######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006669 #META# 000.BookURI :: #0874.IbnTaghribirdi.MawridLatafa #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين (المتوفى: 874هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 874 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم والطبقات #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006669 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6669 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6669 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: نبيل محمد عبد العزيز أحمد #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب المصرية - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | # (بسم الله الرحمن الرحيم) # رب يسر # الحمد لله الذي جعل الدول مؤيدة بالخلفاء الراشدين، وجعل مددهم شاملا ~~بإقامة الملوك والسلاطين؛ فهم ظل الله في أرضه، يأوي إليهم كل مظلوم، ~~والزعماء القائمون بمصالح الأمة على أحسن أمر محتوم، حمدا كثيرا طيبا؛ إذ ~~كان للحمد أهلا، ونشكره شكر من عرف طريق الطاعة فألفاه سهلا. # ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة لا ينقص عقد إيمانها ~~بعد توكده، ولا يخفض [مجد] اتقانها بعد تشيده. # ونشهد أن محمدا، عبده ورسوله، الذي جاء بالحق المبين، صلى الله عليه وعلى ~~آله وأصحابه وأزواجه إلى يوم الدين. # أما بعد: فقد ألفت هذا التأريخ المختصر المفيد، واقتصرت فيه على ذكر ~~الخلفاء والسلاطين من غير مزيد. # واستفحت فيه بذكر مولد سيدنا محمد -[صلى الله عليه وسلم]- # وبعض غزواته، وذكرت فيه جماعة من آله وأزواجه ووفاته. # ثم ابتدأت فيه من خلافة أبي بكر الصديق، ثم من بعده خليفة بعد خليفة على ~~الترتيب، إلى أن أختم تراجمهم بخليفة وقتنا [القائم بأمر الله حمزة] # PageV01P003 # من غير أن أذكر أمرا يريب، ما خلا الخلفاء العبيدية؛ فإني أذكرهم بعد ~~ذلك، وأسلك في تراجمهم طريق من تقدمني من مؤرخي الممالك. # ثم أذكر ملوك مصر، من أول السلاطين الأيوبية، إلى أن أصل إلى الدولة ~~الأشرفية. # وهذا نص هذا الكتاب قد بينته أحسن تبيين، ثم أشرع في [ذكر] ذلك وبالله ~~أستعين. # PageV01P004 ### $ (ذكر مولد النبي -[صلى الله عليه وسلم] على سبيل الإختصار:) # قيل: إنه ولد-[صلى الله عليه وسلم]- # عام الفيل، ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب - واسم عبد المطلب شيبة ~~الحمد - غريبا بالمدينة، قدمها ليمتار تمرا. وقيل: بل مر بها مريضا راجعا ~~من الشام. # ذكر الحافظ [شمس الدين أبو عبد الله محمد] الذهبي في تاريخه، قال: # روى محمد بن كعب القرظي وغيره، أن عبد الله بن عبد المطلب خرج من الشام ~~إلى غزة في عير تحمل تجارات. فلما قفلوا مروا بالمدينة وعبد الله مريض؛ ~~فقال: اتخلف عن أخوالي بني عدي بن النجار: فأقام عندهم عدة ms001 مدة شهر؛ فبلغ ~~ذلك عبد المطلب؛ فبعث [إليه] الحارث - وهو أكبر ولده - فوجده قد مات ودفن ~~في دار النابغة - أحد بني النجار -، وعمره خمسا وعشرون سنة - على الأصح - ~~وعمر النبي -[صلى الله عليه وسلم]- # ثمانية وعشرون شهرا، وقيل: وهو في بطن أمه - وهو الأصح -. وقيل: بعد ~~مولده بشهر. # وولد -[صلى الله عليه وسلم]- # عام الفيل لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول لعشرين من نيسان. # PageV01P005 # وقال الحافظ علاء الدين مغلطاى: ولد -[صلى الله عليه وسلم]- # بمكة، وتسمى بكة؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، أو من الإزدحام، وقيل: مكة ~~اسم المدينة، وبكة اسم البيت. # وتسمى أيضا: الرأس، وصلاح، وأم رحم، وكوثا، وأم القرى، والحاطمة، والعرش ~~وطيبة. # وذكر ابن دحية في بعض تصانيفه أن لها عشرين اسما: [مكة و] بكة والبيت ~~العتيق، والبيت الحرام، والأمين، والمأمون، وأم رحم، [وأم] [القرى] ، ~~وصلاح، والعرش - على وزن برش - والقادس - لأنها تطهر من الذنوب - والمقدسة، ~~والناسة - بالنون - والنساسة، والباسة - بالباء -؛ لأنها تبس [أي تحطم] ~~الملحد فيها. وقيل: تخرجهم منها، والحاطمة، والرأس - مثل رأس الإنسان - ~~وكوثى - باسم بقعة فيها # PageV01P006 # كانت منزل بني عبد الدار -، والبلدة - على [ما ثبت] في الصحيحين - ~~والبينة - على ما [ثبت] أيضا - والكعبة؛ وقيل: هو البيت نفسه لا غير؛ ~~لتكعبه وهو تربيعه، وكل بناء مربع أو مرتفع كعبة. يقال: كعب ثدي الجارية ~~إذا علا في صدرها. # وهو أول بيت وضع للناس على وجه الأرض بصريح القرآن [العظيم] ، وبعده ~~الأقصى، ومدينة مصر، والحيرة، والأبلة أشهر، انتهى. # ونعود إلى كلام الحافظ مغلطاى، قال: ومولده في الدار التي كانت لمحمد ابن ~~يوسف أخي الحجاج. إنتهى [كلام مغلطاى] . # ويقال: بالشعب، ويقال: بالردم، ويقال: بعسفان. # وفي تلك السنة انشق إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار ~~فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة. # وذكر يعقوب عن ابن عباس: أنه ولد| -[صلى الله عليه وسلم]- # يوم الأثنين، وخرج من مكة يوم الأثنين، [ودخل المدينة يوم الأثنين] . # PageV01P007 # وولد لثمان عشرة ليلة من شهر ربيع الأول. وقيل لسبع عشرة [ليلة] . وقيل: ms002 ~~لثمان بقين منه. وقيل: في أوله، [وقيل] : لليلتين خلتا منه حين طلع الفجر ~~[من] يوم أرسل الله الأبابيل [وهي الجماعات - واحدها إبول - وقيل: لا واحد ~~لها] على أهل الفيل. # وقيل في ولادته غير ذلك من الأقوال التي يضيق هذا المختصر عن ذكرها. # وذكر أن أبرهة الأشرم كان بنى باليمن كنيسة يقال لها القليس، وأراد أن ~~يصرف حج الناس إليها؛ فخرج رجل من كنانة فأحدث فيها؛ فغضب أبرهة وحلف ~~ليسيرن إلى بيت العرب فيهدمه؛ فقدموا مكة يوم الأحد لخمس ليال خلون من ~~المحرم، وقيل: لثلاث عشرة. # PageV01P008 # فلما وجهوا الفيل للكعبة، امتنع من ذلك حتى وخزوه بالأسنة، وهو لا يتحرك ~~من مكانه إلا إلى جهة غير البيت؛ فأرسل الله عليهم طيرا من البحر - أمثال ~~الخطاطيف والبلسان، وقيل في صفتها غير ذلك - مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر ~~في منقاره، وحجران في رجليه مثال الحمص والعدس، لا تصيب أحدا منهم إلا هلك، ~~وليس كلهم أصابت. # وقيل: ولد بعد الفيل بشهر، وقيل: بأربعين يوما، وقيل: بشهرين وستة أيام، ~~وقيل: بعشرين [سنة] ، وقيل: بثلاثين [سنة] ، وقيل: بأربعين [سنة] ، وقيل: ~~بسبعين [سنة] ، وقيل غير ذلك، مختونا، مسرورا، مقبوضة أصابع يده، مشيرا ~~بالسبابة كالمسبح بها. # وقيل: إن جده ختنه [يوم سابعه، وقيل: جبرائيل، وسماه محمدا - قالته أمه - ~~وقيل: إن جده سماه] . # PageV01P009 # واختلف في مدة الحمل به؛ فقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة، ~~وقيل: ستة. # ولما شاع قبل ولادته أن نبيا اسمه محمد - هذا إبان ظهوره - سمى جماعة ~~أبناءهم محمدا؛ رجاء أن يكون هو. # منهم: محمد بن سفيان بن مجاشع، محمد بن أحيحة بن الجلاح، محمد بن حمران، ~~ومحمد بن مسلمة الأنصاري - وفيه نظر - محمد بن البكري، محمد بن الخزاعي ~~السلمي، محمد بن عدي بن [ربيعة بن سعد] المنقري، محمد الأسيدي، محمد ~~العقيمي، محمد بن عتوارة الليثي، محمد بن حرماز العمري، محمد بن خولي ~~الهمداني، محمد بن يزيد بن ربيعة، محمد بن أسامة بن مالك. # وأول من أرضعته بعد أمه ثويبة - مولاة عمه أبي لهب - وأرضعت معه ms003 عمه ~~حمزة، ثم أرضعته بعدها حليمة السعدية. # ولما ترعرع أحضرته إلى أمه. # PageV01P010 # ولما بلغ من العمر ست سنين ماتت أمه [آمنة] وبقي في حجر جده عبد المطلب. # ولما بلغ ثمان سنين وشهرين وعشرة أيام توفي جده عبد المطلب، وقام بكفالته ~~عمه أبو طالب. # ولما بلغ ثلاثة عشر سنة خرج مع عمه إلى الشام. فلما رآه بحيرا الراهب قل: ~~هذا رسول الله -[صلى الله عليه وسلم]- # أرسله رحمة للعالمين. ثم قال لعمه: أتحبه؟ قال: نعم. قال: فارجع به لئلا ~~يقتله اليهود؛ فرجع به. # ثم تزوج بخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام. ولما بلغ ~~أربعين سنة بعثه الله [تعالى] إلى الأسود والأحمر، ناسخا بشريعته سائر ~~الشرائع. # ولما بلغ خمسين سنة توفي عمه أبو طالب، ثم توفيت زوجته خديجة بعد عمه أبي ~~طالب بثلاثة أيام. ووجد النبي -[صلى الله عليه وسلم]- # [عليهما] كثيرا. # ثم هاجر -[صلى الله عليه وسلم]- # [إلى المدينة] من مكة وعمره ثلاث وخمسون سنة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ~~شهر ربيع الأول سنة إحدى. # PageV01P011 # وأقام بالمدينة سبعة عشر شهرا يصلون إلى جهة بيت المقدس، ثم تحولت الصلاة ~~إلى الكعبة يوم الثلاثاء منتصف شعبان، في صلاة الظهر، وفرض صوم [شهر] ~~رمضان. # PageV01P012 #~:section: (ذكر أسمائه -[[صلى الله عليه وسلم]]- # هو: المصطفى، الماحي، الحاشر، العاقب، المقفى، الشهيد، المصدق، النور، ~~المسلم، العبد، الداعي، الإمام، الهادي، المهاجر، البشير، النذير، السراج، ~~المنير، الأمين، الذاكر، المذكر، [العامل] ، المنصور، أذن الخير، المزمل، ~~المدثر، طه، يسن، خاتم النبيين، رؤوف، رحيم، الصاحب، الشفيع، المشفع، ~~المتوكل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، الطيب، الكريم، المحلل، المحرم، ~~الواضع، الرافع، المجير، قاسم، نبي التوبة، نبي الملحمة، عبد الله، أحمد، ~~محمد. # قال ابن دحية: أسماؤه تقرب من ثلثمائة، وانتهى بها بعض المتصوفة إلى ألف. # ويكنى: أبا القاسم، وأبا إبراهيم. # وهو محمد بن عبد الله - الذبيح - بن عبد المطلب # -[واسمه شيبة] [الحمد]- # بن هاشم # -[واسمه عمرو]- # بن عبد مناف # -[واسمه المغيرة]- # بن قصي # -[واسمه زيد]- # بن كلاب بن مرة بن كعب بن # PageV01P013 # لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن ms004 كنانة بن خزيمة بن مدركة - واسمه ~~عامر - بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. # [وعدنان] من ولد إسماعيل بن إبراهيم - صلى الله عليهما -[وعلى نبينا] ~~[وسلم] . # وهذا النسب بإجماع الناس، لكن اختلفوا فيما بين عدنان و [بين] إسماعيل من ~~الآباء؛ فقيل: بينهما: تسعة آباء، وقيل: سبعة، [وقيل مثل ذلك عن] جماعة، ~~لكن اختلفوا في أسماء بعض الآباء. وقيل: بينهما خمسة عشر [أبا] ، وقيل: ~~بينهما أربعون [أبا] وهو بعيد. # وقد ورد ذلك عن طائفة من العرب. وأما عروة بن الزبير فقال: ما وجدنا من ~~يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تحرصا. # PageV01P014 #~:section: (أسماء أعمامه وعماته:) # فالأعمام [هم] الحارث، وأبو طالب - واسمه عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته - ~~وهو شقيق عبد الله # -[والزبير] ، وعبد الكعبة، والمقوم - ويقال هما واحد - وحجل - واسمه المغيرة - والغيداق -[ويقال: هما واحد - وقثم - ومنهم من أسقطه - ونزار، وأبو لهب - واسمه عبد العزى]- # ، وكنى بذلك لجماله وصار في الآخر لماله. # وعماته: صفية، وعاتكة، وأروى - أسلمن، وفي ذلك خلاف إلا صفية - وأميمة، ~~[وبره] ، وأم حكيم. # وسبب تسمية عبد الله بالذبيح: أن أباه أمر في منامه بحفر زمزم - وسميت ~~زمزم لأنها زمت بالتراب، وقيل: لزمزمة [الماء] فيها - فمنعته قريش من ذلك. # ولم يكن لعبد المطلب يوم ذاك من الولد إلا الحارث؛ فنذر عبد المطلب لئن ~~ولد له عشرة لينحرن أحدهم عند الكعبة لله. # فلما بلغوا ذلك ضرب عليهم القداح؛ فخرج القدح على عبد الله - وهو أصغر ~~بنيه - قاله ابن إسحاق. # PageV01P015 # والصواب: بني أمه، وإلا فحمزة والعباس كانا أصغر منه. # فلما جاء القدح على عبد الله أمرت عبد المطلب إمرأة كاهنة بالحجاز تسمى ~~سجاح - وقيل: قطبة - أن يضرب عليه وعلى إبل بالقداح، فكان عبد المطلب يضرب ~~على عشرة بعد عشرة، وهي تخرج عليه حتى بلغت مائة؛ فخرجت عليها ثلاثا؛ ~~فنحرها عنه، فكان أول من سن الدية [مائة] . وقيل: سن ذلك القلمس، وقيل: أبو ~~سيارة. # PageV01P016 #~:section: (نبذة من غزواته) # ولما كانت السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة ms005 خلت منه ~~كانت غزوة بدر، وهي الغزوة الكبرى التي أظهر الله فيها الإسلام. # قال ابن إسحاق: سمع النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # أن أبا سفيان: [بن حرب] قد أقبل من الشام في عير لقريش وتجارة عظيمة، ~~فيها [ثلاثون أو] أربعون رجلا من قريش منهم: مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص؛ ~~فقال النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # : ((هذه عير قريش فيها أموالهم؛ فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها)) ؛ ~~فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم ظنا منهم أن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # لا يلقى حربا. # واستشعر أبو سفيان؛ فجهز منذرا إلى قريش يستنفرهم إلى أموالهم؛ فأسرعوا ~~الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبا لهب، بعث مكانه العاص أخا أبي ~~جهل. # وكانت قريش تسعمائة وخمسين رجلا، فيهم مائة فارس. # وكانت عدة أصحاب رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ولم # PageV01P017 # يكن فيهم إلا فرسان: فرس للمقداد واسمه سبحة # -[مصدر من السباحة، وهي العوم]- # [سمى بذلك لحسن] سيره -، وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي. قيل: وفرس ~~للزبير. والتقى الجمعان. # وبعث الله تعالى جبريل - عليه السلام - في نفر من الملائكة؛ فانهزم ~~المشركون، وقتل منهم سبعون رجلا من صناديدهم، منهم: أبو جهل، وشيبة وعتبة - ~~إبنا ربيعة - وأمية بن خلف. # وأسر منهم سبعون [رجلا] أيضا منهم: العباس عم النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ولم يستشهد من المسلمين غير أربعة عشر رجلا. [إنتهى ذكر غزوة بدر ~~باختصار] . # PageV01P018 # (وفي هذه السنة ولد النعمان بن بشير، وهو أول مولود ولد في الإسلام من ~~الأنصار. # وفيها أيضا ولد عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود ولد في الإسلام من ~~المهاجرين. # PageV01P019 #~:section: (ذكر نبذة من غزوة أحد) # واقع نبي الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة مضت من شوال سنة ثلاث من الهجرة. # وكان من أمرها: أن قريشا اجتمعوا في ثلاثة آلاف، منهم سبعمائة دارع، ~~وفيهم مائتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، ومعه [زوجته] هند في نساء ~~معهن الدفوف يضربن بها وينحن على قتلى بدر. # وسار إليهم رسول الله -[[صلى ms006 الله عليه وسلم]- # في ألف رجل. # فلما كان في بعض الطريق رجع عبد الله بن أبي بن سلول - المنافق - في ثلث ~~الناس. # ثم التقى الفريقان، ولم يكن مع أصحاب رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # سوى فرسين. # وكان على ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ~~ووقفت النساء خلفهن يضربن بالدفوف وينحن. # PageV01P020 # وكانت راية النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # يوم أحد مرطا أسود لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العقاب، وعلى ميمنته ~~علي - كرم الله وجهه -، وعلى ميسرته المنذر بن عمرو الساعدي، والزبير بن ~~العوام على الرجال - ويقال المقداد بن الأسود -. # وكان حمزة [رضي الله عنه] على القلب، واللواء مع مصعب بن عمير؛ فقتل؛ ~~فأعطاه النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # لعلي. # وأخذ رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # سيفا وقال: من يأخذ مني هذا بحقه؛ فبسطوا أيديهم، وصار كل منهم يقول: ~~أنا، أنا؛ فقال: من يأخذه؟ {فأحجم القوم؛ فقال له أبو دجانة [سماك] : أنا ~~آخذه بحقه. # قال: فأخذه ففلق هام المشركين به. أخرجه مسلم.} ! # وانهزم المشركون؛ فطمع المسلمون في الغنيمة؛ فاختلوا عن مواقفهم؛ فأتى ~~خالد بن الوليد من خلف المسلمين، ووقع الصارخ # PageV01P021 # بأن محمدا قد قتل؛ فانكشف المسلمون، وأصاب العدو فيهم؛ فكانت عدة الشهداء ~~من المسلمين سبعون رجلا، منهم: حمزة عم النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ومصعب بن عمير، وحنظلة بن [أبي] عامر - غسيل الملائكة -، واليمان والد ~~حذيفة. # ووصل العدو إلى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وأصابته حجارتهم، وأصيبت رباعيته، وشج وجهه -[[صلى الله عليه وسلم]- # فكان يمسحه ويقول: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ~~ربهم)) ؛ فنزل قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} الآية. # وشقت هند بطن حمزة ومضغت كبده. ثم سار المشركون إلى مكة. وصلى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # على عمه حمزة؛ فكبر سبع تكبيرات، وأتى بالقتلى يوضعون إلى جانبه، فيصلي ~~عليه وعليهم، حتى صلى عليه إثنين وسبعين صلاة، ثم أمر بدفن حمزة؛ فدفن. # ورجع رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # إلى المدينة. # [إنتهى الكلام في غزوة أحد باختصار] ms007 . # PageV01P022 # وفي السنة الرابعة من الهجرة - في صفر - كانت غزوة بئر معونة، واستشهد ~~فيها الأربعون من القراء منهم: عامر بن فهيرة، والمنذر بن عمرو الساعدي - ~~أميرهم - والحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، ونافع بن بديل بن ورقاء ~~الخزاعي. # وفي شهر ربيع الأول منها كانت غزوة بني النضير. # [و] في جمادى الأولى منها أيضا كانت غزوة ذات الرقاع. # السنة الخامسة: في شوال منها كانت غزوة الخندق وحصار الأحزاب للمسلمين. # وفي ذي الحجة كان موت سعد بن معاذ - سيد الأوس -. # PageV01P023 # وفيها أيضا كانت غزوة دومة الجندل. # وفيها أيضا كانت غزوة بني قريظة. # السنة السادسة: في شعبان منها كانت غزوة بني المصطلق، التقوا [عند ~~المريسيع] وأصاب منهم رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # أم المؤمنين جويرية بنت الحارث. # وفي الرجوع منها حديث الإفك. # السنة السابعة: في المحرم، سار النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وافتتح خيبر في صفر. # وفي وسط السنة كانت غزوة ذات السلاسل، وأميرهم عمرو ابن العاص. # وفي ذي القعدة منها كانت عمرة القضاء. # PageV01P024 # وفيها تزوج النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # بصفية بنت حيي، وبعدها بأم حبيبة، ثم بميمونة بنت الحارث بسرف، وهو راجع ~~من العمرة. # السنة الثامنة: فيها كانت وقعة مؤتة بالكرك في جمادى الأولى، واستشهد ~~[فيها] الأمراء الثلاثة، وهم: زيد بن حارثة - حب رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ومولاه، وجعفر بن أبي طالب - ذو الجناحين -، وعبد الله بن رواحة - أبو ~~عمرو - أحد النقباء ليلة العقبة. # وفي شهر رمضان منها كان فتح مكة؛ وأمر الفتح: أن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # كان قد تهادن مع قريش؛ فسار [رسول الله] -[[صلى الله عليه وسلم]- # إليهم في عشرة آلاف من المسلمين، لعشر بقين من شهر رمضان من السنة. وقيل: ~~سنة تسع. # فلما نزل قريبا من مكة ركب العباس بغلة النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وجاء ليعلم قريشا؛ لئلا يهلكوا تحت السيف؛ فلقي أبا سفيان؛ فقال له: ما ~~وراءك؟ قال: أتاكم النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # في عشرة آلاف؛ فقال: وما تأمرني أفعل؟ قال: أركب # PageV01P025 # خلفي، لأستأمن لك رسول الله -[[صلى ms008 الله عليه وسلم]- # لئلا تهلك؛ فركب خلفه، وجاء إلى النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ، فقال له رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # : ويحك يا أبا سفيان {، أما آن [لك] ، أن تشهد أن لا إله إلا الله؟} ~~فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فقال النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # للعباس: أمض به إلى ضيق الوادي؛ فأره جنود الله؛ فذهب به إلى ضيق الوادي. # ومرت به القبائل، وهو يسأل عنها قبيلة قبيلة، والعباس يخبره حتى مر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # في كتيبته الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يبين منهم إلا حماليق الحدق؛ ~~فقال: من هؤلاء؟ {؛ فقال: هذا رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # [في المهاجرين والأنصار] فقال أبو سفيان: لقد أوتي ابن أخيك ملكا عظيما} ~~{فقال: ويحك} إنها النبوه. قال: صدقت. # ودخلت أمراء المسلمين بلا قتال؛ لأن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # نهى عن القتال؛ فدخل الزبير من ناحية، وسعد بن عبادة من ناحية، وعلي بن ~~أبي طالب من ناحية، وكلهم لم يقاتلوا، إلا خالد بن الوليد؛ فإن المشركين ~~قاتلوه قاتلهم. # ثم طاف النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # بالبيت سبعا، وجعل لا يشير إلى صنم إلا سقط. # وفيها أيضا كانت غزوة حنين، [وكانت] في شوال. # PageV01P026 # ولما فتحت مكة تجمعت هوازن وأهل الطائف في مائة وعشرين ألفا؛ فخرج إليهم ~~رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # في اثنتي عشرة ألفا بعد أن استعمل النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # على مكة عتاب بن أسيد بن العيص بن أمية. # قال الحافظ [أبو عبد الله] الذهبي: قال شعبة عن أبي إسحاق: سمعت البراء ~~قال له رجل: يا أبا عمارة، أفررتم عن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ؟ ! قال: لكن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # لم يفر؛ وذلك أن هوازن كانوا رماة؛ فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا؛ ~~فأقبل الناس على الغنائم؛ فاستقبلوا بالسهام؛ فانهزم الناس؛ فلقد رأيت رسول ~~الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وأبو سفيان آخذ بلجام بغلته، والنبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: # (أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب) # متفق عليه. من ms009 حديث زهير بن معاوية عن أبي إسحاق. # ثم تراجعت المسلمون، ونصر الله نبيه، وغنم المسلمون منهم أموالا عظيمة، ~~قسمها رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # [على المسلمين] ورجع إلى مكة، فاعتمر ورجع إلى المدينة. # وفيها توفيت زينب الكبرى -[من بناته] وكنيتها: أم إمامة. # PageV01P027 # السنة التاسعة: في [شهر] رجب منها صلى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # على النجاشي -[رضي الله عنه]- # وفي شعبان منها توفيت أم كلثوم بنت النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ، وزوجة عثمان بن عفان -[رضي الله عنه]- # وفي ذي القعدة منها توفي عبد الله بن أبي [بن] سلول المنافق. # وفيها كانت غزوة تبوك، ومسير خالد بن الوليد إلى دومة الجندل؛ فأسر ~~صاحبها أكيدر - وكان نصرانيا -. # وفيها أقام الحج أبو بكر [الصديق - رضي الله عنه]-. # وفيها قتلت فارس ملكهم شهر براز بن شيرويه، وملكوا عليهم بوزان بنت كسرى. # السنة العاشرة من الهجرة: في شهر ربيع الأول منها توفي إبراهيم إبن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وله سنة ونصف، وأمه مارية القبطية. # PageV01P028 # وفيها قدمت وفود العرب، ودخل الناس في الإسلام أفواجا. # وفيها كانت حجة الوداع، # وفيها كان ظهور الأسود العنسي المتنبئ باليمن، وغلب على صنعاء وغيرها، ثم ~~قتله الله [تعالى] [في أول] السنة الآتية. # سنة إحدى عشرة من الهجرة: فيها كانت وفاة النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ولما رجع رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # من حجة الوداع، أقام بالمدينة إلى أواخر صفر؛ فمرض -[[صلى الله عليه وسلم]- # فلما اشتد به المرض أمر مناديا؛ فنادى في المدينة: أن اجتمعوا لوصية ~~النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ فاجتمع كل من في المدينة في ذكر وأنثى، وكبير وصغير، وتركوا أبوابهم ~~مفتحة ودكاكينهم. # وخرج -[[صلى الله عليه وسلم]- # وهو متوعك؛ فخطبهم خطبة وصاهم فيها وصايا كثيرة، ثم دخل بيته -[[صلى الله عليه وسلم]- # فأقام به إلى أن توفي يوم الأثنين ثاني عشر ربيع الأول حين زاغت الشمس ~~لاثنتي عشرة، ليلة خلت من [شهر] ربيع الأول. # قال السهيلي: لا يصح أن تكون وفاته يوم الأثنين إلا في ثاني الشهر، أو ~~ثالث عشره أو رابع عشره، أو ms010 خامس عشره؛ لإجماع # PageV01P029 # المسلمين على أن وقفة عرفة كانت يوم الجمعة، وهو تاسع ذي الحجة؛ [فدخل ذو ~~الحجة يوم الخميس] ؛ فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت [فإن كان الجمعة؛ ~~فقد كان إما السبت وإما الأحد] ، [فإن كان السبت] فقد كان ربيع الأحد أو ~~الأثنين] ؛ فيكون أول صفر إما [السبت أو] الأحد أو الأثنين؛ فعلى هذا لا ~~يكون الثاني عشر من شهر ربيع الأول [يوم الأثنين] بوجه. # وذكر [الطبري عن ابن] الكلبي وأبي مخنف أنه توفي في الثامن من شهر ربيع ~~الأول. # قال الطبري: (وهذا القوم [وإن كان) خلاف] الجمهور؛ فلا يبعد أن كانت ~~الثلاثة أشهر التي قبله كلها كانت تسعة وعشرين يوما. وفيما قاله نظر؛ ~~لمتابعة أنس بن مالك فيما حكاه البيهقي والواقدي. # وقال الخوارزمي: [توفي] أول شهر ربيع [الأول] ، ودفن ليلة الأربعاء. ~~وقيل: ليلة الثلاثاء. وقيل: يوم الأثنين عند الزوال. قاله الحاكم وصححه. # PageV01P030 # وقال الذهبي: إذا تقرر أن كمل الدور في ثلاث وثلاثين سنة، كان في ستمائة ~~وستين عاما وعشرون دورا؛ فإلى سنة ثلاث وسبعمائة من وقت موته إحدى وعشرون ~~دورا؛ ففي ربيع الأول منها كان وقوع تشرين الأول، وكان [بعض] أيلول في صفر، ~~وكان آب في المحرم، وكان [أكثر] تموز في ذي الحجة؛ فحجة الوداع [كانت] في ~~تموز. # ثم ذكر أيضا خلافا يضيق [عنه هذا المختصر] . # وكانت مدة علته -[[صلى الله عليه وسلم]- # اثنتي عشرة يوما، وقيل: أربعة عشر يوما، وقيل: ثلاثة عشر [يوما] ، وقيل: ~~عشرة أيام. # وغسله علي، والعباس وإبنه الفضل [يعينانه] ، وقثم # PageV01P031 # وأسامة وشقران يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر، # لحديث علي: لا يغسلني أحد إلا أنت؛ فإنه لا يرى عورتي أحد إلا طمست ~~عيناه. وغسل -[[صلى الله عليه وسلم]- # وقميصه عليه. # ودفن - بعد أن صلى عليه الناس أفواجا أفواجا - في بيت عائشة -[رضي الله عنها]- # قال الذهبي: وصفة قبره -[[صلى الله عليه وسلم]- # [وصاحبيه أبا بكر وعمر] قال عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: قلت ~~لعائشة: اكشفي لي عن قبر رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وصاحبيه؛ ms011 فكشفت [لي] عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة - مبطوحة ببطحاء ~~الساحة الحمراء: # رسول الله. # أبو بكر # عمر. # [أخرجه أبو داود هكذا. وقال أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه ~~أنه رأى قبر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # مسنما] . أخرجه البخاري. # PageV01P032 #~:section: ذكر أولاده -[[صلى الله عليه وسلم]- # رزق من خديجة أربع ذكور: وهم القاسم، والطيب، والطاهر، وعبد الله. وماتوا ~~صغارا. # ورزق من مارية: إبراهيم، ومات صغيرا أيضا. # ورزق من خديجة أيضا أربع بنات، وهن: فاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم. ~~والجميع ماتوا قبله، إلا فاطمة؛ فإنها عاشت بعده ستة أشهر. وقيل: أقل من ~~ذلك. # PageV01P033 #~:section: (ذكر أزوجه-[[صلى الله عليه وسلم]- # تزوج خديجة بنت خويلد # -[رضي الله عنها]- # ، وتوفيت صحبته - كما تقدم -. # وعن عائشة # -[رضي الله عنها]- # قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وقيل: كانت وفاتها في شهر رمضان، ~~ودفنت بالحجون، وقيل: إنها عاشت خمسا وستين سنة. # قال الزبير: تزوجها النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ولها أربعون سنة، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة. # وتزوج بسودة بنت زمعة -[رضي الله عنها]- # وتوفيت بعده في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة. # وتزوج بعائشة بنت [أبي بكر] الصديق -[رضي الله عنهما]- # وتوفيت بعده في سابع عشر شهر رمضان سنة سبع وخمسين من الهجرة، ودفنت ~~بالبقيع. # وتزوج بحفصة بنت عمر بن الخطاب -[رضي الله عنهما]- # وتوفيت بعده، سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة خمس وأربعين. # (وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب -[رضي الله عنهما]- # ، واسمها رملة، وتوفيت بعده، سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنين وأربعين) ~~. # PageV01P034 # وتزوج أم سلمة بنت أبي أمية -[رضي الله عنها]- # واسمها هند، وتوفيت بعده، سنة إحدى وستين، وهي آخر أزواجه وفاة. # وتزوج زينب بنت جحش -[رضي الله عنها]- # وتوفيت بعده، سنة عشرين في ذي القعدة، وهي أول من توفى بعده من أزواجه. # وتزوج بجويرية بنت الحارث -[رضي الله عنها]- # ، وتوفيت بعده، سنة ست وخمسين بالمدينة. # وتزوج بصفية بنت حيي [بن أخطب] -[رضي الله عنها]- # ، وتوفيت بعده، سنة خمس وثلاثين، وقيل: ستة وثلاثين. # وتزوج بميمونة بنت الحارث الهلالية، وتوفيت بعده، سنة إحدى ms012 وخمسين، وقيل: ~~سنة ثلاث وستين، والأول أصح. # وهؤلاء التسعة اللاتي توفى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وهن في عصمته. # وتزوج بزينب بنت خزيمة. # وتزوج بفاطمة بنت الضحاك. # وتزوج بأساف أخت دحية الكلبي. # PageV01P035 # وتزوج بخولة بنت الهذيل -[رضي الله عنها]- # ؛ فحملت إليه من الشام؛ فماتت في الطريق. # وتزوج بعمرة بنت يزيد، وطلقها قبل [بنائه بها. # وتزوج بمليكة الليثية، وطلقها قبل] الدخول بها. # ولم يتزوج فيهن [الجميع] بكرا غير عائشة - رضي الله عنهن أجمعين -. # PageV01P036 #~:section: كتابه -[[صلى الله عليه وسلم]- # الخلفاء الأربعة، وطلحة، والزبير، وابن أبي وقاص، [عامر] بن فهيرة، وعبد ~~لله بن الأرقم، وأبي، وثابت بن قيس، وخالد وأبان - إبنا سعيد بن العاص - ~~وحنظلة الأسيد، وأبو سفيان وإبناه ومعاوية، وزيد بن ثابت، وشرحبيل بن حسنة، ~~والعلاء [بن] الحضرمي، # PageV01P037 # وخالد بن الوليد، ومحمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة، وابن رواحة، وعبد ~~الله بن عبد الله بن [أبي] سلول وعمرو بن العاص، وجهم بن سعد، وجهيم بن ~~الصلت، ومعيقيب والأرقم بن [أبي] الأرقم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، ~~والعلاء بن عقبة، وأبو أيوب الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وبريدة، وحصين بن ~~نمير، وعبد الله بن سعد بن أبي # PageV01P038 # سرح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وحويطب بن عبد العزى، وحاطب بن عمرو بن ~~خطل. # PageV01P039 #~:section: خدامه -[[صلى الله عليه وسلم]- # [وهم] : أنس، وهند وأسماء - إبنا حارثة الأسلميان - وربيعة بن كعب - صاحب ~~وضوئه - وابن مسعود - صاحب نعليه - وعقبة بن عامر - يقود بغلته - وبلال، ~~وسعد - مولى أبي بكر -، وذو مخمر - ابن أخي النجاشي -، وبكر بن شداخ ~~الليثي، # PageV01P040 # وأبو ذر، [وأربد] ، وأسلع [بن شريك] ، والأسود بن مالك، وأيمن بن [أم] ~~أيمن - صاحب مطهرته - وثعلبة بن عبد الرحمن، وجرير الحدرجان وسالم، وزعم ~~بعضهم أنه أبو سلمى الراعي، وسابق، وسلمى، ومهاجر - مولى أم سلمة - ونعيم ~~بن ربيعة الأسلمي، وأبو الحمراء هلال بن الحارث، وأبو السمح أياد، وأبو ~~سلام سالم، وأبو عبيدة، وغلام من الأنصار نحو أنس، وأمة الله بنت رزينة، ~~وبركة - أم أيمن -، # PageV01P041 # وخضرة، وخولة - جدة حفص -، ورزينة - أم عليلة -، وسلمى ms013 - أم رافع - ~~ومارية - أم الرباب -، ومارية - جدة المثنى بن صالح -، وميمونة بنت سعد، ~~وأم عياش، وصفية. # ومن الموالي: أسامة وأبوه زيد، وثوبان، وأبو كبشة - أوس، ويقال سليم من ~~مولدي مكة -، وشقران - واسمه صالح، حبشي، ويقال فارسي -، ورباح - الذي أذن ~~لعمر في السرية، نوبى # -[وكذلك يسار]- # وهو الذي قتله العرنيون وأبو رافع - اسمه أسلم -. # وجماعة أخر يزيدون على خمسين نفرا. # PageV01P042 # ومن الإماء: سلمى - أم رافع -[ورضوى] ، وأميمة، وربيعة - ويقال: هي ~~ريحانة السرية -، وسانية، ومارية، وأختها قيسر، وأم ضميرة، وغيرهن. # PageV01P043 #~:section: (مؤذنو رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # أفاد الشيخ [المفيد] المسند زين الدين رضوان مستملئ الحديث النبوي ~~بالديار المصرية عن شيخ الإسلام جلال الدين [عبد الرحمن] البلقيني قال: ~~مؤذنو رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ستة هم: بلال، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة - واسمه إياس أو سمرة بن معير ~~-، وسعد القرظ وزيد بن الحارث الصدائي، وعبد العزيز بن الأصم. # أخرجه أحمد [بن منيع] في مسنده، قال: وبلغني عن شيخي أبي زرعة أن ابن ~~حبان أخرجه أيضا في صحيحه. # PageV01P044 #~:section: (الخلفاء بعد رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ثم من بعدهم واحد بعد واحد إلى خليفة وقتنا) . # وقد صنفت هذا الكتاب بسببهم - رضوان الله عليهم أجمعين -. ### $ (أبو بكر الصديق: خليفة رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # [واسمه عبد الله]- ويقال: عتيق بن أبي قحافة - عثمان بن عامر بن عمرو بن ~~كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، القرشي التيمي -[رضي الله عنه]- # PageV01P045 # توفى أبوه [أبو] قحافة بعد ولده أبي بكر الصديق بستة أشهر - في المحرم - ~~عن بضع وتسعين سنة. # وقد أسلم أبو قحافة يوم الفتح؛ فأتى به إبنه أبو بكر هذا يقوده إلى النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # لكبره؛ فقال النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # : ((لم لا تركت الشيخ حتى آتيه)) - إجلالا لأبي بكر - رضي الله عنهما -. # بويع [أبو بكر الصديق - رضي لله عنه -] بالخلافة بعد وفاة [رسول الله] -[[صلى الله عليه وسلم]- # وتمت بيعته فيها بإجماع المسلمين. # فائدة: قيل: إن الذين أطلق عليهم خليفة ثلاثة: آدم وداود ms014 - عليهما السلام ~~- بلفظ القرآن، وأبو بكر الصديق بإجماع المسلمين. إنتهى. وأمه - رضي الله ~~عنه - أم الخير، واسمها: سلمى. قال [الحافظ] الذهبي في تاريخه: كان أبو بكر ~~- رضي الله عنه - أبيض أصفر، لطيفا، جعدا، مسيدق الوركين، لا يلبث أزاره ~~على وركيه. # وجاء: أنه أتجر إلى بصرى غير مرة، وأنه أنفق أمواله على النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وفي [سبيل الله] . # PageV01P046 # قال رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # : [ما نفعني مال] ، ((ما نفعني مال أبي بكر)) وقال عروة: أسلم أبو بكر - ~~يوم أسلم - وله أربعون ألف دينار. # وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله! أي الرجال أحب إليك؟ قل: ((أبو بكر)) ~~. [و] قال أبو سفيان عن جابر قال رسول لله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ((لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ولا يحبهما منافق)) . # وقال [الشعبي عن الحارث] عن علي: أن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # نظر إلى أبي بكر وعمر؛ فقال: ((هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي)) . وروى نحوه من وجوه. # قلت: واستمر في الخلافة، إلى أن توفى مسموما في يوم الثلاثاء. وقيل: ليلة ~~الأحد لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية. # وكانت خلافته -[رضي الله عنه]- # سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام. # وعهد بالخلافة من بعده إلى عمر [بن الخطاب] -[رضي الله عنه]- # وفي آخر أيامه كانت وقعة اليرموك، وهي [الوقعة] التي فتح الله بها الشام. # وكان المتولي لها خالد بن الوليد وأبو عبيدة. # PageV01P047 # قلت: ومناقب الإمام كثيرة تضيق المطولات عن حصرها؛ فكيف هذا المختصر؟ ! . # وليس الغرض هنا إلا إثبات وفاته ومدة خلافته - رضي الله عنه -. # PageV01P048 ### $ ( [خلافة] عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) # هو [الإمام] عمر [بن الخطاب] بن نفيل بن عبد العزى بن رياح - بكسر الراء ~~وتخفيف التحتانية آخر الحروف - بن قرط رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. أمير ~~المؤمنين، أبو حفص القرشي العدوى، الفاروق. # أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وثاني الخلفاء الأربعة. # وأمه خيثمة بنت هشام المخزومية، أخت أبي جهل. # أسلم عمر ms015 - رضي الله عنه - في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون ~~سنة. # PageV01P049 # قال الحافظ [أبو عبد الله] الذهبي - ويروى عن عبد الله بن كعب بن مالك - ~~قال: كان عمر يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ويثب على فرسه؛ فكأنما خلق على ~~ظهره. # [وعن ابن] عمر وغيره من وجوه جيدة، أن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال: ((اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)) . # وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر. # وقال سعيد بن جبير {وصالح المؤمنين} نزلت في عمر خاصة. # وقال شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم: أن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال له أبو بكر وعمر: إن الناس يزيدهم حرصا على الإسلام أن يروا عليك زيا ~~حسنا من الدنيا؛ فقال: أفعل، وأيم الله لو أنكما تتفقان على أمر واحد ما ~~عصيتكما في مشورة أبدا. # قلت: وكانت خلافة عمر بعهد من أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما -. # وهو أول خليفة تسمى بأمير المؤمنين، وأول من أرخ التاريخ، ودون الدواوين، ~~وأول من عس بالليل، ونهى عن بيع أمهات الأولاد، وأول من جمع الناس في صلاة ~~الجنائز على أربع تكبيرات، وأول من حمل الدرة وضرب بها. # PageV01P050 # وفي أيامه فتح العراق جميعه، وفتح الشام جميعه، وفتحت مصر والأسكندرية، ~~حتى قيل: إنه انتصب في مدة خلافته اثنا عشر ألف منبر [في الإسلام] . # وحكى بعض المؤرخين: أن مصر لما فتحت توقف نيلها حتى فات أوانه؛ فقال ~~المصريون لعمرو بن العاص: أيها الأمير! إن عادتنا أن نأخذ بنتا من أحسن ~~النساء؛ فنلبسها أفخر الحلي [والحلل] ونغرقها تحت المقياس حتى يطلع النيل؛ ~~فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بذلك؛ فكتب إليه عمر: ((هذا لا يكون في ~~الإسلام، وقد بعثت إليك رقعة؛ فالقها في النيل)) . # وكان فيها: ((من عبد الله عمر إلى نيل مصر. أما بعد: فإن كنت تطلع من ~~قبلك فلا حاجة لنا فيك، وإن كان الله الواحد القهار الذي يطلعك؛ فنسأل الله ~~الواحد القهار أن يطلعك)) فألقاها في البحر؛ فطلع النيل في ليلة ms016 واحدة ستة ~~عشر ذراعا. إنتهى. # وكان يحمل إليه خراج العراق والشام و [خراج] اليمن ومصر والأسكندرية وما ~~والاهم. ومع هذا كان في ثوبه اثنتا عشرة رقعة. # ولما حج [عمر] هدم المنازل التي بجوار البيت الحرام، وأعطى ثمنها من بيت ~~المال، وزادها في المسجد الحرام. # PageV01P051 # ومات عمر -[رضي الله عنه]- # مقتولا، طعنه أبو لؤلؤة فيروز - غلام المغيرة بن شعبة - بخنجر في خاصرته، ~~وهو في صلاة الصبح في يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة -. قاله معدان ~~بن أبي طلحة وزيد بن أسلم، وتابعهما غير واحد -. إنتهى. # قلت: ودام جريحا، إلى أن توفي، ودفن يوم الأحد مستهل المحرم سنة أربع ~~وعشرين من الهجرة، وهو بن أربع - أو خمس - وخمسين سنة؛ [لأن مولده كان بعد ~~عام الفيل بثلاث عشرة سنة] . والأصح أنه مات وهو ابن ثلاث وستين [سنة]- في ~~عمر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وأبي بكر الصديق -[رضي الله عنه]- # وكانت خلافته عشر سنين ونصفا. # ومات عمر ولم يعهد بالخلافة لأحد، وجعلها شورى في ستة من الصحابة العشرة ~~وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد # -[رضوان الله عليهم]- # PageV01P052 ### $ ( [خلافة] [عثمان بن عفان - رضي الله عنه -) # هو] عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أمير المؤمنين، أبو ~~عمرو، وقيل: أبو عبد الله، القرشي الأموي. # أحد السابقين الأولين، وذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. # وأمه أروى. # بويع بالخلافة بعد موت عمر بإجماع الصحابة على خلافته. # وكان مولده - رضي الله عنه -[قبل] عام الفيل بستة أعوام. # PageV01P053 # وتزوج رقية بنت رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # قبل المبعث؛ فولدت له عبد الله، وبه كان يكنى. # وهاجر برقية إلى الحبشة. # وخلفه رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # في غزوة بدر ليدور بها في مرضها؛ فتوفيت بعد بدر بليال. # وضرب له النبي -[[صلى الله عليه وسلم] [بسهم من بدر] وآجره. # ثم زوجه بالبنت الأخرى أم كثلوم. # قال الذهبي: [و] عن أبي هريرة -[رضي الله عنه]- # أن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # لقي عثمان -[رضي الله عنه]- # عند باب المسجد فقال: ms017 ((يا عثمان، هذا جبريل أخبرني أن الله # -[عز وجل]- # زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها)) . أخرجه ابن ماجة. # وروى عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # رافعا يديه يدعو لعثمان. # PageV01P054 # وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # بألف دينار حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ فجعل يقلبها بيده ويقول: ما ضر عثمان بعد اليوم ما عمل. رواه الإمام ~~أحمد في مسنده. إنتهى. # قلت: ودام عثمان في الخلافة، وطالت أيامه، إلى أن قدم عليه جماعة من ~~البصرة، وجماعة من الكوفة، وجماعة من مصر؛ لحرب عثمان؛ لأنه كان لما ولي ~~الخلافة عزل نواب عمر عن الأمصار وولى أقاربه وغيرهم. # فلما حضر هؤلاء المذكورين إلى عثمان كلموه في أمور ذكرت في المطولات. # محصول ذلك: أنه لما كان يوم الجمعة ثاروا عليه ورجموه وهو على المنبر حتى ~~غشى [عليه] ، ثم رجموا الناس [حتى أخرجوهم] من المسجد. # وحمل عثمان إلى بيته، وحاصروه مدة أيام، إلى أن تسلقوا عليه من الدار ~~التي بجانب داره، وقتلوه وهو جالس والمصحف بين يديه، بعد أمور صدرت بينهم ~~يطول شرحها. # وكان قتله بعد عصر يوم الجمعة ثامن ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة، ~~وهو ابن اثنين وثمانين سنة. ودفن بثيابه بدمائه، ولم يغسل. رواه عبد الله ~~بن الإمام أحمد في زيادات المسند. # وكانت خلافته إثنا عشر سنة إلا إثنتي عشرة يوما. # [وبويع علي بعده] [بالخلافة] . # PageV01P055 ### $ ( [خلافة] علي بن أبي طالب -[رضي الله عنه]- # واسم أبي طالب عبد مناف [بن عبد المطلب - واسمه شيبة الحمد - بن هاشم ابن ~~عبد مناف] . أمير المؤمنين، أبو الحسن وأبو تراب، القرشي، الهاشمي. # وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، الهاشمية، وهي بنت عم أبي طالب، ~~كانت من المهاجرات، توفيت في حياة رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # بويع بالخلافة بعد قتل عثمان - رضي الله عنهما - باتفاق أكابر الصحابة ~~على كره منه. # وبعد خلافته بأيام كانت وقعة الجمل، ms018 وقتل فيها طلحة والزبير. فأما طلحة؛ ~~[فقتله مروان، رماه بسهم]- وهو أحد الصحابة -. # وأما الزبير؛ فقتله ابن جرموز بعد منصرفه من وقعة الجمل. # PageV01P056 # ثم خرج عليه معاوية [بن أبي سفيان بالشام، وقصد الخلافة لنفسه، وسار إلى ~~حرب علي] ، [يوهم أهل الشام أنه آخذ بثأر عثمان. وسار علي إلى حربه] ، ~~[والتقوا بصفين، وقتل منهم خلق عظيم. قيل: إنهم سبعون ألف نفس. # وقد حكيت هذه الوقعة في كتب كثيرة، والإضراب عن ذكرها أليق. # وآخر الحال أن عليا - رضي الله عنه - رجع إلى الكوفة، ورجع معاوية] إلى ~~الشام، ودام كل منهما على ذلك، إلى أن قتل علي - رضي الله عنه # -[حسبما سنذكره] . # وأما مناقبه -[رضي الله عنه]- # فكثيرة جدا، منها: أن رسول لله -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال يوم خيبر: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ~~يفتح الله على يديه)) . # قال عمر [بن الخطاب]-: فما أحببت الإمارة قبل يومئذ. [قال: فدعى عليا؛ ~~فدفعها إليه] . # وورد أن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # خلف عليا في بعض مغازيه؛ فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان؟ ~~{قال: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى} إلا أنه لا نبي بعدي)) ~~. أخرجه الترمذي. # PageV01P057 # وقال الذهبي: ويروى عن أنس أن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال لإبنته فاطمة: ((قد زوجتك أعظمهم حلما وأقدمهم سلما وأكثرهم علما)) . # [وورد أن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) . في حديث صحيح] . # وورد أيضا: ((من كنت وليه)) . قاله يوم غدير خم. # وروى أنه أهدى إلى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # [أطيارا] ؛ فقسمها وترك طير؛ فقال: ((اللهم أئتني بأحب خلقك إليك؛ فجاء ~~علي)) . # قلت: ومناقبه كثيرة يضيق هذا المختصر عن ذكرها -[رضي الله عنه]- # وأما قتله -[رضي الله عنه] ؛ فإن ثلاثة أنفس من الخوارج ذكروا أصحابهم الذين قتلوا؛ فاتفقوا على قتل علي -[رضي الله عنه]- # و [على قتل] معاوية، و [على قتل] عمرو بن العاص، وأخذوا سيوفا مسمومة، ~~وتواعدوا أن يفعلوا ذلك في سبع عشرة ليلة تمضي من شهر رمضان. # وسافر ms019 كل واحد إلى واحد. فأما عبد الرحمن بن ملجم فإنه ذهب إلى الكوفة ~~وضرب عليا في جبهته. وأما البرك فإنه توجه إلى الشام وضرب معاوية؛ فجاءت ~~الضربة في أليته، فلم تؤثر. وأما عمرو فإنه توجه إلى مصر وضرب خارجة فقتله، ~~وهو يظن أنه عمرو بن العاص؛ فقال عمرو: أردت عمرا، وأراد الله خارجة؛ فصار ~~مثلا. # PageV01P058 # قال أبو عبد الله الذهبي: قال الحسن بن علي - رضي الله عنهما -: خرجت ~~البارحة وأمير المؤمنين يصلي؛ فقال: يا بني {إني بت البارحة أوقظ أهلي؛ ~~لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر لسبع عشرة من رمضان؛ فملكتني عيناي، فسنح لي ~~رسول -[[صلى الله عليه وسلم]- # فقلت: يا رسول الله} أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم [بي] من هو شر ~~مني. # فجاء ابن التياح فآذنه بالصلاة؛ فخرج وخرجت خلفه؛ فاعتوره رجلان: أما ~~أحدهما - وهو شبيب بن بجرة الأشجعي - فضربه، فوقعت الضربة في السدة. وأما ~~الآخر فأثبتها في رأسه - وهو عبد الرحمن بن ملجم -. # وقال جعفر محمد عن أبيه: أن عليا كان يخرج إلى الصلاة وفي يده درة، فيوقظ ~~الناس بها؛ فضربه ابن ملجم؛ فمسك؛ فقال علي - رضي الله عنه -: أطعموه ~~واسقوه؛ فإن عشت فأنا؛ ولي دمي فإن شئت قتلت وإن شئت عفوت وإن مت فاقتلوه ~~قتلني {ولا تعتدوا إن لله لا يحب المعتدين} . # وكان عبد الرحمن قد سم سيفه، فمكث علي جريحا يوم الجمعة والسبت وتوفي ~~ليلة الأحد لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين [من الهجرة] . # وصلى عليه إبنه الحسن، ودفن بالكوفة عند قصر الإمارة، وعمي قبره لئلا ~~تنبشه الخوارج. # وقال شريك وغيره: نقله إبنه الحسن إلى المدينة. # PageV01P059 # وذكر المبرد عن محمد بن حبيب قال: أول من حول [من] قبر إلى قبر علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه -. # ولما دفن علي - رضي الله عنه - أحضروا عبد الرحمن بن ملجم؛ فاجتمع الناس ~~وجاءوا بالنفط والبواري؛ فقال إبنه محمد بن الحنفية وأخوه الحسين وعبد الله ~~بن جعفر بن أبي طالب: دعونا نشتفي منه؛ فقطع عبد الله ms020 يديه ورجليه؛ فلم ~~يجزع ولم يتكلم، ثم كحلوا عينيه فجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك، وهذأ، ~~وعيناه تسيلان على خده. # ثم أمر به؛ فعولج على لسانه ليقطع فجزع، فقيل له في ذلك؛ فقال: ماذاك ~~[يجزع] ، ولكني أكره أن أبقى في الدنيا لا أذكر الله؛ فقطعوا لسانه، ثم ~~أخرجوه في قوصرة. # وكان - قبحه الله - أسمر، حسن الوجه، أفلج، في جبهته أثر السجود؛ فألقي ~~في النار. # وتولى الخلافة بعده إبنه [الحسن - رضي الله عنهما -] . # PageV01P060 ### $ ( [خلافة] الحسن بن علي) # ابن أبي طلب بن عبد المطلب، أمير المؤمنين، أبو محمد، الهاشمي القرشي، ~~السيد ريحانة رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وابن بنته [السيدة] فاطمة. # ولد في شعبان سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: في نصف [شهر] رمضان منها. # وله صحبة ورواية عن أبيه وجده. وكان يشبه النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # حكى أن أبا بكر الصديق رآه يلعب؛ فأخذه وحمله على عنقه وقال: [بأبي، شبيه ~~بالنبي] ليس شبيها بعلي. وعلي يبتسم. # وقال أسامة بن زيد: كان النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # يأخذني والحسن؛ فيقول: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما)) . # PageV01P061 # وعن [أبي] سعيد الخدري قال: قال رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # : ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) . صححه الترمذي. # قلت: ومناقب الحسن -[رضي الله عنه]- # كثيرة يضيق هذا المختصر عن ذكرها. # وكان الحسن - رضي الله عنه - سيدا حليما، ذا سكينة ووقار. وكان يكره ~~الفتن والسيف. # بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه، واجتمع عليه المسلمون وأحبوه حبا شديدا، ~~وألزموه بالمسير لحرب معاوية بن أبي سفيان؛ فسار إليه على كره منه. فلما ~~كان في بعض الطريق اختلف عليه [بعض] أصحابه؛ فتأثر من ذلك. ثم أرسل إليه ~~معاوية في أثناء ذلك يسأله الصلح، وأن يسلم له الأمر ويبايعه بالخلافة؛ ~~فأذعن الحسن لذلك؛ صونا لدماء المسلمين؛ فشق ذلك على أصحاب الحسن وعلى أخيه ~~الحسين وكادت نفوسهم تذهب، حتى أنه دخل على الحسن - رضي الله عنه - سفيان - ~~أحد أصحابه - فقال له: السلام عليك يا مذل المؤمنين؛ فقال الحسن: لا تقل ~~ذلك! إني كرهت أن أقتلكم في طلب ms021 الملك. إنتهى. # PageV01P062 # قال الحافظ [أبو عبد الله] الذهبي: قال أبو بكرة رأيت رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # على المنبر والحسن بن علي إلى جانبه وهو يقول: ((إن إبني هذا سيد، ولعل ~~الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) . أخرجه البخاري. # قلت: وقد وقع ذلك من الحسن عند خلعه لنفسه من الخلافة ومبايعة معاوية - ~~كما تقدم ذكره -. # وعن جعفر الصادق قال: قال علي: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن؛ فإنه رجل ~~مطلاق؛ فقال رجل: لتزوجنه فما رضي أمسك وما كره طلق. # وقيل: إن الحسن تزوج بسبعين إمرأة ويطلقهن، وقل ما كان يفارقه أربع ~~ضرائر. # وتوفي الحسن -[رضي الله عنه]- # في شهر ربيع الأول سنة خمسين من الهجرة بالمدينة. # وقال الواقدي: سنة تسع وأربعين: [خلافته ستة أشهر وعشرة أيام] . # PageV01P063 ### $ معاوية بن أبي سفيان # صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، الأموي القرشي، أمير المؤمنين. # أمه هند بنت عتبة. وكنيته: أبو عبد الرحمن، ولقبه: الناصر لدين الله، ~~وقيل: الناصر لحق الله، والثاني أشهر. # بويع بالخلافة بعد أن خلع الحسن [بن علي] نفسه من الخلافة من غير إكراه - ~~حسبما تقدم ذكره - وذلك لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من ~~الهجرة. # وكان معاوية - رضي الله عنه - حليما كريما. وهو أول من صلى في الجامع في ~~مقصورة، وأول من خطب قاعدا. # ولما حج معاوية خرج إليه الحسن بن علي؛ فشكى إليه دينا؛ فأعطاه ثمانين ~~ألف دينار. # ومن حلمه: [حكى] أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب دخلت عليه؛ # PageV01P064 # فقال لها معاوية: مرحبا بك يا خالة، كيف أنت؟ فقالت: يا ابن أختي، قد ~~كفرت النعمة، وأسأت لأبن عمك الصحبة، وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك. ~~فقال لها عمرو بن العاص: كفي أيتها العجوز الضالة؛ فقالت له: وأنت يا ابن ~~الفاجرة تتكلم {وأمك [كانت] أشهر بغي مكة وأرخصهن أجرة} فقال لها معاوية: ~~يا خالة: عفا الله عما سلف هات حاجتك! فقالت: أريد ألف دينار أشتري بها ~~عينا فوارة في أرض خرارة تكون لفقراء بني ms022 الحارث بن عبد المطلب [وألفي ~~دينار أخرى أزوج بها فقراء بني الحارث] ، وألفي دينار أخرى أستعين بها على ~~شدة الزمان؛ فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار؛ فقبضتها وانصرفت. # قال الذهبي: وأظهر إسلامه يوم الفتح - يعني معاوية -، وكان رجلا طويلا ~~أبيضا جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا. وكان يخضب بالصفرة. إنتهى. # واستمر معاوية في الخلافة، إلى أن توفي بدمشق في شهر رجب سنة ستين، ودفن ~~بين باب الجابية والباب الصغير. # وعاش معاوية سبعا وسبعين سنة. # وكانت خلافته عشرين سنة، وعهد بالخلافة لإبنه [يزيد] . # PageV01P065 ### $ (يزيد بن معاوية بن أبي سفيان) # صخر بن حرب، الأموي القرشي، أبو خالد، ولقبه المستنصر. # وأمه ميسون الكلبية. # بويع يزيد بالخلافة لما مات أبوه معاوية في رجب سنة ستين من الهجرة. # وكان [يزيد] فاسقا، قليل الدين، متهتكا، غير أهل للخلافة. # وهو أحد فحول شعراء قريش في الإسلام، وشعره مشهور وأكثره في الخمريات. # وقد اختلف الفقهاء والأصوليين في لعنه اختلافا كثيرا، فمنهم من ذكر ~~أقوالا كثيرة، إلى أن قال: والأصح الذي عليه جمهور علماء الإسلام أنه لا ~~يجوز لعنه؛ لأنه من المسلمين [المصليين] ، وقد نهى النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # عن لعن المصليين، بل يجوز [لعن] من تحقق كفره. ثم قال: وقد أجاز أصحابنا ~~- يعني [السادة] الشافعية - اللعن على من قتل الحسين، أو أمر بقتله، أو ~~أجازه، أو رضي به. إنتهى. # PageV01P066 # قلت: وقد لعن يزيد، وأمر بلعنه وهو لا يدري؛ لكونه كان هو الذي ندب ابن ~~مرجانة عبيد الله بن زياد لقتاله وحرضه على ذلك، وألزمه بجمع العساكر لقتال ~~الحسين. # ولا يشك من له ذوق وعقل صحيح أن يزيد رضي بقتل الحسين وسر بموته؛ فهو ~~ملعون على كل حال وبكل طريق. إنتهى. # ولما ولي الخلافة عصت عليه أهل المدينة؛ لعدم أهليته مع وجود الحسين بن ~~علي وأكابر الصحابة، فبعث إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة؛ - ومن ثم سمى مسرفا ~~-. # وأمره إذا ظفر بهم أن يبيح المدينة للجند ثلاثة أيام يسفكون فيها الدماء ~~ويأخذون الأموال ويفجرون بالنساء، وإذا فرغ من المدينة ms023 يتوجه إلى مكة لقتال ~~عبد الله بن الزبير. # فسار مسلم - المسمى بمسرف - إلى المدينة؛ [فقاتله أهل المدينة] ؛ فقهرهم ~~وأباحها للجند ثلاثة أيام - كما أمره يزيد -. # وكانت عدة القتلى بالمدينة في هذه الكائنة عشرة آلاف إنسان. قاله غير ~~واحد. # وقال ابن الجوزي: إنه حمل في هذه الواقعة ألف إمرأة من غير زوج، وافتض ~~فيها ألف بكر. إنتهى. # ثم سار الجيش إلى مكة وحاصر بن الزبير، ورمى البيت الحرام بالمنجنيق ~~وحرقه بالنار. # PageV01P067 # ثم خرج الحسين بن علي - رضي الله عنهما - من المدينة طالبا الكوفة وهو ~~غير مبايع ليزيد بن معاوية؛ فبعث إليه عبيد لله بن زياد، متولى الكوفة من ~~جهة يزيد بإذن يزيد جيشا، مع عمر [بن سعد] ؛ فأدركوا الحسين على كربلاء؛ ~~فأرادوا مسكه؛ فمانع عن نفسه؛ فقاتلوه حتى قتل من أصحابه جماعة كثيرة. # ووقعت أمور آلت إلى قتل الحسين وقطع رأسه بعد أن رماه بعضهم بسهم. ثم بعد ~~قطع رأسه وطئوا جثته بالخيل. # وأحضروا رأسه ورءوس الجماعة الذين قتلوا معه إلى عبيد الله بن زياد. # وقال علي بن زيد بن جدعان عن أنس قال: لما قتل الحسين جئ برأسه إلى عبيد ~~الله بن زياد؛ فجعل ينكث قضيب على ثناياه وقال: كان لحسن الثغر! . فقلت: ~~لقد رأيت رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # يقبل موضع قضيبك. انتهى. # ثم أرسلهم عبيد الله إلى يزيد بن معاوية. # وكان الذي تولى قتل الحسين - رضي الله عنه - شمر بن ذي الجوشن - لعنه ~~الله -. وقيل: طعنه سنان بن أنس النخعي. # وحز رأسه خولي الأصبحي، وهو الأشهر. # PageV01P068 # وكان قتل الحسين في يوم الجمعة - وهو يوم عاشوراء - من سنة إحدى وستين من ~~الهجرة. # ولما جيء برأس الحسين إلى يزيد [بن معاوية] ووضع بين يديه بكى يزيد وقال: # ( [نفلق هاما] من رجال أحبة ... إلينا وهم كانوا أعق وأظلما) # ثم قال: أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك أبدا. # قلت: هذا الذي كان يسع يزيد أن يقوله في الملأ من الناس؛ ليسكن ما بالناس ~~من قتل الحسين وعتاريه. وقد مضى أمر ms024 الحسين وحصل مقصوده؛ فما باله وإظهار ~~الفرح بقتله، وقد كفى أمره. # وكانت وفاة يزيد بدمشق في نصف شهر زبيع الأول سنة أربع وستين. وكانت ~~خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر وأيام. # وتولى الخلافة بعده ابنه [معاوية، والله أعلم] . # PageV01P069 ### $ (معاوية بن يزيد بن معاوية) # ابن أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية، الأموي القرشي، أبو عبد الرحمن. وكان ~~لقبه: الراجع إلى الحق. # وأمه أم خالد. # بويع بالخلافة لما مات أبوه يزيد. وكان شابا صالحا دينا خيرا؛ ولهذا ~~يقال: يزيد شر بين خيرين - أي بين والده معاوية وبين ابنه معاوية -. # [هذا] ، ولما بويع [معاوية] بالخلافة أقام [بها] أربعين يوما، ثم جمع ~~الناس، وأراد خلع نفسه، وقال: أيها الناس؛ ضعفت عن أمركم؛ فاختاروا للخلافة ~~من أحببتم؛ فقالوا: ول أخاك خالدا؛ فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، ولا ~~أتقلد وزرها، ثم صعد المنبر، وقال: أيها الناس؛ إن جدي معاوية نازع الأمر ~~أهله، ومن هو أحق به منه لقرابته من رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وهو علي بن أبي طالب - وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته؛ فصار في قبره ~~رهينا بذنوبه، وأسيرا بخطاياه. ثم قلد أبي الأمر؛ فكان غير أهل لذلك، وركب ~~هواه # PageV01P070 # وأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهينا بذنوبه وأسيرا بجرمه. ~~ثم بكى حتى جرت دموعه على خديه. ثم قال: إن من أعظم الأمور علينا علمنا ~~بسوء مصرعه وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # وأباح الحرم، وحرق الكعبة، وما أنا بالمقلد ولا بالمحتمل تبعاتكم؛ فشأنكم ~~أمركم، والله لئن كانت الدنيا خيرا؛ فلقد نلنا منها حظا، ولئن كانت شرا؛ ~~فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها، ألا فليصل بالناس حسان بن مالك، ~~وشاوروا في خلافتكم، رحمكم الله. # ثم دخل منزله، وتغيب فيه حتى مات [في سنته]- رحمه الله [تعالى]-. # PageV01P071 ### $ (عبد الله بن الزبير بن العوام - رضي الله عنه -) # بويع بالخلافة لما بلغه خلع معاوية بن يزيد بن معاوية بمكة وأرض الحجاز. # وقد استقر مروان بن الحكم خليفة بأرض الشام، ms025 وتم أمره. # وبلغ مروان بن الحكم خلافة عبد الله هذا؛ فلم يوافقه على ذلك. # واستمر الخليفة بالحجاز والعراق عبد الله بن الزبير، وبالشام ومصر مروان؛ ~~[فلم تطل أيام مروان] ومات بعد أشهر - حسبما يأتي ذكره -. # وتخلف [من] بعده ابنه عبد الملك بن مروان، ووقع بينه وبين عبد الله إبن ~~الزبير وأخيه مصعب بن الزبير حروب وخطوب يطول شرحها. # ودام ذلك بينهم سنين، إلى أن قتل عبد الملك مصعب بن الزبير متولي العراق ~~في وقعة كانت بينهما في سنة إثنين وسبعين من الهجرة. # وقتل مع مصعب ابنه عيسى، وإبراهيم بن الأشتر، ومسلم بن عمرو الباهلي. # PageV01P072 # وكان الذي طعن مصعب زائدة الثقفي وقال: يا ثأرات المختار؛ لأن مصعبا كان ~~[قد] قتل مختار الكذاب بالعراق. وكان مصعب رجلا جوادا، مليح الصورة. # ثم ندب عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال عبد الله بن الزبير [بعد ~~أن ولاه العراق] ؛ فسار الحجاج بعسكره إلى الحجاز، وقاتل عبد الله بن ~~الزبير وحصره بحرم مكة، ونصب على الكعبة المنجنيق، ورمى به على البيت ~~العتيق حتى هدم منه جانبا. # ودام القتال بينهما أشهرا، إلى قتل أصحاب عبد الله بن الزبير، ثم أصيب في ~~جمادى الأول من سنة ثلاث وسبعين؛ فأخذه الحجاج وصلبه أشهرا، وطوف برأسه، ~~وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحي المكي - وكان من الأسخياء -. ~~وأصاب المنجنيق عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي - وكان ولي الكوفة لعبد ~~لله بن الزبير حتى غلب عليها المختار - وقتل معه [أيضا] عبد الرحمن بن ~~عثمان بن عبيد الله التميمي الصحابي. # PageV01P073 # قلت: وعبد الله بن الزبير قرشي أسدي، وهو أول مولود ولد في الإسلام ~~بالمدينة من المهاجرين - وقد تقدم ذلك في أول هذا الكتاب - وله صحبة ورواية ~~عن النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # [وعن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان. وهو بن عمة رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # ] وحواريه. # ويقال في حقه: إنه كان فارس الخلفاء. # قال الذهبي: قال يوسف بن الماجشون عن الثقة بسنده قال: قسم ابن الزبير ~~الدهر [على] ms026 ثلاث ليال؛ فليلة: هو قائم حتى الصباح، وليلة هو راكع حتى ~~الصباح، وليلة هو ساجد حتى الصباح. # وروى أيضا عن طريق آخر: أنه ركع يوما [ركعة] ؛ فقرأ بالبقرة وآل عمران ~~والنساء والمائدة، وما رفع رأسه. إنتهى. # PageV01P074 ### $ ( [مروان بن الحكم الأموي) # هو] مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، الأموي القرشي، أبو ~~عبد الملك. # وأمه آمنة بنت علقمة. # بايع نفسه بالخلافة بعد خلع معاوية بن يزيد. وقيل: بعد خلع خالد بن يزيد. ~~ولقب: المؤتمن بالله. # والحكم والده هو طريد النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # نفاه إلى الطائف؛ فأقام بالطائف حتى تخلف عثمان - رضي الله عنه - أذن له ~~بالعود إلى المدينة. # وكان مولد مروان هذا بمكة بعد عبد الله بن الزبير بأربعة أشهر. ولم يصح ~~له سماع من النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وقال الذهبي: له رواية - إن شاء الله [تعالى]-. # قلت: وثب مروان على الخلافة من غير عهد ولا مشورة. # PageV01P075 # وقال ابن سعد: كانوا ينقمون على عثمان تقريب مروان وتصرفه في الأمور. # وسار بعد قتل عثمان مع طلحة والزبير يطلبون بدم عثمان [في] [يوم] وقعة ~~الجمل، وقاتل يومئذ مروان أشد قتال. # ولما رأى الهزيمة عليهم؛ رمى طلحة بسهم؛ فقتله غدرا وهو في عسكره، والتفت ~~إلى أبان بن عثمان وقال له: قد كفيتك بعض قاتلي أبيك. # وانهزم مروان من وقعة الجمل وقد أصابته جراحات؛ فحمل وتداوى، ثم اختفى؛ ~~فآمنه علي - رضي الله عنه - وأنفذه إلى المدينة؛ فأقام بها حتى استخلف ~~معاوية قدم عليه. # فلما مات معاوية أرسله يزيد يوم وقعة الحرة مع مسلم بن عقبة وحرضه على ~~أهل المدينة. # ثم تزوج مروان بأم خالد بن يزيد بن معاوية بعد موت يزيد؛ فكان مروان يجلس ~~مع خالد ويحادثه؛ فدخل عليه خالد في بعض الأيام؛ فزبره # PageV01P076 # مروان وقال له: تنح يا ابن رطبة الإست، والله مالك عقل! ؛ فقام خالد عنه ~~ودخل [إلى أمه] وذكر لها مقالته؛ فأضمرت [أمه السوء لمروان] . # ثم دخل عليها مروان؛ فقال [لها] : هل قال لك خالد شيئا؟ فأنكرت؛ ms027 فنام ~~عندها مروان؛ فوثبت هي وجواريها، فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه، وغمرته ~~هي والجواري حتى مات. ثم صرخن وقلن: مات فجأة، وذلك في أول شهر رمضان، ~~وقيل: في ربيع الآخر سنة خمس وستين بدمشق، وقيل: إنه مات فجأة، وقيل: [مات] ~~مطعونا. # وكان مروان فقيها، عالما، أديبا، كاتبا لعثمان بن عفان -[رضي الله عنه -]- # [قلت: وكان هو من أعظم الأسباب في زوال دولة عثمان - رضي الله عنه -] . # وكانت خلافته نحو تسعة أشهر. وقيل أكثر من ذلك. # وتخلف [من] بعده ابنه [عبد الملك] . # PageV01P077 ### $ (عبد الملك بن مروان) # ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، الأموي القرشي. # أمه عائشة بنت معاوية. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه - إن كان لأبيه حق في الخلافة -. # ولقب بالموفق لأمر الله. ومولده [في] سنة ست وعشرين. # قال ابن سعد: وكان عابدا، ناسكا بالمدينة قبل الخلافة، وشهد يوم الدار مع ~~أبيه وهو ابن عشر سنين [واستعمله معاوية على المدينة وهو ابن ستة عشر سنة] ~~. # قال الذهبي: هذا لا يتابع ابن سعد عليه أحد من استعمال معاوية له على ~~المدينة. # قلت: أما ولاية أبيه على المدينة؛ فبالإجماع. # PageV01P078 # قال صالح بن دحية: قرأت في كتاب صفة الخلفاء - في خزانة المأمون -: كان ~~عبد الملك [رجلا] طويلا، أبيض، مقرون الحاجبين، كبير العينين، مشرف الأنف، ~~رقيق الوجه، حسن الجسم، ليس بالقصيف ولا البادن، أبيض الرأس واللحية. ~~إنتهى. # وقال بعضهم: إنه كان فقيها، دينا؛ فلما أتته الخلافة تغير عن ذلك [كله] . # يقال: إنه أتته الخلافة والمصحف في حجره؛ فأطبقه وقال: هذا آخر العهد ~~منك. # ولما ولي الخلافة استفتحها بقتال مصعب بن الزبير. والتقى معه غير مرة حتى ~~قتله بعد سنين - كما تقدم ذكره -. # ثم أرسل الحجاج إلى عبد الله بن الزبير بمكة؛ فتوجه [الحجاج] إلى مكة ~~وحاصر ابن الزبير، ورمى البيت الحرام بالمنجنيق وأحرقه بالنار؛ فنزلت صاعقة ~~من السماء؛ فحرقت المنجنيق والذين كانوا يرمون [به] ؛ فأحضر الحجاج منجنيقا ~~آخر ونصبه ورمى به وقال: أنا أخبر بصواعق أرض تهامة. # ولازال على ذلك ms028 حتى ظفر بابن الزبير وقتله - حسبما تقدم ذكره -. # قيل: إن الحسن البصري - رضي الله عنه - سئل عن عبد الملك بن مروان؛ فقال: ~~ما أقول في رجل الحجاج؟ ! سيئة من سيئاته. # PageV01P079 # ويحكى أن عبد الملك كان إذا دخل عليه رجل يقول له: اعفني من ثلاث وقل ما ~~شئت بعدها: لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ~~ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرعية. وكان عبد الملك ~~كثيرا ما يجلس مع أم الدرداء؛ فقالت له مرة: بلغني أنك يا أمير المؤمنين ~~شربت الطلا بعد [النسك والعبادة] ! قال: إي والله، والدماء. # وقيل: لما احتضر عبد الملك دخل [عليه] الوليد [ولده] يعوده، فتمثل عبد ~~الملك [فقال] : # (كم عائد رجلا وليس يعوده ... ألا ليعلم هل يراه يموت) # قيل: إن عبد الملك رأى في منامه كأنه بال في محراب النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # أربع بولات؛ فتأثر من ذلك، وسأل أهل التعبير فعبروا له أنه: يتخلف من ~~أولاده لصلبه أربعة؛ فكان كذلك، وهم: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام الآتي ~~ذكرهم - إن شاء الله تعالى -. # وتوفي عبد الملك في شوال سنة ست وثمانين من الهجرة. وكانت خلافته إحدى ~~وعشرين سنة وأشهرا. # PageV01P080 ### $ (الوليد بن عبد الملك) # ابن مروان بن الحكم، الأموي القرشي، أبو العباس. # أمه ولادة بنت العباس، وهي أم أخيه سليمان أيضا. # بويع بالخلافة بعهد من أبيه [عبد الملك] له بعد موته، ولقب بالمنتقم ~~بالله. # وتم أمره في الخلافة، وطالت أيامه. وهو الذي بنى جامع دمشق، وأنفق عليه ~~أموالا عظيمة؛ يقال: إنها كانت أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف ~~دينار. # أقول: تلك الدنانير غير دنانير يومنا هذا. إنتهى. # وقيل: إنه اجتمع بالجامع المذكور إثنا عشر ألف مرخم. وهدم الوليد [هذا ~~أيضا] [البيوت] التي بجوار قبر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وأدخلها في المسجد حتى صار طوله مائتي ذراع وعرضه مائتي ذراع. # وفي أيامه فتحت جزيرة الأندلس، وبلاد الترك كلها، وأكثر بلاد الهند. # وكان الوليد لحانا. # PageV01P081 # قال الذهبي: روى يحيى ms029 بن يحيى الغساني أن روح بن زنباع دخل على عبد الملك ~~بن مروان - وكان وزيره -؛ فوجده مهموما؛ فقال: ما بال أمير المؤمنين؟ ! # قال: فكرت فيمن أولي الخلافة بعدي - وكان الوليد حاضرا -؛ فقال روح: أين ~~أنت عن ريحانة قريش وسيدها [الوليد. قال] : الوليد لا يتكلم بكلام العرب؛ ~~فسمع ذلك الوليد؛ فقام من وقته وجمع أصحاب النحو، وطين عليه الباب ستة ~~أشهر، ثم خرج أجهل مما دخل. إنتهى. # قلت: كان أبواه يرفهانه؛ فنشأ بلا أدب. وكان إذا مشى يتبختر في مشيته. # وعن أبي الزناد قال: سمعت الوليد وهو على منبر النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # يقول: يا أهل المدينة - بالضم -. # قلت: وكان الوليد جبارا متعاظما، إلا أنه كان [فيه محاسن، منها] : الكرم، ~~والنهي عن محارم الله [تعالى] . # وروي أنه قال: لولا أن الله تعالى ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحدا ~~يفعل هذا. # قلت: كان مشغوفا بحب النساء، وحكايته مع زوجته ابنة عمه أم البنين مشهورة ~~ذكرها ابن خلكان. إنتهى. # PageV01P082 # وقال عمر بن عبد الواحد الدمشقي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبيه، ~~قال: خرج الوليد بن عبد الملك من الباب الأصغر؛ فوجد رجلا عند الحائط، عند ~~المئذنة الشرقية يأكل وحده؛ فجاء؛ فوقف على رأسه، فإذا هو يأكل خبزا ~~وترابا؛ فقال: ما شأنك انفردت من الناس؟ {قال: أحببت الوحدة. قال: فما حملك ~~على أكل التراب} أما في بيت مال المسلمين ما يجري عليك؟ ! قال: بلى، ولكن ~~رأيت القنوع. قال: فرد الوليد إلى مجلسه، ثم أحضره؛ فقال: إن لك خبرا؛ ~~لتخبرني به، وإلا ضربت ما فيه عيناك. قال: نعم كنت جمالا ومعي ثلاثة أجمال ~~موقرة طعاما حتى أتيت مرج الصفر؛ فقعدت في خربة أبول؛ فرأيت البول ينصب في ~~شق؛ فأتبعته حتى كشفته؛ فإذا غطاء على حفيرة؛ فنزلت فإذا مال؛ فأنخت رواحلي ~~وأفرغت أعكامي، ثم أوقرتها ذهبا وغطيت الموضع. فلما سرت غير يسير وجدت معي ~~مخلاة فيها طعام؛ فقلت: أنا أترك الكسرة وآخذ الذهب؛ ففرغتها ورجعت ~~لأملأها؛ فخفي عني الموضع، وأتعبني ms030 الطلب؛ فرجعت إلى الجمال؛ فلم أجدها ولم ~~أجد الطعام؛ فآليت على نفسي أن لا آكل شيئ إلا الخبز بالتراب. فقال الوليد: ~~كم لك من العيال؟ فذكر عيالا. قال: يجري عليك من بيت المال ولا تستعمل في ~~شيئا؛ فإن هذا هو المحروم. # قال ابن جابر: فذكر لنا أن الإبل جاءت إلى بيت [مال المسلمين] ؛ [فأناخت ~~عنده؛ فأخذها أمين الوليد، فطرحها في بيت المال] . # قال الذهبي: هذه الحكاية رواية ثقاة، قاله الكناني. إنتهى. # PageV01P083 # وكانت وفاة الوليد في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين من الهجرة. وكانت ~~خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. # وتخلف بعده أخوه سليمان [بن عبد الملك] بعهد من أبيه. # وكان الوليد اجتهد في خلع سليمان [هذا] من ولاية العهد وتولية ولده ~~العزيز؛ فامتنع سليمان [من ذلك] حتى [مات الوليد] . # PageV01P084 ### $ (سليمان بن عبد الملك) # ابن مروان بن الحكم، القرشي الأموي، أمير المؤمنين، أبو أيوب. # كان من خيار [ملوك] بني أمية. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه الوليد بعهد من أبيه عبد الملك في جمادى ~~الآخرة سنة ست وتسعين. # وكانت داره بدمشق موضع سقاية جيرون. وله دار أخرى بناها [بدرابن] محرز؛ ~~فجعلها دار الخلافة، وجعل لها قبة صفراء كالقبة الخضراء التي بدار الخلافة. # وكان شابا فصيحا مفوها، مؤثرا للعدل، محبا للغزو. # ومولده في سنة ستين. # وكان مليح الوجه، مقرون الحاجبين، يضرب شعره منكبيه. # PageV01P085 # ولما تخلف [سليمان] قال لإبن عمه عمر بن عبد العزيز بن مروان: ((يا أبا ~~حفص {إنا ولينا ما قد ترى ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت فيه مصلحة ~~العامة فمر به)) . فكان من ذلك عزل عمال الحجاج، وإخراج من كان [في سجن] ~~العراق. ثم فعل أمورا كثيرة حسنة كان يسمع من عمر فيها. # قيل: إن سليمان حج مرة؛ فرأى الناس بالموسم؛ فقال لعمر بن عبد العزيز: ~~أما ترى هذا الخلق الذي لا يحصي عددهم إلا الله، ولا يسع رزقهم غيره} قال: ~~يا أمير المؤمنين {هؤلاء اليوم رعيتك وهم غدا أخصامك؛ فبكى سليمان بكاء ~~شديدا، ثم قال: بالله أستعين. # قلت: وكان ms031 سليمان شديد الغيرة؛ وهو الذي خصى المخنثين بالمدينة. # وكان كثير الأكل؛ حج مرة فنزل بالطائف فأكل سبعين رمانة، ثم جاءوه بخروف ~~مشوي وست دجاجات فأكلهم، ثم جاءوه بزبيب فأكل منه شيئا كثيرا، ثم نعس ~~وانتبه في الحال؛ فأتاه الطباخ؛ فأخبره بأن الطعام قد استوى؛ فقال: أعرضه ~~علي قدرا قدرا، فصار سليمان يأكل من كل قدر اللقمة واللقمتين واللحمة ~~واللحمتين - وكانت ثمانون قدرا - ثم مد السماط؛ فأكل [على] عادته، كأنه لم ~~يأكل شيئا} {} . # PageV01P086 # قلت: أفاد بعض الحكماء أن الرجل لا يأكل أكثر من ستين لقمة من جوعه إلى ~~شبعه؛ فما يكون شأن هذا الرجل وأمثاله من الأكلة {} . انتهى. # وقيل: إن سليمان جلس يوما في نبت أخضر على وطاء أخضر، عليه ثياب خضر. ثم ~~نظر في المرآة؛ فأعجبه شبابه - وكان من أجمل الناس - فقال: كان محمد -[[صلى الله عليه وسلم]- # نبيا، وكان أبو بكر صديقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييا، وكان ~~معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سيوسا، وكان الوليد جبارا، ~~وأنا الملك الشاب؛ فمات من جمعته، في يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين. # ويقال: إنه لبس يوما أفخر ما عنده، وتطيب بأفخر الطيب، وتزين بأحسن ~~الزينة؛ فأعجبته نفسه، والتفت، فرأى جارية من جواريه واقفة؛ فقال لها: كيف ~~ترين؟ ؛ فقالت: # (أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان) # (أنت خلو من العيوب ومما ... [يكره الناس] غير أنك فان) # فطردها، ثم أحضرها؛ فقال لها: ما قلت! ؟ فقالت: والله ما قلت شيئا ولا ~~رأيتك اليوم؛ فتعجب الناس من ذلك. # ومات سليمان من جمعته - رحمه الله -. # PageV01P087 # قلت: وفي الجملة؛ فهو [من] خيار [ملوك] بني أمية؛ قرب ابن عمه عمر بن عبد ~~العزيز، وجعله ولي عهده [بالخلافة] وليس له عهد في الخلافة؛ وإنما العهد ~~لأخيه يزيد وهشام، فأدخل بعمر قبلهما. # وبايع الناس على العهد وهو مكتوب؛ فقالوا: نبايع على أن يكون فيه بني عبد ~~الملك؛ فقال: نعم، فبايعوا على المكتوب، وفيه: عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد ~~وهشام؛ فصحت البيعة. ms032 # قال محمد بن سيرين: رحم الله سليمان، افتتح خلافته بإقامة الصلاة ~~لمواقيتها، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز. # وكان يرفق بالرعية -[رحمه الله]- # PageV01P088 ### $ (عمر بن عبد العزيز) # ابن مروان بن الحكم، الأموي القرشي، أمير المؤمنين، أبو حفص. # بويع بالخلافة بعد موت بن عمه سليمان بن عبد الملك بعهد عهده إليه. ولقب ~~بالمعصوم بالله - رضي الله عنه -. # مولده بالمدينة سنة ستين - عام توفي معاوية أو بعده بسنة -. # وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب -[رضي الله عنه]- # قال إسماعيل الخطبي: رأيت صفته في كتاب: كان أبيض، رقيق الوجه، جميلا، ~~نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابة؛ ولذلك سمي ~~أشج بني أمية، قد وخطه الشيب. # قال مولى عمر بن عبد العزيز: إن [عمر] بن عبد العزيز دخل إلى اصطبل أبيه ~~وهو غلام؛ فضربه فرسه فشجه؛ فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنت أشج بني ~~أمية إنك لسعيد. # PageV01P089 # وقيل: إن فتيانا أتوا عمر بن عبد العزيز؛ فقالوا: إن أبانا توفي وترك ~~مالا عند عمنا حميد الأصبحي؛ فأحضره عمر وقال له: أنت القائل: # (حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر والشيبة الأصلع) # (أتاه المشيب على شربها ... فكان كريما فلم ينزغ) # قال: نعم. # قال عمر: ما أراني إلا حادك، أقررت بشربها، وإنك لم تنزع عنها. # قال: أين يذهب [بك] {؟ ألم تسمع قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون ~~ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون} . فقال عمر: ما ~~أراك إلا قد أقلت، ويحك يا حميد، كان أبوك رجلا صالحا وأنت رجل سوء. # فقال: أصلحك الله، وأين شبيه أباه} كان أبوك رجل سوء وأنت رجل صالح. # فقال عمر: إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفى وترك مالا عندك. # قال: صدقوا، وأحضره بختم أبيهم. [ثم] قال: إن أباهم [لعله] مات منذ كذا ~~وكذا، وكنت أنفق عليهم من مالي، وهذا مالهم. # قال عمر: ما أحد أحق أن يكون عنده منك؛ فامتنع ودفع المال. انتهى. # قال الترمذي في تاريخه: # حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ms033 عفان بن عثمان [بن الحميد بن لاحق] عن ~~جويرية، عن نافع: بلغنا أن عمر قال: إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي؛ فيملأ ~~الأرض عدلا. # قال نافع: فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز. # PageV01P090 # وروى الذهبي بإسناد في تاريخه عن رياح بن عبيدة قال: خرج علينا عمر بن ~~عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده؛ فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ ~~جاف. فلما صلى ودخل لحقته؛ فقلت: أصلح الله الأمير؛ من الشيخ الذي كان يتكئ ~~على يدك؟ # قال: رأيته يا رياح! ؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلا رجلا صالحا، ذاك أخي ~~الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها. # قلت: ولما ولي الخلافة أبطل سب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في ~~أثناء الخطب، وجعل مكان ذلك: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} الآية؛ فقيل ~~فيه: # (وليت فلم تشتم عليا ولم تخف ... بريا ولم تتبع سجية مجرم) # (وقلت فصدقت الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم) # وكان عمر - رضي الله عنه - عالما، صالحا، ورعا، زاهدا، فقيها. # PageV01P091 # ولما ولي الخلافة أبطل جميع ما كانت أهله تستأديه من بيت المال، وضيق على ~~نفسه وعلى آله تضييقا كثيرا حتى أنه مرض مرة؛ فدخل عليه الأمراء يعودونه؛ ~~فوجدوا عليه قميصا وسخا لا يساوي أربعة دراهم؛ فقالوا لزوجته: لم لا تغسليه ~~[له] ! ؟ فقالت: والله ماله غيره، وأخشى أن أقلعه يبقى عريانا. # قلت: هذا، وخراج الأرض كلها يحمل إليه، مع ما كان عليه من الترف والمال ~~قبل أن يلي الخلافة. # وكانت وفاته يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة بدير سمعان من ~~أعمال حمص. # وصلى عليه ابن عمه يزيد بن عبد الملك الذي تخلف بعده، وهو ابن تسع ~~وثلاثين سنة وستة أشهر. # وقال أبو عمرو الضرير: [إنه] توفى بدير سمعان لعشر بقين من رجب. وكانت ~~خلافته تسعة وعشرين شهرا كأبي بكر الصديق - رضي الله عنهما -. # وقال الذهبي في تاريخه عن يوسف بن ماهك قال: بينا نحن نسوى التراب على ms034 ~~[قبر عمر بن عبد العزيز] إذ سقط علينا كتاب رق من السماء، فيه: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار # -[رحمه الله ورضي عنا به. آمين]- # PageV01P092 ### $ (يزيد بن عبد الملك) # ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، الأموي القرشي، ~~(أمير المؤمنين، أبو خالد. # ولقبه: القادر بصنع الله. # وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. # بويع بالخلافة بعد موت ابن عمه [عمر بن] عبد العزيز [بن مروان] بعهد من ~~أبيه، ثم [من] أخيه سليمان. # معقود في تولية عمر بن عبد العزيز؛ لأن عمر لم يكن له عهد من عبد الملك، ~~إلا أن سليمان أدخل عمر في العهد، ثم ختم بأخويه يزيد هذا ثم هشام؛ فلعل ~~الله يرحم سليمان بذلك. انتهى. # [و] مولد يزيد [هذا] في سنة إحدى - أو إثنتين - وسبعين من الهجرة. # PageV01P093 # ولما تولى يزيد الخلافة أقام يسير على سيرة ابن عمه [عمر بن] عبد العزيز ~~أربعين يوما وهو على ذلك. # وكان [أولا] صاحب لهو وطرب. وكان يحب جاريته حبابة حبا شديدا؛ فقالت ~~حبابة لخصي ليزيد - كان صاحب أمره -: ويحك {قربني منه بحيث يسمع كلامي ولك ~~عشرة آلاف درهم؛ ففعل. # فلما [مر يزيد بها قالت] : # (بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا) # (ألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد منع المحزون أن يتجلدا) # والشعر للأحوص. # فلما سمعهما يزيد قال: ويحك يا خصى} قل لصاحب الشرطة يصلي بالناس. # ودخل إلى مجلس أنسه وانهمك في اللذات إلى ما سيأتي ذكره. # وقال سعيد بن عفير: كان يزيد جسيما، أبيض، مدور الوجه، أفقم، لم يشب. # PageV01P094 # وقال الذهبي: حكى أبو ضمرة عن محمد بن موسى بن عبد الله بن يسار قال: إني ~~لجالس في مسجد النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # وقد حج يزيد بن عبد الملك قبل أن يكون خليفة؛ فجلس مع المقبري وابن أبي ~~العتاب؛ إذ جاء أبو عبد الله القراط؛ فوقف عليه؛ فقال: أنت يزيد بن عبد ~~الملك؟ ms035 {فالتفت يزيد إلى الشيخين؛ فقال: أمجنون هذا} ؟ فذكروا له فضله ~~وصلاحه، وقالوا: هذا أبو عبد الله القراط صاحب أبي هريرة، حتى رق له ولان؛ ~~فقال: نعم، أنا يزيد؛ فقال له: ما أجملك، إنك لتشبه أباك، إن وليت من أمر ~~الناس شيئا فاستوص بأهل المدينة خيرا. فأشهد على أبي هريرة، حدثني عن حبه ~~[وحب صاحب] هذا البيت، وأشار إلى الحجرة: إنه -[[صلى الله عليه وسلم]- # خرج إلى ناحية من المدينة - يقال لها بيوت السقيا - وخرجت معه، فاستقبل ~~القبلة ورفع يديه؛ فقال: إبراهيم خليلك دعاك لأهل مكة، وأنا نبيك ورسولك ~~أدعوك لأهل المدينة: اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم وقليلهم وكثيرهم ضعفي ~~ما باركت لأهل مكة، اللهم أرزقهم من هاهنا وهاهنا - وأشار إلى نواحي الأرض ~~كلها - اللهم من أرادهم بسوء؛ فأذبه كما يذوب الملح في الماء. ثم التفت ~~يزيد إلى الشيخين؛ فقال: ما تقولان؟ ! قالا: حديث معروف مروى. # وقيل: إن يزيد قال يوما: والله إني لأشتهي أن أخلو بحبابة؛ فلا أرى ~~غيرها؛ فأمر ببستان له؛ فهيء، وأمر حاجبه أن لا يعلمه بأحد. # PageV01P095 # ودخل البستان، فبينا هو معها أسر شيء بها، إذ حذفها بحبة رمانة أو بعنبة ~~وهي تضحك؛ فوقعت) في فيها؛ فشرقت فماتت، فوجد عليها وجدا عظيما. # وأقامت عنده حتى جيفت، ثم دفنها؛ فلم يطق الصبر عنها؛ فنبشها وأخرجها من ~~القبر وجعل يقلبها ويبكي. # وكان قبل أن يخرجها من القبر خرج إلى قبرها، [أنشأ يقول] : # (فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا ... فباليأس تسلوا عنك لا بالتجلد) # (وكل خليل زارني فهو قائل ... من آجلك هذا هامة اليوم أو غد) # ولما طال عليه الأمر ردها إلى قبرها، ودخل إلى منزله فما خرج منه إلا على ~~النعش. # قال الهيثم بن عمرو العبسي: مات يزيد بن عبد الملك بسواد الأردن، مرض ~~بطرف من السل. # وقال أبو مسهر: مات بأربد. # وقال غير واحد: إنه مات لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة بعد موت جاريته ~~حبابة بسبعة عشر يوما. وقيل: بأكثر. # وكانت خلافته أربع سنين وشهرا. وتخلف ms036 بعده أخوه هشام بن عبد الملك. # PageV01P096 ### $ (هشام بن عبد الملك) # بن مروان بن الحكم، الأموي القرشي، أمير المؤمنين، أبو الوليد. # أمه فاطمة بنت [هشام بن إسماعيل بن هشام بن] الوليد بن المغيرة ~~المخزومية. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد في شعبان سنة خمس ومائة. # ولد سنة نيف وسبعين، واستخلف وعمره أربع وثلاثون سنة. # وكانت داره عند باب الخواصين بدمشق - التي بعضها الآن المدرسة النورية -. # وقال سعيد بن عفير: كان هشام جميلا، أبيض، مسمنا، أحولا، يخضب بالسواد. ~~إنتهى. # وقال أبو عمير بن النحاس: حدثني أبي قال: كان لا يدخل بيت مال هشام [مال] ~~حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه ولقد أعطى لكل ذي حق حقه. # PageV01P097 # [قلت] : كان حليما، لين الجانب للرعية، محببا لهم. # قال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشام بن عبد الملك كلاما؛ فقال - يعني هشام -: ~~يا هذا {ليس لك أن تسمع خليفتك} ولم يزده على ذلك. # قال: وغضب مرة على رجل؛ فقال: والله لقد هممت أن أضربك سوطا. # وقال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا سحيل بن محمد قال: ما رأيت أحدا ~~من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام، ولقد داخله من مقتل زيد ~~بن علي ويحيى بن زيد العلويين أمر شديد، وقال: وددت أني كنت أفتديهما. قلت: ~~كانا خرجا [عليه فقتلا] . وصلب زيد بواقعة جرت له طويلة. # ولما ظهرت دعوة العباسيين عمد عبد الله بن علي بن عباس فنبش هشاما من ~~قبره وصلبه؛ فعد ذلك من غلطات عبد الله بن علي. إنتهى. # وقال [ابن] عائشة: قال هشام بن عبد الملك: ما بقي علي شيء من لذات الدنيا ~~إلا وقد نلته، إلا شيئا واحدا: أخ أرفع مؤنة التحفظ [فيما] بيني وبينه. # وقيل: إن هذا البيت له، ولم يحفظ له غيره: # (إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال) # PageV01P098 # قال حماد الراوية: لما ولي هشام الخلافة طلبني؛ فأحضرت إليه، فوجدته ~~جالسا في فرش قد غرق فيه وبين يديه صحفة من ms037 ذهب مملوءة مسكا مذوبا بماء ~~ورد، وهو يقلبه بيده؛ فتفوح روائحه؛ فسلمت عليه؛ فرد علي السلام وقال: يا ~~حماد، إني ذكرت بيتا من الشعر فما عرفت قائله [وهو هذا] : # (ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) # فقلت: هو لعدي بن زيد. # قال: فأنشدني القصيدة؛ فأنشدته إياها؛ فقال: سل حاجتك. # وكان على رأسه جاريتان كأنهما قمران، في أذن كل واحدة منهما جوهرتان يضئ ~~منهما المنزل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، جارية من هاتين. فقال: هما الإثنتان ~~لك. وأمر لي بمائة ألف درهم؛ فأخذتهما والدراهم وانصرفت. # وقال حرملة: حدثنا الشافعي قال: لما بنى هشام قصره بقنسرين أحب أن يخلو ~~[يوما] به لا يأتيه فيه غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض ~~الثغور؛ فأوصلت إليه؛ فقال: ولا يوما واحدا {} # PageV01P099 # وقال سفيان بن عيينة: كان هشام [لا يكتب] إليه بكتاب فيه ذكر الموت. # قلت: ولذلك تنغص لما أتته الريشة بالدم. إنتهى. # قال الهيثم بن عمران: مات هشام من ورم أخذه في حلقه - يقال له: الحردون - ~~بالرصافة. # وقال غير واحد: إنه مات في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وله أربع ~~وخمسون سنة. # وكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأياما. وتخلف بعده [ابن] أخيه ~~[الوليد بن يزيد بن عبد الملك] . # PageV01P100 ### $ (الوليد بن يزيد) # ابن عبد الملك بن مروان، الأموي [القرشي] ، أبو العباس، الفاسق. # بويع بالخلافة بعد موت عمه هشام؛ لأن أباه كان لما احتضر لم يمكنه أن ~~يستخلفه؛ لأنه صبي حديث السن؛ فعقد لأخيه هشام بالخلافة، وجعل ولده الوليد ~~هذا ولي العهد من بعده. # ومولده بدمشق في سنة تسعين. ويقال: سنة إثنتين وتسعين. # وأمه بنت يوسف الثقفي، أخي الحجاج. # وذكر الذهبي بإسناد عن عمر - رضي الله عنه - قال: ولد لأخي أم سلمة ولد؛ ~~فسموه الوليد؛ فقال النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ((سميتموه بأسماء فراعنتكم؛ ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد، ~~لهو أشد [فسادا] لهذه الأمة من فرعون لقومه)) . # PageV01P101 # وقال ابن سعد: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد عن ms038 أبيه قال: كان ~~الزهري يقدح أبدا عند هشام بن الوليد ويعيبه، ويذكر أمورا عظيمة لا ينطق ~~بها، حتى يذكر [أن الصبيان] يخضبون [له] بالحناء، ويقول: ما يحل لك إلا ~~خلعه - يعني من عهد الخلافة - فلا يستطيع هشام ذلك. ولو بقي الزهري إلى أن ~~تملك الوليد لفتك به. # وقال: حماد الرواية: كنت يوما عند الوليد؛ فدخل عليه منجمان فقالا: نظرنا ~~فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد: فأردت أن أخدعه فقلت كذبا: ~~ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم؛ وقد نظرنا في هذا والناس فوجدناك تملك ~~أربعين سنة. فأطرق ثم قال: [لا] ما قالا يكسرني، [ولا] ما قلت يعزني، والله ~~لأجبين هذا المال من حله جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت ~~الغد. # وقال المعافي الجريري: كنت جمعت من أخبار الوليد شيئا، ومن شعره الذي ~~ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وخسارته وحمقه، وما صرح به من الإلحاد في ~~القرآن والكفر بالله تعالى. # وقال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، حدثنا صالح بن سليمان، ~~قال: أراد الوليد [بن يزيد] الحج # PageV01P102 # وقال: أشرب [الخمر] فوق ظهر الكعبة؛ فهم قوم أن يفتكوا به إذا خرج، ~~وكلموا خالد بن عبد الله القسري ليوافقهم؛ فأبى. قالوا: أكتم علينا. قال: ~~أما هذا فنعم، ثم جاء الوليد فقال: لا تخرج فإني أخاف عليك. قال: ممن؟ # قال: لا أخبرك بهم. قال: إن لم تخبرني [بهم] بعثتك إلى يوسف بن عمر بك ~~قال: فأبى: فبعث بي إليه؛ فعذبه حتى قتله. # قلت: وأما ما نقل عنه من كفرياته وفسقه فشئ كثير، من ذلك: أنه دخل يوما ~~فوجد ابنته جالسة مع دادتها؛ فبرك عليها وأزال بكارتها؛ فقالت له الدادة. ~~هذا دين المجوس {} فأنشد: # (من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور) # وأخذ يوما المصحف ففتحه؛ فأول ما طلع له: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} ~~؛ فقال: أتوعدني {ثم أغلق المصحف، ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزقه. ~~ثم أنشد [يقول] : # (أتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ms039 ذاك جبار عنيد) # (إذا لاقيت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد) # } ! # PageV01P103 # وأذن الصبح مرة وعنده جارية يشرب عليها الخمر؛ فقام فوطئها، وحلف لا يصلي ~~بالناس غيرها؛ فخرجت وهي جنب سكرانة؛ فصلت بالناس {} . # والذي أقوله أنا في حق الوليد هذا: أنه كان في عقله خلل، وإلا وإن كان ~~زنديقا كان يمكنه أن يتستر فيما يفعله من الإلحاد والزندقة؛ خوفا من عواقب ~~الأمور الدنيوية: من قيام الناس عليه وخلعه من الخلافة وما أشبه ذلك، غير ~~أنه كان ناقص العقل مع سوء اعتقاد؛ فحملاه على ما وقع منه. # ولما كثر فسقه وزاد أمره خرج عليه الناس قاطبة، ونصبوا ابن عمه يزيد بن ~~الوليد ابن عبد الملك، ورشحوه للخلافة، وقاتلوا الوليد. # هذا، ووقع [لهم معه] أمور يطول شرحها. # ولما حوصر بالقصر دنا الوليد من الباب فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب ~~أكلمه؟ {فقال له يزيد بن عنبسة: كلمني. فقال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في ~~عطياتكم، ألم أرفع عنكم المؤن، ألم أعط فقراءكم.} ؟ # فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك انتهاك [ما] حرم الله وشرب ~~الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله. # قال: حسبك، قد أكثروا. # ورجع إلى الدار: فجلس وأخذ المصحف وقال: يوم كيوم عثمان. # ونشر المصحف يقرأ فيه، فعلوا الحائط؛ فكان أولهم يزيد بن عنبسة؛ فنزل ~~إليه وسيف الوليد إلى جنبه، فقال: نح سيفك. # قال الوليد: لو أردت السيف كان لي، ولك حال غير هذا. # PageV01P104 # فأخذ بيد الوليد، وهو يريد أن يعتقله ويؤامر فيه؛ فنزل من الحائط عشرة؛ ~~فضربه عبد السلام اللخمي على رأسه، وضربه آخر على وجهه؛ فتلف، وجروه بين ~~خمسة ليخرجوه؛ فصاحت إمرأة: حزوا رأسه؛ فقطعوها (وخاطوا الضربة التي في ~~وجهه. وأتى الناس يزيد بالرأس؛ فسجد لله شكرا. # وتخلف يزيد [المذكور من] بعده. # وكان قتله في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. # وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر. # PageV01P105 ### $ يزيد بن الوليد # ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين، أبو خالد، القرشي ~~الأموي، المعروف ms040 بالناقص. # لقبه: الشاكر لأنعم الله. # وأمه شاه فرند. # حكى أن سليمان بن أبي شيخ بن قتيبة بن مسلم ظفر بما وراء النهر بإبنتي ~~فيروز ابن يزدجرد؛ فبعث بهما إلى الحجاج؛ فبعث الحجاج بأحديهما - وهي شاه ~~فرند -[إلى الوليد بن عبد الملك، فأولدها الوليد يزيد هذا. وفيروز والد شاه فرند]- # هذه - ابن بنت شيرويه بن كسرى. وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك، وأم ~~فيروز [المذكور هي] بنت قيصر عظيم الروم؛ فلذلك كان يزيد هذا يفتخر ويقول: # (أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان) # PageV01P106 # وبويع [يزيد] بالخلافة بعد قتل ابن عمه الوليد بن يزيد في جمادى الآخرة ~~سنة ست وعشرين ومائة، وتم أمره في الخلافة. # ولقب بالناقص؛ لكونه نقص الجند من عطياتهم. # وقال خليفة: حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن أبيه: أن يزيد بن الوليد قام ~~خطيبا عند قتل الوليد بن يزيد، فقال: أما بعد، إني والله ما خرجت أشرا، ولا ~~بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم ~~يرحمني ربي، [و] لكن خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل للحرمة ~~[و] الراكب للبدعة. # فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم ~~وقسوة من قلوبكم. وأشفقت أن يدعوا كثيرا من الناس إلى ما [هو عليه] فيجيبه؛ ~~فاستخرت الله في أمري، ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي؛ فأراح الله ~~[تعالى] منه البلاد والعباد، ولاية من الله، ولا قوة إلا بالله. أيها ~~الناس: إن لكم عندي - إن وليت أموركم - أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا ~~على حجر، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره، وأقسم بين مصالحه ما يقوون ~~به، فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة، وتكونوا ~~فيه سواء؛ فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم، وإن ملت فلا بيعة ~~لي عليكم. وإن رأيتم أحدا أقوى مني ms041 فأنا أول من يبايع ويدخل في طاعته، ~~واستغفر الله لي ولكم. # PageV01P107 # قلت: ويزيد هذا هو أول من خرج بالسلاح في العيد. ولم تطل خلافته. ومات في ~~سابع ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومائة. # فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة. وقيل: إنه مات بعد عيد الأضحى. # وقال الهيثم بن عدي: عاش ستا وأربعين سنة. # وقال المدائني: عاش خمسا وثلاثين سنة. # وكان أسمرا، نحيفا، حسن الوجه. # ودفن بين باب الجابية والباب الصغير. # ويقال: إنه مات بالطاعون. وصلى عليه أخوه إبراهيم الذي استخلف بعده) . # PageV01P108 ### $ (إبراهيم بن الوليد) # ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو إسحاق، الأموي ~~القرشي الدمشقي. # لقب بالمعتز بالله. # وأمه أم ولد. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص؛ فلم يتم أمره ولا أطاعه أحد. # واختلف عليه الجند. ثم تغلب عليه ### $ مروان بن محمد # الحمار، ووقع بينهما حروب آلت إلى نصرة مروان [الحمار] وهزيمة إبراهيم ~~[بن الوليد] . # وتوجه إبراهيم إلى الجزيرة؛ فمات بها غريقا في سنة سبع وعشرين ومائة؛ ~~فكانت خلافته شهرين وعشرة أيام. # واستقر [مروان] بعده في الخلافة. # PageV01P109 ### $ (مروان بن محمد) # ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الملك، ~~الأموي [الدمشقي] القرشي، أمير المؤمنين. # ولقبه: القائم بحق الله. # أمه أم ولد كردية. # بويع بالخلافة بعد ابن عمه إبراهيم بحكم خلعه. # كان مروان هذا يعرف [بمروان الحمار] وبالجعدي أيضا. # ونسبته بالجعدي لمؤدبه جعد بن درهم، وبالحمار لشجاعته - يقال: فلان أصبر ~~من حمار في الحروب؛ ولهذا لقب [بالحمار] ؛ فإنه كان لا يفتر عن محاربة ~~الخارجين عليه -. # وكان أشجع بني أمية، كان يصل السرى بالسير، ويصبر على مكاره الحروب. # PageV01P110 # وقيل: سمي بالحمار لأن العرب تسمى كل مائة سنة حمارا؛ فلما قارب ملك بني ~~أمية مائة سنة لقبوا مروان هذا بالحمار، وأخذوا ذلك من قوله تعالى في موت ~~حمار العزيز: {وانظر إلى حمارك} الآية. # [و] كان مولد مروان هذا بالجزيرة وأبوه متوليها من قبل ابن عمه عبد الملك ~~بن مروان في سنة إثنتين وسبعين ms042 [ومائة] . # وقد ولي مروان المذكور ولايات جليلة قبل أن يلي الخلافة، وافتتح فتوحات ~~كثيرة. # وكان مشهورا بالشجاعة والفروسية؛ فلم ينتج أمره مع بني العباس، وانهزم من ~~عبد الله بن علي أقبح هزيمة بعد خطوب وحروب تداولت بينهم أشهرا، بل سنين ~~لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس. # وقال منصور بن أبي مزاحم: سمعت الوزير أبا عبد الله يقول: سألني المنصور: ~~ما كان أشياخك الشاميون يقولون؟ . # قلت: أدركتهم يقولون: إن الخليفة إذا استخلف غفر له ما مضى من ذنوبه. ~~قال: إي والله، وما تأخر، أتدري ما الخليفة؟ : به تقام الصلاة، وبه يحج ~~البيت، ويجاهد العدو. # قال: فعدد المنصور من مناقب الخليفة ما لم أسمع أحدا ذكر مثله، وقال: ~~والله لو عرفت من حق الخلافة في دهر بني أمية ما أعرف اليوم؛ لأتيت الرجل ~~منهم حتى أبايعه. # PageV01P111 # أقول: مرني ما شئت، فقال له ابنه المهدي: [أ] فكان الوليد منهم؟ {فقال: ~~قبح الله الوليد ومن أقعده خليفة. قال: أفكان مروان بن محمد منهم؟} . فقال ~~المنصور: لله در مروان ما كان أحزمه وأسوسه، وأعفه بمن ألفى. قال: فلم ~~قتلتموه؟ ! . # قال: للأمر الذي سبق في علم الله [تعالى] . # وقال خليفة بن خياط: وسار مروان لحرب بني العباس -[يعني] لما بلغه [ظهور دعوتهم]- # ؛ فكان في مائة ألف [وخمسين ألفا] ؛ فسار حتى نزل الزابين - دون الموصل - ~~فالتقى هو وعبد الله بن علي العباسي - عم المنصور - في جمادى الآخرة سنة ~~إثنتين وثلاثين ومائة؛ فانكسر مروان، وقطع الجسور إلى الجزيرة [وأخذ بيوت ~~الأموال والكنوز؛ فقدم الشام فاستولى عبد الله على الجزيرة] وطلب الشام؛ ~~وفر منه [مروان] ، ونازل عبد الله دمشق. # فلما بلغ مروان أخذ دمشق - وهو يومئذ بأرض فلسطين - دخل إلى مصر، وعبر ~~النيل، وطلب الصعيد؛ فوجه عبد الله [بن] علي أخاه صالح بن علي في طلب مروان ~~- وعلى طلائعه عمرو بن إسماعيل -؛ فساق عمرو في إثر [مروان] ؛ فلحقه بقرية ~~أبو صير، فبيته؛ فقتله. # PageV01P112 # وقال أبو معشر السندي: قتل مروان وهو إبن إثنتين وستين سنة. # قلت: وكان قتله في ms043 ذي الحجة من سنة إثنتين وثلاثين ومائة. # ويروى أن مروان مر في هربه على راهب فقال: يا راهب {هل تبلغ الدنيا من ~~الإنسان أن تجعله مملوكا؟} قال: نعم {قال: كيف؟ قال: يحبها. قال: فما ~~السبيل إلى العتق؟ . قال: ببغضها والتخلي عنها. قال: هذا ما لا يكون} . ~~قال: بل سيكون؛ فبادر بالهرب منها قبل أن تبادرك. قال: هل تعرفني؟ . قال: ~~نعم أنت مروان ملك العرب، تقتل في السودان وتدفن بلا أكفان، ولولا أن الموت ~~في طلبك لدللتك على موضع هربك. # وقال هشام بن عمار: حدثنا عبد المؤمن بن مهلهل عن أبيه قال: قال لي مروان ~~لما أن عظم أمر أصحاب الرايات السود: لولا وحشتي لك وأنسي بك لأحببت أن ~~تكون وديعة فيما بيني وبين هؤلاء؛ فتأخذ لي ولك الأمان. # قلت: وبلغت هذا الحال؟ ! . قال: أي والله. قلت: فأدلك على أحسن مما أردت. ~~قال: [قل] . قلت: إبراهيم بن محمد في يدك، تخرجه من الحبس وتزوجه ببنتك ~~وتشركه في أمرك؛ فإن كان الأمر كما تقول انتفعت بذلك عنده، وإن لم يكن كذلك ~~كنت قد وضعت بنتك في كفاة. قال: أشرت والله بالرأي، ولكن والله السيف أهون ~~من هذا. إنتهى. # قلت: وأخبار مروان طويلة، ووقائعه كثيرة من أوائل أمره إلى آخره. # PageV01P113 # وهو آخر خلفاء بني أمية بدمشق وبلاد الشرق. وبموته انقرضت دولة بني أمية ~~إلى يومنا هذا، سوى عبد الرحمن الداخل من بني أمية الذي قام بالغرب، وتخلف ~~هو وجماعة من ذريته، ذكرنا من أمرهم نبذة في تاريخنا ((النجوم الزاهرة في ~~ملوك مصر والقاهرة)) ؛ فلينظر هناك. # PageV01P114 ### | (ذكر دولة بني العباس) ### $ # وأولهم السفاح: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد ~~المطلب، أمير المؤمنين، أبو العباس، القرشي [العباسي] . # أمه رائطة الحارثية. ومولده بالحميمة من ناحية البلقاء سنة ثمان ومائة، ~~ونشأ بها. # وبويع بالكوفة بعد موت أبيه محمد. وكان أبوه بويع بالخلافة ولم يتم أمره. # وكان السفاح هذا أصغر من أخيه أبي جعفر المنصور. # وقال الذهبي: روى عثمان بن أبي شيبة ms044 وقتيبة عن جرير عن الأعمش عن عطية - ~~وهو ضعيف - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # قال: ((يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال ~~له: السفاح؛ فيكون إعطاؤه المال حثيا)) . # PageV01P115 # ورواه العطاردي عن أبي معاوية عن الأعمش. أخرجه [الإمام] أحمد في مسنده. # وقال ابن أبي الدنيا: كان السفاح أبيض، طوالا، أقنى، ذا شعرة جعدة، حسن ~~اللحية. # قلت: [وكان أبو مسلم الخراساني قد أقام لهم بالدعوة، ومهد] لهم البلاد ~~وقطع جاذرة بني أمية حتى [أن السفاح كان] قد أمن من بني أمية جماعة تقدير ~~مائة نفس؛ فعظم ذلك على أبي مسلم [الخراساني] ؛ فتكلم مع سديف الشاعر في ~~أمرهم ووعده؛ فدخل سديف على السفاح وهم بين يديه وأنشد: # (لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا) # (فضع السيف وارفع الصوت حتى ... [لا ترى] فوق ظهرها أمويا) # فلما سمع السفاح ذلك تغير وجهه وصاح بالخراسانية: ويلكم، خذوهم؛ فضربوهم ~~الخراسانية بالدبابيس إلى أن سقطوا وقد فارقوا الحياة، وفرشت النطوع عليهم؛ ~~ثم مد السماط فوقهم، فأكلوا وهم يسمعون أنينهم حتى مات الجميع. # PageV01P116 # ثم رفعوا السماط وسحبوهم بأرجلهم؛ فألقوهم في الطريق فأكلتهم الكلاب؛ ~~فقال للسفاح بعض أخصائه: يا أمير المؤمنين، هذا هو جهد البلاء. قال: لا جهد ~~البلاء غنى قوم افتقر وعزيز قوم ذل، وإنما هؤلاء ماتوا كراما. # وقال الصولي: حدثنا القاسم بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن سعيد بن سالم ~~الباهلي عن أبيه قال: حدثني من حضر مجلس السفاح - وهو أحشد ما يكون ببني ~~هاشم والشيعة ووجوه الناس - فدخل عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ومعه مصحف؛ ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف؛ ~~فأشفق الناس من أن يعجل السفاح [إليه] بشئ، فلا يريدون ذلك في شيخ بني ~~هاشم، أو يعني بجوابه؛ فيكون ذلك نقصا وعارا عليه؛ فأقبل غير منزعج فقال: ~~إن جدك عليا كان خيرا مني وأعدل، ولي هذا الأمر فأعطى جديك الحسن والحسين - ~~وكانا ms045 خيرا منك - شيئا، وكان الواجب أن أعطيك مثله؛ فإن كنت فعلت؛ فقد ~~أنصفتك، وإن كنت زدتك، فما هذا جزائي منك. # قال: فما رد عليه جوابا وانصرف. وعجب الناس من جوابه له. # قال الهيثم بن عدي وهشام بن الكلبي، وجماعة: عاش السفاح ثلاثا وثلاثين ~~[سنة] ، ومات سنة ست وثلاثين ومائة. وزاد غيرهما؛ فقال: بالجدري في ذي ~~الحجة. # وقال خليفة: توفي سنة خمس وثلاثين وهو إبن ثمان وعشرين سنة. # PageV01P117 # قلت: الأول أشهر وأصح. ووافق على القول الأول أبو أحمد الحاكم وزاد: في ~~ذي الحجة. إنتهى. # وكانت خلافته أربع سنين تخمينا. وتولى الخلافة [من] بعده أخوه [المنصور] ~~. # PageV01P118 ### $ (أبو جعفر المنصور) # عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أمير المؤمنين، الهاشمي، ~~القرشي، ثاني خلفاء بني العباس. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه عبد الله السفاح. # أتته البيعة بالخلافة [وهو] بمكة بعهد السفاح؛ لأنه كان في حج في تلك ~~السنة. # وحج فيها أيضا أبو مسلم الخراساني، ووقع منه أمور في حق المنصور هذا؛ ~~فنقمها عليه، وقتله لما تخلف. # وكان [المنصور] في صغره يلقب بمدرك التراب، وبعبد الله الطويل، ثم لقب في ~~خلافته بأبي الدوانيق لبخله. # وكان المنصور فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزما، ورأيا وجبروتا. # PageV01P119 # وكان جماعا للمال، تاركا للهو والطرب، كامل العقل، جيد المشاركة في العلم ~~والأدب، فقيه النفس. # وكان يرجع إلى عدل وديانة، وله حظ من صلاة وتدين. # وكان فصيحا، بليغا، مفوها، خليقا للإمارة؛ إلا أنه قتل خلقا حتى استقام ~~ملكه. # وكان مولده في سنة خمس وتسعين. # وهو أسن من أخيه السفاح - كما تقدم ذكره -. # وأمه سلامة البربرية. # وكان المنصور قبل الدعوة ضرب في الآفاق إلى الجزيرة والعراق وأصبهان ~~وفارس. # وولي بعض كور فارس في شبيبته لعاملها سليمان بن حبيب بن المهلب الأزدي، ~~ثم عزله سليمان [المذكور] وضربه ضربا مبرحا؛ لكونه احتجز المال لنفسه، ثم ~~غرمه المال. # فلما ولي المنصور الخلافة ضرب عنقه. # وكان المنصور بخيلا، وسمى بالدوانيق لتدنيقه ومحاسبته العمال و [أهل] ~~الضياع على الدوانيق والحبات. [وكان مع هذا ms046 ربما] يعطي العطاء العظيم. # PageV01P120 # قال أبو إسحق الثعالبي: وعلى شهرة المنصور بالبخل ذكر محمد بن سلام أنه ~~لم يعط خليفة قبل المنصور عشرة آلاف ألف دارت بها الصكاك وثبتت في ~~الدواوين؛ فإنه أعطى في يوم واحد [كل واحد] من عمومته عشرة آلاف ألف درهم. # قلت: ومع هذا العطاء خلف يوم مات في بيوت الأموال من النقد تسعمائة ألف ~~ألف درهم وخمسين ألف ألف درهم، ومن الأقمشة والديباج فشئ كثير إلى الغاية. # وقال الزبير: حدثني مبارك الطبري: سمعت أبا عبيد الله الوزير سمع المنصور ~~يقول: الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلى الطاعة، والرعية ~~لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم بالعقوبة، وأنقص الناس ~~عقلا من ظلم من هو دونه. # وقال أبو العيناء: حدثنا الأصمعي: أن المنصور صعد المنبر؛ فشرع في ~~الخطبة؛ فقام رجل فقال: ((يا أمير المؤمنين، أذكر من أنت في ذكره؛ فقال له: ~~مرحبا، لقد ذكرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ بالله أن أن أكون ممن إذا قيل ~~[له] : اتق الله أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت، ~~[وأنت يا] قائلها فأحلف بالله ما الله أردت، إنما أردت أن يقال: قام فقال ~~فعوقب فصبر؛ فأهون بها من قائلها، وابتهلها [من] الله، ويلك! وإياكم معشر ~~الناس وأمثالها)) . # ثم عاد إلى خطبته؛ فكأنما يقرأ من كتاب. إنتهى. # PageV01P121 # قلت: والمنصور هذا هو الذي بنى مدينة بغداد، و [هو الذي] قتل أبا مسلم ~~الخراساني - واسمه عبد الرحمن -، وهو والد جميع الخلفاء العباسية. # وروى عمر بن [أبي] شيبة عن المدائني وغيره أن المنصور لما احتضر قال: ~~اللهم إني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة مني عليك، وقد أطعتك في أحب ~~الأشياء إليك: شهادة أن لا إله إلا الله، منا منك لا منا عليك، ومات. # وقد كان المنصور رأى مناما يدل على قرب أجله؛ فتهيأ وسار للحج. # قال هشام بن عمار: حدثنا الهيثم بن عمران أن المنصور مات بالبطن بمكة. # وقال خليفة والهيثم وغيرهما: عاش أربعا وستين سنة. # وقال الصولي: دفن بين ms047 الحجون وبئر ميمون في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ~~ومائة. # قلت: وكانت خلافته إثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر. # وكان المنصور أسمرا، نحيفا، طويلا، مهيبا، خفيف العارضين، معرق الوجه، ~~رحب الجبهة، يخضب بالسواد، كأن عينيه لسانان ناطقان، تخالطه أبهة الملك بزي ~~النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون. إنتهى. # وتخلف بعده إبنه [محمد المهدي] . # PageV01P122 ### $ (المهدي) # أبو عبد الله [محمد] ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن ~~علي ابن عبد الله بن عباس العباسي (الهاشمي، أمير المؤمنين. الثالث من ~~خلفاء بني العباس) . # بويع بالخلافة بعد موت أبيه [المنصور] بعهد منه إليه. # ومولده بإيذج في سنة سبع وعشرين ومائة. # قال الخطبي: ولد سنة ست وعشرين ومائة [في جمادى الآخرة] . # وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية. # وكان المهدي جوادا، ممدحا، مليح الشكل، محببا للرعية، شجاعا، # PageV01P123 # خصاما للزنادقة. وكان يقول: أدخلوا علي القضاة؛ فلو لم يكن ردي للمظالم ~~إلا حياء منهم [لكفى] . # وكان المهدي لما شب ولاه أبوه [على] طبرستان وما يليها، وعلى الرى. # وتأدب المهدي وجالس العلماء وتميز. # قيل: إن أباه المنصور غرم أموالا عظيمة، وتحيل حتى استنزل ولي العهد - ~~ولى أخيه - عيسى بن موسى عن المنصب، وولاه للمهدي هذا. # فلما مات المنصور بظاهر مكة - قبل الحج - قام يأخذ البيعة [له] الربيع بن ~~يونس الحاجب، وأسرع بالخبر للمهدي مع مولاه منارة البربري وهو ببغداد؛ فكتم ~~المهدي الأمر يومين، ثم خطب الناس ونعى إليهم المنصور. # وأول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه أبو دلامة، وأجاد [فقال] : # (عيناي واحدة ترى مسرورة ... بأميرها جذلا وأخرى تذرف) # (تبكي وتضحك تارة ويسوءها ... ما أنكرت ويسرها ما تعرف) # (فيسوءها موت الخليفة محرما ... ويسرها أن قام هذا الأرأف) # (ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى ... شعرا أسرحه وآخر ينتف) # (هلك الخليفة يا لدين محمد ... وأتاكم من بعده من يخلف) # (أهدى لهذا الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف) # PageV01P124 # وكان من خطبة المهدي لما بلغه موت المنصور قال: إن أمير المؤمنين عبد دعي ~~فأجاب، وأمر فأطاع وأعز. ثم ذرفت عيناه؛ فقال: قد ms048 بكى رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # عند فراق الأحبة، ولقد فارقت عظيما، وقلدت جسيما؛ فعند الله أحتسب أمير ~~المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين. # قيل: دخل رجل على المهدي فقبل يده وقال: يدك يا أمير المؤمنين # [أحق بالتقبيل] لعلوها بالمكارم وطهارتها من المآثم، وإنك ليوسفي العفو، ~~إسماعيلي الصدق، شعيبي الرفق، فمن أرادك بسوء جعله الله طريد خوفك حصيد ~~سيفك. # ثم أثنى عليه بالشجاعة؛ فقال المهدي: وما لي لا أكون شجاعا وما خفت أحدا ~~إلا الله [تعالى] . # وقال داود بن رشيد: سمعت سالم الحاجب يقول: هاجت ريح سوداء؛ فخفنا أن ~~تكون الساعة؛ فطلبت المهدي [في الإيوان] فلم أجده، ثم سمعت حركة [في] ~~البيت، فإذا هو ساجد على التراب يقول: (اللهم لا تشمت بنا الأعداء من ~~الأمم، ولا تفجع بنا نبينا) ، اللهم وإن [كنت] أخذت العامة بذنبي فهذه ~~ناصيتي بيدك؛ فما أتم كلامه حتى انجلت. # PageV01P125 # وقال المدائني: دخل رجل على المهدي فقال: إن المنصور شتمني وقذف أمي؛ ~~فإما أمرتني أن أحلله وإما عوضتني؛ فاستغفرت له. # قال: ولم شتمك؟ ! قال: شتمت عدوه بحضرته؛ فغضب له. # قال: ومن عدوه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن. # قال: إن إبراهيم أمس به رحما وأوجب عليه حقا؛ فإن كان شتمك كما زعمت فعن ~~رحمه ذب وعن عرضه دفع، وما أساء من انتصر لإبن عمه. # قال: إنه كان عدوا له. قال: لم ينتصر للعداوة بل للرحم؛ فأسكت الرجل. # فلما [ذهب] ليولي قال [له] المهدي: لعلك أردت أمرا؛ فجعلت هذا ذريعة. ~~قال: نعم؛ فتبسم المهدي وأمر له بخمسة آلاف درهم. # وقال الزبير: أخبرني يونس الخياط قال: دخل ابن الخياط المكي الشاعر على ~~المهدي - وقد مدحه بقصيدة - فأمر به بخمسين [ألف درهم] ؛ [فلما قبضها] ~~فرقها على الناس وقال: # (لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي) # (فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي) # فنمى الخبر إلى المهدي؛ فأعطاه بكل درهم دينارا. # PageV01P126 # وقيل: إن مروان بن أبي حفصة الشاعر لما أنشده ms049 قصيدته السائرة التي أولها: # (صحا بعد جهل واستراحت عواذله ... ) . # قال المهدي: ويلك كم هي بيتا؟ قال: سبعون بيتا. قال: لك بها سبعون ألفا. # ومنها من جملة أبياتها: # (كفاكم بعباس أبي الفضل والدا ... فما من أب إلا أبو الفضل فاضله) # (كان أمير المؤمنين محمدا ... أبو جعفر في كل أمر يحاوله) # (إليك قصرنا النصف من صلواتنا ... مسيرة شهر بعد شهر نواصله) # (فلا نحن نخشى أن يخيب مسيرنا ... إليك ولكن أهنأ البر عاجله) # فتبسم المهدي وقال: عجلوها له. # قلت: وفي أيام المهدي ظهر رجل يقال له المقنع، وادعى النبوة. # وكان يطلع للناس قمرا يرونه من مسيرة شهرين، وكان يري الناس أعاجيب كثيرة ~~من أنواع السحر، وعمل على وجهه وجها من ذهب. واتبعه جماعة من الجهال حتى ~~أرسل إليه جيشا؛ فحاربوه وقتلوه. وقيل: إنه لما علم بأخذه قتل نفسه. # وقال الفلاس: ملك المهدي إحدى عشرة سنة وشهرا ونصف [شهر] ، ومات لثمان ~~بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، وعاش ثلاثا وأربعين سنة، وعقد بالأمر ~~من بعده لإبنه موسى الهادي والرشيد. # PageV01P127 ### $ (موسى الهادي) # ابن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، الهاشمي، القرشي، العباسي. الرابع من خلفاء بني العباس، أبو ~~محمد، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه، وكان بجرجان؛ فأخذ له البيعة أخوه (( الرشيد # هارون)) . # ومولده بالري سنة سبع وأربعين ومائة. # أمه أم ولد تسمى الخيزران وهي أم الرشيد أيضا. # وكان الهادي طويلا، جسيما، أبيض، بشفته تقلص. # وكان أبوه قد وكل خادما في الصبا كلما رآه مفتوح الفم يقول له: موسى ~~أطبق؛ فيفيق على نفسه ويضم شفته. # وكان فصيحا، أديبا، قادرا على الكلام، تعلوه هيبة، وله سطوة وشهامة. # على أنه كان يتناول المسكر ويحب اللهو والطرب. # PageV01P128 # وكان يركب حمارا فارها، ولا يقيم أبهة الخلافة. وكان يجيز على الشعر ~~الجوائز السنية. # قال نفطويه: قيل: إن موسى الهادي قال لإبراهيم الموصلي: إن أطربتني ~~فاحتكم [ما شئت] ، فغناه: أزمعت بيتا فأين لقاؤنا. الأبيات؛ فأعطاه سبعمائة ~~ألف درهم. ms050 # وحكى مصعب الزبيري عن أبيه قال: دخل مروان بن أبي حفصة شاعر وقته على ~~الهادي فأنشده قصيدة منها. # (تشابه يوما بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل) # فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف [درهم] ~~تدور في الدواوين؟ فقال: تعجل الثلاثون وتدور المائة. قال: بل تعجلان ذلك ~~جميعا. # وحكى ابن الأقيشر الشاعر [أنه] دخل عليه فقال [له] : أنشدني في الخمر؛ ~~فقال: # (كميت إذا فضت وفي الكاس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب) # PageV01P129 # فقال الهادي: والله لأحدنك حد الخمر؛ فقال: ولم يا أمير المؤمنين؟ {قال: ~~لأنك وصفتها وصف عالم بها؛ فقال: أمني حتى ألحن بحجتي؛ فقال: تكلم وأنت ~~آمن؛ فقال: أجدت وصفها أم لم أجد؟} قال: بل أجدت. قال: وما يدريك أني أجدت؟ ~~{إن كنت مدحتها بطبعي دون معرفتي فقد شاركتني فيها بطبعك دون معرفتك، وإن ~~كنت مدحتها بالمعرفة فقد شاركتني بالمعرفة. فضحك الهادي وقال: نجوت مني ~~بحيلتك، قاتلك الله. # قلت: ولم تطل مدته في الخلافة، ومات بقرحة أصابته في جوفه. # وقيل: سمته أمه [الخيزران] لما أجمع [الهادي] على قتل أخيه الرشيد. # وقيل: إنها سمته بسبب آخر؛ وهو أنها كانت حاكمة مستبدة بالأمور الكبار، ~~وكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ فزجرهم الهادي عن ذلك، وكلمها بكلام فج ~~وقال: إن وقف ببابك أمير لأضربن عنقه، أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو ~~سبحة؟} فقامت من عنده وهي لا تعقل من الغضب؛ فقيل: إنه بعث إليها [بعد ذلك] ~~بطعام مسموم، فأطعمت منه كلبا فانتثر لحمه؛ فعملت على قتله لما وعك بأن ~~غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه. # PageV01P130 # وكان قصده هلاك الرشيد ليولي العهد لولد له صغير عمره عشر سنين. # [وقيل: إنه مات بعيساباذ في نصف ربيع الآخر سنة سبعين] [ومائة] . # وكانت خلافته سنة واحدة وثلاثة أشهر. وعاش ستا وعشرين سنة. وخلف سبع ~~بنين. وتولى [الخلافة] [من] بعده [أخوه] [الرشيد] هارون. # PageV01P131 ### $ الرشيد # ابن المهدي محمد بن [أبي] جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد ~~الله بن ms051 عباس، الهاشمي، العباسي. الخامس من خلفاء بني العباس، أمير ~~المؤمنين، أبو جعفر. # استخلف بعهد من أبيه المهدي بعد موت أخيه الهادي [في] سنة سبعين ومائة. # وأمه الخيزران - أم أخيه الهادي -. # ومولده بالري لما كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان [في] سنة ثمان ~~وأربعين ومائة. # وكان الرشيد مليح الشكل، طويلا، جميلا، مسمتا، فصيحا، وله نظر في العلم ~~والأدب. وقد وخطه الشيب قبل موته. # وكان أغزاه أبوه أرض الروم وهو ابن خمس عشرة سنة. # وهو أجل الخلفاء وأعظم ملوك بني العباس. # وكان كثير الحج والغزو. # PageV01P132 # وفيه يقول الشاعر: # (فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور) # وقيل: إنه كان يحج سنة ويغزو سنة. # وقال نفطويه في تاريخه: حكى بعض أصحاب الرشيد أنه كان يصلي في اليوم مائة ~~ركعة، ولم يتركها إلا لعلة. # وكان يقتفي آثار جده أبي جعفر [إلا] في الحرص. # وكان الرشيد يحب العلم وأهله، ويعظم الإسلام، ويبغض المراء [في الدين] ~~والكلام في معارض النص. # وكان يبكي على نفسه وإسرافه وذنوبه، سيما إذا وعظ. # وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجليلة. # وكان راتبه في الصدقة من صلب ماله في اليوم ألف درهم. # وقيل: إن أبا معاوية الضرير دخل على الرشيد وعنده رجل من وجوه قريش؛ فذكر ~~أبو معاوية حديث ((احتج آدم وموسى)) ؛ فقال القرشي: فأين لقيه؟ ! ؛ فغضب ~~الرشيد وقال: النطع والسيف، زنديق؛ تطعن في حديث النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # ؛ فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة حتى ~~سكن. # PageV01P133 # وعن أبي معاوية قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه، ~~ثم قال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا قال: أنا؛ إجلالا للعلم. # وقيل: إن ابن السماك الواعظ دخل على الرشيد مرة؛ فبالغ الرشيد في اكرامه ~~واحترامه؛ فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك. # وكان الرشيد يأتي بنفسه إلى الفضيل بن عياض ويسمع وعظه؛ فقال له يوما: يا ~~حسن الوجه؛ أنت المسئول عن هذه الأمة؛ فبكى الرشيد بكاء عظيما. ms052 # وقال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة: الفضيل ابن ~~عياض، والرشيد هارون، وآخر. # وقال عبد الرزاق بن همام: كنت مع الفضيل بمكة فمر الرشيد، فقال الفضيل: ~~إن الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما. # وقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه ~~أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد - عم أبيه - ~~وحاجبه الفضل بن الربيع - أتيه الناس وأعظمهم - ومغنيه إبراهيم الموصلي، ~~وزوجته زبيدة. إنتهى. # PageV01P134 # وقال غيره: فتحت في أيام الرشيد فتوحات كثير. وهو الذي فتح (هرقلة) ~~وأحرقها وسبى أهلها. # وكان الرشيد يحب اللهو والطرب. ولم يتكلم فيه - فيما نعلم - سوى ابن حزم ~~الظاهري، قال: أراه لا يشرب النبيذ المختلف فيه إلا الخمر المتفق على ~~تحريمها، ثم جاهر جهارا قبيحا. # قلت: هذا شأن ابن حزم لا يذكر إلا المساوئ والقبائح، وكذلك الخطيب صاحب ~~تاريخ بغداد؛ فهذا كان دأبهما. # والعجب أنهما يقولان الأخبار الضعيفة في هذا المعنى حتى يقع لهما القدح ~~والثلب في كائن من كان. ولم يسلم منهما عالم ولا شريف؛ فإن لم يجدا للرجل ~~عيبا تكلما فيه بالمعنى بما يقارب القدح، وإن عجزا عن ذلك تكلما فيه ~~برأيهما بإسناد ملفق لا يعبأ الله به، كما وقع للخطيب في حق بعض الأئمة ~~الأعلام وعلماء الإسلام، أنه تكلم فيه بكلام كان الإضراب عنه أليق - إن لو ~~كان صحيحا لاسيما مختلفا كذبا -. # وقد جوزي كل [واحد] منهما بما قيل فيهما. فأما إبن حزم فهو ظاهري المذهب ~~سيئ الإعتقاد. وأما أبو بكر الخطيب فيكفيه ما نقله عنه # PageV01P135 # الحافظ الحجة أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم من القدح في الدين، وأيضا ~~ما ذكره عنه الإمام الناقد البارع [شمس الدين] يوسف بن قزاغلي في تاريخه ~~((مرآة الزمان)) ما نقله عنه من العظائم في دينه ودنياه. نسأل الله السلامة ~~في الدين وحسن الخاتمة. إنتهى. # وقد خرجنا عن المقصود، ولنعود إلى ذكر الرشيد ووفاته. # ولما كانت سنة ثلاث وتسعين ms053 ومائة خرج الرشيد إلى الغزو؛ فأدركته المنية ~~بطوس - من أعمال خراسان - في ثالث جمادى الآخرة [من] سنة ثلاث وتسعين ~~المذكورة، وصلى عليه ابنه صالح. # ودفن بطوس وله خمس وأربعين سنة. [وتخلف بعده ابنه الأمين محمد ابن زبيدة] ~~. # وكانت [خلافة الرشيد] ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وخمسة عشر يوما، # PageV01P136 ### $ (الأمين محمد) # ابن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد ~~بن علي بن عبد الله بن عباس، الهاشمي، القرشي، العباسي، البغدادي، أمير ~~المؤمنين، أبو عبد الله، وقيل: أبو موسى. # كان ولي عهد أبيه الرشيد؛ فولي الخلافة بعد موته. # وأمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، الهاشمية، العباسية. # وهو ثالث خليفة تخلف وأمه هاشمية؛ فالأول: علي - رضي الله عنه -، ~~والثاني: الحسن - رضي الله عنه - والثالث: محمد هذا. # [و] كان الأمين [من] أحسن الشباب [صورة] : كان أبيضا، طويلا، جميلا، ذا ~~قوة مفرطة، وبطش وشجاعة معروفة، وفصاحة، وأدب، وفضيلة، وبلاغة. لكنه كان ~~سيء التدبير، كثير التبذير، ضعيف الرأي، أرعن لا يصلح للخلافة. # ومما يحكى عنه من شدته أنه ضرب أسدا بيده فقتله، وهذا شيء عجيب {} # PageV01P137 # وأما فصاحته؛ فإنه كتب لطاهر بن الحسين لما انتدب لقتاله تعصبا للمأمون ~~رقعة فيها: يا طاهر ما قام [لنا] منذ قمنا قائم بحقنا؛ فكان جزاؤه عندنا ~~إلا السيف؛ فانظر لنفسك أو دع. # قال: فلم يزل طاهر [بعد ذلك] يتبين موقع الرقعة. # وكانت هذه الرقعة فيها غاية التخذيل؛ فإنه لوح فيها بأبي مسلم الخراساني ~~وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح؛ فكان مآلهم إلى القتل. # وسبب نكبة الأمين [هذا] وخلعه وقتله: أنه لما ولي الخلافة فرق الأموال، ~~وانعكف على شرب الخمر، ومنادمة الفساق، وأرسل إلى البلاد فجمع المغاني ~~والطنازين وأجرى عليهم الرواتب؛ واحتجب عن الأمراء والأعيان. # ثم قسم الأموال والجواهر في الخصيان والنساء، واشترى عريب المغنية بمائة ~~ألف دينار. # وطلب من عمه إبراهيم [بن] المهدي - المعروف بإبن شكلة - جاريته؛ فأبى ~~إبراهيم أن يدفعها له؛ فركب الأمين إلى منزل عمه [المذكور] ؛ فأخذها منه. # PageV01P138 # ولما أصبح عمه إبراهيم ms054 جاء إليه في زورق؛ فقال الأمين: أوسقوا زورق عمي ~~له دراهم، فأوسقوه له؛ فوسع عشرين ألف ألف درهم؛ فقال له عمه: وصلني منك يا ~~أمير المؤمنين عشرون ألف ألف درهم؛ فقال: يا عم، وهل هذه إلا خراج بعض ~~الكوفة؟ {فلما خرج إبراهيم قال: أوسقوا زورق عمي له دنانير، فأوسقوه؛ فوسع ~~ألف ألف دينار} # قلت: أما الثانية فعندي فيها شك. إنتهى. # واستمر الأمين على ذلك إلى أن بدا له أن يخلع أخيه المأمون من ولاية ~~العهد ويولي ابنه الصغير عوضه؛ فامتنع المأمون من ذلك - وكان بالري - وأخذ ~~في تسويفه من وقت إلى وقت. # فلما عزل الأمين أخاه القاسم - الملقب بالمؤتمن - عما كان الرشيد ولاه ~~[من أمر الشام] وقنسرين والثغور وولي مكانه خزيمة بن خازم ثم دعا الأمين ~~لإبنه موسى على المنابر ولقبه بالناطق بالحق؛ تنكر المأمون عند ذلك، ووقعت ~~أمور يطول شرحها. # ولا زال أمر المأمون يقوى، وأمر الأمين يضعف، إلى أن حوصر الأمين ببغداد ~~من قبل طاهر بن الحسين. # وأعجب من هذا كله أن الأمين في مبدأ أمره كان أرسل لمحاربة أخيه المأمون ~~عسكرا صحبة علي بن عيسى، وأخذ معه قيد فضة؛ ليقيد به المأمون بزعمه. # فلما توجه لقيه طاهر بن الحسين وهزمه، وقتل علي بن عيسى [المذكور] في ~~المعركة. # PageV01P139 # فلما جاء خبره إلى الأمين - وكان الأمين يتصيد - فقال للذي أخبره بكسر ~~عساكره وقتل علي بن عيسى: ويلك، دعني من ذلك؛ فإن خادمي كوثر قد صاد ~~سمكتين، وأنا ما صدت شيئا بعد. ومثل هذا أيضا لما حوصر. # قال محمد بن راشد: أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان مع الأمين بمدينة ~~المنصور في قصر باب الذهب، فخرج الأمين ليلة من القصر من ضيق الحصار ~~والضنك، فصار إلى القصر القرار؛ فطلبني؛ فأتيت؛ فقال: ما ترى طيب هذه ~~الليلة؛ وحسن القمر وضوءه في الماء؛ فهل لك في الشراب؟ ! # قلت: شأنك؛ فدعا برطل من النبيذ فشربه، ثم سقيت مثله؛ فابتدأت أغنيه من ~~غير أن يسألني - لعلمي بسوء خلقه - فغنيت؛ فقال: ما تقول فيمن يطرب ms055 عليك؟ ~~فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية إسمها ضعفاء، فتطيرت من إسمها، ثم ~~غنت بشعر النابغة الجعدي: # (كليب لعمرى كأن أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم) # فتطير [من ذلك] ، وقال: غني غير هذا؛ فغنت: # (أبكي فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء) # (ما زال يغدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء) # (فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حتى أؤوب وما في مقلتي ماء) # PageV01P140 # فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذا؟ {فقالت: ظننت أنك تحب هذا. # ثم غنت: # (أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك) # (ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك) # (إلا لنقل السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك) # (وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك) # فقال لها: قومي، لعنك الله؛ فقامت، فتعست في قدح بلور له قيمة فكسرته. # فقال: ويحك يا إبراهيم} أما ترى؟ والله ما أظن [أمري إلا] قد قرب. # فقلت: يطيل الله عمرك ويعز ملكك؛ فسمعت صوتا من دجلة: قضى الأمر الذي فيه ~~تستفتيان؛ فوثب الأمين مغتما، ورجع إلى موضعه بالمدينة؛ فقتل بعد ليلة أو ~~ليلتين. # قلت: كان قتله بعد أن خلعه طاهر بن الحسين بأيام. ثم قتله طاهر [المذكور] ~~صبرا في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة بظاهر بغداد، وطيف برأسه. # وكانت خلافته أربع سنين وأياما. وبويع بالخلافة بعده أخوه [المأمون]- ~~رحمه الله تعالى -. # PageV01P141 ### $ (المأمون) # ابن عبد الله بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن [أبي] جعفر المنصور بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين، أبو ~~العباس، الهاشمي، العباسي. # ولد سنة سبعين ومائة، عندما استخلف أبوه. # وأمه ولد تسمى: مراجل. ماتت أيام نفاسها به. # وسمع الحديث في صغره، وبرع في الفقه، والعربية، وأيام الناس، والأدب. ~~ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل حتى مهر فيهما؛ فجره ذلك إلى القول ~~بخلق [القرآن] وامتحان العلماء؛ ولولا ذلك لكان أعظم بني العباسي؛ لما ~~اشتمل عليه من الحزم، والعزم، والعقل، والحلم، والعلم، والشجاعة، والسؤدد، ~~والسماحة. ms056 # قال ابن أبي الدنيا: كان أبيض، ربعة، حسن الوجه، يعلوه صفرة، قد وخطه ~~الشيب، أعين، طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين، على خده خال. # PageV01P142 # وقال الجاحظ: كان أبيض، فيه صفرة، وكان ساقاه دون [سائر] جسده صفراوين ~~كأنهما طليتا بالزعفران. # وقال أبو معشر المنجم: كان أمارا بالعدل، محمود السيرة، فقيه النفس، يعد ~~من كبار العلماء. # وعن الرشيد قال: إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة ~~الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع - يعني نفسه - نسبته، وقد قدمت محمدا ~~عليه، وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه، مبذر لما حوته يداه، يشارك في رأيه ~~الإماء والنساء، ولولا أم جعفر - يعني زبيدة - وميل بني هاشم إليه؛ لقدمت ~~[عبد الله] عليه - يعني في ولاية العهد بالخلافة - إنتهى. # ومن حلم المأمون: يحكى أن ملاحا مر على المأمون فقال: أتظنون أن هذا ينبل ~~في عيني وقد قتل أخاه الأمين: فسمعها المأمون؛ فتبسم وقال: ما الحيلة حتى ~~أنبل في عين هذا السيد الجليل. # ويحكى عن المأمون قال: لو عرف الناس حبي للعفو؛ لتقربوا إلي بالجرائم، ~~وأخاف [أن] أوجر عليه - يعني لكونه طبعا له -. # وعن يحيى بن أكثم قال: كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء؛ ~~فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده؛ فوقف على طرف البساط وقال: ~~السلام عليكم؛ فرد عليه المأمون؛ فقال: أتأذن لي في الدنو؟ قال: أدن وتكلم. ~~قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه، جلسته # PageV01P143 # باجتماع الأمة، أم بالمغالبة والقهر؟ ! قال: لا بهذا ولا بهذا، بل كان ~~يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي، فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج ~~إلى اجتماع كلمة المسلمين في الشرق والغرب على الرضاء بي؛ فرأيت أني متى ~~خليت الأمر اضطرب حبل السلام، وخرج عهدهم وتنازعوا، وبطل الجهاد والحج، ~~وانقطعت السبل؛ فقمت حياطة للمسلمين، إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به؛ ~~فأسلم له الأمر؛ فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر. # فقال الرجل: السلام عليكم ورحمة الله [وبركاته] . وذهب. # فوجه المأمون من ms057 يكشف خبره؛ فرجع وقال: يا أمير المؤمنين، مضى إلى مسجد ~~فيه خمسة عشر رجلا في مثل هيئته؛ فقالوا له: ألقيت الرجل؟ قال: نعم، ~~وأخبرهم بما جرى. قالوا: ما نرى بما قال بأسا، وافترقوا؛ فقال المأمون: ~~كفينا مؤنة هؤلاء بأيسر الخطب. # وعن إسحاق الموصلي قال: كان المأمون قد سخط على الحسين الخليع الشاعر؛ ~~لكونه هجاه عندما قتل الأمين: فبينا أنا ذات يوم عند المأمون إذ دخل الحاجب ~~برقعة؛ فاستأذن في إنشادها؛ فأذن له: فقال [أبياتا منها] : # (رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد) # (ألا إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد) # PageV01P144 # فقال له المأمون: أحسنت؛ فقال: أحسن قائلها يا أمير المؤمنين. # قال: ومن هو؟ قال عبيدك الحسين بن الضحاك؛ فقال: لا حياه الله { # أليس هو القائل: # (فلا تمت الأشياء بعد محمد # (ولا زال شمل الملك فيها مبددا) # (ولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا) # هذه بتلك، ولا شيء له عندنا. # قال الحاجب: فأين عادة [عفو] أمير المؤمنين؟ . قال: أما هذه فنعم، إئذنوا ~~له؛ فدخل فقال له: هل عرفت يوم قتل أخي [أن] هاشمية هتكت؟ قال: لا. قال: ~~فما معنى قولك: # (ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي ... محارم من آل الرسول استحلت) # (ومتوكة بالخلد عنها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين تبدت) # (فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالهم ما تمنت) # فقال يا أمير المؤمنين} لوعة غلبتني وروعة فاجأتني ونعمة استلبتها بعد أن ~~غمرتني؛ فإن عاقبت فحقك، وإن عفوت فبفضلك؛ فدمعت عينا المأمون، وأمر له ~~بجائزة. # PageV01P145 # ومما ينسب للمأمون من الشعر قوله: # (لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسرى مذيع) # (فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع) # [وكانت وفاة المأمون في يوم ثاني عشر شهر رجب سنة ثمانية عشر ومائتين. ~~وكان خلافته إحدى وعشرين سنة إلا ستة أشهر] . وتخلف بعده أخوه [المعتصم ~~محمد] . # PageV01P146 ### $ المعتصم محمد # ابن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد ~~بن علي بن [عبد ms058 الله] بن عباس. أمير المؤمنين، أبو إسحاق، الهاشمي، ~~العباسي. # بويع بالخلافة بعد موت المأمون بعهد منه إليه في رابع عشر شهر رجب سنة ~~ثمان عشرة ومائتين. # وأمه أم ولد اسمها: ماردة. # وكان أبيض، أصهب الحية طويلها، ربع القامة، مشرب اللون، ذا شجاعة وقوة ~~وهمة عالية؛ إلا أن كان عاريا من العلم، أميا. # روى الصولي عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال: كان مع ~~المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام؛ فقال له الرشيد - أبوه -: ~~مات غلامك يا محمد، قال: نعم يا سيدي، واستراح من الكتاب. فقال: وإن الكتاب ~~ليبلغ منك هذا؟ ! دعوه لا تعلموه. فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة. # PageV01P147 # ومع هذا حكى أبو الفضل الرياشي قال: كتب ملك الروم # -[لعنه الله]- # إلى المعتصم يتهدده؛ فأمر بجوابه؛ فلما قرئ عليه الكتاب لم يرضه - ~~المعتصم - وقال: أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فقد قرأت كتابك ~~وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} . # وكان المعتصم من أهيب الخلفاء وأعظمهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان ~~العلماء بخلق القرآن. # قلت: أراد بذلك إظهار مذهب أخيه المأمون والإقتفاء بطريقة لا غير. # وقال إسحاق بن إبراهيم [الموصلي] : دخلت على المعتصم وعنده قينة تغنى؛ ~~فقال: كيف تراها؟ قلت: تبدأ الغناء برفق وتصرفه برفق، وتخرج من شيء إلى ~~أحسن منه، وفي صوتها شجا، وشذور، أحسن من [نظم] در) على النحور. # فقال: صفتك لها أحسن منها ومن غنائها، خذها لك؛ فامتنعت [من ذلك] ؛ لعلمي ~~بمحبته لها؛ فوصلني بمقدار قيمتها. # ويحكى أن المعتصم لما تجهز لغزو عمورية حكم المنجمون أن ذلك الوقت طالع ~~نحس، وأنه يكسر؛ فكان من ظفره ونصره ما هو أشهر من أن يقال. # PageV01P148 # وفي هذا المعنى يقول أبو تمام الطائي قصيدته البديعة: # (السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب) # (والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخمسين لا في السبعة الشهب) # (أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب) # وكان المعتصم ms059 يلقب بالثماني؛ فإنه ثامن خلفاء بني العباس، وملك ثماني ~~سنين وثمانية أشهر - وزاد بعضهم: وثمانية أيام -، وافتتح ثمانية حصون. # وقيل: إنه ولد في شعبان، وهو الثامن من شهور السنة، وكان نقش خاتمه: ~~الحمد لله، وهي ثمان حروف، وبويع بالخلافة سنة ثمانية عشر، ومولده سنة ~~ثمانين ومائة، وقهر ثمانية أعداء، ووقف ببابه ثمانية ملوك، وخلف من الذهب ~~ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدراهم مثلها، وخلف من الجمال والبغال ثمانية ~~آلاف [رأس] ، ومن الخيل [أيضا] ثمانية آلاف رأس، ومن المماليك ثمانية آلاف ~~مملوك، [ومن الجواري كذلك] ، وبنى ثمانية قصور. # وكان ذا قوة مفرطة، وكان إذا غضب لا يبالي بمن كثر أو أقل. # وركب يوما؛ فانفرد عن جيشه - وكان يوم مطر شديد -؛ فرأى شيخا ومعه حمار ~~وعليه حمل شوك، وقد توحل الحمار ووقع الحمل؛ فنزل المعتصم وخلص الحمار من ~~الوحل، ووضع الحمل على ظهره، ثم أدركه الجيش؛ فأمر للرجل بخمسة آلاف درهم. # PageV01P149 # وفي أيامه أمطرت أهل تيماء بردا، كل بردة وزن رطل؛ فقتلت خلقا كثيرا؛ ~~وسمع قائل يقول: ارحم عبادك، ارحم عبادك، ورأوا أثر قدم طوله ذراع ونصف في ~~عرض شبرين - غير الأصابع - وبين كل خطوة وخطوة سبعة أذرع؛ [فتتبعوه] ؛ ~~فجعلوا يسمعونه ولا يرون شخصه. # وكانت وفاة المعتصم في يوم الخميس تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة سبع ~~وعشرين ومائتين. # وكانت خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام - كما تقدم ذكره -. # ومات وعمره سبع وأربعون سنة وسبعة أشهر. وتخلف بعده [إبنه] [هارون ~~الواثق] . # PageV01P150 ### $ (هارون الواثق) # بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، الهاشمي، العباسي، البغدادي، ~~أمير المؤمنين، أبو جعفر. # بويع بالخلافة لما مات أبوه المعتصم بعهد منه إليه. # وأمه أم ولد، رومية تسمى: قراطيس. # ومولده لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة. # قال [أبو بكر] الخطيب: كان أحمد بن أبي داود قد استولى على الواثق وحمله ~~على [تشديد المحنة] ، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. ms060 # قلت: والمشهور أن الواثق رجع عن ذلك قبل موته وتاب منه وأظهر السنة. # ومن جملة أسباب رجوعه: ما نقله عبيد الله بن يحيى قال: حدثنا إبراهيم بن ~~أسباط بن السكن قال: حمل رجل - يعني عن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل - فيمن ~~حمل مكبل بالحديد من بلاده؛ فأدخل؛ فقال ابن أبي داود: تقول # PageV01P151 # أو أقول؟ قال: هذا أول جوركم، أخرجتم الناس من بلادهم ودعوتموهم إلى شيء ~~ما قاله أحد {. لا، بل أقول: قال: قل - والواثق جالس - فقال: أخبرني عن هذا ~~الرأي الذي دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله -[[صلى الله عليه وسلم]- # فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟} قال: علمه، قال: فكان يسعه [أن] ~~لا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم. قال: فبهتوا. قال: فضحك الواثق، وقام ~~قابضا على كمه، ودخل بيتا ومد رجليه وهو يقول: شيء وسع النبي -[[صلى الله عليه وسلم]- # أن يسكت عنه ولا يسعنا {} ؛ فأمر أن يعطى [الرجل] ثلثمائة دينار، وأن يرد ~~إلى بلده. إنتهى. # قلت: وأمر المحنة يطول الشرح في ذكره، أضربنا عنه في هذا المختصر خوف ~~الإطالة. # وكان الواثق وافر الأدب فصيحا. قيل: إن جارية من جواريه غنته بشعر ~~العرجي: # (أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم) # فمن الحاضرين من صوب نصب ((رجلا)) ومنهم من قال: صوابه: ((رجل)) . # فقالت [الجارية] : هكذا لقنني المازني؛ فطلب المازني. # PageV01P152 # فلما مثل بين [يدي الواثق] قال: ممن الرجل {؟ ، قال: من بني مازن. قال: ~~أي الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟} # قال: مازن ربيعة. # قال المازني: فكلمني حينئذ بلغة قومي فقال: باسمك؟ - لأنهم يقلبون الميم ~~باء والباء ميما - فكرهت أن أواجهه بمكر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين؛ ففطن ~~لها وأعجبته. وقال: ما تقول في هذا البيت؟ ، قلت: الوجه النصب؛ لأن مصابكم ~~مصدر بمعنى: إصابتك؛ فأخذ اليزيدي يعارضني. # قلت: هو بمنزلة: ((إن ضربك زيدا ظلم)) ؛ فالرجل مفعول مصابكم. والدليل ~~عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: ظلم؛ فيتم. # فأعجب الواثق وأعطاني ألف دينار. إنتهى. # وحج الواثق مرة؛ ms061 ففرق بالحرمين أموالا عظيمة، حتى لم يبق بالحرمين فقير. # وقيل: لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين: # (الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لاسوقة منهم تبقى ولا ملك) # (ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الإملاك ما ملكوا) # PageV01P153 # ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ~~أرحم من قد زال ملكه. # وكانت وفاته بمدينة سر من رأى في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من ~~سنة إثنتين وثلاثين ومائتين. وتخلف بعده أخوه [جعفر المتوكل] . # PageV01P154 ### $ (جعفر المتوكل) # ابن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور ~~[بن] محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. الهاشمي، العباسي، البغدادي، أمير ~~المؤمنين، أبو الفضل. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه الواثق في ذي الحجة سنة إثنتين وثلاثين ~~ومائتين. # مولده في سنة خمس ومائتين، وقيل: سنة سبع. # وأمه أم ولد، تركية تسمى: شجاع. # وكان المتوكل أسمر، مليح العينين، نحيف الجسم، خفيف العارضين، إلى القصر ~~أقرب. # ولما استخلف أظهر السنة وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة ~~وإظهار السنة ونصر أهلها. # وقال علي بن الجهم: كانت للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه كأبيه وعمه. # PageV01P155 # وكان المتوكل فيه كل الخصال الحسنة، إلا أنه كان ناصبيا يكره عليا - رضي ~~الله عنه - وكان لكراهيته [لعلي]- رضي الله عنه - سببا ذكرناه في تاريخنا ~~((النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)) . # وكان إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة يقول: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر ~~الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد مظالم بني أمية، والمتوكل في ~~محو البدع - يعني القول بخلق القرآن -. # وقال يزيد بن محمد المهلبي: قال لي المتوكل: يا مهلبي، الخلفاء كانت ~~تتصعب على الناس ليطيعوهم، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. # وكان المتوكل كريما، جوادا، حتى قيل: إنه ما أعطى خليفة [شاعرا] ما أعطى ~~المتوكل. # وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب: # (فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا) # فقال: لا أمسك حتى ms062 يغرقك جودي. # ويقال: إن المتوكل سلم عليه بالخلافة ثمانية، كل واحد منهم أبوه خليفة: ~~منصور بن المهدي - عم أبيه - والعباس بن الهادي - بن عم أبيه - وأبو أحمد ~~بن الرشيد -[عمه]- # وعبد الله بن الأمين - ابن عمه - وموسى بن المأمون - ابن عمه أيضا - ~~وأحمد بن المعتصم - أخوه - ومحمد بن الواثق - ابن أخيه - وابنه المنتصر ~~محمد بن المتوكل هذا. وهذا شيء لم يقع لخليفة قبله. # PageV01P156 # وكان المتوكل بايع [بولاية العهد] ولده المنتصر محمدا. ثم إنه أراد أن ~~يعزله ويولي ولده المعتز لمحبته لأمه قبيحة؛ فسأل المتوكل ولده المنتصر أن ~~ينزل عن العهد لأخيه المعتز؛ فأبى [المنتصر] ؛ فغضب المتوكل عليه، وصار ~~يحضره المجالس العامة ويحط منزلته، ويتهدده ويشتمه، ويتوعده. # ثم أتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل؛ لكونه صادر وصيف التركي وبغا، ~~فاتفق الأتراك حينئذ مع المنتصر على قتل أبيه المتوكل، ودخلوا عليه وهو في ~~مجلس أنسه، وعنده وزيره الفتح بن خاقان، بعد أن مضى من الليل ثلاث ساعات، ~~وهجم باغر ومعه عشرة، وقصد السرير؛ فصاح الفتح: ويلكم مولاكم، وتهارب ~~الغلمان والندماء على وجوههم. # وبقي الفتح وحده، والمتوكل قد غرق في السكر والنوم. # وبقي الفتح يمانعهم عنه، فضرب باغر المتوكل بالسيف على عاتقه؛ فقده إلى ~~خاصرته؛ فصاح المتوكل. ثم بعج الفتح آخر بالسيف؛ فأخرجه من ظهره وهو صابر، ~~ثم طرح الفتح نفسه على المتوكل فماتا، ولفا في بساط. # وكانت قتلة المتوكل في ليلة الأربعاء ثالث شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ~~في القصر الجعفري الذي بناه المتوكل، ودفن به هو ووزيره الفتح بن خاقان. # PageV01P157 # وكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام. ومات وعمره إحدى ~~وأربعون سنة. # وتخلف بعده ابنه المنتصر محمد؛ فلم (يتهن بالخلافة كما سيأتي ذكره) . # PageV01P158 ### $ (المنتصر محمد) # ابن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي ~~جعفر المنصور. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد ~~الله. # وبويع بالخلافة بعد قتل أبيه المتوكل. # وأمه أم ولده، رومية، أسمها: حبشية. # وكان صفة البيعة له أنه: لما واطأ ms063 على قتل أبيه وقتل، [وقتل] معه وزيره ~~الفتح بن خاقان، دخل على المنتصر قاضي القضاة جعفر بن سليمان الهاشمي؛ فقال ~~له المنتصر: بايع؛ فقال: وأين أمير المؤمنين المتوكل على الله؟ ! فقال: ~~قتله الفتح بن خاقان. قال: فما فعل بالفتح؟ قال: قتله بغا. قال القاضي: ~~فأنت ولي الدم وصاحب الثأر؛ فبايعه وبايعه الوزير. # وكان المنتصر وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظلم، محسنا للعلويين. ~~وقيل إنه كان يقول: يا بغا أين أبي، من قتل أبي؟ ، ويسب الأتراك ويقول: ~~هؤلاء قتلة الخلفاء. # [قلت] : وعلى هذا لا يكون المنتصر تواطأ على قتل أبيه. إنتهى. # PageV01P159 # ولما سمع بغا الصغير ذلك من المنتصر قال للذين قتلوا المتوكل: مالكم عند ~~هذا رزق؛ فعملوا عليه، وهموا به فعجزوا عنه؛ لأنه كان مهابا، شجاعا، فطنا؛ ~~محترزا؛ فتحيلوا عند ذلك # -[الأتراك]- # إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه؛ فأشار ~~بفصده؛ ففصد بريشة مسمومة؛ فمات. # فيقال: إن ابن طيفور [المذكور] نسي ومرض؛ فأمر غلامه بفصده؛ ففصده بتلك ~~الريشة؛ فمات [أيضا. وقال بعضهم: بل حصل للمنتصر مرض في أنثييه فمات] بعد ~~ثلاثة أيام. # وقيل: مات بالخوانيق، وقيل: بل سم في كمثرائه بإبرة. # وكان المنتصر يتهم [بقتل] أبيه. # [و] يحكى أنه نام يوما ثم إنتبه وهو يبكي؛ فجاءته أمه فقالت: ما أبكاك يا ~~بني؛ لا أبكى الله لك عينا؟ {فقال: اذهبي عني ذهبت عني الدنيا والآخرة، ~~رأيت الساعة أبي في النوم وهو يقول: ويحك يا محمد} قتلتني لأجل الخلافة، ~~والله لا تمتعت بها إلا أياما يسيرة، ثم مصيرك إلى النار. فلم يعش بعد ذلك ~~إلا أياما قليلة. # وذكر علي بن يحيى المنجم: أن المنتصر جلس مجلس اللهو؛ فرأى في بعض البسط ~~دائرة فيها رأس عليه تاج وحوله كتابة فارسية؛ فطلب المنتصر من يقرأ ذلك؛ ~~فأحضر رجل؛ فنظر فيها ثم قطب. فقال له المنتصر: ما هذه؟ فقال: لا معنى لها. ~~فألح عليه؛ فقال فيها: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبي: فلم أتمتع ~~بالملك إلا ستة أشهر؛ فتغير ms064 [لذلك] وجه المنتصر وقام من جلسه. # PageV01P160 # وحاصل الأمر: أن المنتصر لم يتمتع بالخلافة، ومات بعد ستة أشهر أو دونها، ~~فإنه تخلف في شوال ومات في شهر ربيع الآخر. # [ومات] وعمره ستا وعشرون سنة. # وكان المنتصر أعين، أقنى، أسمر، مليح الوجه، ربعة، كبير البطن، مليحا، ~~مهيبا، منصفا في الرعية، مالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له - رحمه الله ~~[تعالى]-. # وتخلف بعده عمه [المستعين بالله أحمد] . # PageV01P161 ### $ (المستعين بالله أحمد) # ابن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر ~~المنصور. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين، أبو العباس. # بويع بالخلافة في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين بعد موت ~~المنتصر. # وأمه أم ولد، رومية، تسمى: مخارق. # ومولده في سنة إحدى وعشرين ومائتين. # وتم أمره في الخلافة، غير أن الأمر جميعه كان لوصيف وبغا. # وكان المستعين فاضلا، بارعا، إخباريا، دينا. # واستمر في الخلافة إلى [أول] سنة إحدى وخمسين [ومائتين] ؛ فتنكرت له ~~الأتراك، وقويت شوكتهم عليه؛ فخرج المستعين من سامرا وانحدر إلى بغداد، ~~فكاتبوه الأتراك يعتذرون له ويسألونه الرجوع؛ فامتنع؛ فقصدوا الحبس وأخرجوا ~~منه المعتز [بالله] بن المتوكل، وبايعوه بالخلافة وأخرجوا من الحبس أيضا ~~[المؤيد بن المعتز] ولي العهد. # PageV01P162 # ثم جهز المعتز أخاه المذكور في عسكر لقتال المستعين، واستعد المستعين. # وحاصل الأمر: أن المستعين قهر، وخلع من الخلافة في أول سنة إثنتين ~~وخمسين، ثم حبس بواسط، ثم نقل إلى قادسية سامرا، فقتل بها في ثالث شوال من ~~سنة إثنتين وخمسين [المذكورة] . وقيل: ليومين بقيا من شهر رمضان بعد أن حبس ~~أشهرا. # وقتل وله إحدى وثلاثون سنة. وكان الذي قتله سعيد بن صالح الحاجب، بعثه ~~إليه المعتز؛ فلما رآه المستعين تيقن التلف وبكى وقال: ذهبت والله نفسي. ~~فلما قرب منه سعيد المذكور أخذ يتبعه بسوطه، ثم اتكاه فقعد على صدره، وقطع ~~رأسه. # قلت: وهذا أول خليفة قتل صبرا، مواجهة من بني العباس. # وكان المستعين مربوع القامة، أحمر الوجه، خفيف العارضين، بمقدم رأسه طول. # وكان حسن الوجه والجسم، بوجهه أثر جدري. وكان كريما، مسرفا، ms065 مبذرا ~~للخزائن، يفرق الجواهر والثياب والنفائس للكائن من كان. # PageV01P163 ### $ (المعتز بالله [محمد) # وقيل: الزبير] ابن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد ~~هارون ابن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور. أمير المؤمنين، أبو عبد الله، ~~الهاشمي، العباسي، البغدادي. # بويع بالخلافة عند خلع المستعين بالله عمه في سنة إثنتين وخمسين ومائتين، ~~[وهو ابن تسع عشرة سنة. # وكان مولده سنة إثنتين وثلاثين ومائتين] . # وأمه أم ولد، تسمى: قبيحة؛ لجمال صورتها. # قلت: هذا من أسماء الأضداد. ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه. # وكان شابا جميلا، مليح الوجه، مشربا بحمرة، حسن الجسم، بديع الحسن. # قال علي بن حرب الطائي - وهو أحد شيوخ المعتز في الحديث -: دخلت على ~~المعتز، فما رأيت خليفة أحسن منه. # PageV01P164 # ولما تم أمر المعتز في الخلافة، واستهل شهر رجب خلع المعتز أخاه المؤيد ~~إبراهيم من ولاية العهد، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ فلم يلبث المؤيد إلا أياما ~~ومات؛ فخشي المعتز بالله أن يتحدث الناس عنه أنه قتله [أو احتال] عليه؛ ~~فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس [به أثر] ، والله أعلم بموتته. # على أن المعتز كان في ضيق وحجر في خلافته مع الأتراك. واتفق أن جماعة ~~منهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين، أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح [بن] وصيف ~~التركي ونستريح منه. # وكان المعتز يخاف من صالح [المذكور] ؛ فطلب من أمه قبيحة مالا لينفقه ~~فيهم؛ فأبت عليه وشحت نفسها - وكانت في سعة من المال - ولم يكن بقي في بيوت ~~المال شيء؛ فاجتمع الأتراك حينئذ واتفقوا على خلعه من الخلافة. ووافقهم ~~صالح ابن وصيف ومحمد بن بغا؛ فلبسوا السلاح، وجاءوا إلى دار الخلافة؛ ~~فبعثوا إلى المعتز أن أخرج إلينا؛ فبعث يقول: قد شربت دواء وأنا ضعيف؛ فهجم ~~عليه [جماعة] منهم؛ فجروه برجليه وضربوه بالدبابيس، وأقاموه في الشمس في ~~يوم صائف؛ فبقي يرفع قدما ويضع أخرى وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك، ~~ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه. # PageV01P165 # ثم أحضروا من بغداد [إلى سامرا]- وهي يومئذ دار الخلافة - محمد ابن ~~الواثق - وكان المعتز ms066 قد أبعده إلى بغداد - فسلم إليه المعتز الخلافة، ~~وبايعه ولقبوه: المهتدي. ثم أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه وأدخلوه ~~الحمام؛ فلما تغسل [عطش] وطلب ماء؛ فمنعوه حتى كاد يهلك [وهو يطلب الماء، ~~ثم أخرج وهو ميت] عطشا؛ فسقوه ماء بثلج فشربه وسقط ميتا. # وكانت موتته في شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع وعشرون سنة. ~~وقيل: ثلاث وعشرون سنة. # وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة [عشر يوما] . # قلت: وبعد قتله أمسك صالح بن وصيف وغيره أمه قبيحة وصادروها؛ فوجدوا ~~عندها ألف ألف دينار [عينا] ، ونصف إردب زمرد، ونصف أردب لؤلؤ، وويبة ياقوت ~~أحمر، وأشياء كثيرة غير ذلك؛ فحمل [جميع] ذلك لإبن وصيف؛ فقال ابن وصيف: ~~قاتل الله قبيحة؛ عرضت ابنها للقتل وعندها هذه الأموال العظيمة. {} # ثم أخرجت قبيحة [المذكورة] إلى مكة على أقبح وجه؛ فأقامت بها [إلى أن] ~~ماتت. # PageV01P166 ### $ (المهتدي بالله [محمد] ) # ابن الواثق هارون بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي ~~جعفر المنصور. الهاشمي، العباسي، أمير المؤمنين، الخليفة الصالح، الدين، ~~أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله. # وأمه أم ولد، رومية تسمى: قرب. # ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين. # بويع بالخلافة بعد ابن عمه المعتز بالله في [اليوم التاسع والعشرين] [من] ~~[شهر] رجب سنة خمس وخمسين، وله بضع وثلاثون سنة. # ولما طلب لم يقبل بيعة أحد حتى أتي بالمعتز [بالله] ؛ فلما رآه المهتدي ~~[هذا] قام له وسلم عليه بالخلافة، وجلس بين يديه، وجئ بالشهود؛ فشهدوا على ~~المعتز أنه عاجز عن الخلافة؛ فاعترف بذلك ومد يده وبايع المهتدي [بالله ~~هذا] ؛ فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس. # PageV01P167 # وقال [المهتدي] : لا يجتمع سيفان في غمد. وهذا من قول أبي ذؤيب: # (تريدين كيما تجمعيني وخالدا ... وهل تجمع السيفان ويحك في غمد) # وكان المهتدي دينا، صالحا، ورعا، متعبدا، عادلا، قويا في أمر الله، بطلا، ~~شجاعا. لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير، ولو وجد ناصرا لكان أحيا ~~سنة عمر بن عبد العزيز؛ فإنه سار كثيرا في ms067 خلافته على سيرته. # قال الخطيب: لم يزل صائما منذ ولي الخلافة، إلى أن قتل. # وقال أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت بحضرة المهتدي عشية رمضان؛ فوثبت ~~لأنصرف فقال: اجلس. ثم أحضر بعد الصلاة طبقا وفيه أرغفة من الخبز وبعض ملح ~~وخل وزيت، فقال: كل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين {قد أسبغ الله نعمه عليك} قال: ~~صدقت، ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز؛ فغرت على بني ~~هاشم؛ فأخذت نفسي على ما رأيت. # قلت: كان قصده أن يقتفي سيرة عمر بن عبد العزيز، وكان يقول ويفعل؛ فلم ~~يجد معينا على ذلك. # وقال ابن عرفة النحوي: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفطا فيه جبة ~~صوف وكساء كان يلبسه في الليل ويصلي فيه. وكان قد أطرح الملاهي، وحرم ~~الغناء، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم. # PageV01P168 # وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين، يجلس بنفسه وتجلس الكتاب بين يديه؛ ~~فيعملون الحساب؛ فسامته الظلمة والأتراك، واتفقوا على خلعه وركبوا عليه ~~وحاربوه، وكان بطلا شجاعا؛ فحاربهم أشد محاربة بأناس قليلة، وفر عنه أصحابه ~~بعد أمور وقعت بينهم؛ فانكسر وأسر وخلع، ثم قتل شهيدا في شهر رجب سنة ست ~~وخمسين ومائتين. وكانت خلافته سنة إلا خمسة عشرة يوما. # وكان المهتدي أسمرا، رقيقا، مليح الوجه. وتخلف بعده ابن عمه [المعتمد ~~أحمد - رحمه الله تعالى -] . # PageV01P169 ### $ (المعتمد على الله أحمد) # ابن المتوكل [على الله] جعفر بن المعتصم [بالله] محمد بن الرشيد هارون بن ~~المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور. أمير المؤمنين، أبو العباس، الهاشمي، ~~العباسي. # ولد سنة تسع وعشرين ومائتين بسر من رأى. # وأمه أم ولد، رومية، اسمها: فتيان. # بويع بالخلافة بعد قتل ابن عمه [المهتدي] . وتم أمره في الخلافة، وطالت ~~أيامه. # وكان منهمكا في اللذات؛ فجعل أخاه - وهو ولي عهده - الموفق طلحة على ~~الأمور. # وانهمك هو في اللذات؛ فاستولى أخوه المذكور على جميع تعلقات الخلافة، ~~وقوي أمره، وصار إليه الحل والعقد، وانقهر معه المعتمد [هذا] ، وصار ~~كالمحجور عليه معه. # وكان الموفق متولي محاربة الزنج هو وولده ms068 أحمد المعتضد، والمعتمد هذا ~~غارق في السكر. وكان يعربد في سكره على الندماء. # PageV01P170 # وكان أخوه الموفق محببا للرعية والجند وعنده سياسة ومعرفة بالأمور ~~والتدبير. # وكان الموفق يلقب بالناصر لدين الله، ولو أراد الوثوب على الأمر لحصل له ~~ذلك؛ لأنه كان هو صاحب الجيش والعساكر، وإنما لأخيه المعتمد [هذا] اسم ~~الخلافة لا غير. # ولم يزل الموفق على ما هو عليه من الأمر والنهي، إلى أن مرض ومات في سنة ~~ثمان وسبعين ومائتين في حياة أخيه المعتمد هذا. # وكان الموفق قد حبس في حياته ولده المعتضد أحمد؛ فلما احتضر الموفق أخرجه ~~من الحبس وجعله عوضه في ولاية العهد؛ فكان المعتضد على عمه المعتمد هذا أشد ~~من [أبيه] الموفق؛ فلم تطل أيام المعتمد بعد موت أخيه الموفق، ومات فجأة ~~وهو سكران [في تاسع عشر] شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. # وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، ليس له فيها إلا مجرد الأسم [فقط] ، ~~والأمر كله لأخيه الموفق [طلحة] ، ثم من بعده لإبنه المعتضد أحمد. # [والمعتضد هو] الذي تخلف بعد عمه المعتمد هذا. # PageV01P171 ### $ (المعتضد بالله أحمد) # ابن ولي العهد الموفق [بالله] طلحة بن المتوكل [على الله] جعفر ابن ~~المعتصم [بالله] محمد بن الرشيد هارون. الهاشمي، العباسي [أمير المؤمنين، ~~أبو العباس] . # بويع بالخلافة بعد موت عمه المعتمد. # ومولده في سنة إثنتين وأربعين ومائتين في ذي القعدة في أيام جده. # وكان المعتضد هذا شجاعا، مقداما، مهابا، وهو آخر من ولي الخلافة ببغداد ~~من بني العباس بعظمة وحرمة ومهابة، ومن جاء بعده فهم كلا شيء بالنسبة إلى ~~المعتضد [هذا] . # وهو الذي حارب الزنج في أيام عمه [المعتمد] . وكان أبوه الموفق [يندبه ~~لهذه المهمات] ؛ لأنه كان مشغولا بأمور الرعية، وعمه المعتمد [الخليفة] ~~منهمك في اللذات. # PageV01P172 # وهو أيضا الذي حارب خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، ووقع له معه حروب ~~وخطوب، ثم اصطلحا وتزوج المعتضد بإبنته قطر الندى بنت خمارويه المذكور. # وكان الموفق قد خاف من ولده المعتضد وحبسه. فلما اشتد [مرض الموفق] عمد ~~غلمان المعتضد هذا إليه وأخرجوه ms069 من الحبس بلا إذن الموفق، ولا أخيه الخليفة ~~المعتمد. # فلما رآه الموفق أيقن بالموت، ثم قال له: يا ولدي لهذا اليوم خبأتك. وفوض ~~الأمور إليه، وأوصاه بعمه [الخليفة] المعتمد. وكان ذلك قبل موت الموفق ~~بثلاثة أيام. # ولما تخلف المعتضد أحبه الناس لحسن تدبيره وشدة بأسه. # ولما تزوج المعتضد بقطر الندى بنت خمارويه # -[المقدم ذكرها]- # أمهرها ألف ألف درهم. # وكان المعتضد عادلا في الرعية، مع مهابة وسطوة وجبروت، وشدة وطئة. # وكان أسمرا، نحيفا، معتدل الخلق. وكان يقدر على الأسد وحده. # قال المسعودي: كان المعتضد قليل الرحمة. قيل: إنه كان إذا غضب على قائد ~~أمر [أن] تحفر له حفيرة ويلقى فيها ويطم عليه. # قال: وكان ذا سياسة عظيمة. # PageV01P173 # وعن [عبد الله] بن حمدون أن المعتضد [خرج لصيد] ؛ فنزل إلى جانب مقثأة ~~وأنا معه؛ فصاح الناطور فقال: علي به؛ فأحضر، فسأله؛ فقال: ثلاثة غلمان ~~نزلوا المقثأة فأخربوها؛ فجئ بهم؛ فضربت أعناقهم في المقثأة من الغد. # فكلمني [المعتضد بعد مدة] وقال: أخبرني فيما ينكر علي الناس؟ قلت: سفك ~~الدماء. قال المعتضد: والله ما سفكت دما حراما منذ وليت {. # قلت: فلم قتلت أحمد بن الطيب؟} قال: دعاني إلى الإلحاد. # قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقثاة؟ قال: والله ما قتلتهم، وإنما قتلت ~~لصوصا [قد] قتلوا، وأوهمت بهم أنهم هم. # ثم دعا بصاحب الشرطة! فأحضرهم من الحبس. # قلت: هكذا تكون معرفة السلطان وتدبيره في رعيته. # وعن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث صباح الوجوه ~~روم؛ فنظرت إليهم؛ فرآني المعتضد أتأملهم؛ فلما أردت القيام أشار إلي، ثم ~~قال: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط. # قال: ودخلت إليه مرة أخرى؛ فدفع إلي كتابا؛ فنظرت فيه؛ فإذا قد جمع فيه ~~الرخص من زلل العلماء؛ فقلت: مصنف هذا زنديق. قال: لم تصح # PageV01P174 # هذه الأحاديث؛ قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح ~~المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا له زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ~~ذهب دينه؛ فأمر المعتضد بالكتاب؛ فأحرق. # واستمر ms070 المعتضد في الخلافة، إلى أن توفي في يوم الأثنين لثمان بقين من ~~[شهر] ربيع الآخر سنة تسع وثمانين [ومائتين] . # ودفن في حجرة الرخام. # وكان المعتضد يسمى: السفاح لثاني؛ لأنه جدد ملك بني العباس. # ومن عجيب ما ذكر عنه المسعودي # -[إن صح]- # قال: شكوا في [موت المعتضد] ؛ فتقدم الطبيب فجس نبضه؛ ففتح عينه ورفس ~~الطبيب برجله فدحاه أذرعا، ومات الطبيب، ثم مات المعتضد من ساعته. # وكانت [خلافة المعتضد] تسع سنين وتسعة أشهر ونصفا. # وتخلف بعده [إبنه] [المكتفي علي] . # PageV01P175 ### $ (المكتفي بالله علي) # ابن المعتضد بالله أحمد بن ولي العهد الموفق طلحة بن جعفر المتوكل بن ~~المعتصم محمد بن الرشيد هارون. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين، أبو محمد. # ولد سنة أربع وستين ومائتين. # وأمه أم ولد تسمى: خاضع. # وكان يضرب المثل بحسنه في زمانه. كان معتدل القامة، دري اللون، أسود ~~الشعر، حسن اللحية، جميل الصورة. # بويع بالخلافة بعد موت والده المعتضد في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ~~[ومائتين] . وأخذ له أبوه البيعة في مرض موته، ثم نهض بأعبائها بعد موته ~~الوزير أبو الحسين القاسم بن عبيد الله. # [و] في أيام المكتفي - في سنة تسعين ومائتين - كان بمصر غلاء عظيم حتى ~~أكل الناس الميتة، ولم يبق من العالم إلا القليل. # PageV01P176 # ولم تطل أيامه ومات شابا في ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وكانت ~~خلافته ستة أعوام ونصفا. # واستخلف بعده أخوه المقتدر بتفويض المكتفي إليه في مرضه بعد أن سأل عنه ~~المكتفي وصح عنده أنه احتلم؛ فبويع المقتدر وقد دخل في أربع عشرة سنة. # وذكر أبو منصور الثعالبي قال: حكى إبراهيم بن نوح أن الذي خلفه المكتفي ~~مما جمعه هو وأبوه مائة ألف ألف دينار عين، وأمتعة وعقار وأواني؛ فكان من ~~جملة [تلك] الأمتعة: ثلاثة وستون ألف ثوب ديباج. # PageV01P177 ### $ (المقتدر بالله) # أبو الفضل، جعفر ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم ~~محمد بن الرشيد هارون. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه المكتفي وعمره أربع عشرة سنة، في سنة خمس ~~وتسعين ومائتين. ms071 # وأمه أم ولد تسمى: شغب. # ولما استخلف المقتدر في هذه المرة الأولى لم يتم أمره؛ [لصغر سنة] وتغلب ~~عليه الجند. واتفق جماعة من الأعيان على خلعه من الخلافة وتولية # عبد الله بن المعتز # ، وكلموا ابن المعتز [في ذلك] ؛ فأجابهم بشرط أن لا يكون فيها دم؛ فإنه ~~كان عالما، فاضلا؛ دينا، أديبا، شاعرا، فأجابوه لذلك وكان رأسهم محمد بن ~~داود بن الجراح، وأبو المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حمدان، ~~واتفقوا على قتل المقتدر ووزيره العباس وفاتك. # PageV01P178 # فلما كان يوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ركب الحسين بن ~~حمدان والقواد، فشد ابن حمدان على الوزير فقتله؛ فأنكر عليه فاتك؛ فعطف على ~~فاتك فقتله. # ثم شد على المقتدر - وكان يلعب بالصوالجة - فسمع الضجة؛ فدخل وأغلقت ~~الأبواب؛ فعاد ابن حمدان ونزل وأحضر عبد الله بن المعتز والقواد والقضاة ~~والأعيان وبايعه - حسبما يأتي ذكره -. # وخلع المقتدر من الخلافة - وهو مقيم بالحريم داخل دار الخلافة -؛ فكانت ~~خلافة المقتدر إلى يوم خلع بإبن المعتز دون السنة. ثم أعيد من الغد ثاني ~~يوم خلع - على ما سيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى -. # PageV01P179 ### $ عبد الله بن المعتز # ابن المتوكل جعفر بن المعتصم [محمد، العباسي] الهاشمي، أمير المؤمنين، ~~أبو العباس، الأديب، صاحب الشعر الرائق والنثر الفائق، والتشابيه المخرعة. # ومولده في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين. # تقدم أن الحسين بن حمدان قام في أمره مع جماعة من القواد، وخلع المقتدر ~~من الخلافة، وجمع القضاة والقواد، وبايع عبد الله هذا بالخلافة ولقبه ~~بالغالب بالله. وقيل: بالراضي [بالله] . # واستوزر محمد بن داود الجراح، وجعل يمن الخادم حاجبه؛ فغضب سوسن الخادم، ~~وعاد إلى دار المقتدر وطاعته. # [وتم أمر] عبد الله بن المعتز في ذلك (اليوم وهو العشرين من شهر ربيع ~~الأول سنة ست وتسعين ومائتين، ونفذت الكتب بخلافته إلى الأقطار. # وقال المعافى [بن] زكريا الجريري) : حدثت أن المقتدر لما خلع وبويع ابن ~~المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير؛ فقال: ما الخبر؟ # PageV01P180 # قيل: بويع ابن المعتز. قال: فمن رشح ms072 للوزارة؟ قيل: محمد بن داود. قال: ~~فمن ذكر للقضاء؟ قيل: الحسين بن المثنى؛ فأطرق ابن جرير، ثم قال: هذا أمر ~~لا يتم، قيل: وكيف! ؟ قال: كل واحد ممن سميتم متقدم في معناه على الرتبة ~~والزمان، مدبر والدنيا مولية، وما أرى [هذا] إلا إلى اضمحلال، وما أرى ~~لمدته طولا. إنتهى. # ولما تخلف ابن المعتز بعث إلى المقتدر يأمره بالإنصراف إلى دار محمد ابن ~~طاهر؛ لكي ينتقل ابن المعتز إلى دار الخلافة؛ فأجاب المقتدر، وقد بقي عنده ~~أناس قليلة وباتوا تلك الليلة. # وأصبح الحسين بن حمدان باكرا إلى دار الخلافة، وقاتل أعوان المقتدر؛ ~~فقاتلوه ودفعوه عنها، ثم خرجوا بالسلاح وقصدوا مكان ابن المعتز. # فلما رآهم من حول ابن المعتز أوقع الله في قلوبهم الرعب؛ فانهزموا بغير ~~حرب؛ فركب ابن المعتز فرسا ومعه وزيره ابن داود وحاجبه يمن وقد شهر سيفه؛ ~~فلم يتبعه أحد. # فلما رأى أمره في إدبار نزل عن دابته، ودخل دار ابن الجصاص، واختفى ~~الوزير وغيره، ونهبت دورهم. # وخرج المقتدر، واستفحل أمره، وأمسك جماعة ابن المعتز ومن قام بنصرته ~~وخلافته وحبسهم، ثم قتل غالبهم. # واستقام أمر المقتدر، وأعيد للخلافة، ثم قبض على ابن المعتز وابن الجصاص، ~~وحبس ابن المعتز أياما، ثم أخرج ميتا في شهر ربيع الآخر [سنة ست وتسعين ~~ومائتين] . # وكان الذي تولى هلاكه مؤنس الخادم. # PageV01P181 # قيل: إنه لما علم أن مؤنسا يريد هلاكه قال أبياتا [تقول] أولها: # (يا نفس صبرا لعل الخير عقباك ... خانتك من بعد طول الأمن دنياك) # وكان ابن المعتز - رحمه الله - إماما، شاعرا، بليغا، فصيحا، مفوها. # وكانت خلافته يوما واحدا. وقيل: نصف يوم. وبعضهم لم يذكره مع الخلفاء، ~~وسماه بالأمير، لا أمير المؤمنين. # ومذهبي فيه أنه: أمير المؤمنين - ولو لم يل الخلافة - فإنه كان أهلا ~~للخلافة خليقا لها - رحمه الله -. # ومن شعره - وفيه لف ونشر أربعة بأربعة -: # (انظر إلى اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد) # (كأنه أنت يا من لا شبيه له ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد) # PageV01P182 ### $ المقتدر بالله # أبو الفضل، جعفر. # أعيد إلى ms073 الخلافة [في صبيحة] يوم خلعه بعبد الله بن المعتز، وقد ذكرنا ~~ذلك في ترجمة عبد الله بن المعتز، وكيفية عوده إلى الخلافة وظفره بابن ~~المعتز وقتله له؛ فكان خلعه من الخلافة بابن المعتز يوما واحدا، ولم ينتقل ~~من دار الخلافة، بل امتنع بها عند خلعه ومبايعة عبد الله بن المعتز، ثم ~~أصبح يمن معه وقاتل أعوان ابن المعتز وهزمهم، وظفر بابن المعتز وأعيد ~~للخلافة ولم يغير لقبه. # واستمر في الخلافة، وظفر بأعدائه واحدا بعد واحد. # واستوزر أبا الحسين بن علي بن محمد بن الفرات؛ فسار ابن الفرات في الناس ~~أحسن سيرة، وكشف المظالم، وفوض إليه المقتدر جميع الأمور؛ لصغر سنه. # واشتغل المقتدر باللعب مع الندماء والمغنين، وعاشر النساء، وغلب أمر ~~الحرم والخدم على الدولة، وأتلف الخزائن. # ومع هذا كان عنده بقية، وعسكر هائل. # قيل: إنه لما بعث ملك الروم رسله إليه عبأ لهم المقتدر العساكر، وصفت ~~الدار بالأسلحة وأنواع الزينة. # وكانت جملة العسكر [المصفوف] حينئذ مائة ألف وستين ألفا. ووقفت الغلمان ~~الحجرية بالزينة والمناطق الذهب، ووقف الخدم الخصيان # PageV01P183 # كذلك، ووقفت الحجاب - وكانوا سبعمائة [حاجب]-. وألقيت المراكب في دجلة ~~بالنفط والدبادب، ولعبوا في البحر. # وزينت دار الخلافة بالستور والبسط؛ فكانت جملة الستور المعلقة ثمانية ~~وثلاثون ألف ستر، منها ديباج مذهب إثني عشر ألف [ستر] وخمسمائة. وجملة ~~البسط إثنين وعشرين ألف بساط. # وكان بدار الخلافة يوم ذاك مائة سبع مع مائة سباع. # وكان في جملة الزينة شجرة من ذهب وفضة، تشتمل على ثمانية عشر غصنا، ~~وأوراقها أيضا من ذهب وفضة، وأغصانها تتمايل بحركات موضوعة، وعلى الأغصان ~~طيور من ذهب وفضة، تنفخ فيها الريح؛ فيصفر كل طير بلغة، وأشياء غير ذلك. # قلت: هذا بعد أن ضعف أمر الخلافة؛ فما بالك بأيام الرشيد ومن قبله إلى من ~~بعده إلى أيام المعتضد. # وفي أيام المقتدر هذا قتل الحلاج: ((الحسين بن منصور)) على الزندقة في ~~سنة تسع وثلثمائة. وكان الحلاج [رجلا] صوفيا وفيه زهد وله كرامات. # واستمر المقتدر في الخلافة إلى سنة سبع عشرة وثلثمائة، ثم ms074 خلع ثانيا ~~بأخيه القاهر، [ثم أعيد] ثالثا إلى الخلافة بعد ثلاثة أيام. # PageV01P184 ### $ (القاهر بالله) # أبو منصور محمد بن المعتضد أحمد بن ولي العهد [الموفق طلحة] ابن المتوكل ~~جعفر. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين. # وأمه أم ولد مغربية تسمى: فنون. # بويع بالخلافة بعد أن قبض على أخيه المقتدر [جعفر] وعلى أمه وخالته، ~~وأخرجوا إلى دار مؤنس. # وكان القاهر هذا محبوسا؛ فوصل في الثلث الأخير من ليلة الخامس عشر من ~~محرم سنة سبع عشرة وثلثمائة. # وبايعه مؤنس والأمراء، ولقبوه بالقاهر [بالله] . # واستقر أبو علي بن مقلة وزيره، واستقر الخادم نازوك في الحجوبية والشرطة. ~~ونهبت دار الخلافة وبغداد، فنهب لأم المقتدر - فيما نهب للناس - ستمائة ألف ~~دينار. # ثم أشهد المقتدر على نفسه بالخلع في يوم السبت، وجلس القاهر في يوم ~~الأحد. # PageV01P185 # وكتب الوزير عنه إلى الأقطار، وعمل الموكب يوم الأثنين؛ فامتلأت دهاليز ~~الدار بالعسكر يطلبون رزق البيعة - أعني النفقة - ورزق سنة أيضا. # ولم يأت مؤنس يومئذ إلى دار الخلافة خوفا من الفتنة؛ فارتفعت أصوات ~~الرجالة، ثم هجموا على نازوك - وهو بدار الخلافة - فقتلوه، وصاحوا: [يا ~~مقتدر] ، يا منصور؛ فتهارب من دار الخلافة الوزير والحجاب، ثم صاروا إلى ~~دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة. وأغلق خدم المقتدر دار ~~الخلافة؛ فأراد أبو [الهيجاء بن] حمدان الخروج؛ فتعلق به الخليفة القاهر ~~وقال: تسلمني وتخرج؛ فداخلته الحمية ورجع معه؛ فقتل بعد أمور، وحز رأسه. # ثم أخرج المقتدر، وحضر إلى دار الخلافة وجلس بمجلسه، فأتوه بأخيه محمد ~~القاهر هذا، وأجلس بين يديه؛ فاستدناه المقتدر وقبل جبينه وقال له: يا أخي ~~أنت والله لا ذنب لك. والقاهر يبكي ويقول: الله الله يا أمير المؤمنين في ~~نفسي؛ فقال المقتدر: والله لا جرى عليك مني سوء أبدا؛ فطب نفسا [وقر عينا] ~~. # (وطيف برأس [أبي] ) الهيجاء ورأس نازوك ببغداد. # ونودي: هذا جزاء من عصى مولاه وكفر نعمته؛ فسكن الناس. # وأقام القاهر عند أخيه المقتدر مبجلا محترما، إلى أن أعيد إلى الخلافة ~~بعد موت [أخيه] [المقتدر - حسبما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى ms075 -] . # PageV01P186 ### $ (المقتدر بالله جعفر) # أعيد إلى الخلافة ثالث مرة - حسبما تقدم ذكره -. # ولما أعيد إلى الخلافة كتب بذلك إلى سائر البلاد، وتم أمره، ثم بذل ~~الأموال في الجند حتى أنفذ الخزائن وباع ضياعا وغيرها حتى تمم عطاءهم. # ثم في السنة المذكورة - أعني سنة سبع عشرة وثلثمائة - سير المقتدر ركب ~~الحاج مع منصور الديلمي؛ فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم في يوم التروية ~~عدو الله أبو طاهر القرمطي؛ فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا في ~~أزقة مكة، وفي داخل البيت. # وقتل ابن محارب أمير مكة، وعرى البيت، وقلع بابه، واقتلع الحجر الأسود ~~وأخذه، وطرح القتلى في بئر زمزم. ثم رجع إلى بلاد هجر ومعه الحجر الأسود. # وكان القرمطي دخل مكة بأناس قلائل - نحو السبعمائة نفس - فلم يطق أحد ~~رده؛ خذلانا من الله. # وصار القرمطي يقول بمكة عند قتله أهلها: # (أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا {} ) # PageV01P187 # وكان الذي قتل بمكة في هذه الكائنة أزيد من ثلاثين ألف إنسان، وسبي من ~~النساء والصبيان مثل ذلك. # وكانت مدة إقامته بمكة ستة أيام. # وبعد عوده إلى هجر رماه الله في جسده، وطال عذابه، وتقطعت أوصاله، وتناثر ~~الدود من لحمه، إلى أن مات. # وبقي الحجر عند القرامطة نحو عشرين سنة. # ولما [أخذته القرامطة وسارت] به إلى هجر هلك تحته أربعون جملا. # فلما أعيد بعد سنين إلى مكة حمل على قعود هزيل فسمن القعود. # ولما كان الحجر عندهم دفع فيه بجكم التركي خمسين ألف دينار؛ ليرده إلى ~~مكانه؛ فأبوا وقالوا: أخذناه بأمر وما نرده إلا بأمر. # قلت: وأمر القرامطة يطول الشرح في ذكرهم - لعنهم الله [تعالى]-. # وأما المقتدر؛ فإنه أقام في الخلافة بعد ذلك، إلى أن قتل في يوم الأربعاء ~~سابع عشرين شوال سنة عشرين وثلثمائة في حرب كان بينه وبين # PageV01P188 # مؤنس الخادم؛ فتوغل المقتدر في وسط المعركة؛ فوافاه جماعة من عسكر مؤنس ~~من البربر، فضربه رجل منهم من خلفه ضربة سقط منها إلى الأرض؛ فقال له: ويلك ~~أنا الخليفة؛ فقال: أنت المطلوب، وذبحه بالسيف، وشال ms076 رأسه على رمح. # ثم سلب ما عليه، وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش، ثم حفر له في ~~الموضع، ودفن، وعفى أثره. # وأعيد [بعده] [إلى الخلافة] القاهر ثانيا. # وكانت خلافة المقتدر أولا وثانيا وثالثا خمسا وعشرين سنة إلا بضعة عشر ~~يوما. # وكان النساء قد غلبن عليه. وكان سخيا، مبذرا، يصرف في كل سنة للحج أكثر ~~من ثلثمائة ألف دينار. # وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان - غير الصقالبة والروم والسود -. # وقال الصولي: كان المقتدر يفرق يوم عرفة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس، ~~ومن الغنم خمسين ألفا. # ويقال: إنه أتلف من المال ثمانين ألف ألف دينار، حتى أتلف نفسه بيده من ~~سوء تدبيره - رحمه الله [تعالى]-. # PageV01P189 ### $ (القاهر بالله) # أبو منصور، محمد. # تخلف ثانيا بعد قتل أخيه جعفر المقتدر في سابع عشرين شوال سنة عشرين ~~وثلثمائة. # ولما تخلف أساء السيرة، وقتل أبا السرايا نصر بن حمدان، وإسحاق بن ~~إسماعيل النوبختي الذي كان أشار بخلافته وغيرهما؛ فنفرت القلوب منه؛ فاجتمع ~~الناس على الفتك به، وأتوا باكرا النهار إلى دار الخلافة - وكان نائما ~~سكرانا إلى أن طلعت الشمس - فنبهوه فلم ينتبه لشدة سكره. # وهرب الوزير في زي إمرأة، وكذا سلامة الحاجب؛ فدخلوا بالسيوف على القاهر؛ ~~فأفاق من سكره وهرب إلى سطح حمام واستتر؛ فأتوا مجلس القاهر وفيه عيسى ~~الطبيب وزيرك الخادم، واختيار القهرمانة؛ فسألوهم عن القاهر؛ قالوا: ما ~~نعرف له خبرا؛ فرسموا عليهم. # ووقع في أيديهم خادم للقاهر؛ فضربوه؛ فدلهم عليه؛ فجاؤوه وهو على السطح ~~وبيده سيف مسلول؛ فقالوا: انزل؛ فامتنع؛ ففوق واحد منهم سهما وقال: انزل ~~وإلا قتلتك؛ فنزل إليهم؛ فقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة من سنة إثنتين ~~وعشرين وثلثمائة. # ثم أخرجوا أبا العباس محمد [بن] المقتدر وأمه من الحبس وبايعوه ولقبوه # : الراضي بالله. # PageV01P190 # ثم أرسل الراضي بالقاضي وغيره إلى القاهرة؛ ليخلع نفسه؛ فأبى؛ فعادوا ~~[إلى الراضي] بالخبر، فقال لهم: انصرفوا ودعوني وإياه؛ فانصرفوا؛ فأشار ~~سيما مقدم الحجرية على الراضي بمسكه؛ فأمسكه. # ثم أرسل الراضي [إليه] بسيما وظريفا؛ فدخلا [على القاهر] ms077 وأكحلاه بمسمار ~~محمى في النار؛ فعمى. # ودام مسجونا؛ إلى أن مات في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين. وكانت خلافته ~~سنة ونصفا وإسبوعا. # وكان أسمرا، ربعة، أصهب الشعر، طويل الأنف. # وقال محمود الأصفهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدماء. # وقال الصولي: كان أهوجا، سفاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلون ~~والإستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل. # وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتى يقتل إنسانا. # قلت: والقاهر هذا [كان] قد قرب المنجمين وعمل بقولهم - على طريق أبي جعفر ~~المنصور، وهو أول خليفة قربهم -. # وكان عنده نوبخت المنجم، وعلي بن عيسى الأسطرلابي. # PageV01P191 # وهو أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية؛ ككتاب كليلة ودمنة، ~~وكتاب أرسطاطاليس في المنطق، وإقليدس، وكتب اليونان؛ فنظر [الناس] فيها ~~وتعلقوا بها؛ فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسير. # PageV01P192 ### $ (الراضي بالله) # أبو العباس، محمد بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أحمد بن ولي العهد، ~~الموفق طلحة بن المتوكل جعفر. الهاشمي، العباسي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد عمه القاهر - حسبما تقدم ذكره - بعدما سمل القاهر سنة ~~إثنتين وعشرين وثلثمائة. # ومولد الراضي في سنة سبع وتسعين ومائتين. # وأمه أم ولد رومية تسمى: ظلوم. # وكان الراضي قصيرا، أسمرا، نحيفا، في وجهه طول. # قلت: وفي أيامه ضعف أمر الخلافة وانحل أمرها، حتى لم يبق للخلفاء من ~~البلاد سوى بغداد وما والاها. # وعظم في أيامه أمر الحنابلة ببغداد حتى صاروا يكبسون دور الأمراء ~~والقواد؛ فإن وجدوا نبيذا أراقوه، أو قنينة كسروها. # ثم اعترضوا على الناس في البيع والشراء. إنتهى. # PageV01P193 # وقال [أبو بكر] الخطيب: وكان للراضي فضائل، منها: أنه آخر خليفة له شعر ~~مدون، [وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش، وآخر خليفة خطب يوم الجمعة] ، وآخر ~~خليفة جالس الندماء. # وكانت جوائزه وأموره على ترتيب [الخلفاء] المتقدمين. إنتهى. # قلت: وتوفي الراضي في [شهر] ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلثمائة. # PageV01P194 ### $ (المتقي بالله) # أبو إسحاق، إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر، الهاشمي، العباسي، البغدادي، ~~أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة لما مات أخوه الراضي. ms078 # وأمه أم ولد تسمى: خلوب. # ولما تخلف المتقي كانت في أيامه حروب وفتن وزلازل أقامت تعاود الناس ستة ~~أشهر حتى خربت البلاد. # وفي أيامه أرسل ملك الروم يطلب منه منديلا زعم أن المسيح مسح به وجهه؛ ~~فصارت صورة وجهه فيه - وكان هذا المنديل في كنيسة الرها -. # وأرسل ملك الروم يقول للمتقي: إن أرسلت إلي هذا المنديل أطلقت لك عشرة ~~آلاف أسير من المسلمين. # فأحضر المتقي الفقهاء واستفتاهم؛ فقالوا: أرسل هذا المنديل؛ ففعل وأطلق ~~الأسراء. # PageV01P195 # وأما الحروب التي كانت في أيامه فكثيرة، [وكان] بينه وبين توزون التركي ~~[خطوب وحروب] يطول شرحها. # وآخر الحال أنه لما كان رابع المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة توجه ~~المتقي من الرقة إلى جهة بغداد، وكان خرج منها في حرب كان بينه وبين توزون ~~وغيره؛ فنزل المتقي بهيت وبعث القاضي أبا الحسن الخرقي إلى توزون وابن ~~شيرزاد؛ فأعاد الأيمان عليهما. # وخرج توزون وتقدمه [ابن شيرزاد] ، فالتقيا بالمتقي بين الأنبار وهيت. # وقال المسعودي: لما التقى توزون بالمتقي ترجل وقبل الأرض؛ فأمره المتقي ~~بالركوب؛ فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه. # فلما نزل المتقي قبض عليه توزون وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل توزون ~~المتقي؛ فصاح المتقي وصاح النساء؛ فأمر توزون بضرب الدبادب حول المخيم ~~ساعة، ثم أدخل المتقي بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة ~~والقضيب. # وبلغ القاهر - الذي كان خلع من الخلافة وسمل - فقال: صرنا إثنين ونحتاج ~~إلى ثالث - يعرض بالمستكفي الذي نصبه توزون بالأمس في الخلافة؛ # PageV01P196 # [فكان كما قال - على ما سيأتي ذكره - ثم أحضر توزون عبد الله بن المكتفي ~~وبايعه بالخلافة] ولقبه بالمستكفي بالله. # وكانت [خلافة المتقي] نحو أربع سنين. وعاش بعد خلعه وسمله خمسا وعشرين ~~سنة. # والعجب أن توزون لما فعل بالمتقي ما فعل لم يحل عليه الحول ومات من سنته. # PageV01P197 ### $ (المستكفي بالله) # أبو القاسم، عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد أحمد. العباسي، ~~الهاشمي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعدما كحل المتقي في عشرين صفر سنة ثلاث وثلاثين ms079 وثلثمائة، ~~وعمره إحدى وأربعون سنة. # قال ثابت: أحضر توزون عبد الله بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقبه: ~~المستكفي بالله. إنتهى. # قلت: أم المستكفي أم ولد تسمى: فضة. # وفي أيامه استولى معز الدولة أحمد بن بويه على الأهواز والبصرة وواسط؛ ~~فخرج إليه توزون؛ فكان بينهما حروب [يطول شرحها] ، دامت أشهرا، ثم مات ~~[توزون] بالصرع في السنة. # وفي أيامه كان بين الأخشيد صاحب مصر [وبين] سيف الدولة صاحب حلب حروب، ~~وملك الأخشيد حلب منه، ثم اصطلحا، وتزوج سيف الدولة ببنت أخي الأخشيد. # PageV01P198 # وفي سنة أربع وثلاثين وثلثمائة لقب المستكفي نفسه: ((إمام الحق)) ، ودخل ~~معز الدولة أحمد بن بويه بغداد - وهو أول من ملكها من الديلم بإذن المستكفي ~~غصبا عليه - ودام أشهرا. # ثم وقعت الوحشة بينه وبين المستكفي في جمادى الآخرة [من] سنة أربع ~~وثلاثين المذكورة، ودخل معز الدولة بحواشيه على الخليفة المستكفي؛ فوقف ~~والناس وقوف على مراتبهم؛ فتقدم إثنان من الديلم فطلبا من الخليفة الرزق؛ ~~فمد الخليفة يده إليهما - ظنا منه أنهما يريدان تقبيلها - فجذباه من السرير ~~وطرحاه إلى الأرض، وجراه بعمامته. وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم، ~~ونهبوا، وقبضوا على القهرمانة وخواص الخليفة. # ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيا إليه. ولم يبق في دار ~~الخلافة شئ. # وخلع المستكفي، ثم سلمت يومئذ عيناه، فصار ثالث خليفة قد سمل - كما أشار ~~إليه القاهر المسمول أولا حسبما تقدم -. # فكانت خلافة المستكفي سنة وأربعة أشهر ويومين. # وتوفي بعد ذلك في سنة ثمان وثلاثين، وعمره ستا وأربعون سنة. # ثم أحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر [جعفر] وبايعوه ~~بالخلافة، ولقبوه: [المطيع بالله] . # PageV01P199 ### $ (المطيع لله) # أبو القاسم، الفضل بن المقتدر جعفر [بن المعتضد أحمد بن ولي العهد الموفق ~~طلحة بن المتوكل جعفر] . الهاشمي، العباسي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة [في] سنة أربع وثلاثين وثلثمائة بعد خلع المستكفي وسمله. # وأمه أم ولد تسمى: شغلة. # ومولده في أول سنة إحدى وثلثمائة. # وتم أمره وطالت أيامه. # وفي أيامه كانت بمصر زلازل عظيمة، عاودت الناس أشهرا، وخرب بسببها عدة ms080 ~~بلاد، وسكنت الناس الصحراء. # وفي أيامه أمطرت بغداد حصى، زنة كل حصاة رطل؛ فقتلت خلقا كثيرا من الناس ~~والدواب والطير. # PageV01P200 # وفي أيامه أيضا وردت محاضر شرعية عليه أنه: خسف بمائة وخمسين قرية من أرض ~~الري وأرض الطالقان وصارت كلها نارا، وتقطعت الأرض، فطلع منها دخان عظيم، ~~وقذفت الأرض جميع ما في بطنها حتى عظام الموتى من القبور. قاله ابن الجوزي، ~~ثم قال: ووقع حريق [عظيم] بمصر احترقت فيه: قيسارية العسل، وسوق الزياتين، ~~وألف وسبعمائة دار. # ونادى كافور الأخشيدي: من جاء بجرة ماء فله درهم؛ فكان جملة ما صرف على ~~الماء أربعة عشر ألف دينار. # (وفي أيامه حاصر الروم [حلب] ، وفتحوها بالسيف، واستولوا عليها، ووضعوا ~~في أهلها السيف تسعة أيام، وأخذوا من أهلها تسعة عشر ألف صبي وصبية، وأخذوا ~~من دار سيف الدولة بن حمدان ثلاثة آلاف ألف درهم، وحملوا جميع ما كان فيها ~~من الأموال، وما عجزوا عن حمله أحرقوه) . # وفي أيامه - في سنة تسع وأربعين وثلثمائة - أسلم من الترك مائتا ألف ~~خركاة، وحضروا إلى دار الإسلام بأهلهم وأموالهم. # PageV01P201 # ثم في سنة إثنتين وخمسين وثلثمائة أرسل بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن ~~حمدان رجلين ملتصقين من تحت إبطهما، ولهما بطنان وسرتان وفرجان، ومقعدان، ~~وكل منهما كامل الأطراف؛ فأراد ناصر الدولة افصالهما؛ فأحضر الأطباء ~~فسألوهما: هل تجوعان وتعطشان معا؟ قالا: نعم. فقال الأطباء: متى فصلناهما ~~ماتا. # وذكر أبوهما أنهما يختصمان في بعض الأوقات ويقيمان مدة لا يتكلمان، ثم ~~يصطلحان. وزاد بعضهم فقال: إنه كان أحدهما يميل إلى النساء والآخر إلى ~~الصبيان. # ثم مات الواحد؛ فربطوه بحبل حتى انقطع، وبقي الآخر مدة [بعده] ، ثم مات. # وفي أيام المطيع هذا دخل المعز أبو تميم العلوي المغربي إلى مصر وملكها، ~~وبطل إسم المطيع من الخطبة منها ومن أعمالها. # واستمر المطيع في الخلافة إلى سنة ثلاث وستين [وثلثمائة] أظهر ما كان ~~يستره من مرضه وتعذر الحركة، وثقل لسانه من الفالج الذي اعتراه؛ فدعاه ~~الحاجب عز الدولة سبكتكين إلى خلع نفسه من الخلافة، ويسلم الأمر إلى ms081 ولده ~~الطائع؛ ففعل ذلك. # PageV01P202 # وعقد للطائع في يوم الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة [من] سنة ثلاث وستين ~~[المذكورة] . # واستمر الطائع في الخلافة؛ فكانت مدة خلافة المطيع [هذا] تسعا وعشرين سنة ~~وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يوما. # وصار المطيع بعد أن خلع من الخلافة يسمى: الشيخ الفاضل، وصار في خلافة ~~ولده مكرما، إلى أن مات بعد أشهر في محرم سنة أربع وستين [وثلثمائة] . وكان ~~هو وابنه مستضعفين [مع] بني بويه. # PageV01P203 ### $ الطائع لله # أبو بكر، عبد الكريم بن المطيع [الفضل] . الهاشمي، العباسي، أمير ~~المؤمنين. # بويع بالخلافة لما خلع أبوه المطيع نفسه في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، ~~واستخلف في حياة والده. # وأمه أم ولد تسمى: عتب. # كان [مربوع القامة] ، كبير الأنف، أبيض أشقر. # وقال أبو الفرج بن الجوزي: ولما ولي الطائع الخلافة ركب وعليه البردة ~~ومعه الجيش، وبين يديه سبكتكين الحاجب، وعقد له اللواء. # وقال غيره: وفي أيام الطائع - في سنة خمس وسبعين وثلثمائة - خرج طائر من ~~[البحر بعمان]- ولونه أبيض - بقدر الفيل؛ فقعد على تل هناك وصاح بصوت فصيح: ~~قد قرب الأمر - ثلاث مرات - ثم غاص في البحر، ثم طلع في اليوم الثاني وقال ~~مثل ذلك، ثم طلع في اليوم الثالث وقال مثل ذلك، ثم غاب فلم يطلع. إنتهى. # PageV01P204 # واستمر الطائع في الخلافة إلى سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. فلما كان [في] ~~شعبان من السنة خلع [الطائع] من الخلافة، وسببه: أن أبا الحسن [بن] المعلم ~~كان من خواص بهاء الدولة بن بويه؛ فحبسه الطائع؛ فجاء بهاء الدولة إلى ~~الخليفة - وقد جلس [الخليفة الطائع] في الرواق متقلدا سيفا - فلما قرب بهاء ~~الدولة قبل الأرض، وجلس على كرسي على عادته. فلما تم جلوسه تقدم رجال من ~~أصحاب بهاء الدولة؛ فجذبوا الطائع بحمائل سيفه من سريره، وتكاثر عليه ~~الديلم؛ فلفوه في كساء، وحمل في زبزب، وأصعد إلى دار المملكة - أعني دار ~~بهاء الدولة -. وشاش البلد، وظن أكثر الجند أن القبض [على بهاء الدولة] ؛ ~~فوقعوا في النهب، وشلح من حضر من الأشراف والعدول. # وقبض على الرئيس [علي] بن ms082 عبد العزيز [بن] حاجب النعمان في جماعة ~~وصودروا. ثم رجع بهاء الدولة إلى داره وأظهر أمر القادر بالله، وأنه ~~الخليفة، ونودي له في الأسواق. # وكتب عن الطائع كتابا بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله. وشهد ~~عليه الأكابر والأشراف. وعاش الطائع بعد ذلك، إلى أن مات في سنة ثلاث ~~وتسعين وثلثمائة. # وكانت خلافته نحو ثماني عشرة سنة. # PageV01P205 ### $ (القادر بالله) # أبو العباس، أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد [بن] ~~ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد ابن الرشيد هارون. ~~العباسي، الهاشمي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد خلع الطائع، وتم أمره. # وأمه أم ولد تسمى: يمن، مولاة عبد الواحد بن المقتدر. # وكانت دينة خيرة، توفيت سنة تسع وتسعين وثلثمائة. # [بويع القادر بالخلافة عند قبض الطائع] في حادي عشر شهر رمضان سنة إحدى ~~وثمانين وثلثمائة. # ومولده في سنة ست وثلاثين وثلثمائة. # وكان أبيض، كث اللحية طويلها، يخضب بالسواد. # وكان من أهل الستر والصيانة، وكثرة الصدقات، ولديه فضيلة وتفقه. # وصنف كتابا في الأصول، ذكر فيها فضائل الصحابة، وأكفار المعتزلة، ~~والقائلين بخلق القرآن. # PageV01P206 # وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة، في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ~~بحضرة الناس مدة خلافته، وهي إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر. # وفي أيامه غزا يمن الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند، وفتح بلادا ~~كثيرة، وغنم أموالا عظيمة، أهدى إلى القادر منها هدية جليلة، منها: صنم ~~[من] ذهب زنته أربعمائة رطل، وقطعة ياقوت أحمر في صورة إمرأة زنتها ستون ~~مثقالا، وهي تضئ كالقنديل. # وفي أيامه أحضر إلى بغداد برجل [من] يأجوج ومأجوج قد ألقته الريح من فوق ~~السد، طوله ذراع، ولحيته شبران، وله أذنان عظيمان؛ فطافوا به مدينة بغداد ~~حتى رآه الناس. # وطالت أيام القادر، إلى أن توفي ليلة الأثنين حادي عشر ذي الحجة سنة ~~إثنتين وعشرين وأربعمائة. # وخلافته إحدى وأربعون سنة [وثلاثة أشهر] . # وعاش سبعا وثمانين سنة إلا شهرا وثمانية أيام. # ودفن بدار الخلافة، وصلى عليه ولده الخليفة القائم بأمر الله ms083 والخلق ~~وراءه. # ولم يزل مدفونا في الدار حتى نقل تابوته في مركب ليلا إلى الرصافة؛ فدفن ~~بها بعد عشرة أشهر من موته. # وكان من أحسن الخلفاء سيرة - رحمه الله [تعالى]-. # PageV01P207 ### $ (القائم بالله) # أبو جعفر، عبد الله بن القادر أحمد بن [الأمير إسحاق] بن المقتدر جعفر ~~ابن المعتضد أحمد بن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم ~~محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور [عبد الله بن ~~محمد] بن علي بن عبد الله بن عباس. الهاشمي، العباسي، البغدادي. # بويع بالخلافة [بعد وفاة] والده القادر بالله في ذي الحجة سنة إثنتين ~~وعشرين وأربعمائة. # وأمه وأم ولد تسمى: قطر. وتم أمره في الخلافة. # ووقع في أيام خلافته في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة غلاء عم [الدنيا كلها ~~شرقا وغربا] ، حتى لم يبق من الناس في كل بلد إلا القليل. # ثم وقع في أيامه [في] سنة إثنتين وثلاثين زلازل عظيمة بالقيروان وبلاد ~~إفريقية، وخسف ببعض بلاد القيروان، وطلع من الخسف دخان عظيم # PageV01P208 # اتصل بالجو، ووقع ببلاد خوزستان قطعة حديد من الهواء زنتها مائة وخمسون ~~[منا] ، فكان لها دوي عظيم سقط منها الحوامل؛ فأخذها السلطان، وأراد أن ~~يعمل منها سيفا؛ فكانت الآلات لا تعمل فيها، وكل آلة ضربوها بها تكسرت. # ووقعت ببلاد تبريز زلزلة عظيمة هدمتها كلها حتى القلعة والسور، ومات تحت ~~الردم تقدير مائة ألف إنسان، ولبس أهلها المسوح، وتضرعوا إلى الله [تعالى] ~~؛ لعظم هذه النازلة. # وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة أشيع ببغداد وبالشام أن جماعة من الأكراد ~~خرجوا يتصيدون؛ فرأوا في البرية خيمة سوداء وسمعوا فيها بكاء عظيما [ولطما] ~~شديدا، [وسمعوا قائلا] يقول: قد مات سيدوك ملك الجن وأي بلد لم تبك أهله ~~ولم تلطم عليه قلعناه من أصله. # فكانت الناس الضعفاء العقول من الرجال والنساء يخرجون إلى المقابر ~~وينوحون ويلطمون. # وفي سنة ستين وأربعمائة كانت بمصر والشام زلازل عظيمة حتى خربت أكثر ~~البلاد، وزال البحر عن الساحل؛ فنزل الناس يلتقطون منه السمك؛ فرجع عليه ~~البحر؛ فغرقوا جميعا. ms084 # PageV01P209 # وطالت مدة القائم [هذا] في الخلافة، إلى أن مات في شعبان سنة سبع وستين ~~وأربعمائة؛ فكانت خلافته أربعا وأربعين سنة وتسعة أشهر إلا خمسة أيام. # وتخلف بعده حفيده؛ فإنه لم يخلف أولادا؛ لقلة اجتماعه بالنساء. # قيل: إنه كان مرة يجامع؛ فرأى [خيال نفسه] في ضوء الشمعة؛ فاستقبح ذلك ~~وترك الجماع؛ فقل نسله [لذلك] . # ومات عن حفيد له؛ فتخلف. # PageV01P210 ### $ (المقتدر بالله) # أبو القاسم، عبد الله بن الأمير محمد الذخيرة بن القائم عبد الله بن ~~القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد ابن ولي ~~العهد الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون. ~~العباسي، الهاشمي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت جده القائم [بالله] في شعبان سنة سبع وستين ~~وأربعمائة. # وولد في يوم مات أبوه ذخيرة الدين محمد، ورباه جده القائم، ولما كبر عهد ~~إليه. # وأمه أم ولد اسمها: أرجوان. # وتم أمره في الخلافة، وطالت أيامه وحسنت. # وظهر في أيامه آثار حسنة، غير أنه ظهر في أيامه زلازل كثيرة بعدة أقاليم ~~حتى خربت أكثر البلاد، وفارقت الناس الدور وسكنت البراري. # PageV01P211 # ودام في الخلافة، إلى أن توفي ببغداد في المحرم سنة سبع وثمانين ~~وأربعمائة. # وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر، وتخلف بعده ابنه [المستظهر [ب] ~~الله أحمد - رحمه الله تعالى -] . # PageV01P212 ### $ (المستظهر بالله) # أبو العباس، أحمد بن المقتدي بالله عبد الله. # - قد مر [نسب هؤلاء الخلفاء] في مواطن كثيرة، فلا حاجة إلى ذكرها هنا، ~~وفيما يأتي إلا لضرورة -. # بويع المستظهر بالخلافة يوم مات أبوه في محرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # وأمه أم ولد، تركية تسمى: الطن. # قال ابن الأثير: كان المستظهر لين الجانب، كريم الأخلاق، يسارع إلى أعمال ~~البر، وكانت أيامه أيام سرور للرعية، وكان حسن الخط، جيد التوقيعات، لا ~~يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير وعلم واسع. إنتهى. # وقال ابن الجوزي: كان حافظا للقرآن، محبا للعلماء والصالحين. # وقال غيره: كان فاضلا، أديبا شاعرا. # PageV01P213 # ومن شعره [من] قصيدة: # (يوما مددت إلى رسم الوداع يدا ms085 ... ) # وهذه قصيدة طويلة طنانة. # قال: وفي أيامه اجتمع الحجاج بخراسان والعراق والسند والهند وما وراء ~~النهر، وساروا إلى الحج؛ فلما وصلوا قريبا من الري أتاهم الباطنية وقت ~~السحر وقاتلوهم ووضعوا فيهم السيف؛ فقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا جميع أموالهم؛ ~~فعظم ذلك على المستظهر، ولم ينهض بشئ لضعف شوكته ولتحكم غيره من ملوك ~~السلجوقية في الممالك. # ثم في أيامه في سنة إثنتين وتسعين وأربعمائة ملكت الفرنج بيت المقدس من ~~بني عبيد خلفاء مصر، وأقاموا يقتلون في المسلمين سبعة أيام، وقتلوا في ~~المسجد الأقصى ما يزيد عن سبعين ألف [نفس] من العلماء والصالحين - قاله غير ~~واحد - وغنموا مالا يقع عليه (الإحصاء. # [قلت: كان أخذ [بيت] ) المقدس من سوء تدبير المستعلي بالله [أحمد - أحد ~~الخلفاء الفاطميين بمصر - فإنه كان ضع) ف أمره، وخربت غالب أعمال مصر في ~~أيامه وأيام غيره من الفاطميين. # PageV01P214 # واستولى الفرنج على غالب السواحل الشامية؛ لأنه كان من مدينة حلب إلى ~~أقصى صعيد مصر متعلق بخلفاء مصر مع الحرمين الشريفين، وما عدا ذلك من بلاد ~~الشرق كان مع خلفاء بني العباس هؤلاء. # وأما خلفاء مصر؛ فيأتي ذكرهم في هذا الكتاب بعد فراغ تراجم بني العباس ~~على حدتهم، من أولهم إلى آخرهم - إن شاء الله تعالى -. # ومات المستظهر في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ~~إثنتي عشرة وخمسمائة. # وخلافته أربع وعشرون سنة وثلاثة أشهر. # وتخلف بعده ولده [المسترشد بالله الفضل] . # PageV01P215 ### $ (المسترشد بالله) # [أبو منصور، الفضل] بن المستظهر [بالله] أبو العباس أحمد بن المقتدي ~~بالله، أبو القاسم عبد الله. العباسي، الهاشمي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه في شهر ربيع الآخر سنة إثنتي عشرة وخمسمائة. # وأمه أم ولد تسمى: لبابة، ومولده في حدود سنة خمس وثمانين وأربعمائة. # وكان المسترشد شهما شجاعا، ذا همة ومعرفة وعقل. # وكان دينا مشتغلا بالعبادة، سلك في الخلافة سيرة القادر، وقرأ القرآن، ~~وسمع الحديث، وقال الشعر، ومن شعره: # (أنا الأشقر الموعود بي في الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم) # وكان المسترشد لما تغيرت أحوال ms086 مملكته صار يباشر القتال بنفسه؛ فمات ~~قتيلا في سابع [عشر] ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. # PageV01P216 # وسببه: أنه خرج في عساكره؛ [لقتال مسعود بن محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي؛ ~~فخالف عليه عسكره] ؛ فانكسر وانهزم؛ فأرسل سنجر شاه - عم مسعود المذكور - ~~يلوم مسعود في قتال الخليفة المسترشد؛ فرجع مسعود عن قتاله، وضرب له ~~السرادق، وطلبه وأنزله به. # فلما نزل المسترشد بالسرادق وصل رسول سنجر شاه السلجوقي إلى الخليفة ومعه ~~سبعة عشر نفرا من الباطنية في زي الغلمان؛ فدخلوا على الخليفة المسترشد ~~وضربوه بالسكاكين حتى قتلوه، وقطعوا أنفه وأذنيه، وقتلوا من كان عنده. ~~وعادت العساكر فأحدقت بالسرادق، وخرج الباطنية والسكاكين في أيديهم فيها ~~الدم؛ فمالت العساكر عليهم فقتلوهم، ثم أحرقوهم. # وغطي الخليفة بسندسية خضراء، لفوه فيها. # ودفن على حاله بباب مراغة. وعمره خمسة وأربعون سنة، وخلافته سبع عشرة سنة ~~وثمانية أشهر وأياما، واستخلف بعده ابنه [الراشد] ، وكان ببغداد. # PageV01P217 ### $ الراشد بالله # أبو جعفر منصور [ابن الخليفة المسترشد بالله أبي منصور الفضل] ابن ~~الخليفة المستظهر بالله أحمد. العباسي، الهاشمي، البغدادي. # بويع بالخلافة بعد قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. # ومولده في سنة إثنتين وخمسمائة. # وأمه أم ولد حبشية. # ويقال: إن الراشد هذا ولد مسدودا؛ فأحضر أبوه المسترشد [الأطباء] ؛ ~~فأشاروا أن يفتح له مخرج بآلة من ذهب؛ ففعل ذلك؛ فنفع. # وحكى عن الراشد هذا أيضا: أن والده أعطى له عدة جوار وعمره أقل من تسع ~~سنوات، وأمرهن أن يلاعبنه. وكانت فيهن جارية حبشية؛ فحملت من الراشد. فلما ~~ظهر الحمل وبلغ المسترشد أنكره؛ الصغر سنه، وسألها؛ فقالت: والله ما تقدم ~~إلي غيره وأنه احتلم؛ فسأل المسترشد باقي الجواري؛ فقلن كذلك. # PageV01P218 # ووضعت الجارية صبيا، وسمى: أمير الجيش. # وقيل لأبيه المسترشد: إن صبيان تهامة يحتلمون لتسع سنين، وكذلك نساءهم. ~~إنتهى. # ولم تطل خلافة الراشد؛ فإنه خرج بعد خلافته بمدة إلى الموصل لقتال مسعود ~~بن محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي وغيره؛ فلما قاربهم خذله أصحابه؛ فقبض ~~السلطان مسعود عليه، وخلعه من الخلافة في يوم الأثنين ثامن ms087 عشر ذي القعدة ~~سنة ثلاثين وخمسمائة. # وقال صدقة الحداد الحنبلي في تاريخه: إن الوزير أبا القاسم بن طراد صدر ~~محضرا على الراشد فيه أنواع من الكبائر ارتكبها الراشد من: الفسق والفجور، ~~ونكاح أمهات أولاد أبيه، وأخذ أموال الناس، وسفك الدماء؛ وأنه فعل أشياء لا ~~[يجوز أن] يكون معها إماما على المسلمين؛ فتوقف الشهود؛ فهددهم ابن طراد ~~وقال: علمتم صحة هذا؛ فما المانع من إقامة الشهادة؟ ! فشهدوا. # وكان السلطان مسعود قد جمع القضاة والشهود والأعيان وأخرج [لهم] نسخة ~~يمين كانت بينه وبين الراشد أخذها عليه بخطه، فيها: متى حشدت أو حاربت أو ~~جذبت سيفا في وجه مسعود؛ فقد خلعت نفسي من هذا الأمر. وفيها خطوط القضاة ~~والشهود [بذلك] ؛ فحكم القضاة حينئذ بخلعه؛ فخلع وولوا المقتفي محمد بن ~~المستظهر عم الراشد هذا. # وحبس الراشد، إلى أن مات قتيلا في محبسه في شهر رمضان سنة إثنتين وثلاثين ~~وخمسمائة. # وقيل: [إن] الذين قتلوه كانوا جماعة من الخراسانية كانوا بخدمته؛ فوثبوا ~~عليه وقتلوه بدسيسة من مسعود. # PageV01P219 ### $ (المقتفي بالله) # أبو عبد الله، محمد بن المستظهر [بالله] أحمد بن المقتدي [بالله] عبد ~~الله بن الأمير محمد الذخيرة بن الخليفة القائم بالله عبد [الله. العباسي] ~~، الهاشمي، البغدادي. # بويع بالخلافة بعد خلع ابن أخيه الراشد [بالله] . # ومولده [في سنة تسع] وثمانين وأربعمائة. # وأمه أم ولد، رومية تسمى: بغية النفوس. وقيل: نسيم. # وكان المقتفي إماما عالما فاضلا. # وفي أيامه كان بمصر والشام زلازل عظيمة أقامت تعارد الناس أياما كثيرة؛ ~~حتى خربت أكثر البلاد. # حكى أنها جاءت في يوم [واحد] وليلة واحدة تسعين مرة. # PageV01P220 # وفي أيامه قتلت العرب الحجاج بين مكة والمدينة، وأخذت جميع أموالهم. # وتوفي المقتفي في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة، ودفن بداره بعد أن صلى عليه ولده المستنجد يوسف الذي تخلف بعده. # وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وواحد وعشرين يوما. # وكان حسن السيرة فاضلا، أديبا، شجاعا، دمث الأخلاق، كامل السؤدد، خليقا ~~للخلافة، قليل المثل - رحمه الله [تعالى]-. # PageV01P221 ### $ (المستنجد بالله) # أبو المظفر، ms088 يوسف بن المقتفي بالله محمد بن المستظهر [بالله] أحمد. ~~العباسي، الهاشمي، البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه [المقتفي] في سنة خمس [وخمسين] وخمسمائة. # وأمه أم ولد كرجية تسمى: طاووس، أدركت خلافته. # ومولده في سنة ثماني [عشرة] وخمسمائة. # قيل: إن المستنجد [هذا] رأى في منامه - في حياة والده المقتفي - كأن ملكا ~~نزل من السماء؛ فكتب في كفه أربع خاءات معجمات؛ فلما أصبح أوله [له] بعض ~~المعبرين بأنه يلي الخلافة في سنة خمس وخمسين وخمسمائة؛ فكان كذلك. # وكان نقش خاتم المستنجد: من أحب نفسه عمل لها. # وكان المستنجد أسمرا، طويل اللحية، معتدل القامة، شجاعا، مهابا، عادلا في ~~الرعية، أديبا فصيحا فطنا، أزال المظالم والمكوس في خلافته. # قال ابن الأثير: كان المستنجد فاضلا أديبا. # PageV01P222 # ومن شعره في بخيل. # (فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دمعة) # وكانت وفاة المستنجد في يوم السبت ثاني شهر ربيع الآخر سنة ست وستين ~~وخمسمائة. # وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا واحدا، وتخلف [من] بعده ابنه [المستضئ ~~بالله حسن] . # PageV01P223 ### $ (المستضئ بالله) # أبو محمد، الحسن بن المستنجد يوسف بن المتقفي بالله محمد. أمير المؤمنين، ~~العباسي، الهاشمي، البغدادي. # بويع بالخلافة بعد موت والده في شهر ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. # ومولده [في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة] . # وأمه أم ولد مولدة. # وكان أحسن الخلفاء سيرة؛ كان إماما عادلا، شريف النفس [حسن السيرة، ~~كريما، ليس للمال عنده قدر، حليما] شفيقا على الرعية، أسقط في أيامه أيضا ~~المكوس والضرائب. # [وكانت وفاته ببغداد في ثاني ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومات عن ~~ست وثلاثين سنة] ، وكانت خلافته تسع سنين. # وهو الذي عادت الخطبة باسمه في الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور. # PageV01P224 # واجتمعت الأمة في أيامه على خليفة واحد، وانقطعت دولة بني عبيد الفاطميين ~~خلفاء مصر في أيامه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - الآتي ~~ذكره في محله من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى -. وتخلف بعده ابنه [الناصر ~~لدين الله أحمد] . # PageV01P225 ### $ (الناصر لدين الله) # [أبو العباس] ms089 ، أحمد بن المستضئ حسن بن المستنجد يوسف. العباسي، الهاشمي، ~~البغدادي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستضئ في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين ~~وخمسمائة. # [ومولده في يوم الأثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة] . # وأمه أم ولد تركية. # قال الشيخ شمس الدين: وكان أبيض اللون، تركي الوجه، مليح العينين، أنور ~~الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر اللحية، رقيق المحاسن. # كان نقش خاتمه: رجائي من الله عفوه. # ولم يل الخلافة من بني العباس قبله أطول مدة منه، إلا ما سنذكره من خلفاء ~~بني عبيد المستنصر معد. إنتهى. # PageV01P226 # وفي أيام الناصر لدين الله [هذا] ظهرت الفتوة بغداد، ورمي البندق، ولعب ~~الحمام، وتفنن الناس في ذلك، ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك؛ فألبسوا الملك ~~العادل صاحب [مصر] ثم أولاده سراويل الفتوة، ولبسه أيضا الملك شهاب الدين ~~صاحب غزنة والهند من الخليفة الناصر لدين [الله] هذا. # ولبسه جماعة أخر من الملوك. وأما لعب الحمام، فخرج فيه [عن] الحد. # يحكى عنه أنه: لما دخلت التتار البلاد، وملكوا من وراء النهر إلى العراق، ~~وقتلوا تلك المقتلة العظيمة من المسلمين، الذي ما نكب المسلمون بأعظم منها، ~~دخل عليه الوزير فقال له: يا مولانا أمير المؤمنين {إن التتر قد ملكت ~~البلاد وقتلت المسلمين. فقال له الناصر [لدين الله] : دعني، أنا في شيء أهم ~~من ذلك؛ طيرتي البلقاء لي ثلاثة أيام ما رأيتها} ! # قلت: وفي هذه الحكاية كفاية - إن صحت عنه -. # وكانت وفاته في [سلخ] شهر رمضان سنة إثنتين وعشرين وستمائة. # وكانت خلافته سبعا وأربعين سنة. # وتخلف بعده ابنه [الظاهر] . # PageV01P227 ### $ (الظاهر بأمر الله) # أبو نصر، محمد بن الناصر لدين الله أحمد. العباسي، [الهاشمي] ، أمير ~~المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه الناصر [لدين الله] في سنة إثنتين وعشرين ~~وستمائة. # ومولده في المحرم سنة سبعين وخمسمائة. # وأمه أم ولد. # وكان جميل الصورة، أبيض مشربا بحمرة، حلو الشمائل، شديد القوة. أفضت ~~الخلافة إليه وله إثنتان وخمسون سنة إلا شهرا؛ فقيل له: ألا تتفسح؟ ! ؛ ~~فقال: قد فات الزرع؛ فقيل له: يبارك ms090 الله في عمرك؛ فقال: من فتح دكانا بعد ~~العصر إيش يكسب؟ ؛ فكان كذلك. # ومات بعد مدة يسيرة في ثالث عشر رجب [من] سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وكانت ~~خلافته تسعة أشهر ونصفا. واستخلف بعده ولده المستنصر. # PageV01P228 # وكان الظاهر خيرا عادلا، قطع الظلامات والمكوس. وكان كريما كثير الصدقات. ~~قيل: إنه تصدق في ليلة العيد بمائة ألف دينار. # ولما ولي الخلافة ولى الشيخ عماد الدين بن الشيخ عبد القادر الجيلي ~~الحنبلي القضاء؛ فما قبل عماد الدين إلا بشرط أنه يورث ذوي الأرحام؛ فقال ~~له الخليفة: أعط كل ذي حق حقه، واتق الله ولا تتق سواه. # فكلمه القاضي أيضا في الأوراق التي ترفع إلى الخليفة؛ وهو: أن حراس ~~الدروب كانت ترفع إلى الخليفة في صبيحة كل يوم ما يكون عندهم من أحوال ~~الناس الصالحة والطالحة؛ فأمر الظاهر بتبطيل ذلك، وقال: أي فائدة في كشف ~~أحوال الناس؟ فقيل له: إن تركت ذلك تفسد الرعية؛ فقال: نحن ندعوا لهم ~~بالإصلاح، ثم أعطى القاضي [المذكور] عشرة آلاف دينار؛ لوفاء ديون من في ~~السجون من الفقراء. # PageV01P229 # (المستنصر بالله) # أبو جعفر، منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد ابن ~~المستضئ بأمر الله حسن بن المستنجد بالله يوسف. أمير المؤمنين، العباسي، ~~الهاشمي، البغدادي. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر في شهر رجب سنة ثلاثة وعشرين وستمائة. # ومولده في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. # وأمه أم ولد تركية. # ولما ولى الخلافة نشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف، وقرب أهل العلم ~~والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس، وأقام منار الدين، وقمع المتمردين، ~~ونشر السنن، وكف الفتن. # وكان (أبيض اللون) ، أشقر الشعر، ضخما، قصيرا. # ولما شاب خضب بالحناء، ثم ترك الخضاب. # ومات في العشرين من جمادى الآخرة، وقيل: في يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ~~سنة أربعين وستمائة، عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وتسعة أيام، وكتم ~~موته. # PageV01P230 # وخطب له يومئذ بالجامع حتى جاءه الأمير شرف الدين إقبال الشرابي الخادم ~~ومعه جمع من الخدام، وسلم على ولده المستعصم بالخلافة؛ فاستخلف [المستعصم] ~~، وتم ms091 أمره. # وكانت خلافة المستنصر تسع عشرة سنة إلا شهرا. # والمستنصر هذا هو باني المدرسة المستنصرية ببغداد التي لم يبن في الإسلام ~~مثلها في كثرة أوقافها (وكثرة ما جعل فيها من الكتب) . # PageV01P231 # (المستعصم بالله) # أبو أحمد، عبد الله بن المستنصر محمد بن الظاهر بأمر الله محمد. أمير ~~المؤمنين العباسي، الهاشمي، البغدادي، آخر خلفاء بني العباس ببغداد. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه في جمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة. # وأمه أم ولد حبشية. # وقتل في المحرم سنة ست وخمسين وستمائة. # وسبب قتله: أنه لما ولي الخلافة لم يستوثق أمره؛ لأنه كان قليل المعرفة ~~بتدبير الملك، نازل الهمة، مهملا للأمور المهمة، محبا لجمع الأموال، أهمل ~~أمر هولاكو، وانقاد إلى وزيره [ابن] العلقمي حتى كان في ذلك هلاكه وهلاك ~~الرعية؛ فإن وزيره ابن العلقمي الرافضي كتب إلى هولاكو ملك التتار في الدس: ~~إنك تحضر إلى بغداد وأنا أسلمها [لك]- وكان قد داخل [قلب] اللعين الكفر؛ ~~فكتب إليه هولاكو: إن عساكر بغداد [كثيرة فإن كنت صادقا فيما قلته وداخلا ~~في طاعتنا فرق عساكر بغداد] ونحن نحضر. # فلما وصل كتابه إلى الوزير ابن العلقمي دخل إلى المستعصم وقال: إن جندك ~~كثيرون، وعليك كلف كثيرة، والعدو قد رجع من بلاد العجم، والصواب أنك تعطى ~~دستورا لخمسة عشر ألف من عسكرك وتوفر معلومهم، وعلي إن عاد هولاكو القيام ~~بدفعه؛ فأجابه المستعصم [إلى ذلك] ؛ فخرج الوزير من وقته ومحا اسم من ذكر ~~من الديوان، ثم نفاهم من بغداد، ومنعهم من الإقامة بها. # PageV01P232 # ثم بعد شهر فعل الوزير مثل فعلته [الأولى] ومحا إسم عشرين ألف فارس من ~~الديوان. # ثم كتب إلى هولاكو بما فعل. # وكان قصد الوزير هذا بمجئ هولاكو أشياء، منها: أنه كان رافضيا خبيثا، ~~وأراد أن ينقل الخلافة من بني العباس إلى العلويين؛ فلم يتم له ذلك؛ لعظم ~~شوكه بني العباس وعساكرهم؛ فأفكر أن هولاكو إذا قدم بغداد يقتل المستعصم ~~وأتباعه، ثم يعود إلى حال سبيله، وقد زالت شوكة بني العباس، وقد بقي هو على ~~ما كان عليه من العظمة ms092 [والعساكر وتدبير المملكة؛ فيقوم عند ذلك بدعوة ~~العلويين الرافضة] من غير ممانع؛ لضعف العساكر ولقوته ثم يضع السيف في أهل ~~السنة؛ فهذا كان قصده - لعنه الله -. # ولما بلغ هولاكو ما فعله [الوزير] ابن العلقمي ببغداد ركب في الحال وقصد ~~بغداد، إلى أن نزل عليها. # وصار المستعصم يستدعي العساكر، ويتجهز لحرب هولاكو، كل ذلك والوزير [ابن ~~العلقمي] يملئ الخليفة المفسود في سائر أحواله. # هذا، وقد اجتمع أهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو، وخرجوا إلى ظاهر ~~بغداد، ومشى عليهم هولاكو بعساكره؛ فتقاتلوا قتالا شديدا، وصبر كل من ~~الطائفتين صبرا عظيما، وكثرت الجراحات والقتلى في الفريقين، إلى أن نصر ~~الله تعالى عساكر بغداد وانكسر [عسكر] هولاكو أقبح كسرة، # PageV01P233 # وساق المسلمون خلفهم، وأسروا منهم جماعة، وعادوا بالأسرى ورءوس القتلى ~~إلى ظاهر بغداد، ونزلوا بمخيمهم مطمئنين بهروب العدو؛ فأرسل الوزير العلقمي ~~في تلك الليلة جماعة من أصحابه؛ فقطعوا شط الدجلة؛ فخرج ماؤها على عساكر ~~بغداد وهم نائمون؛ فغرقت مواشيهم وخيامهم وأموالهم، وصار السعيد منهم من ~~لقي فرسا يركبها. # وكان الوزير قد أرسل إلى هولاكو يعرفه بما فعل ويأمره بالرجوع إلى بغداد؛ ~~فرجعت عساكر هولاكو إلى ظاهر بغداد؛ فلم يجدوا هناك من يردهم. # فلما أصحبوا استولوا على بغداد وبذلوا فيها السيف، ووقع منهم أمور [يطول ~~شرحها، ليس لذكرها] محل في هذا المختصر. # والمقصود: أن هولاكو استولى على بغداد، وأخذ المستعصم أسيرا # -[بعد أمور]- # ثم بذل السيف في المسلمين، ولم يرحم شيخا كبيرا لكبره ولا صغيرا لصغره. # ولما أخذ المستعصم أسيرا هو وولده، وأحضر بين يدي هولاكو أمر به [هولاكو] ~~؛ فأخرج من بغداد، وأنزله بمخيم صغير بظاهر بغداد. ثم [في] بعد عصر اليوم ~~وضع الخليفة المستعصم وولده في عدلين وأمر التتار برفسهما، إلى أن ماتا في ~~محرم سنة ست وخمسين وستمائة. # ثم نهبت دار الخلافة ومدينة بغداد حتى لم يبق بها ما قل ولا ما جل. # PageV01P234 # ثم أحرقت بغداد بعد أن قتل أكثر أهلها، حتى قيل: إن عدة من قتل في نوبة ~~هولاكو يزيد على ألفي ألف وثمانمائة ms093 ألف وثلاثين ألف إنسان. # وانقرضت الخلافة من بغداد بقتل المستعصم هذا، وبقيت الدنيا بلا خليفة ~~سنين، إلى أن أقام الملك الظاهر بيبرس البندقداري بعض بني العباس في ~~الخلافة - حسبما نذكره على سبيل الإختصار -. فكانت خلافة المستعصم خمس عشرة ~~سنة وثمانية أشهر وأياما، وتقدير عمره سبعة وأربعون سنة. # وزالت الخلافة من بغداد؛ فقال قائلهم: # (خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام) # وأما الوزير العلقمي؛ فلم يتم له ما أرد من أن التتار يبذلون السيف مطلقا ~~في أهل السنة؛ فجاء بخلاف ما أراد؛ وبذلوا السيف في أهل السنة والرافضة ~~معا. # كل ذلك وهو في منصبه مع الذل والهوان، وهو يظهر قوة النفس والفرح وأنه ~~بلغ قصده؛ فلم يلبث إلا أن أمسكه هولاكو بعد قتل المستعصم بأيام ووبخه ~~بألفاظ شنيعة، معناها أنه لم يكن له خير في مخدومه ولا في دينه؛ فكيف يكون ~~له خير في هولاكو؟ ! ثم أمر به هولاكو؛ فقتل أشر قتلة في أوائل سنة سبع ~~وخمسين. # قلت: (إلى سقر، لا دنيا ولا آخرة) . # PageV01P235 ### $ (المستنصر بالله) # أبو العباس، أحمد [بن] الخليفة الظاهر بالله محمد بن الناصر لدين الله ~~[أحمد] بن المستضئ حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي محمد. # وقد تقدم بقية نسبه في تراجم جماعة من آبائه -. # بويع المستنصر هذا بالخلافة بالقاهرة. # وأمره: أنه لما حضر إلى الديار المصرية في تاسع شهر رجب ركب السلطان ~~[الملك] الظاهر بيبرس البندقداري؛ وخرج إلى تلقيه [في] موكب عظيم، وتلقاه ~~وأكرمه وأنزله بقلعة الجبل. # وقصد السلطان إثبات نسبه إلى العباس؛ وتقريره في الخلافة؛ لكون الخلافة ~~كانت شاغرة من يوم قتل المستعصم بالله من سنة ست وخمسين إلى يوم تاريخه؛ ~~فعمل السلطان الموكب، وأحضر الأمراء والقضاة والعلماء والفقهاء والصلحاء ~~وأعيان الصوفية بقاعة الأعمدة بقلعة الجبل. # PageV01P236 # وحضر السلطان وتأدب مع المستنصر، وجلس بغير مرتبة ولا كرسي. وأمر بإحضار ~~العربان الذين حضروا مع المستنصر من العراق؛ فحضروا. وحضر طواشي من ~~البغاددة؛ فسألوا عنه [هل] هذا هو الإمام أحمد ابن الخليفة الظاهر بأمر ~~الله بن الناصر لدين الله؟ ms094 ؛ فقال: نعم. # وشهد جماعة بالإستفاضة وهم: جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر، وعلم الدين ~~بن رشيق، وصدر الدين موهوب الجزري، ونجيب [الدين] الحراني، وسديد الدين ~~التزمنتي نائب الحكم بالقاهرة عند قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، ~~فسجل على نفسه بالثبوت. # فلما ثبت قام قاضي القضاة قائما وأشهد على نفسه بثبوت النسبة الشريفة ~~وبايعه؛ فتمت بيعة المستنصر بالخلافة. # وكتب [السلطان] إلى الملوك والنواب بأن يخطبوا باسمه واسم السلطان ~~[الملك] الظاهر بيبرس. # ثم إن الخليفة المستنصر أخلع على [الملك] الظاهر بيبرس بخلعة، فلبسها ~~السلطان ونزل من القلعة في موكبه وشق القاهرة، وهي: فرجية سوداء بتركيبة ~~زركش وعمامة سوداء، وطوق ذهب، وقيد ذهب، وسيف بداوى. # PageV01P237 # ثم كتب للسلطان تقليدا عظيما. # فلما تم ذلك كله أخذ الملك الظاهر في تجهيز المستنصر وإرساله إلى بغداد؛ ~~فرتب له الأمير سابق الدين أتابكا، والسيد الشريف [نجم الدين جعفر] ~~أستادارا، والأمير فتح الدين بن الشهاب أمير جاندار، والأمير ناصر الدين ~~صيرم أمير خازندار، وبلبان الشمسي وأحمد بن أزدمر اليغموري دوادارية أيضا، ~~والقاضي كمال الدين السنجاري وزيرا. # وعين له السلطان خزانة وسلاح خاناه، ومماليك كبارا وصغارا أربعين مملوكا. ~~وأمر له بمائة فرس، وعشر قطر جمال، وعشر قطر بغال. وعين له البيوتات على ~~العادة، وجهز معه خمسمائة فارس. # ثم تجهز السلطان أيضا وخرج بعساكره إلى دمشق، ثم من دمشق جرد معه الأمير ~~بلبان الرشيدي وسنقر الرومي، ومعهما طائفة كبيرة من العساكر المصرية ~~والشامية، وأوصاهما أن يوصلا المستنصر إلى الفرات. # PageV01P238 # ثم ودع السلطان الخليفة [المستنصر] . وسافر [المستنصر] في ثالث ذي القعدة ~~من سنة تسع وخمسين وستمائة، وسار، إلى أن نزل على الرحبة؛ فلقي عليها ~~الأمير علي بن حديثة من آل فضل في أربعمائة فارس؛ فرحلوا في خدمة المستنصر، ~~إلى أن نزل مشهد على. ثم إنه تسلم عانة والحديثة، ثم قصد هيت، فاتصل خبره ~~بقرابغا مقدم التتار ببغداد. # وبات المستنصر ليلة الأحد ثالث المحرم من سنة ستين بجانب الأنبار، فلما ~~أصبح وصل قرابغا المذكور بمن معه من العساكر؛ فاقتتلوا؛ فانكسرت مقدمة ms095 ~~التتار، ووقع أكثرهم في الفرات. # وكان قرابغا قد أكمن جماعة من عسكره؛ فخرج الكمين وأحاط بعسكر الخليفة؛ ~~فقتلوا عساكر الخليفة، ولم ينج منهم إلا من طول الله عمره. # واضمرت البلاد الخليفة المستنصر؛ فلم يعرف له خبر إلى يومنا هذا. # وقد اختصرنا أمر المستنصر وبيعته جدا؛ لشرط هذا المختصر من غير تطويل ~~فيه. # PageV01P239 ### $ (الحاكم بأمر بالله) # أبو العباس، [أحمد] بن محمد بن الحسن بن علي القبي بن الراشد بالله منصور ~~بن المسترشد الفضل بن المستظهر أحمد بن المقتدي عبد الله ابن الأمير محمد ~~الذخيرة [ولي العهد] بن القائم بالله عبد الله بن القادر بالله أحمد بن ~~الطائع عبد الكريم بن المطيع فضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد بن ~~الأمير الموفق طلحة - ولي العهد - ابن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن ~~الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي ~~بن عبد الله ابن عباس بن المطلب. العباسي، الهاشمي، أمير المؤمنين. أول ~~خلفاء مصر من بني العباس. # قدم إلى مصر في يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة ستين وستمائة؛ فأنزله ~~الملك الظاهر بيبرس الصالحي النجمي البندقداري بالبرج الكبير من قلعة ~~الجبل، ورتب له من الرواتب ما يكفيه؛ فأقام على ذلك إلى ثامن المحرم سنة ~~إحدى وستين وستمائة، عقد له # PageV01P240 # [الملك] الظاهر مجلس البيعة بالإيوان من القلعة، وحضر الوزير والقضاة ~~والأمراء وأرباب الدولة، وقرئ نسب الحاكم [هذا] على قاضي القضاة، وشهد عنده ~~[جماعة] فأثبته، ثم مد يده فبايعه بالخلافة، ثم بايعه السلطان، ثم الوزير، ~~ثم الأعيان على طبقاتهم. # وخطب له على المنبر. وكتب السلطان إلى النواب وإلى ملوك الأقطار أن ~~يخطبوا باسمه، ثم أنزله السلطان [الأشرف خليل بن قلاوون] إلى مناظر الكبش؛ ~~فأسكنه بها، إلى أن مات في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى ~~وسبعمائة في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون الثانية. ودفن بجوار السيدة ~~[نفيسة] في قبة بنيت له. # وكانت خلافته أربعين سنة. # وهو أول [من دفن بمصر من خلفاء بني العباس] # -[رحمة ms096 الله [تعالى] عليهم أجمعين]- # PageV01P241 ### $ (المستكفي بالله) # أبو الربيع، سليمان بن الحاكم بأمر الله، # أبو العباس، أحمد، أمير المؤمنين. العباسي [الهاشمي] ثاني خلفاء مصر. # - تقدم بقية نسبه في ترجمة أبيه الحاكم -. # بويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، وعمره ~~عشرون سنة. # وخطب له على المنابر على العادة. وسكن بمكان والده. # وأقام في الخلافة، إلى أن سافر صحبة السلطان [الملك] الناصر محمد بن ~~قلاوون إلى البلاد الشامية في نوبة غازان. # ثم رجع وأقام بالقاهرة على عادته إلى سنة ست وثلاثين وسبعمائة، تغير عليه ~~الملك الناصر بسبب ذكرناه في ترجمة الناصر في تاريخنا ((النجوم الزاهرة)) . ~~وأمره بسكنى القلعة؛ فسكن المستكفي بقلعة الجبل أربعة أشهر وسبعة عشر يوما. # ثم أمره الناصر بالنزول إلى داره بالكبش؛ فنزل إليها، وسكنها على عادته ~~مدة، إلى أن بلغ السلطان عنه ما غيره عليه؛ فرسم له [في] يوم السبت # PageV01P242 # ثاني عشر ذي الحجة من سنة ست وثلاثين [المذكورة] بالتوجه إلى قوص بالوجه ~~القبلي والسكن بها؛ فسافر وأقام بقوص، إلى أن مات [بها] في مستهل شعبان سنة ~~أربعين وسبعمائة. # [و] ورد الخبر على السلطان بموته، وأنه عهد لولده أحمد بشهادة أربعين ~~عدلا، وأثبت قاضي قوص ذلك؛ فلم يمض [الملك] الناصر عهده لما كان في نفسه من ~~المستكفي، وطلب إبراهيم بن محمد المستمسك بن الحاكم بأمر الله أحمد في يوم ~~الأثنين ثالث شهر رمضان، واجتمع القضاة بدار العدل على العادة، فعرفهم ~~السلطان بما أراد من إقامة إبراهيم المذكور في الخلافة، وأمرهم بمبايعته؛ ~~فأجابوا بعدم أهليته، وأن المستكفي قد عهد إلى ولده أحمد، واحتجوا بما حكم ~~به قاضي قوص؛ فكتب السلطان بقدوم أحمد [المذكور] إلى القاهرة. # وأقام الخطباء بمصر وغيرها نحو أربعة أشهر لا يذكرون [اسم الخليفة في ~~الخطبة] . # فلما قدم أحمد المذكور من قوص لم يمض السلطان عهده، وطلب إبراهيم ثانيا، ~~وعرفه قبح سيرته وما تشيع الناس عنه؛ فأظهر التوبة منها، والتزم بسلوك طريق ~~الخير؛ فاستدعى السلطان القضاة وعرفهم أنه قد أقام إبراهيم في الخلافة؛ ~~فأخذ قاضي القضاة ms097 عز الدين بن جماعة يعرفه عدم أهليته؛ فلم يلتفت السلطان ~~إلى كلامه وقال: إنه قد تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له؛ فبايعوه، ولقب ~~بالواثق. # PageV01P243 # وكانت العامة تسميه: المستعطي؛ فإنه كان قبل ذلك يستعطي من الناس ما ~~ينفقه. # واستمر إبراهيم في الخلافة على رغم [الملك] الناصر، إلى أن مات الناصر ~~وتسلطن ولده [الملك] المنصور أبو بكر في يوم الخميس حادي عشرين من ذي الحجة ~~من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. # فلما كان يوم السبت سلخ ذي الحجة [المذكور] طلب الملك المنصور القضاة ~~والأعيان، واجتمعوا بجامع القلعة للنظر في أمر أحمد [بن] المستكفي وحضر ~~معهم الأمير طاجار الدوادار؛ فاتفق الأمر على خلافة أحمد المذكور لعهد أبيه ~~إليه بمقتضى المكتوب الثابت على قاضي قوص؛ فبويع ولقب بالحاكم بأمر الله - ~~على لقب جده - وكان لقب به في حياة أبيه - رحمه الله [تعالى]-. # وقد اختلف المؤرخون في خلافة إبراهيم هذا؛ فمنهم من عده [في الخلفاء] ؛ ~~لكون السلطان أقامه وبايعه، ومنهم من لا عده، لكون المستكفي كان عهد لولده ~~أحمد الآتي ذكره. # والناظر في أمره هو بالخيار لما عرفته من أمره؛ إن شاء أثبت، وإن شاء ~~نفى. # PageV01P244 ### $ (الحاكم بأمر الله) # أبو العباس، أحمد بن المستكفي سليمان. أمير المؤمنين، العباسي، الهاشمي، ~~المصري. # بويع بالخلافة - بعد وفاة والده بقوص - في العشرين من شعبان سنة إحدى ~~وأربعين وسبعمائة. # ولما بلغ [الملك] الناصر محمد بن قلاوون موت المستكفي لم يمض خلافة ~~الحاكم [هذا] ، وبايع إبراهيم، ولقبه بالواثق؛ فدام إبراهيم على ذلك، إلى ~~أن مات الناصر وتسلطن ولده المنصور أبو بكر عزل إبراهيم وبايع الحاكم هذا - ~~وقد تقدم ذكر ذلك [كله] مفصلا -. # واستمر الحاكم في الخلافة، وسكن بالكبش على عادة أبيه وجده، إلى أن توفي ~~سنة أربع وخمسين وسبعمائة، ولم يعهد لأحد. # وكان المتولي لتدبير [المملكة بمصر] [يومئذ] الأمير الكبير شيخون العمري ~~الناصري، والأمير طاز الناصري، ونائب السلطنة [يوم ذاك] الأمير قبلاى، ~~والسلطان الملك الصالح صالح ابن [الملك] # PageV01P245 # الناصر محمد بن قلاوون؛ فجمع الأمير شيخون الأمراء والقضاة وجميع بني ~~العباس، ms098 وعقد بسبب الخلافة مجلسا عظيما، وتكلموا بسبب من يبايع بالخلافة من ~~الجماعة، إلى أن وقع الإتفاق على أبي بكر بن المستكفي؛ فبايعوه. وكانت ~~خلافة الحاكم [هذا] نحو أربعة عشر سنة تخمينا -[رحمه الله تعالى]- # PageV01P246 ### $ (المعتضد بالله) # أبو بكر، ابن المستكفي بالله سليمان بن الحاكم بأمر الله أحمد بن محمد بن ~~الحسن. أمير المؤمنين، العباسي، الهاشمي، المصري. # بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الحاكم بأمر الله [أحمد] في سنة أربع وخمسين ~~وسبعمائة. # واستمر في الخلافة، إلى أن توفي بالقاهرة في ليلة الأربعاء ثامن عشر ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة. # وعهد بالخلافة إلى ولده المتوكل محمد. # وكانت مدة خلافة المعتضد عشر سنين - هكذا أرخه الرئيس بدر الدين حسن بن ~~حبيب في تاريخه المسمى: ((بدرة الأسلاك في تاريخ الأتراك)) # -[رحمه الله]- # PageV01P247 ### $ (المتوكل على الله) # أبو عبد الله، محمد بن المعتضد بالله، أبو بكر بن المستكفي سليمان. أمير ~~المؤمنين، العباسي، الهاشمي، المصري. # بويع بالخلافة - بعد وفاة أبيه -[بعهد منه إليه]- # في سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبعمائة. # قلت: والمتوكل [على الله] هذا تخلف من أولاده لصلبه خمسة، وهم: العباس، ~~وداود، وسليمان، وحمزة، ويوسف - الآتي ذكرهم في محلهم [من هذا الكتاب] ، إن ~~شاء الله تعالى - وهذا شيء لم يقع لخليفة من قبله. # أما أربعة؛ فتخلف من بني عبد الملك بن مروان أربعة، وهم: الوليد، ~~وسليمان، ويزيد، وهشام. # ودام المتوكل [هذا] في الخلافة، إلى أن خلعه الأمير أينبك البدري من ~~الخلافة في ثالث شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين، واستخلف عوضه زكريا بن ~~إبراهيم ولقب بالمعتصم. # ثم أعيد المتوكل [هذا ثانيا]- حسبما نذكره -[إن شاء الله تعالى]- # وكانت خلافة المتوكل في هذه المرة نحو ستة عشر سنة. إنتهى # PageV01P248 ### $ (المستعصم بالله) # زكريا، أبو يحيى، ابن إبراهيم ابن الخليفة الحاكم [بأمر الله] أحمد بن ~~محمد [بن حسن] بن علي القبي، أمير المؤمنين، [العباسي] ، الهاشمي، المصري. # بويع بالخلافة بعد موت المتوكل [على الله محمد] . # وسبب ولايته: أن أينبك البدري لما ملك الديار المصرية بعد قتل الأشرف وقع ~~من المتوكل هذا أمور حقدها عليه ms099 أينبك. فلما انفرد أينبك بالتحكم أمر بنفيه ~~إلى قوص؛ فخرج المتوكل، ثم شفع فيه؛ فعاد إلى بيته. ثم أصبح أينبك من الغد ~~- وهو رابع شهر ربيع الأول من سنة تسع وسبعين وسبعمائة - استدعى نجم الدين ~~زكريا بن إبراهيم -[المقدم ذكره]- # وأخلع عليه، واستقر به خليفة عوضا عن المتوكل من غير مبايعة، ولا خلع ~~المتوكل نفسه. # ولقب زكريا [المذكور] بالمستعصم [بالله] . # ودام في الخلافة على زعم من يثبت ذلك، إلى رابع عشرين شهر ربيع الأول ~~[المذكور] خلعة أينبك، وأعادة المتوكل ثانيا. # PageV01P249 # وسببه: أنه لما كان رابع عشرين الشهر المذكور تكلم الأمراء مع أينبك فيما ~~فعله مع المتوكل، ورغبوه في إعادته؛ فأذعن، واستدعاه، وأخلع عليه بإعادته ~~إلى الخلافة؛ فكان مدة خلافة زكريا في هذه المرة شهرا إلا عشرة أيام. # PageV01P250 ### $ ( [ذكر ولاية] المتوكل على الله الثانية) # - تقدم [ذكر] نسب المتوكل في خلافته الأولى -. # ولما أعيد إلى الخلافة طالت أيامه، ودام، إلى أن تسلطن الملك الظاهر ~~برقوق. # فلما كان شهر رجب من سنة خمس وثمانين وسبعمائة قبض عليه برقوق وحبسه ~~بقلعة الجبل؛ لأمر ذكرناه مطولا في سلطنة برقوق الأولى في كتابنا ((النجوم ~~الزاهرة [في ملوك مصر والقاهرة] )) . فلينظر هناك. # وأرسل السلطان [الملك] الظاهر برقوق خلف زكريا الذي كان تخلف في أيام ~~أينبك في سلطنة المنصور علي بن الأشرف، وخلف أخيه عمر - ولدي إبراهيم - ~~وشاور الأمراء في أمرهما. # ثم وقع اختياره على عمر؛ فولاه الخلافة عوضا عن المتوكل هذا، ولقبه: ~~الواثق بأمر الله [عمر] . # ودام المتوكل في الحفظ بالقلعة، إلى أن أعيد إلى الخلافة ثالث مرة - ~~حسبما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى -. # PageV01P251 ### $ (الواثق بالله) # أبو حفص، عمر بن المستعصم إبراهيم - الذي ولاه ابن قلاوون الخلافة - ابن ~~المستمسك [محمد - ومحمد هذا غير خليفة - ابن الحاكم] [بأمر الله] [أحمد] . ~~العباسي، الهاشمي، [المصري] ، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة لما خلع [الملك] الظاهر برقوق المتوكل وحبسه - حسبما تقدم ~~ذكره -. # وتم أمره في الخلافة، ودام فيها، إلى أن مرض. # ومات في يوم الأربعاء سابع عشرين شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة؛ فكانت ms100 ~~خلافته نحو ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأيام. # ولما توفي كلم الناس الظاهر برقوق في إعادة المتوكل؛ فلم يقبل، وأرسل ~~أحضر أخاه المعتصم زكريا الذي [كان] ولاه أينبك تلك الأيام اليسيرة، وأخلع ~~عليه وأقره خليفة عوضا عن الواثق # -[رحمه الله تعالى]- # PageV01P252 ### $ (المعتصم بالله) # [أبو يحيى، زكريا بن المستعصم] إبراهيم بن المستمسك محمد - تقدم أن ~~المستمسك كان غير خليفة - أمير المؤمنين، العباسي، الهاشمي. # بويع بالخلافة ثانيا - على قول من يثبت خلافته الأولى - بعد موت أخيه ~~الواثق [عمر] في آخر شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. # ودام في الخلافة في هذه المرة، إلى أن خرج الأمير تمربغا الأفضلي - ~~المدعو منطاش - الأشرفي نائب ملطية، والأتابك يلبغا الناصري اليلبغاوي نائب ~~حلب في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، استدرك [الملك] الظاهر فرطه وما وقع منه ~~في حق المتوكل؛ فإنه كان من يوم خلعه من الخلافة وهو في سجنه بقلعة الجبل، ~~وأرسل طلبه، وأخلع عليه باستقراره في الخلافة على عادته بعد أن حبس من سنة ~~خمس وثمانين إلى هذه السنة. # وعزل المعتصم زكريا، ولزم داره، إلى أن مات [مخلوعا] . # PageV01P253 ### $ (المتوكل على الله) # أبو عبد الله، محمد. # أعيد للخلافة في أول جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. # وسبب إعادته: أن [الملك] الظاهر برقوق كان أفحش في أمر المتوكل هذا ~~وعزله. # فلما استفحل أمر الناصري ومنطاش أشاعا عن الظاهر بما فعله مع المتوكل ~~بالبلاد الشامية؛ فنفرت منه القلوب لهذا المعنى وغيره. # فلما بلغه ذلك استشار في أمره؛ فأشار عليه أكابر دولته بتلافي أمر ~~المتوكل وإعادته إلى الخلافة؛ ففعل ذلك، وأنعم على المتوكل بأشياء كثيرة، ~~وأكرمه غاية الإكرام، وتصافيا بحيث أن برقوقا لما خلع من السلطنة في سنة ~~إثنتين وتسعين بالملك المنصور حاجى وصار الناصري مدبر مملكته ووقع لبرقوق ~~ما وقع من الخلع والحبس بالكرك لم يتكلم فيه المتوكل بكلام قادح بالنسبة ~~إلى من تكلم في حق برقوق من أصحابه لا من أعدائه لما أيسوا [من] عوده. # فلما أعيد الظاهر برقوق إلى ملكه لم ينقم على المتوكل بشيء في الظاهر. # ودام المتوكل ms101 في الخلافة، إلى أن مات في الدولة الناصرية فرج بن برقوق في ~~ليلة الثلاثاء ثامن عشرين [شهر] رجب سنة ثمان وثمانمائة؛ فكان مجموع خلافته ~~- بما فيها من الخلع والحبس - سنين، نحوا من خمسة وأربعين سنة تخمينا. # وتخلف بعده ابنه [المستعين] . # PageV01P254 ### $ (المستعين بالله) # أبو الفضل، العباس بن المتوكل على الله، أبو عبد الله، محمد - تقدم ~~[بقية] نسبه في تراجم كثيرة - أمير المؤمنين والسلطان. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه في يوم الأثنين مستهل شعبان سنة ثمان ~~وثمانمائة بعهد منه إليه. وتم أمره وطالت أيامه في الخلافة، إلى أن سافر ~~[الملك] الناصر فرج إلى البلاد الشامية في سنة أربع عشرة [وثمانمائة] لقتال ~~شيخ ونوروز - وهي السفرة التي قتل فيها - كان [الخليفة] المستعين هذا ~~صحبته. # فلما انكسر الناصر من الأميرين المذكورين ودخل الشام - يوم مات الوالد أو ~~قبله بيوم؛ فولي عوض الوالد في نيابة دمشق الأتابك دمرداش المحمدي - وتجهز ~~لحرب أعدائه؛ فلم ينتج أمره، وانكسر ثانيا وحوصر # PageV01P255 # بدمشق - وقد استولت الأمراء على الخليفة المستعين هذا والقضاة - وطال ~~الأمر بين الأمراء والسلطان [الملك] الناصر؛ فلم يجد الأمراء بدا من خلع ~~[الملك] الناصر وسلطنة الخليفة المستعين هذا؛ فتسلطن [المستعين المذكور] ~~بعد مدافعة كثيرة على كره منه. # وقد سقنا ذلك مفصلا من أوله إلى آخره في تاريخنا ((النجوم الزاهرة في ~~ملوك مصر والقاهرة)) وأيضا في ترجمة المستعين في تاريخنا ((المنهل الصافي ~~والمستوفي بعد الوافي)) ؛ فمن أراد من ذلك شيئا فعليه بمطالعة التاريخين ~~المذكورين. إنتهى. # ولما تسلطن المستعين عظم أمره، إلى أن قتل [الملك] الناصر فرج. # وعاد الأمير شيخ المحمودي بالمستعين إلى الديار المصرية، وقد صار نوروز ~~الحافظي نائبا على دمشق. # أخذ شيخ يسير مع المستعين على قاعدة الخلفاء، لا على قاعدة السلاطين؛ ~~فعظم ذلك على المستعين، وكان في ظنه أنه يستبد بالأمور؛ فجاء الأمر بخلاف ~~ذلك؛ فصار بقلعة الجبل كالمسجون بها وليس له من الأمر شيء. # وأخذ الأمير شيخ في أسباب السلطنة، إلى أن تم له ذلك. # وتسلطن في يوم الأثنين مستهل شعبان من سنة خمس عشرة ms102 وثمانمائة على كره من ~~المستعين. # وخلع المستعين من السلطنة بغير أمر يوجب ذلك؛ بل بالشوكة. # PageV01P256 # فكانت مدة سلطنة المستعين سبعة أشهر وخمسة أيام، وليس له فيها إلا مجرد ~~الأسم فقط. # واستمر في الخلافة وهو محتفظ به بقلعة الجبل إلى ذي الحجة سنة ست عشرة ~~وثمانمائة خلعة الملك المؤيد [شيخ] من الخلافة أيضا بأخيه المعتضد داود، ~~وأرسله إلى سجن الأسكندرية؛ فسجن [به، إلى أن أطلقه الملك الأشرف برسباى، ~~ورسم له بالسكنى في الأسكندرية؛ فسكن] بها، إلى أن مات في يوم الأربعاء ~~العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالطاعون، ولم يبلغ ~~الأربعين. ودفن بالأسكندرية. # وعهد بالخلافة إلى ولده يحيى - يعني أنه لم يخلع منها (بطريق شرعي - رحمه ~~الله) [تعالى -] . # PageV01P257 ### $ (المعتضد بالله) # أبو الفتح، داود بن المتوكل على الله، أبو عبد الله محمد. أمير المؤمنين، ~~العباسي، الهاشمي. # بويع بالخلافة بعد خلع أخيه المستعين في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة ~~سنة ست عشرة وثمانمائة. # وأقام المعتضد في الخلافة سنين حتى أنه تسلطن في أيامه عدة سلاطين. # وكان فيه كل الخصال الحسنة، سيد بني العباس في زمانه، أهلا للخلافة بلا ~~مدافعة، كريما عاقلا سيوسا، حلو المحاضرة، يجل طلبة العلم وأهل الأدب، جيد ~~الفهم، له مشاركة في أشياء كثيرة من الفنون بالذوق والمعرفة. # وكان يجتهد في السير على قاعدة الخلفاء مع جلسائه وندمائه؛ فيضعف موجوده ~~من هذا الأمر، وربما يتحمل من الديون شيئا لأجل ذلك. # وكان يحب معاشرة الناس من غير منكر، يميل إلى تدين وعبادة، وله أوراد في ~~كل يوم. # ولقد جالسته مرارا عديدة فلم أر عليه ما أكره. # PageV01P258 # وتوفي بعد مرض طويل بعد أن عهد إلى أخيه - شقيقه - سليمان بالخلافة في ~~يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة. # وشهد السلطان الملك الظاهر جقمق [جنازته والصلاة] عليه بمصلاة المؤمني ~~[من] تحت القلعة. # ودفن عند آبائه بالمشهد النفيسي خارج القاهرة - رحمه الله تعالى -. # PageV01P259 ### $ (المستكفي بالله) # أبو الربيع، سليمان بن المتوكل على الله محمد بن المعتضد بالله، أبو بكر، ~~بن الحاكم ms103 بأمر الله أحمد بن المستكفي بالله سليمان بن الحاكم [بأمر الله] ~~أحمد بن محمد بن الحسن بن علي القبي بن الراشد منصور بن المسترشد الفضل بن ~~المستظهر أحمد بن المقتدي عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر الله # عبد الله بن القادر [بالله] أحمد ابن الأمير إسحاق بن المقتدر جعفر بن ~~المعتضد أحمد ابن الأمير الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن ~~الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. الهاشمي العباسي، أمير المؤمنين. # بويع بالخلافة بعد موت أخيه [داود] بعهد منه إليه في العشر الأول من شهر ~~ربيع الأول سنة خمس وأربعين وثمانمائة؛ فأقام في الخلافة، إلى أن مات في ~~يوم الجمعة ثاني المحرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة بعد أن مرض عدة أيام، ولم ~~يعهد لأحد من إخوته. # ومات وهو في عشر الستين تخمينا. # PageV01P260 # وحضر [السلطان] [الملك] الظاهر جقمق الصلاة عليه بمصلاة المؤمني [من] تحت ~~[قلعة الجبل] ، وعاد أمام جنازته إلى المشهد النفيسي - حيث هو دفنه - ~~ماشيا، [بل] وتولى حمل نعشه في بعض الأحيان، [وحضر دفنه] . # وكان المستكفي رئيسا ساكنا عاقلا، دينا، كثير الصمت، منعزلا عن الناس، ~~قليل الإجتماع بهم، لم يسلك طريق أخيه المعتضد داود مع ندمائه وأصحابه. # هذا [مع] العقل التام والسيرة الحسنة والعفة عن المنكرات والفروج. # ولقد بلغني عن غير واحد من أقاربه وحواشيه أن المعتضد - رحمه الله - كان ~~يقول أيام خلافته: لم أر على أخي سليمان هذا منذ نشأ كبيرة. # قلت: وفي هذا كفاية - رحمهما الله [تعالى]-. # وتخلف [من] بعده أخوه [حمزة] . # PageV01P261 ### $ (القائم بأمر الله) # أبو البقاء، حمزة بن المتوكل على الله محمد. أمير المؤمنين، العباسي، ~~الهاشمي، رابع الأخوة من أولاد المتوكل [على الله] . # بويع بالخلافة بعد موت أخيه المستكفي [سليمان من غير عهد. وهو أنه: لما ~~توفي المستكفي] أجمع رأي السلطان [الملك] الظاهر جقمق على تولية حمزة ~~[المذكور] ؛ لأنه أسن من بقي من إخوته ms104 وأمثلهم؛ فاستدعاه [في] يوم الأثنين ~~خامس [محرم] سنة خمس وخمسين [وثمانمائة] بالقصر السلطاني من قلعة الجبل. # وحضر الأمراء والقضاة وأعيان الدولة، وأجمعوا على بيعة حمزة المذكور. # وافتتح قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي البيعة بخطبة في غير ~~المعنى، ثم سكت في أثناء الخطبة وأخذ في الدعاء، وفي ظنه أن البيعة قد ~~استتمت. # فلما رأى [قاضي القضاة] كمال الدين [بن] البارزي كاتب السر ذلك ابتدأ ~~بخطبة بليغة، حمد الله [تعالى] فيها وأثنى # PageV01P262 # [عليه وعلى] محمد -[[صلى الله عليه وسلم]- # ثم أثنى على الخليفة، ثم على السلطان بعبارة طلقة مع فصاحة وحسن تأدي، ~~إلى أن استتمت البيعة. # وبايعه السلطان ومن حضر من القضاة والأعيان. ثم سأل القاضي كمال الدين ~~المذكور الخليفة حمزة [هذا] بأنه فوض السلطنة للسلطان الملك الظاهر جقمق ~~وقلده أمور الرعية، وجعله يتصرف في الملك كيف شاء، ثم عدد له أشياء من هذا ~~النمط؛ فأجابه الخليفة إلى ذلك. # فلما استتم كلامه استدعى السلطان التشريف الخليفتين وألبسه حمزة ~~[المذكور] . وبعد لبسه عاد وجلس وقرأ الفاتحة، ثم سلم على السلطان. # وقام ونزل إلى داره في وجوه الناس من القضاة والأعيان، ولقب بالقائم بأمر ~~الله. # واستمر القائم في الخلافة، إلى أن كانت الفتنة بين الأتابك أينال العلائي ~~وبين [الملك] المنصور عثمان؛ فأرسل الأتابك أينال خلف القائم هذا [يطلبه] ~~من داره؛ فحضر إليه وقام معه فيما هو بصدده، إلى أن تم له ما أراد. # وتسلطن بعد خلع المنصور عثمان؛ فعرف له الملك الأشرف ذلك، وأنعم عليه ~~بأشياء كثيرة من الأموال والإقطاعات وغيرها. # PageV01P263 # وسار في الخلافة بعظمة زائدة وحرمة وافرة - بخلاف من تقدم من إخوته - إلى ~~أن استهل [شهر] رجب سنة تسع وخمسين وثمانمائة بيوم الثلاثاء وقع من ~~المماليك السلطانية وغيرهم حركة كبيرة، وأظهروا فيها المخالفة على السلطان. ~~واجتمع منهم خلائق تحت القلعة، وهجموا بيت الأمير قوصون ودخلوه - كما كان ~~فعل الملك الأشرف أينال - وأمسكوا من نزل إليهم من الأمراء ومنعوهم من ~~العود إلى القلعة. ثم توجه بعضهم إلى الخليفة هذا وسألوه في الحضور؛ فقام ms105 ~~من وقته يظنها الكرة الأولى، وحضر إليهم فلم ير ما كان رآه تلك المرة؛ فندم ~~على مجيئه حيث لا ينفع الندم. # [وقد ذكرنا أمر هذه الوقعة في تاريخنا ((حوادث الدهور في مدى الأيام ~~والشهور)) مطولة؛ فلتنظر هناك] . # وبينما هو في ذلك انفض الجمع بعد قتال هين، وتوجه القائم إلى منزله. # وكان السلطان لما بلغه الغوغاء من المماليك أرسل إلى القائم [هذا] أنه ~~يغيب من داره؛ فلم يفعل. ثم زاد [من] أنه حضر إليهم؛ فلم يبق له عذر، وعرف ~~كل أحد بما قصده الخليفة. # قلت: لله در القائل: # (أمور تضحك السفهاء منها ... ويخشى من عواقبها اللبيب) # PageV01P264 # ثم أصبح السلطان من الغد [و] طلب القائم بأمر الله إلى القلعة ووبخه ~~بكلام؛ فأراد القائم أن يلحن بحجته، وكان في لسانه مسكة تمنعه الكلام؛ فلم ~~يقف السلطان لجوابه وأمر به؛ فقبض عليه وأجلس بالبحرة من قلعة الجبل. # ثم استدعى [السلطان] أخاه يوسف من الغد في يوم الخميس ثالث الشهر، وأخلع ~~عليه بالخلافة [بعد أن حكم القضاة بخلع القائم] . ودام القائم محتفظا به ~~بقلعة الجبل إلى يوم الأثنين سابع شهر رجب [المذكور] رسم السلطان بتوجهه ~~إلى سجن الإسكندرية؛ فنزل على فرس من غير أن يركب خلفه أحد من الأوجاقية ~~على عادة أكابر الأمراء {} . وسار بقماش جلوسه ومعه حاجب الحجاب ووالي ~~القاهرة، إلى أن أوصلاه إلى الجزيرة الوسطى، وأنزلوه إلى النيل من تجاه ~~بولاق التكروري. # وتوجه إلى الأسكندرية؛ فسجن بها، إلى سنة إحدى وستين؛ أفرج عنه من السجن ~~ورسم له أن يسكن بها في بيت - كما كان أخوه العباس -؛ ففعل [به ذلك وتم] ~~إلى يومنا هذا. # [آخر كلام المؤلف - رحمه الله تعالى -] . # PageV01P265 ### $ (المستنجد بالله) # أبو المحاسن، يوسف بن المتوكل على الله. أمير المؤمنين، العباسي، ~~الهاشمي. # بويع بالخلافة بعد [أن] خلع السلطان [الملك] الأشرف أينال أخاه القائم ~~حمزة من الخلافة في يوم الخميس ثالث شهر رجب سنة [تسع] وخمسين وثمانمائة. # وصورة ولايته [للخلافة أنه] : لما كان يوم الخميس ثالث رجب استدعى ~~السلطان القضاة الأربعة بالقصر السلطان، وأحضر ms106 الجمالي يوسف بن المتوكل ~~[على الله] ؛ فجلس الجمالي يوسف فوق القاضي الحنفي - عن يسار السلطان - ~~وحضر [جميع] أعيان الدولة، ولم يحضر المجلس أحد من الفقهاء، سوى القضاة ~~وجماعة من موقعي الحكم للشهادة على السلطان بما عساه يفعل من خلع الخليفة ~~حمزة وولاية يوسف. # فلما تم المجلس؛ قام القاضي محب الدين بن الأشقر كاتب السر بين يدي ~~السلطان وقال: نشهد عليك يا مولانا السلطان أنك خلعت [أمير المؤمنين] ~~القائم بأمر الله حمزة ووليت أخاه المتوكل على الله يوسف. # PageV01P266 # - وكان المستنجد لقب أولا بالمتوكل - فقال السلطان: نعم؛ فشهد عليه ~~الموقعون بذلك. وقام الجمالي يوسف من وقته ولبس خلعة الخلافة على العادة، ~~وعاد السلطان وسلم عليه. # وانفض المجلس ولم يتكلم أحد من القضاة في شيء من ولايته، ولا خلع القائم، ~~بل [إن] القاضي الشافعي علم الدين صالح البلقيني نقل عن علماء مذهبه أن ~~للسلطان أن يعزل الخليفة ويولي غيره؛ فهذا كان المندوحة في خلع القائم ~~وولاية يوسف المستنجد. إنتهى [كلام الجمالي يوسف المؤلف - رحمه الله تعالى ~~-] . # PageV01P267 ### | (ذكر الخلفاء الفاطميين [خلفاء مصر] ) ### $ # أولهم المعز لدين الله، أبو تميم، معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر ~~الله محمد بن المهدي عبيد الله. العبيدي، الفاطمي، المغربي الرافضي. # مولده بالمهدية ببلاد الغرب. # (وتولى الخلافة بعد موت أبيه المنصور ببلاد الغرب في يوم الجمعة التاسع ~~والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة) . # وهو أول من قدم منهم إلى الديار المصرية وملكها، وبنيت له القاهرة. # وهو الرابع من بني عبيد ببلاد الغرب؛ لأن الأول منهم: المهدي عبيد الله، ~~والثاني: المنصور إسماعيل، والثالث: القائم محمد، والرابع: المعز هذا. [ثم ~~قدم القاهرة] . # PageV01P268 # قلت: وفي نسب هؤلاء الفاطميين وشرفهم أقوال كثيرة؛ فمن الناس من رفع ~~نسبهم إلى فاطمة الزهراء وأثبته، ومنهم من نسبهم إلى الحسين بن أحمد القداح ~~- والقداح المذكور كان مجوسيا وأحواله معروفة -. # والقول الثاني أشهر وأكثر، وعليه جمهور المؤرخين. # وقد استوعبنا ذلك كله في ترجمة المعز [هذا] في تاريخنا [النجوم الزاهرة ~~في ملوك مصر والقاهرة)) ، وذكرنا فيه أقوال جماعة كثيرة. ms107 # PageV01P269 #~:section: ذكر دخول المعز إلى الديار المصرية - على سبيل الإختصار - # قيل: إنه دخلها ومعه ألف وخمسمائة جمل [موسوقة] ذهب عين. # وكان دخوله إليها في سنة إحدى وستين وثلثمائة. # وكان قد أرسل قبل ذلك مملوكه الخادم جوهر الصقلي بجيوش عظيمة إلى مصر؛ ~~فملكها جوهر بعد أمور، وبنى القاهرة في سنة ستين وثلثمائة. # وجوهر المذكور هو صاحب الجامع الأزهر، وهو من كبار الرافضة الشيعة. # ولما فرغت القاهرة أرسل جوهر إلى المعز؛ فجاء وسكنها وملكها هي والشام في ~~رمضان في سنة إثنتين وستين وثلثمائة. وكان يوم ذاك الخليفة ببغداد من بني ~~العباس [أمير المؤمنين] المطيع بأمر الله. # فمن حينئذ صار ببغداد وسائر ممالك الشرق إلى أعمال الفرات وحلب يخطب فيها ~~باسم [الخلفاء من] بني العباس. ومن حلب إلى بلاد المغرب يخطب [فيها] باسم ~~الخلفاء الفاطميين - وداخل ذلك الحرمان الشريفان -. # وكان المعز رافضيا سبابا خبيثا، إلا أنه كان فاضلا، عاقلا، أديبا، حازما، ~~جوادا، ممدحا، وفيه عدل للرعية. # PageV01P270 # قيل: إن زوجة الأخشيد لما زالت دولتهم أودعت عند يهودي بغلطاقا كله جوهر، ~~ثم طالبته فأنكر؛ فقالت له: خذ الكم الواحد وأعطني ما بقي؛ فلم يفعل؛ فلم ~~تزل تدرجه، وهو لايرضى، حتى سألته أن يعطيها [كما واحدا] ويأخذ ما بقي، وهو ~~لا يرضى؛ فتوجهت إلى قصر المعز وأخبرته بما وقع؛ فأرسل أحضر اليهودي وسأله ~~فأنكر، ثم أعترف وأحضر البغلطاق. فلما رآه المعز تحير مما فيه من الجواهر، ~~وقد أخذ اليهود من صدره درتين واعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار. فأخذه ~~المعز ودفعه بكامله لها؛ فاجتهدت أن يأخذه هدية منها، أو بثمن؛ فلم يفعل، ~~وأخذته وانصرفت. # وكان المعز عارفا بالنجامة ويحب المنجمين. # حكى أن المنجمين [أخبروا المعز] بأن عليه قطعا، وأشاروا عليه بأن يتخذ ~~سردابا ويتوارى فيه [سنة] ؛ ففعل ذلك. # فلما طالت مدته في السرداب ظنت جنده المغاربة أنه رفع إلى السماء؛ فكان ~~الفارس منهم ينظر إلى الغمام؛ فيترجل ويقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين! ~~. # ثم خرج المعز من السرداب بعد سنة. # وتوفي بعد ذلك بيسير، في شهر ms108 ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثمائة، (وله ست ~~وأربعون سنة، وتخلف بعده ابنه) [العزيز] . # PageV01P271 ### $ (العزيز بالله) # أبو منصور، نزار بن المعز معد. أمير المؤمنين، الفاطمي، العبيدي، ثاني ~~خلفاء مصر من بني عبيد، وخامسهم ممن أجداده المغاربة. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه المعز في سنة خمس وستين وثلثمائة. # ومولده بالمهدية من القيروان سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة إثنتين وأربعين ~~وثلثمائة. # وتم أمره في الخلافة. وكان القائم بتدبير ملكه جوهر الخادم المقدم ذكره. # وكان العزيز كريما، أديبا، شجاعا، عادلا في الرعية. # وهو أحسن خلفاء بني عبيد سيرة، غير أنه كان يميل إلى النجوم، وولى رجلا ~~نصرانيا يقال له: [ابن] نسطورس وزارة مصر، وولى [رجلا] يهوديا يقال له: ~~منشا وزارة الشام؛ فاستطالت النصارى واليهود بهما. # فأخذ المسلمون شخصا من ورق ملصق على صورة إمرأة، وعملوا في يدها قصة ~~مكتوبة، فيها: بالذي أعز اليهود بمنشا، وأعز النصارى بنسطورس # PageV01P272 # وأذل المسلمين بك ألا رحمت المسلمين. ونصبوها له على الطريق؛ فلما رآها ~~طلبها؛ فأحضروها إليه وقرأ القصة؛ فعظم ذلك عليه. ثم أمسك نسطورس ومنشا ~~وصادرهما، وأخذ منهما أموالا عظيمة، ثم صلبهما. # [وكان يدعي علم النجامة؛ فكتب له بعض الشعراء] : # ( [بالظلم والجور] قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة) # (إن كنت أعطيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقة) # وهجاه بعضهم بالقدح في نسبه، وكتبوا [له] ذلك [في ورقة ووضعوها على ~~المنبر] ؛ فلما صعد العزيز [يوم الجمعة المنبر وجدها وفيها] : # (إنا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع) # (إن كنت فيما تدعي صادقا ... فاذكر أبا بعد الأب السابع) # (وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع) # (أو لا دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع) # (فإن أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع) # وتوفي العزيز في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة. # وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر وأياما. وتخلف بعده ابنه ~~[الحاكم منصور] . # PageV01P273 ### $ (الحاكم بأمر الله) # أبو علي، منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله، أبو تميم، معد ~~بن المنصور إسماعيل بن القائم ms109 محمد بن المهدي عبيد الله. العبيدي، الفاطمي، ~~المغربي الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، الثالث من خلفاء مصر ~~من بني عبيد. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه العزيز في يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر ~~رمضان سنة ست وثمانين وثلثمائة. # ومولده بالقاهرة في يوم الخميس سادس عشرين جمادى الأول سنة خمس وسبعين ~~وثلثمائة. # والحاكم هذا هو الذي بنى الجامع داخل باب النصر من القاهرة. # وكان الحاكم في أول أمره خيرا عادلا؛ أمر أن تلبس النصارى الأزرق واليهود ~~الأصفر، وأن لا يركبوا خيولا ولا بغالا. وجعل لهم حمامات على حدتهم وعمل ~~عليها صلبانا. ثم بنى على رأس كل كنيسة مسجدا يؤذن فيه على رءوسهم. # PageV01P274 # ثم لما كبر تغير عن ذلك كله، وعبد الكواكب، وصار يأمر بالشيء الذي يضحك ~~الناس منه. # من ذلك: أنه اجتاز يوما بحمام الذهب؛ فسمع فيها ضجيج النساء؛ فأمر أن تسد ~~عليهن؛ [فسدوها عليهن] حتى متن جميعا. # ثم أمر بهدم كنيسة قمامة ونهب جميع ما فيها؛ فهدمت ونهبت، ثم أمر ~~بإعادتها كما كانت. # ثم أمر بأن لا يبيع أحد زبيبا، ثم أمر أن [لا] يأكله أحد، ثم أمر بحرقه ~~في جميع البلاد، ثم أمر بإحراق العنب، ثم أمر بقطع الكروم كلها؛ فقطعت جميع ~~الكروم بمصر والشام. # ثم أمر بقتل الكلاب؛ فقتل بالديار المصرية ثلاثون ألف كلب. # ثم أمر بإهراق العسل النحل؛ فبدد الناس إثني عشر ألف جابية عسل. # ثم منع الناس من طبخ الملوخيا، ثم أمر أن لا تزرع في الأرض كلها وكل من ~~وجدت عنده شنق. # ثم منع [الناس] [من] بيع: الترمس، والسمك الأملس، وكبب اللحم، والفقاع، ~~وأمر بشنق من يعملهم، وشنق على ذلك جماعة كثيرة. # وكان يلبس الصوف، ويركب حمارا ويطوف في الأسواق وحده بغير غلام. # PageV01P275 # وكان لما تخلف صغيرا تولى تدبير ملكه خادم لأبيه يسمى أرجوان - وقيل ~~برجوان - حتى كبر الحاكم. # فلما كبر [الحاكم] قتل أرجوان [المذكور] ؛ فوجد له من الأموال مالا يحصى ~~كثرة. من جملة ما وجد له: ألف قميص، وألف سروال، وألف تكة حرير ms110 في كل تكة ~~نافحة مسك ونافحة عنبر [كبارا] . # ووجد له من الجواهر والأواني ما قيمته خمسمائة ألف دينار. # ووجد له من الدواب أربعة آلاف فرس وأربعة آلاف بغل. # ووجد له من الذهب [العين] [ألفي] ألف ألف دينار. # ولما استبد الحاكم بالأمر وحده طغى وتجبر، وساءت سيرته في الرعية، وفسدت ~~عقيدته في الدين. # وكانت أخته ست الملك عاقلة، وعلمت بزوال الملك عنهم؛ فعملت على قتله، إلى ~~أن قتل بحلوان خارج القاهرة - حسبما ذكرناه مفصلا في الأصل -؟ . وكان قتله ~~في ثامن عشرين شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة. # وتولى بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله. # PageV01P276 # وكان أمر الحاكم هذا متضادد: ما بين شجاعة [واقدام] ، وجبن وإحجام، ومحبة ~~للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء. # وكان الغالب عليه السخاء، وربما بخل بما لم يبخل به غيره. # وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا. # PageV01P277 ### $ (الظاهر لإعزاز دين الله) # أبو هاشم، علي بن الحاكم بأمر الله منصور بن [العزيز نزار بن المعز معد] ~~. العبيدي. المغربي الأصل، المصري الفاطمي، الرابع من خلفاء بني عبيد بمصر. # بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الحاكم في شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وله ~~من العمر ستة عشر سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام. # وقامت عمته ست الملك بتدبير ملكه أحسن قيام، وبذلت الأموال في الجند ~~وساست الناس أحسن سياسة. # ثم ماتت؛ فاقتفى الظاهر [هذا] طريقتها؛ فحسنت سيرته. # وكان فيه عدل وكرم وشجاعة. # ووقع في أيامه أمور لصغر سنه وضعف بدنه. # وطمع الناس في أطراف بلاده، وتغلب صاحب الرملة حسان بن المفرج البدوي على ~~أكثر بلاد الشام، وتضعضعت دولة الظاهر. ومن يومئذ أخذ أمر الخلفاء ~~الفاطميين في انحطاط. # وكان وزيره نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي جيد التدبير. # PageV01P278 # وفي أيام الظاهر حضر إلى مكة رجل أعجمي ومعه جماعة عظيمة كأنهم يحجون، ~~فلما دخلوا البيت الحرام، اقتلعوا الحجر الأسود من مكانه وكسروه، فأمسك ~~الجميع، وربما قتل بعضهم. وطببوا الحجر الأسود، وأعادوه إلى مكانه. # [ثم] توفي الظاهر بعد ذلك بمدة [في] يوم الأحد النصف ms111 من شعبان سنة سبع ~~وعشرين وأربعمائة؛ فكانت ولايته على مصر ستة عشر سنة وتسعة أشهر. وتخلف ~~بعده ابنه [المستنصر أبو تميم معد] . # PageV01P279 ### $ (المستنصر بالله) # أبو تميم، معد بن الظاهر علي بن الحاكم منصور بن العزيز [نزار] بن المعز ~~معد العبيدي، الفاطمي. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر في يوم الأحد نصف شعبان سنة سبع ~~وعشرين وأربعمائة. وعمره يوم ولي الخلافة سبع سنين وسبعة وعشرين يوما. # وبقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر. # ولا نعلم في الإسلام خليفة ولا سلطانا أقام في الملك هذه المدة. # والمستنصر هذا هو الذي خطب له البساسيري على منابر بغداد، وهذا شيء لم ~~يقع لأحد من آبائه - وقد ذكرنا سبب ذلك في كتابنا ((النجوم الزاهرة)) مطولا ~~فلينظر هناك. # وفي أيام المستنصر هذا كان الغلاء العظيم بمصر الذي لم يقع مثله من زمان ~~يوسف عليه السلام - في حدود سنين نيف وخمسين وأربعمائة -. # PageV01P280 # وقيل: إن القمح أبيع بدينار ونصف القدح، وأكل الناس [فيه] بعضهم، وأكلوا ~~الميتة والكلاب، وأبيع فيه الكلاب بخمسة دنانير، والقط بثلاثة دنانير. # واشتد الغلاء، ودام سنين حتى بقي الكلب يدخل بيت الشخص ويأكل ولده وهو ~~قاعد لا يستطيع النهوض لدفعه؛ مما به من شدة الجوع. # وقيل: إنه كان بمصر حارة تعرف بحارة الطبق - وهي معروفة -[كان] فيها ~~عشرون دارا، كل دار تساوي ألف دينار؛ فأبيعت كلها بطبق خبز، كل دار برغيف. ~~وأقام الغلاء يعاود الناس سنين. # وقال ابن الجوزي: خرجت إمرأة ومعها قدر ربع جوهر؛ فقالت: من يأخذ مني هذا ~~الجوهر ويعطيني عوضه برا. فلم تجد من يأخذه منها؛ فقالت: إذا لم تنفعني وقت ~~الضائقة فلا حاجة لي بك. وألقته على الأرض وانصرفت. فالعجب ما كان له من ~~يلتقطه! . # وحكى أن المستنصر [هذا] أخرج جميع ما في الذخائر؛ فباعها. # يقال: إنه باع في [هذا] الغلاء ثمانين ألف قطعة من أنواع الجوهر المثمنة، ~~وخمسة وسبعين ألف قطعة من أنواع الديباج المذهب، وعشرين ألف سيف، وأحد عشر ~~ألف دار. # PageV01P281 # وافتقر [الخليفة] [المستنصر] [هذا] حتى لم يبق له ms112 إلا سجادة تحته وقبقاب ~~في رجله؛ فصار إذا نزل [من القصر] يستعير بغلة الديوان حتى يركبها. # ومات في هذا الغلاء معظم الناس جوعا. ثم بعد سنين تراجع حاله إلى ما كان ~~[عليه] وأزيد. # ودام في الخلافة، إلى أن مات [بها - أعني القاهرة -] في يوم الخميس ~~لإثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة. # وكانت مدة خلافته ستون سنة - كما تقدم ذكره - وتخلف [من] بعده ابنه ~~[المستعلي أحمد] . # PageV01P282 ### $ (المستعلي بالله) # أبو القاسم، أحمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر علي بن الحاكم منصور ~~بن العزيز نزار بن المعز معد، العبيدي الفاطمي. # بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر في ثامن عشر [من] ذي الحجة سنة سبع ~~وثمانين وأربعمائة - وهو يوم عيد الغدير - وسنه نيف على عشرين سنة. # وكان القائم بخلافته وزيره أمير الجيوش الأفضل بن شاهنشاه بن أمير الجيوش ~~بدر الجمالي. # والمستعلى هذا هو السادس من خلفاء مصر من بني عبيد. # وفي أيام المستعلي هذا استولت الفرنج على سواحل الشام، وأخذت بيت المقدس. # وأخذ أمر الفاطميين في اضمحلال، وتلاشت خلافتهم، وغلبت الوزراء عليهم - ~~كما هو الآن -. ولم يبق لهم من يومئذ من الخلافة إلا مجرد الأسم فقط. # PageV01P283 # ودام المستعلي في الخلافة، إلى أن مات في يوم الثلاثاء تاسع صفر سنة خمس ~~وتسعين وأربعمائة. # وكانت خلافته سبع سنين وشهرين وأياما. # وتخلف بعده ابنه [الآمر بأحكام الله منصور] . # PageV01P284 ### $ (للآمر بأحكام الله) # أبو علي، المنصور بن المستعلي أحمد. الفاطمي، العبيدي، السابع من خلفاء ~~مصر من الفاطميين بني عبيد. # [بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستعلي] . # وكان أسوءهم سيرة، وأخذت الفرنج في أيامه [وفي أيام أبيه] عدة بلاد من ~~سواحل المسلمين. # قال الحافظ [أبو عبد الله شمس الدين محمد] الذهبي -[رحمه الله]- # : كان الآمر كآبائه رافضيا خبيثا فاسقا، ظالما جبارا، متظاهرا بالمنكر ~~واللهو، ذا كبر وجبروت. # وكان مدبر سلطانه شاهنشاه [بن] أمير الجيوش بدر الجمالي. فلما كبر الآمر ~~قتله وأقام عوضه في الوزارة المأمون [أبا عبد الله] [محمد] البطائحي؛ فظلم ~~وأساء السيرة. إنتهى [كلام الذهبي] ms113 . # PageV01P285 # قلت: والمأمون [هذا] هو صاحب جامع الأقمر بالقاهرة. # ثم إن الآمر قبض على المأمون أيضا وقتله وصلبه سنة تسعة عشر وخمسمائة. # وفي أيام الآمر أخذت الفرنج عكا سنة سبعة وتسعين وأربعمائة، وأخذوا ~~طرابلس سنة إثنتين وخمسمائة، وأخذوا عرقة وبانياس وعدة بلاد في تلك السنة، ~~وتسلموا بيروت في سنة ثلاث وخمسمائة بالسيف، وأخذوا صيدا سنة أربع ~~وخمسمائة. # ثم قصد الملك الفرنج بردويل أخذ مصر؛ فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش؛ ~~فشق أصحابه بطنه، وصبروه، ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم. # وسمى ذلك المكان بسبخة بردويل. ثم دفنوا بردويل المذكور بالقمامة. # وكان بردويل هو الذي أخذ بيت المقدس من المسلمين وسواحل كثيرة، وذلك بشؤم ~~الآمر هذا وأبيه، فإنه كان ظالما قليل الهمة. # PageV01P286 # وكان الآمر عاصر في أول خلافته من خلفاء بغداد [من] بني العباس المستظهر ~~أحمد، [وفي آخر] ولايته المسترشد، الفضل. # وكل هذه البلاد والسواحل المأخوذة كانت تحت حكم خلفاء مصر الفاطميين، ليس ~~لخلفاء بني العباس عليها حكم من يوم دخل المعز إلى الديار المصرية إلى ما ~~سيأتي ذكره. # وفي أيام الأمر أيضا - في سنة أربع وخمسمائة - طلع بمصر وأعمالها سحاب ~~أسود أظلم منه الجو، وهبت ريح شديدة حتى ظن الناس أنها القيامة، ودامت من ~~العصر إلى المغرب [ثم انجلت] . # ودام الآمر في الخلافة، إلى أن قتل وهو مار على جسر الروضة، عند خروجه من ~~الجسر إلى الجزيرة بالروضة تجاه مصر. # وثب عليه تسعة؛ فضربوه بالسكاكين، حتى أن أحدهم وثب وركب خلفه. ثم حمل ~~جريحا. # ومات في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة. # وكانت خلافته تسعة وعشرين سنة وتسعة أشهر. [ومات من غير عقب] . # PageV01P287 ### $ (الحافظ لدين الله) # أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد ابن الخليفة المستنصر ~~بالله معد ابن الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم بن العزيز بن ~~المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي. العبيدي الفاطمي، الثامن من خلفاء ~~مصر من بني عبيد، والحادي عشر منهم ممن ولي من آبائه ms114 ببلاد الغرب، وهم ~~ثلاثة: المهدي، والقائم، والمنصور. # بويع [الحافظ] بالخلافة بعد قتل الآمر، ولقب الحافظ لدين الله، ووزر له ~~أبو علي أحمد بن الأفضل، ولقب أمير الجيوش. # وكان قبل ولاية الحافظ هذا اضطربت أحوال الديار المصرية؛ لأن الآمر مات ~~ولم يخلف ولدا ذكرا، وترك [إمرأة] حاملا؛ فعدلوا إلى الحافظ هذا، وانقطع ~~النسل من الآمر - وقد ذكرنا أمر الحافظ [هذا مستوفاة] في [تاريخنا] : ~~((النجوم الزاهرة [في ملوك مصر والقاهرة)) ]-. # PageV01P288 # ثم وقع للحافظ هذا أمور، وكان كثير المرض بالقولنج، فعمل له شرماه الحكيم ~~الديلمي طبل القولنج الذي وجد في خزائنهم لما ملك) صلاح الدين يوسف مصر [من ~~بعدهم] . # وكان هذا الطبل ركب من المعادن السبعة [والكواكب السبعة] في أشرافها، وكل ~~واحد من السبعة في وقته. # وكان من خاصة هذا الطبل إذا ضرب به أحد خرج منه ريح [من مخرجه] ؛ [ولهذه ~~الخاصية] كان ينفع من القولنج. # فلما وجد في الخزائن ضرب به بعض الأكراد الأجلاف؛ فخرج منه ريح؛ فغضب ~~وكسره من حنقه. # وندم صلاح الدين يوسف بن أيوب عليه غاية الندم. # وفي أيام الحافظ بهدلت الخلافة حتى لم يبق [له] من الحكم لا قليل ولا ~~كثير. # وفي أيامه طلع بدمشق سحاب أسود أظلم منه الجو، وهبت ريح عاصفة قلعت شجرا ~~وهدمت أماكن كثيرة، ثم أمطرت مطرا عظيما زادت منه الأنهار، وكادت دمشق ~~تغرق. # ودام الحافظ في الخلافة، إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين ~~وخمسمائة. # PageV01P289 # وكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر. # وتولى [الخلافة من] بعده أصغر أولاده [الظافر بالله، أبو منصور إسماعيل] ~~. # PageV01P290 ### $ (الظافر بالله) # أبو منصور، إسماعيل بن الحافظ لدين الله عبد المجيد ابن الأمير محمد ابن ~~الخليفة المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز. ~~العبيدي الفاطمي، التاسع من خلفاء مصر من بني عبيد - ما عدا الثلاثة الذين ~~ولوا ببلاد الغرب -. # بويع الظافر بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ في جمادى الآخرة سنة أربع ~~وأربعين وخمسمائة، وهو ابن سبع عشرة سنة وأشهرا. # وفي أيامه أيضا أضطربت أحوال ms115 الديار المصرية؛ لميله إلى اللهو والطرب، ~~ووقع له أمور في خلافته. # وكان الظافر يهوى نصر ابن وزيره العباس وينادمه، وينزل إليه الظافر خفية ~~وينام عنده؛ فتكلم الناس بذلك؛ وبلغ العباس [ذلك] ؛ فوبخ إبنه نصر بما سمعه ~~من الكلام. # PageV01P291 # فلما نزل إليه الخليفة [الظافر] في بعض الليالي على عادته ومعه خادم واحد ~~[وشرب] ونام؛ فقام نصر المذكور إليه وقتله، ورمى به في بئر، وعرف أباه ~~الوزير بذلك. # فلما أصبح الوزير [عباس] توجه إلى باب القصر كأنه لم يعلم بما وقع، وطلب ~~الخليفة الظافر على العادة؛ لأجل الموكب؛ فقال له خادم القصر: ابنك نصر ~~يعرف أين هو! . فقال الوزير: ما لإبني [به] علم. # ثم أحضر العباس أخوين للظافر وابن أخيه وقتلهم صبرا بين يديه. # ثم أحضر الوزير العباس أعيان الدولة، وقال لهم: إن الظافر ركب البارحة في ~~مركب؛ فانقلبت به فغرق. وقام ودخل الحريم وأخرج عيسى بن الظافر، وبايعه ~~بالخلافة، ولقبه بالفائز. # وتفرق الناس عن الوزير [العباس] ؛ لما عرفوا أمر الظافر؛ وطلبوا بدم ~~الخليفة [الظافر] . # ووقع لعباس [الوزير] المذكور أمور حتى قتل هو وابنه. # PageV01P292 # وقد استوعبنا ذلك [كله] في [كتابنا] ((النجوم الزاهرة)) . # والظافر هذا هو صاحب الجامع الظافري، المعروف الآن بجامع الفاكهيين داخل ~~القاهرة. # وكانت خلافته أربع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. # وتخلف بعده ابنه [الفائز عيسى - حسبما تقدم ذكره -] . # PageV01P293 ### $ الفائز بنصر الله # أبو القاسم، عيسى بن الظافر إسماعيل بن الحافظ [عبد المجيد ابن الأمير ~~محمد بن المستنصر معد بن الظاهر علي بن الحاكم] منصور بن العزيز نزار بن ~~المعز معد بن المنصور بن القائم بن المهدي، العبيدي الفاطمي، العاشر من ~~خلفاء مصر من بني عبيد، والثالث عشر من آبائه الذين تخلفوا بالمغرب. # بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر، وهو أنه: لما تحقق الناس فقد أبيه ~~دخل الوزير عباس وأخذه من الحريم، وحمله على كتفه، وأخرجه إلى الناس قبل ~~رفع أعمامه المقتولين - الذين قتلهم الوزير [عباس] حسبما تقدم ذكره - فرأى ~~الصبي القتلى؛ ففزع واضطرب. # ودام به ذلك الفزع، إلى أن مات بعد ms116 مدة سنين. # ولما أخرجه [عباس] الوزير إلى الناس بايعوه بالخلافة، ولقبوه بالفائز، ~~وله خمس سنين من العمر، ووزر له العباس. # PageV01P294 # كل ذلك والفائز مائل على كتف الوزير من الرجفة وهو يصيح. # ولما تم أمره في الخلافة، وتحقق الناس قتل الوزير [عباس المذكور] للخليفة ~~الظافر أخذوا في التدبير عليه. # وأرسلت النساء يستغيثون بطلائع بن رزيك وكان يوم ذاك متولي منية ابن ~~خصيب؛ فجمع طلائع عساكره وقصد عباسا. # وبلغ العباس ذلك؛ فجمع ما قدر عليه من الجواهر والأموال وهرب نحو الشام؛ ~~فخرج عليه الفرنج في طريقه وأسروه وأخذوا جميع ما كان معه. # وتولى طلائع بن رزيك وزارة مصر، ولقب بالملك الصالح - وهو صاحب الجامع ~~خارج بابي زويلة -. # ولما استقل طلائع بالوزارة أرسل؛ فبذل للفرنج مالا عظيما، وأخذ عباسا ~~منهم، وقتله وصلبه على باب القصر. # وفي أيام الفائز [هذا] في سنة إثنتين وخمسين وخمسائة كانت بالشام زلازل ~~عظيمة خربت قصورا كثيرة ومدنا وقلاعا وقتلت عالما كثيرا. # PageV01P295 # ثم مات الفائز [هذا] في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة، وهو ابن عشر سنين أو نحوها. # وبايعوا بعده العاضد لدين الله عبد الله بن يوسف ابن الحافظ، وهو آخر ~~الخلفاء الفاطميين بمصر - حسبما يأتي ذكره، [إن شاء الله تعالى]-. # PageV01P296 ### $ (العاضد بالله) # أبو محمد، عبد الله ابن الأمير يوسف ابن الخليفة الحافظ عبد المجيد بن ~~الأمير محمد ابن الخليفة المستنصر [بالله] [معد] ابن الخليفة الظاهر علي ~~ابن الخليفة الحاكم منصور ابن الخليفة العزيز [نزار] ابن الخليفة المعز معد ~~ابن خليفة الغرب [المنصور إسماعيل ابن خليفة الغرب القائم محمد ابن خليفة ~~الغرب] المهدي عبيد الله، العبيدي الفاطمي المصري، الحادي عشر من خلفاء بني ~~عبيد بالقاهرة، والرابع عشر ممن ولي من آبائه بالغرب. # والعاضد هذا هو آخر خلفاء مصر من بني عبيد. # بويع بالخلافة في شهر رجب بعد موت ابن عمه الفائز سنة خمس وخمسين ~~وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة وشهرا. # وكان القائم بتدبير ملكه وزيره الملك الصالح طلائع بن رزيك، ثم وزر له ms117 ~~بعد قتل طلائع شاور، وهو الذي كان سببا لخراب الديار المصرية [وزوال دولة ~~بني عبيد منها] . # PageV01P297 # ثم في أواخر أيام العاضد هذا ملك بنو أيوب الديار المصرية. # وأول من ملك منهم أسد الدين شيركوه. توزر للعاضد بعد قتل شاور، ولقب ~~بالملك المنصور، فلم تطل مدته، ومات بعد شهر وأيام، فولي العاضد عوضه في ~~الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب. # فلما ولي صلاح الدين الوزارة ولقب بالملك الناصر؛ قطع بعد سنين اسم ~~العاضد من الخطبة بمصر وأعمالها بأمر [الملك] العادل نور الدين محمود بن ~~زنكي صاحب الشام، المعروف بنور الدين الشهيد. # ومات العاضد بعد ذلك بأيام، في يوم الأثنين - يوم عاشوراء - من سنة سبع ~~وستين وخمسمائة. # واستولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وذخائرها - وقد استوعبنا ذلك ~~[كله] مفصلا في ((النجوم الزاهرة)) -. # واختلفوا في سبب موت العاضد؛ قيل: إنه تفكر في أموره؛ فرآها في ادبار مع ~~وزيره صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ فأصابه ذرب عظيم؛ فمات منه. # وقيل: إنه لما خطب لبني العباس بالقاهرة بلغة ذلك؛ فاغتم [ومات] . وقيل: ~~إنه لما خطب لبني العباس بالقاهرة بلغة ذلك؛ فاغتم [ومات] . # وقيل: إنه لما أيقن بزوال [دولته] كان في يده خاتم له فص مسموم؛ فمصه؛ ~~فمات منه. # PageV01P298 # قال الذهبي: وكان العاضد مع وزرائه كالمحجور عليه، لا يتصرف في كل ما ~~يريد، ومع هذا كان رافضيا سبابا خبيثا كآبائه. # وقال القاضي شمس الدين [أحمد] بن خلكان -[رحمه الله]- # : وكان إذا رأى سنيا يستحل دمه. # قلت: وملك بعده الديار المصرية وزيره السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. # PageV01P299 ### | ذكر ابتداء دولة بني أيوب الأكراد ### $ # وأول من ولى من الأكراد أخو أيوب أسد الدين شيركوه. # وقد أختلف المؤرخون في [أمر] ولاية أسد الدين شيركوه هذا على مصر؛ فمنهم ~~من عده من الأمراء، ومنهم من ذكره في الوزراء؛ ولهذا المقتضى أخرنا ترجمته ~~بعد موت العاضد في ((النجوم الزاهرة)) . # وقد ذكرنا أنه ولى الوزارة للعاضد بعد قتل شاور تلك المدة اليسيرة ومات. # والناظر في ترجمته [هو] بالأختيار، إن شاء ms118 يجعله أميرا، وإن شاء يجعله ~~وزيرا، إنتهى. # قلت: ونسب أسد الدين [شيركوه المذكور] هو: شيركوه بن شاذى بن مروان، عم ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ويأتى بقية نسبهم وما قيل في أصلهم في ~~ترجمة صلاح الدين [يوسف بن أيوب] [المذكور] . # PageV02P001 # وأما أسد الدين [هذا] ؛ فإنه لما قتل شاور الوزير أخلع عليه [الخليفة] ~~العاضد بالوزارة عوضه، ولقبه بالملك المنصور؛ فلم تطل مدته، ومات بعد شهرين ~~- تنقص أياما - فجأة، في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة سنة أربع وستين ~~وخمسمائة. # وولي الوزارة [من] بعده ابن أخيه صلاح الدين [يوسف بن أيوب بن شاذى] . # PageV02P002 #~:section: ذكر ولاية الملك الناصر صلاح الدين # أبو المظفر، يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى بن مروان الكردي. # ولي الوزارة للعاضد بعد موت عمه أسد الدين شيركوه في العشر الأخير من ~~جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة، ولقب بالملك الناصر؛ فاستولى على ~~مصر، ومهد أمورها، وصار يدعو للعاضد الخليفة، ثم [من بعده] للملك العادل ~~نور الدين محمد بن زنكي صاحب الشام، ثم من بعدهما لصلاح الدين هذا. # [وأصل] بنو أيوب: كانوا من دوين - بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون ~~الياء وبعدها نون - وهي في اخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرخ - ~~وهمن أكراد روادية كانوا في خدمة زنكي بن أق سنقر، ثم من بعده أرسلهم إلى ~~الديار المصرية، وقصتهم فيها تطول. # PageV02P003 # والمقصود: أن صلاح الدين هذا لما ولى الوزارة للعاضد استمر على ذلك إلى ~~سنة ست وستين وخمسمائة أرسل الملك العادل نور الدين محمود إلى صلاح الدين ~~هذا يأمره بقطع الخطبة للعاضد بمصر وإقامة الخطبة بها للمستضئ حسن العباسي ~~خليفة بغداد؛ فأرسل صلاح الدين لنور الدين يعتذر بالخوف من وثوب أهل مصر ~~وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ فأرسل نور الدين ثانيا إلى صلاح الدين بذلك، ~~وخشن له في القول وألزمه بذلك. # وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير الاسفهسلار ويكتب علامته في ~~الكتب تعظيما أن يكتب إسمه. # وكان لا يفرد صلاح الدين بمكاتبة وحده، بل ms119 يكتب له ولكافة الأمراء الذين ~~بمصر يفعلون كذا وكذا، ولكن كان السلطان صلاح الدين هو عظيمهم واعتماد نور ~~الدين عليه. # ولما ألزم نور الدين صلاح بقطع إسم العاضد من الخطبة استشار صلاح الدين ~~الأمراء الذين هم رفقته من عند نور الدين كيف يكون الأبتداء بالخطبة ~~للعباسية؟ ؛ فاختلفت أقوالهم، إلى أن قام رجل أعجمي يعرف بالأمير العالم ~~لما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها. # فلما كان أول جمعة من المحرم من سنة سبع وستين وخمسمائة صعد المنبر قبل ~~الخطيب ودعى للخليفة المستضئ العباسي خليفة بغداد؛ فلم يتكلم أحد من ~~المصريين، ولا أنكروا ذلك. # فلما كان يوم الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء [بمصر والقاهرة] ~~بقطع إسم العاضد العبيدي من الخطبة وإقامة الخطبة باسم المستضئ حسن ~~العباسي؛ ففعلوا ذلك. # وكتب صلاح الدين إلى نور الدين يعرفه بذلك. # ومات العاضد في يوم عاشوراء قبل أن يبلغة، [وقيل: بلغة] ؛ فاغتم ومات - ~~حسبما ذكرناه -. # PageV02P004 # واستولى صلاح الدين على الديار المصرية على أنه نائبا لنور الدين؛ فلم ~~تطل أيام نور الدين بعد ذلك ومات بعد سنيات. # واستفحل أمر صلاح الدين بموته، وملك البلاد الشامية، وفتح تلك الفتوحات ~~الهائلة، من جملتها بيت المقدس - وقد استوعبنا وقائعه وفتوحاته بتمامها ~~وكمالها في ((النجوم الزاهرة)) ؛ يضيق هذا المختصر عن ذكرها -. # ودام صلاح الدين بالسواحل الشامية سنين، إلى أن مرض بدمشق ومات في صبيحة ~~يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة بعد صلاة ~~الصبح. # وكان يوم موته يوما [مشهودا] لم يصب الناس بمثله [منذ] فقد الخلفاء ~~الراشدون - رضي الله عنهم -. # وتسلطن بعده بدمشق ولده الأفضل، وتسلطن بمصر ولده [الملك] العزيز عثمان. # وكانت مدة سلطنة صلاح الدين على مصر أربعا وعشرين سنة، وهو صاحب ~~الفتوحات، وصاحب خانقاة سعيد السعداء بالقاهرة، والمدرسة السيوفية ~~[بالقاهرة] ، والخانقاة بالقدس [الشريف] . # وهو أول ملوك بني أيوب بعد عمه أسد الدين شيركوه وأجلهم وأعظمهم بلا ~~مدافعة. # PageV02P005 # وهو الذي أقام السادة الشافعية بالديار المصرية وقدمهم على غيرهم من ~~المذاهب - رحمه الله [تعالى]-. ms120 # ومولده بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها في سنة إثنتين وثلاثين ~~وخمسمائة. # وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا. # ومات ولم يخلف بخزائنه من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية. ~~ولم يخلف ملكا ولا بستانا ولا قرية - رحمه الله تعالى -. # PageV02P006 ### $ الملك العزيز # عماد الدين أبو الفتح، عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن ~~شاذى بن مروان. # تسلطن بعد موت أبيه، وكان نائبا لأبيه على مصر لما كان أبوه بالشام. # ولما مات أبوه استقل [الملك] العزيز هذا [بملك مصر] ، وذلك باتفاق أكابر ~~الأمراء. # وتم أمره وسنه نيف وعشرون سنة، وكان أصغر إخوته. # وكان أكبر أولاد صلاح الدين، الملك الأفضل صاحب دمشق، ثم من بعده [الملك] ~~الظاهر غازى صاحب حلب. # ووقع للعزيز هذا مع إخوته أمور -[ذكرناها في ((النجوم الزاهرة)) ]- # ودام [الملك العزيز] في الملك، إلى أن خرج إلى الفيوم يتصيد، فلاح # PageV02P007 # له ظبى؛ فركض [الفرس] خلفه، فكبا به الفرس، فدخل قربوس السرج في فؤاده؛ ~~فحمل إلى القاهرة، ومات في العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة عن ~~سبع وعشرين سنة، ودفن عند الإمام الشافعي - رضي الله عنه -. # وتسلطن بعده ابنه ناصر الدين محمد، ولم يذكر عمه العادل أبا بكر في ~~الوصية، وأوصى للأمير أزكش - وكان مقدم الأسدية -. # وكان [الملك] العزيز ملكا شجاعا جوادا، كريما دينا، عاقلا سيوسا. # وكان مولده في جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة. # PageV02P008 ### $ الملك المنصور # ناصر الدين، محمد ابن السلطان الملك العزيز عثمان ابن الملك الناصر صلاح ~~الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى بن مروان الأيوبي سلطان ~~الديار المصرية. # ملك مصر بعد موت أبيه وعمره نحو عشر سنين في محرم سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة، وصار مدبر ملكه الأمير بهاء الدين قراقوش. # ووقع للمنصور هذا مع عمه الملك الأفضل صاحب دمشق أمور ووقائع، [ثم] مع ~~[عم] أبيه [الملك] العادل # أبي بكر بن أيوب. # ولم تطل أيام المنصور هذا؛ لصغر سنه، ولتغلب أعمامه عليه. # واخر الأمر أن عم أبيه [الملك] العادل خلعه من الملك وتسلطن ms121 عوضه [في] ~~سنة ست وتسعين وخمسمائة؛ فكانت مدة ملكه على مصر سنة واحدة وتسعة أشهر ~~سواء. # واستمر [الملك] المنصور بالقاهرة، ولم أقف [بعد ذلك] على وفاته. # PageV02P009 ### $ الملك العادل # سيف الدين، أبو بكر ابن الأمير نجم الدين أبي الشكر أيوب بن شاذى بن ~~مروان. # تقدم ذكر نسبه في ترجمة أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. # تسلطن [الملك] العادل هذا بعد خلع ابن [ابن] أخيه [الملك] المنصور محمد ~~في شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة. # وكان الملك العادل هذا لقب بالعادل في أيام أخيه صلاح الدين قبل سلطنته ~~على عادة ملوك الأكراد، وملك عدة بلاد. # وطالت أيامه في السعادة، إلى أن ملك الديار المصرية. # وكان مولد العادل بمدينة بعلبك وأبوه أيوب نائبا عليها للأتابك زنكى بن ~~أق سنقر في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. # وهو أصغر من أخيه صلاح الدين [يوسف] بسنتين. وهو بكنيته أشهر. # وكان مسعودا في حركاته وأولاده، ولم نعلم في ملوك الإسلام من أعطى ما ~~أعطيه العادل في نجابة أولاده وذريته، حتى أن غالب [ملوك] بني أيوب هم ~~ذريته. # PageV02P010 # وطالت [أيام العادل وصفت أوقاته وحسنت أيامه] . وكان عاقلا دينا محبا ~~للعلماء والصلحاء. # وقسم الممالك في أولاد، وصار [هو] يتردد في الممالك بينهم، وينتقل من ~~مملكة إلى أخرى؛ فكان يصيف بالشام لأجل الفواكه والمياه الباردة، ويشتي ~~[بالديار المصرية] ؛ لإعتدال الوقت فيها. # وكان كثير الأكل؛ يأكل وحده خروفا [لطيفا] مشويا، وكان كثير النكاح، وكان ~~يحب من يؤاكله، وكان غالب أكله مثل الخيل في الليل. # ودام في الملك، إلى أن مرض. وطال مرضه وتوفى بعالقين ببلاد الشام في ثامن ~~جمادى الآخر سنة خمس عشرة وستمائة؛ فصبره ولده [الملك] المعظم عيسى صاحب ~~دمشق وحمله - ولم يعلم بموته أحد - إلى قلعة دمشق؛ فدفنه بها. # ولما مات [الملك] العادل [هذا] استقر كل واحد من أولاده بمملكته التي كان ~~قسمها بينهم؛ فاستقر [الملك] الكامل محمد في سلطنة مصر - كما كان عليها ~~أيام أبيه [العادل]-، واستقر [الملك] المعظم عيسى في ممالك الشام - كما كان ~~[أيضا] أيام أبيه -. # والمعظم ms122 هذا هو الذي استولى على ذخائر أبيه العادل كونه مات عنده. # واستقر [الملك] الأشرف موسى شاه أرمن بديار بكر وممالك الشرق. # PageV02P011 # وباقي أولاده كل واحد في مملكته أو في خدمة [أخ من إخوته] . # وكانت [مدة] سلطنته على مصر [وغيرها] ثمانية عشرة سنة، ونحو ثمانية أشهر ~~تخمينا. # PageV02P012 ### $ الملك الكامل # ناصر الدين، محمد ابن الملك العادل # أبي بكر بن أيوب، الأيوبي، سلطان الديار المصرية. # استقل بمملكة مصر [من] يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة ~~وستمائة - أعني بقولي: استقل؛ لأنه كان تسلطن بمصر في حياة أبيه لما قسم ~~الممالك بين أولاده من سنين قبل موته كما تقدم [ذكره]-. # فلما مات الملك العادل في هذا التاريخ تفرد الكامل بالخطبة والسلطنة. ~~واستبد بأمور الديار المصرية من غير شريك. # وكان الملك الكامل هذا أكبر أولاد العادل بعد أخيه مودود، وكان شجاعا ~~مقداما، فاضلا، عادلا في الرعية. # قال الحافظ [أبو عبد الله شمس الدين محمد] الذهبي في تاريخه -[رحمه الله تعالى]- # : وتملك الكامل الديار المصرية نحو أربعين سنة، شطرها في حياة والده. # PageV02P013 # وقال الحافظ عبد العظيم المنذري - رحمه الله -: وأنشأ الكامل دار الحديث ~~بالقاهرة - يعني عن المدرسة الكاملية ببين القصرين -، ثم عمر القبة على ~~ضريح الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وأجرى الماء من بركة الحبش إلى حوض ~~السبيل [به] . إنتهى. # قلت: وللكامل المواقف في الجهاد مع الفرنج بدمياط وغيرها سنينا طويلة، ~~وكافح العدو المخذول برا وبحرا، ليلا ونهارا. ولم يزل على ذلك حتى أعز الله ~~الإسلام وأهله، وأخذل الكفر [وأهله به] . # وكان معظما للسنة النبوية. # وكان الكامل [أيضا] سافر في أواخر أيامه إلى البلاد الشمالية وافتتح عدة ~~بلاد بها. # ودام على ملك مصر، إلى أن توفي بدمشق في عصر يوم الأربعاء، ودفن من الغد ~~[في] يوم الخميس ثاني عشرين [شهر] رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة. وملك بعده ~~[مصر] ابنه [الملك العادل] . # PageV02P014 ### $ الملك العادل # سيف الدين، أبو بكر ابن [الملك] الكامل محمد ابن [الملك] العادل أبي بكر ~~ابن نجم الدين أيوب، الأيوبي سلطان الديار المصرية، المعروف ms123 بالعادل الصغير ~~- أعني بالكنية عن جده -. # تسلطن بديار مصر بعد وفاة أبيه في أواخر سنة خمس وثلاثين وستمائة. # وسبب سلطنته وتقدمه على أخيه الأكبر [الملك] الصالح # نجم الدين أيوب، لأن [الملك] الكامل لما مات بدمشق كان العادل هذا نائبه ~~بمصر، وكان الصالح نجم الدين أيوب نائب أبيه الكامل ببلاد الشرق. # فلما مات الكامل اتفق الأمراء على نصب العادل هذا في سلطنة مصر، وأن يكون ~~نائبه بدمشق ابن عمه الملك الجواد يونس، وأن يكون أخوه [الملك] الصالح نجم ~~الدين أيوب على حاله بديار بكر وممالك الشرق؛ فتم ذلك. # وتسلطن العادل هذا وله نحو ثمانية عشر سنة. # ثم بلغ الخبر أخاه [الملك] الصالح نجم الدين أيوب؛ فتحرك طالبا لملك مصر ~~حتى ملكها بعد أمور وقعت له مع أخيه العادل هذا، وقهر الصالح العادل وخلعه ~~من الملك وحبسه، ثم قتله بعد سنين في السجن، في شوال ست وأربعين وستمائة. # ثم مات [الملك] الصالح [بعده بمدة] يسيرة. # وكانت سلطنة العادل على مصر سنة وشهرين وأياما مع ما وقع له فيها من ~~الإنكاد والحروب والفتن - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P015 ### $ الملك الصالح # نجم الدين، أيوب ابن السلطان [الملك] الكامل محمد ابن [السلطان الملك] ~~العادل أبي بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب، الأيوبي سلطان الديار المصرية. # تسلطن بعد خلع أخيه [الملك] العادل بعد أمور صدرت بينهما وبين ابن عمه ~~[الملك] . [الملك] الناصر [داود] صاحب الكرك في يوم الأثنين خامس عشرين ذي ~~الحجة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وعمره يوم ذاك نحو أربعة وثلاثون سنة؛ لأن ~~مولده [كان] بالقاهرة في أيام جده العادل في سنة ثلاث وستمائة؛ فنشأ [بها] ~~واستخلفه أبوه الكامل على مصر لما توجه إلى الشرق. # ولما عاد [الملك] الكامل إلى مصر عزل ابنه الصالح هذا عن مصر وولاه سلطنة ~~حصن كيفا من ديار بكر؛ فتوجه الصالح [هذا] إلى الحصن. ووقع له بها أمور ~~يطول شرحها، وافتتح هناك عدة بلاد. # ودام على ذلك، إلى أن مات أبوه الكامل وتسلطن أخوه العادل؛ عظم ذلك عليه؛ ~~فتحرك بعد مدة لطلب ms124 ملك مصر؛ فإنه كان الأسن. # PageV02P016 # ووقع له في طريقه أمور ومحن ذكرناها في ((النجوم الزاهرة)) إلى أن ملك ~~مصر، [وخلع أخاه العادل وحبسه، ثم قتله]- حسبما تقدم ذكره -. # وسبب قتله أن الصالح هذا لما أراد التوجه إلى البلاد الشامية خاف من ~~إبقاء أخيه العادل؛ فقتله سرا؛ فلم يتمتع بعده بنفسه، ووقعت الأكلة في خده ~~بدمشق؛ فعاد إلى مصر عليلا. # وفي عوده نزل ملك الفرنج الفرنسيس بجيوشه على دمياط، وأخذها وقتل وأسر ~~وسبى؛ فسار إليه الصالح هذا مريضا في محفة حتى نزل المنصورة، ووقع له حروب ~~مع الفرنج. # ومات الصالح وهو على المنصورة - رحمه الله تعالى - في ليلة النصف من ~~شعبان، فأخفت زوجته أم خليل شجر الدر موته؛ خوفا على المسلمين، إلى أن حضر ~~ولده المعظم توران شاه [من كيفا. # وصارت شجر الدر تدبر المملكة قبل حضور توران شاه] وتعلم على المناشير بخط ~~يحاكى خط الصالح؛ فإنها كانت كاتبة حاذقة، وساست الناس في تلك الشدائد ~~والحروب أحسن سياسة. # فلما حضر توران شاه إلى المنصورة حصل بقدومه النصر على العدو [في] ذلك ~~اليوم - ولله الحمد -. # فكانت مدة [سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب المذكور] على مصر تسع سنين ~~وسبعة أشهر وعشرين يوما. # والملك الصالح هذا هو صاحب المدارس ببين القصرين، وقلعة الروضة - تجاه ~~مصر القديمة على النيل، وكما بناؤها في سنة ونصف. # PageV02P017 # وكانت من عجائب الدنيا، وأسكن فيها جماعة من مماليكه؛ ولهذا كان يسمى ~~غالبهم بالبحرية. # وهو الذي أنشا المماليك الأتراك ((بالديار (المصرية)) . # وفيه يقول بعض الشعراء) [في هذا المعنى] . # (الصالح المرتضى أيوب أكثر من ... ترك بدولته ياشر مجلوب) # (لا، وأخذ الله أيوبا بفعلته ... فالناس كلهم في ضر أيوب) # PageV02P018 ### $ الملك المعظم توران شاه # ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد ابن [الملك] ~~العادل أبي بكر بن نجم الدين أيوب، الأيوبي المصري سلطان الديار المصرية. # تسلطن بعد موت أبيه الصالح بنحو شهرين ونصف، وقيل: بعد أربعة أشهر [ونصف] ~~وهو الأصح؛ لأن الصالح مات على المنصورة في [نصف] شعبان، وأخفت زوجته شجر ms125 الدر # موته مخافة على المسلمين. # وبايعوا لإبنه توران شاه هذا في غيبته. # ودبرت شجر الدر أمور المملكة، إلى أن قدم توران [شاه] من حصن كيفا في أول ~~المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة، فتح الله على يديه في يوم دخوله؛ ~~فتيمن [الناس] بطلعته. # ولما ملك [مصر] واستفحل أمره، أخذ يهدد مماليك أبيه بالقتل والفتك؛ ~~فتنكرت خواطر الجميع عليه، واتفقوا على قتله. # ثم ما كفاه ذلك حتى صار يتوعد شجر الدر بالمصادرة، ويطلب منها التحف؛ ~~فدفعت إليه شيئا كثيرا، وهو لا يكف عنها الطلب. # PageV02P019 # وكانت شجر الدر مطاعة؛ فتغير خاطرها عليه، مع ما تنكر [من] قلوب مماليك ~~أبيه؛ فوثبوا عليه في يوم الأثنين سابع عشرين المحرم من سنة ثمان وأربعين ~~وستمائة [المذكورة] ؛ فلم يثبت لهم، وهرب وطلع إلى برج خشب؛ فأطلقوا فيه ~~النفظ؛ فنزل إلى الخرقاة؛ فرموه بالنشاب؛ فصار يصيح؛ مالي حاجة بالملك، ~~دعوني أتوجه إلى الحصن؛ فلم يتركوه، وضربوه بالسيوف، إلى أن تلف. # وسلطنوا عليهم شجر الدر زوجة أستاذهم؛ فكانت مدة سلطنة [الملك] المعظم ~~توران شاه [هذا] على مصر دون الشهر. # PageV02P020 ### $ شجر الدر # أم خليل الصالحية، جارية الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأم ولده خليل، ~~وكانت حظية عند [الملك] الصالح. # ملكها في أيام والده، واستولدها ابنه خليل، ثم تزوجها. # وكانت في صحبته ببلاد الشرق، ثم صارت معه بحبس الكرك، وقاست معه تلك ~~الخطوب. # ثم قدمت معه إلى الديار المصرية. وعظم أمرها في الدولة الصالحية، [وصار ~~إليها غالب التدبير في حياة الصالح، ثم في مرضه، ثم بعد موته] . # وكانت من محاسن الدهر حزما، وعقلا، ودينا، وجمالا. # ولما تسلطن ابن زوجها المعظم توران شاه هددها - كما تقدم ذكره -. ووقع ~~لها معه أمور، إلى أن قتل؛ فاتفقوا خجدا شيتها الصالحية على سلطنتها؛ لحسن ~~سيرتها، وغزير عقلها، وجودة تدبيرها. وجعلوا خجداشها أيبك التركماني أتابك ~~عسكرها. # وخطب لها منابر مصر وأعمالها. # وكان الخطباء يقولون على [المنابر بمصر] بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم ~~الجهة الصالحية ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، ~~صاحبة السلطان الملك ms126 الصالح. # PageV02P021 # وكانت تعلم [على المناشير] : ((والدة خليل)) . # وبقيت على ذلك مدة ثلاثة أشهر، وساست الناس فيها أحسن سياسة، إلى أن بدا ~~لها خلع نفسها [فخلعت نفسها] من السلطنة. # واستقر [الملك] المعز أيبك (التركماني في السلطنة عوضها، وتزوجها، وكانت ~~مستولية على المعز أيبك [التركماني] ) في جميع أحواله. # وكانت تركية الجنس، ذات شهامة، ونفس قوية، شديدة الغيرة. # ومع ذلك بلغها أن المعز أيبك يريد [أن] يتزوج عليها؛ فعاجلته وقتلته لما ~~دخل إليها، وأخفت ذلك. وأرادت سلطنة بعض خجدا شيتها؛ ليتم لها ما أرادت؛ ~~فلم ينتج أمرها، وفشى الأمر. ووثب عليها مماليك المعز أيبك؛ فلم يمكنوهم ~~منها خجداشيتها الصالحية. # ووقعت أمور. وآخر الأمر أنها قتلت بيد المماليك المعزية في سنة خمس ~~وخمسين وستمائة. # وكانت شجر الدر خيرة، دينة، عاقلة، عارفة، ولا يعتبر قتلها لزوجها أيبك ~~[المذكور] ؛ فإن ذلك آفة معترضة للعقول الصحاح. # وكان لشجر [الدر] مآثر وأوقاف على (وجوه البر والصدقات معروفة بها) # -[رحمها الله تعالى]- # PageV02P022 ### | ذكر ملوك الترك بالديار المصرية # PageV02P023 # فارغة # PageV02P024 ### $ الملك المعز # عز الدين، أي بك، التركماني الصالحي النجمي. أول ملوك الترك بالديار ~~المصرية. وقد ذكرنا من ولى ملك مصر من الأتراك الذين مسهم الرق إلى يومنا ~~(هذا [في] أبيات [مواليا] ) : # (أي بك قطز يعقبوا بيبرس ذو الإكمال ... بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال) # (لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الأفضال ... ططر برسباى جقمق ذو العلا أينال) # ( [وخشقدم عنه قل يلبيه ذو الأحوال ... تمربغا قيتبيه الفحل ذو الإقبال] ~~) # وكان أصل أي بك المذكور من مماليك [الملك] الصالح نجم الدين أيوب. اشتراه ~~في حياة والده [الملك] الكامل، وجعله جاشنكيره؛ ولهذا كان رنكه [صورة] ~~خونجا. # تسلطن بعد أن خلعت شجر الدر نفسها من الملك من غير كره، بعد أن أجمع رأي ~~أكابر الأمراء على سلطنته؛ فتسلطن في يوم السبت آخر شهر ربيع الأول سنة ~~ثمان وأربعين وستمائة. # PageV02P025 # وتم أمره وركب بشعائر السلطنة، وحملت الغاشية بين يديه، وتم أمره في ~~الملك. ثم إن المماليك الصالحية - الأمراء البحرية - اتفقوا بعد ذلك ~~وقالوا: لابد لنا من واحد من بني ms127 أيوب نسلطنه، نجتمع الجميع على طاعته. # وكان القائم بهذا الأمر الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، وبيبرس ~~البندقداري وبلبان الرشيدي، وسنقر الرومي وجماعة أخر؛ فأقاموا مظفر الدين ~~موسى ابن [الملك] الناصر يوسف ابن الملك المسعود ابن [الملك] الكامل ابن ~~[الملك] العادل بن أيوب، ولقبوه بالملك الأشرف، وكان عند عماته؛ فأحضروه ~~وعمره يوم ذاك عشر سنين. # ولم يعزل المعز عن السلطنة، بل صار معه كالأتابك، وخطب لهما معا على ~~المنابر. # وكانت هذه الحركة بعد سلطنة المعز [أي بك هذا] بخمسة أيام. ولم يسع المعز ~~أي بك حينئذ إلا الإذعان لما فعلوه خجدا شيته؛ لعظم شوكتهم. # واستمر [الملك] المعز في السلطنة شريكا لهذا الصبي، إلى أن مهد أموره ~~وقويت شوكته وصفى له الوقت عزل الصبي، واستقل [هو] بالسلطنة بعد أمور حصلت ~~ووقائع، إلى أن قتلته زوجته شجر الدر - المقدم ذكرها - في يوم الثلاثاء ~~ثالث عشرين شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة. # PageV02P026 # وتسلطن بعده ابنه الملك المنصور على بن أي بك - كما سيأتي ذكره -. وأيبك ~~صوابه أن يكتب: أي بك؛ فإنه اسم مركب كأي بغا وأي دمر. # ولا عبرة بكتابة من لا يعرف المصطلح باللغة التركية من الفقهاء؛ فإنهم ~~يكتبون شيئا لا يعرفونه لا يفهمونه. [بل] وأعجب من ذلك أنهم يكابرون في هذا ~~الأمر، مع أنهم لو سألهم بعض الصغار: ما معنى ما تقولون؟ لا يعرفون {، فهذا ~~هو الحمق بعينه. # وقد حرفوا بذلك أسماء كثيرة، وجعلوها في قالب لا معنى له مثل: جانبك، ~~وتنبك [وكلبك ونحو ذلك. والعجيب أنهم يكتبون جانبك: جانى بك. وماعداه مثل: ~~جانباني، ومثل: جان تمر وجان غاى، وجان كلى، وجان قرا، الجميع بلا ياء] . # ويكتبون: جانى بك بالياء على هذه [الصورة] . فلو سألهم سائل: ما معنى وجه ~~التخصيص في أن جانى بك تكتب بالياء من دون هذه الأسماء جميعا؟ . فلعمري ما ~~يكون جوابهم} ؟ والجميع على صيغة واحدة من أن صدر الكلمة جان - وهي: الروح ~~باللغة التركية - وعجزها مختلف، وكل اسم من ذلك فصل يميز الرجل عن غيره في ~~نوعه، ms128 وله معنى صحيح يفيد المستمع إذا كان على صيغته لا على ما يحرفونه ~~هؤلاء - إنتهى. # PageV02P027 ### $ الملك المنصور # نور الدين، على بن [الملك] المعز، عز الدين أى بك التركماني، الصالحي ~~النجمي. # تسلطن بعد قتل أبيه في يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة خمس ~~وخمسين وستمائة. وتم أمره في السلطنة. # وهو الثاني من ملوك الترك بالديار المصرية. # وجلس على تخت الملك وعمره خمس عشرة سنة. ووزيره وزير أبيه شرف الدين ~~الفائزي، وقام بتدبير ملكه الأمير علم الدين سنجر الحلبي؛ فحدثته نفسه ~~بالوثوب على الأمر؛ فقبض عليه الأمير قطز المعزي الأيبكي وخجداشيته ~~المعزية. # ووقع في أيامه حروب كثيرة مع المماليك الصالحية مثل: بيبرس البندقداري، ~~وخجداشيته من [المماليك] الصالحية. # ثم قدم في أيامه هولاكو ملك التتار إلى بغداد، وقتل الخليفة المستعصم ~~بالله - حسبما تقدم ذكره في ترجتمه في الخلفاء - وأخربت بغداد - وقد ذكرنا ~~ذلك كله في ((النجوم الزاهرة)) مستوفاة -. # PageV02P028 # ثم ملك هولاكو حلب والشام، [ثم قصد التتار جهة] الديار المصرية. فلما بلغ ~~الأمير قطز ذلك [كله]- وكان استفحل أمره بالديار المصرية - كلموه في ~~السلطنة، والقيام بملاقاة التتار؛ فجمع قطز القضاة وأعيان الدولة؛ فاجتمع ~~رأي الجميع على خلع الملك المنصور هذا من السلطنة؛ لصغر سنه، ولعدم دفعه ~~للعدو المخذول؛ فخلع وتسلطن قطز. # وكان ذلك في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. # وكانت مدة سلطنته سنتين وسبعة أشهر وإثنتين وعشرين يوما، وبقي معتقلا ~~سنينا كثيرة، إلى أن مات. # وفي أيام [الملك] المنصور هذا في سنة خمس وخمسين وستمائة وقع تفريط من ~~الخدام الذين بحرم النبي [صلى الله عليه وسلم] -[فاشتعلت النار في الحرم الشريف، واحترقت سقوفه، واحترق منبر النبي [صلى الله عليه وسلم]- # ] . # ثم ظهر بعد ذلك نار أخرى بالحرة - قريبا من المدينة الشريفة - وكانت تخفى ~~بالنهار وتظهر بالليل، يراها الناس من مسافة بعيدة، ويظهر لها دخان عظيم؛ ~~أقامت [على ذلك] أياما كثيرة. # PageV02P029 ### $ الملك المظفر # سيف الدين، قطز بن عبد الله المعزي. # الثالث من ملوك الترك بالديار المصرية. # تسلطن بعد خلع ابن ms129 أستاذه الملك المنصور على ابن [الملك] المعز أي بك ~~التركماني في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة؛ وذلك ~~بعد أن عظمت الأراجيف بقدوم التتار. # وسبب خلع [الملك] المنصور: كونه كان صغيرا لا يدري تدبير الأمور؛ فتسلطن ~~قطز [المذكور] ؛ ليقوم بدفع التتار عن البلاد. # ولما تسلطن أخذ في تجهيز أمره لقتال التتار، بعد أن استولت التتار على ~~حلب ودمشق وأخذوهما من يد السلطان الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي. # ووصلت غارات التتار إلى غزة؛ فخرج إليهم المظفر من الديار المصرية ~~بعساكرها، والتقى التتار بعين جالوت في يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان ~~سنة ثمان وخمسين وستمائة، وهزمهم أقبح هزيمة، وولوا [التتار] [الأدبار] ، ~~وأعز الله الإسلام على يد [الملك] المظفر هذا. # PageV02P030 # ثم بعد كسرة التتار، سار الملك المظفر بعساكره إلى دمشق ومهد أمورها ~~وأصلح ما فسد من شأنها، وأحسن للرعية، وساس الناس أحسن سياسة. # وقطز هذا هو أول من ملك البلاد الشامية من ملوك الترك [بديار مصر] ، وكان ~~الشام جميعه قبل ذلك مع [الملك] الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي وغيره من ~~ملوك بني أيوب. ولما مهد [الملك] المظفر أمر الشام عاد إلى جهة الديار ~~المصرية - بعد أمور ذكرناها في غير هذا الكتاب -. # وسار [الملك المظفر] ، إلى أن وصل إلى القصير رأى أرنبا؛ فساق [الملك] ~~المظفر خلف الأرنب، وساق وراءه جماعة من الأمراء قد اتفقوا على قتله، ~~وكبيرهم بيبرس البندقدارى ومعه انص [الرومي وصنغلي والهاروني] [وجماعة أخر] ~~. # فلما دنوا منه ولم يبق عند قطز غيرهم، تقدم إليه بيبرس [البندقدارى] ، ~~وشفع عنده شفاعة؛ فقبلها [الملك] المظفر قطز؛ فأهوى بيبرس على يده ليقبلها؛ ~~فقبض عليها، وحمل عليه انص وضربه بالسيف، ثم حملوا عليه وقتلوه، وتركوه ~~ميتا، وساقوا وهم شاهرون سيوفهم، إلى أن وصلوا إلى الدهليز السلطاني بمنزلة ~~الصالحية. # PageV02P031 # وجلس بيبرس البنداقدارى على مرتبة السلطنة وتسلطن، وتم أمره؛ فعظم على ~~المسلمين قتل [الملك] المظفر قطز إلى الغاية، ولعنوا قاتله سنينا كثيرة؛ ~~لأنه كان من خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في القيام برد ms130 التتار ~~واقماعهم، وطردهم عن بلاد المسلمين. # وكان قتل [الملك] المظفر هذا في يوم السبت سادس [عشر] ذي القعدة سنة ثمان ~~وخمسين وستمائة؛ فكانت سلطنته على مصر سنة واحدة (إلا يوما [واحدا] . وقيل: ~~إلا عشرة أيام - رحمه الله) [تعالى]-. # PageV02P032 ### $ الملك الظاهر # ركن الدين، بيبرس البندقدارى الصالحي النجمي. وكنيته: أبو الفتوح. تسلطن ~~بعد قتل الملك المظفر قطز في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة - حسبما ~~تقدم ذكره في قتل [الملك] المظفر قطز -. # وأصل [الملك] الظاهر [بيبرس] هذا: أنه كان تركي الجنس، أخذ من بلاده، ~~وأبيع بدمشق للعماد الصائغ، ثم اشتراه منه الأمير علاء الدين أيدكين ~~البندقدارى -[وبه عرف بالبندقدارى]- # [ثم لما صادر الملك الصالح علاء الدين أيدكين البندقدارى] أخذ بيبرس هذا ~~منه في جملة ما أخذ. وجعله من جملة مماليكه البحرية. # ولا زال بيبرس يترقى والأقدار تساعده، إلى أن ملك مصر بعد أمور وقعت له ~~ومحن، ولقب [بالملك الظاهر] . # PageV02P033 # ومن عجيب الإتفاق [أن أستاذه] أيدكين البندقداري صار في سلطنته من جملة ~~أمرائه. # ولما ملك [الظاهر] بيبرس الديار المصرية وتم أمره واستفحل أخذ في الجهاد، ~~وفتح البلاد من يد العدو؛ فافتتح غالب بلاد الساحل بالبلاد الشامية، ومهد ~~الممالك، وطالت أيامه وحسنت. وهو الذي استجد بمصر القضاة الأربعة. وقد ~~استوعبنا أموره في عدة مواطن من مصنفاتنا بأطول من هذا. # ودام [الملك] الظاهر في الملك، إلى أن مات بدمشق في يوم الخميس - بعد ~~صلاة الظهر - الثامن والعشرين من محرم سنة ست وسبعين وستمائة. # وملك بعده ابنه الملك السعيد محمد، المدعو ((بركة خان)) وكان تسلطن # -[الملك السعيد]- # في حياة أبيه [الملك] الظاهر. # وكانت مدة سلطنة [الملك] الظاهر بيبرس على مصر تسعة عشرة سنة وشهرين ~~ونصف. # وفي [أيام الملك الظاهر هذا] ورد الخبر من نواحي عكا أن سبع جزائر في ~~البحر خسف بها وبأهلها بعد أن [أمطرت وأدامت] سبعة أيام، وهلك منهم خلق ~~كثير. # PageV02P034 ### $ الملك السعيد # ناصر الدين أبو المعالي، محمد، المدعو بركة خان، ابن السلطان الملك ~~الظاهر بيبرس البندقداري، الصالحي النجمي، الخامس من ملوك الترك بمصر. # سمي بركة ms131 خان على اسم جده لأمه بركة خان ملك التتار بن دولة خان ~~الخوارزمي. # تسلطن [الملك السعيد هذا] في حياة أبيه الظاهر صورة في يوم الخميس ثالث ~~عشر شوال سنة إثنتين وستين وستمائة. # وأقام الملك [السعيد على ذلك سنين، وليس له من السلطنة إلا مجرد الاسم ~~فقط، إلى أن مات أبوه] الظاهر بدمشق في التاريخ المذكور استبد بالأمر؛ لأنه ~~كان بمصر ومات أبوه بالشام؛ فكتب إليه الأمير بيليك الخازاندار على يد ~~الأمير بكتوت الجوكندار بموت أبيه؛ فأخفاه الملك السعيد، إلى أن وصلت ~~العساكر إلى مصر أظهر موته، وتم أمره في السلطنة. # وكان مولد الملك السعيد [هذا] في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة. # PageV02P035 # ودام في الملك. وسافر إلى البلاد الشامية، [وعاد إلى الديار المصرية] . # ثم وقع له أمور، وخرج عليه جماعة من الأمراء والمماليك، وكبيرهم حموه ~~الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، وخلعوه من الملك بعد وقائع - ~~ذكرناها في غير هذا الكتاب - وسلطنوا أخاه سلامش عوضه؛ ولقبوه بالملك ~~العادل؛ فكانت مدة سلطنة الملك السعيد [هذا - أعني] من يوم مات أبوه - ~~سنتين وشهرين وخمسة عشر يوما. # وأعطى الكرك بعد خلعه من السلطنة؛ فتوجه إليها، ودام بها ستة أشهر وخمسة ~~وعشرين يوما. # ومات في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة - رحمه ~~الله تعالى -. # PageV02P036 ### $ الملك العادل # سيف الدين، سلامش ابن السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس [البندقدارى] ، ~~الصالحي النجمي. # تسلطن بعد خلع أخيه [الملك] السعيد بركة خان وعمره - يوم تسلطن - سبع ~~سنين ونصف. # وهو [السلطان] السادس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. # ولما تسلطن وتم أمره، صار الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي أتابكه ~~ومدبر دولته فلم تطل أيام [الملك] العادل [هذا] في السلطنة وخلع من الملك بالملك المنصور # قلاوون الألفي في شهر رجب سنة ثمان وسبعين؛ فكانت مدة سلطنة الملك العادل ~~سلامش [هذا] على مصر نحو أربعة أشهر، وليس له فيها إلا مجرد الأسم فقط، ~~والأمر كله لقلاوون. # PageV02P037 ### $ الملك المنصور # سيف الدين أبو المعالي، قلاوون الصالحي النجمي الألفي. # تسلطن بعد خلع ms132 [الملك] العادل سلامش في شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة. ~~وهو السابع مع ملوك الترك بالديار المصرية. # أصله من مماليك الأمير اق سنقر الكاملي. اشتراه [من تاجره بألف دينار، ~~ولهذا كان يعرف بالألفي. ولما مات أق سنقر المذكور اشتراه] الملك الصالح ~~نجم الدين أيوب في سنة سبع وأربعين وستمائة. # وترقى بعد [موت] أستاذه الصالح، وعظم في [دولة الظاهر] بيبرس، إلى أن صار ~~يخطب له مع السلطان [الملك] العادل سلامش على المنابر، وضربت السكة على وجه ~~باسم سلامش وعلى وجه باسم قلاوون. # ثم آل الأمر [إليه] وتسلطن - حسبما ذكرناه -. # ولما تم أمره في ملك مصر أمسك جماعة كثيرة من الأمراء الظاهرية وغيرهم، ~~واستعمل مماليكه على البلاد وأمرهم. # وكسر التتار في سنة ثمانين وستمائة فيما بين حمص والرستن. # PageV02P038 # ثم افتتح عدة بلاد بالسواحل الشامية، وقام في أمر الجهاد والغزو أتم ~~قيام. # ولما افتتح المرقب في سنة أربع وثمانين وستمائة قال [في المعنى] العلامة ~~شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي [القصيدة] المشهورة التي أولها. # (الله أكبر هذا النصر والظفر ... هذا هو الفتح لا ما تزعم السير) # وقد أتينا منها أبياتا كثيرة في ترجمة قلاوون في تاريخنا ((المنهل الصافي ~~والمستوفي بعد الوافي)) . # قلت: ومما يدل على علو همة [الملك] المنصور قلاوون وحسن اعتقاده عمارته ~~للبيمارستان المنصوري ببين القصرين من القاهرة؛ فإننا لا نعلم في الإسلام ~~وقفا على وجه بر أعظم منه، ولا أكثر مصروفا، ولا أحسن شرطا. ولو لم يكن من ~~محاسنه إلا البيمارستان [المذكور] لكفاه ذلك دنيا وأخرى. إنتهى. # واستمر [الملك] المنصور على ما هو عليه من الإجتهاد في الجهاد، إلى أن ~~خرج من الديار المصرية قاصدا غزو عكا بالساحل الشامي، ونزل بمسجد # PageV02P039 # التبن - خارج القاهرة - وكان مريضا؛ فاشتدت علته؛ فمات بالمكان المذكور ~~في يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، وحمل في محفة إلى ~~القاهرة من ليلته. # فلما كان وقت العشاء من ليلة الأحد أنزل به من [قلعة الجبل] في تابوته ~~وبين يديه الأمراء والجند مشاة، إلى أن دفن بتربته ms133 ببين القصرين من القاهرة ~~بعد أن حكم إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر. # وتسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل. # وكان [الملك] المنصور من أجل [ملوك الترك] وأعظمها، بلغت عدة مماليكه ~~إثنا عشر ألفا. # وأعظم من هذا كله أن ملك مصر دام من بعده في ذريته ونسله، [ثم في] يد ~~مماليكهم إلى يومنا هذا. # ولا نعلم هذا وقع لأحد من ملوك الدنيا في الإسلام وغيره. # وأيضا أن مماليكه هم الذين لبسوا هذه الكلفتات # PageV02P040 # [الحمر] وغيروا تلك الملابس الشنيعة. وقد ذكرنا ترتيب أمور الأوائل ~~ولبسهم وما غيره مماليك قلاوون وقرروه من الظرائف والتجمل في ترجمته في ~~((المنهل الصافي)) ، ثم بأوسع من ذلك في ترجمته [في] تاريخنا أيضا ((النجوم ~~الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة)) ؛ فمن أراد شيئا من ذلك فعليه بمطالعتها، ~~لوجود المقصود فيهما بزيادة، إنتهى. # وكانت صفة الملك المنصور: تام الشكل، مستدير اللحية، قد وخطه الشيب، مليح ~~الشكل، وعليه سكينة ووقار. وكان منعجم اللسان لا يكاد يفحص باللغة العربية؛ ~~وذلك لأنه أخذ من بلاد الترك وهو كبير. # وبالجملة؛ فهو أجل ملوك الترك بلا مدافعة - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P041 ### $ الملك الأشرف # صلاح الدين، خليل ابن [الملك] المنصور قلاوون، النجمي الصالحي الألفي. # تسلطن بعد موت أبيه المنصور قلاوون في ذي القعدة سنة تسع وثمانين ~~وستمائة. # ومولده [في ذي الحجة] في سنة ست وستين وستمائة تخمينا. # فلما تسلطن وتم أمره في ملك مصر، افتتح سلطنته بالجهاد؛ وسار من مصر ~~ونازل عكا حتى افتتحها، وافتتح بعد ذلك غالب [سواحل الشام، ثم افتتح قلعة ~~الروم وبهسنا. ولو طالت أيامه لأفتتح غالب] بلاد العراق وغيره؛ لأنه كان ~~شجاعا مقداما، عالي الهمة، عديم النظير في الشجاعة، لا نعرف في ملوك الترك ~~من يدانيه في الشجاعة والإقدام، لا قبله ولا بعده، إلى يومنا هذا، وهذا ~~مجمع عليه. # قال الحافظ [أبو عبد الله] الذهبي في تاريخه: كان بطلا شجاعا مقداما، ~~عالي الهمة، يملأ العين ويرجف القلب، رأيته مرات، وكان ضخما سمينا، كبير ~~الوجه، بديع الجمال، مستدير اللحية، على وجهه رونق الحسن، وهيبة ms134 السلطنة. # PageV02P042 # وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى. وكان صاحب سطوة، شديد ~~الوطأة، قوي البطش، تخافه الملوك في أمصارها، والوحوش العادية في آجامها، ~~أباد جماعة من كبار الدولة. وكان منهمكا على اللذات، لا يعبا بالتحرز على ~~نفسه؛ لفرط شجاعته، وما أحسبه بلغ ثلاثين سنة، ولعل الله تعالى قد عفا عنه. ~~إنتهى كلام الذهبي. # قلت: واستمر [الملك] الأشرف في ملك مصر من غير منازع، إلى أن خرج من ~~القاهرة في أوائل محرم سنة ثلاث وتسعين وتوجه إلى البحيرة للصيد. # فلما كان بتروجة في يوم السبت ثاني عشر المحرم [سنة تاريخه] وقت العصر ~~حضر إليه نائب سلطنته الأمير بيدار ومعه جماعة من الأمراء - وكان [الملك] ~~الأشرف قد أمره بكره النهار [المذكور] أن يمضي بالدهليز والعساكر إلى جهة ~~القاهرة، وبقي الأشرف وأمير (شكاره يتصيدان - فأحاطوا به، وليس معه إلا ~~شهاب الدين [بن] الأشل أمير) شكار المذكور؛ فابتدر الأشرف بيدرا وضربه ~~بالسيف قطع يده، ثم ضربه حسام الدين لاجين على كتفه حلها، وصاح لاجين على ~~بيدرا: من يريد الملك هذه تكن ضربته؛ # PageV02P043 # فسقط [الملك] الأشرف عن فرسه، ولم يكن معه سيف، بل كان في وسطه بند ~~مشدود. ثم جاء الأمير بهادر رأس نوبة فأدخل السيف من أسفله وشقه إلى حلقه، ~~وتركوه طريحا في البرية. والتفوا على بيدار، وحلفوا له، ومشى تحت العصائب ~~السلطانية يريد القاهرة، ولقبوه بالملك الأوحد، وبات تلك الليلة وأصبح يسير ~~إلى القاهرة. # فلما ارتفع النهار إذا بطلب عظيم قد أقبل فيه الأمير كتبغا المنصوري ~~والأمير حسام الدين الأستادار، وغيرهما يطلبون بدم أستاذهم [الملك] الأشرف؛ ~~فالتقوا مع بيدرا بالطرانة؛ فانكسر بيدرا وقتل. # وحملت الأشرفية رأس بيدرا على رمح، وعادوا إلى [جهة] القاهرة، واتفقوا ~~على سلطنة [الملك] الناصر محمد بن قلاوون؛ فتم ذلك، وتسلطن الناصر محمد - ~~حسبما يأتي ذكره -. # وكانت مدة الأشرف ثلاث سنين وشهرين وأياما - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P044 ### $ الملك الناصر # ناصر الدين، أبو المعالي محمد بن السلطان [الملك] المنصور قلاوون. # تسلطن بعد قتل أخيه [الملك] الأشرف خليل في العشر الأوسط من ms135 المحرم سنة ~~ثلاث وتسعين وستمائة. # [ومولده في سنة أربع وثمانين وستمائة] . # وهذه سلطنته الأولى. # وهو [السلطان] التاسع من ملوك الترك وأولادهم. # واستقر نائبه في السلطنة الأمير [زين الذين] كتبغا المنصوري. # واستقر في الوزارة علم الدين سنجر الشجاعي مضافا للأستادارية وتدبير ~~الدولة. # ثم قبض [الملك] الناصر على جماعة من الأمراء الذين اتفقوا على قتل أخيه ~~[الملك] الأشرف وهم: الأمير نوغاي، والناق، والطنبغا الجمدار، وآق سنقر ~~مملوك لاجين، وطرنطاى الساقي، ومحمد خواجا وأروس - وكان ذلك في خامس صفر - ~~واختفى آق سنقر المنصوري ولاجين. # PageV02P045 # ولما قبض على هؤلاء؛ أمر السلطان بقطع أيديهم وتسميرهم؛ فسمروا وطيف بهم ~~مع رأس بيدرا. # ثم أمسك كتبغا الشجاعي لما بلغه عنه أنه يريد الفتك به، وقتله بعض أصحاب ~~كتبغا صبرا. # واستبد كتبغا [من ثم] بأمر المملكة؛ لصغر سن الملك الناصر محمد. # ثم بدا لكتبغا أن يخلع [الملك] الناصر محمد ويتسلطن عوضه، واتفق مع أكابر ~~الأمراء على ذلك؛ فوافقوه وخلعوا [الملك] الناصر محمد في [يوم] الحادي عشر ~~[من] المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وسلطنوا كتبغا ولقبوه [بالملك ~~العادل] ؛ فكانت سلطنة [الملك] الناصر في هذه المرة نحو السنة [الواحدة] . # ثم جهر [الملك] العادل كتبغا [الناصر] إلى الكرك بعد أن قال له: لو علمت ~~أنهم يخلون لك الملك والله تركته، ولكنهم لا يخلوه لك، وأنا مملوكك ومملوك ~~والدك، أحفظ لك الملك، وأنت الأن تروح إلى الكرك، إلى أن تترعرع [وترتجل] ~~وتجرب الأمور وتعود إلى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق، وأكون بها مثل صاحب ~~حماة. فقال له الملك الناصر: نعم؛ فاحلف لي أنك تبقي علي نفسي وأنا أروح؛ ~~فحلف كل منهما على ما أراده الآخر. # PageV02P046 # وتوجه [الملك] الناصر محمد إلى الكرك، وأقام [به] ، إلى أن عاد إلى ملكه ~~بعد قتل [الملك] المنصور (لاجين حسبما يأتي [ذكره] في محله - إن شاء الله ~~تعالى -) . # PageV02P047 ### $ الملك العادل # زين الدين، كتبغا بن عبد الله المنصوري التركي، سلطان الديار المصرية. ثم ~~بعد خلعه من السلطنة ولي نيابة صرخد، ثم نيابة حماة، إلى أن مات. # تسلطن بعد خلع ms136 [الملك] الناصر محمد بن قلاوون في محرم سنة أربع وتسعين ~~وستمائة. وهو العاشر من [ملوك الترك] وأولادهم بالديار المصرية. # وأصل كتبغا هذا من سبى التتار في وقعة حمص الأولى التي كانت في سنة تسع ~~وخمسين وستمائة؛ فأخذه الملك المنصور # قلاوون في أيام إمرته وأعتقه، ورقاه حتى صار في سلطنته من أكابر الأمراء. # واستمر على ذلك في الدولة الأشرفية خليل، إلى أن قتل وتسلطن أخوه [الملك] ~~الناصر محمد [ثم خلع] وتسلطن كتبغا هذا - حسبما تقدم ذكر ذلك كله -. # ولما تم أمر الملك العادل كتبغا في السلطنة استناب خجداشه حسام الدين ~~لاجين المنصوري. # PageV02P048 # وكان لاجين [المذكور] من جملة من ساعد على قتل الأشرف [خليل] ، واختفى ~~بعد ذلك مدة، إلى أن شفع فيه كتبغا وأعاده إلى رتبته. فلما تسلطن استنابه. # ثم أمر كتبغا جماعة كبيرة من مماليكه، ومهد أمور مملكته، وساس الناس أحسن ~~سياسة. # ثم أحب أن يسافر إلى دمشق؛ فخرج بالعساكر من الديار المصرية في سنة خمس ~~وتسعين وستمائة، وسار، إلى أن وصل إلى دمشق، [وأقام بها أياما، ثم خرج إلى ~~حمص لأمر بدا له، ثم عاد إلى دمشق] . # وجلس بدار العدل وحكم بين الناس، وأحبه الناس. ثم خرج من دمشق بعساكره ~~إلى نحو القاهرة بعد أن ولي مملوكه أغزلو نيابة الشام، وسار حتى وصل إلى ~~وادي فحمة، ونزل به [بالعساكر] ؛ فعندما استقر به الجلوس ركب [الأمير] حسام ~~الدين لاجين المنصوري ومعه جماعة من الأمراء، وقتل الأمير بتخاص وبكتوت ~~الأزرق - وكانا جناحي كتبغا - فلما سمع كتبغا بذلك ركب فرس النوبة، وساق ~~إلى دمشق حتى وصلها قبل العصر في خمسة نفر [من] خواصه ودخل القلعة. # PageV02P049 # ولما هرب كتبغا احتاط لاجين على الخزائن والجيش، وركب تحت العصائب ~~السلطانية في دست السلطنة، وسار حتى وصل إلى القاهرة، وجلس على تخت الملك، ~~وتم أمره، ولقب [بالملك المنصور] . # وأما كتبغا، فإنه استمر مقيما بقلعة دمشق، وأمره في إدبار حتى قدم الأمير ~~كجكن دمشق ونزل بالقبيبات، وأعلن باسم الملك المنصور، فسار إليه أمراء ~~دمشق، ودخلوا في طاعة [الملك] ms137 المنصور؛ فأذعن عند ذلك [الملك العادل] ~~[كتبغا] وسلم نفسه؛ فاعتقلوه بقلعة دمشق؛ فأقام بها، إلى أن جاءه مرسوم ~~شريف من [الملك] المنصور لاجين بنيابة صرخد؛ فخرج من دمشق وسار إليها، ~~وأقام بها، إلى أن نقله الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى نيابة حماة؛ فمات ~~بها في يوم الجمعة - وهو يوم عيد الفطر - سنة إثنتين وسبعمائة. ونقل من ~~حماة ودفن بتربته بدمشق بسفح قاسيون. # وكانت مدة سلطنته على الديار المصرية سنتين وسبعة عشر يوما. # وكان ملكا خيرا، دينا، عاقلا [عادلا] ، سليم الباطن. # [قلت] : ومن سلامة باطنه [وتغفله] أتى عليه من نائبه لاجين حتى زال ملكه. # PageV02P050 ### $ الملك المنصور # حسام الدين، لاجين بن عبد الله المنصوري. # تسلطن بعد خلع [الملك] العادل كتبغا في محرم سنة ست وتسعين وستمائة. # وهو السلطان الحادي عشر من ملوك الترك [بالديار المصرية] . # وأصله من مماليك [الملك] المنصور قلاوون، رقاه، إلى أن ولاه نيابة قلعة ~~دمشق، ثم نيابة دمشق؛ فأقام بها إحدى عشرة سنة، إلى أن عزله [الملك] الأشرف ~~خليل ابن قلاوون بالشجاعي، وقبض عليه، وخنق بين [يدي الملك الأشرف خليل] ، ~~ثم خلى عنه؛ فإذا به رمق، فرق عليه الأشرف وأطلقه، ورده إلى رتبته. # فلما ثار بيدرا على الأشرف كان لاجين هذا من جملة من وافقه على قتله ~~وساعده في ذلك - حسبما تقدم ذكره في ترجمة الأشرف -. # PageV02P051 # ثم اختفى لاجين مدة طويلة، إلى أن شفع فيه كتبغا، وأعاده إلى رتبته ~~نائبا. # فلما تسلطن كتبغا جعله نائب سلطنته؛ فوثب [عليه] وخلعه من الملك، وتسلطن ~~بعد أمور ذكرناها - فيها طول لا يليق [ذكرها] بهذا المختصر، ومن أراد ~~الإحاطة بها؛ فعليه بمصنفاتنا الطوال؛ فهي هناك [مشبعة] مستوفاة -. # ولما تم أمر [الملك] المنصور لاجين في الملك تغير [على] خجداشيته، وخالف ~~ما شرطوه عليه في ابتداء أمره، من أنه: لا يعزل أحدا منهم، ولا يقدم مملوكه ~~منكوتمر عليهم؛ ففعل خلاف ذلك، وقدم مملوكه، وجعله نائب السلطنة بالديار ~~المصرية بعد عزل قراسنقر المنصوري؛ فسار منكوتمر في الناس أقبح سيرة، ~~لاسيما لما راك [الملك] المنصور البلاد ms138 - أعني الروك الحسامي - صار منكوتمر ~~[المذكور] يزجر الأمراء ويخاشنهم في اللفظ. ثم حسن لأستاذه [المنصور لاجين] ~~مسك جماعة من الأمراء؛ فأمسك بيسرى وأيبك الحموي وقرا سنقر في آخرين. # PageV02P052 # ولما تفاقم أمره هرب قبجق وبكتمر وألبكى وبزلار إلى ملك التتار، وأطمعوه ~~في البلاد. # ونفرت [منه القلوب، ومن] الملك المنصور؛ لا لسوء سيرته، بل لبغض أورثه ~~مملوكه منكوتمر في قلوبهم. # وأراد الناس عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك. # ركب المنصور لاجين الموكب [السلطاني] وهو صائم، وتوجه إلى القصر بقلعة ~~الجبل، وقد اتفق عليه جماعة من المماليك الأشرفية، ودخلوا عليه بعد عشاء ~~الآخرة وهو جالس يلعب [ب] الشطرنج، فأول من دخل عليه الأمير كرجى مقدم ~~البرجية - وكان نوغاى السلاح دار في نوبته عند السلطان، وهو من جملة ~~المتفقين - والمنصور مكب على لعب الشطرنج، وما عنده إلا القاضي حسام الدين ~~الحنفي والأمير عبد الله وبريد البدوي، وأمامه محب الدين بن العسال. # فأوهم كرجى أنه يريد إصلاح الشمعة؛ فأرمى الفوطة على النمجاة؛ ثم قال ~~للسلطان: يا خوند، ما تصلي العشاء؟ ! فقال: نعم، وقام ليصلي؛ فضربه كرجي ~~بالسيف على كتفه، [فطلب السلطان النمجاة؛ فلم يجدها؛ فقام من هول الضربة ~~أمسك كرجى ورماه تحته] ؛ فخطف [نوغاى] النمجاة وضربه على رجله؛ فقطعها، ~~فصاح القاضي؛ وانقلب السلطان على ظهره ميتا، ثم تركوه والقاضي عنده، ~~وأغلقوا عليهما الباب. # PageV02P053 # وتوجه كرجى وطغجى إلى منكوتمر بدار النيابة من قلعة الجبل، ودقا عليه ~~الباب، وقالا له: السلطان يطلبك؛ فأنكر مجيئهما، وقال لهما: قتلتماه؟ {. ~~فقال كرجى: نعم يا مأبون، وجئنا لنقتلك؛ فاستجار منكوتمر بطغجى؛ فأجاره. # ثم وقع أمور آلت إلى قتله في الليلة المذكورة؛ لأنهم قالوا: نحن ما قتلنا ~~أستاذه إلا من أجله؛ فكيف نبقيه؟} . # ثم نهبوا دار منكوتمر في الحال. واتفقوا على إعادة الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون إلى ملكه، وتحالفوا على ذلك، وأرسلوا لإحضاره سلار الصغير. # وعمل طغجى نيابة السلطنة أربعة أيام. فلما حضر الأمير عبد الله أمير سلاح ~~من غزوة الشام قتل كرجى وطغجى وغيرهما - حسبما ذكرناه في [تاريخنا] ms139 ~~((النجوم الزاهرة)) ، وأيضا في ((المنهل الصافي)) -. # ثم أرسلوا في مجئ [الملك] الناصر ثانيا، إلى أن حضر من الكرك، وتسلطن ~~ثاني مرة - حسبما يأتي ذكره -. # وقتل الملك المنصور لاجين وهو في عشر الخمسين أو جاوزها، وكانت مدة أيامه ~~في السلطنة سنتين وثلاثة أشهر. وكان المنصور من أعقل الناس [وأحسنهم] ، ~~وأحشمهم، وأشجعهم، وهو الذي عمر الجامع الطولوني - خارج القاهرة - بعدما ~~كان أشرف على الخراب، وأوقف عليه هذه الأوقاف الجليلة، وهو الذي راك الديار ~~المصرية - ((الروك الحسامي)) - وهو الذي أبطل الثلج الذي كان ينقل من الشام ~~إلى مصر في البحر. # PageV02P054 # وأبطل [أيضا] عده مكوس. ولم يكن له [من المساوئ] سوى تحكم مملوكه منكوتمر ~~في المملكة لا غير - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P055 ### $ سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية # قد تقدم ذكر مولده ونسبه في أول سلطنته. # ولما أن قتل [الملك] المنصور [حسام الدين] لاجين اتفق الأمراء المصريون ~~على سلطنته ثانيا، وحلفوا له في غيبته، وأحضروه من الكرك وسلطنوه. وصار ~~الأمير سلار نائب السلطنة [وحسام الدين لاجين الأستادار أتابكا وبيبرس ~~الجاشنكير أستادارا والأمير] آقوش الأفرم الصغير نائبا على دمشق. # وكان عمر [الملك] الناصر يوم عوده إلى الملك خمس عشرة سنة. # وفيه يقول الشيخ علاء الدين الوداعي: # (الملك الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس) # (عاد إلى كرسيه مثلما ... عاد سليمان إلى الكرسي) # واستمر [الملك] الناصر [محمد] في السلطنة، وخرج من الديار المصرية لقتال ~~التتار لما حضروا إلى الشام في أوائل سنة تسع وتسعين وستمائة، ودخل دمشق في ~~ثامن شهر ربيع الأول. # وعدى التتار الفرات، وخرج [الملك] الناصر بالعساكر لتلقيهم؛ فالتقاهم ~~بوادي الخازندار - خارج حمص - فكان بين الفريقين وقعة عظيمة، # PageV02P056 # وثبت عسكر الإسلام ثباتا عظيما إلى العصر، ثم تكاثر عسكر التتار؛ فانكسرت ~~ميمنة السلطان - وكان عسكر السلطان يومئذ نحو عشرين ألفا والتتار في نحو ~~مائة ألف - وانهزم السلطان، وقتل في المصاف جماعة من الأمراء. وملك قازان ~~دمشق - ما خلا قلعتها؛ فإن نائبها الأمير أرجواش المنصوري قام بحفظها أتم ~~قيام -. # وخطب لقازان بدمشق، وولي قازان نيابة دمشق لقبجق ms140 - الذي كان هرب من ~~[لاجين المنصوري] حسبما تقدم ذكره -. # وقاست أهل دمشق شدائد من التتار. # وأما الملك الناصر؛ [فإنه] دخل مصر بعد كسرته، وأنفق في العساكر. وبينما ~~هو في ذلك جاءه الخبر بعود قازان إلى بلاده. # وحضر قبجق طائعا؛ فوبخه السلطان وأهانه أولا، ثم رضى عنه. ثم عاودت ~~التتار البلاد؛ فخرج الملك الناصر ثانيا، وواقعهم بمرج الصفر، وهزمهم أقبح ~~هزيمة، وقتل قطلوشاه مقدم التتار، وجماعة كثيرة من عسكر التتار. ونصر الله ~~الإسلام. # وعاد قازان من حلب في ضيق وقهر من كسر أصحابه، هذه الكسرة القبيحة. # ودقت البشائر لذلك أياما، ثم عاد [الملك] الناصر إلى [الديار المصرية] . ~~ودام بها في ضيق وحجر من نائبه سلار وأستاذه بيبرس الجاشنكير، ووقع له ~~معهما أمور في سنين كثيرة. # PageV02P057 # ودام على ذلك إلى شهر رمضان سنة ثمان وسبعمائة أظهر التوجه إلى الحجاز، ~~وخرج من القاهرة، وتوجه إلى الكرك متبرما من سلار وبيبرس، وأعرض عن ملك ~~مصر؛ فروجع في ذلك؛ فأبى، وصمم على الإقامة بالكرك. فاتفق الأمراء على ~~سلطنة بيبرس الجاشنكير وسلطنوه ولقبوه [بالملك المظفر] . # واستمر [الملك] الناصر بالكرك، إلى أن تحرك لطلب الملك ثالث مرة، وملك ~~[الديار المصرية]- حسبما يأتي ذكره، [إن شاء الله تعالى]-. # PageV02P058 ### $ الملك المظفر # ركن الدين، [بيبرس] بن عبد الله المنصوري الجاشنكير. # تسلطن بعد خلع [الملك] الناصر محمد بن قلاوون في عصر يوم السبت ثالث ~~عشرين شوال سنة ثمان وسبعمائة. وقيل: في ذي القعدة في بيت سلار. # وركب من بيت سلار إلى القلعة بخلعة السلطنة. وتم أمره في الملك. قيل: إن ~~خلعه التي خلعها على الأمراء وغيرهم، في يوم سلطنته، وصلت إلى ألفي ومائتي ~~خلعة. # واستقر بسلار في نيابة السلطنة على عادته - على كره من سلار -. # وسارت البريدية بسلطنته إلى سائر الممالك. # وتم أمره في الملك، وأطاعه كل واحد، لولا أنه أخذ في التعرض إلى الملك ~~الناصر محمد [بن قلاوون] ، وصار يطلب منه ما كان معه بالكرك من الأموال ~~والمماليك؛ فأرسل إليه الناصر جملة مستكثرة، وتأدب معه في المكاتبة، وكتب ~~له [مع ذلك] ms141 : الملكي المظفري. وهو مع ذلك لا يرجع عنه؛ لأمر يريده الله ~~تعالى. # PageV02P059 # كل ذلك [والملك الناصر] يترقق له، ويعرفه أنه لم يبق له غرضا في الملك، ~~وأنه قنع بالكرك، وإن لم يدعه على حاله وإلا توجه إلى بلاد التتار. # هذا مع ما تحقق [الملك] المظفر بيبرس [من] صدق كلامه أنه قانع بالكرك، ~~ولكن فراغ الرزق والأجل له أسباب. # فلما زاد [الملك] المظفر بيبرس على الناصر في طلب ما عنده، وأمعن في ذلك؛ ~~ألجأت الضرورة تحرك [الملك] الناصر [محمد] وطلبه الملك ثانيا. وكاتب مماليك ~~أبيه النواب بالبلاد الشامية، ما خلا الأفرم؛ [نائب الشام] ؛ فإنه كان من ~~أعوان بيبرس؛ فكاتب قراسنقر نائب حلب، وأسندمر كرجى نائب طرابلس، وقبجق ~~نائب حماة، وبكتمر الجوكندار نائب صفد وغيرهم، فأجابوه الجميع بالسمع ~~والطاعة. # ثم وقع أمور يضيق هذا المختصر عن [إيرادها] ، ومن أراد العلم بجميع ذلك؛ ~~فعليه ((بالنجوم الزاهرة [في ملوك مصر والقاهرة)) إنتهى] . # قلت: ولما أفحش [الأمر بين الملك المظفر بيبرس هذا وبين] [الملك] الناصر ~~محمد بن قلاوون - وهو بالكرك - صار أمر الناصر يقوى # PageV02P060 # وأمر بيبرس يضعف، حتى أن بيبرس مع عظم شوكته من خجداشيته ومماليكه لم يقع ~~بينه وبين الناصر مصاف، بل جبن عن لقائه، وصار كلما جهز أحدا من العساكر ~~توجه أعيانه إلى الناصر. # وخرج الناصر بجميع النواب من الشام وقصد الديار المصرية، فلم يثبت بيبرس ~~وتسحب من قلعة الجبل، وكانت العامة تكرهه وتميل إلى الناصر محمد. # واتفق في أوائل سلطنته شراقي البلاد؛ فقالت العامة: # (سلطاننا ركين ونايبنا دقين [صلى الله عليه وسلم] يجينا الماء من أين ... ~~) # (يجيبوا لنا الأعرج يجى الماء ويدحرج ... ) . # فبلغ بيبرس ذلك؛ فشوش على جماعة منهم؛ فحقدوا عليه. # فلما أدبر سعده، ونزل من القلعة، عدت العامة خلفه وأبادوه حتى أشرف على ~~الهلاك، لولا أشغلهم بنثر الذهب عنه. # وسار بيبرس نحو الصعيد بعد أن خلع نفسه من الملك. # ثم كتب إلى الناصر يقول: ((الذي أعرفك [به] )) أنني قد رجعت لأقلدك بغيك؛ ~~فإن حبستني عددت خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، ms142 وإن قتلتني كان ذلك [لي] ~~شهادة. # PageV02P061 # فلما وقف الناصر على كتابه، أمر له بصهيون؛ ليقيم بها. وسار بيبرس من ~~ظاهر القاهرة، ولم يحضر إلى الناصر؛ فعظم ذلك على الناصر وأرسل بمسكه؛ ~~فأمسك من قريب [مدينة] غزة. # وأحضر بين يدي الناصر؛ فوبخه، وعدد له ذنوبه ثم خنقه بوتر بين يديه حتى ~~كاد يهلك، ثم أطلقه وزاد في سبه، ثم خنقه ثانيا، إلى أن مات في شوال سنة ~~تسع وسبعمائة. # فكانت دولة بيبرس على مصر دون السنة. # وكان - رحمه الله - ملكا عاقلا ثابتا، كثير السكون والوقار، جميل الصفات، ~~دبر مملكة الناصر محمد مع سلار سنينا كثيرة، وحسنت سيرته. # وهو صاحب الخانقاة داخل باب النصر من القاهرة. # وكان أبيض أشقر، مستدير اللحية، مليح الشيبة. وهو أول ملوك الجراكسة - إن ~~صح ذلك -. وقيل: إنه كان تركي الجنس. # قلت: والأقوى عندي أنه كان جركسيا؛ لأنه كان بينه وبين آقوش الأفرم نائب ~~دمشق صداقة عظيمة. وقيل: قرابة. والأفرم كان جركسيا؛ فعلى هذا يكون بيبرس ~~[الجاشنكير] جركسيا؛ لكونه قرابة الأفرم. إنتهى. # PageV02P062 # ومما قيل في [الملك] المظفر [بيبرس الجاشنكير هذا] لما تسحب [عنه أصحابه] ~~وزالت دولته: # (تثنى عطف مصر حين وافى ... قدوم الناصر الملك الخبير) # (فذاك الجاشنكير بلا لقاء ... وأمسى وهو ذو جأش نكير) # (إذا لم تعضد الأقدار شخصا ... فأول ما يراع من النظير) # PageV02P063 ### $ سلطنة الملك الناصر محمد [بن قلاوون] الثالثة # قد تقدم كيفية خلع [الملك] الناصر محمد هذا من الملك أولا وثانيا، وكيف ~~كان [ابتداء] تحركه من الكرك لطلب ملكه - أعني لما صار بيبرس الجاشنكير ~~يكرر الطلب منه لما كان معه من الأموال والمماليك [وغيرها] بالكرك -. # وزاد عليه في ذلك، حتى ألجأه إلى الوثوب ومكاتبته لنواب الممالك؛ فكاتبهم ~~وأطاعوه بعد أمور ذكرناها في غير هذا المختصر. # ولا زال أمره ينمو والأقدار تساعده، إلى أن سار بجميع عساكر البلاد ~~الشامية حتى نزل بالريدانية - خارج القاهرة - في ليلة عيد الفطر من سنة تسع ~~وسبعمائة. # وطلع إلى قلعة الجبل في الليل، وأصبح جلس على سرير الملك، وجددت له ~~البيعة ثالثا. ms143 # وهذه سلطنته الثالثة التي عظم أمره فيها، ورتب فيها هذه التراتيب الهائلة ~~من أرباب الوظائف، وخدمة الإيوان والقصر الأبلق، ونزول سرياقوس والميادين، ~~وعمر فيها تلك العمائر العظيمة من القصور، والبلاد، والجسور، والقناطر. # وكذلك جميع مماليكه وأمرائه صار كل منهم يعمر جهة، حتى أنه زيد في مباني ~~الديار المصرية في أيامه مقدار نصفها - حسبما بينا ذلك كله في ((النجوم ~~الزاهرة)) وأيضا في ترجمته في تاريخنا ((المنهل الصافي)) . # PageV02P064 # ولما تم أمر [الملك] الناصر محمد -[في هذه المرة]- # أمسك في يوم واحد ثلاثين أميرا من أعيان الأمراء، وكثيرا من غيرهم، [ثم ~~أمر مماليكه وأعطاهم، وأغدق عليهم، وأقام له شوكة وحاشية عظيمة] . # وولى مملوكه تنكز الحسامي نيابة الشام دفعة واحدة؛ فأقام عليها [ما يزيد] ~~على ثلاثين سنة. # وطالت أيام [الملك] الناصر في هذه السلطنة [الثالثة] زيادة على ثلاثين ~~سنة - حسبما يأتي ذكره - وأطاعته البلاد والعباد، وعظم أمره في الملك، حتى ~~جاوز في العظمة والعساكر كل ملك كان قبله وبعده إلى يومنا هذا. # قلت: وهو أجل ملوك مصر وأعظمهم قدرا، وأطولهم مدة، وأحسنهم سياسة، ~~وأكثرهم دهاء ومعرفة، وأغزرهم عقلا، وأكثرهم هيبة، وأصوبهم حدسا، وأجودهم ~~رأيا، وأفضلهم تدبيرا، وأضخمهم رئاسة، وأوسعهم إطلاعا في الأمور والعواقب، ~~وأجلدهم صبرا، وأثبتهم مصافا، وأغدقهم عطاء، وأجلهم بركا وسلاحا، وأكثرهم ~~مماليكا وحشما وخدما، وأقناهم خيلا وجمالا وبغالا، وأمدهم نسلا وعقبا؛ فإنه ~~تسلطن [بمصر] من ولده لصلبه ثمانية نفر، وتم الملك في نسله ومماليك أولاده ~~ومماليكهم إلى يومنا هذا، بل إلى أن تزول دولة الترك. # ومصداق ما قلناه: النظر فيما له من المآثر بالديار المصرية والبلاد ~~الشامية وغيرها بسائر بلاد الله تعالى، وفي ذلك كفاية لمن له عقل وذوق، ~~ويكفي الواقف على هذا المختصر ما ذكرناه من الإيجاز من محاسنه، ولو أردنا ~~الإطناب لطال الشرح في ذلك وخرج هذا المختصر عن كيفية المختصرات. # PageV02P065 # [قلت] : ودام الملك الناصر [محمد] هذا في ملك مصر، إلى أن مرض في أوائل ~~ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. # ولزم الفراش، إلى أن مات بقلعة الجبل في آخر يوم ms144 الأربعاء العشرين من ذي ~~الحجة [المذكورة] من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. # وتسلطن بعده ابنه [الملك] المنصور أبو بكر. # وكانت مدة سلطنة [الملك] الناصر هذه - الثالثة - على مصر تقارب إثنتين ~~وثلاثين سنة. ولا نعلم من طالت مدته من ملوك الترك بمصر مثل ذلك. إنتهى # -[رحمه الله تعالى]- # PageV02P066 ### $ [الملك] المنصور # سيف الدين، أبو بكر ابن [الملك] الناصر محمد ابن [الملك] المنصور قلاوون. # تسلطن بعد موت أبيه الناصر في صبيحة يوم خميس حادي عشرين ذي الحجة سنة ~~إحدى وأربعين وسبعمائة. # وهو [السلطان] الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم. # جلس على سرير الملك بعهد من أبيه. # وكان [الملك] الناصر أحمد [أسن] من أبي بكر [هذا] ، غير أن الملك الناصر ~~محمد [بن قلاوون] ما اختار الملك من بعده إلا إلى المنصور هذا. # وكان الذي قام بأمر سلطنته قوصون الناصري، وخالف بشتك الناصري في ذلك. # ولما تم أمره في الملك، حسن له طاجار الدوادار مسك قوصون؛ فمال لإمساكه. ~~وكان في المجلس بعض الخاصكية؛ فعرف قوصون بذلك؛ فاتفق # PageV02P067 # قوصون مع الأمير أيدغمش الأمير آخور وجماعة أخر؛ فاتفقوا على خلعه من ~~الملك. # وامتنع قوصون؛ عن حضور الخدمة [السلطانية] ؛ فأراد السلطان الركوب على ~~قوصون؛ فخذله أيدغمش ومنعه؛ فكان في ذلك زوال ملكه. # وخلع [الملك] المنصور هذا بأخيه علاء الدين كجك، وعمره نحو ست سنين؛ ~~فكانت مدة ملكه شهرين وأياما. # وجلس قوصون في دار النيابة، وأخذ المنصور هذا وجهزه إلى قوص صحبة الأمير ~~بهادر بن جركتمر، وتوجه مع المنصور أخويه: يوسف ورمضان. ثم وقع [له] أمور، ~~وقبض قوصون على طاجار الدوادار وغرقه. وقتل بشتك في حبس الأسكندرية. # وقبض أيضا على جماعة كثيرة من الأمراء الذين كانوا حول الملك المنصور ~~[هذا] . ولما توجه [الملك] المنصور إلى قوص وأقام بها دس قوصون سرا في سنة ~~إثنتين وأربعين وسبعمائة إلى عبد المؤمن متولى قوص بقتله؛ فقتله وحمل رأسه ~~إلى قوصون في السر. وكتموا ذلك عن الناس وأشاعوا موته. # فلما أمسك قوصون تحققوا ذلك. # وكان [الملك] المنصور سلطانا، كريما، معظما، عاقلا، حمل إليه # PageV02P068 # في سلطنته ms145 مال بشتك، ومال آقبغا عبد الواحد، ومال برسبغا؛ وذلك ما يقارب ~~أربعة آلاف ألف درهم، فوهبها جميعا لخاصكية والده، مثل: ملكتمر الحجازي ~~صاحب القصر، ومثل ألطنبغا المارداني، ويلبغا اليحياوي وطاجار الدوادار. # وكان الأمير طقز دمر الحموى الناصرى حمو الملك المنصور، فلما تسلطن جعل ~~طقزدمر نائب السلطنة؛ فانتظمت الأمور بسلطنة المنصور ونيابة طقز دمر أحسن ~~نظام، ولم يقع في أيامه سيف ولا فتنة، إلى أن خلع ثارت الفتنة، وأخرج طقز ~~دمر إلى نيابة حماة، ثم قتل قوصون - حسبما يأتي ذكره -. # ولما أحس الناس بقتل المنصور بقوص نفرت القلوب من قوصون، وعظم ذلك على ~~الناس، لاسيما خاصكية والده؛ فكان [ذلك] من أكبر الأسباب في [هلاك قوصون] . # PageV02P069 ### $ الملك الأشرف # علاء الدين كجك ابن السلطان [الملك] الناصر # [محمد] ابن [الملك] المنصور قلاوون. # تسلطن بعد خلع أخيه [الملك] المنصور أبي بكر في يوم الأثنين حادي عشرين ~~صفر من سنة إثنتين وأربعين وسبعمائة [وعمره دون سبع سنين] . # وأمه أم ولد تترية تسمى: أردو. # وهو [السلطان] الرابع عشر من ملوك الترك، والثاني من أولاد ابن قلاوون. # واستقل قوصون بتدبير المملكة، وجلس في دار النيابة، ونفذ الأمور بحسب ما ~~تختاره؛ فكان إذا حضرت العلامة يأخذ قوصون القلم بيده ويجعله في يد الأشرف ~~[هذا] ؛ حتى يعلم على المناشير وغيرها. # PageV02P070 # واضطربت أحوال الديار المصرية من كثرة الخلف الواقع بين الأمراء وغيرهم. ~~وكثر الظلم، وتوقفت أحوال الرعية؛ فقال [بعض الشعراء] في المعنى: # (سلطاننا اليوم طفل والأكابر في ... خلف وبينهم الشيطان قد نزغا) # (فكيف يطمع من مسته مظلمة ... أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا) # ثم تحرك [الملك] الناصر أحمد ابن [الملك] الناصر محمد بن قلاوون من الكرك ~~في طلب ملك مصر؛ لأنه كان أسن أولاد [الملك] الناصر. وتجرد إليه عدة تجاريد ~~من الديار المصرية، وكان الفخري مقدم العساكر المصرية؛ فخالف هناك على ~~قوصون، ومال إلى [الملك] الناصر أحمد بالكرك. # ثم خالف على قوصون غالب أمراء الديار المصرية، واتفقوا مع أيدغمش على ~~الوثوب عليه، وقالوا: هذا الغريب يدخل بيننا ويقتل ابن أستاذنا [الملك] ms146 ~~المنصور بقوص {} . # وقولهم: [هذا] الغريب؛ يعنون: أن قوصون كان في خدمة بعض التجار؛ فرآه ~~الناصر محمد؛ فقال للتاجر: بعني هذا. فقال التاجر: هذا غير مملوك! ؛ فقال ~~السلطان: لابد من شرائه. وأعطى التاجر [فيه] مالا جزيلا، وأخذه، # PageV02P071 # ورقاه حتى صار ساقيا، ثم أمره، وزوجه بإحدى بناته، ثم صار من أمره ما ~~صار؛ ولهذا كان إذا وقع بين قوصون [الساقي] وبكتمر الساقي [منافسة] يقول ~~قوصون: أنا ما تنقلت من الإصطبلات إلى الإطباق، بل أخذني السلطان من تاجري، ~~وصرت مقربا عنده. إنتهى. # ولما كثرت القالة في حق قوصون في قتله [الملك] المنصور مع ما كان قوصون ~~فعله في العامة؛ فإنه كان وقع بينه وبينهم وحشة؛ فقتل بعض الحرافيش، وقطع ~~أيديهم وسمرهم، وسمر جماعة من الخدام الطواشية [أيضا] ؛ فنفرت القلوب منه. # وأخذ قطلوبغا الفخري يكاتب أمراء مصر على قوصون ويحرضهم على [طاعة الملك] ~~الناصر أحمد، ونصبه في [السلطنة بمصر] ؛ فمال أيدغمش إلى ذلك مع من وافقه. ~~وركب على قوصون وقاتله، ونادى في العوام بنهب دار قوصون؛ فثار العوام ~~والحرافيش، ونهبوا جميع ما كان في دار قوصون - وهو يرى من شباك طبقته ~~بالقلعة؛ لأن داره كانت الدار التي هي الآن تجاه باب السلسلة -. # PageV02P072 # وصار قوصون يقول: يا مسلمين! ما تحفظون هذا المال؛ إما أن يكون لي أو ~~للسلطان؛ فقال [له] أيدغمش من الإصطبل السلطاني: هذا شكرانه للناس، والذي ~~عندك فوق من الجوهر يكفي السلطان. # وآل الأمر إلى مسك قوصون وحبسه بالأسكندرية، ثم قتله في شوال من السنة ~~[المذكورة] . # ثم خلع [الملك] الأشراف كجك بأخيه [الملك] الناصر أحمد. ودام بقلعة ~~الجبل، إلى أن مات في سلطنة أخيه [الملك] الكامل [شعبان]- الآتي ذكره -. # وكانت وفاة الأشرف [هذا] في سنة ست وأربعين وسبعمائة # -[رحمه الله تعالى]- # PageV02P073 ### $ الملك الناصر # شهاب الدين، أحمد ابن [الملك] الناصر محمد بن قلاوون. # تسلطن بعد خلع أخيه الأشرف كجك في يوم الأثنين عاشر شوال سنة إثنتين ~~وأربعين وسبعمائة، بعد أن وقع له أمور وحوادث. # وهو السلطان الخامس عشر من ملوك الترك بمصر، والثالث من أولاد [الملك] ms147 ~~الناصر محمد قلاوون. # وكان والده [الملك الناصر] أخرجه قبل بلوغه إلى الكرك؛ فدام به. # وكان مليح الشكل، صاحب بأس وقوة مفرطة. # ولما مات والده [الملك] الناصر محمد وتسلطن أخوه [الملك] المنصور بسفارة ~~قوصون - وكان بشتك أراد سلطنته - فمنعه قوصون. فلما خلع قوصون [أخاه] ~~المنصور طلبه إلى مصر ليتسلطن؛ فامتنع، وكتب في الباطن إلى نواب الشام ~~باستعفائه من الملك؛ فرقوا له؛ وكتبوا إلى قوصون بالكف عنه، فسلطن قوصون ~~أخاه الأشرف كجك. # ثم بدا للناصر هذا طلب الملك، ووافقه طشتمر الساقي # -[حمص أخضر]- # نائب حلب. # PageV02P074 # ووقع [له] أمور يطول شرحها، ذكرناها في ((المنهل الصافي)) وغيره. # وآخر الأمر، أنه تسلطن وملك قلعة الجبل. # ووقع له أمور عجيبة لا تقع إلا ممن أصيب في عقله، ومن أراد العلم بها؛ ~~فعليه بترجمته في [تاريخنا] ((النجوم الزاهرة)) ؛ ففيه من أحواله غرائب. # ولما ملك مصر أمسك جماعة من الأمراء، وظلم وعسف. ثم بدا له أن يترك مصر ~~ويتوجه إلى الكرك؛ ففعل ذلك وسار إلى الكرك ومعه الأموال والذخائر، وترك ~~الأمراء والعساكر بالقاهرة وأقام بالكرك؛ فاضطربت أحوال الديار المصرية، ~~وكاتبوه الأمراء في الحضور إلى مصر [مرارا عديدة، وهو يسوف بهم من وقت إلى ~~وقت وترد مكاتباته إلى مصر] بخط نصراني كان مقربا عنده يعرف بالرضى. # فلما زاد أمره أجمع الناس والأمراء على خلعه، وإقامة أخيه الملك الصالح ~~إسماعيل؛ فخلعوه، وأجلسوا الصالح على تخت الملك في يوم الخميس ثاني عشرين ~~المحرم [من] سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة؛ فكانت مدة ملك الناصر [هذا] ~~بالقاهرة والكرك دون الأربعة أشهر. # وعندما تسلطن [الملك] الصالح أمر بتجهيز العساكر إلى الكرك لمحاصرة أخيه ~~[الملك] الناصر أحمد؛ فتوجهوا إليه وحاصروه؛ فلم يقدروا عليه وعادوا. # ثم توجه عسكرا آخر، وطال الأمر في حصاره [وتوجهت إليه العساكر مرارا ~~كثيرة. # PageV02P075 # ودام هذا الحال، وطال الأمر] ؛ حتى أنه لم يبق بمصر والشام أمير حتى تجرد ~~إلى حصار الكرك مرة ومرتين. # ثم أخذ أمر [الملك] الناصر يتلاشى، وهلك من عنده بالكرك من الجوع. وهو مع ~~ذلك لا يمل ولا يكل من القتال ms148 والحصار. ونفذ ما عنده من الأموال؛ فضرب ~~الذهب وخلط فيه الفضة والنحاس، ونفق ذلك في الناس؛ فكان الدينار [من] نفقته ~~يساوي خمسة دراهم. # وتمادى عليه الأمر، إلى أن عجز وأمسك في يوم الأثنين - وقت الظهر - ثاني ~~عشرين صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. # وكتب بذلك إلى السلطان؛ فأرسل [السلطان] الأمير منجك اليوسفي الناصري فحز ~~رأسه، وتوجه به إلى القاهرة، واستراح كل واحد. # PageV02P076 ### $ الملك الصالح # عماد الدين أبو الفدا، إسماعيل ابن [الملك] الناصر محمد ابن [الملك ~~المنصور] قلاوون. # تسلطن بعد توجه أخيه [الملك] الناصر أحمد إلى الكرك باتفاق الأمراء على ~~سلطنته في يوم الخميس (ثاني عشرين محرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وهو ~~السلطان السادس عشر من ملوك الترك، والرابع من أولاد الناصر محمد بن ~~قلاوون. # وكان القائم بسلطنته الأمير جنكلي بن البابا. وحلف له الأمراء والعساكر. ~~ولما تم أمره في ملك مصر استقر بالأمير آقسنقر السلارى في نيابة السلطنة ~~بالديار المصرية - كما كان أيام أخيه الناصر -. # ثم أمسكه وولي النيابة للأمير آل ملك، ثم مال إلى النساء، وتزوج بنت ~~[الأمير] طقزدمر نائب الشام. # وكان [الملك] الصالح هذا يميل إلى السودان، وحكايته مع حظيته السوداء ~~مشهورة - ذكرناها في ((النجوم الزاهرة)) -. # وكان المدبر لمملكته زوج أمه أرغون العلائي. # PageV02P077 # ولم تطل مدته، ومات في العشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين ~~وسبعمائة. # وكانت مدة ملكه ثلاث سنين وشهرا وثمانية عشر يوما. # وتسلطن بعده أخوه - شقيقه -[الملك] الكامل شعبان الآتي ذكره. # وكان [الملك] الصالح ساكنا عاقلا، قليل الشر، كثير الخير، حلو الوجه، ~~أبيض بصفرة، وعلى خده شامة، وهو أصلح حالا من جميع إخوته؛ لأنه كان دينا ~~خيرا. ورتب دروسا للقضاة الأربعة بمدرسة جده قلاوون وزاد في أوقاف جامع ~~والده الذي بالقلعة، وعمر أماكن بمكة، واسمه مكتوب على رباط السدرة. # وهو الذي أوقف القربة بضواحي القاهرة بالقليوبية على الكسوة. # ولما مات قال فيه الصلاح الصفدي: # (مضى الصالح المرجو للبأس والندى ... ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح) # (فيا ملك مصر كيف حالك بعده ... إذا نحن أثنينا عليك ms149 بصالح) # PageV02P078 ### $ الملك الكامل # زين الدين، شعبان ابن [الملك] الناصر محمد ابن [الملك المنصور] قلاوون. # تسلطن بعهد من أخيه [الملك] الصالح إسماعيل. # ولما مات أخوه الصالح اختلفت الأمراء فيمن يقيمونه [في السلطنة] ؛ فمالت ~~طائفة إلى أخيه حاجى وطائفة إلى شعبان هذا. # وقام بأمره زوج أمه أرغون العلائي. وحدث الأمير آل ملك النائب في سلطنته؛ ~~فقال: بشرط أنه لا يلعب بالحمام؛ فبلغ شعبان ذلك؛ فنقم عليه بعد أن تسلطن؛ ~~وأخرجه إلى نيابة صفد. # وكان جلوس [الملك] الكامل [هذا] على سرير الملك في يوم الخميس ثاني شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة. # وهو [السلطان] السابع عشر من ملوك الترك، والخامس من أولاد ابن قلاوون. # ولما تسلطن الكامل [هذا] أساء السيرة في الأمراء، وصار يخرج الإقطاعات ~~بالبدل، وعمل لذلك ديوانا، حتى إنه كان يعين القدر في المناشير. # PageV02P079 # وكان محبا لجمع المال، وكان شجاعا، فطنا ذكيا، لا يخل بالجلوس للخدمة) ~~طرفي النهار، مع ما كان عليه من اللعب واللهو دائما، ولو ترك ذلك لكان من ~~أحسن الملوك حالا. # ولما تسلطن قال فيه الشيخ جمال الدين [محمد] بن نباتة المصري # -[رحمه الله تعالى]- # (جبين سلطاننا المرجى ... مبارك الطالع البديع) # (يا بهجة الدهر إذ تبدى ... هلال شعبان في ربيع) # ولم تطل مدة الكامل [هذا] ، ووقع له مع الأمراء وغيرهم محن، واتفقوا على ~~خلعه، وقاتلوه حتى خلعوه من الملك بأخيه المظفر حاجى في يوم الأثنين مستهل ~~جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة؛ فكانت مدة ملك شعبان [هذا] على ~~[سلطنة] مصر سنة واحدة وسبعة عشر يوما. # قال الشيخ صلاح الدين [خليل بن أيبك] [الصفدي] في تاريخه: حكى لي سيف ~~الدين أسنبغا دوادار الأمير أرغون شاه قال: مددنا السماط على أن يأكله ~~الملك الكامل، وجهزنا طعام حاجى إليه في حبسه؛ فخرج حاجى أكل السماط، ودخل ~~الكامل، السجن وأكل السماط الذي كان لحاجى. # وقلت في واقعته: # (بيت قلاوون سعاداته ... في عاجل كانت بلا آجل) # (حل على أملاكه للردى ... دين قد استوفاه بالكامل) # PageV02P080 # قلت: ولما حبس الكامل كان ذلك آخر العهد به. ms150 وقتل في يوم الأربعاء ثالث ~~جمادى الآخرة [المذكورة] . # وكان [صفة] الكامل: أشقر، أزرق العينين، محدد الأنف، تام الشكل # -[رحمه الله تعالى]- # PageV02P081 ### $ الملك المظفر # حاجى (ابن [الملك] الناصر # محمد) ابن [الملك] [المنصور] قلاوون. # تسلطن بعد خلع أخيه الكامل شعبان [في يوم الأثنين مستهل جمادى الآخرة سنة ~~سبع وأربعين وسبعمائة] . # وهو [السلطان] الثامن عشر من ملوك الترك بديار مصر، والسادس من أولاد ابن ~~قلاوون. # وكان مولده في سنة إثنتين وثلاثين وسبعمائة وأبوه في الحجاز؛ فسمى حاجى. # وكان سبب قتل الكامل وسلطنة حاجى [هذا] : أن الكامل أراد قتل حاجى [هذا] ~~، وأمر أن تبنى عليه حائطا. وكان الكامل غير محبب للناس؛ فكاتبوا الأمراء ~~يلبغا اليحياوي نائب الشام بخروجه عن الطاعة؛ فامتثل ذلك، وبرز إلى ظاهر ~~دمشق؛ فاحتاج الكامل لما بلغه الخبر أن يجرد لقتاله عسكرا؛ فجهز العساكر ~~وسيرهم. # PageV02P082 # فلما خرجوا إلى الخطارة رجعوا إليه، وقد خرج الجميع عن طاعته؛ فنزل إليهم ~~وقاتلهم؛ فانكسر وجرح الأمير أرغون العلائي في وجهه، وقبض عليه وقتل - ~~حسبما ذكرناه في ترجمته -. # ولما قبض [على] الكامل اتفق الأمير ملكتمر الحجازي وآق سنقر وأرغون شاشه ~~وشجاع الدين أغزلو - الذي جرح أرغون العلائي في وجهه وأخرجوا حاجى [من ~~الحبس]- سلطنوه - حسبما تقدم ذكره -. # ولما تسلطن المظفر [هذا] انتظمت له الأحوال، وسكنت الفتن، وصفا له الوقت؛ ~~فحسن بباله مسك جماعة من الأمراء؛ فقبض على ملكتمر الحجازي - الذي قام ~~بسلطنته - وعلى جماعة أخر من أكابر الأمراء. # ثم قبض على جماعة كثيرة من أولاد الأمراء؛ فنفرت القلوب منه. ووقع له مع ~~اليحياوي وغيره أمور يطول شرحها، وقتل جماعة كثيرة من الأمراء. # وآل الأمر إلى خروج الأمراء بمن معهم إلى قبة النصر؛ فركب المظفر بمن ~~[بقى] معه في الظاهر وهم عليه في الباطن، والتقاهم [فلم يثبت معه أحد من ~~أصحابه؛ فالتقاهم] هو بنفسه؛ فطعنه الأمير بيبغا أروس أمير مجلس أقلبه عن ~~فرسه، وضربه الأمير طاز يرق بالطبر من خلفه؛ فجرح وجهه وأصابعه. # ثم كتفوه، وأحضروه إلى بين يدي الأمير أرقطاى النائب؛ ليقتله. # PageV02P083 # فلما رآه نزل [عن فرسه] [وترجل] ms151 ، ورمى عليه قباءه، وقال: أعوذ بالله! ~~هذا سلطان ابن سلطان ما أقتله، خذوه إلى القلعة؛ فأخذوه، وأدخلوه إلى تربة ~~هناك، وقضى الله أمره فيه، وذلك في [يوم] ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان ~~وأربعين وسبعمائة؛ فكانت مدة ملكه سنة واحدة وثلاثة أشهر وإثني عشر يوما. # وكان [الملك] المظفر شجاعا مقداما، ذا قوة مفرطة [وإقدام] ، وكرم، غير ~~أنه كان عنده تهور ورعونة. # وكان أكبر الأسباب في عزله لعبه بالحمام. # وفي هذا المعنى يقول الصلاح الصفدي: # (أيها العاقل اللبيب تفكر ... في المليك المظفر الضرغام) # (كم تمادى في البغي والغي حتى ... كان لعب الحمام جد الحمام) # وله [أيضا] : # (حان الردى للمظفر ... وفي التراب تعفر) # (كم قد أباد أميرا ... على المعالي توقر) # (وقاتل النفس ظلما ... ذنوبه ما تكفر) # PageV02P084 ### $ الملك الناصر # ناصر الدين، حسن ابن [الملك] الناصر محمد ابن [الملك] المنصور قلاوون. ~~تسلطن - بعد خلع أخيه المظفر حاجى وقتله - في يوم الثلاثاء رابع عشر [شهر] ~~رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. # وهو [السلطان] التاسع عشر من ملوك الترك [بالديار المصرية] ، والسابع من ~~أولاد ابن قلاوون. # و [كان] مولده في [سنة] نيف وثلاثين وسبعمائة. # وهذه سلطنته الأولى. # وكان إسمه قمارى، فلما أجلس على سرير الملك سماه النائب: قمارى؛ فقال له ~~السلطان حسن [هذا] : لا يا عمي {ما إسمي إلا حسن، ما أنا مملوك} ! ؛ فقال ~~النائب: المرسوم مرسومك يا خوند. # ودقت البشائر، وتم أمره في الملك إلى سنة إثنتين وخمسين وسبعمائة وقعت ~~الوحشة بينه وبين الأمير طاز الناصري. # PageV02P085 # وكان طاز قد عظم أمره، وصار تدبير المملكة بيده؛ فعند ذلك قام طاز ~~[المذكور] في خلع السلطان حسن هذا وسلطنة أخيه الملك الصالح صالح، حتى تم ~~له ذلك. # ووافقه صرغتمش وغيره على خلعه، وركبوا عليه؛ فلم يقاتلهم [الملك] الناصر ~~وخلع نفسه؛ فأخذ وحبس بالدور من قلعة الجبل، إلى أن أعيد [للسلطنة]- حسبما ~~يأتي ذكره -. # وكان خلعه من الملك في أوائل شهر رجب من سنة إثنتين وخمسين وسبعمائة؛ ~~فكانت مدة سلطنته هذه المرة على مصر ثلاث سنين ونحو عشرة أشهر. # PageV02P086 ### $ الملك الصالح ms152 صالح # ابن الناصر محمد [بن قلاوون] . # تسلطن بعد خلع أخيه [الملك] الناصر حسن في يوم الأثنين ثامن عشرين جمادى ~~الآخرة. وقيل: في أوائل رجب سنة إثنتين وخمسين وسبعمائة. # وهو السلطان العشرون من ملوك الترك، والثامن من أولاد [الملك] الناصر ~~محمد بن قلاوون. # وأمه قطلوملك بنت الأمير تنكز نائب الشام. # [و] مولده بقلعة الجبل في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. # ولما تم أمره في السلطنة، صار الأمير طاز الناصري مدبر مملكته وصاحب الحل ~~والعقد فيها، وليس [للملك الصالح] هذا معه إلا مجرد الأسم [في السلطنة] ~~فقط، إلى أن أفرج طاز عن شيخو [اللالا] العمري الناصري من سجن الأسكندرية. # PageV02P087 # بقي أمر المملكة لهؤلاء الثلاثاء، وهم: [الأمير] شيخو [اللالا] أتابك ~~العساكر - وهو أول [من] سمى بالأمير الكبير، [ولبسها بخلعة] فصارت ~~الأتابكية وظيفة من يومئذ إلى يومنا هذا -، والأمير طاز أمير مجلس، والأمير ~~صرغتمش رأس نوبة النوب. # وكل واحد من هؤلاء الثلاثة له حاشية وعصبية. و [كان] النائب يوم ذاك ~~الأمير قبلاى. # واستمر الأمر على ذلك، إلى أن وقعت الوحشة بين صرغتمش وطاز، وصار شيخو ~~يصلح بينهما بكل ما وصلت قدرته إليه، وهما في تشاحن، والفتنة ثائرة بينهما ~~سرا، إلى أن خرج الأمير طاز إلى الصيد بعد أن اتفق مع حاشيته أنهم بعد ~~خروجه يركبون على صرغتمش في غيبته. كل ذلك حياء من شيخو وإجلالا له؛ فوقع ~~ذلك. # فلما سمع شيخو بركوبهم أمر مماليكه أن يركبوا مساعدة لصرغتمش؛ فركبوا على ~~الفور - وكانوا سبعمائة مملوك - وواقعوا أصحاب طاز [وكسروهم] . كل ذلك وطاز ~~في الصيد. # وفي الحال خلع الأتابك شيخو الملك الصالح [صالح] من السلطنة؛ وأعاد [أخاه ~~الملك] الناصر حسن - حسبما يأتي ذكره -. # وأما أمر طاز؛ فإنه لما بلغه ما وقع من هزيمة أصحابه وخلع [الملك] الصالح ~~وإعادة [الملك] الناصر حسن، عاد من الصيد، بعد أن طلب الأمان من الأمير ~~شيخو؛ فأمنه وطلع به إلى [الملك] الناصر حسن بعد معاتبة # PageV02P088 # كبيرة وتوبيخ، ورسم له السلطان حسن بنيابة حلب، عوضا عن [الأمير] أرغون ~~الكاملي، إنتهى. ms153 # وكان خلع [الملك] الصالح [صالح] هذا في يوم الأثنين ثاني شوال سنة خمس ~~وخمسين وسبعمائة. # فكانت مدة ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. # ولزم [الملك] الصالح [هذا] داره بقلعة الجبل مكرما محتفظا به، إلى أن ~~توفى [بها] في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة. ودفن بتربة عمه [الملك] ~~الصالح علي بن قلاوون، بالقرب من المشهد النفيسي. # والملك الصالح على المذكور لم يتسلطن، ومات [في] أيام أبيه قلاوون. # PageV02P089 ### $ [سلطنة] الملك الناصر حسن الثانية # تقدم ذكر خلعه من السلطنة وحبسه، وأيضا ذكر خلع أخيه [الملك] الصالح صالح ~~من الملك وإعادته. # وكان جلوسه في هذه السلطنة الثانية في يوم الأثنين ثاني شوال سنة خمس ~~وخمسين وسبعمائة. # وتم أمره في الملك، واستمر شيخو أتابكا وصرغتمش على حاله، وهما صاحبي ~~الحل والعقد في المملكة، و [الملك] الناصر حسن سامعا لهما مطيعا. # ودام الأمر على ذلك إلى [يوم] ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. حضر ~~شيخو الخدمة السلطانية مع جميع الأمراء على العادة؛ فوثب عليه مملوك من ~~المماليك السلطانية يقال له: قطلوخجا السلاح دار، وضربه بالسيف ثلاث ضربات: ~~في وجهه، وفي بدنه، وفي ذراعه، وهو جالس بدار العدل في خدمة السلطان حسن ~~[هذا] ؛ فقام الناصر حسن من المجلس فزعا، وأمسك قطلوخجا المذكور. # وسقط شيخو إلى الأرض؛ فطلعت مماليكه ملبسين إلى القلعة، وحملوه على ~~جنوية، ونزلوا به إلى داره وبه رمق؛ فخيطوا جراحاته. # وبات تلك الليلة، ونزل [إليه] السلطان حسن من الغد إلى بيته واستعطفه، ~~وحلف له أن الذي جرى لم يكن له به علم. # PageV02P090 # وأحضر قطلوخجا [المذكور] وسأله؛ فقال: ما أمرني أحد. غير أنني قدمت له ~~قصة فما قضى حاجتي؛ فرسم السلطان بتسميره، فسمر وطيف به، ثم وسط. # واستمر شيخو ملازما للفراش، إلى أن مات في سادس عشرين ذي القعدة من سنة ~~ثمان وخمسين المذكورة. # وكان من أجل الأمراء وأعظمهم، وهو صاحب الخانقاة بالصليبة وغيرها. # [قلت] : وبموته خف الأمر عن [الملك] الناصر حسن، وتحرك له السعد. وبقي ~~صرغتمش؛ فأخذ [الملك] الناصر ينشئ له حاشية ms154 ومماليك، ورقى مملوكاه طيبغا ~~الطويل ويلبغا العمري الذي قتله - حسبما يأتي ذكره -. # (هذا، وقد زادت عظمة صرغتمش بعد موت شيخو، وتضاعفت حرمته، وانفرد ~~بالرئاسة في الأمراء، إلى أن ثقل على الناصر. # وحدثته نفسه بالوثوب على السلطان؛ بادره [الملك] الناصر بالقبض # PageV02P091 # عليه، ورتب مماليكه. فلما طلع إلى القلعة على العادة، وأراد الدخول على ~~السلطان في الخلوة، قاموا له، وأمسكوه، وأمسكوا معه طشتمر القاسمي حاجب ~~الحجاب، وطيبغا الماجاري، وأزدمر، وقماري، وجماعة من أمراء الطبلخانات. # فلما سمع [مماليك صرغتمش] ركبوا بالسلاح، وطلعوا إلى الرميلة؛ فنزل إليهم ~~مماليك السلطان، وقاتلوهم من بكرة النهار إلى العصر؛ فانكسروا ونهبت دار ~~صرغتمش ودكاكين الصليبة، وأمسك جماعة من الأعاجم الذين كانوا من صوفية ~~الصرغتمشية. # ثم حمل صرغتمش إلى سجن الأسكندرية، وقتل به في ذي الحجة من سنة تسع ~~وخمسين وسبعمائة [المذكورة] . # ومن يومئذ عظم أمر [السلطان] [الناصر] حسن، ورقى مماليكه، وعمر مدرسته ~~العظيمة - تجاه القلعة - التي لم يعمر في الإسلام مثلها، وأنشأ حواشيه، ~~وأخذ وأعطى، إلى أن توجه إلى الصيد بكوم بره - وهي بليدة من قوى القاهرة -. # وكان تغير خاطره على مملوكه يلبغا العمري لكلام بلغه عنه؛ فركب السلطان ~~[حسن] في [جماعة يسيرة] من خاصكيته على أنه يكبس على يلبغا بمخيمه. # PageV02P092 # وكان عند يلبغا خبرا من ذلك بطريق الدسيسة؛ فخرج يلبغا مستعدا إلى قتاله؛ ~~فلم يقدر السلطان [حسن] عليه، وانكسر منه، وهرب في [طائفة قليلة] . وعدى ~~النيل، إلى أن طلع القلعة في ليلته - وهي ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى ~~سنة إثنتين وستين وسبعمائة، فتبعه يلبغا وعدى النيل، فاعترضه ابن المحسني - ~~أحد مقدمي الألوف - ومعه قشتمر المنصوري وواقعه؛ فانكسر يلبغا مرتين - كل ~~ذلك قبل أن يمضي من الليل ثلثه -. # وكان يلبغا في جمع موفور؛ فلما عجز عن ابن المحسني أرسل إليه يعده بكل ~~خير إن تنحى من طريقه؛ ففعل له ابن المحسني ذلك لما علم [من زوال] دولة ~~الناصر حسن؛ فسار يلبغا إلى جهة القلعة. # وكان [الملك] الناصر ألبس مماليكه المقيمين بالقلعة؛ فلم يجد لهم خيولا، ~~لأن الخيل كانت ms155 [بأجمعها] في الربيع؛ فضاقت حيلته. # فلما سبح [المسبح] ركب السلطان حسن ومعه أيدمر الدوادار ولبسا لبس العرب؛ ~~ليتوجها إلى الشام، فلقيهما بعض المماليك؛ فقبضوهما وأحضروهما إلى بيت ~~الأمير شهاب الدين الأزكشي أستادار العالية، فأخذهما وتوجه بهما إلى عند ~~يلبغا؛ فكان ذلك آخر العهد بالسلطان حسن - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P093 # وكانت مدة الملك الناصر حسن - في هذه السلطنة الثانية - ست سنين وسبعة ~~أشهر. # وقد تقدم تاريخ وفاته عند ركوبه على يلبغا المذكور. # وسلطن يلبغا من بعده [الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجى ابن ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون] . # PageV02P094 ### $ الملك المنصور # محمد ابن [الملك] المظفر حاجى ابن [الملك] الناصر محمد ابن [الملك] ~~المنصور قلاوون. # تسلطن بعد قتل عمه [الملك] الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى ~~سنة إثنتين وستين وسبعمائة. # وكان القائم بأمره الأمير يلبغا العمري الناصري. وكان عمر المنصور [يوم ~~ذاك] أربع عشرة سنة. # وصار يلبغا [المذكور] مدبر مملكته، ويشاركه في ذلك خجداشه طيبغا الطويل. # والمنصور هذا هو [السلطان] الحادي والعشرون من ملوك الترك بالديار ~~المصرية. # و [عندما] استقر الملك المنصور في السلطنة خرج الأمير بيدمر الخوارزمي ~~نائب الشام عن الطاعة؛ فجهز يلبغا العمري السلطان وخرج به إلى البلاد ~~الشامية؛ لقتال بيدمر المذكور في السنة المذكورة. # فلما وصل السلطان إلى الشام أخذ بيدمر صلحا وعاد به إلى الديار المصرية. # PageV02P095 # واستمر [الملك] المنصور في السلطنة، وعظم أمر يلبغا حتى صار جميع أمور ~~المملكة تحت حكمه - لاسيما لما أخرج طيبغا الطويل إلى نيابة حلب قهرا [في ~~الدولة الأشرفية شعبان]- فاستبد عند ذلك بجميع الأمور. # واستمر [الملك] المنصور في السلطنة، إلى أن بدا منه أمور استوحش منها ~~يلبغا؛ فخلعه بابن عمه [الملك] الأشرف شعبان بن حسين في يوم الثلاثاء خامس ~~عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة. # ولزم المنصور هذا داره بقلعة الجبل، إلى أن توفى ليلة السبت تاسع محرم ~~سنة إحدى وثمانمائة وقد أناف على [خمسين سنة] . # ودفن بتربة جدته أم أبيه بالروضة - خارج الباب المحروق - من القاهرة؛ ~~فكانت مدة سلطنته على مصر سنتين ms156 وثلاثة أشهر وخمسة أيام، لم يكن له فيها ~~إلا مجرد الأسم فقط. # ولما مات خلف عدة أولاد - رجالا ونساء -، تزوج الوالد بإحدى بناته في ~~حياته، وماتت تحته في سنة أربع وثمانمائة. # وكان الملك المنصور محبا للطرب واللهو، راضيا بالعيش الطيب الرغد، فكأن ~~(لسان حاله يقول) [كقول من قال] : # (خل الملوك تسطوا بالملك والسلاح ... إني رضيت منهم بالراح والملاح) # وكان للمنصور جواري مغاني - جوقة كاملة نحو العشرة - يعرفن بمغاني ~~المنصور، استخدمهن الوالد بعد موت المنصور. # PageV02P096 # وكانت هذه عادة تلك الملوك السابقة، يكون لهم المغاني من الجواري وغيرهم، ~~وآخر من فعل ذلك الأمير محمود الأستادار في الدولة الظاهرية برقوق، ثم في ~~الدولة المؤيدية شيخ الأتابك ألطنبغا القرمشي. # ثم بطل ذلك مع ما بطل من محاسن المملكة) وترتيبها لما ولى الأمور غير ~~أهلها؛ فذهب لذلك فنون كثيرة وعلوم جمة، وانحط قدر أرباب الكمالات من كل ~~علم [وفن] . # ولله در المتنبي، حيث قال: # (أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم) # PageV02P097 ### $ الملك الأشرف # شعبان ابن الأمير حسين ابن [الملك] الناصر محمد بن قلاوون. # جلس على سرير الملك بعد خلع ابن عمه # [الملك] المنصور # [محمد] في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة وعمره ~~عشر سنين. # وكان القائم بتدبير ملكه الأتابك يلبغا على العادة. # والأشرف هذا هو [السلطان] الثاني والعشرون من ملوك الترك بالديار ~~المصرية، وهو مع يلبغا آلة في السلطنة، وجميع أمور المملكة بيد يلبغا ~~ويشاركه في ذلك طيبغا الطويل. # ثم ثقل طيبغا [الطويل] على يلبغا، فما زال يلبغا به حتى ظفر به وأمسكه. # واستبد عند ذلك بجميع أمور المملكة، وعظم أمره حتى تجاوز الحد. # وضرب سابق الدين مثقال مقدم الماليك السلطانية داخل القصر ستمائة عصاة. # PageV02P098 # وكان يلبغا سيء الخلق، بذئ اللسان. فلما زاد أمره في الظلم أضمر مماليكه ~~[له] السوء، واتفقوا على قتله. # واتفق أن يلبغا عدى بالملك الأشرف إلى [بر] الجيزة؛ فثارت عليه مماليكه ~~هناك؛ فهرب يلبغا منهم وعدى النيل، فانضمت مماليكه على الأشرف، وندبوه ~~لقتال يلبغا؛ فوافقهم بعد ms157 أمور. # وقاتلوا يلبغا نحو ثلاثة أيام [ويلبغا] بجزيرة أروى - المعروفة بالجزيرة ~~الوسطى - والأشرف ببولاق التكروري بالبر الغربي. # وسلطن يلبغا آنوك بن حسين؛ فلم يتم له ذلك، وانهزم وقتل. وانتصر الأشرف - ~~حسبما ذكرناه مفصلا في عدة أماكن من مصنفاتنا [المطولات]-. # ولما انتصر الأشرف أخلع على أسندمر بالأتابكية؛ فأراد أسندمر أن يسير على ~~سير يلبغا بعد أن سكن بالكبش؛ فلم يوافقه الأشرف على ذلك؛ فأراد أسندمر خلع ~~الأشرف، وركب عليه؛ فانكسر بعد أمور طويلة، ومسك أسندمر وحبس. # PageV02P099 # وفي هذا المعنى يقول [الشيخ شهاب الدين أحمد] بن العطار: # (هلال شعبان [جهرا] لاح في صفر ... بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان) # (وأهل كبش كأهل الفيل قد أخذوا ... رغما وما انتطحت في الكبش شاتان) # [قلت] : ومن يومئذ استبد [الملك] الأشرف بتدبير الأمور، وعظم وضخم، وأنشأ ~~المماليك الكثيرة، وحسنت أيامه حتى [صار] يضرب بأيامه المثل. # واستمر على ذلك، إلى أن تجهز إلى الحج في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وخرج ~~[طلبه] من القاهرة يتجمل زائد إلى الغاية في يوم الأحد ثالث عشر شوال من ~~السنة - وقد ذكرنا كيفية خروجه، وحسن طلبه، وتجمله في ((النجوم الزاهرة)) ~~[وغيره؛ فلينظر هناك] . # ثم خرج [الملك] الأشرف في يوم الأثنين رابع عشره بأبهة عظيمة، وسار حتى ~~نزل بسرياقوس؛ وأخلع بها على الشيخ ضياء الدين القرمي باستقراره في مشيخة ~~خانقاته التي أنشأها [الأشرف هذا] بالصوة. # PageV02P100 # وكانت هذه المدرسة من محاسن مباني الدنيا - وقد هدمت [هذه المدرسة] في ~~الدولة الناصرية فرج بن برقوق. # ثم سار الأشرف من سرياقوس ونزل بركة الحجاج؛ فأقام بها إلى يوم الثلاثاء ~~ثاني عشرين شوال، وركب منها بمن معه من العساكر متوجها إلى الحجاز. وكان ~~معه من الأمراء المقدمين تسعة، ومن [أمراء] الطبلخانات خمسة وعشرون نفرا، ~~ومن العشرات خمسة عشر أميرا. # وجعل النائب بمصر آقتمر عبد الغني، وجعل بالقلعة أيدمر الشمسي. وضبط أمور ~~[الديار المصرية] إلى الغاية، والمقادير تجري بخلاف ما فعل. # فلما كان يوم السبت ثاني ذي القعدة طشتمر اللفاف، وقرطاى، وأينبك البدري، ~~[وعصى الجميع ومعهم] جماعة كثيرة. # والجميع عشرات ms158 وأجناد، [ولم يكن] فيهم [أمير] طبلخاناه غير أينبك ~~[المذكور] . # [وعصى الجميع] ، ووقع لهم أمور حتى ملكوا القلعة، وخلعوا [الملك] الأشرف، ~~وسلطنوا ولده أمير على، وزعموا أن الأشرف مات بالعقبة. # PageV02P101 # ومن الغريب الأتفاق أنه وافق ركوبهم هنا خروج من كان مع الأشرف عليه ~~بعقبة أيلة وانهزام الأشرف منهم، وعوده إلى القاهرة، واختفائه بقبة النصر ~~في تربة؛ فبلغ خبره الأمرء الذين خرجوا بالديار المصرية، ومسكوا شخصا من ~~حواشي الأشرف وقرروه؛ فدلهم على مكانه بقبة النصر. # وكان الأشرف لما رجع من العقبة كان بصحبته من الأمراء المقدمين صرغتمش ~~الأشرفي، وبشتك الأشرفي، وأرغون شاه الأشرفي، ويلبغا الناصري اليلبغاوي - ~~صاحب الوقعة مع برقوق الآتي ذكرها -. وسار بهم حتى وافى قبة النصر - خارج ~~القاهرة - فبلغه ما وقع بالديار المصرية؛ فتحير في أمره ثم خاف على نفسه؛ ~~فتوجه هو ويلبغا الناصري واختفيا عند أستادار يلبغا الناصري. ثم خاف ~~الأشرف، وفارق يلبغا [الناصري] ، وتوجه إلى عند إمرأة تسمى: آمنة، واختفى ~~عندها. # وأما الأمراء المصريون؛ فإنهم أرسلوا جماعة بالكبس على الأشرف بقبة ~~النصر؛ فأمسكوا الأمراء المقدم ذكرهم، وقتلوهم، وحزوا رءوسهم، ولم يجدوا ~~الأشرف؛ فبينا هم في ذلك نم إليهم شخص، وعرفهم مكان الأشرف؛ فتوجهوا إليه ~~ومسكوه، وعاقبوه، ثم قتلوه - بعد أمور ذكرناها في غير هذا المختصر -. # PageV02P102 # وكان قتله في ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. # وتسلطن [من] بعده ولده الملك المنصور [على] آلة. # ووقع [من بعده] أمور وفتن سنينا كثيرة، إلى أن ملك برقوق الديار المصرية ~~- حسبما يأتي ذكره -. # وكان الملك الأشرف من محاسن الدنيا؛ كان ملكا جليلا، عارفا، عاقلا، شجاعا ~~مقداما، كريما، هينا لينا، محببا للرعية. # قيل: إنه لم يل [الملك] في الدولة التركية أحلم منه، ولا أحسن خلقا ~~وخلقا. وكان محبا للعلماء والفقراء وأهل الخير، مقتديا بالأمور الشرعية، ~~وأبطل في سلطنته عدة مكوس. وكان محسنا لإخوته وأولاد عمه وأقاربه. # قلت: ومحاسن الأشرف كثيرة، يضيق هذا المختصر عن ذكرها، ومن أراد معرفة ~~أحواله؛ فعليه [بتاريخنا ((المنهل الصافي)) ، وأوسع منه لاسيما في تراجم ~~ملوك مصر - ((النجوم ms159 الزاهرة)) ] . إنتهى. # PageV02P103 ### $ الملك المنصور # على ابن [الملك] الأشرف شعبان ابن الأمير حسين - وكان حسين يلقب بالأمجد، ~~غير أنه لم يتسلطن - ابن [الملك] الناصر محمد بن قلاوون. # تسلطن بعد خلع والده الأشرف في حياته. # نصبه الأمراء الخارجون عن [طاعة أبيه]- حسبما تقدم ذكره - في يوم الأثنين ~~خامس ذي القعدة من سنة ثمان وسبعين [المذكورة] ، وعمره نحو سبع سنين. # وهو [السلطان] الثالث والعشرون من ملوك الترك بديار مصر. # ولما تم أمر الملك المنصور، استقر آقتمر عبد الغني في نيابة السلطنة على ~~عادته، واستقر طشتمر المحمدي اللفاف أتابك العساكر دفعة واحدة، وأنعم عليه ~~بجميع موجود الأمير أرغون شاه [الأشرفي] ، واستقر قرطاي الطازي رأس نوبة ~~النوب، وأنعم عليه بموجود صرغتمش الأشرفي، ورسم لهما أن يجلسا بالإيوان مع ~~نائب السلطنة. # PageV02P104 # واستقر أسندمر الصرغتمشي أمير سلاح، ورسم له أن يجلس في الميسرة، واستقر ~~أينبك البدري أمير آخور كبيرا. # وجميع هؤلاء المذكورين كانوا من جملة الأجناد والعشرات، ما خلا أينبك؛ ~~فإنه كان [أمير] طبلخاناه. # ثم أخرج طشتمر الدوادار إلى نيابة دمشق؛ فلم تطل مدة هؤلاء إلا أياما ~~يسيرة. # ووقع بين قرطاي وأينبك - وهما أصهار - وحشة، وانتصر أينبك على قرطاي ~~وقتله. # ثم وقع أمور، وقتل [أينبك أيضا] ؛ فآل الأمر بعد فتن إلى الأميرين: برقوق ~~العثماني وبركة الجوباني اليلبغاويان، وملكا الديار المصرية، وصارا صاحبا ~~حلها وعقدها. # واستقر برقوق أمير آخور كبيرا، عوضا عن أينبك دفعة واحدة من إمرة عشرة، ~~[واستقر بركة رأس نوبة النوب دفعة واحدة أيضا من إمرة عشرة] أو طبلخاناه. # ومما وقع من الأعاجيب في دولة [الملك] المنصور هذا أنه: ورد بريدي من حلب ~~[في سنة إثنتين وثمانين وسبعمائة وعلى يده كتاب نائب حلب] يتضمن أن إماما ~~يصلي بقوم، وأن شخصا عبث به في صلاته من باب المداعبة؛ فلم يقطع الإمام ~~الصلاة حتى فرغ، وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير وهرب إلى غابة هناك؛ ~~فتعجب الناس من هذا [الأمر] ، وكتب بذلك محضرا. إنتهى! # PageV02P105 # واستمر الملك المنصور في السلطنة، إلى أن توفي يوم الأحد ثالث عشرين صفر ~~سنة ms160 ثلاث وثمانين وسبعمائة؛ فلم يجسر برقوق أن يتسلطن ونصب في السلطنة أخاه ~~الملك الصالح حاجى. # وكانت مدة ملك المنصور خمس سنين وثلاثة أشهر وعشرين يوما. ومات وعمره ~~إثنتا عشرة سنة، ودفن بتربة جدته لأبيه خوند بركة بالتبانة - خارج القاهرة ~~-. # وكان [الملك] المنصور جميلا، حسن الصورة، ولم يكن له من الأمر شيئ لتشكر ~~أفعاله أو تذم # -[رحمه الله]- # PageV02P106 ### $ الملك الصالح # حاجى ابن الملك الأشرف شعبان ابن الأمجد حسين ابن [الملك] الناصر محمد ~~ابن قلاوون - وقد تقدم أن الأمجد حسين لم يتسلطن -. # ولى [الملك] الصالح هذا السلطنة بعد موت أخيه المنصور على في يوم الأثنين ~~رابع عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة [وعمره أزيد من عشر سنين] . # وهو السلطان الرابع والعشرون من ملوك الترك. # ولما تسلطن، استمر الأتابك برقوق العثماني أتابكه ومدبر مملكته، وإليه ~~جميع أمور الدولة شامها ومصرها، وليس [للصالح] [هذا] من السلطنة إلا مجرد ~~الأسم فقط. # ودام الأمر على ذلك، حتى كثرت الفتن، وهم جماعة من الأمراء بالوثوب على ~~الأمر، واضطربت أحوال المملكة؛ فعند ذلك أشار جماعة من الأمراء على برقوق ~~بالسلطنة؛ فجبن عن ذلك، وكان لهم مدة طويلة يشيرون عليه بذلك. # فلما تزايد الأمر ألجأته الضرورة لذلك؛ فخلع [الملك] الصالح حاجى هذا، ~~وتسلطن في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة. # PageV02P107 # فكانت مدة مملكة [الملك] الصالح هذا سنة واحدة ونصف سنة وخمسة عشر يوما. # ورسم له [الملك] الظاهر برقوق بلزوم داره في قلعة الجبل - على ما كانت ~~عادة أولاد السلاطين عليه - فلزم الصالح داره بها، إلى أن خلع الأمير يلبغا ~~الناصري برقوقا وحبسه بالكرك في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأخرج الملك ~~الصالح [هذا] ، وأعاده إلى الملك، وغير لقبه [بالملك المنصور]- حسبما يأتي ~~[ذكر ذلك كله] ، إن شاء الله تعالى -. # PageV02P108 ### $ الملك الظاهر # سيف الدين، برقوق ابن الأمير آنص العثماني، اليلبغاوي، الجاركسي، القائم ~~بدولة الجراكسة. # أصله جاركسي الجنس، جلبه خواجا عثمان بن مسافر؛ فاشتراه منه الأتابك ~~يلبغا العمري الخاصكي صاحب الكبش وأعتقه، ومات يلبغا وهو من صغار مماليكه. # ثم وقع ms161 له محن كثيرة، وخدم عند الأمير منجك نائب الشام ثم عاد إلى بيت ~~السلطان. # فلما كانت وقعة الأشرف كان برقوق هذا ممن وافق على العصيان؛ فتأمر عشرة، ~~ثم طبلخاناه، ثم صار بعد أشهر أمير مائة [و] مقدم ألف، وأمير خور كبيرا. # ولازل يترقى والأقدار تساعده، إلى أن تسلطن بعد خلع الملك الصالح حاجى في ~~يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة - وكان الموافق ~~لهذا اليوم آخر هاتور، وسادس تشرين الثاني، والطالع برج الحوت -. # وتم أمره في الملك. # PageV02P109 # وهو [السلطان] الخامس والعشرون من ملوك الترك [وأولادهم]- وهي [سلطنته ~~الأولى]-، والثاني من الجراكسة؛ إن صح [أن] بيبرس الجاشنكير كان جاركسيا، ~~وإلا فهو الأول منهم. # وتم أمره في السلطنة وعظم، وأنشأ له حاشية ومماليكا ودولة. وطالت أيامه، ~~وعمر مدرسته التي بخط بين القصرين من القاهرة، ونقل إليها رمة والده الأمير ~~آنص. # وكان المشد على عمارتها الأمير جاركس الخليلي الأمير آخور الكبير. وفي ~~معنى عمارتها يقول [الأديب] شهاب الدين المصري: # (قد أنشأ الظاهر السلطان مدرسة ... فاقت على إرم مع سرعة العمل) # (يكفي الخليلي أن جاءت لخدمته ... شم الجبال لها تسعى على عجل) . # واستمر [الملك] الظاهر في السلطنة، إلى أن خرج عليه الأمير تمربغا ~~الأفضلي الأشرفي، المدعو منطاش نائب ملطية. # PageV02P110 # ثم وافق منطاش الأتابك يلبغا الناصري اليلبغاوي نائب حلب، وقويت شوكتهما، ~~فجهز لهما الظاهر عسكرا عليه خمسة من [أمراء الألوف] : أيتمش البجاسي ~~الأتابك، وأحمد بن يلبغا العمري أمير مجلس، وجاركس الخليلي اليلبغاوي أمير ~~آخور، وأيدكار العمري حاجب الحجاب، ويونس النوروزي الدوادار، وخمسمائة ~~مملوك، وجماعة كثيرة من أمراء الطبلخانات والعشرات. # وخرجوا من القاهرة، والتقوا بالناصري ومنطاش [بدمشق] ؛ فأنكسر عسكر ~~السلطان، وقبض على أيتمش، وقتل جاركس [الخليلي] ويونس [الدوادار] . وعصى ~~ابن يلبغا وأيدكار الحاجب على برقوق، ووافقا الناصري. # ومن يوم ذاك أخذ أمر برقوق في انحطاط، وأمر الناصري ومنطاش في تزايد، إلى ~~أن ملكا الديار المصرية من غير قتال، وهو أنه: لما قدم الناصري بعساكره، ~~ونزل خارج القاهرة - عند قبة النصر - لم ينهض برقوق لقتاله ms162 - خذلانا من ~~الله تعالى وزوال نعمة - وجبن حتى عن حفظ قلعة الجبل، بل أرسل إلى الناصري ~~نمجاة الملك مع الأمير أبي بكر بن سنقر الحاجب الثاني والأمير بيدمر ~~المنجكي شاد القصر (وأمرهما أن يأخذا له [من الناصري] الأمان؛ فتوجها إلى ~~الناصري، وسألاه في ذلك خلوة؛ فاعتذر إليهما الناصري من أنه لا يطيق يعطيه ~~الأمان؛ لما يعلم ما أضمره منطاش وغيره للظاهر. # PageV02P111 # ثم أشار على الظاهر أنه ينزل من القلعة ويختفي بمكان، إلى أن يصلح ~~الناصري من أمره ما يكون فيه مصلحة له. # فلما بلغ برقوق ذلك صلى عشاء الآخرة هو والخليفة، وقام الخليفة إلى ~~منزله، وبقي الظاهر في قليل من أصحابه، ثم أذن لسودون الشيخوني النائب ~~بالتوجه إلى حال سبيله. ثم أمر من حضر بالتفرق، وقام هو من مكانه وتستر حتى ~~نزل من الإصطبل السلطاني. وسكن دق الكوسات، ووقع النهب في الحواصل ~~السلطانية، وذلك في ليلة الأثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ~~وسبعمائة. # وزالت دولة [الملك] الظاهر برقوق بعد أن حكم على الديار المصرية أميرا ~~وسلطانا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما. # تفصيله: من يوم قبض برقوق على الأمير طشتمر الدوادار في [تاسع] ذي الحجة ~~سنة تسع وسبعين وسبعمائة إلى يوم تسلطن في تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع ~~وثمانين وسبعمائة، أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام. # وكان يسمى في تلك الأيام: الأمير الكبير نظام الملك. # ومن يوم تسلطن إلى أن نزل من [قلعة الجبل] واختفى ست سنين وثمان شهور ~~وسبعة عشر يوما. # فهذا تفصيل حكمه على مصر: إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما. # PageV02P112 # واستمر برقوق مختفيا، إلى أن أخرج الناصري [الملك] الصالح حاجى من الدور ~~[السلطانية] وسلطنه ثانيا، وغير لقبه [بالملك المنصور] . # ثم قبض على برقوق من بيت أبي يزيد بن مراد، وأخذ إلى القلعة في ظهر ~~النهار؛ فحبس بالإصطبل السلطاني [ثلاثة أيام] ، ثم أخرج إلى الكرك؛ [فحبس ~~بها، إلى أن أخرج من الكرك] وعاد إلى ملكه؛ فكان في خلعه وحبسه ثم عوده بعد ms163 ~~ذلك إلى ملكه عبرة لمن اعتبر؛ وهو ذلك أفرج ملوك الترك ترجمة - وقد ~~استوعبنا ترجمته في مصنفاتنا المطولات بما فيه كفاية عن غيره -. إنتهى. # PageV02P113 ### $ الملك المنصور # حاجى - وهي سلطنته الثانية -. # وقد تقدم ذكر سلطنته الأولى، ونسبه، وعمره فيما مضى في تلك الترجمة. ~~ولنذكر هنا عوده؛ فنقول: لما كان يوم الأثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى ~~وتسعين وسبعمائة وقع اتفاق الأمراء على سلطنته ثانيا، وذلك بعد هروب الظاهر ~~برقوق واختفائه، وبعد أن ملك الأتابك يلبغا الناصري وتمربغا الأفضلي - ~~المدعو منطاش - ومن كان معهما من الأمراء بالديار المصرية من غير قتال ولا ~~حصار، وبعد أن سئل الناصري بالسلطنة غير مرة؛ فلم يقبل وخشي العواقب، وأجمع ~~على سلطنة حاجى هذا؛ فسلطنه وغير لقبه. # ولا نعرف في الملوك التركية أحدا غير لقبه غيره، فكان لقبه أولا: الصالح؛ ~~فغير في سلطنته هذه بالمنصور. # ولما تم أمره، صار الأتابك يلبغا الناصري مدبر ممالكه، وجميع أمور ~~المملكة في يده. # وبعد سلطنته بمدة يسيرة أخذ الظاهر برقوق من بيت [أبي] يزيد بن مراد، ~~وأخرج إلى الكرك، وحبس بها. # وصفا الوقت للناصري، واستبد بجميع أمور المملكة، وصار منطاش من جملة ~~أمرائه؛ فعظم ذلك على منطاش؛ فأضمر السوء للناصري، مع قلة أصحابه وعدم ~~شوكته، وساعده على ذلك تغير خواطر جماعة من العسكر على النصاري. # PageV02P114 # وسبب تغير خواطر المذكورين: وهو أنه صار الناصري كلما سأله أحد من أصحابه ~~في إقطاع حواشي برقوق أو غيرهم يمتنع من ذلك شفقة على الناس؛ فلم يحسن ذلك ~~ببال جماعة ممن حضر إلى الديار المصرية صحبته؛ فحقدوا عليه. # واتفق ركوب منطاش على الناصري بجماعة قليلة [جدا] ، يستحى من ذكرها قلة؛ ~~فلم يكترث بهم الناصري، وأرسل إلى قتاله جماعة من الأمراء؛ فانتصر عليهم ~~منطاش. وتكرر ذلك غير مرة، إلى أن نزل الناصري بنفسه لقتاله، وانكسر من ~~منطاش، وأمسك، وحبس بثغر الأسكندرية. # وطلع منطاش إلى باب السلسلة من قلعة الجبل، وسكن مكان الناصري، واستبد ~~بجميع أمور المملكة، شامها ومصرها، من غير منازع. # ثم لم يقنع منطاش بذلك، وأراد ms164 قتل برقوق بالكرك؛ فأرسل الشهاب البريدي ~~بقتله؛ فوقع أمور ذكرناها مستوفاة في مصنفاتنا المقدم ذكرها. # وآل الأمر إلى خروج برقوق من حبس الكرك؛ واجتماع الناس عليه، وغالبهم من ~~كان خرج أولا - وهم خجداشيته اليلبغاوية - حنقا من منطاش لما مسك الناصري؛ ~~لأن برقوق كان يلبغاويا والناصري كان أيضا يلبغاويا؛ فذهبت اليلبغاوية أولا ~~من خجداش لهم إلى خجداش آخر، وهو الناصري. # فلما وثب على الأمر غير خجداشهم - وهو منطاش الأشرفي - عظم عليهم ذلك، ~~وأنضم غالبهم على برقوق لما خرج من حبس الكرك. ولسان حالهم يقول [في ذلك] : # (وما من حبه أحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرين) # PageV02P115 # واستمر أمر برقوق ينمو وأمر منطاش يضمحل، إلى أن خرج منطاش بالملك ~~المنصور [هذا] إلى البلاد الشامية لقتال برقوق. # ووقع المصاف بينهم بمنزلة شقحب، انتصر برقوق - وإنهزم منطاش إلى دمشق - ~~واستولى على المنصور هذا والخليفة [والقضاة] و [على] العصائب السلطانية، ~~وعاد بالجميع إلى الديار المصرية بعد أمور صدرت بينه وبين منطاش. # واستمر منطاش بالبلاد الشامية، إلى أن أخرج الظاهر برقوق الناصري من سجن ~~الأسكندرية، وندبه لقتال منطاش. # ووقع بعد ذلك أمور، إلى أن قتل برقوق الناصري بقلعة حلب) . # ثم ظفر بمنطاش من عند نعير بعد سنين، وقتله أيضا - وقد ذكرنا هذا كله ~~مجملا في تاريخنا ((النجوم الزاهرة)) [ومفصلا في ((المنهل الصافي)) في ~~ترجمة الظاهر برقوق] [كل واحد من هؤلاء الأمراء والسلاطين على حدته] ؛ لأنه ~~مرتب على الحروف. ومن أراد العلم بذلك؛ فعليه بمطالعتهما؛ ففيهما الغرض ~~بزيادة -[إن شاء الله تعالى]- # ثم سار برقوق بالملك المنصور هذا وجميع العساكر إلى الديار المصرية حتى ~~دخلها في يوم الثلاثاء رابع عشر صفر سنة إثنتين وتسعين وسبعمائة. # PageV02P116 # ولما دخل برقوق إلى الديار المصرية فرشت الشقق الحرير تحت حوافر فرسه؛ ~~فتنحى برقوق عنها، ومشى المنصور عليها؛ فحسن ذلك ببال الناس كثيرا. # وطلع برقوق إلى القلعة، وعاد إلى ملكه. # وخلع المنصور هذا، ولزم داره بقلعة الجبل مبجلا، إلى أن مات بعد أن أقعد، ~~وتكسح في ليلة الأربعاء تاسع عشر شوال سنة أربعة عشر ms165 وثمانمائة عن بضع ~~وأربعين سنة. ودفن بتربة جدته خوند بركة أم الأشرف شعبان. # فكانت مدة [مملكة المنصور] في سلطنته الثانية ثمانية أشهر ونحو ستة عشر ~~يوما تخمينا - أعني من يوم أجلسه الناصري على تخت الملك إلى يوم طلع برقوق ~~إلى [قلعة الجبل] وجلس على تخت الملك -. # PageV02P117 ### $ ذكر سلطنة [الظاهر] برقوق الثانية # تقدم ذكر سلطنته الأولى ونسبه، ثم ما وقع من خلعه وحبسه، ثم ذكر سبب ~~خروجه من حبس الكرك وعوده إلى ملك مصر بعد خلع المنصور حاجى [في] يوم ~~الثلاثاء رابع عشر صفر سنة إثنتين وتسعين وسبعمائة. # قلت: ولما عاد إلى ملكه قابل الأتابك يلبغا الناصري خجداشه بالجميل، ~~وأخرجه من سجن الأسكندرية هو وجماعة كثيرة من الأمراء اليلبغاوية خجداشيته ~~ممن كان منطاش حبسهم - وهم الذين كانوا خرجوا عليه مع الناصري وخلعوه من ~~الملك - فلم يؤاخذ أحدا منهم أولا. # وأخلع على الناصري وقال [له] : هذا غريمك منطاش بالبلاد الشامية. ثم جهزه ~~الظاهر برقوق، وجعله مقدم العساكر لقتال منطاش. # وأخلع على الجوباني بنيابة دمشق - وهو أيضا ممن كان خرج عليه -؛ فتوجهت ~~العساكر إلى الشام، وانهزم منطاش منهم بعد أمور وقعت بينهم وبعد أن قتل ~~ألطبنغا الجوباني [نائب الشام] في المعركة، وتولى الناصري [عوضه في الشام] ~~. # [وتسحب منطاش إلى جهة نعير، ثم بلغ برقوق أن الناصري تهاون] [في أمر] ~~منطاش؛ فأسرها له، وتجرد إلى البلاد الشامية، وقبض عليه، وقتله بقلعة حلب ~~في أوائل ذي القعدة من سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. # ثم تتبع الظاهر برقوق أعداءه، إلى أن [قتلهم عن آخرهم] ، وأولهم منطاش، ~~وآخرهم مملوكه على باى. # PageV02P118 # ثم لما صفا الوقت للظاهر، أخذ في إنشاء مماليكه وحواشيه، فلا زال أمره ~~يعظم ومماليكه تكثر، إلى أن صارت مماليكه نوابه بجميع البلاد الشامية ~~وغيرها # واستمر على عظمته وضخامته، إلى أن ركب عليه مملوكه وأحد خواصه على باي ~~الخازندار في سنة ثمانمائة، وظفر به برقوق وقتله؛ فلم يقم بعد ذلك إلا ~~أشهرا ومرض، ومات في ليلة الجمعة نصف شوال سنة إحدى وثمانمائة بعد أن جاوز ~~الستين [سنة] ms166 من العمر. وكانت مدة تحكمه أتابكا بعد أن قبض على طشتمر ~~الدوادار أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام. # ومنذ تسلطن إلى أن مات ستة عشر سنة وأربعة أشهر وسبعة وعشرون يوما خلع ~~فيها - حسبما تقدم ذكره - بالملك المنصور ثمانية أشهر وستة عشر يوما. # وخلف [الملك] الظاهر برقوق ستة أولاد، ثلاثة ذكور وثلاثة بنات. # الذكور: فرج - الذي تسلطن بعده - عبد العزيز - الذي تسلطن بعد خلع أخيه ~~الناصر فرج - وإبراهيم. والبنات: سارة وبيرم وزينب. # وخلف من الذهب [العين] ألفي ألف دينار وأربعمائة ألف دينار. # وخلف من القنود والسكر والقماش وأنواع الفرو ما قيمته ألف ألف دينار ~~وأربعمائة ألف دينار. # PageV02P119 # وترك من الخيول نحو ستة آلاف فرس [وبغل] . ومن الجمال نحو خمسة آلاف جمل. # وبلغت عليق خيوله الخاص وبغاله وجميع تعلقات إصطبله في الشهر أحد عشر ألف ~~أردب شعير وفول. # قلت: وفي الجملة، هو أجل ملك جاء من بعده، لا من قبله إلى يومنا هذا. # PageV02P120 ### $ الملك الناصر # زين الدين أبو السعادات، فرج ابن [الملك] الظاهر برقوق ابن الأمير آنص، ~~الجاركسي الأصل. والسادس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثاني ~~من الجراكسة. # تسلطن صبيحة يوم موت والده في يوم الجمعة النصف من شوال سنة إحدى ~~وثمانمائة بعهد من أبيه. # وفي معنى سلطنته يقول الشيخ شهاب الدين أحمد [المقرئ الأوحدي] [- رحمه ~~الله -] . # (مضى الظاهر السلطان أكرم مالك ... إلى ربه يرقى إلى الخلد في الدرج) # (وقالوا: ستأتي شدة بعد موته ... فأكرمهم ربي وما جاء سوى فرج) # وكان [عمر الناصر هذا] يوم تسلطن دون العشر سنين. # وأمه أم ولد رومية تسمى: شيرين، تلوذ للوالد بقرابة. # وتم أمره في الملك، وصار الأتابك أيتمش مدبر مملكته، ويشاركه الوالد في ~~ذلك - وهو يوم ذاك أمير سلاح -. # PageV02P121 # ثم وقعت أمور، وتفرقت المماليك الظاهرية فرقتين: فرقة مع أيتمش - وهم ~~كبار الأمراء - وفرقة مع يشبك الخازندار - وهم أصاغر الأمراء -. # وآل الأمر بينهما إلى القتال؛ فانكسر [الأتابك] أيتمش بمن معه وتوجهوا ~~جميعا إلى تنم الحسنى الظاهري نائب الشام؛ فغضب [تنم] لغضبهم، وسار بجميع ~~العساكر ms167 الشامية وبمن قدم عليه مع أيتمش وغيره من أمراء مصر يريد مصر. # وخرج [الملك] الناصر بعساكر مصر، وتواقع مع الأمير تنم وأيتمش والوالد ~~بمن معهم؛ فكسر الجميع، وقتل غالبهم، إلا الوالد وآقبغا نائب حلب؛ فإنهما ~~حبسا. # واستولى يشبك وأقرانه من أصاغر الأمراء على [مملكة] مصر؛ فاضطربت أحوال ~~مصر؛ لسوء تدبيرهم واختلاف كلمتهم. # ثم قدم تيمور [لنك] إلى البلاد الشامية في سنة [ثلاث] وثمانمائة بعد وقعة ~~أيتمش بأشهر؛ فخرجت العساكر المصرية صحبة الناصر ثانيا إلى دمشق؛ فلم ينتج ~~أمرهم مع تيمور؛ لسوء تدبيرهم، لا لقلة عسكرهم. # PageV02P122 # وملك تيمور الشام من الوالد؛ فإنه كان ولي نيابة دمشق بعد أن قتل سودون ~~قريب الظاهر في أسر تيمور [المذكور] . # وعاد الناصر [إلى مصر] وصحبته الوالد والعساكر على أقبح وجه - وقد ذكرنا ~~ذلك كله مفصلا في غير هذا [المحل]-. # ثم بعد توجه تيمور أعيد الوالد إلى نيابة دمشق ثانيا. # ثم وقع فتن كثيرة بين الأمراء الظاهرية، وتداول ذلك بينهم سنين عديدة، ~~وأفنى بعضهم بعضا قتلا وحبسا. # وخرجت غالب بلاد مصر في تلك الأيام، واستمر ذلك وزاد، إلى أن ضجر [الملك] ~~الناصر فرج منهم وترك ملكه، وتسحب من القلعة من غير أن يكرهه أحد على ذلك، ~~وكان وقت تسحبه من القلعة في وسط نهار الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة ~~ثمان وثمانمائة. # واختفى الناصر؛ فلم يعرف له مكان. وبلغ الأمراء ذلك؛ فأجمع رأيهم على ~~سلطنة أخيه عبد العزيز؛ فطلب من الدور السلطانية، وتسلطن، ولقب [بالملك ~~المنصور] على كره منه. # وكانت مدة ملك [الملك] الناصر فرج [في] هذه المرة [الأولى] ست سنين وخمسة ~~أشهر وعشرة أيام. # PageV02P123 ### $ الملك المنصور # عز الدين، عبد العزيز ابن [الملك] الظاهر برقوق بن آنص. تسلطن بعد أن ~~تسحب [أخيه] الملك الناصر فرج في وقت عشاء الآخرة من ليلة الأثنين سادس ~~[عشرين] شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة؛ لكونه كان ولي [العهد من بعد] ~~أخيه فرج بوصية والده بذلك. # ولقب [بالملك المنصور] [أبي العز عبد العزيز] ، وهو لم يبلغ الحلم وأمه ~~أم ولد، ms168 تركية تسمى: قنق باى، ماتت بعد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. # وهو [السلطان] السابع والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثالث ~~من ملوك الجراكسة. # ولما تم أمره في الملك تلاشت أحوال المملكة؛ لإختلاف كلمة الأمراء، فإنه ~~كان يوم ذاك بيبرس هو الأتابك، وكان لين الجانب لا يلتفت إلى كلامه؛ فصار ~~كل أحد له حكم، حتى أصاغر المماليك، فلم يرض بذلك أحد. # والتفت كل أحد إلى عود [الملك] الناصر فرج، لاسيما الأمير يشبك الشعباني ~~الدوادار؛ فإنه كان في الدولة الناصرية له كلمة نافذة وعز. # PageV02P124 # فلما تسلطن المنصور هذا اضطربت الأمور، وتحكم غيره في المملكة؛ فعظم ذلك ~~عليه، وصار يتلفت إلى عود الناصر بكل ما تصل قدرته إليه. # فلما رأى سعد الدين [إبراهيم] بن غراب [ذلك]- وكان [الملك] الناصر مختفيا ~~عنده - أعلمه به؛ ففرح يشبك بذلك [وأخذ في التدبير لخروج الناصر وعوده إلى ~~الملك، إلى أن تم له ذلك] . # فلما كانت ليلة الجمعة رابع جمادى الآخرة [من] سنة ثمان وثمانمائة ~~[المذكورة] ظهر [الملك] الناصر فرج من بيت سودون الحمزاوي، وتلاحق به كثير ~~من الأمراء والمماليك السلطانية. ولم يطلع الفجر حتى ركب [الملك] الناصر ~~بآلة الحرب، وسار بمن معه يريد الطلوع إلى قلعة الجبل؛ منعه جماعة من ~~الأمراء من الطلوع وهم: سودون المحمدي، الأمير آخور، [و] أينال باي بن ~~قجماس، وبيبرس الأتابك، وسودون المارديني، ويشبك بن أزدمر في آخرين. # وقاتلوه ساعة، ثم إنهزموا. وملك الناصر قلعة الجبل، وخلع أخاه المنصور ~~هذا، وسكن روعه وأحسن إليه، وعاد إلى ملكه، وأمسك الأمراء المذكورين، ~~وحبسهم، وقتلهم. # PageV02P125 # وأما [الملك] المنصور هذا؛ فإنه استمر عند أمه بقلعة الجبل، إلى أن أخرجه ~~الناصر إلى الأسكندرية و [خرج] صحبته أخوه إبراهيم في صفر سنة تسع ~~وثمانمائة، وتوجه معهما الأمير قطلوبغا الكركي، والأمير أينال حطب. # وكانت مدة الملك المنصور في الملك شهرين وعشرة أيام؛ فلم تطل مدة المنصور ~~بالأسكندرية، ومات في ليلة الأثنين سابع شهر ربيع الآخر [من] سنة تسع ~~وثمانمائة، ثم مات عقبه أخوه إبراهيم من ليلته؛ فاتهم [الملك] الناصر في ~~موتهما. ms169 # PageV02P126 ### $ سلطنة الناصر [فرج] الثانية على مصر # تقدم ذكر نسبه وما وقع له من خلعه وعوده إلى الملك في ترجمة أخيه المنصور ~~عبد العزيز المقدم ذكره، فلا حاجة للإعادة. # ولما جلس [الملك] الناصر [هذا] على تخت الملك ثانيا استفحل أمره، واستبد ~~بأمور المملكة، وأمسك جماعة كثيرة من الأمراء وحبسهم، [ثم قتلهم] . ثم ~~اشتغل بمن خرج عليه من مماليك أبيه النواب بالبلاد الشامية مثل: نوروز ~~الحافظي وشيخ المحمودي وجكم العوضي [وغيرهم] . # ووقع له معهم أمور، وتجرد [نحو] ثماني تجاريد إلى البلاد الشامية بسببهم. # وطال الأمر، وتجاوزت الفتن الحد، وخربت في تلك الأيام غالب قرى [الديار ~~المصرية] والبلاد الشامية. # وصار حكم [الملك] الناصر [هذا] لا يتجاوز قطيا - في غالب الأحيان - ~~لاسيما لما تسلطن جكم العوضي بحلب تلاشى أمره وضعفت حرمته، إلى أن قتل جكم ~~بآمد تراجع أمره قليلا. # ومد الملك الناصر يده في القتل في مماليك أبيه، وأراد الإسراف في ذلك؛ ~~فأخذ الوالد يرجعه عن ذلك ويكفه - وهو يوم ذاك أتابكا - فانكف قليلا؛ لأنه ~~صار يخوفه عاقبة ذلك. # PageV02P127 # فلما أن ولي الوالد نيابة الشام ثالث مرة - على كره منه - خلي الجو للملك ~~الناصر؛ فأسرف في القتل، وأمعن حتى أنه قارب من قتله الألف. # ثم خرج الناصر بعد ذلك مجردا إلى البلاد الشامية لقتل نوروز وشيخ - ~~المقدم ذكرهما - وقد نفرت [منه] القلوب، وتغيرت الخواطر عليه؛ بسبب إسرافه ~~في القتل. # [قلت] : وهو معذور من وجه وغير معذور من وجه، أما الوجه الأول: فإنه ~~سامحهم في أوائل الأمر كثيرا، وعفى عن أكثرهم المرة والمرتين حتى أن عدوه ~~[الملك المؤيد] شيخ قال بعد موته: إن كان الله - سبحانه وتعالى - يعفوا عن ~~الملك الناصر؛ فيعفوا عنه بقتله للأمير تمراز النائب. # وحكاية تمراز مع الناصر مطولة، لا تليق بهذا المختصر، فلتنظر في ~~المطولات. # [ذكرناها هنا لتأييد ما قلناه] . # وحكى لي [الأمير جقمق الظاهري الحاجب] قال: ما صبر أحد على عدوه وعفى عنه ~~مثل الناصر، فإنه لم يقتل واحدا ممن قتل حتى عصى عليه المرة والمرتين ~~والثالثة. # [قلت] : ولم نر ms170 هذا وقع لملك بعده كائن من كان - صالحهم وطالحهم - بل كان ~~من خرج عليه [واحد مرة) لم يبلعه ريقه - من الملك المؤيد إلى يومنا هذا -. # PageV02P128 # وأما الوجه الثاني، فإن الإقدام على قتل النفس أمر كبير ينبغي للملك ~~وغيره التحرز منه والتحري فيه، والتجاوز عن القتل إلى غيره من: الحبس، ~~والنفي، والإرداع وغير ذلك. # ولما خرج [الملك] الناصر إلى البلاد الشامية في سنة أربعة عشر وثمانمائة ~~- وكان الوالد يوم ذاك النائبا على دمشق وهو متوعك في مرض موته - وتقدم ~~جاليش الملك الناصر من الأمراء إلى الشام أمامه، ودخل الجاليش [المذكور إلى ~~دمشق] قبل السلطان، وسلم الأمراء على الوالد، وأعلموه بالخروج على الناصر؛ ~~فنهاهم عن ذلك في الباطن؛ فلم ينتهوا، وتوجهوا بتمامهم إلى شيخ ونوروز؛ ~~فعند ذلك أخذ أمر الناصر في انحطاط، وعظم أمر الأمراء، وتكاثر عددهم حتى ~~جاوز عدة من كان مع نوروز وشيخ زيادة على عشرين مقدم [ألف] . كل واحد ~~[منهم] يقول في نفسه: أنه أعظم من شيخ ونوروز، وأن الأمر لا يصير إلا إليه، ~~مثل: بكتمر جلق نائب الشام، وسيدي الكبير قرقماس، وسودون المحمدي، وشاهين ~~الأفرم أمير سلاح، وطوغان الحسنى الدوادار الكبير في آخرين. # ودخل [الملك] الناصر إلى دمشق، ودخل للوالد غير مرة يعوده؛ فنهاه الوالد ~~عن ملاقاتهم وقتالهم؛ فلم ينته، ولا اكترث بمن تسحب من عسكره. وخرج ~~لقتالهم؛ فجبن الجميع عن