي: أما صلاة الضحى فهي في هذه الآية نافلة ~~مستحبة، ولا ينبغي أن تصلى حتى تتبين الشمس طالعة قد ~~أشرق نورها، وفي صلاة الضحى أحاديث أصولها ثلاثة: الأول ~~حديث أبي ذر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة؛ ~~تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف ~~صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطته الأذى ~~عن الطريق صدقة، وبضعه أهله صدقة، ويجزىء من ~~ذلك كله ركعتان من الضحى ". # الثاني: حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن ~~أبيه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح، ~~حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا، ~~غفرت خطاياه، وإن كانت أكثر من زبد البحر ". # الثالث: حديث أم هانىء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~يوم الفتح ثماني ركعات، انتهى. # * ت *: وروى أبو عيسى الترمذي وغيره عن أنس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله ~~تعالى، حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، ~~كانت له كأجر حجة وعمرة تامة " # ، قال الترمذي: حديث حسن انتهى. قال الشيخ أبو الحسن ~~بن بطال في شرحه للبخاري: وعن زيد بن أسلم قال: سمعت ~~عبد الله بن عمر يقول لأبي ذر: أوصني يا عم، قال: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني؛ ~~فقال: # " من صلى الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ~~ومن ms1167 صلى أربعا، كتب من العابدين، ومن صلى ~~ستا، لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ~~ثمانيا، كتب من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ~~ركعة، بنى الله له بيتا في الجنة " # انتهى. # { والطير }: عطف على الجبال، أي: وسخرنا الطير، و { ~~محشورة } معناه مجموعة، والضمير في «له» قالت فرقة: هو ~~عائد على الله عز وجل و { كل } على هذا، يراد به: ~~داود والجبال والطير، وقالت فرقة: هو عائد على داود ف { كل } ~~على هذا يراد به الجبال والطير. ### || [38.20-22] # وقوله تعالى: { وشددنا ملكه }: عبارة عامة لجميع ما ~~وهبه الله تعالى من قوة وجند ونعمة، { وفصل الخطاب } ~~، قال ابن عباس وغيره: هو فصل القضاء بين الناس بالحق ~~وإصابته وفهمه، وقال الشعبي: أراد قول «أما بعد» فإنه ~~أول من قالها، قال * ع *: والذي يعطيه اللفظ أنه آتاه ~~فصل الخطاب، بمعنى أنه إذا خاطب في نازلة، فصل المعنى ~~وأوضحه، لا يأخذه في ذلك حصر ولا ضعف. # وقوله تعالى: { وهل أتاك نبؤا الخصم } الآية مخاطبة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، واستفتحت بالاستفهام؛ تعجيبا من ~~القصة وتفخيما لها، والخصم يوصف به الواحد والاثنان ~~والجمع، و { تسوروا } معناه: علوا سوره، وهو جمع ~~«سورة» وهي القطعة من البناء، وتحتمل هذه الآية أن يكون ~~المتسور اثنان فقط، فعبر عنهما بلفظ الجمع، ~~ويحتمل أن يكون مع كل واحد من الخصمين جماعة، و { ~~المحراب } الموضع الأرفع من القصر أو المسجد، وهو ~~موضع التعبد، وإنما فزع منهم من حيث دخلوا من غير الباب، ~~ودون استئذان، ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا الخصم إنما ~~كانوا ملائكة بعثهم الله ضرب مثل لداود، فاختصموا إليه ~~في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتاهم بفتيا هي ~~واقعة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد، خر ~~راكعا وأناب، واستغفر، وأما نازلته التي وقع ~~فيها، ففيها للقصاص تطويل، فلم نر سوق جميع ذلك ~~لعدم صحته. # وروي في ذلك عن ابن عباس ما معناه؛ أن داود كان في ~~محرابه يتعبد؛ إذ دخل عليه طائر حسن ~~الهيئة، فمد يده إليه؛ ms1168 ليأخذه، فزال مطعما له ~~من موضع إلى موضع، حتى اطلع على امرأة لها ~~منظر وجمال، فخطر في نفسه أن لو كانت من ~~نسائه، وسأل عنها، فأخبر أنها امرأة أوريا، ~~وكان في الجهاد فبلغه أنه استشهد فخطب المرأة، ~~وتزوجها، فكانت أم سليمان فيما روي عن ~~قتادة، فبعث الله الخصم ليفتي، قالت فرقة من ~~العلماء: وإنما وقعت المعاتبة على همه، ولم يقع ~~منه شيء سوى الهم، وكان لداود فيما روي تسع ~~وتسعون امرأة، وفي كتب بني إسرائيل في هذه القصة صور ~~لا تليق، وقد قال علي بن أبي طالب: من حدث بما ~~قال هؤلاء القصاص في أمر داود، جلدته حدين لما ~~ارتكب من حرمة من رفع الله قدره. # وقوله: { خصمان } تقديره: نحن خصمان، و { بغى } معناه: ~~اعتدى واستطال، { ولا تشطط } معناه: ولا تتعد في ~~حكمك، و { سواء الصرط } معناه: وسطه. ### || [38.23-25] # وقوله: { إن هذا أخى } [إعراب «أخي»] عطف بيان، وذلك أن ~~ما جرى من هذه الأشياء صفة كالخلق والخلق وسائر ~~الأوصاف، فإنه نعت محض، والعامل فيه هو العامل في ~~الموصوف، وما كان منها مما ليس يوصف به بتة، فهو ~~بدل والعامل فيه مكرر أي: تقديرا يقال: جاءني أخوك زيد، ~~فالتقدير: جاءني أخوك، جاءني زيد، وما كان منها مما ~~لا يوصف به، واحتيج إلى أن يبين به، ويجري مجرى ~~الصفة، فهو عطف بيان. # «والنعجة» في هذه الآية عبر بها عن المرأة، والنعجة في ~~كلام العرب: تقع على أنثى بقر الوحش، وعلى أنثى ~~الضأن، وتعبر العرب بها عن المرأة. # وقوله: { أكفلنيها } أي: ردها في كفالتي، وقال ابن ~~كيسان: المعنى: اجعلها كفلي، أي: نصيبي، { وعزنى } ~~معناه: غلبني، ومنه قول العرب: «من عز بز» أي: من غلب، ~~سلب، ومعنى قوله: { فى الخطاب } أي: كان أوجه مني، ~~فإذا خاطبته، كان كلامه أقوى من كلامي، وقوته أعظم ~~من قوتي. # ويروى أنه لما قال: { لقد ظلمك بسؤال نعجتك ~~} ، تبسما عند ذلك، وذهبا، ولم يرهما لحينه، فشعر ~~حينئذ للأمر، ويروى أنهما ذهبا نحو السماء بمرأى ~~منه. # و { الخلطآء }: الشركاء في ms1169 الأملاك، والأمور، وهذا ~~القول من داود وعظ لقاعدة حق، ليحذر الخصم ~~من الوقوع في خلاف الحق. # وقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم }: قال أبو حيان: { وقليل } خبر مقدم، و«ما» ~~زائدة تفيد معنى التعظيم، انتهى. # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " أشد الأعمال ذكر الله على كل حال، والإنصاف ~~من نفسك، ومواساة الأخ في المال " # انتهى. # وقوله تعالى: { وظن داوود أنما فتنه } معناه: شعر ~~للأمر وعلمه، و { فتنه } أي: ابتليناه ~~وامتحناه، وقال البخاري: قال ابن عباس: { فتنه } أي: ~~اختبرناه، وأسند البخاري عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن ~~سجدة «ص» أين تسجد، فقال: أو ما تقرأ # ومن ذريته داوود وسليمن # [الأنعام:84] إلى قوله: # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام:90] فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي ~~به، فسجدها داود؛ فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~انتهى، فتأمله وما فيه من الفقه، وقرأ أبو عمرو في رواية ~~علي بن نصر: «فتناه» بتخفيف التاء والنون على إسناد ~~الفعل للخصمين، أي: امتحناه عن أمرنا، قال أبو سعيد ~~الخدري: «رأيتني في النوم أكتب سورة «ص» فلما بلغت ~~قوله: { وخر راكعا وأناب } سجد القلم، ورأيتني في ~~منام آخر، وشجرة تقرأ سورة «ص» فلما بلغت هذا، ~~سجدت، وقالت: اللهم، اكتب لي بها أجرا، وحط ~~عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني ~~كما تقبلتها من عبدك داود، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت: لا، قال: أنت ~~كنت أحق بالسجدة من الشجرة، ثم تلا نبي الله ~~الآيات حتى بلغ: { وأناب } ، فسجد، وقال كما قالت ~~الشجرة». # { وأناب } معناه: رجع، * ت *: وحديث سجود الشجرة رواه ~~الترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حبان في «صحيحيهما»، وقال ~~الحاكم: هو من شرط الصحة، انتهى من «السلاح». # والزلفى: القربة والمكانة الرفيعة، والمآب: المرجع في ~~الآخرة من آب يئوب: إذا رجع. ### || [38.26-28] # وقوله تعالى: { يداوود إنا جعلنك خليفة فى الارض ~~} تقدير الكلام: وقلنا له يا داود، ms1170 قال * ع *: ولا يقال ~~خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء، فكل واحد خليفة للذي ~~قبله، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة ~~الله فذلك تجوز وغلو؛ ألا ترى أن الصحابة رضي ~~الله عنهم حرزوا هذا المعنى، فقالوا لأبي بكر: خليفة ~~رسول الله، وبهذا كان يدعى مدة خلافته، فلما ولي ~~عمر؛ قالوا: يا خليفة خليفة رسول الله، فطال الأمر، ~~ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر؛ فدعوه ~~أمير المؤمنين، وقصر هذا الاسم على الخلفاء. # وقوله: { فيضلك } قال أبو حيان: منصوب في جواب النهي، (ص) ~~أبو البقاء وقيل: مجزوم عطفا على النهي وفتحت [اللام] ~~لالتقاء الساكنين، انتهى. # وقوله سبحانه: { إن الذين يضلون عن سبيل الله } إلى ~~قوله: { وليتذكر أولو الألباب }: اعتراض فصيح بين ~~الكلامين من أمر داود وسليمان، وهو خطاب لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وعظة لأمته، و { نسوا } في هذه الآية معناه ~~تركوا، ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين ~~العاملين بالصالحات وبين المفسدين الكفرة وبين ~~المتقين والفجار، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان ~~والتقوى، وترغيب في عمل الصالحات، قال ابن العربي: ~~نفى الله تعالى المساواة بين المؤمنين والكافرين، ~~وبين المتقين والفجار؛ فلا مساواة بينهم في الآخرة، ~~كما قاله المفسرون ولا في الدنيا أيضا؛ لأن المؤمنين ~~المتقين معصومون دما ومالا وعرضا، والمفسدون في الأرض ~~والفجار مباحو الدم والمال والعرض، فلا وجه ~~لتخصيص المفسرين بذلك في الآخرة دون الدنيا، انتهى، من ~~«الأحكام»؛ وهذا كما قال: وقوله تعالى في الآية الأخرى: # سواء محيهم وممتهم # [الجاثية:21] يشهد له، وباقي الآية بين. ### || [38.29-33] # وقوله تعالى: { كتب أنزلنه إليك مبرك ~~ليدبروا ءايته } قال الغزالي في «الإحياء»: ~~اعلم أن القرآن من أوله إلى آخره تحذير وتخويف لا ~~يتفكر فيه متفكر إلا ويطول حزنه، ويعظم خوفه ~~إن كان مؤمنا بما فيه وترى الناس يهذونه هذا، ~~يخرجون الحروف من مخارجها، ويتناظرون على خفضها ~~ورفعها ونصبها، لا يهمهم الالتفات إلى معانيها ~~والعمل بما فيها، وهل في العلم غرور يزيد على هذا، انتهى ~~من «كتاب ذم الغرور». # واختلف المتأولون ms1171 في قصص هذه الخيل المعروضة على ~~سليمان عليه السلام فقال الجمهور: إن ~~سليمان عليه السلام عرضت عليه آلاف من الخيل ~~تركها أبوه، فأجريت بين يديه عشاء، فتشاغل ~~بجريها ومحبتها، حتى فاته وقت صلاة العشي، ~~فأسف لذلك؛ وقال: ردوا علي الخيل؛ فطفق ~~يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، قال الثعلبي وغيره، ~~وجعل ينحرها تقربا إلى الله تعالى؛ حيث اشتغل بها ~~عن طاعته، وكان ذلك مباحا لهم كما أبيح لنا بهيمة ~~الأنعام، قال * ع *: فروي أن الله تعالى أبدله ~~منها أسرع منها، وهي الريح، قال ابن العربي في «أحكامه»: و { ~~الخير } هنا هي الخيل؛ وكذلك قرأها ابن مسعود: «إني ~~أحببت حب الخيل» انتهى، و«الصافن»: الذي يرفع إحدى ~~يديه؛ وقد يفعل ذلك برجله؛ وهي علامة الفراهية؛ ~~وأنشد الزجاج: [الكامل] # ألف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # قال بعض العلماء: { الخير } هنا أراد به الخيل، والعرب ~~تسمي الخيل، الخير، وفي مصحف ابن مسعود: «حب ~~الخيل» باللام. # والضمير في { توارت } للشمس، وإن كان لم يتقدم لها ~~ذكر: لأن المعنى يقتضيها، وأيضا فذكر العشي ~~يتضمنها، وقال بعض المفسرين { حتى توارت بالحجاب ~~} ، أي: الخيل دخلت إصطبلاتها، وقال ابن عباس ~~والزهري: مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف؛ ~~بل بيده تكريما لها؛ ورجحه الطبري، وفي البخاري: { فطفق ~~مسحا } يمسح أعراف الخيل وعراقيبها؛ انتهى، وعن بعض ~~العلماء أن هذه القصة لم يكن فيها فوت صلاة، وقالوا: ~~عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم؛ أي: إني في ~~صلاة، فأزالوها عنه حتى أدخلوها في الإصطبلات، فقال هو، ~~لما فرغ من صلاته: إني أحببت حب الخير، أي: الذي عند ~~الله في الآخرة؛ بسبب ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك ~~عن رؤية الخيل، حتى أدخلت إصطبلاتها، ردوها علي، ~~فطفق يمسح أعرافها وسوقها، تكرمة لها، أي: لأنها ~~معدة للجهاد، وهذا هو الراجح عند الفخر، قال: ولو كان معنى ~~مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله: # وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم # [المائدة:6] قطعها * ت *: وهذا لا يلزم للقرينة في الموضعين، ~~اه. قال أبو حيان: و ms1172 { حب الخير } قال الفراء: مفعول به، ~~{ أحببت } مضمن معنى آثرت، وقيل: منصوب على المصدر ~~التشبيهي، أي: حبا مثل حب الخير، انتهى. # وقوله: { عن ذكر ربى } «عن» على كل تأويل هنا ~~للمجاوزة من شيء إلى شيء، وتدبره فإنه مطرد. ### || [38.34-35] # وقوله تعالى: { ولقد فتنا سليمن } الآية، * ت *: اعلم ~~ رحمك الله أن الناس قد أكثروا في قصص هذه ~~الآية بما لا يوقف على صحته، وحكى الثعلبي في بعض الروايات؛ ~~أن سليمان عليه السلام لما فتن، سقط الخاتم من ~~يده، وكان فيه ملكه، فأعاده إلى يده، فسقط؛ وأيقن ~~بالفتنة، وأن آصف بن برخيا قال له: يا نبي الله، إنك ~~مفتون؛ ولذلك لا يتماسك الخاتم في يدك أربعة ~~عشر يوما؛ ففر إلى الله تعالى تائبا من ذنبك، ~~وأنا أقوم مقامك في عالمك إن شاء الله تعالى ~~إلى أن يتوب الله تعالى عليك، ففر سليمان ~~هاربا إلى ربه منفردا لعبادته، وأخذ آصف ~~الخاتم، فوضعه في يده، فثبت، وقيل: إن الجسد الذي ~~قال الله تعالى: { وألقينا على كرسيه جسدا } هو ~~آصف كاتب سليمان، وهو الذي عنده علم من الكتاب، وأقام ~~آصف في ملك سليمان وعياله يسير بسيرته الحسنة، ويعمل ~~بعمله أربعة عشر يوما إلى أن رجع سليمان إلى منزله ~~تائبا إلى الله تعالى، ورد الله تعالى عليه ملكه، ~~فأقام آصف عن مجلسه، وجلس سليمان على كرسيه، وأعاد ~~الخاتم، وقال سعيد بن المسيب: إن سليمان بن داود ~~عليهما السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى ~~الله إليه: أن يا سليمان، احتجبت عن الناس ثلاثة ~~أيام، فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوما ~~من ظالم، وذكر حديث الخاتم كما تقدم، انتهى، وهذا الذي نقلناه ~~أشبه ما ذكر، وأقرب إلى الصواب؛ والله أعلم، وقال ~~عياض: قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمن } معناه: ~~ابتليناه، وابتلاؤه: هو ما حكي في الصحيح أنه قال: ~~«لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يأتين ~~بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: «إن شاء ~~الله» تحمل منهن إلا امرأة جاءت بشق رجل»، الحديث، ~~قال أصحاب المعاني: ms1173 والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه ~~حين عرض عليه؛ وهي كانت عقوبته ومحنته، وقيل: بل مات، وألقي ~~على كرسيه ميتا، وأما عدم استثنائه، فأحسن ~~الأجوبة عنه، ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقول: ~~«إن شاء الله»، ولا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه ~~الشيطان به وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته؛ لأن ~~الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء ~~من مثله، انتهى، * ت *: قال ابن العربي: { وألقينا على ~~كرسيه جسدا } يعني جسده لا أجساد الشياطين؛ كما يقوله ~~الضعفاء، انتهى من «كتاب تفسير الأفعال» له، قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: وما ذكره بعض المفسرين من أن الشيطان أخذ خاتمه، ~~وجلس مجلسه، وحكم الخلق على لسانه قول باطل قطعا ~~؛ لأن الشياطين لا يتصورون بصور الأنبياء؛ ولا ~~يمكنون من ذلك؛ حتى يظن الناس أنهم مع نبيهم في حق، ~~وهم مع الشياطين في باطل؛ ولو شاء ربك لوهب من المعرفة ~~(والدين) لمن قال هذا القول ما يزعه عن ذكره، ~~ويمنعه من أن يسطره في ديوان من بعده، انتهى. # وقوله: { وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد } الآية، قال * ع *: ~~من المقطوع به أن سليمان عليه السلام إنما قصد ~~بذلك قصدا برا؛ لأن للإنسان أن يرغب من فضل الله فيما لا ~~يناله أحد؛ لا سيما بحسب المكانة والنبوة. ### || [38.36-48] # وقوله تعالى: { فسخرنا له الريح... } الآية، كان لسليمان ~~كرسي فيه جنوده، وتأتي عليه الريح الإعصار، فتنقله من ~~الأرض حتى يحصل في الهواء، ثم تتولاه الرخاء؛ وهي ~~اللينة القوية لا تأتي فيها دفع مفرطة فتحمله؛ ~~غدوها شهر ورواحها شهر، { حيث أصاب }: معناه: حيث ~~أراد؛ قاله وهب وغيره، قال * ع *: ويشبه أن [أصاب] معدى ~~«صاب يصوب»، أي: حيث وجه جنوده، وقال الزجاج: معناه: قصد، ~~قلت: وعليه اقتصر أبو حيان؛ فإنه قال: أصاب: أي قصد؛ وأنشد ~~الثعلبي: [المتقارب] # أصاب الكلام فلم يستطع # فأخطا الجواب لدى المفصل # انتهى. # وقوله: { كل بناء } بدل من { الشيطين } و { ~~مقرنين } معناه: موثقين؛ قد قرن بعضهم ببعض، و { ~~الأصفاد } القيود والأغلال، ms1174 قال الحسن: والإشارة بقوله: { ~~هذا عطاؤنا... } الآية، إلى جميع ما أعطاه الله سبحانه من ~~الملك؛ وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه ~~وقفه على قدر النعمة، ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته؛ وهذا ~~أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدمت قصة أيوب في سورة ~~الأنبياء. # وقوله: { أنى مسنى الشيطن بنصب... } الآية، ~~النصب: المشقة، فيحتمل أن يشير إلى مسه حين سلطه الله ~~على إهلاك ماله وولده وجسمه؛ حسبما روي في ذلك، وقيل: ~~أشار إلى مسه إياه في تعرضه لأهله؛ وطلبه منها أن تشرك ~~بالله؛ فكأن أيوب تشكى هذا الفصل، وكان عليه أشد من ~~مرضه، وهنا في الآية محذوف تقديره: فاستجاب له وقال: { اركض ~~برجلك } فروي أن أيوب ركض الأرض فنبعت له عين ماء ~~صافية باردة؛ فشرب منها، فذهب كل مرض في داخل جسده، ثم ~~اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه، وروي أن الله تعالى ~~وهب له أهله وماله في الدنيا، ورد من مات منهم، وما هلك من ~~ماشيته وحاله، ثم بارك له في جميع ذلك، وروي أن هذا كله وعد ~~به في الآخرة، والأول أكثر في قول المفسرين. # * ت *: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما قال عبد قط، إذا أصابه هم أو حزن: ~~اللهم، إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي ~~بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك ~~بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك أو أنزلته في ~~كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت ~~به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، ~~إلا أذهب الله غمه وأبدله مكان حزنه فرحا، ~~قالوا: يا رسول الله: ينبغي لنا أن نتعلم هذه ~~الكلمات؟ قال: أجل، ينبغي لمن سمعهن أن ~~يتعلمهن " # قال صاحب «السلاح»: رواه الحاكم في «المستدرك»، وابن حبان ~~في «صحيحه». # * ت *: ورويناه من طريق النووي عن ابن السني بسنده عن ~~أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله ms1175 عليه وسلم وفيه: # " أنا عبدك ابن عبدك ابن أمتك في قبضتك " # ، وفيه: # " فقال رجل من القوم: إن المغبون لمن غبن ~~هؤلاء الكلمات، فقال: أجل، فقولوهن وعلموهن؛ ~~من قالهن، التماس ما فيهن أذهب الله تعالى ~~حزنه وأطال فرحه " # انتهى. # وقوله: { وذكرى } معناه: موعظة وتذكرة يعتبر بها أولو ~~العقول، ويتأسون بصبره في الشدائد، ولا ييئسون من ~~رحمة الله على حال. # وروي أن أيوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه ~~تختلف إليه فيتلقاها الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيئة ~~ناصح؛ وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم ~~الفلاني لبرىء، لو ذبح عناقا للصنم الفلاني ~~لبرىء، ويعرض عليها وجوها من الكفر، فكانت هي ربما عرضت ~~شيئا من ذلك على أيوب، فيقول لها: لقيت عدو الله في طريقك، ~~فلما أغضبته بهذا ونحوه؛ حلف عليها لئن برىء من مرضه ~~ليضربنها مائة سوط، فلما برىء؛ أمره الله تعالى أن يأخذ ~~ضغثا فيه مائة قضيب، «والضغث»: القبضة الكبيرة من القضبان ~~ونحوها من الشجر الرطب؛ قاله الضحاك وأهل اللغة، فيضرب ~~به ضربة واحدة، فتبر يمينه؛ وهذا حكم قد ورد في شرعنا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم [مثله في حد الزنا لرجل زمن، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم] بعذق نخلة فيه شماريخ ~~مائة أو نحوها، فضرب ضربة، ذكر الحديث أبو داود، وقال ~~بهذا بعض فقهاء الأمة، وليس يرى ذلك مالك بن أنس وأصحابه، وكذلك ~~جمهور العلماء على ترك القول به، وأن الحدود والبر في الأيمان لا ~~تقع إلا بتمام عدد الضربات، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» يعني: ~~أولي القوة في طاعة الله؛ قاله ابن عباس ومجاهد، وقالت فرقة: معناه: ~~أولى الأيدي والنعم التي أسداها الله إليهم من النبوة ~~والمكانة، { والأبصر } عبارة عن البصائر، أي: يبصرون ~~الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وقرأ نافع وحده: «بخالصة ~~ذكرى الدار»، على الإضافة، وقرأ الباقون «بخالصة» على تنوين ~~«خالصة» ف«ذكرى» على هذه القراءة بدل من خالصة فيحتمل أن ~~يكون معنى الآية: أنا أخلصناهم بأن خلص لهم التذكير بالدار الآخرة ms1176 ~~ودعاء الناس إليها؛ وهذا قول قتادة، وقيل المعنى: أنا أخلصناهم، ~~بأن خلص لهم ذكرهم للدار الآخرة وخوفهم لها والعمل بحسب ذلك؛ ~~وهذا قول مجاهد، وقال ابن زيد: المعنى أنا وهبناهم أفضل ما في ~~الدار الآخرة، وأخلصناهم به، وأعطيناهم إياه، ويحتمل أن يريد ~~بالدار دار الدنيا على معنى ذكر الثناء والتعظيم من الناس. ### || [38.49-54] # وقوله تعالى: { هذا ذكر } يحتمل معنيين: # أحدهما: أن يشير إلى مدح من ذكر وإبقاء الشرف له، ~~فيتأيد بهذا قول من قال: إن الدار يراد بها الدنيا. # والثاني: أن يشير بهذا إلى القرآن، أي: ذكر للعالم. # و { جنت } بدل من { لحسن مئاب } و { مفتحة } ~~نعت ل { جنت } ، و { الأبواب } مفعول لم يسم فاعله، ~~وباقي الآية بين. ### || [38.55-61] # وقوله سبحانه: { هذا وإن للطغين لشر مئاب } ~~الآية، التقدير: الأمر هذا، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا واقع أو ~~نحوه، و«الطغيان» هنا في الكفر. # وقوله تعالى: { هذا فليذوقوه حميم وغساق } قرأ ~~الجمهور: «غساق» بتخفيف السين وهو اسم بمعنى السائل، قال ~~قتادة: الغساق: ما يسيل من صديد أهل النار، قال * ص *: ~~الغساق السائل، وعن أبي عبيدة أيضا: البارد المنتن بلغة ~~الترك، انتهى، قال الفخر: { هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق } فيه وجهان: الأول على التقديم والتأخير، والتقدير: هذا ~~حميم وغساق أي: منه حميم وغساق، انتهى، * ت *: والوجه الثاني: أن ~~الآية ليس فيها تقديم ولا تأخير وهو واضح، وقرأ الجمهور { ~~وءاخر } بالإفراد، ولهم عذاب آخر، ومعنى { من شكله } أي: ~~من مثله وضربه، وقرأ أبو عمرو وحده: «وأخر» على الجمع، و { ~~أزوج } معناه: أنواع، والمعنى: لهم حميم وغساق، وأغذية أخر من ~~ضرب ما ذكر. # وقوله تعالى: { هذا فوج } هو مما يقال لأهل النار، إذا ~~سيق عامة الكفار والأتباع إليها؛ لأن رؤساءهم يدخلون النار ~~أولا، والأظهر أن قائل ذلك لهم ملائكة العذاب، وهو الذي حكاه ~~الثعلبي وغيره، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض، ~~فيقول البعض الأخر: { لا مرحبا بهم } أي، لا سعة مكان، ~~ولا خير يلقونه. # وقوله: { بل أنتم لا مرحبا بكم } حكاية لقول الأتباع ~~لرؤسائهم، ms1177 أي: أنتم قدمتموه لنا بإغوائكم وأسلفتم لنا ما أوجب ~~هذا، قال العراقي: [الرجز] # مقتحم أي داخل بشده # مجاوز لما اقتحم بالشده # انتهى. # وقوله تعالى: { قالوا ربنا من قدم لنا هذا... } ~~الآية، هو حكاية لقول الأتباع أيضا دعوا على رؤسائهم؛ بأن يكون ~~عذابهم مضاعفا. ### || [38.62-69] # وقوله تعالى: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار... } الآية: الضمير في { قالوا } ~~لأشراف الكفار ورؤسائهم، وهذا مطرد في كل أمة، وروي أن ~~قائلي هذه المقالة أهل القليب؛ كأبي جهل وأمية بن ~~خلف وعتبة بن ربيعة، ومن جرى مجراهم، وأن الرجال ~~الذين يشيرون إليهم هم كعمار بن ياسر، وبلال وصهيب، ~~ومن جرى مجراهم، قاله مجاهد وغيره، والمعنى: كنا في الدنيا ~~نعدهم أشرارا، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو «اتخذناهم» ~~بصلة الألف، على أن يكون ذلك في موضع الصفة لرجال، وقرأ الباقون ~~«أتخذناهم» بهمزة الاستفهام، ومعناها: تقرير أنفسهم على ~~هذا؛ على جهة التوبيخ لها والأسف، أي: اتخذناهم سخريا ولم يكونوا ~~كذلك، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سخريا» بضم السين من ~~السخرة، والاستخدام، وقرأ الباقون: «سخريا» بكسر السين ~~، ومعناها المشهور من السخر الذي هو بمعنى الهزء، وقولهم: ~~{ أم زاغت } معادلة لما في قولهم: { ما لنا لا نرى } ~~والتقدير في هذه الآية: أمفقودون هم أم هم معنا، ولكن زاغت ~~عنهم أبصارنا، فلا نراهم، والزيغ: الميل. # ثم أخبر تعالى نبيه بقوله: { إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار } والإشارة بقوله تعالى: { قل هو نبأ عظيم } ~~إلى التوحيد والمعاد، فهي إلى القرآن وجميع ما تضمن، وعظمه ~~أن التصديق به نجاة والتكذيب به هلكة، ووبخهم بقوله: { ~~أنتم عنه معرضون } ، ثم أمر عليه السلام أن يقول ~~محتجا على صحة رسالته: « { ما كان لى من علم ~~بالملإ الأعلى } لولا أن الله أخبرني بذلك» والملأ ~~الأعلى أراد به: الملائكة، واختلف في الشيء الذي هو ~~اختصامهم فيه؛ فقالت فرقة: اختصامهم في شأن آدم: كقولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة:30] ويدل على ذلك ما يأتي من الآيات، وقالت فرقة: بل ~~اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب، ونحوه ms1178 فإن العبد إذا ~~فعل حسنة، اختلفت الملائكة في قدر ثوابه في ذلك، حتى ~~يقضي الله بما شاء، وروي في هذا حديث فسره ابن فورك ~~يتضمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ربه عز وجل ~~ في نومه: «أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ~~لا، قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما ~~الكفارات: فإسباغ الوضوء في الغدوات الباردة، ونقل ~~الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد ~~الصلاة، وأما الدرجات: فإفشاء السلام، وإطعام ~~الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» الحديث قال ~~ابن العربي في «أحكامه»: وقد رواه الترمذي صحيحا، وفيه «قال: ~~سل؛ قال: اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك ~~المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، ~~وإذا أردت فتنة في قوم، فتوفني غير مفتون، ~~وأسألك حبك، وحب من يحبك، وعملا يقرب ~~إلي حبك» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنها حق فارسموها، ثم تعلموها " # انتهى. ### || [38.70-76] # وقوله: { إن يوحى إلى إلا أنما أنا نذير مبين ~~} قال الفراء: إن شئت جعلت «أنما» في موضع رفع، كأنه ~~قال: ما يوحى إلي إلا الإنذار، أو: ما يوحى إلي إلا ~~أني نذير مبين، انتهى، وهكذا قال أبو حيان: «إن» بمعنى: «ما» ~~وباقي الآية بين مما تقدم في «البقرة» وغيرها. # وقوله تعالى: { بيدى } عبارة عن القدرة والقوة. # وقوله: { أستكبرت }: المعنى: أحدث لك الاستكبار الآن أم ~~كنت قديما ممن لا يليق أن تكلف مثل هذا لعلو ~~مكانك؛ وهذا على جهة التوبيخ له. ### || [38.77-86] # وقوله تعالى: { قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن ~~عليك لعنتى إلى يوم الدين * قال رب فأنظرنى ~~إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم } الآية، «الرجيم» أي: ~~المرجوم بالقول السيىء، واللعنة: الإبعاد. # وقوله سبحانه: { فالحق والحق أقول } قال مجاهد: المعنى: ~~فالحق أنا، وقرأ الجمهور: «فالحق والحق» بنصب الاثنين، ~~فأما الثاني، فمنصوب ب«أقول» وأما الأول فيحتمل أن ~~ينتصب على الإغراء، ويحتمل أن ينتصب على القسم، على ~~إسقاط حرف القسم، كأنه قال: فوالحق؛ ثم حذف الحرف؛ كما ~~تقول: الله، لأفعلن، تريد والله؛ ويقوي ذلك قوله: ms1179 { ~~لأملان } وقد قال سيبويه: قلت للخليل: ما معنى: ~~«لأفعلن» إذا جاءت مبتدأة؟ فقال: هي بتقدير قسم منوي، ~~وقالت فرقة: «الحق» الأول منصوب بفعل ومضمر، وقرأ ابن عباس: ~~«فالحق والحق» برفع الاثنين، وقرأ عاصم وحمزة: «فالحق» ~~بالرفع، و«الحق» بالنصب ، وهي قراءة مجاهد وغيره. # ثم أمر تعالى نبيه [أن] يخبرهم بأنه ليس بسائل منهم عليه أجرا ~~وأنه ليس ممن يتكلف ما لم يجعل إليه، ولا يختلي بغير ما ~~هو فيه، قال الزبير بن العوام: نادى منادي النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم، اغفر للذين لا يدعون، ولا يتكلفون؛ ~~ألا إني بريء من التكلف وصالحو أمتي ". ### || [38.87-88] # وقوله: { إن هو } يريد القرآن و { ذكر } بمعنى تذكرة، ثم ~~توعدهم بقوله: { ولتعلمن نبأه بعد حين } وهذا على ~~حذف تقديره: لتعلمن صدق نبئه بعد حين، قال ابن زيد: أشار إلى ~~يوم القيامة، وقال قتادة والحسن: أشار إلى الآجال التي لهم؛ لأن ~~كل واحد منهم يعرف الحقائق بعد موته. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-5] # قوله تعالى: { تنزيل الكتب... } الآية، { تنزيل } رفع ~~بالابتداء، والخبر قوله: { من الله } وقالت فرقة: { تنزيل } ~~خبر مبتدإ محذوف، تقديره: هذا تنزيل، والإشارة إلى القرآن؛ ~~قاله المفسرون، ويظهر لي أنه اسم عام لجميع ما تنزل من ~~عند الله، فكأنه أخبر إخبارا مجردا أن الكتب ~~الهادية الشارعة إنما تنزيلها من الله تعالى، وجعل هذا ~~الإخبار تقدمة وتوطئة لقوله: { إنا أنزلنا إليك ~~الكتب }. # وقوله: { بالحق } معناه: متضمنا الحق، أي: بالحق فيه، وفي ~~أحكامه وأخباره، و { الدين } هنا يعم المعتقدات وأعمال ~~الجوارح، قال قتادة: و { الدين الخالص }: «لا إله إلا ~~الله». # وقوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أولياء... } ~~الآية، أي: يقولون، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى، وفي مصحف ابن مسعود: «قالوا ما نعبدهم» وهي قراءة ~~ابن عباس وغيره، وهذه المقالة شائعة في العرب في الجاهلية يقولون في ~~معبوداتهم من الأصنام وغيرها: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، قال ~~مجاهد: وقد قال ذلك قوم من اليهود في عزير، وقوم من النصارى في ~~عيسى. # و { زلفى } بمعنى قربة ms1180 وتوصلة، [كأنهم] قالوا ليقربونا ~~إلى الله تقريبا، وكأن هذه الطوائف كلها ترى نفوسها ~~أقل من أن تتصل هي بالله، فكانت ترى أن تتصل ~~بمخلوقاته. # و { زلفى } عند سيبويه، مصدر في موضع الحال كأنه ~~تنزل منزلة «متزلفين» والعامل فيه { ليقربونا } ~~، وقرأ الجحدري «كذاب كفار» بالمبالغة فيهما، وهذه ~~المبالغة إشارة إلى التوغل في الكفر. # وقوله تعالى: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } معناه: ~~اتخاذ التشريف والتبني؛ وعلى هذا يستقيم قوله تعالى: { ~~لاصطفى مما يخلق } وأما الاتخاذ المعهود في الشاهد ~~فمستحيل أن يتوهم في جهة الله تعالى، ولا يستقيم عليه ~~معنى قوله: { لاصطفى مما يخلق } ، وقوله تعالى: # وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم:92] لفظ يعم اتخاذ النسل واتخاذ الاصطفاء، فأما الأول ~~فمعقول، وأما الثاني فمعروف بخبر الشرع، ومما يدل على أن معنى ~~قوله: { أن يتخذ } إنما المقصود به اتخاذ اصطفاء، وتبن ~~ قوله: { مما يخلق } أي: من موجوداته ومحدثاته ~~ثم نزه سبحانه نفسه تنزيها مطلقا عن كل ما لا يليق به ~~سبحانه. # وقوله تعالى: { يكور الليل على النهار... } الآية، ~~معناه: يعيد من هذا على هذا، ومنه كور العمامة التي ~~يلتوي بعضها على بعض، فكأن الذي يطول من النهار أو الليل يصير ~~منه على الآخر جزء فيستره، وكأن الآخر الذي يقصر يلج في ~~الذي يطول، فيستتر فيه. ### || [39.6-7] # وقوله تعالى: { خلقكم من نفس وحدة ثم جعل منها ~~زوجها } قيل: «ثم» هنا: لترتيب الإخبار لا لترتيب الوجود، ~~وقيل: قوله: { خلقكم من نفس وحدة }: هو أخذ الذرية من ~~ظهر آدم، وذلك شيء كان قبل خلق حواء، * ت *: وهذا يحتاج إلى سند ~~قاطع. # وقوله سبحانه: { فى ظلمت ثلث } قالت فرقة: الأولى هي ~~ظهر الأب، ثم رحم الأم، ثم المشيمة في البطن، وقال مجاهد ~~وغيره: هي المشيمة والرحم والبطن، وهذه الآيات كلها فيها ~~عبر وتنبيه على توحيد الخالق الذي لا يستحق العبادة ~~غيره وتوهين لأمر الأصنام. # وقوله سبحانه: { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم... } ~~الآية، قال ابن عباس: هذه الآية مخاطبة للكفار، قال * ع *: وتحتمل ~~أن تكون مخاطبة ms1181 لجميع الناس، لأن الله سبحانه غني عن جميع ~~الناس، وهم فقراء إليه، واختلف المتأولون من أهل السنة في ~~تأويل قوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } فقالت فرقة: ~~«الرضا» بمعنى الإرادة، والكلام ظاهره العموم، ومعناه الخصوص ~~فيمن قضى الله له بالإيمان، وحتمه له، فعباده على هذا ~~ملائكته ومؤمنو الإنس والجن، وهذا يتركب على قول ابن عباس، ~~وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح، والكفر يقع ممن يقع ~~بإرادة الله تعالى، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه ~~دينا لهم، ومعنى لا يرضاه: لا يشكره لهم، ولا يثيبهم به خيرا، ~~فالرضى: على هذا هو صفة فعل بمعنى، القبول، ونحوه، وتأمل ~~الإرادة فإنما هي حقيقة فيما لم يقع بعد، والرضا؛ فإنما ~~هو حقيقة فيما قد وقع، واعتبر هذا في آيات القرآن تجده، ~~وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا. # وقوله تعالى: { وإن تشكروا يرضه لكم } عموم، والشكر ~~الحقيقي في ضمنه الإيمان، قال النووي: وروينا في سنن ~~أبي داود عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من قال: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم رسولا، وجبت له الجنة " # انتهى. ### || [39.8-9] # وقوله تعالى: { وإذا مس الإنسن ضر دعا ربه... } ~~الآية: { الإنسن } هنا: الكافر، وهذه الآية بين تعالى بها ~~على الكفار، أنهم على كل حال يلجئون إليه في حال ~~الضرورات، و { خوله } معناه ملكه وحكمه فيها ابتداء من ~~الله لا مجازاة، ولا يقال في الجزاء «خول». # وقوله تعالى: { نسي ما كان يدعو إليه } قالت فرقة: «ما» ~~مصدرية، والمعنى: نسي دعاءه إليه في حال الضرورة، ورجع ~~إلى كفره، وقالت فرقة «ما» بمعنى: الذي، والمراد بها الله ~~تعالى، أي: نسي الله، وعبارة الثعلبي: قوله: { نسي ما كان ~~يدعو إليه من قبل } أي: ترك عبادة الله تعالى ~~والتضرع إليه من قبل في حال الضر انتهى» وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { أمن هو قانت } بتخفيف الميم، هي قراءة نافع ~~وابن كثير وحمزة، والهمزة للتقرير والاستفهام، وكأنه يقول: أهذا ms1182 ~~القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلا، وهو من ~~أصحاب النار، وقرأ الباقون: «أمن» بتشديد الميم، والمعنى: أهذا ~~الكافر خير أمن هو قانت؟ والقانت: المطيع؛ وبهذا فسره ~~ابن عباس رضي الله عنهما ، والقنوت في الكلام يقع على ~~القراءة وعلى طول القيام في الصلاة؛ وبهذا فسره ابن عمر ~~ رضي الله عنهما قال الفخر: قيل: إن المراد بقوله: { ~~أمن هو قانت ءاناء اليل }: عثمان بن عفان؛ ~~لأنه كان يحيي الليل، والصحيح أنها عامة في كل من اتصف ~~بهذه الصفة، وفي هذه الآية تنبيه على فضل قيام الليل، انتهى، ~~وروي عن ابن عباس؛ أنه قال: «من أحب أن يهون ~~الله عليه الوقوف يوم القيامة، فليره الله في سواد ~~الليل ساجدا وقائما»، * ت * قال الشيخ عبد الحق في ~~«العاقبة»: وعن قبيصة بن سفيان قال: رأيت سفيان ~~الثوري في المنام بعد موته؛ فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: ~~[الطويل] # نظرت إلى ربي عيانا فقال لي # هنيئا رضائي عنك يا بن سعيد # لقد كنت قواما إذا الليل قد دجا # بعبرة محزون وقلب عميد # فدونك فاختر أي قصر تريده # وزرني فإني منك غير بعيد # وكان شعبة بن الحجاج، ومسعر بن كدام، رجلين ~~فاضلين، وكانا من ثقات المحدثين وحفاظهم، وكان ~~شعبة أكبر فماتا، قال أبو أحمد اليزيدي، فرأيتهما في ~~النوم، وكنت إلى شعبة أميل مني إلى مسعر، فقلت: ~~يا أبا بسطام؛ ما فعل الله بك؟ فقال: وفقك الله يا ~~بني، احفظ ما أقول: # حباني إلهي في الجنان بقبة # لها ألف باب من لجين وجوهرا # وقال لي الجبار: يا شعبة الذي # تبحر في جمع العلوم وأكثرا # تمتع بقربي إنني عنك ذو رضا # وعن عبدي القوام في الليل مسعرا # كفى مسعرا عزا بأن سيزورني # وأكشف عن وجهي ويدنو لينظرا # وهذا فعالي بالذين تنسكوا # ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا # انتهى. «والآناء»: الساعات واحدها «إنى»؛ ك«معى» ويقال: ~~«إني» بكسر الهمزة وسكون النون ، و«أنى» على وزن «قفا». # وقوله سبحانه: { يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربه } ~~قال ابن الجوزي في «المنتخب»: ms1183 يقول الله تعالى: «لا أجمع ~~على عبدي خوفين ولا أمنين؛ من خافني في ~~الدنيا، أمنته في الآخرة، ومن أمنني في الدنيا ~~خوفته في الآخرة»، يا أخي: # امتطى القوم مطايا الدجى على مركب السهر، فما ~~حلوا ولا حلوا رحالهم حتى السحر،درسوا القرآن ~~فغرسوا بأيدي الفكر أزكى الشجر، ومالوا إلى ~~النفوس باللوم؛ فلا تسأل عما شجر، رجعوا ~~بنيل القبول من ذلك السفر، ووقفوا على كنز ~~النجاة وما عندك خبر، فإذا جاء النهار قدموا ~~طعام الجوع، وقالوا للنفس: هذا الذي حضر،حذوا ~~عزمات طاحت الأرض بينها، فصار سراهم في ظهور ~~العزائم،تراهم نجوم الليل ما يبتغونه على ~~عاتق الشعرى وهام النعائم، مالت بالقوم ريح ~~السحر ميل الشجر بالأغصان، وهز الخوف أفنان ~~القلوب فانتشرت الأفنان، فالقلب يخشع واللسان ~~يضرع والعين تدمع والوقت بستان،خلوتهم ~~بالحبيب تشغلهم عن نعم ونعمان، سرورهم ~~أساورهم والخشوع تيجان، خضوعهم حلاهم وماء ~~دمعهم در ومرجان، باعوا الحرص بالقناعة فما ~~ملك أنوشروان، فإذا وردوا القيامة تلقاهم بشر: ~~لولاكم ما طاب الجنان، يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان، أين أنت منهم يا نائم كيقظان، ~~كم بينك وبينهم أين الشجاع من الجبان، ما ~~للمواعظ فيك نجح، موضع القلب باللهو منك ~~ملآن، يا أخي، قف على باب النجاح ولكن وقوف ~~لهفان، واركب سفن الصلاح، فهذا الموت طوفان، ~~إخواني، إنما الليل والنهار مراحل؛ ومركب ~~العمر قد قارب الساحل، فانتبه لنفسك وازدجر ~~يا غافل، يا هذا، أنت مقيم في مناخ الراحلين، ~~ويحك اغتنم أيام القدرة قبل صيحة الانتزاع، ~~فما أقرب ما ينتظر، وما أقل المكث فيما يزول ~~ويتغير. انتهى. ### || [39.10-16] # وقوله تعالى: { قل يعباد الذين ءامنوا اتقوا ~~ربكم } يروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه، حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ووعد سبحانه بقوله: ~~{ للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة } فقوله: { ~~فى هذه الدنيا } متعلق ب { أحسنوا } ، والمعنى: إن ~~الذين يحسنون في الدنيا لهم حسنة في الآخرة، وهي الجنة ~~والنعيم؛ قاله مقاتل ويحتمل أن يريد: أن الذين يحسنون لهم ~~حسنة في الدنيا، وهي العافية والظهور ms1184 وولاية الله تعالى؛ قاله ~~السدي، والأول أرجح أن الحسنة هي في الآخرة. # وقوله سبحانه: { وأرض الله واسعة } حض على الهجرة، ثم ~~وعد تعالى على الصبر على المكاره، والخروج من الوطن ~~ونصرة الدين وجميع الطاعات بتوفية الأجور بغير حساب، ~~وهذا يحتمل معنيين: # أحدهما: أن الصابر يؤتى أجره ولا يحاسب على نعيم ولا ~~يتابع بذنوب، ويكون في جملة الذين يدخلون الجنة بغير حساب. # والثاني من المعنيين: أن أجور الصابرين توفى بغير حصر ولا ~~عد، بل جزافا، وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى؛ وإلى هذا ~~التأويل ذهب جمهور المفسرين، حتى قال قتادة: ليس ثم ~~والله مكيال ولا ميزان، وفي الحديث أنه لما نزلت # والله يضعف لمن يشاء # [البقرة:261] قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم، زد أمتي " # ، فنزلت بعد ذلك # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة:245] فقال: # " اللهم زد أمتي " # حتى نزلت: { إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير ~~حساب } ، قال: «رضيت يا رب». # وقوله تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم } من المعلوم أنه عليه السلام معصوم من ~~العصيان، وإنما الخطاب بالآية لأمته يعمهم حكمه، ~~ويحفهم وعيده. # وقوله: { فاعبدوا ما شئتم من دونه } هذه صيغة أمر ~~على جهة التهديد، وهذا في القرآن كثير، و«الظلة» ما ~~غشي وعم كالسحابة وسقف البيت، ونحوه. # [وقوله سبحانه: { ذلك يخوف الله به عباده } يريد: ~~جميع العالم]. ### || [39.17-18] # وقوله تعالى: { والذين اجتنبوا الطغوت... } الآية، قال ~~ابن زيد: إن سبب نزولها زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان ~~الفارسي وأبو ذر الغفاري، والإشارة إليهم. # * ت *: سليمان إنما أسلم بالمدينة، فيلزم على هذا ~~التأويل أن تكون الآية مدنية، وقال ابن إسحاق: الإشارة بها إلى ~~عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن ~~زيد، والزبير، وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك؛ ~~فجاؤوه، فقالوا: أأسلمت؟ قال: نعم؛ وذكرهم بالله ~~سبحانه، فآمنوا بأجمعهم، فنزلت فيهم هذه الآية، وهي على كل حال ~~عامة في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها، و { ~~الطغوت }: كل ما ms1185 عبد من دون الله. # وقوله سبحانه: { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه }: كلام عام في جميع الأقوال، والمقصد الثناء على ~~هؤلاء في نفوذ بصائرهم، وقوام نظرهم، حتى إنهم إذا سمعوا قولا ~~ميزوه واتبعوا أحسنه، قال أبو حيان: { الذين يستمعون } ~~صفة ل { عباد } ، وقيل: الوقف على عباد، { والذين } مبتدأ ~~خبره { أولئك } وما بعده، انتهى. ### || [39.19-21] # وقوله تعالى: { أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت ~~تنقذ من فى النار } قالت فرقة: معنى الآية: أفمن حقت ~~عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، لكنه زاد الهمزة ~~الثانية؛ توكيدا، وأظهر الضمير تشهيرا لهؤلاء القوم ~~وإظهارا لخسة منازلهم. # وقوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف ~~من فوقها غرف } الآية معادلة وتحضيض على التقوى، ~~وعادلت { غرف من فوقها غرف } ما تقدم من ~~الظلل فوقهم وتحتهم، والأحاديث الصحيحة في هذا الباب ~~كثيرة، ثم وقف تعالى نبيه عليه السلام وأمته ~~على معتبر من مخلوقاته، فقال: { ألم تر أن الله ~~أنزل من السماء ماء... } الآية، قال الطبري: الإشارة إلى ~~ماء المطر ونبع العيون منه، { فسلكه } معناه: أجراه ~~وأدخله في الأرض، و { يهيج } معناه: ييبس، وهاج الزرع ~~والنبات: إذا يبس، والحطام: اليابس المتفتت، ومعنى ~~«لذكرى» أي: للبعث من القبور وإحياء الموتى؛ على قياس هذا ~~المثال المذكور. ### || [39.22] # وقوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلم... } ~~الآية، روي أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة وأبي لهب ~~وابنه؛ وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم، وفي الكلام محذوف ~~يدل عليه الظاهر؛ تقديره: أفمن شرح الله صدره كالقاسي القلب ~~المعرض عن أمر الله، وشرح الصدر: استعارة لتحصيله للنظر ~~الجيد والإيمان بالله، والنور: هداية الله تعالى، وهي ~~أشبه شيء بالوضوء، قال ابن مسعود: قلنا يا رسول الله! ~~كيف انشراح الصدر؟ قال: إذا دخل النور القلب، ~~انشرح وانفسح، قلنا: يا رسول الله، وما علامة ~~ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن ~~دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت، ~~والقسوة: شدة القلب، وهي مأخوذة من قسوة الحجر، شبه ~~قلب الكافر به في صلابته وقلة انفعاله، للوعظ، ~~وروى الترمذي عن ms1186 ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة ~~الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد ~~الناس من الله القلب القاسي " # ، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. انتهى وقال مالك بن دينار: ~~ما ضرب عبد [بعقوبة] أعظم من قسوة قلبه، قال ابن ~~هشام: قوله تعالى: { فويل للقسية قلوبهم من ~~ذكر الله } «من» هنا: مرادفة «عن»، وقيل: هي للتعليل، أي: ~~من أجل ذكر الله؛ لأنه إذا ذكر الله، قست قلوبهم؛ ~~عياذا بالله، وقيل: هي للابتداء، انتهى من «المغني». # قال الفخر: اعلم أن ذكر الله سبب لحصول النور ~~والهداية وزيادة الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد ~~يوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية، ~~فإذا عرفت هذا، فنقول: إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة ~~الروحانية ورتبتها هو ذكر الله، فإذا اتفق لبعض النفوس أن ~~صار ذكر الله سببا لازدياد مرضها، كان مرض تلك ~~النفوس مرضا لا يرجى زواله، ولا يتوقع علاجه، وكانت ~~في نهاية الشر والرداءة، فلهذا المعنى قال تعالى: { ~~فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله أولئك ~~فى ضلل مبين } وهذا كلام كامل محقق، انتهى. ### || [39.23] # وقوله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث } يريد القرآن، ~~وروي عن ابن عباس أن سبب هذه الآية أن قوما من الصحابة ~~قالوا: يا رسول الله، حدثنا بأحاديث حسان، ~~وأخبرنا بأخبار الدهر، فنزلت الآية. # وقوله: { متشبها } معناه مستويا لا تناقض فيه ولا ~~تدافع، بل يشبه بعضه بعضا في رصف اللفظ، ووثاقة ~~البراهين، وشرف المعاني؛ إذ هي اليقين في العقائد في الله ~~وصفاته وأفعاله وشرعه، و { مثاني } معناه: موضع تثنية ~~للقصص والأقضية والمواعظ تثنى فيه ولا تمل مع ذلك ولا ~~يعرضها ما يعرض الحديث المعاد، وقال ابن عباس، ثنى فيه ~~الأمر مرارا، ولا ينصرف { مثاني } لأنه جمع لا نظير له ~~في الواحد. # وقوله تعالى: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم } عبارة عن قف شعر الإنسان عندما يداخله خوف ~~ولين قلب عند سماع موعظة أو زجر قرآن ونحوه، وهذه ms1187 علامة ~~وقوع المعنى المخشع في قلب السامع، وفي الحديث؛ أن أبي ~~بن كعب قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم، فرقت القلوب؛ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اغتنموا الدعاء عند الرقة؛ فإنها رحمة " # وقال العباس بن عبد المطلب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من اقشعر جلده من خشية الله تعالى، تحاتت ~~عنه ذنوبه كما تتحات عن الشجرة اليابسة ~~ورقها " # ، وقالت أسماء بنت أبي بكر: «كان أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن، ~~قيل لها: إن أقواما اليوم إذا سمعوا القرآن خر أحدهم مغشيا ~~عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان»، وعن ابن عمر نحوه، وقال ابن ~~سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن ~~يجعل أحدهم على حائط [مادا] رجليه، ثم يقرأ ~~عليه القرآن كله، فإن رمى بنفسه، فهو صادق. # * ت *: وهذا كله تغليظ على المرائين والمتصنعين، ولا خلاف أعلمه ~~بين أرباب القلوب وأئمة التصوف أن المتصنع عندهم بهذه ~~الأمور ممقوت، وأما من غلبه الحال لضعفه وقوي الوارد ~~عليه حتى أذهبه عن حسه؛ فهو إن شاء الله من السادة ~~الأخيار والأولياء الأبرار، وقد وقع ذلك لكثير من الأخيار ~~يطول تعدادهم؛ كابن وهب وأحمد بن معتب المالكيين، ذكرهما ~~عياض في «مداركه»، وأنهما ماتا من ذلك؛ وكذلك مالك بن دينار مات من ~~ذلك؛ ذكره عبد الحق في «العاقبة»، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، ومن ~~كلام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله في قواعده ~~الصغرى قال: وقد يصيح بعضهم لغلبة الحال عليه، ~~وإلجائها إياه إلى الصياح، وهو في ذلك معذور، ومن ~~صاح لغير ذلك، فمتصنع ليس من القوم في شيء، ~~وكذلك من أظهر شيئا من الأحوال رياء أو تسميعا، فإنه ملحق ~~بالفجار دون الأبرار، انتهى. # وقوله تعالى: { ذلك هدى الله } يحتمل أن يشير إلى القرآن ~~ويحتمل أن يشير إلى الخشية واقشعرار الجلود، أي: ذلك ~~أمارة هدى الله. # قال الغزالي في «الإحياء»: والمستحب من التالي للقرآن أن ~~يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات، ms1188 فيكون له بحسب ~~كل فهم حال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء ~~وغير ذلك، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب ~~الأحوال على قلبه، انتهى، قال الشيخ الولي عبد الله بن أبي ~~جمرة: وكان النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه يكسوه من كل ~~آية يقرؤها حال يناسب معنى تلك الآية، وكذلك ينبغي ~~أن تكون تلاوة القرآن وألا يكون تاليه كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا، انتهى. ### || [39.24-28] # وقوله تعالى: { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب... } ~~الآية، تقرير بمعنى التعجيب، والمعنى: أفمن يتقي بوجهه ~~سوء العذاب كالمنعمين في الجنة، قال مجاهد: { يتقى ~~بوجهه } ، أي: يجر على وجهه في النار. # وقالت فرقة: ذلك لما روي أن الكافر يلقى في النار ~~مكتوفا مربوطة يداه إلى رجليه مع عنقه، ويكب على ~~وجهه، فليس له شيء يتقي به إلا وجهه، وقالت فرقة: المعنى في ~~ذلك صفة كثرة ما ينالهم من العذاب يتقيه بكل ~~جارحة منه حتى بوجهه الذي هو أشرف جوارحه، وهذا ~~المعنى أبين بلاغة، ثم مثل لقريش بالأمم الذين من قبلهم، وما ~~نالهم من العذاب في الدنيا المتصل بعذاب الآخرة الذي هو ~~أكبر، ونفى الله سبحانه عن القرآن العوج؛ لأنه لا اختلاف ~~فيه، ولا تناقض، ولا مغمز بوجه. ### || [39.29-31] # وقوله سبحانه: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء ~~متشكسون } ، هذا مثل ضربه الله سبحانه في التوحيد، ~~فمثل تعالى الكافر العابد للأوثان والشياطين بعبد ~~لرجال عدة؛ في أخلاقهم شكاسة وعدم مسامحة؛ فهم ~~لذلك يعذبون ذلك العبد بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايقون العبد ~~في كثرة العمل؛ فهو أبدا في نصب منهم وعناء، فكذلك عابد ~~الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها؛ هو ~~معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى توهم ~~أنه أرضى صنما بالذبح له في زعمه، تفكر فيما يصنع مع ~~الآخر؛ فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس ~~الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله ~~وحده؛ بعبد لرجل واحد يكلفه شغله؛ فهو يعمله على ~~تؤدة وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على ~~إجادة عمله، و { مثلا ms1189 } مفعول ب { ضرب } و { رجلا } ~~نصب على البدل و { متشكسون } معناه: لا سمح في ~~أخلاقهم؛ بل فيها لجاج، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالما» أي: سالما ~~من الشركة، ثم وقف تعالى الكفار بقوله: { هل يستويان ~~مثلا } ونصب { مثلا } على التمييز؛ وهذا التوقيف لا يجيب ~~عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان؛ فلذلك عاملتهم العبارة ~~الوجيزة على أنهم قد أجابوا، فقال: { الحمد لله } أي: على ~~ظهور الحجة عليكم من أقوالكم، وباقي الآية بين. # والاختصام في الآية قيل: عام في المؤمنين والكافرين، قال * ع ~~*: ومعنى الآية عندي: أن الله تعالى توعدهم بأنهم ~~سيتخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في وجه الشريعة ~~وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الترمذي من حديث ~~عبد الله بن الزبير قال: # " لما نزلت: { ثم إنكم يوم القيمة عند ~~ربكم تختصمون } قال الزبير: يا رسول الله: ~~أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في ~~الدنيا؟ قال: نعم قال: إن الأمر إذن لشديد " # انتهى. ### || [39.32-35] # وقوله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب على الله... } الآية، ~~الإشارة بهذا الكذب إلى قولهم: «إن لله صاحبة وولدا» وقولهم: ~~هذا حلال، وهذا حرام، افتراء على الله، ونحو ذلك، وكذبوا أيضا ~~بالصدق، وذلك تكذيبهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ~~توعدهم سبحانه توعدا فيه احتقارهم بقوله: { أليس فى ~~جهنم مثوى للكفرين } وقرأ ابن مسعود: «والذين ~~جاءوا بالصدق وصدقوا به» والصدق هنا القرآن والشرع ~~بجملته؛ وقالت فرقة «الذي» يراد به: «الذين»، وحذفت النون، ~~قال * ع *: وهذا غير جيد وتركيب «جاء» عليه يرد ذلك، بل ~~«الذي» ههنا هي للجنس، والآية معادلة لقوله: { فمن أظلم }. ~~قال قتادة وغيره: الذي جاء بالصدق هو محمد عليه السلام ~~ والذي صدق به هم المؤمنون؛ وهذا أصوب الأقوال، وذهب ~~قوم إلى أن الذي صدق به أبو بكر، وقيل: علي وتعميم اللفظ ~~أصوب. # وقوله سبحانه: { أولئك هم المتقون } قال ابن عباس: ~~اتقوا الشرك. # وقوله تعالى: { ليكفر } يحتمل أن يتعلق بقوله: { ~~المحسنين } أي: الذين أحسنوا، لكي يكفر؛ وقاله ابن زيد، ~~ويحتمل أن ms1190 يتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله؛ تقديره: ~~يسرهم الله لذلك؛ ليكفر، لأن التكفير لا يكون ~~إلا بعد التيسير للخير. ### || [39.36-44] # وقوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده } تقوية لنفس ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة والكسائي: «عباده» يريد ~~الأنبياء، وأنت يا محمد أحدهم، فيدخل في ذلك المؤمنون ~~المطيعون والمتوكلون على الله سبحانه. # وقوله سبحانه: { ويخوفونك بالذين من دونه } أي: ~~بالذين يعبدون، وباقي الآية بين، وقد تقدم تفسير نظيره. # وقوله تعالى: { فمن اهتدى فلنفسه } ، أي: فلنفسه عمل ~~وسعى، ومن ضل فعليها جنى، ثم نبه تعالى على آية ~~من آياته الكبرى، تدل الناظر على الوحدانية، وأن ذلك لا ~~شركة فيه لصنم، وهي حالة التوفي، وذلك أن ما ~~توفاه الله تعالى على الكمال، فهو الذي يموت، وما ~~توفاه توفيا غير مكمل فهو الذي يكون في النوم، قال ~~ابن زيد: النوم وفاة والموت وفاة وكثر الناس في هذه الآية، وفي ~~الفرق بين النفس والروح، وفرق قوم بين نفس ~~التمييز ونفس التخيل؛ إلى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن، ~~وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله به وغيبه عن ~~عباده في قوله: # الروح من أمر ربى # [الإسراء:85] ويكفيك أن في هذه الآية { يتوفى الأنفس } ، وفي ~~الحديث الصحيح: # " إن الله قبض أرواحنا حين شاء، وردها علينا ~~حين شاء " # ، وفي حديث بلال في الوادي؛ فقد نطقت الشريعة بقبض الروح ~~والنفس، وقد قال تعالى: { قل الروح من أمر ربى } ~~والظاهر أن الخوض في هذا كله عناء، وإن كان قد تعرض ~~للقول في هذا ونحوه أئمة، ذكر الثعلبي عن ابن عباس؛ أنه قال: ~~«في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، ~~فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها ~~النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله تعالى ~~نفسه ولم يقبض روحه»، وجاء في آداب النوم وأذكار النائم ~~أحاديث صحيحة؛ ينبغي للعبد ألا يخلي نفسه منها، وقد روى ~~جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أوى الرجل إلى ms1191 فراشه، ابتدره ملك ~~وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير، ويقول الشيطان: ~~اختم بشر، فإن ذكر الله تعالى، ثم نام؛ بات ~~الملك يكلؤه، فإن استيقظ؛ قال الملك: افتح بخير، ~~وقال الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله ~~الذي رد إلي نفسي، ولم يمتها في منامها، الحمد ~~لله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ~~ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه ~~كان حليما غفورا، الحمد لله الذي يمسك السماء ~~أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس ~~لرؤوف رحيم، فإن وقع من سريره، فمات، دخل الجنة " # ، رواه النسائي، واللفظ له، والحاكم في «المستدرك» وابن حبان في ~~«صحيحه»، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وزاد آخره: «الحمد ~~لله الذي يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير» ~~انتهى من «السلاح»، وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: من قال حين يأوي إلى فراشه: # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد؛ وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ~~غفرت له ذنوبه أو خطاياه شك مسعر وإن ~~كانت مثل زبد البحر " # رواه ابن حبان في «صحيحه»، ورواه النسائي موقوفا، انتهى، وروى ~~الترمذي عن أبي أمامة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى ~~يدركه النعاس، لم ينقلب ساعة من الليل يسأل ~~الله شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه ~~إياه " # ، انتهى، والأجل المسمى في هذه الآية: هو عمر كل ~~إنسان، والضمائر في قوله تعالى: { أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون }: للأصنام. ### || [39.45-52] # وقوله تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالأخرة... } الآية، قال مجاهد وغيره ~~نزلت في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم عند ~~الكعبة بمحضر من الكفار، وقرأ # أفرءيتم اللت والعزى... # [النجم:19] الآية، وألقى الشيطان يعني في أسماع الكفار (تلك ~~الغرانقة العلى) على ما ms1192 مر في سورة الحج، ~~فاستبشروا، واشمأزت نفوسهم: معناه: تقبضت كبرا ~~وأنفة وكراهية ونفورا. # وقوله تعالى: { قل اللهم فاطر السموات... } الآية، ~~أمر لنبيه عليه السلام بالدعاء إليه ورد الحكم إلى ~~عدله، ومعنى هذا الأمر تضمن الإجابة. # وقوله تعالى: { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } قال الثعلبي: قال السدي: ظنوا أشياء ~~أنها حسنات فبدت سيئات، قال * ع *: قال سفيان الثوري: ويل ~~لأهل الرياء من هذه الآية، وقال عكرمة بن عمار: جزع محمد بن ~~المنكدر عند الموت، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أخاف هذه الآية { ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون }. # وقوله تعالى: { ثم إذا خولنه نعمة منا... } الآية، ~~قال الزجاج: التخويل العطاء عن غير مجازاة، ~~والنعمة هنا عامة في المال وغيره، وتقوى الإشارة إلى ~~المال بقوله: { إنما أوتيته على علم } قال قتادة: يريد ~~إنما أوتيته على علم مني بوجه المكاسب والتجارات، ~~ويحتمل أن يريد: على علم من الله في واستحقاق حزته عند ~~الله، ففي هذا التأويل اغترار بالله، وفي الأول إعجاب ~~بالنفس، ثم قال تعالى: { بل هى فتنة } أي: ليس الأمر كما ~~قال؛ بل هذه الفعلة به فتنة له وابتلاء، ثم أخبر ~~تعالى عمن سلف من الكفرة؛ أنهم قد قالوا هذه ~~المقالة كقارون وغيره، { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } من الأموال، { والذين ظلموا من هؤلاء ~~} المعاصرين لك، يا محمد، { سيصيبهم سيئات ما ~~كسبوا }. قال أبو حيان: { فما أغنى } يحتمل أن تكون «ما» ~~نافية أو استفهامية فيها معنى النفي، انتهى. ### || [39.53-54] # وقوله تعالى: { قل يعبادى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله... } الآية، هذه ~~الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة، فتوبة الكافر ~~تمحو ذنبه، وتوبة العاصي تمحو ذنبه؛ على ما تقدم تفصيله، ~~واختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال عطاء بن يسار: نزلت في ~~وحشي قاتل حمزة، وقال ابن إسحاق وغيره: نزلت في قوم بمكة ~~آمنوا، ولم يهاجروا وفتنتهم قريش، فافتتنوا، ثم ~~ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم، [فنزلت] الآية فيهم، ~~منهم الوليد بن ms1193 الوليد وهشام بن العاصي؛ وهذا قول عمر ~~بن الخطاب، وأنه كتبها بيده إلى هشام بن العاصي، ~~الحديث، وقالت فرقة: نزلت في قوم كفار من أهل الجاهلية، ~~قالوا: وما ينفعنا الإسلام، ونحن قد زنينا وقتلنا ~~النفس، وأتينا كل كبيرة، فنزلت الآية فيهم، وقال ~~علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر: هذه أرجى ~~آية في القرآن، وروى ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية { قل ~~يعبادى... " # و { أسرفوا } معناه أفرطوا، والقنط أعظم اليأس، وقرأ ~~نافع والجمهور «تقنطوا» بفتح النون، قال أبو حاتم: فيلزمهم أن ~~يقرؤوا # من بعد ما قنطوا # [الشورى:28] بكسرها ولم يقرأ به أحد، وقرأ أبو عمرو ~~«تقنطوا» بالكسر . # وقوله: { إن الله يغفر الذنوب جميعا } عموم بمعنى ~~الخصوص؛ لأن الشرك ليس بداخل في الآية إجماعا، وهي أيضا في ~~المعاصي مقيدة بالمشيئة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ: # " إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي " # وقرأ ابن مسعود: «إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~لمن يشاء» { وأنيبوا } معناه: ارجعوا. ### || [39.55-60] # وقوله سبحانه: { واتبعوا أحسن } معناه: أن القرآن العزيز ~~تضمن عقائد نيرة وأوامر ونواهي منجية وعدات على ~~الطاعات، والبر، وتضمن أيضا حدودا على المعاصي ووعيدا على ~~بعضها فالأحسن للمرء أن يسلك طريق الطاعة والانتهاء عن المعصية ~~والعفو في الأمور ونحو ذلك من أن يسلك طريق الغفلة ~~والمعصية؛ فيحد أو يقع تحت الوعيد، فهذا المعنى هو ~~المقصود ب { أحسن } ، وليس المعنى: أن بعض القرآن أحسن من ~~بعض من حيث هو قرآن، * ت *: وروى أبو بكر بن الخطيب بسنده ~~عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في ~~قول الله عز وجل : { يا حسرتى } قال: الحسرة أن ~~يرى أهل النار منازلهم من الجنة، قال: فهي الحسرة، انتهى. # وقوله: { فرطت فى جنب الله } أي: في جهة طاعته وتضييع ~~شريعته والإيمان به، وقال مجاهد: { فى جنب الله } أي: في أمر ~~الله، وقول الكافر: { وإن كنت لمن السخرين } ندامة ~~على استهزائه بأمر ms1194 الله تعالى ، و«كرة» مصدر من ~~كر يكر، وهذا الكون في هذه الآية داخل في التمني، وباقي ~~الآية أنواره لائحة، وحججه واضحة، ثم خاطب تعالى نبيه ~~بخبر ما يراه يوم القيامة من حالة الكفار، وفي ضمن هذا ~~الخبر وعيد بين لمعاصريه عليه السلام فقال: { ويوم ~~القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة } { ترى } من رؤية العين، وظاهر الآية أن وجوههم ~~تسود حقيقة. ### || [39.61-66] # وقوله سبحانه: { وينجى الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم... } الآية، ذكر تعالى حالة المتقين ونجاتهم؛ ~~ليعادل بذلك ما تقدم من شقاوة الكافرين، وفي ذلك ~~ترغيب في حالة المتقين؛ لأن الأشياء تتبين بأضدادها، ~~و«مفازتهم» مصدر من الفوز، وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: ~~وينجي الله الذين اتقوا بأسباب مفازتهم، وال { ~~مقاليد }: المفاتيح؛ وقاله ابن عباس واحدها «مقلاد» ~~ك«مفتاح»، وقال عثمان بن عفان: «سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن { مقاليد السموات والأرض } فقال: # " هي لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان ~~الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير " # وقوله تعالى: { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من ~~قبلك } قالت فرقة: المعنى: ولقد أوحي إلى كل نبي؛ لئن ~~أشركت ليحبطن عملك، * ت *: قد تقدم غير ما مرة، ~~بأن ما ورد من مثل هذا، فهو محمول على إرادة الأمة ~~لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد من يمكن أن يقع ~~ذلك منه، وخوطب هو صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر، قال * ص ~~*: { ليحبطن } جواب القسم، وجواب الشرط محدوف؛ ~~لدلالة جواب القسم عليه، انتهى. ### || [39.67-72] # وقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } معناه وما ~~عظموا الله حق عظمته، ولا وصفوه بصفاته، ولا نفوا ~~عنه ما لا يليق به، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كفار ~~قريش الذين كانت هذه الآيات كلها محاورة لهم، وردا عليهم، ~~وقالت فرقة: نزلت في قوم من اليهود تكلموا في صفات الله ~~تعالى، فألحدوا وجسموا وأتوا بكل تخليط. # وقوله تعالى: { والأرض جميعا قبضته ms1195 } معناه: في ~~قبضته، واليمين هنا، والقبضة عبارة عن القدرة والقوة، ~~وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل و { فصعق } في ~~هذه الآية، معناه: خر ميتا، والصور: القرن، ولا يتصور ~~هنا غير هذا، ومن يقول: { الصور } جمع صورة، فإنما ~~يتوجه قوله في نفخة البعث، وقد تقدم بيان نظير ~~هذه الآية في غير هذا الموضع. # وقوله تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى } هي نفخة البعث، وفي ~~الحديث: # " أن بين النفختين أربعين " # لا يدري أبو هريرة سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة * ~~ت *: ولفظ مسلم: عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم # " وما بين النفختين أربعون، قالوا: يا أبا ~~هريرة: أربعون سنة؟ قال: أبيت قالوا: أربعون ~~شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون يوما؟ قال: أبيت " # الحديث، قال صاحب «التذكرة»: فقيل: معنى قوله: «أبيت» ~~أي: امتنعت من بيان ذلك؛ إذ ليس هو مما تدعو إليه حاجة، ~~وعلى هذا كان عنده علم ذلك، وقيل: المعنى: أبيت أن أسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وعلى هذا: فلا علم ~~عنده، والأول أظهر، وقد جاء أن ما بين النفختين ~~أربعين عاما، انتهى، وقد تقدم أن الصحيح في المستثنى في ~~الآية أنهم الشهداء قال الشيخ أبو محمد بن بزيزة ~~في «شرح الأحكام الصغرى» لعبد الحق: الذي تلقيناه من شيوخنا ~~المحققين أن العوالم التي لا تفنى سبعة: العرش، ~~والكرسي، واللوح، والقلم، والجنة، والنار، ~~والأرواح. انتهى. # { وأشرقت الأرض بنور ربها } معناه: أضاءت وعظم ~~نورها، و { الأرض } في هذه الآية: الأرض المبدلة من الأرض ~~المعروفة. # وقوله: { بنور ربها } إضافة مخلوق إلى خالق، و { ~~الكتب } كتاب حساب الخلائق، ووحده على اسم الجنس؛ ~~لأن كل أحد له كتاب على حدة، { وجيء بالنبيين } ~~أي: ليشهدوا على أممهم، و { الشهداء } قيل: هو جمع «شاهد» ~~وقيل: هو جمع «شهيد» في سبيل الله، والأول أبين في معنى ~~التوعد، والضمير في قوله { بينهم } عائد على العالم ~~بأجمعه، إذ الآية تدل عليهم، و { زمرا } معناه: جماعات ~~متفرقة، واحدتها: زمرة. # وقوله: { فتحت } جواب «إذا»، والكلام هنا ms1196 يقتضي أن ~~فتحها إنما يكون بعد مجيئهم، وفي وقوفهم قبل فتحها ~~مذلة لهم، وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف ~~والعذاب؛ بخلاف قوله في أهل الجنة { وفتحت } ، فالواو ~~مؤذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح ~~والسرور. # وقوله تعالى: { وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل ~~منكم يتلون عليكم ءايت ربكم... } الآية، في قوله: ~~{ منكم } أعظم في الحجة، أي: رسل من جنسكم؛ لا ~~يصعب عليكم مرامهم، ولا فهم أقوالهم. ### || [39.73-75] # وقوله تعالى: { وسيق الذين اتقوا ربهم }: لفظ يعم ~~كل من يدخل الجنة من المؤمنين الذين اتقوا الشرك، والواو ~~في قوله: { وفتحت } مؤذنة بأنها قد فتحت قبل وصولهم إليها، ~~وقالت فرقة: هي زائدة وقال قوم: أشار إليهم ابن ~~الأنباري، وضعف قولهم: هذه واو الثمانية، وقد تقدم الكلام ~~عليها، وجواب «إذا» فتحت، وعن المبرد: جواب «إذا» محذوف، ~~تقديره بعد قوله: { خلدين }: سعدوا وسقطت هذه الواو في مصحف ~~ابن مسعود، { وسلم عليكم } تحية، و { طبتم } معناه: ~~أعمالا ومعتقدا ومستقرا وجزاء، { وأورثنا الأرض ~~} يريد: أرض الجنة، و { نتبوأ } معناه: نتخذ أمكنة ~~ومساكن، ثم وصف تعالى حالة الملائكة من العرش ~~وحفوفهم به والحفوف الإحداق بالشيء، وهذه اللفظة مأخوذة ~~من الحفاف، وهو الجانب، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا ~~معمر عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي؛ أنه تلا هذه الآية: { ~~وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جاءوها } قال: وجدوا عند باب الجنة ~~شجرة يخرج من ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما ~~أمروا بها، فاغتسلوا بها، فلم تشعث رؤوسهم بعدها أبدا، ~~ولم تتغير جلودهم بعدها أبدا كأنما دهنوا ~~بالدهن، ثم عمدوا إلى الأخرى، فشربوا منها، فطهرت ~~أجوافهم، وغسلت كل قذر فيها، وتتلقاهم على كل ~~باب من أبواب الجنة ملائكة: { سلم عليكم طبتم ~~فادخلوها خلدين } ، ثم تتلقاهم الولدان يطيفون بهم ~~كما يطيف ولدان الدنيا بالحميم، يجيء من الغيبة ~~يقولون: أبشر، أعد الله لك كذا وكذا، وأعد ~~الله لك كذا، ثم يذهب الغلام منهم إلى الزوجة ~~من أزواجه، فيقول: قد جاء فلان باسمه الذي كان ~~يدعي به ms1197 في الدنيا، فتقول له: أنت رأيته؟ ~~فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، ~~ثم ترجع، فيجيء، فينظر إلى تأسيس بنيانه من جندل ~~اللؤلؤ أخضر وأصفر وأحمر؛ من كل لون ثم يجلس فينظر؛ ~~فإذا زرابي مبثوثة، وأكواب موضوعة، ثم يرفع رأسه ~~ فلولا أن الله قدر ذلك، لأذهب بصره ~~إنما هو مثل البرق؛ ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، انتهى. # وقوله تعالى: { يسبحون بحمد ربهم } قالت فرقة ~~معناه: أن تسبيحهم يتأتى بحمد الله وفضله، ~~وقالت فرقة: تسبيحهم هو بترديد حمد الله، وتكراره، ~~قال الثعلبي: متلذذين لا متعبدين مكلفين. # وقوله تعالى: { وقيل الحمد لله رب العلمين } ~~ختم للأمر، وقول جزم عند فصل القضاء، أي: أن هذا الملك ~~الحاكم العادل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه ~~بين عباده، ومن هذه الآية جعلت { الحمد لله ~~رب العلمين } خاتمة المجالس والمجتمعات في ~~العلم، قال قتادة: فتح الله أول الخلق بالحمد، ~~فقال: # الحمد لله الذى خلق السموات والأرض # [الأنعام:1] وختم القيامة بالحمد في هذه الآية. # قال * ع *: وجعل سبحانه { الحمد لله رب ~~العلمين } فاتحة كتابه؛ فبه يبدأ كل أمر وبه ~~يختم، وحمد الله تعالى وتقديسه ينبغي أن يكون من ~~المؤمن؛ كما قيل: [الطويل] # وآخر شيء أنت في كل ضجعة # وأول شيء أنت عند هبوبي ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-5] # قوله تعالى: { حم }: تقدم القول في الحروف المقطعة، ~~ويختص هذا الموضع بقول آخر قاله الضحاك والكسائي؛ أن { ~~حم } هجاء (حم) بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة ؛ كأنه ~~يقول: حم الأمر ووقع تنزيل الكتاب من الله، وقال ابن ~~عباس: الر، وحم، ون، هي حروف الرحمن مقطعة في سور، وسأل ~~أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن حم ما هو؟ فقال: بدء ~~أسماء، وفواتح سور، و { ذى الطول } معناه: ذي ~~التطول والمن بكل نعمة، فلا خير إلا منه سبحانه، ~~فترتب في هذه الآية وعيد بين وعدين، وهكذا رحمته ~~سبحانه تغلب غضبه، قال * ع *: سمعت هذه النزعة من أبي ~~ رحمه الله وهو نحو ms1198 من قول عمر رضي الله عنه ~~: «لن يغلب عسر يسرين» * ت *: هو حديث، والطول: ~~الإنعام، وعبارة البخاري: الطول: التفضل، وحكى ~~الثعلبي عن أهل الإشارة أنه تعالى: غافر الذنب فضلا، ~~وقابل التوب وعدا، شديد العقاب عدلا، لا إله إلا هو ~~إليه المصير فردا، وقال ابن عباس: الطول: السعة، والغنى، ~~وتقلب الذين كفروا في البلاد: عبارة عن تمتعهم بالمساكن ~~والمزارع والأسفار وغير ذلك، { وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه } أي: ليهلكوه، كما قال تعالى: { ~~فأخذتهم } ، والعرب تقول للقتيل: أخذ، وللأسير ~~كذلك؛ قال قتادة: { ليأخذوه } معناه: ليقتلوه، و { ~~ليدحضوا } معناه ليزلقوا ويذهبوا، والمدحضة: ~~المزلة، والمزلقة. # وقوله: { فكيف كان عقاب }: تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام ~~عن كيفية وقوع الأمر. ### || [40.6-9] # وقوله سبحانه: { وكذلك حقت كلمت ربك على الذين ~~كفروا } الآية، في مصحف ابن مسعود «وكذلك سبقت كلمة ~~ربك» والمعنى: وكما أخذت أولئك المذكورين ~~فأهلكتهم، فكذلك حقت كلماتي على جميع الكفار، من ~~تقدم منهم ومن تأخر أنهم أصحاب النار. # وقوله تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به... } الآية، ~~أخبر الله سبحانه بخبر يتضمن تشريف المؤمنين، ~~ويعظم الرجاء لهم، وهو أن الملائكة الحاملين للعرش ~~والذين حول العرش؛ وهؤلاء أفضل الملائكة يستغفرون ~~للمؤمنين، ويسألون الله لهم الرحمة والجنة؛ وهذا معنى ~~قوله تعالى في غير هذه الآية، # كان على ربك وعدا مسئولا # [الفرقان:16]أي سألته الملائكة، قال * ع *: وفسر في هذه الآية ~~المجمل الذي في قوله تعالى: # ويستغفرون لمن فى الأرض # [الشورى:5]؛ لأن الملائكة لا تستغفر لكافر، وقد يجوز أن يقال: ~~إن استغفارهم لهم بمعنى طلب هدايتهم، وبلغني أن رجلا قال ~~لبعض الصالحين: ادع لي، واستغفر لي، فقال له: تب، واتبع ~~سبيل الله يستغفر لك من هو خير مني، وتلا هذه ~~الآية، وقال مطرف بن الشخير: وجدنا أنصح ~~العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد ~~الشياطين، وتلا هذه الآية، وروى جابر؛ أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما ~~بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة سنة، قال ~~الداوودي: وعن ms1199 هارون بن رياب قال: حملة العرش ثمانية ~~يتجاوبون بصوت حسن، فأربعة يقولون: سبحانك ~~وبحمدك على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: ~~سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك " # ، انتهى. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من ~~حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه ~~[مسيرة] سبعمائة عام " # ، انتهى، وقد تقدم. # وقولهم: { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } ~~معناه: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. # وقوله: # " ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم " # روي عن سعيد بن جبير في ذلك: أن الرجل يدخل ~~الجنة قبل قرابته، فيقول: أين أبي؟ أين أمي، ~~أين ابني، أين زوجي، فيلحقون به؛ لصلاحهم ولتنبيهه ~~عليهم، وطلبه إياهم، وهذه دعوة الملائكة. # وقولهم: { وقهم السيئت } معناه: اجعل لهم وقاية ~~تقيهم السيئات، واللفظ يحتمل أن يكون الدعاء في أن يدفع ~~الله عنهم أنفس السيئات حتى لا ينالهم عذاب من ~~أجلها، ويحتمل أن يكون الدعاء في دفع العذاب اللاحق ~~من السيئات، فيكون في اللفظ على هذا حذف مضاف، كأنه قال: ~~وقهم جزاء السيئات، قال الفخر: وقوله تعالى: { ومن تق ~~السيئت يومئذ فقد رحمته } يعني: من تق السيئات ~~في الدنيا، فقد رحمته في يوم القيامة، انتهى، وهذا راجع إلى ~~التأويل الأول. ### || [40.10-11] # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله ~~أكبر من مقتكم أنفسكم... } الآية، روي أن هذه ~~الحال تكون للكفار عند دخولهم النار؛ فإنهم إذا ~~دخلوا فيها مقتوا أنفسهم وتناديهم ملائكة ~~العذاب على جهة التوبيخ: لمقت الله إياكم في ~~الدنيا؛ إذ كنتم تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر ~~من مقتكم أنفسكم اليوم، هذا هو معنى الآية؛ وبه فسر مجاهد ~~وقتادة وابن زيد، واللام في قوله: { لمقت } يحتمل أن تكون لام ~~ابتداء، ويحتمل أن تكون لام قسم، وهو أصوب، و { أكبر } خبر ~~الابتداء، واختلف في معنى قولهم: { أمتنا ~~اثنتين... } الآية، فقال ابن عباس وغيره: أرادوا موتة ~~كونهم في الأصلاب، ثم إحياءهم في الدنيا، ثم إماتتهم الموت ~~المعروف، ms1200 ثم إحياءهم يوم القيامة، وهي كالتي في سورة البقرة # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا # [البقرة:28] الآية، وقال السدي: أرادوا أنه أحياهم في الدنيا، ثم ~~أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت السؤال، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم ~~في الحشر، قال * ع *: هذا فيه الإحياء ثلاث مرار، والأول أثبت، ~~وهذه الآية متصلة المعنى بالتي قبلها، وبعد قولهم: { فهل ~~إلى خروج من سبيل } محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره. ~~لا إسعاف لطلبتكم، أو نحو هذا من الرد. ### || [40.12-14] # وقوله تعالى: { ذلكم } يحتمل أن يكون إشارة إلى العذاب الذي ~~هم فيه، أو إلى مقتهم أنفسهم أو إلى المنع والزجر ~~والإهانة. # وقوله تعالى: { ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده } ~~معناه بحالة توحيد ونفي لما سواه، كفرتم، وإن ~~يشرك به اللات والعزى وغيرهما، صدقتم، فالحكم ~~اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار لله؛ لا لتلك التي كنتم ~~تشركونها معه في الألوهية. # وقوله سبحانه: { فادعوا الله مخلصين له الدين... } ~~الآية مخاطبة للمؤمنين أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~و { ادعوا } معناه: اعبدوا. ### || [40.15-18] # وقوله تعالى: { رفيع الدرجت } ويحتمل أن يريد بالدرجات ~~صفاته العل، وعبر بما يقرب من أفهام السامعين، ويحتمل أن ~~يريد: رفيع الدرجات التي يعطيها للمؤمنين، ويتفضل بها على ~~عباده المخلصين في جنته، و { العرش } هو الجسم ~~المخلوق الأعظم الذي السموات السبع والكرسي والأرضون فيه ~~كالدنانير في الفلاة من الأرض. # وقوله تعالى: { يلقى الروح من أمره على من يشاء من ~~عباده } قال الضحاك: الروح هنا هو: الوحي القرآن وغيره ~~مما لم يتل وقال قتادة والسدي: الروح: النبوة ~~ومكانتها؛ كما قال تعالى: # روحا من أمرنا # [الشورى:52] وسمى هذا روحا؛ لأنه تحيا به الأمم والأزمان ~~كما يحيا الجسد بروحه، ويحتمل أن يكون إلقاء الروح ~~عاما لكل ما ينعم الله به على عباده المهتدين في ~~تفهيمه الإيمان والمعقولات الشريفة، والمنذر بيوم التلاق على ~~هذا التأويل هو الله تعالى، قال الزجاج: الروح كل ما فيه ~~حياة الناس، وكل مهتد حي، وكل ضال كالميت. # وقوله: { من أمره } إن جعلته جنسا للأمور ف«من» ~~للتبعيض ms1201 أو لابتداء الغاية، وإن جعلت الأمر من معنى ~~الكلام ف«من» إما لابتداء الغاية، وإما بمعنى الباء، ولا تكون ~~للتبعيض بتة، وقرأ الجمهور: «لتنذر» بالتاء على مخاطبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقرأ أبي بن كعب وجماعة: «لينذر» بالياء، و { ~~يوم التلاق } معناه: تلاقي جميع العالم بعضهم بعضا، وذلك ~~أمر لم يتفق قط قبل ذلك اليوم. # وقوله: { يوم هم برزون } معناه في براز من الأرض ~~يسمعهم الداعي وينفدهم البصر. # وقوله تعالى: { لمن الملك اليوم } روي أن الله ~~تعالى يقرر هذا التقرير، ويسكت العالم هيبة ~~وجزعا، فيجيب سبحانه هو نفسه بقوله: { لله الواحد ~~القهار } ، ثم يعلم الله تعالى أهل الموقف بأن ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت، وباقي الآية تكرر ~~معناه، فانظره في مواضعه. # ثم أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بإنذار العالم ~~وتحذيرهم من يوم القيامة وأهواله، و«الآزفة»: القريبة من ~~أزف الشيء إذا قرب، و { الأزفة } في الآية: صفة لمحذوف ~~قد علم واستقر في النفوس هوله، والتقدير يوم الساعة الآزفة، ~~أو الطامة: الآزفة، ونحو هذا. # وقوله سبحانه : { إذ القلوب لدى الحناجر } معناه: ~~عند الحناجر، أي قد صعدت من شدة الهول والجزع، والكاظم ~~الذي يرد غيظه وجزعه في صدره، فمعنى الآية: أنهم ~~يطمعون في رد ما يجدونه في الحناجر، والحال تغالبهم، و { يطاع ~~} في موضع الصفة ل { شفيع }؛ لأن التقدير: ولا شفيع مطاع، قال ~~أبو حيان { يطاع } في موضع صفة ل { شفيع } ، فيحتمل أن ~~يكون في موضع خفض على اللفظ، أو في موضع رفع على الموضع، ثم ~~يحتمل النفي أن يكون منسحبا على الوصف فقط، فيكون ثم ~~شفيع، ولكنه لا يطاع، ويحتمل أن ينسحب على الموصوف ~~وصفته، أي: لا شفيع فيطاع، انتهى. وهذا الاحتمال الأخير هو الصواب، ~~قال * ع *: وهذه الآية كلها عندي اعتراض في الكلام بليغ. ### || [40.19-20] # وقوله: { يعلم خائنة الأعين } متصل بقوله: # سريع الحساب # [غافر:17] وقالت فرقة: { يعلم } متصل بقوله: # لا يخفى على الله منهم شىء # [غافر:16] وهذا قول حسن يقويه تناسب المعنيين، ويضعفه ~~بعد الآية من الآية وكثرة الحائل، ms1202 والخائنة: مصدر ~~كالخيانة، ويحتمل أن تكون { خائنة } اسم فاعل، أي: يعلم ~~الأعين إذا خانت في نظرها، قال أبو حيان: والظاهر أن: { خائنة ~~الأعين } من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعين الخائنة، ~~كقوله: [البسيط] # ................. # وإن سقيت كرام الناس فاسقينا # أي: الناس الكرام، وجوزوا أن يكون { خائنة } مصدرا، ~~ك«العافية» أي: يعلم خيانة الأعين، انتهى، وهذه الآية عبارة ~~عن علم الله تعالى بجميع الخفيات، فمن ذلك كسر ~~الجفون والغمز بالعين، أو النظرة التي تفهم معنى؛ ومنه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم [لأصحابه في شأن رجل ارتد ثم ~~جاء ليسلم: # " هلا قام إليه رجل منكم حين تلكأت عنه، ~~فضرب عنقه؟ فقالوا: يا رسول الله، ألا أومأت ~~إلينا؟ فقال صلى الله عليه وسلم]: ما ينبغي لنبي أن ~~تكون له خائنة الأعين " # ، وفي بعض الكتب المنزلة من قول الله عز وجل: أنا ~~مرصاد الهمم أنا العالم بمجال الفكر وكسر ~~الجفون، وقال مجاهد: «خائنة الأعين»: مسارقة النظر إلى ما لا ~~يجوز، ثم قوى تعالى هذا الإخبار بقوله: { وما تخفى ~~الصدور } مما لم يظهر على عين ولا غيرها، وأسند أبو بكر بن ~~الخطيب عن مولى أم معبد الخزاعية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يدعو: # " اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ~~ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة؛ فإنك تعلم ~~خائنة الأعين وما تخفي الصدور " # ، انتهى. قال القشيري في: «التحبير» ومن علم اطلاع ~~الحق تعالى عليه يكون مراقبا لربه؛ وعلامته أن يكون ~~محاسبا لنفسه، ومن لم تصح محاسبته، لم تصح مراقبته، ~~وسئل بعضهم عما يستعين به العبد على حفظ البصر، فقال: ~~يستعين عليه بعلمه أن نظر الله إليه سابق على نظره إلى ~~ما ينظر إليه، انتهى. # وقوله سبحانه: { والله يقضى بالحق } أي: يجازي الحسنة ~~بعشر والسيئة بمثلها، وينصف المظلوم من الظالم؛ إلى غير ذلك ~~من أقضية الحق والعدل، والأصنام لا تقضي بشيء، ولا تنفذ ~~أمرا، و { يدعون } معناه: يعبدون. ### || [40.21-25] # وقوله سبحانه: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ms1203 كانوا هم ~~أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله ~~بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق } الضمير في: ~~{ يسيروا } لكفار قريش، والآثار في الأرض هي المباني ~~والمآثر والصيت الدنيوي، وذنوبهم كانت تكذيب ~~الأنبياء، والواقي الساتر المانع؛ مأخوذ من الوقاية، وباقي ~~الآية بين، وخص تعالى هامان وقارون بالذكر تنبيها على ~~مكانهما من الكفر؛ ولكونهما أشهر رجال فرعون، وقيل: إن ~~قارون هذا ليس بقارون بني إسرائيل، وقيل: هو ذلك، ولكنه كان ~~منقطعا إلى فرعون خادما له مستغنيا معه. # وقوله: { سحر } أي: في أمر العصا، و { كذاب } في قوله: إني ~~رسول الله، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لما جاءهم موسى بالنبوة ~~والحق من عند الله؛ قال هؤلاء الثلاثة وأجمع رأيهم ~~على أن يقتل أبناء بني إسرائيل أتباع موسى، ~~وشبانهم وأهل القوة منهم، وأن يستحيا النساء ~~للخدمة والاسترقاق، وهذا رجوع منهم إلى نحو القتل الأول ~~الذي كان قبل ميلاد موسى، ولكن هذا الأخير لم تتم لهم فيه ~~عزمة، لا أعانهم الله تعالى على شيء منه، قال قتادة: هذا ~~قتل غير الأول الذي [كان] حذر المولود، وسموا من ~~ذكرنا من بني إسرائيل أبناء؛ كما تقول لأنجاد القبيلة ~~أو المدينة وأهل الظهور فيها: هؤلاء أبناء فلانة. # وقوله تعالى: { وما كيد الكفرين إلا فى ضلل } ~~عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم ~~يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل، ولا ~~نجحت لهم فيهم سعاية. ### || [40.26-33] # وقوله تعالى: { وقال فرعون ذرونى أقتل موسى... } ~~الآية، الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرتهم آيات ~~موسى عليه السلام انهد ركنه، واضطربت معتقدات ~~أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، ~~وذلك بين من غير ما موضع من قصتهما، وفي هذه الآية ~~على ذلك دليلان: # أحدهما: قوله: { ذروني }؛ فليست هذه من ألفاظ الجبابرة ~~المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. # والدليل الثاني: مقالة المؤمن وما صدع به، وإن ~~مكاشفته لفرعون أكثر من مساترته، وحكمه ~~بنبوة موسى أظهر من توريته في أمره، وأما ~~فرعون فإنما نحا إلى المخرقة والتمويه والاضطراب، ms1204 ومن ~~ذلك قوله: { ذروني أقتل موسى وليدع ربه } أي: إني لا ~~أبالي برب موسى، ثم رجع إلى قومه يريهم النصيحة ~~والحماية لهم، فقال: { إني أخاف أن يبدل دينكم } ~~والدين: السلطان؛ ومنه قول زهير: [البسيط] # لئن حللت بحي في بني أسد # في دين عمرو وحالت بيننا فدك # وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «أو أن يظهر» وقرأ الباقون: «وأن ~~يظهر»؛ فعلى القراءة الأولى: خاف فرعون أحد أمرين، ~~وعلى الثانية: خاف الأمرين معا، ولما سمع موسى مقالة ~~فرعون دعا، وقال: { إني عذت بربي وربكم... } ~~الآية، ثم حكى الله سبحانه مقالة رجل مؤمن من آل ~~فرعون؛ شرفه بالذكر وخلد ثناءه في الأمم غابر ~~الدهر، قال * ع *: سمعت أبي رحمه الله يقول: سمعت أبا ~~الفضل ابن الجوهري على المنبر يقول؛ وقد سئل أن ~~يتكلم في شيء من فضائل الصحابة، فأطرق قليلا، ثم رفع ~~رأسه، وأنشد: [الطويل] # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن مقتد # ماذا تريد من قوم قرنهم الله بنبيه، وخصهم بمشاهدة ~~وحيه، وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن من آل ~~فرعون، كتم إيمانه وأسره، فجعله تعالى في كتابه، ~~وأثبت ذكره في المصاحف، لكلام قاله في مجلس من ~~مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ؛ إذ جرد سيفه بمكة، وقال: والله، لا ~~أعبد الله سرا بعد اليوم، قال مقاتل: كان هذا المؤمن ~~ابن عم فرعون، قال الفخر: قيل: إنه كان ابن عم ~~لفرعون، وكان جاريا مجرى ولي العهد له، ومجرى ~~صاحب السر له، وقيل: كان قبطيا من قوم فرعون، وقيل: إنه ~~كان من بني إسرائيل، والقول الأول أقرب؛ لأن لفظ الآل يقع ~~على القرابة والعشيرة، انتهى. # قال الثعلبي: قال ابن عباس وأكثر العلماء: كان اسمه ~~«حزقيل»، وقيل: حزيقال، وقيل: غير هذا، انتهى. # وقوله: { يصبكم بعض الذى يعدكم } قال أبو عبيدة ~~وغيره: { بعض } هنا بمعنى: «كل»، وقال الزجاج: هو إلزام ~~الحجة بأيسر ما في الأمر، وليس فيه نفي إصابة الكل، ~~قال * ع *: ويظهر لي أن المعنى: يصبكم القسم ms1205 الواحد مما ~~يعد به، [لأنه عليه السلام وعدهم إن آمنوا ~~بالنعيم، وإن كفروا بالعذاب الأليم، فإن كان صادقا، ~~فالعذاب بعض ما وعد به]، وقول المؤمن: { يقوم لكم ~~الملك اليوم ظهرين فى الأرض } استنزال لهم ~~ووعظ. # وقوله: { فى الأرض } يريد أرض مصر، وهذه الأقوال تقتضي ~~زوال هيبة فرعون؛ ولذلك استكان هو، وراجع بقوله: { ما ~~أريكم إلا ما أرى } واختلف الناس من المراد بقوله ~~تعالى: { وقال الذي آمن } ، فقال الجمهور: هو المؤمن ~~المذكور؛ قص الله تعالى أقاويله إلى آخر الآيات، وقالت ~~فرقة: بل كلام ذلك المؤمن قد تم؛ وإنما أراد تعالى: { ~~الذي آمن } موسى عليه السلام محتجين بقوة ~~كلامه، وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك؛ ولم يكن كلام الأول ~~إلا بملاينة لهم. # وقوله: { مثل يوم الأحزاب } أي: مثل يوم من ~~أيامهم؛ لأن عذابهم لم يكن في عصر واحد، والمراد ~~بالأحزاب المتحزبون على الأنبياء، و { مثل } الثاني: بدل ~~من الأول، والدأب: العادة، «ويوم التنادي» معناه: يوم ~~ينادي قوم قوما، ويناديهم الآخرون؛ واختلف في التنادي ~~المشار إليه، فقال قتادة: هو نداء أهل الجنة أهل ~~النار، # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # [الأعراف:44] وقيل: هو النداء الذي يتضمنه قوله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [الإسراء:71] قال * ع *: ويحتمل أن يكون المراد التذكير ~~بكل نداء في القيامة فيه مشقة على الكفار ~~والعصاة؛ وذلك كثير. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو صالح: ~~«يوم التناد» بشد الدال؛ وهذا معنى آخر ليس من النداء، بل ~~هو من: ند البعير: إذا هرب؛ وبهذا المعنى فسر ابن عباس ~~والسدي هذه الآية، وروت هذه الفرقة، في هذا المعنى ~~حديثا أن الله تعالى إذا طوى السموات نزلت ~~ملائكة كل سماء، فكانت صفا بعد صف مستديرة ~~بالأرض التي عليها الناس للحساب؛ فإذا رأى الخلق هول ~~القيامة، وأخرجت جهنم عنقا إلى أصحابها، فر الكفار ~~وندوا مدبرين إلى كل جهة، فتردهم الملائكة إلى المحشر؛ ~~لا عاصم لهم، والعاصم: المنجي. ### || [40.34-40] # وقوله: { ولقد جاءكم يوسف... } الآية، قالت فرقة منهم ~~الطبري: يوسف المذكور هنا هو يوسف بن يعقوب عليهما ms1206 السلام ~~ وروي عن وهب بن منبه؛ أن فرعون موسى هو ~~فرعون يوسف عمر إلى زمن موسى، وروى أشهب عن ~~مالك أنه بلغه أن فرعون عمر أربعمائة سنة ~~وأربعين سنة، وقالت فرقة: بل هو فرعون آخر. # وقوله: { كبر مقتا } أي: كبر مقتا جدالهم عند ~~الله، فاختصر ذكر الجدال؛ لدلالة تقدم ذكره عليه، ~~وقرأ أبو عمرو وحده: «على كل قلب» بالتنوين، وقرأ ~~الباقون بغير تنوين، وفي مصحف ابن مسعود: «على قلب (كل) ~~متكبر جبار»، ثم إن فرعون لما أعيته الحيل في ~~مقاومة موسى، نحا إلى المخرقة، ونادى هامان وزيره ~~أن يبني له صرحا؛ فيروى أنه طبخ الآجر لهذا ~~الصرح، ولم يطبخ قبله، وبناه ارتفاع أربعمائة ذراع، فبعث ~~الله جبريل فمسحه بجناحه، فكسره ثلاث كسر، ~~تفرقت اثنتان، ووقعت ثالثة في البحر، { الأسباب } ~~الطرق؛ قاله السدي، وقال قتادة: أراد الأبواب، وقيل عنى ~~لعله يجد مع قربه من السماء سببا يتعلق به. # وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: «وصد عن السبيل» بضم الصاد وفتح ~~الدال ، عطفا على { زين } ، والباقون بفتح الصاد ~~والتباب: الخسران؛ ومنه # تبت يدآ أبي لهب # [المسد:1] وبه فسرها مجاهد وقتادة، ثم وعظهم الذي آمن، فدعا إلى ~~اتباع أمر الله. # وقوله: { اتبعون أهدكم } يقوي أن المتكلم موسى، ~~وإن كان الآخر يحتمل أن يقول ذلك، أي: اتبعوني في اتباع موسى، ثم ~~زهدهم في الدنيا، وأنها شيء يتمتع به قليلا، ~~ورغب في الآخرة، إذ هي دار الاستقرار، قال الغزالي في ~~«الإحياء»: من أراد أن يدخل الجنة بغير حساب، فليستغرق ~~أوقاته في التلاوة والذكر والتفكر في حسن المآب، ومن أراد أن ~~ترجح كفة حسناته وتثقل موازين خيراته، فليستوعب ~~في الطاعة أكثر أوقاته، فإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ~~فأمره في خطر، لكن الرجاء غير منقطع، والعفو من كرم ~~الله منتظر، انتهى. ### || [40.41-56] # وقوله تعالى: { ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة... ~~} الآية، قد تقدم ذكر الخلاف، هل هذه المقالات لموسى أو ~~لمؤمن آل فرعون، والدعاء إلى النجاة هو الدعاء إلى سببها؛ وهو ~~توحيد الله تعالى وطاعته، وباقي الآية بين. ms1207 # وقوله: { أنما تدعونني } المعنى: وإن الذي تدعونني إليه من ~~عبادة غير الله ليس له دعوة، أي: قدر وحق يجب أن يدعى ~~أحد إليه ثم توعدهم بأنهم سيذكرون قوله عند حلول العذاب ~~بهم، والضمير في { فوقاه } يحتمل أن يعود على موسى، أو على ~~مؤمن آل فرعون؛ على ما تقدم من الخلاف. # وقال القائلون بأنه مؤمن آل فرعون: إن ذلك المؤمن نجا مع موسى ~~عليه السلام في البحر، وفر في جملة من فر معه من ~~المتبعين. # وقوله تعالى في آل فرعون: { النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا... } الآية، قوله: { النار } رفع على البدل من ~~قوله: { سوء } وقيل رفع بالابتداء، وخبره { يعرضون } ~~قالت فرقة: هذا الغدو والعشي هو في الدنيا، أي: في كل غدو ~~وعشي من أيام الدنيا يعرض آل فرعون على النار، قال ~~القرطبي في «التذكرة»: وهذا هو عذاب القبر في البرزخ، انتهى؛ ~~وكذا قال الإمام الفخر، وروي في ذلك أن أرواحهم في أجواف طير ~~سود تروح بهم وتغدو إلى النار؛ وقاله الأوزاعي ~~عافانا الله من عذابه ، وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ~~والعشي إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، ~~وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: ~~هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة " # ،انتهى. # وقوله [تعالى] { ويوم تقوم الساعة } أي: ويوم ~~القيامة يقال: { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ~~} وآل فرعون: أتباعه وأهل دينه، والضمير في قوله: { ~~يتحاجون } لجميع كفار الأمم، وهذا ابتداء قصص لا يختص ~~بآل فرعون، والعامل في: «إذ» فعل مضمر، تقديره: اذكر، ثم قال ~~جميع من في النار لخزنتها: { ادعوا ربكم يخفف ~~عنا يوما من العذاب }؛ فراجعتهم الخزنة على ~~معنى التوبيخ والتقرير: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينت } ، فأقر الكفار عند ذلك، و { قالوا بلى } ~~، أي: قد كان ذلك، فقال لهم الخزنة عند ذلك: ادعوا أنتم إذن، ~~وهذا على معنى الهزء بهم. # وقوله تعالى: { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ms1208 } قيل: ~~هو من قول الخزنة، وقيل: هو من قول الله تعالى إخبارا منه ~~لمحمد عليه السلام ، ثم أخبر تعالى أنه ينصر رسله والمؤمنين ~~في الدنيا والآخرة، ونصر المؤمنين داخل في نصر الرسل، ~~وأيضا، فقد جعل الله للمؤمنين الفضلاء ودا، ~~ووهبهم نصرا إذا ظلموا، وحضت الشريعة على نصرهم؛ ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من رد عن أخيه في عرضه، كان حقا على الله أن ~~يرد عنه نار جهنم " # ، وقوله عليه السلام : # " من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله ~~ملكا يحميه يوم القيامة " # وقوله تعالى: { ويوم يقوم الأشهد } يريد يوم القيامة، ~~قال الزجاج، و { الأشهد }: جمع شاهد، وقال الطبري: جمع ~~شهيد، كشريف وأشراف، و { يوم لا ينفع } بدل من ~~الأول، والمعذرة، مصدر، كالعذر، ثم أخبر تعالى ~~بقصة موسى وما آتاه من النبوة، تأنيسا لمحمد، وضرب ~~أسوة وتذكيرا بما كانت العرب تعرفه من أمر موسى، فبين ~~ذلك أن محمدا ليس ببدع من الرسل، والهدى: النبوة ~~والحكمة؛ التوراة تعم جميع ذلك. # وقوله تعالى: { واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك ~~بالعشى والإبكار } قال الطبري: { الإبكار }: من طلوع ~~الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: من طلوع الشمس إلى ~~ارتفاع الضحى، وقال الحسن: { بالعشى } يريد صلاة ~~العصر، { والإبكر } يريد صلاة الصبح. # وقوله تعالى: { إن فى صدورهم إلا كبر } [أي: ليسوا على ~~شيء، بل في صدورهم كبر] وأنفة عليك، ثم نفى أن ~~يكونوا يبلغون آمالهم بحسب ذلك الكبر، ثم أمره تعالى ~~بالاستعاذة بالله في كل أمره من كل مستعاذ منه. ### || [40.57-59] # وقوله تعالى: { لخلق السموات والأرض أكبر من ~~خلق الناس }: فيه توبيخ لهؤلاء الكفرة المتكبرين، كأنه قال: ~~مخلوقات الله أكبر وأجل قدرا من خلق البشر، فما ~~لأحد منهم يتكبر على خالقه، ويحتمل أن يكون الكلام في ~~معنى البعث، وأن الذي خلق السموات والأرض قادر على خلق ~~الناس تارة أخرى، والخلق هنا: مصدر مضاف إلى المفعول، { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } يعادلهم قوله: { ~~ولا المسيء } وهو اسم جنس يعم المسيئين. ### || [40.60] # وقوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } آية ~~تفضل ms1209 ونعمة ووعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالإجابة عند الدعاء؛ قال النووي: وروينا في «كتاب ~~الترمذي» عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة ~~إلا آتاه الله إياها أو صرف [عنه] من السوء ~~مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل ~~من القوم: إذن نكثر، قال: الله أكثر " # قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم في «المستدرك» من ~~رواية أبي سعيد الخدري، وزاد فيه: «أو يدخر له من ~~الأجر مثلها»، انتهى، قال ابن عطاء الله: لا يكن ~~تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ~~ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما ~~تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي ~~تريد، انتهى، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي ~~بي، وأنا معه إذا دعاني " # رواه الجماعة إلا أبا داود: واللفظ لمسلم، انتهى من ~~«السلاح»، وقالت فرقة: معنى { ادعوني }: اعبدوني، و { ~~أستجب } معناه: بالنصر والثواب؛ ويدل على هذا قوله: { إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى... } الآية، * ت *: وهذا ~~التأويل غير صحيح، والأول هو الصواب إن شاء الله ؛ ~~للحديث الصحيح؛ فقد روى النعمان بن بشير رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " «الدعاء هو العبادة». وقرأ: { وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } " # رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان في ~~«صحيحهما»؛ وقال الترمذي، واللفظ له : حديث حسن صحيح، وقال ~~الحاكم: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» والداخر، الصاغر ~~الذليل. ### || [40.61-66] # وقوله تعالى: { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه... } الآيات، هذا تنبيه على آيات الله وعبره، متى ~~تأملها العاقل أدته إلى توحيد الله سبحانه، والإقرار ~~بربوبيته، و { تؤفكون } معناه: تصرفون عن طريق النظر ~~والهدى، { كذلك يؤفك } أي: على هذه الهيئة وبهذه الصفة ~~صرف الله تعالى الكفار الجاحدين بآيات الله ms1210 من الأمم ~~المتقدمة عن طريق الهدى ### || [40.67-68] # وقوله تعالى: { هو الذي خلقكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم ~~لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم ~~من يتوفى من قبل } الآية، تنبيه على الوحدانية ~~بالعبرة في ابن آدم وتدريج خلقه. # وقوله سبحانه: { ومنكم من يتوفى من قبل } عبارة ~~تردد في الأدراج المذكورة، فمن الناس من يموت قبل أن ~~يخرج طفلا وآخرون قبل الأشد، وآخرون قبل الشيخوخة، { ~~ولتبلغوا أجلا مسمى } ، أي: ليبلغ كل واحد آجلا ~~مسمى لا يتعداه، و { لعلكم تعقلون } الحقائق إذا ~~نظرتم في هذا وتدبرتم حكمة الله تعالى. ### || [40.69-77] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجدلون فى ~~ءايت الله... } الآية في الكفار المجادلين في ~~رسالة نبينا محمد عليه السلام و { يسحبون } معناه ~~يجرون، والسحب: الجر والحميم الذائب الشديد الحر من ~~النار، و { يسجرون }: قال مجاهد: معناه توقد النار بهم، ~~والعرب تقول؛ سجرت التنور: إذا ملأته نارا، وقال ~~السدي: يسجرون: يحرقون، ثم أخبر تعالى؛ أنهم يقال ~~لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدون في الدنيا؟ فيقولون: ~~ضلوا، أي: تلفوا لنا وغابوا، ثم تضطرب أقوالهم ~~ويفزعون إلى الكذب، فيقولون: { بل لم نكن ندعوا من ~~قبل شيئا } ثم يقال لهؤلاء الكفار المعذبين: { ذلكم }: ~~العذاب الذي أنتم فيه { بما كنتم تفرحون } في الدنيا بالمعاصي ~~والكفر، و { تمرحون } قال مجاهد: معناه: الأشر والبطر. # وقوله تعالى: { ادخلوا أبوب جهنم } معناه: يقال لهم ~~قبل هذه المحاورة في أول الأمر: ادخلوا؛ لأن هذه المخاطبة إنما ~~هي بعد دخولهم، ثم آنس تعالى نبيه، ووعده بقوله: { ~~فاصبر إن وعد الله حق } أي: في نصرك وإظهار أمرك؛ فإن ~~ذلك أمر إما أن ترى بعضه في حياتك، فتقر عينك به، ~~وإما أن تموت قبل ذلك، فإلى أمرنا وتعذيبنا يصيرون ~~ويرجعون. # قال أبو حيان: و«ما» في «إما» زائدة لتأكيد معنى الشرط، ~~انتهى. ### || [40.78-81] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم ~~من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } هذه ~~الآية رد على العرب الذين استبعدوا أن يبعث الله ms1211 بشرا ~~رسولا. # وقوله تعالى: { فإذا جاء أمر الله قضى بالحق... } ~~الآية، يحتمل أن يريد بأمر الله القيامة، فتكون الآية توعدا لهم ~~بالآخرة، ويحتمل أن يريد بأمر الله إرسال رسول وبعثة نبي ~~قضى ذلك وأنفذه بالحق؛ وخسر كل مبطل. * ت *: ~~والأول أبين. # وقوله تعالى: { الله الذى جعل لكم الانعم ~~لتركبوا منها... } الآية، هذه آيات فيها عبر وتعديد ~~نعم، و { الأنعم }: الأزواج الثمانية، و { منها } الأولى ~~للتبعيض، وقال الطبري في هذه الآية: الأنعام تعم الإبل والبقر ~~والغنم والخيل والبغال والحمير، وغير ذلك مما ينتفع ~~به من البهائم، ف { منها } في الموضعين على هذا للتبعيض. ### || [40.82-85] # وقوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم ~~وأشد قوة وآثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون... } الآية، هذا احتجاج على قريش بما أظهر سبحانه ~~في الأمم السالفة من نقماته في الكفار الذين كانوا أكثر منهم، ~~وأشد قوة قال أبو حيان: { فما أغنى } «ما» نافية أو ~~استفهامية بمعنى النفي، انتهى. # وقوله سبحانه: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينت } ~~الآية، الضمير في (جاءتهم) عائد على الأمم المذكورة، واختلف ~~المفسرون في الضمير في { فرحوا } على من يعود؟ فقال مجاهد ~~وغيره: هو عائد على الأمم المذكورين، أي: فرحوا بما عندهم من ~~العلم في ظنهم ومعتقدهم من أنهم لا يبعثون ولا ~~يحاسبون، قال ابن زيد: واغتروا بعلمهم بالدنيا والمعاش، وظنوا أنه ~~لا آخرة؛ ففرحوا وهذا كقوله تعالى: # يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا # [الروم:7] وقالت فرقة: الضمير في { فرحوا } عائد على الرسل، ~~وفي هذا التأويل حذف وتقديره: فلما جاءتهم رسلهم بالبينات، ~~كذبوهم ففرح الرسل بما عندهم من العلم بالله والثقة ~~به، وبأنه سينصرهم، والضمير في { بهم } عائد على الكفار بلا ~~خلاف، ثم حكى سبحانه حالة بعضهم ممن آمن بعد ~~تلبس العذاب بهم، فلم ينفعهم ذلك؛ وفي ذكر هذا حض على ~~المبادرة. # و { سنت } نصب على المصدر، * ت *: وقيل: المعنى: احذروا سنة ~~الله، كقوله: # ناقة الله # [الشمس:13] قال الفخر، وقوله: { هنالك }: اسم مكان ~~مستعار للزمان، ms1212 أي: وخسروا وقت رؤية البأس، انتهى، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-11] # روي أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ ليحتج عليه، ويبين له أمر مخالفته ~~لقومه، فلما فرغ عتبة من كلامه، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم:«بسم الله الرحمن الرحيم»: { حم * ~~تنزيل من الرحمن الرحيم * كتب فصلت ~~ءايته } إلى قوله: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة ~~عاد وثمود # [فصلت:13] فأرعد الشيخ، وقف شعره، وأمسك على ~~فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده بالرحم أن يمسك، ~~وقال حين فارقه: والله، لقد سمعت شيئا ما هو ~~بالشعر، ولا هو بالكهانة، ولا هو بالسحر، ولقد ~~ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي» و { الرحمن ~~الرحيم }: صفتا رجاء ورحمة لله عز وجل، و { ~~فصلت } معناه بينت و { ءايته } أي: فسرت معانيه، ~~ففصل بين حلاله وحرامه، ووعده ووعيده، وقيل: فصلت في ~~التنزيل، أي: نزل نجوما، ولم ينزل مرة واحدة، وقيل: فصلت ~~بالمواقف وأنواع أواخر الآي، ولم يكن يرجع إلى قافية ونحوها؛ ~~كالسجع والشعر. # وقوله تعالى: { لقوم يعلمون } قالت فرقة: يعلمون الأشياء، ~~ويعقلون الدلائل، فكأن القرآن فصلت آياته لهؤلاء؛ إذ هم أهل ~~الانتفاع بها، فخصوا بالذكر؛ تشريفا، وقالت فرقة: { يعلمون }: ~~متعلق في المعنى بقوله: { عربيا } أي: لقوم يعلمون ألفاظه، ~~ويتحققون أنها لم يخرج شيء منها عن كلام العرب، وكأن الآية ~~على هذا التأويل رادة على من زعم أن في كتاب الله ~~ما ليس في كلام العرب، والتأويل الأول أبين وأشرف ~~معنى وبين أنه ليس في القرآن إلا ما هو من كلام ~~العرب، إما من أصل لغتها، وإما مما عربته من لغة غيرها، ~~ثم ذكر في القرآن وهو معرب مستعمل. # وقوله تعالى: { فهم لا يسمعون } نفي لسماعهم النافع الذي ~~يعتد به، ثم حكى عنهم مقالتهم التي باعدوا فيها كل المباعدة، ~~وأرادوا أن يؤيسوه من قبولهم ما جاء به، وهي: { قلوبنا فى ~~أكنة مما تدعونا إليه } وأكنة: جمع كنان، ~~والوقر: الثقل في الأذن الذي يمنع ms1213 السمع. # وقوله تعالى: { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون ~~الزكوة... } الآية: قال الحسن: المراد بالزكاة: زكاة المال، وقال ~~ابن عباس والجمهور: الزكاة في هذه الآية: لا إله إلا الله ~~التوحيد؛ كما قال موسى لفرعون: # هل لك إلى أن تزكى # [النازعات:18] ويرجح هذا التأويل أن الآية مكية، وزكاة ~~المال إنما نزلت بالمدينة؛ وإنما هذه زكاة القلب والبدن، أي: تطهيره ~~من المعاصي؛ وقاله مجاهد والربيع، وقال الضحاك ومقاتل: معنى الزكاة ~~هنا: النفقة في الطاعة، و { غير ممنون } قال ابن عباس: معناه: ~~غير منقوص، وقالت فرقة: معناه: غير مقطوع؛ يقال: مننت ~~الحبل: إذا قطعته، وقال مجاهد: معناه: غير محسوب، قال * ع *: ~~ويظهر في الآية أنه وصفه بعدم المن والأذى من حيث هو من جهة ~~الله تعالى، فهو شريف لا من فيه، وأعطيات البشر هي التي ~~يدخلها المن، والأنداد: الأشباه والأمثال، وهي إشارة إلى كل ~~ما عبد من دون الله. # وقوله تعالى: { وبرك فيها } أي: جعلها منبتة للطيبات ~~والأطعمة، وجعلها طهورا إلى غير ذلك من وجوه البركة، وفي قراءة ابن ~~مسعود: «وقسم فيها أقواتها» واختلف في معنى قوله: { ~~أقوتها } فقال السدي: هي أقوات البشر وأرزاقهم، ~~وأضافها إلى الأرض، من حيث هي فيها وعنها، وقال قتادة: هي أقوات ~~الأرض: من الجبال، والأنهار، والأشجار، والصخور، والمعادن، والأشياء ~~التي بها قوام الأرض ومصالحها، وروى ابن عباس في هذا حديثا ~~مرفوعا، فشبهها بالقوت الذي به قوام الحيوان، وقال مجاهد أراد ~~أقواتها من المطر والمياه، وقال الضحاك وغيره: أراد بقوله: { ~~أقوتها }: خصائصها التي قسمها في البلاد من الملبوس ~~والمطعوم، فجعل في بلد وفي قطر ما ليس في الآخر، ليحتاج ~~بعضهم إلى بعض، ويتقوت من هذه في هذه، وهذا قريب من ~~الأول. # وقوله تعالى: { فى أربعة أيام } يريد: باليومين الأولين، وقرأ ~~الجمهور: «سواء» بالنصب على الحال، أي: سواء هي وما انقضى فيها، ~~وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: «سواء» بالرفع ، أي: هي ~~سواء، وقرأ الحسن: «سواء» بالخفض على نعت الأيام، واختلف في ~~معنى: «للسائلين»: فقال قتادة معناه: سواء لمن سأل واستفهم ~~عن ms1214 الأمر وحقيقة وقوعه، وأراد العبرة فيه، فإنه يجده، كما ~~قال تعالى، وقال ابن زيد وجماعة: معناه: مستو مهيأ أمر هذه ~~المخلوقات ونفعها للمحتاجين إليها من البشر، فعبر عنهم ب { ~~للسائلين } بمعنى «الطالبين»؛ لأنه من شأنهم، ولا بد ~~طلب ما ينتفعون به، فهم في حكم من سأل هذه الأشياء، إذ هم ~~أهل حاجة إليها، ولفظة «سواء» تجري مجرى عدل وزور، في أن ترد ~~على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. # وقوله سبحانه: { ثم استوى إلى السماء } معناه: بقدرته ~~واختراعه إلى خلق السماء وإيجادها. # وقوله تعالى: { وهى دخان } روي: أنها كانت جسما رخوا؛ ~~كالدخان أو البخار، وروي: أنه مما أمره الله ~~تعالى أن يصعد من الماء، وهنا محذوف، تقديره: فأوجدها، ~~وأتقنها، وأكمل أمرها، وحينئذ قال لها وللأرض أئتيا بمعنى ائتيا ~~أمري وإرادتي فيكما، وقرأ ابن عباس: «آتيا» بمعنى: أعطيا من ~~أنفسكما من الطاعة ما أردته منكما، والإشارة بهذا كله إلى ~~تسخيرهما وما قدره الله من أعمالهما. # وقوله: { أو كرها } فيه محذوف تقديره ائتيا طوعا وإلا ~~أتيتما كرها. # وقوله سبحانه: { قالتا } أراد الفرقتين جعل السموات سماء ~~والأرضين أرضا، واختلف في هذه المقالة من السموات ~~والأرض، هل هو نطق حقيقة أو هو مجاز؟ لما ظهر عليها من ~~التذلل والخضوع والانقياد الذي يتنزل منزلة النطق، قال * ع *: ~~والقول الأول: أنه نطق حقيقة أحسن؛ لأنه لا شيء ~~يدفعه ، وأن العبرة به أتم والقدرة فيه أظهر. ### || [41.12-15] # وقوله تعالى: { فقضاهن } معناه: فصنعهن وأوجدهن، ~~ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقوله تعالى: { وأوحى فى كل سماء أمرها } قال مجاهد ~~وقتادة: أوحى إلى سكانها وعمرتها من الملائكة وإليها هي في ~~نفسها ما شاء تعالى من الأمور التي بها قوامها ~~وصلاحها. # وقوله: { ذلك } إشارة إلى جميع ما ذكر، أي: أوجده ~~بقدرته، وأحكمه بعلمه. # وقوله تعالى: { فإن أعرضوا } يعني: قريشا، والعرب الذين ~~دعوتهم إلى عبادة الله تعالى عن هذه الآيات البينات { فقل ~~أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود } وقرأ ~~النخعي وغيره: { صعقة } فيهما، وهذه قراءة بينة ms1215 المعنى؛ ~~لأن الصعقة الهلاك الوحي، وأما الأولى فهي تشبيه بالصاعقة، ~~وهي الوقعة الشديدة من صوت الرعد، فشبهت هنا وقعة العذاب بها؛ ~~لأن عادا لم تعذب إلا بريح، وإنما هذا تشبيه واستعارة، ~~وعبارة الثعلبي: { صاعقة } أي: واقعة وعقوبة مثل صاعقة عاد ~~وثمود، انتهى، قال * ع *: وخص عادا وثمود بالذكر؛ لوقوف ~~قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام، قال ~~الثعلبي: و { من بين أيديهم ومن خلفهم } يعني: قبلهم ~~وبعدهم، وقامت الحجة عليهم في أن الرسالة والنذارة عمتهم خبرا ~~ومباشرة، وقال * ع *: قوله: { ومن خلفهم } أي: جاءهم رسول بعد ~~اكتمال أعمارهم وبعد تقدم وجودهم في الزمن، فلذلك قال: { ومن ~~خلفهم } ولا يتوجه أن يجعل { ومن خلفهم } عبارة عما أتى ~~بعدهم؛ لأن ذلك لا يلحقهم منه تقصير. # * ت *: وما تقدم للثعلبي وغيره أحسن؛ لأن مقصد الآية اتصال ~~النذارة بهم وبمن قبلهم وبمن بعدهم؛ إذ ما من أمة إلا وفيها نذير، ~~وكما قال تعالى: # رسلنا تترى... # [المؤمنون:44] وأيضا فإنه جمع في اللفظ عادا وثمودا وبالضرورة ~~أن الرسول الذي أرسل إلى ثمود هو بعد عاد، فليس لرد * ~~ع *: وجه؛ فتأمله. ### || [41.16-21] # وقوله تعالى: { فأرسلنا عليهم ريحا... } الآية، تقدم ~~قصص هؤلاء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير: { نحسات } ~~بسكون الحاء ، وهي جمع «نحس» وقرأ الباقون: { نحسات } ~~بكسر الحاء جمع «نحس» على وزن حذر، والمعنى في هذه اللفظة: ~~مشائيم من النحس المعروف، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: { ~~نحسات } معناه متتابعات، وقيل: معناه: شديدة، أي: شديدة ~~البرد. # وقوله تعالى: { فهدينهم } معناه: بينا لهم؛ قاله ابن ~~عباس وغيره، وهذا كما هي الآن شريعة الإسلام مبينة لليهود ~~والنصارى المختلطين بنا، ولكنهم يعرضون ويشتغلون بالضد، ~~فذلك استحباب العمى على الهدى، و { العذاب الهون } هو الذي ~~معه هوان وإذلال؛ قال أبو حيان: «الهون» مصدر بمعنى ~~«الهوان»، وصف به العذاب، انتهى، و { أعداء الله } هم ~~الكفار المخالفون لأمر الله سبحانه، و { يوزعون } معناه: يكف ~~أولهم حبسا على آخرهم؛ قاله قتادة، والسدي، وأهل اللغة، ~~وهذا وصف حال من أحوال الكفرة في ms1216 بعض أوقات القيامة، وذلك عند وصولهم إلى ~~جهنم، فإنه سبحانه يستقرهم عند ذلك على أنفسهم، ويسألون سؤال ~~توبيخ عن كفرهم فيجحدون، ويحسبون أن لا شاهد عليهم، ويطلبون ~~شهيدا عليهم من أنفسهم، وفي الحديث الصحيح: # " إن العبد يعني الكافر يقول: يا رب، ~~أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: فإن ذلك لك، ~~قال: فإني لا أقبل علي شاهدا إلا من نفسي، قال ~~فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان ~~يعمل، قال: فيقول لهن: بعدا لكن، وسحقا، ~~فعنكن كنت أدافع " # الحديث، قال أبو حيان: { حتى إذا ما جاءوها }: «ما» بعد ~~«إذا» زائدة للتوكيد، انتهى. ### || [41.22-25] # وقوله تعالى: { وما كنتم تستترون } يحتمل أن يكون من كلام ~~الجلود، ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل، وجمهور الناس على أن ~~المراد بالجلود الجلود المعروفة، وأما معنى الآية فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يريد وما كنتم تتصاونون وتحجزون أنفسكم عن ~~المعاصي والكفر؛ خوف أن يشهد، أو لأجل { أن يشهد عليكم ~~سمعكم... } الآية، وهذا هو منحى مجاهد، والمعنى الثاني أن ~~يريد: وما يمكنكم ولا يسعكم الاختفاء عن أعضائكم، ~~والاستتار عنها بكفركم ومعاصيكم، وهذا هو منحى السدي، وعن ~~ابن مسعود قال: # " إني لمستتر بأستار الكعبة، إذ دخل ثلاثة نفر: ~~قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه ~~قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فتحدثوا بحديث، ~~فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا؟ فقال ~~الآخر: يسمع إذا رفعنا، ولا يسمع إذا أخفينا، ~~وقال الآخر: إن كان يسمع منه شيئا فإنه يسمعه ~~كله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بذلك فنزلت هذه الآية: { وما كنتم تستترون } ، وقرأ ~~حتى بلغ: { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين } ". # قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في آخر: «مختصر ~~المدونة» له: واعلم أن [الأجساد التي أطاعت أو عصت، هي التي ~~تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا، ~~والألسنة]، والأيدي، والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على ~~من تشهد، انتهى. # قال القرطبي في «تذكرته»: واعلم أن عند أهل السنة أن تلك ~~الأجساد الدنيوية تعاد بأعيانها ms1217 وأعراضها بلا خلاف بينهم ~~في ذلك، انتهى، ومعنى { أرداكم }: أهلككم، والردى: الهلاك؛ ~~وفي صحيح «البخاري» و«مسلم» عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول قبل وفاته بثلاث: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ~~عز وجل " # وذكره ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عز وجل، وزاد ~~فيه: «فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، ~~فقال لهم الله تبارك وتعالى: { وذلكم ظنكم ~~الذى ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخسرين } انتهى، ونقله أيضا صاحب «التذكرة». # وقوله تعالى: { فإن يصبروا } مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى: فإن يصبروا أو لا يصبروا، واقتصر لدلالة الظاهر على ~~ما ترك. # وقوله تعالى: { وإن يستعتبوا } معناه: وإن طلبوا ~~العتبى، وهي الرضا فما هم ممن يعطاها ويستوجبها؛ قال ~~أبو حيان: قراءة الجمهور: «وإن يستعتبوا مبنيا للفاعل، و: { ~~من المعتبين } مبنيا للمفعول، أي: وإن يعتذروا فما هم من ~~المعذورين، انتهى. # ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حين أعرضوا، فحتم ~~عليهم، فقال: { وقيضنا لهم قرناء } ، أي: يسرنا لهم ~~قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس. # وقوله: { فزينوا لهم ما بين أيديهم } أي: علموهم، ~~وقرروا لهم في نفوسهم معتقدات سوء في الأمور التي تقدمتهم من أمر ~~الرسل والنبوات، ومدح عبادة الأصنام، واتباع فعل الآباء، ~~إلى غير ذلك مما يقال: إنه بين أيديهم، وذلك كل ما تقدمهم ~~في الزمن، واتصل إليهم أثره أو خبره، وكذلك أعطوهم ~~معتقدات سوء فيما خلفهم، وهو كل ما يأتي بعدهم من القيامة ~~والبعث ونحو ذلك { وحق عليهم القول } أي: سبق عليهم ~~القضاء الحتم، وأمر الله بتعذيبهم في جملة أمم ~~معذبين، كفار من الجن والإنس. # وقالت فرقة: «في» بمعنى «مع»، أي: مع أمم، قال * ع *: والمعنى يتأدى ~~بالحرفين، ولا نحتاج أن نجعل حرفا بمعنى حرف، إذ قد أبى ذلك رؤساء ~~البصريين. ### || [41.26-27] # وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرءان... } الآية: الآية حكاية لما فعله بعض كفار قريش، كأبي ~~جهل وغيره، لما خافوا استمالة القلوب بالقرآن، قالوا: متى ~~قرأ ms1218 محمد فالغطوا بالصفير والصياح وإنشاد الشعر؛ حتى ~~يخفى صوته، فهذا الفعل منهم هو اللغو، وقال أبو العالية: ~~أرادوا: قعوا فيه وعيبوه، وقولهم: { لعلكم تغلبون } أي: ~~تطمسون أمر محمد، وتميتون ذكره، وتصرفون عنه القلوب، فهذه الغاية ~~التي تمنوها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # وقوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا ~~شديدا... } الآية، قوله: { فلنذيقن }: الفاء دخلت على لام ~~القسم، وهي آية وعيد لقريش، والعذاب الشديد: هو عذاب الدنيا في ~~بدر وغيرها، والجزاء بأسوإ أعمالهم هو عذاب الآخرة. # * ت *: حدث أبو عمر في «كتاب التمهيد» قال: حدثنا أحمد بن ~~قاسم، قال: حدثنا محمد بن معاوية، قال: حدثنا إبراهيم ~~بن موسى بن جميل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي ~~الدنيا، قال: حدثنا العتكي. قال: حدثنا خالد أبو يزيد الرقي ~~عن يحيى المدني، عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: خرجت ~~مرة، فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من ~~القبر، يتأجج نارا، في عنقه سلسلة، ومعي إداوة من ~~ماء، فلما رآني قال: يا عبد الله، اسقني، قال: فقلت: ~~عرفني، فدعاني باسمي، أو كلمة تقولها العرب: يا عبد ~~الله، إذ خرج على أثره رجل من القبر، فقال: يا ~~عبد الله، لا تسقه، فإنه كافر، ثم أخذ ~~السلسلة فاجتذبه، فأدخله القبر، قال: ثم أضافني ~~الليل إلى بيت عجوز، إلى جانبها قبر، فسمعت من ~~القبر صوتا يقول: بول وما بول، شن وما شن، ~~فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجا لي، وكان إذا بال ~~لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك! إن الجمل ~~إذا بال تفاج، وكان يأبى، فهو ينادي من يوم مات: بول ~~وما بول، قلت: فما الشن؟ قالت: جاء رجل عطشان فقال: ~~اسقني فقال: دونك الشن، فإذا ليس فيه شيء؛ فخر ~~الرجل ميتا، فهو ينادي منذ مات: شن وما شن، فلما ~~قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فنهى: ~~أن يسافر الرجل وحده. قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده ~~مجهولون، ولم نورده للاحتجاج ms1219 به؛ ولكن للاعتبار، وما لم يكن ~~حكم، فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء، انتهى من ترجمة عبد الرحمن ~~بن حرملة، وكلامه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ~~ثلاثة لم يهم بهم " # وقد ذكرنا الحكاية الأولى عن الوائلي في سورة { اقرأ باسم ~~ربك } بغير هذا السند، وأن الرجل الأول هو أبو جهل، ~~انتهى، ثم ذكر تعالى مقالة كفار يوم القيامة إذا دخلوا النار؛ ~~فإنهم يرون عظيم ما حل بهم وسوء منقلبهم، فتجول ~~أفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم، فيعظم غيظهم وحنقهم ~~عليه، ويودون أن يحصل في أشد عذاب، فحينئذ يقولون: { ~~ربنآ أرنا الذين أضلانا } وظاهر اللفظ يقتضي أن ~~الذي في قولهم: { اللذين } إنما هو للجنس، أي: أرنا كل ~~مغو من الجن والإنس، وهذا قول جماعة من المفسرين. # وقيل: طلبوا ولد آدم الذي سن القتل والمعصية من البشر، وإبليس ~~الأبالسة من الجن، وهذا قول لا يخفى ضعفه، والأول هو القوي، ~~وقولهم: { نجعلهما تحت أقدامنا } يريدون في أسفل طبقة في ~~النار؛ وهي أشد عذابا. ### || [41.30-32] # وقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا } قال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا ~~رسول الله، أخبرني بأمر أعتصم به، قال: «قل: ~~ربي الله ثم استقم». # * ت *: هذا الحديث خرجه مسلم في «صحيحه»، قال صاحب «المفهم»: ~~جوابه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، وكأنه ~~منتزع من قول الله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقموا... } الآية، وتلخيصه: اعتدلوا على ~~طاعته قولا وفعلا وعقدا، انتهى من «شرح الأربعين حديثا» لابن ~~الفاكهاني، قال * ع *: واختلف الناس في مقتضى قوله: { ~~ثم استقموا } فذهب الحسن وجماعة إلى أن معناه: ~~استقاموا بالطاعات واجتناب المعاصي، وتلا عمر رضي ~~الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا ~~والله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب، قال * ع *: فذهب ~~ رحمه الله إلى حمل الناس على الأتم الأفضل، وإلا ~~فيلزم على هذا التأويل من دليل الخطاب ألا ms1220 تتنزل الملائكة عند ~~الموت على غير مستقيم على الطاعة، وذهب أبو بكر رضي الله عنه ~~ وجماعة معه إلى أن المعنى: ثم: استقاموا على قولهم: ربنا ~~الله، فلم يختل توحيدهم، ولا اضطرب إيمانهم، قال * ع *: وفي ~~الحديث الصحيح: # " من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل ~~الجنة " # وهذا هو المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة ~~محمد وغيرها فرقتان: فأما من غفر الله له، وترك تعذيبه، فلا ~~محالة أنه ممن تتنزل عليهم الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام ~~على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مدة، ~~ثم [يأمر] بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند ~~موته ويعلمه، وليس يصح أن تكون حاله كحالة الكافر ~~واليائس من رحمة الله، وإذا كان هذا فقد حصلت له بشارة ~~بألا يخاف الخلود، ولا يحزن منه، ويدخل فيمن يقال لهم: { ~~وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون } ومع هذا كله ~~فلا يختلف في أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم ~~حالا وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ~~، وبالجملة، فكلما كان المرء أشد استعدادا، كان أسرع فوزا ~~بفضل الله تعالى؛ قال الثعلبي: قوله تعالى: { تتنزل ~~عليهم الملئكة } أي: عند الموت { ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا } قال وكيع: والبشرى في ثلاثة ~~مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وفي البخاري: { ~~تتنزل عليهم الملئكة } أي عند الموت، انتهى، قال ابن ~~العربي في " أحكامه ": { تتنزل عليهم الملئكة } قال ~~المفسرون: عند الموت، وأنا أقول: كل يوم، وأوكد الأيام: ~~يوم الموت، وحين القبر، ويوم الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار ~~بيناها في موضعها، انتهى، قال * ع *: قوله تعالى { ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا }: أمنة عامة في كل هم ~~مستأنف، وتسلية تامة عن كل فائت ماض، وقال مجاهد: ~~المعنى: لا تخافون ما تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما ~~خلفتم من دنياكم. # * ت *: وذكر أبو نعيم عن ثابت البناني أنه قرأ: حم السجدة ~~حتى بلغ: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة } ، فوقف، وقال: ~~بلغنا أن العبد ms1221 المؤمن حين يبعث من قبره يتلقاه الملكان ~~اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف، ولا تحزن، ~~وأبشر بالجنة التي كنت توعد، قال: فأمن الله خوفه، وأقر ~~عينه، الحديث. انتهى. قال ابن المبارك في " رقائقه ": سمعت سفيان ~~يقول في قوله تعالى: { تتنزل عليهم الملئكة }: أي ~~عند الموت { ألا تخافوا }: ما أمامكم { ولا تحزنوا }: على ~~ما خلفتم من ضيعاتكم { وأبشروا بالجنة التى كنتم ~~توعدون } قال: يبشر بثلاث بشارات: عند الموت، وإذا خرج من ~~القبر، وإذا فزع، { نحن أولياؤكم فى الحيوة ~~الدنيا } قال: كانوا معهم، قال ابن المبارك: وأخبرنا رجل عن ~~منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: { نحن أولياؤكم فى ~~الحيوة الدنيا } قال: قرناؤهم يلقونهم يوم القيامة، ~~فيقولون: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة، اه. # وقوله تعالى: { نحن أولياؤكم فى الحيوة الدنيا ~~وفى الاخرة } المتكلم ب { نحن أولياؤكم } هم الملائكة ~~القائلون: { ألا تخافوا ولا تحزنوا } أي: يقولون للمؤمنين ~~عند الموت وعند مشاهدة الحق: نحن كنا أولياءكم في الدنيا، ونحن ~~هم أولياؤكم في الآخرة؛ قال السدي: المعنى: نحن حفظتكم في ~~الدنيا، وأولياؤكم في الآخرة، والضمير في قوله: { فيها } عائد على ~~الآخرة، و { تدعون } معناه: تطلبون؛ قال الفخر: ومعنى ~~كونهم أولياء للمؤمنين، إشارة إلى أن للملائكة تأثيرات في ~~الأرواح [البشرية، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية ~~والمناجات الخفية؛ كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح] ~~بإلقاء الوساوس، وبالجملة، فكون الملائكة أولياء للأرواح ~~الطيبة الطاهرة، حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب ~~المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما أن تلك الولايات ~~حاصلة في الدنيا، فهي تكون باقية في الآخرة؛ فإن تلك العلائق ~~ذاتية لازمة، غير مائلة إلى الزوال؛ بل تصير بعد الموت أقوى ~~وأبقى؛ وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة ~~بالنسبة إلى الشمس والقطرة بالنسبة إلى البحر، وإنما التعلقات ~~الجسدانية والتدبيرات البدنية هي الحائلة بينها وبين ~~الملائكة، فإذا زالت تلك العلائق، فقد زال الغطاء، واتصل ~~الأثر بالمؤثر، والقطرة بالبحر، والشعلة بالشمس، انتهى. # * ت *: وقد نقل الثعلبي من كلام أرباب المعاني هنا كلاما كثيرا ~~حسنا جدا، موقظا لأرباب الهمم، ms1222 فانظره إن شئت، وروى ~~ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ بأنه ~~قال: # " إذا فنيت أيام الدنيا عن هذا العبد المؤمن، ~~بعث الله إلى نفسه من يتوفاها، قال: فقال ~~صاحباه اللذان يحفظان عليه عمله: إن هذا قد ~~كان لنا أخا وصاحبا، وقد حان اليوم منه فراق، ~~فأذنوا لنا، أو قال: دعونا نثن على أخينا، ~~فيقال: أثنيا عليه، فيقولان: جزاك الله خيرا، ~~ورضي عنك، وغفر لك، وأدخلك الجنة؛ فنعم الأخ ~~كنت والصاحب؛ ما كان أيسر مؤنتك، وأحسن ~~معونتك على نفسك، ما كانت خطاياك تمنعنا أن ~~نصعد إلى ربنا، فنسبح بحمده، ونقدس له، ~~ونسجد له، ويقول الذي يتوفى نفسه: اخرج ~~أيها الروح الطيب إلى خير يوم مر عليك، ~~فنعم ما قدمت لنفسك، اخرج إلى الروح ~~والريحان وجنات النعيم ورب عليك غير ~~غضبان،، وإذا فنيت أيام الدنيا عن العبد ~~الكافر، بعث الله إلى نفسه من يتوفاها، ~~فيقول صاحباه اللذان كانا يحفظان عليه عمله: ~~إن هذا قد كان لنا صاحبا، وقد حان منه فراق، ~~فأذنوا لنا، ودعونا نثن على صاحبنا، فيقال: ~~أثنيا عليه فيقولان: لعنة الله وغضبه عليه، ~~ولا غفر له، وأدخله النار فبئس الصاحب؛ ما ~~كان أشد مؤنته، وما كان يعين على نفسه؛ إن ~~كانت خطاياه وذنوبه لتمنعنا أن نصعد إلى ~~ربنا فنسبح له، ونقدس له، ونسجد له، ~~ويقول الذي يتوفى نفسه: اخرج أيها الروح ~~الخبيث إلى شر يوم مر عليك، فبئس ما قدمت ~~لنفسك، اخرج إلى الحميم وتصلية الجحيم ورب ~~عليك غضبان " # ، انتهى. ### || [41.33-35] # وقوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله... ~~} الآية ابتداء توصية لنبيه عليه السلام ، وهو لفظ يعم ~~كل من دعا قديما وحديثا إلى الله عز وجل من الأنبياء ~~والمؤمنين، والمعنى: لا أحد أحسن قولا ممن هذه حاله، ~~وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة، وقيل: إن الآية نزلت في ~~المؤذنين، وهذا ضعيف؛ لأن الآية مكية، والأذان شرع ~~بالمدينة، قال أبو حيان: { ولا السيئة } «لا» زائدة للتوكيد، ~~انتهى. # وقوله تعالى: { ادفع بالتى هى أحسن } آية ms1223 جمعت مكارم ~~الأخلاق وأنواع الحلم، والمعنى: ادفع ما يعرض لك مع الناس في ~~مخالطتهم بالفعلة أو بالسيرة التي هي أحسن، قال ابن عباس: أمره ~~الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند ~~الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل المؤمنون ذلك، ~~عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، { كأنه ولى ~~حميم } البخاري: «ولي حميم» أي: قريب، انتهى،، وفسر مجاهد ~~وعطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، قال * ع *: ولا شك أن ~~السلام هو مبدأ الدفع بالتي هي أحسن، وهو جزء منه، والضمير في قوله: ~~{ يلقاها } عائد على هذه الخلق التي يقتضيها قوله: { ادفع ~~بالتى هى أحسن } ، وقالت فرقة: المراد: وما يلقى «لا ~~إله إلا الله»، وهذا تفسير لا يقتضيه اللفظ. # وقوله سبحانه: { إلا الذين صبروا }: مدح بليغ للصابرين، وذلك ~~بين للمتأمل؛ لأن الصبر على الطاعات وعن الشهوات جامع ~~لخصال الخير كلها، والحظ العظيم: يحتمل أن يريد من العقل ~~والفضل؛ فتكون الآية مدحا للمتصف بذلك، ويحتمل أن يريد: ذو حظ ~~عظيم من الجنة وثواب الآخرة، فتكون الآية وعدا، وبالجنة فسر قتادة ~~الحظ هنا. ### || [41.36-39] # وقوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ بالله } «إما»: شرط وجواب الشرط قوله: { ~~فاستعذ } والنزغ: فعل الشيطان في قلب أو يد من إلقاء ~~غضب، أو حقد، أو بطش في اليد. # فمن الغضب هذه الآية، ومن الحقد قوله: # نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى # [يوسف:100]، ومن البطش قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح؛ لا ينزغ ~~الشيطان في يده فيلقيه في حفرة من حفر النار " # ومن دعاء الشيخ الولي العارف بالله سبحانه، محمد بن مسرة ~~القرطبي: اللهم، لا تجعل صدري للشيطان مراغا، ولا ~~تصير قلبي له مجالا، ولا تجعلني، ممن استفزه بصوته، ~~وأجلب عليه بخيله ورجله، وكن لي من حبائله منجيا، ومن مصائده ~~منقذا، ومن غوايته مبعدا، اللهم إنه وسوس في القلب، ~~وألقى في النفس ما لا يطيق اللسان ذكره، ولا تستطيع النفس ~~نشره مما نزهك عنه علو عزك، وسمو مجدك، فأزل يا ms1224 ~~سيدي ما سطر، وامح ما زور بوابل من سحائب عظمتك ~~وطوفان من بحار نصرتك، واسلل عليه سيف إبعادك، ~~وارشقه بسهام إقصائك، وأحرقه بنار انتقامك، واجعل خلاصي ~~منه زائدا في حزنه، ومؤكدا لأسفه، ثم قال رحمه الله: اعلم ~~أنه ربما كان العبد في خلوته مشتغلا بتلاوته، ويجد في نفسه من ~~الوسوسة ما يحول بينه وبين ربه، حتى لا يجد لطعم الذكر ~~حلاوة، ويجد في قلبه قساوة، وربما اعتراه ذلك مع الاجتهاد في قراءته؛ ~~وعلة ذلك أن الذكر ذكران: ذكر خوف ورهبة، وذكر ~~أمن وغفلة، فإذا كان [الذكر بالخوف والرهبة، خنس الشيطان، ~~ولم يحتمل الحملة، وأذهب الوسوسة؛ لأن الذكر إذا كان] باجتماع ~~القلب وصدق النية، لم يكن للشيطان قوة عند ذلك، وانقطعت ~~علائق حيله؛ وإنما قوته ووسوسته مع الغفلة، وإذا كان ~~[الذكر بالأمن والغفلة لم تفارقه الوسوسة، وإن ~~استدام العبد الذكر والقراءة؛ لأن على قلب الغافل غشاوة؛ ~~ولا يجد] صاحبها لطعم الذكر حلاوة، فتحفظ على دينك من هذا ~~العدو، وليس لك أن تزيله عن مرتبته، ولا أن تزيحه عن وطنه، وإنما ~~أبيح لك مجاهدته، فاستعن بالله يعنك، وثق بالله؛ فإنه لا ~~يخذلك؛ قال تعالى: # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن ~~الله لمع المحسنين # [العنكبوت:69]، انتهى من تصنيفه رحمه الله . # وندب سبحانه في الآية المتقدمة إلى الأخذ بمكارم الأخلاق، ووعد على ذلك، ~~وعلم سبحانه أن خلقة البشر تغلب أحيانا وتثور بهم ~~سورة الغضب ونزغ الشيطان؛ فدلهم في هذه الآية على ما ~~يذهب ذلك، وهي الاستعاذة به عز وجل، ثم عدد سبحانه آياته؛ ~~ليعتبر فيها، فقال: { ومن ءايته اليل والنهار ~~والشمس والقمر } ، ثم قال تعالى: { لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر }: وإن كانت لكم فيهما منافع؛ لأن النفع منهما ~~إنما هو بتسخير الله إياهما، فهو الذي ينبغي أن يسجد له، ~~والضمير في { خلقهن } قيل: هو عائد على الآيات المتقدم ذكرها، ~~وقيل: عائد على الشمس والقمر، والاثنان جمع، وأيضا جمع ما لا يعقل ~~يؤنث، فلذلك قال: { خلقهن } ومن حيث يقال: شموس وأقمار؛ ~~لاختلافهما بالأيام ساغ أن ms1225 يعود الضمير مجموعا، وقيل: هو عائد ~~على الأربعة المذكورة. # * ت *: ومن كتاب «المستغيثين بالله» لأبي القاسم بن بشكوال ~~حدث بسنده إلى أنس بن مالك، قال: تقرأ «حم السجدة»، وتسجد عند ~~السجدة، وتدعو؛ فإنه يستجاب لك، قال الراوي: وجربته ~~فوجدته مستجابا، انتهى،، ثم خاطب جل وعلا نبيه عليه السلام ~~ بما يتضمن وعيدهم وحقارة أمرهم، وأنه سبحانه غني عن ~~عبادتهم بقوله: { فإن استكبروا... } الآية، وقوله: { ~~فالذين } يعني بهم الملائكة هم صافون يسبحون، و { عند } هنا ~~ليست بظرف مكان؛ وإنما هي بمعنى المنزلة والقربة؛ [كما تقول: زيد ~~عند الملك جليل، ويروى أن تسبيح الملائكة قد صار لهم ~~كالنفس لبني آدم، { ولا يسئمون } معناه: لا] يملون، ثم ~~ذكر تعالى آية منصوبة؛ ليعتبر بها في أمر البعث من القبور، ويستدل ~~بما شوهد من هذه على ما لم يشاهد، فقال: { ومن ءايته ~~أنك ترى الأرض خشعة... } الآية، وخشوع الأرض هو ما يظهر ~~عليها من استكانة وشعث بالجدب، فهي عابسة كما الخاشع عابس ~~يكاد يبكي، واهتزاز الأرض: هو تخلخل أجزائها وتشققها ~~للنبات، وربوها: هو انتفاخها بالماء وعلو سطحها به، وعبارة ~~البخاري: اهتزت بالنبات، وربت: ارتفعت اه، ثم ذكر تعالى بالأمر ~~الذي ينبغي أن يقاس على هذه الآية، والعبرة، وذلك إحياء الموتى، ~~فقال: { إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على ~~كل شيء قدير } والشيء في اللغة: الموجود. ### || [41.40-43] # وقوله تعالى: { إن الذين يلحدون فى ءايتنا لا ~~يخفون علينا... } الآية، آية وعيد، والإلحاد: الميل، وهو ~~هنا ميل عن الحق؛ ومنه لحد الميت؛ لأنه في جانب، يقال: ~~لحد الرجل، وألحد بمعنى. # واختلف في إلحادهم هذا: ما هو؟ فقال قتادة وغيره: هو إلحاد ~~بالتكذيب، وقال مجاهد وغيره: هو بالمكاء والصفير واللغو الذي ذهبوا ~~إليه، وقال ابن عباس: إلحادهم: وضعهم للكلام غير موضعه، ولفظة ~~الإلحاد تعم هذا كله، وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { اعملوا ما شئتم } وعيد في صيغة الأمر؛ بإجماع ~~من أهل العلم. # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر... } الآية: يريد ~~ب { الذين كفروا } قريشا، و { الذكر }: القرآن؛ بإجماع. # واختلف في ms1226 الخبر عنهم: أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله: # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت:44]، ورد بكثرة الحائل، وأن هنالك قوما قد ذكروا بحسن رد ~~قوله: «أولئك ينادون عليهم»، وقالت فرقة: الخبر مضمر، تقديره: إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، هلكوا أو ضلوا، وقيل: الخبر في ~~قوله: { وإنه لكتب عزيز } وهذا ضعيف لا يتجه، وقال عمرو بن ~~عبيد: معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ~~كفروا به، وإنه لكتاب عزيز؛ قال * ع *: والذي يحسن في هذا هو إضمار ~~الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه؛ ~~وإنما هو بعد { حكيم حميد } ، وهو أشد إظهارا لمذمة ~~الكفار به؛ وذلك لأن قوله: { وإنه لكتب } داخل في صفة ~~الذكر المكذب به؛ فلم يتم ذكر المخبر عنه إلا بعد استيفاء ~~وصفه، ووصف الله تعالى الكتاب بالعزة؛ لأنه بصحة معانيه ~~ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى؛ قال ~~ابن عباس: معناه: كريم على الله تعالى. # وقوله تعالى: { لا يأتيه البطل } قال قتادة والسدي: ~~يريد: الشيطان، وظاهر اللفظ يعم الشيطان، وأن يجيء أمر يبطل ~~منه شيئا. # وقوله: { من بين يديه } معناه: ليس فيما تقدم من الكتب ما ~~يبطل شيئا منه. # وقوله: { ولا من خلفه } أي: ليس يأتي بعده من نظر ناظر ~~وفكرة عاقل ما يبطل شيئا منه، والمراد باللفظة عل الجملة: لا يأتيه ~~الباطل من جهة من الجهات. # وقوله: { تنزيل } خبر مبتدإ، أي: هو تنزيل. # وقوله تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك }: يحتمل معنيين. # أحدهما: أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن مقالات، قومه ~~وما يلقاه من المكروه منهم. # والثاني: أن يكون المعنى: ما يقال لك من الوحي، وتخاطب به من جهة ~~الله تعالى إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. ### || [41.44-46] # وقوله تعالى: { ولو جعلنه قرءانا أعجميا... } الآية، ~~الأعجمي: هو الذي لا يفصح، عربيا كان أو غير عربي، ~~والعجمي: الذي ليس من العرب، فصيحا كان أو غير فصيح، والمعنى: ms1227 ~~ولو جعلنا هذا القرآن أعجميا، لا يبين لقالوا واعترضوا: لولا بينت ~~آياته، وهذه الآية نزلت بسبب تخليط كان من قريش في أقوالهم من أجل حروف ~~وقعت في القرآن، وهي مما عرب من كلام العجم؛ كسجين ~~وإستبرق ونحوه، وقرأ الجمهور: { ءاعجمى وعربى } على ~~الاستفهام وهمزة ممدودة قبل الألف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ~~«أأعجمي» بهمزتين، وكأنهم ينكرون ذلك، ويقولون: أأعجمي وعربي ~~مختلط؟ هذا لا يحسن [ثم قال تعالى]: { قل هو } يعني القرآن { ~~للذين ءامنوا هدى وشفاء } واختلف الناس في قوله: { وهو ~~عليهم عمى } فقالت فرقة: يريد ب«هو» القرآن، وقالت فرقة يريد ~~ب«هو» الوقر، وهذه كلها استعارات، والمعنى: أنهم كالأعمى ~~وصاحب الوقر؛ وهو الثقل في الأذن، المانع من السمع؛ وكذلك قوله ~~تعالى: { أولئك ينادون من مكان بعيد } يحتمل معنيين، ~~وكلاهما مقول للمفسرين: # أحدهما: أنها استعارة لقلة فهمهم، شبههم بالرجل ينادى ~~على بعد، يسمع منه الصوت، ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه، وهذا ~~تأويل مجاهد. # والآخر: أن الكلام على الحقيقة، وأن معناه: أنهم يوم القيامة ~~ينادون بكفرهم وقبيح أعمالهم من بعد؛ حتى يسمع ذلك أهل ~~الموقف؛ ليفضحوا على رؤوس الخلائق، ويكون أعظم لتوبيخهم؛ وهذا ~~تأويل الضحاك. # قال أبو حيان: { عمى } بفتح الميم مصدر عمي، انتهى. # ثم ضرب الله تعالى أمر موسى مثلا للنبي عليه السلام ~~ولقريش، أي: فعل أولئك كأفعال هؤلاء، حين جاءهم مثل ما جاء هؤلاء، ~~والكلمة السابقة هي حتم الله تعالى بتأخير عذابهم إلى يوم ~~القيامة، والضمير في قوله: { لفى شك منه } يحتمل أن يعود على ~~موسى، أو على كتابه. # وقوله تعالى: { من عمل صلحا فلنفسه... } الآية: نصيحة ~~بليغة للعالم، وتحذير وترجية. ### || [41.47-50] # وقوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة... } الآية، المعنى: ~~إن علم الساعة ووقت مجيئها يرده كل مؤمن متكلم فيه إلى ~~الله عز وجل. # وقوله تعالى: { ويوم يناديهم أين شركائى... } الآية، ~~التقدير: واذكر يوم يناديهم، والضمير في { يناديهم } الأظهر والأسبق ~~فيه للفهم: أنه يريد الكفار عبدة الأوثان، ويحتمل أن يريد كل ~~من عبد من دون الله من إنسان وغيره، وفي هذا ضعف، ms1228 وأما ~~الضمير في قوله: { وضل عنهم } فلا احتمال لعودته إلا على ~~الكفار، و { ءاذناك } قال ابن عباس وغيره: معناه: أعلمناك ما منا ~~من يشهد، ولا من شهد بأن لك شريكا { وضل عنهم } أي: ~~نسوا ما كانوا يقولون في الدنيا، ويدعون من الآلهة والأصنام، ~~ويحتمل أن يريد: وضل عنهم الأصنام، أي: تلفت، فلم يجدوا منها نصرا، ~~وتلاشى لهم أمرها. # وقوله: { وظنوا } يحتمل أن يكون متصلا بما قبله، ويكون ~~الوقف عليه، ويكون قوله: { ما لهم من محيص } استئنافا، نفى ~~أن يكون لهم ملجأ أو موضع روغان، تقول: حاص الرجل: ~~إذا راغ لطلب النجاة من شيء؛ ومنه الحديث: # " فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب " # ، ويكون الظن على هذا التأويل على بابه، أي: ظنوا أن هذه ~~المقالة { ما منا من شهيد } منجاة لهم، أو أمر يموهون به، ~~ويحتمل أن يكون الوقف في قوله: { من قبل } ، ويكون { وظنوا } ~~متصلا بقوله: { ما لهم من محيص } أي: ظنوا ذلك، ويكون الظن ~~على هذا التأويل بمعنى اليقين، وقد تقدم البحث في إطلاق الظن على ~~اليقين. # * ت *: وهذا التأويل هو الظاهر، والأول بعيد جدا. # وقوله تعالى: { لا يسئم الإنسن من دعاء الخير } ~~هذه آيات نزلت في كفار، قيل: في الوليد بن المغيرة، وقيل: في ~~عتبة بن ربيعة، وجل الآية يعطي أنها نزلت في ~~كفار، وإن كان أولها يتضمن خلقا ربما شارك فيها بعض ~~المؤمنين. # و { دعاء الخير } إضافته إضافة المصدر إلى المفعول، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «من دعاء بالخير» والخير في هذه الآية المال ~~والصحة، وبذلك تليق الآية بالكفار. # وقوله تعالى: { ليقولن هذا لى } أي: بعملي وبما سعيت ولا يرى ~~أن النعم إنما هي فضل من الله تعالى؛ قال * ص *: { ~~ليقولن } قال أبو البقاء: هو جواب الشرط، والفاء محذوفة، ~~وقيل: هو جواب قسم محذوف، قال * ص *: قلت: هذا هو الحق، ~~والأول غلط؛ لأن القسم قد تقدم في قوله: { ولئن } ~~فالجواب له، ولأن حذف الفاء في الجواب لا يجوز، انتهى، وفي تغليط ~~الصفاقسي لأبي البقاء نظر. # وقوله: { وما أظن الساعة ms1229 قائمة } قول بين فيه ~~الجحد والكفر، ثم يقول هذا الكافر: { ولئن رجعت إلى ~~ربى }: كما تقولون: «إن لي عنده للحسنى» أي: حالا ترضيني من مال، ~~وبنين، وغير ذلك، قال * ع *: والأماني على الله تعالى، وترك ~~الجد في الطاعة مذموم لكل أحد؛ فقد قال عليه السلام: # " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، ~~والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~". ### || [41.51-54] # وقوله تعالى: { وإذا أنعمنا على الإنسن أعرض ~~ونأى بجانبه... } الآية، ذكر سبحانه الخلق الذميمة من ~~الإنسان جملة، وهي في الكافر بينة متمكنة، وأما المؤمن، ~~ففي الأغلب يشكر على النعمة، وكثيرا ما يصبر عند الشدة، و { نأى ~~} معناه: بعد ولم يمل إلى شكر ولا طاعة. # وقوله: { فذو دعاء عريض } أي: وطويل أيضا، وعبارة الثعلبي: ~~{ عريض } أي: كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض كليهما في ~~الكثرة من الكلام، انتهى. # ثم أمر تعالى نبيه أن يوقف قريشا على هذا الاحتجاج، وموضع ~~تغريرهم بأنفسهم، فقال: { قل أرءيتم إن كان من عند ~~الله } ، وخالفتموه ألستم على هلكة؟ فمن أضل ممن يبقى على ~~مثل هذا الغرر مع الله؛ وهذا هو الشقاق؛ ثم وعد تعالى ~~نبيه عليه السلام بأنه سيري الكفار آياته، ~~واختلف في معنى قوله سبحانه: { فى الأفاق وفى أنفسهم } ~~فقال المنهال والسدي وجماعة: هو وعد بما يفتحه الله ~~على رسوله من الأقطار حول مكة، وفي غير ذلك من الأرض؛ ~~كخيبر ونحوها { وفى أنفسهم }: أراد به فتح مكة؛ قال * ~~ع *: وهذا تأويل حسن، يتضمن الإعلام بغيب ظهر بعد ذلك، ~~وقال قتادة والضحاك { سنريهم ءايتنا فى الأفاق }: ~~هو ما أصاب الأمم المكذبة في أقطار الأرض قديما، { وفى ~~أنفسهم }: يوم بدر، والتأويل الأول أرجح، والله أعلم، ~~والضمير في قوله تعالى: { أنه الحق } عائد على الشرع والقرآن ~~فبإظهار الله نبيه وفتح البلاد عليه يتبين لهم أنه ~~الحق. # وقوله: { بربك } قال أبو حيان: الباء زائدة، وهو فاعل { يكف ~~} أي: أو لم يكفهم ربك، انتهى، وباقي الآية بين. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-5] # قوله تعالى: { حم عسق } قال الثعلبي: قال ابن ms1230 عباس: إن { حم ~~عسق } هذه الحروف بأعيانها نزلت في كل كتب الله ~~المنزلة على كل نبي أنزل عليه كتاب؛ ولذلك قال تعالى: ~~{ كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك } ، وقرأ ~~الجمهور: { يوحى } بإسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ ابن كثير وحده: ~~«يوحى» بفتح الحاء على بناء الفعل للمفعول، والتقدير: ~~يوحي إليك القرآن. # وقوله تعالى: { وإلى الذين من قبلك }: يريد من الأنبياء ~~الذين نزل عليهم الكتاب، وقرأ نافع والكسائي «يتفطرن»، وقرأ ~~أبو عمرو، وعاصم: «ينفطرن» والمعنى فيهما: يتصدعن ويتشققن، ~~خضوعا وخشية من الله تعالى، وتعظيما وطاعة. # وقوله: { من فوقهن } أي: من أعلاهن، وقال الأخفش، علي بن ~~سليمان: الضمير في { من فوقهن } للكفار، أي: من فوق ~~الجماعات الكافرة والفرق الملحدة من أجل أقوالها تكاد ~~السموات يتفطرن، فهذه الآية على هذا كالتي في «كهيعص»: # تكاد السموات يتفطرن منه # [مريم:90] الآية، وقالت فرقة: معناه: من فوق الأرضين، إذ قد جرى ~~ذكر الأرض. # وقوله تعالى: { ويستغفرون لمن فى الأرض } قالت فرقة: ~~هذا منسوخ بقوله تعالى: # ويستغفرون للذين ءامنوا # [غافر:7] قال * ع *: وهذا قول ضعيف، لأن النسخ في الأخبار لا ~~يتصور، وقال السدي ما معناه: إن ظاهر الآية العموم، ~~ومعناها الخصوص في المؤمنين، فكأنه قال: ويستغفرون لمن في الأرض من ~~المؤمنين، وقالت فرقة: بل هي على عمومها: لكن استغفار الملائكة ~~ليس بطلب غفران للكفرة مع بقائهم على كفرهم، وإنما استغفارهم ~~لهم بمعنى طلب الهداية التي تؤدي إلى الغفران لهم، وتأويل ~~السدي أرجح. ### || [42.6-8] # وقوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } هذه آية ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للكافرين، والمعنى: ليس عليك ~~إلا البلاغ فقط، فلا تهتم بعدم إيمان قريش وغيرهم، الله هو ~~الحفيظ عليهم كفرهم المحصي لأعمالهم، المجازي عليها، وأنت ~~لست بوكيل عليهم، وما في هذه الألفاظ من موادعة فمنسوخ؛ قال ~~الإمام الفخر في شرحه لأسماء الله الحسنى، عند كلامه على اسمه سبحانه ~~«الحفيظ»: قال بعضهم: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ الله ~~عليه قلبه، وما ms1231 من عبد حفظ الله عليه قلبه إلا جعله حجة ~~على عباده، انتهى، ثم قال تعالى: { وكذلك أوحينا إليك ~~قرءانا عربيا } [المعنى: وكما قضينا أمرك هكذا، وأمضيناه في هذه ~~السورة كذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا] مبينا لهم، لا يحتاجون ~~إلى آخر سواه، إذ فهمه متأت لهم، ولم نكلفك ~~إلا إنذار من ذكر، و { أم القرى } هي مكة، و { يوم ~~الجمع } هو يوم القيامة، أي: تخوفهم إياه. # وقوله: { فريق } مرتفع على خبر الابتداء المضمر؛ كأنه قال: ~~هم فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم قوى تعالى تسلية ~~نبيه بأن عرفه أن الأمر موقوف على مشيئة الله من إيمانهم ~~أو كفرهم، وأنه لو أراد كونهم أمة واحدة على دين واحد، ~~لجمعهم عليه؛ ولكنه سبحانه يدخل من سبقت له السعادة عنده في ~~رحمته، وييسره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأن الظالمين بالكفر ~~الميسرين لعمل الشقاوة ما لهم من ولي ولا نصير، قال عبد الحق ~~ رحمه الله في «العاقبة»: وقد علمت (رحمك الله) أن الناس ~~يوم القيامة صنفان: # صنف مقرب مصان. # وآخر مبعد مهان. # صنف نصبت لهم الأسرة والحجال؛ والأرائك والكلال؛ وجمعت ~~لهم الرغائب والآمال. # وآخرون أعدت لهم الأراقم والصلال؛ والمقامع والأغلال؛ ~~وضروب الأهوال والأنكال، وأنت لا تعلم من أيهما أنت؛ ولا في ~~أي الفريقين كنت: [الكامل] # نزلوا بمكة في قبائل نوفل # ونزلت بالبيداء أبعد منزل # وتقلبوا فرحين تحت ظلالها # وطرحت بالصحراء غير مظلل # وسقوا من الصافي المعتق ريهم # وسقيت دمعة واله متململ # بكى سفيان الثوري رحمه الله ليلة إلى الصباح، فقيل ~~له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب ~~أهون من هذا؛ إنما أبكي؛ خوف الخاتمة، وبكى سفيان، وغير ~~سفيان، وإنه للأمر يبكى عليه؛ ويصرف الاهتمام كله إليه. # وقد قيل: لا تكف دمعك؛ حتى ترى في المعاد ربعك. # وقيل: يابن آدم، الأقلام عليك تجري، وأنت في غفلة لا تدري، ~~يابن آدم دع التنافس في هذه الدار، حتى ترى ما فعلت في ~~أمرك الأقدار، سمع بعض الصالحين منشدا ينشد: [الطويل] # أيا راهبي ms1232 نجران ما فعلت هند # ............................. # فبكى ليلة إلى الصباح، فسئل عن ذلك فقال: قلت في نفسي: ما ~~فعلت الأقدار في؛ وماذا جرت به علي؟ انتهى. ### || [42.9-12] # وقوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه أولياء فالله ~~هو الولى... } الآية، قوله: { أم اتخذوا }: كلام مقطوع ~~مما قبله، وليست بمعادلة، ولكن الكلام كأنه أضرب عن ~~حجة لهم أو مقالة مقررة، فقال: { بل * اتخذوا } هذا ~~مشهور قول النحويين في مثل هذا، وذهب بعضهم إلى أن «أم» ~~هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضراب، ثم أثبت الحكم بأنه عز ~~وجل هو الولي الذي تنفع ولايته. # وقوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى ~~الله... } الآية، المعنى: قل لهم يا محمد: وما اختلفتم فيه، أيها ~~الناس، من تكذيب وتصديق، وإيمان وكفر، وغير ذلك فالحكم فيه ~~والمجازاة عنه ليست إلي ولا بيدي؛ وإنما ذلك إلى الله تعالى، ~~الذي صفاته ما ذكر من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء. # وقوله تعالى: { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يريد: ~~زوج الإنسان الأنثى، وبهذه النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج ههنا ~~الأنواع. # وقوله: { ومن الأنعم أزوجا } الظاهر أيضا فيه ~~والمتسق أنه يريد إناث الذكران، ويحتمل أن يريد الأنواع، ~~والأول أظهر. # وقوله: { يذرؤكم } أي: يخلقكم نسلا بعد نسل، وقرنا بعد ~~قرن؛ قاله مجاهد، والناس، فلفظة «ذرأ» تزيد على لفظة «خلق» معنى آخر ~~ليس في «خلق»، وهو توالي طبقات على مر الزمان. # وقوله: { فيه } الضمير عائد على الجعل يتضمنه قوله: { جعل ~~لكم } وهذا كما تقول: كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه، وقال ~~القتبي: الضمير للتزويج، ولفظة «في» مشتركة على معان، وإن كان ~~أصلها الوعاء، وإليه يردها النظر في كل وجه. # وقوله تعالى: { ليس كمثله شىء } الكاف مؤكدة للتشبيه، فنفي ~~التشبيه أوكد ما يكون؛ وذلك أنك تقول: زيد كعمرو، وزيد مثل ~~عمرو، فإذا أردت المبالغة التامة قلت: زيد كمثل عمرو، وجرت ~~الآية في هذا الموضع على عرف كلام العرب، وعلى هذا المعنى شواهد ~~كثيرة، وذهب الطبري وغيره إلى أن المعنى: ليس كهو شيء، وقالوا: ~~لفظة { مثل ms1233 } في الآية توكيد، وواقعة موقع «هو»، و«المقاليد»: ~~المفاتيح؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال مجاهد هذا أصلها ~~بالفارسية، وهي ههنا استعارة لوقوع كل أمر تحت قدرته ~~سبحانه، وقال السدي: المقاليد: الخزائن، وفي اللفظ على هذا حذف ~~مضاف، قال قتادة: من ملك مقاليد خزائن، فالخزائن في ملكه. ### || [42.13-15] # وقوله سبحانه: { شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا... } الآية، المعنى: شرع لكم وبين من المعتقدات والتوحيد ~~ما وصى به نوحا قبل. # وقوله: { والذى } عطف على { ما } ، وكذلك ما ذكر بعد من إقامة ~~الدين مشروع اتفقت النبوات فيه؛ وذلك في المعتقدات، ~~وأما الأحكام بانفرادها فهي في الشرائع مختلفة، وهي المراد في ~~قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة:48] وإقامة الدين هو توحيد الله ورفض سواه. # وقوله تعالى: { ولا تتفرقوا }: نهي عن المهلك من ~~تفرق الأنحاء والمذاهب، والخير كله في الألفة واجتماع الكلمة، ~~ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام : { كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه }: من توحيد الله ورفض ~~الأوثان؛ قال قتادة: كبر عليهم «لا إله إلا الله» وأبى الله ~~إلا نصرها، ثم سلاه تعالى عنهم بقوله: { الله يجتبى ~~إليه من يشاء... } الآية، أي: يختار ويصطفي؛ قاله مجاهد وغيره و ~~{ ينيب } يرجع عن الكفر ويحرص على الخير ويطلبه. # { وما تفرقوا } يعني: أوائل اليهود والنصارى { إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم }. # وقوله: { بغيا بينهم } أي: بغى بعضهم على بعض، وأداهم ~~ذلك إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة، والكلمة السابقة قال المفسرون: ~~هي حتمه تعالى القضاء بأن مجازاتهم إنما تقع في الآخرة، ولولا ذلك ~~لفصل بينهم في الدنيا، وغلب المحق على المبطل. # وقوله تعالى: { وإن الذين أورثوا الكتب } إشارة إلى ~~معاصري نبينا محمد عليه السلام من اليهود والنصارى. # وقيل: هو إشارة إلى العرب؛ والكتاب على هذا هو القرآن، والضمير في قوله: ~~{ لفى شك منه } يحتمل أن يعود على الكتاب، أو على محمد، أو ~~على الأجل المسمى، أي: في شك من البعث؛ على قول من رأى أن ~~الإشارة إلى العرب، ووصف الشك ب { مريب }؛ مبالغة فيه، واللام ms1234 ~~في قوله تعالى: { فلذلك فادع } قالت فرقة: هي بمنزلة { إلى }؛ ~~كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع، وقالت فرقة: ~~بل هي بمعنى «من أجل» كأنه قال: من أجل أن الأمر كذا وكذا، ولكونه ~~كذا فادع أنت إلى ربك، وبلغ ما أرسلت به، وقال الفخر: ~~يعني فلأجل ذلك التفرق، ولأجل ما حدث من الاختلافات الكثيرة ~~في الدين فادع إلى الاتفاق على الملة الحنيفية، واستقم عليها ~~وعلى الدعوة إليها؛ كما أمرك الله، ولا تتبع أهواءهم الباطلة، ~~انتهى، وخوطب عليه السلام بالاستقامة، وهو قد كان مستقيما ~~بمعنى: دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو ~~متلبس به، إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب ~~عيني النبي عليه السلام ، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني ~~قوله تعالى: { واستقم كما أمرت } ، لأنها جملة تحتها جميع ~~الطاعات وتكاليف النبوة، وفي هذا المعنى قال عليه السلام : # " شيبتني هود وأخواتها " # ، فقيل له: لم ذلك، يا نبي الله؟ فقال: لأن ~~فيها: # فاستقم كما أمرت # [هود:112] وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في ~~أمر الله عز وجل، وقال: هو لأمته بحسب ضعفهم: استقيموا ولن ~~تحصوا. # وقوله تعالى: { ولا تتبع أهواءهم } يعني: قريشا. # * ت *: وفرض الفخر هذه القضية في أهل الكتاب، وذكر ما وقع ~~من اليهود ومحاجتهم في دفع الحق وجحد الرسالة، وعلى هذا فالضمير ~~في: { أهواءهم } عائد عليهم، والله أعلم. اه. # ثم أمره تعالى أن يقول: { آمنت بمآ أنزل الله من ~~كتاب } ، وهو أمر يعم سائر أمته. # وقوله: { وأمرت لأعدل بينكم } قالت فرقة: اللام في { ~~لأعدل } بمعنى: أن أعدل بينكم، وقالت فرقة: المعنى وأمرت بما ~~أمرت به من التبليغ والشرع؛ لكي أعدل بينكم. # وقوله: { لنا أعملنا ولكم أعملكم } إلى آخر الآية ~~ ما فيه من موادعة منسوخ بآية السيف. # وقوله: { لا حجة بيننا وبينكم } أي: لا جدال، ولا ~~مناظرة؛ قد وضح الحق، وأنتم تعاندون، وفي قوله: { الله يجمع ~~بيننا }: وعيد بين. ### || [42.16-19] # وقوله تعالى: { والذين يحاجون فى الله... } الآية، قال ~~ابن عباس ومجاهد: نزلت ms1235 في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن ~~الإسلام وإضلالهم، وقيل: نزلت في قريش؛ لأنها كانت أبدا تحاول هذا ~~المعنى، و { يحاجون فى الله } معناه: في دين الله أو توحيد ~~الله، أي: يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبهه، والضمير في { ~~له } يحتمل أن يعود على الله تبارك وتعالى، ويحتمل أن يعود على ~~الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على النبي عليه السلام و { ~~داحضة } معناه: زاهقة، والدحض الزهق، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { الله الذى أنزل الكتب بالحق } ~~معناه: مضمنا الحق، أي: بالحق في أحكامه، وأوامره، ونواهيه، وأخباره، { ~~والميزان } هنا: العدل؛ قاله ابن عباس ومجاهد، والناس، وحكى ~~الثعلبي عن مجاهد؛ أنه قال: هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس، قال ~~* ع *: ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه. # وقوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة قريب } وعيد ~~للمشركين، وجاء لفظ «قريب» مذكرا من حيث تأنيث الساعة ~~غير حقيقي ، وإذ هي بمعنى الوقت. # * ت *: ينبغي للمؤمن العاقل أن يتدبر هذه الآية ونظائرها، ويقدر ~~في نفسه أنه المقصود بها: [البسيط] # لاه بدنياه والأيام تنعاه # والقبر غايته واللحد مأواه # يلهو فلو كان يدري ما أعد له # إذن لأحزنه ما كان ألهاه # قال الغزالي في «الإحياء» قال أبو زكريا التيمي: بينما ~~سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام؛ إذ أوتي بحجر منقوش، ~~فطلب من يقرؤه، فأوتي بوهب بن منبه، فإذا فيه: ابن ~~آدم، إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ~~أملك؛ ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من ~~حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدا ندمك؛ لو قد زلت بك ~~قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، ففارقك الولد والقريب؛ ~~ورفضك الوالد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد؛ ولا في ~~حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامه، قبل الحسرة والندامه. # فبكى سليمان بكاء شديدا، انتهى،، وباقي الآية بين. # ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله: { الله لطيف بعباده } و ~~{ لطيف } هنا بمعنى رفيق متحف، والعباد هنا المؤمنون. ### || [42.20-22] # وقوله تعالى: { من كان يريد حرث الأخرة } معناه: إرادة ~~مستعد عامل، ms1236 لا إرادة متمن مسوف، والحرث في هذه ~~الآية: عبارة عن السعي والتكسب والإعداد. # وقوله تعالى: { نزد له فى حرثه } وعد متنجز؛ قال ~~الفخر: وفي تفسير قوله: { نزد له فى حرثه } قولان. # الأول: نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيل سبيل الخيرات ~~والطاعات عليه، وقال مقاتل: تزد له في حرثه بتضعيف الثواب؛ قال ~~تعالى: # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [فاطر:30] انتهى، وقوله: { ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها } معناه: ما شئنا منها ولمن شئنا، فرب ممتحن ~~مضيق عليه حريص على حرث الدنيا، مريد له، لا يحس بغيره، ~~نعوذ بالله من ذلك وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن ~~يكون له نصيب في الآخرة. # وقوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ~~ما لم يأذن به الله } «أم» هذه منقطعة لا معادلة، وهي ~~بتقدير «بل»، وألف الاستفهام، والشركاء في هذه الآية يحتمل أن يكون ~~المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في { لهم ~~} للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام فالاشتراك ههنا هو في ~~الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله ويحتمل أن يكون المراد ~~بالشركاء: الأصنام والأوثان؛ على معنى: أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله ~~في ألوهيته، ويكون الضمير في { شرعوا } لهؤلاء المعاصرين من ~~الكفار ولآبائهم، والضمير في { لهم } للأصنام الشركاء، و { شرعوا ~~} معناه: أثبتوا، ونهجوا، ورسموا و { الدين } هنا: العوائد والأحكام ~~والسيرة، ويدخل في ذلك أيضا المعتقدات السوء؛ لأنهم ~~في جميع ذلك وضعوا أوضاعا فاسدة، وكلمة الفصل هي ما سبق من قضاء الله ~~تعالى بأنه يؤخر عقابهم للدار الآخرة، والقضاء بينهم هو عذابهم ~~في الدنيا ومجازاتهم. # وقوله تعالى: { ترى الظلمين } هي رؤية بصر، و { مشفقين ~~} حال، وليس لهم في هذا الإشفاق مدح؛ لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم، ~~وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من أمر الساعة، كما ~~تقدم، وهو واقع بهم. # أبو حيان: ضمير { هو } عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، ~~أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النضرة. ### || [42.23-26] # وقوله تعالى: ms1237 { ذلك الذى يبشر الله عباده } إشارة إلى ~~قوله تعالى في الآية الأخرى: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب:47]. # وقوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } اختلف الناس في معناه فقال ابن عباس ~~وغيره: هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شر ~~الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلا أن تودوني ~~لقرابة بيني وبينكم؛ فتكفوا عني أذاكم، قال ابن عباس، وابن ~~إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلا وللنبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا فيها استعطاف ما، ودفع أذى، ~~وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أن ~~يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئا إلا ~~أن تودوني لقرابتي منكم، وأن تكونوا أولى بي من غيركم، قال * ع *: ~~وقريش كلها عندي قربى، وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ومن مات ~~على بغضهم، لم يشم رائحة الجنة " # ، وقال ابن عباس أيضا: ما يقتضي أن الآية مدنية، وأن ~~الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالا وساقته ~~إليه، فرده عليهم، ونزلت الآية في ذلك، وقيل غير هذا، ~~وعلى كل قول، فالاستثناء منقطع، و { إلا } بمعنى ~~«لكن» و { يقترف } معناه: يكتسب، ورجل قرفة إذا كان ~~محتالا كسوبا و { غفور } معناه: ساتر عيوب عباده، و { شكور } ~~معناه: مجاز على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعامل عمل. # وقوله تعالى: { أم يقولون افترى على الله كذبا } «أم» ~~هذه مقطوعة مضمنة إضرابا عن كلام متقدم، وتقريرا على هذه المقالة ~~منهم. # وقوله تعالى: { فإن يشإ الله يختم على قلبك } معناه؛ ~~في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن، والمراد الرد على ~~مقالة الكفار، وبيان إبطالها، كأنه يقول: وكيف يصح أن ~~تكون مفتريا، وأنت من الله بمرأى ومسمع؟ هو قادر لو شاء أن ~~يختم على قلبك؛ فلا تعقل، ms1238 ولا تنطق، ولا يستمر افتراؤك؛ فمقصد ~~اللفظ: هذا المعنى، وحذف ما يدل عليه الظاهر؛ اختصارا واقتصارا، ~~وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ الله يختم على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ~~ويربط عليك بالجلد، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم؛ قال ~~أبو حيان: وذكر القشيري أن الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك ~~أيها القائل؛ فيكون انتقالا من الغيبة للخطاب، { ويمح }: ~~استئناف إخبار؛ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ؛ لالتقاء ~~الساكنين، ومن المصحف؛ حملا على اللفظ، انتهى. # وقوله تعالى: { ويمح } فعل مستقبل، خبر من الله تعالى أنه ~~يمحو الباطل، ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب ~~نازلة نازلة، وكتب { يمح } في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: # ويدع الإنسن # [الإسراء:11] إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار. # وقوله: { بكلمته } معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون ~~الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديل لها، ثم ذلك ~~تعالى النعمة في تفضله بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما ~~يستأنف العبد من زمانه وأعماله مقطوع به بهذه الآية ، وأما ما ~~سلف من أعماله فينقسم، فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما ~~تقدمها من مظالم العباد الفائتة وغير ذلك، وأما التوبة من المعاصي ~~فلأهل السنة فيها قولان: هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه ~~وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مذهبة لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة ~~الله تعالى، وأجمعوا أنها لا تذهب مظالم العباد، وحقيقة ~~التوبة: الإقلاع عن المعاصي، والإقبال، والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها ~~الندم على ما فات؛ والعزم على ملازمة الخيرات. # وقال سري السقطي: التوبة: العزم على ترك الذنوب؛ والإقبال ~~بالقلب على علام الغيوب، وقال يحيى بن معاذ: التائب: من ~~كسر شبابه على رأسه، وكسر الدنيا على رأس الشيطان، [ولزم ~~الفطام] حتى أتاه الحمام. # وقوله تعالى: { عن عباده } بمعنى من عباده، وكأنه قال: التوبة ~~الصادرة عن عباده، وقرأ الجمهور: «يفعلون» بالياء على الغيبة، ~~وقرأ حمزة والكسائي: «تفعلون» بالتاء على المخاطبة، وفي الآية ~~توعد. # وقوله تعالى: «ويستجيب» قال ms1239 الزجاج وغيره: معناه: يجيب، والعرب ~~تقول: أجاب واستجاب بمعنى، و { الذين } على هذا التأويل: ~~مفعول «يستجيب»، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل، ونحوه عن ابن عباس، ~~وقالت فرقة: المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال ~~الصالحات، ودل قوله: { ويزيدهم من فضله } على أن المعنى: ~~فيجيبهم، و { الذين } على هذا القول فاعل { يستجيب } ،، ~~وقالت فرقة: المعنى: ويجيب المؤمنون ربهم، ف { الذين } فاعل ~~بمعنى: يجيبون دعوة شرعه ورسالته، والزيادة من فضله هي ~~تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " هي قبول الشفاعات في المذنبين، والرضوان ". ### || [42.27-29] # وقوله تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~فى الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه ~~بعباده خبير بصير } قال عمرو بن حريث وغيره: إنها نزلت؛ ~~لأن قوما من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يغنيهم الله، ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله ~~تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم، لكان سبب ~~بغيهم وإفسادهم؛ ولكنه عز وجل أعلم بالمصلحة في كل أحد: { ~~إنه بعباده خبير بصير }: بمصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق ~~القدر الذي به صلاحهم؛ فرب إنسان لا يصلح، ~~وتنكف عاديته إلا بالفقر. # * ت *: وقد ذكرنا في هذا المختصر أحاديث كثيرة مختارة في فضل الفقراء ~~الصابرين ما فيه كفاية لمن وفق، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» ~~عن سعيد بن المسيب قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أخبرني يا رسول الله بجلساء الله يوم ~~القيامة، قال: هم الخائفون، الخاضعون، المتواضعون، ~~الذاكرون الله كثيرا، قال: يا رسول الله، فهم ~~أول الناس يدخلون الجنة؟ قال: لا، قال: فمن أول ~~الناس يدخل الجنة؟ قال: الفقراء يسبقون الناس ~~إلى الجنة، فتخرج إليهم منها ملائكة، ~~فيقولون: ارجعوا إلى الحساب، فيقولون: علام ~~نحاسب، والله ما أفيضت علينا الأموال في الدنيا ~~فنقبض فيها ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ~~ونجور؛ ولكنا جاءنا أمر الله فعبدناه حتى ~~أتانا اليقين " # انتهى. # وقوله عز وجل: { وهو الذى ينزل ms1240 الغيث من بعد ما ~~قنطوا... } الآية، تعديد نعم الله تعالى الدالة على ~~وحدانيته، وأنه المولى الذي يستحق أن يعبد دون ما ~~سواه من الأنداد، وقرأ الجمهور: «قنطوا» بفتح النون، وقرأ الأعمش: ~~«قنطوا» بكسرها، وهما لغتان، وروي أن عمر رضي الله عنه ~~ قيل له: أجدبت الأرض، وقنط الناس، فقال: مطروا إذن، بمعنى ~~أن الفرج عند الشدة. # وقوله تعالى { وينشر رحمته } قيل: أراد بالرحمة: المطر، وقيل: ~~أراد بالرحمة هنا: الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن ~~المطر إذا ألم بعد القنط حسن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء ~~الشمس بعده عظيمة الموقع. # وقوله تعالى: { وهو الولى الحميد } أي: من هذه أفعاله هو ~~الذي ينفع إذا والى، وتحمد أفعاله ونعمه، قال القشيري: اسمه ~~تعالى: «الولي»، أي: هو المتولي لأحوال عباده، وقيل: هو من الوالي، وهو ~~الناصر، فأولياء الله أنصار دينه، وأشياع طاعته، والولي: في ~~صفة العبد من يواظب على طاعة ربه، ومن علامات من يكون ~~الحق سبحانه وليه أن يصونه، ويكفيه في جميع الأحوال، ~~ويؤمنه، فيغار على قلبه أن يتعلق بمخلوق في دفع شر أو ~~جلب نفع؛ بل يكون سبحانه هو القائم على قلبه في كل ~~نفس، فيحقق آماله عند إشاراته، ويعجل مآربه عند خطراته، ~~ومن أمارات ولايته لعبده: أن يديم توفيقه حتى لو أراد ~~سوءا، أو قصد محظورا عصمه عن ارتكابه، أو لو جنح إلى تقصير في ~~طاعة، أبى إلا توفيقا وتأييدا، وهذا من أمارات السعادة، وعكس ~~هذا من أمارات الشقاوة،، ومن أمارات ولايته أيضا أن يرزقه مودة ~~في قلوب أوليائه، انتهى من «التحبير». # ثم ذكر تعالى الآية الكبرى الدالة على الصانع، وذلك خلق ~~السموات والأرض. # وقوله [تعالى]: { وما بث فيهما من دابة } يتخرج على ~~وجوه: منها: أن يريد إحداهما، وهو ما بث في الأرض دون ~~السموات، ومنها: أن يكون تعالى قد خلق في السموات وبث دواب لا ~~نعلمها نحن، ومنها: أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب، ~~وقد تقع أحيانا كالضفادع ونحوها؛ فإن السحاب داخل في اسم ~~السماء. # وقوله تعالى: { وهو ms1241 على جمعهم } يريد: يوم القيامة عند ~~الحشر من القبور. ### || [42.30-33] # وقوله تعالى: { وما أصبكم من مصيبة } قرأ جمهور ~~القراء: «فبما» بفاء، وكذلك هي في جل المصاحف، وقرأ نافع وابن ~~عامر: «بما» دون فاء، قال أبو علي الفارسي: أصاب من قوله: { وما ~~أصبكم } يحتمل أن يكون في موضع جزم، وتكون «ما» شرطية، ~~وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه، وجوز ~~حذفها أبو الحسن الأخفش، وبعض البغداديين؛ على أنها ~~مرادة في المعنى، ويحتمل أن يكون «أصاب» صلة ل«ما»، وتكون «ما» ~~بمعنى «الذي»، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ~~ثبوتها التلازم، أي: لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنما ~~هي بكسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أن ~~يعرى منه، قال * ع *: وأما في هذه الآية، فالتلازم مطرد مع ~~الثبوت والحذف، وأما معنى الآية، فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة: هو ~~إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي ~~مجازات من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو ~~عن كثير، فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يصيب ابن آدم خدش عود، أو عثرة قدم، ولا ~~اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو عنه أكثر " # ، وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح ~~قرحة، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا بما كسبت يدي، ويعفو ~~[الله] عن كثير، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال الفضلاء لا ~~يلومون من أساء إليهم؟ فقال: لأنهم يعلمون أن الله ~~تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم، وروى علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في ~~الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من ~~أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا ~~الله عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعود ~~فيه بعد عفوه " # وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أي: ما أصابكم من حد من ~~حدود الله، فبما كسبت ms1242 أيديكم، ويعفو الله عن كثير، فيستره على ~~العبد حتى لا يحد عليه، ثم أخبر تعالى عن قصور ابن آدم ~~وضعفه، وأنه في قبضة القدرة لا يعجز طلب ربه، ولا يمكنه ~~الفرار منه، و«الجواري»: جمع جارية وهي السفينة، و { الأعلام }: ~~الجبال، وباقي الآية بين، فيه الموعظة وتشريف الصبار ~~الشكور. ### || [42.34-37] # وقوله تعالى: { أو يوبقهن بما كسبوا }: أوبقت ~~الرجل: إذا أنشبته في أمر يهلك فيه، وهو في السفن ~~تغريقها و { بما كسبوا } أي: بذنوب ركابها، وقرأ نافع، وابن ~~عامر: «ويعلم» بالرفع؛ على القطع والاستئناف، وقرأ الباقون ~~والجمهور: «ويعلم» بالنصب؛ على تقدير «أن»، و«المحيص»: ~~المنجى، وموضع الروغان. # ثم وعظ سبحانه عباده، وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها، ~~ورغبهم فيما عنده من النعيم والمنزلة الرفيعة لديه، وعظم قدر ~~ذلك في قوله: { فما أوتيتم من شىء فمتع الحيوة ~~الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون } وقرأ الجمهور: { كبئر } على ~~الجمع؛ قال الحسن: هي كل ما توعد فيه بالنار، وقد تقدم ما ~~ذكره الناس في الكبائر في سورة النساء وغيرها، { والفوحش }: ~~قال السدي: الزنا، وقال مقاتل: موجبات الحدود. # وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } حض على كسر ~~الغضب والتدرب في إطفائه؛ إذ هو جمرة من جهنم، وباب من ~~أبوابها، وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: # " أوصني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، ~~قال: زدني، قال: لا تغضب " # ، ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه، فقد كفي ~~هما عظيما في دنياه وآخرته. # * ت *: # " وروى مالك في «الموطإ» أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، علمني كلمات أعيش ~~بهن ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تغضب» " # قال أبو عمر بن عبد البر: أراد: علمني ما ينفعني ~~بكلمات قليلة؛ لئلا أنسى إن أكثرت علي، ثم أسند أبو ~~عمر من طرق عن الأحنف بن قيس عن عمه جارية بن ~~قدامة، أنه قال: يا رسول الله، قل لي قولا ~~ينفعني الله به، ms1243 وأقلل لي؛ لعلي أعقله، قال: # " لا تغضب، فأعاد عليه مرارا، كلها يرجع إليه ~~رسول الله: لا تغضب " # ، انتهى من «التمهيد»، وأسند أبو عمر في «التمهيد» أيضا عن عبد ~~الله بن أبي الهذيل قال: لما رأى يحيى أن عيسى مفارقه ~~قال له: أوصني، قال: لا تغضب، قال: لا أستطيع، قال: لا ~~تقتن مالا، قال عسى. انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من كف لسانه عن أعراض المسلمين أقال الله ~~عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عنهم، ~~وقاه الله عذابه يوم القيامة " # ، قال ابن المبارك: وأخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن ~~معدان قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني ~~في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، ومن ذكرني حين ~~يغضب ذكرته حين أغضب فلم أمحقه فيمن أمحق ~~" # انتهى. ### || [42.38-41] # وقوله تعالى: { والذين استجابوا } مدح لكل من آمن ~~بالله، وقبل شرعه، ومدح الله تعالى القوم الذين ~~أمرهم شورى بينهم؛ لأن في ذلك اجتماع الكلمة، والتحاب، ~~واتصال الأيدي، والتعاضد على الخير، وفي الحديث: # " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأحسن، ما ~~بحضرتهم ". # وقوله تعالى: { ومما رزقنهم ينفقون } معناه: في سبيل ~~الله، وبرسم الشرع؛ وقال ابن زيد قوله تعالى: { والذين ~~استجابوا لربهم... } الآية، نزلت في الأنصار، والظاهر أن ~~الله تعالى مدح كل من اتصف بهذه الصفة كائنا من كان، وهل ~~حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد سبق المهاجرين إليها رضي ~~الله عن جميعهم بمنه وكرمه . # وقوله عز وجل: { والذين إذا أصابهم البغى هم ~~ينتصرون }: مدح سبحانه في هذه الآية قوما بالانتصار ممن بغى ~~عليهم، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا: الانتصار بالواجب تغيير منكر، ~~قال الثعلبي: قال إبراهيم [النخعي] في هذه الآية: كانوا يكرهون ~~أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، انتهى. # وقوله سبحانه: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } قيل: ~~سمي الجزاء باسم الابتداء، وإن لم يكن سيئة، لتشابههما في الصورة، قال ~~* ع *: وإن أخذنا السيئة هنا بمعنى المصيبة في ms1244 حق البشر، أي: يسوء ~~هذا هذا ويسوءه الآخر فلسنا نحتاج إلى أن نقول: سمى العقوبة باسم ~~الذنب؛ بل الفعل الأول والآخر سيئة، قال الفخر: اعلم أنه تعالى ~~لما قال: { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ~~أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا ~~بالمثل؛ فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والمساواة هو العدل؛ فلهذا ~~السبب قال تعالى: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } انتهى؛ ~~ويدل على ذلك قوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به } ونحوه من الآي، واللام في قوله: { ~~ولمن انتصر بعد ظلمه } لام التقاء القسم. # وقوله: { من سبيل } يريد: من سبيل حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في ~~إباحة الانتصار، والخلاف فيه: هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين ~~المؤمنين؟. ### || [42.42-45] # وقوله تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس... } الآية، المعنى: إنما سبيل الحكم والإثم على الذين يظلمون ~~الناس، روى الترمذي عن كعب بن عجرة قال: قال لي النبي ~~صلى الله عليه وسلم،: # " أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون، فمن ~~غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ~~ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولا يرد علي ~~الحوض، يا كعب، الصلاة برهان، والصبر جنة ~~حصينة، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء ~~النار، يا كعب لا يربو لحم نبت من سحت إلا ~~كانت النار أولى به ". # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وخرجه أيضا في «كتاب الفتن» ~~وصححه، انتهى. # وقوله تعالى: { إنما السبيل } إلى قوله: { أليم }: اعتراض ~~بين الكلامين، ثم عاد في قوله: { ولمن صبر } إلى الكلام ~~الأول، كأنه قال: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، ~~{ ولمن صبر وغفر... } الآية، واللام في قوله: { ولمن صبر ~~} يصح أن تكون لام قسم، ويصح أن تكون لام الابتداء، و { عزم ~~الامور }: محكمها ومتقنها، والحميد العاقبة منها، فمن ~~رأى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين، وأن الصبر ~~للمشركين كان أفضل قال: إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن ~~الآية بين المؤمنين، قال: هي محكمة، والصبر والغفران ms1245 أفضل إجماعا، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: من كان له ~~على الله أجر فليقم، فيقوم عنق من الناس ~~كبير، فيقال: ما أجركم؟ فيقولون: نحن الذين ~~عفونا عمن ظلمنا في الدنيا " # وقوله تعالى: { ومن يضلل الله فما له من ولى من ~~بعده } تحقير لأمر الكفرة، أي: فلا يبالي بهم أحد من ~~المؤمنين؛ لأنهم صائرون إلى ما لا فلاح لهم معه، ثم وصف تعالى لنبيه ~~حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب، وقولهم: { هل إلى مرد من ~~سبيل } ومرادهم: الرد إلى الدنيا، والرؤية هنا رؤية عين، ~~والضمير في قوله: { عليها } عائد على النار، وإن لم يتقدم لها ~~ذكر من حيث دل عليها قوله: { رأوا العذاب }. # وقوله: { من الذل } يتعلق ب { خشعين }. # وقوله تعالى: { ينظرون من طرف خفى } قال قتادة ~~والسدي: المعنى: يسارقون النظر؛ لما كانوا فيه من الهم وسوء ~~الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين؛ وإنما ينظرون ببعضها؛ ~~قال الثعلبي: قال يونس: { من } بمعنى الباء، ينظرون بطرف خفي، ~~أي: ضعيف؛ من أجل الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش، انتهى، وفي ~~البخاري { من طرف خفى } ، أي: ذليل. # وقوله تعالى: { وقال الذين ءامنوا إن الخسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة... ~~} الآية، وقول { الذين ءامنوا } هو في يوم القيامة عند ما عاينوا ~~حال الكفار وسوء منقلبهم. # وقوله تعالى: { ألا إن الظلمين فى عذاب مقيم } ~~يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ، حكاه الله عنهم، ويحتمل أن ~~يكون استئنافا من قول الله عز وجل وأخباره لنبيه محمد عليه السلام ~~. ### || [42.46-48] # وقوله تعالى: { وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من ~~دون الله... } الآية، إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ~~ولايتها، واعتقدت ذلك دينا، ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم ~~بالاستجابة لدعوة الله وشريعته من قبل إتيان يوم القيامة الذي لا ~~يرد أحد بعده إلى عمل، قال * ع *: في الآية الأخرى في سورة «ألم ~~غلبت الروم»: ويحتمل أن يريد: لا يرده راد حتى لا يقع، وهذا ظاهر ~~بحسب اللفظ،، و«النكير»: ms1246 مصدر بمعنى الإنكار؛ قال الثعلبي: { ما ~~لكم من ملجأ }: أي معقل، { وما لكم من نكير } ~~أي: من إنكار على ما ينزل بكم من العذاب بغير ما بكم، انتهى. # وقوله تعالى: { فإن أعرضوا... } الآية تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ، والإنسان هنا اسم جنس، وجمع الضمير في قوله: { ~~تصبهم } وهو عائد على لفظ الإنسان من حيث هو اسم جنس. ### || [42.49-51] # وقوله تعالى: { لله ملك السموات والأرض يخلق ما ~~يشاء... } الآية، هذه آية اعتبار دال على القدرة والملك ~~المحيط بالجميع، وأن مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل ~~أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء هو الله تبارك ~~وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق؛ فيهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الأولاد الذكور، { أو يزوجهم } أي: ينوعهم ذكرانا وإناثا، ~~وقال محمد بن الحنفية: يريد بقوله تعالى: { أو يزوجهم } ~~التوءم، أي: يجعل في بطن زوجا من الذرية ذكرا وأنثى، ~~و«العقيم»: الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة وبدأ ~~في هذه الآية بذكر الإناث؛ تأنيسا بهن ليهتم بصونهن ~~والإحسان إليهن، وقال النبي عليه السلام : # " من ابتلي من هذه البنات بشيء، فأحسن ~~إليهن، كن له حجابا من النار " # ، وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها ~~بالأنثى قبل الذكر؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر الإناث؛ حكاه عنه ~~الثعلبي قال: وقال إسحاق بن بشر: نزلت هذه الآية في الأنبياء، ~~ثم عمت ف { يهب لمن يشآء إناثا } يعني: لوطا عليه ~~السلام ، و { ويهب لمن يشآء الذكور } يعني: إبراهيم ~~عليه السلام ، { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا } يعني: ~~نبينا محمدا عليه السلام ، { ويجعل من يشاء ~~عقيما } يعني: يحيى بن زكرياء عليهما السلام . # وقوله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا... } الآية، ~~نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ~~ذهب قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة ~~صورة تكليم الله عباده، كيف هو، فبين الله تعالى أنه لا ms1247 ~~يكون لأحد من الأنبياء، ولا ينبغي له، ولا يمكن فيه أن ~~يكلمه الله إلا بأن يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام؛ ~~قال مجاهد: أو النفث في القلب، أو وحي في منام، قال ~~النخعي: وكان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو ~~بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا ~~كموسى عليه السلام ، وهذا معنى { من وراء حجاب } أي: من ~~خفاء عن المكلم لا يحده ولا يتسور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في ~~الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكا يشافهه بوحي الله عز وجل، ~~قال الفخر: قوله: { فيوحى بإذنه ما يشاء } أي: فيوحى ذلك ~~الملك بإذن الله ما يشاء الله انتهى، وقرأ جمهور القراء ~~والناس: «أو يرسل» بالنصب «فيوحى» بالنصب أيضا، وقرأ نافع، ~~وابن عامر، وابن عباس، وأهل المدينة: «أو يرسل» بالرفع فيوحي ~~بسكون الياء ، وقوله: { أو من وراء حجاب } «من» متعلقة ~~بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب، وفي ~~هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن من ~~حلف: لا يكلم فلانا، وهو لم ينو المشافهة، ثم أرسل رسولا ~~حنث. ### || [42.52-53] # وقوله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا... } الآية، المعنى: وبهذه الطرق، ومن هذا الجنس أوحينا إليك، ~~أي: بالرسول، و«الروح» في هذه الآية: القرآن آن وهدى الشريعة، سماه ~~روحا من حيث يحيي به البشر والعالم؛ كما يحيي الجسد ~~بالروح، فهذا على جهة التشبيه. # وقوله تعالى: { من أمرنا } أي: واحد من أمورنا، ويحتمل أن ~~يكون الأمر بمعنى الكلام، { ومن } لابتداء الغاية. # وقوله تعالى: { ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيمن } ~~توقيف على مقدار النعمة، والضمير في { جعلنه } عائد على ~~الكتاب، و { نهدى } بمعنى: نرشد، وقرأ جمهور الناس: «وإنك ~~لتهدي» بفتح التاء وكسر الدال ، وقرأ حوشب: «لتهدى» ~~ بضم التاء وفتح الدال ، وقرأ عاصم: «لتهدي» بضم التاء ~~وكسر الدال . # وقوله: { صرط الله } يعني: صراط شرع الله، ثم استفتح سبحانه ~~القول في الإخبار بصيرورة الأمور إليه سبحانه؛ مبالغة وتحقيقا ~~وتثبيتا، فقال: ms1248 { ألا إلى الله تصير الامور } قال الشيخ ~~العارف بالله أبو الحسن الشاذلي رحمه الله: إن أردت أن تغلب ~~الشر كله، وتلحق الخير كله، ولا يسبقك سابق، وإن عمل ~~ما عمل فقل: يا من له الخير كله، أسألك الخير كله، ~~وأعوذ بك من الشر كله، فإنك أنت الله الغني الغفور ~~الرحيم، أسألك بالهادي محمد صلى الله عليه وسلم إلى صراط ~~مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا ~~إلى الله تصير الأمور، اللهم، إني أسألك مغفرة ~~تشرح بها صدري، وتضع بها وزري، وترفع بها ذكري، ~~وتيسر بها أمري، وتنزه بها فكري، وتقدس بها سري، ~~وتكشف بها ضري، وترفع بها قدري؛ إنك على كل شيء قدير، ~~اه. # * قلت *: قوله تعالى: { ما كنت تدرى ما الكتب }: هذا ~~بين، وقوله: { ولا الإيمن }: فيه تأويلات: قيل معناه: ولا ~~شرائع الإيمان ومعالمه؛ قال أبو العالية: يعني: الدعوة إلى الإيمان، ~~وقال الحسين بن الفضل: يعني أهل الإيمان، من يؤمن ومن لا يؤمن، ~~وقال ابن خزيمة: الإيمان هنا الصلاة؛ دليله: # وما كان الله ليضيع إيمنكم # [البقرة:143] قال ابن أبي الجعد وغيره: احترق مصحف فلم يبق منه ~~إلا: { ألا إلى الله تصير الأمور } وغرق مصحف فامحى ~~كله إلا قوله: { ألا إلى الله تصير الأمور } نقله ~~الثعلبي وغيره، انتهى. # قال العبد الفقير إلى الله تعالى، عبد الرحمن بن محمد بن ~~مخلوف الثعالبي، لطف الله به في الدارين: قد يسر ~~الله عز وجل في تحرير هذا المختصر، وقد أودعته بحمد الله ~~جزيلا من الدرر، قد استوعبت فيه بحمد الله مهمات ابن ~~عطية، وزدته فوائد جليلة من غيره، وليس الخبر كالعيان، ~~توخيت فيه بحمد الله الصواب؛ وجعلته ذخيرة عند الله ~~ليوم المآب، لا يستغني عنه المنتهي؛ وفيه كفاية ~~للمبتدي، يستغني به عن المطولات؛ إذ قد حصل منها ~~لبابها؛ وكشف عن الحقائق حجابها. # التعريف برحلة المؤلف # رحلت في طلب العلم في أواخر القرن الثامن، ودخلت ~~بجاية في أوائل القرن التاسع، فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم، ~~أصحاب سيدي عبد الرحمن ms1249 الوغليسي متوافرين، فحضرت مجالسهم، ~~وكانت عمدة قراءتي بها على سيدي [علي بن] عثمان المانجلاتي ~~ رحمه الله بمسجد عين البربر، ثم ارتحلت إلى ~~تونس، فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأبي، والبرزلي، وغيرهم، ~~وأخذت عنهم، ثم ارتحلت إلى المشرق، فلقيت بمصر الشيخ ولي ~~الدين العراقي، فأخذت عنه علوما جمة معظمها علم ~~الحديث، وفتح الله لي فيه فتحا عظيما، وكتب لي وأجازني جميع ما ~~حضرته عليه، وأطلق في غيره، ثم لقيت بمكة بعض المحدثين، ثم ~~رجعت إلى الديار المصرية وإلى تونس، وشاركت من بها، ولقيت بها ~~شيخنا أبا عبد الله محمد بن مرزوق قادما لإرادة الحج، ~~فأخذت عنه كثيرا، وأجازني [التدريس] في أنواع الفنون الإسلامية، ~~وحرضني على إتمام تقييد وضعته على ابن الحاجب الفرعي. # قلت: ولما فرغت من تحرير هذا المختصر وافق قدوم شيخنا أبي عبد ~~الله محمد بن مرزوق علينا في سفرة سافرها من تلمسان ~~متوجها إلى تونس، ليصلح بين سلطانها وبين صاحب تلمسان، ~~فأوقفته على هذا الكتاب، فنظر فيه وأمعن النظر، فسر به سرورا كثيرا ~~ودعا لنا بخير، والله الموفق بفضله. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-4] # { حم * والكتب المبين } { والكتب }: خفض بواو ~~القسم، والضمير في { جعلنه } عائد على الكتاب، و { إنه } ~~عطف على { جعلنه } ، وهذا الإخبار الثاني واقع أيضا تحت ~~القسم، و { أم الكتب }: اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريف ~~للقرآن، وترفيع، واختلف المتأولون: كيف هو في أم الكتاب؟ ~~فقال قتادة وغيره: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل ينزل، وهنالك ~~هو علي حكيم، وقال جمهور الناس: إنما في اللوح المحفوظ ذكره ~~ودرجته ومكانته من العلو والحكمة. ### || [43.5-8] # وقوله سبحانه: { أفنضرب } بمعنى: أفنترك؛ تقول العرب: أضربت ~~عن كذا وضربت: إذا أعرضت عنه وتركته، و { الذكر } هو: ~~الدعاء إلى الله، والتذكير بعذابه، والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: ~~الذكر هنا أراد به العذاب نفسه، وقال الضحاك ومجاهد: الذكر ~~القرآن. # وقوله: { صفحا }: يحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب، ~~فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم، وغفرا لإجرامكم؛ ~~من أجل أن كنتم قوما مسرفين، أي: ms1250 هذا لا يصلح؛ وهذا قول ابن عباس ~~ومجاهد ويحتمل قوله: { صفحا } أن يكون بمعنى مغفولا عنه، أي: نتركه ~~يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبره، فكأن المعنى: أفنترككم سدى، ~~وهذا هو منحى قتادة وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إن ~~كنتم» بكسر الهمزة، وهو جزاء دل ما تقدمه على جوابه، وقرأ ~~الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أن، والإسراف في الآية هو كفرهم. # { وكم أرسلنا من نبي فى الأولين } أي: في الأمم ~~الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. # { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون ~~} أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتهديد بأن يصيب قريشا ما أصاب من هو أشد بطشا منهم. # { ومضى مثل الأولين } أي: سلف أمرهم وسنتهم، وصاروا ~~عبرة غابر الدهر، أنشد صاحب «عنوان الدراية»لشيخه أبي عبد ~~الله التميمي: [البسيط] # يا ويح من غره دهر فسر به # لم يخلص الصفو إلا شيب بالكدر # هو الحمام فلا تبعد زيارته # ولا تقل ليتني منه على حذر # انظر لمن باد تنظر آية عجبا # وعبرة لأولي الألباب والعبر # أين الألى جنبوا خيلا مسومة # وشيدوا إرما خوفا من القدر # لم تغنهم خيلهم يوما وإن كثرت # ولم تفد إرم للحادث النكر # بادوا فعادوا حديثا إن ذا عجب # ما أوضح الرشد لولا سيىء النظر # تنافس الناس في الدنيا وقد علموا # أن المقام بها كاللمح بالبصر # انتهى. ### || [43.9-14] # وقوله سبحانه: { ولئن سألتهم من خلق السماوات ~~والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم }: الآية ~~ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض من حيث أقروا ~~بالخالق، وعبدوا غيره، وجاءت العبارة عن الله ب { العزيز ~~العليم }؛ ليكون ذلك توطئة لما عدد سبحانه من أوصافه التي ~~ابتدأ الإخبار بها، وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن ~~قريش. # وقوله تعالى: { الذى جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم ~~فيها سبلا لعلكم تهتدون } الآية، هذه أوصاف فعل، ~~وهي نعم من الله سبحانه على البشر، تقوم بها الحجة على كل ~~مشرك. # وقوله: { الذى جعل لكم } ليس هو من قول المسؤولين، بل ms1251 هو ~~ابتداء إخبار من الله تعالى. # وقوله سبحانه: { والذى نزل من السماء ماء بقدر } ~~قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فيفسد، ولا قلة ~~فيقصر؛ بل غيثا مغيثا، وقيل: { بقدر } أي: بقضاء وحتم، وقالت ~~فرقة: معناه: بتقدير وتحرير، أي: قدر ماء معلوما، ثم اختلف قائلو هذه ~~المقالة فقال بعضهم: ينزل في كل عام ماء قدرا واحدا، لا يفضل ~~عام عاما، لكن يكثر مرة ههنا ومرة ههنا، وقال بعضهم: بل ينزل ~~تقديرا ما في عام، وينزل في آخر تقديرا ما، وينزل في آخر ~~تقديرا آخر بحسب ما سبق به قضاؤه لا إله إلا هو. # قلت: وبعض هذه الأقوال لا تقال من جهة الرأي، بل لا بد لها ~~من سند، و { أنشرنا } معناه: أحيينا؛ يقال: نشر الميت ~~وأنشره الله، والأزواج هنا الأنواع من كل شيء، و { من } في ~~قوله: { من الفلك والأنعم } للتبعيض، والضمير في { ~~ظهوره } عائد على النوع المركوب الذي وقعت عليه «ما»، وقد، ~~بينت آية أخرى ما يقال عند ركوب الفلك، وهو: # بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور ~~رحيم # [هود:41] وإنما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان، وإن قدرنا ~~أن ذكر النعمة هو بالقلب، والتذكر بدء الراكب ب { ~~سبحن الذى سخر لنا هذا } ، وهو يرى نعمة الله في ~~ذلك وفي سواه و { مقرنين } أي: مطيقين، وقال أبو حيان { ~~مقرنين }: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى ~~الأول، { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } أمر بالإقرار ~~بالبعث. # * ت *: وعن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : # " على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها ~~فسموا الله " # رواه ابن حبان في «صحيحه»، انتهى من «السلاح»، وينبغي لمن ملكه ~~الله شيئا من هذا الحيوان أن يرفق به ويحسن إليه؛ لينال ~~بذلك رضا الله تعالى، قال القشيري في «التحبير»: وينبغي ~~للعبد أن يكون معظما لربه، نفاعا لخلقه، خيرا في ~~قومه، مشفقا على عباده؛ فإن رأس المعرفة تعظيم أمر الله ~~سبحانه، والشفقة على خلق الله، انتهى، وروى مالك في ~~«الموطإ» ms1252 عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، ~~فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، فخرج فإذا كلب ~~يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد ~~بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، ~~فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى ~~رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، ~~فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم ~~أجرا؟! فقال: في كل كبد رطبة أجر " # قال أبو عمر في «التمهيد»: وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثم، وقد ~~روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي ~~أطعمتها، ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ~~" # ، ثم أسند أبو عمر؛ # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطا من حيطان ~~الأنصار، فإذا جمل قد أتي فجرجر، وذرفت ~~عيناه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سراته ~~وذفراه، فسكن، فقال: من صاحب الجمل؟ فجاء فتى ~~من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: أما ~~تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله؛ ~~إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه " # ومعنى ذرفت عيناه، أي: قطرت دموعهما قطرا ضعيفا، ~~والسراة الظهر، «والذفرى»: ما وراء الأذنين عن يمين ~~النقرة وشمالها، انتهى. ### || [43.15-19] # وقوله سبحانه: { وجعلوا له من عباده جزءا } أي: ~~جعلت كفار قريش والعرب لله جزءا، أي: نصيبا وحظا، ~~وهو قول العرب: «الملائكة بنات الله»؛ هذا قول كثير من المتأولين، ~~وقال قتادة: المراد بالجزء: الأصنام وغيرها ف { جزءا } معناه: ~~ندا. # * ت *: وباقي الآية يرجح تأويل الأكثر. # وقوله: { أم اتخذ }: إضراب وتقرير وتوبيخ؛ إذ المحمود ~~المحبوب من الأولاد قد خوله الله بني آدم، فكيف يتخذ هو ~~لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بين مما ذكر في «سورة النحل» ~~وغيرها. # ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: { أومن ينشأ فى ~~الحلية } التقدير: أو من ينشأ في الحلية هو الذي ~~خصصتم به الله عز وجل، والحلية: الحلي من الذهب ms1253 والفضة ~~والأحجار، و { ينشأ } معناه: ينبت ويكبر، و { الخصام }: ~~المحاجة ومجاذبة المحاورة، وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام ~~وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود: «وهو في الكلام غير ~~مبين» والتقدير: غير مبين غرضا أو منزعا ونحو هذا، وقال ابن ~~زيد: المراد ب { من ينشأ فى الحلية }: الأصنام والأوثان، ~~لأنهم كانوا يجعلون الحلي على كثيرا منها، ويتخذون كثيرا منها ~~من الذهب والفضة، وقرأ أكثر السبعة: «وجعلوا الملائكة الذين ~~هم عباد الرحمن إناثا» وقرأ الحرميان وابن عامر: ~~«عند الرحمن إناثا» وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة. # وقوله تعالى: { أشهدوا خلقهم } معناه أأحضروا ~~خلقهم، وفي قوله تعالى: { ستكتب شهدتهم ويسئلون ~~} وعيد مفصح، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشد؛ أنه بلغه ~~أن امرأ لا يشهد شهادة في الدنيا إلا شهد بها يوم القيامة ~~على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبدا في الدنيا إلا امتدحه يوم القيامة ~~على رؤوس الأشهاد، قال القرطبي في «تذكرته»: وهذا صحيح؛ يدل على ~~صحته قوله تعالى: { ستكتب شهدتهم ويسئلون } ~~وقوله: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق:18] انتهى. ### || [43.20-25] # وقوله سبحانه: { وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدنهم... } الآية، أي: ما عبدنا الأصنام. # * ت *: وقال قتادة وغيره: يعني: ما عبدنا الملائكة، وجعل الكفار إمهال ~~الله لهم دليلا على رضاه عنهم، وأن ذلك كالأمر به، ثم نفى سبحانه ~~علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك؛ وإنما هم يظنون ~~ويحدسون ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص، والأمة هنا بمعنى ~~الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم التقليد، وذكر الطبري ~~عن قوم أن الأمة الطريقة، ثم ضرب الله المثل لنبيه محمد ~~عليه السلام وجعل له الأسوة فيمن مضى من النذر والرسل؛ وذلك ~~أن المترفين من قومهم، وهم أهل التنعم والمال، قد قابلوهم ~~بمثل هذه المقالة، وفي قوله عز وجل: { فانتقمنا منهم... } ~~الآية: وعيد لقريش، وضرب مثل لهم بمن سلف من الأمم ~~المعذبة المكذبة لأنبيائها. ### || [43.26-28] # وقوله سبحانه: { وإذ قال إبرهيم } المعنى: واذكر إذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه: { إننى براء مما تعبدون ms1254 } أي: ~~فافعل أنت فعله، وتجلد جلده، و { براء }: صفة تجري ~~على الواحد والاثنين والجمع؛ كعدل وزور، وقرأ ابن ~~مسعود: «بريء». # وقوله: «إلا الذي فطرني» قالت فرقة: الاستثناء متصل، وكانوا يعرفون ~~الله ويعظمونه، إلا أنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأن ~~إبراهيم قال لهم: أنا لا أوافقكم إلا على عبادة الله الذي فطرني، ~~وقالت فرقة: الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن الذي فطرني هو معبودي ~~الهادي المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاء لهم، وترغيب في طاعة ~~الله، وتطميع في رحمته. # والضمير في قوله: { وجعلها كلمة... } الآية، قالت: فرقة: هو ~~عائد على كلمته بالتوحيد في قوله { إننى براء } وقال مجاهد وغيره: ~~المراد بالكلمة: لا إله إلا الله، وعاد عليها الضمير، وإن كان لم يجر ~~لها ذكر؛ لأن اللفظ يتضمنها، والعقب: الذرية، وولد ~~الولد ما امتد فرعهم. ### || [43.29-35] # وقوله: { بل متعت هؤلاء } يعني قريشا { حتى جاءهم ~~الحق ورسول } ، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول [هو] محمد صلى الله ~~عليه وسلم و { مبين } أي: يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية: بل ~~أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة { ولما جاءهم الحق } ~~يعني القرآن { قالوا هذا سحر }. # { وقالوا } يعني قريشا: { لولا نزل هذا القرءان ~~على رجل من القريتين عظيم } يعني: من إحدى القريتين، ~~وهما مكة والطائف، ورجل مكة هو الوليد بن المغيرة ~~في قول ابن عباس وغيره، وقال مجاهد: هو عتبة بن ربيعة، وقيل ~~غير هذا، ورجل الطائف: قال قتادة: هو عروة بن مسعود، وقيل غير هذا، ~~قال * ع *: وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن، وإلا فرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم من هؤلاء؛ إذ كان المسمى عندهم ~~«الأمين»، ثم وبخهم سبحانه بقوله: { أهم يقسمون رحمت ~~ربك } و«الرحمة» اسم عام يشمل النبوة وغيرها، وفي قوله ~~تعالى: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } تزهيد في ~~السعايات، وعون على التوكل على الله عز وجل؛ ولله در ~~القائل: [الرجز] # [كم جاهل يملك دورا وقرى # [وعالم يسكن بيتا بالكرا] # لما سمعنا قوله سبحانه # نحن قسمنا بينهم زال المرا # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن ms1255 النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم له، ~~وبارك له فيه، وإذا لم يرد به خيرا، لم يرضه ~~بما قسم له، ولم يبارك له فيه " # انتهى، و { سخريا } بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه ~~الآية. # وقوله تعالى: { ورحمت ربك خير مما يجمعون } قال ~~قتادة والسدي: يعني الجنة، قال * ع *: ولا شك أن الجنة هي ~~الغاية، ورحمة الله في الدنيا بالهداية والإيمان خير من كل مال، وفي ~~هذا اللفظ تحقير للدنيا، وتزهيد فيها، ثم استمر القول في تحقيرها ~~بقوله سبحانه: { ولولا أن يكون الناس أمة وحدة... } ~~الآية؛ وذلك أن معنى الآية أن الله سبحانه أبقى على عباده، وأنعم ~~عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بقية ~~الدهر، ولولا كراهية أن يكون الناس كفارا كلهم، وأهل حب ~~في الدنيا وتجرد لها لوسع الله على الكفار غاية التوسعة، ~~ومكنهم من الدنيا؛ وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قدر لها ~~ولا وزن؛ لفنائها وذهاب رسومها، فقوله: { أمة واحدة } معناه ~~في الكفر؛ قاله ابن عباس وغيره، ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما ~~سقى كافرا منها شربة ماء " # وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن علقمة عن عبد الله قال: # " اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير ~~فأثر الحصير في جنبه، فلما استيقظ، جعلت ~~أمسح عنه، وأقول: يا رسول الله، ألا آذنتني ~~قبل أن تنام على هذا الحصير، فأبسط لك عليه ~~شيئا يقيك منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي ما أنا ~~والدنيا إلا كراكب استظل في فيء أو ظل شجرة، ~~ثم راح وتركها " # انتهى، وقد خرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح،، و { ~~سقفا } جمع سقف، والمعارج: الأدراج التي يطلع عليها؛ قاله ابن ~~عباس وغيره، و { يظهرون } معناه: يعلون؛ ومنه حديث عائشة (رضي ~~الله عنها) والشمس في حجرتها لم تظهر بعد، والسرر: ms1256 جمع سرير، ~~والزخرف: قال ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي: هو الذهب، ~~وقالت فرقة: الزخرف: التزاويق والنقش ونحوه؛ وشاهده: # حتى إذا أخذت الأرض زخرفها # [يونس:24] وقرأ الجمهور: { وإن كل ذلك لما } بتخفيف ~~الميم من «لما»؛ ف«إن» مخففة من الثقيلة، واللام في «لما» ~~داخلة؛ لتفصل بين النفي والإيجاب، وقرأ عاصم، وحمزة، وهشام بخلاف ~~عنه بتشديد الميم من «لما»؛ ف«إن» نافية بمعنى [«ما»، ~~و«لما» بمعنى] «إلا»، أي: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، ~~وفي قوله سبحانه: { والأخرة عند ربك للمتقين } وعد ~~كريم، وتحريض على لزوم التقوى، إذ في الآخرة هو التباين الحقيقي ~~في المنازل؛ قال الفخر: بين تعالى أن كل ذلك متاع الحياة ~~الدنيا، وأما الآخرة فهي باقية دائمة، وهي عند الله وفي حكمه ~~للمتقين المعرضين عن حب الدنيا، المقبلين على حب ~~المولى، انتهى. ### || [43.36-42] # وقوله عز وجل: { ومن يعش عن ذكر الرحمن } الآية، ~~وعشا يعشو معناه: قل الإبصار منه، ويقال أيضا: عشي الرجل ~~يعشى: إذا فسد بصره، فلم ير، أو لم ير إلا قليلا، ~~فالمعنى في الآية: ومن يقل بصره في شرع الله، ويغمض جفونه ~~عن النظر في ذكر الرحمن، أي: فيما ذكر به عباده، أي: فيما ~~أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نبيه. # وقوله: { نقيض له شيطانا } أي: نيسر له، ونعد، وهذا ~~هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح، وهذا كما يقال: إن الله ~~تعالى يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي، ويجازي على الحسنة ~~بالتزيد من الحسنات، وقد روي هذا المعنى مرفوعا. قال * ص *: { ~~ومن يعش } الجمهور بضم الشين، أي: يتعام ويتجاهل، ف { من } ~~شرطية، و { يعش } مجزوم بها، و { نقيض } جواب { من } ، ~~انتهى، والضمير في قوله: { وإنهم } عائد على الشياطين، وفيما بعده ~~عائد على الكفار، وقرأ نافع وغيره: «حتى إذا جاءانا»؛ على ~~التثنية، يريد: العاشي والقرين؛ قاله قتادة وغيره، وقرأ أبو عمرو وغيره: ~~«جاءنا» يريد العاشي وحده، وفاعل { قال } هو العاشي، قال ~~الفخر: وروي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ ~~شيطان بيده، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله ms1257 إلى النار، ~~فذلك حيث يقول: { يليت بيني وبينك بعد المشرقين } ~~انتهى. # وقوله: { بعد المشرقين } يحتمل معاني: # أحدها: أن يريد بعد المشرق من المغرب، فسماهما مشرقين؛ كما ~~يقال القمران، والعمران. # والثاني: أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم. # والثالث: أن يريد بعد المشرقين من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين. # قلت: واستبعد الفخر التأويل الثاني قال: لأن المقصود من قوله: { ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين } المبالغة في ~~حصول البعد، وهذه المبالغة إنما تحصل عند ذكر بعد لا يمكن ~~وجود بعد أزيد منه، والبعد بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس ~~كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه؛ قال: والأكثرون على ~~التأويل الأول، انتهى. # وقوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم... } الآية، حكاية عن ~~مقالة تقال لهم يوم القيامة، وهي مقالة موحشة فيها زيادة تعذيب ~~لهم ويأس من كل خير، وفاعل { ينفعكم } الاشتراك، ويجوز أن يكون ~~فاعل { ينفعكم } التبري الذي يدل عليه قوله: { يليت }. # وقوله سبحانه: { أفأنت تسمع الصم... } الآية، خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وباقي الآية تكرر معناه غير ما ~~مرة. ### || [43.43-45] # وقوله تعالى: { فاستمسك بالذى أوحى إليك } أي: بما ~~جاءك من عند الله من الوحي المتلو وغيره. # وقوله: { وإنه لذكر لك } يحتمل أن يريد: وإنه لشرف في ~~الدنيا لك ولقومك يعني: قريشا؛ قاله ابن عباس وغيره، ويحتمل ~~أن يريد: وإنه لتذكرة وموعظة، ف«القوم» على هذا أمته ~~بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن. # وقوله: { وسوف تسئلون } قال ابن عباس وغيره: معناه: عن أوامر ~~القرآن ونواهيه، وقال الحسن: معناه: عن شكر النعمة فيه، واللفظ يحتمل هذا ~~كله ويعمه. # وقوله تعالى: { وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا... } الآية، قال ابن زيد، والزهري: أما إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يسأل الرسل ليلة الإسراء عن هذا؛ لأنه ~~كان أثبت يقينا من ذلك، ولم يكن في شك، وقال ابن عباس ~~وغيره: أراد: واسأل أتباع من أرسلنا وحملة شرائعهم، وفي ~~قراءة ابن مسعود وأبي: «واسئل الذين أرسلنا إليهم». # * ت *: قال عياض: قوله تعالى: { وسئل من ms1258 أرسلنا من ~~قبلك... } الآية: الخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد المشركون؛ قاله القتبي، ثم قال عياض: والمراد بهذا، ~~الإعلام بأن الله عز وجل لم يأذن في عبادة غيره لأحد؛ ردا ~~على مشركي العرب وغيرهم في قولهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # [الزمر:3] انتهى. ### || [43.46-51] # وقوله سبحانه: { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا... } ~~الآية، ضرب مثل وأسوة للنبي صلى الله عليه وسلم بموسى عليه ~~السلام ولكفار قريش بقوم فرعون. # وقوله: { وأخذنهم بالعذاب } أي: كالطوفان والجراد ~~والقمل والضفادع، وغير ذلك { لعلهم يرجعون } أي: يتوبون ~~ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى: { يأيه ~~الساحر } [أي]: العالم، وإنما قالوا هذا على جهة التعظيم ~~والتوقير؛ لأن علم السحر عندهم كان علما عظيما، وقيل: إنما ~~قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأول أرجح، وقولهم: { ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } أي: إن ~~نفعتنا دعوتك. # وقوله: { أليس لى ملك مصر... } الآية: مصر من بحر ~~الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي ~~الخلجان الكبار الخارجة من النيل. ### || [43.52-56] # وقوله: { أم أنا خير } قال سيبويه: «أم» هذه المعادلة، ~~والمعنى: أفأنتم لا تبصرون؟ أم تبصرون، وقالت فرقة: «أم» بمعنى «بل»، ~~وقرأ بعض الناس: «أما أنا خير» حكاه الفراء، وفي مصحف أبي ~~بن كعب: «أم أنا خير أم هذا» و { مهين } معناه: ضعيف، { ~~ولا يكاد يبين } إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر ~~الجمرة، وكانت أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا في أن ~~تحل ليفقه قوله، أجيبت دعوته، لكنه بقي أثر كان ~~البيان يقع معه، فعيره فرعون به. # وقوله: { ولا يكاد يبين } يقتضى أنه كان يبين. # وقوله: { فلولا ألقى عليه }: يريد من السماء، على معنى ~~التكرمة، وقرأ الجمهور: «أساورة» وقرأ حفص عن عاصم: «أسورة» ~~وهو ما يجعل في الذراع من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لبس ذلك ~~والتزين به. # * ت *: وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أنهم كانوا إذا سودوا رجلا ~~سوروه بسوار، وطوقوه بطوق من ذهب؛ علامة لسيادته، ~~فقال فرعون: هلا ألقى ms1259 رب موسى على موسى أساورة من ذهب، أو جاء ~~معه الملائكة مقترنين متتابعين، يقارن بعضهم بعضا، يمشون ~~معه شاهدين له، انتهى، وقال * ع *: قوله: { مقترنين }: أي: يحمونه، ~~ويشهدون له، ويقيمون حجته. # * ت *: وما تقدم لغيره أحسن، ولا يشك أن فرعون شاهد من ~~حماية الله لموسى أمورا لم يبق معه شك في أن الله قد ~~منعه منه. # وقوله سبحانه: { ءاسفونا } معناه: أغضبونا بلا خلاف. # وقوله: { فجعلنهم سلفا } «السلف»: الفارط المتقدم، ~~أي: جعلناهم متقدمين في الهلاك؛ ليتعظ بهم من بعدهم إلى يوم ~~القيامة، وقال البخاري: قال قتادة: { ومثلا للأخرين } ~~عظة، انتهى. ### || [43.57-59] # وقوله سبحانه: { ولما ضرب ابن مريم مثلا... } الآية، ~~روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها؛ أنه لما نزلت: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران:59] الآية، وكون عيسى من غير فحل قالت قريش: ما ~~يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت ~~النصارى عيسى، فهذا كان صدودهم. # وقوله تعالى: { وقالوا ءالهتنا خير أم... } هذا ابتداء ~~معنى ثان، وذلك أنه لما نزل: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء:98] الآية، قال [ابن] الزبعرى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا ~~خير أم عيسى؟ فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى؛ إذ هو ~~خير منها، وإذ قد عبد، فهو من الحصب إذن، فقال الله تعالى: ~~{ ما ضربوه لك إلا جدلا } ومغالطة، ونسوا أن عيسى ~~لم يعبد برضا منه، وقالت فرقة: المراد ب { هو } محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهو قول قتادة، وفي مصحف [أبي]: «خير أم هذا» ~~فالإشارة إلى نبينا محمد عليه السلام ، وقال ابن زيد وغيره: ~~المراد ب { هو } عيسى، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ~~أهل خصام ولدد، وأخبر عن عيسى بقوله: { إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه } أي: بالنبوة والمنزلة العالية. # * ت *: وروينا في «جامع الترمذي» عن أبي أمامة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا ~~الجدل، ثم تلا هذه الآية: { ما ضربوه ms1260 لك إلا جدلا بل ~~هم قوم خصمون } " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. # وقوله: { وجعلنه مثلا } أي: عبرة وآية { لبني ~~إسرائيل } والمعنى: لا تستغربوا أن يخلق عيسى من غير ~~فحل؛ فإن القدرة تقتضي ذلك، وأكثر منه. ### || [43.60-62] # وقوله: { ولو نشاء لجعلنا منكم } معناه: لجعلنا بدلا ~~منكم، أي: لو شاء الله لجعل بدلا من بني آدم ملائكة يسكنون ~~الأرض، ويخلفون بني آدم فيها، وقال ابن عباس ومجاهد: يخلف بعضهم ~~بعضا، والضمير في قوله: { وإنه لعلم } قال ابن عباس وغيره: ~~الإشارة به إلى عيسى، وقالت فرقة: إلى محمد، وقال قتادة وغيره: إلى ~~القرآن. # * ت *: وكذا نقل أبو حيان هذه الأقوال الثلاثة، ولو قيل: إنه ~~ضمير الأمر والشأن؛ استعظاما واستهوالا لأمر الآخرة ما ~~بعد، بل هو المتبادر إلى الذهن، يدل عليه: { فلا ~~تمترن بها } ، والله أعلم،، وقرأ ابن عباس، وجماعة: «لعلم» ~~ بفتح العين واللام ، أي: أمارة، وقرأ عكرمة: «للعلم» ~~بلامين الأولى مفتوحة، وقرأ أبي: «لذكر للساعة» فمن قال: ~~إن الإشارة إلى عيسى حسن مع تأويله «علم» و«علم»، أي: هو إشعار ~~بالساعة، وشرط من أشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك من ~~قال: الإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي: هو آخر الأنبياء، وقد ~~قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» يعني السبابة ~~والوسطى، ومن قال: الإشارة إلى القرآن حسن قوله مع قراءة ~~الجمهور، أي: يعلمكم بها وبأهوالها. # وقوله: { هذا صرط مستقيم }: إشارة [إلى] الشرع. ### || [43.63-65] # وقوله تعالى: { ولما جاء عيسى بالبينت } يعني: إحياء ~~الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، وباقي الآية تكرر معناه. # وقوله: { هذا صرط مستقيم } حكاية عن عيسى عليه ~~السلام ، إذ أشار إلى شرعه. ### || [43.66-67] # وقوله سبحانه: { هل ينظرون } يعني: قريشا، والمعنى: ينتظرون و { ~~بغتة } معناه: فجأة، ثم وصف سبحانه بعض حال القيامة، ~~فقال: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو } ، وذلك ~~لهول مطلعها والخوف المطيف بالناس فيها؛ يتعادى ويتباغض كل خليل ~~كان في الدنيا على غير تقى؛ لأنه يرى أن الضرر دخل عليه من ~~قبل خليله، وأما المتقون فيرون أن النفع ms1261 دخل من ~~بعضهم على بعض، هذا معنى كلام علي رضي الله عنه وخرج ~~البزار عن ابن عباس قال: # " قيل: يا رسول الله، أي جلسائنا خير؟ قال: من ~~ذكركم بالله رؤيته، وزادكم في علمكم منطقه، ~~وذكركم بالله عمله " # اه، فمن مثل هؤلاء تصلح الأخوة الحقيقية، والله ~~المستعان، ومن كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه : دليل ~~تخليطك صحبتك للمخلطين، ودليل انقطاعك صحبتك ~~للمنقطعين، وقال ابن عطاء الله في «التنوير»: قل ما تصفو ~~لك الطاعات، أو تسلم من المخالفات، مع الدخول في الأسباب، ~~لاستلزامها لمعاشرة الأضداد؛ ومخالطة أهل الغفلة والبعاد، ~~وأكثر ما يعينك على الطاعات رؤية المطيعين، وأكثر ما ~~يدخلك في الذنب رؤية المذنبين، كما قال عليه السلام ~~: # " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من ~~يخالل " # والنفس من شأنها التشبه والمحاكاة بصفات من قارنها، ~~فصحبة الغافلين معينة لها على وجود الغفلة، انتهى،، وفي ~~«الحكم الفارقية»: من ناسب شيئا انجذب إليه؛ وظهر وصفه ~~عليه، وفي «سماع العتبية» قال مالك: لا تصحب فاجرا؛ لئلا ~~تتعلم من فجوره، قال ابن رشد: لا ينبغي أن يصحب إلا من ~~يقتدى به في دينه وخيره؛ لأن قرين السوء يردي؛ قال الحكيم: ~~[الطويل] # [إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم # ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي] # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # انتهى. # * ت *: وحديث: # " المرء على دين خليله " # أخرجه أبو داود، وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما، وفي «الموطإ» من حديث ~~معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله ~~تبارك وتعالى: # " وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين ~~في، والمتباذلين في والمتزاورين في " # قال أبو عمر: إسناده صحيح عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ، وقد رواه ~~جماعة عن معاذ، ثم أسند أبو عمر من طريق أبي مسلم الخولاني، عن معاذ ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " المتحابون في الله على منابر من نور في ظل ~~العرش يوم لا ظل إلا ظله " # ، قال أبو مسلم: فخرجت فلقيت عبادة بن ms1262 الصامت، فذكرت له حديث ~~معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي ~~عن ربه: قال: # " حقت محبتي على المتحابين في، وحقت محبتي ~~على المتزاورين في، وحقت محبتي على ~~المتباذلين في،، والمتحابون في الله على منابر ~~من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله " # انتهى من «التمهيد». ### || [43.68-73] # وقوله تعالى: { يعباد } المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر ~~الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ~~ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: يا عبادي، لا خوف عليكم ~~اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلهم، فيتبعها: { ~~الذين ءامنوا بئايتنا وكانوا مسلمين } قال: ~~فييئس منها جميع الكفار. # وقوله: { الذين ءامنوا } نعت للعباد، و { تحبرون } معناه: ~~تنعمون وتسرون، و«الحبرة»: السرور، و«الأكواب»: ضرب من الأواني؛ ~~كالأباريق، إلا أنها لا آذان لها ولا مقابض. ### || [43.74-77] # وقوله تعالى: { إن المجرمين } يعني: الكفار، ~~و«المبلس»: المبعد اليائس من الخير؛ قاله قتادة وغيره، وقولهم: ~~{ ليقض علينا ربك } أي: ليمتنا ربك؛ فنستريح، ~~فالقضاء في هذه الآية: الموت؛ كما في قوله تعالى: # فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص:15] وروي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس؛ أن مالكا يقيم ~~بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ يقول لهم: { إنكم مكثون }. ### || [43.78-83] # وقوله سبحانه: { لقد جئنكم } يحتمل أن يكون من تمام ~~قول مالك لهم، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى لقريش، فيكون فيه ~~تخويف فصيح بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم؟!. # وقوله تعالى: { أم أبرموا أمرا } أي: أحكموا أمرا في المكر ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم { فإنا مبرمون } أي: محكمون ~~أمرا في نصره ومجازاتهم، والمراد ب«الرسل» هنا: الحفظة من ~~الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتعد للجزاء يوم القيامة. # «واختلف في قوله تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العبدين } فقال مجاهد: المعنى إن كان لله ولد ~~في قولكم، فأنا أول من عبد الله ووحده وكذبكم، وقال ~~ابن زيد وغيره: «إن»: نافية بمعنى «ما»؛ فكأنه قال: قل ما كان للرحمن ~~ولد، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ms1263 ثم يبتدىء قوله: { فأنا أول ~~العبدين } قال أبو حاتم قالت فرقة: العابدون في الآية: من ~~عبد الرجل: إذا أنف وأنكر، والمعنى: إن كان للرحمن ولد في قولكم، ~~فأنا أول الآنفين المنكرين لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن: «فأنا ~~أول العبدين» قال أبو حاتم: العبد بكسر الباء : ~~الشديد الغضب، وقال أبو عبيدة: معناه: أول الجاحدين، والعرب ~~تقول: عبدني حقي، أي: جحدني، وباقي الآية تنزيه لله سبحانه، ~~ووعيد للكافرين، و { يومهم الذى يوعدون } هو يوم القيامة، ~~هذا قول الجمهور، وقال عكرمة وغيره: هو يوم بدر. ### || [43.84-87] # وقوله جلت عظمته: { وهو الذى فى السماء إله... } ~~الآية، آية تعظيم وإخبار بألوهيته سبحانه، أي: هو النافذ ~~أمره في كل شيء، وقرأ عمر بن الخطاب، وأبي، وابن مسعود، ~~وغيرهم: «وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله» ~~وباقي الآية بين، ثم [أعلم سبحانه] أن من عبد من دون ~~الله لا يملك شفاعة يوم القيامة، إلا من شهد بالحق، وهم ~~الملائكة، وعيسى وعزير؛ فإنهم يملكون الشفاعة؛ بأن يملكها ~~الله إياهم؛ إذ هم ممن شهد بالحق، وهم يعلمونه، فالاستثناء ~~على هذا التأويل متصل، وهو تأويل قتادة، وقال مجاهد وغيره: ~~الاستثناء في المشفوع فيهم، فكأنه قال: لا يشفع هؤلاء الملائكة، ~~وعيسى، وعزير إلا فيمن شهد بالحق، أي: بالتوحيد فآمن على علم ~~وبصيرة، فالاستثناء على هذا التأويل منفصل، كأنه قال: لكن ~~من شهد بالحق؛ فيشفع فيهم هؤلاء، والتأويل الأول أصوب، وقرأ ~~الجمهور: «وقيله» بالنصب، وهو مصدر؛ كالقول، والضمير فيه ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف في الناصب له، فقالت ~~فرقة: هو معطوف على قوله: { سرهم ونجوهم } ولفظ البخاري { ~~وقيله يرب }: تفسيره: أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم [و] لا نسمع قيله يا رب، انتهى،، وقيل: العامل ~~فيه { يكتبون } ونزل قوله تعالى: { وقيله يرب } بمنزلة ~~شكوى محمد عليه السلام واستغاثته من كفرهم ~~وعتوهم، وقرأ حمزة وعاصم: «وقيله» بالخفض؛ عطفا على الساعة. # وقوله سبحانه: { فاصفح عنهم }: موادعة منسوخة { وقل ~~سلم } تقديره: أمري سلام، أي: مسالمة { فسوف يعلمون ~~}. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-3] # { حم ms1264 * والكتب المبين * إنا أنزلنه فى ليلة ~~مبركة... } الآية، قوله: { والكتب المبين } قسم ~~أقسم الله تعالى به، وقوله: { إنا أنزلنه } يحتمل أن يقع ~~القسم عليه، ويحتمل أن يكون وصفا للكتاب، ويكون الذي وقع القسم ~~عليه { إنا كنا منذرين } ، واختلف في تعيين الليلة ~~المباركة، فقال قتادة، والحسن، وابن زيد: هي ليلة القدر، ومعنى هذا ~~النزول أن ابتداء نزوله كان في ليلة القدر؛ وهذا قول الجمهور،، ~~وقال عكرمة: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، قال ~~القرطبي: والصحيح أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر ~~حكيم، ليلة القدر من شهر رمضان، وهي الليلة المباركة، انتهى ~~من «التذكرة»، ونحوه لابن العربي. ### || [44.4-17] # وقوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم } معناه يفصل ~~من غيره ويتخلص، فعن عكرمة أن الله تعالى يفصل ~~ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان، وفي بعض الأحاديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ أنه قال: # " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن ~~الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في ~~الموتى " # وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يفصل في ليلة القدر كل ما في العام ~~المقبل، من الأقدار، والأرزاق، والآجال، وغير ذلك، و { أمرا } ~~نصب على المصدر. # وقوله: { إنا كنا مرسلين } يحتمل أن يريد الرسل ~~والأشياء، ويحتمل أن يريد الرحمة التي ذكر بعد، واختلف الناس ~~في «الدخان» الذي أمر الله تعالى بارتقابه، فقالت فرقة؛ منها علي، ~~وابن عباس، وابن عمر، والحسن بن أبي الحسن، وأبو سعيد ~~الخدري: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة، يصيب المؤمن منه ~~مثل الزكام، وينضح رؤوس المنافقين والكافرين، حتى تكون ~~كأنها مصلية حنيذة، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد ~~رأته قريش حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع ~~يوسف، فكان الرجل يرى من الجوع دخانا بينه وبين السماء؛ وما ~~يأتي من الآيات يؤيد هذا التأويل، وقولهم: { إنا مؤمنون } ~~كان ذلك منهم من غير حقيقة، ثم قال تعالى: { أنى لهم ~~الذكرى } أي: من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد حلول ~~العذاب؟ { وقد جاءهم رسول مبين ms1265 } يعني: محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ف { تولوا عنه } ، أي: أعرضوا { وقالوا ~~معلم مجنون }. # وقوله: { إنكم عائدون } أي: إلى الكفر، واختلف في يوم ~~البطشة الكبرى، فقالت فرقة: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود ~~وغيره: هو يوم بدر. ### || [44.18-24] # وقوله: { أن أدوا } مأخوذ من الأداء، كأنه يقول: أن ادفعوا ~~إلي، وأعطوني، ومكنوني من بني إسرائيل، وإياهم أراد بقوله: { ~~عباد الله } ، وقال ابن عباس: المعنى: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه ~~من الحق، فعباد الله على هذا منادى مضاف، والمؤدى هي الطاعة، ~~والظاهر من شرع موسى عليه السلام أنه بعث إلى دعاء ~~فرعون إلى الإيمان، وأن يرسل بني إسرائيل، فلما أبى أن يؤمن ~~ثبتت المكافحة في أن يرسل بني إسرائيل وقوله بعد: { وإن لم ~~تؤمنوا لى فاعتزلون } كالنص في أنه آخر الأمر، ~~إنما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط. # وقوله: { وأن لا تعلوا على الله... } الآية: المعنى: كانت ~~رسالته، وقوله: { أن أدوا } { وأن لا تعلوا على الله ~~} أي: على شرع الله، وعبر بالعلو عن الطغيان والعتو، و { ~~أن ترجمون } معناه: الرجم بالحجارة المؤدي إلى القتل؛ قاله ~~قتادة وغيره، وقيل: أراد الرجم بالقول، والأول أظهر؛ لأنه الذي عاذ ~~منه، ولم يعذ من الآخر. # * قلت *: وعن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله ~~فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى ~~إليكم بمعروف فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا ~~له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " # ، رواه أبو داود، والنسائي والحاكم، وابن حبان في «صحيحيهما»، ~~واللفظ للنسائي، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ~~يعني البخاري ومسلما اه من «السلاح». # وقوله: { فاعتزلون } متاركة صريحة، قال قتادة: أراد خلوا ~~سبيلي. # وقوله: { فدعا ربه } قبله محذوف، تقديره: فما أجابوه لما ~~طلب منهم. # وقوله: { فأسر } قبله محذوف، أي: قال الله له فأسر ~~بعبادي، قال ابن العربي في «أحكامه»: السرى: سير الليل، ~~و«الإدلاج» سير السحر، و«التأويب»: سير النهار، ويقال: ~~سرى وأسرى انتهى. # انتهى، واختلف في قوله تعالى: { واترك البحر رهوا } متى ~~قالها لموسى؟ فقالت فرقة: ms1266 هو كلام متصل بما قبله، وقال قتادة ~~وغيره: خوطب به بعد ما جاز البحر، وذلك أنه هم أن يضرب ~~البحر؛ ليلتئم؛ خشية أن يدخل فرعون وجنوده وراءه، و { ~~رهوا } معناه: ساكنا كما جزته، قاله ابن عباس، وهذا القول هو ~~الذي تؤيده اللغة؛ ومنه قول القطامي: [البسيط] # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة # ولا الصدور على الأعجاز تتكل # ومنه: [البسيط] # وأمة خرجت رهوا إلى عيد # .......................... # أي: خرجوا في سكون وتمهل. # فقيل لموسى عليه السلام : اترك البحر ساكنا على حاله ~~من الانفراق؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ### || [44.25-36] # وقوله تعالى: { كم تركوا } «كم» للتكثير، أي: كم ترك هؤلاء ~~المغترون من كثرة الجنات والعيون، فروي أن الجنات ~~كانت متصلة ضفتي النيل جميعا من رشيد إلى أسوان، ~~وأما العيون فيحتمل أنه أراد الخلجان، فشبهها بالعيون، ~~ويحتمل أنها كانت ونضبت، ذكر الطرطوشي في «سراج الملوك» ~~له، قال: قال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج ~~إلى دمشق، فركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك، فنظر إلى ~~قصورها، ثم خرج، فنظر إلى دير هناك قديم حسن البناء بين ~~مزارع وأشجار، فدخله، فبينما هو يطوف به إذ بصر برقعة قد ~~ألصقت في صدره؛ فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات: ~~[الطويل] # أيا منزلا بالدير أصبح خاليا # تلاعب فيه شمأل ودبور # كأنك لم يسكنك بيض أوانس # ولم تتبختر في قبابك حور # وأبناء أملاك غواشم سادة # صغيرهمو عند الأنام كبير # إذا لبسوا أدراعهم فعوابس # وإن لبسوا تيجانهم فبدور # على أنهم يوم اللقاء ضراغم # وأنهمو يوم النوال بحور # ليالي هشام بالرصافة قاطن # وفيك ابنه يا دير وهو أمير # إذ العيش غض والخلافة لذة # وأنت طروب والزمان غرير # وروضك مرتاد ونورك مزهر # وعيش بني مروان فيك نضير # بلى فسقاك الغيث صوب سحائب # عليك لها بعد الرواح بكور # تذكرت قومي فيكما فبكيتهم # بشجو ومثلي بالبكاء جدير # فعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى # لها ذكر قومي أنة وزفير # لعل زمانا جار يوما عليهمو # لهم بالذي تهوى النفوس يدور # فيفرح محزون ms1267 وينعم بائس # ويطلق من ضيق الوثاق أسير # رويدك إن الدهر يتبعه غد # وإن صروف الدائرات تدور # فلما قرأها المتوكل، ارتاع، ثم دعا صاحب الدير، فسأله عمن ~~كتبها، فقال: لا علم لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عبرة ~~لأولي البصائر المستيقظين،، اللهم، لا تجعلنا ممن اغتر ~~بزخارف هذه الدار!!. # [من الطويل] # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم # وما خير عيش لا يكون بدائم # وقرأ جمهور الناس: «ومقام» بفتح الميم ؛ قال ابن عباس وغيره: ~~أراد المنابر. # وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة: أراد: المواضع الحسان من المساكن ~~وغيرها، والقول بالمنابر بعيد جدا، و«النعمة» بفتح النون ~~: غضارة العيش ولذاذة الحياة، «والنعمة» بكسر النون ~~: أعم من هذا كله، وقد تكون الأمراض والمصائب نعما، ولا ~~يقال فيها: «نعمة» بالفتح ، وقرأ الجمهور: «فاكهين» ومعناه: ~~فرحين مسرورين { كذلك وأورثنها قوما ءاخرين } أي: ~~بعد القبط، وقال قتادة: هم بنو إسرائيل، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبي ~~عن الحسن؛ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك ~~فرعون، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: { فما بكت ~~عليهم السماء والأرض } ، فقال ابن عباس وغيره: وذلك أن ~~الرجل المؤمن إذا مات، بكى عليه من الأرض موضع عباداته ~~أربعين صباحا، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، قالوا: ~~ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله، فتبكي عليهم السماء ~~والأرض، قال * ع *: والمعنى الجيد في الآية: أنها استعارة ~~فصيحة تتضمن تحقير أمرهم، وأنه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا ينتطح فيها عنزان " # ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، ~~إلا بكت عليه السماء والأرض، ثم قرأ هذه الآية، ~~وقال: إنهما لا يبكيان على كافر " # قال الداوودي. وعن مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء ~~والأرض، وقال: أفي هذا عجب؟! وما للأرض لا تبكي على عبد كان ~~يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان ~~لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل؟! انتهى. # وروى ms1268 ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا الأوزاعي قال: حدثني ~~عطاء الخراساني، قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في ~~بقعة من بقاع الأرض، إلا شهدت له يوم القيامة، وبكت ~~عليه يوم يموت، انتهى، وروى ابن المبارك أيضا عن أبي عبيد ~~صاحب سليمان «أن العبد المؤمن إذا مات تنادت بقاع الأرض: ~~عبد الله المؤمن مات قال: فتبكي عليه السماء ~~والأرض، فيقول الرحمن تبارك وتعالى: ما يبكيكما ~~على عبدي؟ فيقولان: يا ربنا، لم يمش على ~~ناحية منا قط إلا وهو يذكرك» اه. # و { منظرين } أي: مؤخرين { العذاب المهين }: هو ذبح ~~الأبناء، والتسخير، وغير ذلك. # وقوله: { على علم } أي: على شيء قد سبق عندنا فيهم، ~~وثبت في علمنا أنه سينفذ، ويحتمل أن يكون معناه: على علم ~~لهم وفضائل فيهم على العالمين، أي: عالمي زمانهم؛ بدليل أن ~~أمة محمد خير أمة أخرجت للناس { وءاتينهم من ~~الأيت }: لفظ جامع لما أجرى الله من الآيات على يدي موسى، ولما ~~أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع: الاختبار والامتحان؛ ~~كما قال تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء:35]، و { مبين } بمعنى: بين ثم ذكر تعالى قريشا ~~على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبعث، فقال: { إن هؤلاء ~~ليقولون * إن هى } أي: ما هي { إلا موتتنا الأولى ~~وما نحن بمنشرين } أي: بمبعوثين، وقول قريش: { فأتوا ~~بئابائنا } مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم طلبوا منه ~~أن يحيي الله لهم بعض آبائهم، وسموا له قصيا ~~وغيره، كي يسألوهم عما رأوا في آخرتهم. ### || [44.37-42] # وقوله سبحانه: { أهم خير أم قوم تبع... } الآية، آية ~~تقرير ووعيد، و { تبع }: ملك حميري، وكان يقال لكل ملك ~~منهم: «تبع» إلا أن المشار إليه في هذه الآية رجل صالح؛ ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق سهل بن سعد «أن ~~تبعا هذا أسلم وآمن بالله»، وقد ذكره ابن إسحاق في ~~السيرة، قال السهيلي: وبعد ما غزا تبع المدينة، وأراد ~~خرابها أخبر بأنها مهاجر نبي اسمه أحمد، ~~فانصرف عنها، وقال فيه شعرا وأودعه عند أهلها، فكانوا ms1269 يتوارثونه ~~كابرا عن كابر، إلى أن هاجر إليهم النبي عليه السلام ~~فأدوه إليه، ويقال: إن الكتاب والشعر [كانا] عند أبي أيوب ~~الأنصاري [ومنه]: [من المتقارب] # شهدت على أحمد أنه # رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره # لكنت وزيرا له وابن عم # وذكر الزجاج، وابن أبي الدنيا: أنه حفر قبر ب«صنعاء» في ~~الإسلام، فوجد فيه امرأتان صحيحتان، وعند رأسهما لوح من فضة ~~مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر حبى ولميس، ويروى: ~~وتماضر ابنتي تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله ~~إلا الله، ولا تشركان به شيئا، وعلى ذلك مات ~~الصالحون قبلهما، انتهى، و { يوم الفصل }: هو يوم ~~القيامة وهذا هو الإخبار بالبعث، و«المولى» في هذه الآية: ~~يعم جميع الموالي. ### || [44.43-49] # وقوله سبحانه: { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم } ~~روي عن ابن زيد؛ أن الأثيم المشار إليه أبو جهل، ثم هي ~~بالمعنى تتناول كل أثيم، وهو كل فاجر، روي أنها لما ~~نزلت، جمع أبو جهل عجوة وزبدا، وقال لأصحابه: ~~تزقموا، فهذا هو الزقوم، وهو طعامي الذي حدث به ~~محمد، قال * ع *: وإنما قصد بذلك ضربا من المغالطة والتلبيس ~~على الجهلة. # وقوله سبحانه: { كالمهل } قال ابن عباس، وابن عمر: «المهل»: ~~دردي الزيت وعكره، وقال ابن مسعود وغيره: «المهل»: ~~ما ذاب من ذهب أو فضة، والمعنى: أن هذه الشجرة إذا ~~طعمها الكافر في جهنم، صارت في جوفه تفعل كما يفعل ~~المهل المذاب من الإحراق والإفساد،، و { الحميم }: الماء ~~السخن الذي يتطاير من غليانه. # وقوله: { خذوه... } الآية، أي: يقال يومئذ للملائكة: خذوه، يعني ~~الأثيم { فاعتلوه } و«العتل»: السوق بعنف وإهانة، ~~ودفع قوي متصل، كما يساق أبدا مرتكب الجرائم، ~~و«السواء»: الوسط، وقيل: المعظم، وذلك متلازم. # وقوله تعالى: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } مخاطبة ~~على معنى التقريع. ### || [44.50-54] # وقوله سبحانه: { إن هذا ما كنتم به تمترون }: عبارة ~~عن قول يقال للكفرة، ثم ذكر تعالى حالة المتقين، فقال: { ~~إن المتقين فى مقام أمين } أي: مأمون، «والسندس»: ~~رقيق الحرير، و«الإستبرق»: خشنه. # وقوله: { متقبلين }: وصف لمجالس أهل الجنة، لأن ~~بعضهم ms1270 لا يستدبر بعضا في المجالس، وقرأ الجمهور: { وزوجنهم ~~بحور عين } وقرأ ابن مسعود: «بعيس عين» وهو جمع «عيساء»، ~~وهي البيضاء؛ وكذلك هي من النوق، وروى أبو قرصافة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين " # قال الثعلبي: قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهن ~~وصفاء لونهن، يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى ~~الناظر وجهه في كعب إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء ~~اللون، انتهى. ### || [44.55-59] # وقوله سبحانه: { يدعون فيها بكل فكهة } أي: يدعون ~~الخدمة والمتصرفين. # قال أبو حيان: { إلا الموتة }: استثناء منقطع، أي: لكن ~~الموتة الأولى ذاقوها، انتهى،، والضمير في { يسرنه } عائد ~~على القرآن { بلسانك } أي: بلغة العرب؛ قال الواحدي: { ~~لعلهم يتذكرون }: أي: يتعظون، انتهى، وفي قوله تعالى: ~~{ فارتقب إنهم مرتقبون } وعد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ووعيد للكافرين. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-8] # قوله عز وجل: { حم * تنزيل الكتب من الله العزيز ~~الحكيم * إن فى السموات والأرض لأيت ~~للمؤمنين } قال أبو حيان: أجاز الفخر الرازي في { ~~العزيز الحكيم } أن يكونا صفتين ل«الله»، وهو الراجح، أو ~~ل«الكتاب»؛ ورد بأنه لا يجوز أن يكونا صفتين للكتاب من وجوه، ~~انتهى. # وذكر تبارك وتعالى هنا الآيات التي في السموات والأرض ~~مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها ~~الفكر، ويخبر بكثير منها الشرع؛ فلذلك جعلها للمؤمنين، ثم ذكر ~~سبحانه خلق البشر والحيوان، وكأنه أغمض؛ فجعله للموقنين الذين لهم ~~نظر يؤديهم إلى اليقين، ثم ذكر اختلاف الليل والنهار، والعبرة ~~بالمطر والرياح، فجعل ذلك لقوم يعقلون؛ إذ كل عاقل يحصل هذه ~~ويفهم قدرها. # قال * ع *: وإن كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد، فإن ~~اللفظ يعطيه، والرزق المنزل من السماء هو: الماء، وسماه ~~الله سبحانه رزقا بمآله، لأن جميع ما يرتزق، ~~فعن الماء هو. # وقوله: { نتلوها عليك بالحق } أي: بالصدق والإعلام بحقائق ~~الأمور في أنفسها. # وقال جلت عظمته: { فبأى حديث بعد الله وءايته ~~يؤمنون } آية تقريع وتوبيخ، وفيها قوة تهديد، والأفاك: ~~الكذاب الذي يقع منه الإفك مرارا، والأثيم: ms1271 بناء ~~مبالغة، اسم فاعل من أثم يأثم، وروي أن سبب الآية أبو ~~جهل، وقيل: النضر بن الحارث، والصواب أنها عامة فيهما ~~وفي غيرهما، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة ~~إلى يوم القيامة و { يصر } معناه: يثبت على عقيدته من ~~الكفر. # وقوله: { فبشره بعذاب أليم } أي: مؤلم. ### || [45.9-10] # وقوله تعالى: { وإذا علم من ءايتنا شيئا } أي: ~~أخبر بشيء من آياتنا، فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه ~~الخبر، ولو علم المعاني التي تضمنها أخبار الشرع، ~~وعرف حقائقها لكان مؤمنا. # * ت *: وفي هذا نظر؛ لأنه ينحو إلى القول بأن الكفر لا ~~يتصور عنادا محضا، وقد تقدم اختياره رحمه الله ~~ لذلك في غير هذا المحل، فقف عليه، وخشية الإطالة ~~منعتني من تكراره هنا. ### || [45.11-13] # وقوله سبحانه: { هذا هدى } إشارة إلى القرآن. # وقوله: { لهم عذاب } بمنزلة قولك: لهم حظ، فمن هذه الجهة ~~ومن جهة تغاير اللفظين حسن قوله: { عذاب من رجز ~~} ، إذ الرجز هو العذاب. # وقوله: { لتجرى الفلك فيه بأمره } أقام القدرة ~~والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك، وقرأ ~~مسلمة بن محارب: «جميعا منه» بضم التاء، وقرأ أيضا: ~~«جميعا منه» [بفتح الميم وشد النون والهاء] وقرأ ابن عباس: ~~«منة» بالنصب على المصدر. # وقوله تعالى: { إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون } ~~قال الغزالي في «الإحياء»: الفكر والذكر أعلى مقامات ~~الصالحين، وقال رحمه الله : اعلم أن الناظرين بأنوار ~~البصيرة علموا أن لا نجاة إلا في لقاء الله عز وجل، وأنه ~~لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبا لله تعالى، ~~وعارفا به، وأن المحبة والأنس لا يتحصلان إلا بدوام ~~ذكر المحبوب، وأن المعرفة لا تحصل إلا بدوام الفكر، ولن ~~يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها ~~والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة،، ثم قال: والقرآن ~~جامع لفضل الذكر والفكر والدعاء مهما كان بتدبر، ~~انتهى. ### || [45.14-17] # وقوله تعالى: { قل للذين ءامنوا يغفروا... } الآية، قال ~~أكثر الناس: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقالت فرقة: بل ~~هي محكمة؛ قال * ع *: الآية تتضمن الغفران عموما، فينبغي ms1272 ~~أن يقال: إن الأمور العظام، كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك ~~ قد نسخت غفرانه، آية السيف والجزية، وما أحكمه ~~الشرع لا محالة، وأن الأمور الحقيرة كالجفاء في القول ونحو ~~ذلك تحتمل أن تبقى محكمة، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى ~~التقوى. # وقوله { أيام الله } قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونصره، ~~وتنعيمه في الجنة، وغير ذلك، وقال مجاهد: { أيام الله }: أيام ~~نقمه وعذابه، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم... } الآية، قد تقدم بيان نظيرها في ~~سورة يونس وغيرها. ### || [45.18-20] # وقوله سبحانه: { ثم جعلنك على شريعة من الأمر... ~~} الآية: «الشريعة» لغة: مورد المياه، وهي في الدين من ذلك؛ ~~لأن الناس يردون الدين ابتغاء رحمة الله والتقرب منه، ~~و«الأمر» واحد الأمور، ويحتمل أن يكون واحد الأوامر، و { ~~الذين لا يعلمون } هم: الكفار، وفي قوله تعالى: { وإن ~~الظلمين بعضهم أولياء بعض والله ولى ~~المتقين } تحقير للكفرة من حيث خروجهم عن ولاية الله تعالى. # * ت *: وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم أحد: # " أجيبوهم فقولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم " # ، وذلك أن قريشا قالوا للصحابة: لنا العزى، ولا عزى ~~لكم. # وقوله عز وجل: { هذا بصئر للناس } يريد: القرآن، وهو جمع ~~«بصيرة»، وهو المعتقد الوثيق في الشيء، كأنه من إبصار ~~القلب؛ قال أبو حيان: قرىء: «هذه» أي: هذه الآيات، انتهى. ### || [45.21-22] # وقوله سبحانه: { أم حسب الذين اجترحوا السيئت } ~~قيل: إن الآية نزلت بسبب افتخار كان للكفار على المؤمنين، ~~قالوا: لئن كانت آخرة، كما تزعمون، لنفضلن عليكم فيها، ~~كما فضلنا في الدنيا. # و { اجترحوا } معناه: اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حال ~~العصاة من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يبكون عنده، وروي ~~عن الربيع بن خيثم، أنه كان يرددها ليلة حتى ~~أصبح، وكذلك عن الفضيل بن عياض، وكان يقول لنفسه: ليت ~~شعري! من أي الفريقين أنت؟ وقال الثعلبي: كانت هذه ~~الآية تسمى مبكاة العابدين، قال * ع *: وأما لفظها فيعطى ~~أنه اجتراح الكفر، بدليل معادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون ~~المعادلة ms1273 بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في ~~الفريقين، ولهذا بكى الخائفون رضي الله عنهم . # * ت *: وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده؛ أن تميما الداري ~~ رضي الله عنه بات ليلة إلى الصباح، يركع ويسجد، ~~ويردد هذه الآية: { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئت } الآية، ويبكي رضي الله عنه ، انتهى. # وقوله: { ساء ما يحكمون }: «ما» مصدرية، والتقدير: ساء ~~الحكم حكمهم. ### || [45.23-24] # وقوله سبحانه: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه... } ~~الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لا تهتم بأمر ~~الكفرة من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله: { إلهه هواه } ~~إشارة إلى الأصنام؛ إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة، وقال ~~قتادة: المعنى: لا يهوى شيئا إلا ركبه، لا يخاف الله؛ فهذا ~~كما يقال: الهوى إله معبود، وهذه الآية وإن كانت نزلت في ~~هوى الكفر؛ فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة؛ قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على ~~الله " # ، وقال سهل التستري: هواك داؤك؛ فإن خالفته ~~فدواؤك،، وقال وهب: إذا عرض لك أمران، وشككت في خيرهما، ~~فانظر أبعدهما من هواك فأته؛ ومن الحكمة في هذا قول ~~القائل: [الطويل] # إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى # إلى كل ما فيه عليك مقال # قال الشيخ ابن أبي جمرة: قوله صلى الله عليه وسلم: # " فيقال: من كان يعبد شيئا فليتبعه " # «شيئا» يعم جميع الأشياء، مدركة كانت أو غير مدركة، ~~فالمدرك: كالشمس والقمر، وغير المدرك، مثل: الملائكة ~~والهوى؛ لقوله عز وجل: { أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه } ، وما أشبه ذلك، انتهى،، قال القشيري في «رسالته»: ~~وحكي عن أبي عمران الواسطي قال: انكسرت بنا السفينة، فبقيت ~~أنا وامرأتي على لوح، وقد ولدت في تلك الحال صبية، ~~فصاحت بي، وقالت: يقتلني العطش، فقلت: هو ذا يرى ~~حالنا، فرفعت رأسي، فإذا رجل في الهواء جالس في يده سلسلة ~~من ذهب، وفيها كوز من ياقوت أحمر، فقال: هاك، اشربا، ~~قال: فأخذت الكوز فشربنا منه، فإذا هو أطيب من المسك، ~~وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، فقلت: من أنت ms1274 ~~رحمك الله؟ فقال: عبد لمولاك، فقلت له: بم وصلت ~~إلى هذا؟ فقال: تركت هواي لمرضاته، فأجلسني في الهواء، ~~ثم غاب عني، ولم أره، انتهى. # وقوله تعالى: { على علم } قال ابن عباس: المعنى: على علم من ~~الله تعالى سابق، وقالت فرقة: أي: على علم من هذا الضال ~~بتركه للحق وإعراضه عنه، فتكون الآية على هذا التأويل من ~~آيات العناد؛ من نحو قوله: # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # [النمل:14]. # وقوله تعالى: { وختم على سمعه وقلبه وجعل على ~~بصره غشوة } استعارات كلها. # وقوله: { من بعد الله } فيه حذف مضاف، تقديره: من بعد ~~إضلال الله إياه، واختلف في معنى قولهم: { نموت ونحيا } ~~فقالت فرقة: المعنى: يموت الآباء، ويحيا الأبناء، وقالت فرقة: ~~المعنى: نحيا ونموت، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، وقولهم: { ~~وما يهلكنا إلا الدهر } أي: طول الزمان. ### || [45.25-29] # وقوله سبحانه: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } ~~يعني: قريشا، { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بئابائنا } أي: يا محمد، أحي لنا قصيا حتى ~~نسأله، إلى غير ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، ومعنى { ~~إن كنتم صدقين } أي: في قولكم أنا نبعث بعد الموت. # ثم أمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم بالحال السابقة في علم الله ~~التي لا تبدل بأنه يحيي الخلق ثم يميتهم.... إلى آخر الآية،، ~~وباقي الآية بين. # و { المبطلون }: الداخلون في الباطل. # وقوله سبحانه: { وترى كل أمة جاثية } هذا وصف حال ~~القيامة وهولها، والأمة: الجماعة العظيمة من الناس، وقال مجاهد: ~~الأمة: الواحد من الناس؛ قال * ع *: وهذا قلق في اللغة، وإن قيل في ~~إبراهيم «أمة» وفي قس بن ساعدة، فذلك تجوز على جهة ~~التشريف والتشبيه، و { جاثية } معناه: على الركب؛ قاله مجاهد ~~وغيره، وهي هيئة المذنب الخائف، وقال سليمان: في القيامة ~~ساعة قدر عشر سنين، يخر الجميع فيها جثاة على الركب. # وقوله: { كل أمة تدعى إلى كتبها } قالت فرقة: ~~معناه: إلى كتابها المنزل عليها، فتحالكم إليه، هل وافقته ~~أو خالفته؟ وقالت فرقة: أراد إلى كتابها الذي كتبته الحفظة على ~~كل واحد من ms1275 الأمة. # وقوله سبحانه: { هذا كتبنا } يحتمل أن تكون الإشارة إلى ~~الكتب المنزلة، أو إلى اللوح المحفوظ أو إلى كتب الحفظة؛ ~~وقال ابن قتيبة: إلى القرآن. # وقوله سبحانه: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ~~قال الحسن: هو كتب الحفظة على بني آدم، وروى ابن عباس وغيره ~~حديثا؛ أن الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد ~~كل يوم خميس، فينقل من الصحف التي كانت ~~ترفع الحفظة كل ما هو معد أن يكون عليه ~~ثواب أو عقاب، ويلغى الباقي؛ فهذا هو النسخ من ~~أصل. ### || [45.30-33] # وقوله عز وجل: { فأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت فيدخلهم ربهم * فى رحمته } أي: في ~~جنته. # { وأما الذين كفروا أفلم تكن } أي: فيقال لهم: { ~~أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } وقرأ حمزة وحده: ~~«والساعة» بالنصب ؛ عطفا على قوله: { وعد الله } ، ~~وقرأ ابن مسعود: «وأن الساعة لا ريب فيها»، وباقي الآية ~~بين. # وقوله سبحانه: { وبدا لهم سيئت ما عملوا... } الآية، ~~حكاية حال يوم القيامة { وحاق } معناه: نزل وأحاط، وهي ~~مستعملة في المكروه، وفي قوله: { ما كانوا } حذف مضاف، ~~تقديره: جزاء ما كانوا به يستهزئون. ### || [45.34-37] # وقوله عز وجل: { وقيل اليوم ننساكم } معناه: نترككم كما ~~تركتم لقاء يومكم هذا، و { آيات الله } هنا: لفظ جامع لآيات ~~القرآن وللأدلة التي نصبها الله تعالى، للنظر، { ولا ~~هم يستعتبون } أي: لا يطلب منهم مراجعة إلى عمل ~~صالح. # وقوله سبحانه: { فلله الحمد رب السموات الأرض... ~~} إلى آخر السورة تحميد لله عز وجل، وتحقيق لألوهيته، ~~وفي ذلك كسر لأمر الأصنام وسائر ما تعبده الكفرة، و { ~~الكبرياء }: بناء مبالغة. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-5] # وقوله سبحانه: { حم * تنزيل الكتب } يعني: القرآن. # وقوله سبحانه: { ما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا ~~عما أنذروا معرضون }: هذه الآية موعظة، وزجر، المعنى: ~~فانتبهوا أيها الناس، وانظروا ما يراد بكم ولم خلقتم، ~~«والأجل المسمى»: هو يوم القيامة. # وقوله: { قل أرأيتم ما تدعون } [معناه:] ما تعبدون، ~~ثم وقفهم على السموات؛ هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم ~~كتابا منزلا قبل القرآن ms1276 يتضمن عبادة الأصنام، قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: هذه الآية من أشرف آية في القرآن؛ فإنها ~~استوفت الدلالة على الشرائع عقليها وسمعيها؛ لقوله ~~عز وجل : { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ~~أرونى ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك فى ~~السموات } فهذا بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد، ~~وحدوث العالم، وانفراد الباري تعالى بالقدرة والعلم والوجود ~~والخلق، ثم قال: { ائتونى بكتب من قبل هذا }: على ~~ما تقولون، وهذا بيان لأدلة السمع؛ فإن مدرك الحق إنما يكون ~~بدليل العقل أو بدليل الشرع، حسبما بيناه من مراتب الأدلة في ~~كتب الأصول، ثم قال: { أو أثرة من علم } يعني: أو علم ~~يؤثر، أي: يروى وينقل، وإن لم يكن مكتوبا، انتهى. # وقوله: { أو أثرة } معناه: أو بقية قديمة من علم أحد ~~العلماء، تقتضي عبادة الأصنام، و«الأثارة» البقية من الشيء، وقال ~~الحسن: المعنى: من علم تستخرجونه فتثيرونه، وقال مجاهد: ~~المعنى: هل من أحد يأثر علما في ذلك، وقال القرطبي: هو ~~الإسناد؛ ومنه قول الأعشى: من [السريع] # إن الذي فيه تماريتما # بين للسامع والآثر # أي: وللمسند عن غيره، وقال ابن عباس: الأثارة: الخط في التراب، ~~وذلك شيء كانت العرب تفعله، والضمير في قوله: { وهم عن ~~دعائهم غفلون } هو للأصنام في قول جماعة، ويحتمل أن يكون ~~لعبدتها. ### || [46.6-9] # وقوله سبحانه: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء } ~~وصف ما يكون يوم القيامة بين الكفار وأصنامهم من التبري ~~والمناكرة، وقد بين ذلك في غير هذه الآية. # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } أي: آيات القرآن، { قال ~~الذين كفروا للحق } يعني: القرآن { هذا سحر مبين ~~} أي: يفرق بين المرء وبنيه. # وقوله سبحانه: { قل إن افتريته فلا تملكون لى من ~~الله شيئا } المعنى: إن افتريته، فالله حسبي في ذلك، وهو كان ~~يعاقبني ولا يمهلني، ثم رجع القول إلى الاستسلام إلى الله، ~~والاستنصار به عليهم، وانتظار ما يقتضيه علمه بما يفيضون ~~فيه من الباطل ومرادة الحق، وذلك يقتضي معاقبتهم؛ ففي ~~اللفظ تهديد، والضمير في { به } عائد على الله عز وجل. # وقوله سبحانه: { وهو الغفور ms1277 الرحيم } ترجية واستدعاء إلى ~~التوبة، ثم أمره عز وجل أن يحتج عليهم بأنه لم يكن بدعا من ~~الرسل، والبدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله، المعنى: ~~قد جاء قبلي غيري؛ قاله ابن عباس وغيره. # * ت *: ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: { بدعا من الرسل } أي: ~~لست بأول الرسل، واختلف الناس في قوله: { وما أدرى ما ~~يفعل بى ولا بكم } فقال ابن عباس وجماعة: كان هذا في صدر ~~الإسلام، ثم بعد ذلك عرفه الله عز وجل بأنه قد غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل ~~كبير، وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم؛ والحديث ~~الصحيح الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيد هذا، ~~وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر ~~والنواهي، وقيل غير هذا. # وقوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } معناه: ~~الاستسلام والتبري من علم المغيبات، والوقوف مع ~~النذارة من عذاب الله عز وجل. ### || [46.10-14] # وقوله عز وجل: { قل أرءيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بنى إسرءيل... } الآية، ~~جواب هذا التوقيف محذوف، تقديره: أليس قد ظلمتم؟! ودل على هذا ~~المقدر قوله تعالى: { إن الله لا يهدى القوم ~~الظلمين } قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية، والشاهد عبد ~~الله بن سلام، وقد قال عبد الله بن سلام: في ~~نزلت، وقال مسروق بن الأجدع والجمهور: الشاهد موسى بن ~~عمران عليه السلام ، والآية مكية، ورجحه الطبري. # وقوله: { على مثله } يريد بالمثل التوراة، والضمير عائد في هذا ~~التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أنه من عند ~~الله سبحانه. # وقوله: { فئامن } ، على هذا التأويل، يعني به تصديق موسى ~~وتبشيره بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله سبحانه: { ومن قبله } أي: من قبل القرآن { كتاب ~~موسى } يعني: التوراة { وهذا كتب } يعني القرآن { ~~مصدق } للتوراة التي تضمنت خبره، وفي مصحف ابن مسعود: ~~«مصدق لما بين يديه» و { الذين ظلموا } هم: ~~الكفار، وعبر عن المؤمنين بالمحسنين؛ ms1278 ليناسب لفظ «الإحسان» في ~~مقابلة «الظلم». # ثم أخبر تعالى عن حسن [حال] المستقيمين، وذهب كثير من الناس إلى ~~أن المعنى: ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه المعنى: ثم استقاموا بالدوام على ~~الإيمان؛ قال * ع *: وهذا أعم رجاء وأوسع، وإن كان في الجملة ~~المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد، فهو ممن يخلد في ~~الجنة، وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة. # وقوله تعالى: { جزاء بما كانوا يعملون } قد جعل الله ~~سبحانه الأعمال أمارات على ما سيصير إليه العبد، لا ~~أنها توجب على الله شيئا. ### || [46.15-16] # وقوله سبحانه: { ووصينا الإنسن } يريد: النوع، أي: هكذا ~~مضت شرائعي وكتبي، فهي وصية من الله في عباده، وبر ~~الوالدين واجب، وعقوقهما كبيرة، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن ~~لا إله إلا الله، ودعوة الوالدين " # قال * ع *: ولن يدعوا في الغالب إلا إذا ظلمهما الولد، فهذا ~~يدخل في عموم قوله عليه السلام : # " اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين ~~الله حجاب " # ثم عدد سبحانه على الأبناء منن الأمهات. # وقوله تعالى: { حملته أمه كرها } قال مجاهد، والحسن، ~~وقتادة: حملته مشقة، ووضعته مشقة، قال أبو حيان: { ~~وحمله } على حذف مضاف، أي: مدة حمله، انتهى. # وقوله: { ثلاثون شهرا } يقتضى أن مدة الحمل والرضاع هي ~~هذه المدة، وفي البقرة: # والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين # [البقرة:233] فيترتب من هذا أن أقل مدة الحمل ستة ~~أشهر، وأقل ما يرضع الطفل عام وتسعة أشهر، وإكمال ~~الحولين هو لمن أراد أن يتم الرضاعة، وهذا في أمد الحمل، هو ~~مذهب مالك وجماعة من الصحابة، وأقوى الأقوال في بلوغ الأشد ستة ~~وثلاثون سنة، قال * ع *: وإنما ذكر تعالى الأربعين؛ لأنها حد ~~للإنسان في فلاحه ونجابته، وفي الحديث: # " إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على ~~الأربعين ولم يتب، فيقول: بأبي، وجه لا يفلح ~~". # * ت *: وحدث أبو بكر ابن الخطيب في «تاريخ بغداد» ~~بسنده المتصل عن أنس، قال: قال رسول الله صلى ms1279 الله عليه وسلم: # " إذا بلغ العبد أربعين سنة، أمنه الله من ~~البلايا الثلاث: الجنون، والجذام والبرص، فإذا ~~بلغ خمسين سنة خفف الله عنه الحساب، فإذا ~~بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة لما يحب، ~~فإذا بلغ سبعين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، وشفع في أهل بيته، وناداه مناد من ~~السماء: هذا أسير الله في أرضه " # انتهى، وهذا والله أعلم في العبد المقبل على آخرته، ~~المشتغل بطاعة ربه. # وقوله: { رب أوزعنى } معناه: ادفع عني الموانع، وأجرني من ~~القواطع؛ لأجل أن أشكر نعمتك، ويحتمل أن يكون { أوزعنى } بمعنى: ~~اجعل حظي ونصيبي، وهذا من التوزيع. # * ت *: وقال الثعلبي وغيره { أوزعنى }: معناه: ألهمني، وعبارة ~~الفخر: قال ابن عباس { أوزعنى }: معناه: ألهمني، قال صاحب ~~«الصحاح» استوزعت الله فأوزعني، أي: استلهمته ~~فألهمني، انتهى، قال ابن عباس { نعمتك }: في التوحيد و { ~~صلحا ترضه }: الصلوات، والإصلاح في الذرية: كونهم ~~أهل طاعة وخير، وهذه الآية معناها: أن هكذا ينبغي للإنسان أن ~~يكون، فهي وصية الله تعالى للإنسان في كل الشرائع، وقول ~~من قال: إنها في أبي بكر وأبويه ضعيف؛ لأن هذه الآية نزلت ~~بمكة بلا خلاف، وأبو قحافة أسلم عام الفتح، وفي قوله ~~تعالى: { أولئك الذين نتقبل عنهم... } الآية: دليل ~~على أن الإشارة بقوله: { ووصينا الإنسن } إنما أراد به ~~الجنس. # وقوله: { فى أصحب الجنة } يريد: الذين سبقت لهم رحمة ~~الله، قال أبو حيان { فى أصحب الجنة } قيل: { فى } على ~~بابها، أي: في جملتهم؛ كما تقول: أكرمني الأمير في ناس، أي: في ~~جملة من أكرم، وقيل: { فى } بمعنى مع، انتهى. ### || [46.17-19] # وقوله تعالى: { والذى قال لولديه } قال الثعلبي: معناه: ~~إذ دعواه إلى الإيمان، { أف لكما... } الآية، انتهى، و { ~~الذى } يعنى به الجنس على حد العموم في التي قبلها في قوله: ~~{ ووصينا الإنسن }؛ هذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أن لها ~~سببا من رجل قال ذلك لأبويه، فلما فرغ من ذكر الموفق، عقب ~~بذكر هذا العاق، وقد أنكرت عائشة أن تكون الآية نزلت في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر، ms1280 وقالت: ما نزل في آل أبي بكر من ~~القرآن غير براءتي. # * ت *: ولا يعترض عليها بقوله تعالى: # ثاني اثنين # [التوبة:40] ولا بقوله: # ولا يأتل أولوا الفضل # [النور:22] كما بينا ذلك في غير هذه الآية، قال * ع *: والأصوب ~~أن تكون الآية عامة في أهل هذه الصفات، والدليل القاطع على ذلك: ~~قوله تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول فى ~~أمم } وكان عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه من أفاضل ~~الصحابة، ومن أبطال المسلمين، وممن له في الإسلام غناء يوم ~~اليمامة وغيره، و { أف } بالتنوين قراءة نافع وغيره، والتنوين في ذلك ~~علامة تنكير؛ كما تستطعم رجلا حديثا غير معين ~~فتقول: «إيه» منونة، وإن كان حديثا مشارا إليه قلت: «إيه» بغير ~~تنوين. # وقوله: { أتعداننى أن أخرج } المعنى: أن أخرج من ~~القبر إلى الحشر، وهذا منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. { ~~وقد خلت القرون من قبلى } معناه: هلكت ومضت، ولم ~~يخرج منهم أحد، { وهما يستغيثان الله } يعني: الوالدين ~~يقولان له: { ويلك ءامن }. # وقوله: { ما هذا إلا أسطير الأولين } أي: ما هذا ~~القول الذي يتضمن البعث من القبور إلا شيء سطره الأولون ~~في كتبهم، يعني: الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في ~~مشار إليه، قال: وقيل له، فنعى الله إلينا أقواله؛ تحذيرا من ~~الوقوع في مثلها. # وقوله: { أولئك } ظاهره أنها إشارة إلى جنس، و { حق ~~عليهم القول } أي: قول الله: إنه يعذبهم؛ قال أبو ~~حيان { فى أمم } أي: في جملة أمم ف«في» على بابها، وقيل: { ~~فى } بمعنى مع، وقد تقدم ذلك، انتهى. # وقوله: { قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } يقتضى ~~أن الجن يموتون، وهكذا فهم الآية قتادة، وقد جاء حديث يقتضى ~~ذلك. # وقوله سبحانه: { ولكل درجت } يعني: المحسنين والمسيئين، ~~قال ابن زيد: ودرجات المحسنين تذهب علوا، ودرجات المسيئين تذهب ~~سفلا، وباقي الآية بين في أن كل امرىء يجتني ثمرة ~~عمله من خير أو شر، ولا يظلم في مجازاته. ### || [46.20-22] # وقوله عز وجل: { ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار... } الآية، المعنى: واذكر يوم يعرض، ms1281 وهذا العرض هو ~~بالمباشرة { أذهبتم } أي: يقال لهم: { أذهبتم ~~طيبتكم فى حيتكم الدنيا } و«الطيبات» هنا: ~~الملاذ، وهذه الآية، وإن كانت في الكفار، فهي رادعة لأولي ~~النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمال الطيبات؛ ومن ذلك قول ~~عمر رضي الله عنه : أتظنون أنا لا نعرف طيب ~~الطعام؟ ذلك لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت ~~الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في ~~حياتهم الدنيا، ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد، وقال ~~أيضا نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام، فقدم إليه ~~طعام طيب، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ~~ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة، ~~فبكى عمر، وقال: لئن كان حظنا في الحطام، وذهبوا ~~بالجنة فقد بانوا بونا بعيدا، وقال جابر بن عبد ~~الله: اشتريت لحما بدرهم، فرآني عمر، فقال: أوكلما اشتهى ~~أحدكم شيئا اشتراه فأكله؟! أما تخشى أن تكون من أهل هذه ~~الآية، وتلا: { أذهبتم طيبتكم فى حيتكم ~~الدنيا } * ت *: والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، فمنها ما رواه ~~أبو داود في سننه، عن عبد الله بن بريدة أن رجلا من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رحل إلى فضالة بن ~~عبيد، وهو بمصر، فقدم عليه، فقال: أما إني لم آتك ~~زائرا ولكن سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، رجوت أن يكون عندك منه علم، قال: ما هو؟ ~~قال: كذا وكذا، قال: فمالي أراك شعثا وأنت أمير الأرض؟! ~~قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ينهى عن كثير من ~~الإرفاه، قال: فمالي لا أرى عليك حذاء؟ قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، يأمرنا أن نحتفي أحيانا، وروى أبو داود ~~عن أبي أمامة قال: # " ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يوما عنده الدنيا، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تسمعون أن البذاذة من ~~الإيمان؟ إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من ~~الإيمان» " # قال أبو داود: يعني: التقحل، وفسر أبو عمر ms1282 بن عبد البر: ~~«البذاذة» برث الهيئة، ذكر ذلك في «التمهيد»، وكذلك ~~فسرها غيره، انتهى،، وروى ابن المبارك في «رقائقه» من طريق الحسن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج في أصحابه إلى بقيع ~~الغرقد، فقال: # " السلام عليكم يا أهل القبور، لو تعلمون ما ~~نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم! ثم ~~أقبل على أصحابه، فقال: هؤلاء خير منكم؛ ~~قالوا: يا رسول الله، إخواننا، أسلمنا كما ~~أسلموا، وهاجرنا كما هاجروا، وجاهدنا كما ~~جاهدوا، وأتوا على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في ~~آجالنا، فما يجعلهم خيرا منا؟! قال: هؤلاء خرجوا ~~من الدنيا لم يأكلوا من أجورهم شيئا، وخرجوا ~~وأنا الشهيد عليهم، وإنكم قد أكلتم من ~~أجوركم، ولا أدري ما تحدثون من بعدي؟ قال: فلما ~~سمعها القوم عقلوها وانتفعوا بها، وقالوا: إنا ~~لمحاسبون بما أصبنا من الدنيا، وإنه لمنتقص ~~به من أجورنا " # انتهى، ومنها حديث ثوبان في «سنن أبي داود»: قال ثوبان: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر ~~عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأول من يدخل ~~عليها فاطمة، فقدم من غزاة، وقد علقت مسحا ~~أو سترا على بابها، وحلت الحسن والحسين ~~قلبين من فضة، فلم يدخل، فظنت أنما منعه ~~أن يدخل ما رأى؛ فهتكت الستر، وفكت القلبين ~~عن الصبيين وقطعتهما عنهما، فانطلقا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكيان، فأخذهما ~~منهما، وقال: يا ثوبان، اذهب بهما إلى آل فلان؛ ~~إن هؤلاء أهلي أكره أن يأكلوا طيباتهم في ~~حياتهم الدنيا، يا ثوبان، اشتر لفاطمة قلادة ~~من عصب وسوارين من عاج» انتهى، * ص *: قرأ الجمهور: ~~«أذهبتم» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طيباتكم، وابن كثير ~~بهمزة بعدها مدة مطولة، وابن عامر بهمزتين حققهما ابن ~~ذكوان، ولين الثانية هشام وابن كثير في رواية، والاستفهام ~~هنا على معنى التوبيخ والتقرير، فهو خبر في المعنى، ولهذا حسنت ~~الفاء في قوله: { فاليوم } ، ولو كان استفهاما محضا لما دخلت ~~الفاء، انتهى، و { عذاب الهون } هو الذي اقترن به هوان، فالهون ~~والهوان بمعنى. # ثم أمر ms1283 تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد؛ على جهة المثال لقريش، وقد ~~تقدم قصص عاد مستوفى في «سورة الأعراف»، فلينظر هناك، والصحيح ~~من الأقوال أن بلاد عاد كانت باليمن، ولهم كانت إرم ذات ~~العماد، و { بالأحقاف }: جمع «حقف» وهو الجبل المستطيل ~~المعوج من الرمل. # وقوله سبحانه: { وقد خلت النذر من بين يديه ومن ~~خلفه ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } { خلت } معناه: مضت إلى الأرض ~~الخلاء، و { النذر } جمع نذير، وقولهم: { لتأفكنا } ~~معناه: لتصرفنا، وقولهم: { فأتنا بما تعدنا } تصميم منهم ~~على التكذيب، وتعجيز له في زعمهم. ### || [46.23-26] # وقوله سبحانه: { قال إنما العلم عند الله... } الآية، ~~المعنى: قال لهم هود: إن هذا الوعيد ليس من قبلي، وإنما الأمر فيه ~~إلى الله، وعلم وقته عنده، وإنما علي أن أبلغ فقط، ~~والضمير في { رأوه } يحتمل أن يعود على العذاب، ويحتمل أن يعود ~~على الشيء المرئي الطالع عليهم، وهو الذي فسره قوله: { ~~عارضا } و«العارض»: هو ما يعرض في الجو من السحاب الممطر؛ ~~قال ابن العربي في «أحكامه» عند تفسيره قوله تعالى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم # [البقرة:224]: كل شيء عرض، فقد منع، ويقال لما عرض في ~~السماء من السحاب: «عارض»؛ لأنه منع من رؤيتها ومن رؤية البدر ~~والكواكب، انتهى، وروي في معنى قوله: { مستقبل أوديتهم ~~}؛ أن هؤلاء القوم كانوا قد قحطوا مدة، فطلع هذا العارض من ~~جهة كانوا يمطرون بها أبدا، جاءهم من قبل واد لهم يسمونه ~~المغيث، قال ابن عباس: ففرحوا به، وقالوا: هذا عارض ممطرنا، وقد ~~كذب هود فيما أوعد به، فقال لهم هود عليه السلام : ليس الأمر ~~كما رأيتم، بل هو ما استعجلتم به في قولكم: # فأتنا بما تعدنا # [الأحقاف:22] ثم قال: { ريح فيها عذاب أليم } وفي قراءة ابن ~~مسعود: «ممطرنا قال هود: بل هو ريح» بإظهار المقدر و ~~{ تدمر } معناه: تهلك، و«والدمار»: الهلاك، وقوله: { كل ~~شىء } ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في كل ما أمرت بتدميره، ~~وروي أن هذه الريح رمتهم أجمعين في البحر. # ثم خاطب جل وعلا ms1284 قريشا على جهة الموعظة بقوله: { ولقد ~~مكنهم فيما إن مكنكم فيه } ف«ما» بمعنى ~~«الذي»، و«إن» نافية وقعت مكان «ما» لمختلف اللفظ، ومعنى الآية: ولقد ~~أعطيناهم من القوة والغنى والبسط في الأموال والأجسام ~~ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العذاب؛ فأنتم ~~أحرى بذلك؛ إذا تماديتم في كفركم، وقالت فرقة: «إن» شرطية، والجواب ~~محذوف، تقديره: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وهذا تنطع في ~~التأويل، و«ما» نافية في قوله: { فما أغنى عنهم }؛ ويقوي ذلك ~~دخول «من» في قوله: { من شىء } ، وقالت فرقة: بل هي استفهام؛ ~~على جهة التقرير؛ و { من شىء } على هذا تأكيد؛ وهذا على ~~غير مذهب سيبويه في دخول «من» في الجواب. ### || [46.27-28] # وقوله عز وجل: { ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى... } الآية، مخاطبة لقريش على جهة التمثيل { وصرفنا ~~الايت } يعني: لهذه القرى. # وقوله سبحانه: { فلولا نصرهم... } الآية، يعني: فهلا ~~نصرتهم أصنامهم، «بل ضلوا عنهم» أي: انتلفوا عنهم وقت الحاجة ~~{ وذلك إفكهم } إشارة إلى قولهم في الأصنام: إنها آلهة. # وقوله: { وما كانوا يفترون } يحتمل أن تكون «ما» مصدرية، ~~فلا تحتاج إلى عائد، ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي» فهناك عائد محذوف، ~~تقديره: يفترونه. ### || [46.29-33] # وقوله تعالى: { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن... } ~~ابتداء، ابتداء وصف قصة الجن ووفادتهم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقد اختلفت الرواة هنا: هل هذا الجن هم ~~الوفد أو المتجسسون؟ واختلفت الروايات أيضا عن ابن ~~مسعود وغيره في هذا الباب. # والتحرير في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه نفر من ~~الجن دون أن يشعر بهم، وهم المتجسسون المتفرقون من أجل ~~رجم الشهب الذي حل بهم، وهؤلاء هم المراد بقوله ~~تعالى: # قل أوحى إلى... # [الجن:1] ثم بعد ذلك وفد عليه وفدهم؛ حسبما ورد في ذلك من ~~الآثار. # وقوله: { نفرا } يقتضي أن المصروفين كانوا رجالا لا أنثى فيهم، ~~والنفر والرهط هم: القوم الذين لا أنثى فيهم. # وقوله تعالى: { فلما حضروه قالوا أنصتوا } فيه تأدب ~~مع العلم، وتعليم كيف يتعلم { فلما قضى } أي: فرغ من تلاوة ms1285 ~~القرآن واستماع الجن، قال جابر بن عبد الله وغيره: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قرأعليهم سورة «الرحمن» فكان إذا قال: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن:13] قالوا: لا بشيء من آلائك نكذب، ربنا لك ~~الحمد، ولما ولت هذه الجملة تفرقت على البلاد منذرة ~~للجن، وقولهم: { إنا سمعنا كتبا } يعنون: القرآن. # * ت *: وقولهم: { من بعد موسى } يحتمل أنهم لم يعلموا ~~بعيسى؛ قاله ابن عباس، أو أنهم على دين اليهود، قاله عطاء؛ نقل ~~هذا الثعلبي، ويحتمل ما تقدم ذكره في غير هذا، وأنهم ذكروا ~~المتفق عليه، انتهى. # { مصدقا لما بين يديه } وهي التوراة والإنجيل، وداعي ~~الله هو محمد صلى الله عليه وسلم { وآمنوا به } أي: بالله { ~~يغفر لكم من ذنوبكم... } الآية. # * ت *: وذكر الثعلبي خلافا في مؤمني الجن، هل يثابون على ~~الطاعة ويدخلون الجنة، أو يجارون من النار فقط؟ الله أعلم ~~بذلك، قال الفخر: والصحيح أنهم في حكم بني آدم يستحقون الثواب ~~على الطاعة، والعقاب على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى؛ قال ~~الضحاك: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، انتهى، وقد تقدم ما ~~نقلناه عن البخاري في سورة الأنعام؛ أنهم يثابون. # وقوله سبحانه: { ومن لا يجب داعى الله فليس ~~بمعجز... } الآية: يحتمل أن يكون من تمام كلام المنذرين، ~~ويحتمل أن يكون من كلام الله عز وجل، و«المعجز»: الذاهب في ~~الأرض الذي يعجز طالبه؛ فلا يقدر عليه. # وقوله سبحانه: { أولم يروا } الضمير لقريش؛ وذلك أنهم أنكروا ~~البعث وعود الأجساد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى ~~خلق السموات والأرض، فأقيمت عليهم الحجة من ~~أقوالهم * ص *: قال أبو حيان: والباء في قوله: { بقادر } زائدة،، ~~انتهى. ### || [46.34-35] # وقوله تعالى: { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ~~المعنى: واذكر يوم، وهذا وعيد لكفار قريش وغيرهم، وهذا عرض ~~مباشرة. # وقوله: { أليس هذا بالحق } أي: يقال لهم: أليس هذا بالحق؟ ~~{ قالوا بلى وربنا } فصدقوا بذلك حيث لا ينفعهم التصديق، ~~فروي عن الحسن؛ أنه قال: إنهم ليعذبون في النار، وهم ~~راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل. # واختلف في تعيين ms1286 أولى العزم من الرسل، ولا محالة أن ~~لكل نبي ورسول عزما وصبرا. # وقوله: { ولا تستعجل لهم } معناه: ولا تستعجل لهم عذابا؛ ~~فإنهم إليه صائرون، ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة؛ ~~فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ~~ساعة لاحتقارهم ذلك؛ لأن المنقضي من الزمان يصير عدما. # * ت *: وإذا علمت أيها الأخ أن الدنيا أضغاث أحلام، ~~كان من الحزم اشتغالك الآن بتحصيل الزاد للمعاد، وحفظ ~~الحواس، ومراعاة الأنفاس، ومراقبة مولاك، فآتخذه صاحبا، ~~وذر الناس جانبا؛ قال أبو حامد الغزالي رحمه الله : ~~اعلم أن صاحبك الذي لا تفارقه في حضرك وسفرك، ونومك ~~ويقظتك، بل في حياتك، وموتك هو ربك، ومولاك، وسيدك، ~~وخالقك، ومهما ذكرته فهو جليسك؛ إذ قال تعالى: # " أنا جليس من ذكرني " # ، ومهما انكسر قلبك حزنا على تقصيرك في حق دينك، فهو ~~صاحبك وملازمك؛ إذ قال: «أنا عند المنكسرة ~~قلوبهم من أجلي» فلو عرفته يا أخي حق معرفته لاتخذته ~~صاحبا، وتركت الناس جانبا، فإن لم تقدر على ذلك في جميع ~~أوقاتك، فإياك أن تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه ~~بمولاك، وتلذذ بمناجاته، وعند ذلك فعليك بآداب الصحبة ~~مع الله تعالى، وآدابها: إطراق الطرف، وجمع الهم، ~~ودوام الصمت، وسكون الجوارح، ومبادرة الأمر، ~~واجتناب النهي، وقلة الاعتراض على القدر، ودوام ~~الذكر باللسان، وملازمة الفكر، وإيثار الحق، واليأس من ~~الخلق، والخضوع تحت الهيبة، والانكسار تحت الحياء، ~~والسكون عن حيل الكسب ثقة بالضمان، والتوكل على ~~فضل الله معرفة بحسن اختياره؛ وهذا كله ينبغي أن يكون شعارك، في ~~جميع ليلك ونهارك، فإنه آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق ~~كلهم يفارقونك في بعض أوقاتك،، انتهى من «بداية الهداية». # وقوله: { بلاغ } يحتمل معاني: # أحدها: أن يكون خبر مبتدإ محذوف، أي: هذا إنذار وتبليغ. # ويحتمل أن يريد: كأن لم يلبثوا إلا ساعة كانت بلاغهم، وهذا ~~كما تقول: متاع قليل، وقيل غير هذا، وقرأ أبو مجلز وغيره: { ~~بلغ } على الأمر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: { بلاغ } ~~بالخفض نعتا ل { نهار }. # وقوله سبحانه: { فهل يهلك إلا ms1287 القوم الفسقون } ~~وقرىء شاذا: { فهل يهلك } ببناء الفعل للفاعل، وفي هذه الآية ~~وعيد محض، وإنذار بين؛ وذلك أن الله عز وجل جعل الحسنة ~~بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، وغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ووعد ~~الغفران على التوبة، فلن يهلك على الله إلا هالك؛ كما قال صلى ~~الله عليه وسلم قال الثعلبي: يقال: إن قوله تعالى: { فهل يهلك ~~إلا القوم الفسقون } أرجى آية في كتاب الله عز ~~وجل للمؤمنين. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # قوله عز وجل: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~أضل أعملهم } { الذين كفروا }: إشارة إلى أهل ~~مكة الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات... } ~~الآية: إشارة إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلت ~~الآيتان؛ قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ~~ألفاظها. # وقوله: { أضل أعملهم } أي: أتلفها، ولم يجعل لها ~~نفعا. # * ت *: وقد ذكرنا في سورة «الصف» أن اسم محمد صلى الله عليه وسلم لم ~~يتسم به أحد قبله إلا قوم قليلون، رجاء أن تكون ~~النبوة في أبنائهم، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، قال ~~ابن القطان: وعن خليفة والد أبي سويد قال: سألت ~~محمد بن عدي بن أبي ربيعة: كيف سماك أبوك محمدا؟ ~~قال: سألت أبي عما سألتني عنه، فقال لي: كنت رابع ~~أربعة من بني غنم أنا فيهم، وسفيان بن مجاشع بن جرير، ~~وأمامة بن هند بن خندف. ويزيد بن ربيعة، فخرجنا في ~~سفرة نريد ابن جفنة ملك غسان، فلما شارفنا الشام، ~~نزلنا على غدير فيه شجرات، وقربه شخص نائم، فتحدثنا ~~فاستمع كلامنا، فأشرف علينا، فقال: إن هذه لغة، ما هي ~~لغة هذه البلاد، فقلنا: نحن قوم من مضر، فقال: من أي ~~المضريين؟ قلنا: من خندف، قال: إنه يبعث فيكم خاتم ~~النبيين، فسارعوا إليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا، قلنا: ~~ما اسمه؟ قال: محمد، فرجعنا، فولد لكل واحد منا ~~ابن سماه محمدا، وذكره المدائني، انتهى. # وقوله تعالى في المؤمنين: { وأصلح بالهم } قال قتادة: معناه: ~~حالهم، وقال ابن عباس: شأنهم. ms1288 # وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه ~~نظر الإنسان، وهو القلب، فإذا صلح ذلك منه، فقد صلح حاله، ~~فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم، وغير ذلك من الحال تابع، ~~فقولك: خطر في بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد ~~بهما واحد؛ ذكره المبرد،، والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا ~~يستعمل منه فعل، وكذلك عرفه لا يثنى ولا يجمع، وقد ~~جاء مجموعا شاذا في قولهم: «بالات». # و { البطل } هنا: الشيطان، وكل ما يأمر به؛ قاله مجاهد، و { ~~الحق } هنا: الشرع ومحمد عليه السلام . # وقوله: { كذلك يضرب الله }: الإشارة إلى الأتباع المذكورين ~~من الفريقين. ### || [47.4-9] # وقوله سبحانه: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب... } الآية: قال أكثر العلماء: إن هذه الآية وآية ~~السيف، وهي قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة:5] محكمتان، فقوله هنا: { فضرب الرقاب } بمثابة ~~قوله هنالك: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ، ~~وصرح هنا بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هنالك، فهذه ~~مبينة لتلك، وهذا هو القول القوي، وقوله: { فضرب ~~الرقاب } مصدر بمعنى الفعل، أي: فاضربوا رقابهم وعين من ~~أنواع القتل أشهره، والمراد: اقتلوهم بأي وجه أمكن؛ ~~وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا " # وفي «صحيح البخاري» عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله؛ فتمسه ~~النار " # انتهى. # والإثخان في القوم أن يكثر فيهم القتلى والجرحى، ومعنى: { ~~فشدوا الوثاق } أي: بمن لم يقتل، ولم يترتب فيه إلا ~~الأسر، ومنا وفداء: مصدران منصوبان بفعلين مضمرين. # وقوله: { حتى تضع الحرب أوزارها } معناه: حتى تذهب ~~الحرب وتزول أثقالها، والأوزار: الأثقال؛ ومنه قول عمرو بن ~~معد يكرب: [من المتقارب] # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحرب أوزارها، فقال قتادة: ~~حتى يسلم الجميع، وقال حذاق أهل النظر: حتى تغلبوهم ~~وتقتلوهم، وقال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم، قال * ع*: ~~وظاهر اللفظ أنه استعارة يراد بها التزام الأمر أبدا؛ وذلك ~~أن الحرب بين ms1289 المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: ~~أنا أفعل كذا وكذا إلى يوم القيامة، وإنما تريد أنك تفعله ~~دائما. # { ولو يشاء الله لانتصر منهم } أي: بعذاب من عنده، ~~ولكن أراد سبحانه اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض، ~~وقرأ الجمهور: { قاتلوا } وقرأ عاصم بخلاف عنه: { قتلوا } ~~بفتح القاف والتاء ، وقرأ أبو عمرو وحفص: { قتلوا } بضم ~~القاف وكسر التاء ، قال قتادة: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم ~~أحد من المؤمنين. # وقوله سبحانه: { سيهديهم } أي: إلى طريق الجنة. # * ت *: ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ أن ميسرة الخادم قال: ~~غزونا في بعض الغزوات، فإذا فتى إلى جانبي، وإذا هو مقنع ~~بالحديد، فحمل على الميمنة، فثناها، ثم على الميسرة ~~حتى ثناها، وحمل على القلب حتى ثناه، ثم أنشأ يقول[الرجز] # أحسن بمولاك سعيد ظنا # هذا الذي كنت له تمنى # تنح يا حور الجنان عنا # مالك قاتلنا ولا قتلنا # لكن إلى سيدكن اشتقنا # قد علم السر وما أعلنا # قال: فحمل، فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع إلى مصافه، ~~فتكالب عليه العدو، فإذا هو رضي الله تعالى عنه قد حمل ~~على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز] # قد كنت أرجو ورجائي لم يخب # ألا يضيع اليوم كدي والطلب # يا من ملا تلك القصور باللعب # لولاك ما طابت ولا طاب الطرب # ثم حمل رضي الله عنه فقاتل، فقتل منهم عددا، ثم رجع ~~إلى مصافه، فتكالب عليه العدو فحمل رضي الله عنه ~~في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز] # يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي # مالك قاتلنا فكفي وارجعي # ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي # لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي # فقاتل رضي الله عنه حتى قتل،، انتهى من ابن عباد ~~شارح «الحكم». # وقوله تعالى: { عرفها لهم } قال أبو سعيد الخدري، ~~وقتادة، ومجاهد: معناه: بينها لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، ~~وفي نحو هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله ~~في الدنيا " # قال القرطبي في «التذكرة»: وعلى هذا القول أكثر المفسرين قال: ~~وقيل: ms1290 إن هذا التعريف إلى المنازل هو بالدليل، وهو الملك ~~الموكل بعمل العبد، يمشي بين يديه،، انتهى، وقالت فرقة: ~~معناه: سماها لهم، ورسمها كل منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من ~~التعريف، وقالت فرقة: معناه شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من ~~الأعراف التي هي الجبال، ومنه أعراف الخيل، وقال مؤرج ~~وغيره: معناه: طيبها؛ مأخوذ من العرف، ومنه طعام معرف، ~~أي: مطيب، وعرفت القدر: طيبتها بالملح والتابل، ~~قال أبو حيان: «وأصلح بالهم» البال: الفكر ولا يثنى ~~ولا يجمع، انتهى. # وقوله سبحانه: { إن تنصروا الله } أي: دين الله { ~~ينصركم } بخلق القوة لكم وغير ذلك من المعاون، { ويثبت ~~أقدامكم } أي: في مواطن الحرب، وقيل: على الصراط في القيامة. # وقوله: { فتعسا لهم } معناه: عثارا وهلاكا لهم، وهي لفظة ~~تقال للعاثر، إذا أريد به الشر؛ قال ابن السكيت: ~~التعس: أن يخر على وجهه. # وقوله تعالى: { كرهوا ما أنزل الله } يريد: القرآن { ~~فأحبط أعملهم } قال * ع *: ولا خلاف أن الكافر له ~~حفظة يكتبون سيئاته، واختلف الناس في حسناتهم، فقالت ~~فرقة: هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط، وقالت فرقة: ~~هي محصاة من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أنه قد يسلم فينضاف ~~ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين في قوله صلى الله ~~عليه وسلم لحكيم بن حزام: # " أسلمت على ما سلف لك من خير ". ### || [47.10-12] # وقوله عز وجل: { أفلم يسيروا فى الأرض }: توقيف لقريش، ~~وتوبيخ و { الذين من قبلهم } يريد: ثمود وقوم شعيب ~~وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهدم البناء، وإذهاب العمران، ~~والضمير في قوله: { أمثلها } يصح أن يعود على ~~العاقبة، ويصح أن يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله: { ~~دمر الله عليهم }. # وقوله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا... ~~} الآية، المولى: الناصر الموالي، قال قتادة: نزلت هذه الآية ~~يوم أحد، ومنها انتزع النبي صلى الله عليه وسلم رده على أبي ~~سفيان حين قال: «قولوا: الله مولانا، ولا مولى ~~لكم». # وقوله سبحانه: { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون ~~كما تأكل الأنعم } أي: أكلا مجردا عن الفكر والنظر، ~~وهذا كما تقول: الجاهل ms1291 يعيش كما تعيش البهيمة، والمعنى: يعيش ~~عديم الفهم والنظر في العواقب. ### || [47.13-15] # وقوله سبحانه: { وكأين من قرية هى أشد قوة من ~~قريتك } يعني: مكة { التى أخرجتك } معناه: وقت ~~الهجرة، ويقال: إن هذه الآية نزلت إثر خروج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مكة، وقيل غير هذا. # وقوله سبحانه: { أفمن كان على بينة من ربه كمن ~~زين له سوء عمله... } الآية، توقيف وتقرير، وهي معادلة ~~بين هذين الفريقين، اللفظ عام لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر، ~~و { على بينة } أي: على يقين وطريق واضحة وعقيدة نيرة ~~بينة. # وقوله سبحانه: { مثل الجنة... } الآية، قال النضر بن ~~شميل وغيره { مثل } معناه: صفة؛ كأنه قال: صفة الجنة: ما ~~تسمعون فيها كذا وكذا. # وقوله: { فيها أنهار من ماء غير ءاسن } معناه: غير ~~متغير؛ قاله ابن عباس وقتادة، وسواء أنتن أو لم ينتن. # وقوله في اللبن: { لم يتغير طعمه }: نفي لجميع وجوه ~~الفساد فيه. # وقوله: { لذة للشربين } جمعت طيب الطعم وزوال ~~الآفات من الصداع وغيره، وتصفية العسل مذهبة لمومه ~~وضرره. # * ت *: وروينا في كتاب الترمذي عن حكيم بن معاوية ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن في الجنة بحر الماء، وبحر العسل، وبحر ~~اللبن، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار بعد " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. # وقوله: { ولهم فيها من كل الثمرت } أي: من هذه الأنواع ~~لكنها بعيدة الشبه؛ تلك لا عيب فيها ولا تعب. # وقوله: { ومغفرة من ربهم } معناه: وتنعيم أعطته المغفرة ~~وسببته، وإلا فالمغفرة إنما هي قبل دخول الجنة. # وقوله سبحانه: { كمن هو خلد فى النار... } الآية، قبله ~~محذوف، تقديره: أسكان هذه، أو تقديره: أهؤلاء المتقون كمن هو ~~خالد في النار. ### || [47.16-21] # وقوله سبحانه: { ومنهم من يستمع } يعني بذلك: المنافقين { ~~حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال ءانفا }؛ على جهة الاستخفاف، ومنهم ~~من يقوله جهالة ونسيانا، و { ءانفا } معناه: مبتدئا، كأنه ~~قال: ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه، ~~والمفسرون يقولون: { ءانفا } معناه: الساعة الماضية، ms1292 وهذا تفسير ~~بالمعنى. # * ت *: وقال الثعلبي: { ءانفا } أي: الآن، وأصله الابتداء، قال ~~أبو حيان: { ءانفا } بالمد والقصر: اسم فاعل، ~~والمستعمل من فعله: ائتنفت، ومعنى: { ءانفا } مبتدئا، فهو ~~منصوب على الحال، وأعربه الزمخشري ظرفا، أي: الساعة، قال ~~أبو حيان: ولا أعلم أحدا من النحاة عده من الظروف، انتهى، ~~وقال العراقي: { ءانفا } أي: الساعة. # وقوله تعالى: { والذين اهتدوا زادهم هدى } أي: زادهم ~~الله هدى، ويحتمل: زادهم استهزاء المنافقين هدى، قال الثعلبي: ~~وقيل: زادهم ما قال النبي صلى الله عليه وسلم هدى؛ قال * ع *: ~~الفاعل في { وأتهم } يتصرف القول فيه بحسب التأويلات ~~المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى، { وأتهم } ~~معناه: أعطاهم، أي: جعلهم متقين. # وقوله تعالى: { فهل ينظرون } يريد: المنافقين، والمعنى: فهل ~~ينتظرون؟ و { بغتة } معناه فجأة. # وقوله: { فقد جاء أشراطها } أي: فينبغي الاستعداد والخوف ~~منها، والذي جاء من أشراط الساعة: محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ~~آخر الأنبياء، وقال عليه السلام : # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # والأحاديث كثيرة في هذا الباب. # وقوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله... } ~~الآية: إضراب عن أمر هؤلاء المنافقين، وذكر الأهم من الأمر، ~~والمعنى: دم على علمك، وهذا هو القانون في كل من أمر ~~بشيء هو متلبس به، وكل واحد من الأمة داخل في هذا ~~الخطاب، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت ~~له أبواب الجنة، حتى تفضي إلى العرش ما ~~اجتنبت الكبائر " # ، رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي واللفظ له: حديث حسن غريب، ~~انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { واستغفر لذنبك } أي: لتستن أمتك ~~بسنتك. # * ت *: هذا لفظ الثعلبي، وهو حسن، وقال عياض: قال مكي: ~~مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ههنا هي مخاطبة لأمته، انتهى. # قال * ع *: وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من لم يكن عنده ما يتصدق به، فليستغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات " # وبوب البخاري رحمه الله العلم قبل القول ~~والعمل؛ لقوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا ms1293 ~~الله }. # وقوله تعالى: { واستغفر لذنبك... } الآية: وواجب على كل ~~مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ فإنها صدقة، وقال الطبري ~~وغيره: { متقلبكم }: متصرفكم في يقظتكم { ومثواكم ~~} منامكم، وقال ابن عباس: { متقلبكم } تصرفكم في حياتكم ~~الدنيا { ومثواكم }: إقامتكم في قبوركم، وفي آخرتكم. # وقوله عز وجل: { ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت ~~سورة... } الآية: هذا ابتداء وصف حال المؤمنين؛ على جهة ~~المدح لهم، ووصف حال المنافقين؛ على جهة الذم؛ وذلك أن ~~المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تمني ظهور الإسلام وتمني ~~قتال العدو، وكانوا يأنسون بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان ~~المنافقون على العكس من ذلك. # وقوله: { محكمة } معناه: لا يقع فيها نسخ، وأما الإحكام الذي ~~هو الإتقان، فالقرآن كله سواء فيه، والمرض الذي في قلوب المنافقين هو ~~فساد معتقدهم، ونظر الخائف الموله قريب من نظر المغشي ~~عليه، وخسسهم هذا الوصف والتشبيه. # وقوله تعالى: { فأولى لهم * طاعة } «أولى»: وزنها ~~أفعل، من وليك الشيء يليك، والمشهور من استعمال ~~أولى أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي: أحق، وقد ~~تستعمل العرب «أولى لك» فقط على جهة الاختصار، لما معها من ~~القول على جهة الزجر والتوعد، فتقول: أولى لك يا فلان، ~~وهذه الآية من هذا الباب؛ ومنه قوله تعالى: # أولى لك فأولى # [القيامة:34] وقالت فرقة: { فأولى } رفع بالابتداء، و { طاعة ~~} خبره، قال * ع *: وهذا هو المشهور من استعمال «أولى»، وقيل غير ~~هذا، قال أبو حيان: قال صاحب «الصحاح»: { أولى لك }: تهديد ~~ووعيد، قال أبو حيان: والأكثر على أنه اسم مشتق من الولي، ~~وهو القرب، وقال الجرجاني: هو مأخوذ من الويل، فقلب، ~~فوزنه «أفلع»، انتهى. # { فإذا عزم الأمر }: ناقضوا وعصوا، قال البخاري: قال ~~مجاهد: { عزم الأمر } جد الأمر. انتهى. ### || [47.22-24] # وقوله سبحانه: { فهل عسيتم } مخاطبة لهؤلاء الذين في قلوبهم ~~مرض، والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا إن توليتم غير أن ~~تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم، ومعنى { إن توليتم } ~~أي: إن أعرضتم عن الحق، وقيل المعنى: إن توليتم أمور الناس من ~~الولاية؛ وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني هاشم، ms1294 وبني أمية ~~ذكره الثعلبي. # * ت *: وهو عندي بعيد لقوله: { أولئك الذين لعنهم ~~الله } فتعين التأويل الأول، والله أعلم. # وفي البخاري عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا يدخل الجنة قاطع " # يعني: قاطع رحم، وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له ~~في أثره فليصل رحمه " # اه، وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله ~~الله، ومن قطعني قطعه الله " # وفي رواية: # " لا يدخل الجنة قاطع " # وفي طريق: # " من سره أن يبسط عليه رزقه، وينسأ له في ~~أثره، فليصل رحمه " # وخرجه البخاري من طريق أبي هريرة؛ على ما تقدم، وخرج البخاري ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه، ~~قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، ~~قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع ~~من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرؤوا إن شئتم: { فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم } " # وفي رواية: قال الله: # " من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته " # انتهى. # وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " قال الله عز وجل: أنا الرحمن، وهي الرحم ~~شققت لها من اسمي، من وصلها وصلته، ومن ~~قطعها بتته ". # انتهى. # وقوله تعالى: { أولئك الذين لعنهم الله } إشارة إلى ~~المرضى القلوب المذكورين. # وقوله: { فأصمهم وأعمى أبصرهم }: استعارة لعدم ~~فهمهم. # وقوله عز من قائل: { أفلا يتدبرون القرءان... } ~~الآية: توقيف وتوبيخ، وتدبر القرآن زعيم بالتبيين والهدى ~~لمتأمله. # * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { أفلا يتدبرون ~~القرءان } معناه: أفلا يتفكرون فيعتبرون؛ يقال: تدبرت ~~الأمر: إذا نظرت في أدباره وعواقبه، انتهى. # وقوله تعالى: { أم على قلوب أقفالها } معناه: بل على قلوب ~~أقفالها، ms1295 وهو الرين الذي منعهم من الإيمان، وروي أن وفد ~~اليمن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الفتى: عليها ~~أقفالها حتى يفتحها الله تعالى ويفرجها، قال ~~عمر: فعظم في عيني، فما زالت في نفس عمر - رضي الله ~~عنه - حتى ولي الخلافة فاستعان بذلك الفتى. ### || [47.25-29] # وقوله تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبرهم... } ~~الآية: قال قتادة: نزلت في قوم من اليهود، وقال ابن عباس وغيره: ~~نزلت في منافقين كانوا أسلموا، ثم نافقت قلوبهم، والآية ~~تعم كل من دخل في ضمن لفظها غابر الدهر، و { سول } ~~معناه: رجاهم سؤلهم وأمانيهم، ونقل أبو الفتح عن بعضهم؛ أنه ~~بمعنى دلاهم مأخوذ من السول، وهو الاسترخاء والتدلي، وقال ~~العراقي { سول } أي: زين سوء الفعل. # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا... } ~~الآية، قيل: إنها نزلت في بني إسرائيل الذين تقدم ذكرهم الآن، ~~وروي أن قوما من قريظة والنضير كانوا يعدون ~~المنافقين في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلاف عليه ~~بنصر ومؤازرة؛ فذلك قولهم: { سنطيعكم فى بعض الأمر } ~~وقرأ الجمهور: «أسرارهم» بفتح الهمزة ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص: «إسرارهم» بكسرها . # وقوله سبحانه: { فكيف إذا توفتهم الملئكة } ~~يعني: ملك الموت وأعوانه، والضمير في { يضربون } للملائكة، ~~وفي نحو هذا أحاديث تقتضي صفة الحال، و { ما * أسخط الله }: هو ~~الكفر، والرضوان: هنا الحق والشرع المؤدي إلى الرضوان. # وقوله سبحانه: { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض... } ~~الآية، توبيخ للمنافقين وفضح لسرائرهم، والضغن: الحقد، وقال ~~البخاري: قال ابن عباس: «أضغانهم» حسدهم، انتهى. ### || [47.30-32] # وقوله سبحانه: { ولو نشاء لأرينكهم... } الآية، لم ~~يعينهم سبحانه بالأسماء والتعريف التام؛ إبقاء عليهم وعلى ~~قراباتهم، وإن كانوا قد عرفوا بلحن القول، وكانوا في الاشتهار على ~~مراتب كابن أبي وغيره، والسيما: العلامة، وقال ابن عباس ~~والضحاك: إن الله تعالى قد عرفه بهم في سورة براءة بقوله: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا # [التوبة:84] وفي قوله: # فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا معى ~~عدوا # [التوبة:83] ms1296 قال * ع *: وهذا في الحقيقة ليس بتعريف تام، ثم أخبر ~~تعالى أنه سيعرفهم في لحن القول، أي: في مذهب القول ومنحاه ~~ومقصده، واحتج بهذه الآية من جعل الحد في التعريض بالقذف. # * ص *: قال أبو حيان: «ولتعرفنهم» اللام جواب قسم محذوف، انتهى. # وقوله سبحانه: { والله يعلم أعملكم } مخاطبة للجميع من ~~مؤمن وكافر. # وقوله سبحانه: { ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين ~~منكم والصبرين... } الآية، كان الفضيل بن عياض إذا قرأ ~~هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت ~~أستارنا. # وقوله سبحانه: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله وشاقوا الرسول... } الآية، قالت فرقة: نزلت في بني ~~إسرائيل، وقالت فرقة: نزلت في قوم من المنافقين، وهذا نحو ما تقدم، ~~وقال ابن عباس: نزلت في المطعمين في سفرة بدر، وقالت فرقة: بل هي ~~عامة في كل كافر. # وقوله: { لن يضروا الله شيئا } تحقير لهم. ### || [47.33-35] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم } روي ~~أن هذه الآية نزلت في بني أسد من العرب، وذلك أنهم أسلموا، ~~وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن آثرناك على كل شيء، ~~وجئناك بأنفسنا وأهلينا، كأنهم يمنون بذلك، فنزل فيهم: { يمنون ~~عليك أن أسلموا... } الآية، ونزلت فيهم هذه الآية وظاهر الآية ~~العموم. # وقوله سبحانه: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله ثم ماتوا وهم كفار... } الآية، # " روي أنها نزلت بسبب أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله، ~~إن حاتما كانت له أفعال بر فما حاله؟ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : هو في النار فبكى ~~عدي، وولى فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: «أبي وأبوك وأبو إبراهيم خليل الرحمن ~~في النار» " # ونزلت هذه الآية في ذلك، وظاهر الآية العموم في كل ما تناولته ~~الصفة. # وقوله سبحانه: { فلا تهنوا } معناه: لا تضعفوا { وتدعوا ~~إلى السلم } أي: إلى المسالمة، وقال قتادة: معنى الآية: لا تكونوا ~~أولى الطائفتين ضرعت للأخرى: قال * ع * وهذا حسن ملتئم مع ~~قوله تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ms1297 # [الأنفال:61]. # { وأنتم الأعلون }: في موضع الحال، المعنى: فلا تهنوا وأنتم ~~في هذه الحال، ويحتمل أن يكون إخبارا بمغيب أبرزه الوجود بعد ذلك، ~~والأعلون: معناه الغالبون والظاهرون من العلو. # وقوله: { والله معكم } معناه: بنصره ومعونته ويتر ~~معناه: ينقص ويذهب، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم. ### || [47.36-38] # وقوله سبحانه: { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو } ~~تحقير لأمر الدنيا. # وقوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } ~~معناه: هذا هو المطلوب منكم، لا غيره؛ لا تسألون أموالكم، ثم قال ~~سبحانه منبها على خلق ابن آدم: { إن يسئلكموها ~~فيحفكم تبخلوا } والإحفاء هو أشد السؤال، وهو الذي ~~يستخرج ما عند المسؤول كرها. # * ت *: وقال الثعلبي:«فيحفكم» أي: يجهدكم ويلحف عليكم. # وقوله: «تبخلوا» جزما على جواب الشرط «ويخرج أضغانكم» أي: يخرج الله ~~أضغانكم، وقرأ يعقوب: «ونخرج» بالنون، والأضغان: معتقدات ~~السوء، وهو الذي كان يخاف أن يعتري المسلمين، ثم وقف الله تعالى ~~عباده المؤمنين على جهة التوبيخ لبعضهم بقوله: { هأنتم هؤلاء } ~~وكرر «هاء» التنبيه؛ تأكيدا. # وقوله تعالى: { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } أي: ~~بالثواب { والله الغنى } أي: عن صدقاتكم { وأنتم ~~الفقراء } إلى ثوابها. # * ت *: هذا لفظ الثعلبي، قال * ع *: يقال: بخلت عليك بكذا، وبخلت ~~عنك بمعنى أمسكت عنك، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ~~ صلى الله عليه وسلم قال: # " السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب ~~من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من ~~الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من ~~النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد ~~بخيل " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. غريب، انتهى. # وقوله سبحانه: { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } ~~قالت فرقة: هذا الخطاب لجميع المسلمين والمشركين والعرب حينئذ، والقوم ~~الغير هم فارس، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ سئل عن هذا وكان سلمان إلى جنبه فوضع يده ~~على فخذه وقال: # " قوم هذا؛ لو كان الدين في الثريا لناله رجال ~~من أهل فارس ". # وقوله سبحانه: { ثم لا يكونوا أمثالكم } معناه: في الخلاف ~~والتولى والبخل بالأموال ونحو هذا، وحكى الثعلبي ms1298 قولا أن ~~القوم الغير هم الملائكة. # * ت *: وليس لأحد مع الحديث: إذا صح نظر، ولولا الحديث لاحتمل أن ~~يكون الغير ما يأتي من الخلف بعد ذهاب السلف، على ما ذكر في غير ~~هذا الموضع. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-4] # قوله عز وجل: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا... } الآية، ~~قال قوم: يريد فتح مكة، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي ~~تعضده قصة الحديبية: إن قوله: { إنا فتحنا لك } إنما ~~معناه هو ما يسر الله عز وجل لنبيه في تلك الخرجة من الفتح ~~البين الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين؛ لأنهم كانوا ~~استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها الله سببا ~~للفتوحات، واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة ~~أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء ~~في بئر الحديبية؛ حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كفى الجيش، ~~واتفقت بيعة الرضوان، وهي الفتح الأعظم؛ قاله جابر بن عبد الله ~~والبراء بن عازب، وبلغ هديه محله؛ قاله الشعبي، ~~واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على ~~فارس، فكانت من جملة الفتح؛ فسر بها صلى الله عليه وسلم هو ~~والمؤمنون؛ لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشرفه الله بأن أخبره ~~أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أي: وإن لم يكن ~~ذنب. # * ت *: قال الثعلبي: قوله: { ليغفر لك الله } قال أبو ~~حاتم: هذه لام القسم، لما حذفت النون من فعله كسرت، ونصب ~~فعلها؛ تشبيها بلام «كي»، انتهى. # قال عياض: ومقصد الآية أنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذنب، إن لو كان، ~~انتهى. # قال أبو حيان: «ليغفر» اللام للعلة، وقال * ع *: هي لام ~~الصيرورة، وقيل: هي لام القسم، ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ~~ينصب بها، وأجيب بأن الكسر قد علل بالحمل على «لام كي» ~~وأما الحركة فليست نصبا؛ بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بقيت ~~بعد حذفها دالة على المحذوف، ورد بانه لم يحفظ من ~~كلامهم: والله ليقوم ولا بالله ms1299 ليخرج زيد، انتهى. # وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك: # " إنا فتحنا لك فتحا مبينا " # الحديبية، انتهى. # وقوله سبحانه: { ويتم نعمته عليك } أي: بإظهارك وتغليبك ~~على عدوك، والرضوان في الآخرة والسكينة فعيلة من السكون، ~~وهو تسكين قلوبهم لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا ~~أن وعد الله حق. ### || [48.5-7] # وقوله سبحانه: { ليدخل المؤمنين والمؤمنت ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر... } الآية، روي في ~~معنى هذه الآية أنه لما نزلت: # وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم # [الأحقاف:9] تكلم فيها أهل الكفر، وقالوا: كيف نتبع من لا ~~يعرف ما يفعل به وبالناس؟! فبين الله في هذه السورة ما يفعل ~~به بقوله: { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } فلما سمعها المؤمنون قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، ~~لقد بين الله لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت: { ليدخل ~~المؤمنين والمؤمنت جنت } إلى قوله: { مصيرا } ~~فعرفه الله ما يفعل به وبالمؤمنين وبالكافرين، وذكر النقاش أن ~~رجلا من «عك» قال: هذا الذي لرسول الله، فما لنا؟ فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : # " هي لي ولامتي كهاتين، وجمع بين إصبعيه ". # وقوله: { ويكفر عنهم سيئتهم } هو من ترتيب الجمل في ~~السرد، لا ترتيب وقوع معانيها؛ لأن تكفير السيئات قبل إدخالهم الجنة. # وقوله: { الظانين بالله ظن السوء } قيل: معناه: من ~~قولهم: # لن ينقلب الرسول # [الفتح:12] الآية، وقيل: هو كونهم يعتقدون الله بغير صفاته العلى. # وقوله: { عليهم دائرة السوء } [أي: دائرة السوء] الذي ~~أرادوه بكم في ظنهم السوء، ويقال للأقدار والحوادث التي هي في طي ~~الزمان: دائرة، لأنها تدور بدوران الزمان. ### || [48.8-9] # وقوله سبحانه: { إنا أرسلنك شاهدا... } الآية، من جعل ~~الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: { شهدا } حال ~~واقعة، ومن جعل الشاهد مؤدي الشهادة فهي حال مستقبلة، وهي التي ~~يسميها النحاة المقدرة، والمعنى: شاهدا على الناس بأعمالهم، ~~وأقوالهم حين بلغت، { ومبشرا }: أهل الطاعة برحمة الله، { ~~ونذيرا }: من عذاب الله أهل المعصية، ومعنى { وتعزروه } ~~تعظموه وتكبروه؛ قاله ابن عباس، وقرأ ابن عباس وغيره: { وتعززوه } ~~بزاءين ms1300 من العزة، قال الجمهور: الضمير في { وتعزروه ~~وتوقروه } للنبي صلى الله عليه وسلم وفي { ~~وتسبحوه } لله عز وجل، والبكرة: الغدو، والأصيل: ~~العشي. ### || [48.10] # وقوله سبحانه: { إن الذين يبايعونك }: يريد في بيعة ~~الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ الأهبة لقتال قريش، لما بلغه قتل عثمان بن عفان، رسوله ~~إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة، ~~وبايعهم صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو ~~إلى أقصى الجهد حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله ~~ صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال عبد الله بن عمر، وجابر بن ~~عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا ~~نفر، والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع؛ لأن الله ~~تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ومعنى { إنما ~~يبايعون الله } أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن الله ~~تعالى. # * ت *: وهذا تفسير لا يمس الآية، ولا بد، وقال الثعلبي: «إنما ~~يبايعون الله» أي: أخذك البيعة عليهم عقد الله عليهم، انتهى، وهذا ~~تفسير حسن. # وقوله تعالى: { يد الله } قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، ~~إذ نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فوق ~~أيديهم»: التي مدوها لبيعتك، وقيل: المعنى: قوة الله فوق ~~قواهم في نصرك. # * ت *: وقال الثعلبي: «يد الله فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، ~~وقيل: بالثواب، وقيل: «يد الله»: في المنة عليهم «فوق أيديهم»: في ~~الطاعة عند المبايعة، وهذا حسن قريب من الأول. # وقوله تعالى: { فمن نكث } أي: فمن نقض هذا العهد، فإنما يجني ~~على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما، وهو ~~الجنة. ### || [48.11-17] # وقوله سبحانه: { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال ~~مجاهد وغيره: هم جهينة ومزينة، ومن كان حول المدينة من ~~الأعراب؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير ~~إلى مكة عام الحديبية معتمرا، استنفر من حول المدينة من ~~الأعراب وأهل البوادي؛ ليخرجوا معه؛ حذرا من قريش، ms1301 وأحرم بالعمرة، ~~وساق معه الهدي؛ ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه هؤلاء ~~المخلفون، ورأوا أنه [يستقبل] عدوا عظيما من قريش وثقيف ~~وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان ~~هؤلاء المخلفين، فقعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتخلفوا وقالوا: لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم ~~الله في هذه الآية، وأعلم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ بقولهم، واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كما أخبر الله ~~سبحانه، فقالوا: «شغلتنا أموالنا وأهلونا عنك ~~فاستغفر لنا» وهذا منهم خبث وإبطال، لأنهم قالوا ذلك ~~مصانعة من غير توبة ولا ندم؛ فلذلك قال تعالى: { يقولون ~~بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } ثم قال تعالى لنبيه ~~ عليه السلام : { قل }: لهم { فمن يملك لكم من ~~الله شيئا إن أراد بكم ضرا } أي: من يحمي منه أموالكم ~~وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءا، وفي مصحف ابن مسعود: إن أراد ~~بكم سوءا ثم رد عليهم بقوله: { بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا } ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من ~~أجلها بقوله: { بل ظننتم... } الآية، و { بورا } معناه: هلكى ~~فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أزد عمان»: الفاسد، ثم رجى ~~سبحانه بقوله: { ولله ملك السموات والأرض يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا ~~رحيما } ثم إن الله سبحانه أمر نبيه [على] ما روي ~~[بغزو] خيبر، ووعده بفتحها، وأعلمه أن المخلفين إذا رأوا مسير ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود، وهم عدو ~~مستضعف طلبوا الكون معه؛ رغبة في عرض الدنيا والغنيمة، ~~فكان كذلك. # وقوله تعالى: { يريدون أن يبدلوا كلام الله } معناه: ~~أن يغيروا وعده لأهل الحديبية بغنيمة خيبر، وقال ابن زيد: كلام ~~الله هو قوله تعالى: { لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا }. قال * ع *: وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية ~~نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم وآية هذه ~~السورة نزلت عام الحديبية، وأيضا فقد غزت جهينة ومزينة ~~بعد هذه المدة مع رسول الله ms1302 صلى الله عليه وسلم يعني غزوة ~~الفتح، فتح مكة. # * ت *: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأول عامة أهل التأويل، وهو ~~أصوب من تأويل ابن زيد. # وقوله: { كذلكم قال الله من قبل } يريد وعده قبل ~~باختصاصهم بها، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } ~~قال قتادة وغيره: هم هوازن ومن حارب النبي عليه السلام يوم ~~حنين، وقال الزهري وغيره: هم أهل الردة وبنو حنيفة ~~باليمامة، وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد ~~كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر ~~إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم المراد، وقيل: هم فارس والروم، ~~وقرأ الجمهور: «أو يسلمون» على القطع أي: أو هم يسلمون دون حرب، ~~قال ابن العربي: والذين تعين قتالهم حتى يسلموا من غير قبول ~~جزية، هم العرب في أصح الأقوال، أو المرتدون، فأما فارس والروم ~~فلا يقاتلون إلى أن يسلموا؛ بل إن بذلوا الجزية قبلت منهم، ~~وهذه الآية إخبار بمغيب؛ فهي من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~، انتهى من «الأحكام». # وقوله: { فإن تطيعوا } أي: فيما تدعون إليه، وباقي الآية ~~بين. # ثم ذكر تعالى أهل الأعذار، ورفع الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى ~~يوم القيامة، ومع ارتفاع الحرج فجائز لهم الغزو، وأجرهم فيه ~~مضاعف، وقد غزا ابن أم مكتوم [وكان يمسك الراية في بعض حروب ~~القادسية، وقد خرج النسائي هذا المعنى، وذكر ابن أم مكتوم] ~~رحمه الله. ### || [48.18-20] # وقوله عز وجل: { لقد رضي الله عن المؤمنين... } ~~الآية، تشريف لهم رضي الله عنهم وقد تقدم القول في ~~المبالغة ومعناها، وكان سبب هذه المبايعة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أراد أن يبعث إلى مكة رجلا يبين لهم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد حربا؛ وإنما جاء ~~معتمرا، فبعث إليهم خداش بن أمية الخزاعي، وحمله صلى ~~الله عليه وسلم على جمل له يقال له: الثعلب، فلما كلمهم ~~عقروا الجمل، وأرادوا قتل خداش فمنعته الأحابيش، وبلغ ذلك ms1303 النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأراد بعث عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا ~~رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي ~~أحد يحميني، ولكن ابعث عثمان؛ فهو أعز بمكة مني، فبعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذهب، فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي ~~فنزل عن دابته فحمله عليها، وأجاره حتى بلغ الرسالة، فقالوا له: إن ~~شئت يا عثمان أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأطوف حتى ~~يطوف به النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن بني سعيد بن العاصي ~~حبسوا عثمان على جهة المبرة، فأبطأ على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكانت الحديبية من مكة على نحو عشرة أميال، ~~فصرخ صارخ من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل ~~عثمان، فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، وقالوا: ~~لا نبرح إن كان هذا حتى نناجز القوم، ثم دعا الناس إلى ~~البيعة فبايعوه صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عنها إلا ~~الجد بن قيس المنافق، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يده ~~على يده، وقال: هذه يد لعثمان، وهي خير، ثم جاء عثمان سالما ~~والشجرة سمرة كانت هنالك ذهبت بعد سنين. # وقوله سبحانه: { فعلم ما فى قلوبهم } قال الطبري، ومنذر بن ~~سعيد: معناه: من الإيمان وصحته، والحب في الدين والحرص فيه، ~~وقرأ الناس: «وأثابهم» قال هارون: وقد قرأت: «وآتاهم» بالتاء ~~بنقطتين، والفتح القريب: خيبر، والمغانم الكثيرة: فتح خيبر. # وقوله تعالى: { وعدكم الله... } الآية، مخاطبة للمؤمنين، ووعد ~~بجميع المغانم التي أخذها المسلمون ويأخذونها إلى يوم القيامة؛ قاله ~~مجاهد وغيره. # وقوله: { فعجل لكم هذه } يريد خيبر، وقال زيد بن أسلم ~~وابنه: المغانم الكثيرة: خيبر، وهذه إشارة إلى البيعة والتخلص من ~~أمر قريش، وقاله ابن عباس. # وقوله سبحانه: { وكف أيدى الناس عنكم } قال قتادة: يريد ~~كف أيديهم عن أهل المدينة في مغيب النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين، { ولتكون ءاية } أي: علامة على نصر المؤمنين، وحكى ~~الثعلبي عن قتادة أن المعنى: كف الله غطفان ومن ms1304 معها حين ~~جاءوا لنصر خيبر، وقيل: أراد كف قريشا. ### || [48.21-26] # وقوله سبحانه: { وأخرى لم تقدروا عليها } قال ابن عباس: ~~الإشارة إلى بلاد فارس والروم، وقال قتادة والحسن: الإشارة إلى مكة، ~~وهذا قول يتسق معه المعنى ويتأيد. # وقوله: { قد أحاط الله بها } معناه: بالقدرة والقهر ~~لأهلها، أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. # * ت *: قوله: وظهر فيها إلى آخره كلام غير محصل، ولفظ الثعلبي: { ~~وأخرى لم تقدروا عليها } أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم ~~تقدروا عليها، قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم، وقال ابن ~~عباس: علم الله أنه يفتحها لكم، قال مجاهد: هو ما فتحوه حتى اليوم، ~~ثم ذكر بقية الأقوال، انتهى. # وقوله سبحانه: { ولو قتلكم الذين كفروا } يعني: كفار ~~قريش في تلك السنة { لولوا الأدبر ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا }. # وقوله: سنة الله أي: كسنة الله، إشارة إلى وقعة بدر، وقيل: ~~إشارة إلى عادة الله من نصر الأنبياء، ونصب «سنة» على المصدر. # وقوله تعالى: { وهو الذى كف أيديهم عنكم... } الآية، ~~روي في سببها أن قريشا جمعت جماعة من فتيانها، وجعلوهم مع ~~عكرمة بن أبي جهل، وخرجوا يطلبون غرة في عسكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم واختلف الناس في عدد هؤلاء اختلافا متفاوتا؛ فلذلك ~~اختصرته، فلما أحس بهم المسلمون بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أثرهم خالد بن الوليد، وسماه يومئذ سيف ~~الله في جملة من الناس، ففروا أمامهم، حتى أدخلوهم بيوت ~~مكة، وأسروا منهم جملة، فسيقوا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فمن عليهم وأطلقهم؛ قال الواحدي: وكان ذلك سبب ~~الصلح بينهم، انتهى. # وقوله سبحانه: { هم الذين كفروا } يعني: أهل مكة { ~~وصدوكم عن المسجد الحرام } أي: منعوكم من العمرة، وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى ~~الحديبية في ذي القعدة سنة ست يريد العمرة وتعظيم البيت وخرج معه بمائة ~~بدنة وقيل بسبعين فأجمعت قريش لحربه وغوروا المياه التي تقرب من مكة فجاء ~~ صلى الله عليه وسلم ms1305 حتى نزل على بئر الحديبية وحينئذ وضع سهمه في ~~الماء فجرى غمرا حتى كفى الجيش ثم بعث صلى الله عليه وسلم إليهم ~~عثمان كما تقدم وبعثوا هم رجالا آخرهم سهيل بن عمرو وبه انعقد الصلح على ~~أن ينصرف صلى الله عليه وسلم ويعتمر من قابل فهذا صدهم إياه وهو ~~مستوعب في السير، { والهدي } معطوف على الضمير في «صدوكم» [أي] ~~وصدوا الهدي، «ومعكوفا» حال، ومعناه: محبوسا، تقول عكفت الرجل عن حاجته ~~إذا حبسته، وحبس الهدي من قبل المشركين هو بصدهم، ومن قبل المسلمين ~~لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم؛ لأجل أن يبلغ الهدي محله، وهو ~~مكة والبيت، وهذا هو حبس المسلمين، وذكر تعالى العلة في ~~أن صرف المسلمين، ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهي ~~أنه كان بمكة مؤمنون من رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح ~~المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين؛ قال قتادة: فدفع الله عن ~~المشركين بأولئك المؤمنون، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره؛ ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # قال أبو حيان: { ولولا رجال } جوابها محذوف؛ لدلالة الكلام ~~عليه، أي: ما كف أيديكم عنهم، انتهى، والمعرة: السوء والمكروه ~~اللاحق؛ مأخوذ من العر والعرة وهو الجرب الصعب اللازم، ~~واختلف في تعيين هذه المعرة، فقال الطبري: وحكاه ~~الثعلبي: هي الكفارة، وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم ~~الكفار، ويقولوا: قتلوا أهل دينهم، وقال بعض المفسرين: هي ~~الملام، والقول في ذلك، وتألم النفس في باقي الزمان، وهذه أقوال ~~حسان، وجواب «لولا» محذوف، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن ~~شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم، ودفعنا بسببهم عن ~~مكة ليدخل الله، أي: ليبين للناظر أن الله يدخل من ~~يشاء في رحمته أو، أي: ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم. # * ت *: وقال الثعلبي: قوله: «بغير علم» يحتمل أن يريد ~~بغير علم ممن تكلم بهذا، والمعرة: المشقة «ليدخل الله ~~في رحمته» أي: في دين الإسلام «من يشاء»: من أهل مكة قبل أن ~~تدخلوها، انتهى. # وقوله تعالى: { لو تزيلوا } أي: لو ذهبوا عن مكة؛ ms1306 تقول: ~~زلت زيدا عن موضعه إزالة، أي: أذهبته، وليس هذا الفعل من «زال ~~يزول»، وقد قيل: هو منه، وقرأ أبو حياة وقتادة: «تزايلوا» بألف، ~~أي: ذهب هؤلاء عن هؤلاء، وقال النحاس: وقد قيل: إن قوله: { ~~ولولا رجال مؤمنون... } الآية: يريد: من في أصلاب ~~الكافرين ممن سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مرفوعا، والحمية التي جعلوها هي حمية أهل مكة ~~في الصد؛ قال الزهري: وهي حمية سهيل ومن شاهد ~~منهم عقد الصلح، وجعلها سبحانه حمية جاهلية، لأنها كانت ~~منهم بغير حجة، إذ لم يأت صلى الله عليه وسلم محاربا ~~لهم، وإنما جاء معتمرا معظما لبيت الله، والسكينة: هي ~~الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~والثقة بوعد الله، والطاعة، وزوال الأنفة التي لحقت عمر ~~وغيره، «وكلمة التقوى»: قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي مصحف ابن مسعود: # " وكانوا أهلها [وأحق بها " # والمعنى: كانوا أهلها] على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وروى ~~أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء، واستجيب ~~الدعاء، فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين ~~المنادي، فإذا كبر كبر، وإذا تشهد تشهد، ~~وإذا قال: حي على الصلاة، قال: حي على الصلاة، ~~وإذا قال: حي على الفلاح، قال: حي على الفلاح، ~~ثم يقول: رب هذه الدعوة الصادقة المستجاب ~~لها، دعوة الحق وكلمة التقوى، أحينا عليها، ~~وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من ~~خيار أهلها أحياء وأمواتا، ثم يسأل الله ~~حاجته " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من ~~«السلاح». # فقد بين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث معنى «كلمة ~~التقوى» على نحو ما فسر به الجمهور، والصحيح أنه يعوض عن الحيعلة ~~الحوقلة؛ ففي صحيح مسلم: # " ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، ms1307 قال: لا ~~حول ولا قوة إلا بالله " # الحديث، انتهى. # وقوله تعالى: { وكان الله بكل شيء عليما } إشارة إلى ~~علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة ~~في صلح الحديبية؛ فيروى أنه لما انعقد الصلح أمن الناس في ~~تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا وعلت دعوة الإسلام، وانقاد ~~إلى الإسلام كل من له فهم، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أضعاف ~~ما كان قبل ذلك؛ قال * ع *: ويقتضى ذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى ~~مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس صلى الله عليه وسلم ~~. # * ت *: المعروف عشرة آلاف، وقوله فارس ما أظنه يصح فتأمله ~~في كتب السيرة. ### || [48.27-28] # وقوله سبحانه: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا ~~بالحق... } الآية: # " روي في تفسيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه ~~عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو ~~وأصحابه، بعضهم محلقون، وبعضهم مقصرون " # وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناس بهذه الرؤيا، فوثق ~~الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله ~~أن ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فلما صدهم أهل مكة ~~قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، ~~فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال: # " وهل قلت لكم: يكون ذلك في عامنا هذا " # ، أو كما قال، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه، ثم أنزل الله عز ~~وجل: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق... } ~~الآية، واللام في: { لتدخلن } لام القسم. # وقوله: { إن شاء الله } اختلف في هذا الاستثناء، فقال بعض ~~العلماء: إنما استثنى من حيث إن كل واحد من الناس متى رد هذا ~~الوعد إلى نفسه، أمكن أن يتم الوعد فيه وألا يتم؛ إذ قد يموت ~~الإنسان أو يمرض لحينه، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة؛ إذ فيهم ولا ~~بد من يموت أو يمرض. # * ت *: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السير، وقال ms1308 آخرون: هو أخذ من ~~الله تعالى [على عباده] بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل. # * ت *: قال ثعلب: استثنى الله تعالى فيما يعلم؛ ليستثني الخلق ~~فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية علم المسلمون ~~أن تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج صلى ~~الله عليه وسلم في العام المقبل واعتمر. # وقوله سبحانه: { فعلم ما لم تعلموا } يريد ما قدره من ~~ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه. # وقوله: { من دون ذلك } أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف ~~في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصلح ~~الحديبية، وقال ابن زيد: هو فتح خيبر. ### || [48.29] # وقوله تعالى: { محمد رسول الله } قال جمهور الناس: هو ~~ابتداء وخبر، استوفى فيه تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { والذين معه } ابتداء، وخبره: { أشداء } و { ~~رحماء } خبر ثان، وهذا هو الراجح؛ لأنه خبر مضاد لقول الكفار: ~~«لا تكتب محمد رسول الله»، { والذين معه } إشارة إلى ~~جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن الإشارة إلى ~~من شهد الحديبية. # * ت *: ووصف تعالى الصحابة بأنهم رحماء بينهم، وقد جاءت أحاديث ~~صحيحة في تراحم المؤمنين؛ حدثنا الشيخ ولي الدين العراقي بسنده عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاصي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء " # وأخرج الترمذي من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لا تنزع الرحمة إلا من [قلب] شقي " # وخرج عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من لا يرحم الناس، لا يرحمه الله " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهذا الحديث خرجه مسلم عن جرير، ~~وخرج مسلم أيضا من طريق أبي هريرة: # " من لا يرحم لا يرحم " # انتهى، وبالجملة: فأسباب الألفة والتراحم بين المؤمنين كثيرة، ولو ~~بأن تلقى أخاك بوجه طلق، وكذلك بذل السلام وطيب الكلام، ~~فالموفق ms1309 لا يحتقر من المعروف شيئا، وقد روى الترمذي الحكيم في كتاب ~~«ختم الأولياء» له بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا التقى المسلمان كان أحبهما إلى الله ~~سبحانه أحسنهما بشرا بصاحبه " # أو قال: # " أكثرهما [بشرا] بصاحبه، فإذا تصافحا، أنزل ~~الله عليهما مائة رحمة، تسعون منها للذي ~~بدأ، وعشرة للذي صوفح " # انتهى. # وقوله: { تراهم ركعا سجدا } أي: ترى هاتين الحالتين كثيرا ~~فيهم و { يبتغون }: معناه: يطلبون. # وقوله سبحانه: { سيمهم فى وجوههم } قال مالك بن أنس: كانت ~~جباههم متربة من كثرة السجود في التراب؛ وقاله عكرمة، ~~ونحوه لأبي العالية، وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم ~~يوم القيامة من الله تعالى، يجعل لهم نورا من أثر السجود، قال * ع ~~*: كما يجعل غرة من أثر الوضوء، حسبما هو في الحديث، ويؤيد هذا ~~التأويل اتصال القول بقوله: «فضلا من الله» وقال ابن عباس: ~~السمت الحسن هو السيما، وهو خشوع يبدو على الوجه، قال * ع *: وهذه ~~حالة مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وقال ~~الحسن بن أبي الحسن، وشمر بن عطية: «السيما»: بياض وصفرة ~~وتبهيج يعتري الوجوه من السهر، وقال عطاء بن أبي رباح، والربيع ~~بن أنس: «السيما»: حسن يعتري وجوه المصلين، قال * ع *: ومن ~~هذا الحديث الذي في «الشهاب»: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # قال * ع *: وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك ~~بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، ثم ~~نزع شريك لما رأى ثابتا الزاهد فقال يعنيه: من كثرت صلاته ~~بالليل، حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت أن هذا ~~الكلام حديث متركب على السند المذكور، فحدث به عن شريك. # * ت *: واعلم أن الله سبحانه جعل حسن الثناء علامة على حسن ~~عقبى الدار، والكون في الجنة مع الأبرار، جاء بذلك صحيح الآثار عن ~~النبي المختار؛ ففي «صحيح البخاري » «ومسلم» عن أنس قال: # " مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال ~~النبي صلى الله ms1310 عليه وسلم: وجبت، ثم مروا بأخرى ~~فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت، فقال عمر: ما ~~وجبت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له ~~الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له ~~النار، أنتم شهداء الله في الأرض " # ،انتهى، ونقل صاحب «الكوكب الدري» من مسند البزار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار، ~~فقالوا: يا رسول الله، بم؟ قال: بالثناء الحسن ~~والثناء السيىء " # ، انتهى، ونقله صاحب كتاب «التشوف إلى رجال التصوف» وهو الشيخ ~~الصالح أبو يعقوب يوسف بن يحيى التالي، عن ابن أبي شيبة، ولفظه: ~~وخرج أبو بكر بن أبي شيبة أنه قال صلى الله عليه وسلم في ~~خطبته: # " توشكوا أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار، ~~أو قال: خياركم من شراركم، قالوا: بم يا رسول ~~الله؟ قال: بالثناء الحسن، وبالثناء السيىء، ~~أنتم شهداء الله بعضكم على بعض " # ومن كتاب «التشوف» قال: وخرج البزار عن أنس قال: # " قيل: يا رسول الله، من أهل الجنة؟ قال: من لا ~~يموت حتى تملأ مسامعه مما يحبه، قيل: فمن ~~أهل النار؟ قال: من لا يموت حتى تملأ مسامعه ~~مما يكره " # قال: وخرج البزار عن أبي هريرة # " أن رجلا قال: يا رسول الله، دلني على عمل أدخل ~~به الجنة، قال: لا تغضب، وأتاه آخر، فقال: متى ~~أعلم أني محسن؟ قال: إذا قال جيرانك: إنك ~~محسن، فإنك محسن، وإذا قالوا: إنك مسيء، فإنك ~~مسيء " # انتهى، ونقل القرطبي في «تذكرته» عن عبد الله بن السائب قال: مرت ~~جنازة بابن مسعود فقال لرجل: قم فانظر أمن أهل الجنة هو ~~أم من أهل النار، فقال الرجل: ما يدريني أمن أهل الجنة ~~هو أم من أهل النار؟ قال: انظر ما ثناء الناس عليه، فأنتم شهداء ~~الله في الأرض، انتهى وبالله التوفيق، وإياه نستعين. # وقوله سبحانه: { ذلك مثلهم فى التوراة... } الآية: قال ~~مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل، وتم القول، و { كزرع } ابتداء تمثيل، وقال ~~الطبري وحكاه ms1311 عن الضحاك: المعنى: ذلك الوصف هو مثلهم في التوراة، ~~وتم القول، ثم ابتدأ { ومثلهم فى الإنجيل كزرع }. # * ت *: وقيل غير هذا، وأبينها الأول، وما عداه يفتقر إلى سند يقطع ~~الشك. # وقوله تعالى: { كزرع } على كل قول هو مثل للنبي عليه ~~السلام وأصحابه في أن النبي عليه السلام بعث ~~وحده فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو ~~فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل؛ يقال: أشطأت الشجرة: إذا ~~أخرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا أخرج شطأه، وحكى النقاش عن ابن عباس ~~أنه قال: الزرع: النبي صلى الله عليه وسلم، { فازره }: ~~علي بن أبي طالب، { فاستغلظ } بأبي بكر، { فاستوى على ~~سوقه } بعمر بن الخطاب. # * ت *: وهذا لين الإسناد والمتن، كما ترى، والله أعلم ~~بصحته. # وقوله تعالى: { فازره } له معنيان: # أحدهما: ساواه طولا. # والثاني: أن: «آزره» و«وازره» بمعنى: أعانه وقواه؛ مأخوذ ~~من الأزر، وفاعل «آزر» يحتمل أن يكون الشطء، ويحتمل أن ~~يكون الزرع. # وقوله تعالى: { ليغيظ بهم الكفار } ابتداء كلام قبله محذوف، ~~تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة؛ ليغيظ بهم الكفار، قال الحسن: من ~~غيظ الكفار قول عمر بمكة: لا يعبد الله سرا ~~بعد اليوم. # وقوله تعالى: { منهم } هي لبيان الجنس، وليست للتبعيض؛ لأنه وعد ~~مرج للجميع. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا ~~بين يدى الله ورسوله... } الآية: قال ابن زيد: معنى: { لا ~~تقدموا } لا تمشوا، وقرأ ابن عباس، والضحاك، ويعقوب: بفتح ~~التاء والدال ، على معنى: لا تتقدموا، وعلى هذا يجيء تأويل ابن ~~زيد، والمعنى على ضم التاء: بين يدي قول الله ورسوله، وروي أن ~~سبب هذه الآية أن وفد بني تميم لما قدم، قال أبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنه -: يا رسول الله، لو أمرت ~~القعقاع بن معبد؟ وقال عمر: لا يا رسول الله، ~~بل أمر الأقرع بن حابس، فقال له أبو بكر: ما ~~أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، ~~وارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية، وذهب بعض قائلي هذه ~~المقالة إلى أن قوله: { لا تقدموا ms1312 }: أي: ولاة، فهو ~~من تقديم الأمراء، وعموم اللفظ أحسن، أي: اجعلوه مبدأ في الأقوال ~~والأفعال، وعبارة البخاري: وقال مجاهد: «لا تقدموا»: لا تفتاتوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله عز وجل على لسانه، ~~انتهى. # وقوله سبحانه: { لا ترفعوا أصوتكم } الآية، هي أيضا في هذا ~~الفن المتقدم؛ فروي أن سببها ما تقدم عن أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما والصحيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء ~~وعلو الصوت، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه ~~ممن في صوته جهارة فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه، وجلس ~~في بيته لم يخرج، وهو كئيب حزين حتى عرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم خبره فبعث إليه، فآنسه، وقال له: # " امش في الأرض بسطا؛ فإنك من أهل الجنة " # ، وقال له مرة: # " أما ترضى أن تعيش حميدا، وتموت شهيدا؟ " # فعاش كذلك، ثم قتل شهيدا باليمامة يوم مسيلمة. # * ت *: وحديث ثابت بن قيس وتبشيره بالجنة خرجه البخاري، وكذلك ~~حديث أبي بكر وعمر وارتفاع أصواتهما خرجه البخاري أيضا، انتهى. # وقوله: { كجهر بعضكم لبعض } أي: كحال أحدكم في جفائه، فلا ~~تنادوه باسمه: يا محمد، يا أحمد؛ قاله ابن عباس وغيره، فأمرهم الله ~~بتوقيره، وأن يدعوه بالنبوة والرسالة، والكلام اللين، وكره ~~العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العالم ~~وفي المساجد، وفي هذه كلها آثار؛ قال ابن العربي في «أحكامه»: ~~وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا، وكلامه ~~المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا ~~قرىء كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض ~~عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه ~~الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: # وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا # [الأعراف:204] وكلام النبي صلى الله عليه وسلم هو من الوحي، وله من ~~الحرمة مثل ما للقرآن، انتهى. # وقوله تعالى: { أن تحبط } مفعول من أجله، أي: مخافة ms1313 أن تحبط، ~~ثم مدح سبحانه الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، وغض الصوت ~~خفضه وكسره، وكذلك البصر، وروي: أن أبا بكر وعمر كانا بعد ~~ذلك لا يكلمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي ~~السرار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج مع عمر بعد ~~ذلك إلى استعادة اللفظ؛ لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه، و { ~~امتحن } معناه: اختبر وطهر كما يمتحن الذهب بالنار، ~~فيسرها وهيأها للتقوى، وقال عمر بن الخطاب: امتحنها للتقوى: ~~أذهب عنها الشهوات. # قال * ع *: من غلب شهوته وغضبه فذلك الذي امتحن الله قلبه ~~للتقوى، وبذلك تكون الاستقامة، وقال البخاري: { امتحن }: أخلص، ~~انتهى. ### || [49.4-8] # وقوله سبحانه: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت ~~أكثرهم لا يعقلون } نزلت في وفد بني تميم وقولهم: يا ~~محمد، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: ~~«أكثرهم بنو تميم لا يعقلون» وباقي الآية بين. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا } وقرىء «فتثبتوا» روي في سبب ~~الآية: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن ~~عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا، ~~فلما قرب منهم خرجوا إليه، ففزع منهم، وظن ~~بهم شرا، فرجع، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: قد ~~منعوني الصدقة، وطردوني، وارتدوا، فغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم، فورد ~~وفدهم منكرين لذلك»، وروي أنه لما قرب ~~منهم بلغه عنهم أنهم قالوا: لا نعطيه ~~الصدقة ولا نطيعه، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، و { أن ~~تصيبوا } معناه: مخافة أن تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عندما نزلت هذه الآية: # " التثبت من الله والعجلة من الشيطان ". # وقوله سبحانه: { واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم } توبيخ للكذبة، ~~والعنت: المشقة. # وقوله تعالى: { أولئك هم الرشدون } رجوع من الخطاب إلى ~~الغيبة، كأنه قال: ومن اتصف بما تقدم من المحاسن أولئك هم الراشدون. # وقوله سبحانه: { فضلا من الله ونعمة } أي: كان هذا فضلا ~~من الله ونعمة، ms1314 وكان قتادة رحمه الله يقول: قد قال الله ~~تعالى لأصحاب محمد عليه السلام : { واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر ~~لعنتم } وأنتم والله أسخف رأيا، وأطيش أحلاما، فليتهم ~~رجل نفسه، ولينتصح كتاب الله تعالى. ### || [49.9-10] # وقوله تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما } سبب الآية في قول الجمهور هو ما وقع ~~بين المسلمين المتحزبين في قضية عبد الله بن أبي ابن ~~سلول حين مر به النبي صلى الله عليه وسلم راكبا على حماره ~~متوجها إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، حسبما هو معلوم في ~~الحديث الطويل، ومدافعة الفئة الباغية متوجهة في كل حال، [وأما ~~التهيؤ] لقتالهم فمع الولاة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " حكم الله في الفئة الباغية ألا يجهز على ~~جريحها، ولا يطلب هاربها، ولا يقتل أسيرها، ولا ~~يقسم فيئها " # و { تفىء } معناه: ترجع، وقرأ الجمهور: «بين أخويكم» وذلك؛ ~~رعاية لحال أقل عدد يقع فيه القتال والتشاجر، وقرأ ابن عامر: ~~«بين إخوتكم» وقرأ عاصم الجحدري: «بين إخوانكم» ~~وهي قراءة حسنة؛ لأن الأكثر في جمع الأخ في الدين ونحوه من غير ~~النسب: «إخوان»، والأكثر في جمعه من النسب: «إخوة» و«آخاء»، وقد ~~تتداخل هذه الجموع، وكلها في كتاب الله. ### || [49.11-12] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم ~~من قوم } الآية: هذه الآية والتي بعدها نزلت في خلق أهل ~~الجاهلية؛ وذلك أنهم كانوا يجرون مع شهوات نفوسهم، لم يقومهم أمر من ~~الله ولا نهي، فكان الرجل يسخر، ويلمز، وينبز بالألقاب، ويظن ~~الظنون، ويتكلم بها، ويغتاب، ويفتخر بنسبه، إلى غير ذلك من أخلاق النفوس ~~البطالة، فنزلت هذه الآية؛ تأديبا لهذه الأمة، وروى البخاري ~~ومسلم والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يكذبه، ولا ~~يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه، ~~وماله، ودمه، التقوى ههنا، بحسب امرىء من الشر ~~أن يحتقر أخاه المسلم " # انتهى، ويسخر معناه: يستهزىء، وقد يكون ذلك المستهزأ به خيرا ms1315 من ~~الساخر، والقوم في كلام العرب واقع على الذكران، وهو من أسماء ~~الجمع؛ ومن هذا قول زهير: [من الوافر] # وما أدري وسوف إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وهذه الآية أيضا تقتضي اختصاص القوم بالذكران، وقد يكون مع الذكران ~~نساء، فيقال لهم قوم؛ على تغليب حال الذكر، و { تلمزوا } معناه: ~~يطعن بعضكم على بعض بذكر النقائص ونحوه، وقد يكون اللمز بالقول ~~وبالإشارة ونحوه مما يفهمه آخر، والهمز لا يكون إلا باللسان، ~~وحكى الثعلبي أن اللمز ما كان في المشهد، والهمز ما كان في ~~المغيب، وحكى الزهراوي عكس ذلك. # وقوله تعالى: { أنفسكم } معناه: بعضكم بعضا؛ كما قال تعالى: # أن اقتلوا أنفسكم # [النساء:66] كأن المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم إخوة؛ كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى ~~سائره بالسهر والحمى " # ، وهم كما قال أيضا: # " كالبنيان يشد بعضه بعضا " # ، والتنابز: التلقب، والتنبز واللقب واحد، واللقب يعني ~~المذكور في الآية هو: ما يعرف به الإنسان من الأسماء التي ~~يكره سماعها، وليس من هذا قول المحدثين: سليمان الأعمش، ~~وواصل الأحدب ونحوه مما تدعو الضرورة إليه، وليس فيه قصد استخفاف ~~وأذى، وقال ابن زيد: معنى: { ولا تنابزوا بالألقب } أي: لا ~~يقل أحد لأحد: يا يهودي، بعد إسلامه، ولا: يا فاسق، بعد توبته، ~~ونحو هذا. # وقوله سبحانه: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } يحتمل ~~معنيين: # أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فساقا ~~بالمعصية بعد إيمانكم. # والثاني: بئس قول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه؛ وعن حذيفة رضي ~~الله عنه قال: # " شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرب لساني، ~~فقال: «أين أنت من الاستغفار؟! إني لأستغفر ~~الله كل يوم مائة مرة» " # رواه النسائي واللفظ له، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»، وقال: ~~صحيح على شرط مسلم، وفي رواية للنسائي: # " إني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه مائة ~~مرة " # ، والذرب بفتح الذال والراء هو الفحش، انتهى من ~~«السلاح»، ومنه عن ابن عمر: «إن كنا لنعد لرسول الله صلى ~~الله عليه ms1316 وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر ~~لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم» رواه أبو ~~داود، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، ~~وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، انتهى. # ثم أمر تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وألا يعملوا ولا ~~يتكلموا بحسبه؛ لما في ذلك وفي التجسس من التقاطع والتدابر، وحكم ~~على بعضه أنه إثم، إذ بعضه ليس بإثم، والظن المنهي عنه هو أن ~~تظن شرا برجل ظاهره الصلاح، بل الواجب أن تزيل الظن وحكمه، ~~وتتأول الخير؛ قال * ع *: وما زال أولو العزم يحترسون من سوء ~~الظن، ويجتنبون ذرائعه، قال النووي: واعلم أن سوء الظن حرام، مثل ~~القول، فكما يحرم أن تحدث غيرك بمساوىء إنسان يحرم ~~أن تحدث نفسك بذلك، وتسيء الظن به؛ وفي الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم: # " إياكم والظن؛ فإنه أكذب الحديث " # والأحاديث بمعنى ما ذكرناه كثيرة، والمراد بذلك عقد القلب وحكمه على ~~غيره بالسوء، فأما الخواطر وحديث النفس، إذا لم يستقر، ويستمر عليه ~~صاحبه فمعفو عنه باتفاق العلماء؛ لأنه لا اختيار له في ~~وقوعه، ولا طريق له إلى الانفكاك عنه، انتهى. # قال أبو عمر في «التمهيد»: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " حرم الله من المؤمن دمه، وماله، وعرضه، ~~وألا يظن به إلا الخير " # انتهى، ونقل في موضع آخر بسنده: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا ذكر ~~عنده رجل بفضل أو صلاح قال: كيف هو إذا ذكر عنده إخوانه؟ فإن قالوا: ~~إنه يتنقصهم، وينال منهم، قال عمر: ليس هو كما تقولون، وإن قالوا: ~~إنه يذكر منهم جميلا وخيرا، ويحسن الثناء عليهم، قال: هو كما ~~تقولون إن شاء الله، انتهى من «التمهيد»، وروى أبو داود في «سننه» عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " حسن الظن من حسن العبادة " # انتهى. وقوله تعالى: { ولا تجسسوا } أي: لا تبحثوا عن مخبآت ~~أمور الناس، وادفعوا بالتي هي أحسن، واجتزئوا بالظواهر الحسنة، وقرأ ~~الحسن وغيره: «ولا تحسسوا» بالحاء ms1317 المهملة؛ قال بعض الناس: ~~التجسس بالجيم في الشر، وبالحاء في الخير، قال * ع *: وهكذا ورد ~~القرآن، ولكن قد يتداخلان في الاستعمال. # * ت *: وقد وردت أحاديث صحيحة في هذا الباب، لولا الإطالة لجلبناها. # { ولا يغتب } معناه: لا يذكر أحدكم من أخيه شيئا هو فيه، ويكره ~~سماعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا ذكرت ما في أخيك فقد اغتبته، وإذا ذكرت ~~ما ليس فيه فقد بهته " # ، وفي حديث آخر: # " الغيبة أن تذكر المؤمن بما يكره، قيل: وإن ~~كان حقا؟ قال: إذا قلت باطلا فذلك هو البهتان " # وحكى الزهراوي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الغيبة أشد من الزنا، قيل: وكيف؟! قال: لأن ~~الزاني يتوب فيتوب الله عليه، والذي يغتاب لا ~~يتاب عليه حتى يستحل " # ، قال * ع *: وقد يموت من اغتيب، أو يأبى، وروى أبو داود في «سننه» ~~عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، ~~يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا ~~جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ~~ويقعون في أعراضهم " # انتهى. # والغيبة مشتقة من «غاب يغيب» وهي القول في الغائب، ~~واستعملت في المكروه، ولم يبح في هذا المعنى إلا ما تدعو ~~الضرورة إليه، من تجريح الشهود، وفي التعريف بمن استنصح في الخطاب ~~ونحوهم: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أما معاوية فصعلوك لا مال له " # وما يقال في الفسقة أيضا، وفي ولاة الجور، ويقصد به: ~~التحذير منهم؛ ومنه قوله عليه السلام : # " أعن الفاجر ترعون؟! اذكروا الفاجر بما فيه، ~~متى يعرفه الناس إذا لم تذكروه؟! ". # * ت *: وهذا الحديث خرجه أيضا أبو بكر ابن الخطيب بسنده عن بهز، ~~عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أترعون عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه؛ ~~يحذره الناس " # ولم يذكر في سنده مطعنا، انتهى، ومنه قوله عليه السلام : # " بئس ابن العشيرة ". # ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، ووقف تعالى على ms1318 جهة ~~التوبيخ بقوله: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا فكرهتموه } أي: فكذلك فاكرهوا الغيبة، قال أبو حيان: { ~~فكرهتموه } قيل: خبر بمعنى الأمر، أي: فاكرهوه، وقيل على بابه، ~~فقال الفراء: فقد كرهتموه، فلا تفعلوه، انتهى. # وقد روى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه ~~بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه ~~كذلك " # وفي رواية مسلم: # " من دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، ~~وليس كذلك إلا حار عليه " # وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: # " أي رجل قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما ~~" # انتهى، وباقي الآية بين. ### || [49.13-14] # وقوله تعالى: { يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر ~~وأنثى... } الآية: المعنى: يأيها الناس، أنتم سواء من حيث أنتم ~~مخلوقون، وإنما جعلتم قبائل؛ لأن تتعارفوا، أو لأن تعرفوا ~~الحقائق، وأما الشرف والكرم فهو بتقوى الله تعالى وسلامة ~~القلوب، وقرأ ابن مسعود: «لتعارفوا بينكم وخيركم عند ~~الله أتقاكم» وقرأ ابن عباس: «لتعرفوا أن» على وزن ~~«تفعلوا» بكسر العين وبفتح الهمزة من «أن»، وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن يكون أكرم الناس، فليتق الله " # وأما الشعوب فهو جمع شعب، وهو أعظم ما يوجد من جماعات الناس ~~مرتبطا بنسب واحد؛ كمضر وربيعة وحمير، ويتلوه القبيلة، ثم ~~العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، والأسرة وهما قرابة الرجل ~~الأدنون، ثم نبه سبحانه على الحذر بقوله: { إن الله ~~عليم خبير } أي: بالمتقي الذي يستحق رتبة الكرم، وخرج مسلم ~~في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر ~~أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد " # وروى أبو داود والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم، إنما هم ~~فحم من جهنم أو ليكونن على الله أهون من ~~الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله ~~أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها؛ إنما هو ~~مؤمن تقي، أو فاجر شقي، كلكم ms1319 بنو آدم وآدم ~~من تراب " # انتهى، ونقله البغوي في «مصابيحه». # وقوله تعالى: { قالت الأعراب ءامنا } قال مجاهد: نزلت في بني ~~أسد، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وفي الباطن إنما ~~يريدون المغانم وعرض الدنيا، ثم أمر الله تعالى نبيه أن ~~يقول لهؤلاء المدعين للإيمان: { لم تؤمنوا } أي: لم تصدقوا ~~بقلوبكم، { ولكن قولوا أسلمنا } أي: استسلمنا، والإسلام ~~يقال بمعنيين: # أحدهما: الذي يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله تعالى: # إن الدين عند الله الإسلم # [آل عمران:19] والذي في قوله عليه السلام : # " بني الإسلام على خمس ". # والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام، والإظهار الذي يستعصم ~~به ويحقن الدم، وهذا هو الذي في الآية، ثم صرح بأن الإيمان لم ~~يدخل في قلوبهم، ثم فتح باب التوبة بقوله: { وإن تطيعوا الله ~~ورسوله... } الآية، وقرأ الجمهور: «لا يلتكم» من «لات ~~يليت» إذا نقص؛ يقال: لات حقه إذا نقصه منه، وقرأ أبو عمرو: ~~«لا يألتكم» من «ألت يألت» وهي بمعنى لات. ### || [49.15-18] # وقوله سبحانه: { إنما المؤمنون } إنما هنا حاصرة. # وقوله: { ثم لم يرتابوا } أي: لم يشكوا، ثم أمر الله تعالى ~~نبيه عليه السلام بتوبيخهم بقوله: { أتعلمون الله ~~بدينكم } أي: بقولكم آمنا، وهو يعلم منكم خلاف ذلك؛ لأنه ~~العليم بكل شيء. # وقوله سبحانه: { يمنون عليك أن أسلموا } نزلت في بني ~~أسد أيضا، وقرأ ابن مسعود: «يمنون عليك إسلامهم» وقرأ ابن ~~كثير وعاصم في رواية: «والله بصير بما يعملون» ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-14] # قوله عز وجل: { ق والقرءان المجيد } قال مجاهد، والضحاك، ~~وابن زيد، وعكرمة: ق اسم الجبل المحيط بالدنيا، وهو فيما يزعمون ~~أنه من زمردة خضراء، منها خضرة السماء وخضرة البحر، وقيل في ~~تفسيره غير هذا، و { المجيد }: الكريم في أوصافه الذي جمع كل ~~معلاة، و { ق } مقسم به وبالقرآن؛ قال الزجاج: وجواب القسم ~~محذوف تقديره: ق والقرآن المجيد لتبعثن، قال * ع *: وهذا قول حسن، وأحسن ~~منه أن يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب ببل، كأنه قال: ~~والقرآن المجيد ما ردوا أمرك بحجة، ونحو هذا، ms1320 مما لا بد لك من ~~تقديره بعد الذي قدره الزجاج، وباقي الآية بين مما تقدم ~~في «ص» و«يونس» وغيرهما، ثم أخبر تعالى؛ ردا على قولهم بأنه ~~سبحانه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم، وما تبقي منه، وأن ذلك في ~~كتاب، والحفيظ: الجامع الذي لم يفته شيء؛ وفي الحديث الصحيح: # " إن الأرض تأكل ابن آدم إلا عجب الذنب " # وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم، قال * ع *: ~~وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو ~~الحق؛ قال ابن عباس والجمهور: المعنى: ما تنقص من لحومهم وأبشارهم ~~وعظامهم، وقال السدي: { ما تنقص الأرض } أي: ما يحصل في ~~بطنها من موتاهم، وهذا قول حسن مضمنه الوعيد، والمريج: معناه المخلط؛ ~~قاله ابن زيد، أي: بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ~~شاعر، إلى غير ذلك من تخليطهم، قال * ع *: والمريج: المضطرب أيضا، وهو ~~قريب من الأول؛ ومنه مرجت عهودهم، ومن الأول # مرج البحرين # [الفرقان:53]. # ثم دل تعالى على العبرة بقوله: { أفلم ينظروا إلى ~~السماء... } الآية، { وزينها } أي: بالنجوم، والفروج: ~~الفطور والشقوق خلالها وأثناءها؛ قاله مجاهد وغيره. # * ت *: وقال الثعلبي بأثر كلام للكسائي: يقول: كيف بنيناها بلا عمد، ~~وزيناها بالنجوم، وما فيها فتوق؟ { والأرض مددنها } أي: ~~بسطناها على وجه الماء، انتهى، والرواسي: الجبال، والزوج: النوع، ~~والبهيج: الحسن المنظر؛ قاله ابن عباس وغيره، والمنيب: الراجع إلى ~~الحق عن فكرة ونظر؛ قال قتادة: هو المقبل إلى الله تعالى، ~~وخص هذا الصنف بالذكر؛ تشريفا لهم من حيث انتفاعهم بالتبصرة ~~والذكرى، { وحب الحصيد }: البر، والشعير، ونحوه مما هو ~~نبات محبب يحصد؛ قال أبو حيان: { وحب الحصيد } من إضافة ~~الموصوف إلى صفته على قول الكوفيين، أو على حذف الموصوف وإقامة الصفة ~~مقامه، أي: حب الزرع الحصيد على قول البصريين، و { بسقت } حال ~~مقدرة؛ لأنها حالة الإنبات ليست طوالا، انتهى، و { ~~بسقت }: معناه طويلات ذاهبات في السماء، والطلع أول ظهور ~~التمر في الكفرى، قال البخاري: و { نضيد } معناه: منضود ~~بعضه على بعض، انتهى، ووصف البلدة ms1321 بالميت على تقدير القطر والبلد. # ثم بين سبحانه موضع الشبه فقال: { كذلك الخروج } يعني: ~~من القبور، وهذه الآيات كلها إنما هي أمثلة وأدلة على البعث، { ~~وأصحب الرس }: قوم كانت لهم بئر عظيمة، وهي الرس، وكل ~~ما لم يطو من بئر، أو معدن، أو نحوه فهو رس، وجاءهم نبي ~~يسمى حنظلة بن سفيان فيما روي فجعلوه في الرس ~~وردموا عليه، فأهلكهم الله، وقال الضحاك: الرس بئر قتل ~~فيها صاحب «يس»، وقيل: إنهم قوم عاد، والله أعلم. # وقوله: { كل } قال سيبويه: التقدير: كلهم، والوعيد الذي حق: هو ~~ما سبق به القضاء من تعذيبهم. ### || [50.15-17] # وقوله سبحانه: { أفعيينا } توقيف للكفار، وتوبيخ، والخلق ~~الأول: إنشاء الإنسان من نطفة على التدريج المعلوم، وقال الحسن: ~~الخلق الأول: آدم، واللبس: الشك والريب، واختلاط النظر، ~~والخلق الجديد: البعث من القبور. # وقوله سبحانه: { ولقد خلقنا الإنسن... } الآية: الإنسان: ~~اسم جنس، و { توسوس } معناه: تتحدث في فكرتها، والوسوسة إنما ~~تستعمل في غير الخير. # وقوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }: ~~عبارة عن قدرة الله على العبد، وكون العبد في قبضة القدرة والعلم ~~قد أحيط به، فالقرب هو بالقدرة والسلطان، إذ لا ينحجب عن علم ~~الله لا باطن ولا ظاهر، والوريد: عرق كبير في العنق، ويقال: ~~إنهما وريدان عن يمين وشمال. # وأما قوله تعالى: { إذ يتلقى المتلقيان } فقال ~~المفسرون: العامل في إذ { أقرب } ويحتمل عندي أن يكون العامل فيه ~~فعلا مضمرا تقديره: اذكر إذ يتلقى المتلقيان، و { المتلقيان ~~}: الملكان الموكلان بكل إنسان، ملك اليمين الذي يكتب ~~الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات؛ قال الحسن: الحفظة ~~أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل، قال * ع *: ويؤيد ذلك الحديث ~~الصحيح: # " يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة ~~بالنهار " # الحديث بكماله، ويروى أن ملك اليمين أمير على ملك الشمال، ~~وأن العبد إذا أذنب يقول ملك اليمين للآخر: تثبت؛ لعله ~~يتوب؛ رواه إبراهيم التيمي، وسفيان الثوري، و { قعيد }: معناه قاعد ### || [50.18-22] # وقوله سبحانه: { ما يلفظ من قول... } الآية، قال الحسن بن أبي ~~الحسن وقتادة: يكتب الملكان جميع الكلام، ms1322 فيثبت الله من ذلك الحسنات ~~والسيئات، ويمحو غير هذا، وهذا هو ظاهر هذه الآية، قال أبو الجوزاء، ~~ومجاهد: يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: ~~يكتبان الخير والشر فقط؛ قال * ع *: والأول أصوب. # * ت *: وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كل شيء يتكلم به ابن آدم، فإنه مكتوب ~~عليه، إذا أخطأ خطيئة، فأحب أن يتوب إلى الله، ~~فليأت، فليمد يديه إلى الله عز وجل، ثم ~~يقول: اللهم، إني أتوب إليك منها، لا أرجع ~~إليها أبدا، فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ~~ذلك " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاري ~~ومسلما، انتهى من «السلاح»، قال النووي رحمه الله تعالى ~~: ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه من جميع الكلام إلا كلاما ~~تظهر فيه مصلحته، ومتى استوى الكلام وتركه بالمصلحة فالسنة ~~الإمساك؛ فإنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وهذا هو ~~الغالب، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم فيما ~~رواه البخاري ومسلم أنه قال: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل ~~خيرا أو ليصمت " # وهو نص صريح فيما قلناه، قال: وروينا في «كتاب الترمذي» و«ابن ~~ماجه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " # قال الترمذي: حديث حسن، وفيه عن عقبة بن عامر # " قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسك عليك ~~لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك " # قال الترمذي: حديث حسن، وفيه عنه صلى الله عليه وسلم قال: # " من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين ~~رجليه، دخل الجنة " # قال الترمذي: حديث حسن، انتهى، والرقيب: المراقب، والعتيد: ~~الحاضر. # وقوله: { وجاءت } عطف، عندي، على قوله: { إذ يتلقى } ~~فالتقدير: وإذ تجيء سكرة الموت. # * ت *: قال شيخنا، زين الدين العراقي في أرجوزته:[الرجز] # وسكرة الموت اختلاط العقل # ....................... # البيت. انتهى. # وقوله: { بالحق } معناه: بلقاء الله، وفقد الحياة الدنيا، ~~وفراق الحياة حق يعرفه الإنسان، ويحيد منه بأمله، ms1323 ومعنى هذا الحيد ~~أنه يقول: أعيش كذا وكذا، فمتى فكر حاد بذهنه وأمله إلى مسافة بعيدة ~~من الزمان، وهذا شأن الإنسان، حتى يفاجئه الأجل؛ قال عبد الحق ~~في «العاقبة»: ولما احتضر مالك بن أنس، ونزل به الموت قال لمن ~~حضره: ليعاينن الناس غدا من عفو الله وسعة رحمته ما لم ~~يخطر على قلب بشر، كشف له رضي الله عنه عن سعة رحمة الله ~~وكثرة عفوه وعظيم تجاوزه ما أوجب أن قال هذا، وقال أبو سليمان ~~الداراني: دخلنا على عابد نزوره، وقد حضره الموت، وهو يبكي، فقلنا له: ~~ما يبكيك رحمك الله؟! فأنشأ يقول: [الطويل] # وحق لمثلي البكا عند موته # ومالي لا أبكي وموتي قد اقترب # ولي عمل في اللوح أحصاه خالقي # فإن لم يجد بالعفو صرت إلى العطب # انتهى، و { يوم الوعيد }: هو يوم القيامة، والسائق: الحاث ~~على السير، واختلف الناس في السائق والشهيد، فقال عثمان بن عفان وغيره: ~~هما ملكان موكلان بكل إنسان أحدهما يسوقه، والآخر من ~~حفظته يشهد عليه، وقال أبو هريرة: السائق: ملك، والشهيد: العمل، ~~وقيل: الشهيد: الجوارح، وقال بعض النظار: سائق اسم جنس وشهيد كذلك، ~~فالساقة للناس ملائكة موكلون بذلك، والشهداء: الحفظة في ~~الدنيا، وكل من يشهد. # وقوله سبحانه: { كل نفس } يعم الصالحين وغيرهم؛ فإنما معنى ~~الآية شهيد بخيره وشره، ويقوى في شهيد اسم الجنس، فتشهد الملائكة، ~~والبقاع والجوارح؛ وفي الصحيح: # " لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس، ولا جن، ولا ~~شيء إلا شهد له يوم القيامة ". # وقوله سبحانه: { لقد كنت } قال ابن عباس وغيره: أي: يقال للكافر: ~~لقد كنت في غفلة من هذا، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد ~~بصرك، أي: بصيرتك؛ وهذا كما تقول: فلان حديد الذهن ونحوه، وقال ~~مجاهد: هو بصر العين، أي: احتد التفاته إلى ميزانه، وغير ذلك من ~~أهوال القيامة. # والوجه عندي، في هذه الآية، ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله: إنها ~~مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر، وهكذا، قال ~~الفخر: قال: والأقوى أن يقال: هو خطاب عام مع ms1324 السامع، كأنه يقول: ~~ذلك ما كنت منه تحيد أيها السامع، انتهى، وينظر إلى معنى كشف الغطاء ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا ". ### || [50.23-28] # وقوله تعالى: { وقال قرينه هذا ما لدى عتيد } قال ~~جماعة من المفسرين: يعني قرينه من زبانية جهنم، أي: قال هذا العذاب الذي ~~لدي لهذا الكافر، حاضر، وقال قتادة وابن زيد: بل قرينه الموكل ~~بسوقه، قال * ع *: ولفظ القرين اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبه من ~~الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، والكل تحتمله هذه الآية، ~~أي: هذا الذي أحصيته عليه عتيد لدي، وهو موجب عذابه، والقرين ~~الذي في هذه الآية غير القرين الذي في قوله: { قال قرينه ربنا ~~ما أطغيته } إذ المقارنة تكون على أنواع. # وقوله سبحانه: { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } ~~المعنى: يقال: ألقيا في جهنم، واختلف لمن يقال ذلك، فقال ~~جماعة: هو قول لملكين من ملائكة العذاب. # وقال عبد الرحمن بن زيد: هو قول للسائق والشهيد. # وقال جماعة من أهل العلم باللغة: هذا جار على عادة كلام العرب الفصيح ~~أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين؛ وذلك أن العرب كان الغالب ~~عندها أن يترافق في الأسفار ونحوها ثلاثة، فكل واحد منهم ~~يخاطب اثنين، فكثر ذلك في أشعارها وكلامها، حتى صار عرفا في ~~المخاطبة، فاستعمل في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار:[من الطويل] # خليلي................ # ....................... # وصاحبي.................... # ....................... # [ومن الطويل] # قفانبك................. # .............................. # ونحوه. # وقال بعض المتأولين: المراد «ألقين»، فعوض من النون ألف، ~~وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «ألقيا» بتنوين الياء، و«عنيد» معناه: ~~عاند عن الحق، أي: منحرف عنه. # وقوله تعالى: { مناع للخير } لفظ عام للمال والكلام ~~الحسن والمعاونة على الأشياء، و { معتد } معناه: بلسانه ~~ويده. # وقوله سبحانه: { الذى جعل مع الله... } الآية، يحتمل أن ~~يكون { الذى } بدلا من { كفار } ، أو صفة له، ويقوى عندي ~~أن يكون { الذى } ابتداء ويتضمن القول حينئذ بني آدم والشياطين ~~المغوين لهم في الدنيا، ولذلك تحرك القرين، الشيطان المغوي، ~~فرام أن يبرىء نفسه ويخلصها بقوله: { ربنا ما أطغيته }. # وقوله: { ربنا ما أطغيته ms1325 } ليست بحجة؛ لأنه كذب أن ~~نفى الإطغاء عن نفسه جملة، وهو قد أطغاه بالوسوسة والتزيين، وأطغاه ~~الله بالخلق والاختراع حسب سابق قضائه الذي هو عدل منه، سبحانه لا ~~رب غيره. # وقوله سبحانه: { لا تختصموا لدى } معناه: قال الله: لا ~~تختصموا لدي بهذا النوع من المقاولة التي لا تفيد شيئا { وقد ~~قدمت إليكم بالوعيد } وهو ما جاءت به الرسل والكتب، ~~وجمع الضمير؛ لأنه مخاطبة لجميع القرناء؛ إذ هو أمر شائع لا يقف ~~على اثنين فقط. ### || [50.29-31] # وقوله سبحانه: { ما يبدل القول لدى } أي: لا ينقض ما ~~أبرمه كلامي من تعذيب الكفرة، ثم أزال سبحانه موضع الاعتراض بقوله: { ~~وما أنا بظلم للعبيد } أي: هذا عدل فيهم؛ لأني ~~أنذرت، وأمهلت، وأنعمت، وقرأ الجمهور: «يوم نقول» بالنون، وقرأ ~~نافع وعاصم في رواية أبي بكر بالياء، وهي قراءة أهل المدينة، قال * ع *: ~~والذي يترجح في قول جهنم: { هل من مزيد } أنها حقيقة، ~~وأنها قالت ذلك، وهي غير ملأى، وهو قول أنس بن مالك، ويبين ذلك الحديث ~~الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من ~~مزيد؟! حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول: قط ~~قط، وينزوي بعضها إلى بعض " # ولفظ البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت ~~بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي، ~~لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟! فقال ~~الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من ~~عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك ~~من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، ~~فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع [الجبار فيها ~~قدمه] فتقول: قط قط، فهناك تمتلىء ويزوي ~~بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من ~~خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها ~~خلقا " # انتهى، قال * ع *: ومعنى: «قدمه» ما قدم لها من خلقه وجعلهم في علمه ~~ساكنيها؛ ومنه: # أن لهم قدم صدق عند ربهم # [يونس:2] وملاك النظر في هذا الحديث أن الجارحة، والتشبيه، وما ~~جرى ms1326 مجراه منتف كل ذلك عن الله سبحانه، فلم يبق إلا ~~إخراج اللفظ على الوجوه السائغة في كلام العرب. # { وأزلفت الجنة } معناه: قربت، ولما احتمل أن يكون ~~معناه بالوعد والإخبار رفع الاحتمال بقوله: { غير بعيد } قال أبو ~~حيان: { غير بعيد } أي: مكانا غير بعيد؛ فهو منصوب على الظرف، ~~وقيل: منصوب على الحال من الجنة، انتهى. ### || [50.32-37] # وقوله سبحانه: { هذا ما توعدون } يحتمل أن يكون معناه: يقال ~~لهم في الآخرة عند إزلاف الجنة: هذا الذي كنتم توعدون به في الدنيا، ~~ويحتمل أن يكون خطابا للأمة، أي: هذا ما توعدون أيها الناس { ~~لكل أواب حفيظ }: والأواب: الرجاع إلى الطاعة وإلى ~~مراشد نفسه، وقال ابن عباس وعطاء: الأواب: المسبح؛ من قوله: # يجبال أوبى معه # [سبأ:10] وقال المحاسبي: هو الراجع بقلبه إلى ربه، وقال عبيد بن ~~عمير: كنا نتحدث أنه الذي إذا قام من مجلسه استغفر الله مما ~~جرى في ذلك المجلس، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، والحفيظ ~~معناه: لأوامر الله، فيمتثلها، ولنواهيه فيتركها، وقال ابن عباس: حفيظ ~~لذنوبه حتى يرجع عنها، والمنيب: الراجع إلى الخير المائل إليه؛ ~~قال الداوودي: وعن قتادة { بقلب منيب } قال: مقبل ~~على الله سبحانه، انتهى. # وقوله سبحانه: { ادخلوها } أي: يقال لهم: ادخلوها. # وقوله عز وجل: { لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد } ~~خبر بأنهم يعطون آمالهم أجمع، ثم أبهم تعالى الزيادة التي عنده ~~للمؤمنين المنعمين، وكذلك هي مبهمة في قوله تعالى: # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة:17] وقد فسر ذلك الحديث الصحيح، وهو قوله عليه السلام ~~: # " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما ~~لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، بله ما اطلعتم عليه " # قال * ع *: وقد ذكر الطبري وغيره في تعيين هذا المزيد أحاديث مطولة، ~~وأشياء ضعيفة؛ لأن الله تعالى يقول: { فلا تعلم نفس ما ~~أخفى } وهم يعينونها تكلفا وتعسفا. # وقوله تعالى: { فنقبوا فى البلد } أي: ولجوا البلاد من ~~أنقابها؛ طمعا في النجاة من الهلاك { هل من محيص } أي: ms1327 لا محيص ~~لهم، وقرأ ابن عباس وغيره: «فنقبوا» على الأمر لهؤلاء الحاضرين. # * ت *: وعبارة البخاري «فنقبوا»: ضربوا، وقال الداودي: وعن أبي ~~عبيدة { فنقبوا فى البلد }: طافوا، وتباعدوا، انتهى. # وقوله تعالى: { إن فى ذلك } يعني: إهلاك من مضى { لذكرى } ~~أي: تذكرة، والقلب عبارة عن العقل؛ إذ هو محله، والمعنى: لمن كان ~~له قلب واع ينتفع به، وقال الشبلي: معناه: قلب حاضر مع الله، لا ~~يغفل عنه طرفة عين. # وقوله تعالى: { أو ألقى السمع وهو شهيد } معناه: صرف ~~سمعه إلى هذه الأنباء الواعظة، وأثبته في سماعها { وهو شهيد } ~~قال بعض المتأولين: معناه: وهو مشاهد مقبل على الأمر، غير معرض ~~ولا مفكر في غير ما يسمع. # * ت *: ولفظ البخاري { أو ألقى السمع } أي: لا يحدث نفسه ~~بغيره { شهيد } أي: شاهد بالقلب، انتهى، قال المحاسبي في ~~«رعايته»: وقد أحببت أن أحضك على حسن الاستماع؛ لتدرك به ~~الفهم عن الله عز وجل في كل ما دعاك إليه؛ فإنه تعالى أخبرنا في ~~كتابه أن من استمع كما يحب الله تعالى ويرضى، كان له ~~فيما يستمع إليه ذكرى، يعني: اتعاظا، وإذا سمى الله عز وجل ~~لأحد من خلقه شيئا فهو له كما سمى، وهو واصل إليه كما أخبر؛ قال عز ~~وجل: { إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد } قال مجاهد: شاهد القلب، لا يحدث ~~نفسه بشيء ليس بغائب القلب، فمن استمع إلى كتاب الله عز وجل، أو ~~إلى حكمة، أو إلى علم، أو إلى عظة، لا يحدث نفسه بشيء غير ما ~~يستمع إليه، قد أشهد قلبه ما استمع إليه، يريد الله عز وجل ~~به : كان له فيه ذكرى؛ لأن الله تعالى قال ذلك، فهو كما قال عز ~~وجل، انتهى كلام المحاسبي، وهو در نفيس، فحصله، واعمل به ~~ترشد، وقد وجدناه، كما قال، وبالله التوفيق. ### || [50.38-40] # وقوله سبحانه: { ولقد خلقنا السموات والأرض... } ~~الآية: خبر مضمنه الرد على اليهود الذين قالوا: إن الله ~~خلق الأشياء كلها، ثم استراح يوم السبت، فنزلت: { وما مسنا ms1328 من ~~لغوب } واللغوب: الإعياء والنصب. # وقوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون } أي: ما يقوله الكفرة ~~من أهل الكتاب وغيرهم، وعم بذلك جميع الأقوال الزائغة من قريش ~~وغيرهم { وسبح } معناه: صل بإجماع من المتأولين. # * ت *: وفي الإجماع نظر؛ وقد قال الثعلبي { وسبح بحمد ~~ربك } أي: قل سبحان الله والحمد لله؛ قاله عطاء الخراساني، ~~انتهى، ولكن المخرج في الصحيح إنما هو أمر الصلاة، وقال ابن العربي ~~في «أحكامه»: قوله تعالى: { ومن اليل فسبحه } فيه أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنه تسبيح الله في الليل، ويعضد هذا القول الحديث ~~الصحيح: # " من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله " # الحديث، وقد ذكرناه في سورة «المزمل». # والثاني: أنها صلاة الليل. # والثالث: أنها ركعتا الفجر. # والرابع: أنها صلاة العشاء الآخرة، انتهى. # وقوله: { بحمد ربك } الباء للاقتران، أي: سبح سبحة يكون معها ~~حمد، و { قبل طلوع الشمس } هي الصبح، { وقبل الغروب ~~}: هي العصر؛ قاله ابن زيد والناس، وقال ابن عباس: الظهر والعصر، { ~~ومن اليل }: هي صلاة العشاءين، وقال ابن زيد: هي العشاء ~~فقط، وقال مجاهد: هي صلاة الليل. # وقوله: { وأدبر السجود } قال عمر بن الخطاب وجماعة: هي ~~الركعتان بعد المغرب، وأسنده الطبري عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال * ع *: كأنه روعي أدبار صلاة النهار، كما ~~روعي أدبار النجوم في صلاة الليل، وقال ابن عباس أيضا، وابن زيد، ~~ومجاهد: هي النوافل إثر الصلوات، وهذا جار مع لفظ الآية، وقرأ نافع، ~~وابن كثير، وحمزة: «وإدبار» بكسر الهمزة، وهو مصدر، وقرأ الباقون ~~بفتحها، وهو جمع دبر؛ كطنب وأطناب، أي: وفي أدبار السجود، أي: في ~~أعقابه. ### || [50.41-45] # وقوله سبحانه: { واستمع يوم يناد المناد من مكان ~~قريب } واستمع بمنزلة: وانتظر، وكذا، أي: كن منتظرا له، مستمعا ~~له، فعلى هذا فنصب «يوم» إنما هو على المفعول الصريح. # وقوله سبحانه: { من مكان قريب } قيل: وصفه بالقرب من حيث يسمع ~~جميع الخلق، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن ملكا ينادي من السماء: أيتها الأجسام ~~الهامدة، والعظام البالية، والرمم الذاهبة ~~ هلمي ms1329 إلى الحشر والوقوف بين يدي الله عز ~~وجل " # والصيحة: هي صيحة المنادي، والخروج: هو من القبور، ويومه هو يوم ~~القيامة، ويوم الخروج في الدنيا: هو يوم العيد. # وقوله تعالى: { ذلك حشر علينا يسير }: معادل لقول الكفرة: # ذلك رجع بعيد # [ق:3]. # وقوله سبحانه: { نحن أعلم بما يقولون } وعيد محض للكفرة. # وقوله سبحانه: { وما أنت عليهم بجبار } قال الطبري وغيره: ~~معناه: وما أنت عليهم بمسلط، تجبرهم على الإيمان. # وقال قتادة: هو نهي من الله تعالى عن التجبر، والمعنى: وما أنت عليهم ~~بمتعظم من الجبروت، وروى ابن عباس أن المؤمنين قالوا: يا رسول ~~الله، لو خوفتنا! فنزلت: { فذكر بالقرءان من ~~يخاف وعيد }. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-7] # قوله عز وجل: { والذريت ذروا... } الآية، أقسم الله عز وجل ~~بهذه المخلوقات؛ تنبيها عليها، وتشريفا لها، ودلالة على الاعتبار ~~فيها، حتى يصير الناظر فيها إلى توحيد الله عز وجل، فقوله: { ~~والذريت }: هي الرياح بإجماع و { ذروا } نصب على المصدر، و ~~{ فالحملت وقرا } قال علي: هي السحاب، وقال ابن عباس ~~وغيره: هي السفن الموقورة بالناس وأمتعتهم، وقال جماعة من العلماء: هي ~~أيضا مع هذا جميع الحيوان الحامل، وفي جميع ذلك معتبر، و { ~~فالجريت يسرا } قال علي وغيره: هي السفن في البحر، وقال ~~آخرون: هي السحاب، وقال آخرون: هي الكواكب؛ قال * ع *: واللفظ يقتضي ~~جميع هذا، و { يسرا } نعت لمصدر محذوف، وصفات [المصادر المحذوفة تعود ~~أحوالا]، و { يسرا } معناه: بسهولة و { فالمقسمت أمرا ~~}: الملائكة، والأمر هنا: اسم جنس، فكأنه قال: والجماعات التي تقسم ~~أمور الملكوت، من الأرزاق، والآجال، والخلق في الأرحام، وأمر الرياح ~~والجبال، وغير ذلك؛ لأن كل هذا إنما هو بملائكة تخدمه، وأنث ~~{ فالمقسمت } من حيث أراد الجماعات، وهذا القسم واقع على ~~قوله: { إنما توعدون لصدق... } الآية، و { توعدون } ~~يحتمل أن يكون من الوعد، ويحتمل أن يكون من الإيعاد، وهو أظهر، و { ~~الدين }: الجزاء، وقال مجاهد: الحساب. # ثم أقسم تعالى بمخلوق آخر، فقال: { والسماء ذات الحبك } ~~والحبك: الطرائق التي هي على نظام في الأجرام، ويقال لما تراه من ms1330 ~~الطرائق في الماء والرمال إذا أصابته الريح: حبك، ويقال لتكسر ~~الشعر: حبك، وكذلك في المنسوجات من الأكسية وغيرها طرائق في موضع ~~تداخل الخيوط هي حبك؛ وذلك لجودة خلقة السماء؛ ولذلك فسرها ابن ~~عباس وغيره بذات الخلق الحسن وقال الحسن: حبكها كواكبها. ### || [51.8-12] # وقوله سبحانه: { إنكم لفى قول مختلف } يحتمل أن يكون ~~خطابا لجميع الناس، أي: منكم مؤمن بمحمد، ومنكم مكذب له، وهو قول ~~قتادة، ويحتمل أن يكون خطابا للكفرة فقط؛ لقول بعضهم: شاعر، وبعضهم: ~~كاهن، وبعضهم: ساحر، إلى غير ذلك؛ وهذا قول ابن زيد. # و { يؤفك } معناه: يصرف، أي: يصرف من الكفار عن كتاب الله ~~من صرف ممن غلبت عليه شقاوته، وعرف الاستعمال في «أفك» ~~إنما هو في الصرف من خير إلى شر. # وقوله تعالى: { قتل الخراصون } دعاء عليهم؛ كما تقول: قاتلك ~~الله، وقال بعض المفسرين. معناه: لعن الخراصون، وهذا تفسير لا ~~يعطيه اللفظ. # * ت *: والظاهر ما قاله هذا المفسر؛ قال عياض في «الشفا» وقد ~~يقع القتل بمعنى اللعن؛ قال الله تعالى: { قتل الخراصون } و # قتلهم الله أنى يؤفكون # [المنافقون:4] أي: لعنهم الله، انتهى، وقد تقدم للشيخ عند قوله ~~تعالى: # عليهم دائرة السوء # [الفتح:6] قال: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل، فإنما ~~هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته، انتهى ~~بلفظه، وظاهره مخالف لما هنا، وسيبينه في سورة البروج، والخراص: ~~المخمن القائل بظنه، والإشارة إلى مكذبي النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والغمرة: ما يغشى الإنسان ويغطيه؛ كغمرة الماء، و { ~~سهون } معناه: عن وجوه النظر. # وقوله تعالى: { يسئلون أيان يوم الدين } أي: يوم ~~الجزاء، وذلك منهم على جهة الاستهزاء. ### || [51.13-17] # وقوله: { يوم هم على النار يفتنون } قال الزجاج: ~~التقدير: هو كائن يوم هم على النار يفتنون، و { يفتنون } ~~معناه: يحرقون ويعذبون في النار؛ قاله ابن عباس والناس، ~~وفتنت الذهب أحرقته، و { ذوقوا فتنتكم } أي: حرقكم ~~وعذابكم؛ قاله قتادة وغيره. # { إن المتقين فى جنت وعيون... } الآية، روى ~~الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم ms1331 قال: # " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى ~~يدع ما لا بأس به؛ حذرا لما به البأس " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى، وقوله سبحانه في المتقين: { ~~ءاخذين ما ءاتهم ربهم } أي: محصلين ما أعطاهم ~~ربهم سبحانه من جناته، ورضوانه، وأنواع كراماته { إنهم كانوا ~~قبل ذلك }: يريد في الدنيا { محسنين }: بالطاعات] والعمل ~~الصالح. # * ت *: وروى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا ~~لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو ~~أن رجلا من أهل الجنة اطلع، فبدا أساوره، ~~لطمس ضوء الشمس؛ كما تطمس الشمس ضوء النجوم ~~" # انتهى، ومعنى قوله: { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون ~~} أن نومهم كان قليلا؛ لاشتغالهم بالصلاة والعبادة، والهجوع: ~~النوم، وقد قال الحسن في تفسير هذه الآية: كابدوا قيام الليل، لا ~~ينامون منه إلا قليلا، وأما إعراب الآية فقال الضحاك في كتاب ~~الطبري: ما يقتضي أن المعنى: كانوا قليلا في عددهم، وتم خبر ~~«كان» ، ثم ابتدأ { من اليل ما يهجعون } فما نافية و { ~~قليلا } وقف حسن، وقال جمهور النحويين: ما مصدرية و { قليلا } ~~خبر { كان } ، والمعنى: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، وعلى هذا ~~الإعراب يجيء قول الحسن وغيره، وهو الظاهر عندي أن المراد كان ~~هجوعهم من الليل قليلا؛ قيل لبعض التابعين: مدح الله قوما { ~~كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } ونحن قليلا من ~~الليل ما نقوم! فقال: رحم الله امرأ رقد إذا نعس، وأطاع ربه ~~إذا استيقظ. ### || [51.18-21] # وقوله تعالى: { وبالأسحر هم يستغفرون } قال الحسن: ~~معناه: يدعون في طلب المغفرة، ويروى أن أبواب الجنة تفتح ~~سحر كل ليلة، قال ابن زيد: السحر: السدس الآخر من الليل، ~~والباء في قوله { وبالأسحار } بمعنى في؛ قاله أبو البقاء، انتهى، ~~ومن كلام [ابن] الجوزي في «المنتخب»: يا أخي، علامة المحبة ~~طلب الخلوة بالحبيب، وبيداء الليل فلوات الخلوات، لما ستروا ~~قيام الليل في ظلام الدجى؛ غيرة أن يطلع الغير عليهم ~~سترهم سبحانه بستر ، # فلا ms1332 تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # [السجدة:17]، لما صفت خلوات الدجى، ونادى أذان الوصال: أقم ~~فلانا، وأنم فلانا خرجت بالأسماء الجرائد؛ وفاز الأحباب بالفوائد، ~~وأنت غافل راقد. آه لو كنت معهم! أسفا لك! لو رأيتهم لأبصرت طلائع ~~الصديقين في أول القوم، وشاهدت ساقة المستغفرين في الركب، ~~وسمعت استغاثة المحبين في وسط الليل،، لو رأيتهم يا غافل، وقد ~~دارت كؤوس المناجات؛ بين مزاهر التلاوات، فأسكرت قلب الواجد، ~~ورقمت في مصاحف الوجنات. تعرفهم بسيماهم، يا طويل النوم، فاتتك مدحة # تتجافى # [السجدة:16] وحرمت منحة # والمستغفرين # [آل عمران:17]، يا هذا، إن لله تعالى ريحا تسمى الصبيحة ~~مخزونة تحت العرش، تهب عند الأسحار، فتحمل الدعاء والأنين ~~والاستغفار إلى حضرة العزيز الجبار، انتهى. # { وفى أمولهم حق... } الآية، الصحيح أنها محكمة ~~وأن هذا الحق هو على وجه الندب، و # معلوم # [المعارج:24] يراد به: متعارف، وكذلك قيام الليل الذي مدح به ~~ليس من الفرائض، وأكثر ما تقع الفضيلة بفعل المندوبات، والمحروم هو الذي ~~تبعد عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه، فيناله حرمان وفاقة، ~~وهو مع ذلك لا يسأل، فهذا هو الذي له حق في أموال الأغنياء، كما ~~للسائل حق، وما وقع من ذكر الخلاف فيه فيرجع إلى هذا، وبعد هذا محذوف ~~تقديره: فكونوا أيها الناس مثلهم وعلى طريقهم، و { فى الأرض ~~ءايت }: لمن اعتبر وأيقن. # وقوله سبحانه: { وفى أنفسكم } إحالة على النظر في شخص الإنسان، ~~وما فيه العبر، وأمر النفس، وحياتها، ونطقها، واتصال هذا الجزء ~~منها بالعقل؛ قال ابن زيد: إنما القلب مضغة في جوف ابن آدم، جعل ~~الله فيه العقل، أفيدري أحد ما ذلك العقل، وما صفته، وكيف هو. # * ت *: قال ابن العربي في رحلته: اعلم أن معرفة العبد نفسه من ~~أولى ما عليه وآكده؛ إذ لا يعرف ربه إلا من عرف ~~نفسه؛ قال تعالى: { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } وغير ما ~~آية في ذلك، ثم قال: ولا ينكر عاقل وجود الروح من نفسه، وإن كان ~~لم يدرك حقيقته، كذلك لا يقدر أن ينكر وجود الباري ms1333 سبحانه ~~الذي دلت أفعاله عليه، وإن لم يدرك حقيقته، انتهى. ### || [51.22-23] # وقوله سبحانه: { وفى السماء رزقكم } قال مجاهد وغيره: هو ~~المطر، وقال واصل الأحدب: أراد القضاء والقدر، أي: الرزق عند الله يأتي ~~به كيف شاء سبحانه لا رب غيره، و { توعدون } يحتمل أن يكون من ~~الوعد، ويحتمل أن يكون من الوعيد؛ قال الضحاك. المراد: من ~~الجنة والنار، وقال مجاهد: المراد: الخير والشر، وقال ابن سيرين: ~~المراد: الساعة، ثم أقسم سبحانه بنفسه على صحة هذا القول والخبر، ~~وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان، وهو عنده في غاية ~~الوضوح، و«ما» زائدة تعطي تأكيدا، والنطق في هذه الآية هو الكلام ~~بالحروف والأصوات في ترتيب المعاني، وروي أن بعض الأعراب ~~الفصحاء سمع هذه الآية فقال: من أحوج الكريم إلى أن يحلف؟! ~~والحكاية بتمامها في كتاب الثعلبي، وسبل الخيرات، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " قاتل الله قوما، أقسم لهم ربهم بنفسه ~~فلم يصدقوه " # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لو فر أحدكم من رزقه لتبعه كما يتبعه ~~الموت " # وأحاديث الرزق كثيرة، ومن كتاب «القصد إلى الله سبحانه» ~~للمحاسبي: قال: قلت لشيخنا: من أين وقع الاضطراب في القلوب، وقد ~~جاءها الضمان من الله عز وجل؟ قال: من وجهين. # أحدهما: قلة المعرفة بحسن الظن، وإلقاء التهم عن الله ~~عز وجل. # والوجه الثاني: أن يعارضها خوف الفوت، فتستجيب النفس للداعي، ~~ويضعف اليقين، ويعدم الصبر، فيظهر الجزع. # قلت: شيء غير هذا؟ قال: نعم، إن الله عز وجل وعد الأرزاق، ~~وضمن، وغيب الأوقات؛ ليختبر أهل العقول، ولولا ذلك لكان كل ~~المؤمنين راضين صابرين متوكلين، لكن الله عز وجل أعلمهم أنه ~~رازقهم، وحلف لهم على ذلك، وغيب عنهم أوقات العطاء، فمن ها ~~هنا عرف الخاص من العام، وتفاوت العباد في الصبر، والرضا، ~~واليقين، والتوكل، والسكون، فمنهم كما علمت ساكن، ومنهم متحرك، ~~ومنهم راض، ومنهم ساخط، ومنهم جزع، فعلى قدر ما تفاوتوا في المعرفة ~~ تفاوتوا في اليقين، وعلى قدر ما تفاوتوا في اليقين ms1334 تفاوتوا في ~~السكون والرضا والصبر والتوكل. اه. ### || [51.24-36] # وقوله سبحانه: { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم... } الآية، ~~قد تقدم قصصها، و«عليم» أي: عالم، وهو إسحاق عليه السلام . # * ت *: ولنذكر هنا شيئا من الآثار في آداب الطعام، قال النووي: روى ~~ابن السني بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في الطعام إذا قرب إليه: # " اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب ~~النار، باسم الله " # انتهى، وفي «صحيح مسلم» عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله تعالى عند ~~دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت ~~لكم، ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى ~~عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا ~~لم يذكر الله تعالى عند طعامه، قال أدركتم ~~المبيت والعشاء " # ، وفي «صحيح مسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الشيطان يستحل الطعام ألا يذكر اسم ~~الله عليه " # الحديث، انتهى، والصرة: الصيحة؛ كذا فسره ابن عباس وجماعة، قال ~~الطبري عن بعضهم: قالت: «أوه»؛ بصياح وتعجب؛ وقال ~~النحاس: { فى صرة } في جماعة نسوة. # وقوله: { فصكت وجهها }: معناه: ضربت وجهها؛ استهوالا لما ~~سمعت، وقال سفيان وغيره: ضربت بكفها جبهتها، وهذا مستعمل ~~في الناس حتى الآن، وقولهم: { كذلك قال ربك } أي: كقولنا ~~الذي أخبرناك. # وقوله تعالى: { حجارة من طين } بيان يخرج عن معتاد حجارة ~~البرد التي هي من ماء، ويروى أنه طين طبخ في نار جهنم ~~حتى صار حجارة كالآجر، و { مسومة } نعت لحجارة، ثم أخبر تعالى ~~أنه أخرج بأمره من كان في قرية «لوط» من المؤمنين، منجيا لهم، ~~وأعاد الضمير على القرية، وإن لم يجر لها قبل ذلك ذكر؛ لشهرة أمرها، ~~قال المفسرون: لا فرق بين تقدم ذكر المؤمنين وتأخره؛ ~~وإنما هما وصفان ذكرهم أولا بأحدهما، ثم آخرا بالثاني، ~~قيل: فالآية دالة على أن الإيمان هو الإسلام، قال * ع *: ويظهر لي ~~أن في المعنى زيادة تحسن التقديم للإيمان؛ وذلك أنه ذكره مع ~~الإخراج من القرية، كأنه يقول: نفذ أمرنا بإخراج كل مؤمن، ms1335 ولا ~~يشترط فيه أن يكون عاملا بالطاعات؛ بل التصديق بالله فقط، ثم ~~لما ذكر حال الموجودين ذكرهم بالصفة التي كانوا عليها، وهي الكاملة ~~التصديق والأعمال، والبيت من المسلمين هو بيت لوط عليه السلام ~~وكان هو وابنتاه، وفي كتاب الثعلبي: وقيل: لوط وأهل بيته ثلاثة ~~عشر، وهلكت امرأته فيمن هلك، وهذه القصة ذكرت على جهة ضرب المثل ~~لقريش، وتحذيرا أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء. ### || [51.37-44] # وقوله: { وتركنا فيها } أي: في القرية، وهي سدوم { ءاية } ، ~~قال أبو حيان: { وفى موسى } ، أي: وفي قصة موسى، [انتهى]. # وقوله سبحانه في فرعون: { فتولى بركنه } أي: أعرض عن أمر ~~الله، وركنه: هو سلطانه وجنده وشدة أمره، وقول فرعون في ~~موسى: { سحر أو مجنون } هو تقسيم، ظن أن موسى لا بد ~~أن يكون أحد هذين القسمين، وقال أبو عبيدة: «أو» هنا بمعنى الواو، ~~وهذا ضعيف لا داعية إليه في هذا الموضع. # وقوله: { ما تذر من شىء أتت عليه } أي: ما تدع من شيء ~~أتت عليه مما أذن لها في إهلاكه { إلا جعلته كالرميم ~~}: وهو الفاني المتقطع؛ يبسا أو قدما من الأشجار والورق ~~والعظام، وروي في حديث: أن تلك الريح كانت تهب على الناس ~~فيهم العادي وغيره، فتنتزع العادي من بين الناس وتذهب به. # وقوله سبحانه: { وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا } أي: إذ ~~قيل لهم في أول بعث صالح، وهذا قول الحسن، ويحتمل: إذ قيل لهم بعد ~~عقر الناقة: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام؛ وهو قول الفراء. # وقوله: { فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } أي: يبصرون ~~بعيونهم، وهذا قول الطبري، ويحتمل أن يريد وهم ينتظرون في تلك ~~الأيام الثلاثة، وهذا قول مجاهد. ### || [51.45-48] # { فما استطعوا من قيام } أي: من مصارعهم؛ قاله بعض ~~المفسرين، وقال قتادة وغيره: معناه من قيام بالأمر النازل بهم ولا ~~دفعه عنهم. # { وقوم نوح } بالنصب، وهو عطف إما على الضمير في قوله: { ~~فأخذتهم } ، إذ هو بمنزلة أهلكتهم، وإما على الضمير في قوله: ~~{ فنبذنهم }. # وقوله: { والسماء بنينها } نصب بإضمار فعل تقديره: ~~وبنينا السماء بنيناها، والأيد: القوة؛ ms1336 قاله ابن عباس وغيره { ~~وإنا لموسعون } أي: في بناء السماء، أي: جعلناها واسعة؛ قاله ~~ابن زيد. # أبو البقاء { فنعم المهدون } أي: نحن، فحذف المخصوص انتهى. ### || [51.49-55] # وقوله سبحانه: { ومن كل شىء خلقنا زوجين } قال مجاهد: ~~معناه: أن هذه إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء؛ كالليل ~~والنهار، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والسماء والأرض، والسواد ~~والبياض، والصحة والمرض، والإيمان والكفر، ونحو هذا، ورجحه ~~الطبري بأنه أدل على القدرة التي توجد الضدين، وقال ابن زيد ~~وغيره: هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل حيوان. # * ت *: والأول أحسن؛ لشموله لما ذكره ابن زيد. # وقوله سبحانه: { ففروا إلى الله... } الآية أمر بالدخول في ~~الإيمان وطاعة الرحمن، ونبه بلفظ الفرار على أن وراء الناس ~~عقابا وعذابا يفر منه، فجمعت لفظة «فروا» بين التحذير ~~والاستدعاء. # * ت *: وأسند أبو بكر، أحمد بن الحسين البيهقي في «دلائل النبوة» ~~(تصنيفه) عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، ~~فسمع كلاما من زاويته، وإذا هو بقائل يقول: ~~اللهم، أعني على ما ينجيني مما خوفتني، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: ألا تضم ~~إليها أختها؟ فقال الرجل: اللهم، ارزقني شوق ~~الصادقين إلى ما شوقتهم إليه " # وفيه: # " فذهبوا ينظرون، فإذا هو الخضر عليه السلام " # ، انتهى مختصرا. # وقوله تعالى: { كذلك } أي: سيرة الأمم كذلك؛ قال عياض: فهذه الآية ~~ونظائرها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، عزاه الله عز وجل ~~ بما أخبر به عن الأمم السالفة ومقالها لأنبيائها، وأنه ليس ~~أول من لقي ذلك، انتهى من «الشفا». # وقوله سبحانه: { أتواصوا به } توقيف وتعجيب من توارد نفوس ~~الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق أزمانهم، أي: لم يتواصوا، ~~لكنهم فعلوا فعلا كأنه فعل من تواصى، والعلة في ذلك أن ~~جميعهم طاغ، والطاغي المستعلي في الأرض، المفسد. # وقوله تعالى: { فتول عنهم } أي: عن الحرص المفرط عليهم، ~~وذهاب النفس حسرات، ولست بملوم؛ إذ قد بلغت { وذكر ~~فإن الذكرى }: نافعة للمؤمنين، ولمن قضي له أن ms1337 يكون منهم. ### || [51.56-60] # وقوله سبحانه: { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } قال ابن عباس وعلي: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ~~لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية، وقال زيد بن أسلم وسفيان: ~~هذا خاص، والمراد: ما خلقت الطائعين من الجن والإنس إلا لعبادتي، ~~ويؤيد هذا التأويل أن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قرأ: # " وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ~~ليعبدون " # ، وقال ابن عباس أيضا: معنى { ليعبدون }: ليتذللوا لي ولقدرتي، ~~وإن لم يكن ذلك على قوانين شرع، وعلى هذا التأويل فجميعهم من مؤمن ~~وكافر متذلل لله عز وجل؛ ألا تراهم عند القحوط والأمراض وغير ~~ذلك كيف يخضعون لله ويتذللون؟!. # * ت *: قال الفخر: فإن قيل: ما العبادة التي خلق الله الجن والإنس ~~لها؟ قلنا: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله؛ فإن هذين ~~النوعين لم يخل شرع منهما، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة ~~فيها: بالوضع والهيئة، والقلة والكثرة، والزمان والمكان، ~~والشرائط والأركان، انتهى، ونقل الثعلبي وغيره عن مجاهد: { إلا ~~ليعبدون } أي: ليعرفوني، قال صاحب «الكلم الفارقية»: المعرفة ~~بالله تملأ القلب مهابة ومخافة، والعين عبرة وعبرة ~~وحياء وخجلة، والصدر خشوعا وحرمة، والجوارح استكانة ~~وذلة وطاعة وخدمة، واللسان ذكرا وحمدا، والسمع إصغاء ~~وتفهما، والخواطر في مواقف المناجات خمودا، والوساوس ~~اضمحلالا، انتهى. # وقوله سبحانه: { ما أريد منهم من رزق } أي: أن يرزقوا ~~أنفسهم ولا غيرهم. # وقوله: { أن يطعمون } أي: أن يطعموا خلقي؛ قاله ابن عباس، ~~ويحتمل أن يريد: أن ينفعوني، و { المتين }: الشديد. # * ت *: وروينا في«كتاب الترمذي» عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إن الله عز وجل يقول: يا بن آدم، تفرغ ~~لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا ~~تفعل ملأت يدك شغلا، ولم أسد فقرك " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وروينا فيه عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، ~~وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن ~~كانت الدنيا همه، جعل الله ms1338 فقره بين عينيه، ~~وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما ~~قدر له " # انتهى. # وقوله سبحانه: { فإن للذين ظلموا }: يريد أهل مكة، ~~والذنوب: الحظ والنصيب، وأصله من الدلو؛ وذلك أن الذنوب ~~هو ملء الدلو من الماء، وكذا قال أبو حيان: { ذنوب } ، أي: ~~نصيبا، انتهى و { أصحبهم }: يراد بهم من تقدم من الأمم ~~المعذبة، وباقي الآية وعيد بين. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # قوله عز وجل: { والطور * وكتب مسطور... } الآية، هذه ~~مخلوقات أقسم الله عز وجل بها؛ تنبيها على النظر والاعتبار ~~بها، المؤدي إلى توحيد الله والمعرفة بواجب حقه سبحانه؛ قال بعض ~~اللغويين: كل جبل طور، فكأنه سبحانه أقسم بالجبال، وقال آخرون: ~~الطور: كل جبل أجرد لا ينبت شجرا، وقال نوف البكالي: المراد هنا ~~جبل طور سيناء، وهو الذي أقسم الله به؛ لفضله على الجبال، ~~والكتاب المسطور: معناه بإجماع: المكتوب أسطارا، واختلف الناس في ~~هذا الكتاب المقسم به، فقال بعض المفسرين: هو الكتاب ~~المنتسخ من اللوح المحفوظ للملائكة؛ لتعرف منه جميع ما تفعله ~~وتصرفه في العالم، وقيل: هو القرآن؛ إذ قد علم تعالى أنه يتخلد في ~~رق منشور، وقيل: هو الكتب المنزلة، وقيل: هو الكتاب الذي فيه ~~أعمال الخلق، وهو الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، والرق: الورق ~~المعدة للكتب، وهي مرققة؛ فلذلك سميت رقا، وقد غلب ~~الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان، والمنشور خلاف المطوي، ~~{ والبيت المعمور }: هو الذي ذكر في حديث الإسراء؛ قال ~~جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا البيت المعمور يدخله ~~كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما ~~عليهم، وبهذا هي عمارته، وهو في السماء السابعة، وقيل: في السادسة، ~~وقيل: إنه مقابل للكعبة، لو وقع حجر منه، لوقع على ظهر ~~الكعبة، وقال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: في كل سماء بيت معمور، وفي كل أرض ~~كذلك، وهي كلها على خط من الكعبة، وقاله علي بن أبي طالب، قال ~~السهيلي: والبيت المعمور اسمه «عريبا»، قال وهب بن منبه: ~~من قال: سبحان الله وبحمده، كان ms1339 له نور يملأ ما بين عريبا ~~وحريبا، وهي الأرض السابعة، انتهى. # { والسقف المرفوع }: هو السماء، واختلف الناس في { ~~والبحر المسجور } فقال مجاهد وغيره: الموقد نارا، وروي ~~أن البحر هو جهنم، وقال قتادة: { المسجور }: المملوء، وهذا ~~معروف من اللغة، ورجحه الطبري، وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه، ~~فالمسجور الفارغ، وروي أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة، وهذا ~~معروف في اللغة، فهو من الأضداد، وقيل: يوقد البحر نارا يوم القيامة، ~~فذلك سجره، وقال ابن عباس أيضا: { المسجور }: المحبوس؛ ومنه ساجور ~~الكلب، وهي القلادة من عود أو حديد تمسكه، وكذلك لولا أن البحر ~~يمسك لفاض على الأرض، والجمهور على أنه بحر الدنيا، وقال منذر بن ~~سعيد: المقسم به جهنم، وسماها بحرا؛ لسعتها وتموجها؛ كما قال ~~صلى الله عليه وسلم في الفرس: # " وإن وجدناه لبحرا " # ، والقسم واقع على قوله: { إن عذاب ربك لواقع } يريد: ~~عذاب الآخرة واقع للكافرين؛ قاله قتادة، قال الشيخ عبد الحق في ~~«العاقبة»: ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع ~~قارئا يقرأ: { والطور * وكتب مسطور } قال: هذا قسم ~~حق، فلما بلغ القارىء إلى قوله عز وجل : { إن عذاب ~~ربك لواقع } ظن أن العذاب قد وقع به فغشي عليه، انتهى، ~~و { تمور } معناه: تذهب وتجيء بالرياح متقطعة متفتتة، وسير ~~الجبال: هو في أول الأمر، ثم تتفتت حتى تصير آخرا كالعهن ~~المنفوش، و { يدعون } قال ابن عباس وغيره: معناه: يدفعون في ~~أعناقهم بشدة وإهانة وتعتعة، ومنه: # يدع اليتيم # [الماعون:2]، وفي الكلام محذوف، تقديره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم ~~بها تكذبون؛ توبيخا وتقريعا لهم، ثم وقفهم سبحانه بقوله: { أفسحر ~~هذا.. } الآية: ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: اصبروا أو لا ~~تصبروا سواء عليكم، أي: عذابكم حتم، فسواء جزعكم وصبركم، ~~لا بد من جزاء أعمالكم. ### || [52.17-20] # وقوله سبحانه: { إن المتقين فى جنت ونعيم... } ~~الآية: يحتمل أن يكون من خطاب أهل النار، فيكون إخبارهم بذلك زيادة ~~في غمهم وسوء حالهم، نعوذ بالله من سخطه! ويحتمل، وهو الأظهر، ~~أن يكون إخبارا للنبي ms1340 صلى الله عليه وسلم ومعاصريه، لما فرغ من ~~ذكر عذاب الكفار عقب بذكر نعيم المتقين جعلنا الله منهم بفضله ~~ ليبين الفرق، ويقع التحريض على الإيمان، والمتقون هنا: متقو ~~الشرك؛ لأنهم لا بد من مصيرهم إلى الجنات، وكلما زادت الدرجة في ~~التقوى قوي الحصول في حكم الآية، حتى إن المتقين على الإطلاق هم ~~في هذه الآية قطعا على الله تعالى بحكم خبره الصادق، وقرأ جمهور ~~الناس: «فاكهين» ومعناه: فرحين مسرورين، وقال أبو عبيدة: هو من ~~باب: «لابن» و«تامر»، أي: لهم فاكهة، قال * ع *: والمعنى الأول ~~أبرع، وقرأ خالد فيما روى أبو حاتم: «فكهين» والفكه والفاكه: ~~المسرور المتنعم. # وقوله تعالى: { بما ءاتهم ربهم } أي: من إنعامه ورضاه ~~عنهم. # وقوله تعالى: { ووقهم ربهم عذاب الجحيم } هذا متمكن ~~في متقي المعاصي، الذي لا يدخل النار { ووقهم } مشتق من ~~الوقاية، وهي الحائل بين الشيء وبين ما يضره. # وقوله: { كلوا واشربوا } أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، و { ~~هنيئا } نصب على المصدر. # وقوله: { بما كنتم تعملون } معناه: أن رتب الجنة ~~ونعيمها بحسب الأعمال، وأما نفس دخولها فهو برحمة الله وفضله، ~~وأعمال العباد الصالحات لا توجب على الله تعالى التنعيم إيجابا؛ ~~لكنه سبحانه قد جعلها أمارة على من سبق في علمه تنعيمه، وعلق ~~الثواب والعقاب بالتكسب الذي في الأعمال، والحور: جمع حوراء، ~~وهي البيضاء القوية بياض بياض العين وسواد سوادها، ~~والعين: جمع عيناء، وهي كبيرة العينين مع جمالهما، وفي قراءة ابن ~~مسعود والنخعي: «وزوجناهم بعيس عين» قال أبو الفتح: ~~العيساء: البيضاء. ### || [52.21-28] # وقوله سبحانه: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } اختلف في معنى ~~الآية، فقال ابن عباس، وابن جبير، والجمهور: أخبر الله تعالى أن ~~المؤمنين الذين اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحق الأبناء في الجنة بمراتب ~~الآباء، وإن لم يكن الأبناء في التقوى والأعمال كالآباء؛ كرامة للآباء، ~~وقد ورد في هذا المعنى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا الحديث ~~تفسيرا للآية، وكذلك وردت أحاديث تقتضي أن الله تعالى يرحم الآباء؛ ~~رعيا للأبناء الصالحين، وقال ابن ms1341 عباس أيضا والضحاك. معنى الآية: ~~أن الله تعالى يلحق الأبناء الصغار بأحكام الآباء المؤمنين، يعني في ~~الموارثة والدفن في مقابر المسلمين، وفي أحكام الآخرة في الجنة، وقال ~~منذر بن سعيد: هي في الصغار لا في الكبار؛ قال * ع *: وأرجح الأقوال في ~~هذه الآية القول الأول؛ لأن الآيات كلها في صفة إحسان الله ~~تعالى إلى أهل الجنة، فذكر من جملة إحسانه سبحانه أنه يرعى ~~المحسن في المسيء، ولفظة { ألحقنا } تقتضي أن للملحق بعض ~~التقصير في الأعمال. # * ت *: وأظهر من هذا ما أشار إليه الثعلبي في بعض أنقاله: أن ~~الله تعالى يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة، كما كانوا في ~~الدنيا، انتهى، ولم يتعرض لذكر الدرجات في هذا التأويل، وهو أحسن؛ ~~لأنه قد تقرر أن رفع الدرجات هي بأعمال العاملين، والآيات ~~والأحاديث مصرحة بذلك، ولما يلزم على التأويل الأول أن يكون ~~كل من دخل الجنة مع آدم عليه السلام في درجة واحدة؛ إذ هم ~~كلهم ذريته، وقد فتحت لك بابا للبحث في هذا المعنى منعني من ~~إتمامه ما قصدته من الاختصار، وبالله التوفيق. # وقوله: { وما ألتنهم } أي: نقصناهم، ومعنى الآية أن الله ~~سبحانه يلحق الأبناء بالآباء، ولا ينقص الآباء من أجورهم شيئا، ~~وهذا تأويل الجمهور، ويحتمل أن يريد: من عمل الأبناء من شيء من حسن ~~أو قبيح، وهذا تأويل ابن زيد، ويؤيده قوله سبحانه: { كل امرىء ~~بما كسب رهين } والرهين: المرتهن، وفي هذه الألفاظ وعيد، ~~وأمددت الشيء: إذا سربت إليه شيئا آخر يكثره أو يكثر لديه. # وقوله: { مما يشتهون } إشارة إلى ما روي من أن ~~المنعم إذا اشتهى لحما نزل ذلك الحيوان بين يديه على الهيئة التي ~~اشتهاه فيها، وليس يكون في الجنة لحم يحتز، ولا يتكلف فيه الذبح، ~~والسلخ، والطبخ، وبالجملة لا كلفة في الجنة، و { يتنزعون } ~~معناه: يتعاطون؛ ومنه قول الأخطل: [البسيط] # نازعته طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # قال الفخر: ويحتمل أن يقال: التنازع: التجاذب، وحينئذ يكون ~~تجاذبهم تجاذب ملاعبة، لا تجاذب منازعة، وفيه نوع لذة، ms1342 ~~وهو بيان لما عليه حال الشراب في الدنيا؛ فإنهم يتفاخرون بكثرة ~~الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل، انتهى، والكأس: الإناء فيه الشراب، ~~ولا يقال في فارغ كأس؛ قاله الزجاج، واللغو: السقط من القول، ~~والتأثيم: يلحق خمر الدنيا في نفس شربها وفي الأفعال التي تكون من ~~شاربيها، وذلك كله منتف في الآخرة. # * ت *: قال الثعلبي: وقال ابن عطاء: أي لغو يكون في مجلس: ~~محله جنة عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربهم على ذكر الله، ~~وريحانهم تحية من عند الله، والقوم أضياف الله. # { ولا تأثيم } أي: فعل يؤثمهم، وهو تفعيل من الإثم، أي: لا ~~يأثمون في شربها، انتهى واللؤلؤ المكنون أجمل اللؤلؤ؛ لأن الصون ~~والكن يحسنه، قال ابن جبير: أراد الذي في الصدف لم تنله ~~الأيدي، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان الغلمان كاللؤلؤ المكنون فكيف ~~المخدومون؟ قال: هم كالقمر ليلة البدر ". # * ت *: وهذا تقريب للأفهام، وإلا فجمال أهل الجنة أعظم من ~~هذا، يدل على ذلك أحاديث صحيحة؛ ففي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة ~~ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول زمرة يدخلون الجنة - وفي رواية: «من ~~أمتي» على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين ~~يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة " # ، وفي رواية: # " ثم هم بعد ذلك منازل " # الحديث، وفي «صحيح مسلم» أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة، فتهب ~~ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، ~~ويزدادون حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: ~~والله، لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا! ~~فيقولون: وأنتم والله، لقد ازددتم بعدنا ~~حسنا وجمالا " # ، انتهى، وقد أشار الغزالي وغيره إلى طرف من هذا المعنى، لما ~~تكلم على رؤية العارفين لله سبحانه في الآخرة، قال بعد كلام: ولا ~~يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر في الآخرة متوالية إلى غير ~~نهاية، فلا يزال النعيم واللذة متزايدا أبد الآباد، وللشيخ ~~أبي الحسن الشاذلي هنا كلام حسن قال: لو كشف عن نور المؤمن لعبد من ~~دون الله، ولو ms1343 كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق السماء والأرض، فكيف ~~بنور المؤمن المطيع؟! نقل كلامه هذا ابن عطاء الله وابن عباد، ~~انظره. # ثم وصف تعالى عنهم أنهم في جملة تنعمهم { يتساءلون } أي: عن ~~أحوالهم وما نال كل واحد منهم، وأنهم يتذكرون حال الدنيا وخشيتهم ~~عذاب الآخرة، والإشفاق أشد الخشية ورقة القلب، { السموم }: ~~الحار، و { ندعوه }: يحتمل أن يريد: الدعاء على بابه، ويحتمل ~~أن يريد نعبده، وقرأ نافع والكسائي: «أنه» بفتح الهمزة ، ~~والباقون بكسرها و { البر } الذي يبر ويحسن. ### || [52.29-34] # وقوله سبحانه: { فذكر } أمر لنبيه عليه السلام بإدامة ~~الدعاء إلى الله عز وجل، ثم قال مؤنسا له: { فما أنت }: بإنعام ~~الله عليك ولطفه بك كاهن ولا مجنون. # وقوله سبحانه: { أم يقولون } أي: بل { يقولون شاعر... } ~~الآية: روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة، فكثرت ~~آراؤهم في النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: ~~تربصوا به ريب المنون، أي: حوادث الدهر، فيهلك كما ~~هلك من قبله من الشعراء: زهير، والنابغة، والأعشى، ~~وغيرهم، فافترقوا على هذه المقالة، فنزلت الآية في ذلك، والتربص: ~~الانتظار، والمنون: من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، وهو أيضا من ~~أسماء الدهر، وبه فسر مجاهد، والريب هنا: الحوادث والمصائب: ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها " # الحديث. # وقوله: { قل تربصوا } وعيد في صيغة أمر. # وقوله سبحانه: { أم تأمرهم أحلمهم بهذا } الأحلام: ~~العقول، وقوله: { بهذا } يحتمل أن يشير إلى هذه المقالة: هو شاعر، ~~ويحتمل أن يشير إلى ما هم عليه من الكفر وعبادة الأصنام، و { ~~تقوله } معناه: قال عن الغير أنه قاله، فهي عبارة عن كذب ~~مخصوص، ثم عجزهم سبحانه بقوله: { فليأتوا بحديث ~~مثله } والضمير في { مثله } عائد على القرآن. # وقوله: { إن كانوا صدقين } # * ت *: أي: في أن محمدا تقوله؛ قاله الثعلبي. ### || [52.35-36] # وقوله سبحانه: { أم خلقوا من غير شىء } قال الثعلبي: ~~قال ابن عباس: من غير أب ولا أم، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا تقوم ~~لله عليهم حجة، أليسوا خلقوا من نطفة ms1344 وعلقة، وقال ابن ~~كيسان: أم خلقوا عبثا، وتركوا سدى من غير شيء، أي: لغير ~~شيء لا يؤمرون ولا ينهون { أم هم الخلقون }: لأنفسهم، ~~فلا يأتمرون لأمر الله، انتهى، وعبر * ع *: عن هذا بأن قال: وقال ~~آخرون: معناه: أم خلقوا لغير علة ولا لغاية عقاب وثواب؛ فهم لذلك ~~لا يسمعون ولا يتشرعون. # * ت *: وقد يحتمل أن يكون المعنى: أم خلقوا من غير شيء ~~خلقهم، أي: من غير موجد أوجدهم، ويدل عليه مقابلته ~~بقوله: { أم هم الخلقون } وهكذا قال الغزالي في ~~«الإحياء»، قال: وقوله عز وجل: { أم خلقوا من غير شىء } ~~أي: من غير خالق، انتهى بلفظه من كتاب «آداب التلاوة» قال الغزالي: ~~ولا يتوهم أن الآية تدل أنه لا يخلق شيء إلا ~~من شيء! انتهى، وقال الفخر: قوله تعالى: { من غير شىء } فيه ~~وجوه، المنقول منها: أم خلقوا من غير خالق، [وقيل: أم خلقوا لا ~~لغير شيء عبثا]، وقيل: أم خلقوا من غير أب وأم، انتهى، وأحسنها ~~الأول؛ كما قال الغزالي، والله أعلم بما أراد سبحانه، وفي ~~الصحيح عن جبير بن مطعم قال: # " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ~~بالطور، فلما بلغ هذه الآية: { أم خلقوا من ~~غير شىء أم هم الخلقون } إلى قوله: { ~~المصيطرون } كاد قلبي أن يطير " # ، وفي رواية: # " وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي " # انتهى، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في تاريخه عن جبير بن مطعم ~~قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أهل ~~بدر، فسمعته يقرأ في المغرب بالطور، فكأنما ~~تصدع قلبي حين سمعت القرآن» انتهى. ### || [52.37-43] # وقوله سبحانه: { أم عندهم خزائن ربك } بمنزلة قوله: أم ~~عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟ والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس ~~الآية، والسلم: السبب الذي يصعد به، كان ما كان من خشب، أو ~~بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سلم إلى السماء يستمعون ~~فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يسد بعضها مسد بعض، والمعنى: ~~يستمعون الخبر بصحة ما يدعونه، فليأتوا بالحجة ms1345 المبينة في ذلك. # وقوله سبحانه: { أم عندهم الغيب } الآية، قال ابن عباس: يعني ~~أم عندهم اللوح المحفوظ، { فهم يكتبون }: ما فيه، ويخبرون به، ~~ثم قال: { أم يريدون كيدا }: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنهم ~~{ هم المكيدون } أي: هم المغلوبون، فسمى غلبتهم كيدا؛ ~~إذ كانت عقوبة الكيد، ثم قال سبحانه: { أم لهم إله غير ~~الله }: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبي: قال الخليل: ما في ~~سورة الطور كلها من ذكر «أم» كله استفهام لهم، انتهى. # ثم نزه تعالى نفسه: { عما يشركون } به. ### || [52.44-49] # وقوله: { وإن يروا كسفا } أي: قطعة يقولون لشدة معاندتهم ~~هذا { سحب مركوم }: بعضه على بعض، وهذا جواب لقولهم: # فأسقط علينا كسفا من السماء # [الشعراء:187] وقولهم: # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء:92] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم. # وقوله تعالى: { فذرهم } ، وما جرى مجراه من الموادعة ~~منسوخ بآية السيف، والجمهور أن يومهم الذي فيه يصعقون، هو يوم ~~القيامة، وقيل: هو موتهم واحدا واحدا، ويحتمل أن يكون يوم بدر؛ هو ~~لأنهم عذبوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإن كان ~~الاستعمال قد كثر فيما يصيب الإنسان من الصيحة المفرطة ~~ونحوه، ثم أخبر تعالى بأن لهم دون هذا اليوم، أي: قبله { ~~عذابا } واختلف في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره: هو بدر ونحوه، ~~وقال مجاهد: هو الجوع الذي أصابهم، وقال البراء بن عازب وابن ~~عباس أيضا: هو عذاب القبر، وقال ابن زيد: هي مصائب الدنيا، إذ هي لهم ~~عذاب. # * ت *: ويحتمل أن يكون المراد الجميع؛ قال الفخر: إن قلنا إن ~~العذاب هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مكة، وإن قلنا: العذاب هو ~~عذاب القبر، فالذين ظلموا عام في كل ظالم، انتهى. # ثم قال تعالى لنبيه: { واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا } أي: بمرأى ومنظر، نرى ونسمع ما تقول، وأنك في ~~حفظنا وحيطتنا؛ كما تقول: فلان يرعاه الملك بعين، وهذه الآية ينبغي ~~أن يقررها كل مؤمن في نفسه؛ فإنها تفسح مضايق الدنيا. # وقوله سبحانه: { وسبح بحمد ربك } قال أبو ms1346 الأحوص: هو ~~التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان الله وبحمده، وقال عطاء: ~~المعنى حين تقوم من كل مجلس. # * ت *: وفي تفسير أحمد بن نصر الداوودي قال: وعن ابن المسيب ~~قال: حق على كل مسلم أن يقول حين يقوم إلى الصلاة: سبحان الله ~~وبحمده؛ لقول الله سبحانه لنبيه { وسبح بحمد ربك ~~حين تقوم } ، انتهى، وقال ابن زيد: هي صلاة النوافل، وقال ~~الضحاك: هي الصلوات المفروضة، ومن قال هي النوافل جعل أدبار ~~النجوم ركعتي الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة ~~والتابعين، وقد روي مرفوعا، ومن جعله التسبيح المعروف جعل قوله: ~~{ حين تقوم } مثالا، أي: حين تقوم وحين تقعد، وفي كل ~~تصرفك، وحكى منذر عن الضحاك أن المعنى: حين تقوم في ~~الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: # " سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسمك " # الحديث. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-3] # قوله عز وجل: { والنجم إذا هوى * ما ضل صحبكم ~~وما غوى * وما ينطق عن الهوى } الآية، قال الحسن وغيره: ~~النجم المقسم به هنا: اسم جنس، أراد به النجوم، ثم اختلفوا في معنى ~~{ هوى } فقال جمهور المفسرين: هوى للغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم ~~من كلام العرب، وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي: هوى في الانقضاض في إثر ~~العفريت عند استراق السمع، وقال مجاهد وسفيان: النجم في قسم الآية: ~~الثريا، وسقوطها مع الفجر هو هويها، والعرب لا تقول: النجم ~~مطلقا إلا للثريا، والقسم واقع على قوله: { ما ضل ~~صحبكم وما غوى }. # * ص *: { إذا هوى } أبو البقاء: العامل في الظرف فعل القسم ~~المحذوف، أي: أقسم بالنجم وقت هويه، وجواب القسم: { ما ~~ضل } ، انتهى، قال الفخر: أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الغي ~~والضلال، وبينهما فرق؛ فالغي: في مقابلة الرشد، والضلال أعم ~~منه، انتهى. { وما ينطق عن الهوى }: يريد محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أنه لا يتكلم عن هواه، أي: بهواه وشهوته، وقال بعض العلماء: ~~وما ينطق القرآن المنزل عن هوى. # * ت *: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية كما ترى. ### || [53.4-10] # وقوله: { إن هو إلا وحى يوحى } يراد ms1347 به القرآن بإجماع. # * ت *: وليس هذا الإجماع بصحيح، ولفظ الثعلبي { إن هو إلا ~~وحى } أي: ما نطقه في الدين إلا بوحي، انتهى، وهو أحسن إن ~~شاء الله، قال الفخر: الوحي اسم، ومعناه: الكتاب، أو مصدر وله معان: ~~منها الإرسال، والإلهام، والكتابة، والكلام، والإشارة، فإن قلنا: هو ~~ضمير القرآن فالوحي اسم معناه الكتاب، ويحتمل أن يقال: مصدر، أي: ما ~~القرآن إلا إرسال، أي: مرسل، وإن قلنا: المراد من قوله: { ~~إن هو إلا وحى } قول محمد وكلامه فالوحي حينئذ هو الإلهام، ~~أي: كلامه ملهم من الله أو مرسل، انتهى، والضمير في { علمه } ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعلم هو جبريل عليه ~~السلام قاله ابن عباس وغيره، أي: علم محمدا القرآن، و { ذو ~~مرة } معناه: ذو قوة؛ قاله قتادة وغيره؛ ومنه قوله عليه ~~السلام : # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة، سوى " # وأصل المرة من مرائر الحبل، وهي فتله وإحكام عمله. # وقوله: { فاستوى } قال الربيع والزجاج، المعنى: فاستوى جبريل ~~في الجو، وهو إذ ذاك بالأفق الأعلى؛ إذ رآه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحراء، قد سد الأفق، له ستمائة جناح، وحينئذ دنا من محمد ~~عليه السلام حتى كان قاب قوسين، وكذلك رآه نزلة أخرى في صفته ~~العظيمة، له ستمائة جناح عند السدرة. # وقوله: { ثم دنا فتدلى } قال الجمهور: المعنى: دنا جبريل إلى ~~محمد في الأرض عند حراء، وهذا هو الصحيح أن جميع ما في هذه الآيات ~~من الأوصاف هو مع جبريل، و { دنا } أعم من { تدلى } فبين تعالى ~~بقوله: { فتدلى } هيئة الدنو كيف كانت، و { قاب }: معناه: ~~قدر، قال قتادة وغيره: معناه: من طرف العود إلى طرفه الآخر، وقال الحسن ~~ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المقبض. # وقوله: { أو أدنى } معناه: على مقتضى نظر البشر، أي: لو رآه ~~أحدكم لقال في ذلك: قوسان أو أدنى من ذلك، وقيل: المراد بقوسين، أي: ~~قدر الذراعين، وعن ابن عباس: أن القوس في الآية ذراع يقاس به، ~~وذكر الثعلبي أنها لغة بعض ms1348 الحجازيين. # وقوله تعالى: { فأوحى إلى عبده ما أوحى } قال ابن ~~عباس: المعنى: فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى، وفي قوله: { ما ~~أوحى } إبهام على جهة التفخيم والتعظيم؛ قال عياض: ولما كان ما ~~كاشفه عليه السلام من ذلك الجبروت، وشاهده من عجائب ~~الملكوت، لا تحيط به العبارات، ولا تستقل بحمل سماع أدناه العقول ~~ رمز عنه تعالى بالإيماء والكناية الدالة على التعظيم، فقال ~~تعالى: { فأوحى إلى عبده ما أوحى } وهذا النوع من ~~الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ ~~أبواب الإيجاز، انتهى. ### || [53.11-15] # وقوله سبحانه: { ما كذب الفؤاد ما رأى } المعنى: لم ~~يكذب قلب محمد الشيء الذي رأى، بل صدقه وتحققه نظرا؛ قال ~~أهل التأويل منهم ابن عباس وغيره: رأى محمد الله بفؤاده، وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " جعل الله نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه ~~بفؤادي " # ، وقال آخرون من المتأولين: المعنى: ما رأى بعينه لم يكذب ذلك ~~قلبه، بل صدقه وتحققه، وقال ابن عباس فيما روي عنه: إن محمدا رأى ~~ربه بعيني رأسه، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: أنا سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآيات فقال لي: ~~«هو جبريل فيها كلها» قال * ع *: وهذا قول الجمهور، وحديث ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قاطع بكل تأويل في اللفظ؛ لأن ~~قول غيرها إنما هو منتزع من ألفاظ القرآن. # وقوله سبحانه: { أفتمرونه على ما يرى } قرأ حمزة ~~والكسائي «أفتمرونه» بفتح التاء دون ألف ، أي: ~~أفتجحدونه. # * ت *: قال الثعلبي: واختار هذه القراءة أبو عبيد: قال إنهم لا ~~يمارونه، وإنما جحدوه، واختلف في الضمير في قوله: { ولقد ~~رءاه } حسبما تقدم، فقالت عائشة والجمهور: هو عائد على جبريل، و { ~~نزلة } معناه: مرة أخرى، فجمهور العلماء أن المرئي هو ~~جبريل عليه السلام في المرتين، مرة في الأرض بحراء، ومرة ~~عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء، ورآه على صورته التي خلق ~~عليها، وسدرة المنتهى هي: شجرة نبق في السماء السابعة، وقيل ~~لها: سدرة المنتهى؛ لأنها إليها ينتهي علم كل عالم، ms1349 ولا يعلم ما ~~وراءها صعدا إلا الله عز وجل، وقيل: سميت بذلك لأنها ~~إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلى الله عليه وسلم قال * ع *: ~~وهم المؤمنون حقا من كل جيل. # وقوله سبحانه: { عندها جنة المأوى } قال الجمهور: أراد ~~سبحانه أن يعظم مكان السدرة، ويشرفه بأن جنة المأوى ~~عندها، قال الحسن: هي الجنة التي وعد بها المؤمنون. ### || [53.16-25] # وقوله سبحانه: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } أي: غشيها ~~من أمر الله ما غشيها، فما يستطيع أحد أن يصفها، وقد ذكر ~~المفسرون في وصفها أقوالا هي تكلف في الآية؛ لأن الله ~~تعالى أبهم ذلك، وهم يريدون شرحه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " فغشيها ألوان لا أدري ما هي ". # وقوله تعالى: { ما زاغ البصر } قال ابن عباس: معناه: ما جال هكذا ~~ولا هكذا. # وقوله: { وما طغى } معناه: ولا تجاوز المرئي، وهذا تحقيق ~~للأمر، ونفي لوجوه الريب عنه. # وقوله: { لقد رأى من ءايت ربه الكبرى } قال ~~جماعة: معناه: لقد رأى الكبرى من آيات ربه، أي: مما يمكن أن ~~يراها البشر، وقال آخرون: المعنى: لقد رأى بعضا من آيات ربه ~~الكبرى، وقال ابن عباس وابن مسعود: رأى رفرفا أخضر من الجنة، قد سد ~~الأفق. # * ت *: وزاد الثعلبي: وقيل: المعراج، وما رأى في تلك الليلة في مسراه ~~في عوده وبدئه؛ دليله قوله تعالى: # لنريه من ءايتنا # [الإسراء:1]، الآية، قال عياض: وقوله تعالى: { لقد رأى من ~~ءايت ربه الكبرى } انحصرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت ~~الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، وقد اشتملت هذه الآيات على إعلام ~~الله بتزكية جملته عليه السلام وعصمتها من الآفات في هذا ~~المسرى، فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه؛ فقلبه بقوله تعالى: # ما كذب الفؤاد ما رأى # [النجم:11]، ولسانه عليه السلام بقوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى # [النجم:3]، وبصره بقوله تعالى: { ما زاغ البصر وما طغى } ~~اه. # ولما فرغ من ذكر عظمة الله وقدرته قال على جهة التوقيف: { ~~أفرءيتم اللت والعزى... } الآية، أي: أرأيتم هذه ~~الأوثان وحقارتها وبعدها عن هذه القدرة ms1350 والصفات العلية، ~~واللات: صنم كانت العرب تعظمه، والعزى: صخرة بيضاء كانت العرب ~~أيضا تعبدها، وأما مناة: فكانت بالمشلل من قديد، وكانت أعظم هذه ~~الأوثان عندهم، وكانت الأوس والخزرج تهل لها، ووقف تعالى الكفار على ~~هذه الأوثان، وعلى قولهم فيها: إنها بنات الله، فكأنه قال: أرأيتم ~~هذه الأوثان وقولكم: هي بنات الله { ألكم الذكر وله ~~الأنثى } ثم قال تعالى على جهة الإنكار: { تلك إذا قسمة ~~ضيزى } أي: عوجاء؛ قاله مجاهد، وقيل: جائرة قاله ابن عباس، وقال ~~سفيان: معناه: منقوصة، وقال ابن زيد: معناه: مخالفة، والعرب تقول: ~~ضزته حقه أضيزه بمعنى: منعته، وضيزى من هذا التصريف؛ قال ~~أبو حيان: و { الثالثة الأخرى } صفتان لمناة؛ للتأكيد، قيل: ~~وأكدت بهذين الوصفين؛ لعظمها عندهم، وقال الزمخشري: والأخرى ~~ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار، وتعقب بأن أخرى مؤنث آخر، ~~ولم يوضعا للذم ولا للمدح. # * ت *: وفي هذا التعقب تعسف، والظاهر أن الوصفين معا سيقا مساق ~~الذم؛ لأن هؤلاء الكفار لم يكتفوا بضلالهم في اعتقادهم ما لا ~~يجوز في اللات والعزى، إلى أن أضافوا إلى ذلك مناة الثالثة الأخرى ~~الحقيرة، وكل أصنامهم حقير، انتهى. # ثم قال تعالى: { إن هى إلا أسماء } يعني: إن هذه الأوصاف ~~من أنها إناث، وأنها آلهة تعبد، ونحو هذا إلا أسماء، ~~أي: تسميات اخترعتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها برهانا ولا ~~حجة، وما هو إلا اتباع الظن، { وما تهوى الأنفس } ~~وهوى الأنفس هو إرادتها الملذة لها، وإنما تجد هوى النفس أبدا في ~~ترك الأفضل؛ لأنها مجبولة بطبعها على حب الملذ، وإنما ~~يردعها ويسوقها إلى حسن العاقبة العقل والشرع. # وقوله سبحانه: { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } فيه ~~توبيخ لهم، إذ يفعلون هذه القبائح والهدى حاضر، وهو محمد وشرعه، ~~والإنسان في قوله: { أم للإنسن } اسم جنس، كأنه يقول: ليست ~~الأشياء بالتمني والشهوات، وإنما الأمر كله لله، والأعمال ~~جارية على قانون أمره ونهيه، فليس لكم أيها الكفرة ~~مرادكم في قولكم: هذه آلهتنا، وهي تشفع لنا، وتقربنا إلى ~~الله زلفى، ونحو هذا { فلله الأخرة والأولى } أي: له ms1351 كل ~~أمرهما: ملكا، ومقدورا، وتحت سلطانه، قال الشيخ أبو عبد ~~الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس»: ومن عيوب النفس كثرة ~~التمني، والتمني هو الاعتراض على الله عز وجل في قضائه ~~وقدره، ومداواتها أن يعلم أنه لا يدري ما يعقبه التمني، ~~أيجره إلى خير أو إلى شر؟ فإذا تيقن إبهام عاقبة تمنيه، ~~أسقط عن نفسه ذلك، ورجع إلى الرضا والتسليم، فيستريح، انتهى. ### || [53.26-32] # وقوله سبحانه: { وكم من ملك... } الآية: رد على قريش في ~~قولهم: الأوثان شفعاؤنا، { وكم } للتكثير، وهي في موضع رفع بالابتداء، ~~والخبر { لا تغنى } والغنى جلب النفع ودفع الضر بحسب ~~الأمر الذي يكون فيه الغناء. # وقوله سبحانه: { إن الذين لا يؤمنون بالأخرة } يعني: ~~كفار العرب. # وقوله: { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } أي: في ~~المعتقدات، والمواضع التي يريد الإنسان أن يجرر ما ~~يعقل ويعتقد؛ فإنها مواضع حقائق، لا تنفع الظنون فيها، ~~وأما في الأحكام وظواهرها فيجتزىء فيها بالمظنونات. # ثم سلى سبحانه نبيه وأمره بالإعراض عن هؤلاء الكفرة. # وقوله: { عن ذكرنا } قال الثعلبي: يعني القرآن. # وقوله سبحانه: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~} الآية متصلة في معنى التسلية، ومتضمنة وعيدا للكافرين، ووعدا ~~للمؤمنين، والحسنى: الجنة ولا حسنى دونها، وقد تقدم نقل الأقوال في ~~الكبائر في سورة النساء وغيرها، وتحرير القول في الكبائر أنها كل ~~معصية يوجد فيها حد في الدنيا أو توعد عليها بالنار في ~~الآخرة، أو لعنة، ونحو هذا. # وقوله: { إلا اللمم } هو استثناء يصح أن يكون متصلا، ~~وإن قدرته منقطعا ساغ ذلك، وبكل قد قيل، واختلف في معنى { ~~اللمم } فقال أبو هريرة، وابن عباس، والشعبي، وغيرهم: اللمم: ~~صغار الذنوب التي لا حد فيها ولا وعيد عليها؛ لأن الناس لا ~~يتخلصون من مواقعة هذه الصغائر، ولهم مع ذلك الحسنى إذا ~~اجتنبوا الكبائر، وتظاهر العلماء في هذا القول، وكثر المائل إليه، ~~وحكي عن ابن المسيب أن اللمم: ما خطر على القلب، يعني بذلك ~~لمة الشيطان، وقال ابن عباس: معناه: إلا ما ألموا به من المعاصي ~~الفلتة والسقطة ms1352 دون دوام ثم يتوبون منه، وعن الحسن بن أبي ~~الحسن أنه قال: في اللمة من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر ثم ~~لا يعود، قال * ع *: وهذا التأويل يقتضي الرفق بالناس في إدخالهم في ~~الوعد بالحسنى؛ إذ الغالب في المؤمنين مواقعة المعاصي، وعلى هذا ~~أنشدوا، وقد تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم: [الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # وقوله سبحانه: { إذ أنشأكم من الأرض } يريد: خلق أبيهم ~~آدم، ويحتمل أن يراد به إنشاء الغذاء، وأجنة: جمع جنين. # وقوله سبحانه: { فلا تزكوا أنفسكم } ظاهره النهي عن تزكية ~~الإنسان نفسه، ويحتمل أن يكون نهيا عن أن يزكي بعض ~~الناس بعضا، وإذا كان هذا، فإنما ينهى عن تزكية السمعة والمدح ~~للدنيا أو القطع بالتزكية، وأما تزكية الإمام والقدوة أحدا ~~ليؤتم به أو ليتهمم الناس بالخير، فجائز، وفي الباب أحاديث ~~صحيحة، وباقي الآية بين. # * ت *: قال صاحب «الكلم الفارقية»: أعرف الناس بنفسه ~~أشدهم إيقاعا للتهمة بها في كل ما يبدو ويظهر له منها، وأجهلهم ~~بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن مكرها من زكاها، وأحسن ظنه ~~بها؛ لأنها مقبلة على عاجل حظوظها، معرضة عن الاستعداد ~~لآخرتها، انتهى، وقال ابن عطاء الله: أصل كل معصية وغفلة، وشهوة ~~الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة، ويقظة، وعفة عدم الرضا منك ~~عنها؛ قال شارحه ابن عباد: الرضا عن النفس: أصل جميع الصفات المذمومة، ~~وعدم الرضا عنها أصل الصفات المحمودة، وقد اتفق على هذا جميع ~~العارفين وأرباب القلوب؛ وذلك لأن الرضا عن النفس يوجب تغطية ~~عيوبها ومساويها، وعدم الرضا عنها على عكس هذا؛ كما قيل: [الطويل] # وعين الرضا عن كل عيب كليلة # ولكن عين السخط تبدي المساويا # انتهى. ### || [53.33-38] # وقوله تعالى: { أفرأيت الذى تولى... } الآية، قال مجاهد، ~~وابن زيد، وغيرها: نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي؛ وذلك أنه ~~سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ووعظه فقرب من الإسلام، وطمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في إسلامه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين، ~~وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ms1353 ارجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا ~~أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا ~~من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام، ~~وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشح، فنزلت الآية فيه، ~~وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل؛ قال * ع *: فقوله: { ~~وأعطى قليلا وأكدى } على هذا هو في المال، وقال مقاتل ~~في كتاب الثعلبي: المعنى: أعطى الوليد قليلا من الخير بلسانه، ثم { ~~وأكدى } ، أي: انقطع ما أعطى، وهذا بين من اللفظ، والآخر يحتاج ~~إلى رواية، و { تولى } معناه: أدبر وأعرض عن أمر الله، { ~~وأكدى } معناه: انقطع عطاؤه، وهو مشبه بالذي يحفر في الأرض؛ فإنه ~~إذا انتهى في حفر بئر ونحوه إلى كدية، وهي ما صلب من الأرض ~~يئس من الماء، وانقطع حفره، وكذلك أجبل إذا انتهى في الحفر إلى جبل، ~~ثم قيل لمن انقطع: عمله أكدى وأجبل. # * ت *: قال الثعلبي: وأصله من الكدية، وهو حجر في البئر يؤيس من ~~الماء؛ قال الكسائي: تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل: إذا ~~بلغ في الحفر إلى الكدية والجبل، انتهى. # وقوله عز وجل: { أعنده علم الغيب فهو يرى } معناه: ~~أعلم من الغيب أن من تحمل ذنوب آخر انتفع بذلك المتحمل ~~عنه؛ فهو لهذا الذي علمه يرى الحق وله فيه بصيرة؟! أم هو جاهل، لم ~~ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى بما أرسل به، من ~~أنه لا تزر وازرة، أي: لا تحمل حاملة حمل أخرى؛ وفي ~~البخاري { وإبرهيم الذى وفى }: وفى ما فرض عليه، ~~انتهى. ### || [53.39-41] # وقوله سبحانه: { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى } وما ~~بعده، كل ذلك معطوف على قوله: { ألا تزر وزرة وزر أخرى ~~} والجمهور أن قوله: { وأن ليس للإنسن إلا ما سعى ~~} محكم لا نسخ فيه، وهو لفظ عام مخصص. # وقوله: { وأن سعيه سوف يرى } أي: يراه الله، ومن شاهد ~~تلك الأمور، وفي عرض الأعمال على الجميع تشريف للمحسنين وتوبيخ ~~للمسيئين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من ms1354 سمع بأخيه فيما يكره، سمع الله به ~~سامع خلقه يوم القيامة ". # وفي قوله تعالى: { ثم يجزاه الجزاء الأوفى } وعيد ~~للكافرين، ووعد للمؤمنين. ### || [53.42-54] # وقوله سبحانه: { وأن إلى ربك المنتهى } أي: منتهى ~~الخلق ومصيرهم، اللهم أطلعنا على خيرك بفضلك، ولا تفضحنا بين خلقك، ~~وجد علينا بسترك في الدارين! وحق لعبد يعلم أنه إلى ربه منتهاه؛ ~~أن يرفض هواه؛ ويزهد في دنياه، ويقبل بقلبه على مولاه؛ ويقتدي ~~بنبي فضله الله على خلقه وارتضاه؛ ويتأمل كيف كان زهده صلى ~~الله عليه وسلم في دنياه؛ وإقباله على مولاه؛ قال عياض في «شفاه»: وأما ~~زهده صلى الله عليه وسلم، فقد قدمنا من الأخبار أثناء هذه السيرة ما ~~يكفي، وحسبك من تقلله منها وإعراضه عنها وعن زهرتها، وقد ~~سيقت إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحاتها أنه ~~توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، ~~وهو يدعو، ويقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». # وفي «صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت: # " ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ~~تباعا حتى مضى لسبيله ". # وعنها - رضي الله عنها - قالت: # " لم يمتلىء جوف نبي الله صلى الله عليه وسلم شبعا ~~قط، ولم يبث شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة ~~أحب إليه من الغنى، وإن كان ليظل جائعا ~~يلتوي طول ليلته من الجوع، فلا يمنعه ذلك ~~صيام يومه، ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض ~~وثمارها ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي له؛ ~~رحمة مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما ~~به من الجوع، وأقول: نفس لك الفداء لو تبلغت ~~من الدنيا بما يقوتك! فيقول: يا عائشة، ما لي ~~وللدنيا! إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا ~~على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، ~~فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم، وأجزل ~~ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي أن ~~يقصر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحب إلي ~~من اللحوق بإخواني وأخلائي، قالت: فما أقام بعد ~~إلا أشهرا حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه ms1355 ~~ " # انتهى، وباقي الآية دلالة على التوحيد واضحة، و { النشأة ~~الأخرى }: هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البلى، { وأقنى } ~~معناه: أكسب ما يقتنى؛ تقول: قنيت المال، أي: كسبته، وقال ابن ~~عباس: { وأقنى }: قنع، قال * ع *: والقناعة خير قنية، ~~والغنى عرض زائل، فلله در ابن عباس! و { الشعرى }: نجم في ~~السماء، قال مجاهد وابن زيد: هو مرزم الجوزاء، وهما شعريان: ~~إحداهما الغميصاء، والأخرى العبور؛ لأنها عبرت المجرة، ~~وكانت خزاعة ممن يعبد هذه الشعرى العبور، ومعنى الآية: ~~وأن الله سبحانه رب هذا المعبود الذي لكم و { عادا الأولى ~~}: اختلف في معنى وصفها بالأولى، فقال الجمهور: سميت «أولى» ~~بالإضافة إلى الأمم المتأخرة عنها، وقال الطبري وغيره: سميت أولى؛ ~~لأن ثم عادا آخرة، وهي قبيلة كانت بمكة مع العماليق، وهم بنو ~~لقيم بن هزال، والله أعلم، وقرأ الجمهور: «وثمودا» بالنصب؛ عطفا ~~على «عادا» «وقوم نوح» عطفا على «ثمود». # وقوله: { من قبل } لأنهم كانوا أول أمة كذبت من أهل ~~الأرض، { والمؤتفكة }: قرية قوم لوط { أهوى } أي: طرحها من ~~هواء عال إلى سفل. ### || [53.55-58] # وقوله سبحانه: { فبأي آلاء ربك تتمارى } مخاطبة للإنسان ~~الكافر؛ كأنه قيل له: هذا هو الله الذي له هذه الأفعال، وهو ~~خالقك المنعم عليك بكل النعم، ففي أيها تشك وتتمارى؟! ~~معناه: تشكك، وقال مالك الغفاري: إن قوله: { ألا تزر } إلى ~~قوله: { تتمارى } هو في صحف إبراهيم وموسى. # وقوله سبحانه: { هذا نذير } يحتمل أن يشير إلى نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهو قول قتادة وغيره، وهذا هو الأشبه، ويحتمل أن ~~يشير إلى القرآن، وهو تأويل قوم، و { نذير } يحتمل أن يكون بناء ~~اسم فاعل، ويحتمل أن يكون مصدرا، ونذر جمع نذير. # وقوله تعالى: { أزفت الأزفة } معناه: قربت القريبة، والآزفة: ~~عبارة عن القيامة بإجماع من المفسرين، وأزف معناه قرب جدا؛ قال ~~كعب بن زهير: [البسيط] # بان الشباب وآها الشيب قد أزفا # ولا أرى لشباب ذاهب خلفا # و { كاشفة } يحتمل أن تكون صفة لمؤنث التقدير: حال كاشفة ونحو هذا ~~التقدير، ويحتمل أن تكون بمعنى: كاشف؛ قال ms1356 الطبري والزجاج: هو ~~من كشف السر، أي: ليس من دون الله من يشكف وقتها ويعلمه، وقال ~~منذر بن سعيد: هو من كشف الضر ودفعه، أي: ليس من يكشف خطبها ~~وهولها إلا الله. ### || [53.59-62] # وقوله سبحانه: { أفمن هذا الحديث تعجبون... } الآية: ~~روى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن هذا القرآن أنزل بخوف، فإذا قرأتموه ~~فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا " # ذكره الثعلبي، وأخرج الترمذي والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " لا يلج النار من بكى من خشية الله، حتى ~~يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل ~~الله ودخان جهنم في منخر أبدا " # قال النسائي: ويروى: «في جوف أبدا»: «ولا يجتمع الشح ~~والإيمان في قلب أبدا» قال الترمذي: وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية ~~الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله " # انتهى من «مصابيح البغوي». قال أبو عمر بن عبد البر: روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إياكم وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب، ~~ويذهب بنور الوجه " # انتهى من «بهجة المجالس»، وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من يأخذ عني هؤلاء الكلمات؛ فيعمل بهن، ~~أو يعلم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: ~~فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي، فعد ~~خمسا، وقال: اتق المحارم، تكن أعبد الناس، ~~وارض بما قسم الله لك، تكن أغنى الناس، ~~وأحسن إلى جارك، تكن مؤمنا، وأحب للناس ما ~~تحب لنفسك، تكن مسلما، ولا تكثر الضحك؛ فإن ~~كثرة الضحك يميت القلب " # انتهى، والسامد: اللاعب اللاهي، وبهذا فسر ابن عباس وغيره من ~~المفسرين، وسمد بلغة حمير: غني، وهو كله معنى قريب بعضه من بعض، ~~ثم أمر تعالى بالسجود له والعبادة؛ تخويفا وتحذيرا، وههنا سجدة في قول ~~كثير من العلماء، ووردت بها أحاديث صحاح، ولم ير مالك بالسجود هنا، ~~وقال زيد بن ثابت: إنه قرأ بها عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1357 فلم يسجد. قال ابن العربي في «أحكامه»: وكان مالك ~~يسجدها في خاصة نفسه، انتهى ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-8] # قوله سبحانه: { اقتربت الساعة وانشق القمر } معناه: ~~قربت الساعة، وهي القيامة، وأمرها مجهول التحديد، وكل ما يروى في عمر ~~الدنيا من التحديد فضعيف. # وقوله: { وانشق القمر } إخبار عما وقع؛ وذلك أن قريشا ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فأراهم الله ~~انشقاق القمر، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجماعة من المسلمين والكفار، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: اشهدوا. # وقوله: { وإن يروا }: جاء اللفظ مستقبلا، لينتظم ما مضى وما ~~يأتي، فهو إخبار بأن حالهم هكذا. # وقوله: { مستمر }: قال الزجاج: قيل معناه: دائم متماد، ~~وقال قتادة وغيره: معناه: مار ذاهب عن قريب يزول، ثم قال سبحانه على ~~جهة جزم الخبر: { وكل أمر مستقر } كأنه يقول: وكل شيء ~~إلى غاية عنده سبحانه، و { مزدجر } معناه: موضع زجر. # وقوله: { فما تغنى النذر }: يحتمل أن تكون «ما» نافية، ~~ويحتمل أن تكون استفهامية. # ثم سلى سبحانه نبيه عليه السلام بقوله: { فتول ~~عنهم } أي: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: { ~~عنهم } ثم ابتدأ وعيدهم بقوله: { يوم } والعامل في [ { يوم } ~~] قوله { يخرجون } وقال الرماني: المعنى: فتول عنهم، واذكر ~~يوم، وقال الحسن: المعنى: فتول عنهم إلى يوم. # وقرأ الجمهور: «نكر» بضم الكاف ؛ قال الخليل: النكر: نعت ~~للأمر الشديد والرجل الداهية، وخص الأبصار بالخشوع، لأنه فيها ~~أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء أو ~~صلف أو خوف ونحو، إنما يظهر في الأبصار، و { الأجداث }: جمع ~~جدث وهو القبر، وشبههم سبحانه بالجراد المنتشر، وقد شبههم ~~سبحانه في آية أخرى بالفراش المبثوث، وفيهم من كل هذا شبه، وذهب بعض ~~المفسرين إلى أنهم أولا كالفراش حين يموج بعضهم في بعض؛ ثم في ~~رتبة أخرى كالجراد إذا توجهوا نحو المحشر والداعي، والمهطع: ~~المسرع في مشيه نحو الشيء مع هز ورهق ومد بصر نحو ~~المقصد، إما لخوف، أو طمع ونحوه؛ قال أبو حيان: { مهطعين ms1358 } ~~أي: مسرعين، وقيل: فاتحين آذانهم للصوت، انتهى. # و { يقول الكفرون هذا يوم عسر } لما يرون من مخايل ~~هوله وعلامات مشقته. ### || [54.9-15] # وقوله سبحانه: { كذبت قبلهم قوم نوح... } الآية: وعيد ~~لقريش، وضرب مثل لهم. # وقوله: { وازدجر }: إخبار من الله عز وجل أنهم زجروا ~~نوحا عليه السلام بالسب والنجه والتخويف، قاله ابن زيد. # وقوله: { فانتصر } أي: فانتصر لي منهم بأن تهلكهم. # وقوله: { ففتحنا أبوب السماء } قال الجمهور: هذا مجاز ~~وتشبيه؛ لأن المطر كأنه من أبواب، وهذا مبدأ الانتصار من الكفار، ~~والمنهمر: الشديد الوقوع الغزير، وقرأ الجمهور: { فالتقى ~~الماء } يعني: ماء السماء وماء العيون. # وقوله سبحانه: { على أمر قد قدر } أي: قد قضي وقدر ~~في الأزل، و { ذات ألوح ودسر }: هي السفينة، والدسر: ~~المسامير، واحدها: دسار؛ وهذا هو قول الجمهور، وقال مجاهد: الدسر: ~~أضلاع السفينة، قال العراقي: والدسار أيضا: ما تشد به السفينة، ~~انتهى. # وقوله تعالى: { تجرى بأعيننا } معناه: بحفظنا وتحت نظر ~~منا، قال البخاري: قال قتادة: أبقى الله عز وجل سفينة نوح حتى ~~أدركها أوائل هذه الأمة، انتهى، وقرأ جمهور الناس: { جزاء ~~لمن كان كفر } مبنيا للمفعول، قال مكي: قيل: «من» يراد ~~بها نوح والمؤمنون؛ لأنهم كفروا من حيث كفر بهم، فجزاهم الله ~~بالنجاة، وقرىء شاذا: «كفر» مبنيا للفاعل، والضمير في { ~~تركنها } قال مكي: هو عائد على هذه الفعلة والقصة، ~~وقال قتادة وغيره: هو عائد على السفينة، و { مدكر } أصله: مدتكر؛ ~~أبدلوا من التاء دالا، ثم أدغموا الذال في الدال، وهذه قراءة ~~الناس، قال أبو حاتم: ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ~~صحيح. ### || [54.16-19] # وقوله تعالى: { فكيف كان عذابى ونذر }: توقيف لكفار قريش، ~~والنذر: هنا جمع نذير، وهو المصدر، والمعنى: كيف كان عاقبة إنذاري لمن ~~لم يحفل به كأنتم أيها القوم؟ و { يسرنا القرءان } أي: ~~سهلناه وقربناه، والذكر: الحفظ عن ظهر قلب؛ قال * ع *: ~~يسر بما فيه من حسن النظم وشرف المعاني، فله حلاوة في القلوب، ~~وامتزاج بالعقول السليمة. # وقوله: { فهل من مدكر }: استدعاء وحض على ذكره وحفظه؛ ~~لتكون زواجره ms1359 وعلومه حاضرة في النفس، فلله در من قبل وهدي. # * ت *: وقال الثعلبي: { فهل من مدكر } أي: من متعظ. # وقوله: { فى يوم نحس مستمر } الآية: ورد في بعض الأحاديث ~~في تفسير هذه الآية: { يوم نحس مستمر }: يوم الأربعاء، ~~ومستمر معناه: متتابع. ### || [54.20-41] # وقوله: { تنزع الناس } معناه: تقلعهم من مواضعهم قلعا فتطرحهم، ~~وروي عن مجاهد أن الريح كانت تلقي الرجل على رأسه؛ فيتفتت ~~رأسه وعنقه، وما يلي ذلك من بدنه، قال *ع *: فلذلك حسن التشبيه ~~بأعجاز النخل؛ وذلك أن المنقلع هو الذي ينقلع من قعره، وقال قوم: ~~إنما شبههم بأعجاز النخل؛ لأنهم كانوا يحتفرون حفرا ليمتنعوا ~~فيها من الريح، فكأنه شبه تلك الحفر بعد النزع بحفر أعجاز ~~النخل، والنخل: تذكر وتؤنث، وفائدة تكرار قوله: { فكيف ~~كان عذابى ونذر } التخويف وهز النفوس، وهذا موجود في ~~تكرار الكلام؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: # " ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت " # ونحوه، و[قول] ثمود لصالح: { أبشرا منا وحدا نتبعه }: ~~هو حسد منهم، واستبعاد منهم أن يكون نوع البشر يفضل هذا التفضيل، ~~ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى ~~على من رضيه، وقولهم: { إنا إذا لفى ضلل } أي: في ذهاب ~~وانتلاف عن الصواب، { وسعر } معناه: في احتراق أنفس واستعارها حنقا، ~~وقيل: في جنون؛ يقال: ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على ~~وجهها، والأشر: البطر، وقرأ الجمهور: { سيعلمون } بالياء، ~~وقرأ حمزة وحفص: «ستعلمون» بالتاء من فوق؛ على معنى: قل لهم يا ~~صالح. # ثم أمر الله صالحا بارتقاب الفرج والصبر. # * ت *: وقال الثعلبي: { فارتقبهم } أي: انتظرهم؛ ما يصنعون، { ~~ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } وبين الناقة، لها ~~شرب ولهم شرب يوم معلوم، و { محتضر }: معناه: محضور مشهود ~~متواسى فيه، وقال مجاهد: { كل شرب } أي: من الماء يوما ومن لبن ~~الناقة يوما محتضر لهم، فكأنه أنبأهم بنعمة الله سبحانه عليهم في ~~ذلك، و { صحبهم }: هو قدار بن سالف، و { تعاطى } مطاوع «عاطى» ~~فكأن هذه الفعلة تدافعها الناس، وأعطاها بعضهم بعضا فتعاطاها هو، ms1360 ~~وتناول العقر بيده؛ قاله ابن عباس، وقد تقدم قصص القوم، و«الهشيم»: ~~ما تفتت وتهشم من الأشياء، و { المحتظر }: معناه: الذي يصنع ~~حظيرة، قاله ابن زيد وغيره، وهي مأخوذة من الحظر وهو المنع، والعرب ~~وأهل البوادي يصنعونها للمواشي وللسكنى أيضا من الأغصان والشجر ~~المورق، والقصب، ونحوه، وهذا كله هشيم يتفتت، إما في أول ~~الصنعة، وإما عند بلى الحظيرة وتساقط أجزائها، وقد تقدم قصص قوم ~~لوط، والحاصب: مأخوذ من الحصباء. # وقوله: { فتماروا } معناه: تشككوا، وأهدى بعضهم الشك إلى بعض ~~بتعاطيهم الشبه والضلال، و { النذر }: جمع نذير، وهو المصدر، ~~ويحتمل أن يراد بالنذر هنا وفي قوله: { كذبت قوم لوط ~~بالنذر } جمع نذير، الذي هو اسم فاعل. # وقوله سبحانه: { فطمسنا أعينهم } قال قتادة: هي حقيقة؛ ~~جر جبريل شيئا من جناحه على أعينهم فاستوت مع وجوههم، قال أبو ~~عبيدة: مطموسة بجلدة كالوجه، وقال ابن عباس والضحاك: هذه ~~استعارة؛ وإنما حجب إدراكهم فدخلوا المنزل ولم يروا شيئا فجعل ذلك ~~كالطمس. # وقوله: { بكرة } قيل: عند طلوع الفجر. # وقوله: { فذوقوا }: يحتمل أن يكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل ~~أن يكون من قول الملائكة، ونذري: جمع المصدر، أي: وعاقبة إنذاري، ~~و { مستقر } أي: دائم استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب ~~الآخرة، و { آل فرعون }: قومه وأتباعه. ### || [54.42-48] # وقوله: { كذبوا بئايتنا كلها } يحتمل أن يريد آل ~~فرعون، ويحتمل أن يكون قوله: # ولقد جاء ءال فرعون النذر # [القمر:41] كلاما تاما ، ثم يكون قوله: { كذبوا ~~بئايتنا كلها } يعود على جميع من ذكر من الأمم. # وقوله تعالى: { أكفاركم خير من أولئكم } خطاب لقريش ~~على جهة التوبيخ. # وقوله: { أم لكم براءة } أي: من العذاب { فى الزبر } أي: ~~في كتب الله المنزلة؛ قاله ابن زيد وغيره. # ثم قال تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: { أم يقولون ~~نحن }: واثقون بجماعتنا، منتصرون بقوتنا على جهة الإعجاب؛ ~~سيهزمون، فلا ينفع جمعهم، وهذه عدة من الله تعالى لرسوله ~~أن جمع قريش سيهزم، فكان كما وعد سبحانه؛ قال عمر بن الخطاب ~~ رضي الله عنه : كنت أقول في ms1361 نفسي: أي جمع يهزم؟! ~~فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في ~~الدرع، وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ~~والجمهور على أن الآية نزلت بمكة، وقول من زعم أنها نزلت ~~يوم بدر ضعيف، والصواب أن الوعد نجز يوم بدر، قال أبو حيان: { ~~ويولون }: الجمهور بياء الغيبة، وعن أبي عمرو بتاء الخطاب، ~~والدبر: هنا اسم جنس، وحسن إفراده؛ كونه فاصلة، وقد جاء مجموعا ~~في آية أخرى، وهو الأصل، انتهى. # ثم أضرب سبحانه تهميما بأمر الساعة التي هي أشد عليهم من كل ~~هزيمة وقتل، فقال: { بل الساعة موعدهم } و { أدهى }: ~~أفعل من الداهية، وهي الرزية العظمى تنزل بالمرء، { وأمر } ~~من المرارة. # * ت *: وقال الثعلبي: الداهية الأمر: الشديد الذي لا يهتدى ~~للخلاص منه، انتهى. # ثم أخبر تعالى عن المجرمين أنهم في الدنيا في حيرة وانتلاف، وفقد ~~هدى، وفي الآخرة في احتراق وتسعر، وقال ابن عباس: المعنى: في خسران ~~وجنون، والسعر: الجنون، وأكثر المفسرين على أن المجرمين هنا ~~يراد بهم الكفار، والسحب: الجر. ### || [54.49-55] # وقوله سبحانه: { إنا كل شىء خلقنه بقدر } قرأ جمهور ~~الناس: { كل } بالنصب، وقالوا: المعنى: إنا خلقنا كل شيء بقدر ~~سابق، وليست خلقنا في موضع الصفة لشيء، وهذا مذهب أهل السنة وهذا ~~المعنى يقتضى أن كل شيء مخلوق إلا ما قام عليه الدليل أنه ليس ~~بمخلوق؛ كالقرآن والصفات. # * ت *: قال الثعلبي: قال ابن عباس: خلق الله الخلق كلهم ~~بقدر، وخلق الخير والشر، فخير الخير: السعادة، وشر ~~الشر: الشقاوة. # وقوله سبحانه: { وما أمرنا إلا وحدة } قال * ع *: أي: ~~إلا قولة واحدة، وهي «كن». # * ت *: قوله: إلا قوله فيه قلق ما، وكأنه فهم أن معنى ~~الآية راجع إلى قوله تعالى: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل:40] وعبارة الثعلبي: أي: وما أمر الساعة إلا واحدة، أي: ~~إلا رجفة واحدة، قال أبو عبيد هي نعت للمعنى دون اللفظ، مجازه: وما ~~أمرنا إلا مرة واحدة كن فيكون { كلمح بالبصر } ، أي: كخطف ~~بالبصر، فقيل له: إنه يعني ms1362 الساعة، فقال: الساعة وجميع ما يريد، ~~انتهى، وكلام أبي عبيد عندي حسن. # والأشياع: الفرق المتشابهة في مذهب، أو دين، ونحوه، الأول شيعة ~~للآخر، والآخر شيعة للأول، وكل شيء فعلته الأمم المهلكة ~~في الزبر، أي: مكتوب محفوظ عليهم إلى يوم الحساب؛ قاله ابن عباس وغيره، و ~~{ مستطر } أي: مسطر، وقرأ الجمهور: و { ونهر } بفتح ~~النون والهاء ؛ على أنه اسم الجنس يريد به الأنهار، أو على أنه ~~بمعنى: وسعة في الأرزاق والمنازل، قال أبو حيان: وقرأ الأعمش ~~«ونهر» بضم النون والهاء جمع نهر؛ ك«رهن» ~~و«رهن» انتهى. # وقوله تعالى: { فى مقعد صدق } يحتمل أن يريد به الصدق الذي ~~هو ضد الكذب، أي: المقعد الذي صدقوا في الخبر به، ويحتمل أن يكون ~~من قولك: عود صدق، أي: جيد، ورجل صدق، أي: خير، والمليك المقتدر: ~~الله تعالى. # * ت *: وقال الثعلبي: { فى مقعد صدق } أي: في مجلس حق لا ~~لغو فيه ولا تأثيم، وهو الجنة عند مليك مقتدر، و { عند }: إشارة ~~إلى القربة والرتبة، انتهى. # * ص *: قال أبو البقاء: { فى مقعد صدق }: بدل من قوله: { في ~~جنت } انتهى، قال المحاسبي: وإذا أخذ أهل الجنة مجالسهم، ~~واطمأنوا في مقعد الصدق الذي وعده الله لهم، فهم في القرب من مولاهم ~~سبحانه على قدر منازلهم عنده، انتهى من كتاب «التوهم» ثم قال ~~المحاسبي بإثر هذا الكلام: فلو رأيتهم، وقد سمعوا كلام ربهم، وقد ~~داخل قلوبهم السرور، وقد بلغوا غاية الكرامة ومنتهى الرضا ~~والغبطة، فما ظنك بنظرهم إلى العزيز العظيم الجليل الذي لا تقع ~~عليه الأوهام؛ ولا تحيط به الأفهام، ولا تحده الفطن، ولا تكيفه ~~الفكر، الأزلي القديم، الذي حارت العقول عن إدراكه، وكلت ~~الألسن عن كنه صفاته؟!انتهى. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-5] # قوله عز وجل: { الرحمن * علم القرءان } الرحمن: بناء ~~مبالغة من الرحمة، وقوله: { علم القرءان } تعديد نعمة، أي: هو ~~من به، وعلمه الناس، وخص حفاظه وفهمته بالفضل؛ ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " # ، ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق، أن الله تعالى ذكر ms1363 ~~القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ ~~الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية ~~عشر موضعا كلها نصت على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه ~~السورة على هذا النحو، والإنسان هنا اسم جنس؛ قاله الزهراوي ~~وغيره، قال الفخر: { الرحمن }: مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي ~~{ علم القرءان } ، انتهى، و { البيان }: النطق والفهم ~~والإبانة عن ذلك بقول؛ قاله الجمهور، وبذلك فضل الإنسان من سائر ~~الحيوان، وكل المعلومات داخلة في البيان الذي علمه الإنسان، فمن ذلك ~~البيان: كون { الشمس والقمر بحسبان }: وهذا ابتداء تعديد ~~نعم، قال قتادة: { بحسبان }: مصدر كالحساب، وقال أبو عبيدة معمر ~~بن المثنى والضحاك: هو جمع حساب، والمعنى: أن هذين لهما في ~~طلوعهما وغروبهما وقطعهما البروج وغير ذلك حسابات شتى، وهذا مذهب ~~ابن عباس وغيره، وقال قتادة: الحسبان: الفلك المستدير، شبهه ~~بحسبان الرحى، وهو العود المستدير الذي باستدارته تستدير المطحنة. ### || [55.6-13] # وقوله سبحانه: { والنجم والشجر يسجدان } قال ابن عباس ~~وغيره: النجم: النبات الذي لا ساق له. قال * ع *: وسمي نجما؛ ~~لأنه نجم، أي: ظهر، وهو مناسب للشجر نسبة بينة، وقال مجاهد ~~وغيره: النجم: اسم الجنس من نجوم السماء: قال * ع *: والنسبة التي لها ~~من السماء هي التي للشجر من الأرض؛ لأنهما في ظاهرهما، ~~وسمي الشجر؛ من اشتجار غصونه، وهو تداخلها، قال مجاهد: ~~وسجودهما عبارة عن التذلل والخضوع. # وقوله سبحانه: { ووضع الميزان }: يريد به العدل؛ قاله أكثر ~~الناس. # وقوله: { ألا تطغوا فى الميزان } وقوله: { وأقيموا ~~الوزن بالقسط } ، وقوله: { ولا تخسروا الميزان } ~~يريد به الميزان المعروف وألا هو بتقدير لئلا، أو مفعول من أجله، ~~وفي مصحف ابن مسعود: «لا تطغوا في الميزان» وقرأ بلال بن أبي ~~بردة: «تخسروا» بفتح التاء وكسر السين ؛ من خسر، ويقال: ~~خسر وأخسر بمعنى نقص، وأفسد؛ كجبر وأجبر. # والأنام: قال الحسن بن أبي الحسن: هم الثقلان، الإنس والجن، ~~وقال ابن عباس، وقتادة وابن زيد والشعبي: هم الحيوان كله. # { والنخل ذات الأكمام } وذلك أن طلعها في كم ms1364 ~~وفروعها أيضا في أكمام من ليفها، والكم من النبات: كل ما ~~التف على شيء وستره: ومنه كمائم الزهر، وبه شبه ~~كم الثوب. # { والحب ذو العصف }: هو البر والشعير وما جرى مجراه، ~~قال ابن عباس: العصف: التبن، واختلف في الريحان، فقال ابن ~~عباس وغيره: هو الرزق، وقال الحسن: هو ريحانكم هذا، وقال ابن ~~زيد وقتادة: الريحان هو كل مشموم طيب، قال * ع *: وفي هذا النوع ~~نعمة عظيمة، ففيه الأزهار، والمندل والعقاقير، وغير ذلك، وقرأ ~~الجمهور: «والريحان» بالرفع؛ عطفا على «فاكهة» وقرأ حمزة ~~والكسائي: «والريحان» بالخفض؛ عطفا على «العصف»، ~~ف«الريحان» على هذه القراءة: الرزق، ولا يدخل فيه المشموم إلا ~~بتكلف، و«ريحان» أصله «روحان»؛ فهو من ذوات الواو؛ و«الآلاء»: ~~النعم، والضمير في قوله: { ربكما } للجن والإنس اللذين ~~تضمنهما لفظ الأنام، وأيضا ساغ تقديم ضميرهما عليهما؛ لذكر ~~الإنسان والجان عقب ذلك، وفيه اتساع، وقال منذر بن سعيد: خوطب ~~من يعقل؛ لأن المخاطبة بالقرآن كله هي للإنس والجن، وعن جابر ~~قال: # " قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن، حتى ~~ختمها، ثم قال: «مالي أراكم سكوتا؟! للجن كانوا ~~أحسن ردا منكم؛ ما قرأت عليهم هذه الآية من ~~مرة: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا: ~~لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ". ### || [55.14-21] # وقوله سبحانه: { خلق الإنسن من صلصل كالفخار * ~~وخلق الجان من مارج من نار } الآية: اختلف في ~~اشتقاق «الصلصال»؛ فقيل: هو من صل: إذا أنتن، فهي إشارة إلى ~~الحمأة، وقال الجمهور: هو من صل: إذا صوت، وذلك في الطين ~~لجودته، فهي إشارة إلى ما كان في تربة آدم من الطين الحر؛ وذلك أن ~~الله تعالى خلقه من طين مختلف، فمرة ذكر في خلقه هذا، ومرة ~~هذا، وكل ما في القرآن صفات ترددت على التراب الذي خلق منه، ~~و«الفخار»: الطين الطيب إذا مسه الماء فخر، أي: ربا ~~وعظم، والجان: اسم جنس كالجنة، قال الفخر: وفي الجان وجه ~~آخر: أنه أبو الجن، كما أن الإنسان هنا أبو الإنس خلق من ~~صلصال، ومن بعده خلق من صلبه؛ ms1365 كذلك الجان هنا أبو ~~الجن خلق من نار، ومن بعده من ذريته، انتهى، و«المارج»: ~~اللهب المضطرب من النار، قال ابن عباس: وهو أحسن النار ~~المختلط من ألوان شتى، قال أبو حيان: المارج المختلط من ~~أصفر، وأخضر، وأحمر، انتهى. # وكرر سبحانه قوله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؛ ~~تأكيدا وتنبيها للنفوس، وتحريكا لها، وهذه طريقة من الفصاحة معروفة، ~~وهي من كتاب الله في مواضع؛ وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ~~كلام العرب، وذهب قوم إلى أن هذا التكرار إنما هو لما اختلفت النعم ~~المذكورة كرر التوقيف مع كل واحدة منها، قال * ع *: وهذا حسن، ~~وقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة، وللتأكيد، ~~وخص سبحانه ذكر المشرقين والمغربين بالتشريف في إضافة الرب ~~إليهما؛ لعظمهما في المخلوقات. # * ت *: وتحتمل الآية أن يراد المشرقين والمغربين وما بينهما كما هو ~~في «سورة الشعراء» واختلف الناس في { البحرين }؛ قال * ع *: ~~والظاهر عندي أن قوله تعالى: { البحرين } يريد بهما نوعي ~~الماء العذب والأجاج، أي: خلطهما في الأرض، وأرسلهما متداخلين في ~~وضعهما في الأرض، قريب بعضهما من بعض، ولا بغي، قال * ع *: وذكر ~~الثعلبي في { مرج البحرين } ألغازا وأقوالا باطنة يجب ~~ألا يلتفت إلى شيء منها. # * ت *: ولا شك في اطراحها، فمنها نقله عن الثوري { مرج ~~البحرين }: فاطمة وعلي، { اللؤلؤ والمرجان }: الحسن ~~والحسين، ثم تمادى في نحو هذا مما كان الأولى به تركه، ~~ومرج الشيء، أي: اختلط، و«البرزخ»: الحاجز، قال البخاري { ~~لا يبغيان }: لا يختلطان، انتهى، قال ابن مسعود: { والمرجان ~~}: حجر أحمر، وهذا هو الصواب، قال عطاء الخراساني: وهو البسذ. ### || [55.22-25] # وقوله سبحانه: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } قال ~~جمهور من المتأولين: إنما يخرج ذلك من «الأجاج» في المواضع التي تقع ~~فيها الأنهار والمياه العذبة؛ فلذلك قال: { منهما }. # * ت *: وهذا بناء على أن الضمير في { منهما } للعذب وللمالح، ~~وأما على قول من قال: إن البحرين بحر فارس والروم، أو ~~بحر القلزم وبحر الشام فلا إشكال ؛ إذ كلها ~~مالحة، وقد نقل الأخفش عن قوم؛ أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من المالح ms1366 ~~ومن العذب، وليس لمن رده حجة قاطعة، ومن أثبت أولى ~~ممن نفى، قال أبو حيان: والضمير في { منهما } يعود على ~~البحرين، يعني: العذب والمالح، والظاهر خروج اللؤلؤ ~~والمرجان منهما، وحكاه الأخفش عن قوم، انتهى، والجواري: جمع ~~جارية، وهي السفن، وقرأ حمزة وأبو بكر: «المنشئات» بكسر ~~الشين ، أي: اللواتي أنشأن جريهن، أي: ابتدأنه، وقرأ ~~الباقون بفتح الشين ، أي: أنشأها الله أو الناس، وقال مجاهد: ~~{ المنشئات }: ما رفع قلعه من السفن { كالأعلم } ، ~~أي: كالجبال. # * ت *: ولفظ البخاري: { المنشئات }: ما رفع قلعه من ~~السفن، فأما ما لا يرفع قلعه، فليس بمنشآت، انتهى. ### || [55.26-28] # وقوله سبحانه: { كل من عليها } أي: على الأرض { فان } ~~والإشارة بالفناء إلى جميع الموجودات على الأرض من حيوان وغيره، والوجه: ~~عبارة عن الذات، لأن الجارحة منفية في حقه سبحانه؛ قال ~~الداودي: وعن ابن عباس { ذو الجلل }: قال: ذو العظمة ~~والكبرياء، انتهى. ### || [55.29-36] # وقوله سبحانه: { يسأله من فى السموات والأرض } أي: ~~من ملك، وإنس، وجن، وغيرهم، لا غنى لأحد منهم عنه سبحانه، ~~كلهم يسأله حاجته، إما بلسان مقاله، وإما بلسان حاله. # وقوله سبحانه: { كل يوم هو فى شأن } أي: يظهر شأنا من ~~قدرته التي قد سبقت في الأزل في ميقاته من الزمان، من إحياء وإماتة، ~~ورفعة وخفض، وغير ذلك من الأمور التي لا يعلم نهايتها إلا هو ~~سبحانه، و«الشأن»: هو اسم جنس للأمور، قال الحسين بن الفضل: معنى الآية: ~~سوق المقادير إلى المواقيت؛ وفي الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، فقيل له: ~~ما هذا الشأن يا رسول الله؟ قال: يغفر ذنبا، ~~ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين " # وذكر النقاش أن سبب هذه الآية قول اليهود: استراح الله ~~يوم السبت، فلا ينفذ فيه شيئا. # وقوله تعالى: { سنفرغ لكم أيها الثقلان }: عبارة عن ~~إتيان الوقت الذي قدر فيه، وقضى أن ينظر في أمور عباده، وذلك ~~يوم القيامة، وليس المعنى: أن ثم شغلا يتفرغ منه؛ إذ لا يشغله ~~سبحانه شأن عن شأن، وإنما هي إشارة وعيد وتهديد، قال البخاري: ~~وهو ms1367 معروف في كلام العرب؛ يقال: لأفرغن لك، وما به شغل، ~~انتهى، و { الثقلان }: الإنس والجن؛ يقال: لكل ما يعظم أمره: ~~ثقل، وقال جعفر بن محمد الصادق: سمي الإنس والجن ~~ثقلين؛ لأنهما ثقلا بالذنوب، قال * ع *: وهذا بارع ينظر ~~إلى خلقهما من طين ونار، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: { إن ~~استطعتم أن تنفذوا... } الآية: فقال الطبري: قال قوم: ~~المعنى: يقال لهم يوم القيامة: { يمعشر الجن والإنس ~~إن استطعتم... } الآية، قال الضحاك: وذلك أنه يفر ~~الناس في أقطار الأرض، والجن كذلك؛ لما يرون من هول يوم القيامة، ~~فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد أحاطت بالأرض، فيرجعون من حيث ~~جاؤوا، فحينئذ يقال لهم: { يمعشر الجن والإنس } ، وقال بعض ~~المفسرين: هي مخاطبة في الدنيا، والمعنى: إن استطعتم الفرار من ~~الموت بأن تنفذوا من أقطار السموات والأرض، فانفذوا. # * ت *: والصواب الأول. # وقوله: { فانفذوا }: صيغة أمر، ومعناه: التعجيز، و«الشواظ»: ~~لهب النار؛ قاله ابن عباس وغيره، قال أبو حيان: الشواظ: هو ~~اللهب الخالص بغير دخان، انتهى، و«النحاس»: هو المعروف؛ قاله ~~ابن عباس وغيره، أي: يذاب ويرسل عليهما، ونحوه في البخاري، قال ~~* ص *: وقال الخليل: «النحاس» هنا هو: الدخان الذي لا لهب له، ~~ونقله أيضا أبو البقاء وغيره، انتهى. ### || [55.37-45] # وقوله سبحانه: { فإذا انشقت السماء }: جواب «إذا»محذوف ~~مقصود به الإبهام؛ كأنه يقول: فإذا انشقت السماء، فما أعظم ~~الهول! قال قتادة: السماء اليوم خضراء، وهي يوم القيامة ~~حمراء، فمعنى قوله: { وردة } أي: محمرة كالوردة، وهي ~~النوار المعروف؛ وهذا قول الزجاج وغيره. # وقوله: { كالدهان } قال مجاهد وغيره: هو جمع دهن؛ وذلك أن ~~السماء يعتريها يوم القيامة ذوب وتميع من شدة الهول، ~~وقال ابن جريج: من حر جهنم، نقله الثعلبي، وقيل غير هذا. # وقوله: { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ~~قال قتادة وغيره: هي مواطن؛ فلا تعارض بين الآيات. # وقوله سبحانه: { فيؤخذ بالنواصى والأقدام } قال ابن ~~عباس: يؤخذ كل كافر بناصيته وقدميه، ويطوى، ويجمع ~~كالحطب، ويلقى كذلك في النار، وقيل: المعنى: أن بعض الكفرة ~~يؤخذون بالنواصي، وبعضهم يسحبون، ms1368 ويجرون بالأقدام. # وقوله تعالى: { هذه جهنم } أي: يقال لهم على جهة التوبيخ، وفي ~~مصحف ابن مسعود: «هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان ~~لا تموتان فيها ولا تحييان». # وقوله سبحانه: { يطوفون بينها وبين حميم ءان } المعنى: ~~أنهم يترددون بين نار جهنم وجمرها، وبين حميم، وهو ما ~~غلي في جهنم من مائع عذابها، وآن الشيء: حضر، وآن ~~اللحم أو ما يطبخ أو يغلى: نضج وتناهى حره، ~~وكونه من الثاني أبين. ### || [55.46-57] # وقوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه } أي: موقفه بين ~~يدي ربه، وقيل في هذه الآية: إن كل خائف له جنتان. # * ت *: قال الثعلبي: قال محمد بن علي الترمذي: جنة ~~لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته، و«الأفنان»: يحتمل أن تكون ~~جمع «فنن»، وهو الغصن، وهذا قول مجاهد، فكأنه مدحها ~~بظلالها وتكاثف أغصانها، ويحتمل أن تكون جمع «فن»، وهو قول ~~ابن عباس، فكأنه مدحها بكثرة فواكهها ونعيمها، و { زوجان } ~~معناه: نوعان. # * ت *: ونقل الثعلبي عن ابن عباس قال: ما في الدنيا شجرة ~~حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، حتى الحنظل إلا أنه ~~حلو انتهى. # و { متكئين }: حال، وقرأ الجمهور: { على فرش } بضم ~~الراء ، وروي في الحديث # " أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هذه البطائن من ~~إستبرق، فكيف الظواهر؟! قال: هي من نور يتلألأ ~~" # ، والإستبرق: ما خشن وحسن من الديباج، والسندس: ما ~~رق منه، وقد تقدم القول في لفظ الإستبرق، والضمير في قوله: { ~~فيهن } للفرش، وقيل: للجنات، إذ الجنتان جنات في المعنى، ~~و«الجنى»: ما يجنى من الثمار، ووصفه بالدنو؛ لأنه يدنو ~~إلى مشتهيه، فيتناوله كيف شاء من قيام، أو جلوس، أو اضطجاع، روي ~~معناه في الحديث، و { قصرت الطرف }: هن الحور، قصرن ~~ألحاظهن على أزواجهن: { لم يطمثهن } أي: لم يفتضهن؛ ~~لأن الطمث دم الفرج. # وقوله: { ولا جان } قال مجاهد: الجن قد تجامع نساء البشر ~~مع أزواجهن إذا لم يذكر الزوج اسم الله، فنفى سبحانه في هذه الآية ~~جميع المجامعات. ### || [55.58-61] # وقوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان } الآية، ~~الياقوت والمرجان هي من الأشياء التي ms1369 قد برع حسنها، ~~واستشعرت النفوس جلالتها، فوقع التشبيه بها فيما يشبه، ويحسن بهذه ~~المشبهات، فالياقوت في املاسه وشفوفه، ولو أدخلت فيه ~~سلكا، لرأيته من ورائه، وكذلك المرأة من نساء الجنة يرى مخ ساقها ~~من وراء العظم، والمرجان في املاسه وجمال منظره. # وقوله سبحانه: { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن }: آية ~~وعد وبسط لنفوس جميع المؤمنين؛ لأنها عامة؛ قال ابن ~~المنكدر، وابن زيد، وجماعة من أهل العلم: هي للبر والفاجر، ~~والمعنى: أن جزاء من أحسن بالطاعة أن يحسن إليه ~~بالتنعيم، وحكى النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ~~هذه الآية: هل جزاء التوحيد إلا الجنة. # * ت *: ولو صح هذا الحديث، لوجب الوقوف عنده، ولكن الشأن في ~~صحته، قال الفخر: قوله تعالى: { هل جزاء الإحسن إلا ~~الإحسن } فيه وجوه كثيرة، حتى قيل: إن في القرآن ثلاث ~~آيات، في كل واحدة منها مائة قول، إحداها: قوله تعالى: # فاذكرونى أذكركم # [البقرة:152] وثانيتها: # وإن عدتم عدنا # [الإسراء:8] وثالثتها: { هل جزاء الإحسن إلا الإحسن ~~} ولنذكر الأشهر منها والأقرب: # أما الأشهر فوجوه. # أحدها: هل جزاء التوحيد إلا الجنة، أي: هل جزاء من قال: لا إله ~~إلا الله إلا دخول الجنة. # ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة. # ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم بالنعم في الدنيا إلا أن ~~تحسنوا له العبادة والتقوى. # وأما الأقرب فهو التعميم، أي: لأن لفظ الآية عام، انتهى. ### || [55.62-78] # وقوله سبحانه: { ومن دونهما جنتان } قال ابن زيد وغيره: ~~معناه أن هاتين دون تينك في المنزلة والقرب، فالأوليان ~~للمقربين، وهاتان لأصحاب اليمين، وعن ابن عباس: أن المعنى: ~~أنهما دونهما في القرب إلى المنعمين، وأنهما أفضل من ~~الأوليين، قال * ع *: وأكثر الناس على التأويل الأول. # * ت *: واختار الترمذي الحكيم التأويل الثاني، وأطنب في الاحتجاج له ~~في «نوادر الأصول» له، وخرج البخاري هنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان ~~من ذهب آنيتهما وما فيهما... " # الحديث، وفيه: # " إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ~~ستون ms1370 ميلا، في كل زاوية منها أهل ما يرون ~~الآخرين، يطوف عليهم المؤمن " # انتهى، و { مدهامتان } معناه: قد علا لونهما دهمة ~~وسواد في النظرة والخضرة، قال البخاري: { مدهامتان ~~}: سوداوان من الري، انتهى، والنضاخة: الفوارة التي ~~يهيج ماؤها، وكرر النخل والرمان، وهما من أفضل الفاكهة؛ ~~تشريفا لهما، وقالت أم سلمة: «قلت: يا رسول الله، أخبرني ~~عن قول الله تعالى: { خيرت حسان } قال: خيرات ~~الأخلاق، حسان الوجوه» وقرىء شاذا: «خيرات» ~~بشد الياء المكسورة . # * ت *: وفي «صحيح البخاري» من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " لروحة في سبيل الله، أو غدوة خير من الدنيا ~~وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة أو موضع ~~قيد سوطه خير من الدنيا وما فيها، ولو أن ~~امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض ~~لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على ~~رأسها يعني الخمار خير من الدنيا وما فيها " # وقوله سبحانه { مقصورت } أي: محجوبات مصونات في الخيام، ~~وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه : هي در مجوف، ورواه ابن مسعود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. قال الداودي: وعن ابن عباس: والخيمة لؤلؤة مجوفة فرسخ ~~في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع، انتهى. # و«الرفرف»: ما تدلى من الأسرة من عالي الثياب والبسط، ~~وقاله ابن عباس وغيره، وما يتدلى حول الخباء من الخرقة ~~الهفافة يسمى رفرفا، وكذلك يسميه الناس اليوم، وقيل ~~غير هذا، وما ذكرناه أصوب، والعبقري: بسط حسان، فيها ~~صور وغير ذلك، تصنع بعبقر، وهو موضع يعمل فيه الوشي ~~والديباج ونحوه، قال ابن عباس: العبقري: الزرابي، وقال ~~ابن زيد: هي الطنافس، قال الخليل والأصمعي: العرب إذا استحسنت ~~شيئا واستجادته قالت: عبقري، قال * ع *: ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم في عمر: # " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه ". # وقوله سبحانه: { تبرك اسم ربك ذى الجلل والإكرام ~~}: هذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه، والدعاء ~~بهاتين الكلمتين حسن مرجو الإجابة، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ألظوا ب«ياذا الجلال والإكرام» " ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-7] ms1371 # قوله سبحانه: { إذا وقعت الواقعة } الآية، الواقعة: اسم ~~من أسماء القيامة؛ قاله ابن عباس، وقال الضحاك: الواقعة: الصيحة، ~~وهي النفخة في الصور، و { كاذبة }: يحتمل أن يكون مصدرا، فالمعنى: ~~ليس لها تكذيب ولا رد ولا مثنوية؛ وهذا قول مجاهد والحسن، ~~ويحتمل أن يكون صفة لمقدر، كأنه قال: ليس لوقعتها حال كاذبة. # وقوله سبحانه: { خافضة رافعة } قال قتادة وغيره: يعني القيامة ~~تخفض أقواما إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة، وقيل: إن بانفطار ~~السموات والأرض والجبال وانهدام هذه البنية، ترتفع طائفة من الأجرام، ~~وتنخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة هول القيامة. # * ت *: والأول أبين، وهو تفسير البخاري، ومعنى { رجت }: ~~زلزلت وحركت بعنف؛ قاله ابن عباس، ومعنى { وبست }: ~~فتت كما تبس البسيسة وهي السويق؛ قاله ابن عباس وغيره، ~~وقال بعض اللغويين: «بست» معناه: سيرت، والهباء: ما يتطاير في الهواء ~~من الأجزاء الدقيقة، ولا يكاد يرى إلا في الشمس إذا دخلت من ~~كوة؛ قاله ابن عباس وغيره، والمنبث بالثاء المثلثة : ~~الشائع في جميع الهواء، والخطاب في قوله: { وكنتم } لجميع العالم، ~~والأزواج: الأنواع، قال قتادة: هذه منازل الناس يوم القيامة. ### || [56.8-12] # وقوله سبحانه: { فأصحب الميمنة }: ابتداء، و { ما } ~~ابتداء ثان، { فأصحب الميمنة }: خبر { ما } ، والجملة ~~خبر الابتداء الأول، وفي الكلام معنى التعظيم؛ كما تقول: زيد ما زيد، ~~ونظير هذا في القرآن كثير، والميمنة أظهر ما في اشتقاقها أنها من ~~ناحية اليمين، وقيل من اليمن، وكذلك المشأمة: إما أن تكون من اليد ~~الشؤمى، وإما أن تكون من الشؤم، وقد فسرت الآية بهذين ~~المعنيين. # وقوله تعالى: { والسبقون }: ابتداء، و { السبقون } ~~الثاني: قال سيبويه: هو خبر الأول، وهذا على معنى تفخيم الأمر ~~وتعظيمه، وقال بعض النحاة: السابقون الثاني نعت للأول، ومعنى الصفة ~~أن تقول: والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة والرحمة أولئك، ~~ويتجه هذا المعنى على الابتداء والخبر. # وقوله: { أولئك المقربون }: ابتداء وخبر، وهو في موضع ~~الخبر؛ على قول من قال: { السبقون } الثاني صفة، و { ~~المقربون }: معناه: من الله سبحانه في جنة عدن، ~~فالسابقون معناه: الذين قد سبقت ms1372 لهم السعادة، وكانت أعمالهم في الدنيا ~~سبقا إلى أعمال البر وإلى ترك المعاصي، فهذا عموم في جميع الناس، ~~وخصص المفسرون في هذه أشياء تفتقر إلى سند قاطع، # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السابقين؟ ~~فقال: «هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا ~~سئلوه بذلوه، وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم» ~~" # والمقربون عبارة عن أعلى منازل البشر في الآخرة، قال جماعة من أهل ~~العلم: هذه الآية متضمنة أن العالم يوم القيامة على ثلاثة أصناف. ### || [56.13-25] # وقوله سبحانه: { ثلة من الأولين * وقليل من ~~الأخرين } الثلة: الجماعة، قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: ~~المراد: السابقون من الأمم والسابقون من هذه الأمة، وروي أن ~~الصحابة حزنوا لقلة سابقي هذه الأمة على هذا التأويل، فنزلت ~~الآية: # ثلة من الأولين * وثلة من الأخرين # [الواقعة:39-40] فرضوا، وروي عن عائشة أنها تأولت: أن ~~الفرقتين في أمة كل نبي هي في الصدر ثلة وفي آخر الأمة قليل، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: # " الفرقتان في أمتي، فسابق أول الأمة ثلة، ~~وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل " # قال السهيلي: وأما آخر من يدخل الجنة، وهو آخر أهل النار ~~خروجا منها، فرجل اسمه جهينة، فيقول أهل الجنة: تعالوا نسأله فعند ~~جهينة الخبر اليقين، فيسألونه: هل بقي في النار أحد بعدك ممن ~~يقول: لا إله إلا الله؟ وهذا حديث ذكره الدارقطني من طريق ~~مالك بن أنس، يرفعه بإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في كتاب ~~رواة مالك بن أنس رحمه الله ، انتهى. # وقوله تعالى: { على سرر موضونة } أي: منسوجة بتركيب بعض ~~أجزائها على بعض، كحلق الدرع، ومنه وضين الناقة وهو حزامها؛ ~~قال ابن عباس: { موضونة }: مرمولة بالذهب، وقال عكرمة: ~~مشبكة بالدر والياقوت { يطوف عليهم }: للخدمة { ~~ولدن }: وهم صغار الخدمة، ووصفهم سبحانه بالخلد، وإن كان جميع ~~ما في الجنة كذلك، إشارة إلى أنهم في حال الولدان مخلدون، لا ~~تكبر لهم سن، أي: لا يحولون من حالة إلى حالة؛ وقاله ابن كيسان، وقال ~~الفراء: { مخلدون } معناه: مقرطون بالخلدات ms1373 وهي ضرب من الأقراط ~~والأول أصوب، لأن العرب تقول للذي كبر ولم يشب: إنه ~~لمخلد، والأكواب: ما كان من أواني الشرب لا أذن له ولا ~~خرطوم، قال قتادة: ليست لها عرى، والإبريق: ماله خرطوم، والكأس: ~~الآنية المعدة للشرب بشريطة أن يكون فيها خمر، ولا يقال لآنية ~~فيها ماء أو لبن كأس. # وقوله: { من معين } قال ابن عباس: معناه من خمر سائلة جارية ~~معينة. # وقوله: { لا يصدعون عنها } ذهب أكثر المفسرين إلى أن ~~المعنى: لا يلحق رءوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا، وقال قوم: ~~معناه: لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من ~~الأسباب، كما يفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، { ولا ~~ينزفون } معناه: لا تذهب عقولهم سكرا؛ قاله مجاهد وغيره، والنزيف: ~~السكران، وباقي الآية بين، وخص المكنون باللؤلؤ؛ لأنه أصفى لونا ~~وأبعد عن الغير، وسألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن هذا التشبيه، فقال: # " صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لا ~~تمسه الأيدي " # و { جزاء بما كانوا يعملون } أي: إن هذه الرتب والنعيم ~~هي لهم بحسب أعمالهم؛ لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة هي ~~مقتسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله، ~~لا بعمل عامل؛ كما جاء في الصحيح. ### || [56.26-38] # وقوله تعالى: { إلا قيلا سلما سلما } قال أبو حيان: ~~«إلا قيلا سلاما سلاما» الظاهر أن الاستثناء منقطع؛ ~~لأنه لا يندرج في اللغو والتأثيم، وقيل متصل، وهو بعيد، ~~انتهى، قال الزجاج: و { سلاما } مصدر، كأنه يذكر أنه ~~يقول بعضهم لبعض: سلاما سلاما. # * ت *: قال الثعلبي: والسدر: شجر النبق و { مخضود } أي: ~~مقطوع الشوك، قال * ع *: ولأهل تحرير النظر هنا إشارة في أن هذا ~~الخضد بإزاء أعمالهم التي سلموا منها؛ إذ أهل اليمين توابون لهم ~~سلام، وليسوا بسابقين، قال الفخر: وقد بان لي بالدليل أن المراد ~~بأصحاب اليمين: الناجون الذين أذنبوا وأسرفوا، وعفا الله تعالى عنهم ~~بسبب أدنى حسنة؛ لا الذين غلبت حسناتهم وكثرت، انتهى. # والطلح (من العضاه) شجر عظيم، كثير ms1374 الشوك، وصفه في الجنة على صفة ~~مباينة لحال الدنيا، و { منضود } معناه: مركب ثمره بعضه على ~~بعض من أرضه إلى أعلاه، وقرأ علي رضي الله عنه وغيره: ~~«وطلع» فقيل لعلي: إنما هو: «وطلح» فقال: ما للطلح والجنة؟! ~~قيل له: أنصلحها في المصحف؟ فقال: إن المصحف اليوم لا يهاج ~~ولا يغير. وقال علي أيضا وابن عباس: الطلح الموز، والظل الممدود: ~~معناه: الذي لا تنسخه شمس، وتفسير ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر ~~في ظلها مائة سنة لا يقطعها " # ، واقرءوا إن شئتم: { وظل ممدود } ، إلى غير هذا من ~~الأحاديث في هذا المعنى. # * ت *: وفي «صحيحي البخاري ومسلم» عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة ~~سنة لا يقطعها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة ~~خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب " # انتهى. # { وماء مسكوب } أي: جار في غير أخدود. # { لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي: لا مقطوعة بالأزمان كحال ~~فاكهة الدنيا، ولا ممنوعة بوجه من الوجوه التي تمتنع بها فاكهة الدنيا، ~~والفرش: الأسرة؛ وعن أبي سعيد الخدري: إن في ارتفاع ~~السرير منها مسيرة خمس مائة سنة. # * ت *: وهذا إن ثبت فلا بعد فيه، إذ أحوال الآخرة كلها خرق ~~عادة، وقال أبو عبيدة وغيره: أراد بالفرش النساء، و { مرفوعة } ~~معناه: في الأقدار والمنازل، و { أنشأنهن } معناه: خلقناهن ~~شيئا بعد شيء؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: # " هن عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا جعلهن ~~الله بعد الكبر أترابا " # ، وقال للعجوز: # " إن الجنة لا يدخلها العجوز، فحزنت، فقال: ~~إنك إذا [دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر ". # وقوله سبحانه: { فجعلنهن أبكرا } قيل: معناه: دائمة ~~البكارة، متى عاود الوطء] وجدها بكرا، والعرب: جمع عروب، وهي ~~المتحببة إلى زوجها بإظهار محبته؛ قاله ابن عباس، وعبر عنهن ~~ابن عباس أيضا بالعواشق، وقال زيد: العروب: الحسنة الكلام. # * ت *: قال البخاري: والعروب يسميها أهل مكة العربة، وأهل ~~المدينة: الغنجة، وأهل العراق: الشكلة، انتهى. # وقوله: ms1375 { أترابا } معناه: في الشكل والقد، قال قتادة: { ~~أترابا } يعني: سنا واحدة، ويروى أن أهل الجنة هم على ~~قد ابن أربعة عشر عاما في الشباب، والنضرة، وقيل: على مثال ~~أبناء ثلاث وثلاثين سنة، مردا بيضا، مكحلين، زاد الثعلبي: ~~على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع. ### || [56.39-50] # وقوله سبحانه: { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الأخرين } قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: الأولون سالف الأمم، ~~منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون: هذه الأمة، منهم جماعة ~~عظيمة أهل يمين، قال * ع *: بل جميعهم إلا من كان من السابقين، ~~وقال قوم من المتأولين: هاتان الفرقتان في أمة محمد، وروى ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الثلتان من أمتي " # ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن أمتي ثلثا أهل الجنة، والناس يومئذ ~~عشرون ومائة صف، وإن أمتي من ذلك ثمانون ~~صفا " # انتهى. # وقوله سبحانه: { وأصحب الشمال... } الآية: في الكلام معنى ~~الإنحاء عليهم وتعظيم مصائبهم، والسموم: أشد ما يكون من الحر ~~اليابس الذي لا بلل معه، والحميم: السخن جدا من الماء الذي في ~~جهنم، واليحموم: هو الدخان الأسود يظل أهل النار؛ قاله ابن ~~عباس والجمهور، وقيل: هو سرادق النار المحيط بأهلها؛ فإنه يرتفع من كل ~~ناحية حتى يظلهم، وقيل: هو جبل في النار أسود. # وقوله: { ولا كريم } معناه: ليس له صفة مدح، قال الثعلبي: وعن ~~ابن المسيب { ولا كريم } أي: ولا حسن نظيره من كل زوج كريم، ~~وقال قتادة: { لا بارد }: النزل { ولا كريم }: المنظر، وهو ~~الظل الذي لا يغني من اللهب، انتهى، والمترف: المنعم في ~~سرف، وتخوض، و { يصرون } معناه: يعتقدون اعتقادا لا ينزعون عنه، ~~و { الحنث }: الإثم، وقال الثعلبي: { وكانوا يصرون }: ~~يقيمون { على الحنث العظيم } أي: الذنب، انتهى، ونحوه ~~للبخاري، وهو حسن نحو ما في الرسالة، قال قتادة وغيره: والمراد بهذا ~~الإثم العظيم: الشرك، وباقي الآية في استبعادهم للبعث، وقد تقدم بيانه. ### || [56.51-57] # وقوله سبحانه: { ثم إنكم أيها الضالون }: مخاطبة ~~لكفار قريش ms1376 ومن كان في حالهم، و { من } في قوله: { من زقوم ~~} لبيان الجنس، والضمير في { منها } عائد على الشجر، والضمير في { ~~عليه } عائد على المأكول، و { الهيم } قال ابن عباس وغيره: جمع ~~«أهيم» وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء ، وهو داء ~~معطش يشرب الجمل حتى يموت أو يسقم سقما شديدا، وقال قوم هو: ~~جمع «هائم» وهو أيضا من هذا المعنى؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك ~~الداء، هام على وجهه وذهب، وقال ابن عباس أيضا وسفيان الثوري: { ~~الهيم }: الرمال التي لا تروى من الماء، والنزل أول ما يأكل ~~الضيف، و { الدين }: الجزاء. ### || [56.58-63] # وقوله سبحانه: { أفرءيتم ما تمنون } الآية: وليس يوجد ~~مفطور، يخفى عليه أن المني الذي يخرج منه ليس له فيه عمل ولا ~~إرادة ولا قدرة، وقرأ الجمهور: «قدرنا» وقرأ ابن كثير وحده: ~~«قدرنا» بتخفيف الدال، فيحتمل أن يكون المعنى فيهما: قضينا ~~وأثبتنا، ويحتمل أن يكون بمعنى: سوينا، قال الثعلبي عن الضحاك: ~~أي: سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض. # وقوله: { وما نحن بمسبوقين } أي: على تبديلكم إن أردناه، ~~وأن ننشئكم بأوصاف لا يصلها علمكم، ولا يحيط بها فكركم، قال ~~الحسن: من كونهم قردة وخنازير؛ لأن الآية تنحو إلى الوعيد، و { ~~النشأة الأولى }: قال أكثر المفسرين: إشارة إلى خلق آدم، وقيل: ~~المراد: نشأة الإنسان في طفولته، وهذه الآية نص في استعمال القياس ~~والحض عليه، وعبارة الثعلبي: ويقال: { النشأة الأولى } نطفة، ~~ثم علقة، ثم مضغة، ولم يكونوا شيئا { فلولا } أي: فهلا ~~تذكرون أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم، وفيه دليل على ~~صحة القياس؛ لأنه علمهم سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى ~~على النشأة الأخرى، انتهى. ### || [56.64-74] # وقوله سبحانه: { ءأنتم تزرعونه } أي: زرعا يتم { أم نحن ~~}: وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تقل: زرعت، ولكن قل حرثت، ثم تلا أبو ~~هريرة هذه الآية " # والحطام: اليابس المتفتت من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبه ~~حطام الدنيا و { تفكهون } قال ابن عباس وغيره: معناه تعجبون، ~~أي: مما نزل بكم، ms1377 وقال ابن زيد: معناه: تتفجعون، قال * ع *: وهذا كله ~~تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفكاهة عن ~~أنفسكم، وقولهم: { إنا لمغرمون } قبله محذوف تقديره: يقولون، ~~وقرأ عاصم الجحدري: «أإنا لمغرمون» بهمزتين على ~~الاستفهام، والمعنى يحتمل أن يكون: إنا لمغرمون من الغرام، وهو ~~أشد العذاب، ويحتمل: إنا لمحملون الغرم، أي: غرمنا في النفقة، ~~وذهب زرعنا، وقد تقدم تفسير المحروم، وأنه الذي تبعد ~~عنه ممكنات الرزق بعد قربها منه، وقال الثعلبي: المحروم ضد ~~المرزوق، انتهى، و { المزن }: هو السحاب، والأجاج: أشد المياه ~~ملوحة، و { تورون } معناه: تقتدحون من الأزند؛ تقول: أوريت النار ~~من الزناد، والزناد: قد يكون من حجر وحديدة، ومن شجر، لا سيما في ~~بلاد العرب، ولا سيما في الشجر الرخو؛ كالمرخ والعفار والكلخ، وما ~~أشبهه، ولعادة العرب في أزنادهم من شجر قال تعالى: { ءأنتم ~~أنشأتم شجرتها } أي: التي تقدح منها { أم نحن ~~المنشئون * نحن جعلنها }: يعني نار الدنيا { تذكرة } ~~للنار الكبرى، نار جهنم؛ قاله مجاهد وغيره، والمتاع: ما ينتفع به، ~~والمقوين: في هذه الآية الكائنين في الأرض القواء، وهي الفيافي، ~~ومن قال معناه: للمسافرين فهو نحو ما قلناه، وهي عبارة ابن عباس رضي ~~الله عنه تقول: أقوى الرجل: إذا دخل في الأرض القواء. ### || [56.75-80] # وقوله سبحانه: { فلا أقسم بموقع النجوم } الآية: قال بعض ~~النحاة: «لا» زائدة، والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروفة، ~~وقرأ الحسن وغيره: «فلأقسم» من غير ألف، وقال بعضهم: «لا» نافية ~~كأنه قال: فلا صحة لما يقوله الكفار، ثم ابتدأ: أقسم بمواقع ~~النجوم، والنجوم: هنا قال ابن عباس وغيره: هي نجوم القرآن؛ وذلك أنه ~~روي أن القرآن نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، وقيل: إلى البيت ~~المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ~~نجوما مقطعة مدة من عشرين سنة، قال * ع*: ويؤيده عود الضمير ~~على القرآن في قوله: { إنه لقرءان كريم } وقال كثير من ~~المفسرين: بل النجوم هنا هي الكواكب المعروفة، ثم اختلف هؤلاء في ~~مواقعها، فقيل: ms1378 غروبها وطلوعها، وقيل: مواقعها عند انقضاضها إثر ~~العفاريت. # [وقوله:] { وإنه لقسم }: تأكيد. # وقوله: { لو تعلمون }: اعتراض. # وقوله: { إنه لقرءان كريم }: هو الذي وقع القسم عليه. # وقوله: { فى كتب مكنون } الآية: المكنون: المصون؛ قال ابن ~~عباس وغيره: أراد الكتاب الذي في السماء، قال الثعلبي: ويقال: هو ~~اللوح المحفوظ. # وقوله: { لا يمسه إلا المطهرون } يعني: الملائكة، وليس ~~في الآية على هذا التأويل تعرض لحكم مس المصحف لسائر بني آدم، ~~وقال بعض المتأولين: أراد بالكتاب مصاحف المسلمين، ولم تكن يومئذ، فهو ~~إخبار بغيب مضمنه النهي، فلا يمس المصحف من بني آدم إلا الطاهر ~~من الكفر والحدث؛ وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن ~~حزم: # " لا يمس القرآن إلا طاهر " # ، وبه أخذ مالك، وقرأ سليمان: «إلا المطهرون» بكسر الهاء ~~. ### || [56.81-84] # وقوله تعالى: { أفبهذا الحديث }: يعني القرآن المتضمن ~~البعث، و { مدهنون } معناه: يلاين بعضكم بعضا، ويتبعه في ~~الكفر؛ مأخوذ من الدهن للينه واملاسه، وقال ابن عباس: ~~المداهنة: هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: هي المهاودة ~~فيما يحل، ونقل الثعلبي أن أدهن وداهن بمعنى واحد، وأصله من ~~الدهن، انتهى. # وقوله سبحانه: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون }: ~~أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله ~~الله تعالى رزقا للعباد: هذا بنوء كذا، والمعنى: وتجعلون شكر ~~رزقكم، وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما ~~شكر، وكان علي يقرأ: «وتجعلون شكركم أنكم ~~تكذبون» وكذلك قرأ ابن عباس، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد أخبر الله سبحانه فقال: # ونزلنا من السماء ماء مبركا فأنبتنا به ~~جنت وحب الحصيد * والنخل بسقت لها طلع ~~نضيد * رزقا للعباد # [ق:9، 10، 11] فهذا معنى قوله: { أنكم تكذبون } أي: بهذا ~~الخبر، قال * ع *: والمنهي عنه هو أن يعتقد أن للنجوم تأثيرا في ~~المطر. # وقوله سبحانه: { فلولا إذا بلغت الحلقوم } يعني: بلغت ~~نفس الإنسان، والحلقوم: مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزع المرء ~~للموت. # وقوله: { وأنتم } إشارة إلى جميع البشر حينئذ، أي: وقت النزع { ~~تنظرون ms1379 }: إليه، وقال الثعلبي: { وأنتم حينئذ تنظرون } ~~إلى أمري وسلطاني، يعني: تصريفه سبحانه في الميت، انتهى، والأول عندي ~~أحسن، وعزاه الثعلبي لابن عباس. ### || [56.85-87] # { ونحن أقرب إليه منكم } أي: بالقدرة والعلم، ولا قدرة ~~لكم على دفع شيء عنه، وقيل: المعنى: وملائكتنا أقرب إليه منكم، ولكن لا ~~تبصرونهم، وعلى التأويل الأول من البصر بالقلب. # { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي: مملوكين أذلاء، ~~والمدين: المملوك، هذا أصح ما يقال في هذه اللفظة هنا، ومن عبر ~~عنها بمجازى أو بمحاسب، فذلك هنا قلق، والمملوك مقلب كيف ~~شاء المالك، ومن هذا الملك قول الأخطل: الأخطل [الطويل] # ربت وربا في حجرها ابن مدينة # تراه على مسحاته يتركل # أراد ابن أمة مملوكة، وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى البيت: ~~[إنه] أراد أكارا حضريا، فنسبه إلى المدينة، فمعنى الآية: فهل لا ~~ترجعون النفس البالغة الحلقوم إن كنتم غير مملوكين مقهورين؟. # وقوله: { ترجعونها } سد مسد الأجوبة، والبيانات التي ~~تقتضيها التحضيضات. ### || [56.88-90] # وقوله تعالى: { فأما إن كان من المقربين } الآية، ذكر ~~سبحانه في هذه الآية حال الأزواج الثلاثة المذكورين في أول السورة، ~~وحال كل امرىء منهم، فأما المرء من السابقين المقربين، ~~فيلقى عند موته روحا وريحانا، والروح: الرحمة والسعة والفرح؛ ~~ومنه: # ولا تايئسوا من روح الله # [يوسف:87] والريحان: الطيب، وهو دليل النعيم، وقال مجاهد: الريحان: ~~الرزق، وقال الضحاك: الريحان الاستراحة، قال * ع *: الريحان ما ~~تنبسط إليه النفوس، ونقل الثعلبي عن أبي العالية قال: لا يفارق أحد من ~~المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم ~~يقبض روحه فيه، ونحوه عن الحسن، انتهى. # فإن أردت يا أخي اللحوق بالمقربين؛ والكون في زمرة السابقين، فاطرح عنك ~~دنياك؛ وأقبل على ذكر مولاك، واجعل الآن الموت نصب عينيك، قال ~~الغزالي: وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب عينيك، لا تغفل ~~عنه ساعة، فليكن الموت على بالك يا مسكين؛ فإن السير حاث بك، وأنت ~~غافل عن نفسك، ولعلك قد قاربت المنزل، وقطعت المسافة فلا يكن اهتمامك ~~إلا بمبادرة العمل، اغتناما لكل ms1380 نفس أمهلت فيه، انتهى من ~~«الإحياء»، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد ~~قال: ما من ميت يموت، إلا عرض عليه أهل مجلسه: إن كان من أهل ~~الذكر فمن أهل الذكر، وإن كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو، انتهى. ### || [56.91-96] # وقوله تعالى: { فسلم لك من أصحب اليمين }: عبارة ~~تقتضي جملة مدح وصفة تخلص، وحصول عال من المراتب، والمعنى: ليس ~~في أمرهم إلا السلام والنجاة من العذاب؛ وهذا كما تقول في مدح رجل: ~~أما فلان فناهيك به، فهذا يقتضي جملة غير مفصلة من مدحه، وقد ~~اضطربت عبارات المتأولين في قوله تعالى: { فسلم لك } ~~فقال قوم: المعنى: فيقال له سلام لك إنك من أصحاب اليمين، وقال ~~الطبري: { فسلم لك }: أنت من أصحاب اليمين، وقيل: المعنى: ~~فسلام لك يا محمد، أي: لا ترى فيهم إلا السلامة من العذاب. # * ت *: ومن حصلت له السلامة من العذاب فقد فاز دليله # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران:185] قال * ع *: فهذه الكاف في { لك } إما أن تكون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، ثم لكل معتبر فيها من ~~أمته، وإما أن تكون لمن يخاطب من أصحاب اليمين، وغير هذا ~~مما قيل تكلف، ونقل الثعلبي عن الزجاج: { فسلم ~~لك } أي: إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وقد علمت ما أعد ~~الله لهم من الجزاء بقوله: { فى سدر مخضود } الآيات... # والمكذبون الضالون: هم الكفار، أصحاب الشمال والمشأمة، والنزل: ~~أول شيء يقدم للضيف، والتصلية: أن يباشر بهم النار، والجحيم معظم النار ~~وحيث تراكمها. # { إن هذا لهو حق اليقين } المعنى: إن هذا الخبر هو ~~نفس اليقين وحقيقته. # وقوله تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم } عبارة تقتضي ~~الأمر بالإعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها، ~~وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة الله تعالى، والدعاء إليه. # * ت *: وعن جابر بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قال سبحان الله [العظيم] وبحمده، غرست ~~له نخلة في الجنة " # رواه الترمذي، ms1381 والنسائي، والحاكم، وابن حبان في «صحيحيهما»، وقال ~~الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وعند النسائي: «شجرة» بدل «نخلة»، ~~وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح، ~~والتهليل، والتحميد ينعطفن حول العرش، لهن ~~دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب ~~أحدكم أن يكون أو لا يزال له من يذكر به " # ، ورواه أيضا ابن المبارك في «رقائقه» عن كعب، وفيه أيضا عن كعب ~~أنه قال: «إن للكلام الطيب حول العرش دويا ~~كدوي النحل يذكرن بصاحبهن» انتهى، وعن أبي هريرة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يغرس غرسا ~~فقال: يا أبا هريرة، ما الذي تغرس؟ قلت: غراسا، ~~قال: ألا أدلك على غراس خير من هذا؟ سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر؛ يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة " # روى هذين الحديثين ابن ماجه واللفظ له، والحاكم في «المستدرك»، وقال في ~~الأول: صحيح على شرط مسلم، انتهى من «السلاح»، وروى عقبة بن عامر ~~قال: # " لما نزلت: { فسبح باسم ربك العظيم } قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم؛ فلما نزلت: { ~~سبح اسم ربك الأعلى } قال: اجعلوها في سجودكم " # ، فيحتمل أن يكون المعنى: سبح الله بذكر أسمائه العلا، والاسم هنا ~~بمعنى: الجنس، أي: بأسماء ربك، والعظيم: صفة للرب سبحانه، وقد يحتمل أن ~~يكون الاسم هنا واحدا مقصودا، ويكون «العظيم» صفة له، فكأنه أمره ~~أن يسبحه باسمه الأعظم، وإن كان لم ينص عليه، ويؤيد هذا ~~ويشير إليه اتصال سورة الحديد وأولها فيها التسبيح، وجملة من أسماء ~~الله تعالى، وقد قال ابن عباس: اسم الله الأعظم موجود في ست آيات ~~من أول سورة الحديد، فتأمل هذا، فإنه من دقيق النظر، ولله ~~تعالى في كتابه العزيز غوامض لا تكاد الأذهان تدركها. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # قوله عز وجل: { سبح لله ما فى السموات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم }: قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو ~~التنزيه المعروف في قولهم: سبحان الله، وهذا ms1382 عندهم إخبار بصيغة الماضي ~~مضمنه الدوام والاستمرار، ثم اختلفوا: هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز ~~على معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الرائي على التسبيح؟ قال ~~الزجاج وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وهذا كله في الجمادات، وأما ~~ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إن تسبيحهم حقيقة. # وقوله تعالى: { هو الأول } [أي]: [الذي] ليس لوجوده بداية ~~مفتتحة { والأخر }: الدائم الذي ليس له نهاية منقضية، قال أبو ~~بكر الوراق: { هو الأول }: بالأزلية { والأخر }: ~~بالأبدية. # { والظهر }: معناه بالأدلة ونظر العقول في صنعته. # { والبطن }: بلطفه وغوامض حكمته وباهر صفاته التي لا تصل إلى ~~معرفتها على ما هي عليه الأوهام، وباقي الآية تقدم تفسير ~~نظيره. # وقوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم } معناه: بقدرته ~~وعلمه وإحاطته، وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وباقي ~~الآية بين. ### || [57.7-9] # وقوله سبحانه: { ءامنوا بالله ورسوله... } الآية: أمر ~~للمؤمنين بالثبوت على الإيمان، ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة ~~العسرة، قاله الضحاك، وقال: الإشارة بقوله: { فالذين ~~ءامنوا منكم وأنفقوا } إلى عثمان بن عفان، يريد: ومن في ~~معناه؛ كعبد الرحمن بن عوف، وغيره. # وقوله: { مما جعلكم مستخلفين فيه }: تزهيد وتنبيه على ~~أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره، ويتركها لغيره، وليس له ~~من ذلك إلا ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى، ويروى أن رجلا مر ~~بأعرابي له إبل فقال له: يا أعرابي، لمن هذه الإبل؟ قال: هي ~~لله عندي، فهذا موفق مصيب إن صحب قوله عمله. # وقوله سبحانه: { وما لكم لا تؤمنون بالله... } الآية: ~~توطئة لدعائهم (رضي الله عنهم) لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة، ~~وإذا تقرر أن الرسول يدعوهم، وأنهم ممن أخذ الله ميثاقهم ~~ فكيف يمتنعون من الإيمان؟. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين } أي: إن دمتم على إيمانكم، و { ~~الظلمت }: الكفر، و { النور }: الإيمان، وباقي الآية وعد ~~وتأنيس. ### || [57.10-11] # وقوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ~~ولله ميراث السموات والأرض } [المعنى: وما لكم ألا ~~تنفقوا في سبيل الله، وأنتم تموتون وتتركون أموالكم، فناب مناب هذا ~~القول قوله: { ولله ms1383 ميراث السموات والأرض } ] وفيه ~~زيادة تذكير بالله وعبرة، وعنه يلزم القول الذي قدرناه. # وقوله تعالى: { لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح... } الآية: الأشهر في هذه الآية أنها نزلت بعد الفتح، ~~واختلف في الفتح المشار إليه؛ فقال أبو سعيد الخدري ~~والشعبي: هو فتح الحديبية، وقال قتادة، ومجاهد، وزيد بن أسلم: هو ~~فتح مكة الذي أزال الهجرة، قال * ع *: وهذا هو المشهور الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية " # ، وحكم الآية باق غابر الدهر؛ من أنفق في وقت حاجة السبيل، أعظم ~~أجرا ممن أنفق مع استغناء السبيل، و { الحسنى }: الجنة، قاله ~~مجاهد وقتادة، والقرض: السلف، والتضعيف من الله تعالى هو في الحسنات، ~~وقد مر ذكر ذلك، والأجر الكريم الذي يقترن به رضى وإقبال، وهذا ~~معنى الدعاء ب«يا كريم» العفو، أي: إن مع عفوه رضى وتنعيما. ### || [57.12-13] # وقوله سبحانه: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنت ~~يسعى نورهم بين أيديهم... } الآية، العامل في { يوم } ~~قوله: { وله أجر كريم } والرؤية هنا رؤية عين، والجمهور أن ~~النور هنا هو نور حقيقة، وقد روي في هذا عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها: ~~أن كل مؤمن ومظهر للإيمان، يعطى يوم القيامة نورا فيطفأ ~~نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين، حتى إن منهم من نوره ~~يضيء كما بين مكة وصنعاء؛ رفعه قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومنهم من نوره كالنخلة السحوق، ومنهم من نوره يضيء ما قرب من ~~قدميه؛ قاله ابن مسعود، ومنهم من يهم بالانطفاء مرة ويبين مرة ~~على قدر المنازل في الطاعة والمعصية، قال الفخر: قال قتادة: ما من عبد ~~إلا وينادى يوم القيامة: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نور لك، نعوذ ~~بالله من ذلك! واعلم أن العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه ~~نورا من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله تعالى هي ~~النور في القيامة، فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف ~~في الدنيا، انتهى، ونحوه للغزالي، وخص تعالى ms1384 بين الأيدي بالذكر؛ ~~لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور، واختلف في قوله تعالى: { ~~وبأيمنهم } فقال بعض المتأولين: المعنى: وعن أيمانهم، فكأنه ~~خص ذكر جهة اليمين؛ تشريفا، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع ~~جهاتهم، وقال جمهور المفسرين: المعنى: يسعى نورهم بين أيديهم، يريد ~~الضوء المنبسط من أصل النور، { وبأيمنهم }: أصله، والشيء الذي ~~هو متقد فيه، فتضمن هذا القول أنهم يحملون الأنوار، وكونهم غير ~~حاملين أكرم؛ ألا ترى أن فضيلة عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنما ~~كانت بنور لا يحملانه، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟! * ت *: وفيما قاله ~~* ع *: عندي نظر، وأيضا فأحوال الآخرة لا تقاس على أحوال الدنيا!. # وقوله تعالى: { بشراكم } أي: يقال لهم: بشراكم { جنت } أي ~~دخول جنات. # * ت *: وقد جاءت بحمد الله آثار بتبشير هذه الأمة ~~المحمدية، وخرج ابن ماجة قال: أخبرنا جبارة بن المغلس، قال: ~~حدثنا عبد الأعلى، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا جمع [الله] الخلائق يوم القيامة، أذن ~~لامة محمد صلى الله عليه وسلم في السجود، فسجدوا ~~طويلا، ثم يقال: ارفعوا رؤوسكم، فقد جعلنا ~~عدتكم فداءكم من النار " # ، قال ابن ماجه: وحدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا كثير بن ~~سليمان: عن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن هذه الأمة أمة مرحومة، عذابها بأيديها، ~~فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من ~~المسلمين رجل من المشركين فيقال: هذا فداؤك ~~من النار " # ،وفي «صحيح مسلم»: # " دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا ~~فيقول: هذا فداؤك من النار " # انتهى من «التذكرة». # وقوله تعالى: { يوم يقول المنفقون } قيل: { يوم } هو ~~بدل من الأول، وقيل: العامل فيه «اذكر»، قال * ع *: ويظهر لي أن ~~العامل فيه قوله تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم } ويجيء ~~معنى الفوز أفخم؛ كأنه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم ~~يعتري المنافقين كذا وكذا، لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه ~~ومضاده أبدع وأفخم، وقول المنافقين هذه المقالة المحكية، ~~هو عند انطفاء أنوارهم، كما ذكرنا قبل، ms1385 وقولهم: «انظرونا» معناه: ~~انتظرونا، وقرأ حمزة وحده: { انظرونا } بقطع الألف وكسر الظاء ~~ومعناه أخرونا؛ ومنه: { فنظرة إلى ميسرة } ومعنى قولهم ~~أخرونا، أي: أخروا مشيكم لنا؛ حتى نلتحق فنقتبس من نوركم، ~~واقتبس الرجل: أخذ من نور غيره قبسا، قال الفخر: القبس: الشعلة من ~~النار والسراج، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم ~~جهل؛ لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، وهم لم ~~يقدموها، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر ~~عمله، ثم يؤخذ من حجر جهنم ومما فيها من الكلاليب والحسك ويلقى على ~~الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنين، وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم ~~تمضي زمرة أخرى كأضوأ كوكب في السماء، ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة ~~تطفىء نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للذين آمنوا: { ~~انظرونا نقتبس من نوركم } ، انتهى. # وقوله تعالى: { قيل ارجعوا وراءكم } يحتمل أن يكون من قول ~~المؤمنين [لهم]، [ويحتمل أن يكون من قول] الملائكة، والقول لهم: { ~~فالتمسوا نورا }: هو على معنى التوبيخ لهم، أي: إنكم لا ~~تجدونه، ثم أعلم تعالى أنه يضرب بينهم في هذه الحال بسور حاجز، ~~فيبقى المنافقون في ظلمة وعذاب. # وقوله تعالى: { باطنه فيه الرحمة } أي: جهة المؤمنين { ~~وظهره }: جهة المنافقين، والظاهر هنا: البادي؛ ومنه قول ~~الكتاب: من ظاهر مدينة كذا، وعبارة الثعلبي: { فضرب بينهم ~~بسور }: وهو حاجز بين الجنة والنار، قال أبو أمامة الباهلي: فيرجعون ~~إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم، وقد ~~ضرب بينهم بسور، قال قتادة: حائط بين الجنة والنار، له باب { ~~باطنه فيه الرحمة } ، يعني: الجنة، { وظهره من ~~قبله العذاب } يعني النار، انتهى، قال * ص *: قال أبو البقاء: ~~الباء في { بسور } زائدة، وقيل: ليست بزائدة، قال أبو حيان: والضمير ~~في { باطنه } عائد على الباب، وهو الأظهر لأنه الأقرب، وقيل: ~~على سور، أبو البقاء: والجملة صفة ل«باب» أو ل«سور»، انتهى. ### || [57.14-15] # وقوله تعالى: { يندونهم } معناه: ينادي المنافقون المؤمنين: { ~~ألم نكن معكم }: في الدنيا، فيرد المؤمنون عليهم: { بلى }: ~~كنتم معنا، ولكن عرضتم ms1386 أنفسكم للفتنة، وهي حب العاجل والقتال ~~عليه، قال مجاهد: فتنتم أنفسكم بالنفاق { وتربصتم } معناه هنا: ~~بإيمانكم فأبطأتم به، حتى متم، وقال قتادة: معناه: تربصتم بنا ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم الدوائر، وشككتم، والارتياب: التشكك، ~~والأماني التي غرتهم هي قولهم: سيهلك محمد هذا العام، ستهزمه ~~قريش، ستأخذه الأحزاب... إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل: غرار لكل ~~أحد، وأمر الله الذي جاء هو: الفتح وظهور الإسلام، وقيل: هو موتهم على ~~النفاق الموجب للعذاب، و { الغرور }: الشيطان بإجماع المتأولين، ~~وينبغي لكل مؤمن أن يعتبر هذه الآية في نفسه، وتسويفه في توبته، ~~واعلم أيها الأخ أن الدنيا غرارة للمقبلين عليها، فإن أردت الخلاص ~~والفوز بالنجاة، فازهد فيها، وأقبل على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود ~~لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أنه قال ~~يعني لأصحابه : لئن حلفتم لي على رجل منكم أنه أزهدكم، ~~لأحلفن لكم أنه خيركم، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " يبعث الله تبارك وتعالى يوم القيامة ~~عبدين من عباده كانا على سيرة واحدة، أحدهما ~~مقتور عليه، والآخر موسع عليه [فيقبل ~~المقتور عليه] إلى الجنة، ولا ينثني عنها حتى ~~ينتهي إلى أبوابها، فيقول حجبتها: إليك إليك! ~~فيقول: إذن لا أرجع، قال: وسيفه في عنقه فيقول: ~~أعطيت هذا السيف في الدنيا أجاهد به، فلم أزل ~~مجاهدا به حتى قبضت وأنا على ذلك، فيرمي ~~بسيفه إلى الخزنة، وينطلق، لا يثنونه ولا ~~يحبسونه عن الجنة، فيدخلها، فيمكث فيها ~~دهرا، ثم يمر به أخوه الموسع عليه فيقول ~~له: يا فلان، ما حبسك؟! فيقول: ما خلي سبيلي ~~إلا الآن، ولقد حبست ما لو أن ثلاثمائة بعير ~~أكلت خمطا، لا يردن إلا خمسا وردن على عرقي ~~لصدرن منه ريا " # انتهى. # وقوله تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية... } الآية: ~~استمرار في مخاطبة المنافقين؛ قاله قتادة وغيره. # وقوله تعالى: { هى مولكم } قال المفسرون: معناه: هي أولى بكم، ~~وهذا تفسير بالمعنى، وإنما هي استعارة؛ لأنها من حيث تضمهم ~~وتباشرهم هي ms1387 تواليهم وتكون لهم مكان المولى، وهذا نحو قول الشاعر: ~~[الوافر] # ........................ # تحية بينهم ضرب وجيع ### || [57.16] # وقوله تعالى: { ألم يأن }: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى { ألم ~~يأن }: ألم يحن؛ يقال: أنى الشيء يأني إذا حان، وفي الآية ~~معنى الحض والتقريع، قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية، وهذه ~~الآية كانت سبب توبة الفضيل وابن المبارك، والخشوع: الإخبات ~~والتضامن وهي هيئة تظهر في الجوارح متى كانت في القلب؛ ولذلك خص ~~تعالى القلب بالذكر، وروى شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أول ما يرفع من الناس الخشوع ". # وقوله تعالى: { لذكر الله } أي: لأجل ذكر الله تعالى ووحيه، أو ~~لأجل تذكير الله إياهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: { أوتوا ~~الكتب } إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام ~~ولذلك قال: { من قبل } وإنما شبه أهل عصر نبي [بأهل عصر ~~نبي]. # وقوله: { فطال عليهم الأمد } قيل: معناه: أمد الحياة، وقيل: ~~أمد انتظار القيامة، قال الفخر: وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، ~~أي: لما طالت آمالهم، لا جرم قست قلوبهم، انتهى، وباقي الآية ~~بين. ### || [57.17-19] # وقوله تعالى: { اعلموا أن الله يحى الأرض بعد ~~موتها... } الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين ندبوا إلى ~~الخشوع، وهذا ضرب مثل، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا ~~يبعد عندكم أيها التاركون للخشوع رجوعكم إليه وتلبسكم به، فإن ~~الله يحيي الأرض بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يردها إلى الخشوع ~~بعد بعدها عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابة والتكسب من ~~العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرض بعد أن كانت ميتة، وباقي الآية ~~بين، و { المصدقين }: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين. # * ت *: وقد جاءت آثار صحيحة في الحض على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة ~~في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~أنه قال: # " يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن ~~لجارتها، ولو كراع شاة محرقا " # وفي «الموطأ» عنه صلى الله عليه وسلم # " ردوا السائل ولو بظلف محرق " # قال ابن عبد البر ms1388 في «التمهيد»: ففي هذا الحديث الحض على الصدقة بكل ~~ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول الله عز وجل: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة:7] أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشة رضي الله ~~عنها بحبتين من عنب، فنظر إليها بعض أهل بيتها فقالت: لا ~~تعجبن؛ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " اتقوا النار، ولو بشق تمرة، ولو بكلمة ~~طيبة " # وإذا كان الله عز وجل يربي الصدقات، ويأخذ الصدقة بيمينه ~~فيربيها، كما يربي أحدنا فلوه أو فصيله فما ~~بال من عرف هذا يغفل عنه! وما التوفيق إلا بالله، انتهى من ~~«التمهيد»، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران ~~أنه سمع يزيد بن أبى حبيب يحدث أن أبا الخير حدثه: ~~أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " كل امرىء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس " # قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء، ولو ~~كعكة أو بصلة أو كذا، انتهى، و { الصديقون }: بناء مبالغة ~~من الصدق أو من التصديق؛ على ما ذكر الزجاج. # وقوله تعالى: { والشهداء عند ربهم }: اختلف في تأويله ~~فقال ابن مسعود وجماعة: { والشهداء }: معطوف على: { الصديقون ~~} والكلام متصل، ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاتصال، فقال ~~بعضها: وصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء، فكل مؤمن ~~شهيد؛ قاله مجاهد، وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «مؤمنو أمتي شهداء»، وتلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هذه الآية وإنما خص صلى الله عليه وسلم ذكر ~~الشهداء السبعة تشريفا لهم؛ لأنهم في أعلى رتب الشهادة؛ ألا ترى ~~أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضا من السبعة بتشريف ينفرد به، ~~وقال بعضها: { الشهداء } هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، ~~فكأنه قال: هم أهل الصدق والشهداء على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، ~~والضحاك: الكلام تام في قوله: { الصديقون } ، وقوله: { ~~والشهداء }: ابتداء ms1389 مستأنف، ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا ~~الاستئناف، فقال بعضها: معنى الآية: والشهداء بأنهم صديقون حاضرون عند ~~ربهم، وعنى بالشهداء الأنبياء عليهم السلام . # *ت*: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها: قوله: { والشهداء ~~} ابتداء يريد به الشهداء في سبيل الله، واستأنف الخبر عنهم بأنهم: ~~{ عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } فكأنه جعلهم ~~صنفا مذكورا وحده. # * ت *: وأبين هذه الأقوال الأول، وهذا الأخير، وإن صح حديث ~~البراء لم يعدل عنه، قال أبو حيان: والظاهر أن { الشهداء ~~} مبتدأ خبره ما بعده، انتهى. # وقوله تعالى { ونورهم } قال الجمهور: هو حقيقة حسبما تقدم. ### || [57.20] # وقوله سبحانه: { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ~~ولهو } هذه الآية وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها، ~~والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفات والفكر التي ~~هي مختصة بالحياة الدنيا، وأما ما كان من ذلك في طاعة الله تعالى، ~~وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعين على الطاعات فلا مدخل ~~له في هذه الآية، وتأمل حال الملوك بعد فقرهم، يبن لك أن جميع ~~ترفهم لعب ولهو، والزينة: التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، ~~والتفاخر بالأموال والأنساب وغير ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب الله ~~عز وجل مثل الدنيا، فقال: { كمثل غيث... } الآية: وصورة هذا ~~المثال أن الإنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشب في ~~النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناس، ثم يأخذ بعد ذلك في ~~انحطاط، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموت، ~~ويضمحل أمره، وتصير أمواله لغيره، وتتغير رسومه؛ فأمره مثل ~~مطر أصاب أرضا، فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق، ثم هاج، أي: يبس، ~~واصفر، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل. # وقوله: { أعجب الكفار } أي: الزراع؛ فهو من كفر الحب، ~~أي: ستره، وقيل: يحتمل أن يعني الكفار بالله، لأنهم أشد ~~إعجابا بزينة الدنيا، ثم قال تعالى: { وفى الأخرة عذاب شديد ~~ومغفرة... } الآية: كأنه قال: والحقيقة هاهنا، وذكر العذاب ~~أولا؛ تهمما به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أن يكون ms1390 ~~أولا، فإذا تحرز من المخاوف مد حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ~~ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبي: { ثم يهيج ~~} أي: يجف { وفى الأخرة عذاب شديد }: لأعداء الله { ~~ومغفرة }: لأوليائه، وقال الفراء { وفى الأخرة عذاب ~~شديد ومغفرة } أي: إما عذاب شديد، وإما مغفرة { وما ~~الحيوة الدنيا إلا متع الغرور }: هذا تزهيد في ~~العمل للدنيا، وترغيب في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته، ~~وبئست الدار لمن صدته عن آخرته، وقصرت به ~~عن رضا ربه، فإذا قال العبد: قبح الله الدنيا ~~قالت الدنيا: قبح الله أعصانا لربه " # رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح»، ولا يشك عاقل أن ~~حطام الدنيا مشغل عن التأهب للآخرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر في ~~كتاب «فضل العلم»: وقد روي مرفوعا: # " لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال " # قال أبو عمر: ثم نقول: إن الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة ~~عليها أفضل من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلاف فيه بين ~~علماء المسلمين قديما وحديثا، والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، ~~ومن بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفضل ~~القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصار على ما يكفي دون التكاثر الذي ~~يلهي ويطغي : أكثر من أن يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، ~~والذين زوى الله عنهم الدنيا من الصحابة، أكثر من الذين فتحها ~~عليهم أضعافا مضاعفة، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أنه لما ~~حضرته الوفاة بكى بكاء شديدا، وقال: كان مصعب بن عمير ~~خيرا مني؛ توفي ولم يترك ما يكفن فيه، وبقيت ~~بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني، ولا أحسبني إلا سأحبس ~~عن أصحابي بما فتح الله علي من ذلك، وجعل يبكي حتى فاضت نفسه، ~~وفارق الدنيا رحمة الله عليه، فإن ظن ظان جاهل أن الاستكثار ~~من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل؛ فظن أن ذلك أفضل من طلب ms1391 ~~الكفاف منها، وشبه عليه بقول الله تعالى: # ووجدك عائلا فأغنى # [الضحى:8] فيما عدده سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم من نعمه ~~عنده فإن ذلك ليس كما ظن؛ بل ذلك غنى القلب، دلت على ذلك ~~الآثار الكثيرة؛ كقوله عليه السلام: # " ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى ~~النفس " # انتهى. ### || [57.21-23] # وقوله سبحانه: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم... } ~~الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى ~~المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب ~~إلى الطاعات، وقد استدل بها بعضهم على أن أول أوقات الصلوات ~~أفضل؛ لأنه يقتضي المسارعة والمسابقة، وذكر سبحانه العرض من ~~الجنة؛ إذ المعهود أنه أقل من الطول، وقد ورد في الحديث: # " أن سقف الجنة العرش " # وورد في الحديث: # " أن السموات السبع في الكرسي كالدرهم في ~~الفلاة، وأن الكرسي في العرش كالدرهم في ~~الفلاة ". # * ت *: أيها الأخ، أمرك المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة؛ رحمة ~~منه وفضلا، فلا تغفل عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف] # السباق السباق قولا وفعلا # حذر النفس حسرة المسبوق # ذكر صاحب «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، ~~قال: ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثير الخوف والحزن، ~~وبالخوف مات؛ رأى يوما خيلا يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم ~~أحدهما على الآخر، ثم جد التالي حتى سبق الأول، فتخلل عبد ~~الخالق الناس حتى وصل إلى الفرس السابق، فجعل يقبله ويقول: ~~بارك الله فيك، صبرت فظفرت، ثم سقط مغشيا عليه، انتهى. # وقوله سبحانه: { ما أصاب من مصيبة فى الأرض... } الآية: ~~قال ابن زيد وغيره: المعنى: ما حدث من حادث، خير وشر، فهذا على معنى ~~لفظ أصاب، لا على عرف المصيبة؛ فإن عرفها في الشر، وقال ابن ~~عباس ما معناه: أنه أراد عرف المصيبة، فقوله: { فى الأرض } يعني: ~~بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك و { فى أنفسكم }: بالموت، والأمراض، ~~وغير ذلك. # وقوله: { إلا فى كتب } معناه: إلا والمصيبة في كتاب و { ~~نبرأها } معناه: نخلقها؛ يقال: برأ الله الخلق، أي: ms1392 خلقهم، ~~والضمير عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس؛ قاله ابن ~~عباس وجماعة، وذكر المهدوي جواز عود الضمير على جميع ما ذكر، وهي ~~كلها معان صحاح. # { إن ذلك على الله يسير }: يريد تحصيل الأشياء كلها في ~~كتاب، وقال الثعلبي: وقيل المعنى: إن خلق ذلك وحفظ جميعه، على ~~الله يسير، انتهى. # وقوله: { لكيلا تأسوا } معناه: فعل الله هذا كله، ~~وأعلمكم به؛ ليكون سبب تسليتكم وقلة اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا ~~تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفرح المبطر بما آتاكم منها، قال ابن ~~عباس: ليس أحد إلا يحزن أو يفرح، ولكن من أصابته مصيبة فليجعلها ~~صبرا، ومن أصابه خير فليجعله شكرا؛ وفي«صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي ~~هريرة، أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب، ولا سقم ~~ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به من ~~سيئاته " # ، وفي «صحيح مسلم» عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتبت ~~له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة " # ، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: لما نزلت: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء:123] بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سددوا وقاربوا، ففي كل ما يصاب به المسلم ~~كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها " # ، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فالله المسؤول ~~أن ينفع به كل من حصله أو نظر فيه. # وقوله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور }: يدل ~~على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى الاختيال والفخر، ~~وأما الفرح بنعم الله المقترن بالشكر والتواضع، فإنه لا ~~يستطيع أحد دفعه عن نفسه، ولا حرج فيه، والله أعلم. ### || [57.24-27] # وقوله: { الذين يبخلون } قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف ~~تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب؛ صفة ل { كل ~~} ، وإن كان نكرة فهو يخصص نوعا ما؛ فيسوغ لذلك وصفه ms1393 بالمعرفة، ~~وهذا مذهب الأخفش، و { الكتب } هنا: اسم جنس لجميع الكتب ~~المنزلة، { والميزان }: العدل في تأويل الأكثرين. # وقوله تعالى: { وأنزلنا الحديد } عبر سبحانه عن خلقه ~~الحديد بالإنزال؛ كما قال: # وأنزل لكم من الأنعم # [الزمر:6] الآية، قال جمهور من المفسرين: الحديد هنا أراد به جنسه ~~من المعادن وغيرها، وقال حذاق من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب ~~معنى الآية بأن الله أخبر أنه أرسل رسلا، وأنزل كتبا، ~~وعدلا مشروعا، وسلاحا يحارب به من عاند، ولم يقبل هدى الله؛ ~~إذ لم يبق له عذر، وفي الآية على هذا التأويل حض على القتال ~~في سبيل الله وترغيب فيه. # وقوله: { وليعلم الله من ينصره } يقوي هذا التأويل. # وقوله: { بالغيب } معناه: بما سمع من الأوصاف الغائبة عنه فآمن ~~بها، وباقي الآية بين. # وقوله سبحانه: و { قفينا } معناه: جئنا بهم بعد الأولين، وهو ~~مأخوذ من القفا، أي: جيء بالثاني في قفا الأول، فيجيء الأول بين ~~يدي الثاني، وقد تقدم بيانه. # وقوله سبحانه: { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه ~~رأفة ورحمة ورهبانية }: الجعل في هذه الآية بمعنى ~~الخلق. # وقوله: { ابتدعوها }: صفة لرهبانية، وخصها بأنها ~~ابتدعت؛ لأن الرأفة والرحمة في القلب، لا تكسب للإنسان ~~فيها، وأما الرهبانية فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضع ~~للتكسب، ونحو هذا عن قتادة، والمراد بالرأفة والرحمة حب بعضهم ~~في بعض وتوادهم، والمراد بالرهبانية: رفض النساء، واتخاذ الصوامع ~~والديارات، والتفرد للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يفرض الله ~~ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك؛ ابتغاء رضوان الله؛ هذا تأويل جماعة، ~~وقرأ ابن مسعود: «ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها» ~~وقال مجاهد: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله، فالاستثناء على ~~هذا متصل، واختلف في الضمير الذي في قوله: { فما رعوها } ~~من المراد به؟ فقال ابن زيد وغيره: هو عائد على الذين ابتدعوا ~~الرهبانية، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ~~ونفل، وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعيه، وقال الضحاك ~~وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها، وروينا في « ~~كتاب الترمذي» عن كثير بن عبد ms1394 الله المزني، عن أبيه، عن جده: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: اعلم، ~~قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: اعلم يا بلال! ~~قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: أنه من أحيا ~~سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من ~~الأجر مثل من عمل بها، من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة، لا يرضى ~~الله ورسوله بها كان عليه مثل آثام من عمل ~~بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى. ### || [57.28-29] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~وءامنوا برسوله } قالت فرقة: الخطاب بهذه الآية لأهل الكتاب، ~~ويؤيده الحديث الصحيح: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل ~~الكتاب آمن بنبيه وآمن بي " # الحديث، وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، ومعنى { ~~وءامنوا برسوله } أي: اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، { ~~يؤتكم كفلين } أي: نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل ~~يعطونه، قال أبو موسى: { كفلين }: ضعفين بلسان الحبشة، والنور هنا: ~~إما أن يكون وعدا بالنور الذي يسعى بين الأيدي يوم القيامة، ~~وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يمشي به في طاعة الله. # وقوله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتب ألا ~~يقدرون على شىء من فضل الله... } الآية: روي ~~أنه لما نزل هذا الوعد المتقدم للمؤمنين، حسدهم أهل الكتاب على ذلك، ~~وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها، وتزعم أنهم ~~أحباء الله وأهل رضوانه، فنزلت هذه الآية معلمة أن الله ~~فعل ذلك، وأعلم به؛ ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون، و«لا» ~~في قوله: { لئلا } زائدة، وقرأ ابن عباس والجحدري: ~~«ليعلم أهل الكتاب»، وروى إبراهيم التيمي عن ابن عباس: «كي ~~يعلم» وروي عن حطان الرقاشي أنه قرأ: «لأن يعلم». # وقوله تعالى: { ألا يقدرون } معناه: أنهم لا يملكون فضل ~~الله، ولا يدخل تحت قدرهم، وباقي الآية بين. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-4] # قوله عز وجل: { قد سمع الله قول التى تجادلك فى ~~زوجها... } الآية: اختلف الناس في اسم هذه ms1395 المرأة على أقوال، واختصار ~~ما رواه ابن عباس والجمهور # " أن أوس بن الصامت الأنصاري، أخا عبادة بن الصامت، ~~ظاهر من امرأته خولة بنت خويلد، وكان الظهار في الجاهلية ~~يوجب عندهم فرقة مؤبدة، فلما فعل ذلك أوس جاءت ~~زوجته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله، إن أوسا أكل شبابي، ونثرت له بطني، ~~فلما كبرت ومات أهلي، ظاهر مني! فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا حرمت عليه، ~~فقالت: يا رسول الله، لا تفعل؛ فإني وحيدة ليس ~~لي أهل سواه، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمثل مقالته فراجعته، فهذا هو جدالها، وكانت ~~في خلال جدالها تقول: اللهم إليك أشكو حالي ~~وانفرادي وفقري إليه " # ، وروي أنها كانت تقول: # " اللهم، إن لي منه صبية صغارا، إن ضممتهم ~~إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فهذا هو ~~اشتكاؤها إلى الله، فنزلت الآية: فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أوس، وأمره بالتكفير، فكفر ~~بالإطعام، وأمسك أهله " # قال ابن العربي في «أحكامه»: والأشبه في اسم هذه المرأة أنها ~~خولة بنت ثعلبة، امرأة أوس بن الصامت، وعلى هذا ~~اعتمد الفخر؛ قال الفخر: هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه ~~من الخلق، ولم يبق له في مهمة أحد إلا الخالق كفاه الله ~~ذلك المهم، انتهى، والمحاورة: مراجعة القول ومعاطاته، وفي مصحف ابن ~~مسعود: «تحاورك في زوجها» والظهار: قول الرجل لامرأته: ~~أنت علي كظهر أمي، يريد في التحريم؛ كأنها إشارة إلى ~~الركوب، إذ عرفه في ظهور الحيوان، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، ~~فرد الله بهذه الآية على فعلهم، وأخبر بالحقيقة من أن الأم ~~هي الوالدة، وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم، وجعل ~~الله سبحانه القول بالظهار منكرا وزورا، فهو محرم، لكنه ~~إذا وقع لزم؛ هكذا قال فيه أهل العلم، لكن تحريمه تحريم المكروهات ~~جدا، وقد رجى الله تعالى بعده بأنه عفو غفور مع ~~الكفارة. # وقوله سبحانه: { ثم يعودون... } الآية. # * ت *: اختلف في معنى العود، والعود في «الموطإ»: العزم على ms1396 ~~الوطء والإمساك معا، وفي «المدونة»: العزم على الوطء خاصة. # وقوله تعالى: { من قبل أن يتماسا } ، قال الجمهور: وهذا ~~عام في نوع المسيس الوطء والمباشرة، فلا يجوز لمظاهر أن يطأ، ~~ولا أن يقبل أو يلمس بيده، أو يفعل شيئا من هذا النوع ~~إلا بعد الكفارة؛ وهذا قول مالك رحمه الله. # وقوله تعالى: { ذلكم توعظون به }: إشارة إلى التحذير، أي: ~~فعل ذلك؛ عظة لكم لتنتهوا عن الظهار. # وقوله سبحانه: { فمن لم يستطع }: قال الفخر: الاستطاعة فوق ~~الوسع؛ والوسع فوق الطاقة، فالاستطاعة هي أن يتمكن الإنسان من الفعل ~~على سبيل السهولة، انتهى، وفروع الظهار مستوفاة في كتب الفقه، فلا ~~نطيل بذكرها. # وقوله سبحانه: { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله... } ~~الآية: إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم ~~والإطعام، ثم شدد سبحانه بقوله: { وتلك حدود الله } أي: ~~فالتزموها، ثم توعد الكافرين بقوله: { وللكفرين عذاب ~~أليم }. ### || [58.5-7] # وقوله سبحانه: { إن الذين يحادون الله ورسوله ~~كبتوا... } الآية: نزلت في قوم من المنافقين واليهود، كانوا ~~يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائر، ~~ويتمنون فيهم المكروه، ويتناجون بذلك؛ وكبت الرجل: إذا بقي ~~خزيان يبصر ما يكره، ولا يقدر على دفعه، وقال قوم منهم أبو ~~عبيدة: أصله كبدوا، أي: أصابهم داء في أكبادهم، فأبدلت الدال ~~تاء، وهذا غير قوي، و { الذين من قبلهم }: منافقو الأمم ~~الماضية، ولفظ البخاري: { كبتوا }: أحزنوا. # وقوله تعالى: { وللكفرين عذاب مهين * يوم ~~يبعثهم الله }: العامل في { يوم } قوله: { مهين } ، ~~ويحتمل أن يكون فعلا مضمرا تقديره: اذكر. # وقوله تعالى: { إلا هو رابعهم } أي: بعلمه وإحاطته ~~وقدرته، وعبارة الثعلبي { إلا هو رابعهم }: يعلم ويسمع ~~نجواهم، يدل على ذلك افتتاح الآية وخاتمتها، انتهى. ### || [58.8-10] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ~~ثم يعودون... } الآية، قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين، ~~{ وإذا جاءوك حيوك }: هو قولهم: السام عليكم، يريدون ~~الموت، ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها ~~يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبيا لعذبنا بهذه ~~الأقوال التي تسيئه، ms1397 وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا ~~تناجيتم... } الآية: وصية منه سبحانه للمؤمنين ألا يتناجوا ~~بمكروه، وذلك عام في جميع الناس إلى يوم القيامة. # وقوله: { إنما النجوى } أي: بالإثم { من الشيطن } ~~وقرأ نافع وأهل المدينة: «ليحزن» بضم الياء وكسر الزاي ، ~~الفعل مسند إلى الشيطان، وقرأ أبو عمرو وغيره: «ليحزن» بفتح ~~الياء وضم الزاي ، ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو ~~منه، ليس بضار أحدا إلا أن يكون ضر بإذن الله، أي: بأمره ~~وقدره، ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى. ### || [58.11-12] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا فى المجلس... } الآية، وقرأ عاصم: «في المجالس» ~~قال زيد بن أسلم وقتادة: هذه الآية نزلت بسبب تضايق الناس في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب ~~منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن ~~والقدم في الإسلام، فلا يجد مكانا، فنزلت بسبب ذلك، وروى أبو هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل، ~~ولكن تفسحوا يفسح الله لكم " # ، قال جمهور العلماء: سبب نزول الآية مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم الحكم مطرد في سائر المجالس التي هي للطاعات؛ ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة، ~~وركبا في المجالس " # ، وهذا قول مالك رحمه الله، وقال: ما أرى الحكم إلا يطرد في ~~مجالس العلم ونحوها غابر الدهر؛ قال * ع *: فالسنة المندوب إليها هي ~~التفسح، والقيام منهي عنه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حيث نهى أن يقوم الرجل؛ فيجلس الآخر مكانه. # * ت *: وقد روى أبو داود في «سننه» عن سعيد بن أبي الحسن ~~قال: «جاءنا أبو بكرة في شهادة، فقام له رجل من ~~مجلسه فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ونهى أن يمسح الرجل ~~يده بثوب من لم يكسه» وروى ms1398 أبو داود عن ابن عمر قال: ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام له رجل ~~من مجلسه، فذهب ليجلس فيه، فنهاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» انتهى، قال * ع *: فأما القيام إجلالا فجائز ~~بالحديث، وهو قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ: # " قوموا إلى سيدكم " # وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به؛ ~~لقوله عليه السلام : # " من أحب أن يتمثل له الناس قياما، ~~فليتبوأ مقعده من النار ". # * # ت *: وفي الاحتجاج بقضية سعد نظر؛ لأنها احتفت بها قرائن ~~سوغت ذلك؛ انظر السير، وقد أطنب صاحب المدخل في الإنحاء والرد ~~على المجيزين للقيام، والسلامة عندي ترك القيام. # وقوله تعالى: { يفسح الله لكم } معناه: في رحمته وجنته. # * ص *: { يفسح } مجزوم في جواب الأمر، انتهى، { وإذا قيل ~~انشزوا } معناه: ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك؛ ومن «رياض الصالحين» ~~للنووي: وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا ~~بإذنهما " # رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن، وفي رواية لأبي داود: # " لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما " # وعن حذيفة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لعن من جلس وسط الحلقة " # ، رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذي عن أبي مجلز؛ أن ~~رجلا قعد وسط الحلقة، فقال حذيفة: # " ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، أو لعن ~~الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم من جلس وسط ~~الحلقة " # قال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى. # وقوله سبحانه: { يرفع الله الذين ءامنوا منكم... } ~~الآية: قال جماعة: المعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات؛ فلذلك ~~أمر بالتفسح من أجلهم، وقال آخرون: المعنى: يرفع الله المؤمنين ~~والعلماء الصنفين جميعا درجات، لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات ~~من مواضع أخر؛ فلذلك جاء الأمر بالتفسح عاما للعلماء وغيرهم، وقال ~~ابن مسعود وغيره: { يرفع الله الذين ءامنوا منكم } ~~وهنا تم الكلام، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات، ونصبهم بإضمار ~~فعل، فللمؤمنين رفع ms1399 على هذا التأويل، وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل ~~قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: فضل العلم ~~أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع، وروى ~~البخاري وغيره عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل ~~الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها طائفة ~~قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، ~~وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها ~~الناس، فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصاب منها ~~طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا ~~تنبت كلأ؛ فذلك مثل من فقه في دين الله عز ~~وجل، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ~~ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى ~~الله عز وجل الذي أرسلت به " # انتهى. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير ~~لكم وأطهر } روي عن ابن عباس وقتادة في سببها: أن قوما من ~~شباب المؤمنين وأغفالهم كثرت مناجاتهم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم في غير حاجة، وكان صلى الله عليه وسلم سمحا، لا يرد أحدا، ~~فنزلت هذه الآية مشددة عليهم، وقال مقاتل: نزلت في الأغنياء؛ ~~لأنهم غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم ومجالسته، ~~قال جماعة من الرواة: نسخت هذه الآية قبل العمل بها، لكن استقر ~~حكمها بالعزم عليه، وصح عن علي أنه قال: # " ما عمل بها أحد غيري، وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن ~~المسلمين، قال: ثم فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه ~~العبادة قد شقت على الناس فقال لي: يا علي، كم ~~ترى أن يكون حد هذه الصدقة؟ أتراه دينارا؟ ~~قلت: لا، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا، قال: فكم؟ ~~قلت: حبة من شعير، قال: إنك لزهيد فأنزل ~~الله الرخصة " # ، يريد للواجدين، وأما من لم يجد فالرخصة له ~~ثابتة؛ بقوله: «فإن لم تجدوا» قال الفخر: قوله عليه السلام ~~لعلي: # " إنك لزهيد " # معناه: إنك قليل المال، فقدرت على حسب حالك، انتهى. ### || [58.13-18] # وقوله سبحانه: ms1400 { ءأشفقتم... } الآية: الإشفاق: هنا الفزع من ~~العجز عن الشيء المتصدق به، أو من ذهاب المال في الصدقة. # وقوله: { فأقيموا الصلوة... } الآية: المعنى: دوموا على هذه ~~الأعمال التي هي قواعد شرعكم، ومن قال: إن هذه الصدقة منسوخة بآية ~~الزكاة؛ فقوله ضعيف. # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا }: نزلت في قوم ~~من المنافقين، تولوا قوما من اليهود، وهم المغضوب عليهم، قال الطبري: { ~~ما هم منكم }: يريد به المنافقين { ولا منهم } أي: ولا من ~~اليهود، وهذا التأويل يجري مع قوله تعالى: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء:143] كالشاة العائرة بين الغنمين، وتحتمل الآية تأويلا آخر، ~~وهو أن يكون قوله: { ما هم } يريد به اليهود { ولا منهم } ~~يريد به المنافقين، { ويحلفون }: يعني المنافقين، وقرأ الحسن: { ~~اتخذوا أيمنهم } بكسر الهمزة ، والجنة: ما ~~يتستر به، ثم أخبر تعالى عن المنافقين في هذه الآية أنه ستكون ~~لهم أيمان يوم القيامة بين يدي الله تعالى، يخيل إليهم بجهلهم أنها ~~تنفعهم، وتقبل منهم، وهذا هو حسابهم { أنهم على شىء } أي: ~~على شيء نافع لهم. ### || [58.19-22] # وقوله تعالى: { استحوذ عليهم الشيطن } معناه: ~~تملكهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم، وحكي أن عمر قرأ: ~~«استحاذ»، ثم قضى تعالى على محاده بالذل، وباقي الآية ~~بين. # وقوله سبحانه: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الأخر يوادون من حاد الله ورسوله... } الآية: ~~نفت هذه الآية أن يوجد من يؤمن بالله حق الإيمان، ويلتزم ~~شعبه على الكمال يواد كافرا أو منافقا، و { كتب فى ~~قلوبهم الإيمن }: معناه: أثبته وخلقه بالإيجاد. # وقوله: { أولئك }: إشارة إلى المؤمنين الذين يقتضيهم معنى الآية؛ ~~لأن المعنى: لكنك تجدهم لا يوادون من حاد الله. # وقوله تعالى: { بروح منه } معناه: بهدى منه ونور وتوفيق إلهي ~~ينقدح لهم من القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم و«الحزب»: الفريق، ~~وباقي الآية بين. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-4] # قوله تعالى: { سبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم } الآية: تقدم الكلام في تسبيح ~~الجمادات و { الذين كفروا من ms1401 أهل الكتب }: هم بنو ~~النضير. # و[قوله]: { لأول الحشر }: قال الحسن بن أبي الحسن وغيره: يريد ~~حشر القيامة، أي: هذا أوله والقيام من القبور آخره، وقال ~~عكرمة وغيره: والمعنى: لأول موضع الحشر، وهو الشام؛ وذلك أن ~~أكثرهم جاء إلى الشام، وقد روي أن حشر القيامة هو إلى بلاد الشام. # وقوله سبحانه: { ما ظننتم أن يخرجوا }: يريد لمنعتهم وكثرة ~~عددهم. # وقوله تعالى: { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى ~~المؤمنين } أي: كلما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا ~~هم من البيوت؛ ليجبروا الحصن. # * ت *: والحاصل أنهم يخربون بيوتهم حسا ومعنى؛ أما حسا ~~فواضح، وأما معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، { ~~ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء }: من الوطن { ~~لعذبهم فى الدنيا }: بالسبي والقتل، قال البخاري: والجلاء: ~~الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى. ### || [59.5-7] # وقوله تعالى: { ما قطعتم من لينة... } الآية سببها قول ~~اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟! فرد الله ~~عليهم بهذه الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين: اللينة من ~~النخيل: ما لم يكن عجوة، وقيل غير هذا. # * ص *: أصل «لينة»: لونة، فقلبوا الواو ياء لسكونها وانكسار ما ~~قبلها، وجمعه لين؛ كتمرة وتمر، قال الأخفش: واللينة كأنها ~~لون من النخل، أي: ضرب منه، انتهى. # وقوله عز وجل: { وما أفاء الله على رسوله منهم... } ~~الآية، إعلام بأن ما أخذ لبني النضير ومن فدك، هو خاص بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها؛ ~~بل على حكم خمس الغنائم؛ وذلك أن بني النضير لم يوجف عليها ولا ~~قوتلت كبير قتال، فأخذ منها صلى الله عليه وسلم قوت عياله، ~~وقسم سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دجانة وسهل بن حنيف ~~من الأنصار؛ لأنهما شكيا فقرا، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون ~~التقريب؛ يقال: وجف الفرس وأوجفه الراكب. # وقوله تعالى: { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى... } الآية: أهل القرى في هذه الآية: هم أهل الصفراء والينبوع ~~ووادي القرى وما هنالك من قرى العرب، ms1402 وذلك أنها فتحت في ذلك الوقت ~~من غير إيجاف، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع ذلك ~~للمهاجرين، ولم يحبس منها لنفسه شيئا، ولم يعط الأنصار شيئا لغناهم، ~~والقربى في الآية: قرابته صلى الله عليه وسلم منعوا الصدقة ~~فعوضوا من الفيء. # وقوله سبحانه: { كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~}: مخاطبة للأنصار؛ لأنه لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غني، ~~والمعنى: كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بتصرفاتهم، ويبقى المساكين ~~بلا شيء، وقد مضى القول في الغنائم في سورة الأنفال، وروي أن ~~قوما من الأنصار تكلموا في هذه القرى المفتتحة، وقالوا: لنا ~~منها سهمنا، فنزل قوله تعالى: { وما ءاتكم الرسول ~~فخذوه... } الآية: فرضوا بذلك، ثم اطرد بعد معنى الآية في ~~أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه، حتى قال قوم: إن الخمر ~~محرمة في كتاب الله بهذه الآية، وانتزع منها ابن مسعود لعنة ~~الواشمة، الحديث. # * ت *: وبهذا المعنى يحصل التعميم للأشياء في قوله تعالى: # ما فرطنا فى الكتب من شىء ### || [59.8-9] # وقوله تعالى: { للفقراء المهجرين }: بيان لقوله: { ~~والمسكين وابن السبيل } وكرر لام الجر، لما كانت الجملة ~~الأولى مجرورة باللام؛ ليبين أن البدل إنما هو منها، ثم وصفهم ~~تعالى بالصفة التي تقتضي فقرهم، وتوجب الشفقة عليهم، وهي إخراجهم من ~~ديارهم وأموالهم { يبتغون فضلا من الله ورضوانا }: ~~يريد به الآخرة والجنة: { أولئك هم الصدقون } أي: في ~~الأقوال والأفعال والنيات { والذين تبوءوا الدار }: هم ~~الأنصار رضي الله عن جميعهم ، والضمير في { من قبلهم } ~~للمهاجرين، والدار هي المدينة، والمعنى: تبوؤوا الدار مع الإيمان، وبهذا ~~الاقتران يتضح معنى قوله تعالى: { من قبلهم } فتأمله، قال * ص *: { ~~والإيمن } منصوب بفعل مقدر، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف ~~الجمل؛ كقوله: [من الرجز] # علفتها تبنا وماء باردا # ...................... # انتهى، وقيل غير هذا، وأثنى الله تعالى في هذه الآية على الأنصار ~~بأنهم يحبون المهاجرين، وبأنهم يؤثرون على أنفسهم، وبأنهم قد ~~وقوا شح أنفسهم. # * ت *: وروى الترمذي عن أنس قال: # " لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه ~~المهاجرون، ms1403 فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما ~~أبذل لكثير ولا أحسن مواساة في قليل من قوم ~~نزلنا بين أظهرهم؛ لقد كفونا المؤونة، ~~وأشركونا في المهنة، حتى لقد خفنا أن يذهبوا ~~بالأجر كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ما ~~دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، والحاجة: الحسد في هذا الموضع؛ ~~قاله الحسن، ثم يعم بعد وجوها، وقال الثعلبي: { حاجة } أي: ~~حزازة، وقيل: حسدا { مما أوتوا } أي: مما أعطي المهاجرون من ~~أموال بني النضير والقرى، انتهى. # وقوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم }: صفة للأنصار، وجاء ~~الحديث الصحيح من غير ما طريق، # " أنها نزلت بسبب رجل من الأنصار وصنيعه مع ضيف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ إذ نوم صبيانه، وقدم للضيف طعامه، وأطفأت ~~أهله السراج، وأوهما الضيف أنهما يأكلان معه، وباتا طاويين؛ ~~فلما غدا الأنصاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ~~«لقد عجب الله من فعلكما البارحة» " # ونزلت الآية في ذلك، قال صاحب «سلاح المؤمن»: الرجل الأنصاري الذي ~~أضاف هو، أبو طلحة انتهى، قال الترمذي الحكيم في كتاب «ختم الأولياء» ~~له: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن عاصم: حدثنا الجماني: حدثنا ~~صالح المري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صوم ~~ولا صلاة؛ إنما دخلوها بسلامة الصدور، وسخاوة ~~الأنفس، وحسن الخلق، والرحمة بجميع المسلمين " # انتهى، والإيثار على النفس أكرم خلق، قال أبو يزيد البسطامي: قدم ~~علينا شاب من بلخ حاجا فقال لي: ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إذا ~~وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا ~~كلاب بلخ! فقلت له: فما هو عندكم؟! فقال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا ~~وجدنا آثرنا، وروي أن سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، لما فتح هذه القرى قال للأنصار: # " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ~~ودياركم؛ وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن ~~شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه ~~الغنيمة، فقالوا: بل ms1404 نقسم لهم من أموالنا، ~~ونترك لهم هذه الغنيمة " # ، فنزلت الآية، والخصاصة: الفاقة والحاجة، وشح النفس: هو كثرة ~~طمعها. وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل؛ هذا جماع ~~شح النفس. وهو داعية كل خلق سوء، وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أدى الزكاة المفروضة، وقرى الضيف، وأعطى ~~في النائبة فقد برىء من الشح " # ، وإلى هذا الذي قلناه ذهب الجمهور والعارفون بالكلام، وقيل في الشح ~~غير هذا، قال * ع *: وشح النفس فقر لا يذهبه غنى المال، بل ~~يزيده، وينصب به؛ و { يوق } من وقى يقي، وقال الفخر: اعلم أن ~~الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو ~~الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، ولما كان الشح من صفات ~~النفس لا جرم، قال الله تعالى: { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } أي: الظافرون بما أرادوا، قال ابن ~~زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه، ولم يمنع شيئا أمره الله ~~تعالى بإعطائه فقد وقي شح نفسه، انتهى. ### || [59.10-14] # وقوله تعالى: { والذين جاءوا من بعدهم... } الآية: قال ~~جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة، وقال ~~الفراء: أراد الفرقة الثالثة من الصحابة، وهي من آمن في آخر مدة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: { يقولون }: حال فيها الفائدة، والمعنى: والذين جاؤوا قائلين ~~كذا، وروت أم الدرداء، وأبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول: # " دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، ~~عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه قال ~~الملك الموكل به: آمين، ولك مثله " # رواه مسلم، انتهى، قال * ع *: ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من ~~كان له في أحد من الصحابة رأي سوء أو بغض، فلا حظ له في فيء ~~المسلمين، وقال عبد الله بن يزيد: قال الحسن: أدركت ثلاثمائة من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم سبعون بدريا كلهم يحدثني ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة ~~الإسلام من ms1405 عنقه " # فالجماعة ألا تسبوا الصحابة، ولا تماروا في دين الله، ولا ~~تكفروا أحدا من أهل التوحيد بذنب، قال عبد الله: فلقيت ~~أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلة وأنسا، فكلهم يحدثني عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمثل حديث الحسن، والغل: الحقد والاعتقاد الرديء. # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون ~~لإخوانهم... } الآية: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، ~~ورفاعة بن التابوت وقوم من منافقي الأنصار؛ كانوا بعثوا إلى بني ~~النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في معاقلكم، فإنا معكم كيفما تقلبت ~~حالكم، وكانوا في ذلك كاذبين، وإنما أرادوا بذلك أن تقوى ~~نفوسهم؛ عسى أن يثبتوا حتى لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليهم، فيتم مرادهم، وجاءت الأفعال غير مجزومة في قوله: { لا ~~يخرجون } { لا ينصرونهم }؛ لأنها راجعة إلى حكم القسم، ~~لا إلى حكم الشرط، والضمير في { صدورهم } يعود على اليهود ~~والمنافقين، والضمير في قوله: { لا يقتلونكم جميعا } لبني ~~النضير وجميع اليهود، هذا قول جماعة المفسرين، ومعنى الآية: لا يبرزون ~~لحربكم، وإنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران؛ للرعب والرهب الكائن ~~في قلوبهم. # وقوله تعالى: { بأسهم بينهم شديد } أي: في غائلتهم ~~وإحنهم { تحسبهم جميعا } أي: مجتمعين { وقلوبهم ~~شتى } أي: متفرقة؛ قال * ع *: وهذه حال الجماعة المتخاذلة، وهي ~~المغلوبة أبدا في كل ما تحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات، وهو ~~التفرق ونحوه. ### || [59.15-17] # وقوله تعالى: { كمثل الذين من قبلهم } قال ابن عباس: هم ~~بنو قينقاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني ~~النضير، والوبال: الشدة والمكروه، وعاقبة السوء والعذاب الأليم: ~~هو في الآخرة. # وقوله سبحانه: { كمثل الشيطن } معناه: أن هاتين الفرقتين ~~من المنافقين وبني النضير، كمثل الشيطان مع الإنسان؛ فالمنافقون ~~مثلهم الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من ~~المتأولين إلى أن الشيطان والإنسان في هذه الآية اسما جنس، فكما ~~أن الشيطان يغوي الإنسان، ثم يفر عنه بعد أن يورطه؛ كذلك ~~أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت، ووعدوهم النصر، ~~فلما نشب بنو النضير، وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون ms1406 في ~~أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص إلى أن هذا في شيطان مخصوص مع ~~عابد مخصوص، اسمه «برصيصا»، استودع امرأة جميلة، وقيل: سيقت ~~إليه ليشفيها بدعائه من الجنون، فسول له الشيطان الوقوع ~~عليها، فحملت منه، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ~~ففعل، ثم شهره، فلما استخرجت المرأة، وحمل العابد ~~شر حمل، وصلب جاءه الشيطان فقال له: اسجد لي سجدة ~~وأنا أخلصك، فسجد له، فقال له الشيطان: هذا الذي أردت منك أن ~~كفرت بربك، إني بريء منك، فضرب الله تعالى هذا المثل ليهود بني ~~النضير والمنافقين، وهذا يحتاج إلى صحة سند، والتأويل الأول هو ~~وجه الكلام. # * ت *: قال السهيلي: وقد ذكر هذه القصة هكذا القاضي إسماعيل وغيره من ~~طريق سفيان عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر بن عبيد ~~بن رفاعة الزرقي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن راهبا كان في بني إسرائيل " # فذكر القصة بكمالها، ويقال: إن اسم هذا الراهب «برصيصا»، ولم ~~يذكر اسمه القاضي إسماعيل، انتهى، قال * ع *: وقول الشيطان: { إنى ~~أخاف الله } رياء من قوله، وليست على ذلك عقيدته، ولا يعرف الله ~~حق معرفته، ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلى ~~آخر { فكان عقبتهما } يعني: الشيطان والإنسان على ما تقدم من ~~حملهما على الجنس أو الخصوص. ### || [59.18-20] # وقوله سبحانه { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد... } الآية: هذه آية وعظ ~~وتذكير، وتقريب للآخرة، وتحذير ممن لا تخفى عليه خافية، وقوله ~~تعالى: { لغد }: يريد يوم القيامة، والذين نسوا الله: هم الكفار، ~~والمعنى: تركوا الله وغفلوا عنه، حتى كانوا كالناسين، فعاقبهم بأن ~~[جعلهم] ينسون أنفسهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بالذنب، قال سفيان: ~~المعنى: حظ أنفسهم، ويعطي لفظ الآية أن من عرف نفسه ولم ~~ينسها عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنه : اعرف نفسك تعرف ربك، وروي عنه أيضا أنه قال: ~~من لم يعرف نفسه، لم يعرف ربه. ### || [59.21-24] # وقوله سبحانه: { لو أنزلنا هذا ms1407 القرءان على جبل... ~~} الآية: موعظة للإنسان، وذم لأخلاقه وإعراضه وغفلته عن تدبر ~~كلام خالقه، وإذا كان الجبل، على عظمه وقوته، لو أنزل عليه ~~القرآن وفهم منه ما فهمه الإنسان، لخشع واستكان، وتصدع، خشية ~~لله تعالى : فالإنسان على حقارته وضعفه أولى بذلك، وضرب ~~الله سبحانه هذا المثل؛ ليتفكر فيه العاقل، ويخشع ويلين قلبه. # وقوله سبحانه: { هو الله الذى لا إله إلا هو عالم ~~الغيب والشهدة هو الرحمن الرحيم } الآية: لما ~~قال تعالى: { من خشية الله } ، جاء بالأوصاف العلية التي ~~توجب لمخلوقاته هذه الخشية، وقرأ الجمهور: «القدوس» بضم ~~القاف ؛ من تقدس إذا تطهر وتنزه. # وقوله: { السلم } أي: ذو السلام؛ لأن الإيمان به وتوحيده ~~وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها، و { المؤمن }: اسم فاعل من آمن ~~بمعنى أمن من الأمن، وقيل: معناه: المصدق عباده المؤمنين، و { ~~المهيمن }: معناه: الحفيظ والأمين؛ قاله ابن عباس، و { الجبار ~~}: هو الذي لا يدانيه شيء، ولا تلحق رتبته، قال الفخر: وفي اسمه ~~تعالى: { الجبار } وجوه: # أحدها: أنه فعال؛ من جبر إذا أغنى الفقير وجبر الكسير. # والثاني: أن يكون الجبار من جبره إذا أكرهه؛ قال الأزهري: وهي ~~لغة تميم، وكثير من الحجازيين يقولونها بغير ألف في الإكراه، وكان ~~الشافعي رحمه الله يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف، وجعل ~~الفراء { الجبار } بهذا المعنى من أجبر بالألف، وهي اللغة ~~المعروفة في الإكراه، انتهى، و { المتكبر }: معناه: الذي له ~~التكبر حقا و { البارىء } بمعنى: الخالق، و { المصور }: ~~هو الذي يوجد الصور، وباقي الآية بين، وروى معقل بن يسار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله ~~السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث ~~آيات من آخر سورة الحشر : وكل الله به سبعين ~~ألف ملك يصلون عليه، حتى يمسي، وإن مات في ~~ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قالها حين يمسي كان ~~بتلك المنزلة " # رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، انتهى. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~عدوى وعدوكم ms1408 أولياء... } الآية: المراد بالعدو ههنا: ~~كفار قريش، وسبب نزول هذه الآية حاطب بن أبي بلتعة؛ وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام ~~الحديبية. # * ت *: بل عام فتح مكة، فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة ~~يخبرهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك منه ارتدادا، ~~فنزل الوحي مخبرا بما صنع حاطب، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~عليا والزبير وثالثا قيل هو المقداد وقال: انطلقوا حتى ~~تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظغينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، ~~فخذوه منها، وخلوا سبيلها، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة، فقالوا لها: ~~أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب! ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئا ~~فقال علي: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا كذب، ~~والله، لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، ~~فقالت: أعرضوا عني، فحلته من قرون رأسها، فجاؤوا ~~به النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: من كتب هذا؟ ~~فقال: أنا يا رسول الله، فقال: ما حملك على ما ~~صنعت؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل علي فوالله، ~~ما كفرت منذ أسلمت، وما فعلت ذلك. ارتدادا عن ~~ديني ولا رغبة عنه؛ ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، ~~وكنت امرأ ملصقا فيهم، وأهلي بين ظهرانيهم، ~~فخشيت عليهم فأردت أن أتخذ عندهم يدا، ~~فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا تقولوا ~~لحاطب إلا خيرا " # وروي أن حاطبا كتب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يريد غزوكم في مثل الليل والسيل، وأقسم ~~بالله، لو غزاكم وحده، لنصر عليكم، فكيف ~~وهو في جمع كثير؟! * ص *: و { تلقون } مفعوله محذوف، أي: ~~تلقون إليهم أخبار الرسول وأسراره، و { بالمودة }: الباء للسبب، ~~انتهى. # وقوله تعالى: { أن تؤمنوا }: مفعول من أجله، أي: أخرجوكم من أجل ~~أن آمنتم بربكم. # وقوله تعالى: { إن كنتم }: شرط، جوابه متقدم في معنى ما قبله، ~~وجاز ذلك لما لم يظهر عمل الشرط، والتقدير: إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغاء مرضاتي، ms1409 فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، و { جهادا } ~~منصوب على المصدر، وكذلك { ابتغاء } ويجوز أن يكون ذلك مفعولا من ~~أجله، والمرضاة: مصدر كالرضى و { تسرون } حال من { تلقون } ، ~~ويجوز أن يكون في موضع خبر ابتداء، كأنه قال: أنتم تسرون، ~~ويصح أن يكون فعلا ابتدىء به القول. # وقوله تعالى: { أعلم } يحتمل أن يكون أفعل، ويحتمل أن يكون فعلا؛ ~~لأنك تقول: علمت بكذا فتدخل الباء. # * ص *: والظاهر أنه أفعل تفضيل؛ ولذلك عدي بالباء، انتهى، و { ~~سوآء } يجوز أن يكون مفعولا ب { ضل } على تعدي «ضل»، ويجوز أن ~~يكون ظرفا على غير التعدي؛ لأنه يجيء بالوجهين، والأول أحسن في ~~المعنى، والسواء: الوسط، و { السبيل }: هنا شرع الله وطريق دينه. ### || [60.2-3] # وقوله سبحانه: { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء... } ~~الآية: أخبر تعالى أن مداراة هؤلاء الكفرة غير نافعة في الدنيا، ~~وأنها ضارة في الآخرة؛ ليبين فساد رأي مصانعهم، فقال: { إن ~~يثقفوكم } أي: إن يتمكنوا منكم وتحصلوا في ثقافهم ظهرت عداوتهم، ~~وانبسطت إليكم أيديهم بضرركم وقتلكم، وانبسطت ألسنتهم ~~بسبكم، وأشد من هذا كله إنما يقنعهم أن تكفروا، وهذا هو ودهم،، ~~ثم أخبر تعالى أن هذه الأرحام التي رغبتم في وصلها، ليست بنافعة يوم ~~القيامة، فالعامل في { يوم } قوله { تنفعكم } ، وقيل: العامل فيه ~~{ يفصل } وهو مما بعده لا مما قبله، وعبارة الثعلبي { لن ~~تنفعكم أرحمكم } أي: قرابتكم منهم { ولا أولدكم ~~}: الذين عندهم بمكة { يوم القيمة }: إذا عصيتم الله من ~~أجلهم { يفصل بينكم }: فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار، ~~انتهى. # * ت *: وهذه الآية تنظر إلى قوله تعالى: # وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى # [سبأ:37] الآية: واعلم أن المال والسبب النافع يوم القيامة، ما كان ~~لله وقصد به العون على طاعة الله، وإلا فهو على صاحبه ~~وبال وطول حساب، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا شعبة، عن عمرو ~~بن مرة قال: سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن أبي كثير، عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاصي أنه سمعه يقول: ويجمعون يعني ليوم ~~القيامة فيقال: أين فقراء هذه الأمة ms1410 ومساكينها؟ فيبرزون، فيقال: ~~ما عندكم؟ فيقولون: يا ربنا، ابتلينا فصبرنا، وأنت أعلم، ~~أحسبه، قال: ووليت الأموال والسلطان غيرنا، فيقال: صدقتم، فيدخلون ~~الجنة قبل سائر الناس بزمان، وتبقى شدة الحساب على ذوي السلطان ~~والأموال، قال: قلت: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: توضع لهم كراسي من نور، ~~ويظلل عليهم الغمام، ويكون ذلك اليوم أقصر عليهم من ساعة من ~~نهار، انتهى، وفي قوله تعالى: { والله بما تعملون بصير }: ~~وعيد وتحذير. ### || [60.4-5] # وقوله تعالى: { قد كانت لكم أسوة } أي: قدوة { فى ~~إبرهيم }: الخليل { والذين معه }: قيل: من آمن به من ~~الناس، وقال الطبري وغيره: { والذين معه }: هم الأنبياء ~~المعاصرون له أو قريبا من عصره، قال * ع *: وهذا أرجح؛ لأنه لم ~~يرو أن لإبراهيم أتباعا مؤمنين في وقت مكافحته نمرودا، وفي ~~البخاري: أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا من بلد ~~النمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك، وهذه ~~الأسوة مقيدة في التبري من المشركين وإشراكهم، وهو مطرد ~~في كل ملة، وفي نبينا محمد عليه السلام أسوة حسنة على ~~الإطلاق في العقائد وفي أحكام الشرع كلها. # وقوله: { كفرنا بكم } أي: كذبناكم في عبادتكم الأصنام. # وقوله: { إلا قول إبرهيم لأبيه } يعني: تأسوا بإبراهيم، ~~إلا في استغفاره لأبيه، فلا تتأسوا به فتستغفروا للمشركين، لأن ~~استغفاره إنما كان عن موعدة وعدها إياه؛ وهذا تأويل قتادة، ~~ومجاهد، وعطاء الخراساني وغيرهم. # وقوله: { ربنا عليك توكلنا } إلى قوله: { إنك أنت ~~العزيز الحكيم } هو حكاية عن قول إبراهيم والذين معه، وهذه الألفاظ ~~بينة مما تقدم في آي القرآن. # وقوله: { ربنا لا تجعلنا فتنة } قيل: المعنى: لا تغلبهم ~~علينا، فنكون لهم فتنة وسبب ضلالة؛ نحا هذا المنحى قتادة وأبو ~~مجلز، وقد تقدم مستوفى في سورة يونس، وقال ابن عباس: المعنى: لا ~~تسلطهم علينا فيفتنونا عن أدياننا، فكأنه قال: لا تجعلنا ~~مفتونين، فعبر عن ذلك بالمصدر، وهذا أرجح الأقوال؛ لأنهم ~~إنما دعوا لأنفسهم، وعلى منحى قتادة: إنما دعوا للكفار، أما ~~أن مقصدهم إنما هو أن يندفع عنهم ظهور الكفار الذي بسببه ms1411 ~~فتن الكفار، فجاء في المعنى تحليق بليغ. ### || [60.6-7] # وقوله تعالى: { لقد كان لكم فيهم } أي: في إبراهيم والذين ~~معه، وباقي الآية بين، وروي أن هذه الآيات لما نزلت، وعزم ~~المؤمنون على امتثالها، وصرم حبال الكفرة لحقهم تأسف ~~وهم من أجل قراباتهم؛ إذ لم يؤمنوا، ولم يهتدوا، حتى يكون بينهم ~~التوادد والتواصل، فنزلت: { عسى الله... } الآية: مؤنسة في ~~ذلك، ومرجية أن يقع، فوقع ذلك بإسلامهم في الفتح، وصار الجميع ~~إخوانا، وعسى من الله واجبة الوقوع. # * ت *: قد تقدم تحقيق القول في { عسى } في سورة القصص، فأغنى عن ~~إعادته. ### || [60.8-11] # وقوله تعالى: { لا ينهكم الله عن الذين لم ~~يقتلوكم... } الآية: اختلف في هؤلاء الذين لم ينه عنهم أن ~~يبروا، فقيل: أراد المؤمنين التاركين للهجرة، وقيل: خزاعة ~~وقبائل من العرب، كانوا مظاهرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومحبين ~~لظهوره، وقيل: أراد النساء والصبيان من الكفرة، وقيل: أراد من ~~كفار قريش من لم يقاتل ولا أخرج، ولم يظهر سوءا؛ وعلى ~~أنها في الكفار فالآية منسوخة بالقتال، والذين قاتلوا في الدين ~~وأخرجوهم هم مردة قريش. # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم ~~المؤمنت مهجرت } الآية نزلت إثر صلح الحديبية؛ وذلك ~~أن ذلك الصلح تضمن أن من أتى مسلما من أهل مكة، ~~رد إليهم، سواء كان رجلا أو امرأة، فنقض الله تعالى من ذلك ~~أمر النساء بهذه الآية، وحكم بأن المهاجرة المؤمنة لا ترد إلى ~~دار الكفر، و { فامتحنوهن }: معناه: جربوهن واستخبروا حقيقة ~~ما عندهن. # وقوله تعالى: { الله أعلم بإيمنهن } إشارة إلى ~~الاسترابة ببعضهن. # * ت *: وقوله تعالى: { فإن علمتموهن مؤمنت... } ~~الآية: العلم هنا: بمعنى الظن، وذكر الله تعالى العلة في ألا ~~يرد النساء إلى الكفار وهو امتناع الوطء وحرمته. # وقوله تعالى: { وءاتوهم ما أنفقتم... } الآية: أمر بأن ~~يؤتى الكفار مهور نسائهم التي هاجرن مؤمنات، ورفع سبحانه الجناح ~~في أن يتزوجن بصدقات هي أجورهن، وأمر المسلمين بفراق الكافرات ~~وألا يتمسكوا بعصمهن، فقيل: الآية في عابدات الأوثان ومن لا يجوز ~~نكاحها ابتداء، وقيل: هي عامة نسخ منها نساء ms1412 أهل الكتاب، ~~والعصم: جمع عصمة، وهي أسباب الصحبة والبقاء في الزوجية، وأمر ~~تعالى أن يسأل أيضا المؤمنون: ما أنفقوا؟ فروي عن ابن شهاب أن ~~قريشا لما بلغهم هذا الحكم، قالوا: نحن لا نرضى بهذا الحكم، ولا ~~نلتزمه، ولا ندفع لأحد صداقا، فنزلت بسبب ذلك هذه الآية ~~الأخرى: { وإن فاتكم شىء من أزوجكم إلى ~~الكفر... } الآية: فأمر الله تعالى المؤمنين أن يدفعوا إلى من ~~فرت زوجته ففاتت بنفسها إلى الكفار صداقه الذي أنفق، ~~واختلف: من أي مال يدفع إليه الصداق؟ فقال ابن شهاب: ~~يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر ~~من أزواجهم، وأزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه، قال * ع *: ~~وهذا قول صحيح يقتضيه قوله: { فعقبتم } وقال قتادة وغيره: ~~يدفع إليه من مغانم المغازي، وقال هؤلاء: التعقيب هو الغزو والمغنم، ~~وقال ابن شهاب أيضا: يدفع إليه من أي وجوه الفيء أمكن، والمعاقبة في ~~هذه الآية ليست بمعنى مجازاة السوء بسوء، قال الثعلبي: وقرأ مجاهد: ~~«فأعقبتم» وقال: المعنى: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، انتهى، قال * ع ~~*: أي: وذلك بأن يفوت إليكم شيء من أزواجهم، وهكذا هو التعاقب على ~~الجمل والدواب أن يركب هذا عقبة وهذا عقبة، ويقال: عاقب الرجل ~~صاحبه في كذا، أي: جاء فعل كل واحد منهما بعقب فعل الآخر، وهذه ~~الآية كلها قد ارتفع حكمها. ### || [60.12-13] # وقوله عز وجل: { يأيها النبى إذا جاءك المؤمنت ~~يبايعنك... } الآية: هذه بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على ~~الصفا، وهي كانت في المعنى بيعة الرجال قبل فرض القتال. # * ت *: وخرج البخاري بسنده عن عائشة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات ~~بهذه الآية: { يأيها النبى إذا جاءك ~~المؤمنت يبايعنك } الآية. # وكذا روى البخاري من طريق ابن عباس أنه عليه السلام تلا ~~عليهن الآية يوم الفطر عقب الصلاة، ونحوه عن ~~أم عطية في البخاري: # " وقرأ عليهن الآية أيضا في ثاني يوم فتح مكة ~~" # وكلام * ع *: يوهم أن الآية نزلت في بيعة النساء ms1413 يوم الفتح، ~~وليس كذلك؛ وإنما يريد أنه أعاد الآية على من لم يبايعه من أهل ~~مكة؛ لقرب عهدهم بالإسلام، والله أعلم، والإتيان بالبهتان: قال ~~أكثر المفسرين: معناه أن تنسب إلى زوجها ولدا ليس منه، قال * ع *: ~~واللفظ أعم من هذا التخصيص. # وقوله تعالى: { ولا يعصينك فى معروف }: يعم جميع أوامر ~~الشريعة، فرضها وندبها، وفي الحديث: # " أن جماعة نسوة قلن: يا رسول الله، نبايعك ~~على كذا وكذا الآية، فلما فرغن قال صلى الله عليه وسلم: ~~فيما استطعتن وأطقتن، فقلن: الله ورسوله ~~أرحم بنا منا لأنفسنا " # وقوله تعالى: { فبايعهن } أي: أمض لهن صفقة الإيمان؛ بأن ~~يعطين ذلك من أنفسهن، ويعطين عليه الجنة، واختلف في ~~هيئة مبايعته صلى الله عليه وسلم النساء بعد الإجماع على أنه لم ~~تمس يده يد امرأة أجنبية قط؛ والمروي عن عائشة ~~وغيرها: # " أنه بايع باللسان قولا، وقال: إنما قولي ~~لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة ". # و { قوما غضب الله عليهم }: هم اليهود في قول ابن زيد ~~وغيره، ويأسهم من الآخرة: هو يأسهم من نعيمها مع التصديق بها، وقال ابن ~~عباس: { قوما غضب الله عليهم }: في هذه الآية كفار ~~قريش. # وقوله: { كما يئس الكفر من أصحب القبور }: على ~~هذا التأويل هو على ظاهره في اعتقاد الكفرة إذا مات لهم ~~حميم قالوا: هذا آخر العهد به لا يبعث أبدا. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-3] # قوله تعالى: { سبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم } قد تقدم تفسيره، واختلف ~~في السبب الذي نزلت فيه: { يأيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون } فقال ابن عباس وغيره: نزلت بسبب ~~قوم قالوا: لو علمنا أحب العمل إلى الله تعالى ~~لسارعنا إليه، ففرض الله الجهاد وأعلمهم بفضله؛ وأنه ~~يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، فكرهه قوم ~~منهم، وفروا يوم الغزو فعاتبهم الله تعالى بهذه الآية، ~~وقال قتادة والضحاك: نزلت بسبب جماعة من شباب المسلمين كانوا ~~يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا، قال * ع *: وحكم ~~هذه الآية باق غابر الدهر، وكل من ms1414 يقول ما لا يفعل فهو ~~ممقوت الكلام، والقول الأول يترجح بما يأتي [من أمر] ~~الجهاد والقتال، والمقت البغض، من أجل ذنب، أو ريبة، أو ~~دناءة يصنعها الممقوت، وقول المرء ما لا يفعل موجب مقت ~~الله تعالى، ولذلك فر كثير من العلماء عن الوعظ والتذكير ~~وآثروا السكوت، * قلت *: وهذا بحسب فقه الحال؛ إن وجد ~~الإنسان من يكفيه هذه المؤنة في وقته، فقد يسعه السكوت ~~وإلا فلا يسعه، قال الباجي في «سنن الصالحين» له: قال الأصمعي: ~~بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم وإني ~~لكثير الذنوب، ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم ~~أمر نفسه لترك الأمر بالخير، واقتصر على الشر، ~~ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس وتذكير ~~من النسيان، وقال أبو حازم: إني لأعظ الناس وما أنا بموضع للوعظ، ~~ولكن أريد به نفسي، وقال الحسن لمطرف: عظ أصحابك، فقال: ~~إني أخاف أن أقول ما لا أفعل فقال: رحمك الله؛ وأينا يفعل ~~ما يقول، ود الشيطان أنه لو ظفر منكم بهذه فلم يأمر أحد ~~منكم بمعروف، ولم ينه عن منكر، انتهى. ### || [61.4-9] # وقوله تعالى: { إن الله يحب الذين يقتلون فى ~~سبيله... } الآية، قال معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له ~~الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثم ~~مات أو قتل فإن له أجر شهيد " # ، مختصر رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واللفظ لأبي داود، ~~وقال الترمذي: هذا حديث صحيح انتهى من «السلاح»، ثم ذكر تعالى ~~مقالة موسى، وذلك ضرب مثل للمؤمنين؛ ليحذروا ما وقع فيه ~~هؤلاء من العصيان وقول الباطل. # وقوله: { لم تؤذوننى } أي: بتعنيتكم وعصيانكم ~~واقتراحاتكم، وأسند الزيغ إليهم؛ لكونه فعل حطيطة، وهذا ~~بخلاف قوله تعالى: # ثم تاب عليهم ليتوبوا # [التوبة:118] فأسند التوبة إليه سبحانه؛ لكونها فعل ~~رفعة، و«زاغ» معناه مال وصار عرفها في الميل عن الحق، و { ~~أزاغ الله قلوبهم } معناه طبع عليها وكثر ميلها عن ~~الحق؛ وهذه هي العقوبة ms1415 على الذنب بالذنب. # وقوله: { ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ~~} قال عياض في «الشفا»: سمى الله تعالى نبيه في كتابه محمدا ~~وأحمد؛ فأما اسمه أحمد، ف«أفعل» مبالغة من صفة الحمد، ~~ومحمد «مفعل» من كثرة الحمد، وسمى أمته في كتب أنبيائه ~~بالحمادين؛ ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه سبحانه وبدائع آياته؛ ~~أنه سبحانه حمى أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الذي ~~أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء؛ فمنع سبحانه أن يتسمى به أحد ~~غيره؛ حتى لا يدخل بذلك لبس على ضعيف القلب؛ وكذلك محمد أيضا ~~لم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده صلى ~~الله عليه وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد؛ فسمى قوم ~~قليل من العرب أبناءهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، وهم محمد بن ~~أحيحة الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن ~~سفيان باليمن، ويقولون: بل محمد بن اليحمد من الأزد، ومحمد بن سوادة ~~منهم؛ لا سابع لهم، ولم يدع أحد من هؤلاء النبوة أو يظهر عليه ~~سبب يشكك الناس، انتهى، وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " لا تسموا أولادكم محمدا ثم تلعنونهم " # ، رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { فلما جاءهم بالبينت... } الآية: يحتمل ~~أن يريد «عيسى» ويحتمل أن يريد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه ~~تقدم ذكره، * ت *: والأول أظهر. ### || [61.10-12] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم ~~على تجرة تنجيكم... } الآية: ندب وحض على الجهاد ~~بهذه التجارة التي بينها سبحانه، وهي أن يبذل المرء نفسه ~~وماله، ويأخذ ثمنا جنة الخلد، وقرأ ابن عامر وحده: «تنجيكم» ~~ بفتح النون وشد الجيم . # وقوله: { تؤمنون } معناه: الأمر، أي: آمنوا، قال الأخفش: ولذلك ~~جاء «يغفر» مجزوما، وفي مصحف ابن مسعود: «آمنوا بالله ~~ورسوله وجاهدوا». وقوله: { ذلكم } إشارة إلى الجهاد ~~والإيمان، و { خير } هنا يحتمل أن يكون للتفضيل، فالمعنى: من ~~كل عمل، ويحتمل أن يكون إخبارا أن هذا خير ms1416 في ذاته، { ومسكن ~~} عطف على { جنت } وطيب المساكن: سعتها وجمالها، ~~وقيل: طيبها المعرفة بدوام أمرها. ### || [61.13-14] # وقوله سبحانه: { وأخرى تحبونها... } الآية، قال الأخفش، { ~~وأخرى } هي في موضع خفض عطفا على { تجرة } ، وهذا ~~قلق، وقد رده الناس، لأن هذه الأخرى ليست مما دل عليه ~~سبحانه إنما هي مما أعطي ثمنا وجزاء على الإيمان والجهاد بالنفس ~~والمال، وقال الفراء: { وأخرى } في موضع رفع، وقيل: في ~~موضع نصب بإضمار فعل تقديره: ويدخلكم جنات ويمنحكم أخرى؛ وهي ~~النصر والفتح القريب، وقصة عيسى مع بني إسرائيل قد تقدمت. # وقوله تعالى: { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } ~~قيل ذلك قبل محمد عليه السلام وبعد فترة من رفع عيسى؛ ~~رد الله الكرة لمن آمن به فغلبوا الكافرين الذين ~~قتلوا صاحبه الذي ألقي عليه الشبه، وقيل: المعنى فأصبحوا ~~ظاهرين بالحجة. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-5] # قوله تعالى: { يسبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض } تقدم القول في مثل ألفاظ الآية، والمراد بالأميين ~~جميع العرب، واختلف في المعنيين بقوله تعالى: { وءاخرين ~~منهم } فقال أبو هريرة وغيره: أراد فارس # " وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الآخرون؟ ~~فأخذ بيد سليمان، وقال: لو كان الدين في الثريا ~~لناله رجال من هؤلاء " # خرجه مسلم والبخاري، وقال ابن زيد ومجاهد والضحاك وغيرهم: أراد ~~جميع طوائف الناس، فقوله: { منهم } على هذين القولين إنما يريد ~~في البشرية والإيمان، وقال مجاهد أيضا وغيره: أراد التابعين من أبناء ~~العرب، فقوله: { منهم } يريد في النسب والإيمان. # وقوله: { لما يلحقوا } نفي لما قرب من الحال، ~~والمعنى أنهم مزمعون أن يلحقوا، فهي «لم» زيدت عليها ~~«ما» تأكيدا. # و { الذين حملوا التوراة } هم بنو إسرائيل الأحبار ~~المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، و { حملوا } معناه كلفوا ~~القيام بأوامرها ونواهيها، فهذا كما حمل الإنسان الأمانة، وذكر ~~تعالى أنهم لم يحملوها، أي: لم يطيعوا أمرها ويقفوا عند حدودها ~~حين كذبوا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، والتوراة تنطق ~~بنبوته، فكان كل حبر لم ينتفع بما حمل كمثل حمار ~~عليه أسفار، وفي مصحف ms1417 ابن مسعود «كمثل حمار» بغير تعريف، ~~والسفر الكتاب المجتمع الأوراق منضدة. # وقوله: { بئس مثل القوم } التقدير: بئس المثل مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله، * ص *: ورد بأن فيه حدف الفاعل ولا ~~يجوز، والظاهر أن { مثل القوم } فاعل { بئس } ، و { ~~الذين كذبوا } هو المخصوص بالذم على حذف مضاف؛ أي: مثل ~~الذين كذبوا، انتهى. ### || [62.6-8] # وقوله سبحانه: { قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم... ~~} الآية، روي أنها نزلت بسبب أن يهود المدينة لما ظهر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاطبوا يهود خيبر في أمره، ~~وذكروا لهم نبوته، وقالوا إن رأيتم اتباعه أطعناكم وإن ~~رأيتم خلافه خالفناه معكم، فجاءهم جواب أهل خيبر يقولون: ~~نحن أبناء إبراهيم خليل الرحمن؛ وأبناء عزير بن الله ومنا ~~الأنبياء، ومتى كانت النبوة في العرب، نحن أحق بالنبوة من محمد، ~~ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت الآية بمعنى: أنكم إذا كنتم من الله ~~بهذه المنزلة فقربه وفراق هذه الحياة الخسيسة أحب إليكم، ~~فتمنوا الموت إن كنتم تعتقدون في أنفسكم هذه المنزلة، ثم ~~أخبر تعالى أنهم لا يتمنونه أبدا لعلمهم بسوء حالهم، وروى كثير من ~~المفسرين أن الله جلت قدرته جعل هذه الآية معجزة ~~لمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم فيهم، فهي آية باهرة؛ وأعلمه ~~أنه إن تمنى أحد منهم الموت في أيام معدودات مات وفارق الدنيا، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنوا الموت، على جهة ~~التعجيز وإظهار الآية، فما تمناه أحد منهم خوفا من الموت ~~وثقة بصدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [62.9-11] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا إذا نودى ~~للصلوة } الآية، النداء: هو الأذان، وكان على الجدار في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مصنف أبي داود: كان بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أذان، ثم زاد عثمان ~~النداء على الزوراء ليسمع الناس. # * ت *: وفي البخاري والترمذي وصححه عن السائب بن يزيد قال: كان ~~النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر؛ على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms1418 وأبي بكر وعمر، فلما تولى عثمان وكثر ~~الناس، زاد الأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت ~~الأمر على ذلك، قيل: فقوله «الثالث» يقتضي أنهم كانوا ~~ثلاثة، وفي طريق آخر «الثاني» بدل «الثالث» وهو يقتضي ~~أنهما اثنان، انتهى، وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ~~ثم أنصت للإمام حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي ~~معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، ~~وفضل ثلاثة أيام " # انتهى، وخرجه البخاري من طريق سليمان. # وقوله: { من يوم الجمعة } قال ابن هشام: «من» مرادفة «في»، ~~انتهى. # وقوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله... } الآية، السعي ~~في الآية لا يراد به الإسراع في المشي، وإنما هو بمعنى قوله: # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # [النجم:39] فالسعي هو بالنية والإرادة والعمل؛ من ~~وضوء، وغسل، ومشي، ولبس ثوب؛ كل ذلك سعي، وقد ~~قال مالك وغيره: إنما تؤتى الصلاة بالسكينة، * ت *: وهو نص ~~الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: # " فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها [و] عليكم ~~السكينة " # ، * ت *: والظاهر أن المراد بالسعي هنا المضي إلى الجمعة، ~~كما فسره الثعلبي، ويدل على ذلك إطلاق العلماء لفظ الوجوب ~~عليه، فيقولون السعي إلى الجمعة واجب، ويدل على ذلك ~~قراءة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجماعة ~~من التابعين: «فامضوا إلى ذكر الله» وقال ابن مسعود: لو ~~قرأت: { فاسعوا إلى ذكر الله } لأسرعت حتى ~~يقع ردائي، وقال العراقي: { فاسعوا } معناه بادروا، ~~انتهى، وقوله: { إلى ذكر الله } هو وعظ الخطبة؛ قاله ابن ~~المسيب، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " إذا كان يوم الجمعة، كان على كل باب من أبواب ~~المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس ~~[الإمام] طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر " # الحديث خرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، والخطبة عند ~~الجمهور شرط في انعقاد الجمعة، وعن أبي موسى الأشعري أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله ms1419 عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة ~~على هيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة، ~~أهلها محفون بها؛ كالعروس تهدى إلى كريمها، ~~تضيء لهم؛ يمشون في ضوئها؛ ألوانهم كالثلج ~~بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال ~~الكافور، ينظر إليهم الثقلان، ما يطرفون ~~تعجبا، يدخلون الجنة لا يخالطهم إلا ~~المؤذنون المحتسبون " # خرجه القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم ~~الهاشمي، قال صاحب «التذكرة»: وإسناده صحيح، انتهى. # وقوله سبحانه: { ذلكم } إشارة إلى السعي وترك البيع. # وقوله: { فانتشروا } أجمع الناس على أن مقتضى هذا الأمر ~~الإباحة، وكذلك قوله: «وابتغوا من فضل الله» أنه الإباحة في طلب ~~المعاش، مثل قوله تعالى: # وإذا حللتم فاصطدوا # [المائدة:2] إلا ما روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ذلك الفضل المبتغى هو عيادة مريض، أو صلة صديق، أو ~~اتباع جنازة " # ، قال * ع *: وفي هذا ينبغي أن يكون المرء بقية يوم الجمعة، ونحوه ~~عن جعفر بن محمد، وقال مكحول: الفضل المبتغى: العلم فينبغي أن ~~يطلب إثر الجمعة. # وقوله تعالى: { واذكروا الله كثيرا... } الآية، قال معاذ بن ~~جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله: رواه ~~الترمذي واللفظ له، وابن ماجه، والحاكم في «المستدرك»؛ وقال صحيح ~~الإسناد، انتهى من «السلاح». # وقوله سبحانه: { وإذا رأوا تجرة أو لهوا... } الآية، ~~نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما على المنبر ~~يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام تحمل ميرة، وصاحب ~~أمرها دحية بن خليفة الكلبي، قال مجاهد: وكان من عرفهم أن ~~تدخل عير المدينة بالطبل والمعازف، والصياح سرورا بها، ~~فدخلت العير بمثل ذلك، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك ~~وسماعه؛ وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، ~~ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا، قال جابر بن عبد الله: ~~أنا أحدهم، قال * ع *: ولم تمر بي تسميتهم في ديوان فيما ~~أذكر الآن، إلا أني سمعت أبي رحمه الله يقول: هم ~~العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الحادي عشر، فقيل: ~~عمار ms1420 بن ياسر، وقيل: ابن مسعود، * ت *: وفي تقييد أبي الحسن الصغير: ~~والاثنا عشر الباقون هم الصحابة العشرة، والحادي عشر: ~~بلال، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: ابن ~~مسعود، انتهى، قال السهيلي: وجاءت تسمية الاثني عشر في حديث ~~مرسل رواه أسد بن عمرو والد موسى بن أسد، وفيه أن: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان؛ حتى ~~العشرة، وقال: وبلال وابن مسعود، وفي رواية: عمار بدل ابن ~~مسعود، وفي «مراسيل أبي داود» ذكر السبب الذي من أجله ~~ترخصوا، فقال: إن الخطبة يوم الجمعة كانت بعد الصلاة ~~فتأولوا رضي الله عنهم أنهم قد قضوا ما ~~عليهم، فحولت الخطبة بعد ذلك قبل الصلاة، فهذا الحديث وإن ~~كان مرسلا فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوجب أن يكون صحيحا، والله أعلم؛ انتهى، وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " لولا هؤلاء لقد كانت الحجارة سومت على ~~المنفضين من السماء " # ، وفي حديث آخر: # " والذي نفس محمد بيده، لو تتابعتم حتى لا ~~يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا " # ، قال البخاري: { انفضوا } معناه تفرقوا، انتهى، وقرأ ابن ~~مسعود: «ومن التجارة للذين اتقوا، والله خير ~~الرازقين» وإنما أعاد الضمير في قوله: { إليها } على التجارة ~~وحدها لأنها أهم، وهي كانت سبب اللهو، * ص *: وقرىء ~~«إليهما» بالتثنية. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-3] # قوله عز وجل: { إذا جاءك المنفقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله... } الآية فضح الله سرائر المنافقين ~~بهذه الآية، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~نشهد إنك لرسول الله؛ وهم في إخبارهم هذا كاذبون؛ ~~لأن حقيقة الكذب أن يخبر الإنسان بضد ما في ~~قلبه، وهذه كانت حالهم؛ وقرأ الناس: «أيمانهم» جمع ~~يمين، وقرأ الحسن: «إيمانهم» بكسر الهمزة ، ~~والجنة: ما يتستر به في الأجرام والمعاني. # وقوله: { ذلك } إشارة إلى فعل الله بهم في فضحهم ~~وتوبيخهم، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى سوء ما عملوا، فالمعنى ~~ساء عملهم بأن كفروا بعد إيمان. ### || [63.4-6] # وقوله تعالى: { وإذا رأيتهم ms1421 تعجبك أجسمهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم } هذا توبيخ لهم؛ إذ كان منظرهم ~~يروق جمالا وقولهم يخلب بيانا؛ لكنهم كالخشب ~~المسندة؛ إذ لا أفهام لهم نافعة، وكان عبد الله بن ~~أبي ابن سلول من أبهى المنافقين، وأطولهم، ويدل على ذلك ~~أنه لم يوجد قميص يكسو العباس غير قميصه، قال الثعلبي: { ~~تعجبك أجسمهم } لاستواء خلقها وطول قامتها ~~وحسن صورتها، قال ابن عباس: وكان عبد الله بن أبي ~~جسيما صبيحا فصيحا ذلق اللسان، فإذا قال سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله ووصفهم الله تعالى بتمام الصورة ~~وحسن الإبانة، ثم شبههم بالخشب المسندة إلى الحائط، لا ~~يسمعون ولا يعقلون أشباح بلا أرواح، وأجسام ~~بلا أحلام، انتهى. # وقوله تعالى: { يحسبون كل صيحة عليهم } هذا أيضا ~~فضح لما كانوا يسرونه من الخوف وذلك أنهم ~~كانوا يتوقعون أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الله بقتلهم، قال مقاتل: فكانوا متى سمعوا نشدان ضالة، ~~أو صياحا بأي وجه، أو أخبروا بنزول وحي طارت ~~عقولهم حتى يسكن ذلك ويكون في غير شأنهم، ثم أخبر تعالى ~~بأنهم هم العدو وحذر منهم. # وقوله تعالى: { قتلهم الله } دعاء يتضمن الإقصاء ~~والمنابذة لهم، و { أنى يؤفكون } معناه كيف ~~يصرفون. # وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله... } الآية، # " سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني ~~المصطلق، فازدحم أجير لعمر بن الخطاب يقال له ~~«جهجاه» مع سنان بن وبرة الجهني، حليف ~~للأنصار، على الماء فكسع جهجاه سنانا فتشاورا، ~~ودعا جهجاه: يا للمهاجرين، ودعا سنان: يا ~~للأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما ~~بال دعوى الجاهلية؟ فلما أخبر بالقصة، قال: دعوها؛ ~~فإنها منتنة، فقال عبد الله بن أبي: أوقد فعلوها؟ ~~والله، ما مثلنا ومثل جلابيب قريش إلا كما قال ~~الأول: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم قال؛ ~~لمن معه من المنافقين: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون مع محمد ~~بسبب معونتكم لهم، ولو قطعتم ذلك عنهم؛ لفروا، ~~فسمعها منه زيد ms1422 بن أرقم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، فعاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ~~عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف ما قال ~~ذلك، وحلف معه قوم من المنافقين، وكذبوا زيدا، ~~فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم فبقي زيد في منزله لا ~~ينصرف حياء من الناس فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد وقال له: لقد صدقك ~~الله يا زيد " # ، فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي ومقته الناس ~~ولامه المؤمنون من قومه، وقال له بعضهم: امض إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك، فلوى رأسه ~~إنكارا لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت، ~~وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم ~~إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد، فهذا قصص هذه السورة موجزا، ~~وقرأ نافع والمفضل عن عاصم: «لووا» بتخفيف الواو وقرأ ~~الباقون بتشديدها. # وقوله تعالى: { سواء عليهم أستغفرت لهم... } الآية، ~~روي أنه لما نزلت # إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم # [التوبة:80] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على ~~السبعين، وفي حديث آخر: لو علمت أني لو زدت على ~~السبعين لغفر لهم لزدت، وفي هذا الحديث دليل على رفض ~~دليل الخطاب، فلما فعل ابن أبي وأصحابه ما فعلوا ~~شدد الله عليهم في هذه الآية، وأعلم أنه لن يغفر لهم ~~دون حد في الاستغفار. ### || [63.7-8] # وقوله تعالى: { هم الذين } إشارة إلى ابن أبي ومن قال ~~بقوله، ثم سفه تعالى أحلامهم في أن ظنوا أن إنفاقهم هو سبب ~~رزق المهاجرين، ونسوا أن جريان الرزق بيد الله تعالى؛ ~~إذا انسد باب انفتح غيره ثم أعلم تعالى أن العزة ~~لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي ذلك وعيد وروي أن عبد الله بن ~~عبد الله بن أبي وكان رجلا صالحا لما سمع الآية، ~~جاء إلى أبيه فقال له: أنت والله يا أبت الذليل، ورسول ~~الله العزيز، ووقف على باب السكة التي يسلكها ms1423 أبوه، ~~وجرد السيف ومنعه الدخول، وقال: والله لا دخلت ~~إلى منزلك إلا أن يأذن في ذلك رسول الله، وعبد ~~الله بن أبي في أذل حال، وبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فبعث إليه أن خله يمضي إلى ~~منزله، فقال: أما الآن، فنعم. ### || [63.9-11] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم ~~أمولكم ولا أولدكم عن ذكر الله... } الآية، ~~الإلهاء: الاشتغال بملذ وشهوة، وذكر الله هنا عام في ~~الصلوات، والتوحيد، والدعاء، وغير ذلك من مفروض، ومندوب، ~~وكذلك قوله تعالى: { وأنفقوا من ما رزقنكم } عام من ~~المفروض والمندوب؛ قاله جماعة من المفسرين، قال الشيخ أبو عبد ~~الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس»: ومن عيوبها تضييع أوقاتها ~~بالاشتغال بما لا يعني من أمور الدنيا، والخوض فيها ~~مع أهلها، ومداواتها أن يعلم أن وقته أعز الأشياء ~~فيشغله بأعز الأشياء، وهو ذكر الله، والمداومة ~~على الطاعة ومطالبة الإخلاص من نفسه؛ فإنه روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه " # وقال الحسن بن منصور: عليك بنفسك فإن لم ~~تشغلها شغلتك، انتهى. # وقوله: { لولا أخرتنى إلى أجل قريب } طلب ~~للكرة والإمهال، وسماه قريبا لأنه آت، وأيضا فإنما ~~يتمنى ذلك ليقضي فيه العمل الصالح فقط وليس يتسع الأمل ~~حينئذ لطلب العيش ونضرته. وقوله: { وأكن من الصلحين ~~} ظاهره العموم، وقال ابن عباس: هو الحج وروى الترمذي عنه أنه ~~قال: ما من رجل لا يؤدي الزكاة ولا يحج إلا ~~طلب الكرة عند موته، قال الثعلبي: قال ابن عباس: { ~~إلى أجل قريب } يريد مثل آجالنا في الدنيا، انتهى، وقرأ ~~أبو عمرو: «وأكون»، وفي قوله تعالى: { ولن يؤخر الله ~~نفسا إذا جاء أجلها } حض على المبادرة ومسابقة ~~الأجل بالعمل الصالح. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # قوله تعالى: { هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن } أي: في أصل الخلقة، وهذا يجري مع قول الملك: يا ~~رب، أشقي أم سعيد، الحديث، وذلك في بطن أمه، وقيل: ~~الآية تعديد نعم، فقوله: { هو الذى خلقكم } هذه نعمة ~~الإيجاد، ms1424 ثم قال: { فمنكم كافر } أي: بهذه النعمة؛ لجهله ~~بالله، { ومنكم مؤمن } بالله، والإيمان به شكر ~~لنعمته، فالإشارة على هذا التأويل في الإيمان والكفر، هي إلى ~~اكتساب العبد؛ وهذا قول جماعة، وقيل غير هذا. # وقوله تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق } أي: لم ~~يخلقها عبثا ولا لغير معنى. # وقوله تعالى: { فأحسن صوركم } هو تعديد نعم، والمراد ~~الصورة الظاهرة، وقيل: المراد صورة الإنسان المعنوية من حيث هو ~~إنسان مدرك عاقل، والأول أجرى على لغة العرب. ### || [64.5-10] # وقوله تعالى: { ألم يأتكم } جزم أصله «يأتيكم» والخطاب في ~~هذه الآية لقريش، ذكروا بما حل بعاد وثمود، وغيرهم ممن ~~سمعت قريش بأخبارهم، ووبال الأمر: مكروهه وما يسوء منه. # وقوله تعالى: { ذلك بأنه } إشارة إلى ذوق الوبال، وباقي ~~الآية بين. # وقوله تعالى: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } ~~يريد قريشا، ثم هي بعد تعم كل كافر بالبعث، ولا توجد ~~(زعم) مستعملة في فصيح الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول ~~انفرد به قائله. # وقوله سبحانه: { فئامنوا بالله ورسوله والنور ~~الذى أنزلنا } هذه الآية دعاء من الله، وتبليغ وتحذير من ~~يوم القيامة، والنور القرآن ومعانيه، ويوم الجمع هو يوم ~~القيامة، وهو يوم التغابن يغبن فيه المؤمنون الكافرين، ~~نحا هذا المنحى مجاهد وغيره. ### || [64.11-13] # وقوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة } يحتمل أن يريد ~~المصائب التي هي رزايا، ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير ~~وشر، والكل بإذن الله، والإذن هنا عبارة عن العلم ~~والإرادة وتمكين الوقوع. # وقوله سبحانه: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال فيه ~~المفسرون: المعنى ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء الله ~~وقدره وعلمه، هانت عليه مصيبته وسلم لأمر الله ~~تعالى. # وقوله تعالى: { فإن توليتم } إلى آخر الآية، وعيد وتبرئة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [64.14-15] # وقوله: { يأيها الذين ءامنوا إن من أزوجكم } ~~إلى آخر السورة قرآن مدني واختلف في سببه، فقال عطاء بن أبي ~~رباح: إنه نزل في عوف بن مالك الأشجعي؛ وذلك أنه ~~أراد غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمع أهله ~~وأولاده، وتشكوا ms1425 إليه فراقه، فرق لهم فثبطوه ولم ~~يغز، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم، فنزلت الآية بسببه محذرة ~~من الأزواج والأولاد وفتنتهم. ثم صرف تعالى عن معاقبتهم ~~بقوله: { وإن تعفوا وتصفحوا } وقال بعض المفسرين: سبب ~~الآية أن قوما آمنوا وثبطهم أزواجهم وأولادهم عن ~~الهجرة فلم يهاجروا إلا بعد مدة، فوجدوا غيرهم قد ~~تفقه في الدين، فندموا وهموا بمعاقبة أزواجهم وأولادهم، ~~ثم أخبر تعالى أن الأموال والأولاد فتنة تشغل المرء عن ~~مراشده، وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا ~~يحمده في آخرته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " الولد مبخلة مجبنة " # ، وخرج أبو داود حديثا في مصنفه # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ~~على المنبر حتى جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران ~~يجرانهما، يعثران ويقومان، فنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن المنبر حتى أخذهما، وصعد بهما، ثم قرأ: { ~~إنما أمولكم وأولدكم فتنة... } الآية، وقال: إني ~~رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في خطبته " # ، قال * ع *: وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء، فأما فتنة ~~الجهال الفسقة؛ فمؤدية إلى كل فعل مهلك، وفي ~~صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يقول: # " هم الأخسرون، ورب الكعبة، هم الأخسرون، ورب ~~الكعبة، قلت: ما شأني أيرى في شيئا؟ فجلست وهو ~~يقول؛ فما استطعت أن أسكت وتغشاني ما شاء الله ~~فقلت: من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: هم ~~الأكثرون مالا إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا " # وفي رواية: # " إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال ~~بالمال، هكذا وهكذا، وأشار ابن شهاب بين يديه ~~وعن يمينه وعن شماله ، وقليل ماهم " # انتهى، واللفظ للبخاري. ### || [64.16-18] # وقوله سبحانه: { فاتقوا الله ما استطعتم } تقدم ~~الخلاف هل هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران:102] أو ليست بناسخة، بل هي مبينة لها، وأن ~~المعنى: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم؛ وهذا ~~هو الصحيح، قال الثعلبي: قال الربيع بن أنس: { ما استطعتم ms1426 } أي: ~~جهدكم، وقيل: معناه: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة، فلا ~~يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد، واسمعوا ما ~~توعظون به، وأطيعوا فيما تؤمرون به، انتهى. # وقوله سبحانه: { ومن يوق شح نفسه } تقدم الكلام عليه، ~~وأسند أبو بكر بن الخطيب من طريق أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " السخاء شجرة في الجنة، وأغصانها في الدنيا، ~~فمن كان سخيا أخذ بغصن منها؛ فلم يتركه ~~الغصن حتى يدخله الجنة، والشح شجرة في النار ~~وأغصانها في الأرض، فمن كان شحيحا، أخذ بغصن ~~من أغصانها، فلم يتركه الغصن حتى يدخله ~~النار " # انتهى، وباقي الآية بين. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-3] # قوله تعالى: { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ~~أي: إذا أردتم طلاقهن؛ قاله الثعلبي وغيره: { فطلقوهن ~~لعدتهن } وطلاق النساء حل عصمتهن، وصورة ذلك ~~وتنويعه مما لا يختص بالتفسير، ومعنى { فطلقوهن ~~لعدتهن } أي: لاستقبال عدتهن، وعبارة الثعلبي: أي: ~~لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وهو طهر لم ~~يجامعها فيه، انتهى، قال * ع *: ومعنى الآية أن لا يطلق أحد ~~امرأته إلا في طهر لم يمسها فيه، وهذا على مذهب مالك ~~ومن قال بقوله؛ القائلين بأن الأقراء عندهم هي الأطهار، ~~فيطلق عندهم المطلق في طهر لم يمس فيه، وتعتد به ~~المرأة، ثم تحيض حيضتين تعتد بالطهر الذي بينهما ~~ثم تقيم في الطهر الثالث معتدة به، فإذا رأت أول ~~الحيضة الثالثة حلت، ومن قال بأن الأقراء: الحيض ~~وهم العراقيون، قال: { لعدتهن } معناه أن ~~تطلق طاهرا فتستقبل بثلاث حيض كوامل فإذا ~~رأت الطهر بعد الثالثة، حلت، والأصل في منع طلاق ~~الحائض حديث ابن عمر، ثم أمر تعالى بإحصاء العدة لما ~~يلحق ذلك من أحكام الرجعة والسكنى، والميراث، وغير ذلك، ~~وعبارة الثعلبي: { وأحصوا العدة } أي: احفظوا عدد ~~قروئها الثلاثة ونحوه تفسير ابن العربي؛ قال: قوله تعالى: { ~~وأحصوا العدة } معناه احفظوا الوقت الذي وقع ~~فيه الطلاق لما يترتب على ذلك من الأحكام، انتهى من ~~«أحكامه»، ثم أخبر تعالى بأنهن أحق بسكنى بيوتهن التي طلقن ~~فيها فنهى سبحانه عن إخراجهن وعن خروجهن، ms1427 وسنة ذلك ألا ~~تبيت عن بيتها ولا تغيب عنه نهارا إلا في ضرورة وما لا ~~خطب له من جائز التصرف، وذلك لحفظ النسب والتحرز ~~بالنساء، واختلف في معنى قوله تعالى: { إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة } فقال الحسن وغيره: ذلك الزنا فيخرجن ~~للحد، وقال ابن عباس: ذلك البذاء على الأحماء، فتخرج ~~ويسقط حقها من المسكن، وتلزم الإقامة في مسكن تتخذه ~~حفظا للنسب، وفي مصحف أبي «إلا أن يفحشن عليكم» وعبارة ~~الثعلبي: عن ابن عباس: «إلا أن تبذو على أهلها فيحل ~~لهم إخراجها»، انتهى، وهو معنى ما تقدم، وقرأ الجمهور: ~~«مبينة» بكسر الياء ، تقول بان الشيء وبين بمعنى ~~واحد إلا أن التضعيف للمبالغة، وقرأ عاصم: «مبينة» بفتح ~~الياء . # وقوله سبحانه: { وتلك حدود الله } إشارة إلى جميع أوامره ~~في هذه الآية. # وقوله تعالى: { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا } قال قتادة وغيره: يريد به الرجعة، أي: أحصوا العدة ~~وامتثلوا ما أمرتم به تجدوا المخلص إن ندمتم؛ فإنكم لا ~~تدرون لعل الرجعة تكون بعد. # وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن } يريد به آخر القروء، { ~~فأمسكوهن بمعروف } وهو حسن العشرة، { أو ~~فارقوهن بمعروف } [وهو] أداء جميع الحقوق، والوفاء ~~بالشروط حسب نازلة نازلة، وعبارة الثعلبي: { فإذا ~~بلغن أجلهن } أي: أشرفن على انقضاء عدتهن، انتهى وهو ~~حسن. # وقوله تعالى: { وأشهدوا ذوى عدل منكم } يريد: على ~~الرجعة وذلك شرط في صحة الرجعة، وتمنع المرأة ~~الزوج من نفسها حتى يشهد، وقال ابن عباس: على ~~الرجعة والطلاق معا، قال النخعي: العدل من لم تظهر منه ~~ريبة، والعدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله. # وقوله سبحانه: { وأقيموا الشهدة لله } أمر للشهود. # وقوله: { ذلكم يوعظ به } إشارة إلى إقامة الشهادة؛ وذلك أن ~~فصول الأحكام تدور على إقامة الشهادة. # وقوله سبحانه: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال بعض رواة الآثار، # " نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي؛ أسر ولده وقدر ~~عليه رزقه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره ~~بالتقوى، فلم يلبث أن ms1428 تفلت ولده وأخذ قطيع غنم للقوم ~~الذين أسروه، فسأل عوف النبي صلى الله عليه وسلم: أتطيب ~~له تلك الغنم؟ فقال: نعم، قال أبو عمر بن عبد البر: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم «أبى الله عز وجل أن ~~يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا ~~يحتسبون» " # وقال عليه السلام لابن مسعود: # " لا يكثر همك، يا عبد الله؛ ما يقدر يكن ~~وما ترزق يأتيك " # ، وعنه صلى الله عليه وسلم # " استنزلوا الرزق بالصدقة " # ، انتهى من كتابه المسمى ب«بهجة المجالس وأنس المجالس». # وقوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } هذه ~~الآيات كلها عظة لجميع الناس، ومعنى حسبه: كافيه. وقال ابن ~~مسعود: هذه أكثر الآيات حضا على التفويض لله. # وقوله تعالى: { إن الله بلغ أمره } بيان، وحض ~~على التوكل، أي: لا بد من نفوذ أمر الله؛ توكلت أيها ~~المرء أو لم تتوكل؛ قاله مسروق؛ فإن توكلت على الله ~~كفاك وتعجلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وكلك إلى ~~عجزك وتسخطك، وأمره سبحانه في الوجهين نافذ. ### || [65.4-6] # وقوله سبحانه: { واللائى يئسن من المحيض من ~~نسائكم... } الآية، «اللائي» جمع «التي» واليائسات من المحيض على ~~مراتب؛ محل بسطها كتب الفقه، وروى إسماعيل بن ~~خالد؛ أن قوما منهم أبي بن كعب وخلاد بن النعمان، ~~لما سمعوا قوله تعالى: # والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء # [البقرة:228] قالوا: يا رسول الله؛ فما عدة من لا قرء ~~لها؛ من صغر أو كبر، فنزلت هذه الآية، فقال قائل منهم: ~~فما عدة الحامل فنزلت: { وأولت الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن } وهو لفظ يعم الحوامل ~~المطلقات والمعتدات من الوفاة، والارتياب المذكور قيل: هو ~~بأمر الحمل. # وقوله سبحانه: { أسكنوهن من حيث سكنتم... } الآية، أمر ~~بإسكان المطلقات ولا خلاف في ذلك؛ في التي لم تبت وأما ~~المبتوتة؛فمالك يرى لها السكنى لمكان حفظ النسب، ولا ~~يرى لها نفقة؛ لأن النفقة بإزاء الاستمتاع، وقال ~~الثعلبي: { من حيث سكنتم } أي: في مساكنكم التي طلقتموهن ~~فيها، انتهى، والوجد السعة في المال، وأما الحامل فلا ~~خلاف في وجوب سكناها ونفقتها؛ بتت ms1429 أو لم تبت؛ ~~لأنها مبينة في الآية، وأنما اختلفوا في نفقة الحامل ~~المتوفى عنها زوجها، هل ينفق عليها من التركة، ~~أم لا، وكذلك النفقة على المرضع المطلقة واجبة، وبسط ~~ذلك في كتب الفقه. # وقوله سبحانه: { وأتمروا بينكم بمعروف } أي ليأمر ~~كل واحد صاحبه بخير، وليقبل كل أحد ما أمر به من ~~المعروف. # وقوله سبحانه: { وإن تعاسرتم } أي: تشططت المرأة في الحد ~~الذي يكون أجرة على الرضاع، فللزوج أن يسترضع بما فيه ~~رفقه إلا ألا يقبل المولود غير أمه، فتجبر هي ~~حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج في حالهما وغناهما. # * ت *: وهذا كله في المطلقة البائن، قال ابن عبد السلام من أصحابنا: ~~الضمير في قوله تعالى: { أفإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن } عائد على المطلقات وكذلك قوله تعالى: # والولدت يرضعن أولدهن # [البقرة:233] وأما ذات الزوج أو الرجعية، فيجب عليها أن ~~ترضع من غير أجر إلا أن تكون شريفة فلا يلزمها ذلك، انتهى. ### || [65.7-11] # وقوله سبحانه: { لينفق ذو سعة من سعته... } الآية، عدل ~~بين الأزواج لئلا تضيع هي ولا يكلف هو ما لا يطيق، ثم ~~رجى تعالى باليسر تسهيلا على النفوس وتطييبا لها. # وقوله سبحانه: { وكأين } الثعلبي: وكأين: أي: وكم من قرية، ~~{ عتت } أي: عصت. # وقوله: { فحاسبنها } قال * ع *: قال بعض المتأولين: الآية في ~~أحوال الآخرة، أي: ثم هو الحساب والتعذيب والذوق وخسار ~~العاقبة، وقال آخرون: ذلك في الدنيا، ومعنى { فحاسبنها ~~حسابا شديدا } أي: لم تغتفر لهم زلة، بل أخذت ~~بالدقائق من الذنوب، ثم ندب تعالى أولي الألباب إلى التقوى تحذيرا. # وقوله تعالى: { قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا } ~~اختلف في تقديره، وأبين الأقوال فيه معنى أن يكون الذكر ~~القرآن، والرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، والمعنى وأرسل ~~رسولا لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول؛ ونحا هذا ~~المنحى السدي، وسائر الآية بين. ### || [65.12] # وقوله سبحانه: { الله الذى خلق سبع سموات ومن ~~الأرض مثلهن } لا خلاف بين العلماء أن السموات سبع وأما ~~الأرض فالجمهور: على أنها سبع أرضين، وهو ظاهر هذه الآية، ms1430 ~~وإنما المماثلة في العدد، ويبينه قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح: # " من غصب شبرا من أرض طوقه الله من سبع أرضين ~~" # ، إلى غير هذا مما وردت به الروايات، وروي عن قوم من العلماء ~~أنهم قالوا: الأرض واحدة وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ~~ارتفاع جرمها، وفي أن فيها عالما يعبد الله كما في كل ~~سماء عالم يعبد الله. # وقوله سبحانه: { يتنزل الأمر بينهن } الأمر هنا يعم ~~الوحي وجميع ما يأمر به سبحانه من تصريف الرياح، والسحاب، وغير ~~ذلك من عجائب صنعه؛ لا إله غيره، وباقي السورة وعظ وحض على ~~توحيد الله عز وجل . # وقوله: { على كل شىء قدير } عموم معناه الخصوص في ~~المقدورات. # وقوله: { بكل شىء علما } عموم على إطلاقه. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # قوله تعالى: { يأيها النبى لم تحرم ما أحل ~~الله لك... } الآية، وفي الحديث من طرق ما معناه؛ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت حفصة، فوجدها قد مرت ~~لزيارة أبيها، فدعا صلى الله عليه وسلم جاريته مارية، ~~فقال معها، فجاءت حفصة وقالت: يا نبي الله! أفي ~~بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: مترضيا ~~لها: «أيرضيك أن أحرمها؟ قالت: نعم؛ فقال: إني قد ~~حرمتها»، قال ابن عباس: وقال مع ذلك: والله، لا أطؤها ~~أبدا، ثم قال لها: لا تخبري بهذا أحدا، ثم إن حفصة ~~قرعت الجدار الذي بينها وبين عائشة، ~~وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم تر في إفشائه ~~إليها حرجا، واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى ~~نبيه، ونزلت الآية، وفي حديث آخر عن عائشة أن هذا ~~التحريم المذكور في الآية؛ إنما هو بسبب العسل الذي ~~شربه صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش، فتمالأت ~~عائشة وحفصة وسودة على أن تقول له؛ من دنا منها: إنا ~~نجد منك ريح مغافير، أأكلت مغافير يا رسول ~~الله؟ والمغافير: صمغ العرفط، وهو حلو كريه ~~الرائحة، ففعلن ذلك، فقال رسول الله: ما أكلت ~~مغافير، ولكني شربت عسلا، فقلن له: جرست نحله ~~العرفط؟ فقال: صلى الله عليه ms1431 وسلم لا أشربه أبدا، وكان ~~يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب ~~فقالت: ألا أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: لا حاجة لي ~~به، قالت عائشة: تقول سودة حين بلغنا امتناعه: ~~والله، لقد حرمناه، فقلت لها: اسكتي، قال * ع *: ~~والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح، وعليه ~~تفقه الناس في الآية، ومتى حرم الرجل مالا أو جارية ~~فليس تحريمه بشيء، * ت *: والحديث الثاني هو الصحيح خرجه ~~البخاري ومسلم وغيرهما، ودعا الله تعالى نبيه باسم النبوة ~~الذي هو دال على شرف منزلته وفضيلته التي خصه بها، ~~وقرره تعالى كالمعاتب له على تحريمه على نفسه ما أحل الله ~~له، ثم غفر له تعالى ما عاتبه فيه ورحمه. # وقوله تعالى: { قد فرض الله } أي: بين وأثبت، فقال قوم من ~~أهل العلم: هذه إشارة إلى تكفير التحريم، وقال آخرون هي: ~~إشارة إلى تكفير اليمين المقترنة بالتحريم، والتحلة ~~مصدر وزنها «تفعلة» وأدغم لاجتماع المثلين، وأحال في ~~هذه الآية على الآية التي فسر فيها الإطعام في كفارة اليمين ~~بالله تعالى، والمولى الموالي الناصر. # { وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه } يعني حفصة ~~{ حديثا } قال الجمهور الحديث هو قوله في أمر مارية، وقال ~~آخرون: بل هو قوله: إنما شربت عسلا. # وقوله تعالى: { عرف بعضه } المعنى مع شد الراء: ~~أعلم به وأنب عليه وأعرض عن بعض، أي: تكرما وحياء ~~وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط، والمخاطبة بقوله: { ~~إن تتوبا إلى الله } هي لحفصة وعائشة، وفي حديث البخاري، ~~وغيره عن ابن عباس قال: قلت لعمر: من اللتان تظاهرتا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفصة وعائشة. # وقوله: { صغت قلوبكما } معناه مالت، والصغي الميل، ومنه ~~أصغى إليه بأذنه، وأصغى الإناء، وفي قراءة ابن مسعود: «فقد ~~زاغت قلوبكما» والزيغ: الميل وعرفه في خلاف الحق، ~~وجمع القلوب من حيث الاثنان جمع، * ص *: { قلوبكما } ~~القياس فيه: قلباكما مثنى، والجمع أكثر استعمالا وحسنه ~~إضافته إلى مثنى، وهو ضميرهما؛ لأنهم كرهوا اجتماع ~~تثنيتين، انتهى، ومعنى الآية إن ms1432 تبتما فقد كان منكما ~~ما ينبغي أن يتاب منه، وهذا الجواب الذي للشرط هو متقدم ~~في المعنى، وإنما ترتب جوابا في اللفظ، { وإن تظاهرا } ~~معناه: تتعاونا وأصل: { تظاهرا } تتظاهرا، و { مولاه } ~~أي: ناصره، { وجبريل } وما بعده يحتمل أن يكون عطفا على ~~اسم الله، ويحتمل أن يكون جبريل رفعا بالابتداء وما ~~بعده عطف عليه و { ظهير } هو الخبر، وخرج البخاري ~~بسنده عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الغيرة عليه فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية، انتهى، و { قنتت ~~} معناه مطيعات، والسائحات قيل: معناه: صائمات، وقيل: معناه: ~~مهاجرات، وقيل: معناه ذاهبات في طاعة الله، وشبه ~~الصائم بالسائح من حيث ينهمل السائح ولا ينظر في زاد ~~ولا مطعم، وكذلك الصائم يمسك عن ذلك، فيستوي هو والسائح في ~~الامتناع، وشظف العيش لفقد الطعام. ### || [66.6-9] # وقوله سبحانه: { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا... } الآية، { قوا } معناه اجعلوا وقاية ~~بينكم وبين النار، وقوله: { وأهليكم } معناه بالوصية لهم ~~والتقويم والحمل على طاعة الله، وفي الحديث: # " رحم الله رجلا قال: يا أهلاه صلاتكم، صيامكم، ~~[زكاتكم]، مسكينكم، يتيمكم " # * ت *: وفي «العتبية» عن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله أذن لي أن أتحدث عن ملك من ~~الملائكة، إن ما بين شحمة أذنه وعاتقه ~~لمخفق الطير سبعين عاما " # ، انتهى، وباقي الآية في غاية الوضوح، نجانا الله من ~~عذابه بفضله، والتوبة فرض على كل مسلم، وهي الندم على ~~فارط المعصية، والعزم على ترك مثلها في المستقبل، هذا من ~~المتمكن، وأما غير المتمكن كالمجبوب في الزنا فالندم وحده ~~يكفيه، والتوبة عبادة كالصلاة، وغيرها، فإذا تاب العبد ~~وحصلت توبته بشروطها وقبلت، ثم عاود الذنب فتوبته الأولى لا ~~تفسدها عودة بل هي كسائر ما تحصل من العبادات، والنصوح ~~بناء مبالغة من النصح، أي: توبة نصحت صاحبها، وأرشدته، ~~وعن عمر: التوبة النصوح: هي أن يتوب ثم لا يعود ولا يريد أن يعود، ~~وقال أبو بكر الوراق، ms1433 هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت ~~كتوبة الذين خلفوا. # " وروي في معنى قوله تعالى: «يوم لا يخزي الله النبي» أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم تضرع مرة إلى الله عز وجل ~~في أمر أمته، فأوحى الله إليه إن شئت جعلت ~~حسابهم إليك، فقال: يا رب، أنت أرحم بهم، ~~فقال الله تعالى: إذن لا أخزيك فيهم ". # وقوله تعالى: { والذين ءامنوا معه } يحتمل: أن ~~يكون معطوفا على النبي فيخرج المؤمنون من الخزي، ويحتمل: أن ~~يكون مبتدأ، و { نورهم يسعى }: جملة هي خبره، وقولهم: { ~~أتمم لنا نورنا } قال الحسن بن أبي الحسن: هو عندما ~~يرون من انطفاء نور المنافقين حسبما تقدم تفسيره، وقيل: ~~يقوله من أعطي من النور بقدر ما يرى موضع قدميه فقط، وباقي الآية ~~بين مما تقدم في غير هذا الموضع. ### || [66.10-12] # وقوله سبحانه: { ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأت نوح... } الآية، هذان المثلان اللذان للكفار ~~والمؤمنين معناهما: أن من كفر لا يغني عنه من الله شيء ~~ولا ينفعه سبب، وإن من آمن لا يدفعه عن رضوان الله ~~دافع ولو كان في أسوأ منشأ وأخس حال، وقول من قال: إن في ~~المثلين عبرة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعيد. قال ابن ~~عباس وغيره: «خانتاهما»: أي في الكفر، وفي أن امرأة نوح كانت ~~تقول للناس: إنه مجنون وأن امرأة لوط كانت تنم إلى قومها ~~خبر أضيافه، قال ابن عباس: وما بغت زوجة نبي قط، ~~وامرأة فرعون اسمها آسية، وقولها: { وعمله } تعني كفره وما ~~هو عليه من الضلالة. # وقوله: { التى أحصنت فرجها } الجمهور أنه فرج ~~الدرع، وقال قوم: هو الفرج الجارحة وإحصانه صونه. # وقوله سبحانه: { فنفخنا فيه } عبارة عن فعل جبريل، * ت *: ~~وقد عكس رحمه الله نقل ما نسبه للجمهور في سورة ~~الأنبياء فقال: المعنى واذكر التي أحصنت فرجها وهو ~~الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، انظر بقية الكلام هناك. # وقوله سبحانه: { من روحنا } إضافة مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى ~~مالك، كما تقول بيت الله، وناقة الله، وكذلك الروح ~~الجنس كله هو ms1434 روح الله، وقرأ الجمهور: { وصدقت بكلمت ~~ربها } بالجمع فيقوي أن يريد التوراة، ويحتمل أن يريد ~~أمر عيسى، وقرأ الجحدري: «بكلمة» فيقوي أن يريد أمر ~~عيسى، ويحتمل أن يريد التوراة، فتكون الكلمة اسم جنس، وقرأ نافع ~~وغيره: «وكتابه» وقرأ أبو عمرو وغيره: «وكتبه» بضم التاء ~~ والجمع، وذلك كله مراد به التوراة والإنجيل، قال ~~الثعلبي: واختار أبو حاتم قراءة أبي عمرو بالجمع لعمومها، واختار ~~أبو عبيدة قراءة الإفراد؛ لأن الكتاب يراد به الجنس، انتهى؛ ~~وهو حسن، { وكانت من القنتين } أي: من القوم القانتين؛ ~~وهم المطيعون العابدون، وقد تقدم بيانه. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1] # قوله تعالى: { تبارك الذى بيده الملك } { تبرك } ~~من البركة وهي التزيد في الخيرات، قال الثعلبي: { تبارك ~~الذى بيده الملك } أي: تعالى وتعاظم وقال الحسن: ~~تقدس الذي بيده الملك في الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: { ~~بيده الملك }: يعز من يشاء ويذل من يشاء. انتهى. ### || [67.2-5] # وقوله سبحانه: { الذى خلق الموت والحيوة... } الآية، ~~الموت والحياة معنيان يتعاقبان جسم الحيوان، يرتفع ~~أحدهما بحلول الآخر، وما جاء في الحديث الصحيح من قوله عليه ~~الصلاة والسلام : # " يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح ~~فيذبح على الصراط " # الحديث، فقال أهل العلم: إنما ذلك تمثال كبش يوقع ~~الله العلم الضروري لأهل الدارين أنه الموت الذي ~~ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملا للموت، لا على أنه ~~يحل الموت فيه فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله تعالى في ~~ذلك التمثال إعدام الموت. # وقوله سبحانه: { ليبلوكم } أي: جعل لكم هاتين الحالتين ~~ليبلوكم، أي: ليختبركم في حال الحياة ويجازيكم بعد الممات، ~~وقال أبو قتادة، ونحوه عن ابن عمر، # " قلت: يا رسول الله، ما معنى قوله تعالى: { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا }؟ فقال: يقول: أيكم أحسن عقلا، ~~وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم في أمره ونهيه نظرا، وإن ~~كانوا أقلكم تطوعا " # ، وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن: { أيكم أحسن عملا } ~~أزهدكم في الدنيا، قال القرطبي: وقال السدي: (أحسنكم عملا)، ~~أي: أكثركم للموت ذكرا، وله أحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا ~~وحذرا، انتهى من ms1435 «التذكرة»، ولله در القائل: [الطويل] # وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى # عن الشغل باللذات للمرء زاجر # أبعد اقتراب الأربعين تربص # وشيب فذاك منذر لك ذاعر # فكم في بطون الأرض بعد ظهورها # محاسنهم فيها بوال دواثر # وأنت على الدنيا مكب منافس # لخطابها فيها حريص مكاثر # على خطر تمسي وتصبح لاهيا # أتدري بماذا لو عقلت تخاطر # وإن امرأ يسعى لدنياه جاهدا # ويذهل عن أخراه لا شك خاسر # كأنك مغتر بما أنت صائر # لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر # فجد ولا تغفل فعيشك زائل # وأنت إلى دار المنية صائر # ولا تطلب الدنيا فإن طلابها # وإن نلت منها ثروة لك ضائر # وكيف يلذ العيش من هو موقن # بموقف عدل يوم تبلى السرائر # لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت # لعزة ذي العرش الملوك الجبابر # انتهى،، و { طباقا } قال الزجاج: هو مصدر، وقيل: جمع ~~طبقة، أو جمع طبق، والمعنى: بعضها فوق بعض، وقال إبان بن ~~ثعلب: سمعت أعرابيا يذم رجلا فقال: شره طباق وخيره ~~غير باق، وما ذكره بعض المفسرين في السموات من أن بعضها من ~~ذهب وفضة وياقوت ونحو هذا، ضعيف لم يثبت بذلك حديث. # وقوله سبحانه: { ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت } ~~معناه من قلة تناسب، ومن خروج عن إتقان، قال بعض العلماء: ~~خلق الرحمن، معني به السموات وإياها أراد بقوله: { هل ~~ترى من فطور } وبقوله: { ينقلب إليك البصر... } الآية، ~~وقال آخرون: بل يعني به جميع ما خلق سبحانه من الأشياء فإنها ~~لا تفاوت فيها، ولا فطور جارية على غير إتقان، قال منذر بن ~~سعيد: أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها، ثم أمر ~~بتكرير النظر، وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر ليرى ~~فيها خللا أو نقصا فإن بصره ينقلب خاسئا حسيرا، ورجع ~~البصر: ترديده في الشيء المبصر، و { كرتين } معناه مرتين، ~~والخاسىء المبعد عن شيء أراده، وحرص عليه، ومنه قوله تعالى: # اخسئوا فيها # [المؤمنون:108] وكذلك البصر يحرص على رؤية فطور أو تفاوت، فلا ~~يجد ذلك، فينقلب خاسئا، والحسير العيي الكال. # وقوله تعالى: { بمصبيح } يعني: ms1436 النجوم، قال الفخر: ومعنى { ~~السماء الدنيا } أي: القريبة من الناس، وليس في هذه الآية ~~ما يدل على أن الكواكب مركوزة في السماء الدنيا، وذلك لأن ~~السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في السماء ~~الدنيا، أو كانت في سموات أخرى فوقها، فهي لا بد أن تظهر في ~~السماء الدنيا، وتلوح فيها، فعلى كلا التقديرين ~~فالسماء الدنيا مزينة بها، انتهى. # وقوله: { وجعلنها } معناه وجعلنا منها ويوجب هذا ~~التأويل في الآية أن الكواكب الثابتة، والبروج، وكل ما ~~يهتدى به في البر والبحر؛ ليست براجمة، وهذا نص في حديث ~~السير قال الثعلبي: { رجوما للشيطين } يرجمون بها إذا ~~استرقوا السمع فلا تخطئهم، فمنهم من يقتل ومنهم من ~~يخبل، انتهى. ### || [67.6-11] # وقوله تعالى: { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم } ~~قال * ع *: تضمنت الآية أن عذاب جهنم للكفار المخلدين، وقد ~~جاء في الأثر: أنه يمر على جهنم زمان تخفق أبوابها، قد ~~أخلتها الشفاعة، والذي يقال في هذا أن جهنم اسم تختص به ~~الطبقة العليا من النار، ثم قد تسمى الطبقات كلها باسم ~~بعضها، فالتي في الأثر هي الطبقة العليا لأنها مقر ~~العصاة من المؤمنين، والتي في هذه الآية هي جهنم بأسرها، أي: ~~جميع الطبقات، والشهيق أقبح ما يكون من صوت الحمار، ~~فاشتعال النار وغليانها يصوت مثل ذلك. # وقوله: { تكاد تميز } أي يزايل بعضها بعضا لشدة ~~الاضطراب، و { من الغيظ } معناه: على الكفرة بالله، ~~والفوج: الفريق من الناس، وظاهر الآية أنه لا يلقى في جهنم ~~أحد إلا سئل على جهة التوبيخ. # وقوله سبحانه: { إن أنتم إلا فى ضلل كبير } يحتمل أن ~~يكون من قول الملائكة، ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفار ~~للنذر، قال الفخر: وقوله تعالى عنهم: { لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا فى أصحب السعير } إنما جمعوا بين ~~السمع والعقل؛ [لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل]، ~~انتهى. ### || [67.12-20] # وقوله سبحانه: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~يحتمل معنيين: أحدهما بالغيب الذي أخبروا به من النشر ~~والحشر والجنة والنار، فآمنوا بذلك وخشوا ربهم فيه؛ ونحا إلى ms1437 هذا ~~قتادة، والمعنى الثاني: أنهم يخشون ربهم إذا غابوا عن أعين ~~الناس، أي: في خلواتهم في صلاتهم وعباداتهم. # وقوله تعالى: { وأسروا قولكم... } الآية، خطاب لجميع ~~الخلق، و { ذلولا } بمعنى مذلولة، و { مناكبها } قال ~~مجاهد: هي الطرق والفجاج، وقال البخاري: { مناكبها }: ~~جوانبها، قال الغزالي رحمه الله : جعل الله سبحانه ~~الأرض ذلولا لعباده لا ليستقروا في مناكبها، بل ~~ليتخذوها منزلا فيتزودون منها محترزين من ~~مصائدها ومعاطبها، ويتحققون أن العمر يسير بهم سير ~~السفينة براكبها، فالناس في هذا العالم سفر وأول ~~منازلهم المهد، وآخرها اللحد، والوطن هو الجنة أو النار، ~~والعمر مساقة السفر، فسنوه مراحله، وشهوره ~~فراسخه، وأيامه أمياله، وأنفاسه خطواته، وطاعته ~~بضاعته، وأوقاته رؤوس أمواله، وشهواته وأغراضه قطاع طريقه، ~~وربحه الفوز بلقاء الله عز وجل في دار السلام مع الملك ~~الكبير والنعيم المقيم، وخسرانه البعد من الله عز وجل ~~ مع الأنكال والأغلال والعذاب الأليم في دركات الجحيم، ~~فالغافل عن نفس واحد من أنفاسه، حتى ينقضي في غير طاعة ~~تقربه إلى الله تعالى زلفى متعرض في يوم التغابن ~~لغبينة وحسرة ما لها منتهى، ولهذا الخطر العظيم ~~والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد، وودعوا ~~بالكلية ملاذ النفس، واغتنموا بقايا العمر، فعمروها ~~بالطاعات، بحسب تكرر الأوقات، انتهى، قال الشيخ أبو مدين ~~ رحمه الله : عمرك نفس واحد فاحرص [أن يكون] ~~لك لا عليك، انتهى، والله الموفق بفضله، و { النشور }: ~~الحياة بعد الموت، و { تمور } معناه: تذهب وتجيء، كما ~~يذهب التراب الموار في الريح، والحاصب البرد وما جرى ~~مجراه، والنكير مصدر بمعنى الإنكار، والنذير كذلك ~~ومنه قول حسان بن ثابت: [الوافر] # فأنذر مثلها نصحا قريشا # من الرحمن إن قبلت نذيري # ثم أحال سبحانه على العبرة في أمر الطير وما أحكم من ~~خلقتها، وذلك بين عجز الأصنام والأوثان عنه، و { صافت ~~} جمع صافة، وهي التي تبسط جناحها وتصفه، وقبض ~~الجناح ضمه إلى الجنب، وهاتان حالتان للطائر يستريح من ~~إحداهما إلى الأخرى. ### || [67.21-24] # وقوله سبحانه: { أمن هذا الذى يرزقكم إن أمسك ~~رزقه } هذا أيضا توقيف على أمر لا ms1438 مدخل للأصنام فيه. # وقوله سبحانه: { أفمن يمشى مكبا على وجهه } قال ابن ~~عباس والضحاك ومجاهد: نزلت مثلا للمؤمنين والكافرين؛ على العموم، ~~وقال قتادة: نزلت مخبرة عن حال القيامة، وأن الكفار ~~يمشون على وجوههم، والمؤمنين يمشون على استقامة، كما جاء في ~~الحديث، ويقال: أكب الرجل إذا در وجهه إلى الأرض، ~~وكبه غيره، قال عليه الصلاة والسلام : # " وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا ~~حصائد ألسنتهم " # فهذا الفعل على خلاف القاعدة المعلومة؛ لأن «أفعل» ~~هنا لا يتعدى، و«فعل» يتعدى، ونظيره قشعت الريح ~~السحاب فانقشع، وقال * ص *: { مكبا } حال وهو من أكب ~~غير متعد، وكب متعد، قال تعالى: # فكبت وجوههم فى النار # [النمل:90] والهمزة فيه للدخول في الشيء، أو للصيرورة، ومطاوع ~~كب: انكب، تقول كببته فانكب، قال بعض الناس: ولا ~~شيء من بناء «أفعل» مطاوعا، انتهى، و { أهدى } في هذه الآية ~~أفعل تفضيل من الهدى. ### || [67.25-30] # وقوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } يريدون أمر ~~القيامة والعذاب المتوعد به، ثم أمر سبحانه نبيه عليه السلام ~~ أن يخبرهم بأن علم القيامة والوعد الصدق مما تفرد الله ~~ سبحانه بعلمه. # وقوله سبحانه: { فلما رأوه } الضمير للعذاب الذي تضمنه ~~الوعد، وهذه حكاية حال تأتي، والمعنى: فإذا رأوه. # و { زلفة } معناه قريبا، قال الحسن: عيانا. # و { سيئت وجوه الذين كفروا } معناه: ظهر فيها السوء. # و { تدعون } معناه: تتداعون أمره بينكم، وقال الحسن: تدعون ~~أنه لا جنة ولا نار، وروي في تأويل قوله تعالى: { قل ~~أرءيتم إن أهلكنى الله ومن معى... } الآية، ~~أنهم كانوا يدعون على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهلاك، ~~فقال الله تعالى لنبيه: قل لهم: أرأيتم إن أهلكني الله ~~ومن معي أو رحمنا، فمن يجيركم من العذاب الذي يوجبه ~~كفركم؟، ثم وقفهم سبحانه على مياههم التي يعيشون منها، إن ~~غارت، أي: ذهبت في الأرض، من يجيئهم بماء كثير كاف؟ * ص ~~*: والغور: مصدر بمعنى الغائر، انتهى، والمعين: فعيل من ~~معن الماء إذا كثر، وقال ابن عباس: معين عذب. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-7] # قوله عز وجل: { ن ms1439 والقلم وما يسطرون } { ن } حرف مقطع ~~في قول الجمهور، فيدخله من الاختلاف ما يدخل أوائل السور، ~~ويختص هذا الموضع من الأقوال، بأن قال مجاهد وابن عباس: { ن ~~} اسم الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع فيما ~~يروى، وقال ابن عباس أيضا وغيره: { ن } اسم الدواة، فمن ~~قال بأنه اسم الحوت جعل [القلم] القلم الذي خلقه الله ~~وأمره بكتب الكائنات، وجعل الضمير في { يسطرون } ~~للملائكة، ومن قال بأن { ن } اسم للدواة جعل القلم ~~هذا القلم المتعارف بأيدي الناس؛ نص على ذلك ابن عباس ~~وجعل الضمير في { يسطرون } للناس فجاء القسم على هذا ~~بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف، وأمور ~~الدنيا، والآخرة، فإن القلم أخو اللسان، وعضد الإنسان، ~~ومطية الفطنة، ونعمة من الله عامة، وروى معاوية ~~بن قرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " { ن } لوح من نور ". # وقال ابن عباس أيضا وغيره: { ن } هو حرف من حروف الرحمن، ~~وقالوا إنه تقطع في القرآن { الر } و { حم } و { ن } ، و { ~~يسطرون }: معناه: يكتبون سطورا، فإن أراد الملائكة فهو ~~كتب الأعمال وما يؤمرون به، وإن أراد بني آدم؛ فهي ~~الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: روى الوليد بن مسلم عن مالك عن سمي مولى أبي ~~بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي ~~الدواة، وذلك قوله: { ن والقلم } ثم قال له: اكتب؛ ~~قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، قال: ثم ختم العمل، فلم ينطق ولا ~~ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، فقال ~~الجبار: ما خلقت خلقا أعجب إلي منك، وعزتي ~~لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك فيمن ~~أبغضت، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم ~~بطاعته " # انتهى، * ت *: وهذا الحديث هو الذي يعول عليه في تفسير الآية، ~~لصحته، والله سبحانه أعلم. # وقوله تعالى: { ما أنت بنعمة ms1440 ربك بمجنون } هو جواب ~~القسم، و { ما } هنا عاملة لها اسم وخبر، وكذلك هي متى ~~دخلت الباء في الخبر، وقوله: { بنعمة ربك } ~~اعتراض، كما تقول لإنسان: أنت بحمد الله فاضل، وسبب ~~الآية هو ما كان من قريش في رميهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجنون، فنفى الله تعالى ذلك عنه، وأخبره بأن له الأجر، ~~وأنه على الخلق العظيم تشريفا له، ومدحا واختلف في معنى ~~{ ممنون } فقال أكثر المفسرين: هو الواهن المنقطع، ~~يقال: حبل منين أي: ضعيف، وقال آخرون: معناه: غير ممنون ~~عليك، أي: لا يكدره من به، وفي الصحيح: سئلت عائشة ~~ رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: «كان خلقه القرآن»، وقال الجنيد: سمي خلقه ~~عظيما؛ إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى؛ عاشر الخلق ~~بخلقه، وزايلهم بقلبه فكان ظاهره مع الخلق، وباطنه مع ~~الحق، وفي وصية بعض الحكماء: عليك بالخلق مع الخلق، ~~وبالصدق مع الحق، وحسن الخلق خير كله، وقال عليه السلام ~~: # " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم ~~الليل، صائم النهار " # وجاء في حسن الخلق آثار كثيرة منعنا من جلبها ~~خشية الإطالة، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدخل الناس ~~الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل عن ~~أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: الفم والفرج " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب، انتهى، وروى الترمذي ~~عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة ~~من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذي " # ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، انتهى، قال أبو عمر في ~~«التمهيد»: قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } قال المفسرون: كان خلقه ما ~~قال الله سبحانه: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين # [الأعراف:199] انتهى. # وقوله تعالى: { فستبصر } أي: أنت وأمتك، { ويبصرون ~~} أي: هم، { بأييكم المفتون } قال الأخفش: والعامل في ~~الجملة المستفهم ms1441 عنها الإبصار، وأما الباء فقال أبو عبيدة ~~معمر وقتادة: هي زائدة والمعنى: أيكم المفتون، قال الثعلبي: ~~المفتون المجنون الذي فتنه الشيطان، انتهى. ### || [68.8-11] # وقوله تعالى: { فلا تطع المكذبين } يعني: قريشا، وذلك أنهم ~~قالوا في بعض الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت ~~آلهتنا وعظمتها لعبدنا إلهك وعظمناه، وودوا أن ~~يداهنهم النبي صلى الله عليه وسلم ويميل إلى ما قالوا، فيميلوا ~~هم أيضا إلى قوله ودينه، والإدهان الملاينة فيما لا ~~يحل، والمداراة الملاينة فيما يحل. # وقوله: { فيدهنون } معطوف وليس بجواب، لأنه لو كان ~~لنصب، والحلاف المردد لحلفه الذي قد كثر منه، والمهين ~~الضعيف الرأي، والعقل؛ قاله مجاهد، وقال ابن عباس: المهين ~~الكذاب، والهماز الذي يقع في الناس بلسانه، قال منذر بن ~~سعيد: وبعينه وإشارته، والنميم مصدر كالنميمة، وهو ~~نقل ما يسمع مما يسوء ويحرش النفوس، قال أبو عمر بن عبد ~~البر في كتابه المسمى ب«بهجة المجالس» قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كف عن أعراض المسلمين لسانه؛ أقاله الله ~~يوم القيامة عثرته " # ، وقال عليه الصلاة والسلام : # " شراركم أيها الناس المشاؤون بالنميمة، ~~المفرقون بين الأحبة، الباغون لأهل البر ~~العثرات " # انتهى، وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يدخل الجنة قتات " # ، وهو النمام، وذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه ~~الأوصاف هي أجناس لم يرد بها رجل بعينه، وقالت طائفة: بل ~~نزلت في معين، واختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو الوليد بن المغيرة، ~~وقيل هو: الأخنس بن شريق، ويؤيد ذلك أنه كانت له زنمة في ~~حلقه كزنمة الشاة، وأيضا فكان من ثقيف ملصقا في ~~قريش، وقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو الأسود بن عبد يغوث، قال * ~~ع *: وظاهر اللفظ عموم من اتصف بهذه الصفات، والمخاطبة بهذا ~~المعنى مستمرة باقي الزمان، لا سيما لولاة الأمور. ### || [68.12-15] # وقوله تعالى: { مناع للخير } قال كثير من المفسرين: ~~الخير هنا المال فوصفه بالشح، وقال آخرون: بل هو على ~~عمومه في الأموال والأعمال الصالحات، والمعتدي المتجاوز ~~لحدود الأشياء، والأثيم فعيل من الإثم، والعتل: القوي ~~البنية، ms1442 الغليظ الأعضاء، القاسي القلب، البعيد الفهم، ~~الأكول الشروب، الذي هو بالليل جيفة وبالنهار حمار، ~~وكل ما عبر به المفسرون عنه من خلال النقص، فعن هذه التي ~~ذكرت تصدر، وقد ذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ~~العتل بنحو هذا، وهذه الصفات كثيرة التلازم، والزنيم في ~~كلام العرب: الملصق في القوم وليس منهم؛ ومنه قول حسان: ~~[الطويل] # وأنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # فقال كثير من المفسرين: هو الأخنس بن شريق، وقال ابن عباس: ~~أراد بالزنيم؛ أن له زنمة في عنقه، وكان الأخنس بهذه ~~الصفة، وقيل: الزنيم: المريب القبيح الأفعال. ### || [68.16-32] # وقوله: { سنسمه على الخرطوم } معناه: على الأنف. قال ~~ابن عباس: هو الضرب بالسيف في وجهه وعلى أنفه، ~~وقد حل ذلك به يوم بدر، وقيل: ذلك الوسم هو في الآخرة، ~~وقال قتادة وغيره: معناه سنفعل به في الدنيا من الذم له ~~والمقت والاشتهار بالشر، ما يبقى فيه ولا يخفى به، ~~فيكون ذلك كالوسم على الأنف. # وقوله سبحانه: { إنا بلونهم } يريد: قريشا، أي: ~~امتحناهم، و { أصحب الجنة } فيما ذكر كانوا إخوة، ~~وكان لأبيهم جنة وحرث يغتله، فكان يمسك منه قوته، ~~ويتصدق على المساكين بباقيه، وقيل: بل كان يحمل ~~المساكين معه في وقت حصاده وجذه فيجديهم منه، فمات ~~الشيخ، فقال ولده: نحن جماعة وفعل أبينا كان خطأ ~~فلنذهب إلى جنتنا، ولا يدخلنها علينا مسكين، ولا ~~نعطي منها شيئا، قال: فبيتوا أمرهم وعزمهم، فبعث ~~الله عليها طائفا من نار أو غير ذلك، فاحترقت، فقيل: ~~فأصبحت سوداء، وقيل: بيضاء كالزرع اليابس المحصود، ~~فلما أصبحوا إلى جنتهم؛ لم يروها فحسبوا أنهم قد أخطؤوا ~~الطريق، ثم تبينوها فعلموا أن الله أصابهم فيها، فتابوا ~~حينئذ فكانوا مؤمنين أهل كتاب، فشبه الله قريشا ~~بهم في أنه امتحنهم بالمصائب، في دنياهم لعدم ~~اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم التوبة معرضة ~~لمن بقي منهم. # وقوله تعالى: { ليصرمنها } أي: ليجذنها، و { مصبحين ~~} معناه: داخلين في الصباح. # وقوله تعالى: { ولا يستثنون } [أي: لا ينثنون] ms1443 عن رأي ~~منع المساكين، وقال مجاهد: معناه ولا يقولون إن شاء الله. ~~والصريم، قال جماعة: أراد به الليل من حيث اسودت ~~جنتهم، وقال ابن عباس: الصريم: الرماد الأسود بلغة ~~خزيمة، وقولهم: { إن كنتم صرمين } يحتمل أن يكون ~~من صرام النخل، ويحتمل أن يريد إن كنتم أهل عزم وإقدام ~~على رأيكم، من قولك سيف صارم، و { يتخفتون }: معناه ~~يتكلمون كلاما خفيا، وكان هذا التخافت خوفا من أن ~~يشعر بهم المساكين، وكان لفظهم الذي يتخافتون به: { أن لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين }. # وقوله: { على حرد } يحتمل أن يريد على منع، من قولهم: ~~حاردت الإبل إذا قلت ألبانها فمنعتها، وحاردت السنة ~~إذا كانت شهباء لا غلة لها، ويحتمل أن يريد بالحرد ~~الغضب، يقال حرد الرجل حردا إذا غضب، قال البخاري قال ~~قتادة: { على حرد } [أي: على جد] في أنفسهم، انتهى. # وقوله تعالى: { قدرين } يحتمل أن يكون من القدرة، أي: قادرون ~~في زعمهم ويحتمل أن يكون من التقدير الذي هو تضييق، ~~كأنهم قد قدروا على المساكين، أي ضيقوا عليهم، { فلما ~~رأوها } أي: محترقة { قالوا إنا لضالون } طريق ~~جنتنا فلما تحققوها علموا أنها قد أصيبت فقالوا: { ~~بل نحن محرومون } أي: قد حرمنا غلتها وبركتها، ~~فقال لهم أعدلهم قولا وعقلا وخلقا وهو الأوسط؛ { ألم ~~أقل لكم لولا تسبحون } قيل هي عبارة عن تعظيم ~~الله والعمل بطاعته سبحانه، فبادر القوم عند ذلك ~~وتابوا وسبحوا، واعترفوا بظلمهم في اعتقادهم منع الفقراء، ~~ولام بعضهم بعضا واعترفوا بأنهم طغوا، أي: تعدوا ما ~~يلزم من مواساة المساكين، ثم انصرفوا إلى رجاء الله ~~سبحانه وانتظار الفضل من لدنه في أن يبدلهم، بسبب ~~توبتهم، وإنابتهم خيرا من تلك الجنة، قال الثعلبي: قال ابن ~~مسعود: بلغني أن القوم لما أخلصوا وعلم الله صدقهم ~~أبدلهم الله عز وجل بها جنة يقال لها الحيوان، فيها ~~عنب يحمل البغل العنقود منها، وعن أبي خالد اليماني أنه رأى ~~تلك الجنة ورأى كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم، ~~انتهى،، وقدرة الله أعظم فلا يستغرب هذا إن صح سنده. ### || [68.33-43] ms1444 # وقوله سبحانه: { كذلك العذاب } أي: كفعلنا بأهل الجنة ~~نفعل بمن تعدى حدودنا. # { ولعذاب الأخرة أكبر } أي: أعظم مما أصابهم، إن ~~لم يتوبوا في الدنيا. # ثم أخبر تعالى ب { إن للمتقين عند ربهم جنت ~~النعيم } فروي أنه لما نزلت هذه الآية قالت قريش: إن كان ~~ثم جنات نعيم فلنا فيها أكبر الحظ، فنزلت { ~~أفنجعل المسلمين كالمجرمين } الآية؛ توبيخا لهم. # { أم لكم كتب } منزل من عند الله تدرسون فيه ~~أن لكم ما تختارون من النعيم، ف { إن } معمولة ل { ~~تدرسون } وكسرت الهمزة من { إن } لدخول اللام في ~~الخبر، وهي في معنى (أن) بفتح الألف وقرىء شاذا: «أن ~~لكم» بالفتح، وقرأ الأعرج: «أن لكم فيه» على الاستفهام، ثم ~~خاطب تعالى الكفار بقوله: { أم لكم أيمن علينا ~~بلغة } كأنه يقول هل أقسمنا لكم قسما فهو عهد لكم ~~بأنا ننعمكم في يوم القيامة، وما بعده، وقرأ الأعرج: «آن لكم ~~لما تحكمون» على الاستفهام، أيضا. # { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي: ضامن * ت *: قال الهروي: ~~وقوله: { أيمن علينا بلغة } أي مؤكدة، انتهى. # وقوله تعالى: { فليأتوا بشركائهم } قيل: هو استدعاء ~~وتوقيف في الدنيا، أي: ليحضروهم حتى يرى هل هم بحال من ~~يضر وينفع أم لا؟ وقيل: هو استدعاء وتوقيف على أن يأتوا بهم يوم ~~القيامة { يوم يكشف عن ساق } وقرأ ابن عباس: «تكشف» ~~بضم التاء على معنى: تكشف القيامة والشدة والحال الحاضرة، ~~وقرأ ابن عباس أيضا: «تكشف» بفتح التاء على أن القيامة ~~هي الكاشفة، وهذه القراءة مفسرة لقراءة الجماعة، فما ورد في ~~الحديث والآية من كشف الساق فهو عبارة عن شدة الهول. # وقوله جلت عظمته : { ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون } وفي الحديث الصحيح: # " فيخرون لله سجدا أجمعون ولا يبقى أحد كان يسجد في ~~الدنيا رياء ولا سمعة ولا نفاقا إلا صار ظهره طبقا ~~واحدا؛ كلما أراد أن يسجد خر على قفاه " # ، الحديث، وفي الحديث: # " فيسجد كل مؤمن، وترجع أصلاب المنافقين ~~والكفار، كصياصي البقر، عظما واحدا؛ فلا ~~يستطيعون سجودا " # الحديث. # وقوله تعالى: { وقد كانوا يدعون إلى السجود } يريد في ms1445 ~~دار الدنيا، { وهم سلمون } مما نال عظام ظهورهم من ~~الاتصال والعتو. ### || [68.44-52] # وقوله سبحانه: { فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث } ~~الآية، وعيد وتهديد والحديث المشار إليه هو القرآن، وباقي الآية ~~بين مما ذكر في غير هذا الموضع، ثم أمر الله تعالى ~~نبيه بالصبر لحكمه وأن يمضي لما أمر به من ~~التبليغ واحتمال الأذى والمشقة، ونهي عن الضجر والعجلة ~~التي وقع فيها يونس صلى الله عليه وسلم ثم اقتضب القصة ~~وذكر ما وقع في آخرها من ندائه من بطن الحوت، { وهو مكظوم ~~} أي: وهو كاظم لحزنه وندمه، وقال الثعلبي، ونحوه في ~~البخاري: { وهو مكظوم } أي: مملوء غما وكربا، انتهى وهو ~~أقرب إلى المعنى، وقال النقاش: المكظوم الذي أخذ بكظمه، ~~وهي مجاري القلب، وقرأ ابن مسعود وغيره: «لولا أن تداركته ~~نعمة» والنعمة التي تداركته هي الصفح والاجتباء الذي سبق له ~~عند الله عز وجل { لنبذ بالعراء } أي: لطرح ~~بالعراء وهو الفضاء الذي لا يواري فيه جبل ولا شجر ~~وقد نبذ يونس عليه السلام بالعراء ولكن غير ~~مذموم، وجاء في الحديث عن أسماء بنت عميس قالت: # " علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات ~~أقولهن عند الكرب أو في الكرب، الله الله ربي ~~لا أشرك به شيئا " # رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الطبراني في كتاب ~~«الدعاء»، انتهى من «السلاح»، ثم قال تعالى لنبيه: { وإن يكاد ~~الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم } المعنى ~~يكادون من الغيظ والعداوة يزلقونه فيذهبون قدمه ~~من مكانها، ويسقطونه، قال عياض: وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال: كل ما في القرآن: «كاد» فهو ما لا يكون، قال تعالى: # يكاد سنا برقه يذهب بالأبصر # [النور:43] ولم يذهبها و # أكاد أخفيها # [طه:15] ولم يفعل، انتهى؛ ذكره إثر قوله تعالى: # وإن كادوا ليفتنونك # [الإسراء:73]. وقرأ الجمهور: «ليزلقونك» بضم الياء ~~من: أزلق، ونافع بفتحها، من: زلقت الرجل، وفي هذا ~~المعنى قول الشاعر: [الكامل] # يتقارضون إذا التقوا في مجلس # نظرا يزل مواطىء الأقدام # وذهب قوم من المفسرين على أن المعنى: يأخذونك بالعين، وقال ~~الحسن: دواء ms1446 من أصابته العين أن يقرأ هذه الآية، ~~والذكر في الآية: القرآن. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-4] # قوله عز وجل: { الحاقة * ما الحاقة } المراد بالحاقة: ~~القيامة، وهي اسم فاعل من حق الشيء يحق؛ لأنها حقت ~~لكل عامل عمله، قال ابن عباس وغيره: سميت القيامة حاقة ~~لأنها تبدي حقائق الأشياء، و { الحاقة }: مبتدأ و { ما } ~~مبتدأ ثان، والحاقة الثانية خبر { ما } والجملة خبر ~~الأولى، وهذا كما تقول: زيد ما زيد على معنى التعظيم له، ~~وإبهام التعظيم أيضا ليتخيل السامع أقصى جهده. # وقوله: { وما أدراك ما الحاقة } مبالغة في هذا المعنى: أي: ~~أن فيها ما لم تدره من أهوالها، وتفاصيل صفاتها، ثم ~~ذكر تعالى تكذيب ثمود وعاد بهذا الأمر الذي هو حق مشيرا ~~إلى أن من كذب بذلك ينزل به ما نزل بأولئك، و { ~~بالقارعة }: من أسماء القيامة أيضا؛ لأنها تقرع القلوب ~~بصدمتها. ### || [69.5-17] # وقوله سبحانه: { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } قال ~~قتادة: معناه: بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقيل: ~~المعنى بسبب الفئة الطاغية، وقيل: بسبب الفعلة الطاغية، وقال ابن ~~زيد ما معناه: الطاغية مصدر كالعاقبة، فكأنه قال بطغيانهم؛ وقاله ~~أبو عبيدة، ويقوي هذا قوله تعالى: # كذبت ثمود بطغواها # [الشمس:11] وأولى الأقوال وأصوبها الأول، وباقي الآية تقدم ~~تفسير نظيره، وما في ذلك من القصص، والعاتية: معناه الشديدة ~~المخالفة، فكانت الريح قد عتت على خزانها بخلافها، وعلى قوم ~~عاد بشدتها، وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: لم ينزل من ~~السماء قطرة ماء قط إلا بمكيال على يد ملك، ولا هبت ريح إلا ~~كذلك؛ إلا ما كان من طوفان نوح، وريح عاد، فإن الله أذن ~~لهما في الخروج دون إذن الخزان، و { حسوما }: قال ابن عباس ~~وغيره: معناه كاملة تباعا لم يتخللها غير ذلك، وقال ابن زيد: { ~~حسوما } جمع حاسم، ومعناه أن تلك الأيام قطعتهم ~~بالإهلاك، ومنه حسم العلل، ومنه الحسام، والضمير في قوله: { ~~فيها صرعى } يحتمل عوده على الليالي والأيام، ويحتمل ~~عوده على ديارهم، وقيل: على الريح، * ص *: «ومن قبله» النحويان ~~وعاصم في ms1447 رواية بكسر القاف وفتح الباء أي: أجناده ~~وأهل طاعته، وقرأ الباقون: «قبله» ظرف زمان، انتهى. # وقوله: { بالخاطئة } صفة لمحذوف، أي: بالفعلة الخاطئة، ~~وال«رابية» النامية التي قد عظمت جدا، ومنه ربا المال، ~~ومنه # اهتزت وربت # [الحج:5]، ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: { إنا لما ~~طغا الماء } يعني في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح، و { ~~الجارية } سفينة نوح؛ قاله منذر بن سعيد، والضمير في: { ~~لنجعلها } عائد على الجارية أو على الفعلة. # وقوله تعالى: { وتعيها أذن وعية }: عبارة عن الرجل ~~الفهم المنور القلب الذي يسمع القرآن؛ فيتلقاه بفهم ~~وتدبر، قال أبو عمران الجوني: { وعية } عقلت عن الله ~~تعالى، وقال الثعلبي: المعنى: لتحفظها كل أذن فتكون عظة ~~لمن يأتي بعد، تقول وعيت العلم إذا حفظته، انتهى، ثم ~~ذكر تعالى بأمر القيامة، وقرأ الجمهور: «وحملت» بتخفيف الميم ~~بمعنى: حملتها الريح أو القدرة، و { دكتا } معناه سوي ~~جميعها، وانشقاق السماء هو تفطرها وتميز بعضها من بعض، ~~وذلك هو الوهي الذي ينالها، كما يقال في الجدرات البالية المتشققة ~~واهية، والملك اسم الجنس يريد به الملائكة، وقال جمهور من ~~المفسرين: الضمير في { أرجائها } عائد على السماء أي: ~~الملائكة على نواحيها، والرجا الجانب من البئر أو الحائط؛ ~~ونحوه، وقال الضحاك وابن جبير وغيرهما: الضمير في: { أرجائها } ~~عائد على الأرض، وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب؛ لأن القصة ~~واللفظ يقتضي إفهام ذلك، وفسروا هذه الآية بما روي من أن ~~الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا، فيقفون صفا على ~~حافات الأرض، ثم يأمر ملائكة السماء الثانية؛ فيصفون ~~خلفهم، ثم كذلك ملائكة كل سماء، فكلما ند أحد من الجن أو ~~الإنس، وجد الأرض قد أحيط بها، قالوا: فهذا تفسير هذه الآية؛ وهو ~~أيضا معنى قوله: # وجاء ربك والملك صفا صفا # [الفجر:22] وهو تفسير: # يوم التناد * يوم تولون مدبرين # [غافر:32-33] على قراءة من شدد الدال، وهو تفسير قوله: # يا معشر الجن والإنس... # [الرحمن:33] واختلف الناس في الثمانية الحاملين للعرش، فقال ابن ~~عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا ms1448 يعلم أحد عدتهم، وقال ~~ابن زيد: هم ثمانية أملاك على هيئة الوعول، وقال جماعة من ~~المفسرين: هم على هيئة الناس أرجلهم تحت الأرض السابعة، ورؤوسهم ~~وكواهلهم فوق السماء السابعة، قال الغزالي في «الدرة ~~الفاخرة»: هم ثمانية أملاك قدم الملك منهم مسيرة عشرين ألف ~~سنة، انتهى، والضمير في قوله: { فوقهم } قيل: هو للملائكة ~~الحملة، وقيل: للعالم كله. ### || [69.18-29] # وقوله تعالى: { يومئذ تعرضون } خطاب لجميع العالم، وفي ~~الحديث الصحيح: # " يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان؛ ~~فجدال ومعاذير، وأما الثالثة، فعندها تتطاير ~~الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله " # ، قال الغزالي: يجب على كل مسلم البدار، إلى ~~محاسبة نفسه؛ كما قال عمر رضي الله عنه : حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن ~~توزنوا، وإنما حسابه لنفسه، أن يتوب من كل ~~معصية قبل الموت توبة نصوحا، ويتدارك ما ~~فرط فيه من تقصير في فرائض الله عز وجل ~~ ويرد المظالم حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له ~~بلسانه ويده، وسوء ظنه بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى يموت، ولم ~~يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب، ~~إن شاء الله تعالى، انتهى من آخر «الإحياء»، ونقل القرطبي في ~~«تذكرته» هذه الألفاظ بعينها. # وقوله: { هاؤم اقرؤا كتبيه } معناه تعالوا، وقوله: { ~~اقرؤا كتبيه } هو استبشار وسرور * ص *: { هاؤم } «ها» ~~بمعنى خذ، قال الكسائي: والعرب تقول: هاء يا رجل، وللاثنين؛ ~~رجلين أو امرأتين: هاؤما، وللرجال: هاؤم، وللمرأة: هاء بهمزة ~~مكسورة من غير ياء، وللنساء: هاؤن، وزعم القتبي أن الهمزة ~~بدل من الكاف، وهو ضعيف، إلا أن يعني أنها تحل محلها في لغة ~~من قال: هاك وهاك، وهاكما وهاكم وهاكن، فذلك ممكن، ~~لا أنه بدل صناعي؛ لأن الكاف لا تبدل من الهمزة ولا ~~الهمزة منها. انتهى. # وقوله: { إنى ظننت أنى ملق حسابيه } عبارة عن إيمانه ~~بالبعث وغيره، و { ظننت } هنا واقعة موقع: تيقنت، وهي في ~~متيقن لم يقع بعد ولا خرج إلى الحس، وهذا هو باب الظن ~~الذي يوقع موقع اليقين، و { راضية } بمعنى مرضية، والقطوف: ~~جمع قطف ms1449 وهو ما يجتنى من الثمار، ويقطف، ودنوها هو أنها ~~تأتي طوع التمني فيأكلها القائم والقاعد والمضطجع بفيه من ~~شجرتها، و { بما أسلفتم } معناه بما قدمتم من ~~الأعمال الصالحة، و { الايام الخالية } هي أيام الدنيا: ~~لأنها في الآخرة قد خلت وذهبت، وقال وكيع وغيره: المراد ب«ما ~~أسلفتم» من الصوم، وعموم الآية في كل الأعمال أولى وأحسن، * ت *: ويدل ~~على ذلك الآية الأخرى # كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون # [المرسلات:43] قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا مالك بن مغول أنه ~~بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون أو أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل ~~أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر { يومئذ تعرضون ~~لا تخفى منكم خافية } قال ابن المبارك: أخبرنا معمر عن يحيى ~~بن المختار، عن الحسن قال: إن المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه ~~لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في ~~الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا ~~الأمر عن غير محاسبة، انتهى، والذين يؤتون كتبهم بشمائلهم هم ~~المخلدون في النار أهل الكفر، فيتمنون أن لو كانوا ~~معدومين. # وقوله: { يليتها كانت القاضية } إشارة إلى مؤنة ~~الدنيا، أي: ليتها لم يكن بعدها رجوع، * ص *: { ما أغنى } «ما» ~~نافية أو استفهامية انتهى، والسلطان في الآية الحجة، وقيل: إنه ~~ينطق بذلك ملوك الدنيا، والظاهر أن سلطان كل أحد حاله ~~في الدنيا من عدد وعدد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس ~~على تكرمته إلا بإذنه ". ### || [69.30-33] # وقوله سبحانه: { خذوه فغلوه } الآية، المعنى يقول الله تعالى، ~~أو الملك بأمره للزبانية: خذوه واجعلوا في عنقه غلا، قال ابن ~~جريج: نزلت في أبي جهل. # وقوله تعالى: { فاسلكوه } معناه: أدخلوه، وروي أن هذه ~~السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج من دبره، فهي في الحقيقة التي ~~تسلك فيه، لكن الكلام جرى مجرى: أدخلت القلنسوة في ~~رأسي، وروي أن هذه السلسلة تلوى حول الكافر حتى تعمه ~~وتضغطه، فالكلام على ms1450 هذا على وجهه وهو المسلوك. ### || [69.34-37] # وقوله تعالى: { ولا يحض على طعام المسكين } خصت ~~هذه الخلة بالذكر، لأنها من أضر الخلال بالبشر؛ إذا كثرت في ~~قوم هلك مساكينهم، * ت *: ونقل الفخر عن بعض الناس أنه قال في ~~قوله تعالى: { ولا يحض على طعام المسكين }: دليلان ~~قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين، أحدهما: عطفه على ~~الكفر وجعله قرينا له، والثاني: ذكر الحض دون الفعل ~~ليعلم أنه إذا كان تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بمن ترك ~~الفعل، قال الفخر: ودلت الآية على أن الكفار يعاقبون على ترك ~~الصلاة والزكاة، وهو المراد من قولنا: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة ~~وعن أبي الدرداء أنه: كان يحض امرأته على تكثير المرق؛ ~~لأجل المساكين، ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا ~~نخلع النصف الثاني، انتهى. # وقوله: { فليس له اليوم ههنا حميم } أي صديق لطيف ~~المودة؛ قاله الجمهور، وقيل: الحميم الماء السخن، فكأنه تعالى ~~أخبر أن الكافر ليس له ماء ولا شيء مائع ولا طعام إلا من ~~غسلين، وهو ما يجري من الجراح، إذا غسلت، وقال ابن عباس: ~~الغسلين هو صديد أهل النار، وقال قوم: الغسلين: شيء يجري من ~~ضريع النار، * ص *: { إلا من غسلين } أبو البقاء النون في: ~~(غسلين) زائدة: لأنه غسالة أهل النار، انتهى، والخاطىء الذي يفعل ~~ضد الصواب. ### || [69.38-40] # وقوله تعالى: { فلا أقسم } قيل: «لا» زائدة وقيل: «لا» رد لما ~~تقدم من أقوال الكفار، والبدأة: أقسم. # وقوله: { بما تبصرون * وما لا تبصرون } قال قتادة: ~~أراد الله تعالى أن يعم بهذا القسم جميع مخلوقاته، والرسول ~~الكريم قيل: هو جبريل، وقيل: هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [69.41-44] # وقوله تعالى: { وما هو بقول شاعر } نفى سبحانه أن يكون ~~القرآن من قول شاعر؛ كما زعمت قريش، و { قليلا } نصب بفعل ~~مضمر يدل عليه { تؤمنون } و«ما» يحتمل أن تكون نافية فينتفي ~~إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون مصدرية فيتصف إيمانهم ~~بالقلة، ويكون إيمانا لغويا؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء ~~يسيرة لا تغني عنهم شيئا، ثم أخبر سبحانه أن محمدا عليه ms1451 ~~السلام لو تقول عليه لعاقبه بما ذكر، * ص *: الأقاويل ~~جمع أقوال، وأقوال جمع قول، فهو جمع الجمع، انتهى. ### || [69.45-52] # وقوله سبحانه: { لأخذنا منه باليمين } قال ابن عباس: المعنى ~~لأخذنا منه بالقوة، أي لنلنا منه عقابه بقوة منا، وقيل: معناه ~~لأخذنا بيده اليمنى؛ على جهة الهوان، كما يقال لمن يسجن أو ~~يقام لعقوبة: خذوا بيده أو بيمينه، والوتين نياط القلب؛ قاله ~~ابن عباس، وهو عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر، فمعنى الآية: ~~لأذهبنا حياته معجلا، والحاجز: المانع والضمير في قوله: { ~~وإنه لتذكرة } عائد على القرآن، وقيل: على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، * ص *: { وإنه لحسرة }: ضمير (إنه) يعود على ~~التكذيب المفهوم من { مكذبين } ، انتهى، وقال الفخر: الضمير في ~~قوله: { وإنه لحسرة } فيه وجهان: أحدهما أنه يعود على ~~القرآن، أي: هو على الكافرين حسرة، إما يوم القيامة إذا رأوا ~~ثواب المصدقين به، أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين،، ~~والثاني: قال مقاتل: وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم يدل ~~عليه قوله: { أن منكم مكذبين } ، انتهى، ثم أمر تعالى ~~نبيه بالتسبيح باسمه العظيم، ولما نزلت قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-3] # قوله عز وجل: { سأل سائل بعذاب } قرأ جمهور السبعة: { سأل ~~} بهمزة محققة، قالوا: والمعنى دعا داع، والإشارة إلى من قال من ~~قريش: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء # [الأنفال:32]، الآية، وقولهم: # عجل لنا قطنا # [ص:16] ونحو ذلك، وقال بعضهم: المعنى بحث باحث واستفهم ~~مستفهم، قالوا: والإشارة إلى قول قريش: # متى هذا الوعد # [الملك:25] وما جرى مجراه؛ قاله الحسن وقتادة، والباء على هذا ~~التأويل في قوله: { بعذاب } بمعنى «عن» وقرأ نافع وابن عامر: «سال ~~سائل» ساكنة الألف، واختلف القراء بها فقال بعضهم: هي «سأل» ~~المهموزة إلا أن الهمزة سهلت، وقال بعضهم هي لغة من يقول: ~~سلت أسال ويتساولان، وهي لغة مشهورة، وقال بعضهم في الآية: ~~هي من سال يسيل إذا جرى، وليست من معنى السؤال، قال زيد بن ثابت ~~وغيره: ms1452 في جهنم واد يسمى سائلا؛ والإخبار هنا عنه، وقرأ ابن ~~عباس: «سال سيل» بسكون الياء وسؤال الكفار عن العذاب ~~حسب قراءة الجماعة إنما كان على أنه كذب، فوصفه الله تعالى ~~بأنه واقع وعيدا لهم. # وقوله: { للكفرين } قال بعض النحاة: اللام بمعنى «على»، ~~وروي: أنه كذلك في مصحف أبي: «على الكافرين» والمعارج في ~~اللغة الدرج في الأجرام، وهي هنا مستعارة في الرتب ~~والفضائل، والصفات الحميدة؛ قاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: هي ~~المراقي في السماء، قال عياض، في «مشارق الأنوار»: قوله صلى الله عليه ~~وسلم # " فعرج بي إلى السماء " # ، أي: ارتقى بي، والمعراج الدرج وقيل: سلم تعرج فيه ~~الأرواح، وقيل: هو أحسن شيء لا تتمالك النفس إذا رأته أن ~~تخرج، وإليه يشخص بصر الميت من حسنه، وقيل: هو الذي ~~تصعد فيه الأعمال، وقيل: قوله: { ذي المعارج } معارج ~~الملائكة، وقيل: ذي الفواضل، انتهى. ### || [70.4] # وقوله تعالى: { تعرج الملئكة } معناه تصعد، والروح ~~عند الجمهور هو جبريل عليه السلام وقال مجاهد: الروح ~~ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الملائكة؛ ~~كما لا نرى نحن الملائكة، وقال بعض المفسرين: هو اسم جنس لأرواح ~~الحيوان. # وقوله سبحانه: { فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~} قال ابن عباس وغيره: هو يوم القيامة، ثم اختلفوا؛ فقال بعضهم: ~~قدره في الطول قدر خمسين ألف سنة، وقال بعضهم: بل قدره في ~~الشدة، والأول هو الظاهر، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له صفائح من نار ~~يوم القيامة تكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة " # قال أبو سعيد الخدري: # " قيل: يا رسول الله! ما أطول يوما مقداره خمسون ~~ألف سنة! فقال: والذي نفسي بيده، إنه ليخف على ~~المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة " # ، قال ابن المبارك: أخبرنا معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن ~~أبي هريرة قال: يقصر يومئذ على المؤمن حتى يكون كوقت ~~الصلاة، انتهى، قال * ع *: وقد ورد في يوم ms1453 القيامة أنه كألف ~~سنة، وهذا يشبه أن يكون في طوائف دون طوائف، * ت *: قال عبد الحق في ~~«العاقبة» له: اعلم رحمك الله؛ أن يوم القيامة ليس طوله ~~كما عهدت من طول الأيام، بل هو آلاف من الأعوام، يتصرف ~~فيه هذا الأنام، على الوجوه والأقدام، حتى ينفذ فيهم ما ~~كتب لهم وعليهم من الأحكام، وليس يكون خلاصه دفعة ~~واحدة، ولا فراغهم في مرة واحدة؛ بل يتخلصون ويفرغون ~~شيئا بعد شيء، لكن طول ذلك اليوم خمسون ألف سنة، ~~فيفرغون بفراغ اليوم، ويفرغ اليوم بفراغهم، فمن ~~الناس من يطول مقامه وحبسه إلى آخر اليوم، ومنهم من يكون ~~انفصاله في ذلك اليوم في مقدار يوم من أيام الدنيا، أو في ساعة من ~~ساعاته، أو في أقل من ذلك، ويكون رائحا في ظل كسبه وعرش ~~ربه، ومنهم من يؤمر به إلى الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما أن ~~منهم من يؤمر به إلى النار في أول الأمر من غير وقوف ولا انتظار، ~~أو بعد يسير من ذلك، انتهى. ### || [70.5-18] # وقوله سبحانه: { فاصبر صبرا جميلا } أمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالصبر على أذى قومه، والصبر الجميل الذي لا يلحقه ~~عيب ولا شك ولا قلة رضى، ولا غير ذلك، والأمر بالصبر ~~الجميل محكم في كل حالة، أعني: لا نسخ فيه، وقيل: إن الآية ~~نزلت قبل الأمر بالقتال؛ فهي منسوخة، * ت *: ولو قيل: هذا خطاب ~~لجنس الإنسان في شأن هول ذلك اليوم؛ ما بعد. # وقوله تعالى: { إنهم يرونه بعيدا } يعني يوم القيامة، ~~والمهل: عكر الزيت؛ قاله ابن عباس وغيره، فهي لسوادها ~~وانكدار أنوارها، تشبه ذلك، والمهل أيضا: ما أذيب من فضة ~~ونحوها؛ قاله ابن مسعود وغيره، والعهن الصوف، وقيل: هو الصوف ~~المصبوغ، أي لون كان، والحميم في هذا الموضع: القريب ~~والولي، والمعنى: ولا يسأله نصرة ولا منفعة، ولا يجدها عنده، ~~وقال قتادة: المعنى: ولا يسأله عن حاله؛ لأنها ظاهرة قد ~~بصر كل أحد حالة الجميع، وشغل بنفسه، قال الفخر: قوله ~~تعالى: { يبصرونهم } تقول: بصرني زيد كذا، وبصرني ms1454 ~~بكذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول وحذفت الجار، قلت: ~~بصرت زيدا، وهكذا معنى: { يبصرونهم } وكأنه لما قال: ~~{ ولا يسئل حميم حميما } قيل: لعله لا يبصره؛ فقال: ~~{ يبصرونهم } ولكن لاشتغالهم بأنفسهم لا يتمكنون ~~من تساؤلهم، انتهى، وقرأ ابن كثير بخلاف عنه: «ولا يسئل» على ~~بناء الفعل للمفعول، فالمعنى: ولا يسأل إحضاره؛ لأن كل ~~مجرم له سيما يعرف بها، كما أن كل مؤمن له سيما ~~خير، والصاحبة هنا: الزوجة، والفصيلة هنا: قرابة الرجل. # وقوله تعالى: { كلا إنها لظى } رد لما ودوه، أي: ليس ~~الأمر كذلك، و«لظى» طبقة من طبقات جهنم، والشوى جلد ~~الإنسان وقيل: جلد الرأس. # { تدعوا من أدبر وتولى } يريد الكفار، قال ابن عباس ~~وغيره: تدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، { وجمع } أي جمع المال و { ~~فأوعى } جعله في الأوعية، أي: جمعوه من غير حل ومنعوه ~~من حقوق الله، وكان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه، ويقول: ~~سمعت الله تعالى يقول: { وجمع فأوعى }. ### || [70.19-21] # وقوله تعالى: { إن الإنسن } عموم لاسم الجنس، لكن ~~الإشارة هنا إلى الكفار، والهلع فزع واضطراب يعتري الإنسان ~~عند المخاوف وعند المطامع. # وقوله تعالى: { إذا مسه... } الآية، مفسر للهلع. ### || [70.22-23] # وقوله تعالى: { إلا المصلين } أي: إلا المؤمنين الذين أمر ~~الآخرة عليهم أوكد من أمر الدنيا، والمعنى أن هذا المعنى ~~فيهم يقل لأنهم يجاهدونه بالتقوى. # وقوله: { الذين هم على صلاتهم دائمون } أي: ~~مواظبون، وقد قال عليه السلام # " أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه " # * ت *: وقد تقدم في سورة «قد أفلح» ما جاء في الخشوع، قال ~~الغزالي: فينبغي لك أن تفهم ما تقرؤه في صلاتك ولا تغفل ~~في قراءتك عن أمره سبحانه، ونهيه، ووعده، ووعيده، ومواعظه ~~وأخبار أنبيائه، وذكر منته وإحسانه، فلكل واحد حق؛ ~~فالرجاء حق الوعد، والخوف حق الوعيد، والعزم حق الأمر ~~والنهي، والإتعاظ حق الموعظة، والشكر حق ذكر المنة، ~~والاعتبار حق ذكر أخبار الأنبياء،، قال الغزالي: وتكون هذه المعاني ~~بحسب درجات الفهم، ويكون الفهم بحسب وفور العلم. ~~وصفاء القلب، ودرجات ذلك لا تنحصر، فهذا حق القراءة ~~وهو حق ms1455 الأذكار، والتسبيحات أيضا، ثم يراعى الهيئة في ~~القراءة، فيرتل ولا يسرد فإن ذلك أيسر للتأمل، ويفرق ~~بين نغماته في آيات الرحمة وآيات العذاب، والوعد والوعيد، ~~والتحميد والتعظيم، انتهى من «الإحياء»، وروى ابن المبارك في ~~«رقائقه» قال: أخبرنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا ~~الخير حدثه قال: سألنا عقبة بن عامر الجهني عن قوله عز ~~وجل : { الذين هم على صلاتهم دائمون } أهم الذين ~~يصلون أبدا؟ قال: لا، ولكنه الذي إذا صلى لم يلتفت عن يمينه، ولا ~~عن شماله، ولا خلفه، انتهى. ### || [70.24-31] # وقوله سبحانه: { والذين فى أمولهم حق معلوم } قال ~~ابن عباس وغيره: هذه الآية في الحقوق التي في المال سوى الزكاة، ~~وهي ما ندبت إليه الشريعة من المواساة، وهذا هو الأصح في هذه ~~الآية؛ لأن السورة مكية وفرض الزكاة وبيانها إنما كان بالمدينة،، ~~وباقي الآية تقدم تفسير نظيره. ### || [70.32-35] # وقوله سبحانه: { والذين هم لأمنتهم وعهدهم ~~رعون } جمع الأمانة من حيث إنها متنوعة في الأموال ~~والأسرار، وفيما بين العبد وربه، فيما أمره به ونهاه عنه، ~~والعهد كل ما تقلده الإنسان من قول أو فعل، أو ~~مودة، إذا كانت هذه الأشياء على منهاج الشريعة فهو عهد ~~ينبغي رعيه وحفظه. # وقوله سبحانه: { والذين هم بشهدتهم قائمون } معناه ~~في قول جماعة من المفسرين: أنهم يحفظون ما يشهدون فيه، ~~ويتقنونه، ويقومون بمعانيه؛ حتى لا يكون لهم فيه تقصير وهذا ~~هو وصف من يمتثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " على مثل الشمس فاشهد " # ، وقال آخرون: معناه: الذين إذا كانت عندهم شهادة ورأوا حقا ~~يدرس أو حرمة لله تنتهك؛ قاموا لله بشهادتهم. ### || [70.36-37] # وقوله تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } ~~الآية نزلت بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند الكعبة ~~أحيانا ويقرأ القرآن، فكان كثير من الكفار يقومون من مجالسهم ~~مسرعين إليه يستمعون قراءته، ويقول بعضهم لبعض: شاعر وكاهن، ~~ومفتر وغير ذلك، و { قبلك } معناه فيما يليك، والمهطع الذي ~~يمشي مسرعا إلى شيء قد أقبل ببصره عليه، و { عزين } ~~جمع ms1456 عزة، والعزة: الجمع اليسير كأنهم كانوا ثلاثة ~~ثلاثة وأربعة أربعة، وفي حديث أبي هريرة قال: # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم حلق متفرقون، ~~فقال: مالي أراكم عزين ". ### || [70.38-44] # وقوله تعالى: { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل ~~جنة نعيم } نزلت لأن بعض الكفار قال: إن كانت ثم ~~آخرة وجنة فنحن أهلها؛ لأن الله تعالى لم ينعم علينا في ~~الدنيا بالمال والبنين، وغير ذلك؛ إلا لرضاه عنا. # وقوله تعالى: { كلا } رد لقولهم وطمعهم، أي: ليس الأمر ~~كذلك،، ثم أخبر تعالى عن خلقهم من نطفة قذرة، وأحال في ~~العبارة على علم الناس، أي: فمن خلق من ذلك فليس بنفس ~~خلقه يعطى الجنة، بل بالإيمان والأعمال الصالحة، وروى ~~ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا مالك بن مغول؛ قال: سمعت أبا ربيعة ~~يحدث عن الحسن؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كلكم يحب أن يدخل الجنة؟ قالوا: نعم، جعلنا ~~الله فداءك، قال: فأقصروا من الأمل، وثبتوا ~~آجالكم بين أبصاركم، واستحيوا من الله حق ~~الحياء، قالوا: يا رسول الله، كلنا نستحي من ~~الله، قال: ليس كذلك الحياء، ولكن الحياء من ~~الله ألا تنسوا المقابر والبلى، ولا تنسوا ~~الجوف وما وعى، ولا تنسوا الرأس وما حوى، ومن ~~يشتهي كرامة الآخرة يدع زينة الدنيا، هنالك ~~استحيا العبد من الله، هنالك أصاب ولاية الله ~~" # ، انتهى، وقد روينا أكثر هذا الحديث، من طريق أبي عيسى ~~الترمذي، وباقي الآية تقدم تفسير نظيره، والأجداث القبور، ~~والنصب: ما نصب للإنسان فهو يقصده مسرعا إليه من علم ~~أو بناء، وقال أبو العالية: { إلى نصب يوفضون }: معناه: إلى ~~غايات يستبقون، و { يوفضون }: معناه: يسرعون، و { ~~خشعة }: أي: ذليلة منكسرة. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # قوله سبحانه: { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر ~~قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } هذا العذاب ~~الذي توعدوا به، الأظهر أنه عذاب الدنيا، ويحتمل أن ~~يكون عذاب الآخرة. # وقوله: { من ذنوبكم } قال قوم: «من» زائدة وهذا نحو كوفي، ~~وأما الخليل وسيبويه؛ فلا يجوز عندهم زيادة ms1457 «من» في الموجب، ~~وقال قوم: هي للتبعيض، قال * ع *: وهذا القول عندي أبين الأقوال ~~هنا؛ وذلك أنه لو قال: يغفر لكم ذنوبكم؛ لعم هذا ~~اللفظ ما تقدم من الذنوب، وما تأخر عن إيمانهم، ~~والإسلام إنما يجب ما قبله. # وقوله سبحانه: { ويؤخركم إلى أجل مسمى } كأن نوحا ~~ عليه السلام قال لهم: وآمنوا يبن لنا أنكم ممن قضي ~~له بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم على كفركم فسيبين أنكم ~~ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة، ثم تبين هذا المعنى ولاح ~~بقوله تعالى: { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } ~~وجواب لو مقدر يقتضيه المعنى، كأنه قال: فما كان أحزمكم ~~أو أسرعكم إلى التوبة لو كنتم تعلمون. ### || [71.5-10] # وقوله تعالى: { قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا ~~} الآية، هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد طول ~~عمره ويأسه من قومه. # { واستغشوا ثيابهم }: معناه: جعلوها أغشية على ~~رؤوسهم. ### || [71.11-12] # وقوله: { يرسل السماء } الآية، روي أن قوم نوح كانوا قد ~~أصابتهم قحوط وأزمة فلذلك بدأهم في وعده بأمر المطر، و { ~~مدرارا } من الدر، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق ~~مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا ~~يحتسب " # ؛ رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي وابن ماجه، ولفظ النسائي: «من ~~أكثر من الاستغفار»، انتهى من «السلاح # . ### || [71.13-15] # وقوله: { ما لكم لا ترجون لله وقارا } قال أبو عبيدة ~~وغيره: { ترجون } معناه تخافون، قالوا: والوقار بمعنى ~~العظمة، فكأن الكلام على هذا التأويل وعيد وتخويف، وقال ~~بعض العلماء: ترجون على بابها، وكأنه قال: ما لكم لا ~~تجعلون رجاءكم لله، و { وقارا } يكون على هذا التأويل ~~منهم كأنه يقول: تؤدة منكم وتمكنا في النظر. # وقوله: { وقد خلقكم أطوارا } قال ابن عباس وغيره: هي إشارة ~~إلى التدريج الذي للإنسان في بطن أمه، وقال جماعة: هي إشارة إلى ~~العبرة في اختلاف خلق ألوان الناس وخلقهم، ومللهم، ~~والأطوار: الأحوال المختلفة. ### || [71.16-24] # وقوله سبحانه: { وجعل القمر فيهن نورا... } الآية، قال ~~عبد الله ms1458 بن عمرو بن العاص وابن عباس: إن الشمس والقمر أقفاؤهما ~~إلى الأرض، وإقبال نورهما وارتفاعه في السماء؛ وهذا الذي يقتضيه لفظ ~~السراج. # و { أنبتكم من الأرض }: استعارة من حيث خلق آدم ~~ عليه السلام من الأرض. # و { نباتا } مصدر جاء على غير المصدر، التقدير: فنبتم ~~نباتا، والإعادة فيها بالدفن، والإخراج هو بالبعث، وظاهر ~~الآية: أن الأرض بسيطة غير كرية، واعتقاد أحد الأمرين ~~غير قادح في الشرع بنفسه، اللهم إلا أن يترتب على القول ~~بالكرية نظر فاسد، وأما اعتقاد كونها بسيطة، فهو ظاهر ~~كتاب الله تعالى، وهو الذي لا يلحق عنه فساد ألبتة، ~~واستدل ابن مجاهد على صحة ذلك بماء البحر المحيط بالمعمور ~~فقال: لو كانت الأرض كرية لما استقر الماء عليها، ~~والسبل الطرق، والفجاج الواسعة، وقول نوح: { واتبعوا من ~~لم يزده ماله... } الآية، المعنى: اتبعوا أشرافهم ~~وغواتهم، و { خسارا }: معناه: خسرانا، و { كبارا }: بناء ~~مبالغة نحو: حسان وقرىء شاذا: «كبارا» بكسر ~~الكاف قال ابن الأنباري: جمع كبير. # و { ودا } وما عطف عليه أسماء أصنام، وروى البخاري ~~وغيره عن ابن عباس: أنها كانت أسماء رجال صالحين، من قوم نوح ~~فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى ~~مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ~~ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم ~~عبدت،، قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان التي في قوم نوح ~~في العرب بعد، انتهى. # وقوله: { وقد أضلوا كثيرا } هو إخبار نوح عن الأشراف، ~~ثم دعا الله عليهم ألا يزيدهم إلا ضلالا، وقال الحسن: أراد ~~بقوله: { وقد أضلوا } الأصنام المذكورة. ### || [71.25-28] # وقوله تعالى: { مما خطيئتهم أغرقوا } ابتداء إخبار ~~من الله تعالى لمحمد عليه السلام و«ما» في قوله: { ~~مما }: زائدة فكأنه قال: من خطيئاتهم، وهي لابتداء ~~الغاية، * ص *: { مما خطيئتهم } من للسبب، * ع *: ~~لابتداء الغاية و«ما» زائدة للتوكيد، انتهى، { فأدخلوا نارا ~~} يعني جهنم، وقول نوح: { رب لا تذر على الأرض من ~~الكفرين ديارا } قال قتادة وغيره: لم يدع نوح بهذه ~~الدعوة إلا من بعد أن أوحي إليه # أنه ms1459 لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود:36] و { ديارا } أصله: ديوار من الدوران، أي: من ~~يجيء ويذهب. # وقوله: { رب اغفر لى ولولدى } قال ابن عباس: لم يكفر ~~لنوح أب ما بينه وبين آدم عليه السلام، وقرأ أبي بن كعب: ~~«ولأبوي»، وبيته المسجد؛ فيما قاله ابن عباس، وجمهور المفسرين، ~~وقال ابن عباس أيضا: بيته شريعته ودينه؛ استعار لها بيتا كما ~~يقال قبة الإسلام وفسطاط الدين، وقيل: أراد سفينته. # وقوله: { وللمؤمنين والمؤمنت } تعميم بالدعاء لمؤمني ~~كل أمة، وقال بعض العلماء: إن الذي استجاب لنوح عليه السلام ~~ فأغرق بدعوته أهل الأرض الكفار، لجدير أن يستجيب له ~~فيرحم بدعوته المؤمنين، والتبار: الهلاك. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-3] # قوله عز وجل: { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من ~~الجن } هؤلاء النفر من الجن هم الذين صادفوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ ببطن نخلة في صلاة الصبح، وقد تقدم ~~قصصهم في سورة الأحقاف، وقول الجن: { إنا سمعنا... } ~~الآيات، هو خطاب منهم لقومهم. # و { قرآنا عجبا }: معناه: ذا عجب؛ لأن العجب مصدر يقع من ~~سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته. # وقوله: { وأنه تعلى جد ربنا } قال الجمهور: معناه: ~~عظمة ربنا، وروي عن أنس أنه قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة، ~~وآل عمران جد في أعيننا، أي: عظم، وعن الحسن: { جد ربنا } ~~غناه وقال مجاهد: ذكره، وقال بعضهم: جلاله، ومن فتح ~~الألف من قوله: { وأنه تعلى } اختلفوا في تأويل ذلك، ~~فقال بعضهم: هو عطف على { أنه استمع } فيجيء على هذا ~~قوله تعالى: { وأنه تعلى } مما أمر أن يقول النبي ~~إنه أوحي إليه، وليس هو من كلام الجن، وفي هذا قلق، وقال ~~بعضهم: بل هو عطف على الضمير في { به } كأنه يقول: فآمنا به وبأنه ~~تعالى، وهذا القول أبين في المعنى، لكن فيه من جهة النحو العطف ~~على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض، وذلك لا يحسن * ت *: ~~بل هو حسن؛ إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح، مثبتا، ~~وقرأ عكرمة: «تعالى جد ربنا» بفتح الجيم وضم الدال ~~وتنوينه ms1460 ورفع الرب ، كأنه يقول: تعالى عظيم هو ~~ربنا، ف«ربنا» بدل والجد: العظيم في اللغة، وقرأ أبو ~~الدرداء: «تعالى ذكر ربنا» وروي عنه: «تعالى جلال ~~ربنا». ### || [72.4-5] # وقوله تعالى: { وأنه كان يقول سفيهنا } لا خلاف أن ~~هذا من قول الجن، والسفيه: المذكور قال جمهور من المفسرين: ~~هو إبليس لعنه الله ، وقال آخرون: هو اسم جنس لكل سفيه ~~منهم ولا محالة أن إبليس صدر في السفاهة، وهذا القول ~~أحسن، والشطط: التعدي وتجاوز الحد بقول أو فعل، * ص *: { ~~شططا } أبو البقاء: نعت لمصدر محذوف، أي: قولا شططا، ~~انتهى، ثم قال أولئك النفر: { وأنا ظننا } قبل إيماننا { ~~أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } في جهة ~~الألوهية وما يتعلق بذلك. ### || [72.6-10] # وقوله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن... } الآية، من القراء من كسر ~~الهمزة من «إنه»، ومنهم من فتحها، والكسر أوجه، والمعنى ~~في الآية: ما كانت العرب تفعله في أسفارها من أن الرجل إذا ~~أراد المبيت بواد، صاح بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي؛ ~~إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، ويعتقد بذلك أن ~~الجني يحميه ويمنعه، قال قتادة: فكانت الجن تحتقر بني آدم ~~وتزدريهم لما ترى من جهلهم، فكانوا يزيدونهم مخافة، ~~ويتعرضون للتخيل لهم، ويغوونهم، في إرادتهم، فهذا هو ~~الرهق الذي زادته الجن بني آدم، وقال مجاهد وغيره: بنو آدم هم ~~الذين زادوا الجن رهقا وهي الجراءة والطغيان وقد فسر ~~قوم الرهق بالإثم. # وقوله: { وأنهم ظنوا } يريد به بني آدم. # وقوله: { كما ظننتم } مخاطبة لقومهم من الجن وقولهم: { أن ~~لن يبعث الله أحدا } يحتمل معنيين: أحدهما بعث ~~الحشر من القبور، والآخر بعث آدمي رسولا، وذكر المهدوي ~~تأويلا ثالثا، أن المعنى: وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها ~~الإنس، فهي مخاطبة من الله تعالى، قال الثعلبي: وقيل: إن ~~قوله: { وأنه كان رجال من الإنس... } الآية، ابتداء ~~إخبار من الله تعالى، ليس هو من كلام الجن، انتهى، فهو وفاق ~~لما ذكره المهدوي، وقولهم: { وأنا لمسنا السماء } قال جمهور ~~المتأولين: معناه ms1461 التمسنا، والشهب كواكب الرجم والحرس ~~يحتمل أن يريد الرمي بالشهب، وكرر المعنى بلفظ مختلف، ~~ويحتمل أن يريد الملائكة، و { مقعد }: جمع مقعد وقد ~~تقدم بيان ذلك في سورة الحجر، وقولهم: { فمن يستمع ~~الأن... } الآية، قطع على أن كل من استمع الآن أحرقه ~~شهاب [فليس هنا بعد سمع إنما الإحراق عند الاستماع]، ~~وهذا يقتضي أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه لم يكن ~~بمستأصل، فلما جاء الإسلام، اشتد الأمر؛ حتى لم ~~يكن فيه ولا يسير سماحة، و { رصدا }: نعت ل«شهاب» ~~ووصفه بالمصدر، وقولهم: { وأنا لا ندرى أشر أريد ~~بمن فى الأرض... } الآية، معناه: لا ندري أيؤمن الناس ~~بهذا النبي فيرشدوا، أم يكفرون به فينزل بهم ~~الشر، وعبارة الثعلبي: «وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض» حين ~~حرست السماء ومنعنا السمع، { أم أراد بهم ربهم ~~رشدا } ، انتهى. ### || [72.11-15] # وقولهم: { وأنا منا الصلحون } إلى آخر قولهم: { ومنا ~~القسطون } هو من قول الجن، وقولهم: { ومنا دون ذلك ~~} أي: غير صالحين، * ص *: { دون ذلك } قيل: بمعنى غير ذلك، ~~وقيل: دون ذلك في الصلاح، ف«دون» في موضع الصفة لمحذوف، ~~أي: ومنا قوم دون ذلك، انتهى، والطرائق: السير المختلفة، ~~والقدد كذلك هي الأشياء المختلفة كأنه قد قد بعضها من بعض ~~وفصل، قال ابن عباس وغيره: { طرائق قددا } أهواء مختلفة. ~~وقولهم: { وأنا ظننا } أي: تيقنا، فالظن هنا بمعنى ~~العلم { أن لن نعجز الله فى الأرض... } الآية، وهذا ~~إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم بما سمعوا من نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، و { الهدى } يريدون به القرآن، والبخس ~~النقص، والرهق تحميل ما لا يطاق، وما يثقل، قال ابن ~~عباس: البخس نقص الحسنات، والرهق الزيادة في السيئات. # وقوله تعالى: { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا } ~~الوجه فيه أن يكون مخاطبة من الله تعالى لنبيه محمد عليه ~~السلام ويؤيده ما بعده من الآيات، و { تحروا } معناه: ~~طلبوا باجتهادهم. ### || [72.16-18] # وقوله سبحانه: { وألو استقموا على الطريقة... } ~~الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جبير: الضمير في قوله: { ~~استقموا } عائد على القاسطين، والمعنى: ms1462 لو استقاموا على ~~طريقة الإسلام والحق لأنعمنا عليهم، وهذا المعنى نحو قوله ~~تعالى: # ولو أن أهل الكتب ءامنوا واتقوا # [المائدة:65] إلى قوله: # لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم # [المائدة:66] والقاسط الظالم، والماء الغدق هو الماء الكثير، ~~و { لنفتنهم }: معناه: لنختبرهم، قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه : حيث يكون الماء فثم المال، وحيث المال ~~فثم الفتنة، ونزع بهذه الآية، وقال الحسن وجماعة من التابعين: ~~كانت الصحابة رضي الله عنهم سامعين مطيعين فلما ~~فتحت كنوز كسرى وقيصر على الناس، ثارت الفتن، ~~و«نسلكه» ندخله، و { صعدا }: معناه: شاقا، وقال ابن عباس وأبو ~~سعيد الخدري: { صعدا } جبل في النار، { وأن المسجد ~~لله } قيل: أراد البيوت التي للعبادة والصلاة في كل ملة، وقال ~~الحسن: أراد بها كل موضع يسجد فيه؛ إذ الأرض كلها جعلت ~~مسجدا لهذه الأمة، وروي: أن هذه الآية نزلت بسبب تغلب ~~قريش على الكعبة حينئذ، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم المواضع ~~كلها لله فاعبده حيث كنت، قال * ع *: والمساجد المخصوصة ~~بينة التمكن في كونها لله تعالى، فيصلح أن تفرد ~~للعبادة، وكل ما هو خالص لله تعالى، وأن لا يتحدث ~~بها في أمور الدنيا، ولا يجعل فيها لغير الله نصيب. ### || [72.19-22] # وقوله تعالى: { وأنه لما قام عبد الله } يحتمل: أن ~~يكون خطابا من الله تعالى، ويحتمل: أن يكون إخبارا عن ~~الجن، وعبد الله هو محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في { ~~كادوا } يحتمل: أن يكون لكفار قريش، وغيرهم في اجتماعهم على ~~رد أمره صلى الله عليه وسلم، وقيل: الضمير للجن، والمعنى أنهم ~~كادوا يتقصفون عليه؛ لاستماع القرآن، وقال ابن جبير: معنى ~~الآية أنها قول الجن لقومهم؛ يحكون لهم، والعبد محمد ~~ عليه السلام ، والضمير في { كادوا } لأصحابه الذين ~~يطيعون له ويقتدون به في الصلاة فهم عليه لبد، ~~واللبد: الجماعات شبهت بالشيء المتلبد، وقال البخاري: ~~قال ابن عباس: { لبدا } أعوانا، انتهى،، و { يدعوه } معناه: ~~يعبده، وقيل: عبد الله في الآية المراد به نوح، وقرأ جمهور ~~السبعة: «قال إنما أدعوا ربي» وقرأ حمزة وعاصم ms1463 وأبو عمرو ~~بخلاف عنه: «قل» ثم أمر الله تعالى محمدا عليه السلام ~~بالتبري من القدرة، وأنه لا يملك لأحد ضرا ولا ~~نفعا، والملتحد: الملجأ الذي يمال إليه، ومنه الإلحاد وهو ~~الميل. ### || [72.23-24] # وقوله: { إلا بلاغا } قال قتادة: التقدير: لا أملك إلا ~~بلاغا إليكم، فأما الإيمان والكفر، فلا أملكه، وقال ~~الحسن: ما معناه أنه استثناء منقطع، والمعنى: لن يجيرني ~~من الله أحد إلا بلاغا فإني إن بلغت، رحمني بذلك، أي: ~~بسبب ذلك. # وقوله تعالى: { ومن يعص الله } يريد: بالكفر، بدليل تأبيد ~~الخلود. ### || [72.25-28] # وقوله تعالى: { قل إن أدرى أقريب ما توعدون } يعني ~~عذابهم الذي وعدوا به، والأمد المدة والغاية. # وقوله تعالى: { إلا من ارتضى من رسول } معناه فإنه ~~يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير، [ثم] يبث تعالى ~~حول ذلك الملك الرسول حفظة رصدا لإبليس وحزبه من ~~الجن والإنس. # وقوله تعالى: { ليعلم أن قد أبلغوا... } الآية، قال ابن ~~جبير: ليعلم محمد أن الملائكة الحفظة الرصد ~~النازلين بين يدي جبريل وخلفه قد أبلغوا رسالات ربهم، ~~وقال مجاهد: معناه ليعلم من كذب أو أشرك أن الرسل ~~قد بلغت، وقيل: المعنى ليعلم الله تعالى رسله ~~مبلغة خارجة إلى الوجود، لأن علمه بكل شيء قد ~~تقدم، والضمير في { أحاط } و { أحصى } لله سبحانه لا ~~غير. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # قوله عز وجل: { يأيها المزمل } نداء للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال السهيلي: المزمل اسم مشتق من حالته التي كان ~~عليها عليه السلام حين الخطاب، وكذلك المدثر، وفي خطابه ~~بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ~~ملاطفة المخاطب، وترك معاتبته سموه باسم مشتق من ~~حالته، كقوله عليه السلام لعلي حين غاضب فاطمة: قم أبا ~~تراب، إشعارا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له، والفائدة ~~الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله؛ لينتبه إلى قيام ~~الليل وذكر الله فيه، لأن الاسم المشتق من الفعل، يشترك فيه ~~مع المخاطب كل من عمل بذلك العمل، واتصف بتلك الصفة، ~~انتهى، والتزمل الالتفاف في الثياب، قال جمهور المفسرين ms1464 وهو في ~~البخاري وغيره: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك في غار حراء ~~وحاوره بما حاوره به، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~خديجة فقال: زملوني زملوني؛ فنزلت «يأيها المدثر» " # و[على هذا نزلت «يأيها المزمل»]. # وقوله تعالى: { قم اليل إلا قليلا } قال جمهور العلماء: هو ~~أمر ندب، وقيل كان فرضا وقت نزول الآية، وقال بعضهم: كان ~~فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وبقي كذلك حتى توفي، ~~وقيل غير هذا. # وقوله تعالى: { نصفه } يحتمل: أن يكون بدلا من قوله قليلا، * ~~ص *: { إلا قليلا } استثناء من الليل، و { نصفه } قيل: ~~بدل من الليل وعلى هذا يكون استثناء { إلا قليلا } منه، أي: قم ~~نصف الليل إلا قليلا منه، والضمير في قوله: { أو انقص منه } ، ~~{ أو زد عليه } عائد على النصف وقيل: { نصفه }: بدل من ~~قوله: { إلا قليلا } قال أبو البقاء، وهو أشبه بظاهر ~~الآية، انتهى، قال * ع *: وكيف ما تقلب المعنى فإنه أمر ~~بقيام نصف الليل، أو أكثر شيئا أو أقل شيئا، فالأكثر عند ~~العلماء لا يزيد على الثلثين، والأقل لا ينحط عن ~~الثلث، ويقوي هذا حديث ابن عباس في مبيته في بيت ميمونة؛ ~~قال: فلما انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال * ع *: ويلزم على هذا البدل الذي ~~ذكرناه أن يكون نصف الليل قد وقع عليه الوصف بقليل، وقد ~~يحتمل عندي قوله: { إلا قليلا } أن يكون استثناء من القيام، ~~فنجعل الليل اسم جنس ثم قال: { إلا قليلا } أي: إلا الليالي ~~التي تخل بقيامها لعذر، وهذا [النظر يحسن مع القول ~~بالندب جدا، قال * ص *: وهذا [النظر خلاف ظاهر الآية، ~~انتهى، والضمير في { منه } و { عليه } عائدان على] النصف. # وقوله سبحانه: { ورتل }: معناه في اللغة: تمهل وفرق ~~بين الحروف، لتبين، والمقصد أن يجد الفكر فسحة ~~للنظر وفهم المعاني، وبذلك يرق القلب، ويفيض عليه ~~النور والرحمة، قال ابن كيسان: المراد: تفهمه تاليا له، وروي ~~في صحيح الحديث: أن قراءة ms1465 رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ~~بينة مترسلة، لو شاء أحد أن يعد الحروف لعدها، قال ~~الغزالي في «الإحياء»: واعلم أن الترتيل والتؤدة أقرب ~~إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرا في القلب من الهدرمة ~~والاستعجال، والمقصود من القراءة التفكر، والترتيل ~~معين عليه، وللناس عادات مختلفة في الختم، وأولى ما ~~يرجع إليه في التقديرات قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~قال عليه الصلاة والسلام : # " من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، لم يفقهه " # وذلك لأن الزيادة عليها تمنع الترتيل المطلوب، وقد كره ~~جماعة الختم في يوم وليلة، والتفصيل في مقدار القراءة أنه إن ~~كان التالي من العباد السالكين طريق العمل، فلا ينبغي له ~~أن ينقص من ختمتين في الأسبوع، وإن كان من السالكين ~~بأعمال القلب وضروب الفكر، أو من المشغولين بنشر العلم ~~فلا بأس أن يقتصر في الأسبوع على ختمة، وإن كان نافذ ~~الفكر في معاني القرآن فقد يكتفي في الشهر بمرة لحاجته إلى ~~كثرة الترديد والتأمل، انتهى، وروى ابن المبارك في ~~«رقائقه»: قال: حدثنا إسماعيل عن أبي المتوكل الناجي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ذات ليلة بآية ~~من القرآن يكررها على نفسه " # ، انتهى. ### || [73.5-10] # وقوله تعالى: { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } يعني ~~القرآن، واختلف لم سماه ثقيلا، فقال جماعة من المفسرين: لما ~~كان يحل برسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقل الجسم؛ ~~حتى إنه كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته؛ بركت به ~~وحتى كادت فخذه أن ترض فخذ زيد بن ثابت رضي ~~الله عنه ، وقيل: لثقله على الكفار والمنافقين بإعجازه ~~ووعده ووعيده ونحو ذلك، وقال حذاق العلماء: معناه: ثقيل ~~المعاني من الأمر بالطاعات، والتكاليف الشرعية من الجهاد، ~~ومزاولة الأعمال الصالحات دائما، قال الحسن: إن الهذ خفيف ~~ولكن العمل ثقيل* ت *: والصواب عندي أن يقال: أما ثقله ~~باعتبار النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ما كان يجده عليه ~~السلام من الثقل المحسوس وأما ثقله باعتبار سائر الأمة ~~فهو ما ذكر من ثقل المعاني، وقد زجر مالك ms1466 سائلا سأله عن ~~مسألة وقال: يا أبا عبد الله؛ إنها مسألة خفيفة؛ فغضب ~~مالك وقال: ليس في العلم خفيف أما سمعت قول الله ~~تعالى: { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } فالعلم ~~كله ثقيل، انتهى من «المدارك» لعياض. # وقوله سبحانه: { إن ناشئة اليل } قال ابن جبير وغيره: هي ~~لفظة حبشية؛ نشأ الرجل إذا قام من الليل ف { ناشئة ~~} على هذا جمع ناشىء أي: قائم، و { أشد وطأ } معناه: ~~ثبوتا واستقلالا بالقيام، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وجماعة كابن ~~عباس وابن الزبير وغيرهم: «وطاء» بكسر الواو ممدودا على ~~وزن «فعال» على معنى المواطأة والموافقة، وهو أن يواطىء ~~قلبه لسانه، والمواطأة هي الموافقة، فهذه مواطأة صحيحة؛ لخلو ~~البال من أشغال النهار، وبهذا المعنى فسر اللفظ مجاهد ~~وغيره، قال الثعلبي: واختار هذه القراءة أبو عبيد وقال جماعة: { ~~ناشئة اليل } ساعاته كلها، لأنها تنشأ شيئا بعد ~~شيء، وقيل في تفسير { ناشئة اليل } غير هذا، وقرأ أنس بن ~~مالك «وأصوب قيلا» فقيل له: إنما هو { أقوم } فقال: أقوم ~~وأصوب واحد. # وقوله تعالى: { إن لك فى النهار سبحا طويلا } أي: ~~تصرفا وترددا في أمورك، ومنه السباحة في الماء، { ~~وتبتل } معناه: انقطع إليه انقطاعا؛ هذا لفظ ابن عطاء على ~~ما نقله الثعلبي، انتهى، وأما * ع* فقال: معناه انقطع من كل شيء ~~إلا منه وأفزع إليه، قال زيد بن أسلم: التبتل: رفض ~~الدنيا، ومنه بتل الحبل، و { تبتيلا } مصدر على غير ~~الصدر، قال أبو حيان: وحسنه كونه فاصلة، انتهى، قال ابن العربي ~~في «أحكامه»: فالتبتل المأمور به في الآية الانقطاع إلى ~~الله تعالى بإخلاص العبادة، وهو اختيار البخاري، ~~والتبتل المنهي عنه في الحديث هو سلوك مسلك النصارى في ~~ترك النكاح والترهب في الصوامع، انتهى، والوكيل القائم ~~بالأمر الذي توكل إليه الأشياء. # وقوله: { واهجرهم هجرا جميلا } منسوخ بآية السيف. ### || [73.11-14] # وقوله سبحانه: { وذرنى والمكذبين أولى النعمة } ~~الآية، وعيد بين، والمعنى لا تشغل بهم فكرك وكلهم ~~إلي، والنعمة: غضارة العيش وكثرة المال والمشار إليهم ~~كفار قريش أصحاب القليب ببدر، و { لدينا } بمنزلة ms1467 «عندنا» ~~والأنكال: جمع نكل، وهو القيد من الحديد، ويروى أنها ~~قيود سود من النار، والطعام ذو الغصة شجرة الزقوم، ~~قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عباس: شوك من نار يعترض في ~~حلوقهم وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة، وروي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق، والرجفان ~~الاهتزاز والاضطراب من فزع وهول، و«المهيل»: ~~اللين الرخو الذي يذهب بالريح، وقال البخاري: { كثيبا ~~مهيلا } رملا سائلا، انتهى. ### || [73.15-17] # وقوله تعالى: { إنا أرسلنا إليكم... } الآية، خطاب للعالم ~~لكن المواجهون قريش، و { شهدا عليكم } نحو قوله: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء:41] والوبيل: الشديد الردى. # وقوله تعالى: { فكيف تتقون } معناه: كيف تجعلون ~~وقاية لأنفسكم، و { يوما } مفعول ب { تتقون } ، وقيل: هو ~~مفعول ب { كفرتم } ويكون { كفرتم } بمعنى: جحدتم، ف { ~~تتقون } على هذا من التقوى، أي: تتقون عذاب الله، ويجوز أن ~~يكون { يوما } ظرفا والمعنى: تتقون عقاب الله يوما، وعبارة ~~الثعلبي: { فكيف تتقون إن كفرتم } أي كيف تتحصنون ~~من عذاب يوم يشيب فيه الطفل لهوله إن كفرتم، ثم ذكر نحو ما ~~تقدم، انتهى، وحكى * ص *:، عن بعض الناس جواز أن يكون { يوما ~~} ظرفا أي: فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في ~~الدنيا، * ت *: وهذا هو مراد * ع *، قال أبو حيان: و { شيبا } ~~مفعول ثان ل { يجعل } وهو جمع أشيب، انتهى. ### || [73.18-19] # وقوله تعالى: { السماء منفطر به } أي ذات انفطار، ~~والانفطار التصدع والانشقاق، والضمير في { به } قال منذر ~~وغيره: عائد على اليوم؛ وكذا قال * ص *: إن ضمير { به } يعود على ~~اليوم والباء سببية أو ظرفية، انتهى،، وفي صحيح مسلم من رواية عبد ~~الله بن عمرو: وذكر صلى الله عليه وسلم: # " بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، قال: فذلك ~~يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك { يوم يكشف عن ساق } ~~[القلم:42] " # الحديث، انتهى، وقيل: عائد على الله، أي منفطر بأمره ~~وقدرته، والضمير في قوله: { وعده } الظاهر أنه يعود على ~~الله تعالى. # وقوله تعالى: { إن هذه تذكرة... } الآية، الإشارة ms1468 ~~ب«هذه» تحتمل: إلى ما ذكر من الأنكال والجحيم، والأخذ ~~الوبيل، وتحتمل: أن تكون إلى السورة بجملتها، وتحتمل: أن ~~تكون إلى آيات القرآن بجملتها. # وقوله سبحانه: { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } ليس ~~معناه إباحة الأمر وضده، بل الكلام يتضمن الوعد والوعيد، ~~والسبيل هنا سبيل الخير والطاعة. ### || [73.20] # وقوله سبحانه: { إن ربك يعلم أنك تقوم... } الآية، ~~المعنى أن الله تعالى يعلم أنك تقوم أنت وغيرك من أمتك ~~قياما مختلفا مرة يكثر ومرة يقل، ومرة أدنى من الثلثين، ~~ومرة أدنى من النصف، ومرة أدنى من الثلث، وذلك لعدم تحصيل ~~البشر لمقادير الزمان، مع عذر النوم، وتقدير الزمان ~~حقيقة إنما هو لله تعالى، وأما البشر فلا يحصي ذلك، فتاب ~~الله عليهم، أي: رجع بهم من الثقل إلى الخفة وأمرهم ~~بقراءة ما تيسر، ونحو هذا تعطي عبارة الفراء، ومنذر فإنهما ~~قالا: تحصوه تحفظوه، وهذا التأويل هو على قراءة الخفض عطفا ~~على الثلثين وهي قراءة أبي عمرو ونافع وابن عامر، وأما من قرأ: ~~«ونصفه وثلثه» بالنصب عطفا على أدنى وهي قراءة باقي السبعة، ~~فالمعنى عندهم أن الله تعالى قد علم أنهم يقدرون الزمان ~~على نحو ما أمر به تعالى، في قوله: # نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه # [المزمل:3-4] فلم يبق إلا قوله: { أن لن تحصوه } فمعناه لن ~~يطيقوا قيامه لكثرته وشدته، فخفف الله عنهم فضلا ~~منه؛ لا لعلة جهلهم بالتقدير وإحصاء الأوقات، ونحو هذا تعطي ~~عبارة الحسن وابن جبير؛ فإنهما قالا: تحصوه: تطيقوه، وعبارة ~~الثعلبي: ومن قرأ بالنصب؛ فالمعنى: وتقوم نصفه وثلثه، ~~قال الفراء: وهو الأشبه بالصواب؛ لأنه قال أقل من ~~الثلثين، ثم ذكر تفسير القلة لا تفسير أقل من القلة، ~~انتهى، ولو عبر الفراء بالأرجح، لكان أحسن أدبا، وعن ~~عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على ~~كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ms1469 ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله " # ثم قال: # " اللهم، اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ، ~~ثم صلى قبلت صلاته " # ، رواه الجماعة إلا مسلما، وتعار بتشديد الراء ~~معناه: استيقظ، انتهى من «السلاح». # وقوله تعالى: { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } قال ~~الثعلبي أي: ما خف وسهل بغير مقدار من القراءة، ~~والمدة، وقيل: المعنى فصلوا ما تيسر فعبر بالقراءة عنها. ~~* ت *: وهذا هو الأصح عند ابن العربي، انتهى، قال * ع *: قوله: { ~~فاقرءوا ما تيسر من القرءان } هو أمر ندب في قول ~~الجمهور، وقال جماعة: هو فرض لا بد منه ولو خمسين آية، وقال ~~الحسن وابن سيرين: قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة، إلا ~~أن الحسن قال: من قرأ مائة آية لم يحاجه القرآن؛ ~~واستحسن هذا جماعة من العلماء؛ قال بعضهم: والركعتان بعد ~~العشاء مع الوتر داخلتان في امتثال هذا الأمر؛ ومن زاد ~~زاده الله ثوابا، * ت *: ينبغي للعاقل المبادرة إلى تحصيل ~~الخيرات قبل هجوم صولة الممات، قال الباجي في ~~«سنن الصالحين» له: قالت بنت الربيع بن خثيم لأبيها: يا أبت ~~ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام، قال: إن أباك ~~يخاف البيات، قال الباجي رحمه الله تعالى : ولي في هذا ~~المعنى: [من الرجز] # قد أفلح القانت في جنح الدجى # يتلو الكتاب العربي النيرا # [فقائما وراكعا وساجدا # مبتهلا مستعبرا مستغفرا] # له حنين وشهيق وبكا # يبل من أدمعه ترب الثرى # إنا لسفر نبتغي نيل الهدى # ففي السرى بغيتنا لا في الكرا # من ينصب الليل ينل راحته # عند الصباح يحمد القوم السرى # انتهى، والضرب في الأرض هو السفر للتجارة ابتغاء فضل الله ~~سبحانه، فذكر الله سبحانه أعذار بني آدم التي هي حائلة بينهم ~~وبين قيام الليل، ثم كرر سبحانه الأمر بقراءة ما تيسر منه ~~تأكيدا، والصلاة والزكاة هنا هما المفروضتان، فمن قال: إن ~~القيام من الليل غير واجب؛ قال: معنى الآية خذوا من هذا ~~النفل بما تيسر وحافظوا على فرائضكم، ومن قال: إن ~~شيئا من القيام واجب؛ قال: قد قرنه الله بالفرائض؛ ms1470 لأنه ~~فرض وإقراض الله تعالى هو إسلاف العمل الصالح عنده، وقرأ ~~جمهور الناس «هو خيرا» على أن يكون «هو» فصلا، قال بعض العلماء: ~~الاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية، ومن قوله تعالى: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحر ~~هم يستغفرون # [الذاريات:17-18] قال * ع *: وعهدت أبي رحمه الله ~~يستغفر الله إثر كل مكتوبة ثلاثا بعقب السلام، ~~ويأثر في ذلك حديثا، فكان هذا الاستغفار من التقصير وتقلب ~~الفكر أثناء الصلاة، وكان السلف الصالح يصلون إلى طلوع ~~الفجر؛ ثم يجلسون للاستغفار. * ت *: وما ذكره * ع *: رحمه ~~الله عن أبيه رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ~~ماجه عن ثوبان قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته، ~~استغفر ثلاثا وقال: «اللهم، أنت السلام ومنك ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام " # ، قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: ~~أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وفي ~~رواية لمسلم من حديث عائشة: # " يا ذا الجلال والإكرام " # ، انتهى من «سلاح المؤمن». ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-6] # قوله عز وجل: { يأيها المدثر * قم فأنذر } الآية، ~~اختلف في أول ما نزل من القرآن، فقال الجمهور هو: { اقرأ باسم ~~ربك } وهذا هو الأصح، وقال جابر وجماعة هو: { يأيها ~~المدثر } ، * ص *: والتدثر: لبس الدثار، وهو ~~الثوب الذي فوق الشعار، والشعار الثوب الذي يلي ~~الجسد؛ ومنه قوله: عليه السلام : # " الأنصار شعار، والناس دثار " # انتهى. # وقوله تعالى: { قم فأنذر } بعثة عامة إلى جميع الخلق. # { وربك فكبر } أي: فعظم. # { وثيابك فطهر } قال ابن زيد وجماعة: هو أمر بتطهير ~~الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى: وجوب ~~غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور: هذه الألفاظ ~~استعارة في تنقية الأفعال والنفس، والعرض، وهذا كما ~~تقول: فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر: دنس الثوب، قال ابن ~~العربي في «أحكامه»: والذي يقول إنها الثياب المجازية أكثر، ~~وكثيرا ما تستعمله العرب، قال أبو كبشة: [الطويل] # ثياب بني عوف طهارى نقية # وأوجههم عند المشاهد غران # يعني: بطهارة ثيابهم وسلامتهم من الدناءات، وقال غيلان ms1471 بن ~~سلمة الثقفي: [الطويل] # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة أتقنع # وليس يمتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة ~~والمجاز على ما بيناه في أصول الفقه، وإذا حملناها على الثياب ~~المعلومة؛ فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال؛ فإنها ~~إذا أرسلت تدنست، وتقصير الذيل أنقى لثوبه وأتقى ~~لربه، المعنى الثاني: غسلها من النجاسة فهو ظاهر منها ~~صحيح فيها، انتهى، قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ~~: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: يا ~~علي، طهر ثيابك من الدنس، تحظ بمدد الله في ~~كل نفس، فقلت: وما ثيابي يا رسول الله؟ فقال: ~~إن الله كساك [حلة المعرفة، ثم] حلة المحبة، ~~ثم حلة التوحيد، ثم حلة الإيمان، ثم حلة ~~الإسلام، فمن عرف الله صغر لديه كل شيء، ومن ~~أحب الله هان عليه كل شيء، ومن وحد الله، ~~لم يشرك به شيئا، ومن آمن بالله أمن من كل ~~شيء، ومن أسلم لله قلما يعصيه، وإن عصاه، ~~اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه، قبل عذره، قال: ~~ففهمت حينئذ معنى قوله عز وجل: { وثيابك ~~فطهر } انتهى من «التنوير» لابن عطاء الله. # { والرجز } يعني الأصنام والأوثان، وقال ابن عباس: الرجز ~~السخط يعني: اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، واختلف في معنى قوله ~~تعالى: { ولا تمنن تستكثر } فقال ابن عباس وجماعة: معناه لا ~~تعط عطاء لتعطى أكثر منه، فكأنه من قولهم: من إذا ~~أعطى، قال الضحاك: وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومباح ~~لأمته، لكن لا أجر لهم فيه، وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه ولا ~~تمنن على الله بجدك، تستكثر أعمالك، ويقع لك ~~بها إعجاب، قال * ع*: وهذا من المن الذي هو تعديد اليد ~~وذكرها، وقال مجاهد: معناه ولا تضعف تستكثر ما حملناك ~~من أعباء الرسالة، وتستكثر من الخير؛ وهذا من قولهم حبل ~~منين أي: ضعيف. ### || [74.7-10] # { ولربك فاصبر } أي لوجه ربك وطلب رضاه فاصبر على ~~أذى الكفار، وعلى العبادة وعن الشهوات وعلى تكاليف ~~النبوة، قال ابن زيد: ms1472 وعلى حرب الأحمر، والأسود، ~~ولقد حمل أمرا عظيما صلى الله عليه وسلم، والناقور: الذي ~~ينفخ فيه، وهو الصور؛ قاله ابن عباس وعكرمة؛ وهو فاعول من ~~النقر، قال أبو حباب القصاب: أمنا زرارة بن أوفى؛ ~~فلما بلغ { فإذا نقر فى الناقور } خر ميتا، قال ~~الفخر: قوله تعالى: { فذلك يومئذ يوم عسير } أي: على ~~الكافرين، لأنهم يناقشون { غير يسير } أي: بل كثير ~~شديد فأما المؤمنون؛ فإنه عليهم يسير؛ لأنهم لا ~~يناقشون، قال ابن عباس: ولما قال تعالى: { على الكفرين ~~غير يسير } دل على أنه يسير على المؤمنين، وهذا هو دليل ~~الخطاب، ويحتمل أن يكون إنما وصفه تعالى بالعسر لأنه في ~~نفسه كذلك للجميع من المؤمنين والكافرين، إلا أنه يكون هول ~~الكفار فيه أكثر وأشد، وعلى هذا القول يحسن الوقف على ~~قوله: { يوم عسير } انتهى. ### || [74.11-15] # وقوله تعالى: { ذرنى ومن خلقت وحيدا } الآية، لا خلاف ~~بين المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، ~~فروي أنه كان يلقب الوحيد أي: لأنه لا نظير له في ~~ماله وشرفه في بيته، فذكر الوحيد في جملة النعم التي ~~أعطي، وإن لم يثبت هذا فقوله تعالى: { خلقت وحيدا } ~~معناه: منفردا قليلا ذليلا، والمال الممدود قال مجاهد وابن ~~جبير: هو ألف دينار، وقال سفيان: بلغني أنه أربعة آلاف؛ وقاله ~~قتادة: وقيل عشرة آلاف دينار، قال * ع *: وهذا مد في العدد، ~~وقال عمر بن الخطاب: المال الممدود: الريع المستغل مشاهرة. # { وبنين شهودا } أي حضورا، قيل عشرة وقيل ثلاثة ~~عشر، قال الثعلبي: أسلم منهم ثلاثة خالد بن الوليد، وهشام، ~~وعمارة، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان ~~من ماله وولده حتى هلك، انتهى. # { ومهدت له تمهيدا } قال سفيان: المعنى بسطت له العيش ~~بسطا. ### || [74.16-28] # وقوله تعالى: { كلا } ردع وزجر له على أمنيته، و { ~~أرهقه } معناه أكلفه بمشقة وعسر، وصعود عقبة في ~~نار جهنم، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~كلما وضع عليها شيء من الإنسان ذاب، ثم يعود، ~~والصعود في ms1473 اللغة: العقبة الشاقة. # وقوله تعالى مخبرا عن الوليد: { إنه فكر وقدر } الآية، ~~روى جمهور من المفسرين: أن الوليد سمع من القرآن ما أعجبه ~~ومدحه، ثم سمع كذلك مرارا، حتى كاد أن يقارب الإسلام، ~~وقال: والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس، ~~ولا هو من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، ~~وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، ~~وما يعلى، فقالت قريش: صبأ الوليد والله لتصبأن قريش، ~~فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فحاجه أبو جهل وجماعة حتى غضب ~~الوليد، وقال: تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه ~~يخنق قط؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه ينطق ~~بشعر قط؟ قالوا: لا، قال: تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه يتكهن ~~قط؟ قالوا؛ لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه ~~شيئا من الكذب قط؟ قالوا: لا، وكانوا يسمونه قبل النبوة الأمين ~~لصدقه، فقالت قريش: ما عندك فيه؟ فتفكر في نفسه، فقال: ما ~~أرى فيه شيئا مما ذكرتموه فقالوا: هو ساحر، فقال: أما هذا فيشبه، ~~وألفاظ الرواة هنا متقاربة المعاني من رواية الزهري وغيره. # وقوله تعالى: { فقتل كيف قدر } قال الثعلبي وغيره: { ~~قتل } معناه: لعن، انتهى. # { وبسر } أي قطب ما بين عينيه واربد وجهه ثم أدبر ~~عن الهدى بعد أن أقبل إليه، وقال: { إن هذا إلا سحر ~~يؤثر } أي: يروى، أي: يرويه محمد عن غيره. # و { سقر } هي الدرك السادس من النار، { لا تبقى } على ~~من ألقي فيها { ولا تذر } غاية من العذاب إلا وصلته إليه. ### || [74.29-35] # وقوله تعالى: { لواحة للبشر } قال ابن عباس وجمهور الناس: ~~معناه مغيرة للبشرات ومحرقة للجلود مسودة لها، ~~فالبشر جمع بشرة، وقال الحسن وابن كيسان: { لواحة } ~~بناء مبالغة من لاح يلوح إذا ظهر، فالمعنى أنها تظهر للناس ~~وهم البشر من مسيرة خمسمائة عام، وذلك لعظمها وهولها ~~وزفيرها. # وقوله تعالى: { عليها تسعة عشر } لا خلاف بين العلماء ~~أنهم خزنة جهنم المحيطون بأمرها الذين إليهم جماع أمر ~~زبانيتها، وروي أن قريشا لما سمعت هذا ms1474 كثر لغطهم فيه، ~~وقالوا: ولو كان هذا حقا، فإن هذا العدد قليل، وقال أبو جهل: ~~هؤلاء تسعة عشر، وأنتم الدهم أي: الشجعان: أفيعجز ~~عشرة منا عن رجل منهم إلى غير هذا من أقوالهم السخيفة. # وقوله تعالى: { وما جعلنا أصحب النار إلا ملئكة ~~} تبيين لفساد أقوال قريش، أي: إنا جعلناهم خلقا لا قبل ~~لاحد من الناس بهم وجعلنا عدتهم هذا القدر فتنة للكفار ~~ليقع منهم من التعاطي والطمع في المغالبة ما وقع، ~~وليستيقن أهل الكتاب التوراة والإنجيل أن هذا القرآن من ~~عند الله، إذ هم يجدون هذه العدة في كتبهم المنزلة، ~~قال هذا المعنى ابن عباس وغيره، وبورود الحقائق من عند الله ~~ عز وجل يزداد كل ذي إيمان إيمانا، ويزول الريب ~~عن المصدقين من أهل الكتاب ومن المؤمنين. # وقوله سبحانه: { وليقول الذين فى قلوبهم مرض... } ~~الآية، نوع من الفتنة لهذا الصنف المنافق أو الكافر، أي حاروا ~~ولم يهتدوا لمقصد الحق، فجعل بعضهم يستفهم ~~بعضا عن مراد الله بهذا المثل، استبعادا أن يكون هذا من عند ~~الله، قال الحسين بن الفضل: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ~~وإنما المرض في هذه الآية الاضطراب وضعف الإيمان، ثم قال ~~تعالى: { وما يعلم جنود ربك إلا هو } إعلاما بأن ~~الأمر فوق ما يتوهم، وأن الخبر إنما هو عن بعض ~~القدرة لا عن كلها، * ت *: صوابه أن يقول عن بعض ~~المقدورات لا عن كلها؛ وهذا هو مراده، ألا تراه قال في ~~قوله تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه # [البقرة:255] قال: يعني بشيء من معلوماته؛ لأن علمه تعالى لا ~~يتجزأ، فافهم راشدا، والسموات كلها عامرة بأنواع من ~~الملائكة؛ كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم، لا فترة ~~في شيء من ذلك، ولا دقيقة واحدة، قال مجاهد: والضمير في قوله: { ~~وما هى } للنار المذكورة، أي: يذكر بها البشر ~~فيخافونها، فيطيعون الله، وقال بعضهم: قوله: { وما هى } ~~يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة، وأقسم تعالى بالقمر ~~وما بعده تنبيها على النظر في ذلك والفكر المؤدي إلى ~~تعظيمه تعالى وتحصيل معرفته تعالى ms1475 مالك الكل وقوام الوجود، ~~ونور السماوات والأرض، لا إله إلا هو العزيز القهار، وأدبر ~~الليل معناه ولى، وأسفر الصبح أضاء وانتشر ضوؤه، قال ابن زيد ~~وغيره: الضمير في قوله: { إنها لإحدى الكبر } لجهنم، ~~ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة وأمر الآخرة؛ فهو للحال ~~والقصة، * ص *: والكبر جمع كبرى، وفي * ع *: جمع كبيرة ~~ولعله وهم من الناسخ، انتهى. ### || [74.36-41] # وقوله سبحانه: { نذيرا للبشر } قال الحسن: لا نذير أدهى ~~من النار، وقال ابن زيد: { نذيرا للبشر } هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقوله سبحانه: { لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ~~} قال الحسن: هو وعيد نحو قوله: # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # [الكهف:29]، ثم قوى سبحانه هذا المعنى بقوله: { كل نفس بما ~~كسبت رهينة }: إذ لزم بهذا القول أن المقصر مرتهن بسوء ~~عمله، وقال الضحاك: المعنى: كل نفس حقت عليها كلمة العذاب، ولا ~~يرتهن تعالى أحدا من أهل الجنة إن شاء الله. # وقوله تعالى: { إلا أصحب اليمين } استثناء ظاهره ~~الانفصال، تقديره: لكن أصحاب اليمين في جنات. # * ص *: { في جنت } أي: هم في جنات، فيكون خبر مبتدإ محذوف. # * م *: وأعربه أبو البقاء حالا من الضمير في { يتساءلون } ، ~~انتهى. # قال ابن عباس: { أصحب اليمين } هنا الملائكة، وقال ~~الضحاك: هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وقال الحسن وابن ~~كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين. # * ت *: وأسند أبو عمر بن عبد البر عن علي ابن أبي طالب في قوله تعالى: { ~~كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحب اليمين } ~~قال: أصحاب اليمين: أطفال المسلمين، انتهى من التمهيد. ### || [74.42-49] # وقولهم: { ما سلككم } أي: ما أدخلكم، فيحتمل أن يكون من قول ~~أصحاب اليمين الآدميين أو من قول الملائكة. # وقوله تعالى: { قالوا } يعني الكفار { لم نك من ~~المصلين... } الآية، وفي نفي الصلاة يدخل الإيمان بالله، ~~والمعرفة به، والخشوع له { ولم نك نطعم المسكين } يشمل ~~الصدقة فرضا كانت أو نفلا، والخوض مع الخائضين: عرفه في الباطل ~~والتكذيب بيوم الدين كفر صراح { حتى أتنا اليقين } يعني ~~الموت؛ قاله المفسرون. # قال * ع ms1476 *: وعندي: أن اليقين صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع ~~إلى الله والدار الآخرة، وقد تقدم ذكر أحاديث الشفاعة؛ قال الفخر: ~~واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع ~~الشريعة، والاستقصاء فيه قد ذكرناه في المحصول انتهى. ### || [74.50-56] # وقوله تعالى في صفة الكفار المعرضين: { كأنهم حمر ~~مستنفرة } إثبات لجهلهم؛ لأن الحمر من جاهل الحيوان جدا، وفي ~~حرف ابن مسعود: «حمر نافرة» قال ابن عباس وأبو هريرة وجمهور من ~~اللغويين: القسورة: الأسد، وقيل غير هذا، { بل يريد كل امرىء ~~منهم } أي: من هؤلاء { أن يؤتى صحفا منشرة } أي: ~~يريد كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاب من الله، ومنشرة، أي: منشورة ~~غير مطوية. # وقوله: { كلا } رد على إرادتهم، أي: ليس الأمر كذلك، ثم قال: { ~~بل لا يخافون الأخرة } المعنى: هذه هي العلة والسبب في ~~إعراضهم، فكان جهلهم بالآخرة سبب امتناعهم من الهدى حتى هلكوا، ثم ~~أعاد تعالى الرد والزجر بقوله: { كلا } وأخبر أن هذا القول ~~والبيان وهذه المحاورة بجملتها { تذكرة } { فمن شاء }: ووفقه ~~الله لذلك، ذكر معاده؛ فعمل له، ثم أخبر سبحانه أن ذكر الإنسان ~~معاده وجريه إلى فلاحه؛ إنما هو كله بمشيئة الله تعالى، وليس ~~يكون شيء إلا بها، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن كثير: «يذكرون» ~~بالياء من تحت. # وقوله سبحانه: { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } خبر ~~جزم معناه: أن الله عز وجل أهل بصفاته العلى ونعمه التي لا ~~تحصى لأن يتقى ويطاع أمره، ويحذر عصيانه، وأنه ~~بفضله وكرمه أهل أن يغفر لعباده إذا اتقوه؛ روى ابن ~~ماجه عن أنس: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } فقال: قال الله تعالى: ~~أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله آخر، فمن ~~اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن ~~أغفر له " # وأخرجه أبو عيسى الترمذي بمعناه، وقال: حديث حسن، انتهى. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-9] # قوله عز وجل: { لا أقسم بيوم القيمة * ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة } هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن ms1477 كثير: ~~«لأقسم بيوم القيامة ولأقسم» فقيل: على قراءة الجمهور ~~«لا» زائدة، وقال الفراء: «لا» نفي لكلام الكفار، وزجر لهم، ورد ~~عليهم، وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بيوم القيامة ~~وبالنفس اللوامة، أقسم سبحانه بيوم القيامة؛ تنبيها منه على عظمه ~~وهوله؛ قال الحسن: النفس اللوامة: هي اللوامة لصاحبها في ترك ~~الطاعة ونحو ذلك، فهي على هذا ممدوحة؛ ولذلك أقسم الله بها، وقال ابن ~~عباس وقتادة: اللوامة: هي الفاجرة، اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي ~~الدنيا وأعراضها، وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها، والنفس في الآية ~~اسم جنس. # قال * ع *: وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة ~~بالسوء فإنها لوامة في الطرفين، مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة ~~تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت، قال الثعلبي: وجواب ~~القسم محذوف تقديره: لتبعثن، دل عليه قوله: { أيحسب ~~الإنسن ألن نجمع عظامه } أي: للإحياء والبعث، والإنسان ~~هنا الكافر المكذب بالبعث، انتهى، والبنان: الأصابع، و { نسوى ~~بنانه } معناه: نتقنها سوية؛ قاله القتبي، وهذا كله عند البعث، ~~وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: المعنى: بل نحن قادرون أن نسوي بنانه، ~~أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو كحافر ~~الحمار، لا يمكنه أن يعمل بها شيئا، ففي هذا توعد ما، والقول ~~الأول أجرى مع رصف الكلام. # { بل يريد الإنسن ليفجر أمامه } معناه: أن الإنسان ~~إنما يريد شهواته ومعاصيه؛ ليمضي فيها أبدا راكبا رأسه، ومطيعا ~~أمله، ومسوفا توبته؛ قال البخاري: { ليفجر أمامه } يقول: ~~سوف أتوب، سوف أعمل، انتهى. # قال الفخر: قوله: { ليفجر أمامه } فيه قولان: # الأول: ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه؛ فعن ~~ابن جبير: يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب ~~حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوإ أعماله. # القول الثاني: { ليفجر أمامه } أي: يكذب بما أمامه من ~~البعث والحساب؛ لأن من كذب حقا كان مفاجرا، والدليل على هذا القول ~~قوله تعالى: { يسئل أيان يوم القيمة } أي: متى يكون ~~ذلك؛ تكذيبا له، انتهى. # وسؤال ms1478 الكفار { أيان } هو على معنى التكذيب والهزء، و { أيان } ~~بمعنى: متى، وقرأ نافع وعاصم بخلاف: «برق البصر» بفتح الراء ~~ بمعنى: لمع وصار له بريق، وحار عند الموت، وقرأ أبو عمرو وغيره ~~بكسرها بمعنى: شخص، والمعنى متقارب، قال مجاهد: هذا عند الموت، وقال ~~الحسن: هذا في يوم القيامة، قال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين: الخسوف ~~والكسوف بمعنى واحد، وقال ابن أبي أويس: الكسوف: ذهاب بعض الضوء، ~~والخسوف: ذهاب جميعه، وروى عروة وسفيان أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " لا تقولوا كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت " # وقرأ ابن مسعود: «وجمع بين الشمس والقمر» واختلف في معنى ~~الجمع بينهما فقال عطاء: يجمعان فيقذفان في النار، وقيل: في البحر فيصيرا ~~نار الله العظمى، وقيل: يجمع الضوءان فيذهب بهما؛ قال ~~الثعلبي: وقال علي وابن عباس: يجعلان في نور الحجب، انتهى. ### || [75.10-13] # { يقول الإنسن يومئذ أين المفر } أي: أين الفرار { ~~كلا لا وزر } أي: لا ملجأ، و { المستقر } موضع الاستقرار. # وقوله تعالى: { ينبأ الإنسن يومئذ بما قدم ~~وأخر } [أي]: يعلم بكل ما فعل، ويجده محصلا، وقال ابن عباس ~~وابن مسعود: بما قدم في حياته، وما أخر من سنة بعد مماته. ### || [75.14-19] # وقوله تعالى: { بل الإنسن على نفسه بصيرة } قال ابن ~~عباس وغيره: أي: للإنسان على نفسه من نفسه بصيرة رقباء يشهدون عليه، ~~وهم جوارحه وحفظته، ويحتمل أن يكون المعنى: بل الإنسان على نفسه ~~شاهد؛ ودليله قوله تعالى: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء:14] قال الثعلبي: قال أبان بن تعلب: البصيرة ~~والبينة والشاهد بمعنى واحد انتهى، ونحوه للهروي؛ قال * ع *: ~~والمعنى على هذا التأويل الثاني: أن في الإنسان وفي عقله وفطرته ~~حجة وشاهدا مبصرا على نفسه. # { ولو ألقى معاذيره } أي: ولو اعتذر عن قبيح أفعاله، فهو ~~يعلمها، قال الجمهور: والمعاذير هنا جمع معذرة، وقال الضحاك ~~والسدي: هي الستور بلغة اليمن؛ يقولون للستر: المعذار. # وقوله تعالى: { لا تحرك به لسانك } الآية، قال كثير من ~~المفسرين، وهو في «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال: # " كان النبي صلى الله ms1479 عليه وسلم يعالج من التنزيل ~~شدة وكان مما يحرك شفتيه؛ مخافة أن يذهب ~~عنه ما يوحى إليه " # ، فنزلت الآية بسبب ذلك، وأعلمه تعالى أنه ~~يجمعه له في صدره. # وقوله: { وقرءانه } يحتمل أن يريد وقراءته، أي: تقرأه أنت يا ~~محمد. # وقوله: { فإذا قرأنه } أي: قرأه الملك الرسول عنا { ~~فاتبع قرءانه } ، قال البخاري: قال ابن عباس: { فاتبع } ~~، أي: اعمل به، وقال البخاري أيضا قوله: { إن علينا جمعه ~~وقرءانه } أي: تأليف بعضه إلى بعض { فإذا قرأنه ~~فاتبع قرءانه } أي: ما جمع فيه، فاعمل بما أمرك، وانته عما ~~نهاك عنه انتهى. # وقوله تعالى: { ثم إن علينا بيانه } قال قتادة وجماعة: ~~معناه: أن نبينه لك، وقال البخاري: أن نبينه على لسانك. ### || [75.20-25] # وقوله تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة } أي: الدنيا ~~وشهواتها؛ قال الغزالي في «الإحياء»: اعلم أن رأس الخطايا المهلكة ~~هو حب الدنيا، ورأس أسباب النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، ~~وقال رحمه الله: اعلم أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله سبحانه ~~في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا، ولا تحصل المحبة ~~إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس ~~إلا بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا ~~بانقلاع حب الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلا بترك لذات ~~الدنيا وشهواتها، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات، ولا ~~تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف المحرقة للشهوات، ~~انتهى. # وقرأ ابن كثير وغيره: «يحبون» و«يذرون» بالياء على ذكر الغائب، ~~ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: { وجوه ~~يومئذ ناضرة } أي: ناعمة، والنضرة: النعمة وجمال البشرة؛ ~~قال الحسن: وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى خالقها. # وقوله تعالى: { إلى ربها ناظرة } حمل جميع أهل السنة ~~هذه الآية على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز وجل بلا تكييف ولا ~~تحديد كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مرئي ~~لا يشبه المرئيات في شيء؛ فإنه ليس كمثله شيء لا إله إلا هو، ms1480 ~~وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، ~~والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العبوس، وإنما ذكر ~~تعالى الوجوه؛ لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم، والمراد ~~أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فقار الظهر؛ وقال أبو ~~عبيدة: هي من فقرت [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار. ### || [75.26-30] # وقوله تعالى: { كلا إذا بلغت... } زجر وتذكير أيضا بموطن من ~~مواطن الهول، وهي حالة الموت الذي لا محيد عنه، و { بلغت } يريد: ~~النفس و { التراقى } جمع ترقوة، وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد ~~ترقوتان، لكن جمع من حيث أن النفس المرادة اسم جنس، ~~والتراقي هي موارية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ونزع ~~الموت يسره الله علينا بمنه، وجعله لنا راحة من كل ~~شر واختلف في معنى قوله تعالى: { وقيل من راق } فقال ~~ابن عباس وجماعة: معناه: من يرقي، ويطب، ويشفي، ونحو هذا ~~مما يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضا، وسليمان التيمي، ~~ومقاتل: هذا القول للملائكة، والمعنى: من يرقى بروحه، أي: يصعد بها إلى ~~السماء أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب. # { وظن أنه الفراق } أي: أيقن، وهذا يقين فيما لم يقع ~~بعد؛ ولذلك استعملت فيه لفظة الظن. # وقوله تعالى: { والتفت الساق بالساق } قال ابن ~~المسيب، والحسن: هي حقيقة، والمراد: ساقا الميت عند تكفينه، أي: ~~لفهما الكفن، وقيل: هو التفافهما من شدة المرض، وقيل غير هذا. ### || [75.31-33] # وقوله تعالى: { فلا صدق ولا صلى } الآية: قال جمهور ~~المتأولين: هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل؛ قال * ع *: ثم كادت ~~هذه الآية أن تصرح به في قوله: { يتمطى } فإنها كانت ~~مشيته، وقوله: { فلا صدق ولا صلى } تقديره فلم: يصدق ~~ولم يصل ف«لا» في الآية: نفي لا عاطفة. # * ص *: { فلا صدق } فيه دليل على أن «لا» تدخل على الماضي ~~فتنفيه؛ كقوله الراجز: [من الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # انتهى. # و { صدق } معناه: برسالة الله ودينه، وذهب قوم إلى أنه من ~~الصدقة، ms1481 والأول أصوب و { يتمطى } معناه: يمشي المطيطاء، وهي ~~مشية بتبختر، وهي مؤخوذة من المطا وهو الظهر؛ لأنه يتثنى فيها، زاد ~~* ص *: وقيل: أصله يتمطط، أي: يتمدد في مشيه ومد منكبيه، انتهى. ### || [75.34-40] # وقوله: { أولى لك }: وعيد. # { فأولى } وعيد ثان، وكرر ذلك؛ تأكيدا، ومعنى { أولى لك ~~} الازدجار والانتهار، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجرا؛ ومنه فأولى لهم ~~طاعة، # " ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لبب أبا جهل ~~يوما في البطحاء وقال له: «إن الله يقول لك { ~~أولى لك فأولى } » " # فنزل القرآن على نحوها؛ وفي شعر الخنساء: [المتقارب] # هممت بنفسي كل الهموم # فأولى لنفسي أولى لها # وقوله تعالى: { أيحسب }: توبيخ و { سدى }: معناه: مهملا لا ~~يؤمر ولا ينهى، ثم قرر تعالى أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا ~~تؤملت لم ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل، والعلقة ~~القطعة من الدم. # { فخلق فسوى } أي: فخلق الله منه بشرا مركبا من أشياء ~~مختلفة، فسواه شخصا مستقلا، و { الزوجين }: النوعين، ثم وقف ~~تعالى توقيف توبيخ بقوله: { أليس ذلك بقدر على أن ~~يحيى الموتى } # " روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: ~~بلى " # ، وروي أنه كان يقول: # " سبحانك اللهم وبحمدك، بلى " # انظر «سنن أبي داود». ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-5] # [قوله تعالى: { هل أتى على الإنسن... } الآية، { هل } في ~~كلام العرب قد تجيء] بمعنى { قد }؛ حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من ~~تقرير، وبابها المشهور الاستفهام المحض، والتقرير أحيانا؛ قال ابن ~~عباس: «هل» بمعنى «قد»، والإنسان يراد به آدم، وقال أكثر المتأولين: «هل» ~~تقرير، الإنسان: اسم جنس، أي: إذا تأمل كل إنسان نفسه علم ~~بأنه قد مر حين من الدهر عظيم لم يكن فيه شيئا مذكورا، وهذا ~~هو القوي أن الإنسان اسم جنس، وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من ~~الناس؛ ليعلم أن الخالق له قادر على إعادته. # * ص *: { لم يكن شيئا مذكورا } في موضع حال من { ~~الإنسن } أو في موضع صفة ل { حين } والعائد عليه محذوف، أي: لم ~~يكن فيه، انتهى. ms1482 # وقوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسن... } الآية، الإنسان هنا: ~~اسم جنس بلا خلاف، وأمشاج معناه: أخلاط؛ قيل: هو { أمشاج } ماء ~~الرجل بماء المرأة، ونقل الفخر أن الأمشاج لفظ مفرد، وليس ~~يجمع، بدليل أنه وقع صفة للمفرد، وهو قوله: { نطفة } ، ~~انتهى. # { نبتليه } أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من ~~الضمير في { خلقنا } كأنه قال: مختبرين له بذلك. # وقوله تعالى: { فجعلنه سميعا بصيرا } عطف جملة نعم ~~على جملة نعم، وقيل: المعنى: فلنبتليه جعلناه سميعا بصيرا و { ~~هدينه }: يحتمل: أن يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أن يكون بمعنى ~~أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة ~~الثعلبي: { هدينه السبيل } بينا له وعرفناه ~~طريق الهدى والضلال، والخير والشر؛ كقوله: # وهدينه النجدين # [البلد:10] انتهى. # وقوله تعالى: { إما شاكرا وإما كفورا } حالان، وقسمتهما { ~~إما } ، و { الأبرار }: جمع بار؛ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون ~~الذر، ولا يرضون الشر، قال قتادة: نعم قوم يمزج لهم بالكافور، ~~ويختم لهم بالمسك، قال الفراء: يقال إن في الجنة عينا تسمى ~~كافورا. ### || [76.6-8] # وقوله تعالى: { عينا } قيل: هو بدل من قوله: { كفورا } وقيل: هو ~~مفعول بقوله: { يشربون } أي: ماء هذه العين من كأس عطرة ~~كالكافور، وقيل: نصب { عينا } على المدح أو بإضمار «أعني». # قوله تعالى: { يشرب بها } بمنزلة [يشربها]، فالباء زائدة؛ قال ~~الثعلبي: قال الواسطي: لما اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم ~~في الآخرة، انتهى. # قال * ص *: وقيل: الباء في { بها } للإلصاق والاختلاط، أي: يشرب بها ~~عباد الله الخمر؛ كما تقول: شربت الماء بالعسل، انتهى. # وقوله تعالى: { يفجرونها } معناه: يفتقونها ويقودونها حيث شاؤوا ~~من منازلهم وقصورهم، فهي تجري عند كل أحد منهم، ورد بهذا الأثر، ~~وقيل: عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء ~~والمؤمنين؛ قال * ع *: وهذا قول حسن، ثم وصف تعالى حال الأبرار فقال: { ~~يوفون بالنذر ويخفون يوما كان شره مستطيرا ~~} أي: ممتدا متصلا شائعا. # وقوله تعالى: { على حبه } يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، ~~وهو قول ابن عباس، ويحتمل أن يعود ms1483 على الله تعالى؛ قاله أبو سليمان ~~الداراني. # وقوله: { وأسيرا } قال الحسن: ما كان أسراهم إلا مشركين؛ لأن ~~في كل ذي كبد رطبة أجرا. # * ت *: وفي «العتبية» سئل مالك عن الأسير في هذه الآية أمسلم هو أم ~~مشرك، فقال: بل مشرك، وكان ببدر أسارى، فأنزلت فيهم هذه الآية؛ فقال ابن ~~رشد: والأظهر حمل الآية على كل أسير، مسلما كان أو كافرا، انتهى يعني: ~~وإن كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامة في كل أسير إلى يوم القيامة، ~~وقال أبو سعيد الخدري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " { مسكينا } [قال:] فقيرا { ويتيما } قال: لا أب له { ~~وأسيرا } قال: المملوك والمسجون " # ، وأسند القشيري في رسالته عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لكل شيء مفتاح، ومفتاح الجنة حب المساكين، ~~والفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة " # انتهى. # وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " اللهم، أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني ~~في زمرة المساكين يوم القيامة، فقالت عائشة: ~~لم يا رسول الله؟! قال: إنهم يدخلون الجنة قبل ~~أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة، لا تردي ~~المسكين، ولو بشق تمرة، يا عائشة، أحبي ~~المساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم ~~القيامة " # قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، انتهى. ### || [76.9-19] # وقوله: { إنما نطعمكم... } الآية، قال مجاهد، وابن جبير: ما ~~تكلموا به، ولكنه علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم؛ ليرغب في ذلك ~~راغب، ووصف اليوم بعبوس تجوز، والقمطرير: هو في معنى ~~العبوس والإربداد؛ تقول: اقمطر الرجل: إذا جمع ما بين ~~عينيه. غضبا، وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل ما ~~بين عينيه كالقطران، وعبر ابن عباس عن القمطرير بالطويل، ~~وعبر عنه غيره بالشديد؛ وذلك كله قريب في المعنى، والنضرة: جمال ~~البشرة وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين. # وقوله: { بما صبروا } عام في الصبر عن الشهوات وعلى الطاعات ~~والشدائد، وفي هذا يدخل كل ما خصص المفسرون من ms1484 صوم، وفقر، ونحوه. # وقوله سبحانه: { لا يرون فيها شمسا... } الآية، عبارة عن ~~اعتدال هوائها وذهاب ضرري الحر والقر، والزمهرير: ~~أشد البرد، والقطوف: جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه، ~~والقوارير: الزجاج. # وقوله تعالى: { من فضة } يقتضي أنها من زجاج ومن فضة، وذلك ~~متمكن؛ لكونه من زجاج في شفوفه ومن فضة في جوهره، وكذلك فضة الجنة ~~شفافة، [قال القرطبي في «تذكرته»: وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم ~~قوارير، وأن تراب الجنة فضة، فهي قوارير من فضة؛ قاله ابن عباس، ~~انتهى]. # وقوله تعالى: { قدروها تقديرا } أي: على قدر ريهم؛ ~~قاله مجاهد، أو على قدر الأكف قاله الربيع، وضمير { قدروها } ~~يعود إما على الملائكة، أو على الطائفين، أو على المنعمين. # وقوله سبحانه: { عينا فيها تسمى سلسبيلا } «عينا» بدل ~~من «كأس» أو من «عين» على القول الثاني، و { سلسبيلا } قيل: هو اسم ~~بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد: حديدة الجرية، وقال آخرون: ~~{ سلسبيلا } صفة لقوله: { عينا } و { تسمى } بمعنى توصف ~~وتشهر، وكونه مصروفا مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسما. # وقوله تعالى: { حسبتهم لؤلؤا منثورا } قال الإمام الفخر: ~~وفي كيفية التشبيه وجوه. # أحدها: أنهم شبهوا في حسنهم، وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في ~~مجالسهم ومنازلهم في أنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور، ولو كانوا صفا ~~لشبهوا باللؤلؤ المنظوم؛ ألا ترى أنه تعالى قال: { ويطوف ~~عليهم ولدن } فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين. # الثاني: أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقا ~~يكون أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض. # الثالث: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه؛ لأنه أحسن ~~وأجمل، انتهى. ### || [76.20-22] # وقوله تعالى: { وإذا رأيت ثم } قال الفراء: التقدير: ~~وإذا رأيت ما ثم رأيت نعيما، فحذفت «ما» وكررت الرؤية؛ ~~مبالغة { وملكا كبيرا }: وهو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه ~~مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وخرجه الترمذي، وفي ~~الترمذي أيضا من رواية أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف ms1485 خادم ~~واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من ~~لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى ~~صنعاء " # انتهى، وقال سفيان: الملك الكبير هو استئذان الملائكة، وتسليمهم ~~عليهم، وتعظيمهم لهم، قال الثعلبي: قال محمد بن علي الترمذي: يعني ~~ملك التكوين إذا أرادوا شيئا كان، انتهى. # * ت *: وجميع ما ذكر داخل في الملك الكبير، وقرأ نافع وحمزة: ~~«عاليهم» وقرأ الباقون: «عاليهم» بالنصب، والمعنى: فوقهم، قال ~~الثعلبي: وتفسير ابن عباس قال: أما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها أفضل ~~منها، انتهى، وقرأ حمزة والكسائي: «خضر وإستبرق» بالخفض ~~فيهما، وباقي الآية بين. ### || [76.23-26] # وقوله سبحانه: { إنا نحن نزلنا عليك القرءان... } ~~الآية تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لنفسه على أذى قريش، ~~والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضا يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من ~~العصاة أو كفور بالله، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأبا { بكرة ~~وأصيلا } { ومن اليل }: بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ~~ويحتمل أن يريد قول: سبحان الله، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضا ~~ثم نسخ، وقال آخرون: هو محكم على وجه الندب، وقال ابن العربي في ~~«أحكامه»: أما قوله تعالى: { وسبحه ليلا طويلا } فإنه ~~عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله كما تقدم، ~~وقد يحتمل أن يكون هذا خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~الجميع، ثم نسخ عنا، وبقي عليه صلى الله عليه وسلم، والأول ~~أظهر، انتهى. ### || [76.27-28] # وقوله: { إن هؤلآء } يعني كفار قريش { يحبون ~~العاجلة } يعني: الدنيا، واعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، ~~وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند ~~الناس يحبك الناس " # رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، قال ابن الفاكهاني: قال ~~القاضي أبو الوليد ابن رشد: وأما الباعث على الزهد فخمسة أشياء: # أحدها: أنها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر الله تعالى. # والثاني: أنها تنقص عند الله درجات من ركن إليها. # والثالث: أن تركها قربة من الله تعالى وعلو مرتبة عنده في ms1486 درجات ~~الآخرة. # والرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم. # والخامس: رضوان الله تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها؛ قال الله عز ~~وجل: # ورضون من الله أكبر # [التوبة:72] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلا ~~هذه الخصلة التي هي رضوان الله تعالى لكان ذلك كافيا ، فنعوذ ~~بالله من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سمي باسم الزهد فقد ~~سمي بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في ~~الدنيا والآخرة، فالزهاد هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء؛ ~~لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعقل الناس ~~صرف إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثا»، ولفظ أبي الحسن ~~الماوردي: وقد قيل: العاقل من عقل من الله أمره ونهيه حتى قال ~~أصحاب الشافعي فيمن أوصى بثلث ماله: لأعقل الناس أنه يكون ~~مصروفا للزهاد؛ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، ~~والأسر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاري: { ~~أسرهم }: شدة الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، ~~والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى؛ قال * ع *: ومن اللفظة: ~~الإسار، وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعدهم سبحانه ~~بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على منكري البعث، أي: من هذه ~~قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!. # وقال الثعلبي: { بدلنا أمثلهم تبديلا } قال ابن ~~عباس: يقول: أهلكناهم، وجئنا بأطوع لله منهم، انتهى. ### || [76.29-31] # وقوله تعالى: { إن هذه تذكرة } القول فيها كالتي في سورة ~~المزمل. # وقوله سبحانه: { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } كلام ~~واضح لا يفتقر إلى تفسير، جعلنا الله ممن اهتدى بأنواره، وعمت عليه ~~بركته في أفعاله وأقواله؛ قال الباجي: قال بعض أهل داود الطائي: ~~قلت له يوما: إنك قد عرفت فأوصني، قال: فدمعت عيناه ثم قال: يا ~~أخي، إنما الليل والنهار مراحل يرحلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ~~تنتهي بهم إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم من أول مرحلة ~~زادا لما بين يديك فافعل؛ فإن ms1487 انقطاع السفر قريب، والأمر أعجل من ذلك؛ ~~فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأن بالأمر قد ~~بغتك، ثم قام وتركني، انتهى من «سنن الصالحين». # وقوله تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله }: نفي ~~لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ~~مالهم من الاكتساب، وقرأ عبد الله: «وما تشاءون إلا ما شاء ~~الله». # وقوله تعالى: { عليما حكيما } معناه: يعلم ما ينبغي أن ييسر ~~عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-6] # قوله تعالى: { والمرسلت عرفا } يعني: الرياح يتبع ~~بعضها بعضا، قاله ابن عباس، وابن مسعود، ومجاهد، وقتادة، وقيل: ~~المرسلات: الملائكة، وقيل: جماعات الأنبياء، و { عرفا } معناه: ~~إفضالا من الله تعالى، ويحتمل أن يريد بقوله: { عرفا } أي: ~~متتابعة، ويحتمل أن يريد بالأمر المعروف، ويحتمل أن يكون { عرفا } ~~، بمعنى، والمرسلات: الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب ~~بذكر الصنف الضار منها، وهي العاصفات الشديدة القاصفة للشجر وغيره، ~~واختلف في قوله: { والنشرت } فقال ابن مسعود، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة: هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقيل: الملائكة، وقيل غير ~~هذا، والفارقات قال ابن عباس وغيره: هي الملائكة تفرق بين الحق ~~والباطل والحلال والحرام، وقيل: هي آيات القرآن، وأما الملقيات ذكرا ~~فهي في قول الجمهور الملائكة، وقال آخرون: هي الرسل، والذكر: الكتب ~~المنزلة والشرائع ومضمناتها، والمعنى: أن الذكر يلقى بإعذار ~~وإنذار. ### || [77.7-15] # وقوله تعالى: { إنما توعدون لوقع } هو الجواب الذي وقع عليه ~~القسم، والإشارة إلى البعث وأحوال القيامة، والطمس محو الأثر، ~~فطمس النجوم: ذهاب ضوءها، وفرج السماء: هو بانفطارها وانشقاقها. # { وإذا الرسل أقتت } أي: جمعت لميقات يوم معلوم، وقرأ ~~أبو عمرو وحده: «وقتت» والواو هي الأصل؛ لأنها من الوقت، والهمزة ~~بدل؛ قال الفراء: كل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة، جاز أن تبدل ~~منها همزة، انتهى. # وقوله تعالى: { لأي يوم أجلت } تعجيب وتوقيف على عظم ذلك ~~اليوم وهوله، ثم فسر ذلك بقوله: { ليوم الفصل } يعني: بين الخلق ~~في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، ms1488 ومن هذه الآية انتزع القضاة ~~الآجال في الحكومات؛ ليقع فصل القضاء عند تمامها، ثم عظم تعالى ~~يوم الفصل بقوله: { وما أدراك ما يوم الفصل } على نحو ~~قوله: # وما أدراك ما الحاقة # [الحاقة:3] وغير ذلك، ثم أثبت الويل للمكذبين، والويل: هو الحرب ~~والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى أنه واد في جهنم. ### || [77.16-37] # وقوله عز وجل: { ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم ~~الأخرين... } الآية، قرأ الجمهور: «نتبعهم» بضم العين ~~على استئناف الخبر، وروي عن أبي عمرو: «نتبعهم» بجزم العين؛ ~~عطفا على «نهلك» وهي قراءة الأعرج، فمن قرأ الأولى جعل الأولين ~~الأمم التي تقدمت قريشا بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع الآخرين من ~~قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم، ومن قرأ الثانية جعل ~~الأولين قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، والآخرين قوم فرعون ~~وكل من تأخر وقرب من مدة النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~قال: { كذلك نفعل بالمجرمين } أي: في المستقبل، فيدخل هنا ~~قريش وغيرها، وأما تكرار قوله تعالى: { ويل يومئذ ~~للمكذبين } في هذه السورة فقيل: ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل: ~~بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعيد على التكذيب بذلك الذي ~~في الآية، والماء المهين: معناه الضعيف، والقرار المكين: الرحم ~~وبطن المرأة، والقدر المعلوم: هو وقت الولادة [ومعناه] معلوم عند ~~الله، وقرأ نافع والكسائي: «فقدرنا» بتشديد الدال ، ~~والباقون بتخفيفها، وهما بمعنى من القدرة والقدر ومن التقدير والتوقيت. # * ت *: وفي كلام * ع *: تلفيف، وقال غيره: فقدرنا بالتشديد من ~~التقدير وبالتخفيف من القدرة، وهو حسن. # وقوله: { القدرون } يرجح قراءة الجماعة إلا أن ابن ~~مسعود روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ~~«القادرون» بالمقدرين، والكفات: الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع؛ ~~تقول: كفت الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، والأرض تكفت الأحياء على ظهرها، ~~وتكفت الأموات في بطنها، وخرج الشعبي إلى جنازة فنظر إلى ~~الجبانة فقال: هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال: وهذه كفات ~~الأحياء. # قال * ع *: ولما كان القبر كفاتا كالبيت، قطع من سرق منه، ~~والرواسي: الجبال، ms1489 والشوامخ: المرتفعة، والفرات: الصافي العذب، ~~والضمير في قوله: { انطلقوا } هو للمكذبين الذين لهم الويل، ثم ~~بين المنطلق إليه؛ قال عطاء: الظل الذي له ثلاث شعب هو دخان ~~جهنم، وقال ابن عباس: هذه المخاطبة تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا ~~اتبع كل أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل ~~إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب: انطلقوا إلى ظل معبودكم، وهو ~~الصليب له ثلاث شعب، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظل، والضمير في { ~~إنها } لجهنم { ترمى بشرر كالقصر } أي: مثل القصور من ~~البنيان؛ قاله ابن عباس وجماعة من المفسرين، وقال ابن عباس أيضا: القصر ~~خشب كنا في الجاهلية ندخره للشتاء، وقرأ ابن عباس: «كالقصر» ~~ بفتح الصاد جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل، وقال ابن عباس: ~~جذور النخل، واختلف في الجمالات: فقال جمهور من المفسرين: هي جمع ~~جمال؛ كرجال ورجالات، وقال آخرون: أراد بالصفر السود، وقال جمهور ~~الناس: بل الصفر: الفاقعة؛ لأنها أشبه بلون الشرر، وقال ابن عباس: ~~الجمالات: حبال السفن، وهي الحبال العظام إذا جمعت مستديرة بعضها ~~إلى بعض، وقرأ ابن عباس: «جمالة» بضم الجيم من الجملة لا من ~~الجمل، ثم خاطب تعالى نبيه عليه السلام بقوله: { هذا يوم ~~لا ينطقون... } الآية، وهذا في موطن خاص إذ يوم القيامة هو ~~مواطن. ### || [77.38-45] # وقوله تعالى: { هذا يوم الفصل جمعنكم... } مخاطبة ~~للكفار يومئذ، ثم وقفهم بقوله: { فإن كان لكم كيد ~~فكيدون } أي: إن كان لكم حيلة أو مكيدة تنجيكم فافعلوها، ثم ~~ذكر سبحانه حالة المتقين وما أعد لهم، والظلال في الجنة: عبارة ~~عن تكاثف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي ~~هناك حتى يكون ظل يجير من حرها. ### || [77.46-50] # وقوله تعالى: { كلوا وتمتعوا } استئناف خطاب لقريش على ~~معنى: قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، ومن ~~جعل هذه الآية مدنية قال هي في المنافقين. # وقوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } قال ~~قتادة والجمهور، هذه حال كفار قريش في الدنيا؛ يدعوهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فلا يجيبون، ms1490 وذكر الركوع عبارة عن جميع ~~الصلاة، وقيل: هي حكاية حال المنافقين في الآخرة يوم ~~يدعون إلى السجود فلا يستطيعون؛ على ما تقدم؛ قاله ابن ~~عباس وغيره. # وقوله تعالى: { فبأي حديث بعده يؤمنون } يؤيد أن ~~الآية كلها في قريش، والمراد بالحديث هنا: القرآن، وروي عن ~~يعقوب أنه قرأ: «تؤمنون» بالتاء من فوق على المواجهة، ~~ورويت عن ابن عامر. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-3] # قوله عز وجل: { عم يتساءلون } أصل «عم»: «عن ما» ثم ~~أدغمت النون بعد قلبها [في الميم لاشتراكهما في ~~الغنة] فبقي «عما» في الخبر وفي الاستفهام، ثم حذفوا الألف في ~~الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم ~~فيقول: «عم»، وهذا الاستفهام ب«عم» استفهام توقيف وتعجيب، و { ~~النبإ العظيم } قال ابن عباس وقتادة: هو الشرع الذي جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد: هو القرآن خاصة، وقال قتادة ~~أيضا: هو البعث من القبور، والضمير في: { يتساءلون } لكفار ~~قريش ومن نحا نحوهم، وأكثر النحاة أن قوله: { عن النبإ ~~العظيم } متعلق ب { يتساءلون } ، وقال الزجاج: الكلام تام ~~في قوله: { عم يتساءلون } ثم كان مقتضى القول أن يجيب ~~مجيب فيقول: يتساءلون عن النبأ العظيم، وله أمثلة في القرآن اقتضاها ~~إيجاز القرآن وبلاغته، واختلافهم هو شك بعض وتكذيب بعض، وقولهم: ~~سحر وكهانة إلى غير ذلك من باطلهم. ### || [78.4-7] # وقوله تعالى: { كلا سيعلمون } رد على الكفار في تكذيبهم ~~ووعيد لهم في المستقبل، وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيدا، ~~والمعنى: سيعلمون عاقبة تكذيبهم،، ثم وقفهم تعالى ودلهم على ~~آياته، وغرائب مخلوقاته، وقدرته التي توجب للناظر فيها؛ ~~الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى، * ت *: وفي ضمن ذلك ~~تعديد نعمه سبحانه التي يجب شكرها، والمهاد: الفراش ~~الممهد، وشبه الجبال بالأوتاد؛ لأنها تمنع الأرض أن ~~تميد بهم. ### || [78.8-23] # { وخلقنكم أزوجا } أي: أنواعا، والسبات: السكون، ~~وسبت الرجل: معناه استراح، وروينا في «سنن أبي داود» عن معاذ ~~بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مسلم يبيت على ذكر [الله] طاهرا ~~فيتعار من الليل، فيسأل ms1491 الله تعالى خيرا من ~~أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه " # ؛ وروى أبو داود عن بعض آل أم سلمة قال: كان فراش النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوا مما يوضع الإنسان في قبره، وكان المسجد عند ~~رأسه، انتهى، و { لباسا } مصدر، وكأن الليل كذلك من حيث ~~يغشى الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، و { النهار معاشا ~~} على حذف مضاف، أو على النسب، والسبع الشداد: السموات، ~~والسراج: الشمس، والوهاج: الحار المضطرم الاتقاد ~~المتعالي اللهب، قال ابن عباس وغيره: { المعصرات } السحائب ~~القاطرة، وهو مأخوذ من العصر؛ لأن السحاب ينعصر فيخرج منه ~~الماء، وهذا قول الجمهور، والثجاج: السريع الاندفاع، كما يندفع ~~الدم من عروق الذبيحة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم # " وقد قيل له ما أفضل الحج؟ فقال: «العج والثج» " # أراد التضرع إلى الله تعالى بالدعاء الجهير، وذبح ~~الهدي، و { ألفافا } أي: ملتفة الأغصان والأوراق، و { ~~يوم الفصل } هو يوم القيامة، والأفواج: الجماعات، يتلو بعضها ~~بعضا، «وفتحت السماء» بتشديد التاء قراءة نافع وأبي عمرو وابن ~~كثير وابن عامر، والباقون دون تشديد. # وقوله تعالى: { فكانت أبوبا } قيل معناه: تتشقق حتى ~~يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدرات، وقيل: إنها تتقطع السماء ~~قطعا صغارا حتى تكون كألواح الأبواب، والقول الأول أحسن، وقد ~~قال بعض أهل العلم: تنفتح في السماء أبواب للملائكة من حيث ~~ينزلون ويصعدون. # وقوله تعالى: { فكانت سرابا } عبارة عن تلاشيها بعد كونها ~~هباء منبثا، و { مرصادا }: موضع الرصد، وقيل: { مرصادا ~~} بمعنى راصد، والأحقاب: جمع حقب وهي المدة الطويلة من الدهر ~~غير محدودة، وقال ابن عباس وابن عمر الحقب: ثمانون سنة. وقال أبو ~~أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثلاثون ألف سنة، وقد أكثر ~~الناس في هذا، واللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم ~~يلبثون أحقابا، كلما مر حقب جاء غيره إلى غير نهاية، نجانا ~~الله من سخطه، قال الحسن: ليس للأحقاب عدة إلا الخلود في ~~النار. ### || [78.24-37] # وقوله سبحانه: { لا يذوقون فيها بردا... } الآية، قال ~~الجمهور: البرد في الآية مس الهواء البارد، أي: ms1492 لا يمسهم ~~منه ما يستلذ، وقال أبو عبيدة وغيره: البرد في الآية النوم، ~~والعرب تسميه بذلك لأنه يبرد سورة العطش، وقال ابن ~~عباس: البرد الشراب البارد المستلذ، وقال قتادة وجماعة: الغساق: ~~هو ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ونحوه. # وقوله تعالى: { وفقا } معناه لأعمالهم وكفرهم، و { لا يرجون ~~} قال أبو عبيدة وغيره معناه: لا يخافون، وقال غيره: الرجاء هنا على ~~بابه، و { كذابا } مصدر لغة فصيحة يمانية، وعن ابن عمر قال: ~~ما نزلت في أهل النار آية أشد من قوله تعالى: { فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا } ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والحدائق: هي البساتين عليها حلق وحظائر وجدرات، البخاري، ~~{ وكواعب } أي: نواهد، انتهى، والدهاق: المترعة؛ فيما قال ~~الجمهور، وقيل: الصافية، وقال مجاهد: متتابعة، وعبارة البخاري وقال ~~ابن عباس: { دهاقا }: ممتلئة، انتهى، و { كذابا }: مصدر وهو ~~الكذب. # وقوله: { عطاء حسابا } أي: كافيا؛ قاله الجمهور من قولهم، ~~أحسبني هذا الأمر، أي: كفاني، ومنه حسبي الله، وقال ~~مجاهد: { حسابا } معناه: بتقسيط، فالحساب على هذا بموازنة ~~أعمال القوم؛ إذ منهم المكثر من الأعمال، والمقل ولكل ~~بحسب عمله. # وقوله تعالى: { لا يملكون } الضمير للكفار، أي: لا ~~يملكون من أفضاله وإجماله سبحانه أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها؛ ~~وهذا أيضا في موطن خاص. ### || [78.38-40] # وقوله تعالى: { يوم يقوم الروح } اختلف في الروح ~~المذكور هنا فقال الشعبي والضحاك: هو جبريل عليه السلام ؛ وقال ~~ابن مسعود: هو ملك عظيم أكبر الملائكة خلقة يسمى الروح، ~~وقال ابن زيد: هو القرآن، وقال مجاهد: الروح خلق على صورة بني آدم ~~يأكلون ويشربون، وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " الروح خلق غير الملائكة هم حفظة للملائكة؛ ~~كما الملائكة حفظة لنا " # ، وقيل الروح اسم جنس لأرواح بني آدم، والمعنى: يوم تقوم ~~الأرواح في أجسادها إثر البعث، ويكون الجميع من الإنس ~~والملائكة صفا ولا يتكلم أحد منهم هيبة وفزعا إلا من ~~أذن له الرحمن من ملك أو نبي؛ وكان أهلا أن يقول صوابا في ذلك ~~الموطن، ms1493 وقال البخاري: { صوابا }: حقا في الدنيا وعمل به، ~~انتهى،، وفي قوله: { فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا } ~~وعد ووعيد وتحريض، والعذاب القريب: هو عذاب الآخرة، إذ كل آت ~~قريب، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر: إن الله تعالى يحضر ~~البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض، ثم يقول لها بعد ~~ذلك: كوني ترابا فيعود جميعها ترابا؛ فعند ذلك يقول الكافر: { ~~يليتنى كنت تربا } * قلت *: واعلم رحمك الله أني لم ~~أقف على حديث صحيح في عودها ترابا، وقد نقل الشيخ [أبو ~~العباس القسطلاني عن] الشيخ أبي الحكم بن أبي الرجال ~~إنكار هذا القول، وقال: ما نفث روح الحياة في شيء ففني ~~بعد وجوده، وقد نقل الفخر هنا عن قوم بقاءها وأن هذه ~~الحيوانات إذا انتهت مدة إعراضها جعل الله كل ما كان ~~منها حسن الصورة ثوابا لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة ~~عقابا لأهل النار، انتهى، والمعول عليه في هذا: النقل فإن ~~صح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجب اعتقاده وصير ~~إليه، وإلا فلا مدخل للعقل هنا، والله أعلم. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-9] # قوله عز وجل: { والنزعت غرقا } قال ابن عباس وابن مسعود: { ~~النازعات }: الملائكة، تنزع نفوس بني آدم، و { غرقا } على ~~هذا القول إما أن يكون مصدرا بمعنى الإغراق والمبالغة في الفعل، ~~وإما أن يكون كما قال علي وابن عباس: تغرق نفوس الكفرة في نار ~~جهنم، وقيل غير هذا، واختلف في { الناشطات } فقال ابن عباس ~~ومجاهد: هي الملائكة تنشط النفوس عند الموت، أي: تحلها كحل ~~العقال، وتنشط بأمر الله إلى حيث شاء، وقال ابن عباس أيضا: ~~الناشطات النفوس المؤمنة تنشط عند الموت للخروج، * ت *: زاد ~~الثعلبي عنه: وذلك أنه ليس مؤمن يحضره الموت إلا عرضت ~~عليه الجنة قبل أن يموت فيرى فيها أشباها من أهله وأزواجه ~~من الحور العين، فهم يدعونه إليها فنفسه إليهم نشيطة أن ~~تخرج فتأتيهم، انتهى، وقيل غير هذا واختلف في { السابحات } هنا ~~فقيل: هي النجوم، وقيل: هي الملائكة؛ لأنها تتصرف في ~~الآفاق ms1494 بأمر الله، وقيل: هي الخيل، وقيل: هي السفن، وقيل: هي ~~الحيتان ودواب البحر، والله أعلم، واختلف في { ~~السابقات } ، فقيل هي الملائكة، وقيل: الرياح، وقيل: الخيل، ~~وقيل: النجوم، وقيل: المنايا تسبق الآمال، وأما { ~~المدبرات } فهي الملائكة قولا واحدا فيما علمت، تدبر ~~الأمور التي سخرها الله لها وصرفها فيها؛ كالرياح والسحاب، ~~وغير ذلك، و { الراجفة } النفخة الأولى، و { الرادفة } النفخة ~~الأخيرة، وقال ابن زيد: { الراجفة }: الموت، و { الرادفة }: ~~الساعة، وفي «جامع الترمذي» عن أبي بن كعب قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ذهب ثلثا الليل ~~قام، فقال: يأيها الناس، اذكروا الله، اذكروا ~~الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت ~~بما فيه، [جاء الموت بما فيه] " # الحديث، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى، وقد أتى به * ع * ~~هنا وقال: إذا ذهب ربع الليل، والصواب ما تقدم، ثم أخبر تعالى ~~عن قلوب تجف [في] ذلك اليوم، أي: ترتعد خوفا وفرقا من ~~العذاب، واختلف في جواب القسم: أين هو؟ فقال الزجاج والفراء: هو ~~محذوف دل عليه الظاهر تقديره: لتبعثن ونحوه، وقال آخرون: ~~هو موجود في جملة قوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة * ~~تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة } كأنه قال ~~لتجفن قلوب قوم يوم كذا. ### || [79.10-29] # وقوله تعالى: { يقولون أءنا لمردودون فى الحفرة } ~~حكاية حالهم في الدنيا، والمعنى: هم الذين يقولون، و { ~~الحفرة }: قال مجاهد والخليل: هي الأرض، حافرة بمعنى محفورة، ~~والمراد: القبور والمعنى: أئنا لمردودون أحياء في قبورنا؟، وقيل ~~غير هذا، و { نخرة } معناه بالية، وقرأ حمزة «ناخرة» بألف، ~~والناخرة المصوتة بالريح المجوفة، وحكي عن أبي ~~عبيدة وغيره: أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد، وقولهم: { ~~تلك إذا كرة خسرة } أي: إذ هي إلى النار لتكذيبهم ~~بالبعث، وقال الحسن: { خسرة } معناه عندهم كاذبة، أي: ليست ~~بكائنة، ثم أخبر تعالى عن حال القيامة فقال: «إنما هي زجرة واحدة» ~~أي: نفخة في الصور، { فإذا هم بالساهرة } وهي أرض المحشر. # وقوله: { هل لك إلى أن تزكى } استدعاء حسن، ~~والتزكي: التطهر من النقائص، والتلبس بالفضائل، ثم فسر ~~له ms1495 موسى التزكي الذي دعاه إليه بقوله: { وأهديك إلى ~~ربك فتخشى } والعلم تابع للهدى، والخشية تابعة للعلم، # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28] { الآية الكبرى } العصا واليد؛ قاله مجاهد وغيره: ~~و { أدبر }: كناية عن إعراضه، وقيل: حقيقة قام موليا ~~عن مجالسة موسى، { فحشر } أي: جمع أهل مملكته، وقول فرعون: { ~~أنا ربكم الأعلى } نهاية في السخافة والمخرقة، ~~قال ابن زيد: { نكال الأخرة } أي: الدار الآخرة، و { الأولى }: ~~يعني: الدنيا، أخذه الله بعذاب جهنم وبالغرق، وقيل غير هذا، ~~ثم وقفهم سبحانه مخاطبة منه تعالى للعالم؛ والمقصد الكفار فقال: { ~~ءأنتم أشد خلقا... } الآية، والسمك: الارتفاع، ~~الثعلبي: والمعنى: أأنتم أيها المنكرون للبعث أشد خلقا أم ~~السماء أشد خلقا، ثم بين كيف خلقها، أي: فالذي قدر على ~~خلقها قادر على إحيائكم بعد الموت، نظيره: # أو ليس الذى خلق السموات والأرض # [يس:81] انتهى، و { أغطش } معناه: أظلم. ### || [79.30-36] # وقوله تعالى: { والأرض بعد ذلك دحها } متوجه على أن ~~الله خلق الأرض ولم يدحها ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فخلقها، وبناها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، ودحوها بسطها، ~~وباقي الآية بين، و { الطامة الكبرى } هي يوم القيامة؛ ~~قاله ابن عباس وغيره. ### || [79.37-41] # { فأما من طغى } أي تجاوز الحد، { وءاثر الحيوة ~~الدنيا } على الآخرة لتكذيبه [بالآخرة]، و { مقام ربه } هو ~~يوم القيامة، وإنما المراد مقامه بين يديه، و { ~~الهوى } هو شهوات النفس؛ وما جرى مجراها المذمومة. ### || [79.42-46] # وقوله تعالى: { يسئلونك عن الساعة } يعني: قريشا، قال ~~البخاري عن غيره: { أيان مرسها } متى منتهاها، ومرسى ~~السفينة حيث تنتهي، انتهى، ثم قال تعالى لنبيه على جهة التوقيف: { ~~فيم أنت من ذكراها } أي من ذكر تحديدها ووقتها، أي: ~~لست من ذلك في شيء، إنما أنت منذر، وباقي الآية بين، قال الفخر؛ ~~قوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحها } تفسير هذه الآية هو كما ذكر في قوله: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # [الأحقاف:35] والمعنى: أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم ~~كانوا أبدا فيه، ms1496 وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ~~ساعة من نهار، يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى يومها، انتهى. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-8] # قوله تعالى: { عبس وتولى * أن جاءه الأعمى } سببها: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بعض صناديد قريش ~~ويقرأ عليه القرآن ويقول له: هل ترى بما أقول بأسا، فكان ذلك الرجل ~~يقول: لا والدمى يعني الأصنام؛ إذ جاء ابن أم مكتوم؛ فقال: ~~يا رسول الله! استدنني وعلمني مما علمك الله؛ فكان ~~[في] ذلك كله قطع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل، فلما ~~شغب عليه ابن أم مكتوم عبس صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه " # ؛ فنزلت الآية، قال سفيان الثوري: فكان بعد ذلك إذا رأى ابن ~~أم مكتوم قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي عز وجل ~~وبسط له رداءه واستخلفه على المدينة مرتين، * ت *: والكافر ~~المشار إليه في الآية هو: الوليد بن المغيرة؛ قاله ابن إسحاق، ~~انتهى، ثم أكد تعالى عتب نبيه بقوله: { أما من استغنى } ~~أي بماله، { فأنت له تصدى } أي: تتعرض. ### || [80.9-12] # وقوله: { وهو يخشى } أي: يخشى الله، { فأنت عنه ~~تلهى } أي تشتغل، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا ~~اشتغلت عنه، وليس من اللهو، وهذه الآية السبب فيها هذا؛ ثم ~~هي بعد تتناول من شاركهم في هذه الأوصاف، فحملة ~~الشرع والعلم مخاطبون بتقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه ~~على الشريف العاري من الخير، مثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هذه السورة، قال عياض: وليس في قوله تعالى: { عبس ~~وتولى } الآية، ما يقتضي إثبات ذنب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أو أنه خالف أمر ربه سبحانه، وإنما في الآية الإعلام ~~بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر، والإشارة إلى الإعراض عنه، ~~انتهى، قال السهيلي: وانظر كيف نزلت الآية بلفظ الإخبار عن الغائب ~~فقال: { عبس وتولى } ولم يقل: عبست وتوليت، وهذا ~~يشبه حال العاتب المعرض، ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب ~~فقال: { وما يدريك لعله يزكى } الآية، علما منه ~~سبحانه أنه لم يقصد بالإعراض عن ms1497 ابن أم مكتوم إلا الرغبة في ~~الخير ودخول ذلك المشرك في الإسلام؛ إذ كان مثله يسلم بإسلامه ~~بشر كثير، فكلم نبيه حين ابتدأ الكلام بما يشبه كلام ~~المعرض عنه العاتب له، ثم واجهه بالخطاب تأنيسا له عليه ~~السلام ، انتهى، ثم قال تعالى: { كلا } يا محمد، ليس ~~الأمر كما فعلت، إن هذه السورة أو القراءة أو المعاتبة ~~تذكرة، وعبارة الثعلبي: إن هي السورة، وقيل: هذه الموعظة، وقال ~~مقاتل: آيات القرآن تذكرة، أي: موعظة وتبصرة للخلق، { فمن ~~شاء ذكره } أي: اتعظ بآي القرآن وبما وعظتك وأدبتك في هذه ~~السورة، انتهى. * ص *: { ذكره } ذكر الضمير؛ لأن التذكرة هي ~~الذكر، انتهى. ### || [80.13-16] # وقوله تعالى: { فى صحف } متعلق بقوله: { إنها تذكرة } ~~وهذا يؤيد أن التذكرة يراد بها جميع القرآن، والصحف هنا قيل إنه اللوح ~~المحفوظ: وقيل صحف الأنبياء المنزلة. قال ابن عباس: السفرة ~~هم الملائكة، لأنهم كتبة يقال: سفرت، أي: كتبت، ومنه ~~السفر، وقال ابن عباس أيضا: الملائكة سفرة لأنهم يسفرون ~~بين الله وبين أنبيائه، وفي البخاري: سفرة الملائكة [واحدهم ~~سافر]، سفرت أصلحت بينهم وجعلت الملائكة إذا نزلت ~~بوحي الله عز وجل وتأديته كالسفير الذي يصلح بين ~~القوم، انتهى، قال * ع *: ومن اللفظة قول الشاعر: [الوافر] # وما أدع السفارة بين قومي # وما أسعى بغش إن مشيت # والصحف على هذا: صحف عند الملائكة أو اللوح. ### || [80.17-22] # وقوله تعالى: { قتل الإنسن ما أكفره }: دعاء على اسم ~~الجنس، وهو عموم يراد به الإنسان الكافر، ومعنى { قتل }: أي: ~~هو أهل أن يدعى عليه بهذا، وقال مجاهد: { قتل } معناه: لعن ~~وهذا تحكم * ت *: ليس بتحكم وقد تقدم نحوه عن غير واحد. # وقوله تعالى: { ما أكفره } يحتمل معنى التعجب، ويحتمل ~~الاستفهام توبيخا، وقيل: # " الآية نزلت في عتبة بن أبي لهب، وذلك أنه غاضب أباه ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم ثم إن أباه استصلحه وأعطاه ~~مالا وجهزه إلى الشام، فبعث عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال: إني كافر برب النجم إذا هوى فدعا عليه النبي صلى ~~الله عليه ms1498 وسلم وقال: «اللهم ابعث عليه كلبك حتى ~~يأكله» " # ، ثم إن عتبة خرج في سفرة فجاء الأسد فأكله من بين ~~الرفقة. # وقوله تعالى: { من أى شىء خلقه } استفهام على معنى التقرير ~~على تفاهة الشيء الذي خلق الإنسان منه، { فقدره } أي جعله ~~بقدر وحد معلوم، { ثم السبيل يسره } قال ابن عباس ~~وغيره: هي سبيل الخروج من بطن أمه، وقال الحسن، ما معناه أن ~~السبيل هي سبيل النظر المؤدي إلى الإيمان. # وقوله { فأقبره } معناه: أمر أن يجعل له قبر، وفي ذلك ~~تكريم له؛ لئلا يطرح كسائر الحيوان. # وقوله تعالى: { ثم إذا شاء } يريد: إذا بلغ الوقت الذي قد ~~شاءه؛ وهو يوم القيامة، و { أنشره } معناه: أحياه. ### || [80.23-33] # وقوله تعالى: { كلا لما يقض } أي لم يقض ما أمره، ثم أمر ~~الله تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه والدليل فيه وكيف ~~يسره له بهذه الوسائط، والحب جمع حبة بفتح الحاء ~~، وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه، والحبة: بكسر الحاء كل ~~ما ينبت من البزور لا يحفل به، ولا هو بمتخذ، والقضب ~~قيل هي الفصفصة وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفصفصة للبهائم وهي ~~داخلة في الأب؛ والذي أقول به أن القضب هنا هو كل ما يقضب ~~ليأكله ابن آدم غضا من النبات كالبقول والهليون ونحوه؛ ~~فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية إلا في هذه ~~اللفظة، والحديقة: الشجر الذي قد أحدق بجدار ونحوه، والغلب: ~~الغلاظ الناعمة، والأب المرعى والكلأ؛ قاله ابن عباس وغيره، ~~وقد توقف في تفسيره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما و { ~~متعا }: نصب على المصدر، والمعنى: تتمتعون به أنتم ~~وأنعامكم؛ فابن آدم في السبعة المذكورة، والأنعام في الأب، ~~و { الصاخة }: اسم من أسماء يوم القيامة. * ص *: قال الخليل: ~~الصاخة صيحة تصخ الآذان صخا، أي: تصمها لشدة ~~وقعتها، انتهى. ### || [80.34-42] # وقوله تعالى: { يوم يفر المرء من أخيه } الآية، قال ~~جمهور الناس: إنما ذلك لشدة الهول كل يقول نفسي نفسي، ~~وقيل: فرارهم خوفا من المطالبات، { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } عن اللقاء ms1499 مع غيره، ثم ذكر تعالى ~~اختلاف الوجوه من المؤمنين الواثقين برحمة الله؛ حين بدت لهم ~~تباشيرها، ومن الكفار حين علاها قترها، و { مسفرة } ~~معناه: نيرة باد ضوءها وسرورها، والغبرة التي على الكفرة: ~~هي من العبوس كما يرى على وجه المهموم والميت والمريض شبه ~~الغبار، * ص *: والقتر سواد كالدخان، قال أبو عبيدة: هو ~~الغبار، انتهى، ثم فسر سبحانه أصحاب هذه الوجوه المغبرة ~~بأنهم { الكفرة الفجرة }. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-5] # قوله سبحانه: { إذا الشمس كورت } هذه كلها أوصاف يوم ~~القيامة، وتكوير الشمس هو أن تدار كما يدار كور العمامة ~~ويذهب بها إلى حيث شاء الله تعالى ، وعبر المفسرون عن ~~ذلك بعبارات؛ فمنهم من قال: ذهب نورها؛ قاله قتادة، ومنهم من قال: ~~رمي بها؛ قاله الربيع بن خثيم وغير ذلك مما هو أسماء توابع ~~لتكويرها،، وانكدار النجوم هو انقضاضها وهبوطها من مواضعها، ~~وقال ابن عباس: انكدرت: تغيرت من قولهم ماء كدر و { العشار ~~}: جمع عشراء وهي الناقة التي قد مر لحملها عشرة أشهر، ~~وهي أنفس ما عند العرب، وإنما تعطل عند أشد الأهوال. ### || [81.6-14] # { وإذا البحار سجرت } قال أبي بن كعب وابن عباس ~~وغيرهما: معناه أضرمت نارا، كما يسجر التنور، ويحتمل أن ~~يكون المعنى ملكت وقيدت، فتكون اللفظة مأخوذة من ساجور ~~الكلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «سجرت» بتخفيف الجيم، والباقون ~~بتشديدها، وتزويج النفوس: هو تنويعها؛ لأن الأزواج هي الأنواع، ~~والمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن، وكل شكل ~~مع شكله؛ رواه النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقاله عمر ~~بن الخطاب وابن عباس؛ وقال: هذا نظير قوله تعالى: # وكنتم أزواجا ثلثة # [الواقعة:7] وفي الآية على هذا حض على خليل الخير، فقد قال ~~عليه السلام : # " المرء مع من أحب " # وقال: # " فلينظر أحدكم من يخالل " # ، وعبارة الثعلبي: قال النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: { وإذا النفوس زوجت } ، قال الضرباء: كل ~~رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، انتهى، وقال ~~مقاتل بن سليمان معناه: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهن ms1500 من ~~الحور، وغيرهن. # وقوله تعالى: { وإذا الموءودة سئلت } الموؤودة اسم معناه ~~المثقل عليها بالتراب، وغيره حتى تموت؛ وكان هذا صنيع بعض ~~العرب ببناتهم يدفنونهن أحياء، وقرأ الجمهور: «سئلت» وهذا على ~~جهة التوبيخ للعرب الفاعلين ذلك؛ واستدل ابن عباس بهذه الآية ~~على أن أولاد المشركين في الجنة، لأن الله قد انتصر ~~لهم ممن ظلمهم. # { وإذا الصحف نشرت } قيل: هي صحف الأعمال، وقيل: هي ~~الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل، والكشط: ~~التقشير وذلك كما يكشط جلد الشاة حين تسلخ، وكشط ~~السماء هو طيها كطي السجل، و { سعرت } معناه: ~~أضرمت نارها، وأزلفت الجنة معناه: قربت ليدخلها المؤمنون، ~~قال الثعلبي: قربت لأهلها حتى يرونها، نظيره، # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [ق:31]. { علمت نفس } عند ذلك { ما أحضرت } من خير أو ~~شر؛ وهو جواب لقوله { إذا الشمس } وما بعدها، انتهى. ### || [81.15-23] # وقوله تعالى: { فلا أقسم بالخنس } لا إما زائدة وإما أن ~~تكون ردا لقول قريش في تكذيبهم نبوة نبينا محمد عليه ~~السلام ، ثم أقسم تعالى بالخنس الجوار الكنس، وهي في ~~قول الجمهور: الدراري السبعة: الشمس والقمر وزحل ~~وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري، وقال علي: المراد ~~الخمسة دون الشمس والقمر؛ وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها ~~أي: تتقهقر فيما ترى العين، وهي جوار في السماء، وهي تكنس ~~في أبراجها أي: تستتر، الثعلبي: وقال ابن زيد تخنس؛ أي: ~~تتأخر عن مطالعها كل سنة، وتكنس بالنهار، أي: ~~تستتر فلا ترى، انتهى، وعسعس الليل في اللغة إذا كان غير ~~مستحكم الإظلام، قال الخليل: عسعس الليل: إذا أقبل ~~وأدبر، وقال الحسن: وقع القسم بإقباله، وقال ابن عباس ~~وغيره: بل وقع بإدباره، وقال المبرد: أقسم بإقباله وإدباره معا، ~~وعبارة الثعلبي: قال الحسن عسعس الليل: أقبل بظلامه، وقال ~~آخرون: أدبر بظلامه، ثم قال: والمعنيان يرجعان إلى معنى ~~واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، انتهى،، وتنفس ~~الصبح، اتسع ضوءه، والضمير في «إنه» للقرآن، والرسول الكريم في ~~قول الجمهور؛ هو جبريل عليه السلام وقال آخرون: هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ms1501 الآية كلها، والقول الأول أصح، و { كريم } ~~صفة تقتضي رفع المذام، و { مكين } معناه: له مكانة ~~ورفعة، وقال عياض في «الشفا» في قوله تعالى: { مطع ثم ~~أمين }: أكثر المفسرين على أنه نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، انتهى، قال * ع *: وأجمع المفسرون على أن قوله تعالى: { وما ~~صحبكم } يراد به النبي صلى الله عليه وسلم، والضمير في رآه ~~لجبريل عليه السلام وهذه الرؤية التي كانت بعد أمر غار ~~حراء، وقيل: هي الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى. ### || [81.24-29] # وقوله تعالى: { وما هو على الغيب بضنين } بالضاد بمعنى: ~~ببخيل تبليغ ما قيل له؛ كما يفعل الكاهن حين يعطى ~~حلوانه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: «بظنين» بالظاء، أي: ~~بمتهم، ثم نفى سبحانه عن القرآن أن يكون كلام شيطان على ما ~~قالت قريش، و { رجيم } أي: مرجوم. # وقوله تعالى: { فأين تذهبون } توقيف وتقرير والمعنى: أين ~~المذهب لأحد عن هذه الحقائق والبيان الذي فيه شفاء، { إن هو ~~إلا ذكر } أي: تذكرة، * ت *: روى الترمذي عن ابن عمر قال: ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين؛ ~~فليقرأ { إذا الشمس كورت } و { إذا السماء ~~انفطرت } ، و { إذا السماء انشقت } " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-4] # قوله تعالى: { إذا السماء انفطرت } أي: انشقت، { وإذا ~~الكواكب انتثرت } أي: تساقطت، { وإذا البحار ~~فجرت } قيل: فجر بعضها إلى بعض، ويحتمل أن يكون تفجرت ~~من أعاليها، ويحتمل أن يكون تفجير تفريغ من قيعانها فيذهب ~~الله ماءها حيث شاء، وبكل قيل، وبعثرة القبور: نبشها عن الموتى. ### || [82.5-7] # وقوله سبحانه: { علمت نفس } هو جواب { إذا } و { نفس } هنا ~~اسم جنس، وقال كثير من المفسرين في معنى قوله: { ما قدمت ~~وأخرت } إنها عبارة عن جميع الأعمال من طاعة أو معصية. # { يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها، فقال:«غره جهله»، ~~فسبحان الله ما أرحمه بعباده، قال الثعلبي: قال ~~أهل الإشارة: إنما قال: { بربك ms1502 الكريم } ، دون سائر ~~أسمائه تعالى وصفاته، كأنه لقنه جوابه؛ حتى يقول: غرني ~~كرمك، انتهى، وقرأ الجمهور: «فعدلك» # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر إلى الهلال؛ قال: «آمنت ~~بالذي خلقك فسواك فعدلك» " # وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بتخفيف الدال، والمعنى عدل أعضاءك ~~بعضها ببعض، أي: وازن بينها. ### || [82.8-14] # وقوله تعالى: { في أى صورة ما شآء ركبك } ذهب ~~الجمهور إلى أن «في» متعلقة ب«ركبك»، أي: في صورة حسنة أو ~~قبيحة، أو سليمة، أو مشوهة، ونحو هذا، و«ما» في قوله: { ما ~~شاء ركبك } زائدة فيها معنى التأكيد، قال أبو حيان: { كلا ~~} ردع وزجر، انتهى، والدين هنا يحتمل أن يريد الشرع، ويحتمل ~~أن يريد الجزاء والحساب، وباقي الآية واضح لمتأمله. ### || [82.15-19] # وقوله تعالى: { يصلونها يوم الدين } أي: يوم الجزاء. # وقوله تعالى: { وما هم عنها بغائبين } [قال جماعة: معناه: ~~ما هم عنها بغائبين] في البرزخ، وذلك أنهم يرون مقاعدهم من النار ~~غدوة وعشية؛ فهم لم يزالوا مشاهدين لها؛ نسأل الله العافية ~~في الدارين بجوده وكرمه، ثم عظم تعالى قدر هول ذلك اليوم ~~بقوله: { وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما ~~يوم الدين }. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-3] # قوله تعالى: { ويل للمطففين } الآية، المطفف الذي ~~ينقص الناس حقوقهم، والتطفيف: النقصان، أصله من الشيء ~~الطفيف، وهو النزر، والمطفف إنما يأخذ بالميزان أو بالمكيال ~~شيئا خفيفا، و { اكتالوا على الناس } معناه قبضوا منهم، ~~و { كالوهم } معناه: قبضوهم، و { يخسرون } معناه: ~~ينقصون. ### || [83.4-6] # وقوله سبحانه: { ألا يظن } بمعنى: يعلم ويتحقق، وقال * ص *: { ~~ألا يظن } ذكر أبو البقاء أن «لا» هنا هي النافية دخلت عليها ~~همزة الاستفهام، وليست «ألا» التي للتنبيه والاستفتاح؛ لأن ما ~~بعد «ألا» التنبيهية مثبت وهو هنا منفي، انتهى،، وقيام ~~الناس لرب العالمين يومئذ، يختلف الناس فيه بحسب منازلهم، ~~وروي أنه يخفف عن المؤمن حتى يكون على قدر الصلاة ~~المكتوبة، وفي هذا القيام هو إلجام العرق للناس؛ كما صرح به ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، والناس أيضا فيه مختلفون ~~بالتخفيف والتشديد، قال ms1503 ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا ~~سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان، قال: تدنى ~~الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قاب ~~قوسين فتعطي حر عشر سنين؛ وليس على أحد يومئذ طحربة ولا ~~ترى فيه عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ~~ولا مؤمنة، وأما الآخرون؛ أو قال الكفار فتطبخهم، فإنما تقول ~~أجوافهم غق غق، قال نعيم: الطحربة: الخرقة انتهى، ونحو هذا ~~للمحاسبي قال في «كتاب التوهم»: فإذا وافى الموقف أهل السموات ~~السبع والأرضين السبع؛ كسبت الشمس حر عشر سنين، ثم أدنيت ~~من الخلائق قاب قوس أو قاب قوسين، فلا ظل في ذلك اليوم إلا ~~ظل عرش رب العالمين، فكم بين مستظل بظل العرش وبين واقف لحر ~~الشمس قد أصهرته؛ واشتد فيها كربه وقلقه، فتوهم نفسك في ~~ذلك الموقف؛ فإنك لا محالة واحد منهم، انتهى، اللهم، عاملنا ~~برحمتك وفضلك في الدارين، فإنه لا حول لنا ~~ولا قوة إلا بك. ### || [83.7] # وقوله تعالى: { كلا إن كتب الفجار... } يعني: الكفار ~~وكتابهم يراد به الذي فيه تحصيل أمرهم، وأفعالهم، ويحتمل عندي أن ~~يكون المعنى وعدادهم وكتاب كونهم هو في سجين؛ أي: هنالك ~~كتبوا في الأزل، واختلف في { سجين } ما هو؟ والجمهور أن ~~سجينا بناء مبالغة من السجن، قال مجاهد: وذلك في صخرة تحت الأرض ~~السابعة. ### || [83.8-26] # وقوله تعالى: { وما أدراك ما سجين } تعظيم لأمر هذا ~~السجين وتعجيب منه، ويحتمل أن يكون تقرير استفهام، أي: هذا ~~مما لم تكن تعلمه قبل الوحي، و { كتب مرقوم } على القول ~~الأول: مرتفع على خبر «إن» وعلى القول الثاني مرتفع على أنه خبر ~~مبتدإ محذوف تقديره: هو كتاب مرقوم، ويكون هذا الكلام مفسرا ل { ~~سجين } ما هو؟