مصاففته وقتاله، وصاروا ينتقلون من بلد إلى أخرى، ~~وهو في إثرهم سوقا، وعساكره متقطعة خلفه، إلى أن وافاهم وقت العصر من يوم ~~الأثنين ثالث عشر محرم سنة خمسة عشر وثمانمائة باللجون، وهو سكران لا يعي ~~من شدة السكر. # PageV02P129 # وكان الأمراء قد نزلوا وأراحوا خيولهم ورجالهم، وفي ظنهم أن الناصر يتمهل ~~[ليلته] عن قتالهم ويلقاهم من الغد، فإذا جنهم الليل ساروا من وادي عارة ~~إلى جهة الرملة، ولا يقاتلوه أبدا؛ لرعب كان قد سكن في قلوبهم منه، وأيضا ~~لشدة بأسه وفرط شجاعته، مع معرفتهم بكثرة جمعهم وباختلاف عسكر الناصر عليه. ~~ومع هذا جبن الجميع عن لقائه وقتاله؛ فحالما ms171 وصل الناصر إلى اللجون ركب وصف ~~عساكره، وقد كلت [خيوله ورجاله] من السوق أياما كثيرة؛ فكلمه الأتابك ~~دمرداش المحمدي في الراحة في تلك الليلة وفي القتال من الغد، وألح عليه، ~~وساعده في ذلك فتح الله كاتب السر؛ فلم يلتفت إلى كلامهما وقال: أنا لي ~~سنين أنتظر هذا اليوم متى ما ثبت الليلة هربوا الجميع في الليل، ومشى ~~عليهم؛ فحالما صاففهم عصى عليه [من أمرائه] الأمير قجق بجميع مماليكه ~~وطلبه. وتداول [ذلك] من جماعة كثيرة، وهو مع ذلك مصر على اللقاء. # فلما رأى الأمراء أمرهم في زيادة، وعسكرهم في نمو، قوي بذلك قلبهم، ~~وتصادم الفريقان؛ فلم يثبت عسكر الناصر وانكسر. # PageV02P130 # وانهزم الناصر إلى نحو دمشق في نفر قليل [نحو] الثلاثة، ودخل [دمشق] في ~~آخر ليلة الأربعاء خامس عشر المحرم [المقدم ذكره] . # ومات الوالد # -[رحمه الله]- # في ذلك اليوم ودفن بتربة تنم الحسنى نائب الشام. # واستولى الأمراء بعد الوقعة على الخليفة والقضاة والعصائب السلطانية، ~~وساروا يريدون دمشق؛ فتهيأ الناصر لقتالهم ثانيا، وقد قوي أمره ببرك الوالد ~~ومماليكه وخيوله وسلاحه؛ لأن الناصر استولى على جميع ما كان للوالد، حتى ~~أنه لم يدع لنا شيئا يساوي الدينار الواحد. # ثم وقع للناصر مع الأمراء أمور وحروب طالت أياما كثيرة؛ فسلطنوا الأمراء ~~الخليفة العباس، وخلعوا الناصر من الملك. # كل ذلك وهو مجتهد في قتالهم بالمدينة ثم بالقلعة، إلى أن أخذ بالأمان في ~~ليلة الأثنين حادي عشر صفر سنة خمس عشرة وثمانمائة؛ فأخذ وقيد، وحبس بقلعة ~~دمشق، إلى أن قتل بأيدي المشاعلية بالسكاكين في ليلة السبت سادس عشر صفر، ~~ثم ألقى على مزبلة وهو عاري البدن والناس تمر به، حتى حمل بعد أيام، وغسل ~~وكفن، ودفن بمقبرة باب الفراديس بمرج الدحداح. # PageV02P131 # قلت: هذا لقلة إنصاف أعدائه - مماليك أبيه - وعدم مروءتهم؛ وهو أن الرجل ~~إذا كان في نفسه من عدوه ثم ظفر به؛ فأعظم ما يجازيه بالقتل، ثم يكرمه ~~بالغسل والكفن والدفن؛ فلم يفعلوا هؤلاء مع الناصر ذلك، بل لو أمكنهم ~~إحراقه لحرقوه، ولعل هذا ينفعه عند الله تعالى. ms172 # وكان [الملك] الناصر كريما، شجاعا مقداما، مسرفا على نفسه، منهمك في ~~اللذات، وفيه خفة وجبروت وإقدام. # وكانت مدته في السلطنة أولا وآخرا من يوم تسلطن بعد موت أبيه إلى أن خلع ~~بأخيه عبد العزيز ست سنين وخمسة أشهر وعشرة أيام. # ومدة سلطنته الثانية إلى يوم خلع بالخليفة العباس ست سنين وعشرة أشهر ~~سواء؛ فجميع أيامه في الملك ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما. # وعاش بعد ذلك أياما في الحصار، وقتل - رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P132 ### $ المستعين بالله # أبو الفضل العباس، الخليفة ثم السلطان، أمير المؤمنين، وسلطان الديار ~~المصرية ابن الخليفة المتوكل على الله [أبي عبد الله] محمد ابن الخليفة ~~المعتضد أبي بكر ابن المستكفي سليمان ابن الحاكم [بأمر الله] أحمد بن الحسن ~~بن أبي بكر بن علي القبي ابن الخليفة الراشد منصور ابن المسترشد [الفضل] ~~ابن المستظهر [أحمد] ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر [بالله] جعفر ~~ابن المعتضد [أحمد] ابن الأمير طلحة الموفق ابن الخليفة المتوكل جعفر ابن ~~المعتصم محمد ابن الرشيد هارون ابن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، الهاشمي العباسي المصري. # بويع المستعين [هذا] بالخلافة بعد موت أبيه - بعهد منه إليه - في يوم ~~الأثنين مستهل شعبان سنة ثمان وثمانمائة، وكان ذلك بعد موت أبيه بأربعة ~~أيام. # واستمر في الخلافة سنينا، إلى أن تجرد صحبة [الملك] الناصر فرج إلى ~~البلاد الشامية في سنة أربع عشرة وثمانمائة - كما كان تجرد قبلها معه غير ~~مرة -. # فلما انكسر [الملك] الناصر [فرج] من الأميرين شيخ ونوروز بمن معهم ودخل ~~إلى دمشق، استولى الأمراء على الخليفة هذا والقضاة والعصائب السلطانية ~~[وعادوا إلى دمشق لقتال الناصر. فلما طال أمر الناصر # PageV02P133 # عليهم لم يجدوا بدا من سلطنة الخليفة؛ لأنه لك يكن حين ذاك عند الأمراء ~~أحد من أولاد السلاطين] ، وأيضا لم يكن في الأمراء من هو أهل لذلك؛ لأن كل ~~واحد منهم كان يقول في نفسه هو أحق بالأمر من غيره، ولا يذعن لسواه. # فلما كان ذلك ms173 اتفق رأي الجميع على سلطنة الخليفة المستعين هذا؛ فامتنع ~~الخليفة من ذلك غاية التمنع؛ فلا زالوا به حتى أذعن بعد أمور ذكرناها في ~~[تاريخنا] ((النجوم الزاهرة)) . # وولي السلطنة على كره منه، بعد شروط عديدة. # وتسلطن، وتم أمره، وأطاعته الأمراء منذ كان بدمشق. # فلما وقع الأتفاق على أن نوروز الحافظي يستقر في نيابة الشام جميعه - من ~~غزة إلى الفرات - ويستقر شيخ المحمودي أتابكا بمصر ومدبر مملكة المستعين ~~هذا، وعاد المستعين وصحبته شيخ وغيره إلى الديار المصرية، وسكن الخليفة ~~[هذا] بقلعة الجبل - على عادة السلاطين - وسكن شيخ بباب السلسلة؛ فلم يدع ~~شيخ للمستعين شيئا من الأمر والنهي، بل صار في السلطنة حسا وشيخ معناه. ~~وليته دام له ذلك {} . # ثم إن شيخا بدا له أن يتسلطن؛ فجمع القضاة، وخلع المستعين هذا، وتسلطن من ~~غير أن يوافق المستعين على خلع نفسه؛ فأكره حتى خلع غصبا. # PageV02P134 # واستمر بالقلعة محتفظا به على الخلافة؛ فكانت مدة سلطنته من يوم تسلطن - ~~خارج دمشق - إلى يوم خلع سبعة أشهر وخمسة أيام؛ فدام بقلعة الجبل خليفة، ~~إلى أن خلعه شيخ بأخيه [المعتضد] داود من الخلافة في يوم الخميس سادس عشر ~~ذي الحجة سنة ستة عشر وثمانمائة. # واستمر المستعين [هذا] محتفظا به بقلعة الجبل مدة يسيره، وحمل إلى ~~الأسكندرية؛ فسجن بها سنينا كثيرة، إلى أن أخرجه [الملك] الأشرف برسباى من ~~السجن، ورسم له أن يسكن ببعض دور الأسكندرية؛ فوقع له ذلك. # ودم [بها] ، إلى أن توفى بالطاعون في يوم الأربعاء العشرين من جمادى ~~الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. # وعهد بالخلافة من بعده [إلى ولده] يحيى، على زعمه أنه مستمر في الخلافة، ~~وأن خلعه منها لم يصادف [محلا؛ فلم يمش لولده] [ذلك - رحمه الله تعالى]-. # PageV02P135 ### $ الملك المؤيد # [أبو النصر] ، شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري. # الثامن والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والرابع من الجراكسة. # كان أصله من مماليك الظاهر برقوق، اشتراه من خواجا محمود شاه اليزيدي، ~~وأعتقه، ورقاه حتى جعله ساقيا، ثم أمير عشرة، ثم طبلخاناه. # وسافر أمير حاج المحمل في ms174 سنة إحدى وثمانمائة، ثم تقدم ألف بعد موت ~~أستاذه الملك الظاهر على إقطاع بجاس، ثم تنقل بعد ذلك في عدة ولايات، وولي ~~نيابة طرابلس. # وأسره تيمور [لنك] فيمن أسر من نواب البلاد الشامية، ثم هرب [منه] . # ووقع له أمور مع الملك الناصر ومحن، ومسك، وحبس. # ولازال في خلاف وعصيان، إلى أن كان من أمر الناصر فرج ما حكيناه، وتسلطن ~~المستعين، وصار شيخ هذا أتابكه؛ فوثب على الأمر، وتسلطن في يوم الأثنين ~~مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة. # PageV02P136 # وتم أمره في الملك، وحال بلغ الأمير نوروز الحافظي أمر سلطنته خرج عن ~~طاعته، واستمر يدعو للمستعين بغالب البلاد الشامية. # ووقع بسبب ذلك بين الملك المؤيد [هذ] وبين نوروز أمور وحروب، إلى أن أخذه ~~المؤيد، وقتله بقلعة دمشق في سنة سبع عشرة وثمانمائة. # وعاد إلى الديار المصرية بعد أن مهد أمور البلاد الشامية بأجمعها؛ فلم ~~يمض إلا سنة واحدة وأشهر وعصى [الأمير] قانى باى المحمدي نائب الشام عليه. ~~ووافقه نائب حلب أينال الصصلاني، ونائب طرابلس سودون من عبد الرحمن، وتنبك ~~البجاسي نائب حماة وغيرهم. # فتجرد لهم المؤيد ثانيا، وواقعهم، وأمسك قانى باى المذكور وأينال ~~الصصلاني وغيرهما من الأمراء، وحز رؤوسهم، وأرسلها إلى الديار المصرية. ~~وهرب من بقى من النواب إلى بلاد الشرق إلى عند قرا يوسف. # ثم تجرد الملك المؤيد ثالث مرة في سنة عشرين وثمانمائة إلى البلاد ~~الشامية، وافتتح عدة قلاع، وعاد إلى مصر. # ودام به في أرغد عيش مع ما كان يعتريه من ألم المفاصل، حتى أنه لما قوي ~~عليه ذلك أقعد؛ فصار يحمل على الأكتاف، ويتنقل إلى الأماكن في محفة، ولا ~~يبرح بالقلعة في الشهر إلا أياما يسيرة، بل غالب أيامه بساحل بولاق ~~والمفترجات، ويعمل هناك المواكب والخدم، حتى جاوز الحد في ذلك. # PageV02P137 # ومن أراد أن يقف على نص ترجمته؛ فعليه [بتاريخنا ((النجوم] الزاهرة)) ، ~~[وإن كنا استوعبنا أحواله في تاريخنا ((المنهل الصافي)) ، غير أن ((النجوم ~~الزاهرة)) أوسع وأكثر ضبطا؛ لكونه موضوعا لملوك مصر فقط] . إنتهى. # واستمر الملك المؤيد على ذلك، ms175 إلى أن قوي عليه مرض المفاصل وتسلسل من مرض ~~إلى آخر، ولزم الفراش أشهرا، إلى أن مات في يوم الأثنين تاسع محرم سنة أربع ~~وعشرين وثمانمائة، وقد أناف على خمسين سنة [من العمر] . # وكانت مدة سلطنته على مصر ثماني سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام. # وتسلطن بعده ابنه [الملك] المظفر، وعمره سنة واحدة وثمانية أشهر وسبعة ~~أيام. # وكان الملك المؤيد سلطانا شجاعا، مقداما مهابا، عارفا بأنواع الفروسية ~~ومكر الحروب، كريما على من استحق الكرم، بخيلا على كل عار وجاهل. # وكانت أسواق ذوي الفنون نافقة في أيامه؛ لجودة فهمه وذوقه بالنسبة إلى ~~أبناء جنسه. # وكان معظما للشريعة، محبا للعلماء والفضلاء، يميل إلى اللهو والطرب، ~~مسرفا على نفسه، غير أنه مات بعد توبة صادقة في مرض موته. # PageV02P138 # [وكانت صفته] : طوالا، بطينا، واسع العينين أشهلهما، أكث اللحية، بادي ~~الشيب، جهوري الصوت، حاد المزاج، وفيه سفه وبذاءات لسان. # وقد أرماه المقريزي بأمور كان الأليق الإضراب عنها؛ لما كان عنده مما ~~يقاوم ذلك من المحاسن. ولو لم يكن فيه إلا محبة العلماء وإجلال الشرع لكفاه ~~[ذلك. إنتهى] . # PageV02P139 ### $ الملك المظفر # أبو السعادات، أحمد ابن [الملك] المؤيد شيخ [المحمودي الظاهري] . # تسلطن بعد موت أبيه بعهد منه إليه على مضي خمس درج من نصف نهار الأثنين ~~تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وعمره يوم ذاك سنة واحدة [وثمانية ~~أشهر وسبعة أيام] . # وأمه خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش في قيد الحياة إلى يومنا هذا. ~~والمظفر هذا هو السلطان التاسع والعشرون من ملوك الترك، والخامس من ~~الجراكسة - نظرا إلى الأصل في جواب من سأل عن نوعه؛ ففصله بجاركسي الجنس. # ولما تم أمره في الملك استقر الأمير ططر أمير مجلس مدبر مملكته؛ لغياب ~~الأتابك ألطنبغا القرمشي وغيره في تجريدة البلاد الشامية؛ لأن [الملك] ~~المؤيد كان قد جعل الأمير ألطنبغا القرمشي مدبر مملكة ولده هذا، فمات ~~المؤيد والقرمشي غائبا؛ فوثب ططر على الأمر، ونفق الأموال. واستبد بأمور ~~المملكة من غير منازع في ذلك، وأرضى من كان عنده من المماليك المؤيدية ~~بالأموال والإقطاعات والوظائف ms176 وغيرها. # PageV02P140 # وبلغ الأمير جقمق الأرغون شاوى نائب الشام أمره؛ فحالف عليه، وكذلك يشبك ~~المؤيدي نائب حلب. # ووقع بالبلاد الشامية عدة حروب وفتن حتى تفانوا قتلا؛ فركب يشبك على ~~القرمشي ومن معه بظاهر حلب؛ فقاتله القرمشي وهزمه، وقتل يشبك في المعركة. # ثم قدم القرمشي إلى دمشق؛ فواقعه جقمق أيضا، وانكسر، وانهزم إلى صرخد، ~~وملك القرمشي دمشق. # كل ذلك وططر قد تجهز إلى السفر من مصر إلى البلاد الشامية. وخرج بالملك ~~المظفر أحمد [هذا] معه إلى دمشق؛ فخرج القرمشي إلى لقائه وقبل الأرض بين ~~[يديه، وعاد في خدمة المظفر] [إلى دمشق] ؛ فقبض عليه ططر وعلى جماعة كثيرة ~~من أصحابه الأمراء؛ فكان ذلك آخر العهد [به] . # ثم أرسل ططر لحصار جقمق جماعة، ولازال به حتى قبض عليه، وقتله أيضا. وصفا ~~الوقت لططر بقتل هؤلاء الملوك. ثم التفت إلى المؤيدية؛ فقبض في يوم واحد ~~على جماعة كثيرة منهم وحبسهم، وفرق اقطاعاتهم ووظائفهم على خجداشيته ~~وحواشيه؛ فعند ذلك بدا له أن يتسلطن؛ فخلع الملك المظفر هذا، وتسلطن في يوم ~~الجمعة تاسع عشرين شعبان سنة أربع وعشرين وثمانمائة. # PageV02P141 # وكان الأتابك ططر تزوج بخوند سعادات أم المظفر هذا. فلما [خلعه من] الملك ~~طلقها. ثم عاد ططر [بالملك المظفر إلى الديار المصرية] . # واستمر [الملك] المظفر بقلعة الجبل مدة، ثم نقل مع أخيه إبراهيم إلى سجن ~~الأسكندرية؛ فداما بها إلى أن ماتا بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين ~~وثمانمائة؛ فكانت مدة ملكه سبعة أشهر وعشرين يوما. # وكان موت المظفر [هذا] في ليلة الخميس آخر جمادى الأولى [من] سنة ثلاث ~~وثلاثين المذكورة. # ودفن المظفر وأخوه بالثغر، ثم نقلا منه إلى القاهرة، ودفنا بالجامع ~~المؤيدي - داخل باب زويلة في قول، وخارج بابي زويلة في قول؛ لأن بابي زويلة ~~كانا عند الغرابليين وقد ذهب أثرهما، وباب زويلة الآن هو باب الأفضل أمير ~~الجيوش؛ لأن [باب زويلة سمى على اسم بابي زويلة، فهذا تفسير ما قلناه: داخل ~~باب زويلة في قول، وخارج بابي زويلة في قول]-. # [و] كان [الملك] المظفر ذا شكالة حسنة، ومنظر ms177 بهى، إلا أنه كان بعينيه ~~حول فاحش. وحصل له ذلك عندما أجلسوه على تخت الملك؛ [لأنه لما أجلس على تخت ~~الملك] استوحش لمرضعته؛ فبكى؛ فطلبت؛ وأقعدت بجانبه؛ فسكت، ثم دقت الكوسات ~~على حين غفلة؛ فارتعب من ذلك وحصل له ما حصل. # PageV02P142 # [قلت] : أفادته السلطنة الحول والسجن إلى أن مات. كل ذلك من [سوء] تدبير ~~والده، حيث جعل العهد في مثل هذا الطفل الصغير. - وهو أحد من نازع [ابن] ~~أستاذه [الملك الناصر فرج] في الملك، وهو هو [والمجازاة من جنس العمل] ، ~~إنتهى -. # PageV02P143 ### $ الملك الظاهر # سيف الدين [أبو الفتح] ، ططر الظاهري. # تسلطن بعد خلع الملك المظفر أحمد بن شيخ في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان ~~سنة أربع وعشرين وثمانمائة. # وهو [السلطان] الثلاثون من ملوك الترك وأولادهم [بالديار المصرية. ~~والسادس من الجراكسة وأولادهم] . # وأصله من [صغار] مماليك الظاهر برقوق، وأعتقه، وجعله من جملة المماليك ~~السلطانية. ثم انضم على جكم من عوض نائب حلب بعد موت الظاهر، وصار من ~~أصحابه، ثم انضم على [الأميرين] شيخ ونوروز، ودام معهما، إلى أن قتل ~~[الملك] الناصر، صار من جملة [أمراء العشرات] ، ثم صار أمير طبلخاناة، ثم ~~[أمير مائة و] مقدم ألف. # كل ذلك في الدولة المؤيدية [شيخ] ، ثم صار رأس نوبة النوب، ثم أمير مجلس. # PageV02P144 # ومات المؤيد وهو على ذلك. وكان الأتابك ألطنبغا القرمشي - وهو غائب ~~بالبلاد الشامية مع عدة أمراء - وأمير سلاح قجقار القردمي. # [فلما مات المؤيد وطلعت الأمراء لمواراته، قبض ططر على قجقار القردمي ~~أمير سلاح] وحبسه؛ لعظم شوكته من أبناء جنسه الجراكسة؛ لأن قجقار [القردمي] ~~كان تركي الجنس؛ فاستبد ططر بعد قبضه بأمور المملكة؛ وصار مدبر مملكة ~~المظفر. [وبهذا الطريق] دخل من باب أوصله إلى قصده. # ومع هذا كله، لم يتهن بالملك، وأدركته منيته - حسبما نذكره -. # ولما صار ططر مدبر مملكة [الملك] المظفر أخذ في تألف قلوب المماليك ~~المؤيدية؛ فأحسن إليهم الأحسان البالغ، وصار [يطاوعهم فيما يروموه وفيما ~~أرادوا] من سائر الأشياء، وهو مع ذلك ينشئ خجداشيته من الظاهرية، ويبرم ~~أمره معهم في الباطن. ms178 # هذا، والمؤيدية فيما هم فيه من أخذ الإمريات والوظائف والفتك في الدولة؛ ~~فمنهم من صار دودارا كبيرا من إمرة عشرة دفعة واحدة [وغير ذلك] ، وهو على ~~باى المؤيدي، وكذلك تغرى بردى أخو قصروه صار أمير آخورا كبيرا من إمرة عشرة ~~دفعة واحدة [وغيرهما] . # PageV02P145 # ولا يسع ططر إلا أنه يدور معهم حيثما داروا، إلى أن يتم له ما أبرمه. ~~واستمر على ذلك حتى خرج بالمظفر [من مصر] إلى البلاد الشامية، وقتل ~~[ألطنبغا] القرمشي [الأتابك] وجقمق نائب الشام وغيرهما. # وهان عليه أخذ المؤيدية، وساعده في ذلك مجئ جماعة من خجداشيته من بلاد ~~الشرق ممن كان هرب من المؤيد في وقعة قانى باى [نائب الشام] ؛ فقوي أمره مع ~~ما زاد [من] [أمر] المؤيدية عليه من الإلحاح في الطلب والوثوب على الوظائف ~~السنية؛ فأجمع رأيه على مسكهم؛ فقبض عليهم في يوم واحد، وحبس غالبهم ~~بالبلاد الشامية، وفرق إقطاعاتهم ووظائفهم على خجداشيته الظاهرية بعد أن ~~تسلطن. # ولما مسك [هؤلاء] المؤيدية صفا [له] الوقت [وتسلطن حسبما ذكرناه] ، ولقب ~~[بالملك الظاهر] [ططر] ، على لقب أستاذه [الظاهر] برقوق. # PageV02P146 # وكانت سلطنته بقلعة دمشق، ثم سار منها بعد أيام يريد القاهرة؛ فمرض في ~~أثناء الطريق، وصار يتعلل، إلى أن وصل إلى الديار المصرية ودخلها [راكبا] ، ~~وحضر عدة مواكب، ثم لزم الفراش، إلى أن مات في يوم الأحد رابع ذي الحجة ~~[من] سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وله نحو خمسين سنة. # ودفن من يومه بالقرافة بجوار الليث بن سعد - رحمة الله عليه -؛ فكانت مدة ~~ملكه بالشام ومصر أربعة وتسعين يوما لاغير، حمل فيها نفسه ما حسابه على ~~الله [تعالى] ، ومهد [لغيره] . # وعهد لولده الملك الصالح محمد بالملك من بعده، وجعل الأتابك جانبك الصوفي ~~مدبر ملكه - حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. # PageV02P147 ### $ الملك الصالح # محمد ابن [الملك الظاهر] ططر [الظاهري] . # وهو الحادي والثلاثون من ملوك الترك، والسابع من الجراكسة. # تسلطن بعد موت أبيه الظاهر ططر في يوم الأحد رابع ذي الحجة سنة أربع ~~وعشرين وثمانمائة، وعمره نحو عشر سنين [تخمينا] . # وهو رابع ms179 سلطان حكم مصر في سنة أربع وعشرين. # ولما استقر في السلطنة صار الأتابك جانبك الصوفي مدبر مملكته؛ فلم يتم ~~[له] ذلك، ووقع بينه وبين الأميرين برسباى الدقماقى الدوادار الكبير وطرباى ~~الظاهري حاجب الحجاب، وثارت الفتنة بينهم في يوم عيد النحر، وخذل جانبك ~~الصوفي جماعة من الأمراء؛ موافقة لبرسباى وطرباى. # وآل الأمر إلى القبض على جانبك الصوفي [المذكور] ، وحبسه بسجن ~~الأسكندرية. # وصار المتكلم في المملكة برسباى [الدقماقي] ويشاركه [في ذلك خجداشه] ~~طرباى؛ فلم يطل ذلك، ووقع بينهما أيضا وحشة. وكثر الكلام في أمرهما، إلى أن ~~استفحل أمر برسباى، وقبض على طرباى [المذكور] وحبسه بسجن الأسكندرية أيضا. # PageV02P148 # واستبد بأمور المملكة [برسباى] من غير مشارك، إلى أن [قبض على الصالح ~~وخلعه] من الملك وتسلطن عوضه # -[حسبما يأتي ذكره في محله، إن شاء الله تعالى]- # وكان خلع [الملك] الصالح [المذكور] في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر ~~[من] سنة خمس وعشرين وثمانمائة. # وكانت مدة سلطنته ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما، لم يكن له فيها إلا مجرد ~~الأسم فقط. # ولما خلع [الملك] الصالح من السلطنة استمر عند والدته خوند بنت سودون ~~الفقيه بالدور السلطانية بقلعة الجبل من غير ترسيم ولا تحفظ، بل كان يتوجه ~~حيث شاء من قلعة الجبل كعادة الصغار [من] أولاد الأسياد. # وأغرب من ذلك أنه كان يركب في بعض الأحيان في خدمة المقام الناصري محمد ~~ابن [الملك] الأشرف برسباى، وينزل إلى القاهرة، ويسير على ميمنته كآحاد ~~أولاد الأمراء الذين بخدمته. # PageV02P149 # وربما نام [في] بعض الليالي بالمدرسة الأشرفية [بالقاهرة لما توفيت زوجة ~~[الملك] الأشرف برسباى، ودفنت بقبة الأشرفية] [المذكورة] . وكان [الملك] ~~الصالح مقاربني في السن، وكان عنده نوع بله، مع خفة وطيش، ويقع له في كلامه ~~أمور منها: أنه كان يسمى الفرس [البوز: أبيض] ؛ فكلمه بعض مربيه في ذلك، ~~وأمره أن يسميه: بوز؛ فحفظ ذلك، وصار يقوله. فلما كان في بعض الأيام طلب ~~سلطانية صيني؛ فقيل له: أي لون تريده من الصيني؟ فقال سلطانية بوز {} . ~~فنهره بعض من حضر؛ فقال: لالتى علمني كذا. وله ms180 أشياء كثيرة من ذلك [النمط] ~~. # ولما كبر زوجه الملك الأشرف بنت الأتابك يشبك الأعرج. # واستمرت عنده، إلى أن مات بالطاعون بقلعة الجبل في ليلة الخميس ثاني ~~عشرين جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وعمره نحو العشرون سنة - ~~رحمه الله [تعالى]-. # PageV02P150 ### $ الملك الأشرف # سيف الدين أبو النصر، برسباى الدقماقي الظاهري. # تسلطن بعد خلع [الملك] الصالح محمد في يوم الأربعاء ثامن عشر [شهر] ربيع ~~الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة. # وهو [السلطان] الثاني والثلاثون من ملوك الترك بديار مصر، والثامن من ~~الجراكسة وأولادهم. # أخذ من بلاد الجاركس وأبيع ببلاد القرم لبعض التجار؛ فجلبه التاجر ~~[المذكور] إلى جهة الشام؛ فابتاعه منه [الأمير] دقماق المحمدي الظاهري نائب ~~ملطية. # ثم قدمه الأمير دقماق إلى [أستاذه] الملك برقوق في جملة مماليك - ذكرنا ~~سبب تقدمته في [ترجمته من] تاريخنا ((النجوم الزاهرة)) ، [وغيره بأطول من ~~هذا]-. # PageV02P151 # ولما أخذه [الملك] الظاهر برقوق جعله من جملة مماليك الأطباق - بطبقة ~~الزمامية - أنيا لجاركس القاسمي المصارع. # ثم أعتقه قبل موته بمدة يسيرة، ثم ترقى في الدولة الناصرية [فرج] ، [إلى ~~أن] صار ساقيا، ثم انضاف إلى [الأميرين] شيخ ونوروز. وبقي معهم في [تلك ~~الفتن] ، إلى أن ملك [الملك] المؤيد [شيخ] الديار المصرية أمره عشرة، ثم ~~طبلخاناه، ثم تقدمة ألف، ثم ولاه نيابة طرابلس بعد عزل [الأمير] بردبك عنها ~~في ثالث عشرين [شهر] ربيع الأخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة؛ فلم تطل مدته ~~بطرابلس، وعزل [عنها] ، وأمسك، وحبس بسجن المرقب مدة، ثم أطلق، وأنعم عليه ~~[بإمرة مائة] بتقدمة ألف بدمشق؛ فدام بها، إلى أن قبض عليه [الأمير] جقمق ~~[الأرغون شاوى] نائب الشام عند خروجه عن الطاعة بعد موت [الملك] المؤيد ~~[شيخ] ؛ فدام في السجن، إلى أن أطلقه الأتابك ألطنبغا القرمشي. # PageV02P152 # فلما آل الأمر إلى [الملك] الظاهر ططر رقاه، وأنعم عليه بتقدمة ألف ~~بالديار المصرية، وجعله دوادار كبيرا بعد مسك [الأمير] على باى المؤيدي. # واستمر على ذلك، إلى أن مات ططر، ووقع له ما ذكرناه في ترجمة الملك ~~الصالح محمد بن ططر، إلى أن تسلطن، وتم أمره. ms181 # ولما تسلطن الملك الأشرف [هذا] في يوم الأربعاء المقدم ذكره، وأصبح [في] ~~يوم الخميس [ثانيه] أخلع على الأمراء [وغيرهم] ؛ فكان ممن خلع عليه من ~~الأمراء الأتابك بيبغا المظفري باستقراره أتابكا. وأخلع على الأمير قجق ~~باستقراره أمير سلاح، وعلى آقبغا التمرازي أمير مجلس، وعلى سودون من عبد ~~الرحمن دوادارا كبيرا، وعلى قصروه من تمراز أمير آخورا كبيرا، وعلى الأمير ~~جقمق العلائي حاجب الحجاب، وعلى أزبك المحمدي رأس نوبة النوب. ثم في يوم ~~الثلاثاء أخلع على الأمير تنبك [العلائي] ميق باستقراره على نيابة الشام، ~~وتوجه من يومه إلى محل كفالته. # واستمر الملك الأشرف في السلطنة سنين كثيرة، وطالت أيامه وحسنت. # PageV02P153 # وغزا عدة غزوات، جهز فيها العساكر المصرية والشامية، إلى أن افتتح مدينة ~~قبرس، وأسر ملكها في سنة تسع وعشرين [وثمانمائة] ، وهو لم يتحرك من قلعة ~~الجبل. # ثم سافر إلى جهة ديار بكر بالعساكر في [سنة] ست وثلاثين، وحصر آمد، ثم ~~عاد إلى الديار المصرية، ودام بها، إلى أن توفي بعد مرض طويل في يوم السبت ~~الثالث عشر من ذي الحجة من سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن من يومه قبل ~~الغروب بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج القاهرة. # وتسلطن من بعده ولده الملك العزيز يوسف بعهد منه إليه. # وكان الملك الأشرف رجلا طويلا رشيقا، أبيض اللحية، صبيح الشكل، عاقلا ~~مدبرا، سيوسا جليلا، ذا وقار وسكينة وحرمة ومهابة، ولين جانب وتواضع. # وكان متجملا في مركبه [وملبسه] [وحاشيته] ومماليكه، وكان محبا لجمع ~~الأموال. وخلف في الخزانة من [الأموال و] الأمتعة والأقمشة شيئا كثيرا # -[لا يعد ولا ينحصر]- # . وزادت مماليكه المشتروات على ألفي مملوك، [بل] قريبا من ثلاثة آلاف. # وعمر المدرسة الأشرفية بالقاهرة، وأوقف عليها أوقافا كثيرة. # PageV02P154 # وعمر أيضا جامعا بخانقاة سرياقوس، ووقف عليه [أيضا] عدة أوقاف. # وفتحت على يديه مدينة قبرس وأسر ملكها - حسبما تقدم ذكره -. [وهذا لم يقع ~~لملك من ملوك الترك غيره. # وطالت أيامه وحسنت. ومع طول مكثه في السلطنة لم يتجرد إلا مرة واحدة، وهي ~~سفرة آمد. # وبالجملة، إنه كان لا بأس به بالنسبة ms182 إلى غيره - رحمه الله تعالى -] # وكانت مدة سلطنته ستة عشر سنة وثمانية أشهر وستة أيام [- رحمه الله -] . # PageV02P155 ### $ الملك العزيز # جمال الدين أبو المحاسن، يوسف [بن الملك الأشرف] . # تسلطن بعد موت أبيه في آخر يوم السبت الثالث عشر من ذي الحجة [الحرام] ~~سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بعهد من أبيه. # وهو [السلطان] الثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، والتاسع من ~~الجراكسة. # وأمه أم ولد جاركسية تسمى: جلبان [تزوجها أبوه بعد مولده] . # وتسلطن وعمره أربعة عشر سنة وأشهرا [تخمينا. وتم أمره في السلطنة] ، وصار ~~الأتابك جقمق العلائي مدبر مملكته؛ فخالف عليه جماعة من مماليك [أبيه] ، ~~وصاروا يشاركونه في تدبير الملك، والأتابك جقمق سامعا ومطيعا، إلى أن وقع ~~الخلف بينهم، وانضم [أحد] جماعة [منهم] على الأتابك جقمق، وندبوه إلى ~~القيام بنصرتهم على خجداشيتهم المذكورين؛ فوافقهم على ذلك. # ثم انضم على الأتابك جماعة [أخر] من المؤيدية؛ والناصرية؛ والسيفية؛ ~~فقويت شوكته بهؤلاء. # PageV02P156 # ولازال أمره ينمو والأقدار تساعده، إلى أن خلع [الملك] العزيز [هذا] ~~وتسلطن [هو] بعد أمور حكيناها [مفصلة] [في غير] [هذا الموضع] من مصنفاتنا. # وكان خلع الملك العزيز في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة ~~إثنتين وأربعين وثمانمائة. # فكانت مدة مملكته [نحو من] خمسة وتسعين يوما [لم يكن له فيها إلا مجرد ~~الأسم فقط] . # ولما خلع الملك العزيز أحتفظ به بقلعة الجبل؛ ثم رسم له بالسكنى بقاعة ~~البربرية بالدور السطانية بقلعة الجبل؛ فسكنها، إلى أن تسحب منها ونزل إلى ~~القاهرة واختفى أياما. ثم ظفر به الملك الظاهر [به] ، وحبسه بقلعة الجبل ~~أياما، ثم أخرجه إلى الأسكندرية؛ فسجن بها إلى [يومنا هذا] # -[أحسن الله عاقبته]- # PageV02P157 ### $ الملك الظاهر # [سيف الدين] أبو سعيد جقمق العلائي الظاهري. # السلطن الرابع والثلاثون من ملوك الترك، والعاشر من الجراكسة. تسلطن يوم ~~خلع [الملك] العزيز يوسف، وهو يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة ~~إثنتين وأربعين وثمانمائة، على مضى سبع عشرة درجة من النهار، والطالع برج ~~الميزان [بعشر درجات وخمس وعشرين دقيقة. وكانت الشمس] في السادس والعشرين ~~من السنبلة، والقمر من ms183 العاشر من الجوزاء [وزحل في الثاني والعشرين من ~~الحمل، والمشتري في السابع عشر من القوس، والمريخ في الخامس من الميزان، ~~والزهرة في الحادي عشر من الأسد، وعطارد في الرابع عشر من السنبلة، والرأس ~~في الثاني من الميزان] . # وجلس على سرير الملك، وتم أمره. وأصبح من الغد [في] يوم الخميس أخلع على ~~جماعة من الأمراء وغيرهم؛ فاستقر بالأمير قرقماس الشعباني أتابكا # -[عوضا عن نفسه]- # وبالأمير آقبغا التمرازى # PageV02P158 # أمير سلاح - عوضا عن قرقمس [المذكور]-، وبالأمير يشبك السودوني [المشد] ~~أمير مجلس - عوضا عن آقبغا التمرازى -، وبالأمير تمراز القرمشي أمير آخور ~~كبيرا - عوضا عن جانم الأشرفي [بحكم حبسه]-، وبالأمير قراقجا الحسني رأس ~~نوبة النوب - عوضا عن عمراز القرمشي - وبالأمير تغرى بردى البكلمشي المؤذي ~~حاجب الحجاب - عوضا عن يشبك السودوني -. وأخلع على أركماس الظاهري ~~باستمراره على وظيفته الدوادارية الكبرى. # ثم أنعم على جماعة أخر بعدة تقادم وطبلخانات وعشرات وإقطاعات كثيرة ~~[ذكرنا غالبها في ترجمته في تاريخنا ((النجوم الزاهرة)) وغيره] . # ثم شرع في نفقة المماليك السلطانية؛ فأعطى لكل واحد مائة دينار. # ثم في أثناء ذلك خرج الأمير قرقماس عن طاعته؛ فواقعه [الملك] الظاهر ~~[المذكور] ؛ فانهزم قرقماس، واختفى، ثم ظفر به، وسجن بثغر الأسكندرية، ثم ~~ضربت رقبته. # PageV02P159 # ثم خرج من طاعته تغرى برمش نائب حلب، ثم أينال الجكمي نائب الشام؛ فجهز ~~إليهما العساكر؛ فقاتلوهما واحدا بعد واحد، وظفر بهما وقتلهما. [وقد ذكرنا ~~هذا كله مفصلا مطولا في أوراق كثيرة يضيق هذا المختصر عن إيراد شيء منها] . # وبعد قتل هؤلاء صفا الوقت للملك الظاهر، وأخذ وأعطى، وقرب أقواما وأبعد ~~آخرين. # ولم يزل في ملكه والأقدار تساعده، إلى أن مرض في [أثناء] سنة ست وخمسين ~~[وثمانمائة] . # وتمادى به المرض أشهرا، إلى أن خلع نفسه من الملك في يوم الخميس حادي ~~عشرين المحرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، [وفوض الملك لولده] الملك المنصور ~~[أبو السعادات] عثمان. # ولزم الملك الظاهر الفراش، إلى أن مات في ليلة الثلاثاء رابع صفر [من] ~~سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وصلى عليه الخليفة القائم بأمر الله حمزة [بباب ~~القلة ms184 من قلعة الجبل من الغد] ، وحضر ولده الملك المنصور عثمان الصلاة ~~عليه. # PageV02P160 # [وكانت جنازته مشهودة] [من غير هوج ولا غوغاء، بخلاف جنائز الملوك؛ وذلك ~~لطمأنينة الناس بسلطنة ولده قبل تاريخه] . # ودفن بتربة أخيه [الأمير] جاركس القاسمي المصارع التي جددها مملوكه قاناى ~~باى الجركسي تجاه القلعة بالقرب من دار الضيافة. # وكان [الملك] الظاهر ملكا دينا، خيرا [عفيفا] ، كريما، متواضعا، محبا ~~للفقهاء والعلماء والصلحاء [والأيتام] ، (غير أنه كان يقع منه في بعض ~~الأحيان اخراق ببعض من هو متلبس بأخلاق الفقهاء وكان ذلك - غالبه - من ~~وسائط السوء؛ لأنه كان على قاعدة الأتراك، عنده الدعوى لمن سبق، مع حدة ~~كانت فيه وبادرة. # وبالجملة، كانت محاسنه وكرمه أكثر من مساوئه [كما قيل] : # (ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء فخرا أن تعد معايبه) # وكان - رحمه الله - عفيفا عن المنكرات والفروج، بحيث أنه لا نعلم من ملك ~~مصر قبله ولا بعده من ملوك الترك - بل ولا غيرها - أعف منه، وأنا أدري ما ~~أقول. # وكانت صفته: للقصر أقرب، حسن الشكل، منور الشيبة) . # PageV02P161 # [وكان] فصيح اللسان، فاضلا متفقها، يذاكر بالمسائل [الفقهية] ، كثير ~~التعصب لمذهب الإمام [الأعظم] أبي حنيفة - رضي الله عنه -. # ومات وسنه نحو ثمانين سنة. # وكانت مدة سلطنته [على مصر] أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ويومان # -[أعني من يوم تسلطن إلى يوم خلع بإبنه المنصور عثمان]- # وعاش بعد خلعه [من السلطنة] نحو إثنا عشر يوما. # وأما أصله: كان جاركسي [الجنس] جلبه خواجا كزل إلى مصر، فابتاعه منه ~~العلائي على بن الأتابك أينال اليوسفي، ثم انتقل منه إلى [الملك] الظاهر ~~برقوق، وصار من جملة الخاصكية، ثم صار ساقيا في الدولة الناصرية فرج، ثم ~~إمرة عشرة، ثم أمسك، وحبس، ثم أطلق، ثم صار أمير طبلخاناه وخازندار في ~~الدولة المؤيدية [شيخ] ، ثم صار بعد # PageV02P162 # موت المؤيد [أمير مائة] ومقدم ألف، ثم صار في الدولة الأشرفية حاجب ~~الحجاب، ثم أمير آخور [كبير] ، ثم أمير سلاح، ثم أتابك، إلى أن تسلطن # -[وقد ذكرنا تنقلاته في هذه الوظائف محررا باليوم والوقت، وعمن أخذ ms185 كل وظيفة من إبتداء أمره إلى إنتهائه في تاريخنا ((النجوم الزاهرة)) ، وأيضا في مصنفنا ((المنهل الصافي)) بأوسع من هذا؛ فلينظر هناك. إنتهى]- # وتسلطن [من] بعده ولده المنصور [عثمان - حسبما يأتي ذكره] ، [إن شاء الله ~~تعالى]-. # PageV02P163 ### $ الملك المنصور # أبو السعادات فخر الدين، عثمان [بن الملك الظاهر] . # تسلطن بعد أن خلع أبوه نفسه في يوم الخميس حادي عشرين المحرم سنة سبع ~~وخمسين وثمانمائة. # وهو [السلطان] الخامس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، والحادي عشر من ~~الجراكسة وأولادهم. # وأمه أم ولد رومية. وتسلطن وسنه دون العشرين [سنة] . وركب بشعار السلطنة ~~من قاعة الدهيشة عند اقتسام الساعة الثانية من النهار [المذكور] . # وكان الطالع [إذ ذاك برج] الحوت، والغارب [برج] السنبلة، والمتوسط [برج] ~~القوس، والساعة للمريخ، والقمر بالوجه الثالث من [برج] العقرب. # وحمل الأمير [الكبير] أينال العلائي القبة والطير على رأسه، ودقت ~~الكوسات. وتم أمره في السلطنة، وجلس على تخت الملك بالقصر من قلعة الجبل. # PageV02P164 # ثم عاد إلى سكنه بالحوش السلطاني من يومه؛ مراعاة لحياة أبيه، ثم باشر ~~أمور المملكة بنفسه، إلى أن توفى والده. # ووقعت الفتنة بينه وبين الأتابك أينال مع من وافقه من الأمراء على ذلك، ~~ووقع أمور ذكرناها مبسوطة في غير هذا المحل. # وكان ابتداء الفتنة بينهما من يوم الأثنين مستهل شهر ربيع الأول [من] سنة ~~سبع وخمسين [المذكورة] . # ودام القتال بين الفريقين في كل يوم. فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر ~~اجتمعت القضاة عند الأتابك أينال ببيت قوصون حيث كان جلوسه أيام القتال، ~~واتفقوا جميعا على خلع [الملك] المنصور عثمان [هذا] من السلطنة؛ فخلع، ~~وبويع الأتابك أينال باللفظ لا بالجلوس على [تخت الملك] ، ونودي بذلك في ~~شوارع القاهرة. # واستمر القتال بين الطائفتين في كل [يوم] ، إلى أن ملك الأتابك أينال ~~[القلعة بمن معه - قلعة الجبل -] في يوم الأحد قبيل العصر، وطلع الأتابك ~~[في وقته إلى باب السلسلة] ، وملك الإصطبل السلطاني. كل ذلك في عصر يوم ~~الأحد سابع [شهر] ربيع الأول [المذكور] . # PageV02P165 # وتسحب الملك المنصور من الإصطبل، وطلع إلى الدور السلطانية بقلعة الجبل، ~~وجلس ms186 بمكان، إلى أن أخذ منه، واحتفظ به بقاعة البحرة من الحوش السلطاني، ~~إلى يوم الأحد ثامن عشرين شهر ربيع الأول [المذكور] حمل مقيدا إلى ثغر ~~الأسكندرية. # وكان نزوله من [قلعة الجبل] إلى البحر في وقت الظهر من اليوم المذكور ~~راكبا على فرس مقيدا بمفرده، من غير أن يركب خلفه أو جاقى على [العادة، ~~والأمراء] والخاصكية حوله بسلاح وغير سلاح. # ونزلوا به من باب القرافة [ومروا به على المجراة إلى القرافة إلى البحر] ~~وأنزلوه من وقته بالحراقة؛ فسافر من يومه. # وكان مسفره خير بك الأشقر المؤيدي أمير آخور ثاني وجماعة من المماليك ~~السلطانية، إلى أن أوصلوه إلى الأسكندرية، وسجن بها إلى [سنة أربع وستين] . # PageV02P166 # ولما تسلطن [الملك] الظاهر خشقدم رسم باطلاقه من السجن، وأذن له بالسكنى ~~ببعض دور الأسكندرية؛ فنزل من البرج، وسكن ببعض الدور على أجمل وجه، وفعل ~~[بالملك العزيز] كذلك، ورسم لهما [معا] بالركوب [والنزول] . # وأرسل السلطان لهما فرسين بقماش ذهب، ثم بعد مدة - عند وفاة قانى باى ~~الجاركسي - أنعم [الملك] الظاهر خشقدم عليه بإمرة عشرة، وجعلها وقفا عليه ~~وعلى ذريته مصالحة عما ينوبه من ميراث عتقاء والده من الأمراء، لا من ~~الأجناد؛ لأن قانى باى الجاركسي أيضا كان يرثه الملك المنصور [هذا] ؛ لكونه ~~كان من عتقاء عمه جاركس القاسمي المصارع. # PageV02P167 ### $ [ذكر سلطنة الملك الأشرف أينال العلائي الناصري على مصر # السلطان] الملك الأشرف [سيف الدين أبو النصر، أينال العلائي الظاهري ثم ~~الناصري] . # وهو [السلطان] السادس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، ~~والثاني عشر من الجراكسة وأولادهم. # تسلطن بعد خلع [الملك] المنصور [عثمان] في صبيحة يوم الأثنين ثامن شهر ~~ربيع الأول [من] سنة سبع وخمسين وثمانمائة. # وأصل [الملك] الأشرف هذا جاركس الجنس جلبه خواجا علاء الدين إلى مصر؛ ~~فاشتراه [الملك] الظاهر برقوق، واشترى أيضا أخاه طوخ # -[وكان طوخ هو الأكبر؛ فأعتق طوخ]- # . ودام أينال [هذا] في الرق، إلى أن أعتقه [الملك] الناصر فرج، وجعله في ~~أواخر دولته خاصكيا. # PageV02P168 # ثم تأمر عشرة في دولة المظفر أحمد بن شيخ في سنة أربع ms187 وعشرين، ثم جعله ~~الأشرف برسباى أمير طبلخاناه ورأس نوبة. ثم صار بعد قانى باى البهلوان رأس ~~نوبة [ثاني] . ثم نقل إلى نيابة غزة بعد عزل تمراز القرمشي في يوم الثلاثاء ~~ثامن عشرين شوال سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، ثم نقله الأشرف برسباى لما ~~توجه إلى آمد في سنة ست وثلاثين إلى نيابة الرها؛ فدام بها، إلى أن عزله ~~[الأشرف] عنها بالأمير شاد بك الجكمى [في يوم الثلاثاء] سابع عشرين شوال ~~سنة سبع وثلاثين. # وقدم الأشرف هذا إلى مصر، على [إمرة مائة و] تقدمة ألف - وكانت بيده ~~زيادة على نيابة الرها -؛ فدام بمصر، إلى أن ولاه الملك الأشرف نيابة صفد ~~[في يوم الخميس عاشر رجب سنة أربعين، وذلك بعد عزل يونس الركني الأعور عن ~~نيابة صفد] ؛ فاستمر بصفد، إلى أن طلبه [الملك] الظاهر جقمق في سنة ثلاث ~~وأربعين إلى مصر، وأنعم عليه [بامرة مائة] وتقدمة ألف [بها] ؛ فلم تطل مدته ~~[حتى ولاه دوادارا كبيرا] بعد موت تغرى بردى البكلمشي المؤذي في يوم الخميس ~~ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وأربعين، فباشر الدوادارية، إلى أن نقله ~~[الملك] الظاهر جقمق إلى الأتابكية بعد موت [الأتابكي] يشبك السودوني المشد ~~في سنة تسع وأربعين [وثمانمائة] ؛ فدام أتابكا، إلى أن تسلطن بعد خلع الملك ~~المنصور [عثمان] . # وتم أمره في الملك، وطالت أيامه، وحسنت، لولا [ما شان سؤدده] أفعال ~~مماليكه الأجلاب. # PageV02P169 # واستمر في الملك، إلى أن مات في يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى بعد أن ~~خلع نفسه من الملك بيوم واحد. # وتسلطن ولده الملك المؤيد أحمد، وصلى عليه بباب القلة، ودفن من يومه قبيل ~~العصر بقبته التي بناها بمدرسته خارج القاهرة بالصحراء، وقد ناهز الثمانين ~~[من العمر] . # وكانت صفته: للسمرة أقرب، [طوالا] ، وبلحيته قلة؛ ولهذا كان يعرف ~~بالأجرود. وكانت مدة ملكه ثماني سنين وشهرين وستة أيام. # وكانت أيامه غرر [أيام] ؛ لقلة ظلمه، وعدم سفكه للدماء، ولتجاوزه عن ~~الذنوب والخطأ، إلا أنه لم يسلم من سؤ سيرة مماليكه، وإلا كان خير ملوك ~~الترك -[رحمه الله]- # PageV02P170 ### $ [ذكر سلطنة] الملك المؤيد ms188 شهاب الدين أبو الفتح، أحمد بن أينال [على مصر] # وهو [السلطان] السابع والثلاثون من ملوك الترك [وأولادهم، والثالث عشر من ~~الجراكسة وأولادهم] . # تسلطن في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى، الموافق لأول برمهات بعد ~~أذان الظهر، وذلك بعد خلع الملك الأشرف أينال نفسه من السلطنة، وجعل الأمر ~~في ولده [هذا] . # وكان الطالع وقت سلطنته السرطان، وصاحب الطالع السنبلة [وهو القمر، وقد ~~ذكرنا تحرير سلطنته في تاريخ الحوادث بأطول من هذا، إذ هو محل الإطناب في ~~الكلام] . # ولما تم أمره في الملك أخلع على الأمير خشقدم أمير سلاح باستقراره أتابك ~~العساكر، عوضا عن نفسه. # ثم أخذ في تدبير أمور المملكة، وعمل مصالحها، وساس الناس [أحسن] سياسة. # وسر الناس بسلطنته قاطبة، وأمنت السبل في أيامه، واطمأن كل أحد على نفسه ~~وماله، لاسيما لما قمع مماليك أبيه الأجلاب، ونهرهم عن أفعالهم القبيحة؛ ~~فخافوه، وانتهوا عن أفعالهم؛ فزاد سرور الناس به أضغاف سرورهم أولا. # PageV02P171 # وفرق النفقة في المماليك السلطانية جميعهم، ولم يفرق بين مملوك ولا غير ~~مملوك {} . # وبالجملة؛ فهو أحسن ملوك مصر وجها، ومعرفة، وحذقا، وتدبيرا، وسياسة؛ إلا ~~أنه لم يجد له معين ولا منصف، بل تحاملوا عليه، واتفقت جميع الطوائف على ~~خلعه، من غير أمر أوجب ذلك. # وما ذاك، إلا أنه كثير المحاسن، أهلا للسلطنة، والدهر لا ينصف مثل [ذلك] ~~، ولا يرفع إلا ناقصا كما هي عادته فيما نرى {} . # ولا زالوا يدبرون عليه حتى خلعوه من الملك، وسلطنوا عوضه الأتابك خشقدم. # وأقام بعد خلعه أياما بالقلعة، ثم حمل إلى الأسكندرية، وحبس بها، إلى أن ~~أخرجه الملك الظاهر تمربغا من السجن، ورسم له بالسكنى في أي دار شاء بثغر ~~الأسكندرية -[وقد ذكرنا أموره في تاريخنا الحوادث مستوفاة] . # وكانت مدة سلطنته [على مصر] أربعة أشهر وخمسة أيام، مرت كلمح البصر من ~~حسن أوقاتها -[وكان إنصافا من الظاهر تمربغا]- # PageV02P172 ### $ [ذكر سلطنة الملك الظاهر خشقدم على مصر. السلطان] الملك الظاهر (سيف الدين أبو سعيد، خشقدم) الناصري المؤيدي. # وهو [السلطان] الثامن والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، ~~والأول ms189 من الأروام - إن لم يكن أيبك التركماني والمنصور # لاجين من الأروام -. # تسلطن بعد [خلع] الملك المؤيد أحمد في يوم الأحد تاسع عشر [شهر] رمضان ~~سنة خمس وستين [وثمانمائة] بعد الزوال، ولبس خلعة السلطنة من مبيت الحراقة ~~بالإصطبل، وركب بأبهة الملك، وحمل القبة والطير على رأسه الأمير جرباش ~~المحمدي أمير سلاح. # وجلس على تخت الملك؛ فقبلت الأمراء الأرض بين يديه، ونودي في الحال باسمه ~~- وقد تلقب بالظاهر - ودقت البشائر. # ونشرع الأن في التعريف بذكره؛ فنقول: أصله رومي الجنس، جلبه خواجا ناصر ~~الدين - وبه كان يعرف بالناصري -؛ فاشتراه [الملك] المؤيد شيخ في سنة ست ~~عشرة وثمانمائة، أو في أواخر التي قبلها - هكذا ذكر لي من لفظه -[ثم أعتقه] ~~المؤيد، وصار خاصكيا في دولة المظفر أحمد بن شيخ بواسطة أغاته تغرى بردى ~~قريب قصروه. # PageV02P173 # ودام على ذلك دهرا طويلا، إلى أن تسلطن [الملك] الظاهر جقمق جعله ساقيا، ~~ثم أمره الظاهر عشرة في حدود سنة ست وأربعين، وجعله من جملة رءوس النوب؛ ~~فاستمر على ذلك إلى سنة خمسين نقله [الملك] الظاهر إلى تقدمة ألف بدمشق؛ ~~[فدام بدمشق] إلى أن تغير خاطر [الملك] الظاهر على الأمير تنبك حاجب الحجاب ~~بسبب عبد قاسم الكاشف الذي اشتهر بالصلاح، وأخرجه [إلى دمياط] بطالا. طلب ~~خشقدم هذا من دمشق بسفارة أبي الخير النحاس والأمير تمربغا الدوادار ~~الثاني، وأنعم عليه بتقدمة تنبك [المذكور] وبحجوبية الحجاب دفعة واحدة؛ ~~وذلك ببذل عشرة آلاف دينار - على ما قيل - وكان ذلك في صفر سنة أربع ~~وخمسين. # ودام على ذلك، إلى [أن] نقله الملك الأشرف أينال إلى إمرة سلاح؛ فدام على ~~ذلك دولة الأشرف أينال كلها، وسافر مقدم العساكر إلى بلاد [ابن] قرمان. # فلما تسلطن [الملك] المؤيد أحمد [بن أينال] جعله أتابك العساكر عوضا عن ~~نفسه، وذلك في يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأول سنة خمس وستين، فلم تطل ~~أيامه، وتسلطن بعد خلع المؤيد أحمد [المذكور] في التاريخ المقدم ذكره. # PageV02P174 # ولما تسلطن سر الناس بسلطنته، وما ذاك إلا لقطع جاذرة الجلبان، وأيضا ~~لمحاسنه؛ فإنه كان ms190 مليح الشكل، كبير اللحية أصهبها، قد شاب أكثرها، للطول ~~أقرب، مع رشاقة في قده، وهيف وحلاوة شكل، ومعرفة بفنون الفروسية كالرمح، ~~والنشاب، والمحمل، والكرة وغير ذلك. # وفيه حذق، وذوق، ومشاركة قليلة في علم القراءات بحسب الحال [وأبناء جنسه] ~~. # وبالجملة؛ أنه كن فيه محاسن، لولا طمع كان فيه وشح، وأفعال مماليكه ~~الأجلاب في المسلمين، تلك الأفعال القبيحة [الذي قد ذكر أكثرها في تاريخنا ~~الحوادث. و] بهذا المقتضى طلب الناس موته؛ وزوال دولته. # وفرح الناس بموته قاطبة، حتى اليهود والنصارى؛ فهم كانوا أكثر مظلمة مع ~~الأجلاب من المسلمين. # وليس محبته لمماليكه الأجلاب بعجيب، وإنما العجب أنه أقام نحو السنتين من ~~سلطنته ونحن نتحاكى معه أفعال أجلاب الأشرف أينال، وهو أعظم حاك عنهم، ثم ~~ينشئ [هو] بعد ذلك أجلابه ويرضى بأفعالهم مع عظم انكاره على من كان قبلهم! ~~. # قلت: وعظم الملك الظاهر خشقدم بآخره، وخافه الخاص والعام، إلى أن مرض، ~~وطال مرضه، [إلى أن مات] [بعد ظهر يوم السبت] عاشر ربيع الأول سنة إثنتين ~~وسبعين وثمانمائة. # PageV02P175 # [وكانت] مدة سلطنته ست سنين وستة أشهر [بنقص ثمانية] أيام. # وتسلطن بعده خجداشه [الأتابك يلباى الأينالى المؤيدي، ثم خلع، ثم تسلطن ~~الظاهر تمر بغا، ثم خلع، ثم تسلطن الأشرف قايتباي - كما سيأتي ذكرهم - إن ~~شاء الله تعالى]-. # PageV02P176 ### $ [ذكر سلطنة] الملك الظاهر أبو النصر، يلباى المؤيدي [على مصر] . # تسلطن في آخر نهار السبت - قبل الغروب بنحو درجتين - عاشر شهر ربيع الأول ~~إثنتين وسبعين وثمانمائة، وذلك [في] نهار موت الظاهر خشقدم. # ولم يركب بخلعة السلطنة؛ لضيق الوقت، بل تسلطن ولبس خلعة السلطنة بالقصر. # ودام بالقصر، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، وتلقب [بالملك الظاهر] [كما ~~كان لقب خشداشه الظاهر خشقدم] . # وأخلع على الأمير تمربغا [الظاهري أمير مجلس] بالأتابكية، [عوضا عن نفسه] ~~. # وتم أمره في الملك على أفحش [حال] ، وأبرد حركة، وأبعد موقع من النفوس. # وهو [السلطان] التاسع والثلاثون من ملوك مصر وأولادهم، والرابع عشر من ~~الجراكسة وأولادهم. # PageV02P177 # والتعرف به: أنه جلبه الأمير أينال ضضغ من بلاد الجاركس؛ فاشتراه المؤيد ~~شيخ ms191 منه [قبل العشرين وثمانمائة] ، وأعتقه، وصار خاصكيا بعد موته، ثم صار ~~ساقيا في دولة الظاهر جقمق، ثم تأمر عشرة، ثم صار أمير طبلخاناه لما مسك ~~الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباى، ثم صار مقدم ألف في دولة الأشرف ~~أينال، ثم حاجب الحجاب في دولة الظاهر خشقدم، ثم أمير آخور، ثم أمير كبير ~~بعد موت قانم في سنة واحد وسبعين؛ فدام على ذلك، إلى أن تسلطن بعد موت ~~الظاهر خشقدم. # ولما تسلطن يلباى هذا ضعف عن تدبير الملك وتنفيذ الأمور، وظهر عليه العجز ~~في أحوال المملكة بحيث أن ذلك ظهر لكل أحد. # وصارت أمور المملكة معذوفة بالأمير خير بك الدوادر، ثم لم يكفه ذلك حتى ~~أمسك الأمير قرقماس أمير سلاح، والأمير قلمطاى [رأس نوبة] ، والأمير أرغون ~~شاه أستادار الصحبة، وحبسهم بثغر الأسكندرية؛ فنفرت القلوب منه لذلك أكثر ~~ما كان أولا، وعلم كل أحد أنه ليس له في الملك إلا مجرد الأسم فقط، وأنه من ~~طلب منه أمرا يقول له: قل لخير بك؛ [حتى سمته] العامة: ((إيش كنت أنا؟ قل ~~له)) . # وتلاشى أمره في الملك، وخيفت السبل في أيامه، وكثرت الفتن بالبلاد ~~والنواحي قبليها وبحريها. # PageV02P178 # ولما فرق نفقة المماليك السلطانية لكل واحد مائة دينار منع الأمراء منها ~~قاطبة، وكذلك أولاد الناس والخدم والمتعممين؛ فانطلقت الألسن بالوقيعة فيه، ~~وساءت القالة في حقه، وأبغضته الناس. وزاد شر الأجلاب في أيامه. # ودام على ذلك، إلى أن حدثته نفسه في أخذ خير بك وخجداشيته؛ فدبر تدبيرا ~~ناقصا كان فيه تدميره وخلعه من الملك [بالملك] لظاهر تمربغا في يوم السبت ~~سابع جمادى الأول من سنة إثنتين وسبعين وثمانمائة. # فكانت مدة ملكه شهرين إلا أربعة أيام، ليس له فيها إلا مجرد الأسم فقط. # ولم نعلم أحدا من أكابر الملوك في السن ممن مسه الرق خلع من السلطنة في ~~أقل مدة منه، ولا أكبر سنا. # وبالجملة، إنه كان أشر ملوك الترك، وأقبحهم وجها وأفعالا، وكانت أيامه ~~أيضا أشر أيام مع قصرها. # ولما خلع من السلطنة حبس بقاعة البحرة، إلى ms192 ليلة الثلاثاء عاشر جمادى ~~الأول من السنة المذكورة، حمل في النيل إلى سجن الأسكندرية - ومسفره قانصوه ~~اليحياوي الظاهري المستقر في نيابة الأسكندرية - عوضا عن كسباى المؤيدي -؛ ~~فدام في السجن، إلى أن مرض في العشر الأخير من صفر سنة ثلاث وسبعين ~~وثمانمائة [أياما] ، ومات في ليلة الأثنين أول شهر ربيع الأول، ودفن بثغر ~~الأسكندرية من الغد، وقد جاوز السبعين من العمر. # PageV02P179 # وكان [ملكا] ضخما، رئيسا، وعنده وقار وحشمة، مع عدم معرفة، وبخل، وقلة ~~تجمل في ملبسه ومركبه، وحاشيته ومماليكه، يقتنى من كل شيء أوحشه وأرخصه، ~~جماع للأموال؛ جمع مالا كثيرا في أيام جنديته وإمرته، ذهب منه غالبه بعد ~~خلعه من السلطنة؛ فإنه أخذ من خازنداره نقدة واحدة [نحوا من خمسين] ألف ~~دينار. وهذا خارجا عن بركه وخيوله وجماله، [والذي] ذهب له من القماش في ~~سلطنته. # وكان مسعودا في جنديته وإمرته، إلى يوم تسلطن زال سعده، وأخذ أمره في ~~إدبار، إلى أن مات. # أعرفه من أيام جنديته إلى [أيام سلطنته] . وكان يعرف بيلباى تلى - أي ~~مجنون -. # PageV02P180 ### $ [ذكر سلطنة] الملك الظاهر أبو سعيد، تمربغا الظاهري [على مصر] . # وهو السلطان الذي تكمل به [عدة] أربعين ملكا من ملوك الترك وأولادهم ~~بالديار المصرية، والثاني من الأروام - إن لم يكن المعز أيبك التركماني ~~[والملك] المنصور [لاجين] منهم -. # تسلطن بعد خلع الملك الظاهر يلباى - المقدم ذكره - في باكر نهار السبت ~~سابع جمادى الأول - الموافق لثامن كيهك - سنة إثنتين وسبعين وثمانمائة. # وكان وقت سلطنته الثانية من النهار، والساعة للمشتري، والطالع الجدي ~~[وزحل] . # وتم أمره في البيعة، وتلقب [بالملك الظاهر]- وهو ثالث ظاهر، لقبوا واحدا ~~بعد واحد، لم يكن بينهم غيرهم، وهذا من النوادر -. # وكان لبسه لخلعة السلطنة من مبيت الحراقة بالإصطبل السلطاني، وركب فرس ~~النوبة من سلم الحراقة وعليه أبهة السلطنة: السواد الخليفتي. وركب الخليفة ~~أمامه، ومشت الأمراء وأعيان المملكة بين يديه، وحمل السنجق على رأسه الأمير ~~قايتباى المحمودي الظاهري رأس نوبة النوب، وحمل السنجق على رأسه إنما هو ~~لفقد القبة والطير من الزردخاناه السلطانية في واقعة يلباى. # PageV02P181 # [وسار ms193 الملك الظاهر في موكب السلطنة، إلى أن طلع] من باب القصر. # ودخل إلى القصر وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، ونودي ~~باسمه وسلطنته بشوارع القاهرة. وسر الناس بسلطنته سرورا زائدا تشارك فيه ~~الخاص والعام، حتى قال بعضهم: ((نعد ذلك من نوع الفرج بعد الشدة)) ؛ وما ~~ذلك إلا لزوال يلباى عنهم، وسلطنة هذا الرجل الذي اجتمعت الناس على عقله، ~~ومعرفته، وفضله، وعلمه، ودينه، وما اشتمل عليه من المحاسن [كلها] ، والجمع ~~بيني فنون العلم والفروسية والذكاء والفصاحة وحسن اللفظ في الخطاب، والتؤدة ~~في الكلام، والأدب الزائد، وطلاقة الوجه، وحسن الشكل. # وبالجملة؛ إنه لم يل سلطنة مصر قديما ولا حديثا من يشبهه، ولا يقاربه، ~~ولا يدانيه. وما أقول ذلك في الأفضلية ولا في الصلاح، وإنما أقول في ~~المعرفة والحذق والجمع لفنون السيادة [وأنواع الكمال] ؛ لأن من محاسنه أنه: ~~يعمل القوس بيده ويصنعه في أحسن عمل، وكذلك النشاب، ثم يرمي بهما رميا. ~~إنتهت إليه فيه الرئاسة على جميع أهل زمانه، وقس على هذا # -[وقد ذكرنا من أحواله نبذة كبيرة في تاريخنا ((النجوم الزاهرة في ذكر ملوك مصر والقاهرة)) ؛ إذ هو محل الاطناب في ذكر ملوك مصر، وذكرناه أيضا في تاريخنا الحوادث]- # ، ولكنه مع هذه المحاسن لم يصف له الدهر ولا لقى معينا لرفع يد خير بك ~~[عنه ولا] الأجلاب. # ولازال يدافع عن نفسه بما هو الأخف وبالإحسان، إلى أن وثب عليه خير بك ~~[المذكور] في ليلة الأثنين سادس رجب، وقبض عليه، وحبسه بالقلعة. # وسمع الأتابك قايتباى بذلك؛ فركب في الليل، وقام بنصرته، إلى أن انتصر ~~على خير بك. فلما رأى خير بك أمره تلاشى أطلق [الملك] الظاهر تمربغا، ~~واستجار به؛ فأجاره الملك الظاهر. # PageV02P182 # ولما تمت الوقعة وطلع الأتابك [قايتباى] إلى الإصطبل السلطاني حسن له ~~أصحابه الوثوب على الأمر؛ فامتنع من ذلك، فما زالوا به حتى أذعن. وخلع ~~[الملك الظاهر] تمربغا [هذا] وتسلطن عوضه؛ [فكان ذلك] في باكر نهار الأثنين ~~سادس رجب من سنة إثنتين وسبعين [المذكورة] . # فكانت مدة ملكه شهرين إلا يوما ms194 واحدا. # وأقام بعد خلعه بالبحرة، إلى ليلة الأربعاء [ثامنه] سفر إلى ثغر دمياط؛ ~~ليقيم به على أحسن وجه، وكان سفره أيضا إلى دمياط في النيل وليس معه مسفر ~~من الأمراء. [هذ] بعد أن أمعن السلطان في إكرامه واحترامه ووداعه، واعتذر ~~إليه عن وثوبه [على السلطان] . # وقبل [الملك] الظاهر تمربغا عذره وشكره على [ما] فعله معه [من إكرامه له] ~~، وتفارقا على ذلك. # وبالجملة؛ إنه لم يقع لملك بعد خلعه من السلطنة من الإكرام ما وقع له. # وأما التعريف به: فهو رومي الجنس -[كما تقدم]- # من مماليك الظاهر جقمق وعتقائه، رباه صغيرا، واختص به، ورقاه، إلى أن ~~جعله خاصكيا، ثم سلاح دار، ثم خازندار، ثم دوادارا ثانيا. # ثم صار في دولة ولده [الملك] المنصور دوادارا كبيرا، ثم امتحن بعد خلع ~~المنصور، وحبس نحو ست سنين، [ثم أخرج إلى مكة؛ فأقام بها # PageV02P183 # زيادة على سنتين] ، إلى أن قدم القاهرة في أول دولة [الملك] الظاهر ~~خشقدم؛ [فأنعم عليه] [بإمرة مائة] وتقدمة ألف، وجعله رأس نوبة [النوب] ، ثم ~~نقله إلى إمرة مجلس، ثم صار في دولة الظاهر يلباى أتابك العساكر، إلى أن ~~تسلطن بعد يلباى - كما تقدم ذكره -. # واستمر بثغر دمياط بخدمه وحشمه على أحسن حال، [إلى أن جاءه محمد بن عجلان ~~شيخ العرب بالشرقية - كان - وأخذه وراح إلى غزة المحروسة على أنه يتفق مع ~~نواب المملكة الشامية وغيرهم على أمر يفعله؛ فبلغ خبره المقام الشريف ~~قايتباى - نصره الله تعالى - ففي الحال أرسل المراسيم الشريفة صحبة ~~الهجانة؛ فأسرعوا إلى طلبه؛ فمسك بغزة المحروسة وعادو به؛ فبرز أمر المقام ~~الشريف للأمير يشبك من مهدي الدوادار الكبير أن يتوجه بتمربغا إلى الثغر ~~السكندري؛ فامتثل ذلك، وتوجه به، ودخل من باب رشيد من بين السورين إلى وسط ~~دار النائب؛ فتسلمه وأدخله البرج موثوقا به - وكان للأمير يشبك زينة عظيمة ~~بالأسكندرية -. # ثم بعد ذلك أنعم المقام الشريف على تمربغا بأن يركب ويسير ويتفرج؛ فامتحن ~~تمربغا بالصيد، والمتجر، والعمارة، إلى أن جاءه هادم اللذات ومفرق الجماعات ~~وسقى كأس الحمام. وهذا ما ms195 تيسر من خبره والسلام] . # PageV02P184 ### $ [ذكر سلطنة] [السلطان] الملك الأشرف [أبو النصر] ، قايتباى [المحمودي] الظاهري [على مصر] . # وهو [السلطان] الحادي والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. # ونسبته بالمحمودي إلى جالبه، وبالظاهري إلى معتقه [الملك] الظاهر جقمق. # وهو جاركسي الجنس، جلبه خواجا محمود إلى مصر؛ فاشتراه منه [الملك] الأشرف ~~برسباى في سنة تسع وثلاثين، ثم نقل من بعده إلى [الملك] الملك الظاهر جقمق؛ ~~فأعتقه، وجعله خاصكيا، ثم دوادارا صغيرا، ثم صار أمير عشرة في دولة [الملك] ~~الأشرف أينال، ثم صار أمير طبلخاناه وشاد الشراب خاناه في [أول] دولة ~~[الملك الظاهر] خشقدم، ثم نقل بعد سنين إلى إمرة مائة و] تقدمة ألف، ثم صار ~~رأس نوبة النوب في سلطنة] الملك] الظاهر يلباى، ثم أتابكا في دولة [الملك] ~~الظاهر تمربغا. # PageV02P185 # ثم تسلطن [بعد خلع تمر بغا] في يوم الأثنين سادس [شهرا] رجب [من] سنة ~~إثنتين وسبعين وثمانمائة. PageV02P186 ms196