، و { مرقوم } معناه: مكتوب لهم بشر، وباقي ~~الآية بين، ثم أوجب أن ما كسبوا من الكفر والعتو قد { ~~ران على قلوبهم } أي: غطى عليها؛ فهم مع ذلك لا يبصرون ~~رشدا، يقال: رانت الخمر على قلب شاربها، وران الغشي على قلب ~~المريض، وكذلك الموت، ms1504 قال الحسن وقتادة: الرين الذنب على الذنب ~~حتى يموت القلب، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل إذا أذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه، ثم كذلك ~~حتى يتغطى فذلك الران الذي قال الله تعالى: { كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } " # ، قال الفخر: قال أبو معاذ النحوي: الرين سواد القلب من ~~الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، ~~والإقفال أشد من الطبع؛ وهو أن يقفل على القلب، انتهى، ~~والضمير في قوله تعالى: { إنهم عن ربهم } للكفار أي: هم ~~محجوبون لا يرون ربهم، قال الشافعي: لما حجب الله قوما ~~بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى، قال المحاسبي ~~رحمه الله في كتاب «توبيخ النفس»: وينبغي للعبد المؤمن إذا رأى ~~القسوة من قلبه أن يعلم أنها من الرين في قلبه فيخاف أن يكون ~~الله تعالى لما حجب قلبه عنه بالرين والقسوة أن يحجبه ~~غدا عن النظر إليه؛ قال تعالى: { كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون } إحداهما تتلو الأخرى؛ ليس ~~بينهما معنى ثالث، فإن اعترض للمريد خاطر من الشيطان ~~ليقتطعه عن الخوف من الله تعالى، حتى تحل به هاتان العقوبتان ~~فقال إنما نزلتا في الكافرين؛ فليقل فإن الله لم يؤمن ~~منهما كثيرا من المؤمنين، وقد حذر سبحانه المؤمنين أن ~~يعاقبهم بما يعاقب به الكافرين؛ فقال تعالى: # واتقوا النار التى أعدت للكفرين # [آل عمران:131] إلى غير ذلك من الآيات، انتهى، ولما ذكر الله ~~تعالى أمر كتاب الفجار، عقب ذلك بذكر كتاب ضدهم؛ ~~ليبين الفرق بين الصنفين، واختلف في الموضع المعروف ب ~~{ عليين } ما هو؟ فقال ابن عباس: السماء السابعة تحت ~~العرش، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الضحاك: هو ~~سدرة المنتهى، وقال ابن عباس أيضا: عليون: الجنة. # وقوله تعالى: { يشهده المقربون } يعني الملائكة؛ قاله ابن ~~عباس وغيره، و { ينظرون } معناه إلى ما عندهم من النعيم، ~~والنضرة: النعمة والرونق، والرحيق: الخمر الصافية، و { ~~مختوم } يحتمل ms1505 أنه يختم على كؤوسه التي يشرب بها ~~تهمما وتنظفا، والظاهر أنه مختوم شربه بالرائحة المسكية؛ ~~حسبما فسره قوله: { ختمه مسك } قال ابن عباس وغيره: خاتمة ~~شربه مسك، [وقرأ الكسائي: «خاتمه مسك»]، ثم حرض تعالى على ~~الجنة بقوله: { وفى ذلك فليتنافس المتنفسون }. ### || [83.27-28] # وقوله تعالى: { ومزاجه من تسنيم } المزاج: الخلط، قال ابن ~~عباس وغيره: { تسنيم }: أشرف شراب في الجنة، وهو اسم مذكر ~~لماء عين في الجنة، وهي عين يشرب بها المقربون صرفا ويمزج ~~رحيق الأبرار بها؛ وهذا المعنى في صحيح البخاري، وقال مجاهد ما معناه: ~~أن تسنيما مصدر من سنمت: إذا علوت، ومنه السنام، فكأنه ~~عين قد عليت على أهل الجنة فهي تنحدر، وقاله مقاتل، وجمهور ~~المتأولين أن منزلة الأبرار دون منزلة المقربين، وأن الأبرار هم ~~أصحاب اليمين، وأن المقربين هم السابقون. # وقوله: { يشرب بها } بمعنى يشربها. ### || [83.29-34] # وقوله سبحانه: { إن الذين أجرموا كانوا } يعني في ~~الدنيا، { يضحكون } من المؤمنين، روي أن هذه الآية نزلت في ~~صناديد قريش وضعفة المؤمنين، والضمير في { مروا } للمؤمنين ~~ويحتمل أن يكون للكفار، وأما ضمير { يتغامزون } فهو للكفار؛ ~~لا يحتمل غير ذلك، و { فكهين } أي: أصحاب فكاهة ونشاط ~~وسرور باستخفافهم بالمؤمنين، وأما الضمير في { رأوهم } وفي { ~~قالوا } فقال الطبري وغيره: هو للكفار، وقال بعضهم: بل المعنى ~~بالعكس، وإنما المعنى وإذا رأى المؤمنون الكفار قالوا: { إن ~~هؤلاء لضالون } ، وما أرسل المؤمنون حافظين على ~~الكفار، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل، * ت *: والأول أظهر. ### || [83.35-36] # وقوله تعالى: { على الأرائك ينظرون } أي: إلى أعدائهم في ~~النار، قال كعب: لأهل الجنة كوى ينظرون منها، وقال غيره: بينهم جسم ~~عظيم شفاف يرون معه حالهم، * ت *: قال الهروي: قوله تعالى: { ~~على الأرائك ينظرون } ، قال أحمد بن يحيى: الأريكة: السرير ~~في الحجلة ولا يسمى منفردا أريكة، وسمعت الأزهري ~~يقول: كل ما اتكىء عليه فهو أريكة، انتهى، { هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون } أي: جزاء ما كانوا يفعلون، و { ~~هل ثوب } تقرير وتوقيف للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # قوله ms1506 تعالى: { إذا السماء انشقت } الآية، هذه أوصاف يوم ~~القيامة { وأذنت } معناه: استمعت وسمعت أمر ربها؛ ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " ما أذن الله لشيء أذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # ، و { حقت } قال ابن عباس: معناه: وحق لها أن تسمع وتطيع، ~~ويحتمل أن يريد: وحق لها أن تنشق لشدة الهول وخوف الله تعالى، ~~ومد الأرض هي إزالة جبالها حتى لا يبقى فيها عوج ولا أمت، وفي ~~الحديث: # " تمد مد الأديم " # ، و { وألقت ما فيها } يعني: من الموتى؛ قاله الجمهور. ~~وخرج الختلي أبو القاسم إسحاق بن إبراهيم في كتاب «الديباج» له ~~بسنده عن نافع عن ابن عمر # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : { إذا ~~السماء انشقت * وأذنت لربها وحقت } قال: فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أنا أول من تنشق ~~عنه الأرض فأجلس جالسا في قبري، فيفتح لي باب ~~إلى السماء بحيال رأسي حتى أنظر إلى العرش، ~~ثم يفتح لي باب من تحتي؛ حتى أنظر إلى الأرض ~~السابعة؛ حتى أنظر إلى الثرى، ثم يفتح لي ~~باب عن يميني حتى أنظر إلى الجنة ومنازل ~~أصحابي، وإن الأرض تحركت تحتي فقلت: ما لك ~~أيتها الأرض؟ قالت: إن ربي أمرني أن ألقي ما ~~في جوفي، وأن أتخلى؛ فأكون كما كنت؛ إذ لا شيء ~~في، فذلك قول الله عز وجل : { وألقت ما ~~فيها وتخلت } ، { وأذنت لربها وحقت } أي: ~~سمعت وأطاعت، وحق لها أن تسمع وتطيع " # ، الحديث، انتهى من «التذكرة»، و { تخلت } معناه خلت عما كان ~~فيها لم تتمسك منهم بشيء. ### || [84.6-12] # { يأيها الإنسن إنك كادح... } الآية، الكادح: ~~العامل بشدة واجتهاد، والمعنى: إنك عامل خيرا أو شرا، وأنت لا ~~محالة ملاقيه، أي: فكن على حذر من هذه الحال، واعمل صالحا ~~تجده، وأما الضمير في { ملاقيه } فقال الجمهور: هو عائد على ~~الرب تعالى، وقال بعضهم: هو عائد على الكدح * ت *: وهو ظاهر ~~الآية، والمعنى ملاق جزاءه، والحساب اليسير: هو العرض؛ ومن ~~نوقش الحساب هلك؛ كذا في الحديث الصحيح، وعن عائشة: هو أن يعرف ~~ذنوبه ms1507 ثم يتجاوز عنه، ونحوه في الصحيح عن ابن عمر، انتهى، وفي ~~الحديث # " عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا، ~~فلما انصرف؛ قلت: يا رسول الله، ما الحساب ~~اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه ويتجاوز عنه؛ ~~إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ ~~هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر الله عنه ~~حتى الشوكة تشوكه» " # ، قال صاحب «السلاح»: رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح ~~على شرط مسلم، انتهى، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " من حاسب نفسه في الدنيا، هون الله عليه ~~حسابه يوم القيامة " # ؛ قال عز الدين بن عبد السلام في اختصاره ل«رعاية ~~المحاسبي»: أجمع العلماء على وجوب محاسبة النفس فيما سلف من ~~الأعمال وفيما يستقبل منها، «فالكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه ~~هواها وتمنى على الله»، انتهى. # { وينقلب إلى أهله } أي: الذين أعدهم الله له في ~~الجنة، وأما الكافر فروي أن يده تدخل من صدره حتى ~~تخرج من وراء ظهره فيأخذ كتابه بها. # و { يدعوا ثبورا } معناه: يصيح منتحبا: وا ثبوراه؛ وا ~~حزناه، ونحوه هذا، والثبور اسم جامع للمكاره، كالويل. ### || [84.13-15] # وقوله تعالى: { إنه كان فى أهله } يريد في الدنيا، { ~~مسرورا } أي: تملكه ذلك لا يدري إلا السرور بأهله دون ~~معرفة ربه. # وقوله تعالى: { إنه ظن أن لن يحور } معناه: أن لن يرجع ~~إلى الله مبعوثا محشورا، قال ابن عباس: لم أعلم ما معنى { يحور ~~}؛ حتى سمعت امرأة أعرابية تقول لبنية ~~لها: حوري؛ أي: ارجعي، * ص *: { بلى } إيجاب بعد النفي، أي: ~~بلى؛ ليحورن أي: ليرجعن، انتهى. ### || [84.16-25] # وقوله تعالى: { فلا أقسم بالشفق } «لا» زائدة وقيل: «لا» ~~رد على أقوال الكفار، و { الشفق } الحمرة التي تعقب ~~غيبوبة الشمس مع البياض التابع لها في الأغلب، و { وسق } ~~معناه: جمع وضم ومنه الوسق أي: الأصوع المجموعة، والليل ~~يسق الحيوان جملة أي: يجمعها ويضمها، وكذلك جميع المخلوقات ~~التي في الأرض والهواء من البحار ms1508 والجبال والرياح وغير ذلك، واتساق ~~القمر كماله وتمامه بدرا، والمعنى امتلأ من النور، وقرأ نافع وأبو ~~عمرو وابن عامر: «لتركبن» بضم الباء والمعنى: ~~لتركبن الشدائد: الموت والبعث والحساب حالا بعد حال، و«عن» ~~تجيء بمعنى «بعد» كما يقال: ورث المجد كابرا عن كابر، وقيل: غير ~~هذا، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير: «لتركبن» بفتح الباء ~~ على معنى أنت يا محمد، فقيل: المعنى حالا بعد حال من معالجة ~~الكفار، وقال ابن عباس: سماء بعد سماء في الإسراء، وقيل: هي عدة ~~بالنصر أي لتركبن أمر العرب قبيلا بعد قبيل؛ كما كان، وفي ~~البخاري عن ابن عباس: { لتركبن طبقا عن طبق } حالا ~~بعد حال؛ هكذا قال نبيكم صلى الله عليه وسلم ، ~~انتهى، ثم قال تعالى: { فما لهم لا يؤمنون } ، أي: ما حجتهم ~~مع هذه البراهين الساطعة، و { يوعون } معناه: يجمعون من ~~الأعمال والتكذيب كأنهم يجعلونها أوعية، تقول وعيت العلم، ~~وأوعيت المتاع، و { ممنون } معناه: مقطوع. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-3] # الجمهور: أن «والبروج» هي المنازل التي عرفتها العرب، وقد ~~تقدم الكلام عليها، { واليوم الموعود }: هو يوم القيامة ~~باتفاق؛ كما جاء في الحديث، وإنما اختلف الناس في الشاهد والمشهود ~~اختلافا كثيرا، فقال ابن عباس: الشاهد: الله والمشهود: يوم ~~القيامة، وقال الترمذي: الشاهد: الملائكة الحفظة، والمشهود [أي] ~~عليه: الناس، وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: الشاهد يوم ~~الجمعة، والمشهود يوم عرفة، * ت *: ولو صح لوجب الوقوف عنده. ### || [85.4-9] # وقوله تعالى: { قتل أصحب الأخدود } معناه فعل الله ~~بهم ذلك؛ لأنهم أهل له؛ فهو على جهة الدعاء بحسب البشر، لا أن ~~الله يدعو على أحد، وقيل عن ابن عباس: معناه لعن وهذا تفسير ~~بالمعنى، وقال الثعلبي: قال ابن عباس: كل شيء في القرآن { قتل } فهو: ~~لعن، انتهى، وقيل: هو إخبار بأن النار قتلتهم؛ قاله الربيع ~~بن أنس، * ص *: وجواب القسم محذوف أي: والسماء ذات البروج ~~لتبعثن، وقال المبرد: الجواب: { إن بطش ربك لشديد ~~} ، وقيل الجواب: { قتل } واللام محذوفة أي: لقتل، وإذا كان { ~~قتل } هو الجواب فهو خبر ms1509 انتهى، وصاحب الأخدود: مذكور في ~~السير وغيرها وحديثه في مسلم مطول وهو ملك دعا ~~المؤمنين بالله إلى الرجوع عن دينهم إلى دينه، وخد لهم في ~~الأرض أخاديد طويلة؛ وأضرم لهم نارا وجعل يطرح فيها من ~~لم يرجع عن دينه؛ حتى جاءت امرأة معا صبي فتقاعست؛ فقال ~~لها الطفل: يا أمه؛ اصبري فإنك على الحق، فاقتحمت ~~النار. # وقوله: { النار } بدل من الأخدود وهو بدل اشتمال، قال * ع *: ~~وقال الربيع بن أنس وأبو إسحاق وأبو العالية: بعث الله على أولئك ~~المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم أو نحو هذا، وخرجت النار ~~فأحرقت الكافرين الذين كانوا على حافتي الأخدود؛ وعلى هذا ~~يجيء { قتل } خبرا لا دعاء. ### || [85.10-12] # وقوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنت... } الآية، فتنوهم، أي: أحرقوهم، * ت *: قال ~~الهروي: قوله تعالى: { فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق } أي: لهم عذاب لكفرهم وعذاب بإحراقهم المؤمنين، ~~انتهى، قال * ع *: ومن قال: إن هذه الآيات الأواخر في قريش ~~جعل الفتنة الامتحان والتعذيب، ويقوي هذا التأويل بعض التقوية ~~قوله تعالى: { ثم لم يتوبوا } ، لأن هذا اللفظ في قريش ~~أشبه منه في أولئك، والبطش: الأخذ بقوة. ### || [85.13-22] # وقوله: { إنه هو يبدىء ويعيد } قال الضحاك وابن زيد: ~~معناه: يبدىء الخلق بالإنشاء، ويعيدهم بالحشر، وقال ابن ~~عباس ما معناه: إن ذلك عام في جميع الأشياء، فهي عبارة على أنه ~~يفعل كل شيء، أي: يبدىء كل ما يبدأ ويعيد كل ما ~~يعاد، وهذان قسمان يستوفيان جميع الأشياء، و { الجنود } ~~الجموع، و { فرعون وثمود } في موضع خفض على البدل من ~~الجنود، ثم ترك القول بحاله، وأضرب عنه إلى الإخبار بأن هؤلاء ~~الكفار بمحمد وشرعه؛ لا حجة لهم ولا برهان؛ بل هو تكذيب مجرد ~~سببه الحسد، ثم توعدهم سبحانه بقوله: { والله من ~~ورائهم محيط } أي: عذاب الله ونقمته من ورائهم، أي: يأتي ~~بعد كفرهم وعصيانهم، وقرأ الجمهور: «في لوح محفوظ» بالخفض صفة ~~ل«لوح» وقرأ نافع: «محفوظ» بالرفع، أي: محفوظ في القلوب لا يدركه ~~الخطأ والتبديل. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-4] # أقسم الله تعالى بالسماء ms1510 المعروفة في قول الجمهور، وقيل: السماء ~~هنا هو المطر، { والطارق }: الذي يأتي ليلا، ثم فسر تعالى هذا ~~الطارق بأنه: { النجم الثاقب } واختلف في { النجم ~~الثاقب } فقال الحسن بن أبي الحسن ما معناه؛ أنه اسم جنس؛ لأنها ~~كلها ثاقبة، أي: ظاهرة الضوء، يقال: ثقب النجم إذا أضاء، وقال ابن ~~زيد: أراد نجما مخصوصا؛ وهو زحل، وقال ابن عباس: أراد الجدي، ~~وقال ابن زيد أيضا: هو الثريا، وجواب القسم في قوله: { إن كل ~~نفس... } الآية، و«إن» هي المخففة من الثقيلة، واللام في «لما» ~~لام التأكيد الداخلة على الخبر؛ هذا مذهب حذاق البصريين، وقال ~~الكوفيون «إن» بمعنى «ما» النافية، واللام بمعنى «إلا» فالتقدير: ما ~~كل نفس إلا عليها حافظ، ومعنى الآية فيما قال قتادة وغيره: إن على ~~كل نفس مكلفة حافظا يحصي أعمالها ويعدها للجزاء عليها، ~~وقال أبو أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: # " إن لكل نفس حفظة من الله يذبون عنها كما ~~يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل المرء ~~إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين ". ### || [86.5-7] # وقوله تعالى: { فلينظر الإنسن مم خلق } توقيف لمنكري ~~البعث على أصل الخلقة الدال على أن البعث جائز ممكن، ثم بادر ~~اللفظ إلى الجواب اقتضابا وإسراعا إلى إقامة الحجة، فقال: { ~~خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب ~~والترائب } قال الحسن وغيره: معناه: من بين صلب كل واحد من ~~الرجل والمرأة، وترائبه، وقال جماعة: من بين صلب الرجل وترائب ~~المرأة [والتريبة من الإنسان: ما بين الترقوة إلى الثدي، قال ~~أبو عبيدة معلق الحلي إلى الصدر، وقيل غير هذا. ### || [86.8-17] # وقوله تعالى: { إنه على رجعه لقادر } قال ابن عباس ~~وقتادة: المعنى أن الله على رد الإنسان حيا بعد موته لقادر، ~~وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينها، و { دافق } قال كثير من المفسرين: هو ~~بمعنى مدفوق، والعامل في { يوم } الرجع من قوله: { على ~~رجعه }. # و { تبلى السرائر } معناه تختبر وتكشف بواطنها، وروى ~~أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن السرائر التي ~~يبتليها ms1511 الله من العباد: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والغسل ~~من الجنابة، قال * ع *: وهذه معظم الأمر، وقال قتادة: الوجه في ~~الآية العموم في جميع السرائر، ونقل ابن العربي في «أحكامه» عن ~~ابن مسعود: أن هذه المذكورات [من] الصلاة والزكاة والوضوء ~~والوديعة كلها أمانة، قال: وأشد ذلك الوديعة تمثل له، ~~أي: لمن خانها على هيئتها يوم أخذها فترمى في قعر جهنم، ~~فيقال له: أخرجها، فيتبعها فيجعلها في عنقه فإذا أراد أن يخرج ~~بها زلت منه فيتبعها؛ فهو كذلك دهر الداهرين، انتهى، * ت *: ~~قال أبو عبيد الهروي: قوله تعالى: { يوم تبلى السرائر } ~~الواحدة سريرة وهي الأعمال التي أسرها العباد، انتهى، و { ~~الرجع } المطر وماؤه، وقال ابن عباس: الرجع: السحاب فيه المطر، ~~قال الحسن: لأنه يرجع بالرزق كل عام، وقال غيره: لأنه يرجع إلى ~~الأرض، و { الصدع } النبات؛ لأن الأرض تتصدع عنه، والضمير ~~في { إنه } للقرآن، و { فصل } معناه: جزم فصل الحقائق ~~من الأباطيل، و { الهزل } اللعب الباطل، ثم أخبر تعالى عن قريش ~~أنهم يكيدون في أفعالهم وأقوالهم بالنبي عليه السلام ، و { ~~وأكيد كيدا } وهذا على ما مر من تسمية العقوبة باسم ~~الذنب، و { رويدا } معناه: قليلا؛ قاله قتادة، وهذه حال هذه ~~اللفظة؛ إنما تقدمها شيء تصفه كقولك: سيرا رويدا، أو تقدمها فعل ~~يعمل فيها كهذه، وأما إذا ابتدأت بها فقلت: رويدا يا فلان؛ فهي ~~بمعنى الأمر بالتماهل، * ص *: { رويدا } قال أبو البقاء: نعت ~~لمصدر محذوف، أي: إمهالا رويدا، و«رويدا» تصغير «رود» ~~وأنشد أبو عبيدة: [البسيط] # يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته # كأنه ثمل يمشي على رود # أي: على مهل ورفق، انتهى. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-5] # { سبح } في هذه الآية بمعنى: نزه وقدس وقل: جل سبحانه ~~عن النقائص والغير جميعا، وروى ابن عباس # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية، قال: «سبحان ~~ربي الأعلى» " # ، وكان ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير يفعلون ذلك، ولما نزلت ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " اجعلوها في سجودكم " # ، وعن سلمة بن الأكوع قال: # " ما سمعت النبي ms1512 صلى الله عليه وسلم يستفتح دعاء إلا ~~استفتحه ب«سبحان ربي الأعلى الوهاب» " # رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «سلاح ~~المؤمن». # و«سوى» معناه: عدل وأتقن. # وقوله: { فهدى } عام لوجوه الهدايات في الإنسان والحيوان، ~~وقال الفراء: معناه هدى وأضل؛ والعموم في الآية أصوب، و { ~~المرعى }: النبات، و«الغثاء»: ما يبس وجف وتحطم من ~~النبات؛ وهو الذي يحمله السيل، و«الأحوى» قيل هو الأخضر الذي ~~عليه سواد من شدة الخضرة والغضارة، فتقدير الآية: الذي ~~أخرج المرعى أحوى أي أسود من خضرته وغضارته فجعله غثاء ~~عند يبسه ف { أحوى }: حال، وقال ابن عباس: المعنى: فجعله ~~غثاء أحوى أي أسود؛ لأن الغثاء إذا قدم وأصابته ~~الأمطار اسود وتعفن فصار أحوى، فهذا صفة. ### || [87.6-7] # وقوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى } قال الحسن وقتادة ومالك ~~بن أنس: هذه الآية في معنى قوله تعالى: # لا تحرك به لسانك # [القيامة:16] الآية، وعده الله أن يقرئه وأخبره أنه لا ~~ينسى نسيانا لا يكون بعده ذكر، وقيل: بل المعنى: أنه أمره تعالى ~~بأن لا ينسى على معنى التثبيت والتأكيد، وقال الجنيد: معنى { ~~لا تنسى } لا تترك العمل بما تضمن من أمر ونهي. # وقوله تعالى: { إلا ما شاء الله } قال الحسن وغيره: معناه: ~~مما قضى الله بنسخه ورفع تلاوته وحكمه، وقال ابن عباس: { ~~إلا ما شاء الله }: أن ينسيكه؛ ليسن به؛ على ~~نحو قوله عليه الصلاة والسلام : # " إني لأنسى أو أنسى لأسن " # قال * ع *: ونسيان النبي صلى الله عليه وسلم ممتنع فيما أمر ~~بتبليغه؛ إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعى عنه؛ فالنسيان جائز على ~~أن يتذكر بعد ذلك، أو على أن يسن، أو على النسخ. ### || [87.8-13] # وقوله تعالى: { ونيسرك لليسرى } معناه: نذهب بك نحو ~~الأمور المستحسنة في دنياك وأخراك من النصر والظفر، ~~ورفعة الرسالة وعلو المنزلة يوم القيامة، والرفعة في الجنة، ثم ~~أمره تعالى بالتذكير، قال بعض الحذاق: قوله تعالى: { إن ~~نفعت الذكرى } اعتراض بين الكلامين على جهة ~~التوبيخ لقريش، ثم أخبر تعالى أنه سيذكر من يخشى الله ~~والدار الآخرة وهم العلماء ms1513 والمؤمنون، كل بقدر ما وفق ~~له، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة. ### || [87.14-17] # و { تزكى } معناه: طهر نفسه ونماها بالخير، ومن ~~«الأربعين حديثا» المسندة لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري الإمام ~~المحدث قال في آخرها: وحديث تمام الأربعين حديثا؛ وهو حديث كبير ~~جامع لكل خير؛ حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي ~~إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين؛ قال: حدثنا إبراهيم بن ~~هشام بن يحيى الغساني قال: حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس ~~الخولاني عن أبي ذر قال: # " دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالس، فجلست إليه فقال: يا أبا ذر، للمسجد ~~تحية، وتحيته ركعتان؛ قم فاركعهما، قال: ~~فلما ركعتهما، جلست إليه، فقلت: يا رسول ~~الله، إنك أمرتني بالصلاة، فما الصلاة؟ قال: ~~خير موضوع، فاستكثر أو استقلل " # الحديث، وفيه: # " قلت: يا رسول الله، كم كتابا أنزل الله عز ~~وجل ؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب؛ أنزل ~~الله: على شيث خمسين صحيفة، وعلى خانوخ ثلاثين ~~صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على ~~موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، ~~والإنجيل، والزبور، والفرقان، قال: قلت: يا رسول ~~الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا ~~كلها: أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني ~~لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ~~ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني ~~لا أردها ولو من كافر، وكان فيها أمثال: وعلى ~~العاقل أن تكون له ساعة يناجي فيها ربه، وساعة ~~يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله ~~عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من ~~المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا ~~إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مؤونة لمعاش، أو ~~لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا ~~بزمانه، مقبلا على شانه، حافظا للسانه، ومن ~~حسب كلامه من عمله؛ قل كلامه إلا فيما ~~يعنيه، قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف ~~موسى؟ قال: كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن ~~بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر، ~~ثم هو ينصب، ms1514 وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها ~~بأهلها؛ ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن ~~بالحساب غدا ثم لا يعمل، وقال: قلت: يا رسول ~~الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي ~~إبراهيم وموسى؛ مما أنزل الله عز وجل عليك؟ ~~قال: نعم، اقرأ يا أبا ذر { قد أفلح من تزكى * ~~وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحيوة ~~الدنيا } إلى آخر هذه [السورة يعني: أن ذكر هذه الآيات ~~لفي صحف إبراهيم وموسى قال: قلت: يا رسول الله؛ ~~فأوصني، قال: أوصيك بتقوى الله عز وجل ~~فإنه رأس أمرك، قال: قلت: يا رسول الله؛ زدني؛ ~~قال: عليك بتلاوة القرآن وذكر الله عز ~~وجل ؛ فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في ~~الأرض، قال: قلت: يا رسول الله، زدني، قال: ~~وإياك وكثرة الضحك؛ فإنه يميت القلب، ويذهب ~~بنور الوجه، قال: قلت: يا رسول الله؛ زدني، قال: ~~عليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية أمتي، قال: قلت: ~~يا رسول الله؛ زدني، قال: عليك بالصمت إلا من ~~خير؛ فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر ~~دينك " # انتهى. # وقوله تعالى: { وذكر اسم ربه } أي: وحده وصلى له ~~الصلوات المفروضة وغيرها، وقال أبو سعيد الخدري وغيره: هذه الآية ~~نزلت في صبيحة يوم الفطر، ف { تزكى }: أدى زكاة ~~الفطر، { وذكر اسم ربه } في طريق المصلى، وصلى صلاة ~~العيد، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون الحياة الدنيا، وسبب ~~الإيثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة وفضلها، وروينا ~~في كتاب الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " استحيوا من الله حق الحياء، قال: فقلنا: يا رسول ~~الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: ليس ذلك، ~~ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ ~~الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر ~~الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة ~~الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق ~~الحياء " # انتهى، قال الغزالي: وإيثار الحياة الدنيا طبع غالب على ~~الإنسان؛ ولذلك قال تعالى: { بل تؤثرون الحيوة الدنيا } ~~ثم بين سبحانه أن الشر قديم في الطباع ms1515 وأن ذلك مذكور في ~~الكتب السالفة فقال: { إن هذا لفى الصحف الأولى * ~~صحف إبرهيم وموسى } ، انتهى من «الإحياء. ### || [87.18-19] # وقوله تعالى: { إن هذا } قال ابن زيد: الإشارة ب«هذا» إلى ~~هذين الخبرين: إفلاح من تزكى، وإيثار الناس للدنيا مع فضل ~~الآخرة عليها، وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه، وعن أبي بن كعب ~~قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر ب«سبح اسم ~~ربك الأعلى» و«قل يأيها الكافرون» و«قل هو الله أحد»؛ فإذا سلم ~~قال: سبحان الملك القدوس؛ ثلاث مرات يمد صوته ~~في الثالثة، ويرفع " # ، رواه أبو داود والنسائي؛ وهذا لفظه، ورواه الدارقطني في سننه، ~~ولفظه: # " فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس، ثلاث ~~مرات يمد بها صوته في الأخيرة، ويقول: رب ~~الملائكة والروح " # ، انتهى من «السلاح»، قال النووي وروينا في «سنن أبي داود» ~~«والترمذي» «والنسائي » عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: # " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك " # قال الترمذي: حديث حسن، انتهى. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-2] # قال بعض المفسرين: { هل } بمعنى «قد» وقال الحذاق: هي على بابها ~~توقيف فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، و { ~~الغشية } القيامة، لأنها تغشى العالم كله بهولها، ~~والوجوه الخاشعة هي وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغييرها ~~بالعذاب. ### || [88.3-10] # وقوله سبحانه: { عاملة ناصبة } قال الحسن وغيره: لم تعمل ~~لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار، والنصب ~~التعب، وقال ابن عباس وغيره: المعنى عاملة في الدنيا ناصبة فيها ~~على غير هدى فلا ثمرة لعملها، إلا النصب، وخاتمته النار، ~~قالوا: والآية في القسيسين وكل مجتهد في كفر، وقرأ أبو بكر عن ~~عاصم وأبو عمرو «تصلى» بضم التاء والباقون بفتحها والآنية: ~~التي قد انتهى حرها كما قال تعالى # وبين حميم آن # [الرحمن:44] وقال ابن زيد: آنية: حاضرة، والضريع: قال الحسن ~~وجماعة: هو الزقوم، وقال ابن عباس وغيره: الضريع شبرق النار، ~~وقال النبي ms1516 صلى الله عليه وسلم الضريع شوك في النار، * ت *: وهذا ~~إن صح فلا [يعدل] عنه، وقيل غير هذا، ولما ذكر تعالى وجوه ~~أهل النار عقب ذلك بذكر وجوه أهل الجنة ليبين الفرق، وقوله ~~تعالى: { لسعيها } يريد لعملها في الدنيا وطاعتها، والمعنى ~~لثواب سعيها؛ والتنعيم عليه، ووصف سبحانه الجنة بالعلو ~~وذلك يصح من جهة المسافة والمكان، ومن جهة المكانة والمنزلة ~~أيضا. ### || [88.11-13] # { لا تسمع فيها لغية } قيل: المعنى كلمة لاغية، وقيل ~~جماعة لاغية، أو فئة لاغية، واللغو سقط القول، قال الفخر: ~~قوله تعالى: { فيها سرر مرفوعة } أي عالية في الهواء؛ وذلك ~~لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه الله تعالى في ~~الجنة من النعيم والملك، قال خارجة بن مصعب: بلغنا أن بعضها ~~فوق بعض فترتفع ما شاء الله؛ فإذا جاء ولي الله ليجلس ~~عليها تطامنت له فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث شاء ~~الله سبحانه، انتهى. ### || [88.14-22] # { وأكواب موضوعة } أي: بأشربتها معدة، ~~والنمرقة: الوسادة، والزرابي: واحدها زربية، وهي ~~كالطنافس لها خمل؛ قاله الفراء، وهي ملونات و { مبثوثة ~~} معناه كثيرة متفرقة، ثم وقفهم سبحانه على مواضع العبرة في ~~مخلوقاته، و { الإبل } في هذه الآية هي الجمال المعروفة هذا قول ~~الجمهور، وفي الجمل آيات وعبر لمن تأمل، وكان شريح القاضي ~~يقول لأصحابه: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل ~~كيف خلقت، وقال المبرد: الإبل هنا السحاب لأن العرب قد تسميها ~~بذلك، إذ تأتي أرسالا كالإبل، و { نصبت }: معناه: أثبتت ~~قائمة في الهواء، وظاهر الآية أن الأرض سطح لا كرة، وهو الذي ~~عليه أهل العلم، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى، ثم نفى أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصيطرا على الناس، أي: قاهرا جابرا لهم ~~مع تكبر متسلطا عليهم. ### || [88.23-26] # وقوله تعالى: { إلا من تولى وكفر } قال بعض المتأولين: ~~الاستثناء متصل، والمعنى: إلا من تولى فإنك مصيطر عليه، ~~فالآية على هذا لا نسخ فيها، وقال آخرون: الاستثناء منفصل، ~~والمعنى: لست عليهم بمصيطر لكن من تولى وكفر فيعذبه الله، ms1517 ~~وهي آية موادعة منسوخة بالسيف وهذا هو القول الصحيح؛ ~~لأن السورة مكية والقتال إنما نزل بالمدينة * ص *: ~~وقرأ زيد بن أسلم: «إلا من تولى»: حرف تنبيه واستفتاح، انتهى، وقال ~~ابن العربي في «أحكامه»: روى الترمذي وغيره أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله " # ، ثم قرأ: { فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر } مفسرا معنى الآية وكاشفا خفاء الخفاء عنها، ~~المعنى: إذا قال الناس: لا إله إلا الله فلست بمسلط على ~~سرائرهم وإنما عليك الظاهر، وكل سرائرهم إلى الله تعالى، ~~وهذا الحديث صحيح المعنى، والله أعلم، انتهى، { إيابهم }: مصدر ~~من آب يؤوب: إذا رجع. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-4] # الفجر هنا عند الجمهور: هو المشهور المعروف الطالع كل يوم، ~~وقال ابن عباس وغيره: الفجر الذي أقسم الله به صلاة الصبح، وقيل ~~غير هذا. [واختلف في الليالي العشر فقيل: العشر الأول من ~~رمضان، وقيل: العشر الأواخر منه، وقيل: عشر ذي الحجة، وقيل: غير ~~هذا] والله أعلم بما أراد، فإن صح عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ~~في هذا صير إليه، واختلف في «الشفع والوتر» ما هما؟ على ~~أقوال كثيرة، وروى عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " هي الصلوات منها الشفع ومنها الوتر " # ، وسري الليل: هو ذهابه وانقراضه؛ هذا قول الجمهور، وقيل: المعنى: ~~إذا يسرى فيه. ### || [89.5-14] # { هل فى ذلك قسم لذى حجر } أي: هل في هذه الأقسام ~~مقنع لذي عقل؟ ثم وقف تعالى على مصارع الأمم الخالية ~~«وعاد»: قبيلة بلا خلاف، واختلف في: «إرم» فقال مجاهد: هي ~~القبيلة بعينها، وقال ابن إسحاق: إرم: هو أبو عاد كلها، وقال ~~الجمهور: إرم: مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، ~~واختلف في قوله تعالى: { ذات العماد } فمن قال: إرم مدينة ~~قال: العماد أعمدة الحجارة التي بنيت بها، وقيل القصور ~~العالية، والأبراج يقال لها عماد، ومن قال إرم قبيلة ms1518 قال: العماد ~~إما أعمدة بنيانهم، وإما أعمدة بيوتهم التي يرحلون بها؛ ~~قاله جماعة والضمير في { مثلها } يعود إما على المدينة وإما على ~~القبيلة. # و { جابوا الصخر } معناه: خرقوه ونحتوه، وكانوا في ~~واديهم قد نحتوا بيوتهم في حجارة، و { فرعون } هو فرعون ~~موسى، واختلف في أوتاده فقيل: أبنيته العالية، وقيل جنوده ~~الذين بهم يثبت ملكه، وقيل المراد أوتاد أخبية عساكره، ~~وذكرت لكثرتها؛ قاله ابن عباس، وقال مجاهد: كان يوتد الناس ~~بأوتاد حديد، يقتلهم بذلك: يضربها في أبدانهم حتى ~~تنفذ إلى الأرض، وقيل: غير هذا، والصب مستعمل في السوط وإنما ~~خص السوط بأن يستعار للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار ~~والترداد ما لا يقتضيه السيف، ولا غيره وقال بعض اللغويين: ~~السوط هنا مصدر من ساط يسوط إذا خلط فكأنه قال خلط ~~عذاب. # * ص *: قال ابن الأنباري: { إن ربك لبالمرصاد } هو جواب ~~القسم، وقيل: محذوف، وقيل: الجواب: { هل فى ذلك } و { هل } ~~بمعنى «إن» وليس بشيء، انتهى، و { المرصاد } والمرصد: موضع ~~الرصد، قاله بعض اللغويين، أي: أنه تعالى عند لسان كل قائل ~~ومرصد لكل فاعل، وإذا علم العبد أن مولاه له بالمرصاد ~~ودامت مراقبته في الفؤاد، حضره الخوف والحذر لا محالة، # واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه # [البقرة:235] قال أبو حامد في «الإحياء»: وبحسب معرفة العبد بعيوب ~~نفسه، ومعرفته بجلال ربه وتعاليه واستغنائه، وأنه لا يسأل عما ~~يفعل؛ تكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ~~ولذا قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا أخوفكم لله " # ، ولذلك قال تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر:28] ثم إذا كملت المعرفة أورثت الخوف واحتراق القلب، ثم ~~يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن فتنقمع ~~الشهوات، وتحترق بالخوف، ويحصل في القلب الذبول والخشوع ~~والذلة والاستكانة، ويصير العبد مستوعب الهم بخوفه والنظر ~~في خطر عاقبته؛ فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة ~~والمحاسبة والمجاهدة والضنة الأنفاس واللحظات، ومؤاخذة ~~النفس في الخطرات والخطوات والكلمات، ثم قال: واعلم أنه لا ~~تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع ms1519 بنار الخوف، انتهى. ### || [89.15-21] # وقوله سبحانه: { فأما الإنسن إذا ما ابتله ربه... ~~} الآية، ذكر تعالى في هذه الآية ما كانت قريش تقوله وتستدل ~~به على إكرام الله وإهانته لعبده، وجاء هذا التوبيخ في الآية ~~لجنس الإنسان، إذ قد يقع بعض المؤمنين في شيء من هذا المنزع، و { ~~ابتله } معناه: اختبره، و { نعمه } أي جعله ذا ~~نعمة. # «وقدر» بتخفيف الدال بمعنى: ضيق، ثم قال تعالى: { كلا } ~~ردا على قولهم ومعتقدهم، أي: ليس إكرام الله تعالى وإهانته ~~كذلك، وإنما ذلك ابتلاء فحق من ابتلي بالغنى أن يشكر ويطيع، ~~ومن ابتلي بالفقر أن يشكر ويصبر، وأما إكرام الله فهو ~~بالتقوى وإهانته فبالمعصية، و { طعام } في هذه الآية بمعنى: ~~إطعام، ثم عدد عليهم جدهم في أكل التراث، لأنهم كانوا لا ~~يورثون النساء ولا صغار الأولاد، وإنما كان يأخذ المال ~~من يقاتل ويحمي الحوزة، و«اللم» الجمع واللف، قال ~~الحسن: هو أن يأخذ في الميراث حظه وحظ غيره، والجم الكثير ~~الشديد؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز] # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لك لا ألما # ومنه الجم من الناس، ودك الأرض تسويتها. ### || [89.22-23] # وقوله تعالى: { وجاء ربك } معناه جاء أمره وقضاؤه، وقال ~~منذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق، هنالك؛ ليس مجيء نقلة وكذلك ~~مجيء الصاخة، ومجيء الطامة، والملك اسم جنس يريد به جميع ~~الملائكة، و { صفا } أي صفوفا حول الأرض يوم القيامة على ما ~~تقدم في غير هذا الموضع، و { وجاىء يومئذ بجهنم } روي ~~في قوله تعالى: { وجاىء يومئذ بجهنم } بأنها تساق إلى ~~المحشر بسبعين ألف زمام يمسك كل زمام سبعون ألف ~~ملك، فيخرج منها عنق فينتقي الجبابرة من الكفار، في حديث طويل ~~باختلاف ألفاظ. # وقوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسن } معناه: يتذكر ~~عصيانه وما فاته من العمل الصالح، وقال الثعلبي: «يومئذ يتذكر ~~الإنسان» أي يتعظ ويتوب، «وأنى له الذكرى»، انتهى. ### || [89.24-30] # وقوله: { يليتنى قدمت لحياتى } قال الجمهور: معناه ~~لحياتي الباقية يريد في الآخرة. # { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } أي لا يعذب ~~كعذاب الله أحد في الدنيا، ms1520 ولا يوثق كوثاقه أحد، ويحتمل ~~المعنى أن الله تعالى لا يكل عذاب الكافر يومئذ إلى أحد، وقرأ ~~الكسائي بفتح الذال والثاء أي: لا يعذب كعذاب الكافر ~~أحد من الناس، ثم عقب تعالى بذكر نفوس المؤمنين وحالهم فقال: { ~~يأيتها النفس المطمئنة } الآية، والمطمئنة معناه: ~~الموقنة غاية اليقين، ألا ترى قول إبراهيم عليه السلام ~~ # ولكن ليطمئن قلبى # [البقرة:260] فهي درجة زائدة على الإيمان، واختلف في هذا ~~النداء: متى يقع؟ فقال جماعة: عند خروج روح المؤمن، وروي في ذلك ~~حديث، و { فى عبادى } أي: في عداد عبادي الصالحين، وقال قوم: ~~النداء عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: { ارجعى إلى ~~ربك } معناه بالبعث، و«ادخلي في عبادي» أي في الأجساد، ~~وقيل: النداء هو الآن للمؤمنين، وقال آخرون: هذا النداء إنما هو في ~~الموقف عندما ينطلق بأهل النار إلى النار. * ت *: ولا مانع أن ~~يكون النداء في جميع هذه المواطن، ولما تكلم ابن عطاء الله في ~~مراعاة أحوال النفس قال: رب صاحب ورد عطله عن ورده ~~والحضور فيه مع ربه هم التدبير في المعيشة وغيرها من مصالح ~~النفس، وأنواع وساوس الشيطان في التدبير لا تنحصر، ومتى ~~أعطاك الله سبحانه الفهم عنه عرفك كيف تصنع، فأي ~~عبد توفر عقله واتسع نوره نزلت عليه السكينة من ربه فسكنت ~~نفسه عن الاضطراب، ووثقت بولي الأسباب، فكانت مطمئنة، ~~أي: خامدة ساكنة مستسلمة لأحكام الله ثابتة لأقداره وممدودة ~~بتأييده وأنواره، فاطمأنت لمولاها؛ لعلمها بأنه يراها: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت:53] فاستحقت أن يقال لها: { يأيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعى إلى ربك راضية مرضية } ~~وفي الآية خصائص عظيمة لها منها ترفيع شأنها بتكنيتها ~~ومدحها بالطمأنينة ثناء منه سبحانه عليها بالاستسلام إليه ~~والتوكل عليه، والمطمئن المنخفض من الأرض، فلما انخفضت ~~بتواضعها وانكسارها؛ أثنى عليها مولاها، ومنها قوله: { راضية ~~} أي: عن الله في الدنيا بأحكامه، و { مرضية } في الآخرة ~~بجوده وإنعامه، وفي ذلك إشارة للعبد أنه لا يحصل له أن ~~يكون مرضيا عند الله في الآخرة حتى يكون راضيا عن الله ms1521 في ~~الدنيا، انتهى من «التنوير». ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-2] # قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد } الكلام في لا تقدم ~~في # لا أقسم # [القيامة:1] والبلد هو: «مكة». # وقوله تعالى: { وأنت حل } قال ابن عباس وجماعة: معناه وأنت ~~حلال بهذا البلد، يحل لك فيه قتل من شئت، وكان هذا يوم فتح ~~مكة، وعلى هذا يتركب قول من قال: السورة مدنية نزلت عام الفتح، ~~وقال آخرون: المعنى وأنت حال ساكن بهذا البلد. ### || [90.3-10] # وقوله تعالى: { ووالد وما ولد } قال مجاهد: هو آدم وجميع ~~ولده، وقال ابن عباس: ما معناه أن الوالد والولد هنا على العموم ~~فهي أسماء جنس يدخل فيها جميع الحيوان، والقسم واقع على قوله: ~~{ لقد خلقنا الإنسن فى كبد } قال الجمهور: الإنسان ~~اسم جنس والكبد المشقة والمكابدة، أي: يكابد أمر الدنيا ~~والآخرة، وروي: أن سبب نزول هذه الآية رجل من قريش يقال له أبو ~~الأشد، وقيل نزلت في عمرو بن عبد ود، وقال: مقاتل: نزلت في ~~الحارث بن عامر بن نوفل؛ أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمره بالكفارة، فقال: لقد أهلكت مالا في ~~الكفارات والنفقات، مذ تبعت محمدا، وكان كل واحد ~~منهم ادعى أنه أنفق مالا كثيرا على إفساد ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو في الكفارات على ما ~~تقدم. # وقوله: { أهلكت مالا لبدا } أي: أنفقت مالا كثيرا، ومن ~~قال: أن المراد اسم الجنس غير معين، جعل قوله: { أيحسب ~~أن لم يره أحد } بمعنى: أيظن الإنسان أن ليس عليه حفظة ~~يرون أعماله ويحصونها؛ إلى يوم الجزاء، قال السهيلي: وهذه الآية وإن ~~نزلت في أبي الأشد فإن الألف واللام في الإنسان للجنس، فيشترك ~~معه في الخطاب كل من ظن ظنه وفعل مثل فعله وعلى هذا أكثر ~~القرآن، ينزل في السبب الخاص بلفظ عام يتناول المعنى ~~العام انتهى، وخرج مسلم عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل ~~عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما ~~أبلاه، وعن ms1522 علمه ماذا عمل به، وعن ماله، من ~~أين اكتسبه وفيم أنفقه " # ، وخرجه أيضا الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح، انتهى، وقرأ ~~الجمهور: { لبدا } أي: كثيرا متلبدا بعضه فوق بعض، ثم عدد ~~تعالى على الإنسان نعمه في جوارحه، و { النجدين }: قال ابن ~~عباس والناس: هما طريقا الخير والشر، أي: عرضنا عليه ~~طريقهما، وليست الهداية هنا بمعنى الإرشاد، وقال الضحاك: ~~النجدان ثديا الأم، وهذا مثال، والنجد: الطريق المرتفع. ### || [90.11-16] # وقوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة } الآية، قوله «فلا» هو ~~عند الجمهور تحضيض بمعنى: ألا اقتحم، والعقبة في هذه الآية على ~~عرف كلام العرب استعارة لهذا العمل الشاق على النفس، من حيث ~~هو بذل مال، تشبيه بعقبة الجبل، و { اقتحم }: معناه: ~~دخلها وجاوزها بسرعة وضغط وشدة، ثم عظم تعالى أمر العقبة ~~في النفوس بقوله: { وما أدراك ما العقبة } ثم فسر ~~اقتحام العقبة بقوله: { فك رقبة } الآية، وهذا على قراءة من ~~قرأ: { فك رقبة } بالرفع على المصدر وأما من قرأ: «فك ~~رقبة أو أطعم» على الفعل، ونصب الرقبة، وهي قراءة أبي ~~عمرو، فليس يحتاج أن يقدر: وما أدراك ما اقتحام بل يكون ~~التعظيم للعقبة نفسها ويجيء { فك } بدلا من { اقتحم } ~~ومبينا له، وفك الرقبة هو عتقها من ربقة الأسر أو ~~الرق، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله بكل عضو ~~منها عضوا منه من النار " # ، والمسغبة: المجاعة، والساغب: الجائع و { ذا مقربة }: ~~معناه: ذا قرابة؛ لتجتمع الصدقة والصلة، و { ذا متربة }: ~~معناه: مدقعا قد لصق بالتراب وهذا ينحو إلى أن المسكين ~~أشد فاقة من الفقير، قال سفيان: هم المطروحون على ظهر ~~الطريق قعودا على التراب لا بيوت لهم، وقال ابن عباس: هو الذي ~~يخرج من بيته ثم يقلب وجهه إلى بيته مستيقنا أنه ليس فيه إلا ~~التراب. ### || [90.17-20] # وقوله تعالى: { ثم كان } معطوف على قوله: { اقتحم } والمعنى: ~~ثم كان وقت اقتحامه العقبة من الذين آمنوا. # وقوله تعالى: { وتواصوا بالصبر } معناه: على طاعة الله ~~وبلائه وقضائه وعن الشهوات والمعاصي، ms1523 و { المرحمة } قال ابن ~~عباس: كل ما يؤدي إلى رحمة الله تعالى، وقال آخرون: هو التراحم ~~والتعاطف بين الناس، وفي ذلك قوام الناس؛ ولو لم يتراحموا ~~جملة لهلكوا، و { الميمنة } ، فيما روي عن يمين ~~العرش وهو موضع الجنة، ومكان المرحومين من الناس، و { ~~المشئمة }: الجانب الأشأم وهو الأيسر؛ وفيه جهنم؛ وهو ~~طريق المعذبين، و { مؤصدة } معناه: مطبقة مغلقة. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-2] # أقسم الله تعالى بالشمس: إما على التنبيه منها على الاعتبار ~~المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وإما على تقدير ورب الشمس، ~~والضحى بالضم والقصر : ارتفاع ضوء الشمس وإشراقه، قاله ~~مجاهد وقال مقاتل: { ضحها } حرها كقوله في طه: # ولا تضحى # ،[طه:119] والضحاء بفتح الضاد والمد : ما فوق ذلك إلى ~~الزوال، والقمر يتلو الشمس من أول الشهر إلى نصفه في الغروب ~~تغرب هي ثم يغرب هو، ويتلوها في النصف الآخر بنحو آخر وهو أن تغرب ~~هي فيطلع هو، وقال الحسن: { تلها } معناه تبعها دأبا في كل ~~وقت لأنه يستضيء منها فهو يتلوها لذلك، وقال الزجاج وغيره: تلاها في ~~المنزلة من الضياء والقدر: لأنه ليس في الكواكب شيء يتلو ~~الشمس في هذا المعنى غير القمر. ### || [91.3-7] # وقوله: { والنهار } ظاهر هذه السورة والتي بعدها أن النهار ~~من طلوع الشمس، وكذلك قال الزجاج في كتاب «الأنواء» وغيره، واليوم من ~~طلوع الفجر، ولا يختلف أن نهايتهما مغيب الشمس، ~~والضمير في { جلها } يحتمل أن يعود على الشمس، ويحتمل أن ~~يعود على الأرض، أو على الظلمة، وإن كان لم يجر لذلك ~~ذكر، فالمعنى يقتضيه؛ قاله الزجاج، و«جلى» معناه كشف وضوى ~~والفاعل ب«جلى» على هذه التأويلات النهار، ويحتمل أن يكون الفاعل ~~الله تعالى، كأنه قال: والنهار، إذ جلى الله الشمس، فأقسم ~~بالنهار في أكمل حالاته، و«يغشى» معناه: يغطي، والضمير للشمس ~~على تجوز في المعنى أو للأرض. # وقوله تعالى: { وما بنها } وكل ما بعده من نظائره في السورة ~~يحتمل أن تكون «ما» فيه بمعنى الذي قاله أبو عبيدة، أي: ومن ~~بناها، وهو قول الحسن ومجاهد، فيجيء القسم بالله تعالى، ms1524 ويحتمل ~~أن تكون ما في جميع ذلك مصدرية؛ قاله قتادة والمبرد والزجاج، ~~كأنه قال: والسماء وبنائها، و«طحا» بمعنى: دحا، * ت *: قال ~~الهروي: قوله تعالى: { والأرض وما طحها } أي بسطها ~~فأوسعها، ويقال طحا به الأمر أي اتسع به في المذهب، ~~انتهى، والنفس التي أقسم بها سبحانه اسم جنس، وتسويتها إكمال ~~عقلها ونظرها. # الثعلبي { فسواها } أي: عدل خلقها، انتهى. ### || [91.8-15] # وقوله سبحانه: { فألهمها فجورها وتقواها } أي: عرفها ~~طرق ذلك، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب ~~التقوى، وجواب القسم في قوله: { قد أفلح } والتقدير: لقد ~~أفلح، زاد * ص *: وحذفت اللام للطول، انتهى، والفاعل ب«زكى» ~~يحتمل أن يكون الله تعالى؛ قاله ابن عباس وغيره، ويحتمل أن ~~يكون الإنسان؛ قاله الحسن وغيره، و { زكها } أي طهرها ~~ونماها بالخيرات و { دسها } معناه: أخفاها وحقرها ~~وصغر قدرها بالمعاصي والبخل بما يجب وأصل «دسى»: ~~دسس؛ ومنه قول الشاعر: [الطويل] # ودسست عمرا في التراب فأصبحت # حلائله منه أرامل ضيعا # ت *: قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي: ومن عيوب النفس الشفقة عليها، ~~والقيام بتعهدها وتحصيل مآربها، ومداواتها الإعراض عنها ~~وقلة الاشتغال بها، كذلك سمعت جدي يقول: من كرمت عليه ~~نفسه هان عليه دينه، انتهى من تأليفه في عيوب النفس، وروي: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: # " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من ~~زكاها، أنت وليها ومولاها " # ، قال # " صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية " # النفس الزكية زينتها نزاهتها، وعافيتها عفتها، ~~وطهارتها ورعها، وغناها ثقتها بمولاها؛ وعلمها بأنه لا ~~ينساها، انتهى، ولما ذكر تعالى خيبة من دسى نفسه؛ ذكر فرقة ~~فعلت ذلك ليعتبر بهم، وينتهى عن مثل فعلهم، والطغوى: مصدر ~~وقال ابن عباس: الطغوى هنا العذاب. كذبوا به حتى نزل بهم ~~ويؤيده قوله تعالى: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة:5] وقال جمهور من المتأولين: الباء سببية والمعنى: كذبت ~~ثمود نبيها بسبب طغيانها، و { أشقها }: هو قدار بن سالف، وقد ~~تقدم قصصهم، * ت *: و { ناقة الله وسقيها } قيل: نصب ~~بفعل مضمر تقديره احفظوا أو ms1525 ذروا، وقال * ص *: { ناقة ~~الله } الجمهور: بنصب { ناقة } على التحذير أي احذروا ناقة ~~الله، وهو مما يجب إضمار عامله، انتهى، و { دمدم } معناه ~~أنزل العذاب مقلقلا لهم مكررا ذلك، وهي الدمدمة، ~~الثعلبي قال مؤرج: الدمدمة أهلاك باستئصال، انتهى، وكذلك قال أبو ~~حيان، وقال الهروي: قال الأزهري: { فدمدم عليهم ربهم } ~~أي: أطبق عليهم العذاب، وقيل { فدمدم عليهم } أي: غضب ~~عليهم، انتهى. # وقوله تعالى: { فسواها } أي فسوى القبيلة في الهلاك؛ لم ~~ينج منهم أحد، وقرأ نافع وابن عامر: «فلا يخاف عقباها» ~~والمعنى: فلا درك على الله تعالى في فعله بهم؛ وهذا قول ابن ~~عباس والحسن، ويحتمل أن يكون الفاعل ب { يخاف } صالحا عليه ~~السلام أي: لا يخاف عقبى هذه الفعلة بهم؛ إذ كان قد ~~أنذرهم، وقرأ الباقون: «ولا يخاف» بالواو فتحتمل الوجهين، ~~وتحتمل هذه القراءة وجها ثالثا: أن يكون الفاعل ب { يخاف } ~~المنبعث؛ قاله الزجاج والضحاك والسدي، وغيرهم، وتكون الواو واو ~~الحال، كأنه قال: انبعث لعقرها وهو لا يخاف عقبى ~~فعله. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-2] # أقسم تعالى بالليل إذا غشي الأرض وجميع ما فيها، وبالنهار إذا ~~تجلى، أي: ظهر وضوى الآفاق، وقال * ص *: { يغشى }: مفعوله ~~محذوف فيحتمل أن يكون النهار كقوله: # يغشي الليل النهار # [الأعراف:54] أو الشمس؛ كقوله تعالى: # واليل إذا يغشها # [الشمس:4] وقيل الأرض وما فيها، انتهى. ### || [92.3-14] # وقوله تعالى: { وما خلق الذكر والأنثى } يحتمل أن تكون ~~«ما» بمعنى: «الذي» ويحتمل أن تكون مصدرية، والذكر والأنثى هنا ~~عام، وقال الحسن: المراد آدم وحواء، والسعي العمل، فأخبر ~~تعالى مقسما أن أعمال العباد شتى، أي: مفترقة جدا؛ ~~بعضها في رضى الله، وبعضها في سخطه، ثم قسم تعالى الساعين ~~فقال: { فأما من أعطى واتقى } الآية، ويروى أن هذه ~~الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . # وقوله تعالى: { وصدق بالحسنى } قيل هي: لا إله إلا الله، ~~وقيل: هي الخلف الذي وعد الله به، وقيل: هي الجنة، وقال كثير ~~من المتأولين: الحسنى: الأجر والثواب مجملا، والعسرى: الحال ~~السيئة في الدنيا والآخرة، ومن جعل { بخل ms1526 } في المال خاصة؛ ~~جعل { استغنى } في المال أيضا، لتعظم المذمة، ومن ~~جعل { بخل } عاما في جميع ما ينبغي أن يبذل، من ~~قول أو فعل؛ قال: { استغنى } عن الله ورحمته بزعمه، ~~وظاهر قوله: { وما يغنى عنه ماله } أن الإعطاء والبخل ~~المذكورين إنما هما في المال. # وقوله تعالى: { إذا تردى } ، قال قتادة وغيره: معناه تردى في ~~جهنم. وقال مجاهد: { تردى } معناه: هلك من الردى، وخرج ~~البخاري وغيره عن علي رضي الله عنه قال: # " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في ~~جنازة، فقال: ما منكم من أحد، أو ما من نفس ~~منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة والنار، ~~وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، فقالوا: يا رسول ~~الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل، فمن ~~كان منا من أهل السعادة؛ فسيصير إلى أهل ~~السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء؛ فسيصير ~~إلى عمل أهل الشقاء؟ قال: أما أهل السعادة، ~~فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل ~~الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم ~~قرأ: { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى ~~} إلى قوله: { للعسرى } " # وفي رواية، لما قيل له: # " أفلا نتكل على كتابنا، قال: لا؛ بل اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له " # الحديث، وخرجه الترمذي أيضا، انتهى، قال ابن العربي في ~~«أحكامه»: # " وسأل شابان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: ~~العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم في ~~شيء مستأنف؟ فقال: بل فيما جفت به الأقلام، ~~وجرت به المقادير، قالا: ففيم العمل إذن: قال: ~~اعملوا؛ فكل ميسر لعمله الذي خلق له قالا: فالآن ~~نجد ونعمل " # انتهى، وقال قوم: معنى تردى، أي: بأكفانه من الرداء؛ ~~ومنه قول الشاعر:[الطويل] # نصيبك مما تجمع الدهر كله # رداءان تلوى فيهما وحنوط # ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا، أي: تعريفهم بالسبل كلها، ~~وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان، ولو كان ذلك لم يوجد ~~كافر، قال البخاري: «تلظى»: توهج وقال الثعلبي: ~~تتوقد، وتتوهج، انتهى. ### || [92.15-21] # وقوله سبحانه: { لا يصلها إلا الأشقى } المعنى: لا ms1527 ~~يصلاها صلي خلود، ومن هنا ضلت المرجئة؛ لأنها أخذت ~~نفي الصلي مطلقا، ولم يختلف أهل التأويل أن المراد ~~بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر الصديق، ثم هي تتناول كل من ~~دخل في هذه الصفات، وباقي الآية بين، ثم وعده تعالى ~~بالرضى في الآخرة وهذه [عدة] لأبي بكر رضي الله عنه . ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-6] # تقدم تفسير { والضحى } بأنه: سطوع الضوء وعظمه، وقال ~~قتادة: { الضحى } هنا النهار كله و { سجى } معناه سكن ~~واستقر ليلا تاما، وقيل: معناه أقبل، وقيل: معناه أدبر، ~~والأول أصح، وعليه شواهد، وقال البخاري: قال مجاهد: { إذا ~~سجى } استوى، وقال غيره: أظلم وسكن، انتهى،، وقرأ الجمهور: { ما ~~ودعك } بشد الدال من التوديع وقرىء بالتخفيف ~~بمعنى: ما تركك، وقال البخاري: { ما ودعك ربك } ~~بالتشديد والتخفيف: ما تركك، انتهى. # و { قلى } أبغض، نزلت بسبب إبطاء الوحي مدة { ~~وللأخرة } يعني: الدار الآخرة خير لك من الدنيا، { ~~ولسوف يعطيك ربك فترضى } قيل: هي أرجى آية في ~~القرآن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يرضى، وواحد من أمته في النار، ~~وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال لما نزلت: # " إذن لا أرضى، وأحد من أمتي في النار " # قال عياض: وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة في ~~الدارين، انتهى، [* ت *: وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد الله بن عمرو ~~بن العاصي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في ~~إبراهيم عليه السلام: { رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك ~~غفور رحيم } [إبراهيم:36] وقول عيسى عليه السلام: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } [المائدة:118] فرفع يديه وقال: ~~اللهم، أمتي أمتي، وبكى، فقال الله جل ~~ثناؤه يا جبريل؛ اذهب إلى محمد فقل له: إنا ~~سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " # ، انتهى مختصرا]، ثم وقف تعالى نبيه على المراتب التي ~~درجه عنها بإنعامه فقال: { ألم يجدك يتيما فاوى }. ### || [93.7-11] # وقوله تعالى: { ووجدك ضالا فهدى } اختلف الناس في ~~تأويله، والضلال يختلف، فمنه البعيد ومنه ms1528 القريب؛ فالبعيد ~~ضلال الكفار، وهذا قد عصم الله منه نبيه فلم يعبد ~~صلى الله عليه وسلم صنما قط، ولا تابع الكفار على شيء مما هم عليه ~~من الباطل، وإنما ضلاله صلى الله عليه وسلم هو كونه واقفا لا ~~يميز المهيع، بل يدبر وينظر، وقال الترمذي وعبد العزيز بن ~~يحيى: { ضالا } معناه: خامل الذكر لا يعرفك الناس؛ فهداهم ~~إليك ربك، والصواب أنه ضلال من توقف لا يدري، كما قال عز ~~وجل: # ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيمن # [الشورى:52] وقال الثعلبي: قال بعض المتكلمين: إذا وجدت العرب ~~شجرة مفردة في فلاة سموها ضالة فيهتدى بها إلى الطريق، ~~أي: فوجدتك وحيدا ليس معك نبي غيرك فهديت بك الخلق إلي، ~~انتهى، قال عياض: وقال الجنيد: المعنى: ووجدك متحيرا في بيان ~~ما أنزل إليك فهداك لبيانه، لقوله: # وأنزلنا إليك الذكر # [النحل:44] الآية، قال عياض: ولا أعلم أحدا من المفسرين قال فيها ~~ضالا عن الإيمان، وكذلك في قصة موسى عليه السلام قوله: # فعلتها إذا وأنا من الضالين # [الشعراء:20] أي المخطئين، وقال ابن عطاء: { ووجدك ضالا } أي: ~~محبا لمعرفتي، والضال: المحب، كما قال تعالى: # إنك لفى ضللك القديم # [يوسف:95] أي: محبتك القديمة، انتهى، والعائل: الفقير { ~~فأغنى } أي: بالقناعة والصبر، ثم وصاه تعالى بثلاث ~~وصايا؛ بإزاء هذه النعم الثلاث، و { السائل } هنا قال أبو ~~الدرداء: هو السائل عن العلم، وقيل: هو سائل المال، وقال إبراهيم ~~بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملنا زادنا إلى الآخرة. # وقوله تعالى: { وأما بنعمة ربك فحدث } قال مجاهد ~~وغيره: معناه بث القرآن وبلغ ما أرسلت به، قال عياض: وهذا ~~الأمر يعم الأمة، انتهى، وقال آخرون: بل هو عموم في جميع ~~النعم، وفي «سنن أبي داود» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وأعطوا ~~السائل، وإن جاء على فرس " # قال البغوي في «المصابيح»: هذا حديث مرسل انتهى. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # عدد الله تعالى على نبيه نعمه عليه في أن شرح صدره ~~للنبوة، وهيأه لها، وذهب الجمهور ms1529 إلى أن شرح الصدر ~~المذكور إنما هو تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقي ما يوحى إليه، ~~وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت ~~صغره، وفي وقت الإسراء؛ إذا التشريح شق اللحم، والوزر الذي ~~وضعه الله عنه هو عند بعض المتأولين الثقل الذي كان يجده صلى ~~الله عليه وسلم في نفسه من أجل ما كانت قريش فيه من عبادة ~~الأصنام؛ فرفع الله عنه ذلك الثقل بنبوته وإرساله، ~~وقال أبو عبيدة وغيره: المعنى: خففنا عنك أثقال النبوة ~~وأعناك على الناس، وقيل الوزر هنا: الذنوب، نظير قوله تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # [الفتح:2] وقد تقدم بيانه، الثعلبي: وقيل: معناه: عصمناك من ~~احتمال الوزر، انتهى. { وأنقض } معناه: جعله نقضا، أي: ~~هزيلا، من الثقل، قال عياض: ومعنى أنقض، أي: كاد ينقضه، ~~انتهى، { ورفعنا لك ذكرك } أي نوهنا باسمك، قال * ع *: ~~ورفع الذكر نعمة على الرسول وكذلك هو جميل حسن للقائمين بأمور ~~الناس، وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة، والمعنى في ~~هذا: التعديد: أنا قد فعلنا جميع هذا بك؛ فلا تكترث بأذى ~~قريش؛ فإن الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم، قال عياض: ~~وروى أبو سعيد الخدري؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أتاني جبريل فقال؛ إن ربي وربك يقول: أتدري ~~كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله تعالى أعلم، قال: ~~إذا ذكرت ذكرت معي " # ، انتهى، ثم قوى سبحانه رجاءه بقوله: { فإن مع العسر ~~يسرا } وكرر تعالى ذلك مبالغة، وذهب كثير من العلماء إلى ~~أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية، من حيث إن العسر ~~معرف للعهد واليسر منكر فالأول غير الثاني، وقد جاء ~~في هذا التأويل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لن يغلب عسر يسرين " # ، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من شغل من أشغال ~~النبوة والعبادة أن ينصب في آخره، والنصب: التعب، ~~والمعنى: أن يدأب على ما أمر به ولا يفتر، وقال ابن عباس: ~~إذا فرغت من فرضك فانصب في التنفل عبادة لربك، ونحوه ms1530 ~~عن ابن مسعود وعن مجاهد: «فإذا فرغت من العبادة فانصب في الدعاء». # وقوله تعالى: { وإلى ربك فارغب }: أمر بالتوكل على ~~الله عز وجل وصرف وجوه الرغبات إليه لا إلى سواه. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # قال ابن عباس وغيره: «والتين والزيتون» المقسم بهما هما ~~المعروفان، وقال السهيلي: أقسم تعالى بطور تينا، وطور زيتا، وهما ~~جبلان عند بيت المقدس، وكذلك طور سيناء، ويقال: إن سيناء هي الحجارة، ~~والطور عند أكثر الناس هو الجبل، وقال الماوردي: ليس كل جبل يقال ~~له: طور إلا أن تكون فيه الأشجار والثمار، وإلا فهو جبل فقط، ~~انتهى، { وطور سينين } جبل بالشام، و { البلد الأمين } ~~مكة، والقسم واقع على قوله تعالى: { لقد خلقنا الإنسن ~~فى أحسن تقويم } [أي: في أحسن تقويم] ينبغي له، وقال بعض ~~العلماء بالعموم، أي: الإنسان أحسن المخلوقات تقويما، ولم ير ~~قوم الحنث على من حلف بالطلاق أن زوجته أحسن من الشمس؛ ~~محتجين بهذه الآية، وحسن التقويم يشمل جميع محاسن الإنسان ~~الظاهرة والباطنة؛ من حسن صورته، وانتصاب قامته، وكمال عقله، ~~وحسن تمييزه، والإنسان هنا اسم جنس، وتقدير الكلام: في تقويم أحسن ~~تقويم؛ لأن { أحسن } صفة لا بد أن تجري على موصوف. # { ثم رددنه أسفل سفلين } قال قتادة وغيره: معناه ~~بالهرم وذهول العقل وهذه عبرة منصوبة، وعبارة الثعلبي: { فى ~~أحسن تقويم } قيل: اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما ~~يكون، { ثم رددنه أسفل سفلين } بالهرم؛ كما قال: # إلى أرذل العمر # [الحج:5]، والسافلون: الهرمى والزمنى والذين حبسهم عذرهم ~~عن الجهاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عذرهم ~~وأخبرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم، انتهى، ~~وفي البخاري عنه صلى الله عليه وسلم # " إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل ~~مقيما صحيحا " # وهكذا قال في الذين حبسهم العذر، انتهى، قال * ص *: { إلا ~~الذين } قيل: منقطع بناء على أن معنى { أسفل سفلين ~~}: بالهرم وذهول العقل، وقيل متصل بناء على أن معناه في ~~النار على كفره، انتهى، قال * ع *: وفي ms1531 حديث عن أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا بلغ المؤمن خمسين سنة خفف الله حسابه، فإذا ~~بلغ ستين؛ رزقه الإنابة إليه، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل ~~السماء، فإذا بلغ ثمانين كتبت حسناته وتجاوز الله عن ~~سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفرت ذنوبه وشفع في أهل بيته ~~وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ مائة ولم يعمل شيئا ~~كتب له مثل ما كان يعمل في صحته ولم تكتب عليه سيئة " # ، وفي حديث: # " إن المؤمن إذا رد إلى أرذل العمر كتب له خير ما كان يعمل في ~~قوته " # وذلك أجر غير ممنون، ثم قال سبحانه إلزاما للحجة وتوبيخا ~~للكافر: { فما يكذبك } أيها الإنسان، أي: فما يجعلك أن ~~تكذب بعد هذه الحجة بالدين، وقال قتادة: المعنى: فمن يكذبك ~~يا محمد، فيما تخبر به من الجزاء والحساب، وهو الدين، بعد هذه ~~العبر، ويحتمل أن يريد ب { الدين } جميع دينه وشرعه،، وروي ~~عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ { أليس ~~الله بأحكم الحكمين } قال: بلى؛ وأنا على ذلك ~~من الشاهدين، قال ابن العربي في «أحكامه»: روى الترمذي ~~وغيره عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا قرأ أحدكم { أليس الله بأحكم الحكمين } ~~فليقل: بلى؛ وأنا على ذلك من الشاهدين " # ومن رواية عبد الله: # " إذا قرأ أحدكم أو سمع: { أليس ذلك بقدر ~~على أن يحيى الموتى } [القيامة:40] فليقل: بلى " # انتهى، * ت *: وهذان الحديثان، وإن كان قد ضعفهما ابن ~~العربي فهما مما ينبغي ذكرهما في فضائل الأعمال، والله الموفق ~~بفضله وكرمه. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # [قوله تعالى: { اقرأ باسم ربك } ]: هو أول ما نزل من ~~كتاب الله تعالى، نزل صدر [هذه الآية] إلى قوله: { ما لم ~~يعلم } في غار حراء حسب ما ثبت في«صحيح البخاري» وغيره، ~~ومعنى قوله: { اقرأ باسم ربك } أي: اقرأ هذا القرآن باسم ~~ربك، أي: مبتدئا باسم ربك، ويحتمل أن يكون المقروء الذي ~~أمر بقراءته هو { باسم ربك الذى خلق } كأنه قيل له: ~~اقرأ ms1532 هذا اللفظ، والعلق: جمع علقة وهي القطعة اليسيرة من ~~الدم، والإنسان هنا اسم جنس، ثم قال تعالى: { اقرأ وربك ~~الأكرم } على جهة التأنيس كأنه يقول: امض لما أمرت به، ~~وربك ليس كهذه الأرباب؛ بل هو الأكرم الذي لا يلحقه ~~نقص، ثم عدد تعالى نعمة الكتابة بالقلم على الناس، وهي من ~~أعظم النعم. # و { علم الإنسن ما لم يعلم } قيل: هو آدم وقيل: [هو] ~~اسم جنس؛ وهو الأظهر. ### || [96.6-13] # وقوله تعالى: { كلا إن الإنسن ليطغى } إلى آخر ~~السورة نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طغى لغناه وكثرة ~~من يغشى ناديه، فناصب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونهاه عن الصلاة في المسجد، وقال: لئن رأيت محمدا يسجد عند ~~الكعبة لأطأن عنقه، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ~~عليه القول وانتهره، وعبارة الداوودي: فتهدده النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: أتهددني؟ أما والله إني لأكثر ~~أهل الوادي ناديا فنزلت الآية، انتهى. # و { كلا } رد على أبي جهل، ويتجه أن تكون بمعنى: حقا، ~~والضمير في { رءاه } للإنسان المذكور، كأنه قال: أن رأى نفسه ~~غنيا وهي رؤية قلبية؛ ولذلك جاز أن يعمل فعل ~~الفاعل في نفسه؛ كما تقول: وجدتني وظننتني، ثم حقر تعالى ~~غنى هذا الإنسان وحاله بقوله: { إن إلى ربك الرجعى } ~~أي: بالحشر والبعث يوم القيامة، وفي هذا الخبر وعيد للطاغين من ~~الناس، ثم صرح بذكر الناهي لمحمد عليه السلام ، ولا ~~خلاف أن الناهي أبو جهل، وأن العبد المصلي هو محمد عليه ~~السلام . ### || [96.14-19] # وقوله تعالى: { ألم يعلم بأن الله يرى } إكمال ~~للتوبيخ والوعيد بحسب التوقيفات الثلاث، يصلح مع كل ~~واحد منها، * ت *: وفي قوله تعالى: { ألم يعلم بأن الله ~~يرى } ما يثير الهمم الراكدة، ويسيل العيون ~~الجامدة، ويبعث على الحياء والمراقبة، قال الغزالي: اعلم أن ~~الله مطلع على ضميرك، ومشرف على ظاهرك وباطنك، فتأدب ~~أيها المسكين ظاهرا وباطنا بين يديه سبحانه؛ واجتهد أن لا يراك ~~حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، ولا تدع عنك ~~التفكر في قرب الأجل، ms1533 وحلول الموت القاطع للأمل، وخروج الأمر ~~من الاختيار، وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار، انتهى، ~~ثم توعده تعالى لئن لم ينته ليؤخذن بناصيته، فيجر ~~إلى جهنم ذليلا، تقول العرب: سفعت بيدي ناصية ~~الفرس، والرجل إذا جذبتها مذللة، وقال بعض العلماء ~~بالتفسير: معناه لتحرقن، من قولهم: سفعته النار، واكتفى ~~بذكر الناصية لدلالتها على الوجه والرأس، والناصية مقدم ~~شعر الرأس، ثم أبدل النكرة من المعرفة في قوله: { ناصية ~~كذبة } ووصفها بالكذب والخطإ من حيث هي صفات لصاحبها. # قوله: { فليدع ناديه } أي أهل مجلسه، والنادي ~~والندي: المجلس، ومنه دار الندوة، وقال البخاري قال مجاهد: ~~ناديه: عشيرته. # وقوله: { سندع الزبانية } أي: ملائكة العذاب، ثم قال ~~تعالى لنبيه عليه السلام : { كلا لا تطعه } أي: لا ~~تلتفت إلى نهيه وكلامه و { اسجد } لربك و { اقترب } إليه ~~بسجودك، وفي الحديث: # " أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد، فأكثروا من ~~الدعاء في السجود، فقمن أن يستجاب لكم " # ، وروى ابن وهب عن جماعة من أهل العلم: أن قوله: { واسجد ~~}: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأن قوله: { واقترب }: خطاب ~~لأبي جهل، أي: إن كنت تجترىء حتى ترى كيف تهلك، * ت ~~*: والتأويل الأول أظهر؛ يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " # وعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: # " كنت أبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه ~~وحاجته، فقال لي: سل؛ فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال ~~أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك ~~بكثرة السجود " # رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ الترمذي: # " كنت أبيت عند باب النبي صلى الله عليه وسلم فأعطيه ~~وضوءه، فأسمعه الهوي من الليل يقول: سمع الله ~~لمن حمده، وأسمعه الهوي من الليل يقول: ~~الحمد لله رب العالمين " # ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وليس لربيعة في الكتب ~~الستة سوى هذا الحديث، انتهى من «السلاح»، وروي أن أبا جهل ~~جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فهم بأن يصل ~~إليه، ويمنعه من الصلاة، ثم رجع وولى ms1534 ناكصا ~~على عقبيه متقيا بيديه، فقيل له: ما هذا؟ ~~فقال: لقد عرض بيني وبينه خندق من نار، ~~وهول وأجنحة، فيروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لو دنا مني لأخذته الملائكة عيانا " # * ت *: ولما لم ينته عدو الله أخذه الله يوم ~~بدر، وأمكن منه، وذكر الوائلي الحافظ في كتاب ~~«الإبانة» له من حديث مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال: # " بينا أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من ~~الأرض في عنقه سلسلة يمسك طرفها أسود، فقال: يا ~~عبد الله، اسقني، فقال ابن عمر: لا أدري أعرف ~~اسمي، أو كما يقول الرجل: يا عبد الله، فقال لي ~~الأسود: لا تسقه؛ فإنه كافر، ثم اجتذبه، ~~فدخل الأرض، قال ابن عمر: فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته، فقال:«أو قد رأيته؟ ذلك عدو ~~الله أبو جهل بن هشام، وهو عذابه إلى يوم ~~القيامة " # انتهى من «التذكرة» للقرطبي، وقد ذكرت هذه الحكاية عن أبي ~~عمر بن عبد البر بأتم من هذا عند قوله تعالى: # فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا # [فصلت:27]. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قوله تعالى: { إنا أنزلنه } الضمير في { أنزلنه ~~} للقرآن قال الشعبي وغيره: المعنى: إنا ابتدأنا إنزال هذا ~~القرآن إليك في ليلة القدر، وقد روي: أن نزول الملك في حراء ~~كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل وقال ابن ~~عباس وغيره: أنزله الله تعالى ليلة القدر إلى سماء الدنيا ~~جملة، ثم نجمه على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، وليلة ~~القدر خصها الله تعالى بفضل عظيم، وجعلها أفضل من ~~ألف شهر لا ليلة قدر فيها؛ قاله مجاهد وغيره، وخصت ~~هذه الأمة بهذه الفضيلة لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعمار ~~أمته وتقاصرها وخشي ألا يبلغوا من الأعمال ~~مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه ~~الله عز وجل ليلة القدر خيرا من ألف شهر، ~~قال ابن العربي في «أحكامه»: وقد روى مالك هذا الحديث في ~~«الموطأ»؛ ثبت ذلك من رواية ابن القاسم وغيره، انتهى، ms1535 ثم ~~فخمها سبحانه بقوله: { وما أدراك ما ليلة القدر } ~~قال ابن عيينة في «صحيح البخاري»: ما كان في القرآن: { وما أدراك ~~} فقد أعلمه، وما قال: { وما يدريك } فإنه لم ~~يعلمه، وذكر ابن عباس وغيره: أنها سميت ليلة القدر؛ لأن ~~الله تعالى يقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العام كلها، ~~ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، قال * ع *: وليلة القدر ~~مستديرة في أوتار العشر الأواخر من رمضان؛ هذا هو الصحيح ~~المعول عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في ~~الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كل ~~ليلة إلى آخر الشهر، وصح عن [أبي بن] كعب وغيره: أنها ليلة ~~سبع وعشرين، ثم أخبر تعالى أن ليلة القدر خير من ألف شهر ~~وهي ثمانون سنة وثلاثة أعوام وثلث عام، وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ~~ما تقدم من ذنبه " # { والروح }: هو جبريل عليه السلام وقيل هو صنف ~~حفظة للملائكة، قال الفخر: وذكروا في الروح أقوالا: ~~أحدها: أنه ملك عظيم لو التقم السموات والأرض كان ذلك له ~~لقمة واحدة، وقيل: الروح: طائفة من الملائكة لا ~~يراهم الملائكة إلا ليلة القدر، كالزهاد الذين لا نراهم ~~إلا يوم العيد، وقيل: خلق من خلق الله يأكلون ~~[ويشربون] ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الإنس ~~ولعلهم خدم أهل الجنة، وقيل: الروح أشرف الملائكة، وقال ~~ابن أبي نجيح؛ الروح هم الحفظة الكرام الكاتبون والأصح أن ~~الروح هاهنا هو جبريل، وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه، انتهى. # وقوله تعالى: { بإذن ربهم من كل أمر } الثعلبي أي: ~~بكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل؛ قاله ابن ~~عباس، ثم تبتدىء فتقول: { سلم هى } ويحتمل أن يريد من كل ~~فتنة سلامة، انتهى، قال * ع *: وعلى التأويل الأول، يجيء { ~~سلم } خبر ابتداء مستأنفا، أي: سلام هي هذه الليلة إلى أول ~~يومها، ثم ذكر ما تقدم، وقال الشعبي ومنصور: { سلم } بمعنى: ~~التحية أي: تسلم الملائكة على المؤمنين. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # [قوله تعالى: ms1536 { لم يكن الذين كفروا } ] وفي حرف ابن ~~مسعود: «لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين». # وقوله تعالى: { منفكين } معناه: منفصلين متفرقين، تقول: ~~انفك الشيء عن الشيء؛ إذا انفصل عنه، وأما انفك التي هي من ~~أخوات «كان» فلا مدخل لها هنا، قال مجاهد وغيره: لم يكونوا ~~منفكين عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع ~~المستقبل موقع الماضي في تأتيهم، والبينات: محمد صلى الله عليه ~~وسلم وشرعه، قال الثعلبي: { والمشركين } يعني: من العرب وهم ~~عبدة الأوثان، انتهى، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا منفكين عن ~~معرفة صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتوكف لأمره حتى ~~جاءتهم البينة فتفرقوا عند ذلك، ويتجه في معنى الآية قول ~~ثالث بارع المعنى؛ وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم ~~منفكين من أمر الله ونظره لهم حتى يبعث إليهم ~~رسولا؛ تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن به النعمة ~~فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى، والصحف المطهرة: ~~القرآن في صحفه؛ قاله قتادة والضحاك، وقال الحسن: الصحف المطهرة في ~~السماء، { فيها كتب } أي: أحكام كتب، و { قيمة } معناه ~~قائمة معتدلة آخذة للناس بالعدل، ثم ذم تعالى أهل الكتاب ~~في أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا من ~~بعد ما رأوا الآيات الواضحة؛ وكانوا من قبل متفقين ~~على نبوته وصفته، و { حنفاء }: جمع حنيف وهو المستقيم، ~~وذكر الزكاة مع ذكر بني إسرائيل يقوي قول من قال: ~~السورة مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما دفع إلى مناقضة أهل الكتاب ~~بالمدينة، وقرأ الجمهور: «وذلك دين القيمة» على معنى الجماعة ~~والفرقة القيمة، وقال * ص *: قراءة الجمهور: «وذلك دين القيمة» على ~~تقدير الأمة القيمة؛ أي: المستقيمة أو الكتب القيمة، وقرأ ~~عبد الله: «وذلك الدين القيمة» بتعريف الدين ورفع ~~القيمة صفة، والهاء فيه للمبالغة أو على تأويل أن الدين بمعنى ~~الملة، انتهى، و { البرية } جميع الخلق؛ لأن الله تعالى ~~براهم أي: أوجدهم بعد العدم. # وقوله تعالى: { رضى الله عنهم } قيل ذلك في ms1537 الدنيا؛ ~~فرضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته، ورضاهم عنه؛ هو ~~رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار، وقال بعض ~~الصالحين: رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ~~ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال سري السقطي: إذا ~~كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه أن يرضى ~~عنك، وقيل ذلك في الآخرة، وخص تعالى بالذكر أهل ~~الخشية؛ لأنها رأس كل بركة وهي الآمرة بالمعروف ~~والناهية عن المنكر. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-4] # [قوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض } ] قد تقدم معنى الزلزلة، ~~والأثقال: الموتى؛ قاله ابن عباس، وقيل أخرجت موتاها، وكنوزها، ~~وقول الإنسان: { ما لها } هو على معنى التعجب من هول ما ~~يرى، قال الجمهور: الإنسان هنا الكافر، وقيل عام في المؤمن ~~والكافر، وإخبار الأرض قال ابن مسعود وغيره: هي شهادتها ~~بما عمل عليها من عمل صالح وفاسد ويؤيد هذا التأويل قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ~~ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ". # ت *: وخرج الترمذي في «جامعه» عن أبي هريرة قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { يومئذ ~~تحدث أخبارها } قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: ~~الله ورسوله أعلم؛ قال: فإن أخبارها: أن ~~تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، ~~تقول: عمل علي يوم كذا كذا؛ فهذه أخبارها " # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ انتهى، وكذا رواه أبو بكر بن ~~الخطيب، وفيه: عمل علي في يوم كذا وكذا وفي يوم ~~كذا وكذا. ### || [99.5-8] # وقوله تعالى: { بأن ربك أوحى لها } الباء باء السبب ~~وقال ابن عباس وغيره: المعنى أوحى إليها، قال * ص *: المشهور أن ~~{ أوحى } يتعدى ب«إلى» وعدي هنا باللام مراعاة ~~للفواصل، وقال أبو البقاء: { لها } بمعنى إليها، انتهى. # وقوله سبحانه: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } بمعنى: ~~ينصرفون من موضع ورودهم مختلفي الأحوال، قال الجمهور: ~~ورودهم بالموت، وصدورهم هو القيام إلى البعث والكل سائر ~~إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقيل: الورود ms1538 هو ورود ~~المحشر والصدر أشتاتا هو صدر قوم إلى الجنة وقوم ~~إلى النار ليروا جزاء أعمالهم. # وقوله جلت عظمته : { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } الآية، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي هذه ~~الآية الجامعة الفاذة، ويروى أنه # " لما نزلت هذه السورة بكى أبو بكر وقال: يا ~~رسول الله، أو أسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم:«يا أبا بكر، ما رأيته في ~~الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر ~~لك الله مثاقيل ذر الخير إلى الآخرة " # ، قال الداوودي: بينما عمر بن الخطاب بطريق مكة ~~ليلا، إذا ركب مقبلين من جهة، فقال لبعض من معه: ~~سلهم من أين أقبلوا؟ فقال له أحدهم: من الفج العميق، ~~نريد البلد العتيق، فأخبر عمر بذلك، فقال: ~~أوقعوا في هذا؟ قل لهم، فما أعظم، آية في كتاب ~~الله، وأحكم آية في كتاب الله، وأعدل آية في كتاب ~~الله، وأرجى آية في كتاب الله، وأخوف آية في ~~كتاب الله؟ فقال له قائلهم: أعظم آية في كتاب ~~الله آية الكرسي [البقرة:255]، وأحكم آية في كتاب ~~الله: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # [النحل:90] وأعدل آية في كتاب الله: { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } وأرجى آية في كتاب الله: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء:40] وأخوف آية في كتاب الله: # من يعمل سوءا يجز به # [النساء:123] فأخبر عمر بذلك، فقال لهم عمر: أفيكم ~~ابن أم عبد؟ فقالوا: نعم، وهو الذي [كلمك]، قال ~~عمر: كنيف مليء علما آثرنا به أهل القادسية ~~على أنفسنا. قال الداوودي، ومعنى أعظم آية يريد في الثواب، ~~انتهى. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-6] # قال ابن عباس وغيره: المراد ب { والعديت }: الخيل؛ لأنها ~~تعدو بالفرسان، وتضبح بأصواتها، وعن ابن مسعود وعلي أن { ~~العديت } هنا: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي ~~رضي الله عنه : والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن ~~المزدلفة، إذا دفع الحاج، وبإبل غزوة بدر، ms1539 والضبح ~~تصويت جهير عند العدو، قال الداوودي: وهو الصوت الذي ~~يسمع من أجوافها وقت الركض، انتهى. # وقوله تعالى: { فالموريت قدحا } قال علي وابن مسعود هي: ~~الإبل؛ وذلك بأنها [في] عدوها ترجم الحصباء بالحصباء ~~فتتطاير منها النار، فذلك القدح، وقال ابن عباس: هي الخيل؛ ~~وذلك بحوافرها في الحجارة، وقال ابن عباس أيضا وجماعة الكلام ~~عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه نارا. * ص *: ~~{ قدحا } أبو البقاء: مصدر مؤكد؛ لأن الموري هو ~~القادح، انتهى، { فالمغيرت صبحا } قال علي وابن مسعود هي: ~~الإبل من مزدلفة إلى منى، وفي بدر، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: ~~هي الخيل، واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير ~~الأمم وعرف الغارات أنها مع الصباح، والنفع الغبار ~~الساطع المثار، والضمير في { به } ظاهره أنه للصبح ~~المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى، ~~ومشهور إثارة النقع هو للخيل، وقال علي: هو هنا للإبل. # { فوسطن به جمعا } قال علي وابن مسعود هي: الإبل، و { ~~جمعا } هي المزدلفة، وقال ابن عباس وجماعة: هي الخيل، والمراد ~~جمع من الناس هم المغزوون، والقسم واقع على قوله: { ~~إن الإنسن لربه لكنود } وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " أتدرون ما الكنود؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ~~هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ~~ويضرب عبده " # ، وقد يكون في المؤمنين الكفور بالنعمة فتقدير الآية: ~~إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود: لا تنبت ~~شيئا، والكنود: العاصي بلغة كندة، ويقال للبخيل: كنود، ~~وفي البخاري عن مجاهد: الكنود الكفور، انتهى. ### || [100.7-11] # وقوله تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد } يحتمل الضمير أن ~~يعود على الله تعالى؛ وقاله قتادة، ويحتمل أن يعود على ~~الإنسان؛ أنه شاهد على نفسه بذلك؛ وهذا قول مجاهد وغيره. # { وإنه لحب الخير لشديد } أي: وإن الإنسان لحب ~~الخير، والمعنى من أجل حب الخير، { لشديد } أي: بخيل ~~بالمال ضابط له، والخير هنا المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير ~~الدنيوي من مال، وصحة، وجاه عند الملوك، ونحوه؛ لأن الكفار ~~والجهال ms1540 لا يعرفون غير ذلك، وأما [الحب في خير الآخرة ~~فممدوح؛ مرجو له الفوز، وقال الفراء: معنى الآية: أن ~~الإنسان لشديد الحب للخير ولما تقدم] الخير قبل ~~«شديد» حذف من آخره؛ لأنه قد جرى ذكره؛ ولرؤوس الآي، ~~انتهى. # وقوله تعالى: { أفلا يعلم } توقيف، أي: أفلا يعلم مآله ~~ومصيره فيستعد له. # { وحصل ما فى الصدور } ، أي: ميز وأبرز ما فيها ~~ليقع الجزاء عليه، ويفسر هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " يبعثون على نياتهم " # وفي قوله تعالى: { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ~~وعيد، * ص *: والعامل في { يومئذ لخبير } على تضمينه ~~معنى: لمجاز؛ لأنه تعالى خبير دائما، انتهى. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # قال الجمهور: { القارعة } القيامة نفسها، والفراش: ~~الطير الذي يتساقط في النار؛ ولا يزال يتقحم على المصباح، ~~وقال الفراء: هو صغير الجراد الذي ينتشر في الأرض والهواء، ~~وفي البخاري: { كالفراش المبثوث }: كغوغاء الجراد ~~يركب بعضه بعضا؛ كذلك الناس يومئذ؛ يجول بعضهم في بعض، انتهى، و ~~{ المبثوث } هنا معناه: المتفرق جمعه؛ وجملته موجودة ~~متصلة، والعهن هو: الصوف والنفش خلخلة الأجزاء ~~وتفريقها عن تراصيها. # وقوله تعالى: { فأمه هاوية } قال كثير من المفسرين: المراد ~~بالأم نفس الهاوية، وهذا كما يقال للأرض أم الناس؛ لأنها ~~تؤويهم، وقال أبو صالح وغيره: المراد أم رأسه؛ لأنهم ~~يهوون على رؤوسهم؛ وروى المبرد # " أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لرجل: لا أم لك، ~~فقال: يا رسول الله، تدعوني إلى الهدى وتقول: لا ~~أم لك، فقال عليه السلام : إنما أردت لا ~~نار لك، قال الله تعالى: { فأمه هاوية } ". ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-4] # قوله تعالى: { ألهكم التكاثر } أي: شغلكم المباهاة ~~والمفاخرة بكثرة المال والأولاد والعدد، وهذا هجيرى أبناء ~~الدنيا العرب وغيرهم؛ لا يتخلص منه إلا العلماء المتقون، قال الفخر: ~~فالألف واللام في { التكاثر } ليس للاستغراق بل ~~للمعهود السابق في الذهن، وهو التكاثر في الدنيا؛ ولذاتها ~~وعلائقها؛ فإنه هو الذي يمنع عن طاعة الله وعبوديته؛ ولما ~~كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا عليه في الأديان لا جرم؛ ~~حسن دخول حرف التعريف عليه؛ فالآية ms1541 دالة على أن التكاثر ~~والتفاخر بما ذكر مذموم، انتهى. # وقوله تعالى: { حتى زرتم المقابر } أي حتى متم ~~فدفنتم في المقابر وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وفي ~~الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم # " يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من ~~مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو ~~تصدقت فأمضيت " # قال * ص *: قرأ الجمهور: «الهاكم» على الخبر، وابن عباس بالمد، ~~والكسائي في رواية بهمزتين، ومعنى الاستفهام التوبيخ والتقرير، ~~انتهى، قال الفخر: اعلم أن أهم الأمور وأولاها بالرعاية ترقيق ~~القلب، وإزالة حب الدنيا منه، ومشاهدة القبور تورث ذلك؛ ~~كما ورد به الخبر، انتهى. # وقوله تعالى: { كلا سوف تعلمون } زجر ووعيد، ثم كرر ~~تأكيدا، ويأخذ كل إنسان من هذا الزجر والوعيد المكرر على قدر ~~حظه من التوغل فيما يكره؛ هذا تأويل الجمهور، وقال علي: { ~~كلا سوف تعلمون } في القبر، { ثم كلا سوف ~~تعلمون } في البعث، قال الفخر: وفي الآية تهديد عظيم ~~للعلماء فإنها دالة على أنه لو حصل اليقين لتركوا التكاثر ~~والتفاخر؛ فهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر ~~أن لا يكون اليقين حاصلا له؛ فالويل للعالم الذي لا يكون ~~عاقلا؛ ثم الويل له، انتهى. ### || [102.5-8] # وقوله تعالى: { كلا لو تعلمون علم اليقين } جواب «لو» ~~محذوف تقديره لازدجرتم، [وبادرتم] إنقاذ أنفسكم من ~~الهلكة، واليقين أعلى مراتب العلم، ثم أخبر تعالى الناس ~~أنهم يرون الجحيم، وقال ابن عباس: هذا خطاب للمشركين ~~والمعنى على هذا التأويل: أنها رؤية دخول وصلي؛ وهو عين ~~اليقين لهم، وقال آخرون: الخطاب للناس كلهم، فهي كقوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها # [مريم:71] فالمعنى أن الجميع يراها؛ ويجوز الناجي ~~ويتكردس فيها الكافر، * ص *: { لترون } ابن عامر والكسائي ~~ بضم التاء ، والباقون بفتحها، انتهى. # وقوله تعالى: { ثم لترونها عين اليقين } تأكيد في ~~الخبر، وعين اليقين: حقيقته وغايته، ثم أخبر تعالى أن الناس ~~مسؤولون يومئذ عن نعيمهم في الدنيا؛ كيف نالوه ولم ~~آثروه، وتتوجه في هذا أسئلة كثيرة بحسب شخص شخص، ~~وهي منقادة لمن أعطي فهما ms1542 في كتاب الله عز وجل ~~، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " والذي نفسي بيده، لتسألن عن نعيم هذا ~~اليوم " # ، الحديث في الصحيح؛ إذ ذبح لهم أبو الهيثم بن ~~التيهان شاة وأطعمهم خبزا ورطبا، واستعذب ~~لهم ماء، وعن أبي هريرة في حديثه في مسير النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبي بكر وعمر إلى بيت أبي الهيثم، وأكلهم ~~الرطب واللحم وشربهم الماء، وقوله صلى الله عليه وسلم ~~هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ~~وإن ذلك كبر على أصحابه، وإن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " إذا أصبتم مثل هذا وضربتم بأيديكم، فقولوا: ~~باسم الله، وعلى بركة الله، وإذا شبعتم، ~~فقولوا: الحمد لله الذي أشبعنا وأروانا، ~~وأنعم علينا وأفضل، فإن هذا كفاف [بذاك] " # هذا مختصر رواه الحاكم في المستدرك، انتهى من «سلاح المؤمن» قال ~~الداودي: وعن الحسن وقتادة: ثلاث لا يسأل الله عنهن ~~ابن آدم وما عداهن فيه الحساب والسؤال؛ إلا ما شاء الله: ~~كسوة يواري بها سوءته، وكسرة يشد بها صلبه، وبيت ~~يكنه من الحر والبرد، انتهى. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قال ابن عباس: { والعصر } الدهر، وقال مقاتل: العصر هي صلاة ~~العصر، وهي الوسطى، أقسم الله بها، وقال أبي بن كعب: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن { والعصر } فقال: ~~«أقسم ربكم بآخر النهار» " # ، و { الإنسن } هنا اسم جنس والخسر: النقصان وسوء ~~الحال، ومن كان من المؤمنين في مدة عمره في التواصي ~~بالحق، والصبر، والعمل؛ بحسب الوصاة فلا خسر معه ~~وقد جمع الخير كله. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # تقدم تفسير: { ويل } وال { همزة }: الذي يهمز الناس ~~بلسانه، أي: يعيبهم ويغتابهم، وال { لمزة }: قريب في ~~المعنى من هذا، وقد تقدم بيانه في قوله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات:11]، وفي قوله: # الذين يلمزون المطوعين # [التوبة:79] وغيره، قيل: نزلت هذه الآية في الأخنس بن ~~شريق، وقيل في جميل بن عامر، ثم هي تتناول كل من اتصف بهذه ~~الصفات. # { وعدده } معناه: أحصاه وحافظ على عدده أن لا ~~ينتقص، وقال الداوودي: { وعدده }: أي: ms1543 استعده، انتهى، { ~~لينبذن }: ليطرحن * ص *: { نار الله }: خبر مبتدإ ~~محذوف، أي: هي نار الله، انتهى. # و { التى تطلع على الأفئدة }: أي: التي يبلغ ~~إحراقها وألمها القلوب. # و«موصدة»: أي مطبقة مغلقة. # { فى عمد } جمع عمود، وقرأ ابن مسعود: «مؤصدة بعمد ~~ممددة» وقال ابن زيد: المعنى: في عمد حديد مغلولين بها، ~~والكل في نار، عافانا الله من ذلك. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # هذه السورة تنبيه على العبرة في أخذ الله تعالى لأبرهة ~~أمير الحبشة، حين قصد الكعبة ليهدمها، وكان صاحب فيل ~~يركبه، وقصته شهيرة في السير فيها تطويل، واختصارها أن أبرهة ~~بنى في اليمن بيتا وأراد أن يرد إليه حج العرب، فذهب ~~أعرابي وأحدث في ذلك البيت، فغضب أبرهة واحتفل في ~~جموعه، وركب الفيل وقصد مكة، فلما قرب منها، فرت ~~قريش إلى الجبال والشعاب من معرة الجيش، ثم تهيأ أبرهة ~~لدخول مكة وهيأ الفيل، فأخذ نفيل بن حبيب بأذن ~~الفيل وكان اسمه محمودا، فقال له: ابرك، محمود؛ فإنك في حرم ~~الله، وارجع من حيث جئت راشدا، فبرك الفيل بذي ~~الغميس، فبعثوه فأبى فضربوا رأسه بالمعول، وراموه ~~بمحاجنهم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن، فقام ~~يهرول، فبعث الله عليهم طيرا جماعات جماعات سودا من ~~البحر، عند كل طائر ثلاثة أحجار؛ في منقاره، ~~ورجليه، كل حجر فوق العدسة ودون الحمصة، ترميهم ~~بها، فماتوا في طريقهم متفرقين وتقطع أبرهة أنملة ~~أنملة حتى مات، وحمى الله بيته، والأبابيل: الجماعات ~~تجيء شيئا بعد شيء، قال أبو عبيدة: لا واحد له من ~~لفظه، قال الفخر: و { فى تضليل } معناه: في تضييع ~~وإبطال، يقال: ضلل كيده، إذا جعله ضالا ضائعا، ونظيره ~~قوله تعالى: # وما كيد الكفرين إلا فى ضلل # [غافر:25] انتهى، والعصف: ورق الحنطة وتبنه، والمعنى ~~صاروا طحينا ذاهبا كورق حنطة أكلته الدواب، ~~وراثته، فجمع لهم المهانة والخسة والتلف، قال ~~الفخر: وقيل المعنى: كعصف صالح للأكل، والمعنى جعلهم ~~كتبن تأكله الدواب؛ وهو قول عكرمة والضحاك، انتهى، ومن ~~كتاب «وسائل الحاجات وآداب المناجات» للإمام أبي حامد الغزالي رحمه ~~الله تعالى قال: ms1544 وقد بلغنا عن غير واحد من ~~الصالحين وأرباب القلوب أنه من قرأ في ركعتي الفجر؛ في ~~الأولى الفاتحة و«ألم نشرح»، وفي الثانية الفاتحة و«ألم ~~تر كيف» قصرت يد كل عدو عنه، ولم يجعل لهم إليه ~~سبيل، قال الإمام أبو حامد: وهذا صحيح لا شك فيه، انتهى. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قريش، ولد النضر بن كنانة، والتقرش: التكسب، والمعنى ~~أن الله تعالى جعل قريشا يألفون رحلتين في العام، ~~واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف، قال ابن عباس: كانوا يرحلون في ~~الصيف إلى الطائف؛ حيث الماء والظل ويرحلون في الشتاء إلى ~~مكة، قال الخليل: معنى الآية؛ لأن فعل الله بقريش هذا ومكنهم ~~من إلفهم هذه النعمة فليعبدوا رب هذا البيت. # وقوله تعالى: { من جوع } معناه أن أهل مكة قاطنون بواد ~~غير ذي زرع عرضة للجوع والجدب؛ لولا فضل الله عليهم. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # قوله سبحانه: { أرءيت الذى يكذب بالدين } الآية، ~~توقيف وتنبيه لتتذكر نفس السامع كل من تعرفه بهذه الصفة، ~~والدين: الجزاء. # ودع اليتيم: دفعه بعنف؛ إما عن إطعامه والإحسان إليه، ~~وإما عن حقه وماله، وهو أشد، ويروى أن هذه الآية نزلت في بعض ~~المضطربين في الإسلام بمكة، لم يحققوا فيه، وفتنوا ~~فافتتنوا، وربما كان يصلى بعضهم أحيانا مع المسلمين ~~مدافعة وحيرة، فقال تعالى فيهم: { فويل للمصلين } ~~الآية، ونقل الثعلبي عن ابن عباس وغيره؛ أن الآية نزلت في العاص بن ~~وائل، انتهى، وقال السهيلي: قال أهل التفسير: نزل أول السورة ~~بمكة في أبي جهل، وهو الذي يكذب بالدين، ونزل آخرها بالمدينة في ~~عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، وهم الذين يراؤون ~~ويمنعون الماعون، انتهى، # " قال سعد بن أبي وقاص: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن { ~~الذين هم عن صلتهم ساهون } ، فقال: «هم الذين ~~يؤخرونها عن وقتها» " # ، يريد والله أعلم تأخير ترك وإهمال، وإلى هذا ~~نحا مجاهد، وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: { ~~عن صلتهم } ولم يقل: في صلاتهم. # وقوله تعالى: { الذين هم يراءون } بيان أن صلاة هؤلاء ms1545 ~~ليست لله تعالى بإيمان، وإنما هي رياء للبشر، فلا قبول ~~لها. # وقوله تعالى: { ويمنعون الماعون } وصف لهم بقلة النفع ~~لعباد الله، وتلك شر خصلة، وقال علي وابن عمر: { ~~الماعون }: الزكاة، وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة: هو ما ~~يتعاطاه الناس كالفأس، والدلو، والآنية، والمقص؛ ~~ونحوه، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: # " ما الشيء الذي لا يحل منعه فقال: الماء ~~والنار، والملح " # ، وروته عائشة رضي الله عنها ، وفي بعض ~~الطرق زيادة الإبرة، والخمير، قال البخاري: الماعون: ~~المعروف كله، وقال بعض العرب: الماعون: الماء، وقال عكرمة: أعلاه ~~الزكاة المفروضة، وأدناه عارية المتاع، انتهى. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قال جماعة من الصحابة والتابعين: { الكوثر } نهر في الجنة ~~حافتاه قباب من لؤلؤ مجوف، وطينه مسك وحصباؤه ~~ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ رواته، وقال ~~ابن عباس: الكوثر: الخير الكثير قال ابن جبير: النهر ~~الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه * ت *: وخرج ~~مسلم عن أنس قال: # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين ~~أظهرنا؛ إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه ~~متبسما، فقال: نزلت علي آنفا سورة، فقرأ: { ~~إنا أعطينك الكوثر } إلى آخرها، ثم قال: ~~أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو ~~حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة " # الحديث، انتهى، وخرج ابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أول من يرد على الحوض فقراء المهاجرين الدنس ~~ثيابا الشعث رؤوسا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ~~ولا تفتح لهم أبواب السدد " # ، قال الراوي: فبكى عمر بن عبد العزيز حتى اخضل لحيته، ~~حين بلغه الحديث، وقال: لا جرم، إني لا أغسل ثوبي ~~الذي يلي جسدي حتى يتسخ، ولا أدهن رأسي ~~حتى يشعث، وخرجه أبو عيسى الترمذي عن ثوبان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه، ونقل صاحب «التذكرة» عن أنس بن ~~مالك قال: أول من يرد الحوض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذابلون الناحلون السائحون الذين ms1546 إذا ~~أجنهم الليل استقبلوه بالحزن، انتهى من «التذكرة»، # " وروى أبو داود في سننه عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا منزلا، فقال:ما ~~أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي ~~الحوض، قال: قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، ~~أو ثمانمائة " # ، انتهى. # وقوله تعالى: { فصل لربك وانحر } أمر بالصلاة على ~~العموم، والنحر نحر الهدي، والنسك، والضحايا على قول ~~الجمهور. # وقوله تعالى: { إن شانئك هو الأبتر } رد على مقالة ~~بعض سفهاء قريش كأبي جهل وغيره، قال عكرمة وغيره: مات ولد ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: بتر محمد، فنزلت ~~السورة، وقال تعالى: { إن شانئك هو الأبتر } أي: ~~المقطوع المبتور من رحمة الله، والشانىء المبغض، ~~قال الداوودي: كل شانىء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~أبتر، ليس له يوم القيامة شفيع ولا حميم يطاع، انتهى. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # روي في سبب نزول هذه السورة؛ عن ابن عباس وغيره أن جماعة من ~~صناديد قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: دع ما أنت فيه ~~ونحن نمولك، ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد ~~آلهتنا، ونعبد إلهك، حتى نشترك؛ فحيث كان الخير نلناه ~~جميعا، وروي: أن هذه الجماعة المذكورة هم: الوليد بن المغيرة، ~~والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأبي بن خلف، وأبو جهل، وأبناء ~~الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يكتب له الإسلام، وحتم بشقاوته، ~~فأخبرهم صلى الله عليه وسلم عن أمر الله عز وجل أنه لا ~~يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدي ما يعبد، ولما كان قوله: { لا ~~أعبد } محتملا أن يراد به الآن ويبقى المستأنف ~~منتظرا، ما يكون فيه من عبادته، جاء البيان بقوله: { ولا أنا ~~عابد ما عبدتم } أي: أبدا، ثم جاء قوله: { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون ~~به أبدا، كالذي كشف الغيب، ثم زاد الأمر بيانا وتبريا ~~منهم قوله: { لكم دينكم ولى دين } وقال بعض العلماء: في ~~هذه الألفاظ مهادنة ما؛ ms1547 وهي منسوخة. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # روت عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وأسلمت ~~العرب، جعل يكثر أن يقول:«سبحانك اللهم وبحمدك ~~استغفرك وأتوب إليك» " # يتأول القرآن في هذه السورة، وقال لها مرة: ما أراه إلا حضور ~~أجلي، وتأوله عمر والعباس بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فصدقهما، ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره، { والفتح } هو ~~فتح مكة؛ كذا فسره صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم»، ~~والأفواج: الجماعة إثر الجماعة، * ص *: { بحمد ربك } أي ~~متلبسا، فالباء للحال، انتهى. # وقوله تعالى: { إنه كان توابا } بعقب { واستغفره } ~~ترجية عظيمة للمستغفرين، قال ابن عمر: نزلت هذه ~~السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في أوسط أيام ~~التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوما، أو ~~نحوها. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # في «صحيح البخاري» وغيره عن ابن عباس: # " لما نزلت: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ~~[الشعراء:214] ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من ~~هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم ~~أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم ~~مصدقي؛ قالوا: نعم؛ ما جرينا عليك كذبا، قال: ~~فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو ~~لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام ~~فنزلت: { تبت يدا أبى لهب } إلى آخرها " # ، و { تبت } معناه: خسرت والتباب الخسران، والدمار، ~~وأسند ذلك إلى اليدين من حيث إن اليد موضع الكسب ~~والربح، وضم ما يملك، ثم أوجب عليه أنه قد تب، أي: ~~حتم ذلك عليه، وفي قراءة ابن مسعود: «وقد تب»، وأبو ~~لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكن سبقت له الشقاوة، قال السهيلي: كناه ~~الله بأبي لهب لما خلقه سبحانه للهب وإليه مصيره ألا ~~تراه تعالى، قال: { سيصلى نارا ذات لهب } فكانت ~~كنيته بأبي لهب تقدمت لما يصير إليه من اللهب، انتهى. # وقوله سبحانه: { ما أغنى عنه ماله } يحتمل أن تكون «ما» ~~نافية على ms1548 معنى الخبر، ويحتمل أن تكون «ما» استفهامية على ~~وجه التقرير أي: أين الغناء الذي لماله وكسبه، { وما ~~كسب } يراد به عرض الدنيا، من عقار، ونحوه، وقيل: كسبه ~~بنوه. # وقوله سبحانه: { سيصلى نارا ذات لهب } حتم عليه ~~بالنار وإعلام بأنه يتوفى على كفره، نعوذ بالله من سوء ~~القضاء ودرك الشقاء. # وقوله تعالى: { وامرأته حمالة الحطب } هي أم جميل ~~أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت مؤذية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين بلسانها وغاية قدرتها، وكانت تطرح الشوك في ~~طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه ليعقرهم؛ فلذلك ~~سميت حمالة الحطب؛ قاله ابن عباس، وقيل هو استعارة ~~لذنوبها، قال عياض: وذكر عبد بن حميد قال: كانت حمالة الحطب ~~تضع العضاه، وهي جمر على طريق النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكأنما يطؤها كثيبا أهيل، انتهى، * ص *: وقرىء ~~شاذا: «ومريئته» بالتصغير، والجيد هو العنق، انتهى. # وقوله تعالى: { فى جيدها حبل من مسد } قال ابن عباس ~~وجماعة: الإشارة إلى الحبل حقيقة، الذي ربطت به الشوك، ~~والمسد: الليف، وقيل ليف المقل، وفي «صحيح البخاري»: يقال ~~من مسد ليف المقل وهي السلسلة التي في النار، انتهى، وروي ~~في الحديث أن هذه السورة لما نزلت وقرئت؛ بلغت أم جميل ~~فجاءت أبا بكر وهو جالس مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المسجد وبيدها فهر حجر، فأخذ الله ببصرها ~~وقالت: يا أبا بكر؛ بلغني أن صاحبك هجاني، ولو ~~وجدته لضربته بهذا الفهر، وإني لشاعرة وقد قلت فيه ~~[منهوك الرجز] # مذمما قلينا # ودينه أبينا # فسكت أبو بكر، ومضت هي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ~~حجبتني عنها ملائكة فما رأتني وكفاني الله ~~شرها. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # روي أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: ~~يا محمد؛ صف لنا ربك وانسبه، فإنه وصف نفسه في ~~التوراة ونسبها، فارتعد النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم ~~حتى خر مغشيا عليه، ونزل جبريل بهذه السورة. # و { أحد } معناه: واحد فرد من جميع جهات ~~الوحدانية، ليس كمثله ms1549 شيء و { هو } ابتداء، و { ~~الله } ابتداء ثان، و { أحد } خبره والجملة خبر الأول، ~~وقيل هو ابتداء و { الله } خبره و { أحد } بدل منه، وقرأ ~~عمر بن الخطاب وغيره: «قل هو الله الواحد الصمد» و { ~~الصمد } في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه في الأمور ~~ويستقل بها وأنشدوا: [الطويل] # لقد بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وبهذا تتفسر هذه الآية لأن الله تعالى جلت قدرته ~~هو موجد الموجودات وإليه تصمد وبه قوامها سبحانه ~~وتعالى . # وقوله تعالى: { لم يلد ولم يولد } رد على إشارة ~~الكفار في النسب الذي سألوه، وقال ابن عباس: تفكروا في كل ~~شيء ولا تتفكروا في ذات الله، قال * ع *: لأن الأفهام تقف ~~دون ذلك حسيرة. # وقوله سبحانه: { ولم يكن له كفوا أحد } معناه ليس له ~~ضد، ولا ند ولا شبيه، # ليس كمثله شىء وهو السميع البصير # [الشورى:11]، والكفؤ النظير و«كفوا» خبر كان واسمها { أحد ~~}. قال * ص *: وحسن تأخير اسمها لوقوعه فاصلة، وله متعلق ~~ب { كفؤا } أي: لم يكن أحد كفؤا له، وقدم اهتماما به ~~لاشتماله على ضمير الباري سبحانه، انتهى، وفي الحديث الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم # " إن { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن " # ، قال * ع *: لما فيها من التوحيد، وروى أبو محمد الدارمي في ~~«مسنده» قال: حدثنا عبد الله بن مزيد حدثنا حيوة قال: أخبرنا أبو ~~عقيل، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ: { قل هو الله أحد } إحدى عشرة مرة ~~بني له قصر في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة، بني له ~~قصران في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة؛ بني له ثلاثة ~~قصور في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: إذن تكثر قصورنا يا رسول ~~الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أوسع من ذلك ~~" # [أي: فضل الله أوسع من ذلك]. قال الدارمي: أبو عقيل هو زهرة ~~بن معبد، وزعموا أنه من الأبدال، انتهى من «التذكرة». ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قوله ms1550 عز وجل: { قل أعوذ برب الفلق } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد هو وآحاد أمته، قال ابن عباس وغيره: ~~الفلق الصبح، وقال ابن عباس أيضا وجماعة من الصحابة: الفلق ~~جب في جهنم، ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله تعالى: { من شر ما خلق } يعم كل موجود له شر، ~~واختلف في: «الغاسق» فقال ابن عباس وغيره: الغاسق الليل ~~ووقب: أظلم، ودخل على الناس، وفي الحديث الصحيح عن عائشة # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى القمر وقال: يا عائشة؛ ~~تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب " # ، قال السهيلي: وهذا أصح ما قيل لهذا الحديث الصحيح، انتهى، ولفظ ~~صاحب «سلاح المؤمن»: عن عائشة رضي الله عنها # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر، فقال: يا ~~عائشة؛ استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق ~~إذا وقب " # ، رواه الترمذي والنسائي، والحاكم في «المستدرك»، واللفظ للترمذي، ~~وقال حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووقب القمر ~~وقوبا: دخل في الظل الذي يكسفه؛ قاله ابن سيدة، انتهى ~~من «السلاح». # و { النفثت فى العقد } السواحر، ويقال: إن الإشارة ~~أولا إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي؛ كن ساحرات، ~~وهن اللواتي سحرن مع أبيهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والنفث شبه النفخ دون تفل ريق، وهذا النفث ~~هو على عقد تعقد في خيوط، ونحوها؛ على اسم المسحور ~~فيؤذى بذلك. # قال * ع *: وهذا الشأن في زماننا موجود شائع في صحراء المغرب، ~~وحدثني ثقة؛ أنه رأى عند بعضهم خيطا أحمر قد عقدت فيه ~~عقد على فصلان، فمنعت بذلك رضاع أمهاتها فكان إذا ~~حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين، فرضع، ~~أعاذنا الله من شر السحر والسحرة. # وقوله تعالى: { ومن شر حاسد إذا حسد } قال قتادة: من ~~شر عينه ونفسه، يريد ب«النفس»: السعي الخبيث، وقال ~~الحسين بن الفضل: ذكر الله تعالى الشرور في هذه السورة، ~~ثم ختمها بالحسد؛ ليعلم أنه أخس الطبائع. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # قوله عز وجل: { قل ms1551 أعوذ برب الناس * ملك الناس * ~~إله الناس * من شر الوسواس الخناس }: { ~~الوسواس }: اسم من أسماء الشيطان، وقوله: { الخناس } ~~معناه: الراجع على عقبه المستتر أحيانا، فإذا ذكر ~~العبد الله تعالى وتعوذ، تذكر فأبصر؛ كما قال تعالى: # إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف... # [الأعراف:201] قال النووي: قال بعض العلماء: يستحب قول: ~~لا إله إلا الله لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء والصلاة ~~وشبههما؛ فإن الشيطان إذا سمع الذكر، خنس، أي: تأخر ~~وبعد، و«لا إله إلا الله»: رأس الذكر؛ ولذلك اختار ~~السادة الجلة من صفوة هذه الأمة أهل تربية السالكين ~~وتأديب المريدين قول «لا إله إلا الله» لأهل ~~الخلوة ، وأمروهم بالمداومة عليها، وقالوا: أنفع علاج في ~~دفع الوسوسة الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار ~~منه، وقال السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري: شكوت ~~إلى أبي سليمان الدراني الوسواس، فقال: إذا أردت أن ~~ينقطع عنك، فأي وقت أحسست به، فافرح، فإنك إذا ~~فرحت به، انقطع عنك؛ لأنه ليس شيء أبغض إلى الشيطان من ~~سرور المؤمن، وإن اغتممت به، زادك، * ت *: وهذا مما يؤيد ما ~~قاله بعض الأئمة؛ أن الوسواس إنما يبتلى به من كمل ~~إيمانه؛ فإن اللص لا يقصد بيتا خربا. انتهى، * ت *: ورأيت في ~~«مختصر الطبري» نحو هذا. # وقوله تعالى: { من الجنة } يعني: الشياطين، ويظهر أن يكون ~~قوله: { والناس } يراد به: من يوسوس بخدعة من الشر، ~~ويدعو إلى الباطل، فهو في ذلك كالشيطان، قال أحمد بن نصر ~~الداودي: وعن ابن جريج: { من الجنة والناس } قال: ~~«إنهما وسواسان، فوسواس من الجنة، ووسواس من نفس ~~الإنسان» انتهى، وفي الحديث الصحيح، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا آوى إلى فراشه ~~كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ: «قل ~~هو الله أحد»، و«قل أعوذ برب الفلق»، و«قل أعوذ ~~برب الناس» ثم مسح بهما ما استطاع من جسده ~~يبدأ بهما من رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده؛ ~~يفعل ذلك ثلاث مرات صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما ". # يقول العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد ms1552 الرحمن بن ~~محمد بن مخلوف الثعالبي لطف الله به في ~~الدارين: قد يسر الله عز وجل في إتمام تلخيص هذا ~~المختصر؛ وقد أودعته بحول الله جزيلا من الدرر، قد ~~استوعبت فيه - بحمد الله- مهمات ابن عطية، ~~وأسقطت كثيرا من التكرار، وما كان من الشواذ في غاية الوهي، ~~وزدت من غيره جواهر ونفائس لا يستغنى عنها مميزة ~~معزوة لمحالها منقولة بألفاظها، وتوخيت في جميع ذلك ~~الصدق والصواب، وإلى الله أرغب في جزيل الثواب، وقد ~~نبهت بعض تنبيه، وعرفت بأيام رحلتي في طلب ~~العلم بعض تعريف عند ختمي لتفسير سورة الشورى؛ ~~فلينظر هناك، والله المسؤول أن يجعل هذا السعي منا ~~خالصا لوجهه، وعملا صالحا يقربنا إلى مرضاته، ومن وجد ~~في هذا الكتاب تصحيفا أو خللا فأرغب إليه أن ~~يصلحه من الأمهات المنقول منها متثبتا في ذلك لا ~~برأيه وبديهة عقله: [من الوافر] # فكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم # وكان الفراغ من تأليفه في الخامس عشر من ربيع الأول من ~~عام ثلاثة وثلاثين وثمانمائة وأنا أرغب إلى ~~كل أخ نظر فيه أن يخلص لي وله بدعوة صالحة، وهذا ~~الكتاب لا ينبغي أن يخلو عنه متدين، ومحب لكلام ~~ربه، فإنه يطلع فيه على فهم القرآن أجمع في أقرب ~~مدة، وليس الخبر كالعيان، هذا مع ما خص به تحقيق ~~كلام الأئمة المحققين - رضي الله عنهم - نقلته ~~عنهم بألفاظهم متحريا للصواب، ومن الله أرتجي ~~حسن المآب، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم ~~النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين. ms1553